Verse. 629 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اٰمِنُوْا بِاللہِ وَرَسُوْلِہٖ وَالْكِتٰبِ الَّذِيْ نَزَّلَ عَلٰي رَسُوْلِہٖ وَالْكِتٰبِ الَّذِيْۗ اَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ۝۰ۭ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِاللہِ وَمَلٰۗىِٕكَتِہٖ وَكُتُبِہٖ وَرُسُلِہٖ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰلًۢا بَعِيْدًا۝۱۳۶
Ya ayyuha allatheena amanoo aminoo biAllahi warasoolihi waalkitabi allathee nazzala AAala rasoolihi waalkitabi allathee anzala min qablu waman yakfur biAllahi wamalaikatihi wakutubihi warusulihi waalyawmi alakhiri faqad dalla dalalan baAAeedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا» داوموا على الإيمان «بالله ورسوله والكتاب الذي نزَّل على رسوله» محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن «والكتاب الذي أنزل من قبل» على الرسل بمعنى الكتب، وفي قراءة بالبناء للفاعل في الفعلين «ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا» عن الحق.

136

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي مسائل: المسألة الأولى: في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنها متصلة بقوله: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ } وذلك لأن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية، وثانيهما: أنه تعالى لما بيّـن الأحكام الكثيرة في هذه السورة ذكر عقيبها آية الأمر بالإيمان. المسألة الثانية: أعلم أن ظاهر قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } مشعر بأنه أمر بتحصيل الحاصل، ولا شك أنه محال، فلهذا السبب ذكر المفسرون في وجوهاً وهي منحصرة في قولين: الأول: أن المراد بقوله تعالى: {يا أيهاٱلَّذِينَ آمنوا} المسلمون، ثم في تفسير الآية تفريعاً على هذا القول وجوه: الأول: أن المراد منه يا أيها الذين آمنوا آمنوا دوموا على الإيمان واثبتوا عليه، وحاصله يرجع إلى هذا المعنى: يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل، ونظيره قوله {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 19] مع أنه كان عالماً بذلك. وثانيها: يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال. وثالثها: يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجميلة آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية. ورابعها: يا أيها الذين آمنوا بالدلائل التفصيلية بالله وملائكته وكتبه ورسله آمنوا بأن كنه عظمة الله لا تنتهي إليه عقولكم، وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا تنتهي إليها على سبيل التفصيل عقولنا. وخامسها: روي أن جماعة من أحبار اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما بما سواه من الكتب والرسل، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل آمنوا بالله وبرسله وبمحمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله، فقالوا: لا نفعل، فنزلت هذه الآية فكلهم آمنوا ".تفسير : القول الثاني: أن المخاطبين بقوله {ءامَنُواْ } ليس هم المسلمون، وفي تفسير الآية تفريعاً على هذا القول وجوه: الأول: أن الخطاب مع اليهود والنصارى، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن. وثانيها: أن الخطاب مع المنافقين، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب، ويتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْوٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } تفسير : [المائدة: 41] وثالثها: أنه خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا وجه النهار آمنوا أيضاً آخره. ورابعها: أنه خطاب للمشركين تقديره: يا أيها الذين آمنوا بالّلات والعزى آمنوا بالله، وأكثر العلماء رجّحوا القول الأول لأن لفظ المؤمن لا يتناول عند الإطلاق إلا المسلمين. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ } على ما لم يسم فاعله، والباقون (نزل وأنزل) بالفتح، فمن ضم فحجته قوله تعالى: {لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } وقال في آية أخرى {أية : وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ } تفسير : [الأنعام: 114] ومن فتح فحجته قوله {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } وقوله {وَأَنزَلْنَا ٱلذّكْرِ } وقال بعض العلماء: كلاهما حسن إلا أن الضم أفخم كما في قوله {أية : وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ } تفسير : [هود: 44]. المسألة الرابعة: اعلم أنه أمر في هذه الآية بالإيمان بأربعة أشياء: أولها: بالله، وثانيها: برسوله، وثالثها: بالكتاب الذي نزل على رسوله، ورابعها: بالكتاب الذي أنزل من قبل، وذكر في الكفر أموراً خمسة: فأولها: الكفر بالله، وثانيها: الكفر بملائكته، وثالثها: الكفر بكتبه، ورابعها: الكفر برسله، وخامسها: الكفر باليوم الآخر. ثم قال تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب، وفي مراتب الكفر قَلَبَ القضية؟ الجواب: لأن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق كان الكتاب مقدماً على الرسول وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدماً على الكتاب. السؤال الثاني: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسول وبالكتب، وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة: الكفر بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر. والجواب: أن الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب متى حصل فقد حصل الإيمان بالملائكة واليوم الآخر لا محالة، إذ ربما ادعى الإنسان أنه يؤمن بالله وبالرسل وبالكتب، ثم إنه ينكر الملائكة وينكر اليوم الآخر، ويزعم أنه يجعل الآيات الواردة في الملائكة وفي اليوم الآخر محمولة على التأويل، فلما كان هذا الاحتمال قائماً لا جرم نص أن منكر الملائكة ومنكر القيامة كافر بالله. السؤال الثالث: كيف قيل لأهل الكتب {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } مع أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة والإنجيل بل مؤمنين بهما؟ والجواب عنه من وجهين: الأول: أنهم كانوا مؤمنين بهما فقط وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب، فأمروا أن يؤمنوا بكل الكتب المنزلة، الثاني: أن إيمانهم ببعض الكتب دون البعض لا يصح لأن طريق الإيمان هو المعجزة، فإذا كانت المعجزة حاصلة في الكل كان ترك الإيمان بالبعض طعناً في المعجزة، وإذا حصل الطعن في المعجزة امتنع التصديق بشيء منها، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {أية : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً } تفسير : [النساء: 150، 151 ]. السؤال الرابع: لم قال {نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَأَنزَلَ مِنَ قَبْلُ }. والجواب: قال صاحب «الكشاف»: لأن القرآن نزل مفرقاً منجماً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله. وأقول: الكلام في هذا سبق في تفسير قوله تعالى: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ } تفسير : [آل عمران: 3، 4]. السؤال الخامس: قوله {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } لفظ مفرد، وأي الكتب هو المراد منه؟ الجواب: أنه اسم جنس فيصلح للعموم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} الآية. نزلت في جميع المؤمنين؛ والمعنى: يا أيها الذين صدّقوا أقيموا على تصديقكم وٱثبتوا عليه. {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي القرآن. {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} أي كل كتاب أنزل على النبيين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «نُزِّل» و {أُنْزِلَ} بالضم. الباقون «نَزَّلَ» و «أَنْزَلَ» بالفتح. وقيل؛ نزلت فيمن آمن بمن تقدّم محمداً صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السَّلام. وقيل: إنه خطاب للمنافقين؛ والمعنىٰ على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لِلَّه. وقيل: المراد المشركون؛ والمعنى يا أيها الذين آمنوا بالّلات والعُزى والطاغُوت آمنوا بالله؛ أي صدِّقوا بالله وبكتبه.

البيضاوي

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خطاب للمسلمين، أو للمنافقين، أو لمؤمني أهل الكتاب إذ روي: أن ابن سلام وأصحابه قالوا يا رسول الله: إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه. فنزلت. {آمِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} اثبتوا على الإِيمان بذلك وداوموا عليه، أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم، أو آمنوا إيماناً عاماً يعم الكتب والرسل، فإن الإِيمان بالبعض كلا إيمان والكتاب الأول القرآن والثاني الجنس. وقرأ نافع والكوفيون: {ٱلَّذِي نَزَّلَ} و {ٱلَّذِي أَنزَلَ} بفتح النون والهمزة والزاي، والباقون بضم النون والهمزة وكسر الزاي. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي ومن يكفر بشيء من ذلك. {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل، وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] أي: بصرنا فيه، وزدنا هدى، وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله؛ كما قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} يعني: القرآن، {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ} وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: نزّل؛ لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع، بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة، فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ}، ثم قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ } داوموا على الإيمان {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى أَنَزَلَ مِن قَبْلُ } على الرسل بمعنى (الكتب) وفي قراءة بالبناء للفاعل في الفعلين [نزّل أنزل]{وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٱئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلاً بَعِيداً } عن الحدق.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} فإن قيل فكيف قيل لهم {ءَامِنُواْ} وحُكِي عنهم أنهم آمنوا؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطاباً ليهود والنصارى. الثاني: معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم، وتكون خطاباً للمنافقين. والثالث: معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم، ويكون هذا خطاباً للمؤمنين، وهذا قول الحسن.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس فيما خوطب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله} فقالت فرقة: الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى من أهل الكتابين، أي: يا من قد آمن بنبي من الأنبياء، آمن بمحمد عليه السلام ورجح الطبري هذا القول: وقيل: الخطاب للمؤمنين على معنى: ليكن إيمانكم هكذا على الكمال والتوفية بالله تعالى وبمحمد عليه السلام وبالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ومضمن هذا الأمر الثبوت والدوام، وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ليكن إيمانكم حقيقة على هذه الصورة، وقرأ ابو عمرو وابن كثير وابن عامر، "نُزِّل" بضم النون وكسر الزاي المشددة على ما لم يسم فاعله، وكذلك قرؤوا "والكتاب الي أُنزل من قبل" بضم الهمزة وكسر الزاء على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون "نَزل وأنزل" بفتح النون والزاي وبفتح الهمزة في "أَنزل" على إسناد الفعلين إلى الله تعالى، وروي عن عاصم مثل قراءة أبي عمرو، {والكتاب} المذكور أولاً هو القرآن، والمذكور ثانياً هو اسم جنس لكل ما نزل من الكتاب، وقوله تعالى: {ومن يكفر بالله} إلى آخر الآية وعيد وخبر، مضمنة تحذير المؤمنين من حالة الكفر. واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري هذا القول، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت {أية : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} تفسير : [آل عمران:72] وقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات. قال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية، وإنما توجد هذه الصفة في شخص من المنافقين، لأن الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر وتأمل قوله تعالى: {لم يكن الله ليغفر لهم} فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء محتوم عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا وليست هذه العبارة مثل أن يقول: لا يغفر الله لهم، بل هي أشد، وهي مشيرة إلى استدراج من هذه حاله وإهلاكه، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه، وأن يكون من هؤلاء، وكل من كفر كفراً واحداً ووافى عليه فقد قال الله تعالى: إنه لا يغفر له، ولم يقل {لم يكن الله ليغفر له} فتأمل الفرق بين العبارتين فإنه من دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله {لم يكن الله} حكم قد تقرر عليهم في الدنيا وهم أحياء.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بمن تقدم من الأنبياء. {ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} خطاب لليهود، أو للمنافقين، يا أيها الذين آمنوا بأفواههم آمنوا بقلوبكم، أو للمؤمنين يا أيها الذين آمنوا دوموا على إيمانكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: اختُلِفَ من المخاطَبِ بهذه الآية: فقيل: الخطابُ للمؤمنين، ومضمَّنُ هذا الأمرِ الثبوتُ والدوامُ، وقالتْ فرقةٌ: الخطابُ لأَهل الكتابَيْن، ورجَّحه الطبريُّ، وقيل: الخطابُ للمنافِقِينَ، أي: يأيها الَّذين آمنوا في الظَّاهِرِ، لِيكُنْ إيمانكم حقيقةً. وقوله سبحانه: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ...} إلى آخر الآية: وعيدٌ، وخبر مضمَّنه تحذيرُ المؤمنين مِنْ حالَةِ الكُفْر.

ابن عادل

تفسير : في اتَّصال هذه الآية بما قَبْلَها وَجْهَان: أحدُهما: أنَّها مُتِّصِلةٌ بقوله: {أية : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [النساء: 135] لأن الإنْسان لا يكون قَائِماً بالقِسْط، إلا إذا كان راسخاً في الإيمان بالأشْيَاء المَذْكُورة في هَذِه الآيَة. الثاني: أنه - تعالى - لمَّا بين الأحْكَام الكَثِيرة في هَذِه السُّورة، ذكر عَقِيبَهَا الأمر بالإيمانِ، وفي هذا الأمْر وُجُوه: أحدُها: قال الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ: نزلت هذه الآيَة في عَبْد اللَّه ابن سلام، وأسد وأسَيْد ابْنَيْ كَعْب، وثَعْلَبَة بن قَيْس، وسلام ابن أُخْت عَبْد الله بن سلام، وسلَمة ابن أخِيه، ويامِين بن يَامِين، فَهُؤلاء مُؤمِنُو أهْل الكِتَاب أتوا رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنَّا نُؤمِنُ بك، وبِكتابِك، وبِمُوسى، [والتَّوْرَاة] وبِعُزَيْر، ونكفر بما سِوَاه من الكُتُب والرُّسُل، فقال لهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "بل آمِنُوا باللَّه، ورسُوله محمَّد، والقُرْآن، وبكل كِتَابٍ قَبْلَه" فقالوا: لا نَفْعَل، فأنزل اللَّه: {يا أيها الذين آمنوا} يعني: بمحمّد [والقُرآن] وبموسى والتَّوْرَاة، {آمنوا بالله ورسوله}: محمد {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ}: من التَّوْراة، والإنْجِيل، والزَّبُور، وسائر الكُتُب؛ لأن المراد بالكِتَاب الجنس. وقيل: الخِطَاب مع المُنَافِقِين، والتَّقْدير: يأيُّهَا الذين آمَنُوا باللِّسان، آمنوا بالقَلْب، ويؤيده قوله - تعالى -: {أية : مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} تفسير : [المائدة: 41]. وقيل: خِطَاب مع الَّذِين آمَنُوا وَجْه النَّهَار، وكَفَرُوا آخِره، والتقدير: يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا وجْه النَّهارِ، آمنوا آخِره. وقيل: الخطاب للمُشْرِكين، تقديره: يأيُّها الذين آمَنُوا باللاَّتِ والعُزَّى، آمِنُوا. وقيل: المعنى: يأيها الذين آمَنُوا، دُومُوا على الإيمان، واثْبُتُوا عليْه، أي: يأيُّها الذين آمَنُوا في المَاضِي والحَاضِر، آمِنُوا في المُسْتَقْبَل؛ كقوله: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [محمد: 19] مع أنه كان عَالِماً بذلك. وقيل: المُراد بـ "الذين آمَنُوا": جميع النَّاس، وذلك يوم أخذ عَلَيْهم المِيثَاق. وقيل: يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا على سبيل التَّقْلِيدِ، آمِنُوا على سبيل الاسْتِدْلاَل. وقيل: يا أيها الَّذِين آمَنُوا بِحَسَب الاسْتِدْلاَلات الإجْمَاليَّةِ، آمِنُوا بحسَبِ الدَّلائل التَّفْصيليَّة. وقرأ نافعُ والكوفيون: {والكتاب الَّذِي نزَّل على رَسُوله والكِتَاب الذي أنْزل من قبل} على بناء الفِعْليْن للفَاعِل، وهو الله - تعالى -، [وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو:] على بنائهما للمَفْعُول، والقائمُ مقامَ الفَاعِل ضَمِير الكِتَاب. وحُجَّة الأوَّلِين: قوله - تعالى -: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9]، وقوله {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} تفسير : [النحل: 44]، وحجة الضم: قوله - تعالى -: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44]، وقوله: {أية : يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ [مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ]} تفسير : [الأنعام: 114]. قال بعض العلماء: كلاهما حَسَن، إلا أن الضَّمَّ أفْخَمُ، كقوله: {أية : وَقِيلَ يَٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ} تفسير : [هود: 44]. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قُلْتَ [لِمَ] قال: {نَزَّل على رسُوله}، و{أَنزَلَ مِن قَبْل}؟. قلت: "لأنَّ القرآن نَزَل مُنَجَّماً مفرَّقاً في عِشْرِين سَنَة، بخلاف الكُتُب قَبْله"، وقد تَقَدَّم البَحْث معه في ذَلِكَ، عند قوله - تعالى -: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ} تفسير : [آل عمران: 3] وأن التَّضْعِيف في "نزَّلَ" للتَّعْدِية، مرادفٌ للهَمْزَة لا للتَّكْثِير. فصل اعلم: أنه [تعالى] أمَرَ في هذه الآيَة بالإيمَانِ بأرْبَعة أشْيَاء: أوّلها: بالله. وثانيها: برسوله. وثالثها: بالكتاب الذي نزَّل على رسُوله. ورابعها: [بالكتاب الَّذِي أنْزَل من قَبْل. وذكر في الكُفْر أمُوراً خَمْسةً: أولها: الكُفْر باللَّه. وثانيها: الكُفْر بملائِكَتِهِ. وثالثها: الكُفْر بكُتُبِه]. ورابعها: الكُفْر برسُله. وخامسها: الكُفْر باليوم الآخر. ثم قال: {فقد ضل ضلالاً بعيداً} وهاهنا سُؤالات: السُّوال الأوَّل: لِمَ قدَّم في مراتب الإيمانِ ذكر الرَّسُول على ذكر الكِتَابِ، وفي مراتب الكُفْر قَلَب القضيَّة؟. والجواب: لأن في مرتبة النُّزُول من الخَالِق إلى الخَلْق كان الكتاب مقدماً على الرسول، وفي مرتبه العُرُوج من الخَلْق إلى الخَالِقِ، يكُون الرَّسُول مُقَدَّماً على الكِتَاب. السُّؤال الثَّاني: لِمَ ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله، وبالرسل، وبالكتب، وذكر في مَرَاتِب الكُفْر [أموراً خَمْسَة: الكُفْر] باللَّه، وبالملائكة، وبالرُّسُل، [وبالكُتُب]، وباليَوْم الآخِر؟. والجواب: لأنَّ الإيمان [باللَّه و] بالرُّسُل، وبالكُتُب متى حَصَل، فقد حَصَل الإيمان بالملائِكَة، وباليوم الآخر لا مَحَالَة، إذ رُبَّما ادّعى الإنْسَان أنه يُؤمِن باللَّه، وبالرُّسُل، وبالكُتُب، ثم إنَّه يُنْكِرُ الملائكة، وينكر اليَوْم الآخر، ويزعم أنَّ الآيات الوَارِدَة في المَلائكة وفي اليوم الآخر، مَحْمُولَة على التَّأوِيل. فلما احتمل هذا؛ لا جرم نصَّ على أن مُنْكِر المَلاَئِكَة، ومنكر اليَوْم الآخِر، كافرٌ باللَّه. السؤال الثالث: كيف قِيلَ لأهلِ الكِتَاب: {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} مع أنهم كانوا مُؤمنين بالتوراة والإنجيل؟. والجواب: ما تقدَّم من أن المراد بالكِتَاب: الجنس، فأمِرُوا أن يُؤمِنُوا بكل الكُتُب؛ لأنَّهم لم يُؤمِنُوا بكُلِّها؛ كما قالوا: نُؤمِنُ بِبَعْضٍ ونكْفُر ببعضٍ، وأما قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} ليس جواباً للأشياء المَذْكُورة، بل المعنى: ومنْ يكْفُرْ بواحدٍ مِنْهَا.

السيوطي

تفسير : أخرج الثعلبي عن ابن عباس،‏حديث : أن عبد الله بن سلام، وأسداً وأسيدا ابنَيْ كعب، وثعلبة بن قيس، وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏: "يا رسول الله إنا نؤمن بكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله، فقالوا‏:‏ لا نفعل‏.‏ فنزلت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل‏} ‏ قال‏:‏ فآمنوا كلهم". ‏ تفسير : ‏وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ يعني بذلك أهل الكتاب، كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل، وأقروا على أنفسهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث الله رسوله، دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق، فمنهم من صدق النبي واتبعه، ومنهم من كفر‏. ‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 136]. سُئل فارس ما معنى هذه الآية وليس فى ظاهرها التجريد، قال: التجريد إنما يقع بلسان السر من جهة موافقة الحق، ومعنى الآية {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} يريد تكرار الإيمان. وقال بعضهم فى قوله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}: أى يَا أيُّها المدعون تجريد الإيمان فى من غير واسطة، لا سبيل لكم إلى الوصول إلى غير التجريد إلا بقبول الوسائط واتباعهم آمنوا بالله ورسوله.

القشيري

تفسير : يا أيها الذين آمنوا من حيث البرهان آمِنوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث الكشف والعيان. ويقال يا أيها الذين آمنوا تصديقاً آمنوا تحقيقاً بأن نجاتكم بفضله لا بإيمانكم. ويقال يا أيها الذين آمنوا في الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل. ويقال يا أيها الذين آمنوا وراء كل وصل وفصل ووجد وفقد. ويقال يا أيها الذين آمنوا باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا أنختم بعقوة الوصول، واستمكنت منكم حيرة البديهة وغلبات الذهول ثم أفقتم عن تلك الغيبة فآمنوا أن الذي كان غالباً عليكم كان شاهد الحق لا حقيقة الذات فإن الصمدية منزهة متقدسة عن كل قرب وبعد، ووصل وفصل.

البقلي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا بلسان الحقيقة خاطب المريدين الذين أمنوا بالمقامات والكرامات والمكاشفات والمشاهدات فى بدور الارادة مطلقا بغير المباشرة فاذا وقعوا فى مسالك الحقائق راؤ احام الغيب وسمعوا صاوات الالهام من هواتف الملكوت واضرطروا عند معارضة النفوس ايها المدعون فى بدايتكم بالايمان على حقائق الطريقة اثبتوا بنعت الايقان فى محل الامتحان عند كشوف اسرار الغيب وايقنوا ان ما سمعتم من خطاب الاسرا فهو كلامى على لسان تلك الهواتف وايضا هذا خطاب الا كابر اى ايها العارفون اعرفونى فان ما وصلكم من معرفتى فهو يؤولكم الى النكرة ومن ظن منكم انه بلغ الى حقيقة المعرفة اخطا الطريق فانى ممتنع بعزتى وجلالى عن مطالعة الخليقة وجود قدمى وارجعوا من تفردكم عند افراد كم القدم عن الحدوث الى الوسائط يعنى الايمان بالرسول فانه حادث يكون محل الحوادث وساحة الكبرياء منزه عن الايمان والكفر سئل فارس ما معنى هذه الاية وليس فى ظاهرها التجريد قال التجريد انما يقع بلسان السر من جهة هواتف --ومعنى الأية أمنوا بالله وقوله برسوله يريد تكرار الايمان وقيل اى ايها المدعون تجريد الايما بى من غير واسطة لا سبيل لكم الى الوصول الى عين التجريد الا بقبول الوسائط قال الاستاد يا أيها الذين امنوا باستعمال ادلة العقول أمنوا اذا اتحتم بعفوه الوصول و استمكن منكم حيرة البديهة وغليات الذهول ثم افقتم عن تلك الغيبة فاموا ان الذى كان غالبا عليكم كان شاهدا الحق لا حقيقة الذات فان الصمدية ممتنعة مقدسة عن كل قريب وبعد وصل وفصل.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} خطاب لكافة المسلمين {آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى انزل من قبل} اى اثبتوا على الايمان بذلك ودوموا عليه وازدادوا فيه طمأنينة ويقينا او آمنوا بما ذكر مفصلا بناء على ان ايمان بعضهم اجمالى. فان قلت لم قيل نزل على رسوله وانزل من قبل. قلت لان القرآن نزل منجما مفرقا بخلاف الكتب قبله فالمراد بالكتاب الاول القرآن وبالثانى الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى {وكتبه} وبالايمان به الايمان بان كل كتاب من تلك الكتب منزل منه على رسول معين لارشاد امته الى ما شرع لهم من الدين بالاوامر والنواهى لكن لا على ان يراد الايمان بكل واحد من تلك الكتب بل خصوصية ذلك الكتاب ولا على ان احكام تلك الكتب وشرائعها باقية بالكلية ولا على ان الباقى منها معتبر بالاضافة اليها بل على ان الايمان بالكل مندرج تحت الايمان بالكتاب المنزل على رسوله وان احكام كل منها كانت حقة ثابتة الى ورود نسخها وان ما لم ينسخ منها الى الآن من الشرائع والاحكام ثابتة من حيث انها من احكام هذا الكتاب الجليل المصون عن النسخ والتبديل. وقيل الخطاب للمنافقين كانه قيل يا ايها الذين آمنوا نفاقا وهو ما كان بالالسنة فقط آمنوا اخلاصا وهو ما كان بها وبالقلوب. وقيل الخطاب لمؤمنى اهل الكتاب اذ روى ان ابن سلام واصحابه قالوا يا رسول الله انا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه فنزلت فالمعنى حينئذ آمنوا ايمانا عاما شاملا يعم الكتب والرسل فان الايمان بالبعض كلا ايمان {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} اى بشىء من ذلك لان الكفر ببعضه كفر بكله ألا ترى كيف قدم الامر بالايمان بهم جميعا وزيادة الملائكة واليوم الآخر فى جانب الكفر لما انه بالكفر باحدها لا يتحقق الايمان اصلا وجمع الكتب والرسل لما ان الكفر بكتاب او برسول كفر بالكل وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لانهم وسائط بين الله وبين الرسل فى انزال الكتب {فقد ضل ضلالا بعيدا} عن المقصد بحيث لا يكاد يعود الى طريقه. قالوا اول ما يجب على المرء معرفة مولاه اى يجب على كل انسان ان يسعى فى تحصيل معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان فان ايمان المقلد وان كان صحيحا عند الامام الاعظم لكن يكون آثما بترك النظر والاستدلال فاول الامر هو الحجة والبرهان ثم المشاهدة والعيان ثم الفناء عن سوى الرحمان. فمرتبة العوام فى الايمان ما قال عليه السلام "حديث : ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره " .تفسير : وهو ايمان غيبى: وفى المثنوى شعر : بندكى درغيب آيد خوب وكش حفظ غيب آيددر استبعاد خوش طاعت وايمان كنون محمود شد بعد مرك اندر عيان مردود شد تفسير : ومرتبة الخواص فى الايمان هو ايمان عيانى وكان ذلك بان الله اذا تجلى لعبده بصفة من صفاته خضع له جميع اجزاء وجوده وآمن بالكلية عيانا بعدما كان يؤمن قلبه بالغيب ونفسه تكفر بما آمن به قلبه اذا كانت النفس عن ننسم روائح الغيب بمعزل فلما تجلى الحق للجبل جعله دكا وخر موسى النفس صعقا فالنفس فى هذا المقام تكون بمنزلة موسى فلما افاق قال تبت اليك وانا اول المؤمنين. ومرتبة الاخص فى الايمان هو ايمان عيانى وذلك بعد رفع حجب الانانية بسطوات تجلى صفة الجلال فاذا افناه عنه بصفة الجلال يبقيه به بصفة الجمال فلم يبق له الاين وبقى فى العين فيكون ايمانا عينيا كما كان حال النبى عليه السلام ليلة المعراج فلما بلغ قاب قوسين كان فى حيز اين فلما جذبته العناية من كينونته الى عينونة او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى آمن الرسول بما انزل اليه اى من صفات ربه فآمنت صفاته بصفاته تعالى وذاته فصار كل وجوده مؤمنا بالله ايمانا عينيا ذاته وصفاته فاخبر عنهم وقال والمؤمنون كل آمن بالله يعنى آمنوا بهوية وجودهم كذا فى التأويلات النجمية هذا هو الايمان الحقيقى رزقنا الله واياكم اياه: وفى المثنوى شعر : بود كبرى درزمان بايزيد كفت اورايك مسلمان سعيد كه جه باشد كرتوا اسلام آورى تابيابى صد نجات وسرورى كفت اين ايمان اكرهست اى مريد آنكه دارد شيخ عالم بايزيد من ندارم طاقت آن تاب آن كان فزون آمد زكوششهاى جان كرجه درايمان ودين ناموقنم ليك درايمان اوبس مومنم مؤمن ايمان اويم در نهان كرجه مهرم هست محكم بردهان بازايمان خود كر ايمان شماست نى بدان ميلستم ونى مشتهاست آنكه صد ميلش سوى ايمان بود جون شمارا ديد زان فاترشود زانكه نامى بيند ومعنيش نى جون بيابانرا مفازه كفتنى تفسير : والى هذا التجريد والتفريد ينال العبد بالذكر والتوحيد قال عليه السلام فى وصيته لعلى رضى الله عنه "حديث : يا على احفظ التوحيد فانه رأس مالى والزم العمل فانه حرفتى واقم الصلاة فانها قرة عينى واذكر الحق فانه نصرة فؤادى واستعمل العلم فانه ميراثى " .تفسير : اللهم لا تحرمنا من هذا الميراث.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: مخاطبًا من أسلم من اليهود ـ وهو عبدالله بن سَلاَم وأسَد وأسيد ابنا كَعبٍ، وثَعلبة بن قَيسٍ، وسلاَّم ابن أخت عبدالله بن سلام، وسلمة ابن أخية ويامين ـ قالوا يا رسول الله، نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعُزَّير، ونكفُرُ بما سِوَاهُ من الكُتب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : آمِنُوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن، وبكل كتاب قبله" تفسير : فَنزلت الآية. فقال لهم جلّ جلاله: {يأ أيها الذين آمنوا} بمحمد، بعد أن آمنوا بموسى؛ {آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزَّل على رسوله} القرآن {والكتاب الذي أنزل من قبل} أي: جنس الكتاب، فتدخل الكتب المتقدمة كلها، {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} أي: ومن يكفر بشيء من ذلك {فقد ضل ضلالاً بعيدًا} أي: أخطا خطًأ بعيدًا لا يكاد يعود إلى الطريق، فلما نزلت قالوا: يا رسول الله؛ إن نؤمن بالجميع، ولا نفرق بين أحد منهم، كما فرقت اليهود والنصارى. وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمِنُوا بقلوبكم، كما آمنتم بألسنتكم، وقيل: للمؤمنين، أي: دوموا على إيمانكم، وأثبتوا عليه. الإشارة: أمر الحقّ جلّ جلاله، أهل الإيمان أن يجددوا إيمانهم، فيثبتوا على ما هو حاصل، ويسترشدوا إلى ما ليس بحاصل، فإن أنوار الإيمان تتزايد وتترادف على القلوب بحسب التصفية والنظر، وبقدر الطاعة والتقرب، فلا يزال العبد يتقرب إلى الله، وأنوار التوجه تتوارد عليه، حتى تشرق عليه أنوار المواجهة؛ وهي أنوار الشهود، فشروق الأنوار على قدر صفاء الأسرار، وورود الإمداد على حسب الاستعداد، فبقدر التفرغ من الأغيار ترد على القلوب المواهب والأسرار، وهذا كله لمن صحب العارفين وأخذ عنهم، وملّك زمام نفسه لهم، وإلا فحَسبُه الإيمان بالغيب، ولو عمل ما عمل، وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : [القراءة والحجة]: قرأ ابن كيثر وأبو عمر وابن عامر والكسائي عن أبي بكر {الكتاب الذي نزل والكتاب الذي أنزل} بضم النون، والهمزه وكسر الزاء الباقون بفتحهما، فمن فتحهما حمله على قوله: {أنا نحن نزلنا الذكر} وقوله: {وأنزلنا إليك الذكر} ومن ضمها حملهما على قوله: {ولنبين للناس ما نزل إليهم} وقوله: {يعلمون أنه منزل} وكل جيد سايغ. قيل في تأويل أمر من آمن - آمن يؤمن - بالله ورسوله ثلاثة اقوال: احدها - وهو المعتمد عليه عندنا واللايق بمذهبنا ان المعنى يا أيها الذين آمنوا في الظاهر بالاقرار بالله ورسوله، وصدقوهما، آمنوا بالله ورسوله في الباطن، ليطابق باطنكم ظاهركم ويكون الخطاب خاصا بالمنافقين الذين كانوا يظهرون خلاف ما يبطنون. والكتاب الذي نزل على رسوله هو القران امرهم بالتصديق به والكتاب الذي انزل من قبل، يعنى التوراة والانجيل امرهم بالتصديق بهما، وانهما من عند الله. والثاني - ما اختاره الجبائي والزجاج والبلخي ان يكون ذلك خطاباً لجميع المؤمنين الذين هم مؤمنون على الحقيقة ظاهراً أو باطناً أمرهم الله تعالى أن يؤمنوا به في المستقبل بان يستديموا الايمان، ولا ينتقلوا عنه، لان الايمان الذي هو التصديق لا يبقى وانما يستمر بان يجدده الأنسان حالا بعد حال وهذا أيضاً وجه جيد. الثالث - ما اختاره الطبري من ان ذلك خطاب لأهل الكتاب اليهود والنصارى امرهم الله (تعالى) بان يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والكتاب الذي أنزل عليه كما آمنوا بما معهم من الكتب: التوراة والانجيل ويكون قوله: {والكتاب الذي نزل من قبل} اشارة الى ما معهم من الانجيل والتوراة ويكون وجه أمرهم بالتصديق لهما وان كانوا مصدقين بهما، لاحد امرين: احدهما - ان التوراة والانجيل اذا كان فيهما صفات النبي (صلى الله عليه وسلم)، وما ينبئ عن صدق قوله وصحة نبوته فمن لم يصدق النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يصدق الكتاب الذي أنزل معه، لا يكون مصدقاً بما معه، لان في تكذيبه، تكذيب ما معه من التوراة والانجيل، فيجب عليه أن يصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) ويقر بما انزل عليه، ليكون مصدقاً بما معه، ومعترفاً به. والثاني - أن يكون متوجهاً إلى اليهود الذين آمنوا بالتوراة دون الانجيل والقران، فيكون الله أمرهم بالاقرار بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبما انزل من قبل يعني الانجيل. وذلك لا يصح الا بالاقرار بعيسى (عليه السلام) أيضاً وانه نبي من قبل الله وقوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} معناه ان من كفر بمحمد (صلى الله عليه وسلم) فيجحد نبوته ويجحد ما انزله الله عليه، فكانه جحد جميع ذلك، لأنه لا يصح ايمان احد من الخلق الا بالايمان بما امره الله بالايمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه فكذلك قال: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} فعقب خطابه لاهل الكتاب وأمره اياهم بالايمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) تهديداً لهم، وان كانوا مقرين بوحدانية الله تعالى والملائكة والكتب والرسل، واليوم الآخر سوى محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من القران فبين لهم ان من جحد محمداً بنبوته لا ينفعه الايمان بشيء سواه، ويكون وجوده وعدمه سواء وقوله: {فقد ضل ضلالاً بعيداً} معناه فقد ذهب عن قصد السبيل وجاز عن محجة الطريق ألى المهالك ضلالا ذهاباً، وجوراً بعيداً.

الجنابذي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} بالايمان العامّ والبيعة على يد محمّد (ص) وقبول دعوته الظّاهرة {آمِنُواْ} بالايمان الخاصّ والبيعة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة، فانّ الاسلام وهو البيعة العامّة النّبويّة واخذ الميثاق على اعطاء الاحكام القالبيّة والتّوبة على يد محمّد (ص) قد يسمّى ايماناً، لانّه طريق اليه وسبب لحصوله، والايمان حقيقة هو البيعة الولويّة والتّوبة على يد علىّ (ع) او على يد محمّد (ص) من حيث ولوتيه واخذ الميثاق على اعطاء الاحكام القلبيّة وادخال الايمان فى القلب، ولذلك قال فى انكار ايمان المدّعين للايمان: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات:14] فعلى هذا لا حاجة الى التّكلّفات البعيدة الّتى ارتكبها المفسّرون {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ} يعنى انّ الايمان بمحمّد (ص) بقبول دعوته الظّاهرة اسلام وانقياد له وتقليد محض لا معرفة فيه ولا تحقيق، وانّما يحصل المعرفة من طريق القلب فآمنوا بعلىّ (ع) بقبول دعوته الباطنة حتّى يدخل الايمان فى قلوبكم ويفتح ابواب قلوبكم الى الملكوت فتعرفوا الله ورسوله (ص) وكتابه الجامع الّذى هو النّبوّة، وكامله فى محمّد (ص) وصورته القرآن وناقصه كان فى الانبياء السّلف وصورته التّوراة والانجيل والصّحف والزّبور وغيرها، وللاشارة الى الفرق بين نبوّة محمّد (ص) ونبوّة غيره بالكمال والضّعف قال فى الاوّل نزّل بالتّفعيل الّذى فيه تعمّل وفى الثّانى انزل خالياً منه وقرئ فيهما بالبناء للمفعول {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ذكرهم بالتّرتيب من المبدء الى المنتهى، فانّ المراد بالملائكة العقول وبالكتب النّبوّات واحكامها فانّها نزولاً بعد الملائكة والرّسالة بعد النّبوة، والكفر بها مسبّب عن الكفر بالولاية وعدم قبول الدّعوة الباطنة، فانّه ما لم يدخل الايمان بالبيعة على يد علىّ (ع) فى القلب لا ينفتح بابه، وما لم ينفتح بابه الى الملكوت لم يعرف شيءٌ منها كما عرفت ولذلك اتى به بعد الامر بالايمان بعلىّ (ع) {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} وصف بحال المتعلّق وتهديد بليغ للمنحرفين عن الولاية وعن قبول الايمان على يد علىّ (ع).

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا آمِنُوا بالله ورسوله} حديث : الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزيراً ونكفر بما سواه من الكتب، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "آمنوا بكل كتاب مُنَزَّل على نبي مرسل" تفسير : فنزلت الآية فقالوا: نؤمن بك وبكل كتاب منزل ولا نفرق بين أحد منهم، وقيل: نزلت في المسلمين ومعنى آمنوا أثبتوا على الإِيمان وداوموا عليه قال جار الله: فإن قلت: كيف قيل لأهل الكتاب {والكتاب الذي أنزل من قبل} وكانوا مؤمنين بالتوراة والانجيل؟ قلت: كانوا مؤمنين بهما بحسب، فإن قلت: لِمَ قِيْلَ نزل على رسوله وأنزل من قبل؟ قلتُ: لأن القرآن نزل مفرقاً بخلاف الكتب قبله {ومن يكفر بالله} الآية يعني يكفر بشيء من ذلك {فقد ضَلَّ ضلالاً بعيداً} {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} الآية هؤلاء قوم ممَّن آمن مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رجعوا إلى قريش وارتدوا عن الإِسلام ثم رجعوا ثم هفوا ثانية إلى الكفر ثم ارتدوا وماتوا عليه، وقيل: نزلت في أهل الكتاب اليهود والنصارى، وقيل: هم اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإِنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هم المنافقون آمنوا ثم ارتدُّوا ثم آمنوا ثم ارتدُّوا ثم ماتوا ويدخلهم النار {ولا ليهديهم سبيلاً} طريقاً طريق الجنة ولا يغفر لهم من حيث أن إيمانهم غير صحيح وإنما يغفر للتائب ولا يهديهم سبيلاً إلى النجاة من النار {بشِّر المنافقين} وضع بشر مكان أخبر تهكُّماً بهم والبشارة التي يظهر به السرور في بشرة وجهه ثم يستعمل في الذي يغمّ أيضاً، وقيل: أصله الخبر الذي يُظْهِر بشرة الوجه إما سرور أو غمّ، إلاَّ أنه أكثر في الخبر الساري ذكره في الثعلبي {الذين يتّخِذُون الكافرين أولياءَ} أنصاراً {من دون المؤمنين} قيل: هم اليهود، وقيل: مشركي العرب بمكة وقيل: سائر الكفار {أيبتغون} أيطلبون {عندهم} أي عند الكفار {العزَّة} أي العزَّة والنصرة على محمد والغلبة عليه {فإن العزَّة لله جميعاً} يريد لأوليائه الذين كتب لهم العزَّة والغلبة على اليهود وغيرهم، قال تعالى: {أية : ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8] {وقد نزَّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله} الآية نزلت في المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن ويحرفونه عن مواضعه والمنزل عليهم في الكتاب هو ما أنزل عليهم بمكة من قوله: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}تفسير : [الأنعام: 68]، قال جار الله: وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم ويستهزئون به فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه فكان أحبار اليهود يفعلون نحو فعل المشركين فنهوا أن يقعدوا معهم {الذين يتربصون بكم} أي ينتظرون بكم ما يحدد لكم من ظفر أو غيره {فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم} مظاهرين فأسهموا لنا من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} يعني حظ ودولة وظهور على المسلمين قالوا: يعني المنافقين الذين يقولون للكافرين: {ألم نستحوذ عليكم}، قيل: ألم نستولي عليكم بالنصرة والمعونة ولكن من جهة من أرسلنا إليك بأخبار عدوّك، وقيل: ألم نطلعكم على أسرار محمد وأصحابه {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} يعني بين المؤمنين والمنافقين {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} حجة قيل: في الآخرة، وقيل: في الدنيا في قتالهم وأخذ أموالهم.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ}: أى يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وألسنتهم بما يجب الايمان به، دوموا على الايمان بالله ورسوله، والقرآن والكتب الذى أنزلها الله من قبل القرآن، أو ازدادوا ايمانا، فالايمان المأمور به بمعنى الدوام عليه، والازدياد منه، فهو غير المخبر بحصوله، فلا تحصيل حاصل. والمراد بالكتاب الذى أنزل من قبل كتب الله كلها قبل القرآن، وفى ضمن الايمان بها الايمان بالرسل التى أنزلت عليهم، وسائر الرسل والأنبياء، بل فى ضمن الايمان بالقرآن الايمان بذلك كله، وقيل: الخطاب للمنافقين باضمار الشرك، أى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، آمنوا بالله ورسوله00الخ بألسنتكم وقلوبكم، أو للمنافقين الذين لم يضمروا شركا، أى يا أيها الذين آمنوا ايمانا غير متحقق بالأعمال آمنوا بالله ورسوله00الخ ايمانا محققا بالأعمال. وعن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: حديث : عبد الله بن سلام، وأسد ابن كعب وأخوه أسيد بن كعب، وثعلبة بن قيس، وسلالم ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة بن أخيه، ويامين بن يامين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك، وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله" فقالوا: لا نفعل، فنزلت الآية فآمنوا كلهم بذلك كله . تفسير : وقالت فرقة ورجحه الطبرى: الخطاب لأهل الكتاب المشركين الذين آمنوا ببعض، وتركوا بعضا مثل اليهود اذ آمنوا بالتوراة، وموسى عليه السلام، وكفروا بعيسى والانجيل، ومثل النصارى اذ عكسوا ذلك، وكفر الفريقان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عنهم: {أية : نؤمن ببعض ونكفر ببعض }تفسير : الآية، أى يا أيها الذين آمنوا ببعض آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب الذى نزل عليه وهو القرآن، والكتب التى أنزلها من قبله والأنبياء كلهم، فان الايمان ببعض دون بعض لا يفيد، وكذا فى قصة عبد الله بن سلام، بل ذلك جهل وعناد، فان الايمان بكتاب واحد ورسول أو نبى واحد قد تضمن الايمان بالكل، فآل الأمر الى أنه من آمن ببعض الأنبياء أو بعض الرسل، أو بعض الكتب فى زعمه، غير مؤمن بذلك البعض الذى زعم أنه آمن به، لأن ذلك البعض يوجب الايمان بالكل. وقال أولا: نزل بالتشديد، لأن التنزيل بتدريج والقرآن نزل كذلك شيئا فشيئا. وقال ثانيا: أنزل بالهمزة، لأن غيره من الكتب نزل بمرة والانزال لغير التدريج، وقد يكون التنزيل فيما هو بمرة والانزال فيما بتدريج، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر ببناء نزل وأنزل للمفعول، والفاعل هو الله، كما أنه الفاعل فى قراءة الجمهور بالبناء للفاعل. {وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}: رد من آمن ببعض وهو دليل على أن الكتاب الذى أنزل من قبل كتب الله كلها قبل القرآن، لأن هذا الكلام مقابل الكلام قبله، وقد ذكر الكتب هنا بصيغة الجمع، ودليل على ما ذكرت من أن الايمان بكتب الله يوجب الايمان برسله كلها، ولذا قال هنا: ورسله وكذا سائر أنبيائه، لأن كل كتاب يوجب ذلك، وكذا الملائكة كلهم يوجبها كل كتاب، وكل نبى، وقد عادت اليهود لعنهم الله عز وجل جبريل عليه السلام، ومعاداته هى كفر به عنادا، وقرىء وكتابه هنا أيضا بالافراد على الجنس، أو على أنه القرآن اذ تضمن الايمان به الايمان بغيره من الكتب. {وَاليَوْمِ الآخِرِ}: وقد كفر به مشركو العرب وغيرهم من المشركين، وكفرت به النصارى اذ قالوا: تبعث الأرواح دون الأجساد، وأنكرته اليهود اذ قالوا بلا تأويل: انهم يخرجون من النار، والمراد ومن يكفر بشىء من ذلك، وحكمة التعبير بالواو مع ذلك لا بأو ما علمته من أن الكفر ببعض ذلك كفر بالكل، ولا سيما الكفر بالله جل وعلا، والله أعلم فلا حاجة أى دعوى أن الواو بمعنى أو كما جعل بعض العلماء بمعنى أو. {فَقَدْ ضَلَّ}: عن الحق. {ضَلالاً بَعِيداً}: بحيث يتعذر أو يتعسر الرجوع اليه.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} بألسنتهم فقط {ءَامِنُوا} بقلوبكم أو يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وألسنتهم دوموا على الإيمان، أو زيدوا منه، فإن الإيمان يزيد وينقص، أو يا أيها الذين آمنوا من اليهود والنصارى ببعض الكتب والأشياء آمنوا بالكل، فإن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، لا بالإنجيل وعيسى والنصارى العكس، وقيل يا أيها الذين آمنوا إجمالا آمنوا تفصيلا، وقيل يا أيها الذين آمنوا بالعزى واللات آمنوا بالله وهو ضعيف {بِاللهِ وَرَسُولِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {وَالكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} أى القرآن {وَالْكِتابِ الَّذِى أَنزَلَ} على الرسل {مِن قَبْلُ} الكتب التى من الله كلها، فأل للاستغراق، وخص القرآن لفضله على غيره، فإنه يذكر الخاص بعد العام، والعام بعد الخاص لمزية فى الخاص، قال ابن سلام وأصحابه كأسد وأسيد، بنى كعب، وثعلبة بن قيس، وابن أخت عبد الله بن سلام، ويامين بن يامين: نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سوى ذلك، بمعنى أنهم لم يثبت عندهم أن ما سوى ذلك من الله، فنزل: يا أيها الذين آمنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتب التى أنزل من قبل {وَمَن يَكْفُرْ} من الأشقياء {بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ} والكفر بالملائكة كفر بغيرهم {وَكُتُبِهِ رُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} عن الحق، لا يكاد يرجع إليه، أو من شأن الكفر ولو من غير الشقى البعد عن الحق، أو بعيد الوقوع، والواو بمعنى، أو؛ لأن الضلال البعيد يحصل ولو بواحد من ذلك فقط، أو من واقعة على الأنواع كلها، كأنه قيل: ومن يكفر بالله فقد ضل الخ، ومن يكفر بملائكته فقد ضل الخ، وهكذا فالحاصل أن كل كافر من هؤلاء ضل ضلالا بعيداً، أو المراد المجموع، فيحصل أن الكفر ببعض ما من ذلك ضلال بعيد، وقيل الإيمان بالكل واجب، والكل ينتفى بانتفاء البعض، وليس هذا من جعل الواو بمعنى أو.

الالوسي

تفسير : {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} خطاب للمسلمين كافة فمعنى قوله تعالى: {ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه، وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي، وقيل: الخطاب لهم، والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقيناً، أو: آمنوا بما ذكر مفصلاً بناءاً على أن إيمان بعضهم إجمالي، وأياً مّا كان فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل: الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهراً فمعنى {ءامَنُواْ} أخلصوا الإيمان، واختاره الزجاج وغيره. وقيل: لمؤمني اليهود خاصة، ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «حديث : أن عبد الله بن سلام وأسد / وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وابن أخت عبد الله بن سلام ويامين بن يامين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل آمنوا بالله تعالى ومحمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله فقالوا: لا نفعل»تفسير : فنزلت فآمنوا كلهم، وقيل: لمؤمني أهل الكتابين، وروي ذلك عن الضحاك، وقيل: للمشركين المؤمنين باللات والعزى، وقيل: لجميع الخلق لإيمانهم يوم أخذ الميثاق حين قال لهم سبحانه: {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] والكتاب الأول القرآن، والمراد من الكتاب الثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية، ويدل عليه قوله تعالى فيما بعد: {وَكُتُبِهِ} والمراد بالإيمان بها الإيمان بها في ضمن الإيمان بالكتاب المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى أن الإيمان بكل واحد منها مندرج تحت الإيمان بذلك الكتاب، وأن أحكام كل منها كانت حقة ثابتة يجب الأخذ بها إلى ورود ما نسخها، وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ولا تغيير يعتريه. ومن هنا يعلم أن أمر مؤمني أهل الكتاب بالإيمان بكتابهم بناءاً على أن الخطاب لهم ليس على معنى الثبات لأن هذا النحو من الإيمان غير حاصل لهم وهو المقصود، ولا حاجة إلى القول بأن متعلق الأمر حقيقة هو الإيمان بما عداه كأنه قيل: آمنوا بالكل ولا تخصوه بالبعض، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ـ نزل وأنزل ـ على البناء للمفعول، واستعمال ـ نزل ـ أولاً وأنزل ثانياً لأن القرآن نزل مفرقاً بالإجماع، وكان تمامه في ثلاث وعشرين سنة على الصحيح ولا كذلك غيره من الكتب فتذكر. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي بشيء من ذلك فإن الحكم المتعلق بالأمور المتعاطفة بالواو ـ كما قال العلامة الثاني ـ قد يرجع إلى كل واحد، وقد يرجع إلى المجموع، والتعويل على القرائن، وهٰهنا قد دلت القرينة على الأول لأن الإيمان بالكل واجب والكل ينتفي بانتفاء البعض ومثل هذا ليس من جعل الواو بمعنى أو في شيء، وجوز بعضهم رجوعه إلى المجموع لوصف الضلال بغاية البعد في قوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} ويستفاد منه أن الكفر بأي بعض كان ضلال متصف ـ ببعد ـ والمشهور أن المراد ـ بالضلال البعيد ـ الضلال البعيد عن المقصد بحيث لا يكاد يعود المتصف به إلى طريقه، ويجوز أن يراد ضلالاً بعيداً عن الوقوع، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق وتأكيد له، وزيادة ـ الملائكة واليوم الآخر ـ في جانب الكفر على ما ذكره شيخ الإسلام لما أن بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلاً، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل، وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلاً عليه، وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لأنهم وسائط بين الله عز وجل وبين الرسل في إنزال الكتب، وقيل: اختلاف الترتيب في الموضعين من باب التفنن في الأساليب والزيادة في الثاني لمجرد المبالغة، وقرىء بكتابه على إرادة الجنس.

ابن عاشور

تفسير : تذييل عُقّب به أمر المؤمنين بأن يكونوا قوّامين بالقسط شهداء لله، فأمرهم الله عقب ذلك بما هو جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة لله: بأن يؤمنوا بالله ورُسُلِه وكُتبه، ويدُوموا على إيمانهم، ويَحذروا مَساربَ ما يخلّ بذلك. ووصفُ المخاطبين بأنّهم آمنوا، وإرادفُه بأمرهم بأنْ يؤمنوا بالله ورسله إلى آخره يرشد السامع إلى تأويل الكلام تأويلاً يستقيم به الجمع بين كونهم آمَنوا وكونهم مأمورين بإيمانٍ، ويجوز في هذا التأويل خمسة مسالك: المسلك الأول: تأويل الإيمان في قوله: {يأيّها الذين آمنوا} بأنّه إيمان مختلّ منه بعض ما يحقّ الإيمان به، فيَكون فيها خطاب لنَفَر من اليهود آمنوا، وهم عبد الله بن سَلام، وأسد وأسَيْد ابنا كعب، وثَعلبةُ بنُ قيس، وسَلاَم ابن أخت عبد الله بن سلام، وسَلَمةُ ابن أخيه، ويامين بن يامين، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وبكتابه، كما آمنوا بموسى وبالتوراة، وأن لا يؤمنوا بالإنجيل، كَما جاء في رواية الواحدي عن الكلبي، ورواه غيره عن ابن عباس. المسلك الثاني: أن يكون التأويل في الإيمان المأمور به أنّه إيمانٌ كامل لا تشوبه كراهية بعض كتب الله، تحذيراً من ذلك. فالخطاب للمسلمين لأنّ وصف الذين آمنوا صار كاللقب للمسلمين، ولا شكّ أنّ المؤمنين قد آمنوا بالله وما عطف على اسمه هنا، فالظاهر أنّ المقصود بأمرهم بذلك: إمّا زيادة تقرير ما يجب الإيمان به، وتكرير استحضارهم إيّاه حتّى لا يذهلوا عن شيء منه اهتماماً بجميعه؛ وإمّا النهي عن إنكار الكتاب المنزّل على موسى وإنكار نبوءته، لئلاّ يدفعهم بغض اليهود وما بينهم وبينهم من الشنآن إلى مقابلتهم بمثل ما يصرّح به اليهود من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وإنكارِ نزول القرآن؛ وإمّا أريد به التعريضُ بالذين يزعمون أنّهم يؤمنون بالله ورسله ثم ينكرون نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وينكرون القرآن، حسداً من عند أنفسهم، ويكرهون بعض الملائكة لذلك، وهم اليهود، والتنبيهُ على أنّ المسلمين أكمل الأمم إيماناً، وأولى الناس برسل الله وكتبه، فهم أحرياء بأنَ يَسودوا غيرهم لسلامة إيمانهم من إنكار فضائل أهل الفضائل، ويدلّ لذلك قوله عقبه «ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه»، ويزيد ذلك تأييداً أنّه قال: {واليومِ الآخر} فعطفه على الأشياء التي من يكفرُ بها فقد ضلّ، مع أنّه لم يأمر المؤمنين بالإيمان باليوم الآخر فيما أمرهم به، لأنّ الإيمان به يشاركهم فيه اليهود فلم يذكره فيما يجب الإيمان به، وذكَره بعد ذلك تعريضاً بالمشركين. المسلك الثالث: أن يراد بالأمر بالإيمان الدوام عليه تثبيتاً لهم على ذلك، وتحذيراً لهم من الارتداد، فيكون هذا الأمر تمهيداً وتوطئة لقوله: {ومن يكفر بالله وملائكته}، ولقوله: {أية : إنّ الذين آمنوا ثم كفروا}تفسير : [النساء: 137] الآية. المسلك الرابع: أنّ الخطاب للمنافقين، يعني: يأيّها الذين أظهروا الإيمان أخْلِصُوا إيمانكم حقّاً. المسلك الخامس: رُوي عن الحسن تأويل الأمر في قوله: {آمنوا بالله} بأنّه طلبٌ لثباتهم على الإيمان الذي هم عليه، واختاره الجبائي. وهو الجاري على ألسنة أهل العلم، وبناءً عليه جَعلوا الآية شاهداً لاستعمال صيغة الأمر في طلب الدوام. والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل الجنس، والتعريف للاستغراق يعني: والكتب التي أنْزَلَ الله من قبلِ القرآن، ويؤيّده قوله بعدَه «وكُتُبِهِ ورُسُلهِ». وقرأ نافع. وعاصم. وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف: «نَزّل ــــ و ــــ أنْزَل» ــــ كليهما بالبناء للفاعل ــــ وقرأه ابن كثير، وابنُ عامر، وأبو عَمرو ــــ بالبناء للنائب ــــ. وجاء في صلة وصف الكتاب {الذي نَزّل على رسوله} بصيغة التفعيل، وفي صلة الكتاب {الذي أنزل من قبل} بصيغة الإفعال تفنّنا، أو لأنّ القرآن حينئذٍ بصدد النزول نجوماً، والتوراة يومئذٍ قد انقضى نزولها. ومن قال: لأنّ القرآن أنزل منجّماً بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دَفْعَة واحدة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 136- وإن الرسالات السماوية واحدة لوحدة مُرْسِل الرسل، وهو الله، فيا أيها الذين آمنوا أذعنوا لله وأخلصوا له، وصدقوا رسوله - محمداً - وصدقوا ما جاء فى كتابه الذى أنزله عليه واعملوا به، وصدقوا بالكتب التى نزلت من قبله كما أنزلها الله من غير تحريف ولا نسيان، آمنوا بكل ذلك، فإن من يكفر بالله خالق الوجود، والملائكة، وعالم الغيب، وكتب الله ورسله، وينكر اليوم الآخر، فقد تاه عن الطريق المستقيم، وأوغل فى طريق الضلال وأبعد فيه. 137- إن الإيمان إذعان مطلق وعمل مستمر بالحق، فالمترددون المضطربون ليسوا بمؤمنين، فالذين يؤمنون ثم يكفرون، ثم يؤمنون ثم يكفرون، وبهذا يزدادون كفراً، ما كان الله غافراً لهم ما يفعلون من شر، ولا ليهديهم إلى الحق، لأن غفران الله يقتضى توبة وإقلاعاً عن الشر، وهدايته تكون لمن يتجهون إلى الحق ويطلبونه. 138- يا أيها الرسول الكريم أنذر المنافقين بأن لهم عذاباً يوم القيامة مؤلماً. 139- وإن أولئك المنافقين يجعلون الولاية عليهم للكافرين ويتركون المؤمنين، فهل يطلبون العزة من هؤلاء الكافرين؟ إن العزة لله - وحده - يعطيها عباده المؤمنين، ومن اعتزَّ بالله عزَّ، ومن اعتز بغيره ذلَّ. 140- وقد نزَّل الله عليكم فى القرآن الكريم أنكم كلما سمعتم آية من الكتاب، وجحد بها الكافرون، فلا تقعدوا معهم حتى ينتقلوا إلى حديث غير حديث الاستهزاء، وإنكم إن لم تفعلوا وسمعتم استهزاءهم كنتم مثلهم فى الاستهزاء بالقرآن، وإن العاقبة وخيمة على الكافرين والمنافقين، فإن الله جامعهم جميعاً فى النار يوم القيامة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {آمِنُواْ} {وَٱلْكِتَابِ} {وَمَلآئِكَتِهِ} {ٱلآخِرِ} {ضَلاَلاً} (136) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِرَسُولِهِ الكَرِيمِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيهِ، وَبِالكِتَابِ الذِي نَزَلَ عَلَيهِ (وَهُوَ القُرْآنُ)، وَبِالكُتُبِ التِي نَزَّلَها اللهُ مِنْ قَبْلُ، عَلَى رُسُلِهِ وَأنْبِيَائِهِ الكِرَامِ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ عَوَاقِبِ الكُفْرِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: مَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، يَكُنْ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى، وَبَعُدَ عَنِ القَصْدِ كُلَّ البُعْدِ. (وَرُوِيَ: أنَّ هَذا خِطَابٌ لِمُؤْمِنِي اليَهُودِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ اليهود أتَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالُوا نُؤْمِن بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِمُوسَى وَبِالتَّوَرَاةِ، وَعُزَيْر، وَنَكْفُرُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الكُتُبِ وَالرُّسُلِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَلْ آمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَكِتَابِهِ القُرْآنِ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ كَانَ قَبْلَهُ، فَقَالُوا لاَ نَفْعَلُ. فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ فَآمَنُوا كُلُّهُمْ).

الثعلبي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس بن كعب وسلام ابن اخت عبد الله بن سلام، وسلامة بن أخيه ويامين ابن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب. حديث : أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك، وبموسى والتوراة، وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "بل آمنوا بالله ورسوله محمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله" فقالوا : لا نفعل، فأنزل الله تعالى { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} يعني القرآن {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} يعني الكتب المتقدمة التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المتقدمة {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ} إلى قوله {ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} يعني خطأ خطأً بعيداً، فلما نزلت هذه الآية، قالوا : يا رسول الله فإنّا نؤمن بالله ورسوله وبالقرآن وبكلّ رسول وكتاب كان قبل القرآن والملائكة واليوم الآخر لانفرق بين أحد منهم كما فعلت اليهود والنصارى، ونحن له مسلمون فدخلوا في الإسلام . تفسير : وقال الضحاك : هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية : يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن. وقيل : إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى : يا أيها الذين آمنوا في وجه النهار آمنوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى {أية : وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [آل عمران: 72] الآية. وقال [أبو العالية] وجمع من المفسرين : هذه الآية خطاب للمؤمنين وتأويله : يا أيها الذين آمنوا آمنوا أي أقيموا واثبتوا على الإيمان، وكقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم (فإعلم إنه لا اله إلاّ الله) أي اثبت على ما أنت عليه وكقوله {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 9] ومعناه : وعد الله الذين آمنوا على الإيمان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم في هذه القصة مغفرة وأجراً عظيماً، ويقال في الكلام للقائم : قم، وللقاعد : أُقعد، والمراد منه الاستدامة. ويقال : أنها خطاب للمنافقين الذين أصروا التكذيب ومعناها : يا أيها الذين آمنوا في الملأ آمنوا في الخلاء، وقال آخرون : المراد منه الكفار يعني : يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله، ومعناه : إن كان لابد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولاينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت، والله أعلم. ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب، فقال : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بموسى {ثُمَّ كَفَرُواْ} بموسى {ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} بعد عزير بالمسيح وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى بن مريم {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بمحمد وبما جاء به. قتادة : هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثم كفروا وآمنت النصارى بالانجيل ثم كفرت وكفرهم هو [تكذيبهم] إياه، ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد : ثم ازدادوا كفراً أي ماتوا عليه {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ} ما أقاموا على ذلك ولا ليهدهم {سَبِيلاً} سبيل هدى. وقال ابن عباس : يدخل في هذه الآية كل منافق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحو ذكر ما في هذه الآية من الكلام على أهل القدر. يقال لأهل القدر : خبرونا عن الكفار هل هداهم الله عز وجل إلى الإسلام؟ فإن قالوا : نعم. قيل كيف يجوز أن يقال إن الله هداهم وقد قال الله تعالى {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}؟ قيل : ومعناه إنه لايهديهم إلى طريق الجنة يقال لهم كيف يهديه إلى طريق الجنة وقد هداه عندك لأن من أصلك إن العبد إنما يدخل الجنة فمعناه أنه يدخل الجنّة لفعله ويدخل النار بفعله، وقد هداه إلى طريق الجنة بهدايته إلى الإسلام فكيف يصح هذا التأويل على أصلك؟ واعلم أنهم إذا ألزمهم الشيء، فقالوا في التأويل، فإذا فحصت عن تأويلهم بان لك فساد قولهم. واعلم إن الله عز وجل قد بيّن لك إنه لايهديهم سبيلاً ليعلم العبد إنما يقال هُدي بالله عز وجل ويحرم الهدى بإراده الله عز وجل ثم لايكون لهم عاذر بنفي الهدى عنهم، ولا مزيلاً للحجة {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } نبّئهم يا محمّد {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. قال الزجاج : بشّر أي اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب الأليم، والعرب تقول : تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي تضع الضرب موضع التحية [والسيف موضع العتاب]. وقال الشاعر : شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجمع تفسير : ثم وصف المنافقين فقال {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} أنصاراً وبطانة {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} يعني الرفد والمعونة والظهور على محمّد وأصحابه. وقال الزجاج : العزة يعني المنعة والشدة والغلبة مأخوذ من قولهم : أرض عزاز أي صلبة لايفيد عليها شيء ويقال : إستعز على المريض إشتد وجعه، وقولهم يعز عليّ أي يشتد، وقولهم إذا عز الشيء لم يوجد فتأويله قد اشتد وجود وصف إن وجد {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي القدرة لله جميعاً وهو سيد الأرباب. ثم قال {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} يا معشر المسلمين بمكة {فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ} يعني القرآن {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي يأخذوا في حديث غير الإستهزاء بمحمد وأصحابه والقرآن. وذلك إن المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيستهزئون بالقرآن ويكذبون به ويحرفونه عن مواضعه فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ومخالطتهم، والذي نزل في الكتاب قوله تعالى {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 68] الآية. الضحاك عن ابن عباس : ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة. الكلبي عن أبي صالح : صح هذا القول بقوله عز وجل وما على الذين يتقون الشرك والاستهزاء من حسابهم من شيء ولكن ذكرى أي ذكروهم وعظوهم بالقرآن لعلهم يتقون الاستهزاء بمحمّد والقرآن {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} إذا قعدتم عندهم فأنتم إذاً مثلهم {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أي ينتظرون بكم الدوائر يعني المنافقين {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} يعني النصر والغنيمة {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} على دينكم فأعطونا من الغنيمة {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} يعني دولة وظهوراً على المسلمين {قَالُوۤاْ} يعني المنافقين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} ألم نخبركم بعزيمة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونطلعكم على سرّهم. وقال أهل اللغة : ألم نستحوذ عليكم ويغلب عليكم قال : إستحوذ أي غلب. وفي الحديث كان عمر أحوذنا أي غالب أمرنا في الحق. وقال العجّاج : يحوذهن وله حوذى. [كما يحوذ الفئة] الكميّ. الكميّ. أي يغلب عليها ويجمعها، ويروى بالزاي فيهما. وقال النحويون : استحوذ خرج على الأصل، فمن قال : حاذ يحوذ لم يقل إلاّ استحاذ يستحذ وإن كان أحوذ يحوذ كما قال بعضهم : أحوذت [وأطّيبت] بمعنى أحذتُ وأطبت. قال إستحوذ إستخرجه على الأصل {وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ونمنعكم منازلة المؤمنين {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} يعني بين أهل الإيمان وأهل النفاق ثم يفصل بينهم {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. عكرمة والضحاك عن ابن عباس يعني حجة. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سبيلاً يعني ظهوراً عليهم. وقال علي (رضي الله عنه) : ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين في الآخرة، وفي هذه الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن وليس الإيمان هو الإقرار فقط، اذ لو كان الإيمان هو الإقرار لكانوا بذلك هم مؤمنين. وفيه دليل أيضاً على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأن القوم كانوا كاتمين اعتقادهم فأظهر الله عز وجل رسوله على اعتقادهم وكان ذلك حجة له عليهم إذ علموا إنه لايطلع على ضمائر القلوب إلا البارىء جل وعز.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد يقول إنسان ما: كيف يقول الحق في صدر هذه الآية منادياً المؤمنين بالإيمان فقال: أمَنُوا، وبعد ذلك يطالبهم بأن يؤمنوا؟ ونقول: نرى في بعض الأحيان رجلاً يجري كلمة الإيمان على لسانه ويعلم الله أن قلبه غير مصدق لما يقول، فتكون كلمة الإيمان هي حق صحيح، ولكن بالنسبة لمطابقتها لقلبه ليست حقاً. وتعرضنا من قبل لقول الحق: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] لقد شهد المنافقون أن رسول الله مرسل من عند الله، هذه قضية صدق، لكن الله العليم بما في القلوب يكشف أمرهم إلى الرسول فيقول: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] لقد وافقت شهادتهم بألسنتهم ما علمه الله. لكن القول منهم يخالف ما في قلوبهم، فشهد الحق إنهم لكاذبون. ويعلم سبحانه كذبهم في شهادتهم؛ لأن المنافق منهم لم يشهد صحيح الشهادة؛ لأن الشهادة الحقة هي أن يواطئ اللسانُ القلبَ. وبعض من الأغبياء الذين يحاولون الاستدراك على القرآن قد عميت بصيرتهم عن الإحساس باللغة والفهم لأسرارها؛ لذلك يتخبطون في الفهم. فهم لا يعرفون صفاء التلقي عن الله. وقالوا: إن بالقرآن تضارباً، ولم يعرفوا أن كذب المنافقين لم يكن في مقولة: إن محمداً رسول الله، ولكن في شهادتهم بذلك، وكذبهم الله في قولهم: "نشهد" فقط، فقد أعلنوا الإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. وإن أردنا أن نفهم أن الخطاب للمؤمنين عامة، بأن يؤمنوا، فهذا طلب للارتقاء بمزيد من الإيمان، ولنا في قول الحق المثل الواضح في حديثه للنبي؛ قال الحق: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [الأحزاب: 1] الحق هنا يقول للمتقي الأول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله"، أي يأمره بالقيام دائماً على التقوى. إذن فمعنى قول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} أن الحق يخاطبكم بلفظ الإيمان. ويريد أن يتصل إيمانكم بعد كلامه الحق مع إيمانكم قبل كلامه، فلا ينقطع ولا ينفصم خيط الإيمان أبداً. بل لا بد من المداومة على الإيمان، وألا يترك مؤمن هذا الشرف. فإن رأى واحد منكم منادًى بوصف طُلبِ منه الوصفُ بعده فليعلم أن المراد هو المداومة. ونعلم أن الحق هنا يخاطب مؤمنين ومنافقين وأهل كتاب؛ لذلك فلا بد أن تشملهم الآية: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لأن الإنسان إن آمن بالله فقط، فهذا يقتضي أن يبحث المؤمن بالله عن مطلوب الله، ومطلوب الله إنما جاء به رسول؛ لذلك فالإيمان بالله يقتضي أن يؤمن الإنسان برسول، لأن قصارى ما يعطيك العقل أيها الإنسان أن تؤمن بأن وراء الكون إلهاً خلقه ويدبره. ولكن ما اسم هذا الإله؟ لا يعرف الإنسان ذلك إلا عن طريق الرسول. إن هذه أمور لا تعرف بالعقل ولكن لا بد من الإخبار بها، وكذلك مطلوبات الله، وكذلك جزاء المؤمنين على حسن إيمانهم، ولذلك لا بد من مجيء رسول للبلاغ. إذن فلا بد مع الإيمان بالله أن تؤمن بالرسول. ومادمت أيها المؤمن قد آمنت برسوله فلا بد أن تؤمن بالكتب التي جاءت على لسان الرسول. وهذه الكتب تقول لك: إن هناك خلقاً لله لا تراهم وهم الملائكة، والمَلَكُ يأتي بالوحي وينزل به على الرسول، على الرغم من أنك لم تر الملك فأنت تؤمن بوجوده. إذن فالقمة الإيمانية هي أن تؤمن بالله، ولازمها أن تؤمن برسول الله، وأن تؤمن بكتاب مع الرسول، وأن تؤمن بما يقوله الله عن خلق لا تستطيع أن تدركهم كالملائكة. وهذا الأمر بالإيمان هو مطلوب من أهل الكتاب لأنهم آمنوا برسلهم، ويطلب منهم أن يؤمنوا برسول الله وبما أُنزل عليه. ويترك الحق سبحانه وتعالى لخلقه أن يكتشفوا وجوداً لكائنات لم تكن معلومة لأنهم حُدِّثوا بأن في الكون كائنات أبلغنا الله بوجودها ولا ندركها وهم الملائكة. - إذن - فالدليل عندهم يحثهم ويدفعهم إلى الكشف والبحث. والمثال على ذلك الميكروب الذي لم تعرفه البشرية إلا في القرن السابع عشر الميلادي، وكان الميكروب موجوداً من البداية، لكننا لم نكن ندركه، وبعد أن توصلت البشرية إلى صناعة المجاهر أدركناه وعرفنا خصائصه وفصائله وأنواعه، ومازالت الاكتشافات تسعى إلى معرفة الجديد فيه، هو جديد بالنسبة لنا، لكنه قديم في وجوده. ومعنى ذلك أن الله يوضح لنا: إذا حُدثَت أيها الإنسان من صادق على أن في الكون خلقاً لا تدركه أنت الآن فعليك بالتصديق؛ فقبل اكتشاف الميكروب لو حدث الناسَ أحدٌ بوجود الميكروب في أثناء ظلام العصور الوسطى لما صدقوا ذلك، على الرغم من أن الميكروب مادة من مادة الإنسان نفسها لكنه صغير الحجم بحيث لا توجد آلة إدراك تدركه. وعندما اخترعنا واكتشفنا الأشياء التي تضاعف صورة الشيء مئات المرات استطعنا رؤيته، فعدم رؤية الشيء لا يعني أنه غير موجود. فإذا ما حدثنا الله عن خلق الملائكة والجن والشيطان الذي يجري في الإنسان مجرى الدم، فهنا يجب أن يُصدق ويؤمن الكافر والملحد بذلك، لأنه يُصدق أن الميكروب يدخل الجسم دون أن يشعر الإنسان، وبعد ذلك يتفاعل مع الدم ثم تظهر أعراض المرض من بعد ذلك، وقد علم ذلك بعد أن تهيأت أسباب الرؤية والعلم. فإذا كان الله قد خلق أجناساً من غير جنس مادة الإنسان فلنصدق الحق: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} تفسير : [النساء: 136] والمعروف أن الكتاب هو القرآن وهو عَلَمٌ عليه، أما الكتاب الذي أنزل من قبل فلنعرف أن المراد به هو جنس الكتاب.. أي كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقال على "الـ" السابقة لكلمة الكتاب الثانية: "هي" "الـ" الجنسية. والجنس كما نعلم - تحته أفراد كثيرة بدليل أن الحق سبحانه وتعالى يأتي بالمفرد ويدخل عليه الألف واللام ويستثنى منه جماعة، مثال ذلك: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [العصر: 1-3] نجد "الإنسان" هنا مفرد، ودخلت عليه "الـ"، واستثنى من الإنسان جماعة هم الذين آمنوا، وهذا دليل على أن "الإنسان" أكثر من جماعة. ولذلك يقولون: إن الاستثناء معيار العموم.. أي أن اللفظ الذي استثنينا وأخذنا وأخرجنا منه لفظ عام. ويطالبنا الحق بالإيمان بالكتاب أي القرآن؛ فإذا أطلقت كلمة "الكتاب" انصرفت إلى القرآن؛ لأن" الـ" هنا (للغلبة)، مثال ذلك: يقال: "هو الرجل"، وهذا يعني أنه رجل متفرد بمزايا الرجولة وشهامتها وقوتها، فإذا أطلقنا الكتاب فهي تعني القرآن؛ لأن كلمة الكتاب غلب إطلاقها على القرآن فلا تنصرف إلاّ إليه، أو أنه هو الكتاب الكامل الذي لا نسخ ولا تبديل له، فـ "الـ" هنا للكمال أما الكتاب الذي أُنزل من قبل فهو يشمل التوراة والإنجيل وسائر الكتب، والصحف المنزلة على الأنبياء السابقين. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} أي إن آمن بالله وكفر ببقية ما ذكر في الآية فهو كافر أيضا. وكان بعض اليهود كعبدالله بن سلام، وسلام بن أخته، وسلمة بن أخيه، وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، ويامين بن يامين قد ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: حديث : نحن نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه الصلاة والسلام: "بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله" فقالوا: لا نفعل. تفسير : فنزلت فآمنوا كلهم . والخطاب والنداء يشمل أيضا المنافقين. أي يأيها الذين آمنوا في الظاهر نفاقا، أخلصوا لله واجعلوا قلوبكم مطابقة لألسنتكم، فالنداء - إذن - يشمل المؤمنين ليستديموا ويستمروا علىإيمانهم، ويضن الكافرين من أهل الكتاب ليؤمنوا بكل رسول وبكل كتاب، هو أيضا للمنافقين ليخلصوا في إيمانهم حتى تطابق وتوافق قلوبهم ألسنتهم. إذن فمن يكفر بأي شيء ذكره الله في هذه الآية فقد كفر بالله. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} و"ضل" أي سار على غير هدى، فعندما يتوه الإنسان عن هدفه المقصود يقال: ضل الطريق، والذي "ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً" هو من يذهب إلى متاهة بعيدة، والمقصود بها متاهة الكفر. وهناك ضَلال عن الهدى يمكن استدراكه، أما الضلال البعيد والغرق في متاهة الكفر فمن الصعب استدراكه، والضُلاَّلُ متحدون في نقطة البداية، لكنهم فريقان يختلفان، فأحدهما يسير في طريق الإيمان وهو منتبه دائماً إلى غايته وهي رضاء الله بتطبيق مطلوباته، ويحذر أن يخالف عن أمره، والآخر انحرف من البداية فوصل إلى متاهة الكفر. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرا له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله تعالى: {أية : يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ } تفسير : الآية. وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات. ويقتضي أيضا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من الإيمان المأمور به. وكذلك سائر الأعمال الظاهرة والباطنة، كلها من الإيمان كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة. ثم الاستمرار على ذلك والثبات عليه إلى الممات كما قال تعالى: {أية : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } تفسير : وأمر هنا بالإيمان به وبرسوله، وبالقرآن وبالكتب المتقدمة، فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنا إلا به، إجمالا فيما لم يصل إليه تفصيله وتفصيلا فيما علم من ذلك بالتفصيل، فمن آمن هذا الإيمان المأمور به، فقد اهتدى وأنجح. { وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا } وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟!! واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها، لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض، ثم قال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا ...}.