٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
137
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر بالإيمان ورغب فيه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فذكر هذه الآية. واعلم أن فيها أقوالاً كثيرة: الأول: أن المراد منه الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلوبهم، إذ لو كان للإيمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب، ومن لا يكون للإيمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيماناً صحيحاً معتبراً فهذا هو المراد بقوله {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على الفسق، فكذا ههنا. الثاني: قال بعضهم: اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد عليه الصلاة والسلام. الثالث: قال آخرون: المراد المنافقون، فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعاً من المسلمين قالوا إنا مؤمنون والكفر الثاني هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين، وإظهار الإيمان قد يسمى إيماناً قال تعالى {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } تفسير : [البقرة: 221] قال القفال رحمة الله عليه: وليس المراد بيان هذا العدد، بل المراد ترددهم كما قال {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } تفسير : [النساء: 143] قال والذي يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }. الرابع: قال قوم: المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا {أية : ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون} تفسير : [آل عمران: 72] وقوله {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام. المسألة الثانية: دلّت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان، فوجب أن يكون الإيمان أيضاً كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوهاً: الأول: أنهم ماتوا على كفرهم. الثاني: أنهم ازدادوا كفراً بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان. الثالث: أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤن } تفسير : [البقرة: 14] وذلك يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه. ثم قال تعالى: {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } وفيه سؤالان: الأول: أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطاً بما قبل التوبة أو بما بعدها، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية. والثاني: أيضاً باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور، ولو كان ذلك بعد ألف مرة، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم. والجواب عنه من وجوه: الأول: أنا لا نحمل قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ } على الاستغراق، بل نحمله على المعهود السابق، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } إخبار عن موتهم على الكفر، وعلى هذا التقدير زال السؤال. الثاني: أن الكلام خرج على الغالب المعتاد، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه. الثالث: أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر، وقول السائل: إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة. قلنا: إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله {أية : وَإِذ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } تفسير : [الأحزاب: 7] خصهما بالذكر لأجل التشريف، وكذلك قوله {أية : وَمَلَـئِكَتُهُ... وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98]. السؤال الثاني: في قوله {لِيَغْفِرَ لَهُمْ } اللام للتأكيد فقوله {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } يفيد نفي التأكيد، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي، فما الوجه فيه؟ والجواب: أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي. ثم قال تعالى: {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } قال أصحابنا: هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافاً للمعتزلة، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة. ثم قال تعالى: {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }. واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بيّن أنه لا يغفر لهم كفرهم ولا يهديهم إلى الجنة، ثم قال: وكما لا يوصلهم إلى دار الثواب فإنه مع ذلك يوصلهم إلى أعظم أنواع العقاب، وهو المراد من قوله {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } وقوله {بُشّرَ } تهكم بهم، والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قيل: المعنى آمنوا بموسى وكفروا بعُزَيْر، ثم آمنوا بعُزَير ثم كفروا بعيسى، ثم ٱزدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الذين آمنوا بموسىٰ ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعد عزير بالمسيح، وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى، ثم ٱزدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن. فإن قيل: إن الله تعالىٰ لا يغفر شيئاً من الكفر فكيف قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول؛ وهذا كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال:حديث : قال أُناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله) أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أمّا من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام» تفسير : . وفي رواية « حديث : ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر » تفسير : . الإساءة هنا بمعنى الكفر؛ إذ لا يصح أن يُراد بها هنا ٱرتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلاَّ لمن يعصم من جميع السيئات إلاَّ حين موته، وذلك باطل بالإجماع. ومعنى {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} اصرّوا على الكفر. {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ} يرشدهم. {سَبِيلاً} طريقاً إلى الجنة. وقيل: لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه. وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر؛ فإن الله تعالىٰ بيّن أنه لا يهدي الكافرين طريَق خيرٍ ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالىٰ، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالىٰ أيضاً. وتضمنت الآية أيضاً حكم المرتدين، وقد مضى القول فيهم في «البقرة» عند قوله تعالىٰ: { أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } تفسير : [البقرة: 217].
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} يعني اليهود آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام. {ثُمَّ كَفَرُواْ} حين عبدوا العجل. {ثُمَّ آمَنُوا} بعد عوده إليهم. {ثُمَّ كَفَرُواْ} بعيسى عليه الصلاة والسلام. {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو قوماً تكرر منهم الارتداد ثم أصروا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي. {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } إذ يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإِيمان، فإن قلوبهم ضربت بالكفر وبصائرهم عميت عن الحق لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، وخبر كان في أمثال ذلك محذوف تعلق به اللام مثل: لم يكن الله مريداً ليغفر لهم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان، ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً، ولا طريقاً إلى الهدى، ولهذا قال: {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا} قال: تمادَوا على كفرهم حتى ماتوا، وكذا قال مجاهد. وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى عن عامر الشعبي، عن علي رضي الله عنه، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}. ثم قال: {بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يعني: أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي: بالمؤمنين؛ في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ}، ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له، ولمن جعلها له؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} تفسير : [فاطر: 10]. وقال تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [المنافقون: 8]، والمقصود من هذا التهييجُ على طلب العزة من جناب الله، والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدينا، ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسيء، عن أبي ريحانه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزاً وفخراً، فهو عاشرهم في النار» تفسير : تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري، واسمه شمعون، بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم. وقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}، أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله، ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} في المأثم، كما جاء في الحديث: «حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» تفسير : والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} الآية، قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام، يعني نسخ قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} لقوله: {أية : وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأنعام: 69]. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً} أي: كما أشركوهم في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبداً، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال، وشراب الحميم والغسلين لا الزلال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بموسى وهم اليهود {ثُمَّ ءَامَنُواْ } بعبادة العجل {ثُمَّ كَفَرُواْ } بعده {ثُمَّ كَفَرُواْ } بعيسى {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بمحمد {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } ما أقاموا عليه {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } طريقاً إلى الحق.
الشوكاني
تفسير : أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة التي آمنت ثم كفرت ثم آمنت، ثم كفرت، ثم ازدادت كفراً بعد ذلك كله، أنه لم يكن الله سبحانه ليغفر لهم ذنوبهم، ولا ليهديهم سبيلاً يتوصلون به إلى الحق، ويسلكونه إلى الخير؛ لأنه يبعد منهم كل البعد أن يخلصوا لله، ويؤمنوا إيماناً صحيحاً، فإن هذا الاضطراب منهم تارة يدّعون أنهم مؤمنون، وتارة يمرقون من الإيمان ويرجعون إلى ما هو دأبهم، وشأنهم من الكفر المستمرّ، والجحود الدائم يدلّ أبلغ دلالة على أنهم متلاعبون بالدين، ليست لهم نية صحيحة، ولا قصد خالص. قيل المراد بهؤلاء: اليهود فإنهم آمنوا بموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادتهم العجل، ثم آمنوا به عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالآية: أنهم ازدادوا كفراً واستمروا على ذلك كما هو الظاهر من حالهم، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه، وأقلع عن الكفر، فقد هداه الله السبيل الموجب للمغفرة، "حديث : والإسلام يجبّ ما قبله"تفسير : ، ولكن لما كان هذا مستبعداً منهم جداً كان غفران ذنوبهم، وهدايتهم إلى سبيل الحق مستبعداً. قوله: {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } إطلاق البشارة على ما هو شرّ خالص لهم تهكم بهم، وقد مرّ تحقيقه. وقوله: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء } وصف للمنافقين، أو منصوب على الذمّ، أي: يجعلون الكفار أولياء لهم يوالونهم على كفرهم، ويمالئونهم على ضلالهم. وقوله: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } في محل نصب على الحال، أي: يوالون الكافرين متجاوزين ولاية المؤمنين {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة معترضة. قوله: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } هذه الجملة تعليل لما تقدّم من توبيخهم بابتغاء العزّة عند الكافرين، وجميع أنواع العزّة، وأفرادها مختص بالله سبحانه، وما كان منها مع غيره، فهو من فيض، وتفضله كما في قوله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8] والعزة: الغلبة. يقال عزّه يعزّه عزّا: إذا غلبه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق؛ لأن من أظهر الإيمان، فقد لزمه أن يمتثل ما أنزله الله؛ وقيل إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ. وقرأ عاصم، ويعقوب: {نزل} بفتح النون والزاي وتشديدها، وفاعله ضمير راجع إلى اسم الله تعالى في قوله: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }. وقرأ حميد بتخفيف الزاي مفتوحة مع فتح النون، وقرأ الباقون بضم النون مع كسر الزاي مشدّدة على البناء للمجهول. وقوله: {أن إذا سمعتم آيات الله} في محل نصب على القراءة الأولى على أنه مفعول {نزل}. وفي محل رفع على القراءة الثانية على أنه فاعل، وفي محل رفع على أنه مفعول ما لم يسمّ فاعله على القراءة الثالثة. و{أن} هي المخففة من الثقيلة، والتقدير أنه إذا سمعتم آيات الله. والكتاب: هو القرآن. وقوله: {يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } حالان، أي: إذا سمعتم الكفر، والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات. والمراد: سماع الكفر والاستهزاء. وقوله: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أي: أنزل عليكم في الكتاب أنكم عند هذا السماع للكفر، والاستهزاء بآيات الله لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بها. والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68] وقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود، حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك. وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص، والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيراً من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدلّ على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأساً، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه العايل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّماً على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم، فإنهم قد صرّحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم، كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة بـ"القول المفيد في حكم التقليد" وفي مؤلفنا المسمى بـ"أدب الطلب، ومنتهى الأرب" اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين. قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ } تعليل للنهي أي: إنكم إن فعلتم ذلك، ولم تنتهوا، فأنتم مثلهم في الكفر. قيل: وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل:شعر : وكل قرين بالمقارنِ يقتدي تفسير : وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال: هي منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } تفسير : [الأنعام: 69] وهو مردود، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويستهزئون بها. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً } هذا تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، قيل: وهم القاعدون، والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجهاً إلى المنافقين. قوله: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } أي: ينتظرون بكم ما يتجدد، ويحدث لكم من خير أو شرّ، والموصول في محل نصب على أنه صفة للمنافقين، أو بدل منهم فقط دون الكافرين، لأن التربص المذكور هو من المنافقين دون الكافرين، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم، {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } هذه الجملة، والجملة التي بعدها حكاية لتربصهم، أي: إن حصل لكم فتح من الله بالنصر على من يخالفكم من الكفار {قَالُواْ } لكم {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } في الاتصاف بظاهر الإسلام، والتزام أحكامه والمظاهرة والتسويد، وتكثير العدد {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ } من الغلب لكم، والظفر بكم {قَالُواْ } للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي: ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم، ولكن أبقينا عليكم. وقيل المعنى: إنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين ألم نستحوذ عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم؟ والأوّل أولى، فإن معنى الاستحواذ: الغلب، يقال: استحوذ على كذا، أي: غلب عليه، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [المجادلة: 19] ولا يصح أن يقال: ألم نغلبكم حتى هابكم المسلمون، ولكن المعنى: ألم نغلبكم يا معشر الكافرين، ونتمكن منكم فتركناكم، وأبقينا عليكم حتى حصل لكم هذا الظفر بالمسلمين: {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع لكم، وعجزوا عن الانتصاف منكم؛ والمراد أنهم يميلون مع من له الغلب، والظفر من الطائفتين، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة، وهذا شأن المنافقين أبعدهم الله، وشأن من حذا حذوهم من أهل الإسلام من التظهر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى، والميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال أو جاه، فيلقاه بالتملق، والتودد، والخضوع، والذلة، ويلقى من لا حظ له من الدنيا بالشدّة، والغلظة، وسوء الخلق، ويزدري به، ويكافحه بكل مكروه، فقبح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها. قوله: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق، وتظهر الضمائر، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم، وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقاً {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }، هذا في يوم القيامة إذا كان المراد بالسبيل: النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به الحجة. قال ابن عطية: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بذلك يوم القيامة. قال ابن العربي: وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وسببه توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوّله يعني قوله: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وذلك يسقط فائدته، إذ يكون تكرار هذا معنى كلامه وقيل المعنى: إن الله لا يجعل للكافرين سبيلاً على المؤمنين يمحو به دولتهم، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما يفيده الحديث الثابت في الصحيح «حديث : وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً»تفسير : . وقيل إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلاً على المؤمنين ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [الشورى: 30] قال ابن العربي: وهذا نفيس جداً. وقيل: إن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعاً، فإن وجد، فبخلاف الشرع. هذا خلاصة ما قاله أهل العلم في هذه الآية، وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } الآية، قال: هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال: هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا، ثم ذكر النصارى، فقال: {ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} يقول: آمنوا بالإنجيل، ثم كفروا، {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين، ثم كفروا مرتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة من الكذب؛ ليضحك بها جلساءه، فيسخط الله عليهم جميعاً، فذكروا ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله؟ {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ }. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: أنزل في سورة الأنعام {أية : حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68] ثم نزل التشديد في سورة النساء {إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ }. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والكافرين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } قال: هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ } إن أصاب المسلمين من عدوّهم غنيمة قال المنافقون {أَلَمْ نَكُن } قد كنا {مَّعَكُمْ } فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ } يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم. وأخرج ابن جرير عن السديّ {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } قال: نغلب عليكم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب، والحاكم وصححه عن عليّ أنه قيل له: أرأيت هذه الآية: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } وهم يقاتلوننا، فيظهرون ويقتلون، فقال: ادنه ادنه، ثم قال: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن السديّ {سَبِيلاً } قال: حجة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} فيه ثلاثة أقاويل: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم آمنواْ بموسى ثم كفرواْ بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفرواْ بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليهم وسلم، وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدواْ، ثم آمنوا ثم ارتدواْ، ثم ماتواْ على كفرهم، وهذا قول مجاهد. والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدواْ تشكيك المؤمنين فكانواْ يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادواْ كفراً بثبوتهم عليه، وهذا قول الحسن. واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين: أحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي. والثاني: يستتاب كلما ارتد، وهو قول الشافعي والجمهور.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَامَنُواْ} بموسى {ثُمَّ كَفَرُواْ} بعبادة العجل {ثُمَّ ءَامَنُواْ} بموسى بعد عوده {ثُمَّ كَفَرُواْ} بعيسى {ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ـ أو المنافقون آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا، ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم، أو قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فأظهروا الإيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم عليه فيستتاب المرتد ثلاث مرات فإن عاد قُتل بغير استتابة، لأجل هذه الآية قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو يستتاب كلما ارتد عند الجمهور.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً} قال ابن عباس نزلت في اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادتهم العجل ثم بعد ذلك كفروا بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل إنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعده ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت في المنافقين وذلك أنهم آمنوا ثم كفروا بعد الإيمان ثم آمنوا يعني بألسنتهم وهو إظهارهم الإيمان لتجري عليهم أحكام المؤمنين ثم ازدادوا كفراً يعني بموتهم على الكفر. وقيل بذنوب أحدثوها في الكفر وقيل هم قوم آمنوا ثم ارتدوا إلى الكفر ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً يعني بموتهم عليه. وذلك لأن من تكرر منه الإيمان بعد الكفر والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه، ومن كان كذلك لا يكون مؤمناً بالله إيماناً صحيحاً وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان ومثل هذا المتلاعب بالدين هل تقبل توبته أم لا؟ حكي عن علي ابن أبي طالب أنه قال لا تقبل توبته بل يقتل وذهب أهل العلم إلى أن توبته مقبولة. وقوله تعالى: {لم يكن الله ليغفر لهم} يعني ما أقاموا على الكفر وماتوا عليه وذلك لأن الله تعالى أخبر أنه يغفر الكفر إذا تاب منه بقوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يعني عن الكفر يغفر لهم ما قد سلف يعني من كفرهم {ولا ليهديهم سبيلاً} يعني طريق هدى وقيل لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قوله تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً} يعني أخبرهم يا محمد وإنما وضع بشر مكان أخبر تهكماً بهم وقيل البشارة كل خبر تتغير به بشرة الوجه ساراً كان ذلك الخبر أو غير سار وقيل معناه اجعل موضع بشارتك لهم العذاب لأن العرب يقول تحيتك الضرب أي هذا بدل من تحيتك قال الشاعر: شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ...} الآية: قال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الآيةُ في المنافِقِينَ، فَإنَّ مِنْهُمْ مَنْ كان يؤمنُ، ثم يكْفُر، ثم يُؤْمن، ثم يَكْفُر، ثم ازداد كُفْراً؛ بأنْ تَمَّ على نفاقِهِ حتى مَاتَ. قال * ع *: وهذا هو التأويلُ الراجحُ، وتأمَّل قولَهُ تعالى: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}؛ فإنها عبارةٌ تقتضي أنَّ هؤلاءِ محتومٌ علَيْهم مِنْ أوَّلِ أمرهم؛ ولذلك تردَّدوا، ولَيْسَتْ هذه العبارةُ مِثْلَ أن يقول: لاَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَهُمْ، بل هي أشَدُّ، فتأمَّل الفَرْقَ بيْنَ العبارَتَيْنِ؛ فإنه من دقيقِ غَرَائِبِ الفَصَاحَةِ الَّتي في كتابِ اللَّه سبحانه.
ابن عادل
تفسير : لما أمر بالإيمان، ورغَّب فيه، بَيَّن فساد طَرِيقة من يَكْفُر بعد الإيمَان. قال قتادة: هم اليَهُود؛ آمَنُوا بِمُوسى، ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، [ثم آمَنُوا بالتَّوْراة]، ثم كَفَرُوا بعيسى - عليه السلام -، ثم ازدادُوا كُفْراً بمحمَّد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو في جَمِيع أهْل الكِتَاب آمَنُوا بِنَبِيِّهم، ثم كَفَرُوا به، وآمَنُوا بالكِتَاب الذي نُزِّل عليه، ثم كَفَرُوا به، وكفرهم به: تركهم إيَّاه، أي: ثم ازْدَادُوا كفراً بمحمَّد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هذا في قَوْم مُرْتَدِّين، آمَنُوا ثم ارتَدُّوا، ومثل هذا هل تقبل تَوْبتهُ؟ حُكِي عن عَلِيٍّ: أنه لا تُقْبَل تَوْبَته، بل يُقْتَل؛ لقوله - تعالى -: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} وذلك لأن تَكْرَار الكُفْر منهم بعد الإيمان مراتٍ، يدلُّ على أنَّه لا وَقْع للإيمَانِ في قُلُوبهم، إذ لو كان للإيمان وَقْعٌ في قُلُوبهم، لما تركُوهُ بأدْنى سَبَب، ومن كان كَذَلِك، فالظَّاهر أنَّه لا يُؤمِن إيماناً صَحِيحاً، فهذا هُو المُرادُ بقوله: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} وليس المُرَادُ، أنه لو أتى بالإيمَان الصَّحِيح، لم يكُن مُعْتَبَراً، بل المراد مِنْهُ: الاستِبْعَاد، وأكثر أهْل العِلْم على قُبُول تَوْبَتِه. وقال مُجَاهِدٌ: {ثم ازدادوا كفراً} أي: مَاتُوا عليه، {لم يكن الله ليغفر لهم}: ما أقامُوا على ذلك، {ولا ليهديهم سبيلاً} أي: طريقاً إلى الحَقِّ. وقيل: المُراد طائِفَة من أهل الكِتَاب، قَصَدوا تَشْكِيك المُسْلِمينَ، فكانوا يُظْهرُونَ الإيمانَ تارةً والكُفْر تارةً أخْرى، على ما أخْبَر اللَّه - تعالى - عنهم قولهم: {أية : آمِنُواْ [بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ] وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [آل عمران: 72] وقوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} أن بَلَغُوا في ذلك إلى حدِّ الاسْتِهْزَاء، والسُّخْرية بالإسْلامِ. فصل دلَّت الآية على أنَّ الكُفْر يقبل الزِّيادة والنُّقْصَان؛ فوجَب أنْ يَكُونَ الإيمان كَذلك؛ لأنهما ضِدَّان متنافِيَانِ؛ فإذا قَبِلَ أحدُهُما التَّفَاوُت، فكذلك الآخَر. فإن قيل: الحُكْم المَذْكُور في هذه الآية: إمَّا أن يكون مَشْرُوطاً بما قبل التَّوبة، أو بما بَعْدَها. والأوَّل: باطِلٌ؛ لأن الكُفْر قبل التَّوْبَة غير مَغْفُور على الإطْلاق، وحينئذٍ تضيع الشُّروطُ المَذْكُورَة. والثاني: باطل؛ لأن الكُفْر [يُغْفَر] بعد التَّوْبَة، ولو كَانَ بعد ألْفِ مَرَّة، فعلى التَّقْديرين يلزم السُّؤالُ. والجوابُ من وُجُوه: أحدها: ألا نَحْمِل قوله: "إنَّ الَّذين" على الاسْتِغْرَاق، بل على المَعْهُود السَّابق، وهم أقْوام مُعَيَّنُون علم الله أنَّهم يَمُوتون على الكُفْر، ولا يَتُوبون عَنْه، فقوله: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} إخبار عن مَوْتِهم على الكُفْر. وثانيها: أن الكلام خَرَج على الغَالِب المُعْتَاد، فإن كان كَثِير الانْتِقَال من الإِسْلاَم إلى الكُفْر، لم يكن للإيمان في قَلْبِه وَقْع، ولا وَجَد حلاوَةَ الإيمان كما تقدَّم، والظَّاهِر ممن حاله هذا أنَّه يمُوت كَافراً. وثالثها: أن الحُكْم على المَذْكُورِ في الآية مَشْرُوطٌ بعدم التَّوْبة عن الكُفْر، وقول السائل إنَّه على هذا التَّقْدير تَضْييعُ الصِّفات المَذْكُورَة. قلنا: إنَّ إفْرادَهُ بالذِّكْر يدلُّ على أن كُفْرَهُم أفْحَش، وخيانتهم أعْظَم، وعُقُوبتهم في القِيَامَة أوْلَى، فجرى مُجْرَى قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7] خصَّهُما بالذِّكر لأجل التشريف، وكقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98]. فإن قيل: اللاَّم في قوله: "لِيَغْفِرَ لَهُم": للتأكيد، وهو غَيْر لائقٍ بهذا المَوْضِع، وإنَّما اللائِق به تَأكيد النَّفْي. فالجواب: إن نفي التَّأكيد على سَبِيل التَّهَكُم مُبَالَغَة في تَأكِيد النَّفْي، وهذه اللاَّم تُشْبِه اللاَّم في قوله: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 179]، تقدَّم الكلام فيه، ومَذَاهب النَّاس، وأن لاَمَ الجحود تُفِيد التَّوْكِيد، والفرق بَيْن قَوْلك: "مَا كَانَ زَيْد يَقُوم"، و"ما كانَ لِيَقُوم". قوله: {ولا ليهديهم سبيلاً} يدلُّ على أنه - تعالى - لم [يَهْدِ] الكافرين إلى الإيمَانِ. وقالت المُعْتَزِلَةُ: هذا مَحْمُول على زِيَادة الألْطَاف، أو عَلَى أنَّه لا يَهْدِيهم إلى الجَنَّة في الآخِرة. قوله {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً} البشارة: كل خبرٍ تتغيَّرُ به بشرَةُ الوجْهِ، سارّاً كان أو غَيْر سَارٍّ. وقال الزَّجَّاج: مَعْنَاه: اجعل في مَوْضع بِشَارتك لَهُم العَذَاب، كما تقول العرب: "تحيتك الضَّرْبُ وعِتَابُكَ السَّيْفُ"، أي: بَدَلاً لكُم من التَّحِيَّةِ، ثم وصَفَ المُنَافِقِين، فقال: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} يعني: يتَّخذون اليَهُود والنَّصَارى أولياء، وأنْصاراً، وبِطَانة من دُون المُؤمنين، كان المُنَافقُون يوادُّونَهُم، ويقول بَعْضهم لبَعْضٍ: إن أمر محمَّد لا يَتِمُّ. قوله: "الَّذِين" يجُوز فيه النَّصْب والرَّفْع، فالنصب من وَجْهَيْن: أحدهما: كونه نعتاً للمُنَافِقِين. والثاني: أنه نَصْب بفعلٍ مُضْمَر، أي أذمُّ الَّذِين، والرَّفْع على خَبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: هم الَّذِين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَة دَلِيلٌ على أنَّ من عَمِل مَعْصِيَةً من الموحّدين، ليس بمنافِقٍ؛ لأنَّه لا يتولّى الكُفَّار، وتضمنت المَنْع من مُوالاة الكُفَّار، وأنْ يتَّخِذُوا أعْواناً على الأعْمال المُتَعَلِّقة بالدِّين، وفي الصَّحيح عن عَائِشَة - رضي الله عنها -: "حديث : أنّ رجلاً من المُشْرِكين لحق بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَاتِل مَعَه، فقال: ارجعْ، فإنَّنا لا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ ". تفسير : قوله: {أيبتغون عندهم العزة} أي: المَعُونة، والظُّهور على محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل: أيطلبون عندهُم القُوَّة، والغَلَبة، والقُدْرة. قال الواحدي: أصَلُ العِزَّة في اللُّغَة: الشِّدَّة، ومنه: قيل: للأرْضِ [الصَّلْبَة] الشَّديدة: عزَاز ويقال: قد استَعَزَّ المرضُ على المَرِيضِ: إذا اشتدَّ مَرَضُه وكاد أن يَهْلَكَ وعَزَّ الهَمُّ إذا اشْتَدَّ، ومنه: [عَزَّ] عليَّ أن يكُون كذا بِمَعْنَى: اشتَدَّ، وعز الشَّيْء: إذا قلَّ حتى لا يَكُادُ يُوجَد؛ لأنه اشتدَّ مطلبُهُ، واعتز فلانٌ بفلان: إذا اشتَدَّ ظَهْرُه به، وشاةٌ عَزُوزٌ: إذا اشتَدَّ حَلْبُها، والعِزَّة: القُوَّة، منقولة عن الشِّدَّة؛ لتقارب مَعْنَيْهما، والعَزِيز: القوي المَنِيع بخلاف الذَّلِيل، فالمُنَافِقُون كانوا يَطْلبون العِزَّة والقُوَّة، بسبب اتِّصالهم باليَهُود، فأبطل اللَّه عَلَيْهم هذا الرَّأي بقوله: {فإن العزة لله جميعاً}. والثاني: قوله: "فإن العزة" لِما في الكلام من معنى الشَّرْط، إذ المَعْنَى: إن تَبْتَغُوا من هَؤلاء عِزَّةً {فإن العزة لله جميعاً}، "جَمِيعاً": حال من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في قوله: "لِلَّه" لوُقُوعهِ خَبَراً، [والمعنى: أنَّ العِزَّة ثبتَتْ لِلَّه - تعالى - حالة كونها جَمِيعاً]. فإن قيل: هذا كالمُنَاقض لقوله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون: 8]. فالجواب: أن القُدْرة الكامِلَة للَّه، وكل من سِوَاه فبإقداره صَار قادراً، وبإعْزَازه صارَ عَزِيزاً، فالعِزَّة الحَاصِلة للرسُول وللمُؤمنين لم تحصل إلا من اللَّه - تعالى -، فكان الأمْر عند التَّحْقِيقِ: أنَّ العِزَّة للَّه جَمِيعاً.
البقاعي
تفسير : ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجداً للكفر مجدداً له، نبه على إغراقه في البعد بغضبه سبحانه وتعالى لتماديه معلماً أن الثبات على الكفر عظيم جداً، وصوّره بأقبح صورة، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف فقال: {إن الذين ءامنوا} أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى {ثم كفروا} أي أوقعوا الكفر فعوَّجوا ما أقامه الله من فطرهم {ثم ءامنوا} أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج {ثم كفروا} أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه {ثم ازدادوا} أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت {كفراً لم يكن الله} أي الذي له صفات الكمال {ليغفر لهم} أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك به {ولا ليهديهم سبيلاً *} أي من السبل الموصلة إلى المقصود. ولما كانت جميع صور الآية منطبقة على النفاق، بعضها حقيقة وبعضها مجازاً، قال جواباً لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكماً بهم: {بشر المنافقين} فأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف {بأن لهم عذاباً أليماً *} ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى: {الذين يتخذون الكافرين} أي المجاهرين بالكفر {أولياء} أي يتعززون بهم تنفيراً من مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق، وبياناً لأن مرادهم بولايتهم إنما هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي، ونبه على دناءة أمرهم على أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله: {من دون المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله: {أيبتغون} أي المنافقون يتطلبون، تطلباً عظيماً {عندهم} أي الكافرين {العزة} فكأنه قال: طلبهم العزة بهم سفه من الرأي وبُعد من الصواب، لأنه لا شيء من العزة عندهم. ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله: {فإن العزة لله} أي الذي لا كفوء له {جميعاً *} أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة، وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}تفسير : [النساء: 44] المختتمة بقوله: {أية : وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} تفسير : [النساء: 45] {وقد} أي يتخذونهم والحال أنه قد {نزل عليكم} أي أيتها الأمة، الصادقين منكم والمنافقين {في الكتاب} أي في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلاً عن ولايتهم، أفلا تخافون عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبداً، لأنهم لا ينفكون عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم في حال من الأحوال إلا عند الإعراض عن الكفر، وذلك هو المراد من قوله: {أنْ} أي إنه {إذا سمعتم آيات الله} أي ذي الجلال والإكرام. ولما كان السماع مجملاً بين المراد بقول: {يكفر بها} أي يستر ما أظهرت من الأدلة من أي كافر كان من اليهود وغيرهم {ويستهزأ بها} أي يطلب طلباً شديداً أن تكون مما يهزأ به {فلا تقعدوا معهم} أي الذين يفعلون ذلك بها {حتى يخوضوا} وعبر عن الشروع بالخوض إيماء إلى أن كلامهم لا يخلو عن شيء في غير موضعه، رمزاً إلى عدم مجالستهم على كل حال {في حديث غيره} فهذا نهي من مجرد مجالستهم فكيف بولايتهم. ولما كانت آية الأنعام مكية اقتصر فيها على مجرد الإعراض وقطع المجالسة لعدم التمكن من الإنكار بغير القلب، وأما هذه الآية فمدنية فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: {إنكم إذاً} أي إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ذلك {مثلهم} أي في الكفر لأن مجالسة المظهر للإيماء المصرح بالكفران دالة على أن إظهاره لما أظهر نفاق، وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر والرضى بالكفر كفر، فاشتد حسن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستأنفاً لجواب السؤال عما تكون به المماثلة: {إن الله} أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته {جامع}. ولما كان حال الأخفى أهم قدم قوله: {المنافقين} أي الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر فيقعدون مع من يسمعونه بكفر {والكافرين} أي الذين يجاهرون بكفرهم لرسوخهم فيه {في جهنم} التي هي سجن الملك {جميعاً} كما جمعهم معهم مجلس الكفر الذي هو طعن في ملك الملك، والتسوية بينهم في الكفر بالقعود معهم دالة على التسوية بين العاصي ومجالسه بالخلطة من غير إنكار؛ ثم وصفهم سبحانه وتعالى بما يعرف بهم فقال: {الذين يتربصون بكم} أي يثبتون على حالهم انتظاراً لوقوع ما يغيظكم {فإن كان لكم فتح} أي ظهور وعز وظفر، وقال: {من الله} أي الذي له العظمة كلها - تذكيراً للمؤمنين بما يديم اعتمادهم عليه وافتقارهم إليه {قالوا} أي الذين آمنوا نفاقاً لكم أيها المؤمنون {ألم نكن معكم} أي ظاهراً بأبداننا بما تسمعون من أقوالنا فأشركونا في فتحكم {وإن كان للكافرين} أي المجاهرين، وقال: {نصيب} تحقيراً لظفرهم وأنه لا يضر بما حصل للمؤمنين من الفتح {قالوا} للكافرين ليشركوهم في نصيبهم {ألم نستحوذ عليكم} أي نطلب حياطتكم والمحافظة على مودتكم حتى غلبنا على جميع أسراركم واستولينا عليها، وخالطناكم مخالطة الدم للبدن، من قولهم: حاذه، أي حاطه وحافظ عليه {ونمنعكم من المؤمنين} أي من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به، ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرغبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد، لتصديقهم لنا لأظهارنا الإيمان، ورضانا من مداهنة من نكره بما لا يرضاه إنسان. ولما كان هذا لأهل الله سبحانه وتعالى أمراً غائظاً مقلقاً موجعاً؛ سبب عنه قوله: {فالله} أي بما له من جميع صفات العظمة {يحكم بينكم} أي أيها المؤمنون والكافرون المساترون والمجاهرون. ولما كان الحكم في الدارين بين أنه في الدار التي لا يظهر فيها لأحد غيره أمر ظاهراً ولا باطناً، وتظهر فيها جميع المخبئات فقال: {يوم القيامة} ولما كان هذا ربما أيأسهم من الدنيا قال: {ولن يجعل الله} عبر بأداة التأكيد وبالاسم الأعظم لاستبعاد الغلبة على الكفرة لما لهم في ذلك الزمان من القوة والكثرة {للكافرين} أي سواء كانوا مساترين أو مجاهرين {على المؤمنين} أي كلهم {سبيلاً *} أي بوجه في دنيا ولا آخرة، وهذا تسفيه لآرائهم واستخفاف بعقولهم فكأنه يقول: يا أيها المتربصون بأحباب الله الدوائر، المتمنون لأعدائه النصر - وقد قامت الأدلة على أن العزة جميعاً لله -! ما أضلكم في ظنكم أنه يخذل أولياءه! وما أغلظ أكبادكم! ويدخل في عمومها أنه لا يقتل مسلم بذمي، ولا يملك كافر مال مسلم قهراً؛ ثم بين أن صورتهم في ضربهم الشقة بالوجهين صورة المخادع، وما أضلهم حيث خادعوا من لا يجوز عليه الخداع لعلمه بالخافيا، فقال معاللاً لمنعهم السبيل.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إن الذين آمنوا ثم كفروا} قال: هؤلاء اليهود، آمنوا بالتوراة ثم كفروا، ثم ذكر النصارى فقال {ثم آمنوا ثم كفروا} يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به {ثم ازدادوا كفراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم {ولا ليهديهم سبيلاً} قال: طريق هدى وقد كفروا بآيات الله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين {ثم ازدادوا كفراً} . وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: هم المنافقون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي أنه قال في المرتد: إن كنت لمستتيبه ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازداودا كفراً}. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن فضالة بن عبيد. أنه أتي برجل من المسلمين قد فر إلى العدوّ فأقاله الإسلام، فأسلم ثم فر الثانية، فأتي به فأقاله الإسلام، ثم فر الثالثة، فأتي به فنزع بهذه الآية {إن الذين آمنوا ثم كفروا} إلى {سبيلاً} ثم ضرب عنقه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ازدادوا كفراً} قال: تموا على كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد. مثله. وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي وابن عساكر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقول كل يوم: أنا ربكم العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز ".
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} قال قتادة: هم اليهودُ آمنوا بموسى {ثُمَّ كَفَرُواْ} بعبادتهم العجلَ {ثُمَّ آمنوا} عند عَودِه إليهم {ثُمَّ كَفَرُواْ} بعيسى والإنجيل {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم قومٌ تكررَ منهم الارتدادُ وأصرّوا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} لما أنه يُستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبُتوا على الإيمان فإن قلوبَهم قد ضربت بالكفر وتمرّنت على الرِّدة، وكان الإيمانُ عندهم أهونَ شيء وأدونَه لا أنهم لو أخلصوا الإيمانَ لم يُقبل منهم ولم يغفَرْ لهم، وخبرُ كان محذوفٌ أي مريداً ليغفر لهم. وقولُه عز وجل: {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يدل على أن المرادَ بالمذكورين الذين آمنوا في الظاهر نِفاقاً وكفروا في السر مرةً بعد أخرى ثم ازدادوا كفراً ونفاقاً، ووضعُ التبشيرِ موضعَ الإنذار تهكماً بهم.
القشيري
تفسير : الذين تبدَّلَتْ بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعشوا ثم ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصمتهم سطوة العزة حكماً، وأدركتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالاً - فالحقُّ سبحانه لا يهديهم لقصد، ولا يدلهم على رشد، فبَشِّرْهم بالفُرْقة الأبدية، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية.
البقلي
تفسير : وصف اهل التردد فى سلوك سبيل اولياء الله والايمان بهم وباحوالهم حين هاج رغبتهم الى رياسة القوم وشرفهم عند الخاص والعام أمنوا رسما لاستعداد فلما جن عليهم ظلمات المجاهدات لم يحتملوا او نركوا عليهم ورجعوا الى حظوظ انفسهم فاذا سمعوا افكار الخلق على ترددهم واراوا مهابه الا لا بر عندهم امنوا بعد ذلك رسما لا حقيقة فلما لم يصلوا الى شئ من مقامات القوم وكراماتهم ارتدو وصاروا منكرين على القوم وعلى مقاماتهم وزاد انكارهم على الانكار حين رجعوا الى للذات والشهوات واختار والدنيا على الأخرى ويقولون عند الخلق ان هؤلاء نيسوا على الخلق ويظعنونهم يقعون فى تمزيقهم وغيبتهم حتى يضيق صدرو القوم عليهم وان سبحانه ينتقم منهم بان يشغلهم بجمع المال واالرياسة ولا يرشدهم بعد ذلك الى سبيل الرشاد ويقى على وجوههم سمات الخسران ويحترقون غدا عندهم فى وسط الثيران وهذا وصف اهل زماننا من المنكرين الذين كانوا عهدهم بالارادة الايمان بناو وباحو لنا قال الاستاد ان الذين تبدلت بهم الاحوال فقالوا وسقطوا ثم تنعشوا ثم عثروا ختم بالسؤ احوالهم اولئك الذين قصدمتهم سطوات العزة حكما وادراكتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالا فالحق تعالى لا يهديهم لقصد ولا يهد لهم على رشد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين آمنوا} يعنى اليهود بموسى {ثم كفروا} بعبادتهم العجل {ثم آمنوا} بعد عوده اليهم {ثم كفروا} بعيسى والانجيل {ثم ازدادوا كفرا} بكفرهم بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وازداد كذا يجيىء لازما ومتعديا يقال ازددت مالا اى زدته لنفسى ومنه قوله تعالى {أية : وازدادوا تسعا} تفسير : [الكهف: 25]. {لم يكن الله} مريدا {ليغفر لهم} اى ما داموا على كفرهم {ولا ليهديهم سبيلا} اى ولا ليوفقهم طريقا الى الاسلام ولكن يخذلهم مجازاة لهم على كفرهم. فان قيل ان الله لا يغفر كفر مرة فما الفائدة فى قوله {ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} قيل ان الكافر اذا آمن غفر له كفره فاذا كفر بعد ايمانه لم يغفر له الكفر الاول وهو مطالب بجميع كفره.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا} ثم تكرر منهم الإيمان والكفر، ثم أصروا على الكفر وهم المنافقون، {لم يكن الله ليغفر لهم}؛ لما سبق لهم من الشقاء، أو {إن الذين آمنوا} بموسى {ثم كفروا} بعبادة العجل {ثم آمنوا} حين تابوا {ثم كفروا} بعيسى {ثم ازدادوا كفرًا} بمحمد صلى الله عليه وسلم ن {لم يكن الله ليغفر لهم}، وهم اليهود، والأول أظهر، لأن الكلام بعده في المنافقين، فقال تعالى في شأنهم: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً} أي: طريقاً توصلهم إلى الحق، إذ يُستبعد منهم أن يتوبوا، فإن قلوبهم أشربت الكفر، وبصائرهم عميت، لا ينفع علاجها، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم ينفعهم، وقد يكون إضلالهم عقابًا لسوء أفعالهم. ثم ذكر وعيدهم فقال: {بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا}. وهم {الذين يتخذون الكافرين أولياء} أي: أحبابًا وأصدقاء {من دون المؤمنين}، وقد كان الكفار قبل ظهور الإسلام لهم الصولة والجاه، فطلب المنافقون أن ينالوا بولايتهم ومصادقتهم العزّ منهم، فردّ الله عليهم بقوله: {أيبتغون عندهم العزة} بولايتهم؟ {فإن العزة لله جميعًا} ولرسوله ولأوليائه، ولا عزة لغيره؛ إذ لا يعبأ بعزة لا تدوم ويعقبها الذل. الإشارة: من كان ضعيفَ الاعتقاد في أهل الخصوصية، ضعيفَ التصديق، تراه تارة يدخل وتارة يخرج، وتارة يصدق وتارة ينكر، لا يُرجى فلاحُه في طريق الخصوص، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم، فبشره بالخيبة والخسران، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان، والعياذ بالله من الخذلان، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان، وعزة المعرفة والإحسان، وبصحبة أهل العرفان، الذين تعززوا بعز الرحمن، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه، والشبكة التي يصطاد بها العزّ هو الذل لله، يظهره بين عباد الله. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في الذل. وقال الشاعر: شعر : تَذَلَّل لمن تَهوَى لتكسِب عزَّةً فَكَم عِزَّةٍ قَد نَالَهَا المَرءُ بالدُّلِّ تفسير : وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : [المعنى]: قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة اقوال: [الأول] قال قتادة عنى بذلك الذين امنوا بموسى، ثم كفروا بان عبدوا العجل، ثم آمنوا يعني النصاري بعيسى، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وقال الزجاج والفراء: آمنوا بموسى، وكفروا بعزير، ثم امنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد (صلى الله عليه وسلم). والثاني - قال مجاهد وابن زيد يعني بذلك أهل النفاق أنهم آمنوا، ثم ارتدوا ثم آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفراً بموتهم على كفرهم. والثالث - قال ابو العالية: هم اليهود والنصارى أذنبوا ذنباً في شركهم، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم واقوى الاقوال عندنا قول مجاهد، لان المؤمن على الحقيقة عندنا لا يجوز أن يكفر، لان الايمان يستحق عليه الثواب الدائم والكفر يستحق عليه العقاب الدائم بلا خلاف فيهما والاحتياط عندنا باطل، فلو اجزنا الارتداد بعد الايمان الحقيقي لادى إلى اجتماع استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم والاجماع بخلافه واختار الطبري الوجه الاول وقال الجبائي والبلخي يجوز ان تكون الآية نزلت في قوم كانوا آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم أزدادوا كفراً وقوله: {لم يكن الله ليغفر} معناه لم يكن الله ليغفر لهم الايمان الثاني الكفر المتقدم، لانه لما ارتد فيما بعد، دلّ على ان ما تقدم، لم يكن ايماناً فلا يستحق به غفران عقاب الكفر المتقدم وهو الذي اختاره الزجاج وقال البلخي والزجاج: لم يكن الله ليغفر لهم إذا لم يتوبوا منه وهذا الذي ذكروه لا يصح، لان الكفر على كل حال ولو مرة واحدة، لا يغفر الله الا بالتوبه، فلا معنى لنفي الغفران عن كفر بعد إيمان تقدمه كفر تقدمه ايمان. وقوله: {ولا ليهديهم سبيلاً} معناه لا يهديهم سبيل الجنة والثواب فيها، لانهم غير مستحقين له ويحتمل ان يكون المراد بذلك أنه لا يلطف لهم فيما بعد بل يخذلهم عقوبة لهم على كفرهم المتقدم. ولا يجوز ان يكون المراد به أنه لا ينصب لهم الدلالة، لأن نصب الأدلة قد تقدم في الكليف الاول والمرتد عندنا على ضربين: احدهما - لا يستتاب ويقتل على كل حال وهو من ولد على فطرة الاسلام بين مسلمين متى كفر فانه يقتل على كل حال. والآخر وهو من كان كافراً فاسلم، ثم ارتد فانه يستتاب ثلاثاً فان تاب والا قتل، ولا يستتاب اكثر من ذلك. وبه قال علي عليه السلام وابن عمر. وقال قوم: يستتاب ابداً. ذهب اليه ابراهيم وغيره. واختاره الطبري. والمرأة تستتاب على كل حال فان تابت، والا خلدت في السجن ولا تقتل بحال وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مفهوم الآية عامّ وتنزيلها خاصٌّ، فانّ المراد بها المنافقون الّذين آمنوا بمحمّد (ص) يعنى اسملوا {ثُمَّ كَفَرُواْ} بتعاهدهم على خلافه فى مكّة {ثُمَّ آمَنُواْ} حين قبلوا قوله فى الغدير وبايعوا مع علىّ (ع) بالخلافة {ثُمَّ كَفَرُواْ} بتخلّفهم عن جيش اسامة حال حيوته {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بتشديدهم لآل محمّد (ص) {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} لانّهم ارتدّوا عن الفطرة بقطعهم الفطرة الانسانيّة فلا رجوع لهم بالتّوبة ولا سبيل لهم الى دار الرّاحة، فانّ الفطرة الانسانيّة هى السّبيل الى دار الرّاحة فلا يتصّور لهم مغفرة ولا هداية، لانّ المرتدّ الفطرىّ لا توبة له كما قالوا بالفارسىّ "مردود شيخى را اكَر تمام مشايخ عالم جمع شوند نتوانند اصلاح نمايند" لانّه مرتدّ فطرىّ قاطع لفطرته.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}. هم أهل الكتابين. ذكر بعضهم قال: آمن أهل التوراة بالتوراة، وآمن أهل الإِنجيل بالإِنجيل، ثم كفروا بهما، يعني ما حرَّفوا منهما، ثم ازدادوا كلهم كفراً، أي: بالقرآن. {لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} قال الحسن: يعني من مات منهم على كفره، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}، أي سبيل الهدى، يعني عامّتهم؛ وقد أسلم الخاصة منهم. وقال بعضهم: ولا ليهديهم سبيلاً، أي طريق هدى، وقد كفروا بكتاب الله. قوله: {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} كانوا يتولون اليهود وقد أظهروا الإِيمان وأجابوا إليه. {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ} أي أيريدون بهم العزة {فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}. قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ} من أهل الإِقرار {وَالكَافِرِينَ} من أهل الإِقرار والكافرين من أهل الإِنكار {فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}. قال الكلبي: نُهِيَ المؤمنون أن يجالسوا المنافقين والكفار إذا سمعوهم يستهزئون بشيء من كتاب الله ويعيبونه. وأما قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ} فيعني ما أنزل في سورة الأَنعام بمكة قبل الهجرة: (أية : وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) تفسير : [الأنعام:68] وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتال مشركي العرب ثم أمر بقتالهم. فأما المنافقون الذين أظهروا الإِيمان، واليهود إذا أدّوا الجزية، فلا يقاتَلون. قوله: {الذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} يعني المنافقين؛ كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ} أي نصر وغنيمة {قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} أي نكبة على المؤمنين {قَالُوا} للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي: ألم نغلب عليكم بمودتنا إياكم {وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ} يقولون: إنهم آمنوا بمحمد، وكنا لكم عيوناً، نأتيكم بأخبارهم، ونعينكم عليهم؛ وكان ذلك في السِّرّ. قال الله: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} فيجعل المؤمنين في الجنة ويجعل الكافرين في النار {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} أي حجة في الآخرة؛ وقد تكون في الدنيا الدولة للكافرين؛ وربما ابتلي المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا}: قال مجاهد، وابن زيد: نزلت فى قوم آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به، ثم آمنوا به ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرا بالاصرار عليه حتى ماتوا، ومعنى {لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا} أنهم ليسوا من أهل المغفرة والهداية من أول أمرهم، وهم من أصلهم بعد البلوغ أهل كفر، ولذلك تلاعبوا بالايمان يدخلون ويخرجون، ولو قال: لا يغفر الله لهم ولا يهديهم سبيلا ونحو ذلك من أنواع النفى، لم يفد ذلك وأيضا فى لام الجحود زيادة النفى بتأكيده، وكل من يموت كافرا فقد قضى الله عليه بالكفر من أول أمره كذلك لكن ليس التصريح بهذا أو التلويح اليه كعدمه. وذلك التفسير لكونه تضمن أن الايمان تارة، والكفر أخرى، من قوم واحد يؤمن كل منهم تارة تكفر أخرى أولى مما قيل عن ابن عباس: انها نزلت فى اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بالله وموسى، اذا عبدوا العجل ثم تابوا وآمنوا بعد ذلك، ثم كفروا بعيسى والانجيل، ثم ازدادوا كفرا بأن كفروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وماتوا عليه، فان هذا بعضه فى قوم وبعضه فى قوم الا أنه ساغ لقائله، لأن البعض الأخير ارتضى ما فعله من قبله، ومن قبله سن الكفر له، فكأنهم كلهم فعلوا ذلك. وقيل: كما مر عن مجاهد لكن ازدياد الكفر بذنوب أحدثوها فى كفرهم، وسموا فى هذا، وفى قول مجاهد منافقين لما ظهر منهم من عدم الرسوخ، ويظهر لى وجه مستحسن ان شاء الله، وهو أن المراد مطلق المنافقين بفعل الكبائر بأن يطيعوا، ثم يعصوا بفعل الكبيرة، ثم يطيعوا ثم يعصوا كذلك، وليس ذلك مرتين فقط حتما، بل بحسب ما اتفق وتكرر منهم ولو مائة مرة أو أكثر، وقد كثر فى كلام العرب ذكر الشىء مرتين، والمراد أكثر كقولك علمته الكتاب بابا بابا، وازدياد الكفر تقويته بالموت عليه، حتى لا يعقبه ايمان، أما الكفر فمعلوم أن الذنب الكبير كفر، وأما الايمان فمعلوم أنه عند أصحابنا يطلق على الطاعة مطلقا كما يطلق على التوحيد. واذا كان الملاعب يلاعب بالشرك والايمان يتردد من هذا لهذا مرارا، فعن على: تقبل توبته، وقال الجمهور: تقبل وقد فسر بعضهم الآية بقوم آمنوا ثم ارتدوا مرارا، وقد يحمل لا قول على المذكور، على أن المراد أنه من كانت هذه حالته ليس ممن يصدق فى توبته، فيبعد أن يموت تائبا ونصب سبيلا على المفعولية الثانوية، أى يمنحهم سبيلا ضمن يهدى معنى ما يتعدى لاثنين، أو على تقدير الى ونكر للتعظيم، وهو دين الله، وذلك فى الوجهين.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} إن اليهود الذين أمنوا بموسى {ثُمَّ كَفَرُوا} أشركوا بعبادة العجل {ثُمَّ ءَامَنُوا} بعد رجوع موسى من الميقات {ثُمَّ كَفَرُوا} أشركوا بإنكار نبوءة عيسى والإنجيل {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً} شركا بإنكار نبوءة محمد ورسالته صلى الله عليه وسلم والقرآن {لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} شركهم وذنوبهم {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} إلى الحق، وقيل: آمنوا بموسى وكفروا بعده، وآمنوا بعزير وكفروا بعيسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالذات هؤلاء الأخيرون المنكرون لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كفروا ورضوا بكفر هؤلاء الكفرة، فكأنه فعل هؤلاء الأخيرون كفرهم وكفر من قبلهم، أو المراد من آمن ثم ارتد، ثم آمن ثم ارتد وأصر، وتمادى على الشرك لا تقبل توبته ولو تاب،كما روى عن على: أنه يقتل ولا تقبل توبته، وأن الآية دلت أنه لا تتمحض توبته عن الشرك، فلا بد أن يموت بعد هذا التلاعب بالدين وفى قلبه شرك والصحيح، وهو مذهب الجمهور، أنه تقبل توبته فلا يقتل، وأنه يمكن أن تكون نصوحا، وأن الآية استعباد لأن تنصح توبتهم وأنه لو نصحت لقبلت، ويقال إن ذلك المروى عن على لا يصح عنه أو مؤول، قلت وجه تأويله أن يريد أنه لا يوفق للتوبة النصوح، أو نزلت فى قوم مخصوصين علم الله أنهم لا يتوبون، وليس منهم أبو جهل وأبو لهب والوليد كما توهم بعض، لأنه لا نعلم أن هؤلاء آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، أو معنى ازدياد الكفر الإصرار عليه إلى الموت أو في المنافقين، وآمنوا بألسنتهم، ثم كفروا نطقوا بالكفر الذى أضمروه سرَّا وظهر بعد، ثم تداركوه بالإيمان من ألسنتهم ستراً على أنفسهم، ثم نطقوا بالكفر الذى فى قلوبهم، وليس المراد خصوص ما ذكر بل مجرد التكرار حتى ختموا أمرهم بازدياد الكفر وماتوا عليه، وقيل: المراد طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك الصحابة، يظهرون الإيمان بحضرتهم ثم يقولون عرضت لنا شبهة فيكفرون، ثم يظهرون الإيمان ثم يقولون عرضت لنا شبهة فيكفرون إلى الموت ويناسب التفسير بالمنافقين قوله تعالى: {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عّذَاباً أَلِيماً} عذاب النار فى الآخرة، وضع بشر مكان أنذر تهكم بهم، لعلاقة التضاد أو الإطلاق والتقييد، فإن التبشير إخبار بقيد كونه سارا ضد الإنذار، وذلك مجاز مرسل تهكمى، أو استعارة تهكمية لعلاقة الشبه إذ كل منهما إخبار بجزاء.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} هم قوم تكرر منهم الارتداد وأصروا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي، وعن مجاهد وابن زيد أنهم أناس منافقون أظهروا الإيمان ثم ارتدوا ثم أظهروا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم، وجعلها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عامة لكل منافق في عهده صلى الله عليه وسلم في البر والبحر، وعن الحسن أنهم طائفة من / أهل الكتاب أرادوا تشكيك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يظهرون الإيمان بحضرتهم، ثم يقولون قد عرضت لنا شبهة فيكفرون ثم يظهرون ثم يقولون: قد عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون، ويستمرون على الكفر إلى الموت، وذلك معنى قوله تعالى: {أية : وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [آل عمران: 72]، وقيل: هم اليهود آمنوا بموسى عليه السلام، ثم كفروا بعبادتهم العجل حين غاب عنهم، ثم آمنوا عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن قتادة، وقال الزجاج والفراء: إنهم آمنوا بموسى عليه السلام، ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفراً بنبينا عليه الصلاة والسلام، وأورد على ذلك بأن الذين ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم ليسوا بمؤمنين بموسى عليه السلام، ثم كافرين بعبادة العجل أو بشيء آخر، ثم مؤمنين بعوده إليهم أو بعزير، ثم كافرين بعيسى عليه السلام بل هم إما مؤمنون بموسى عليه السلام وغيره، أو كفار لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل. وأجيب بأنه لم يرد على هذا قوم بأعيانهم بل الجنس، ويحصل التبكيت على اليهود الموجودين باعتبار عد ما صدر من بعضهم كأنه صدر من كلهم، والذي يميل القلب إليه أن المراد قوم تكرر منهم الارتداد أعم من أن يكونوا منافقين أو غيرهم، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في المرتد: إن كنت لمستتيبه ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية وإلى رأي الإمام كرم الله تعالى وجهه ذهب بعض الأئمة فقال: يقتل المرتد في الرابعة ولا يستتاب، وكأنه أراد أنه لا فائدة في الإستتابة إذ لا منفعة. وعليه فالمراد من قوله سبحانه: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} أنه سبحانه لا يفعل ذلك أصلاً وإن تابوا، وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور: المراد من نفي المغفرة والهداية نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت ومعنى نفيه استبعاد وقوعه فإن من تكرر منهم الإرتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم. وخص بعضهم عدم الاستتابة بالمتلاعب المستخف إذا قامت قرينة على ذلك، وخبر كان في أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام كما ذهب إليه البصريون أي ما كان الله تعالى مريداً للغفران لهم، ونفي إرادة الفعل أبلغ من نفيه. وذهب الكوفيون إلى أن اللام زائدة والخير هو الفعل. وضعف بأن ما بعدها قد انتصب فإن كان النصب باللام نفسها فليست بزائدة، وإن كان ـ بأن ـ ففاسد لما فيه من الإخبار بالمصدر عن الذات. وأجيب باختيار الشق الأول وأنه لا مانع من العمل مع الزيادة كما في حروف الجر الزائدة، وباختيار الشق الثاني وامتناع الإخبار بالمصدر عن الذات لعدم كونه دالاً بصيغته على فاعل وعلى زمان دون زمان، والفعل المصدر ـ بأن ـ يدل عليهما فيجوز الإخبار به ـ وإن لم يجز بالمصدر ـ ولا يخفى ما فيه، فإن الإخبار على هذا بالفعل لا بالمصدر وإن أوّل المصدر باسم الفاعل كان الإخبار باسم الفاعل لا به أيضاً فافهم. واختار قوم في القوم ما ذهب إليه مجاهد وأيد ذلك بقوله تعالى: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف عن قوله: {أية : ومن يكْفُرْ بالله}تفسير : [النساء: 136] الآية، لأنّه إذا كان الكفر كما علمت، فما ظنّك بكفر مضاعَف يعاوده صاحبه بعد أن دخل في الإيمان، وزالت عنه عوائق الاعتراف بالصدق، فكفره بئس الكفر. وقد قيل: إنّ الآية أشارت إلى اليهود لأنّهم آمنوا بموسى ثم كفروا به إذ عبدوا العجل، ثم آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً بمحمد، وعليه فالآية تكون من الذمّ المتوجّه إلى الأمّة باعتبار فعل سلفها، وهو بعيد، لأنّ الآية حكم لا ذَمّ، لقوله {لم يكن الله ليغفر لهم} فإنّ الأولين من اليهود كفروا إذ عبدوا العجل، ولكنّهم تابوا فما استحقّوا عدم المغفرة وعدمَ الهداية، كيف وقد قيل لهم {فتوبوا إلى بارئكم} إلى قوله: {أية : فتاب عليكم}تفسير : [البقرة: 54]، ولأنّ المتأخّرين منهم ما عبدوا العجل حتّى يُعَدَّ عليهم الكفرُ الأول، على أنّ اليهود كفروا غير مرّة في تاريخهم فكفروا بعد موت سليمان وعبدوا الأوثان، وكفروا في زمن بختنصر. والظاهر على هذا التأويل أن لا يكون المراد بقوله: {ثم ازدادوا كفراً} أنّهم كفروا كَفْرَةً أخرى، بل المراد الإجمال، أي ثم كفروا بعد ذلك، كما يقول الواقِف: وأولادهم وأولاد أولادهم وأولاد أولاد أولادهم لا يريد بذلك الوقوف عند الجيل الثالث، ويكون المراد من الآية أنّ الذين عرف من دأبهم الخفّة إلى تكذيب الرسل، وإلى خلع ربقة الديانة، هم قوم لا يغفر لهم صُنعهم، إذْ كان ذلك عن استخفاف بالله ورسله. وقيل: نزلت في المنافقين إذ كانوا يؤمنون إذا لقوا المؤمنين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا، ولا قصد حينئذٍ إلى عدد الإيمانات والكَفَرات. وعندي: أنّه يعني أقواماً من العرب من أهل مكة كانوا يتّجرون إلى المدينة فيؤمنون، فإذا رجعوا إلى مكة كفروا وتكرّر منهم ذلك، وهم الذين ذكروا عند تفسير قوله: {أية : فما لكم في المنافقين فئتين}تفسير : [النساء: 88]. وعلى الوجوه كلّها فاسم الموصول من قوله: {إنْ الذين... كفروا} مراد منه فريق معهود، فالآية وعيد لهم ونذارة بأنّ الله حرمهم الهدى فلم يكن ليغفر لهم، لأنّه حرمهم سبب المغفرة، ولذلك لم تكن الآية دالّة على أنّ من أحوال الكفر ما لا ينفع الإيمان بعده. فقد أجمع المسلمون على أنّ الإيمان يجُبّ ما قبله، ولو كفر المرء مائة مرة، وأنّ التوبة من الذنوب كذلك، وقد تقدّم شِبْه هذه الآية في آل عمران (190) وهو قوله: {أية : إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم}.تفسير : فإن قلت: إذا كان كذلك فهؤلاء القوم قد علم الله أنّهم لا يؤمنون وأخبر بنفي أن يهديهم وأن يغفر لهم، فإذن لا فائدة في الطلب منهم أن يؤمنوا بعد هذا الكلام، فهل هم مخصوصون من آيات عموم الدعوة. قلت: الأشخاص الذين علم الله أنّهم لا يؤمنون، كأبي جهل، ولم يخبر نبيئَه بأنّهم لا يؤمنون فهم مخاطبون بالإيمان مع عموم الأمّة، لأنّ علم الله تعالى بعدم إيمانهم لم ينصب عليه أمَارة، كما عُلم من مسألة (التكليف بالمحال العارض) في أصول الفقه، وأمّا هؤلاء فلو كانوا معروفين بأعيانهم لكانت هذه الآية صارفة عن دعوتهم إلى الإيمان بعدُ، وإن لم يكونوا معروفين بأعيانهم فالقول فيهم كالقول فيمن علم الله عدم إيمانه ولم يخبر به، وليس ثمة ضابط يتحقّق به أنّهم دُعوا بأعيانهم إلى الإيمان بعد هذه الآية ونحوها. والنفي في قوله: لم يكن الله ليغفر لهم} أبلغ من: لا يغفر الله لهم، لأنّ أصل وضع هذه الصيغة للدلالة على أنّ اسم كانَ لم يُجعل ليَصْدر منه خبرُها، ولا شكّ أنّ الشيء الذي لم يُجعل لشيء يكون نابياً عنه، لأنّه ضِدّ طبعه، ولقد أبدع النحاة في تسمية اللام التي بعدَ كان المنفية (لامَ الجحود).
القطان
تفسير : ان الذين آمنوا من اليهود بموسى، ثم كفروا حين غاب فعبدوا العِجل، ثم آمنوا بعد ان عاد اليهم، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد ـ لن يغفر الله لهم ما يفعلونه من شر، ولن يهديهم الى الحق. ذلك لأن أرواحهم قد دنست وقلوبهم قد عميت فلم يتوبوا، ولأن غفران الله يقتضي توبة واقلاعاً عن الشر، وهدايته تكون لمن يتجهون الى الحق ويطلبونه، لا للمتردّدين المضطربين في معتقدهم. وبشِّر أيها النبيّ المنافقين (والبشارة هنا سخرية منهم) بأن الله قد أعدّ لهم عذاباً مؤلماً يوم القيامة. ذلك لأنهم يتخذون الكافرين أصدقاء ونصراء من دون المؤمنين، اعتقادا منهم ان الغلبة ستكون من نصيبهم. والصحيح ان العزة لله وحده، يؤتيها من يشاء، ومن اعتز بغير الله ذل.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} (137) - الإِيمَانُ إذْعَانٌ مُطْلَقٌ، وَعَمَلٌ مُسْتَمِرٌّ بِالحَقِّ، فَالمُتَرَدِّدُونَ المُضْطَرِبُونَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنينَ، لِذَلِكَ يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الإِيمَانِ، ثُمَّ عَادَ فَكَفَرَ، ثُمَّ آمَنَ، ثُمَّ عَادَ فَكَفَرَ، ثُمَّ ازْدَادَ كُفْراً، فَإنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَقَدَ الاسْتِعْدَادَ لِفَهْمِ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، وَإدْرَاكِ مَزَايَاهُ وَفَضَائِلِهِ، وَمِثْلُهُ لاَ يُرْجَى لَهُ - بِحَسَبِ سُنَنِ اللهِ فِي خَلْقِهِ - أنْ يَهْتَدِيَ إلَى الخَيْرِ، وَلاَ أنْ يَرْشُدَ إلى مَا يَنْفَعُهُ، وَلاَ أنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ اللهِ، فَجَدِيرٌ بِهِ أَنْ يَمْنَعَ اللهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ وَرِضْوَانَه وَمَغْفِرَتَهُ وَإحْسَانَهُ، لأنَّ رُوحَهُ تَكُونُ قَدْ تَدَنَّسَتْ، وَقَلْبَهُ قَدْ عَمِيَ، فَلاَ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَلاَ لِلرَّجَاءِ فِي ثَوَابِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهؤلاء هم المنافقون الذين أعلنوا الإيمان وأبطنوا الكفر وقال الله عنهم: {أية : وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [آل عمران: 72] إذن، هم حولوا الإيمان من عقيدة إلى مجرد كلمة تقال، وكانوا في غاية الحرص على تأدية مطلوبات الإسلام بالأعمال الظاهرية حتى يدفعوا عن إسلامهم الريبة. أما قلوبهم فهي مع الكفر؛ لذلك أرادوا أن يُلَبِّسوا في المنطق ويُدَلسُوا فيه. {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 14] ويفضحهم الحق أمام أنفسهم. وبالله عندما يعرفون أنهم مجرد مسلمين باللسان ولكن قلوبهم لم تؤمن ويخبرهم الرسول بذلك ويقول لهم بلاغاً عن الله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}. وكانوا أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وعندما فضحهم الرسول وأوضح لهم: أنتم لو تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط. هنا عرفوا أن محمداً قد عرف خبايا قلوبهم بلاغاً عن الله. ولو قالوا: إن محمداً هو الذي عرف هذه الخبايا لما اقتصر اعترافهم به كرسول، بَلْ رُبَّما تمادوا في الغيّ وأرادوا أن يجعلوه إلهاً. ولكن رسول الله يحسم الأمر: ويبيّن لهم أن الله هو الذي أبلغني، بدليل أنه أُمِر أن يقول لهم: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ}. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقر بأن هذا الأمر ليس فيه شيء من عنده بل هو مأمور بالبلاغ عن الله ربِّه. وفي عصرنا قال برناردشو: إن الذين يكذبون أن محمداً رسول من عند الله يريدون أن يجعلوه إلهاً، فمن أين أتى بهذه الأشياء التي لم تكن معلومة في عصره؟.. إن الناس جميعا مطالبون بالتصديق بمحمد رسولاً من عند الله؛ لأنه قال عن أشياء لا يمكن أن يقولها واحد من البشر. والرسول صلى الله عليه وسلم بذاته يوضح بحسم هذا الكلام ويبيّن أن هذا ليس من عندي، لكنه من عند الله. {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. وهذا كشف محرج ومنطقي لما في قلوبهم؛ لهذا قال السامعون للآية: الحمد لله أن هناك أملاً في أن يدخل الإيمان قلوبنا. وقد دخل الإيمان في قلوبهم بالفعل لأن كلمة (لمَّا) تفيد نفي الإيمان عنهم في الزمن الماضي ولكنها تفيد أيضا توقع وحصول الإيمان منهم وقد حصل. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} أي ماتوا على الكفر، أو آمنوا بموسى، ثم كفروا بعيسى، وجاء أناس آخرون آمنوا بعيسى، وازدادوا كفراً بعدم الإيمان بمحمد، فليس من بعد محمد صلى الله عليه وسلم استدراك. ويخبرنا سبحانه بمصيرهم: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} لأنهم دخلوا في الإيمان مرة ثم خرجوا من الإيمان. ومعنى سلوكهم أنهم قصدوا الفتنة لأن الآخرين سيشاهدونهم وقد آمنوا، وسيشاهدونهم وهم يكفرون، وسيعللون ذلك بأنهم عندما تعمقوا في المسائل العقدية كفروا وهم يفعلون ذلك ليهوِّنوا من شأن الإسلام، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [آل عمران: 72] هم إذن يقصدون الفتنة بإظهار الإيمان ثم أعلانهم الكفر وفي ذلك تشكيك للمسلمين، ويكون مصير مَن تردّدَ بَيْنَ الإيمان والكفر، وكان عاقبة أمرهم أنهم ازدادوا كفرا يكون مصيرهم ما جاء في قوله: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} فهم قد دخلوا في الخيانة العظمى الإيمانية التي يحكمها قوله الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] ويقول الحق عنهم هنا: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}. والهداية - كما نعلم - ترد بمعانٍ متعددة.. فقد يكون المقصود منها الدلالة، فإن شئت تدخل الإيمان وإن شئت لا، ولا شأن لأحد بك. والمعنى الثاني هو المعونة، أي يقدم لك الله ما يهديك بالفعل. وعندما تعرض القرآن لهذه المسألة قال: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [فصلت: 17] فسبحانه هنا قد دلهم على الهداية، ولم يقدم لهم الهداية الفعلية لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فكأن الله قد دل على المنهج الذي يوصل الخير والبر لكل الناس، فمن أقبل بإيمان فالحق يمده بهداية المعونة ويعاونه على ازدياد الهدى، مصداقاً لقوله: {أية : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} تفسير : [الكهف: 13] ولا نريد لهذا المثل أن يغيب عن الأذهان؛ لذلك أؤكده دائما: شرطي المرور الواقف في بداية الطريق الصحراوي. يسأله سائل: ذاهب إلى الاسكندرية عن الطريق؛ فيدله على الطريق الموصل للإسكندرية، هنا قام الشرطي بالدلالة، ثم شكر الرجلُ الشرطيَّ وحمد الله على حسن شرح الشرطي؛ ويحس ويشعر رجل المرور بالسعادة، ويحذر الرجل المسافر من عقبات الطريق، ويركب معه ليشير له على تلك العقبات حتى يتفاداها. أي أنه من بعد الدلالة قد حدثت المعونة. كذلك الحق يدل الناس على الإيمان وعلى المنهج، فالذي يؤمن به يساعده ويخفف عليه الطاعة، قال الحق سبحانه في شأن الصلاة: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45] إذن نحن نجد الهداية على مرحلتين: هداية الدلالة، وهداية المعونة. ويريد الحق لقضية الإيمان أن تكون قضية ثابتة متأصلة بحيث لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد. فمبدأ الإيمان لا يتغير في مواكب الرسالات من سيدنا آدم إلى أن ختمها بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال سبحانه: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 136] إذن سبحانه يريد من المؤمن أن يؤمن بالقمة العليا، وهي الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى، وأن يؤمن بالبلاغ عنه كتاباً، وأن يؤمن بالبلاغ عنه رسالة على لسان أي رسول. والذين يؤمنون مرة برسول ثم يكفرون برسول آخر، أو الذين يؤمنون برسول ثم يكفرون بنسبة الصاحبة أو الولد لله ثم يزدادون كفراً بالخاتم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم مجال مع الهداية إلى الله؛ لأن الإسلام جاء بالنهاية الخاتمة وليس للسماء من بعد ذلك استدراك، وليس لأحد من بعد ذلك استدراك، ولذلك قال في أول الآية: {آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ}. وقال في آخر الآية: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} أي أنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وليس هناك مجال أن ينتظروا رسولاً آخر لينسخوا كفرهم بمحمد ويؤمنوا بالرسول الجديد. ويوضح سبحانه: لم يكن الله ليهديهم لأنهم هم الذين صرفوا أنفسهم عنه، فالله لا يمنع الهداية عمن قدم يده ومدّها إليه، بل يعاونه في هدايته، أما من ينفض يده من يد الله فلا يبايعه على الإيمان فالله غني عنه، ومادام الله غنياً عنه فسيظل في ضلاله؛ لأن الهداية لا تكون إلا من الله. ولم يكن الله ليهديهم سبيلاً إلى هداية أخرى ولا هادي إلا هو. ولم يكن الله ليهديهم سبيلاً إلى الجنة؛ لأنهم لم يقدموا الأسباب التي تؤهلهم للدخول إلى الجنة. ولذلك يشرحها الله في آية أخرى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [النساء: 168-169] وهكذا نجد طريق جهنم معبداً مُذَلَّلاً بالنسبة لهم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ...}
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله حين ظهر موسى كليم الله وبعث إليهم {ثُمَّ كَفَرُواْ} به وبدينه حين ظهر عليهم السامري بالعجل {ثُمَّ آمَنُواْ} بعد رجوع موسى من ميقاته {ثُمَّ} لما ظهر الزامن بانقطاع الوحي وإرسل الرسل وإنزال الكتب، وقع في أمر الدن فترة وضعف، أرسل عليهم عيسى عليه السلام وأنزل عليه الإنجيل؛ ليبين لهم طريق توحيده {كَفَرُواْ} به وكذبوا بكتابه عناداً واستكباراً. وبعدما انقرض جيل عيسى عليه السلام، أظهر سبحانه النبي الموعود في كتبه السالفة بأنه سيأتي نبي مبعوث على كافة البرة بالتوحيد الذاتي، وله دين ناسخ لجميع الأديان، وكتابه ناسخ لجميع الكتب، وبه يُختم أمر النبوة والوحي والإرسال والإنزال؛ إذ بظهوره كمل طريق التوحيد والعرفان {ثُمَّ} لما ظهروتحقق عندهم ظهوره {ٱزْدَادُواْ} به {كُفْراً} وتكذيباً، وأصروا على ما هم عليه عتواً وعناداً {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ} الهادي لعباده والماحي لذنوبهم {لِيَغْفِرَ لَهُمْ} إن بقوا على كفره وإصرارهم {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} [النساء: 137] إن انهمكوا في الغي والضلال. {بَشِّرِ} يا أكمل الرسل {ٱلْمُنَافِقِينَ} منهم، وهم الذين يدَّعون الإيمان بك وبكتابك وبدينك على طرف اللسان، وقلبم على الشقاق والطغيان الأصلي {بِأَنَّ لَهُمْ} عند ربهم {عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 138]. وحذر منهم ومن سراية خبثهم المؤمنين {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على الكفر بالله وتكذيب الرسول {أَوْلِيَآءَ} أحباء أصدقاء يصاحبونهم {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قل للمتخذين من المؤمنين نيابة عنا: {أَيَبْتَغُونَ} ويطلبون {عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} ويعتقدون أنهم أعزة يتعززون بهم وبمصاحبتهم وموالاتهم مع أنه لا عزة لهم حقيقةً، بل ضربت عليهم الذلة والهوان {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ} الغلبة والكبرياء والبسطة والبهاء {للَّهِ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {جَمِيعاً} [النساء: 39] لا يسع لغيره أن يتعزز في نفسه إلا بفضله وطوله. ومن فضل الله لكم {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} المبيّن لدينكم، المنزل على نبيكم {أَنْ} أي: أنه {إِذَا سَمِعْتُمْ} وعلمتم حين تلاوتكم {آيَاتِ ٱللَّهِ} على رءوس الملأ أنه {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} - العياذ بالله - {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} مع هؤلاء الكفار المستهزئين بل اتركونهم ومجالستهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} فإن لم تتركوهم، وتخرجوا من بينهم صرتم منتسبين للكفر، والاستهزاء بآيات الله {إِنَّكُمْ إِذاً} حين لم تتركونهم وتقعوا معهم {مِّثْلُهُمْ} في استحقاق العذاب والنكال {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز بالمجد والبهاء لقادر على كل ما أراد وشاء {جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ} المداهنين {وَٱلْكَٰفِرِينَ} المكذبين، المستهزئين {فِي جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، وسعير الطرد والحرمان {جَمِيعاً} [النساء: 140] مجتمعين بلا تفاوت في العقوبة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن التقليدي لا الحقيقي بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} [النساء: 137]، والإشارة فيها: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 137]؛ يعني: بالتقليدي، {ثُمَّ كَفَرُواْ} [النساء: 137] إذ لم يكن للتقليد أصلاً، {ثُمَّ آمَنُواْ} [النساء: 137] بالاستدلال العقلي، {ثُمَّ كَفَرُواْ} [النساء: 137]، إذ لم يكن عقولهم مؤيدة بالتأييد الإلهي، {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} [النساء: 137] بالشبهات العقلية، إذ تمسكوا بالعقول المشوبة بالهوى وحب الدنيا فوقعوا في ورطة الهلاك مع المبتدعة والمتفلسفة، وإلا نعوذ بالله من الحور بعد الكور. وفي قوله تعالى: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 137]، يشير إلى: إن من يكون إيمانه تقليدياً ذلك بأن لم يكن الله في الأزل عاقراً لهم بنوره عند العرش، كما قال: ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، فلما أخطأهم ذلك النور فما آمنوا بالله بالحقيقة، وإن آمنوا بالتقليد كفروا، كما كانوا على أصل الضلالة، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} [النساء: 137]، إلى الهدى اليوم؛ لأن الأصل لا يخطأ إذ أخطأهم ذلك. ثم قال تعالى: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 138]؛ لأن أصل نفاقهم من أخطاء ذلك النور أيضاً؛ يعني: بشرهم بأن أصل جوهرهم من جواهر الكفار ولهذا {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 139]، فإن ائتلافهم هاهنا نتيجة تعارف أرواحهم هناك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الأرواح جنود مجندة"تفسير : ، فمن تعارف أرواحهم أرواح الكافر والمنافق هناك يأتلفون هاهنا، ومن تناكر أرواحهم أرواح المؤمنين هناك يختلفون. ثم أشار بقوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} [النساء: 139] إلى من يطلب العزة في الدارين، فليست العزة عند الدنيا وأهلها، فلا تطلبوها عندهم ولكن فاطلبوها عند الله؛ أي: في مقام العندية، فإن عنده خير الدنيا والآخرة جميعاً، فمن تابع النبي صلى الله عليه وسلم حق المتابعة وقال تعالى {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، يقال له: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: من تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها. فإن كفره يكون عقوبة وطبعًا لا يزول كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : ودلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة. وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة.
همام الصنعاني
تفسير : 653- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتَادة، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ}: [الآية: 137]، قال: هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراةِ ثم كَفَروا بها، ثم ذكر النَّصارى فقال: {ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} [الآية: 137] يقول: آمنوا بالإِنجيلِ، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفْراً لمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):