٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
138
Tafseer
القرطبي
تفسير : التبشير الإخبار بما ظهر أثره على البشرة، وقد تقدّم بيانه في «البقرة» ومعنى النفاق.
البيضاوي
تفسير : {بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يدل على أن الآية في المنافقين وهم قد آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى ثم ازدادوا بالإِصرار على النفاق وإفساد الأمر على المؤمنين، ووضع {بّشِّرِ} مكان أنذر تهكم بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بُشِّرِ } أخبر يا محمد {ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً هو عذاب النار.
ابن عطية
تفسير : في هذه الآية دليل ما على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين، كما ترجح آنفاً، وجاءت البشارة هنا مصرحاً بقيدها، فلذلك حسن استعمالها في المكروه، ومتى جاءت مطلقة فإنما عرفها في المحبوب. ثم نص تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضرراً على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة، ثم وقف تعالى على جهة التوبيخ على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين، و {العزة} أصلها: الشدة والقوة، ومنه الأرض العزاز أي: الصلبة، ومنه {أية : عزني} تفسير : [ص:23] أي: غلبني بشدته، واستعز المرض إذا قوي، إلى غير هذا من تصاريف اللفظة. وقوله تعالى {وقد نزل عليكم} مخاطبة لجميع من أظهر الإيمان من محقق ومنافق، لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمثل أوامر كتاب الله تعالى، والإشارة بهذه الآية إلى قوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} تفسير : [الأنعام:68]، إلى نحو هذا من الآيات، وقرأ جمهور الناس "نُزِّل عليكم" بضم النون وكسر الزاي المشددة قال الطبري: وقرأ بعض الكوفيين "نَزّل" بفتح النون والزاي المشددة على معنى نزل الله، وقرأ أبو حيوة وحميد "نَزل" بفتح النون والزاي خفيفة، وقرأ إبراهيم النخعي "أنزل" بألف على بناء الفعل للمفعول، و {الكتاب} في هذا الموضع القرآن، وفي هذه الآية دليل قوي على وجوب تجنب أهل البدع وأهل المعاصي، وأن لا يجالسوا، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم فحمل عليه الأدب، وقرأ هذه الآية {إنكم إذاً مثلهم} وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وهذا المعنى كقول الشاعر: [الطويل] شعر : عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتدِي تفسير : ثم توعد تعالى المنافقين والكافرين بجمعهم في جهنم، فتأكد بذلك النهي والحذر من مجالسهم وخلطتهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً...} الآية: في هذه الآيةِ دليلٌ مَّا علَىٰ أنَّ التي قبلها إنما هي في المُنَافِقِينَ، ثم نصَّ سبحانه مِنْ صفاتِ المنافِقِينَ علَىٰ أشدِّها ضرراً، وهي موالاتُهُم الكافِرِينَ، وٱطِّرَاحُهُمُ المُؤْمنينَ، ونبَّه علَىٰ فسادِ ذلكَ؛ ليدعه مَنْ عَسَىٰ أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ منه مِنَ المُؤْمنين؛ غَفْلَةٌ، أوْ جهالةً، أوْ مسامحةً ثم وَقَفَهُمْ سبحانه؛ علَىٰ جهة التوبيخَ، فقال: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ}؛ والإستكثار، أي: ليس الأمرُ كذلك؛ فإن العزَّة للَّه جميعاً يؤتيها مَنْ يشاء، وقد وَعَدَ بها المؤمنينَ، وجعل العاقبة للمتَّقين، والعزَّةُ أصلُها الشِّدَّة والقُوَّة؛ ومنه: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص:23] أي: غلبني بشدَّته.
اسماعيل حقي
تفسير : {بشر المنافقين} وضع بشر موضع انذر واخبر تهكما بهم {بان لهم عذابا اليما} اى وجيعا يخلص المه ووجعه الى قلوبهم وهذا يدل على ان الآية نزلت فى المنافقين وهم قد آمنوا فى الظاهر وكفروا فى السر مرة بعد اخرى ثم ازدادوا بالاصرار على النفاق وافساد الامر على المؤمنين.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى قوله {بشر المنافقين} جعل موضع بشارتهم لهم العذاب والعرب تقول: تحيتك الضرب وعقابك السيف، أي بدلا من ذلك. قال الشاعر: شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجميع تفسير : امر الله (تعالى نبيه) ان يبشر المنافقين بان لهم عذاباً أليما وهو المؤلم الموجع. على نفاقهم، ثم وصف هؤلاء المنافقين فقال: {الذين يتخذون} أهل الكفر بالله ونبيه اولياء يعني انصاراً وأحلافا من دون المؤمنين يعني من غيرهم، ثم قال: {يبتغون عندهم العزة} معناه يطلبون عندهم المنفعة والقوة باتخاذهم اولياء من دون اهل الايمان به (تعالى)، ثم أخبر ان العزة باجمعها له (تعالى) وان هؤلاء الذين يطلبون من جهنم العزة والمنعة، لا منعة عندهم، بل النصر والمنعة من عند الله الذي له العزة والمنعة الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء. واصل العزة الشدة ومنه قيل للارض الصلبة الشديدة: عزاز ويقال: استعز المريض اذا اشتد مرضه وتعزز اللحم: إذا اشتدو منه قيل: عز عليّ ان يكون كذا، اي اشتد عليّ ومنه قولهم: "من عزّيزّ" أي من غلب سلب. وقولهم: عزّ الشيء معناه صعب وجوده واشتد حصوله.
الجنابذي
تفسير : {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ} الآية الاولى بيان حال المتبوعين وهذه بيان حال الاتباع مع امكان التّعميم {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} استعمال البشارة فى العذاب للتّهكّم.
اطفيش
تفسير : {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}: أخبرهم يا محمد بثبوت العذاب العظيم الأليم لهم اخبارا شبيها باخبار المؤمنين بالنعيم الدائم لهم فى الصدق بدلا من الاخبار بالخير، اذ خسروا مالهم منه، وفى ذلك تهكم بهم، واستدل بعض بهذه الآية أن التى قبلها فى المنافقين، وقيل: أصل التبشير الاخبار بخبر يغير بشرة الوجه، أى جلدته سواء كان خيرا أم شرا، فالتبشير والبشارة حقيقة فى الخير، والشر على هذا ولو كان فى كلام العرب أكثر فى الخير.
الالوسي
تفسير : ووضع فيه {بَشِّرِ} موضع أنذر تهكماً بهم، ففي الكلام استعارة تهكمية. وقيل: موضع أخبر فهناك مجاز مرسل تهكمي.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي ناشِىء عن وصف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً، فإنّ أولئك كانوا مظهرين الكفر بمحمد ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ، وكان ثمّة طائفة تبطن الكفر وهم أهل النفاق، ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال: {بشر المنافقين}، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك، وللعرب في التهكّم أساليب كقول شَقِيق ابن سُليك الأسدي:شعر : أتاني من أبي أنَسٍ وعيدٌ فَسُلىّ لِغَيظَةِ الضّحّاكِ جِسمِي تفسير : وقول النابغة:شعر : فإنّك سوف تَحْلُم أو تَناهَى إذا ما شِبْت أو شَاب الغراب تفسير : وقول ابن زَيَّابة:شعر : نُبِّئْتُ عَمْراً غارزاً رأسَه في سِنَةٍ يُوعدِ أخْوَالَهُ وتلكَ منه غير مأمُونَةٍ أنْ يَفعل الشيءَ إذَا قالَهُ تفسير : ومجيء صفتهم بطريقة الموصول لإفادة تعليل استحقاقهم العذاب الأليم، أي لأنّهم اتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي اتّخذوهم أولياء لأجل مضادّة المؤمنين. والمراد بالكافرين مشركو مكة، أو أحْبار اليهود، لأنّه لم يْبق بالمدينة مشركون صُرحاءَ في وقت نزول هذه السورة، فليس إلاّ منافقون ويهود. وجملة {أيبتغون عندهم العزّة فإنّ العزّة لله} استئنافٌ بياني باعتبار المعطوف وهو {فإنّ العزّة لله} وقوله: {أيَبْتَغَون} هو منشأ الاستئناف، وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة، لأنّ معظم المنافقين من اليهود، بل اتّخذوهم ليعتزّوا بهم على المؤمنين، وإيماء إلى أنّ المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز، وفي ذلك نهاية التجهيل والذمّ. والاستفهامُ إنكار وتوبيخ، ولذلك صحّ التفريع عنه بقوله: {فإنّ العزّة لله جميعاً} أي لا عزّة إلاّ به، لأنّ الاعتزاز بغيره باطل. كما قيل: من اعتزّ بغير الله هَان. وإن كان المراد بالكافرين اليهود فالاستفهام تهكّم بالفريقين كقول المثل: كالمستغيث من الرمضاء بالنار. وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية. وجملة {وقد نزّل عليكم في الكتاب} الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة {بشرّ المنافقين} تذكيراً للمسلمين بما كانوا أعلموا به ممّا يؤكّد التحذير من مخالطتهم، فضمير الخطاب موجّه إلى المؤمنين، وضمائر الغيبة إلى المنافقين، ويجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير (يتّخذون)، فيكون ضمير الخطاب في قوله: {وقد نزّل عليكم} خطاباً لأصحاب الصلة من قوله: {أية : الذين يتّخذون الكافرين أولياء}تفسير : [النساء: 139] على طريقة الالتفات، كأنّهم بعد أن أجريت عليهم الصلة صاروا معيّنين معروفين، فالتُفت إليهم بالخطاب، لأنّهم يعرفون أنّهم أصحاب تلك الصلة، فلعلّهم أن يقلعوا عن موالاة الكافرين. وعليه فضمير الخطاب للمنافقين، وضمائر الغيبة للكافرين، والذي نزّل في الكتاب هو آيات نزلت قبل نزول هذه السورة في القرآن: في شأن كفر الكافرين والمنافقين واستهزائهم. قال المفسّرون: إنّ الذي أحيل عليه هنا هو قوله تعالى في سورة (68) الأنعام: {أية : وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعْرِضْ عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره} تفسير : لأنّ شأن الكافرين يَسري إلى الذين يتُخذونهم أولياء، والظاهر أنّ الذي أحال الله عليه هو ما تكرّر في القرآن من قبل نزول هذه السورة نحو قوله في البقرة: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزءون} ممّا حصل من مجموعه تقرر هذا المعنى. و(أنْ) في قوله: {أنْ إذا سمعتم} تفسيرية، لأنّ (نُزّل) تضمّن معنى الكلام دون حروف القول، إذ لم يقصد حكاية لفظ (ما نُزّل) بل حاصل معناه. وجعَلها بعضهم مخفّفة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوفاً، وهو بعيد. وإسناد الفعلين: {يُكْفَر} و{يستهزأ} إلى المجهول لتتأتّى، بحذف الفاعل، صلاحية إسناد الفعلين إلى الكافرين والمنافقين. وفيه إيماء إلى أنّ المنافقين يركنون إلى المشركين واليهود لأنّهم يكفرون بالآيات ويستهزئون، فتنثلج لذلك نفوس المنافقين، لأنّ المنافقين لا يستطيعون أن يتظاهروا بذلك للمسلمين فيشفي غليلَهم أن يسمع المسلمون ذلك من الكفّار. وقد جعل زمان كفرهم واستهزائهم هو زمن سماع المؤمنين آيات الله. والمقصود أنّه زمن نزول آيات الله أو قراءة آيات الله، فعدل عن ذلك إلى سماع المؤمنين، ليشير إلى عجيب تضادُّ الحالين، فلفي حالة اتّصاف المنافقين بالكفر باللَّه والهزل بآياته يتّصف المؤمنون بتلّقي آياته والإصغاء إليها وقصدِ الوعي لها والعمل بها. وأعقب ذلك بتفريع النهي عن مجالستهم في تلك الحالة حتّى ينتقلوا إلى غيرها، لئلاّ يَتَوسّل الشيطان بذلك إلى استضعاف حرص المؤمنين على سماع القرآن، لأنّ للأخلاق عَدْوى، وفي المثل «تُعدي الصّحاحَ مَبَارِك الجُرْب». وهذا النهي يقتضي الأمر بمغادرة مجالسهم إذا خاضوا في الكفر بالآيات والاستهزاء بها. وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى: وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله: {أية : تُلْقُونَ إليهم بالمودّة وقد كَفروا بما جاءكم من الحقّ}تفسير : [الممتحنة: 1]. و(حتّى) حرف يعطف غاية الشيء عليه، فالنهي عن القعود معهم غايته أم يكفّوا عن الخوض في الكفر بالآيات والاستهزاء بها. وهذا الحكم تدريج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين، جُعل مبدأ ذلك أن لا يحضروا مجالس كفرهم ليَظهرَ التمايزُ بين المسلمين الخُلَّص وبين المنافقين، ورخّص لهم القعود معهم إذ خاضوا في حديث غير حديث الكفر. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ تَرضَونَها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره}تفسير : [التوبة: 23، 24]. وجعل جواب القُعود معهم المنهي عنه أنّهم إذا لم ينتهوا عن القعود معهم يكونون مثلهم في الاستخفاف بآيات الله إذ قال: {إنَّكم إذَنْ مثلُهم} فإنِّ (إذَنْ) حرف جواب وجزاء لكلام مَلفوظ به أو مقدّر. والمجازاة هنا لكلام مقدّر دلّ عليه النهي عن القعود معهم؛ فإنّ التقدير: إن قعدتم معهم إذن إنّكم مثلهم. ووقوع إذن جزاء لكلام مقدّر شائع في كلام العرب كقول العنبري:شعر : لو كنتُ من مَازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذُهْلِ شَيْبَانا إذَنْ لقام بنصري مَعْشَر خُشُن عند الحَفيظة إن ذُو لَوْثَة لاَنا تفسير : قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: «وفائدة (إذن) هو أنّه أخرج البيت الثاني مَخرج جواب قائل له: ولو استباحوا مَاذا كان يَفعل بنو مازن؟ فقال: إذن لقام بنصري معشر خشن». قلت: ومنه قوله تعالى: {أية : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتابَ المُبطلون}تفسير : [العنكبوت: 48]. التقدير: فلو كنت تتلو وتخطّ إذن لارتابَ المبطلون. فقد علم أنّ الجزاء في قوله: {إنّكم إذن مثلهم} عن المنهي عنه لا عن النهي، كقول الراجز، وهو من شواهد اللغة والنحو:شعر : لاَ تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرا إنّي إذَنْ أهْلِكَ أو أطِيرا تفسير : والظاهر أنّ فريقاً من المؤمنين كانوا يجلسون هذه المجالس فلا يقدمون على تغيير هذا ولا يقُومون عنهم تَقيةً لهم فنُهوا عن ذلك. وهذه المماثلة لهم خارجة مخرج التغليظ والتهديد والتخويف، ولا يصير المؤمن منافقاً بجلوسه إلى المنافقين، وأرَيد المماثلة في المعصية لا في مقدارها، أي أنّكم تصيرون مثلهم في التلبّس بالمعاصي. وقوله: {إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنّم جميعاً} تحذير من أن يكونوا مثلهم، وإعلام بأنّ الفريقين سواء في عدواة المؤمنين، ووعيد للمنافقين بعدم جدوى إظهارهم الإسلام لهم. وجملة {الذين يتربّصون بكم} صفة للمنافقين وحدَهم بدليل قوله: {وإن كان للكافرين نصيب}. والتربّص حقيقة في المكث بالمكان، وقد مرّ قوله: {أية : يتربّصن بأنفسهنّ} تفسير : في سورة البقرة (228). وهو مجاز في الانتظار وترقّب الحوادث. وتفصيله قوله: {فإن كان لكم فتح من الله} الآيات. وجُعل ما يحصل للمسلمين فتحاً لأنّه انتصار دائم، ونُسب إلى الله لأنّه مُقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بينّة. والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة، إذ لا حظّ لليهود في الحرب، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيباً تحقيراً له، والمراد نصيب من الفوز في القتال. والاستحواذ: الغلبة والإحاطة، أبقوا الواو على أصلها ولم يقلبوها ألفاً بعد الفتحة على خلاف القياس. وهذا أحد الأفعال التي صُحّحت على خلاف القياس مثل: استجوب، وقد يقولون: استحاذ على القياس كما يقولون: استجَاب واستصاب. والاستفهام تقريري. ومعنى {ألم نستحوذ عليكم} ألم نتولّ شؤونكم ونحيط بكم إحاطة العنايية والنصرة ونمنعكم من المؤمنين، أي من أن ينالكم بأسهم، فالمنع هنا إمّا منعٌ مكذوبٌ يخَيِّلُونه الكفارَ واقعاً وهو الظاهر، وإمّا منع تقديري وهو كفّ النصرة عن المؤمنين، والتجسّس عليهم بإبلاغ أخبارهم للكافرين، وإلقاء الأراجيف والفتن بين جيوش المؤمنين، وكلّ ذلك ممّ يضعف بأس المؤمنين إن وقع، وهذا القول كان يقوله من يندسّ من المنافقين في جيش المسلمين في الغزوات، وخاصّة إذا كانت جيوش المشركين قرب المدينة مثل غزوة الأحْزاب. وقوله: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} الفاء للفصيحة، والكلام إنذار للمنافقين وكفاية لمُهمّ المؤمنين، بأن فوّض أمر جزاء المنافقين على مكائدهم وخزعبلاتهم إليه تعالى. وقوله: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} تثبيت للمؤمنين، لأنّ مثيل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبّهم: من عدوّ مجاهر بكفره. وعدو مصانع مظهر للأخوّة، وبيان هذه الأفعال الشيطانية البالغة أقصى المكر والحيلة، يثير مخاوف في نفوس المسلمين وقد يُخيِّل لهم مَهاوي الخيبة في مستقبلهم. فكان من شأن التلطّف بهم أن يعقّب ذلك التحذير بالشدّ على العضد، والوعد بحسن العاقبة، فوَعدهم الله بأن لا يجعل للكافرين، وإن تألّبت عصاباتهم. واختلفت مناحي كفرهم، سبيلاً على المؤمنين. والمراد بالسبيل طريق الوصول إلى المؤمنين بالهزيمة والغلبة، بقرينة تعديته بعَلَى، ولأنّ سبيل العدوّ إلى عدوّه هو السعي إلى مضرّته، ولو قال لك الحبيب: لا سبيل إليك، لتحسّرت؛ ولو قال لك العدوّ: لا سبيل إليك لتهلّلت بشراً، فإذا عُدّي بعلى صار نصاً في سبيل الشرّ والأذى، فالآية وعد محض دنيوي، وليست من التشريع في شيء، ولا من أمور الآخرة في شيء لنبوّ المقام عن هذين. فإن قلت: إذا كان وعداً لم يجز تخلّفه. ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصراً بيّناً، وربما تملّكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد. قلتُ: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصّة فالإشكال زائل، لأنّ الله جعل عاقبة النصر أيّامئذٍ للمؤمنين وقطع دابر القوم الذين ظلموا فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتّلوا تقتيلاً ودخلت بقيتهم في الإسلام فأصبْحوا أنصاراً للدين؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين المؤمنون الخلّص الذين تلبّسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالاً، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالاً.
الواحدي
تفسير : {بشر المنافقين بأنَّ لهم عذاباً أليماً}. {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} هذه الآية من صفة المنافقين، وكانوا يُوالون اليهود مخالفةً للمسلمين يتوهَّمون أنَّ لهم القوَّة والمنعة، وهو معنى قوله: {أيبتغون عندهم العزَّة} أَي: القوَّة بالظهور على محمدٍ صلى الله عليه وسلم {فإنَّ العزة} أَي: الغلبة والقوَّة {لله جميعاً}. {وقد نزل عليكم} أيها المؤمنون {في الكتاب} في القرآن {أنْ إذا سمعتم} الكفر بآيات الله والاستهزاء بها {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ} غير الكفر والاستهزاء. يعني: قوله في سورة الأنعام {أية : وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا...} تفسير : الآية. هذه كانت مما نزل عليهم في الكتاب، وقوله: {إنكم إذاً مثلهم} يعني: إنْ قعدتم معهم راضين بما يأتون من الكفر بالقرآن والاستهزاء به، وذلك أنَّ المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن، فنهى الله سبحانه المسلمين عن مجالستهم {إنَّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} يريد: أنَّهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنَّم على العذاب. {الذين يتربصون بكم} يعني: المنافقين ينتظرون بكم الدَّوائر {فإن كان لكم فتحٌ من الله} ظهورٌ على اليهود {قالوا ألم نكن معكم} فأعطونا من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيبٌ} من الظَّفر على المسلمين {قالوا} لهم: {ألم نستحوذ} [نغلب] {عليكم} نمنعكم عن الدُّخول في جملة المؤمنين {ونمنعكم من المؤمنين} بتخذيلهم عنكم، ومراسلتنا إيَّاكم بأخبارهم {فالله يحكم بينكم} يعني: بين المؤمنين والمنافقين {يوم القيامة} يعني: أنَّه أخَّر عقابهم إلى ذلك اليوم، ورفع عنهم السَّيف [في الدُّنيا]، {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} أَيْ: حجَّةً يوم القيامة؛ لأنَّه يفردهم بالنَّعيم، وما لا يشاركونهم فيه من الكرامات بخلاف الدُّنيا. {إنَّ المنافقين يخادعون الله} أَيْ: يعملون عمل المخادع بما يظهرونه، ويبطنون خلافه. {وهو خادعهم} مجازيهم جزاءَ خداعهم، وذلك أنَّهم يُعطون نوراً كما يُعطى المؤمنون، فإذا مضوا قليلاً أطفىء نورهم، وبقوا في الظُّلمة {وإذا قاموا إلى الصلاة} مع النَّاس {قاموا كسالى} متثاقلين {يراؤون الناس} ليرى ذلك النَّاس، لا لاتِّباع أمر الله. يعني: ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله {ولا يذكرون الله إلاَّ قليلاً} لأنَّهم يعملونه رياءً وسمعةً، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بشر المنافقين: البشارة: الخبر الذي تتأثر به بشرة من يلقى عليه خيراً كان أو شراً. والمنافق: من يبطن الكفر ويظهر الإيمان تقيّة ليحفظ دمه وماله. أولياء: يوالونهم محبة ونصرة لهم على المؤمنين. العزة: الغلبة والمنعة. يستهزأ بها: يذكونها استخفافاً بها وإنكاراً وجحوداً لها. يخوضوا: يتكلموا في موضوع آخر من موضوعات الكلام. مثلهم: أي في الكفر والإِثم. يتربصون بكم: ينتظرون متى يحصل لكم إنهزام أو إنكسار: فيعلنون عن كفرهم. نصيب: أي من النصر وعبر عنه بالنصيب القليل لأن انتصارهم على المؤمنين نادر. نستحوذ عليكم: أي نستول عليكم ونمنعكم من المؤمنين إن قاتلوكم. سبيلا: أي طريقاً إلى إذلالهم واستعبادهم والتسلط عليهم. معنى الآيات: قوله تعالى: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة لأن المخبر به يسوء وجوههم وهو العذاب الأليم وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوأ العذاب وأشده وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم، ثم وصفهم تعالى بأخس صفاتهم وشرها فقال: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فيعطون محبتهم ونصرتهم وولاءهم للكافرين، ويمنعون ذلك المؤمنين وذلك لأن قلوبهم كافرة آثمة لم يدخلها إيمان ولم يُنرها عمل الإِسلام، ثم وبخهم تعالى ناعيا عليهم جهلهم فقال: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} أي يطلبون العزة أي المنعة والغلبة من الكافرين أجهلوا أم عموا فلم يعرفوا {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} فمن أعزه الله عز ومن أذله ذل والعزة تُطلب بالإِيمان وصالح الأعمال لا بالكفر والشر والفساد. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [138] والثانية [139]. أما الآية الرابعه [140] فإن الله تعالى يؤدب المؤمنين فيذكرهم بما أنزل عليهم في سورة الأنعام حيث نهاهم عن مجالسة أهل الباطل إذا خاضوا في الطعن في آيات الله ودينه فقال تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 68] هذا الأدب أخذ الله تعالى به رسوله والمؤمنين، وهم في مكة قبل الهجرة، لأن سورة الأنعام مكية ولما هاجروا إلى المدينة، وبدأ النفاق وأصبح للمنافقين مجالس خاصة ينتقدون فيها المؤمنين ويخوضون فيها في آيات الله تعالى استهزاء وسخرية ذكر الله تعالى المؤمنين بما أنزل عليهم في مكة فقال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً} أي إذا رضيتم بالجلوس معهم وهم يخوضون في آيات الله {مِّثْلُهُمْ} في الإِثم والجريمة والجزاء أيضاً، {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} فهل ترضون أن تكونوا معهم في جهنم، وإن قلتم لا إذا فلا تجالسوهم. ثم ذكر تعالى وصفا آخر للمنافقين يحمل التنفير منهم والكراهية والبغض لهم فقال: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أي ينتظرون بكم الدوائر ويتحينون الفرص {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي نصر وغنيمة قالو: {أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} فأشركونا في الغنيمة، {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} في النصر قالوا لهم {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي نستول عليكم {وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أن يقاتلوكم، فأعطونا مما غنمتم، وهكذا المنافقون يمسكون العصا من الوسط فأي جانب غلب كانوا معه. ألا لعنة الله على المنافقين وما على المؤمنين إلا الصبر لأن مشكلة المنافقين عويصة الحل فالله يحكم بينهم يوم القيامة. أما الكافرون الظاهرون فلن يجعل الله تعالى لهم على المؤمنين سبيلا لا لاستئصالهم وإبادتهم، ولا لإذلالهم والتسلط عليهم ماداموا مؤمنين صادقين في إيمانهم وهذا ما ختم الله تعالى به الآية الكريمة إذ قال: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. 2- الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإِيمان واتباع منهجه. 3- حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية. 4- الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإِثم إثم. 5- تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه فيستأصلونهم، أو يذلونهم ويتحكمون فيهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُنَافِقِينَ} (138) - عَدَّ اللهُ تَعَالَى المُنْافِقِينَ مِنْ هَذَا الصّنْفِ المُتَرَدِّدِ مِنَ النَّاسِ، آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَقَدْ بَشَرَّهُمُ اللهُ بِأنَّ لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً فِي الآخِرَةِ. (وَالبشَارَةُ تُسْتَعْمَلُ عَادَةً فِي الأخْبَارِ السَّارَّةِ، فَاسْتِعْمَالُهَا هُنْا فِي الأخْبَارِ السَّيِّئَةِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّهَكُّمِ وَالتَّوِبِيخِ)
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سمة التردد والتذبذب بين الإيمان والكفر لا تأتي من أصيل في الإيمان، بل تأتي من متلون في الإيمان، تبدو له أسباب فيؤمن، وبعد هذا تبدو له أغيار فيكفر. وذلك شأن المنافقين المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء. فيقول الحق: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. ونحن نعلم أن المنافق هو الذي جمع بين أمرين: إعلان إسلام، وإبطان كفر. والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهي إحدى جحوره التي يستتر ويختفي فيها، واليربوع حيوان صحراوي يخادع من يريد به شراً فيفتح لنفسه بابين؛ يدخل أمام الرجل من باب ثم يخرج من باب آخر. فإن انتظره الرجل على باب فاليربوع يخرج من الآخر. {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ} والبشارة هي الإخبار بشيء يسر سيأتي زمنه بعد. وهل المنافقون يبشرون؟ لا. إن البشارة تكون بخير؛ لذلك نتوقع أن ينذر المنافقون ولا يبشرون، ولكن لله في أساليبه البلاغية تعبيرات لتصعيد العذاب. فلو قال: أنذرهم بعذاب أليم، لكان الكلام محتملاً، فهم - كمنافقين - مستعدون لسماع الشر. ولكن الحق يقول: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وذلك هو التهكم والاستهزاء والسخرية، وهي من معينات البليغ على أداء مهمته البلاغية. ونسمع المفارقات أحياناً لتعطينا صورة أصدق من الحقيقة. فإذا جئت إلى بخيل مثلاً، وقلت له: مرحباً بك يا حاتم. ماذا يكون موقف من يحضر هذا اللقاء؟ أنت تنقله من واقع البخيل إلى تصور حاتم الطائي أصل الكرم. وبذلك نقلت البخيل نقلتين: نقلة من وضعه كبخيل؛ ثم السخرية منه؛ لأن قولك لبخيل ما: يا حاتم هو تقريع وتهكم وسخرية واستهزاء، لأنك نقلته من وصف خسيس وحقير إلى وصف مقابل هو سَام ورفيعٍ وعظيم تحقيرا له واستهزاء به، ومن المقارنة يبدو الفارق الكبير. وإذا ما جئت مثلاً لرجل طويل جداً، وقلت: مرحبا بك يا قزم. هذه هي المفارقة، كما تقول لقصير: مرحبا يا مارد. أو إذا جئت لطويل لتصافحه، فيجلس على الأرض ليُسلم عليك.. هذه أيضاً مفارقة. وإن جئت لرجل قصير لتصافحه فتجلس على الأرض لتسلم عليه فهذه هي السخرية والتهكم. وهذه المفارقات إنما تأتي للأداء البلاغي للمعنى الذي يريده المتكلم، فقول الحق: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ} معناه: أنكم أيها المنافقون قد صنعتم لأنفسكم بالنفاق ما كنتم تحبون، وكأنكم نافقتم لأنكم تحبون العذاب. ومادمتم قد نافقتم لأنكم تحبون العذاب، فأنا أبشركم بأنكم ستتعذبون. والذي ينافق ألا يريد من ذلك غاية؟ لذلك يصور له الحق أن غايته هي العذاب، فقال الحق: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. إنك حين تريد تصعيد أمر ما، فأنت تنقل مخاطبك من شيء إلى الشيء المقابل وهو النقيض، مثال ذلك: إنسان عطشان لأنه محجوز أو مسجون وأراد أن يشرب شربة ماء، من الممكن أن يقول له الحارس: لا. ويجعله ييأس من أن يَأتي له بكوب ماء، أما إذا أراد الحارس تصعيد العذاب له فهو يذهب ويأتي بكوب ماء ويقربه منه، فإذا مد السجين يده ليأخذ كوب الماء فيسكب الحارس كوب الماء على الأرض هذا هو تصيعد العذاب. وحين يقال: "بَشِّر" فالمستمع يفهم أن هناك شيئاً يسر، فإذا قال الحق: {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فمعنى ذلك أن الغم يأتي مركباً. فقد بسط الحق أنفسهم بالبشارة أولاً، ثم أنهاها بالنذارة. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - يقول الأب لابنه: استذكر يا بني حتى لا ترسب، لكن الابن يستمر في اللعب ثم يقول الأب: يا بني لقد اقترب الامتحان ولا بد أن تذاكر. ولا يأبه الابن لكلام الأب، ثم يأتي الامتحان ويذهب الأب يوم اعلان النتيجة، فيكون الابن راسباً؛ فيقول الأب لابنه: أهنئك لقد رسبت في الامتحان! فقوله أهنئك تبسط نفس الابن؛ لأنه يتوقع سماع خبر سار، ويسمع بعدها لقد رسبت تعطيه الشعور بالقبض. والحق سبحانه وتعالى يبلغ رسوله: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} "بشر" لها علاقة بالمدلول الاشتقاقي؛ لأن الانفعالات يظهر أثرها على بشرة وجهه؛ فإن كان الانفعال حزنا فالوجه يظهر عليه الحزن بالانقباض، وإن كان الانفعال سروراً فالوجه يظهر عليه السرور بالانبساط. وتعكس البشرة انفعالات النفس البشرية من سرور وبشاشة وإشراق أو عبوس وتجهم، فالبشارة تصلح للإخبار بخبر يسر، أو بخبر يحزن ويسيء، ولكنها غلبت على الخبر السار، وخصت النذارة بالخبر الذي يحزن وتنقبض النفس له. {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. والبشارة - كما قلنا - توحي بأن هناك خبراً ساراً، فيأتي الخبر غير سار. وكما يقول الحق في آية أخرى يصور بها عذاب الكافرين يوم القيامة وكيف أنّه يصعد العذاب معهم: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ} تفسير : [الكهف: 29] ساعة نسمع {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ} نفهم أن برداً يأتي لهم أو رحمة تهب عليهم، ولكن الإغاثة التي تأتي لهم هي: {أية : كَٱلْمُهْلِ} تفسير : [الكهف: 29] ويتساءل السامع أو القارئ: هل هذه إغاثة أو تعذيب؟ وهذا تصوير لتصعيد العذاب؛ فالماء الذي يعطى لهم كالمهل يصعِّد الألم في نفوسهم. والعذاب - كما نعلم - يأخذ قوته من المعذِّب، فإن كان المعذِّب ذا قوة محدودة، كان العذاب محدوداً. وإن كان المعذِّب غير محدود القوة فالعذاب غير محدود، فإذا ما نسب العذاب إلى قوة القوى وهو الله فكيف يكون؟ والعذاب يوصف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، هذه الأوصاف كلها تتجمع ولكل وصف منها جهة؛ فالألم هو إحساس النفس بما يتبعها، والعذاب العظيم هو العذاب الذي يبلغ القمة، وقد يبلغ العذاب القمة ولكن المعذِّب يتجلد، وعذاب الحق يفوق قدرة متلقي العذاب فلا يقدر أن يكتم الألم؛ لأن درجة تحمل أي إنسان مهما تجلد لا تستطيع أن تدفع الألم، ومع العذاب العظيم، نجده أليماً أيضا، فيكون العذاب الأليم العظيم مؤلما للمادة، لكن النفس قد تكون متجلدة متأبية، ثم تنهار، حينئذ يكون العذاب مهينا. ولأن المنافقين والكفار غارقون في المادية آثر الله وصف العذاب بأنه أليم لأن الإيلام يكون للمادة، ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى بعض الأوصاف للمنافقين فيقول: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : البشارة تستعمل في الخير، وتستعمل في الشر بقيد كما في هذه الآية. يقول تعالى: { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ } أي: الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم، وذلك بسبب محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين، فأي شيء حملهم على ذلك؟ أيبتغون عندهم العزة؟ وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عمّا وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون. والحال أن العزة لله جميعا، فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم. وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين؛ وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):