Verse. 632 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

الَّذِيْنَ يَتَّخِذُوْنَ الْكٰفِرِيْنَ اَوْلِيَاۗءَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۰ۭ اَيَبْتَغُوْنَ عِنْدَھُمُ الْعِزَّۃَ فَاِنَّ الْعِزَّۃَ لِلہِ جَمِيْعًا۝۱۳۹ۭ
Allatheena yattakhithoona alkafireena awliyaa min dooni almumineena ayabtaghoona AAindahumu alAAizzata fainna alAAizzata lillahi jameeAAan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين» بدل أو نعت للمنافقين «يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين» لما يتوهمون فيهم من القوة «أيبتغون» يطلبون «عندهم العزة» استفهام إنكار أي لا يجدونها عندهم «فإن العزة لله جميعا» في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه.

139

Tafseer

الرازي

تفسير : {ٱلَّذِينَ }: نصب على الذم، بمعنى أريد الذين، أو رفع بمعنى هم الذين، واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون: المنافقون، وبالكافرين اليهود، وكان المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض: إن أمر محمد لا يتم، فيقول اليهود بأن العزة والمنعة لهم. ثم قال تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } قال الواحدي: أصل العزة في اللغة الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وعز الهم اشتد، ومنه عز على أن يكون كذا بمعنى اشتد، وعز الشيء إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز التي يشتد حلبها ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوي المنيع بخلاف الذليل. إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود، ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }. فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقين: 8]. قلنا: القدرة الكاملة لله، وكل من سواه فباقداره صار قادراً، وبإعزازه صار عزيزاً، فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله تعالى، فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعاً لله. ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : وقوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} {ٱلَّذِينَ} نعت للمنافقين. وفي هذا دليل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق؛ لأنه لا يتولّى الكفار. وتضمنت المنع من موالاة الكافر، وأن يتخذوا أعواناً على الأعمال المتعلقة بالدين. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها حديث : أن رجلاً من المشركين لحِق بالنبيّ صلى الله عليه وسلم يقاتل معه، فقال له: «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» تفسير : .{ٱلْعِزَّةَ} أي الغلبة، عزّه يعُزُّه عَزّاً إذا غلبه. {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي الغلبة والقوّة لله. قال ابن عباس: {يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ} يريد عند بني قَيْنُقَاع، فإن ٱبن أُبَيّ كان يُوالِيهم.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في محل النصب، أو الرفع على الذم بمعنى أريد الذين أو هم الذين. {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} أيتعززون بموالاتهم. {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } لا يتعزز إلا من أعزه الله، وقد كتَبَ العزة لأوليائه فقال {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [المنافقون: 8] ولا يُؤْبَهُ بعزة غيرهم بالإِضافة إليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } بدل أو نعت للمنافقين {يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لما يتوهمون فيهم من القوّة {أَيَبْتَغُونَ } يطلبون {عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } استفهام إنكاري، أي لا يجدونها عندهم {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً } في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه.

الخازن

تفسير : ثم وصف الله تعالى المنافقين فقال تعالى: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} يعني يتخذون اليهود أولياء وأنصاراً وبطانة من دون المؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا يقولون إن محمداً لا يتم أمره فيوالون اليهود فقال الله تعالى رداً على المنافقين: {أيبتغون عندهم العزة} يعني يطلبون من اليهود العزة والمعونة والظهور على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه {فإن العزة لله جميعاً} يعني فإن القوة والقدرة والغلبة لله جميعاً وهو الذي يعز أولياءه وأهل طاعته كما قال تعالى: {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8] {وقد نزل عليكم} يا معشر المسلمين {في الكتاب} يعني القرآن {أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها} قال المفسرون الذي أنزل عليهم في النهي عن مجالستهم هو قوله تعالى في سورة الأنعام: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} تفسير : [الأنعام: 68] وهذا أنزله بمكة لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن ويستهزؤون به في مجالسهم ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء بالقرآن فنهى الله المؤمنين عن القعود معهم بقوله: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} يعني يأخذوا في حديث آخر غير الاستهزاء بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة {إنكم إذاً مثلهم} يعني أنكم يا أيها الجالسون مع المستهزئين بآيات الله إذا رضيتم بذلك فأنتم وهم في الكفر سواء. قال العلماء وهذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر ومن رضي بمنكر أو خالط أهله كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به وإن لم يباشره فإن جلس إليهم، ولم يرض بفعلهم بل كان ساخط له وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر فيه أهون من المجالسة مع الرضا وإن جلس مع صاحب بدعة أو منكر ولم يخض في بدعته أو منكره فيجوز الجلوس معه مع الكراهة وقيل لا يجوز بحال والأول أصح {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} أي إنهم اجتمعوا في الدنيا على الاستهزاء بآيات الله وكذلك يجمعهم في عذاب جهنم يوم القيامة قوله عز وجل: {الذين يتربصون بكم} نزلت في المنافقين والمعنى ينتظرون ما يحدث بكم من خير أو شر {فإن كان لكم فتح من الله} أي ظفر على عدوكم، وغنيمة تنالونها منهم {قالوا} يعني المنافقين لكم {ألم نكن معكم} يعني في الوقعة والفتح فأعطونا من الغنيمة وقيل معناه ألم نكن على دينكم وفي الجهاد كنا معكم فاجعلوا لنا نصيباً من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} أي دولة وظهور على المسلمين {قالوا} يعني المنافقين للكفار {ألم نستحوذ عليكم} الاستحواذ هو الاستيلاء والغلبة يقال استحوذ فلان على فلان أي غلب عليه والمعنى أم نغلبكم ونتمكن منكم ومن قتالكم وأسركم ثم لم نفعل ذلك وقيل معناه ألم نغلبكم على رأيكم {ونمنعكم من المؤمنين} يعني في صلاتهم والدخول في دينهم وقيل معناه ألم ندفع المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأسرارهم فهاتوا نصيباً مما أصبتم منهم ومراد المنافقين إظهار المنة على الكفار. فإن قلت لمَ سمي ظفر المؤمنين فتحاً وسمي ظفر الكافرين نصيباً. قلت تعظيماً لشأن المؤمنين وتخسيساً لحظ الكافرين لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى ينزل النصر على المسلمين وأما ظفر الكفار فما هو إلا حظ دنيء ونصيب خسيس لا يبقى منه إلا ما نالوه ولهم في الآخرة العقوبة الشديدة على ذلك النصيب الذي نالوه من المسلمين {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} يعني الفريقين فريق المؤمنين وفريق المنافقين والمعنى إنما وضع السيف عن المنافقين في الدنيا لا لأجل كرامتهم بل أخر عذابهم إلى يوم القيامة {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} فيه قولان: أحدهما وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس أن المراد به يوم القيامة بدليل أنه عطف على قوله تعالى فالله يحكم بينكم يوم القيامة روي أن رجلاً سأل علي بن أبي طالب عن هذه الآية: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} وهم يقتلوننا فقال ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلاً. والقول الثاني إن هذا في الدنيا والمعنى أن حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على الكافرين وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة وقيل معناه إن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً بأن يمحو دولة المؤمنين بالكلية حتى يستبيحوا بيضتهم فلا يبقى أحد من المؤمنين وقيل معناه إن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالشرع فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه منها أن الكافر لا يرث المسلم ومنها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه بدليل هذه الآية ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدليل هذه الآية.

ابو السعود

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء} في محل نصبٍ أو الرفعُ على الذم بمعنى أريد بهم الذين، أو هم الذين، وقيل: نُصب على أنه صفةٌ للمنافقين وقوله تعالى: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرةَ أنصاراً متجاوزين ولايةَ المؤمنين وكانوا يوالونهم ويقول بعضُهم لبعض: لا يتم أمرُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام فتولَّوا اليهود {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} إنكارٌ لرأيهم وإبطالٌ له وبـيانٌ لخيبة رجائِهم وقطعٌ لأطماعهم الفارغةِ، والجملةُ معترضةٌ مقررةٌ لما قبلها أي أيطلُبون بموالاة الكَفرةِ القوةَ والغلبة؟ قال الواحدي: أصلُ العزة الشدةُ ومنه قيل للأرض الشديدة الصُلبة: عَزازٌ، وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تعليلٌ لما يفيده الاستفهامُ الإنكاريُّ من بطلان رأيِهم وخَيبةُ رجائهم فإن انحصارَ جميعِ أفرادِ العزةِ في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أولياؤُه الذين كُتب لهم العزةُ والغَلَبةُ، قال تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون، الآية 8] يقضي ببطلان التعززِ بغيره سبحانه وتعالى واستحالةِ الانتفاعِ به، وقيل: هو جوابُ شرط محذوفٍ كأنه قيل: إن يبتغوا عندهم العزةَ فإن العزةَ لله، وجميعاً حال من المستكنّ في قوله تعالى: {لِلَّهِ} لاعتماده على المبتدأ {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} خطابٌ للمنافقين بطريق الالتفاتِ مفيدٌ لتشديد التوبـيخِ الذي يستدعيه تعدادُ جناياتِهم وقرىء مبنياً للمفعول من التنزيل والإنزالِ ونزَلَ أيضاً مخففاً والجملةُ حال من ضمير يتخذون أيضاً مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم ونهاية استعصائِهم عليه سبحانه ببـيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة الكفرة مع تحقق ما يمنعهم من ذلك وهو ورودُ النهي الصريحِ عن مجالستهم المستلزمِ للنهي عن موالاتهم على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه إثرَ بـيانِ انتفاءِ ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة، كأنه قيل: تتخذونهم أولياءَ والحالُ أنه تعالى قد نزّل عليكم قبل هذا بمكة {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي القرآنِ الكريم {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام، الآية 68] الآية، وهذا يقتضي الانزجارَ عن مجالستهم في تلك الجالةِ القبـيحةِ فكيف بموالاتهم والاعتزازِ بهم؟. وأنْ هي المخففةُ من أنّ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ، والجملةُ الشرطية خبرُها، وقولُه تعالى: {يَكْفُرُ بِهَا} حالٌ من آيات الله، وقوله تعالى: {وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} عطفٌ عليه داخلٌ في حكم الحاليةِ، وإضافةُ الآياتِ إلى الاسم الجليلِ لتشريفها وإبانةِ خطرِها وتهويلِ أمر الكفرِ بها، أي نزل عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آياتِ الله مكفوراً بها ومستهزَأً بها، وفيه دِلالةٌ على أن المنزلَ على النبـي عليه السلام وإن خوطب به خاصةً منزلٌ على الأمة وأن مدارَ الإعراضِ عنهم هو العلمُ بخوضهم في الآيات ولذلك عبّر عن ذلك تارةً بالرؤية وأخرى بالسماع، وأن المرادَ بالإعراض إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مجالسهم لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط والضميرُ في معهم للكفرة المدلولِ عليهم بقوله تعالى: {يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا}. {إِنَّكُمْ أَذِنَ مّثْلُهُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتعليل النهي غيرُ داخلةٍ تحت التنزيلِ وإذن ملغاةٌ عن العمل لوقوعها بـين المبتدأ والخبر، أي لا تقعدوا معهم في ذلك الوقتِ إنكم إن فعلتموه كنتم مثلَهم في الكفر واستتباعِ العذابِ، وإفرادُ المثلِ لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع وقرىء شاذاً مثلَهم بالفتح لإضافته إلى غير متمكّن كما في قوله تعالى: {أية : مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ }تفسير : [الذاريات، الآية 23] وقيل: هو منصوب على الظرفية أي في مثل حالهم وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً} تعليلٌ لكونهم مثلَهم في الكفر ببـيان ما يستلزمه من شِرْكتهم لهم في العذاب والمرادُ بالمنافقين إما المخاطَبون وقد وُضع موضِعَ ضميرِهم الظاهِرِ تسجيلاً بنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الاشتقاقِ، وإما الجنسُ وهم داخلون تحته دخولاً أولياً، وتقديمُ المنافقين على الكافرين لتشديد الوعيدِ على المخاطبـين ونصبُ جميعاً مثلُ ما قبله.

التستري

تفسير : قوله: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ}[139] يعني المنافقين يبتغون عند اليهود المنعة والقوة، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما نزل من السماء شيء أعز من اليقين" تفسير : أي أمنع وأعظم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} [الآية: 139]. قال القاسم: أتطلب العز عند من عززته، ولا تطلبه منى وأنا الذى عززته. قال الحسين: من اعتز بغير الحق فبعزه ذل. قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} [الآية: 139]. قال محمد بن الفضل: كيف تبتغى العزة ممن عزه بغيره، فاطلب العزة من مظانها ومعدنها ومكانها، قال الله عز وجل: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} فمن اعتز بالعز أعزه، ومن اعتز بغيره أذله. روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : من اعتز بالعبيد أذله الله، فابتغ العز من عند رب العبيد يعزك فى الدنيا والآخرة ". تفسير : وقال سهل: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} قال: النعمة. قال أبو سعيد: العارف بالله لا يرى العز إلا منه. وقال الواسطى رحمة الله عليه: ما مالت السريرة إلى حب العز إلا ظهر خوفها، وما مالت البحيرة إلى حب الدنيا إلا ظهر ظلمتها عليه، فصارت عن الباب محجوبة مصروفة.

القشيري

تفسير : من اعتصم بمخلوقٍ فقد التجأ إلى غير مُجير، واستند إلى غير كهفٍ، وسقط في مهواة من الغلط بعيد قعرها، شديد مكرها. أيبتغون العِزَّ عند الذي أصابه ذلّ التكوين؟! متى يكون له عزٌّ على التحقيق؟ ومَنْ لا عزَّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدَّى إلى غيره؟ ويقال لا ندري أي حالتهم أقبح: طلب العز وهم في ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟ ويقال مَنْ طَلَبَ الشيء من غير وجهه فالإخفاق غاية جهده، ومن رام الغنى في مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدِّه. ويقال لو هُدُوا بوجدان العِزِّ لما صُرِفَتْ قُصُودُهم إلى من ليس بيده شيء من الأمر. قوله: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} العزُّ على قسمين: عزٌّ قديمٌ فهو لله وصفاً، وعزٌّ حادثٌ يختص به سبحانه من يشاء فهو له - تعالى - مِلْكاً ومنه لطفاً. قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} الآية: لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلماتِ أنفسِهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يَرُدُّون من أنفاسهم، فمن كان بوصفٍ ما متحققاً شاركه حاضروه فيه؛ فجليسُ مَنْ هو في أُنْسٍ مستأنِسِ، وجليسُ من هو في ظلمةٍ مستوحِش. ويقال هجرانُ أعداءِ الحقِّ فرضٌ، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قَرْعُ بابِ الفرقة. قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}: أوضحُ برهانٍ على سريرة (.....) صحبة من يقارنه وعِشْرة مَنْ يخادنه؛ فالشكل مقيد بشكله، والفرعُ منتشِرٌ عن أصله.

البقلي

تفسير : {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} اعلم الحق سبحانه ان جهلة النفوس طلبوا العز من موضع الذل واخطاؤوا الطريق فان العزة صفة الازلية ومن لم يكن متصفا بعزة الازلية لم يكن عزيزا بين الاعزاء ويكون ذليلا بين الاذلاء قال على وجه الاستفهام والتعجب ونفى العز عن غيره واضاف العزة الى جلاله وعظمته اى افهم انهم لم يريدون العزة فينبغى ان يطلبوا العزة الى جلاله وعظمته اى افهم انهم لم يريدون العزة فنبغى ان يطلبوا علزة من عند من كان عزيزا بعزتى يعنى النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه واولياءه لان عليهم رداء عزة العزيز قال تعالى {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : قال محمد بن الفضل كيف تبتغى العزة ممن عزه بغير فاطلب العزة من مظانه ومكانه قال الله فان العزة لله جميعا فمن اعتز بالعزيز اعزه ومن اغتر بغيره اذلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اعتز العبيد اذله الله فابتغ اغرض عند ربا لعزة يعزك فى الدنيا والأخرة قال ابو سعيد الخراز العارف بالله لا يرى عزة الامنة قال الواسطى ما مالت السرية الى حب العز لا ظهر خسوفها وما مالت النحيرة الى حب الدنيا الا ظهرت ظلمتها عليه فصارت محجوبه وعن الباب مصروفه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين} اى هم الذين {يتخذون الكافرين} اى اليهود {اولياء} احباء فى العون والنصرة {من دون المؤمنين} حال من فاعل يتخذون اى متجاوزين ولاية المؤمنين المخلصين وكانوا يوالونهم ويقول بعضهم لبعض لا يتم امر محمد فتولوا اليهود {أيبتغون عندهم العزة} اى أيطلبون بموالاة الكفرة القوة والغلبة وهم اذلاء فى حكم الله تعالى {فان العزة لله جميعا} تعليل لما يفيده الاستفهام الانكارى من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم فان انحصار جميع افراد العزة فى جنابه تعالى بحيث لا ينالها الا اولياؤه الذين كتب لهم العزة والغلبة وقال {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8]. يقتضى بطلان التعزيز بغيره سبحانه واستحالة الانتفاع به. قوله جميعا حال من المستكن فى قوله تعالى لله لاعتماده على المبتدأ.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ} الّذين سبق ذكرهم من اعداء آل محمّد (ص) {أَوْلِيَآءَ} باتّباعهم وقبول دعوتهم والبيعة معهم {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} علىّ (ع) واتباعه {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} استفهام انكارىّ للتّوبيخ يعنى لا ينبغى ان يبتغوا عندهم العزّة {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} مجتمعة عنده فما لهم يخالفون امره ولا يتّبعون اولياءه ويبتغون من غيره العزّة.

اطفيش

تفسير : {الِّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ}: المشركين. {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ}: الذين نعت المنافقين، لكنه مفعول فلعله مقطوع للنصب، أى أعنى أو أريد أو أذم الذين، أو للرفع أى هم الذين أو بدل من المنافقين، ومن موالاتهم للمشركين أنهم يقولون: لا يتم أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فتولوا اليهود ولكم العزة مع غيره فرد الله عليهم بقوله: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ}: أى الكافرين أى المشركين. {العِزَّةَ}: الاستفهام انكارى، أى أيطلبون العزة عند المشركين لا عزة لهم بالمشركين، فان المشركين ما لهم الا الذل، وانما العزة بالتوحيد، والطاعة لله عز وجل كما قال: {فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعاً}: فى الدنيا والآخرة، فهى لأوليائه لا لأعدائه، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، والفاء فى جواب شرط محذوف أى ان طلبوا العزة عندهم فقد أخطأوا لأنها لله جميعا، أو تعليل للانكار أى لا ينفعهم ابتغاء العزة عند الكافرين، لأن العزة لله جميعا، فاذ كانت له فانما يعطيها أولياءه، وعزة الكافر كالعدم، ولا تدوم وما هى الا استدراج وزيادة شر لهم.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يَتَخَّذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} اليهود، أو مشركى العرب، أو الفريقين، والنصارى، ويناسب الأول قول بعض المنافقين، إن أمر محمد لا يتم، فتولوا اليهود لما توهموا من قوتهم ومن زوال عزة النبى صلى الله عليه وسلم {مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} أنصاراً مغايرين للمؤمنين ولم يتخذوهم أولياء، أو اتخاذ للكافرين أولياء ناقض لاتخاذ المؤمنين أولياء ومبطل له فهم غير متخذين المؤمنين أولياء ولو اتخذوهم {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ} عند الكافرين {العِزَّةَ} أيطلبون أن تحصل لهم العزة من الكفر، وهذا إنكار لأن يكون ذلك صواباً، فإنهم أخطأوا فى طلب العزة بهم {فَإِنَّ الْعِزَّةَ} لأن العزة{لِلَّهَ جَمِيعاً} فى الدنيا والآخرة، فهى لأوليائه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولا يكترث بعزة غيرهم لأنها تزول، ولأنها تورث ذلا فى الآخرة، وقيل إن يبتغوا العزة فيطبوها من الله، فإن العزة لله، وكان مشركو مكة يخوضون فى ذكر القرآن ويستهزئون به فى مجالسهم، فانزل الله فى مكة سورة الأنعام، وفيها، وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا الخ ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون ما فعله المشركون بمكة، وكان المنافقون يقعدون معهم ويوافقونهم على ذلك فنزل قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {فِى الكِتَابِ} القرآن فى سورة الأنعام {أَنْ} أنه أى الشأن {إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتِ اللهِ} القرآن {يُكْفَرُ بِهَا} نطقا {وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} يكفر بها المشركون ويستهزئون بها، أويستهزىء بها المنافقون، حذف الفاعل وتاب عنه المجرور، وقد ذكر ضمير الفاعل وهو هاء معهم فى قوله {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} أى مع الكافرين بها والمستهزئين بها حال الكفر بها، والاستهزاء المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها {حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أى غير حديث الكفر والاستهزاء، وقيل غير الكفر والاستهزاء وأفرد الضمير لأنهما بمعنى {إِنَّكُمْ إذاً} إذ قعدتم أو إذا قعدتم معهم حال الكفر والاستهزاء {مِثْلُهُمْ} فى الإثم لأنكم قادرون على الإعراض والإنكار عليهم، أو مثلهم فى الكفر إن رضيتم، وحبك أن يموت الكافر على كفره بغضاً لله وانتقاما لله عز وجل حق كقوله: ربنا اطمس على أموالهم الخ، وقال مشايخ بخارى وسمرقند ونحوهما مما وراء النهر الرضى بالكفر من الغير مع استقباحه لا يكون كفراً، والصحيح أنه كفر، وهو مذهبنا، وروى الوجهان عن أبي حنيفة وإن استحسنه فكفر إجماعاً وأفرد مثل لإرادة الجنس للإضافة للجمع، فكأنه جمع كما جمع فى قوله تعالى {أية : ثم لا يكونوا أمثالكم} تفسير : [محمد: 38]، وحور عين كأمثال اللؤلؤ، أو لأنه فى الأصل مصدر يصلح للواحد وغيره، أو لأن المراد أن عصيانكم إذن مثل عصيانهم، وهذا الوجه الأخير لا يصح فى لبشرين مثلنا، وقيل القاعدون مع الخائضين فى القرآن من الأحبار كانوا منافقين، وقيل ضمير إنكم للمنافقين وضمير مثلهم لأحبار اليهود، والمماثلة فى الكفر، ويدل لهذا قوله تعالى {إنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ} المعهودين، أعيد ذكرهم ليصرح بموجب عقابهم، وهوالنفاق، وقيل المراد العموم فيدخلون بالأولى، وقدم المنافقين لتشديد الوعيد على المخاطبين {وَالكَافرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً} الخائضين والقاعدين معهم، جمعهم فى مطلق النار، كما اجتمعوا فى الدنيا على مضرة الإسلام والمسلمين، جزاء وفاقا، ولو تفاوتت دركاتهم فإن دركة من نافق بإضمار الشرك أسفل من دركة من صرح بالشرك، وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن، فنهى الله تعالى المؤمنين عن مجالسة المنافقين واليهود، وضرب عمر بن عبد العزيز رجلا صائما قعد مع قوم يشربون الخمر، فسئل، فقرأ الآية.

الالوسي

تفسير : / {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء} في موضع النصب أو الرفع على الذم على معنى أريد بهم الذين أو هم الذين، ويجوز أن يكون منصوباً على اتباع المنافقين ولا يمنع منه وجود الفاصل فقد جوزه العرب، والمراد بالكافرين قيل: اليهود، وقيل: مشركو العرب، وقيل: ما يعم ذلك والنصارى، وأيد الأول بما روي أنه كان يقول بعضهم لبعض: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لا يتم فتولوا اليهود. {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي متجاوزين ولاية المؤمنين، وهو حال من فاعل {يَتَّخِذُونَ}. {أَيَبْتَغُونَ} أي المنافقون {عِندَهُمُ} أي الكافرين {ٱلْعِزَّةَ} أي القوة والمنعة وأصلها الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة: عزاز، والاستفهام للإنكار، والجملة معترضة مقررة لما قبلها، وقيل: للتهكم، وقيل: للتعجب. {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي أنها مختصة به تعالى يعطيها من يشاء وقد كتبها سبحانه لأوليائه فقال عز شأنه: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون: 8] والجملة تعليل لما يفيده الاستفهام الإنكاري من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم. وقيل: بيان لوجه التهكم أو التعجب، وقيل: إنها جواب شرط محذوف أي إن يبتغوا العزة من هؤلاء فإن العزة الخ، وهي على هذا التقدير قائمة مقام الجواب لا أنها الجواب حقيقة، و {جَمِيعاً} قيل: حال من الضمير في الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ، وليس في الكلام مضاف أي لأولياء كما زعمه البعض.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له جل وعلا. وبين في موضع آخر: أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله، والمؤمنين، وهو قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين} تفسير : [المنافقون: 8] أي وذلك بإعزاز الله لهم والعزة الغلبة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 23]. أي: غلبني في الخصام، ومن كلام العرب من عزيز يعنون من غلب استلب ومنه قول الخنساء: شعر : كأن لم يكونوا حمى يختشى إذ الناس إذ ذاك من عزبزا

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (139) - ثُمَّ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ بِأنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ المُعَادِينَ للإِيمَانِ وَالمُؤْمِنينَ، أوْليَاءَ لَهُمْ يُلْقُونَ إليهِمْ بِالمَوَدَّةِ. وَيُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ هَذا المَسْلَكَ فِي مُوَالاَةِ الكَافِرِينَ. وَيَسْأَلُ اللهُ مُسْتَنْكِراً: هَلْ يَبْتَغِي هَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ العِزَّةَ وَالغَلَبَةَ وَالمَنَعَةَ عِنْدَ الكَافِرِينَ؟ ثُمَّ يُنَبِّهُهُمْ إلى أنَّ العِزَّةَ كُلَّها للهِ وَحْدَهُ، وَلا شَرِيكَ لَهُ فِيها، ثُمَّ تَكُونُ العِزَّةُ لِمَنْ جَعَلَهَا اللهُ لَهُ. ثُمَّ يَحُثُّهُمُ اللهُ عَلى الإِقْبَالِ عَلَى إعْلاَنِ عُبُودِيَّتِهِم للهِ وَحْدَهُ، وَالانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ لَهُمُ النَّصْرُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَلَهُمُ الفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. العِزَّةَ - المَنَعَةَ وَالقُوَّةَ وَالنُّصْرَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأول مظهر من مظاهر النفاق أن يتخذ المنافقُ الكافرَ ولياً له؛ يقرب منه ويوده، ويستمد منه النصرة والمعونة، والمؤانسة؛ والمجالسة، ويترك المؤمنين. وعرفنا أن كل فعل من الأفعال البشرية لا بد أن يحدث لغاية تُطْلَب منه، ولا يتجرد الفعل عن الغاية إلا في المجنون الذي يفعل الأفعال بدون أي غاية، لكن العاقل يفعل الفعل لغاية، ولهذف يرجوه. والمنافقون يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لأي غاية ولأي هدف؟ ويكشف الحق هذه المسألة فيوضح: أنهم يبتغون العزة من الكافرين، ولذلك اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين. ويلفتهم - جل شأنه - إلى جهلهم؛ لأنهم أخذوا طريقاً يوصلهم إلى ما هو ضد الغاية. فماداموا يبتغون العزة فليعرفوا أولاً: ما العزّة؟. العزة مأخوذة من معنى مادي وهو الصلابة والشدة. فالأرض العَزَاز أي الصلبة التي لا ينال منها المعول، ثم نقلت إلى كل شديد، فكل شيء شديد فيه عِزّة. والمراد بها هنا: الغلبة والنصر، وكل هذه المعاني تتضمنها العزة. فإذا قيل: الله عزيز.. أي أنه سبحانه وتعالى غالب على أمره شديد لا يمكن أن يقدر على مِحاله أو مكره أو قوته أو عقابه أحد. وإذا قيل: فلان عزيز أي لا يُغلب، وإذا قيل: هذا الشيء عزيز أي نادر، ومادام الشيء نادرأً فهو نفيس، والمعادن النفيسة كلها أخذت حظها من ندرتها وقلتها. وما دمتم أيها المنافقون تطلبون العزة، ألا تطلبونها ممن عنده؟. أتطلبونها من نظائركم؟. وعندما تطلبون العزة فذلك لأنكم لا تملكون عزة ذاتية، فلو كانت عندكم عزة ذاتية لما طلبتم العزة من عند الكافرين. وهذا دليل على فقدانهم العزة لأنهم طلبوها من مساوٍ لهم من الأغيار، فالمنافقون بشر، والكفار بشر، وبما أن كل البشر أغيار، فمن الممكن أن يكونوا أعزاء اليوم وأذلاء غداً؛ لأن أسباب العزة هي غنىً أو قوة أو جاه، وكل هذه من الأغيار. فأنتم أيها المنافقون قد طلبتم العزة ممن لم يزد عليكم، وهو من الأغيار مثلكم، ولم تطلبوها من صاحب العزة الذاتية الأزلية الأبدية وهو الحق سبحانه وتعالى، ولو أردتم العزة الحقيقية التي تغنيكم عن الطلب من الأغيار مثلكم فلتذهبوا إلى مصدر العزة الذي لا تناله الأغيار وهو الحق سبحانه وتعالى. لذلك أوضح لهم الحق: إن أردتم أن تتعلموا طلب العزة فعليكم أن تغيروا من أسلوبكم في طلبها، فأنتم تتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتبتغون عندهم العزة وهم من أهل الأغيار، والأغيار تتبدل من يوم إلى يوم، فإن كان الكفار أغنياء اليوم، فغداً لن يكونوا كذلك، ولقد رأيتم كبشر ان الغَنَّي يفتقر، ورأيتم قوياً قد ضعف، وطلب العزة من الأغيار يعني أنكم غير أعزاء، ومع ذلك فأنتم تطلبون العزة من غير موصعها. فإن أردتم عزة حقيقية فاطلبوها ممن لا تتغير عزته وهو الحق سبحانه وتعالى: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}. وفي هذا القول تصويب لطلب العزة. وليطلب كل إنسان العزة إيمانا بالله؛ فسبحانه الذي يهب العزة ولا تتغير عزته: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}. وكلمة "جميعاً" هذه دلت على أن العزة لها أفراد شتى: عزة غني، عزة سلطان، عزة جاه، فإن أراد واحد أن يعرفها ويعلمها فهي - جميعا - في الحق سبحانه وتعالى. والمؤمنون في عبوديتهم لله عبيد لإله واحد؛ وقد أغنانا الله بالعبودبة له عن أن نذل لأناس كثيرين. وسبحانه قد أنقذ المؤمن بالإيمان من أن يذل نفسه لأي مصدر من مصادر القوة، أنقذ الضعيف من أن يذل نفسه لقوي، وأنقذ الفقير من أن يذل نفسه لغني، وأنقذ المريض من أن يذل نفسه لصحيح. إذن ساعة يَقول الحق: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} فمعناها: إن أردت أيها الإنسان عزاً ينتظم ويفوق كل عز فاذهب إلى الله؛ لأنه سبحانه أعزنا فنحن خلقه، وعلى سبيل المثال نجد أن الحق لم يجعل الفقير يقترض، بل قال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} تفسير : [البقرة: 245] وهنا يرفع الله عبده الفقير إلى أعلى درجات العزة. العبد الفقير لا يقترض، ولكن القرض مطلوب لله، ولذلك قال أحدهم لأحد الضعفاء: إنك تسأل الناس، ألا تعف ولا تسأل؟. فقال: أنا سألت الناس بأمر الله، فالسائل يسأل بالله، أي أن يتخذ الله شفيعاً ويسأل به. وعندما يطلب الإنسان العزة من مثيل له، فهو يعتز بقوة هذا الكائن وهي قوة ممنوحة له من الله وقد يستردها - سبحانه - منه. فما بالنا بالقوة اللانهائية لله، وكل قوة في الدنيا موهوبة من الله، المال موهوب منه، والجاه موهوب منه، وكل عزة هي لله. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ...}