Verse. 633 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰبِ اَنْ اِذَا سَمِعْتُمْ اٰيٰتِ اللہِ يُكْفَرُ بِھَا وَيُسْتَہْزَاُ بِھَا فَلَا تَقْعُدُوْا مَعَھُمْ حَتّٰي يَخُوْضُوْا فِيْ حَدِيْثٍ غَيْرِہٖۗ ۝۰ۡۖ اِنَّكُمْ اِذًا مِّثْلُھُمْ۝ ۰ۭ اِنَّ اللہَ جَامِعُ الْمُنٰفِقِيْنَ وَالْكٰفِرِيْنَ فِيْ جَہَنَّمَ جَمِيْعَۨا۝۱۴۰ۙ
Waqad nazzala AAalaykum fee alkitabi an itha samiAAtum ayati Allahi yukfaru biha wayustahzao biha fala taqAAudoo maAAahum hatta yakhoodoo fee hadeethin ghayrihi innakum ithan mithluhum inna Allaha jamiAAu almunafiqeena waalkafireena fee jahannama jameeAAan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقد نزَّل» بالبناء للفاعل والمفعول «عليكم في الكتاب» القرآن في سورة الأنعام «أن» مخففة واسمها محذوف، أي أنه «إذا سمعتم آيات الله» القرآن «يُكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم» أي الكافرين والمستهزئين «حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا» إن قعدتم معهم «مثلهم» في الإثم «إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا» كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء.

140

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المفسرون: إن المشركين كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ويستهزئون به، فأنزل الله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68] وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين، والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام هم المنافقون، فقال تعالى مخاطباً للمنافقين إنه {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } والمعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد به سماع الاستهزاء. قال الكسائي: وهو كما يقال: سمعت عبدالله يلام. وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى: إذا سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ بها، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما قال الكسائي، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غير الكفر والاستهزاء. ثم قال: {إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ }. والمعنى: أيها المنافقون أنتم مثل أولئك الأحبار في الكفر. قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشر بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثل ههنا، هذا إذا كان الجالس راضياً بذلك الجلوس، فأما إذا كان ساخطاً لقولهم وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك، ولهذه الدقيقة قلنا بأن المنافقين الذين كانوا يجالسون اليهود، وكانوا يطعنون في القرآن والرسول كانوا كافرين مثل أولئك اليهود، والمسلمون الذين كانوا بالمدينة كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين كانوا يطعنون في القرآن فإنهم كانوا باقين على الإيمان، والفرق أن المنافقين كانوا يجالسون اليهود مع الاختيار، والمسلمين كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة. ثم إنه تعالى حقق كون المنافقين مثل الكافرين في الكفر فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً }. يريد كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة، وأراد جامع بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين استخفافاً من اللفظ وهو مراد في الحقيقة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مُحِقّ ومنافق؛ لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتابِ الله. فالمنزَّل قوله تعالىٰ: { أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68]. وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخَرون من القرآن. وقرأ عاصم ويعقوب «وقد نَزَّل» بفتح النون والزاي وشدّها؛ لتقدّم اسم الله جلّ جلاله في قوله تعالىٰ: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}. وقرأ حُميد كذلك، إلاَّ أنه خفّف الزاي. الباقون «نُزِّل» غير مسمى الفاعل. {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ} موضع {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ} على قراءة عاصم ويعقوب نصب بوقوع الفعل عليه. وفي قراءة الباقين رفع؛ لكونه ٱسم ما لم يسم فاعله. {يُكْفَرُ بِهَا} أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله؛ فأوقع السماع على الآيات، والمراد سماع الكفر والاستهزاء؛ كما تقول: سمعت عبد الله يُلام، أي سمعت اللوم في عبد الله. قوله تعالىٰ: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي غير الكفر. {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضِي فعلهم، والرّضا بالكفر كفر؛ قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكِر عليهم يكون معهم في الوِزر سواء، وينبغي أن ينكِر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعمِلوا بها؛ فإن لم يقدر على النكِير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أخذ قوماً يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} أي إن الرضا بالمعصية معصية؛ ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبِّه بحكم الظاهر من المقارنة؛ كما قال: شعر : فكل قرين بالمقارِن يقتدي تفسير : وقد تقدّم. وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي كما بيّنا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى. وقال الكلبيّ: قوله تعالىٰ {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} نسخ بقوله تعالىٰ: { أية : وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } تفسير : [الأنعام: 69]. وقال عامة المفسرين: هي محكمة. وروى جويبر عن الضحاك قال: دخل في هذه الآية كل محدِث في الدين مُبْتَدِع إلى يوم القيامة. قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ} الأصل «جامع» بالتنوين فحذف استخفافاً؛ فإنه بمعنى يجمع. {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} يعني المنافقين، أي ينتظرون بكم الدوائر. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي غلبة على اليهود وغنيمة. {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} أي أعطونا من الغنيمة. {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} أي ظفر. {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي ألم نغلب عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم. يُقال: استحوذ على كذا أي غلب عليه؛ ومنه قوله تعالىٰ: { أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ } تفسير : [المجادلة: 19]. وقيل: أصل الاستحواذ الحَوْط؛ حاذه يحوذه حَوْذاً إذا حاطه. وهذا الفعل جاء على الأصل، ولو أُعِلّ لكان ألم نستحِذ، والفعل على الإعلال استحاذ يستحيذ، وعلى غير الإعلال استحوذ يستحوذ. {وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بتخذيلنا إياهم عنكم، وتفريقنا إياهم مما يريدونه منكم. والآية تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين ولهذا قالوا: ألم نكن معكم؟ وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة ولهذا طلبوها وقالوا: ألم نكن معكم! ويحتمل أن يريدوا بقولهم {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} الامتنان على المسلمين. أي كنا نعلمكم بأخبارهم وكنا أنصاراً لكم. قوله تعالىٰ: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} للعلماء فيه تأويلات خمسة: أحدها ـ ما روي عن يُسَيع الحضرمِيّ قال: كنت عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له رجل يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} كيف ذلك، وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحياناً! فقال عليّ رضي الله عنه: معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم. وكذا قال ابن عباس: ذاك يوم القيامة. قال ابن عطية: وبهذا قال جميع أهل التأويل. قال ابن العربيّ: وهذا ضعيف: لعدم فائدة الخبر فيه، وإن أوهم صدر الكلام معناه؛ لقوله تعالىٰ: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} فأخّر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الأمر في الدنيا دُولاً تَغلِب الكفار تارةً وتُغلَب أُخرىٰ؛ بما رأى من الحكمة وسَبَقَ من الكلمة. ثم قال: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} فتوهّم من توهّم أن آخر الكلام يرجع إلى أوّله، وذلك يسقط فائدته، إذ يكون تكراراً. الثاني ـ إن الله لا يجعل لهم سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين، ويُذهب آثارهم ويستبيح بَيْضَتهم؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثَوْبَان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : وإني سألت ربي ألاّ يهلكها بسَنَة عامة وألاّ يُسلِّط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذ قضيت قضاء فإنه لا يُرَدّ وإني قد أعطيتك لأُمتك ألاّ أهلكهم بسَنَة عامة وألاّ أُسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويَسْبِي بعضهم بعضاً ». تفسير : الثالث ـ إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً منه إلاَّ أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدوّ من قبلهم؛ كما قال تعالىٰ: { أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [الشورىٰ: 30]. قال ابن العربيّ: وهذا نفيس جداً. قلت: ويدل عليه قوله عليه السَّلام في حديث ثَوْبَان « حديث : حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبى بعضهم بعضاً » تفسير : وذلك أن «حتى» غاية؛ فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوّهم فيستبيحهم إلاَّ إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم لبعض، وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين؛ فغلظت شوكة الكافرين وٱستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلاَّ أقله؛ فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه. الرابع ـ إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً شرعاً؛ فإن وجد فبخلاف الشرع. الخامس ـ {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها إلاَّ أبطلها ودحضت. الثانية ـ ابن العربي: ونزع علماؤنا بهذه الآية في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم. وبه قال أشهب والشافعي: لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه، والمِلك بالشراء سبيل، فلا يشرع له ولا ينعقد العقد بذلك. وقال ابن القاسم عن مالك، وهو قول أبي حنيفة: إن معنى {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} في دوام المِلك؛ لأنا نجد الابتداء يكون له عليه وذلك بالإرث. وصورته أن يسلم عبد كافر في يد كافر فيلزم القضاء عليه ببيعه، فقبل الحكم عليه ببيعه مات، فيرث العبد المسلم وارث الكافر. فهذه سبيل قد ثبت قهرا لا قصد فيه، وأن ملك الشراء ثبت بقصد النية، فقد أراد الكافر تملكه باختياره، فإن حكم بعقد بيعه وثبوت ملكه فقد حقق فيه قصده، وجعل له سبيل عليه. قال أبو عمر: وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ عليه. وأجمعوا أنه إذا أسلم عبد الكافر فبيع عليه أن ثمنه يدفع إليه. فدلّ على أنه على ملكه بيع وعلى ملكه ثبت العتق له، إلا أنه ملك غير مستقرّ لوجوب بيعه عليه؛ وذلك والله أعلم لقول الله عز وجل: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} يريد الاسترقاق والملك والعبودية مِلكاً مستقِراً دائماً. وٱختلف العلماء في شراء العبد الكافر العبد المسلم على قولين: أحدهما ـ البيع مفسوخ. والثاني ـ البيع صحيح ويباع على المشتري الثالثة ـ وأختلف العلماء أيضاً من هذا الباب في رجل نصراني دَبّر عبداً له نصرانياً فأسلم العبد؛ فقال مالك والشافعي في أحد قوليه: يحال بينه وبين العبد، ويخارجَ على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى يتبين أمره. فإن هلك النصراني وعليه ديْن قُضي دَيْنه من ثمن العبد المدبَّر، إلا أن يكون في ماله ما يحمل المُدَبَّر فَيعتق المدبَّر. وقال الشافعي في القول الآخر: إنه يباع عليه ساعة أسلم؛ وٱختاره المزني؛ لأن المدبَّر وصية ولا يجوز ترك مسلم في مِلك مشرك يُذِلّه ويخارجه، وقد صار بالإسلام عدواً له. وقال الليث بن سعد: يباع النصراني من مسلم فيعتقه، ويكون ولاؤه للذي اشتراه وأعتقه، ويدفع إلى النصراني ثمنه. وقال سفيان والكوفيون: إذا أسلم مدبر النصراني قُوِّم قيمته فيسعى في قيمته، فإن مات النصراني قبل أن يفرغ المدبر من سعايته عَتَق العبدُ وبطلت السعاية.

البيضاوي

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ} يعني القرآن. وقرأ عاصم {نَزَّلَ} وقرأ الباقونَّ {نَزَّلَ} على البناء للمفعول والقائم مقام فاعله. {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ} وهي المخففة والمعنى أنه إذا سمعتم. {يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} حالان من الآيات جيء بهما لتقييد النهي عن المجالسة في قوله: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} الذي هو جزاء الشرط بما إذا كان من يجالسه هازئاً معانداً غير مرجو، ويؤيده الغاية. وهذا تذكار لما نزل عليهم بمكة من قوله: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }تفسير : [الأنعام: 68] الآية. والضمير في معهم للكفرة المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها. {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} في الاثم لأنكم قادرون على الاعراض عنهم والإِنكار عليهم، أو الكفر إِن رضيتم بذلك، أو لأن الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار كانوا منافقين، ويدل عليه: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} يعني القاعدين والمقعود معهم، وإذا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يذكر بعدها الفعل وإفراد مثلهم، لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإِضافة إلى الجمع. وقرىء بالفتح على البناء لإِضافته إلى مبني كقوله تعالى: {أية : مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ }تفسير : [الذاريات: 23].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ} بالبناء للفاعل والمفعول [نُزّل] {عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ} القرآن في سورة (الأنعام) [68:6] {أَن} مخففة واسمها محذوف، أي أنه {إذا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ اللهِ} القرآن {يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} أي الكافرين والمستهزئين {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً} إن قعدتم معهم {مِّثْلُهُمْ} في الإِثم {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً} كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية: مخاطبةٌ لجميعِ مَنْ أظهر الإيمان من محقِّقٍ ومنافقٍ؛ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقَدْ لزمه ٱمثتالُ أوامر كتاب اللَّه تعالَىٰ، والإشارةُ بهذه الآية إلَىٰ قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} تفسير : [الأنعام:68] إلى نحوِ هذا من الآيات، والكتابُ في هذا الموضعِ القرآنُ، وفي الآيةِ دليلٌ قويٌّ علَىٰ وجوبِ تجنُّبِ أهْلِ البِدَعِ والمعاصِي، وأَلاَّ يجالَسُوا، وقد قيل: [الطويل] شعر : عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ تفسير : وهذه المماثلةُ لَيْسَتْ في جميع الصفاتِ، ثم توعَّد سبحانه المنافِقِينَ والكافرين بجمعهم في جَهَنَّم، فتأكَّد بذلك النهْيُ عن مجالستهم وخُلْطتهم.

ابن عادل

تفسير : قرأ الجماعة: "نُزِّل" مبنياً للمفعول، وعاصم ويعقوب قَرَآه "نَزَّلَ" مبنياً للفاعِل، وأبو حَيْوة وحُميد: "نَزَل" مخففاً مَبْنياً للفاعِل، والنخعي: "أُنْزِل" بالهَمْزَة مبنياً للمفعُول. والقائمُ مقامَ الفاعِل في قراءة الجَمَاعة والنَّخعي، هو "أنْ" وما في حيِّزها، أي: وقد نَزَّل عليْكُم المَنْعَ من مُجَالستِهِم عند سَماعِكم الكُفْر بالآيَات، والاسْتِهْزَاء بها. وأمّا في قراءة عاصمٍ: فـ "أنْ" مع ما بعدها في مَحَلِّ نصبٍ مفعولاً به بـ "نزَّل"، والفاعل ضميرُ الله - تعالى - كما تقدَّم. وأما في قِرَاءة أبي حَيْوة وحمَيد: فمحَلُّها رفعٌ بالفاعِليّة لـ "نزل" مخففاً، فمحَلُّها: إمّا نَصْب على قِرَاءة عَاصِمٍ، أو رَفْع على قِراءة غيره، ولكن الرَّفْع مختلف. فصل قال المفسِّرون: المَعْنَى: وقد نَزَّل عليكم يا معشر المُؤمنين، {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ} يعني: القُرْآن {يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم} يعني: مع المُسْتَهْزِئين {حتى يخوضوا في حديث غيره}، وذلك أنَّ المُشركِينَ كانُوا يخوضُونَ في مُجَالَسَتِهم في ذِكْر القُرْآن، يستَهْزِئُون به، فأنْزَل الله - تعالى - {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} تفسير : [الأنعام: 68] وهذه الآية نَزَلَتْ في مَكَّة. ثم إن أحْبَار اليهُود بالمدينَة، كانوا يَفْعَلُون فعل المُشْرِكِين، وكان المُنافِقُون يَقْعُدون معهُم، ويُوافِقُونهم على ذلك، فقال - تعالى - مُخَاطِباً لَهُم: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها} والمعنى: إذا سَمِعْتُم الكُفْر بآيَات اللَّه والاستهزاء بِهَا، لكنَّه أوْقع فعل السماع على الآية، والمُراد بها: سَمَاع الاسْتِهْزَاء. قال الكسَائِيُّ: هو كما يُقَال: سَمِعْت عَبْد اللَّه يُلاَم. قال ابن الخطِيب: وعندي فيه وَجْه آخَر: وهو أنْ يَكُون المَعْنَى: إذا سَمِعْتُم آيَاتِ اللَّه حَالَ ما يُكْفَر بها ويستهزأ بها، وعلى هذا فلا حَاجَة لما قاله الكسَائِيُّ. قوله: "أنْ إذَا" "أن" هذه هي المُخَفَّفةُ من الثَّقيلة، واسمُهَا: ضِمِير الأمْر والشَّأن، أي: أنَّ الأمْر والشأن إذا سَمعْتُم الكُفْر والاسْتهْزَاء، فلا تَقْعُدُوا. قال أبو حيان: وما قَدَّره أبو البقاء من قوله: "أنَّكُم إذا سَمِعْتُم" ليس بجَيِّد، لأن "أن" المخففة لا تَعْمَل إلاَّ في ضِمِير الشَّأن، إلا في ضرورةٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1888- فَلَوْ أنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سألْتِني طَلاَقَكِ لَمْ أبْخَلْ وَأنْتِ صَدِيق تفسير : قال شهاب الدين: هكذا قال، ولم أره أنا في إعراب أبِي البَقَاءِ إلا أنَّه بالهَاءِ دون الكَافِ والمَيم، والجملةُ الشَّرْطِية المُنْعَقدةُ من "إذا" وجوابها في مَحَلِّ رَفْع، خَبَراً لـ "أنْ"، ومن مَجِيء الجُمْلة الشرطيَّة خبراً لـ "أنْ" المُخَفَّفَة: قوله: [الكامل] شعر : 1889- فَعَلِمْتُ أنْ مَا تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ جَزْرٌ لِخَامِعَةٍ وفَرْخِ عُقَابِ تفسير : فـ "مَا" شَرْطيةٌ، و"فإنه" جَوابُها، والجُمْلَةُ خبرٌ لـ "أنْ" المخفَّفَةِ. قوله: "يُكْفَرُ بِهَا" في محلِّ نَصْب على الحَالِ من الآيات، و"بها" في محلِّ رفع؛ لقيامِه مقامَ الفاعلِ، وكذلِك في قوله: "يُسْتَهْزَأ بها" والأصل: يكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ، قام الجارُّ والمَجْرُورُ مقامَه، ولذلك رُوعِي هذا الفَاعِلُ المَحْذُوف، فعاد عليه الضَّمِيرُ من قوله: {مَعَهُمْ حتى يخوضوا} كأنه قِيل: إذا سَمِعْتُم آياتِ الله يَكْفرُ بها المُشْرِكُون، ويَسْتَهزِئُ بها المُنَافِقُون، فلا تَقْعدوا مَعَهُم حتى يخُوضُوا في حَديثٍ غيره، أي: غير حَدِيث الكُفْر والاستهزاء، فعاد الضَّمير في "غيره" على ما دَلَّ عليه المَعْنَى. وقيل: الضَّمير في "غيره" يجُوزُ أنْ يعودَ على الكُفْر والاستِهْزَاء المفهُومَيْن من قوله: "يُكْفَر بِهَا" و"وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا"، [وإنما أفْرَد الضَّمِير وإن كان المُرَاد به شَيْئين؛ لأحد أمرين:] إمَّا لأنَّ الكُفر والاستِهْزَاء شيءٌ واحدٌ في المعْنَى: وإمَّا لإجراءِ الضَّميرِ مُجْرى اسم الإشَارةِ، نحو: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68]. وقوله: [الرجز] شعر : 1890- كَأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ تفسير : وقد تقدَّم تَحْقِيقُه في البقرة، و"حتى": غايةٌ للنَّهْي، والمعنى: أنه يجُوز مُجَالستهم عند خَوْضِهم في غير الكُفْر والاستِهْزَاء. قال الضَّحاك: عن ابن عبَّاسٍ: دخل في هذه الآيَة كل مُحْدِث في الدِّين، وكل مُبْتَدِع إلى يَوْم القِيَامَةِ. قوله: {إنكم إذاً مثلهم} "إذاً" هنا: مُلغَاةٌ؛ لوقوعها بين مُبْتَدأ وخبر، والجمهور على رفعِ اللام في "مثلُهم" على خَبَرِ الابتداء، وقرئ شاذاً بفتحها، وفيها تَخْريجَان: أحدهما: - وهو قولُ البصْريِّين - أنه خبر أيضاً، وإنما فُتِح لإضافته إلى غير مُتَمَكِّن؛ كقوله - تعالى -: {أية : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات: 23] بفتح اللاَّم، وقول الفرَزْدَق: [البسيط] شعر : 1891-............................. ..... وإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ تفسير : في أحدِ الأوجه. والثَّاني: - وهو قولُ الكُوفيِّين - إن "مِثْل" يَجُوز نصبها على المَحَلِّ، أي: الظرف، ويُجيزُون: "زيد مِثْلَك" بالنَّصب على المحلِّ أي: زيدٌ في مثل حالك، وأفرد "مثل" هُنَا، وإن أخْبَرَ به عن جَمْع ولم يُطابق به كما طابق ما قبله في قوله: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]، وقوله: {أية : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ} تفسير : [الواقعة: 22، 23]. قال أبُو البقاء وغيره: لأنه قصد به هُنَا المصدر، فوحَّد كما وحَّد في قوله: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} تفسير : [المؤمنون: 47]. وتحرير المَعْنَى: أن التقدير: إنَّ عصيانكم مثل عصيانهم، إلا أنَّ تقدير المصدريّة في قوله: "لِبَشَريْنِ مِثْلِنَا" قلق. فصل في معنى الآية والمعنى: أنكم إذاً مِثْلُهُم، إن قعدْتُم عندهم وهُم يَخُوضُون ويَسْتهزِئُون، ورضيتم بِهِ، فأنتم كُفَّار مِثْلُهم، وإن خَاضُوا في حَدِيث غَيْرِه، فلا بأس بالقُعُود مَعَهم مع الكَرَاهَة. قال الحَسَن: لا يجوز القُعُود معهم وإن خَاضُوا في حَدِيث غَيْره؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 68] والأكثرون على الأوَّل، وآية الأنعام مَكِّية وهذه مَدَنِيَّة، والمتأخِّر أوْلَى. فصل قال بعض العُلَمَاء: هذا يدل على أنَّ من رَضِي بالكُفْرِ، فهو كافِرٌ، ومن رَضِيَ بمنكر يَرَاه، وخالط أهْلَه وإن لَمْ يُبَاشِر ذلك، كان في الإثْمِ بمَنْزِلة المُبَاشِر لهذه الآية، وإن لم يَرْض وحَضَر خَوْفاً وتقية، فلا. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} أي: كما اجتمعوا على الاسْتِهْزَاء بآيَاتِ اللَّه في الدُّنْيا، فكذلك يَجْتِمَعُون في العَذَاب يوم القِيَامَةِ، وأراد: جامعٌ بالتنوين؛ لأنَّه بعدما جَمَعَهُم حذف التَّنْوِين؛ استخفافاً من اللَّفْظ، وهو مرادٌ في الحَقِيقَةِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن جرير عن أبي وائل قال‏:‏ إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة الكذب يُضْحِكُ بها جلساءه فيسخط الله عليهم جميعاً، فذكر ذلك لإبراهيم النخعي فقال‏:‏ صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله ‏ {‏فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ أنزل في سورة الأنعام ‏{أية : حتى يخوضوا في حديث غيره‏} ‏تفسير : [‏الأنعام: 68‏]‏ ثم نزل التشديد في سورة النساء ‏ {‏إنكم إذاً مثلهم‏} ‏‏. وأخرج ابن المنذر عن السدي في الآية قال‏:‏ كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن، فشتموه واستهزؤوا به، فأمر الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره‏.‏ وأخرج عن سعيد بن جبير أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة، والمشركين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزؤوا بالقرآن في جهنم جميعا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏الذين يتربصون بكم‏} ‏ قال‏:‏ هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين، ‏ {‏فإن كان لكم فتح من الله‏} ‏ إن أصاب المسلمون من عدوّهم غنيمة قال المنافقون ‏ {‏ألم نكن معكم‏} ‏ قد كنا معكم فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون ‏ {‏وإن كان للكافرين نصيب‏} ‏ يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار ‏ {‏ألم نستحوذ عليكم‏} ‏ ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه قد نثبطهم عنكم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏{‏ألم نستحوذ عليكم‏} ‏ قال‏:‏ نغلب عليكم‏.‏ أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن علي. أنه قيل له‏:‏ أرأيت هذه الآية ‏ {‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا‏ً} ‏ وهم يقاتلونا فيظهرون ويقتلون‏؟‏ فقال‏:‏ ادنه ادنه، ثم قال‏:‏ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ‏{‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا‏ً}‏ ‏.‏ واخرج ابن جرير عن علي ‏{‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا‏ً} ‏ قال في الآخرة‏. ‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً‏} ‏ قال‏:‏ ذاك يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً‏} ‏ قال‏:‏ ذاك يوم القيامة‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏{‏سبيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ حجة‏.‏

اسماعيل حقي

تفسير : {وقد نزل عليكم} خطاب للمنافقين بطريق الالتفات والجملة حال من فاعل يتخذون. قال المفسرون ان مشركى مكة كانوا يخوضون فى ذكر القرآن ويستهزئون به فى مجالسهم فانزل الله تعالى فى سورة الانعام وهى مكية {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره} تفسير : [الأنعام: 68]. ثم ان احبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون ما فعله المشركون بمكة وكان المنافقون يقعدون معهم ويوافقونهم على ذلك الكلام الباطل فقال الله تعالى مخاطبا لهم {وقد نزل عليكم} اى والحال انه تعالى قد نزل عليكم قبل هذا بمكة. وفيه دلالة على ان المنزل على النبى عليه السلام وان خوطب به خاصة منزل على العامة {فى الكتاب} اى القرآن الكريم {ان} مخففة اى ان الشان {اذا سمعتم آيات الله} فيه دلالة على ان مدار الاعراض عنهم هو العلم بخوضهم فى آيات الله ولذلك يخبر عنه تارة بالرؤية واخرى بالسماع {يكفر بها ويستهزأ بها} حالان من آيات الله اى مكفورا ومستهزاء وبها فى محل الرفع لقيامه مقام الفاعل والاصل يكفر بها احد ويستهزئ {فلا تقعدوا} جزاء الشرط {معهم} اى الكفرة المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها {حتى يخوضوا} الخوض بالفارسية "درحديث شدن" {فى حديث غيره} اى غير القرآن وحتى غاية للنهى والمعنى انه تجوز مجالستهم عند خوضهم وشروعهم فى غير الكفر والاستهزاء. وفيه دلالة على ان المراد بالاعراض عنهم اظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا الاعراض بالقلب او بالوجه فقط {انكم اذن مثلهم} جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهى غير داخلة تحت التنزيل واذن ملغاة عن العمل لاعتماد ما بعدها على ما قبلها اى لوقوعها بين المبتدأ والخبر اى لا تقعدوا معهم فى ذلك الوقت انكم ان فعلتموه كنتم مثلهم اى مثل اليهود فى الكفر واستتباع العذاب فان الرضى بالكفر كفر {ان الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا} يعنى القاعدين والمقعود معهم وهو تعليم لكونهم مثلهم فى الكفر بيانه ما يستلزمه من شركتهم لهم فى العذاب. واعلم ان الائتلاف ههنا نتيجة تعارف الارواح هنالك لقوله عليه السلام "حديث : الارواح جنود مجندة " .تفسير : الحديث فمن تعارف ارواح الكافر والمنافق هناك يأتلفون ههنا ومن تناكر ارواحهم وارواح المؤمنين يختلفون ههنا ـ روت ـ "حديث : عائشة رضى الله عنها ان امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهنّ فلما هاجرن ووسع الله تعالى دخلت المدينة قالت عائشة فدخلت علىّ فقلت لها فلانة ما اقدمك قالت اليكن قلت فأين نزلت قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال "فلانة المضحكة عندكم" قالت عائشة قلت نعم فقال "فعلى من نزلت" قالت على فلانة المضحكة قال "الحمد الله ان الارواح جنود" " .تفسير : الخ: ونعم ما قيل شعر : همه مرغان كند باجنس برواز كبوتر باكبوتر باز باباز تفسير : ولما كان الابد مرآة الازل لا يظهر فيه الا ما قدر فى الازل لذا قال الله تعالى {ان الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا} لانهم كانوا فى عالم الارواح فى صف واحد وفى الدنيا بذلك التناسب والتعارف فى فن واحد وقال عليه السلام "حديث : كما تعيشون تموتون وكما تموتون تحشرون ". تفسير : ففى اشارة الآية نهى لاصحاب القلوب عن المجالسة مع ارباب النفوس والموافقة فى شىء من اهوائهم فانهم ان يفعلوا ذلك يكونوا مثلهم يعنى يكون القلب كالنفس وصاحب القلب كصاحب النفس بالصحبة والمخالطة والمتابعة: قال الحافظ قدس سره شعر : نخست موعظه بير مجلس اين حرفست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد تفسير : قال الحدادى فى تفسيره اذن لم يجز جلوس المؤمن معهم لاقامة فرض او سنة اما اذا كان جلوسه لاقامة عبادة وهو ساخط لتلك الحال لا يقدر على تغييرها فلا بأس بالجلوس كما روى عن الحسن انه حضر وابن سيرين جنازة وهناك نوح فانصرف ابن سيرين فذكر ذلك للحسن فقال ما كنا متى رأينا باطلا تركنا حقا اشرع ذلك فى ديننا ولم يرجع انتهى كلامه. وذكر ان الله تعالى اوحى الى يوشع بن نون عليه السلام انى مهلك من قومك اربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم قال يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الاخيار قال انهم لم يغضبوا لغضبى واكلوهم وشاربوهم واذا كان الرجل مبتلى بصحبة الفجار فى سفره للحج او الغزاء لا يترك الطاعة بصحبتهم لكن يكرهه بقلبه ولا يرضى به فلعل الفاسق يتوب ببركة كراهة قلبه ومن دعى الى ضيافة فوجد ثمة لعبا او غناء يقعد ان كان غير قدوة ويمنع ان قدر وان كان قدوة كالقاضى والمفتى ونحوهما يمنع ويقعد فان عجز خرج وان كان ذلك على المائدة او كانوا يشربون الخمر خرج وان لم يكن قدوة وان علم قبل الحضور لا يحضر فى الوجوه كلها كذا فى تحفة الملوك.

ابن عجيبة

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ... } قلت: {أن} مخفف: نافية، فاعل نزّل، و {يكفر} و {يُستهزأ}، حالان من الآيات، وضمير {معهم}: يعود على الكفار المفهوم من {يكفر}، وضمير {غيره}؛ يعود على الكفر والاستهزاء، وهما شيء واحد. يقول الحقّ جلّ جلاله: في التحذير من مجالسة أهل الكفر والمعاصي: {وقد نزل عليكم} يا معشر المسلمين في القرآن في سورة الأنعام، أنه {إذا سمعتم آيات الله} حال كونها {يُكفَر بها ويُستَهزأ بها فلا تقعدوا معهم} بل قوموا عنهم، إن لم تقدروا أن تنكروا عليهم، والآية التي في سورة الإنعام قوله تعالى: {حديث : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام:68] الآية. فما داموا في الخوض فاعرضوا عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الخوض، فإن جلستم معهم في حال الخوض فإنكم {إذًا مثلهم} في الإثم، إن لم ترضوا، أو في الكفر، إن رضيتم بخوضهم. نزلت في قوم من المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن، ويكذبون به ويحرفونه، فنهى المسلمين عن مجالستهم، قال ابن عباس: ودخل في هذه الآية كُلُّ مُحدِث في الدين ومُبتدعٍ إلى يوم القيامةً. هـ. الإشارة: أولياء الله آيات من آيات الله: فمن استهزأ بهم فقد استوجب المقت من الله، وكل موطن يقع فيه الإنكار عليهم أو الغض من مرتبتهم، يجب الفرار منه، لأنه موطن الغضب ومحل الهلاك والعَطب، فإن لحوم الأولياء سموم قاتلة، واللعنة على من يقع فيهم حاصلة، فمن جلس مع أهل الخوض من غير عذر، كان من الخائضين، ومن فرّ منهم كان من الناجين، ومن أنكر على من يقع فيهم كان من المجاهدين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد الخائضين ومن رضي بخوضهم، فقال: ... {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} قلت: {الذين}: صفة المنافقين، أو نصب على الذم، و {نستحوذ}: تغلب، استحوذ: غلب، جاء على أصله، ولم يُعلّ كاستعاذ والقياس: استحاذ، يستحيذ، كاستعاذ يستعيذ، لكنه صحح تنبيهًا على الأصل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله} سيجمع {المنافقين والكافرين}، أي: الخائضين والقاعدين معهم، {في جهنم جميعًا} خالدين فيها. {الذين يتربصون بكم} أي: ينتظرون بكم الدوائر، أي: ما يدور به الزمان والدهر عليكم، وهم المنافقون، {فإن كان لكم فتح من الله} كالنصر والغنيمة {قالوا} للمؤمنين: {ألم نكن معكم} على دينكم، فأعطونا مما غنمتم، {وإن كان للكافرين نصيب}؛ دولة أو ظهور على المسلمين، {قالوا} لهم: {ألم نستحوذ عليكم} أي: نغلبكم ونتمكن من قتلكم، وأبقينا عليكم فمنعناكم من قتل المسلمين لكم، بأن خذلناهم بتخييل ما ضعُفت به عزيمتهم عليكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فأشركُونا مما أصبتم. وإنما سمي ظفر المسلمين فتحًا، وظفر الكافرين نصيبًا؛ لخسة حظه، فإنه حظ دنياوي، استدراجًا ومكرًا، بخلاف ظفر المسلمين، فإنه إظهار الدين، وإعانة بالغنيمة للمسلمين. {فالله يحكم بينهم يوم القيامة}؛ فيدخل أهل الحق الجنة، ويدخل أهل الخوض النار، {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} أي: حجة، أو غلبة في الدنيا والآخرة، وفيه دليل على عدم صحة ملك الكافر للمسلم، فيباع عليه إن اشتراه، ويفسخ نكاحه إن تزوج مسلمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ( المرء مع من أحب)؛ من أحبَّ قومًا حُشر معهم، فمن أحب أهل الخوض حُشر مع الخائضين، ومن أحب أهل الصفا حشر مع المخلصين، وإن كان مذبذبًا يميل مع كل ريح؛ حشر مع المخلصين، وهو من خف عقله وضعف يقينه، إن رأى بأهل النسبة من الفقراء عزًا ونصرًا وفتحًا انحاز إليهم، وقال: ألم نكن معكم، وإن رأى لأهل الإنكار من العوام صولة وغلبة رجع إليهم، وقال: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من دعاء الصالحين عليكم، فما لهذه عند الله من خلاق. وفي الحديث: " حديث : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا"تفسير : . فالله يحكم بينهم يوم القيامة، فيرفع أهل الصفا مع المقربين، ويسقط أهل الخوض مع الخائضين، وليس لأهل الخوض من أهل الإنكار سبيل ولا حجة على أهل الصفا من الأبرار، { أية : إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } تفسير : [النّحل:128].

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم ويعقون {وقد نزل} بفتح النون والزاي وتشديده. الباقون بضم النون وكسر الزاي والمنزل في الكتاب. قوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره إلى قوله.. الظالمين}. تفسير : اعلم الله تعالى في هذه الآية المؤمنين ان المنافقين يهزءون بكتاب الله الذي هو القرآن، وأمرهم ان لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا، يعني يأخذوا في حديث غير القرآن، ثم قال: انكم ان جالستموهم على الخوض في كتاب الله والهزء به، فانتم مثلهم، وانما حكم بانهم مثلهم متى رضوا بما هم فيه، ولم ينكروا عليهم مع القدرة على الانكار، ولم يظهروا كراهية، فانهم متى كانوا راضين بالكفر، كانوا كفاراً، لان الرضاء بالكفر كفر. وفي الآية دلالة على وجوب انكار المنكر مع القدرة على ذلك، وزوال العذر عنه. وإن من ترك ذلك مع القدرة عليه كان مخطئاً آثماً. وكذلك فيها دلالة على انه لا يجوز مجالسة الفساق، والمبتدعين من اي نوع كان. وبه قال جماعة من المفسرين. ذهب اليه ابو وائل، وابراهيم وعبد الله. وقال ابراهيم: من ذلك إذا تكلم الرجل في مجلس بكذب، يضحك منه جلساؤه، فسخط الله عليهم. وبه قال عمر بن عبد العزيز وقيل: إنه ضرب صائماً كان قاعداً مع قوم يشربون الخمر. وقال ابن عباس: امر الله بذلك الانفاق، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، والمراء والخصومة. وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وجماعة من المفسرين. قال ابو علي الجبائي: اما الكون بالقرب منهم بحيث يسمع صوتهم ولا يقدر على انكاره، فليس بمحظور، وانما المحظور مجالستهم من غير اظهار كراهية ما سمعه أو يراه. وقوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} ومعناه ان الله يجمع الفريقين من اهل الكفر، والنفاق في القيامة في النار. والعقوبة فيها كما اتفقوا في الدنيا على عداوة المؤمنين، والمؤازرة عليهم. قال الجبائي: في الآية دلالة على بطلان قول الاصم، ونفاة الاعراض وقولهم: انه ليس ها هنا غير الاجسام، لانه قال: {حتى يخوضوا في حديث غيره} فاثبت غيراً لما كانوا فيه. وذلك هو العرض.

الجنابذي

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} حال من فاعل يتّخذون وجملة ايبتغون اعتراض او عن فاعل يبتغون او عن الله المجرور بالّلام والمراد بالكتاب امّا احكام النّبوّة او القرآن او هما {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ} ان تفسيريّة او مخفّفة {آيَاتِ ٱللَّهِ} واعظمها علىّ (ع) {يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} فضلاً عن موالاتهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} غاية للنّهى عن العقود معهم او غاية لترك تعظيمهم ولاستهزاءهم المستفادين من النّهى عن القعود اى لا تقعدوا معهم لينفعلوا ولا يعودوا لمثله {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} بمحض القعود معهم فضلاً عن موالاتهم والمماثلة معهم امّا فى الكفر، ان ترضوا بقولهم، او فى الاثم، ان لم ترضوا، {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ} الّذين كانوا مع محمّد (ص) ظاهراً ثمّ اتّبعوا اعداءه {وَٱلْكَافِرِينَ} المتبوعين {فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} اى ينتظرون بسببكم يعنى وقوع امر من خير او شرّ لكم كأنّ وجودكم صار سبباً لانتظارهم {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} يعنى انّهم كانوا طالبين للدّنيا اينما وجدوها تملّقوا لها لا تعلّق لهم بكفرٍ ولا ايمان {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} سمّى الاوّل فتحاً والثّانى نصيباً اشارة الى انّ المؤمنين مقصودهم محض الفتح لاعزاز الدّين، والكافرين لا قصد لهم الاّ حظّهم ونصيبهم من الدّنيا {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ} الم نستول {عَلَيْكُمْ} ونتمكّن منكم فتركنا القتال معكم فوافقونا ولا تعادونا، والاستحواذ من الكلمات الّتى جاءت على الاصل ولم يعلّ {وَنَمْنَعْكُمْ} الم نمنعكم {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يتراءى ان يقال ولم نمنع المؤمنين منكم ولكن يقال منعته من الاسد اذا حفظه من افتراسه كأنّ المانع يمنعه من التّعرّض للاسد {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} دعاء عليهم او اخبار ولا يخلوا عن تهديد المقصود بينكم وبينهم بتقدير بينهم او بكون الخطاب للمؤمنين والكافرين جميعاً {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} تسلّطاً دعاء او اخبار والمراد انّه لا سبيل لهم فى الآخرة او بالحجّة او فى الدّنيا بالغلبة من حيث انّهم مؤمنون فانّ قتل الكافرين للمؤمنين واسرهم ونهب اموالهم انّما هى بالنّسبة الى ابدانهم الّتى هى بمنزلة السّجن لهم لا بالنّسبة الى لطيفة ايمانهم وهذا ردّ لتربّصهم نصيب الكافرين.

اطفيش

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ}: أيها المؤمنون. {فِى الكِتَابِ}: أى القرآن. {أَن إِذَا سَمِعْتُمْ آيَآتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَديِثٍ غَيْرِهِ}: أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، واذا جوابها وشرطها خبر أن، ويقدر المصدر من خبرها نائب فاعل نزل فى قراءة الجمهور، ومفعول نزل بالفاء للفاعل فى قراءة عاصم وهو ضمير عائد الى الله جل وعلا، أى وقد نزل عليكم فى القرآن تحريم القعود مع الكافرين والمستهزئين، وقت استعمالهم الكفر بآيات الله، واستهزائهم بها الى أن يتركوا ذلك، ويشرعوا فى غيره والآية دليل لجواز دخول أن الخفيفة على الأمر والنهى، لأن حكمها وحكم المخففة واحد، وكذا المسددة وذلك بفتح الهمزة فيهن، وذلك فى سورة الأنعام فى قوله تعالى: {أية : واذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره } تفسير : أى فلا تقعد معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره بدليل {أية : واما ينسيك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين }تفسير : وبها نائب فاعل بكفروا بها نائب فاعل يستهزأ، وهاء معهم وواو يخوضوا عائدان الى الكافرين والمستهزئين المعلومين من يكفر ويستهزأ، وجملة يكفر بها حال من آية الله وكذا يستهزأ بها بواسطة العطف. والآية دلت على أنه لا يجوز أن يحضر الانسان المنكر، واذا وقع فى مجلس هو فيه فلينه فان انتهى عنه، والا ذهب ان قدر أن يذهب، قيل: الا المسجد والسوق، فلا يجب عليه الخروج، وأنه اذا انتهى عنه فاعله فى وقت جازت مجالسته فيه، واذا عاد لم يجالس وقت فعله. قال ابن عباس: دخل فى الآية كل محدث أو مبتدع فى الدين الى يوم القيامة، واستحس بلا وجوب أن لا يجالس المبتدع، ولو فى وقت عدم فعله أو قوله ما لم يتب، وكذا الغاسق والآية مسنة فى الاحالة التى نذكرها فى الكتب نقول كما مر، ونقول كما ذكرته، ونقول وأما كذا فقد ذكرته أو بسطته فى كتاب كذا أو باب كذا كما قال الله جل وعلا: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل }تفسير : اشارة الى تحريم الشحوم عليهم فى الأنعام، وذلك يكون لحكمة بيانها هنا أن المشركين بمكة كانوا يخوضون فى آيات الله بالكفر بها والاستهزاء، فنهى الله عز وجل نبيه عن الجلوس معهم حالة خوضهم فى ذلك، ولما جاء الى المدينة كانت أحبار اليهود تخوض فى مجالسها بالكفر والاستهزاء بها أيضا، وكان المنافقون يجلسون اليهم فى تلك الحال، فنهى الله عز وجل المؤمنين. والآية دلت على أن ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم أو أمر به فهو نهى أو أمر لأمته ألا ترى أن آية الأنعام خطاب له صلى الله عليه وسلم، فأخبرنا الله فى هذه الآية أنها نزلت عليكم الا اذا قام دليل الخصوصية، والآية دلت على جواز الحكاية بالمعنى، لأن ما فى هذه الآية غير لفظ ما فى الأنعام، ومع ذلك قال: نزل عليكم00الخ، كأنه قال: وقد قيل لكم. {إِنَكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}: انكم أيها المؤمنون مثل الكافرين بالآيات المستهزئين بها فى الكفر، قلنا ذلك جزاء لقعودكم مع قدرتكم على عدمه لو قعدتم معهم حال استهزائهم وكفرهم بها، فان الراضى بالشرك مشرك، والراضى بالنفاق منافق، ومن قعد ولم يرض شرك أو نفاق فهو مثل من قعد اليه فى العقاب، ولو لم يسم مشركا الا أن قعد تقية. وقد قال بعض: لا يجوز الجلوس مع صاحب بدعة أو منكر اسم به، أظهروه. وقال بعض: يكره وصححوه، وليس كما قيل: انه انما يشرك من رضى بشرك نفسه، وأن الراضى بشرك غيره لا يشرك، وان هذا هو الصحيح، بل الصحيح ما ذكرته لك، وذكر الزمخشرى عن علماء بخارى وما ورائها أنهم قالوا: الرضا بشرك الغير مع استقباح نفس الشرك لا يكون شركا، قال: {أية : واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا }تفسير : وقيل: الخطاب فى قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} الى قوله: {إِنَكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} للمنافقين المضمرين للشرك، على معنى أن الله قد فضحكم باظهار شرككم بجلوسكم مع الخائضين فى الكفر، والاستهزاء لم يقل أمثالهم بالجمع، بل أفرد لأن مثل يصلح بالقليل والكثير أو لأن اضافته للجنس، وقرىء بفتح مثل على البناء لكونه مبهما مضافا لمبنى. {إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً}: هذا يدل على القول الأخير الذى هو أن الخطاب للمنافقين، أى يجمع المنافقين مع الكافرين المستهزئين فيها لقعودهم معهم حال الكفر، والاستهزاء مع القدرة على الذهاب عنه أو عدم الجلوس من أول الأمر.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} خطاب للمنافقين بطريق الالتفات مفيد لتشديد التوبيخ الذي يستدعيه تعديد جناياتهم. وقرأ ـ ما عدا عاصماً ـ ويعقوب {نَزَّلَ} بالبناء لما لم يسم فاعله، والجملة حال من ضمير {أية : يَتَّخِذُونَ} تفسير : [النساء: 139] مفيدة أيضاً لكمال قباحة حالهم ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة أعداء الله تعالى مع تحقق ما يمنعهم عن ذلك، وهو ورود النهي عن المجالسة المستلزم للنهي عن الموالاة على آكد وجه وأبلغه إثر بيان انتفاء ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة كأنه قيل: تتخذونهم أولياء؛ والحال أنه تعالى نزل عليكم قبل هذا بمكة {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي القرآن العظيم الشأن. {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 68] الآية، وهذا يقتضي الإنزجار عن مجالستهم في تلك الحالة القبيحة، فكيف بموالاتهم والاعتزاز بهم؟! و {أَنْ} هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أي أنه إذا سمعتم، وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أي أنكم، وكون المخففة لا تعمل في غير ضمير الشأن إلا لضرورة ـ كما قال أبو حيان ـ في حيز المنع، وقد صحح غير واحد جواز ذلك من غير ضرورة، والجملة الشرطية خبر وهي تقع خبراً في كلام العرب، و {أَنْ} وما بعدها في موضع النصب على أنه مفعول به ـ لنزل ـ وهو القائم مقام الفاعل على القراءة الثانية، واحتمال أنه قد يجعل القائم مقامه عليكم، وتكون {أَنْ} مفسرة لأن التنزيل في معنى القول لا يلتفت إليه، و {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ} في موضع الحال من الآيات جىء بهما لتقييد النهي عن المجالسة، فإن قيد القيد قيد، والمعنى لا تقعدوا معهم وقت كفرهم واستهزائهم بالآيات، وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانة خطرها وتهويل أمر الكفر بها، والضمير في {مَعَهُمْ} للكفرة المدلول عليهم بـ {يَكْفُرْ} {وَيُسْتَهْزَأُ} والضمير في غيره راجع إلى تحديثهم بالكفر والاستهزاء، وقيل: الكفر والاستهزاء / لأنهما في حكم شيء واحد. وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ} تعليل للنهي غير داخل تحت التنزيل و {إِذَا} ملغاة لأن شرط عملها النصب في الفعل أن تكون في صدر الكلام فلذا لم يجىء بعدها فعل، و ـ مثل ـ خبر عن ضمير الجمع وصح مع إفراده لأنه في الأصل مصدر، فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره، وقيل: لأنه كالمصدر في الوقوع على القليل والكثير؛ أو لأنه مضاف لجمع فيعم، وقد يطابق ما قبله كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم} تفسير : [محمد: 38]، والجمهور على رفعه، وقرىء شاذاً بالنصب، فقيل: إنه منصوب على الظرفية لأن معنى قولك: زيد مثل عمرو في أنه حال مثله، وقيل: إنه إذا أضيف إلى مبنى اكتسب البناء ولا يختص ذلك بما المصدرية كما توهم بل يكون فيها مثل {أية : مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات: 23]، وفي غيرها كقوله:شعر : فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ (ما) مثلهم بشر تفسير : وابن مالك يشترط لاكتساب البناء أن لا يقبل المضاف التثنية والجمع ـ كدون وغير وبين ـ ولم يصحح ذلك في ـ مثل ـ وأعربه حالاً من الضمير المستتر في ـ حق ـ في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات: 23]. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً} تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب، والمراد من المنافقين إما المخاطبون، وأقيم المظهر مقام المضمر تسجيلاً لنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الإشتقاق، وإما للجنس وهم داخلون دخولاً أوّلياً وتقديمهم لتشديد الوعيد على المخاطبين وانتصابه على الحال طرز ما مر، واستشكل كون الخطاب للمنافقين بأنهم مثل الكافرين في الكفر من غير سببية القعود معهم فلا وجه لترتب الجزاء على الشرط، والعدول عن كون المماثلة في الكفر إلى المماثلة في المجاهرة به لا يحسن معه كون جملة {إِنَّ ٱللَّهَ} الخ تعليلاً لكونهم مثلهم بتلك المماثلة بالطريق الذي ذكر، وأيضاً الذين نهوا عن مجالسة الكافرين والمستهزئين بمكة هم المؤمنون المخلصون لا المنافقون لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة، فكيف يذكر المنافقون فيها بنهي نزل في مكة قبل أن يكونوا؟. وأجيب عن هذا بأنه إن سلم أن المنزل على النبـي صلى الله عليه وسلم وإن خوطب به خاصة منزل على الأمة مخلصهم ومنافقهم إلى قيام الساعة، صح دخول المنافقين وإن لم يكونوا وقت النزول وإن لم يسلم ذلك فإن ادّعى الاقتصار على النبـي صلى الله عليه وسلم لم يدخل المؤمنون المخلصون أيضاً. وإن ادّعى دخولهم فقط دون المنافقين الذين هم مؤمنون ظاهراً فلا دليل عليه، كيف وجميع الأحكام متعلقة بالمؤمنين كيف كانوا ولسنا مكلفين بأن نشق على قلوب العباد، بل لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر، على أنه قد قام الدليل على أن الأحكام الشرعية التي كانت صدر الإسلام ولم تنسخ مخاطب بها من نطق بالكلمة الطيبة وبلغته قبل يوم الساعة، فقد قال الله تعالى: {أية : لأُِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] ولهذه الدغدغة قال بعض المحققين: إن المقصود من الخطاب هنا المؤمنون الصادقون، والمراد بمن يكفر ويستهزىء أعم من المنافقين والكافرين، وضمير {مَعَهُمْ} للمفهوم من الفعلين، ويؤيد ذلك ما نقل عن الواحدي أنه قال: كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم، والمراد من المماثلة في الجزاء المماثلة في الإثم لأنهم قادرون على الإعراض والإنكار لا عاجزون كما في مكة، أو في الكفر على معنى إن رضيتم بذلك وهو مبني على أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل، وهي رواية عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه عثر عليها صاحب «الذخيرة»./ وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: الرضا بكفر الغير إنما يكون كفراً إذا كان يستجيز الكفر أو يستحسنه أما إذا لم يكن كذلك ولكن أحب الموت أو القتل على الكفر لمن كان مؤذياً حتى ينتقم الله تعالى منه فهذا لا يكون كفراً، ومن تأمل قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ} تفسير : [يونس: 88] الآية يظهر له صحة هذه الدعوى وهو المنقول عن الماتريدي، وقول بعضهم: إن من جاءه كافر ليسلم فقال: اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفَّر لرضاه بكفره في زمان موافق لما روي عن الإمام لكن يدل على خلافه ما روي في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبـي سرح أتى به عثمان رضي الله تعالى عنه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايعه فكف صلى الله عليه وسلم يده ونظر إليه ثلاث مرات وهو معروف في السير، وهو يدل بظاهره على أن التوقف مطلقاً ليس كما قالوه كفراً. واستدل بعضهم بالآية على تحريم مجالسة الفساق والمبتدعين من أي جنس كانوا، وإليه ذهب ابن مسعود وإبراهيم وأبو وائل، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وروى عنه هشام بن عروة أنه ضرب رجلاً صائماً كان قاعداً مع قوم يشربون الخمر، فقيل له في ذلك: فتلا الآية، وهي أصل لما يفعله المصنفون من الإحالة على ما ذكر في مكان آخر، والتنبيه عليه والاعتماد على المعنى، ومن هنا قيل: إن مدار الإعراض عن الخائضين فيما يرضي الله تعالى هو العلم بخوضهم، ولذلك عبر عن ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع، وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالستهم لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط، وعن الجبائي إن المحذور مجالستهم من غير إظهار كراهة لما يسمعه أو يراه، وعلى هذا ـ الذي ذهب إليه بعض المحققين ـ يحتمل أن يراد بالمنافقين والكافرين في جملة التعليل ما أريد بضمير {مَعَهُمْ}، وصرح بهذا العنوان لما أشرنا إليه قبل، ويحتمل أن يراد الجنس ويدخل أولئك فيه دخولاً أولياً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}. هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}تفسير : [الأنعام:68] وقوله هنا: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم، ولكنه بينه في الأنعام بقوله: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِين} تفسير : [الأنعام: 68].

القطان

تفسير : يتربصون بكم: ينتظرون وقوع أمرٍ بكم. ألم نستحوذ عليكم: الاستحواذ هو الاستيلاء. لقد أوصاكم الله في القرآن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون او يستهزؤون ألاّ تجلسوا معهم. اهجروهم الى أن يخوضوا في حديث آخر، فإن ظللتم معهم وهم على تلك الحالة ـ كنتم اذنْ مثلهم في الكفر. وهذا تهديد لكل من يسمع تنقّصاً في الدين او القرآن ولا يستطيع تغييره ثم لا يترك المجلس. ان الله جامعٌ المنافقينَ والكافرين وكلَّ من يقعد معهم في جهنم جميعاً. اولئك المنافقون ينتظرون ما يحدث لكم من خير او شر، فإن نصَركم الله قالوا: الم نكن معكم باعتبارنا من جماعتكم؟ وان كان للكافرين الظفرُ عليكم منُّوا عليهم وقالوا لهم: ألم نمنحكم مودتنا ونمنعكم من المؤمنين؟ فاعرفوا لنا هذا الفضل وهاتوا نصيبنا مما اصبتم. والله تعالى يحكم بينكم وبين هؤلاء المنافقين يوم القيامة، ولن يجعل للكافرين سبيلاً للغلب على المؤمنين ما دام هؤلاء متمسكين بدينهم متبعين لأوامره ونواهيه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {آيَاتِ} {ٱلْمُنَافِقِينَ} {وَٱلْكَافِرِينَ} (140) - كَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَجْلِسُونَ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَهُمْ يَخُوضُونَ فِي الكُفْرِ وَذَمِّ الإِسْلاَمِ، وَالاسْتِهْزَاءِ بِالقُرْآنِ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ الإِنْكَارَ عَلَيهِمْ لِضَعْفِهِمْ، وَلِقُوَّةِ المُشْرِكِينَ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالإِعْرَاضِ عَنْهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْزَلَ فِي القُرْآنِ أمْراً إلَى جَمِيعِ مَنْ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ، أنَّهُمْ إذا سَمِعُوا أنَاسَاً يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ، أوْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا فَعَلَيهِمْ ألاَّ يَقْعُدُوا مَعَهُمْ إلى أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ هذا المُنْكَرِ، وَيَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَأنَّ المُؤْمِنينَ إذا قَعَدُوا مَعَ مَنْ يَسْتَهْزِئُونَ بِآيَاتِ اللهِ، وَيَكْفُرُونَ بِاللهِ، فَإنَّهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَكَمَا أَشْرَكُوهُمْ فِي الكُفْرِ، كَذَلِكَ يُشْرِكُهُمْ اللهُ مَعَهُمْ فِي الخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أبداً، وَيَجْمَعُ اللهُ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ العُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يأمر الحق المؤمنين أنهم إذا سمعوا بعضاً من الكافرين يهزأ بآيات الله أو يكفر بها فلا يقعدوا معهم إلا أن يتحولوا إلى حديث آخر، وذلك حتى لا يكونوا مثل الكافرين لأنه سبحانه سيجمع المنافقين والكافرين في جهنم، وبذلك يحمي الله وحدهُ أهل الإيمان، ويصونهم من أي تهجم عليهم، فالذين يغارون على الإيمان هم الذين آمنوا، فمادمت قد آمنت وارتضيت لنفسك الإسلام فإياك أن تهادن من يتهجم على الدين؛ لأنك إن هادنته كان أعز في نفسك من الإيمان، ومادمت أيها المؤمن قد ارتضيت الإيمان طريقاً لك وعقيدة فلتحم هذا الإيمان من أن يَتَهَجَّم عليه أحد، فإن اجترأ أحد على الإيمان بشيء من النقد أو السخرية أو الرمي بالباطل.. فالغيرة الإيمانية للمسلم تحتم عليه أن يرفض هذا المجلس. وكان المؤمنون في البداية قلة مستضعفة لا تستطيع الوقوف في وجه الكافرين أو المنافقين، فساعةً يترك المؤمنون الكافرين أو المنافقين لحظة اللغو في آيات الله، فالكافرون والمنافقون يعلمون بذلك السلوك أن عِرض الإيمان أعز على المسلمين من مجالسة هؤلاء. أما إذا جالسهم مسلم وهم يخوضون في الإيمان.. فهذا يعني أنهم أعز من الإيمان، والكافرون قد يجعلونها حديثاً مستمراً لسبر غور الإيمان في قلوب المسلمين. أما حين يرى الكافر مؤمناً يهب وينفر من أي حديث فيه سخرية من الإسلام، هنا يعرف الكافر أن إيمان المسلم عزيز عليه. وهذه الآية ليست آية ابتدائية إنما هي إشارة إلى حكم سبق، ونعرف أنها نزلت في المدينة؛ فالحق يقول: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا} ومعنى هذا أن هناك آية قد نزلت من قبل في مكة؛ ويقول فيها الحق: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 68] ويشير الحق هنا إلى أنه قد أنزل حكماً في البداية، وهو الحكم الذي نزل مع الكافرين في مكة؛ حيث استضعف الكافرون المؤمنين، ولم يكن المنهج الإيماني قد جاء بمنع المؤمنين أن يجالسوا الكافرين، فقد كان بعض المؤمنين عبيداً للكافرين، وبعض المسلمين الأوائل كان لهم مصالح مشتركة قائمة مع الكافرين وجاء الحكم: إن ولغ هؤلاء الكافرون في الدين بالباطل فاتركوا لهم المكان. وسبحانه هنا في سورة النساء يذكر المؤمنين بأن حكم ترك الكافرين لحظة اللغو في الإيمان هو حكم ممتد منقول للمؤمنين من البيئة الأولى حيث كنتم أيها المؤمنون مع المشركين عبدة الأصنام، والحكم مستمر أيضاً في المدينة حيث يوجد بعض أهل الكتاب. والتكليف من الله، هو تكليف بما يطيقه الجنس البشري؛ فالإنسان عرضة لأن ينسى، وعليه بمجرد ان يتذكر فليقم تاركاً هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله. وقد نزل في القرآن أن إذا سمع المؤمنون من يكفر بآيات لله ويستهزئ بها فليغادروا المكان، ونلحظ أن الذي نزل في الآية الأولى ليس سماعاً بل رؤية: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 68] ويأتي السماع في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا} والمهم هو مجرد العلم سواء كان رؤية أو سماعاً بأنهم يخوضون في دين الله؛ فقد يخوض أهل الشرك أو غيرهم من أعداء الإسلام بما يُرى، وقد يخوضون بما يسمع، وقد يخوض بعض المشركين بالغمز أو اللمز من فور رؤيتهم لمسلم. وقوله الحق: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} يوحي أنهم إذا ما خاضوا في حديث غير الخوض في آيات الله فليقعد المؤمنون معهم. وكان ذلك في صدر الإسلام، والمؤمنون لهم مصالح مشتركة مع المشركين وأهل الكتاب، ولا يستطيع المجتمع الإسلامي آنئذ أن يتميز بوحدته، فلو قال لهم الحق على لسان رسوله: لا تقعدوا مع الكافرين أو المشركين فوراً. لكان في ذلك قطع لمصالح المؤمنين. وكلمة "يخوضون" تعطي معنى واضحاً مجسماً؛ لأن الأصل في الخوض أن تدخل في مائع.. أي سائل، مثل الخوض في المياه أو الطين، والقصد في الدخول في سائل أو مائع هو إيجاد منفذ إلى غاية. وساعة تخوض في مائع فالمائع لا ينفصل حتى يصير جزءاً هنا وجزءاً هناك ويفسح لك طريقاً، بل مجرد أن يمشي الإنسان ويترك المائع يختلط المائع مرة أخرى، ولذلك يستحيل أن تصنع في المائع طريقاً لك. أما إذا دخل الإنسان في طريق رمليّ فهو يزيح الرمال أولأً ويفسح لنفسه طريقاً. ولا تعود الرمال إلى سَدّ الطريق إلا بفعل فاعل، وأخذوا من هذا المعنى وصفَ الأمر الباطل بأنه خوض؛ ذلك أن الباطل لا هدف له وهو مختلط ومرتبك، والجدال في الباطل لا ينتهي إلى نتيجة. إذن "الخوض" هو الدخول في باطل، أو الدخول إلى ما لا ينتهي الكلام فيه إلى غاية. ويقرر العلماء: لا تخوضوا في مسألة الصفات العلية؛ لأنه لا يصح الخوض فيها، والكلام فيها لن ينتهي إلى غاية. ولذلك يقول الحق في موقع آخر بالقرآن الكريم: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام: 91] لقد أبلغتهم يا محمد أن الذي أنزل الكتاب عليك هو الحق سبحانه وتعالى الذي أنزل من قبلُ التوراةَ فأخفيتم بعضها وأظهرتم البعض الآخر، ثم بعد البلاغ اتركهم يخوضون في باطلهم. وفي موقع آخر يتكلم الحق من الخوض: {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [التوبة: 64-65] إذن الخوض هو الدخول في مائع، ومادمت قد دخلت في مائع فلن تجد فيه طريقاً محدداً بل يختلط المدخول عليه فلا تتميز الأشياء، وأخذ منه الخوض بالباطل أو الخوض باللعب الذي ليس فيه غاية. {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}. وتأتي الكلمة التي ترهب المؤمن وترعبه: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} أي إنكم إذا قعدتم معهم وهو يخوضون في آيات الله تكفرون مثلهم؛ لأنكم تسمعون الخوض في الدين بالباطل، ومن يرض بالكفر يكفر. لقد أغطتنا الآية مرحلية أولية، فإذا ما كانت البيئة الإيمانية مجتمعاً ذاتياً متكافلاً فليس لأحد من المؤمنين أن يجالس الكافرين، ولا نواليهم إلا إذا والونا؛ لأن الجلوس معهم في أثناء الخوض في الدين يجرئهم على مناهج الله، وعلى المؤمن أن ينهر أي ساخر من الدين. وعلى المؤمنين أن يعرضوا عمّن ينحرف عن منهج الله أو يتعرض له. ولكن المجتمعات المعاصرة تكرم من يخوض بالباطل؛ وفي ذلك إغراء للناس على أن يخوضوا في الدين بالباطل. وقوله الحق: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} هو إيذان بالمقاطعة؛ فلو أن إنساناً بهذا الشكل يسكن في منزل، ويذهب إلى البقال ليشتري منه شيئاً ليأكله فيرفض البيع له، وكذلك الجزار، وكذلك أي إنسان في يده مصلحة لمثل هذا الخارج عن المنهج، وبذلك تكون المقاطعة حتى يتأدب، ويعلم كل إنسان أن المجتمع غيور على دينه الذي آمن به، وأن الله أعز عليهم من كل تكريم يرونه في مجتمعهم، ولو أن كل واحد من هؤلاء المنحرفين والموغلين في الباطل لو رأوا المجتمع وقد قاطعهم ووضع لهم حدوداً لذهبوا إلى الصواب ولبحثوا عن شيء آخر ومجال آخر يأكلون العيش منه ويطعمون أولادهم اللقمة الحلال من هذا العمل المشروع. ويقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} ولا تستبطئوا هذه الحياة؛ لأن المسلم لا يأخذ الأمور بعمر الدنيا كقرن أو اثنين أو حتى عشرة قرون، بل عليه أن يعرف أن الدنيا بالنسبة له هي عمره فيها، والعمر يمكن أن ينتهي فجأة، ويعمل المسلم لا من أجل الدنيا فقط، ولكن من أجل أن يلقى الله مسلماً في الآخرة، والمؤمن يخشى أن يحشره الله مع المنافقين والكافرين في جهنم، وهذا مصير من يقبل السخرية أو الاستهزاء بدينه. وبعد ذلك يقول الحق: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ...}

الأندلسي

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} الظاهر أنه خطاب للمؤمنين الذي يجالسون المنافقين، ولذلك قال: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} نهوا عن القعود ولذلك جاء بعده إنكم إذا مثلهم وإن في قوله: إنْ إذا مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره انه، والجملة بعده الشرطية خبر انْ وجوابه فلا تقعدوا وحتى غاية نهوا عن أن يقعدوا معهم إلا في وقت يخوضون في غير الكافر والاستهزاء، وإذا في قوله: إنكم إذا مثلهم، توسطت بين اسم ان وخبرها ومعناها معنى الشرط تقديره إنكم إن قعدتم معهم مثلهم. {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ} لما اتخذوهم في الدنيا أولياء جمع بينهم في الآخرة في النار والمرء مع من أحب وهذا توعد منه تعالى تأكد به التحذير من مخالطتهم ومجالستهم. {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} الآية، الاستحواذ، الاستيلاء والتغلب. ويقال: حاذ يحوذ حوذاً وأحاذ، وكان القياس أن يقال: استحاذ، كما يقال: استطال، ولكنها شذت هذه اللفظة فصحت العين وهي الواو فلم تقلب الفا كما قلبت في استقام وأصله استقوم. ومعنى الآية الذين ينتظرون بكم ما يتجدد من الأحوال من ظفر لكم أو بكم. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} مظاهرين والمعنى فأسهموا لنا بحكم انا مؤمنون. {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ} أي اليهود. {نَصِيبٌ} أي نيل من المؤمنين. {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم وابقينا عليكم. {وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بأن ثبطناهم عنكم فأسهموا لنا بحكم انا نواليكم فلا نؤذيكم ولا نترك أحداً يؤذيكم. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} يحتمل أن يكون ثم معطوف محذوف تقديره وبينهم ويحتمل أن لا عطف ويكون قوله بينكم شاملاً للمؤمنين والكفار، وغلب فيه الخطاب. وقوله: سبيلاً، يعني في الآخرة، وقيل: سبيلاً أي استيلاء على بيضة الإِسلام في الدنيا ومعنى هو خادعهم أي منزل الخدع بهم وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم، وفي الآخرة عذاب جهنم. وقرىء خادعهم بسكون العين. و{كُسَالَىٰ} جمع كسلان وفعلان، هذا يجمع على فعالى كهذا وعلى فعالى كغضبان وغضابا. والكسل: الفتور عن الشيء والتواني فيه، وهو ضد النشاط. وقال بعضهم في ذم الفلاسفة: وما انتسبوا إلى الإِسلام إلا لصون دمائهم ان لا تسألا، فيأتون المناكر في نشاط، ويأتون الصلاة وهم كسالى. وانتصب قليلاً على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره إلا ذكراً قليلاً، قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالقلة العدم. "انتهى". لا يجوز أن يراد به هنا العدم لأن الاستثناء يأباه وقد رددنا هذه القول عليه وعلى ابن عطية في هذه السورة. {مُّذَبْذَبِينَ} أي مقلقين. {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بين الإِيمان والكفر وذلك هو اسم إشارة مفرد وقد يشار به إلى اثنين، كما قال: عوان بين ذلك، أي بين الفارض والبكر. قال لبيد: ان للشر وللخير مدى. وكلا ذلك وجه وقبل أي كلا ذينك أي الشر والخير. وقرىء مذبذبين بكسر الذال الثانية اسم فاعل أي مذبذبين أنفسهم. وقرىء مذبذبين اسم فاعل من تذبذب أي اضطراب وقرأ الحسن البصري "مذبذبين" بفتح الميم والذالين. قال ابن عطية: وهي قراءة مردودة. انتهى الحسن البصري من أفصح الناس يحتج بكلامه فلا ينبغي أن ترد قراءته، ولها وجه في العربية وهو انه اتبع حركة الميم لحركة الذال وإذا كانوا قد اتبعوا حركة الميم لحركة عين الكلمة في مثل منتن وبينهما حائز فلان يتبعوا بغير حاجز أولى، وكذلك اتبعوا حركة عين منفعل لحركة اللام في حالة الرفع، فقالوا: منحدر وهذا أولى، لأن حركة الاعراب ليست بثابتة بخلاف حركة الذال وهذا كله توجيه شذوذ على تقدير صحة النقل عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك بفتح الميم. والله تعالى أعلم. وانتصب مذبذبين على الحال، قيل: من فاعل يراءون، وقيل: من فاعل يذكرون، فتكون الذبذبة قيداً في المراءاة أو في الذكر والذبذبة وصف ثابت لهم فالأولى أن يكون انتصابه على الذم، كأنه قيل: أذم مذبذبين بين ذلك. وقال الشاعر: شعر : ولا لحجاج عيني بيت ماء تفسير : كأنه قال: أذم عيني بيت ماء، ويتعلق إلى بمحذوف تقديره لا فسو بين إلى هؤلاء ولا فسو بين إلا هؤلاء وهو في موضع الحال.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} [النساء: 140]؛ أي: في كتاب العهد يوم الميثاق {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} [النساء: 140]؛ أي: النفوس وأربابها، {فَلاَ تَقْعُدُواْ} [النساء: 140]، الخطاب للقلوب وأربابها {مَعَهُمْ} [النساء: 140]؛ أي: مع النفوس؛ أي: لا تصاحبوهم ولا توافقوهم في شيء من أهوائهم، {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140]، فإن تفعلوا أيها القلوب وأربابها، {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} [النساء: 140]، مثل النفوس وأربابها؛ يعني: يكون القلب كالنفس، وصاحب القلب كصاحب النفس بالصحبة والمخالطة والمتابعة، {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء: 140]؛ لأنهم كانوا في عالم الأرواح في صف واحد، وفي الدنيا بذلك التناسب والتعارف في فن واحد، وقال: صلى الله عليه وسلم "حديث : كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون"تفسير : ، فافهم جيداً. ثم أخبر عن أخلاق أهل النفاق بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} [النساء: 141]، إشارة فيها: إن المنافقين الذين يتربصون بكم، {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 141] من الفتوحات الدنيوية، {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} [النساء: 141] طمعاً فيه لما حرموا علو الهمة في الدين وعدموا خلوص العقيدة في علم اليقين تربصوا للفتوحات الدنيوية، وذهلوا عن الفتوحات الأخروية والحضرية؛ وهي {فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 141]؛ يعني: ما يفتح الله للناس من رحمة ومن فتوحات الغيب وشواهد الحق حتى {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} [النساء: 141] من الدنيا والمرادات الدنيوية {قَالُوۤاْ} [النساء: 141]؛ لخسة عقلهم ودناءة همتهم وقصورهم {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 141]، طاروا بأجنحة الأطماع والخذلان عن إنكار الإيمان إلى منازل الكفر ودركات النيران، ثم يؤدي بأنهم أهل الملامة، {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [النساء: 141]؛ ليعلم مَنْ أهل العزة والكرامات، ومَنْ أهل العزة والندامات، {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141]، فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مكرهم عليهم موقوف، والحق من قبل الحق سبحانه وتعالى منصور أهله، والباطل بنصر الحق محيت أهله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وقد بيَّن الله لكم فيما أنزل عليكم حكمه الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } أي: يستهان بها. وذلك أن الواجب على كل مكلف في آيات الله الإيمان بها وتعظيمها وإجلالها وتفخيمها، وهذا المقصود بإنزالها، وهو الذي خَلَق الله الخَلْق لأجله، فضد الإيمان الكفر بها، وضد تعظيمها الاستهزاء بها واحتقارها، ويدخل في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال آيات الله ونصر كفرهم. وكذلك المبتدعون على اختلاف أنواعهم، فإن احتجاجهم على باطلهم يتضمن الاستهانة بآيات الله لأنها لا تدل إلا على حق، ولا تستلزم إلا صدقا، بل وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم { حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. { إِنَّكُمْ إِذًا } أي: إن قعدتم معهم في الحال المذكورة { مِثْلُهُمْ } لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلسا يعصى الله به، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها. { إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } كما اجتمعوا على الكفر والموالاة ولا ينفع الكافرين مجرد كونهم في الظاهر مع المؤمنين كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } تفسير : إلى آخر الآيات. ثم ذكر تحقيق موالاة المنافقين للكافرين ومعاداتهم للمؤمنين فقال: { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } أي: ينتظرون الحالة التي تصيرون عليها، وتنتهون إليها من خير أو شر، قد أعدوا لكل حالة جوابا بحسب نفاقهم. { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } فيظهرون أنهم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا ليسلموا من القدح والطعن عليهم، وليشركوهم في الغنيمة والفيء ولينتصروا بهم. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } ولم يقل فتح؛ لأنه لا يحصل لهم فتح، يكون مبدأ لنصرتهم المستمرة، بل غاية ما يكون أن يكون لهم نصيب غير مستقر، حكمة من الله. فإذا كان ذلك { قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي: نستولي عليكم { وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: يتصنعون عندهم بكف أيديهم عنهم مع القدرة، ومنعهم من المؤمنين بجميع وجوه المنع في تفنيدهم وتزهيدهم في القتال، ومظاهرة الأعداء عليهم، وغير ذلك مما هو معروف منهم. { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فيجازي المؤمنين ظاهرا وباطنا بالجنة، ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. { وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا } أي: تسلطا واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفعٍ لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان. حتى إن [بعض] المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أوّلا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [140] 146- أنا علي بن حُجر، نا إسماعيل بن إبراهيم، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ويل للَّذي يُحدِّث فيكذب فيُضحك به القوم، ويلٌ له ويلٌ له ". تفسير : علامة المنافق 147- أنا قتيبة بن سعيد، نا إسماعيل بن جعفر، عن أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : آية المنافق ثلاث، إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتُمن خان، وإذا وعد أَخْلف ".