٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
141
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن قوله {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } إما بدل من الذين يتخذون، وإما صفة للمنافقين، وإما نصب على الذم، وقوله {يَتَرَبَّصُونَ } أي ينتظرون ما يحدث من خير أو شر، فإن كان لكم فتح أي ظهور على اليهود قالوا للمؤمنين ألم نكن معكم، أي فأعطونا قسماً من الغنيمة، وإن كان للكافرين يعني اليهود نصيب، أي ظفر على المسلمين قالوا ألم نستحوذ عليكم، يقال: استحوذ على فلان، أي غلب عليه وفي تفسير هذه الآية وجهان: الأول: أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ونمنعكم من المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيباً مما أصبتم. الثاني: أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام، ثم إن المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون: ألسنا غلبنانكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم. والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح، فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم. فإن قيل: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكفار نصيباً؟ قلنا: تعظيماً لشأن المؤمنين واحتقاراً لحظ الكافرين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة. ثم قال تعالى: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي بين المؤمنين والمنافقين: والمعنى أنه تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين، بل آخر عقابهم إلى يوم القيامة. ثم قال: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } وفيه قولان: الأول: وهو قول علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد به في القيامة بدليل أنه عطف على قوله {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } الثاني: أن المراد به في الدنيا ولكنه مخصوص بالحجة، والمعنى أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل الثالث: هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل، وللشافعي رحمه الله مسائل: منها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه بدار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً بدلالة هذه الآية، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } ينتظرون وقوع أمر بكم، وهو بدل من الذين يتخذون، أو صفة للمنافقين والكافرين أو ذم مرفوع أو منصوب أو مبتدأ خبره. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } مظاهرين لكم فاسهموا لنا مما غنمتم. {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ } من الحرب فإنها سجال {قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي قالوا للكفرة: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم، والاستحواذ الاستيلاء وكان القياس أن يقال استحاذ يستحيذ استحاذة فجاءت على الأصل. {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم فأشركونا فيما أصبتم، وإنما سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً لخسة حظهم، فإنه مقصور على أمر دنيوي سريع الزوال. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } حينئذ أو في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة، واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم. والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد وهو ضعيف لأنه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى: ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم، {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: نصر وتأييد، وظفر وغنيمة {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ} أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان؛ كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى، ثم يكون لها العاقبة، {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالاً وتخذيلاً حتى انتصرتم عليهم، وقال السدي: نستحوذ عليكم: نغلب عليكم، كقوله: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} تفسير : [المجادلة: 19] وهذا أيضاً تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء؛ ليحظوا عندهم، ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم، قال تعالى: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون؛ من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهراً في الحياة الدنيا؛ لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى فيه السرائر، ويحصل ما في الصدور. وقوله: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش، عن ذر، عن سبيع الكندي، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال: كيف هذه الآية: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} فقال علي رضي الله عنه: ادنه ادنه، فالله يحكم بينكم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، قال: ذاك يوم القيامة، وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي، يعني: يوم القيامة. وقال السدي: سبيلاً: أي حجة، ويحتمل أن يكون المعنى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، أي: في الدنيا؛ بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [غافر: 51] الآية، وعلى هذا يكون رداً على المنافقين فيما أملوه ورجوه، وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفاً على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: {أية : فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ} تفسير : ـ إلى قوله: ـ {أية : نَـٰدِمِينَ} تفسير : [المائدة: 52] وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر؛ لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة، يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال؛ لقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } بدل من الذين(الذين) قبله {يَتَرَبَّصُونَ } ينتظرون {بِكُمْ } الدوائر {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ } ظفر وغنيمة {مِّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ } لكم {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } في الدين والجهاد فأعطونا من الغنيمة {وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌ } من الظفر عليكم {قَالُواْ } لهم {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ } نستول {عَلَيْكُمْ } ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم؟{وَ} ألم {نَمْنَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أن يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسَلتِكم بأخبارهم؟ فلنا عليكم المِنَّة، قال تعالى:{فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } وبينهم {يَوْمُ ٱلْقِيَٰمَةِ } بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } طريقاً بالاستئصال.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} يعني المنافقين. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي فأعطونا من الغنيمة. {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} فيه ثلاث تأويلات: أحدها: معناه ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين بالتخذيل عنكم. والثاني: معناه ألم نبين لكم أننا على دينكم، وهذا قول ابن جريج. والثالث: معناه ألم نغلب عليكم، وهو قول السدي. وأصل الاستحواذ الغلبة، ومنه قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيهُمُ الشَّيْطَانُ} يعني غلب عليهم. وفي قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيْلاً} فيه قولان: أحدهما: يعني حُجّة، وهذا قول السدي. والثاني: سبيلاً في الآخرة، وهذا قول عليّ، وابن عباس.
ابن عطية
تفسير : {الذين} صفة للمنافقين، و {يتربصون} معناه: ينتظرون دور الدوائر عليكم، فإن كان فتح للمؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافرين نيل من المؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يبطنونه من موالاة الكفار، وهذا حال المنافقين، و {نستحوذ} معناه: نغلب على أمركم، ونحطكم ونحسم أمركم، ومنه قول العجاج في صفة ثور وبقر: [الرجز] شعر : يحوذهن وله حوذي تفسير : أي يغلبهن على أمرهن، ويغلب الثيران عليهن، ويروى يحوزهن بالزاي، ومن اللفظة قول لبيد في صفة عير وأتن: شعر : إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها وأوردها على عوج طوال تفسير : أحوذ جانبيها قهرها وغلب عليها، وقوله تعالى: {أية : استحوذ عليهم الشيطان} تفسير : [المجادلة:19] معناه: غلب عليهم، وشذ هذا الفعل في أن لم تعل واوه، بل استعملت على الأصل، وقرأ أبيّ بن كعب "ومنعناكم من المؤمنين" وقرأ ابن أبي عبلة "ونمنعكم" بفتح العين على الصرف، ثم سلى وأنس المؤمنين بما وعدهم به في قوله {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} أي وبينهم وينصفكم من جميعهم، وبقوله {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} وقال يسيع الحضرمي: كنت عند علي ابن أبي طالب فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} كيف ذلك وهم يقاتلوننا, ويظهرون علينا أحياناً؟ فقال علي رضي الله عنه: معنى ذلك: يوم القيامة يكون الحكم، وبهذا قال جميع أهل التأويل. و " السبيل": الحجة والغلبة، ومخادعة المنافقين هي لأولياء الله تعالى، إذ يظنونهم غير أولياء، ففي الكلام حذف مضاف، وإلزام ذنب اقتضته أفعالهم، وإن كانت نياتهم لم تقتضه، لأنه لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى وقوله {وهو خادعهم} أي منزل الخداع بهم, وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب، فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم وغم قلوبهم، وفي الآخرة عذاب جهنم، وقال السدي وابن جريج والحسن وغيرهم من المفسرين: إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه الأمة يوم القيامة نوراً لكل إنسان مؤمن أو منافق، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون بذاك، فذلك قول المنافقين "انظرونا نقتبس من نوركم" وذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين، وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي "وهو خادعْهم" بإسكان العين وذلك على التخفيف ثم ذكر تعالى كسلهم في القيام إلى الصلاة، وتلك حال كل من يعمل العمل كارهاً غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة، وقرأ ابن هرمز الأعرج "كَسالى" بفتح الكاف، وقرأ جمهور الناس "يرءّون" بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف وهي أقوى في المعنى من {يراءون} لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق، وتقليله ذكرهم يحتمل وجهين، قال الحسن: قل لأنه كان لغير الله، فهذا وجه، والآخر أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر، و {مذبذبين} معناه: مضطربين لا يثبتون على حال: والتذبذب: الاضطراب بخجل أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه، ومنه قول النابغة: شعر : ترى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : ومنه قول الآخر: [البعيث بن حريث]: شعر : خَيَالٌ لأُمِّ السَّلْسَبيلِ وَدُونَها مَسِيرةُ شَهْرٍ للْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ تفسير : بكسر الذال الثانية، قال أبو الفتح: أي المهتز القلق الذي لا يثبت، ولايتمهل فهؤلاء المنافقون مترددون بين الكفار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين" تفسير : , فالإشارة بذلك إلى حالي الكفر والإيمان، وأشار إليه وإن لم يتقدم ذكره، لظهور تضمن الكلام له، كما جاء {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص:32] {أية : وكل من عليها فان} تفسير : [الرحمن:26] وقرأ جمهور الناس "مذبذَبين" بفتح الذال الأولى والثانية، وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد، "مذَبذِبين" بكسر الذال الثانية, وقرأ أبي بن كعب "متذبذِبين" بالتاء وكسر الذال الثانية, وقرأ الحسن بن أبي الحسن "مَذَبذَبين" بفتح الميم والذالين وهي قراءة مردودة وقوله تعالى: {فلن تجد له سبيلاً} معناه سبيل هدى وإرشاد.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} فأعطونا من الغنيمة. {نَسْتَحْوِذْ} نستولي عليكم بالنصر والمعونة. {وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} بالتخذيل عنكم، أو ألم نبيّن لكم أنا على دينكم، أو ألم نغلب عليكم، أصل الاستحواذ: الغلبة. {عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} في الآخرة، أو حجة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ...} الآية: هذه صفةُ المنافقينَ، و {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ}: معناه: ينتظِرُونَ دَوْرَ الدوائرِ عليكم، فإن كان فَتْحٌ للمؤْمِنِينَ، ٱدَّعَوْا فيه النصيبَ بحُكْمِ ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافِرِينَ نَيْلٌ من المؤمنين، ٱدَّعَوْا فيه النَّصِيبَ بحُكْمِ ما يبطنونه من موالاةِ الكُفَّار، وهذا حالُ المنافقينَ، و {نَسْتَحْوِذْ}: معناه: نَغْلِبُ علَىٰ أمرِكِم ونَحُوطُكُمْ؛ ومنه: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} تفسير : [المجادلة:19]، معناه: غَلَبَ على أمرهم، ثم سَلَّىٰ سبحانه المؤمنينَ، وأنَّسهم بما وَعَدَهُم به في قوله: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، أيْ: وبينهم، وينصفُكُم من جميعهم، وبقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، أيْ: يوم القيامة؛ قاله عليٌّ (رضي اللَّه عنه)؛ وعليه جميعُ أهْل التَّأوِيلِ، والسَّبيلُ (هنا): الحُجَّة والغَلَبَةُ. قلت: إِلاَّ ابنَ العَرَبِيِّ لم يرتَض هذا التأويلَ، قال: وإنما معنى الآية أحَدُ ثلاثةِ وُجُوهٍ: الأول: لن يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المؤمنينَ سَبيلاً يَمْحُو به دَوْلَةَ المؤمنين، ويستبيحُ بَيْضَتَهُمْ. الثاني: لَنْ يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المُؤْمنين سبيلاً إلاَّ أنْ يتواصَوْا بالباطِلِ، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَر، ويتباعدوا عن التَّوْبَةِ، فيكونُ تسليطُ العَدُوِّ مِنْ قِبَلِهِمْ، وهذا نَفِيسٌ جِدًّا. الثالث: لن يجعلَ اللَّه للكافرينَ عَلَى المؤمنينَ سبيلاً بالشَّرْع، فإن وُجِدَ ذلك، فبخلاف الشرْعِ، ونَزَعَ بهذا علماؤُنا؛ بالاحْتجاجِ علَىٰ أنَّ الكافر لا يَمْلِكُ العَبْدَ المُسْلِمَ. انتهى. ومخادعَةُ المنافقين: هي لأولياءِ اللَّهِ، ففِي الكلامِ حَذْفُ مضَافٍ؛ إذْ لا يقصد أحَدٌ من البشر مخادَعَةَ اللَّهِ سبحانه. وقوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}: عبارةٌ عن عقوبَتِهِمْ، سمَّاها بٱسْمِ الذَّنْب، وقال ابنُ جْرَيْج، والحَسَن، والسُّدِّيُّ، وغيرهم من المفسِّرين: إنَّ هذا الخَدْعَ هو أنَّ اللَّه تعالى يُعْطِي لهذه الأُمَّة يوم القيامةِ نُوراً لكلِّ إنسانٍ مؤمن، أو منافقٍ، فيفرح المنافِقُونَ، ويظُنُّون؛ أنهم قد نَجَوْا، فإذا جاءوا إلى الصِّراطِ، طُفِىءَ نورُ كلِّ منافقٍ، ونهَضَ المؤمنُونَ، فَذَلكَ قولُ المنافِقِينَ: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} تفسير : [الحديد:13]، فذلك هو الخَدْع الذي يَجْرِي عَلَى المنافِقِينَ، ثم ذكر سبحانه كَسَلَهُمْ في الصلاةِ، وتلْكَ حالُ كُلِّ مَنْ يعمل كارهاً غيْرَ معتقِدٍ فيه الصَّواب، بل تقيَّةً أو مصانَعَةً. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}، روى الأئمَّة مالكٌ وغيره، عن أنسٍ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّىٰ إذَا ٱصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً» تفسير : قال ابن العربيِّ: وقد بيَّن تعالَىٰ صلاةَ المؤمنين بقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون:1، 2] ومن خَشَعَ خَضَعَ، وٱسْتَمَرَّ، ولم ينقُرْ صلاتَهُ، ولم يستعْجِلْ. انتهى. و {مُّذَبْذَبِينَ}: معناه: مُضْطَرِبِينَ لا يَثْبُتُونَ علَىٰ حالٍ، والتَّذَبْذُب: الاِضطرابُ، فهؤلاءِ المنافقُونَ متردِّدون بَيْنَ الكفَّار والمؤمنين، لا إلَىٰ هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ»تفسير : ، والإشارةُ بذلك إلَىٰ حالَتَيِ الكفرِ والإيمان.
ابن عادل
تفسير : في: "الذين يتربَّصُون": ستَّة أوجه: أحدُها: أنه بدلٌ من قوله: "الذين يتَّخِذُون"، فيجيء فيه الأوْجُه المذْكُورة هناك. الثاني: أنه نَعْتٌ للمنافِقِين على اللَّفْظِ، فيكون مَجْرورَ المَحَلِّ. الثالث: أنه تابعٌ لهم على المَوْضِع، فيكونُ مَنْصُوبَ المَحَلِّ، وقد تقرَّر أنَّ اسم الفاعل العامِل إذا أُضيفَ إلى مَعْمُوله، جاز أن يُتْبَعَ مَعْمُولُه لفظاً وموضعاً، تقول: "هذا ضاربُ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ" بجرِّ العاقلة ونصبها. الرابع: أنه منصوبٌ على الشَّتْم. الخامس: أنه خَبَرُ مبتدأ مُضْمَر، أي: هُمُ الذين. السادس: - وذكره أبو البقاء - أنه مُبْتَدأ، والخبرُ قوله: {فإنْ كان لَكُمْ فَتحٌ}، وهذا ضَعِيفٌ؛ لنبوِّ المَعْنَى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غير مَحَلِّها؛ لأنّ هذا الموصُولَ غيرُ ظاهر الشَّبهِ باسْمِ الشرط. فصل في معنى الآية ومعنى "يتربَّصُون بِكُم": ينتظرون بكُم الدَّوَائِر، يعنى: المُنَافِقِين، ينتظرون ما يَحْدُث من خَيْر وشَرٍّ، {فإنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ} أي: ظهورٌ على اليَهُود، وظَفر، وغَنَيِمة، {قالوا ألمْ نكُن معكُم} على دينكُم وفي الجِهَاد كنَّا معَكُم، فأعْطُونا قِسْماً من الغَنِيمَةِ، {وإنْ كانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} يعني: ظَفرٌ على المُسْلِمِين، "قَالُوا": يعني: المُنَافِقِين للكافرين: {أَلَمْ نَسْتَحْوذْ عَلَيْكُم} والاستحواذ: الاستيلاء والغَلَبة على الشَّيْء، ومنه: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [المجادلة: 19]، ويقال: حَاذَ وأحَاذَ بِمَعْنًى؛ والمصدر: الحَوْذ، وفي المَعْنَى وُجُوهٌ: الأول: أن المَعْنَى: ألم نَغْلِبكُم، ونتمكَّن من قَتْلِكُم وأسركُم، ثم لم نَفْعَل شَيْئاً من ذَلِك، {وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلمُؤْمِنِينَ} أي: نَدْفَع عَنْكُم صولة المُؤمِنين بِتَخْذِيلهم، وتوانينا في مُظاهَرَتِهم، فأعطونا نَصِيباً ممَّا أصَبْتُم. الثاني: قال المُبَرِّد: يقول المُنَافِقُون للكفَّار: ألم نَغْلِبْكُم؛ فإن المُنَافِقِين بالغُوا في تَنْفِير الكَافِرِين، وأطْمَعُوهم أنه سَيضْعُفُ أمر محمَّدٍ، وسَيَقْوى أمركم، فإذا اتَّفَقَتْ للكفَّار دَوْلةٌ على المُسْلِمين، قال المُنَافِقُون: ألَسْنَا غلبناكم على رَأيِكُم في الدُّخُول في الإسْلام، ومَنَعْنَاكُم منه، فلمَّا شاهَدْتُم صِدْق قَوْلِنا، فأعْطُونا نَصِيبَنَا ممَّا أخَذْتُمْ، ومرادُ المُنافقين: إظْهَار المِنَّة على الكَافِرِين بهذا الكلامِ. الثالث: ألم نُخْبِرْكم بِعَزِيمَةِ محمَّدٍ وأصحابه، ونُطْلِعْكُم على سِرِّهِم. فإن قيل: لِمَ سَمَّى ظَفر المُسْلِمين فتحاً، وظفر الكُفَّار نَصِيباً. فالجواب: أنه تعظيم لشأن المُؤمنين، وتحقير لحظِّ الكَافِرِين؛ لأن ظَفر المُسْلِمين أمر عظيم، يفتح الله لَهُ أبْوَاب السَّمَاء؛ حتى تَنْزل الرَّحْمَة على أوْلِيَاء اللَّه، وأما ظَفر الكَافِرِين: فما هُوَ إلا حَظٌّ دنيويٌّ يَنْقَضِي، ولا يَبْقَى منه إلا اللَّوْم في الدُّنْيَا، والعُقُوبة في الأخْرَى. قوله: "ونمنعكم" الجمهورُ على جَزْمه، عطفاً على ما قبله. وقرأ ابن بي عَبْلَة بنصب العَيْن وهي ظَاهِرَةٌ؛ فإنه على إضْمَار "أنْ" بعد الوَاوِ المقتَضِيَة للجَمْع في جواب الاستفهامِ؛ كقول الحُطيْئَة: [الوافر] شعر : 1892- ألَمْ أكُ جَارَكُمْ ويَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ والإخَاءُ تفسير : وعَبَّر ابنُ عَطِيَّة بعبارة الكوفيين، فقال: "بفتحِ العَيْن على الصَّرْف" ويعنون بالصَّرْف: عدمَ تَشْريكِ الفِعْلِ مع ما قَبْلَه في الإعْرَاب. وقرأ أبيّ: "ومنعناكم" فعلاً ماضياً، وهي ظاهرةٌ أيضاً؛ لأنه حُمِلَ على المَعْنَى، فإنَّ معنى "أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ": إنَّا قد اسْتَحْوَذْنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نَفْي قَرَّره، ومثلُه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا} تفسير : [الشرح:1، 2] لَمَّا كان "أَلم نَشْرَحْ" في معنى: "قد شَرحْنَا" عُطِفَ عليه "ووضَعْنا". ونَسْتَحْوِذُ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً، وفَصُحَ استعمالاً؛ لأنَّه مِنْ حقِّه نَقْلُ حركةِ حَرْفِ علَّتِه إلى السَّاكِن قبلها، وقَلْبها ألفاً؛ كاسْتَقَام واسْتَبَان وبابه، وقد قدمت تَحْقِيق هذا في قوله - تعالى - في الفاتحة: "نَسْتَعين"، وقد شذَّت معه ألفاظٌ أخَرُ، نحو: "أغْيَمَتْ وأغيلت المرأة وأخْيَلت السَّماء" قصرها النَّحْوِيُّون على السَّماع، وقاسها أبُو زَيْد. قوله: {فالله يحكم بَيْنَكُم} قيل: هنا مَعْطوفٌ مَحْذُوف، أي: وبينهم؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1893- فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ تفسير : أي: وبيني، والظَّاهرُ أنه لا يحتاج لذلك؛ لأن الخِطَاب في "بَيْنَكُم" شاملٌ للجَميع، والمرادُ: المُخَاطَبُون والغَائِبُون، وإنما غَلَّبَ الخطاب؛ لما عَرَفْتَ من لُغَة العرب. فالمعنى: أنَّ الله يَحْكُم بين المُؤمنين والمُنَافقين يوم القيامةِ، ولم يَضِع السَّيْف في الدُّنْيَا عن المُنَافِقِين، بَلْ أخّر عِقَابِهِم إلى يَوْم القِيَامَةِ. قوله: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}. قال عَلِيٌّ - رضي الله عنه -: في الآخِرة، قال يُسَيْع الحضرمِيّ: كُنْتُ عند عَلِيٍّ - رضي الله عنه -، فقال [له] رجُلٌ يا أمير المُؤمنين: أرأيْت قوله - تبارك وتعالى -: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}. كيف ذَلِك، وهم يُقَاتِلُوننَا ويَظْهَرُون علينا أحْيَاناً. فقال عَلِيٌّ - رضي الله عنه -: معنى ذلك: يَوْم القيامة؛ وهو مَرْوِيٌّ عن ابن عبَّاسٍ، وقيل: لا يجعل الله للكافرين على المُؤمنين سَبِيلاً، إلا أنْ يتواصوا بالبَاطِل، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَرِ، ويتقاعَدُوا عن التَّوْبة، فيكون تَسْلِيطُ العدُوِّ من قبلهم؛ كما قال: {أية : وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30]. قال ابن العَرَبِيِّ: وهذا نَفِيسٌ. وقيل: ولَنْ يَجْعَل اللَّه للكَافِرِين على المُؤمنين سَبِيلاً شَرْعاً، فإنْ وُجِد، فَبِخلاف الشَّرْع. وقال عِكْرمة، عن ابن عبَّاسٍ: حُجَّة في الدُّنْيَا، وقيل: ظُهُوراً على أصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: عَامٌّ في الكُلِّ، إلا ما خصَّه الدَّلِيلُ. قوله: على المُؤمنين يَجُوز أن يتعلَّق بالجَعْلِ، ويجُوز أن يتعلَّق بِمَحذُوفٍ،؛ لأنه في الأصْل صِفَة لـ "سَبِيلاً"، فلما قُدِّم عليه، انْتَصَبَ حالاً عَنْهُ. فصل استدَلُّوا بهذه الآية على مَسَائِلَ: منها: استيلاء الكَافِر على مال المُسْلِمِ بدَارِ الحَرْب، لم يَمْلِكْه. ومنها: أن الكَافِر ليس لَهُ أن يَشْتَرِي عَبْداً مسلماً. ومنها: أنَّ المُسْلِم لا يُقْتَل بالذِّمِّيِّ.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين بتعديد بعضٍ آخرَ من جنايات المنافقين وقبائحِهم وهو إما بدلٌ من الذين يتخذون أو صفةٌ للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين، أو مرفوعٌ أو منصوب على الذم أي ينتظرون أمرَكم وما يحدُث لكم من ظفَر أو إخفاقٍ، والفاء في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ} لترتيب مضمونِه على ما قبلها فإن حكايةَ تربُّصِهم مستتبعةٌ لحكاية ما يقع بعد ذلك كما أن نفس التربُّص يستدعي شيئاً ينتظر المتربَّصُ وقوعَه. {قَالُواْ} أي لكم {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي مُظاهرين لكم فأسهموا لنا في الغنيمة {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ} من الحرب فإنها سِجالٌ {قَالُواْ} أي للكفرة {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي ألم نغلِبْكم ونتمكنْ من قتلكم وأسرِكم فأبقَينا عليكم {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بأن ثبّطناهم عنكم وخيّلنا لهم ما ضَعُفَت به قلوبُهم ومرِضوا في قتالكم وتوانَينا في مظاهرتهم وإلا لكنتم نُهبةً للنوائب فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم، وتسميةُ ظفرِ المسلمين فتحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأنِ المسلمين وتحقيرِ حظِّ الكافرين، وقرىء ونمنعَكم بإضمار أن {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} حكماً يليق بشأن كلَ منكم من الثواب والعقاب، وأما في الدنيا فقد أُجريَ على من تفوه بكلمة الإسلام حُكمُه ولم يضع السيفَ على من تكلم بها نفاقاً {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} حينئذ كما قد يجعل ذلك في الدنيا بطريق الابتلاءِ والاستدراجِ أو في الدنيا على أن المرادَ بالسبـيل الحجة. {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} كلام مبتدأٌ سيق لبـيان طرفٍ آخرَ من قبائح أعمالِهم أي يفعلون ما يفعل المخادِعُ من إظهار الإيمانِ وإبطانِ نقيضِه والله فاعلٌ بهم ما يفعل الغالبُ في الخدّاع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموالِ وأعد لهم في الآخرة الدرْكَ الأسفلَ من النار، وقد مر التحقيقُ في صدر سورة البقرةِ، وقيل: يُعطَوْن على الصراط نوراً كما يُعطىٰ المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يُطفأ نورُهم ويبقى نورُ المؤمنين فينادون انظُرونا نقتبِسْ من نوركم. {وإذا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسالى} متثاقلين كالمكره على الفعل، وقرىء بفتح الكاف وهما جَمْعا كَسْلانَ {يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ} ليحسَبوهم مؤمنين والمراءاةُ مفاعلة بمعنى التفعيل كنَعِم وناعم أو للمقابلة فإن المرائيَ يُري غيرَه عملَه وهو يُريه استحسانَه، والجملةُ إما استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا يريدون بقيامهم إليها كُسالى؟ فقيل: يراءون الخ، أو حالٌ من ضمير قاموا {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} عطف على يراءون أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكراً قليلاً وهو ذكرُهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر بالقلب قليلٌ أو إلا زماناً قليلاً أو لا يصلّون إلا قليلاً لأنهم لا يصلّون إلا بمرأى من الناس وذلك قليلٌ، وقيل: لا يذكرونه تعالى في الصلاة إلا قليلاً عند التكبـيرِ والتسليمِ.
التستري
تفسير : قوله: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ}[141] يعني نغلب ونستولي عليكم.
القشيري
تفسير : لمّا عَدِمُوا الإخلاص في الحقيقة، وما ذقوا فيما استشعروا من العقيدة، امتازوا عن المسلمين في الحُكْم، وباينوا الكافرين في الاسم، وواجبٌ على أهل الحقِّ التحرُّزُ عنهم والتحفُّظ منهم، ثم ضمن لهم - سبحانه - جميلَ الكفاية بقوله: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} وهذا على العموم؛ فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مَكْرِهم عليهم موقوف، والحقُّ - من قِبَلِ الحقِّ سبحانه - منصورٌ أهلُه، والباطلُ - بنصر الحقِّ سبحانه - مُجْتثٌ أصلُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يتربصون بكم} اى المنافقون هم الذين ينتظرون وقوع امر لكم خيرا كان او شرا {فان كان لكم} ايها المؤمنون {فتح من الله} اى ظفر ودولة وغنيمة {قالوا} اى لكم {ألم نكن معكم} على دينك مظاهرين لكم فاسهموا لنا فيما غنمتم {وان كان للكافرين نصيب} اى ظهور على المسلمين {قالوا} اى للكفرة {ألم نستحوذ عليكم} الاستحواذ الاستيلاء اى ألم نغلبكم ونمكن من قتلكم واسركم فابقينا عليكم اى ترحمنا {ونمنعكم من المؤمنين} بان ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم او امرجنا فى جنابكم وتوانينا فى مظاهرتهم عليكم والا لكنتم نهبة للنوائب فهاتوا نصيبا مما اصبتم وانما سمى ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لان ظفر المسلمين امر عظيم تفتح له ابواب السماء حتى ينزل على اوليائه واما ظفر الكافرين فمقصور على امر دنيوى سريع الزوال {فالله يحكم بينكم} اى بين المؤمنين والمنافقين بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين {يوم القيمة} اى يحكم حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب واما فى الدنيا فقد اجرى على من تفوه بكلمة الاسلام حكمه ولم يضع السيف على من تكلم بها نفاقا {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} اى ظهورا يوم القيامة كما قد يجعل ذلك فى الدنيا بطريق الابتلاء والاستدراج وبيانه ان الله تعالى يظهر اثر ايمان المؤمن يوم القيامة ويصدق موعدهم ولا يشاركهم الكفار فى شىء من اللذات كما شاركوهم اليوم حتى يعلموا ان الحق معهم دونهم اذ لو شاركوهم فى شىء منها لقالوا للمؤمنين ما نفعكم ايمانكم وطاعتكم شيئاً لانا اشركنا واستوينا معكم فى ثواب الآخرة واما ان كان المعنى سبيلا فى الدنيا فيراد بالسبيل الحجة وحجة المسلمين غالبة على حجة الكل وليس لاحد ان يغلبهم بالحجة وقيل معنى السبيل الدولة الدائمة ولا دولة على الدوام للكافرين والا لكان الظهور والغلبة من قبلهم دائما وليس كذلك فان اكثر الظفر للمسلمين وانما ينال الكفار من المؤمنين فى بعض الاوقات استدراجا ومكرا وهذا يستمر الى انقراض اهل الايمان فى آخر الزمان. وعن كعب قال اذا انصرف عيسى ابن مريم والمؤمنون من يأجوج ومأجوج لبثوا سنوات ثم رأوا كهيئة الرهج والغبار فاذا هى ريح قد بعثها الله لتقبض ارواح المؤمنين فتلك آخر عصابة تقبض من المؤمنين ويبقى الناس بعدهم مائة عام لا يعرفون دينا ولا سنة يتهارجون تهارج الحمر عليهم تقوم الساعة وفى الحديث "حديث : الجهاد ماض منذ بعثنى الله الى ان يقاتل آخر امتى الدجال " .تفسير : ثم ان الله تعالى يحكم بينكم يوم القيامة ليعلم من اهل العزة والكرامة ومن اهل الغرة والندامة كما ان الشمع يحكم بين الصحيح والسقيم باظهار حالهما اذا جيىء به فى حمام مظلم قد دخله الاصحاء والمرضى والجرحى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فان وبال كيدهم اليهم مصروف وجزاء مكرهم عليهم موقوف والحق من قبل الحق تعالى منصور اهله والباطل بنصر الحق مخيب اصله. وقد قيل الباطل يفور ثم يغور. فعلى المؤمن صرف علو الهمة فى الدين وفى تحصيل علم اليقين ولا يتربص للفتوحات الدنيوية ذاهلا عن الفتوحات الاخروية بل عن فتوحات الغيب ومشاهدة الحق فان اهم الامور هو الوصول الى الرب الغفور. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره ان لله خواص من عباده ولو حجبهم فى الجنة عن رؤيته لاستغاثوا كما يستغيث اهل النار بالخروج من النار ولما كان موسى كليم الله طفلا فى حجر تربية الحق تعالى ما تجاوز حده ولا تعدى قصده بل قال رب انى لما انزلت الى من خير فقير فلما كبر وبلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الاطفال بل قال رب ارنى أنظر اليك وكان غاية طلبه فى طفوليته هو الطعام والشراب وكان منتهى اربه فى رجوليته هو رفع الحجاب ومشاهدة الاحباب فالباب مفتوح للطلاب لا حاجب عليه ولا بواب وانما المحجوب عن المسبب من وقف مع الاسباب والمشروب حاضر والمحروم من حرم الشراب والمحبوب ناظر والمطرود من قوف وراء الحجاب فمن انس بسواه فهو مستوحش ومن ذكر غيره فهو غافل عنه ومن عول على سواه فهو مشرك فاذا لم يجد اليه سبيلا وفى ظله مقيلا: ونعم ما قيل شعر : تومحرم نيستى محروم ازانى ره نامحرمان اندر حرم نيست
الطوسي
تفسير : {الذين} في موضع خفض صفة للمنافقين والكافرين في قوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين}. أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين اي ينتظرون بهم فان فتح الله على المؤمنين فتحاً من عدوهم، فأفاء عليهم فيئاً من الغنائم، قالوا لهم الم نكن معكم نجاهد عدوكم ونغزوهم معكم، فاعطونا نصيبنا من الغنيمة، فانا شهدنا القتال وان كان للكافرين نصيب أي حظ باصابتهم من المؤمنين، وليس المراد بذلك ان لهم نصيباً من الله، لانه (تعالى) لم يجعل لهم غلبة المسلمين، ولا اباح لهم شيئاً من اموالهم، بل حظر ذلك عليهم. وقوله: {قالوا} يعني قال المنافقون للكافرين: الم نستحوذ عليكم بمعنى الم نغلب عليكم؟ في قول السدي. وقال ابن جريج: معناه ألم نبين لكم انا على ما انتم عليه والاستحواذ الغلبة ومنه قوله: {استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله} ومعناه غلب عليهم. يقال منه: حاذ عليه يحوذ. واستحاذ يستحيذ. وحاذ يحيذ. قال العجاج يصف ثوراً وكلاماً: شعر : يحوذهن ولهُ حوذي تفسير : وانشده ابو عبيد والاصمعي بالزاي يحوزهنّ وله حوزي والمعنيان متقاربان. وقال لبيد في صفة عيرواتن على احاذ. شعر : إذا اجتمعت واحوذ جانبيها واوردها على عوج طوال تفسير : العوج الطوال القوائم. وقيل: هي النخيل الطوال. فمعنى احوذ جانبيها لم يشذ منها شيء. والاحوذ: الجاد المنكمش الخفيف في اموره كلها. وكان القياس يقتضي أن يقول: استحاذ، لان الواو إذا كانت عين الفعل وكانت محركة بالفتح، وما قبلها ساكن تقلب حركتها الى فاء الفعل، وقلبوها الفاً اتباعا لحركة ما قبلها. كقولهم: استحاذ واستبان واستنار واستعاذ بالله وها هنا تركت على الاصل وهي لغة القرآن. وقوله: {ونمنعكم من المؤمنين} يعني يقول المنافقون الكافرون منعنا المؤمنين منكم بتخذيلنا اياهم، واطلاعنا اياكم على اخبارهم، وكوننا عيونا لكم حتى انصرفوا عنكم وغلبتموهم. وقوله: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} اخبار منه (تعالى) انه الذي يحكم بين الخلائق يوم القيامة ويفصل بينهم بالحق، وينصر المؤمنين {ولا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً} اي بالغلبة والقهر. وان حملناه على دار الدنيا يمكن حمله على انه لا يجعل لهم عليهم سبيلا بالحجة، وان جاز ان يغلبوهم بالقوة، لكن المؤمنين منصورون بالحجة والدلالة. وبالتأويل الاول قال علي (عليه السلام): والسدى وابو مالك وابن عباس. قال السدي: السبيل - ها هنا - الحجة. وبالثاني قال: الزجاج والجبائي والبلخي. وقال الجبائي: ولو حملنا ذلك على الغلبة، كان أيضاً صحيحاً، لان غلبة الكفار للمؤمنين ليس مما فعله الله، لان ذلك قبيح، والله لا يفعل القبيح. وليس كذلك غلبة المؤمنين للكفار، لانه حسن وطاعة، فكان ذلك منسوباً إلى الله (تعالى).
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ}: بدل من المنافقين والكافرين، أو من الذين يتخذون أو تبع للمنافقين والكافرين، أو للذين يتخذون أو منصوب أو مرفوع على الذم، ومعنى التربص بكم انتظار وقوع أمر مكروه لكم، وأجاز القاضى كون الذين مبتدأ خبره هو قوله: {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ}: وهو ضعيف، لأن هذا الموصول ليس عاما كاسم الشرط فضلا عن أن يشبهه فيقرن خبره بالفاء، لأن المراد بالذين يتربصون قوم مخصوصون عليهم الله على فعلهم، ولذلك لا يظهر المعنى على هذا الاعراب، وقد يجاب بأن القاضى أراد فى هذا الوجه التعميم، وأراد أن المعنى كل من كان شأنه التربص يقول: ألم نكن مع المؤمنين ان كان لهم فتح من الله. {وَإِن كَانَ لِلكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤمِنِينَ}: الفتح فى الأول والنصيب فى الثانى الظفر والغلبة، سمى ظفر المؤمنين وغلبتهم فتحا، وظفر الكفار وغلبتهم نصيبا، لأن ما للمؤمنين فتح من جملة النعيم المعد لهم فى كرامة لهم عند ربهم، وما للكافرين حظ خسيس دنيوى سريع الزوال مبتدأ منقطع. ومعنى {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} مظاهرين لكم على عدوكم بما تنفقون به عليهم من كلمة النصر، وخذلانا لعدوكم بما يذلون به، ويضعفون، ولكوننا بحيث يخافكم عدوكم بنا لعلمهم بمكاننا معكم، وان خرجوا جهادا، وبعضهم قالوا: كنا معكم فى الجهاد، ولو لم يقاتلوا ولم يدفعوا يقولون: أعطونا من الغنيمة لكوننا معكم بالنصر أو القتال أو الدين، والخطاب فى عليكم للكافرين. ومعنى {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} ألم تكن أيدينا فوق أيديكم قادرين عليكم ولم نقتلكم، أو لم نحطكم عن المؤمنين، وكلمة استحوذ فصيحة استعمالا شاذة قياسا، اذ صحة الواو ولم تنقل حركتها لما قبلها وتقلب ألفا كما هو القياس، فيقال: استحاذ يستحيذ استحاذة، فيقال هنا: ألم نستحذ لكن خلق الله هذه الكلمة هكذا صحيحة. ومعنى {نَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤمِنِينَ} بتركنا القتال من جانبهم خذلانا لهم، وبتكلمنا لهم بما يضعفهم، ويقويكم يطلبون أن يعطوهم بما أخذوا من المؤمنين لذلك، وقرىء بنصب نمنعكم بأن مضمرة بعد الواو التى بمعنى مع الواقعة فى جواب النفى. {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}: بين المؤمنين والمنافقين، وغلب المؤمنين اذ خوطبوا فخاطبهم هنا، وأدخل فى خطابهم المنافقين والكافرين المذكورين بالغيبة، اذ قال: {أية : ان الله جامع المنافقين } تفسير : وقال: وان كان للكافرين. {يَوْمَ القِيَامَةِ}: بأن يدخل المؤمنين الجنة والمنافقين النار، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يريد أنه أخر عقاب المنافقين الى الموت ويوم القيامة، ووضع عنهم السيف فى الدينا. {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤمِنِينَ سَبِيلاً}: حجة يوم القيامة وأما الحرب فى الدنيا فسجال بين المؤمنين والكافرين، ويوم القيامة يختص المؤمنين بالفوز بدينهم، وظهور صدقهم صدقا ظاهرا معاينا، وثوابه ولا يشاركهم كافر يوم القيامة فى شىء من الخير، كون السبيل يوم القيامة كما رأيت، هو قول ابن عباس، وعلى بن أبى طالب، اذ سئل كل منهما: كيف قال الله ذلك، ونحن نرى الكفار يقتلون المؤمنين؟ فأجابا بذلك. وكنت لما علمت أنهم يقتلون المؤمنين، ظهر لى أن المعنى لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا باستئصالهم بالقتل، ثم رأيته قولا فى تفاسير كثيرة، والحمد الله، واستدل للقول الأول باتصال قوله: {وَلَن يَجْعَلَ} بقوله {يَوْمَ القِيَامَةِ} عطفا على يحكم بينهم، كأنه قيل: ان الكافرين قد يحدثون فرضه فى الدنيا، وكذا المنافقون، وأما يوم القيامة فالله يحكم فيه، ولن يجعل فيه سبيلا لهم على المؤمنين، وقيل: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين فى الدنيا سبيلا بالشرع. قلت: فى بسط هذا القول وبيانه، بل ان أصابوا منهم ضربا أو قتلا أو مالا مكروها فانما ذلك بغير الشرع بل بالباطل، فهم معاقبون عليه كما يعاقبون على الشرك، فهم مخاطبون بالفروع، ففى الآية تلويح اليه، فهى تهديد لهم، وتسلية للمؤمنين، وقيل: المعنى أنهم اذا أصابوا المؤمنين بمكروه، فليس سبيلا لهم على المؤمنين محضا، بل انما أصاب المؤمنين ذلك من قبل أنفسهم بأن تواصوا بباطل، أو تركوا الأمر والنهى أو نقضوا العهد أو نحو ذلك وسوفوا التوبة. وقيل: المعنى لن يغلب الكفار المؤمنين فى الدنيا بالحجة فى الدين، لأن دين المؤمنين دين الله، والآية دليل على أن المشرك لا يرب المؤمن وأنه لا يقتل مؤمن به، وأنه لا يملك عبدا مؤمنا وأنه ان أسر مؤمنا واستعبده لم يكن عبدا، وأنه ان غنم مال مؤمن لم يحل معاملته فيه ولا قول منه، وان غنم رد لصاحبه، وأنه لا يتزوج مؤمنة وبسطت هذه المسائل فى غير هذا، واستدل أبو حنيفة بها على أنه ان ارتد المسلم بانت عنه امرأته المسلمة، وان أسلمت المشركة منعت عن زوجها المشرك، وفيه أنه أسلم قبل مضى العدة لم تمنع الآية من ردها، وبسطته فى الفقه.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} بدل من الذين يتخذون، أو نعت للمنافقين، أويقدرهم {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أمراً من ظفركم بأعدائكم أيها المسلمون وعدم ظفركم كما فصله بقوله {فَإِن كَانَ لَكُمْ} أيها المؤمنين {فَتْحٌ مِنَ اللهِ} الخ فذلك، تنفير للمؤمنين عن مصاحبتهم، والمراد بالفتح الظفر والغنيمة، كأنه قيل فإن غلبتم المشركين وغنمتم منهم سمى فتحاً، وما للكافرين نصيباً تعظيما للمؤمنين، وقيل لأنه من مداخل فتح دار الإسلام {فًالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} فى الدين والجهاد، فأعطونا من الغنيمة، وذلك لأنهم يحضرون الجهاد وإن لم يحضروا، قالوا لم نكن معكم فى الدين فأعطونا الدين والمتحقق المبالغ فيهم تربص الدوائر بكم، كما نص عليه فى الآية الأخرى {وَإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} غلبة قليلة، وهذا تحقير لغلبة الكفار لقلتها وزوالها سريعاً، والحرب سجال، ولأنهم مغلوبون بالحجة على كل حال، ولأنها وبال عليهم فى الآخرة، بخلاف غلبة المسلمين لهم فعظيمة كثيرة تستمر آخراً، وإعلاء لدين الله، وعاقبتها محمودة دنيا وأخرى، ولذلك عبرَّ عنها بالفتح {قَالُوا} للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} نتغلب عليكم ونقدر على أن نعين المؤمنين ونقتلكم معهم، ونأسركم فلم نعنهم أو ألم نغلبكم بالتفضل بإطلاعنا لكم على سر محمد {وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المْؤْمِنِينَ} من حين الاستفهام المذكور التقريرى، أو الإنكارى للنفى بعده، وكأنه قيل أو لم نمنعكم من المؤمنين أن يقتلوكم، فأبقينا عليكم بترك إعانتهم وبإرسالنا إليكم بأخبارهم وأسرارهم، فأعطونا مما غنمتم، ومرادهم طلب المال والتحبب خوفا لفريق الإسلام وفريق الكفر، والقياس استحاذ بنقل فتح الواو وقلبها ألفا فصيح استعمالا شاذ قياسا {فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أيها المؤمنون والكافرون، والخطاب تغليب للمؤمنين، إذا خوطبوا فلا داعي إلى أن يقدر بينكم وبينهم {يَوْمَ القِيَامَةِ} بإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار، وأما تأخير عقاب المنافقين إلى الموت وما بعده، ووضع السيف عنهم فى الدنيا فليس حكما يوم القيامة، فلا تفسر به الآية إلا أن يقال المراد يتم الحكم بينهم ويوم القيامة، بإدخالهم النار بعد الحكم فى الدنيا بوضع السيف {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرينَ} المشركين والمنافقين {عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} يوم القيامة، وأما الدنيا فسجال، وقيل لا فى الآخرة ولا فى الدنيا، والسبيل بحجة كما روى أن عليا سئل عن الآية مع أن الكافرين يظهرون على المؤمنين فى بعض الأحيان، فأجاب بأن معنى الآية ظهور المؤمنين يوم القيامة بثمرة الإيمان، وهى الجنة، وخزى الكافرين بالنار، وعلمهم فيه أن الحق مع المؤمنين، ومذهب الجمهور من أصحابنا وغيرهم، أن الكافر إذا استولى على مال المؤمن لم يملكه فإذا قدر عليه فهو للمؤمن، وقال الربيع بن حبيب وبعض العلماء تجوز معاملة المشرك فيه وهبته وتملكه منه بالغنم فيكون فيئاً للمسلمين، واستدل الشافعى بالآية على أنه لا يملكه ولا يعامل فيه، وملكه باق لصاحبه المؤمن، وعلى أنه لا يملك عبداً مسلماً، قلت ولا أمة، ولا يرث مسلماً أو مسلمة، ولا يتزوج مسلمة ولو أمة، ولا يتسرى مسلمة، وإن اشترى عبداً مسلماً أو أمة بطل شراؤه عندنا وعند الشافعية لهذه الآية ونحوها، وحديث الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وقال الحنفية: يصح الشراء ويمنع من استخدامه ومن التصرف فيه إلا بالبيع للمسلم أو الإعتاق فذلك عندهم انتهاء السبيل، وإن ارتد المسلم حرمت زوجه، وإن تاب قبل العدة فهى له، وكذا إن أسلمت زوج الكافر، وذلك لئلا يكون لمن كفر سبيل على من آمن، فالارتداد كالفرقة بنحو الطلاق، والإسلام كالرجعة، وأجمعوا أن المؤمن لا يقتل بالكافر، واستدل الحنفية بها على أنه إن ارتد المسلم بانت منه زوجه ولو تاب فى العدة، إذ لو تبين لكانت فى عصمته حين الردة.
الالوسي
تفسير : والخطاب في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} للمؤمنين الصادقين بلا خلاف، والموصول إما بدل من ـ {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ}تفسير : ـ [النساء: 139] أو صفة للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين. وجوز أبو البقاء وغيره كونه صفة لهما أو مرفوع أو منصوب على الذم، وجعله مبتدأ خبره الجملة شرطية لا يخلو من تكلف، والتربص الانتظار، والظاهر من كلام البعض أن مفعوله مقدر والجار والمجرور متعلق به أي ينتظرون وقوع أمر بكم وكلام الراغب يقتضي أنه يتعدى بالباء لأنه من انتظر بالسلعة غلاء السعر، والفاء في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ} لترتيب مضمونه على ما قبلها فإن حكاية تربصهم مستتبعة لحكاية ما يقع بعد ذلك أي فإن اتفق لكم فتح وظفر على الأعداء {قَالُواْ} أي لكم {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} نجاهد عدوكم فأعطونا نصيباً من الغنيمة {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ} أي حظ من الحرب، فإنها سجال {قَالُواْ} أي المنافقون للكفار {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، أو ألم نغلبكم بالتفضل ونطلعكم على أسرار محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونكتب إليكم بأخبارهم حتى غلبتم عليهم {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلنا إياهم وتثبيطنا لهم وتوانينا في مظاهرتهم وإلقائنا عليهم ما ضعفت به قلوبهم عن قتالكم فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم وهاتوا نصيبنا مما أصبتم. وقيل: المعنى ألم نغلبكم على رأيكم بالموالاة لكم ونمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين وهو خلاف الظاهر، وأصل الاستحواذ الاستيلاء، وكان القياس فيه استحاذ يستحيذ استحاذة بالقلب لكن صحت فيه الواو وكثر ذلك فيه، وفي نظائر له حتى ألحق بالمقيس / وعُدّ فصيحاً، وقال أبو زيد: إنه قياسي، وعلى كل حال لا يرد على فصاحة القرآن كما حقق في موضعه. وقرىء {وَنَمْنَعْكُمْ} بالنصب بإضمار أن، والتقدير لم يكن منا الاستحواذ والمنع كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، سمي ظفر المسلمين فتحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس حظ الكافرين، وقيل: سمي الأول فتحاً إشارة إلى أنه من مداخل فتح دار الإسلام بخلاف ما للكافرين فإنه لا فتح لهم في استيلائهم بل سينطفىء ضياء ما نالوا. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} فيثيب أحباءه ويعاقب أعداءه، وأما في الدنيا فأنتم وهم سواء في العصمة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم»تفسير : وفي الكلام قيل: تغليب، وقيل: حذف أي بينكم وبينهم {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} أي يوم القيامة وحين الحكم كما قد يجعل ذلك في الدنيا ابتلاءاً واستدراجاً، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو في الدنيا أي لم يجعل لهم على المؤمنين سلطاناً تاماً بالاستئصال، أو حجة قائمة عليهم مفحمة لهم، وحكي ذلك عن السدي، ويجوز إبقاء الكلام على إطلاقه ليشمل الدنيا والآخرة ولعله الأولى، واحتج الشافعية بالآية على فساد شراء الكافر العبد المسلم لأنه لو صح لكان له عليه يد وسبيل بتملكه، ونحن نقول: يصح ولكن يمنع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع والإخراج عن ملكه فلم يحصل له سبيل عليه، واحتج بظاهرها بعض الأصحاب على وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت للزوج سبيلاً في إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من الخروج وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح، والمؤمنين والكافرين شامل للإناث وكذا الكافر إذا أسلمت زوجته، وضعف بأن الارتداد لا ينفي أن يكون النكاح إذا عاد إلى الإيمان قبل مضي العدة، واعترض بأنه حين الكفر لا سبيل له ونفي السبيل بوقوع الفرقة وبعد وقوع الفرقة لا بدّ لحدوث العلقة من موجب ـ وهو ظاهر ـ فإن كان العود يكون الارتداد كالطلاق الرجعي، والعود كالرجعة فلا ضعف فيه. وأنت تعلم أنه إذا كان نفي السبيل في الآخرة أو في الدنيا بالاستئصال، أو السبيل بمعنى الحجة لا متمسك في الآية لأصحابنا ولا الشافعية فلا تغفل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}. في معنى هذه الآية أوجه للعلماء. منها: أن المعنى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلاً، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس - رضي الله عنهم - ويشهد له قوله في أول الآية: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ} [النساء: 141] الآية. وهو ظاهر. قال ابن عطية: وبه قال جميع أهل التأويل كما نقله عنه القرطبي وضعفه ابن العربي زاعماً أن آخر الآية غير مردود إلى أولها. ومنها: أن المراد بأنه لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلاً يمحوا به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان أنه قال: "وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضا" ويدل لهذا الوجه آيات كثيرة كقوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [غافر: 51] الآية. وقوله: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47]، وقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} تفسير : [النور: 55] إلى غير ذلك من الآيات. ومنها: أن المعنى أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلاً إلا أن يتواصوا بالبالطل ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30]. قال ابن العربي: وهذا نفيس جداً وهو راجع في المعنى إلى الأول. لأنهم منصورون لو أطاعوا، والبلية جاءتهم من قبل أنفسهم في الأمرين، ومنها: أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلاً شرعاً، فإن وجد فهو بخلاف الشرع، ومنها: أن المراد بالسبيل الحجة أي: ولن يجعل لهم عليهم حجة، ويبينه قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} تفسير : [الفرقان: 33] وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة منع دوام ملك الكافر للعبد المسلم، والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 141- وإن أولئك المنافقين ينتظرون انتظار الحاقد الحانق الذى يتمنى السوء لكم إذا كنتم فى حرب مع الأعداء، فإن كان لكم نصر من الله وفتح لطريق الحق، قالوا للمؤمنين - وقد أذهلهم النصر الذى نصر الله به أهل الإيمان -: ألم نكن معكم باعتبارنا من جماعتكم؟ وإن كان للكافرين نصيب من الغلب اتجهوا إليهم وقالوا لهم: ألم نُغلِّب أموركم علينا حتى صارت أمورنا؟ وألم نمنحكم مودتنا ونمنعكم من المؤمنين؟ والله - سبحانه وتعالى - يحكم بينكم وبين هؤلاء المنافقين يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين سبيلا للغلب على المؤمنين ما دام المؤمنون على صفة الإيمان الحق والعمل الصالح. 142- إن المنافقين بنفاقهم يحسبون أنهم يخادعون الله - تعالى - ويُخْفُون عنه حقيقة أنفسهم، والله سبحانه - خادعهم، فيمهلهم ويتركهم يرتعون فى شرهم، ثم يحاسبهم على ما يفعلون، وإن لهؤلاء المنافقين مظهراً حسيَّاً، ومظهراً نفسياً، فالحسى أنهم يقومون إلى الصلاة كسالى متباطئين، وصلاتهم رياء لا حقيقة. والمظهر النفسى أنهم لا يذكرون الله إلا أحياناً نادرة، ولو ذكروه لتركوا النفاق. 143- وإن المنافقين مترددون مضطربون، لا هم منكم ولا هم فى كل أحوالهم منهم، وذلك من ضعف الإيمان وضعف النفس، ومن الضلال عن الحق، ومن يكتب الله عليه فى علمه الأزلى الضلال، فلن تجد سبيلاً لهدايته.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} {ٱلْقِيَامَةِ} (141) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ دَوَائِرَ السَّوْءِ، وَيَنْتَظِرُونَ زَوَالَ دَوْلَةِ الإِسْلاَمِ، وَظُهُورَ الكُفْرِ عَلَيهِمْ، وَذَهَابَ مِلَّتِهِمْ. فَإذَا نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ، وَفَتَحَ عَلَيهِم، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى الغَنَائِمِ، قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَوَدِّدِينَ إِلَيْهِمْ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وَإذاً فَنَحْنُ نَسْتَحِقُّ نَصِيباً مِنَ المَغْنَمِ الذِي حُزْتُمُوهُ. وَإذا كَانَ النَّصْرُ وَالغَلَبَةُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنينَ كَمَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أحُدٍ، قَالُوا لِلْكَافِرِينَ المُنْتَصِرِينَ: ألَمْ نُسَاعِدْكُمْ فِي البَاطِنِ وَنَحْمِكُمْ، وَنُخَذِّلِ المُؤْمِنينَ عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى انْتَصَرْتُمْ عَلَيهِم (ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ)؟ فَاعْرِفُوا لَنَا هَذَا الفَضْلَ، وَأعْطُونَا نَصِيباً مِمَّا أصَبْتُمْ مِنَ المَغْنَمِ. وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ بِأنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ حِسَاباً عَسِيراً عَلَى بَوَاطِنِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَنْ يَنْفَعَهُمْ تَظَاهُرُهُمْ بِالإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ وَنِفَاقُهُمْ، وَأنَّهُ سَيَحْكُمُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بَيْنَ المُؤْمِنينَ الصَّادِقينَ، وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، الذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وَيُظْهِرُونَ الإِيمَانَ، وَيُجَازِي كُلا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَنْ يَجْعَلَ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنينَ سُلْطاناً وَسَبيلاً فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، قَائِمِينَ بِأوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَإنْ حَقَّقَ الكَافِرُونَ بَعْضَ الظَّفرِ، فِي بَعْضِ الأحْيَانِ، فَالعَاقِبَةُ لِلْحَقِّ دَائِماً، وَالبَاطِلُ إلى زَوَالٍ. كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَنْ يَجْعَلَ لِلْكَافِرِينَ سُلْطَاناً عَلَى المُؤْمِنينَ فِي الآخِرَةِ. يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ - يَنْتَظِرُونَ بِكُمْ مَا يَحْدُثُ لَكُمْ. فَتْحٌ - نَصْرٌ وَظَفْرٌ وَغَنِيمَةٌ. ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ - ألَمْ نَغْلِبْكُمْ فَأبْقَيْنَا عَلَيْكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} وصف للمنافقين، ويتربص فلان بفلان. اي أن واحداً يتحفز ليتحسس أخبار آخر، ويرتب حاجته منه على قدر ما يرى من أخبار، وعرفنا هذا المعنى من قوله الحق: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} تفسير : [التوبة: 52] ويتربص المنافقون بالمؤمنين لأنهم إن وجدوا خيراً قد أتى لهم فهم يريدون الاستفادة منه، وإن جاء شر فالمنافقون يتجهون للاستفادة من الخصوم، فظاهراً هم يعلنون الإيمان وهم في باطنهم كفار. وهم يتربصون بالمؤمنين انتظاراً لما يحدث وليرتبوا أمورهم على ما يجيء. {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} فإن فتح الله بنصره على المؤمنين في معركة وأخذوا مغانم قال المنافقون: {أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ}، فلابد لنا من سهم في هذه الغنيمة. وإذا انتصر الكفار يذهبون إلى الكافرين مصداقاً لقول الحق: {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. هم يحاولون إذن الاستفادة من الكفار بقولهم: لقد تربصنا بالمؤمنين وانتظرنا ما يحدث لهم، ولا بد لنا من نصيب, ويقول الحق على ألسنتهم: {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} واستحوذ على الشيء أي حازه وجعله في حيزه وملكه وسلطانه. والحق هو القائل: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} تفسير : [المجادلة: 19] أي جعلهم الشيطان في حيزه، وقول المنافقين للكافرين: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} يكشف موقفهم عندما تقوم معركة بين معسكري الكفر والإيمان فيحاول المنافقون معرفة تفاصيل ما ينويه المؤمنون، ولحظة أن يدخل المنافقون أرض المعركة فهم يمثلون دور من يأسر الكافرين حماية لهم من سيوف المؤمنين. ثم يقولون للكافرين: نحن استحوذنا عليكم أي منعناكم أن يقتلكم المؤمنون، ويطلبون منهم الثمن. ولنر الأداء البياني للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين: {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ} أما تعبير القرآن عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة "نصيب" أي مجرد شيء من الغلبة المؤقتة. ثم يأتي القول الفصل من الحق: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}. وحين يرد الله أمر الكافرين والمؤمنين لا يرده دائماً إلى أمد قد لا يطول أجل السامع وعمره ليراه في الدنيا، فيأتي له بالمسألة المقطوع بها؛ لذلك لا يقول للمؤمن: إنك سوف تنتصر. فالمؤمن قد يموت قبل أن يرى الانتصار. ولذلك يأتي بالأمر المقطوع وهو يوم القيامة حين تكون الجنة مصيراً مؤكداً لكل مؤمن؛ لأن الحياة أتفه من أن تكون ثمناً للإيمان. ويعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ألا نطلب الثمن في الدنيا؛ لأن الغايات تأتي لها الأغيار في هذه الدنيا، فنعيم الحياة إما أن يفوت الإنسان وإما أن يفوته الإنسان. وثمن الإيمان باقٍ ببقاء من آمنت به. إن القاعدة الإيمانية تقول: من يعمل صالحاً يدخل الجنة، والحق يقول عن هؤلاء الصالحين: {أية : فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [آل عمران: 107] أي أن الجنة باقية بإبقاء الله لها، وهو قادر على إفنائها، أما رحمة الله فلا فناء لها لأنها صفة من صفاته وهو الدائم أبداً. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي لن يوجد نقض لهذا الحكم؛ لأنه لا إله إلا هو وتكون المسألة منتهية. وقد حكم الحق سبحانه وتعالى على قوم من أقارب محمد صلى الله عليه وسلم، لقد حكم الله على عم الرسول، فقال فيه: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5] قول الحق سبحانه: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} يدل على أن أبا لهب سيموت على الكفر ولن يهديه الله للإيمان، مع أن كثيراً من الذين وقفوا من رسول الله مواقف العداء آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشهد معسكر الكفر فقدان عددٍ من صناديده، ذهبوا إلى معسكر الإيمان، فها هوذا عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم كل هؤلاء آمنوا. فما الذي كان يدري محمداً صلى الله عليه وسلم أن أبا لهب لن يكون من هؤلاء؟ ولماذا لم يقل أبو لهب: قال ابن أخي: إنني سأصلى ناراً ذات لهب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقلت كلمة الإيمان. لكنه لم يقل ذلك وعلم الله الذي حكم عليه أنه لن يقول كلمة الإيمان. ألم يكن باستطاعة أبي لهب وزوجه أن يقولا في جمع: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويتم انتهاء المسألة؟ ولكن الله الذي لا معقب لحكمه قد قضى بكفرهم، وبعد أن ينزل الحق هذا القول الفصل في أبي لهب وزوجه يأتي قول الحق في ترتيبه المصحفي ليقول ما يوضح: إياكم أن تفهموا أن هذه القضية تنقض، فسيصلى أبو لهب ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب، وقال الحق بعدها مباشرة: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص: 1-2] فلا أحد سيغير حكم الله.. إذن فقوله الحق: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي لا معقب لحكم الله، فلا إله غيره يعقب عليه. {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} وهذه نتيجة لحكم الله، فلا يمكن أن يحكم الله للكافرين على المؤمنين. ولن يكون للكافرين حجة أو قوة أو طريق على المؤمنين. وهل هذه القضية تتحقق في الدنيا أو في الآخرة؟ ونعلم أن الحق يحكم في الآخرة التي تعطلت فيها الأسباب، ولكنه جعل الأسباب في الدنيا، فمن أخذ بالأسباب فنتائج الأسباب تعطيه؛ لأن مناط الربوبية يعطي المؤمن والكافر، فإن أخذ الكافرون بالأسباب ولم يأخذ المؤمنون بها، فالله يجعل لهم على المؤمنين سبيلاً، وقد ينهزم المؤمنون أمام الكافرين. والحكمة العربية تعلمنا: إياك أن تعتبر أنّ الخطأ ليس من جند الصواب. لأن الإنسان عندما يخطئ يُصَحَّحُ له الخطأ، فعندما يعلم المدرس تلميذه أن الفاعل مرفوع، وأخطأ التلميذ مرة ونصب الفاعل؛ فهذا يعني أنه أخذ القاعدة أولأً ثم سها عنها، والمدرس يصحح له الخطأ، فتلتصق القاعدة في رأس التلميذ بأن الفاعل مرفوع. وهكذا يكون الخطأ من جنود الصواب. والباطل أيضاً من جنود الحق. فعندما يستشرى الباطل في الناس يبرز بينهم هاتف الحق. وهكذا نرى الباطل نفسه من جند الحق، فالباطل هو الذي يظهر اللذعة من استشراء الفساد، ويجعل البشر تصرخ، وكذلك الألم الذي يصيب الإنسان هو من جنود الشفاء؛ لأن الألم يقول للإنسان: يا هذا هناك شيء غير طبيعي في هذا المكان. ولولا الألم لما ذهب الإنسان إلى الطبيب. علينا - إذن - أن نعرف ذلك كقاعدة: الخطأ من حنود الصواب، والباطل من جنود الحق، والألم من جنود الشفاء، وكل خطأ يقود إلى صواب، ولكن بلذعة، وذلك حتى لا ينساه الإنسان. وتاريخ اللغة العربية يحكي عن العلامة سيبويه، وهو من نذكره عندما يلحن أحد بخطأ في اللغة؛ فنقول: "أغضب المخطئ سيبويه"؛ لأن سيبويه هو الذي وضع النحو والقواعد حتى إننا إذا أطلقنا كلمة الكتاب في عرف اللغة فالمعنى ينصرف إلى كتاب سيبويه؛ فهو مؤلف الكتاب. وسيبوبه لم يكن أصلاً عالم نحو، بل كان عالم قراءات للقرآن، حدث له أن كان جالساً وعيبت عليه لحنة في مجلس، أي أنه أخطأ في النحو وعاب عليه من حوله ذلك، فغضب من نفسه وحزن، وقال: والله لأجيدن العربية حتى لا ألحن فيها. وأصبح مؤلفاً في النحو. ومثال آخر: الإمام الشاطبي - رضي الله عنه - لم يكن عالم قراءات بل كان عالماً في النحو، وبعد ذلك جاءت له مشكلة في القراءات فلم يتعرف عليها، فأقسم أن يجلس للقراءات ويدرسها جيداً. وصار من بعد ذلك شيخاً للقراء. فلحنة - أي غلطة - هي التي صنعت من سيبويه عالماً في النحو، ومشكلة وعدم اهتداء في القراءات جعل من الإمام الشاطبي شيخاً للقراء؛ على الرغم من أن سيبويه كان عالم قراءات، والشاطبي كان رجل نحو. ولذلك أكررها حتى نفهمها جيداً: الخطأ من جنود الصواب، والباطل من جنود الحق، والألم من جنود الشفاء والعافية. وقد نجد الكافرين قد انتصروا في ظاهر الأمر على المؤمنين في بعض المواقع مثل أُحد، وكان ذلك للتربية؛ ففي "أحد" خالف بعض المقاتلين من المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الهزيمة مقدمة للتصويب، وكذلك كانت موقعة حنين حينما أعجبتهم الكثرة: {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25] والشاعر العربي الذي تعرض لهذه المسألة قال: شعر : إن الهزيمة لا تكون هزيمة إلا إذا لم تقتلع أسبابها لكن إذا جهدت لتطرد شائباً فالحمق كل الحمق فيمن عابها تفسير : فعندما يقتلع الإنسان أسباب الهزيمة تصبح نصراً، وقد حدث ذلك في أحد، هم خالفوا في البداية فغلبهم الأعداء، ثم كانت درساً مستفاداً أفسح الطريق للنصر. فإن رأيت أيها المسلم للكافرين سبيلاً على المؤمنين فلتعلم أن الإيمان قد تخلخل في نفوس المسلمين فلا نتيجة دون أسباب، وإن أخذ المؤمنون بالأسباب أعطاهم النتائج. فهو القائل: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} تفسير : [الأنفال: 60] فإن لم يعدّ المؤمنون ما استطاعوا، أو غرّتهم الكثرة فالنتيجة هي الهزيمة عن استحقاق، وعلى كل مؤمن أن يضع في يقينه هذا القول الرباني: {أية : فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} تفسير : [فاطر: 43] إن إعلان الإيمان بالله ليس هو نهاية أي شيء بل هو البداية، والمؤمن بالله يأخذ جزاءه على قدر عمله. ويغار الله على عبده المؤمن عندما يخطئ، لذلك يؤدبه ويربيه - ولله المثل الأعلى - نجد أن الإنسان منا قد لا يصبر على مراجعة الدروس مع أولاده فيأتي بمدرس ليفعل ذلك؛ لأن حب الأب لأولاده يدفع الأب للانفعال إذا ما أخطأ الولد، وقد يضربه. أما المدرس الخارجي فلا ينفعل؛ بل يأخذ الأمور بحجمها العادي. إذن فكلما أحب الإنسان فهو يتدخل بمقياس الود ويقسو أحياناً على من يرحم. والشاعر العربي يقول: شعر : فقسى ليزدجروا ومن يكُ حازماً فليقس أحيانا على من يرحمُ تفسير : ومثال آخر - ولله المثل الأعلى - الإنسان إذا ما دخل منزله ووجد في صحن المنزل أطفالاً يلعبون الميسر منهم ابنه وابن الجار، وطفل آخر لا يعرفه،فيتجه فوراً إلى ابنه ليصفعه، ويأمره بالعودة فوراً إلى الشقة، أما الأولاد الآخرون فلن يأخذ ابن الجار إلا كلمة تأنيب، أما الطفل الذي لا يعرفه فلن يتكلم معه. وهكذا نجد العقاب على قدر المحبة والود، والتأديب على قدر المنزلة في النفس. ومن لا نهتم بأمره لا نعطي لسلوكه السيئ بالاً. وساعة نرى لأن للكافرين سبيلاً على المؤمنين فلنعلم أن قضية من قضايا الإيمان قد اختلت في نفوسهم، ولا يريد الله أن يظلوا هكذا بل يصفيهم الحق من هذه الأخطاء بأن تعضهم الأحداث. فينتبهوا إلى أنهم لا يأخذون بأسباب الله. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} معناهُ نَغْلُبُ عَليكُم.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا يجمع المنافقون مع الكافرين، وهم {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أي: ينتظرون لمقتكم وهلاككم أيه المؤمنون المخلصون {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ} وغنيمة {مِّنَ} نصر {ٱللَّهِ} عليكم {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} وفي عسكركم، لِمَ لَمْ يسهموا علينا، ولم يستخرجوا حقنا من الغنيمة؟ {نَصِيبٌ} المقاتلين {قَالُوۤاْ} حظٌّ من الاستيلاء والغلبة {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ} للكفرة إظهاراً للمؤاخاة والمظاهرة: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ} ولم نستعن {عَلَيْكُمْ} بالتكاسل والتواني وعدم الإعانة والمظاهرة عليهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم {وَنَمْنَعْكُمْ} بهذه الحيل {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}؟ فعليكم أن تشركونا فيما أصبتم منهم؛ إذ كانا متسببين لهم، لا تبالوا أيها المؤمنون بإيمان هؤلاء المنافقين وادعاء وفاقهم، ولا ينافقهم وشقاقهم {فَٱللَّهُ} المطلع لضمائرهم {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعد للفصل والانتقام {وَ} ان احتجوا عليكم، وادعوا الإيمان؛ تلبيساً في هذه النشأة {لَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ} المولي لأمور عباده {لِلْكَافِرِينَ} المنافقين الملبسين {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموقنين، المخلصين {سَبِيلاً} [النساء: 141] حجةً دليلاً في النشأة الأخرى؛ إذ فيها تُبلى السرائر، وتُكشف الضمائر، وتُجزى كل نفس بما تسمى. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} المصرين على النفاق، يتخيلون أنهم {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} ويلبسون عليه، كخديعهم وتلبيسهم على المؤمنين {وَ} الحال أنه {هُوَ خَادِعُهُمْ} وماكرهم باقتدارهم على هذا الخداع؛ إذ يترتب عليه من الجزاء ما لو علموا لهلكوا {وَ} من جملة نفاقهم وشقاقهم أنهم {إِذَا قَامُوۤاْ إِلَى} أداء {ٱلصَّلاَةِ} مع المؤمنين {قَامُواْ كُسَالَىٰ} مبطئين، متكاسلين، وليس غرضهم منها سوى أنهم {يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} حتى يظنوا أنهم مؤمنون، مخلصون {وَ} مع ذلك {لاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} في الصلاة {إِلاَّ قَلِيلاً} النساء: 142] منهم، أخلصوا في نفسه، ولم يظهروا لخوفهم ، والحاصل أن أ÷ل النفاق ليسوا من الكافرين عند الكافرين، وأيضاً ليسوا من المؤمنين عند المؤمنين. بل {مُّذَبْذَبِينَ} مردّدين {بَيْنَ ذٰلِكَ} بحيث {لاَ} ينسبون {إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} المؤمنين {وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} الكافرين، هم في أنفسهم ضالين، وعند الله مردودين {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} ويحليه على الضلال {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 143] إلى الهداية أصلاً. اهدنا بلطفك إلى الصراط المستقيم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 228 : 54 : 29 - سفين عن الأعمش عن ذر عن يسيع قال، جاء رجل الى علي، فقال: "يقول الله تبارك وتعالى، فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وهو ذا المؤمنين يقتلون". فقال له علي: "ادنه - فالله يحكم بينكم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً. [الآية 141].
همام الصنعاني
تفسير : 647- عبد الرزاق، قال: حدّثنا الثوريّ، عن الأعمش، عن ذر، عن [يسيع] الكندي في قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}: [النساء: 141]، قال: جَاءَ رجُلٌ إلى عَليّ بن أبي طالبٍ، فقال: كيف تقرأ هذه الآية: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} وهم يُقْتَلُونَ! قال عليٌّ: ادنه، فالله يحكم بينكم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):