Verse. 635 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ الْمُنٰفِقِيْنَ يُخٰدِعُوْنَ اللہَ وَھُوَخَادِعُھُمْ۝۰ۚ وَاِذَا قَامُوْۗا اِلَى الصَّلٰوۃِ قَامُوْا كُسَالٰى۝۰ۙ يُرَاۗءُوْنَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُوْنَ اللہَ اِلَّا قَلِيْلًا۝۱۴۲ۡۙ
Inna almunafiqeena yukhadiAAoona Allaha wahuwa khadiAAuhum waitha qamoo ila alssalati qamoo kusala yuraoona alnnasa wala yathkuroona Allaha illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المنافقين يخادعون الله» بإظهارهم خلاف ما أبطنوا من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية «وهو خادعهم» مجازيهم على خداعهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة «وإذا قاموا إلى الصلاة» مع المؤمنين «قاموا كسالى» متثاقلين «يراءون الناس» بصلاتهم «ولا يذكرون الله» يصلون «إلا قليلا» رياء.

142

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } قد مرّ تفسير الخداع في سورة البقرة في قوله {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا } تفسير : [البقرة: 9] قال الزجاج في تفسير هذه الآية {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } أي يخادعون رسول الله، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وقوله {وَهُوَ خادعهم} أي مجازيهم بالعقاب على خداعهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه تعالى خادعهم في الآخرة، وذلك أنه تعالى يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في الظلمة، ودليله قوله تعالى: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } تفسير : [البقرة: 17]. ثم قال تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة، وسبب ذلك الكسل أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثواباً ولا من تركها عقاباً، فكان الداعي للترك قوياً من هذه الوجوه، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور. قال صاحب «الكشاف»: قرىء {كُسَالَىٰ } بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران. ثم قال تعالى: {يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } والمعنى أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة، لا لأجل الدين. فإن قيل: ما معنى المرآاة وهي مفاعلة من الرؤية. قلنا: إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، وفي قوله {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } وجوه: الأول: أن المراد بذكر الله الصلاة، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس. الثاني: أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها. الثالث: المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلاً نادراً. قال صاحب «الكشاف»: وهكذا نرى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه. الرابع: قال قتادة إنما قيل: إلا قليلاً، لأن الله تعالى لم يقبله، وما رده الله تعالى فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} قد مضى في «البقرة» معنى الخدع. والخداع من الله مجازاتهم على خداعهم أولياؤه ورسله. قال الحسن: يُعْطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نور يوم القيامة فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا؛ فإذا جاءوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، فذلك قولهم: { أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } تفسير : [الحديد: 13]. قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون، لا يرجون ثواباً ولا يعتقدون على تركها عقابا. وفي صحيح الحديث: « حديث : إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح » تفسير : . فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا. والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله؛ وقد تقدّم بيانه. ثم وصفهم بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف. حديث : وقال صلى الله عليه وسلم ذامّا لمن أخّر الصلاة: «تلك صلاة المنافقين ـ ثلاثا ـ يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» تفسير : رواه مالك وغيره. فقيل: ووصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة لأن الله تعالى لا يقبله. وقيل: لعدم الإخلاص فيه. وهنا مسألتان: الأولى ـ بيّن الله تعالى في هذه الآية صلاة المنافقين، وبينها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فمن صلى كصلاتهم وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج من مقتضى قوله تعالى: { أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } تفسير : [المؤمنون:1-2]. وسيأتي. اللّهُم إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض حسب ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين رآه أخَلَ بالصلاة فقال له: « حديث : إذا أقمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثمّ ٱستقبل القبلة فكبر ثم ٱقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. تفسير : رواه الأئمة. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن » تفسير : . وقال: « حديث : لا تُجزىءُ صلاة لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في الركوع والسجود » تفسير : . أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صُلْبه في الركوع والسجود. قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صُلْبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صُلْبه في الركوع والسجود ». تفسير : قال ابن العربي وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطُّمأنينة ليست بفرض. وهي رواية عراقية لا ينبغي لأحد من المالكين أن يشتغل بها. وقد مضى في «البقرة» هذا المعنى. الثانية ـ قال ابن العربي: إن من صلّى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حَرَجٌ؛ وإنما الرياء المعصية أن يُظهِرها صَيْداً للناس وطريقاً إلى الأكل، فهذه نية لا تجزىء وعليه الإعادة. قلت: قوله «وأراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة» فيه نظر. وقد تقدّم بيانه في «النساء» فتأمله هناك. ودلّت هذه الآية على أن الرياء يدخل الفرض والنفل: لقول الله تعالى: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ} فعمّ. وقال قوم: إنما يدخل النفل خاصّة؛ لأن الفرض واجب على جميع الناس والنفل عرضة لذلك. وقيل بالعكس، لأنه لو لم يأت بالنوافل لم يؤاخذ بها.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} سبق الكلام فيه أول سورة البقرة. {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} متثاقلين كالمكرْه على الفعل وقرىء كسالى بالفتح وهما جمع كسلان. {يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ } ليخالوهم مؤمنين المراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل كنعم وناعم أو للمقابلة فإن المرائي يري من يرائيه عمله وهو يريه استحسانه. {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه، وهو أقل أحواله أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالإِضافة إلى الذكر بالقلب. وقيل: المراد بالذكر الصلاة. وقيل الذكر فيها فإنهم لا يذكرون فيها غير التكبير والتسليم.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا} تفسير : [البقرة: 9]، وقال ههنا: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} ولاشك أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس، وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده؛ كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 18] الآية، وقوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الحديد: 13 ـ 15] وقد ورد في الحديث: «حديث : من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به»تفسير : . وفي حديث آخر: «حديث : إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار» تفسير : عياذاً بالله من ذلك. وقوله: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} الآية، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، إذا قاموا إليها، قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها؛ كما روى ابن مردويه من طريق عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح؛ فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه، يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ}. وروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس نحوه، فقوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} هذه صفة ظواهرهم؛ كما قال: {أية : وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} تفسير : [التوبة: 54] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: {يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس؛ تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يرون فيها غالباً؛ كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، ومعهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»تفسير : . وفي رواية: «حديث : والذي نفسي بيده لو علم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية، لحرقت عليهم بيوتهم بالنار».تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل»تفسير : . وقوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: في صلاتهم لا يخشعون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. وقد روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً»تفسير : ، وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني عن العلاء بن عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك {أية : كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} تفسير : [البقرة: 20] الآية، وقال مجاهد: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم{وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} يعني: اليهود. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيتهما تتبع»تفسير : ، تفرد به مسلم، وقد رواه عن محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فوقف به على ابن عمر، ولم يرفعه، قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين كذلك. قلت: وقد رواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف ابن عبيد الله، وكذا رواه إسماعيل بن عياش وعلي بن عاصم عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة عن عبدة، عن عبد الله به مرفوعاً، ورواه حماد بن سلمة عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً. وراه أيضاً صخر بن جويرية عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال عن ابن عبيد عن أبيه أنه جلس ذات يوم بمكة، وعبد الله بن عمر معه، فقال: قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربضين من الغنم، إن أتت هؤلاء، نطحتها، وإن أتت هؤلاء، نطحتها» تفسير : فقال له ابن عمر: كذبت، فأثنى القوم على أبي خيراً، أو معروفاً، فقال ابن عمر: ما أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني شاهد نبي الله إذ قال: «حديث : كالشاة بين الغنمين» تفسير : فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: بينما عبيد بن عمير يقص، وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل المنافق كالشاة بين ربضين، إذا أتت هؤلاء، نطحتها، وإذا أتت هؤلاء، نطحتها»تفسير : ، فقال ابن عمر: ليس كذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كشاة بين غنمين»تفسير : ، قال: فاحتفظ الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه، لم أردد ذلك عليك. (طريقة أخرى عن ابن عمر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن عثمان بن بودويه، عن يعفر بن زوذي، قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين»تفسير : ، فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين»تفسير : ورواه أحمد أيضاً من طرق عن عبيد بن عمير، عن ابن عمر، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر، انتهوا إلى واد، فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر، حتى إذا أتى على نصف الوادي، ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب إلى الهلكة؟ ارجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم إلى النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة، قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر هو المؤمن، والذي غرق المنافق {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}، والذي مكث الكافر. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة عن قتادة {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة، دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق، حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلم إلي؛ فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن: أن هلم إلي؛ فإن عندي وعندي، يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما، حتى أتى آذِيّ، فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة، حتى أتى عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «حديث : مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين، رأت غنماً على نشز، فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنماً على نشز، فأتتها فشامتها فلم تعرف»تفسير : ، ولهذا قال تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي: ومن صرفه عن طريق الهدى {أية : فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} تفسير : [الكهف: 17]، فإنه {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة، فلا هادي لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ } بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية {وَهُوَ خَادِعُهُمْ } مجازيهم على خداعهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة {وَإذا قامُواْ إلى ٱلصَّلَٰوةِ} مع المؤمنين {قَامُواْ كُسَالَىٰ } متثاقلين {يُرَآءُنَٱلنَّاسِ } بصلاتهم {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ } يصلّون {إِلاَّ قَلِيلاً } رياء.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض قبائح المنافقين وفضائحهم، وقد تقدم معنى الخدع في البقرة، ومخادعتهم لله هي أنهم يفعلون فعل المخادع، من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ومعنى كون الله خادعهم: أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظهر بالإسلام في الدنيا، فعصم به أموالهم، ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعهم بالدرك الأسفل من النار. قال في الكشاف: والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته، وكنت أخدع منه. والكسالى بضم الكاف جمع كسلان، وقرىء بفتحها. والمراد أنهم يصلون، وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً. والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله، وقد تقدّم بيانه، والمراءاة المفاعلة. قوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على {يراءون}، أي: لا يذكرونه سبحانه إلا ذكراً قليلاً أو لا يصلون إلا صلاة قليلة، ووصف الذكر بالقلة لعدم الإخلاص، أو لكونه غير مقبول، أو لكونه قليلاً في نفسه؛ لأن الذي يفعل الطاعة لقصد الرياء، إنما يفعلها في المجامع، ولا يفعلها خالياً كالمخلص. قوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } المذبذب المتردد بين أمرين، والذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب، ومنه قول النابغة:شعر : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : قال ابن جني: المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال، فهؤلاء المنافقون متردّدون بين المؤمنين، والمشركين، لا مخلصين الإيمان، ولا مصرّحين بالكفر. قال في الكشاف: وحقيقة المذبذب الذي يذبّ عن كلا الجانبين، أي: يذاد، ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما يقال: فلان يرمى به الرجوان، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذبّ؛ كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذبّ عنه. انتهى. وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية، وفي حرف أبي «متذبذبين» وقرأ الحسن بفتح الميم والذالين، وانتصاب {مذبذبين} إما على الحال، أو على الذمّ، والإشارة بقوله {بين ذلك} إلى الإيمان والكفر. قوله: {لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } أي: لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، ومحل الجملة النصب على الحال، أو على البدل من مذبذبين، أو على التفسير له {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } أي: يخذله، ويسلبه التوفيق {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أي: طريقاً يوصله إلى الحق. قوله: {سَبِيلاً يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: لا تجعلوهم خاصة لكم، وبطانة توالونهم من دون إخوانكم من المؤمنين، كما فعل المنافقون من موالاتهم للكافرين: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة يعذبكم بها بسبب ارتكابكم لما نهاكم عنه من موالاة الكافرين. {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلاْسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } قرأ الكوفيون {الدرك} بسكون الراء، وقرأ غيرهم بتحريكها. قال أبو علي: هما لغتان والجمع أدراك؛ وقيل جمع المحرك أدراك مثل جمل وأجمال، وجمع الساكن أدرك مثل فلس وأفلس. قال النحاس: والتحريك أفصح. والدرك: الطبقة. والنار دركات سبع، فالمنافق في الدرك الأسفل منها، وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة غوائله، وأعلى الدركات جهنم، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد تسمى جميعها باسم الطبقة العليا، أعاذنا الله من عذابها: {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } يخلصهم من ذلك الدرك والخطاب لكل من يصلح له، أو للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين، أي: إلا الذين تابوا عن النفاق {وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أحوالهم {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } أي: جعلوه خالصاً له غير مشوب بطاعة غيره. والاعتصام بالله: التمسك به والوثوق بوعده، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الذين تابوا، واتصفوا بالصفات السابقة. قوله: {مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال الفراء: أي: من المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلاً. قال القتيبي: حاد عن كلامهم غضباً عليهم، فقال: {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولم يقل هم المؤمنون. انتهى. والظاهر أن معنى "مع" معتبر هنا، أي: فأولئك مصاحبون للمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة. ثم بين ما أعدّ الله للمؤمنين الذين هؤلاء معهم، فقال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } وحذفت الياء من {يؤت} في الخط، كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله {أية : يَوْمَ يدع ٱلدَّاعِ } تفسير : [القمر: 9] و{أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ }تفسير : [العلق: 17] و{أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } تفسير : [ق: 41] ونحوها، فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. قوله: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } هذه الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له سبحانه في التعذيب إلا مجرّد المجازاة للعصاة. والمعنى: أيّ منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فإن ذلك لا يزيد في ملكه، كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه: {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً } أي: يشكر عباده على طاعته، فيثيبهم عليها، ويتقبلها منهم. والشكر في اللغة: الظهور، يقال دابة شكور: إذا ظهر من سمنها فوق ما تعطى من العلف. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن في قوله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } الآية، قال: يلقى على كل مؤمن، ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفىء نور المنافقين، ومضى المؤمنون بنورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وأخرج ابن جرير عن السديّ نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، وسعيد بن جبير نحوه أيضاً. ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير، فإن مثله لا ينقل إلا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق، وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام، فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } قال: هم المنافقون: {لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء } يقول: لا إلى أصحاب محمد {وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } اليهود، وثبت في الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرّة وإلى هذه مرّة فلا تدري أيهما تتبع؟»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } قال: إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذراً مبيناً. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن، فهو حجة. والله سبحانه أعلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود في قوله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } قال: في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ مبهمة عليهم: أي: مغلقة لا يهتدي لمكان فتحها. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ابن مسعود نحوه أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {ما يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } الآية، قال: إن الله لا يعذّب شاكراً ولا مؤمناً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} معنى {يُخَادِعُونَ اللهَ} أي يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر، فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعاً لله عز وجل. {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} يعني الله تعالى، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني يعاقبهم على خداعهم، فسمى الجزاء على الفعل باسمه. والثاني: أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم. والثالث: ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين، فإذا جاؤواْ إلى الصراط طفىء نورهم، فتلك خديعة الله إياهم. {وَإِذَا قَاموا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى} يحتمل قولين: أحدهما: متثاقلين. والثاني: مقصَّرين. {يُرَآؤُونَ النَّاسَ} يعني أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى. {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً} فيه قولان: أحدهما: الرياء، لأنه لا يكون إلا ذِكراً حقيراً، وهو قول قتادة. والثاني: يسيراً لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح، وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم. قال الحسن: لأنه كان لغير الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} جعل خداعهم للرسول صلى الله عليه وسلم بما أظهره من الإيمان خداعاً له. {خَادِعُهُمْ} يجزيهم على خداعهم، سمي الجزاء باسم الذنب، أو أمر فيهم كعمل الخادع؛ بأمره بقبول إيمانهم، أو ما يعطيهم في الآخرة من نور يمشون به من المؤمنين ثم يطفأ عند الصراط فذلك خدعه إياهم. {إِلاَّ قَلِيلاً} أي ذكر الرياء حقيراً يسيراً، لاقتصارهم على ما يظهر من التكبير دون ما يخفى من القراءة والتسبيح.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، أو أولياء الله وهم المؤمنون فأضاف خداعهم إلى نفسه تشريفاً لهم {وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى. والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. وقيل: يجزيهم جزاء خداعهم. {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } متثاقلين كراهة، أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن وهو جمع كسلان كسكارى في سكران {يُرَاءَونَ ٱلنَّاسَ } حال أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة. والمرأة مفاعلة من الرؤية لأن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحساناً {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكراً قليلاً نادراً. قال الحسن: لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً {مُّذَبْذَبِينَ } نصب على الذم أي مردّدين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب {بَيْنَ ذٰلِكَ } بين الكفر والإيمان {لآَ إِلَىٰ هَٰـؤُلآء } لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين {وَلآَ إِلَى هَـٰؤُلآء } ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } طريقاً إلى الهدى. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } حجة بينه في تعذيبكم {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } أي في الطبق الذي في قعر جنهم، والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. وإنما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلاً، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. والدرك بسكون الراء: كوفي غير الأعشى، وبفتح الراء: غيرهم. وهما لغتان، وذكر الزجاج أن الاختيار فتح الراء. {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } يمنعهم من العذاب {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في «ولن تجد لهم نصير» {وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه {فَأُوْلَٰـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فهم أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدارين {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } فيشاركونهم فيه. وحذفت الياء في الخط هنا إتباعاً للفظ. ثم استفهم مقرراً أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } لله {وَءَامَنتُمْ } به فـ «ما» منصوبة بـ «يفعل» أي أي شيء يفعل بعذابكم؟ فالإيمان معرفة المنعم، والشكر الاعتراف بالنعمة، والكفر بالمنعم والنعمة عناد، فلذا استحق الكافر العذاب. وقدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً فكان الشكر متقدماً على الإيمان {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً } يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل من الثواب {عَلِيماً } عالماً بما تصنعون. {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } ولا غير الجهر ولكن الجهر أفحش {إَلاَّ مَن ظُلِمَ } إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل: الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ }تفسير : [الشورى: 41] {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً } لشكوى المظلوم {عَلِيماً } بظلم الظالم. ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثاً على الأفضل، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيباً للعفو فقال {إِن تُبْدُواْ خَيْراً } مكان جهر السوء {أَوْ تُخْفُوهُ } فتعملوه سراً ثم عطف العفو عليهما فقال {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } أي إنه لم يزل عفواً عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنته. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام والإنجيل والقرآن، وكالنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } أي ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل {حَقّاً } تأكيد لمضمون الجملة كقولك «هذا عبد الله حقاً» أي حق ذلك حقاً وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } في الآخرة {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } وإنما جاز دخول «بين» على «أحد» لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما {أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ } وبالياء: حفص {أُجُورَهُمْ } أي الثواب الموعود لهم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } يستر السيئات {رَّحِيماً } يقبل الحسنات، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد المرتكب الكبيرة لأنه أخبر أن من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم يؤتيه أجره، ومرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد فيدخل تحت الوعد، وعلى بطلان قول من لا يقول بقدم صفات الفعل من المغفرة والرحمة لأنه قال: «وكان الله غفوراً رحيماً» وهم يقولون: ما كان الله غفوراً رحيماً في الأزل ثم صار غفوراً رحيماً. ولما قال فنحاص وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام نزل {يَسْـئَلُكَ * أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو {كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء } أي جملة كما نزلت التوراة جملة، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت. وقال الحسن: ولو سألوه مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ } هذا جواب شرط مقدر معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم {فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } عياناً أي أرنا نره جهرة {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } العذاب الهائل أو النار المحرقة {بِظُلْمِهِمْ } على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه، أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كإنزال القرآن جملة، ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال {أية : رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ }تفسير : [الأعراف: 143] وما أخذته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ } إلهاً {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } التوراة والمعجزات التسع {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ } تفضلاً ولم نستأصلهم {وَءَاتَيِْنَا مُوسَى سُلْطَٰناً مُّبِيناً} حجة ظاهرة على من خالفه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} يعني يعاملون الله وهو يجازيهم على خداعهم وقيل معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم يظهرون له الإسلام ويبطنون له الكفر وهو خادعهم يعني والله مجازيهم بالعقاب وقيل إنهم يعطون نوراً يوم القيامة كما يعطى المؤمنون فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط ويطفأ نور المنافقين {وإذا قاموا إلى الصلاة} يعني المنافقين {قاموا كسالى} يعني مثتاقلين وسبب هذا الكسل أنهم يتعبون بها لأنهم لا يريدون بفعلها ثواباً ولا يريدون بها وجه الله عز وجل ولا يخافون على تركها عقاباً لأن الداعي إلى فعلها خوف الناس فلذلك وقع فعلها على وجه الكسل والفتور {يراؤون الناس} يعني أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة لا لأجل الدين ولا يرون أنها واجبة عليهم قال قتادة والله لولا الناس ما صلّى منافق {ولا يذكرون الله إلا قليلاً} قال ابن عباس إنما قال ذلك لأنهم يفعلونه رياء وسمعة ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله لكان كثيراً وقيل لأن الله لم يقبله ولو قبله لكان كثيراً وقبل المراد بذكر الله الصلاة والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً لأنهم متى لم يكن معهم أحد من المؤمنين فلا يصلّون وإذا كانوا مع المؤمنين يتكلفون فعلها {مذبذبين بين ذلك} يعني متحيرين مترددين بين الكفر والإيمان لأنهم ليسوا مع المؤمنين المخلصين ولا مع المشركين المصرحين بالشرك وهو وقوله تعالى: {لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني ليسوا من المؤمنين حتى يجب لهم ما يجب للمؤمنين وليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} يعني طريقاً إلى الهدى (ق) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة إلى هذه مرة" تفسير : قوله كمثل الشاة العائرة بالعين المهملة ومعناه المتحيرة المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع ومعنى تعير تتردد وتذهب يميناً وشمالاً مرة إلى هذه ومرة إلى هذه لا تدري إلى أين تذهب وهذا مثل المنافق مرة على المؤمنين ومرة مع الكافرين أو ظاهره مع المؤمنين وباطنه مع الكافرين. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين} لما ذم الله عز وجل المنافقين بقوله مذبذبين بين ذلك نهى الله المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين يقول لا تولوا الكفار من دون أهل ملتكم ودينكم فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين والسبب في هذا النهي أن الأنصار بالمدينة كان لهم من يهود بني النضير وقريظة حلف ومودة ورضاع فقالوا يا رسول الله من نتولى؟ فقال: المهاجرين {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً} يعني أتريدون أيها المتخذون الكفار أولياء أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين فتستوجبوا بذلك النار ثم بيّن مقر النار من المنافقين

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت: {في الدرك} بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى. الباقون بالفتح {يؤتيهم} بالياء: حفص وعياش. الباقون بالنون. الوقوف: {خادعهم} ط لعطف المختلفين. {كسالى} لا لأن {يراؤون}. صفتهم {قليلاً} ه ز بناء على أن {مذبذبين} نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين {بين ذلك} ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء {هؤلاء} الثانية ط {سبيلاً} ه {من دون المؤمنين} ط {مبيناً} ه {من النار} ج لابتداء النفي مع العطف {نصيراً} ه ط للاستثناء. {مع المؤمنين} ط {عظيماً} ه {وآمنتم} ط {عليماً} ه {ظلم} ط {عليماً} ه {قديراً} ه {ببعض} لا للعطف {سبيلاً} ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف. {حقاً} ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف {مهيناً} ه {أجورهم} ط {رحيماً} ه. / التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح:10] وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم. وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة. كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل. والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً. {يراؤون الناس} أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة. ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه {ولا يذكرون الله} أي ولا يصلون {إلا قليلاً} لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون. وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها. وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير. ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى. وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه. وقرأ ابن عباس {مذبذبين} بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم. وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة. ومعنى {بين ذلك} أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: {أية : عوان بين ذلك} تفسير : [البقرة:68] واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات {أية : يثبت الله الذين آمنوا} تفسير : [إبراهيم:27] {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تفسير : [الرعد:28] {أية : يا أيتها النفس المطمئنة} تفسير : [الفجر:27] قيل: إنه تعالى ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: {أية : ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} تفسير : [الرعد:28] {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء} أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم. ومعنى {سلطاناً} حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة. ومعنى قوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل. ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله تعالى وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} تفسير : [غافر:46] وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس. ثم قال: {ولن تجد لهم نصيراً} احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه تعالى ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق. ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة. وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم. وثالثها الاعتصام بدين الله. ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها. وعند حصول الشرائط قال: {فأولئك مع المؤمنين} ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم. ثم بين وعد المؤمنين بقوله: {وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً} ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية. ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه تعالى محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه. قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه تعالى لم يخلق أحداً لغرض التعذيب. وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم. والجواب مسلم أنه تعالى غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق. وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة. قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به. وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة {وكان الله شاكراً} مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً {عليماً} بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته. ثم إنه سبحانه لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: {لا يحب الله الجهر} الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم. وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن تعالى أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه تعالى لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته. وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه. قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: {أية : إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} تفسير : [النساء:94] والتبين واجب في الطعن والإقامة. أما قوله: {إلاّ من ظلم} فالاستثناء فيه متصل أو منقطع. وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف. وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم. وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته. وماذا يفعل المظلوم؟ قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه. وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له. وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب. وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه. وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو. وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير {إلاّ من ظلم} على البناء للفاعل. وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه. وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول {وكان الله سميعاً عليماً} فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً. ثم حث على العفو بقوله: {إن تبدوا خيراً أو تخفوه} وهو إشارة إلى إيصال النفع {أو تعفوا عن سوء} وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق. {فإنّ الله عفواً قديراً} قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله. وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك. وفي الخبر حديث : أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت. قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطانتفسير : . ثم إنه سبحانه تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم. وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة {أولئك} أي الطوائف الثلاث {هم الكافرون} أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح:10] وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي. فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره. فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق. وانتصاب {حقاً} على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً. وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه. وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت. ثم ختم النوع بوعد المؤمنين. ومعنى: {بين أحد} بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد. ومعنى {سوف} توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل. فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر. التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص {إلاّ من ظلم} إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار. وأيضاً {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب {إلا من ظلم} بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني {إن تبدوا خيراً} مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب {أو تعفوا عن سوء} مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً {فإن الله كان عفواً} فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه {إن الذين يكفرون} فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله تعالى أعلم.

ابن عادل

تفسير : قد تقدَّم تفسير الخِدَاع واشتقاقه أوّل البقرة، ومعنى المُفَاعَلة فيه. قال الزَّجَّاج: مَعْنَاه: يُخَادِعُون الرَّسُول، أي: يظهرون لَهُ الإيمَان ويبطنون الكُفْرَ؛ كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]، وسمّي المُنَافِق مُنَافِقاً؛ أخذاً من: نَافِقَاء اليَرْبُوع؛ وهي جُحْره؛ فإنه يَجْعَلُ له بَابَيْن، يَدْخُلُ من أحدهما ويَخْرُجُ من الآخَر؛ كذلك المُنَافِق، يَدْخُل مع المؤمنين بقوله: أنا مُؤمِنٌ، [ويدخل مع الكَافِر بقوله: أنا كَافِر]، وجُحْرُ اليَرْبُوعِ يُسَمَّى النَّافِقَاء، والسَّاميَاء والدَّامياء، [فالسَّامِيَاء]: هو الجحر الذي تلد فيه الأنْثَى، [والدامياء: هو الذي يَكُون] فيه. قوله: "وَهُوَ خَادِعُهُمْ" فيه ثلاثة أقْوَالٍ: أحدها: ذكرَه أبُو البقاء: أنه نَصْبٌ على الحَالِ. والثاني: أنَّها في مَحَلِّ رفعٍ عطْفاً على خَبَر "إنَّ". الثالث: أنَّها استِئْنَاف إخْبَار بِذَلك. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "وخادعٌ: اسم فاعِل من خَادعْتُه، فَخَدَعْتهُ إذا غَلَبْتهُ، وكنت أخْدَع مِنْه". قوله: "وَهُوَ خَادِعُهُم" أي: مُجَازيهم بالعِقَاب على خِدَاعِهم. قال ابن عبَّاس: إنهمَ يُعْطَوْن نوراً يَوْم القِيَامةِ كالمؤمنين، فيَمْضِي المُؤمِنُون بنورهم على الصِّراطِ، ويُطْفَأ نور المُنَافِقِين، يدلُّ عليه قوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} تفسير : [البقرة: 17]. قوله: "وإذا قَامُوا" عطفٌ على خَبَر "إنَّ" أخبر عَنْهم بِهَذِه الصِّفَاتِ الذَّميمة، و"كُسَالى": نصبٌ على الحَالِ من ضَمِير "قَامُوا" الواقع جواباً، والجُمهورُ على ضمِّ الكاف، وهي لُغة أهل الحِجاز [جمع كَسْلان: كسَكَارَى]، وقرأ الأعرج بفتحها، وهي لُغَةُ تميم وأسَدٍ، وقرأ ابن السَّمَيْفع: "كَسْلى" وصَفَهم بِمَا تُوصف به المُؤنَّثَة المفردةُ، اعْتِبَاراً بمعنى الجماعة؛ كقوله: "وتَرَى الناسَ سَكْرى"، والكسلُ: الفُتُورُ والتواني، وأكْسَل: إذا جَامَعَ وفَتَر ولم يُنْزل. والمعنى: أن المُنَافِقِين إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ، قاموا مُتَثَاقِلِين، لا يُرِيدُون بها الله - تعالى-، فإن رَآهم أحَدٌ، صلَّوا، وإلا انْصَرَفُوا فَلَمْ يُصَلُّوا. قوله: "يُراؤون [النَّاسَ]" في هذه الجُمْلَةِ ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أنها حَالٌ من الضَّمير المُسْتَتر في "كُسَالى". الثاني: أنها بَدَلٌ من "كُسَالَى"؛ ذكره أبو البقاء، فيكونُ حالاً من فاعل "قَامُوا" وفيه نظر، لأنَّ الثَّاني ليس الأوَل ولا بَعْضَه ولا مُشْتَمِلاً عليه. الثالث: أنها مُستأنفةٌ أخْبر عَنْهم بذلك، وأصلُ يُراؤون: يُرائِيُون، فأعِلَّ كَنَظائره، والجمهور على: "يُراؤون" من المُفاعلةِ. قال الزَّمْخْشَرِيُّ: فإنْ قلت: ما مَعْنَى المراءاة، وهي مُفاعَلَة من الرُّؤيَة؟ قلت: لها وجهان: أحدهما: أنَّ المُرَائِيَ يُريهم عَمَلَه، وهم يُرُونه الاسْتحْسَانَ. والثاني: أن تكُونَ من المُفاعلة بمعنى: التَّفْعِيل، يقال: نعَّمه وناعَمَهُ، وفَنَّقه وفَانَقَه، وعيش مُفَانِق، وروى أبو زَيْد: "رأَّت المَرْأةُ المِرْآة [الرَّجُل]" إذا أمْسكَتْها له ليرى وَجهَه؛ ويدل عليه قراءةُ ابن أبي إسحاق: "يُرَؤّونَهُم" بهمزةٍ مُشَدَّدةٍ مثل: يُدَعُّونهم، أي: يُبَصِّرونهم ويُرَاؤونهم كذلك، يعني: أن قراءةَ: "يُرَؤُّنهم" من غير ألفٍ، بل بهمزةٍ مَضْمُومةٍ مشدَّدَةٍ توضِّح أنَّ المُفاعَلَة هنا بِمَعْنَى التفعيل. قال ابن عَطِيَّة: "وهي - يعني هذه القراءة - أقْوَى من "يُرَاؤُونَ" في المعنى؛ لأنَّ مَعْنَاها يَحْمِلُون النَّاسَ على أنْ يَرَوْهم، ويتظاهَرُون لهم بالصَّلاة ويُبْطنُون النِّفَاقَ" وهذا منه ليس بجيِّد؛ لأنَّ المُفَاعَلة إنْ كَانَت عَلَى بابها، فهي أبْلَغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرَّة، وإنْ كانت بِمَعْنَى التفعيل، فهي وَافِيةٌ بالمَعْنَى الذي أرَادَه، وكأنه لم يَعْرِف أنَّ المفاعلة قد تَجِيءُ بمعنى التَّفْعِيل. ومتعلَّقُ المُرَاءاةِ محذُوفٌ؛ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُراءى به، والأحْسَن أن تُقَدِّر: يُراؤون النَّاسَ بأعْمَالِهم. قوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} "ولا يَذْكُرُون"، يجوز أن يكون عَطْفاً على "يُرَاؤُون"، وأن يكون حالاً من فاعِل "يُراؤُون" وهو ضعيفٌ؛ لأن المُضارع المَنْفِيَّ بـ "لا" كالمُثْبَتِ، والمُثْبَتُ إذا وَقَع حالاً، لا يَقْترِنُ بالوَاوِ، فإنْ جَعَلها عَاطِفَةً، جَازَ. وقوله: "قليلاً": نعتٌ لمصدرٍ محذُوفٍ، أو لزمان مَحْذوفٍ، أي: ذكْراً قليلاً أو زمناً قليلاً، والقلةُ هُنَا على بابها، وجَوَّز الزَّمَخْشَرِيُّ وابن عطِيَّة: أن تكون بِمَعْنَى العَدَم، ويأباه كَوْنُه مُسْتَثْنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهمَا في ذَلِكَ. فصل قال ابنْ عبَّاسٍ، والحسن: إنَّما قال ذَلِك؛ لأنَّهمُ يَفْعَلُونها رِيَاءً وسُمْعَة، ولو أرَادُوا بذلك القَلِيل وَجْهَ اللَّه، لكان كَثِيراً، وقال قتادة: إنَّما قلَّ ذكرُ المُنَافِقِين؛ لأنَّ الله لم يَقْبله، وكلّ ما قَبِلَ اللَّه، فهو كَثِيرٌ. وقيل: المعنى: لا يصلّون إلا قَليلاً، [والمُرادُ بـ "الذكر" الصَّلاة]، وقيل: لا يَذْكُرُون اللَّه في جَمِيع الأوقات، سواءً كان وَقْت الصَّلاة أوْ لَمْ يكُن إلاَّ قَلِيلاً نادراً. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: [وترى] كثيراً من المُتَظَاهِرِين بالإسْلام، لو صِحِبْتَهُ الأيَّام واللَّيَالي، لَمْ تسمع منه تَهْلِيلَةً، ولكن حَدِيث الدُّنْيَا يَسْتَغْرقُ به أوْقاته، لا يَفْترُ عَنْه. قوله: "مُذَبْذَبِينَ": فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه [حالٌ] من فاعل "يراءون". الثاني: أنه حالٌ من فاعل "وَلاَ يَذْكُرُون". الثالث: أنه منصوبٌ على الذَّمِّ، والجمهور على "مُذَبْذَبينَ" بميمٍ مضمومة وذَالَيْن معجمتَيْن، ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذَبْذَبْتُهُ، فَهُوَ مُذَبْذَبٌ، أي: مُتَحَيِّرٌ، وقرأ ابن عبَّاس وعمرو بنُ فائدٍ بكَسْر الذال الثانيةِ اسمَ فاعلٍ، وفيه احتمالان: أحدهما: أنه من "ذَبْذَب" متعدِّياً، فيكونُ مفعولُه محذوفاً، أي: مُذَبْذَبينَ أنْفُسَهُمْ أو دينهُمْ، أو نحو ذلك. الثاني: أنه بمعنى تَفَعْلَل، نحو: "صَلْصَلَ" فيكون قاصراً؛ ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةُ أبَيٍّ، وما في مصحف عبد الله "مُتَذَبْذِبِينَ" فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابن عبَّاس بمعنى مُتَذَبْذبين، وقرأ الحَسَنُ البصريُّ "مَذَبْذَبِين" بفتح الميم. قال ابن عطيَّة: "وهي مردودةٌ" وقال غيره: لا ينبغي أن تَصِحَّ عنه، واعتذر أبو حيان عنها لأجْلِ فصاحة الحَسَن، واحتجاجِ الناس بكلامه بأنَّ فتْح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال؛ قال: "وإذا كانُوا قد أتبعوا في "مِنْتِنٍ" حركة الميم بحركة التاء، مع الحاجز بينهما، وفي نحو "مُنْحَدُر" أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حالة الرفع، مع أنَّ حركة الإعراب غيرُ لازمة؛ فلأنْ يُتْبِعُوا في نحو "مَذَبْذَبِينَ" أوْلَى". [قال شهاب الدين:] وهذا فاسدٌ؛ لأن الإتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائِرَها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً، وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ، فلم يُتْبِعُوا لأجْلها، وقرأ ابن القعقاع بدَالَيْن مُهْملتَيْنِ من الدُّبَّة، وهي الطريقة [الَّتي يُدَبُّ فيها] يقال: "خَلِّني وَدُبَّتِي" أي: طريقَتِي؛ قال: [الطويل] شعر : 1894- طَهَا هُذْرُبَانٌ قَلَّ تَغْمِيضُ عَيْنِهِ عَلَى دُبَّةٍ مِثْلِ الْخَنِيفِ المُرَعْبَلِ تفسير : وفي حديث ابن عبَّاس: "اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ"، أي: طَريقَهَا، فالمعنى على هذه القراءة: أن يأخُذَ بهم تارةً دُبَّةً، وتارة دُبَّةً أخرى، فَيَتْبَعُونَ متحيِّرين غيرَ ماضينَ على طريقٍ واحدٍ. ومُذَبْذَبٌ وشبهُه نحْوُ: مُكَبْكَبٍ ومُكَفْكَفٍ؛ مِمَّا ضُعِّفَ أولُه وثانيه، وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثه - فيه مذاهبٌ: أحدها: - وهو قولُ جمهور البصريين -: أنَّ الكلَّ أصولٌ؛ لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ، وليس أحدُ المكرَّرين أوْلَى بالزيادةِ من الآخر. الثاني - ويُعْزَى للزجَّاج -: أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدٌ. الثالث - وهو قول الكوفيين -: أن الثالث بدلٌ من تضعيف الثاني، ويزعُمُون أن أصل كَفْكَفَ: كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذَبْذَبَ: ذَبَّبَ بثلاث ياءات، فاستُثْقِل توالي ثلاثةِ أمثالٍ، فأبْدَلُوا الثالثَ من جنْس الأوَّل، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفِ الثالث، نحو: سِمْسِم وَيُؤيُو وَوَعْوَعٍ؛ فإنَّ الكلَّ يزعمون أصالةَ الجميعِ، والذَّبْذَبَةُ في الأصل: الاضطرَابُ والحركة ومنه سُمِّي الذُّباب؛ لكَثْرة حركَتِه. قال - عليه السلام -: "حديث : من وُقي شر قَبْقَبه وذبذبه ولَقْلَقِه وجبت له الجَنَّة" تفسير : يعني: الذكر يُسَمَّى بذلك لتَذَبْذُبِه، أي: حركته، وقيل التَّذَبْذُب: التَّرَدُّد بين حَالَيْن. قال النابغة: [الطويل] شعر : 1895- ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1896- خَيَالٌ لأمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَهَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَعيرِ المُذَبْذِبِ تفسير : بكسر الذال الثانية، قال ابنُ جنِّي: "أي: القَلق الذي لا يستقرُّ"؛ قال الزمخشريُّ: "وحقيقةُ المذبذب الذي يُذَبُّ عن كلا الجانبين، أي: يُذاد ويُدْفع، فلا يقرُّ في جانبٍ واحدٍ، كما يقال: "فُلانٌ يُرْمَى به الرَّحَوانِ"، إلا أنَّ الذبذبة فيها تكريرٌ ليْسَ في الذَّبِّ، كأنَّ المعنى: كلَّما مالَ إلى جانبٍ ذَبَّ عنه". قال ابن الأثير في "النهاية": وأصْلُه من الذَّبِّ وهو الطَّرْدُ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام: "حديث : تزوَّجْ وإلاَّ فأنْتَ مِنَ المُذَبْذَبِينَ" تفسير : أي: المَطْرُودين عن المؤمنين لأنَّكَ لم تَقْتَدِ بهم، وعن الرُّهْبَانِ؛ لأنك تَرَكْتَ طَريقَتَهُم، ويجُوز أن يكُونَ من الأوّل. و"بَيْنَ" معمولٌ لقوله: "مُذَبْذَبِينَ" و"ذَلِكَ" إشارةٌ إلى الكُفْر والإيمانِ المدلولِ عليهما بذكْرِ الكافرين والمؤمنين، ونحو: [الوافر] شعر : 1897- إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه ................................ تفسير : أي: إلى السَّفَهِ؛ لدلالة لفظ السفيه عليه، وقال ابن عطية: "أشير إليه، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لتضمُّن الكلام له؛ نحو: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32] {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تفسير : [الرحمن: 26] يعني توارتِ الشمسُ، وكُلُّ من على الأرْضِ؛ قال أبو حيان "وليس كذلك، بل تقدَّم ما يدُلُّ عليه" وذكر ما قدَّمْتُه، وأشير بـ "ذَلِكَ" وهو مفردٌ لاثنين؛ لما تقدَّم في قوله {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68]. قوله: {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} "إِلَى" في الموضعيْنِ متعلقةٌ بمحْذُوف، وذلك المحذوف هو حالٌ حُذِفَ؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: مُذَبْذَبينَ لا مَنْسُوبينَ إلى هؤلاء ولا منسوبين إلى هؤلاء، فالعاملُ في الحال نَفْسُ "مُذَبْذَبينَ"، قال أبو البقاء: "وموضعُ {لا إلى هؤلاءِ} نصبٌ على الحالِ من الضمير في مذبذبين، أي: يتذبذبون مُتَلَوِّنينَ" وهذا تفسير معنًى، لا إعراب. فصل قال قتادة: معنى الآيَة: ليْسُوا مُؤمِنين مُخْلصِينَ، فَيَجِبُ لَهُم مَا يجِبُ للمُؤمنين، ولا مُشْرِكين مُصَرِّحِين بالشِّرْكِ. وروى نَافعٌ عن ابن عمر، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثَلُ المُنَافِقِ كمثلِ [الشَّاةِ] العَائِرَةِ بين الغَنَمَيْن تَعِيرُ إلى هذه مَرَّةً وإلى هَذِه مَرَّة ". تفسير : فصل في أن الحيرة في الدين بإيجاد الله تعالى استدلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ الحِيرَة في الدِّينِ إنَّما تَحْصُل بإيجَادِ اللَّه - تعالى -؛ لأن قوله: "مُذَبْذَبِينَ" يقتضي فَاعِلاً قد ذَبْذَبَهُم، وصَيَّرَهُم مُتَردِّدِين، وذلك ليس باخْتِيَار العَبْدِ، فإن الإنْسَان إذا وَقَع في قلبه الدَّوَاعِي المُتعَارِضَة، المُوجِبَة للتَّحَيُّر والتَّرَدُّد، فلو أرَادَ أن يَدْفَع ذلك التَّرَدُّد عن نَفْسِه، لم يَقْدِر عليه أصْلاً، ومن تأمَّل في أحْوَالِهِ عَلِمَ ذلك، وإذا ثَبَت أنَّ تِلْكَ الذَّبْذَبَة لا بُدَّ لها من فاعلٍ، وأن فاعِلَها لَيْس هو العَبْدُ؛ ثبت أنَّ فَاعِلَهَا هو اللَّه - تعالى -. فإن قيل: قوله - تعالى -: {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} يقتضي ذَمَّهُم على تَرْكِ طَريقَةِ المُؤمنين، وطريقَة الكُفَّار؛ والذَّمُّ على تَرْكِ طريقِ الكُفَّارِ غير جَائِزٍ. فالجواب: أنَّ طريقة الكُفَّار وإن كانت خَبِيثَةً، إلا أن طريقَةَ النِّفَاقِ أخْبَثُ منها؛ ولذلك فإن الله - تعالى - ذم الكُفَّار في أوَّل سُورَةِ البَقَرَةِ في آيتين، وذمَّ المُنافِقِين في تِسْعَ عَشْرَة آية، وما ذَلِك إلا لأن طَريقَة النِّفَاقِ أخْبَثُ من طَرِيقَةِ الكُفَّارِ، فهو - تعالى - لم يَذُمَّهم على تَرْكِ الكُفْرِ، بل لأنَّهُم عَدَلُوا عن الكُفْرِ إلى مَا هُو أخْبَثُ من الكُفْرِ. قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي: طَرِيقاً إلى الهُدَى. واسْتَدَلوا بهذه الآيَة على مَسْألتيْنِ: الأولَى: أن تلك الذَّبْذَبَة من اللَّه - تعالى -، وإلا لَمْ يتَّصِلْ هذا الكلام بما قَبْلَهُ. الثانية: أنه صَريحٌ في أن اللَّه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّينِ. قالت المعتزلة: فمعنى هذا الإضلالِ: أنه عِبَارةٌ عن حُكْم اللَّه - تعالى - عَلَيْهِ بالضَّلالِ، أو أنَّه - تعالى - يُضِلُّه يوم القيامة عن طريق الجَنَّة، وقد تقدَّم مثل ذَلِك.

البقاعي

تفسير : {إن المنافقين} لإظهارهم لكل من غلب أنهم منه {يخادعون الله} أي يفعلون بإظهار ما يسر وإبطان ما يضر فعل المخادع مع من له الإحاطة الكاملة بكل شيء لأنه سبحانه وتعالى يستدرجهم من حيث لا يشعرون، وهم يخدعون المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر {وهو} الذي أمر المؤمنين بما أمرهم فكأنهم يفعلون ذلك معه وهو {خادعهم} باستدراجهم من حيث لا يعلمون، لأنه قادر على أخذهم من مأمنهم وهم ليسوا قادرين على خدعه بوجه {وإذا} أي يخادعونه والحال أنهم قد فضحوا أنفسهم بما أظهر مكرهم للمستبصرين وهو أنهم إذا {قاموا إلى الصلاة} أي المكتوبة {قاموا كسالى} متقاعسين متثاقلين عادة، لا ينفكون عنها، بحيث يعرف ذلك منهم كل من تأملهم، لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب، فالداعي إلى تركها - وهو الراحة - أقوى من الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس؛ ثم استأن في جواب من كأنه قال: ما لهم يفعلون ذلك؟ فقال: {يرآءون الناس} أي يفعلون ذلك ليراهم الناس، ليس إلا ليظنوهم مؤمنين، ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم من عدهم في عداد المؤمنين لما يرون هم المؤمنين حين يصلون {ولا يذكرون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال في الصلاة وغيرها {إلا قليلاً *} أي حيث يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم، يفعلون ذلك حال كونهم {مذبذبين} أي مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق في الهواء، وحقيقة: الذي يذب عن كلا الجانبين ذباً عظيماً. ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم أخرى قال: {بين ذلك} أي الإيمان والكفر؛ ولما كان الإيمان يدل على أهله والكفر كذلك قال: {لا إلى} أي لا يجدون سبيلاً مفر إلى {هؤلاء} أي المؤمنين {ولا إلى هؤلاء} أي الكافرين؛ ولما كان التقدير! لأن الله أضلهم، بنى عليه قوله: {ومن يضلل الله} أي الشامل القدرة الكامل العلم {فلن تجد} أي أصلاً {له سبيلاً *} أي طريقاً إلى شيء يريده. ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين أولياء، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ، صرح به مخاطباً للمؤمنين فقال: {يا أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً {لا تتخذوا} أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا {الكافرين} أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه {أولياء} أي أقرباء، تفعلون معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه. ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس، وكان تحت رتبته رتب متكاثره، نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال: {من دون المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان، ولذلك قال منكراً: {أتريدون} أي بموالاتهم {أن تجعلوا لله} أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله {عليكم} أي في النسبة إلى النفاق {سلطاناً} أي دليلاً اضحاً على كفركم باتباعكم غير سبيل المؤمنين {مبيناً *} واضحاً مسوِّغاً لعقابكم وخزيكم وجعلكم في زمرة المنافقين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال‏:‏ يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم، فتلك خديعة الله إياهم‏. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏وهو خادعهم‏} ‏ قال‏:‏ يعطيهم يوم القيامة نوراً يمشون فيه مع المسلمين كما كانوا معه في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير‏.‏ نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال‏:‏ نزلت في عبد الله بن أبي، وأبي عامر بن النعمان‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في الصمت عن ابن عباس. أنه كان يكره أن يقول الرجل: إني كسلان ويتأوّل هذه الآية‏.‏ وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من حسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏{‏يراؤون الناس‏} ‏ قال‏:‏ والله لولا الناس ما صلى المنافق، ولا يصلي إلا رياء وسمعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسن ‏ {‏ولا يذكرون الله إلا قليلاً‏} ‏ قال‏:‏ إنما لأنه كان لغير الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏ولا يذكرون الله إلا قليلا‏ً} ‏ قال‏:‏ إنما قل ذكر المنافق لأن الله لم يقبله، وكل ما رد الله قليل، وكل ما قبل الله كثير‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن علي قال‏:‏ لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل‏؟‏. وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في سننه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً ‏".‏

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[142] أي يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار، فهذا هو المراد من قوله: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[142]. قال سهل في قوله تعالى: {أية : بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ}تفسير : [الصافات:12] أراد به سرعة مجازاتهم على الإقامة والنفي، فسمى قوله باسم فعلهم. وقد أخبر عنهم بالعجب في مواضع، قال في قوله في قل أوحي: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} تفسير : [الجن:1] وفي ق: {أية : بَلْ عَجِبُوۤاْ}تفسير : [ق:2] وفي ص: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : [ص:5] وقد ذكر في الصافات: {أية : بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ}تفسير : [الصافات:12] أي رأيت جزاءهم عظيماً، فسمى تعظيم الثواب عجباً، لأن المتعجب إنما يتعجب من أمر بلغ نهايته، فهذا هو المراد من قوله: {أية : بَلْ عَجِبْتَ}تفسير : [الصافات:12]. وقد حكي أن شقيقاً قرأ على شريح: "بَلْ عَجِبْتُ" فقال له شريح: "بَلْ عَجِبْتَ" إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب مَنْ لا يعلم. قال شقيق: فأخبرت به إبراهيم فقال: إن شريحاً يعجبه علمه، وإن ابن مسعود أعلم منه، وكان يقرأ: "بَلْ عَجِبْتُ" بالضم. {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ}[142] فهذه من علامات المنافقين، حيث خانوا في هذه الأمانة التي تحمّلوها في الظاهر، واعلم أن لله تعالى أمانة في سمعك وبصرك ولسانك وفرجك، وظاهرك وباطنك، عرضها عليك، فإن لم تحفظها خنت الله، و {أية : ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} تفسير : [الأنفال:58]. وقد حكي حديث : عن أبي حبان أنه قال: ارتحلت إلى مكة وجئت سعيد بن جبير فقلت له: جئتك من خراسان في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام: "علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان". ولا أرى أنها في نفسي، فتبسم سعيد وقال: وقع في سري ما وقع في سرك، فأتيت علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقت القيلولة، فوجدتهما عند البيت، فسألتهما عن تأويل هذا الحديث فتبسما، وقالا: لقد أشكل علينا ما أشكل عليك، فذهبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت القيلولة، فأذن لنا فذكرنا له صلى الله عليه وسلم هذا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "ألستما على شهادة أن لا إله إلا ا لله؟ قلنا: بلى. فقال: هل رجعتما عن ذلك؟ فقلنا: لا. قال: لقد قلتما وصدقتما. ثم قال: ألستما على ما قررتكما عليه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث؟ قلنا: نعم، كأنها رأي العين. فقال صلى الله عليه وسلم: هذا من الإنجاز. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألستما تصليان وتسجدان في الصلاة في الخلوة؟ فقلنا: نعم. فقال: هي الأمانة لا خيانة فيها ". تفسير : وقال سهل: إن اليقين أوتاد قلوب العارفين وأرواح المشتاقين، كما أن جبال الدنيا مع جبل ق أوتاد الأرضين قوام للعالمين، ثم زاد قوة قلبك حيث قال تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر:21] وقد أنزلته على قلوبهم حفظاً وعليكم أمراً، فلم يؤمر حمله فيكم لحفظي إياكم ولطفي ونظري إليكم. ثم قال: انتهت عقول المؤمنين سائرة إلى العرش فسلمت وحفت بظرائف حكمه وفنون بره، وسارت عقول المنافقين، فلما بلغت رامت الغيوب، فردت منكسة، قال الله تعالى: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}تفسير : [النساء:88 و143].

القشيري

تفسير : خداع المنافقين: إظهار الوفاق في الطريقة واستشعار الشِرْك في العقيدة. وخداع الحق إياهم: ما توهموه من الخلاص، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق الاختصاص، فإذا كُشِفَ الغطاء أيقنوا أن الذي ظنُّوه شراباً كان سراباً، قال تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} تفسير : [الزمر: 47]. وقوله: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ} الآية: علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق، وفتور العزم عند فوات رؤية الخلق. وقوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ} الآية: أخَسُّ الخَلْقِ من يَدَعُ صدار العبودية، ولم يجد سبيلاً إلى حقيقة الحرية، فلا له من العز شظية، ولا في الغفلة عيشة هنية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المنافقين يخادعون الله} اى يفعلون ما يفعل المخادع من اظهار الايمان وابطان الكفر {وهو خادعهم} اى الله تعالى فاعل بهم ما يفعل الغالب فى الخداع حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والاموال واعد لهم فى الآخرة الدرك الاسفل من النار ولم يخلهم فى العاجل من فضيحة واحلال بأس ونقمة ورعب واثم. وقال ابن عباس رضى الله عنهما انهم يعطون نورا يوم القيامة كما للمؤمنين فيمضى المؤمنون بنورهم على الصراط وينطفىء نور المنافقين فينادون المؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فتناديهم الملائكة على الصراط ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقد علموا انهم لا يستطيعون الرجوع قال فيخاف المؤمنون حينئذ ان يطفأ نورهم فيقولون ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شىء قدير {واذا قاموا الى الصلوة قاموا كسالى} اى متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيئاً عن كره لا عن طيب نفس ورغبة. قوله كسالى كأنه قيل ما كسالى فقيل {يراؤن الناس} اى يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين {ولا يذكرون الله} عطف على يراؤن {الا} ذكرا {قليلا} اذ المرائى لا يفعل الا بحضرة من يرائيه وهو اقل احواله والمراد بالذكر التسبيح والتهليل. قال فى الكشاف وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالاسلام لو صحبته الايام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تحميدة ولكن حديث الدنيا يستغرق اوقاته لا يفتر عنه {مذبذبين بين ذلك} حال من فاعل يراؤن وذلك اشارة الى الايمان والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام اى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى بينهما وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعده اخرى {لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء} حال من ضمير مذبذبين اى لا منسوبين الى المؤمنين فيكونون مؤمنين ولا الى الكافرين فيكونون مشركين {ومن يضلل الله} لعدم استعداده للهداية والتوفيق {فلن تجد له سبيلا} موصلا الى الحق والصواب فضلا عن انه تهديه اليه والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان وكان صلى الله عليه وسلم يضرب مثلا للمؤمنين والمنافقين والكافرين كمثل رهط ثلاثة رفعوا الى نهر فقطعه المؤمن ووقف الكافر ونزل فيه المنافق حتى اذا توسطه عجز فناداه الكافر هلم الى لا تغرق وناداه المؤمن هلم الى لتخلص فما زال المنافق يتردد بينهما اذ اتى عليه ماء فغرقه فكان المنافق لم يزل فى شك حتى يأيته الموت شعر : اى كه دارى نفاق اندر دل خار بادت خليده اندر حلق هركه سازد نفاق بيشه خويش خوار كردد بنزد خالق وخلق تفسير : والاشارة {أية : إن المنافقين} تفسير : [النساء: 142]. انما {أية : يخادعون الله} تفسير : [النساء: 142]. فى الدنيا لان الله تعالى {أية : وهو خادعهم} تفسير : [النساء: 142]. فى الازل عند رش نوره على الارواح وذلك ان الحق خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فلما رش نوره اصاب ارواح المؤمنين واخطأ ارواح المنافقين والكافرين ولكن الفرق بين المنافقين والكافرين ان ارواح المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا انه يصيبهم فاخطأهم وارواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم يصبهم وكأن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش اذما اصابهم فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش {واذا قاموا الى الصلوة} من نتائج حرمانهم اصابة النور {قاموا كسالى يراؤن الناس} كيما يرونهم النور {ولا يذكرون الله الا قليلا} لانهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبى لا بلسان الباطن القلبى والقالب من الدنيا وهى قليلة قليل ما فيها والقلب من الآخرة وهى كثيرة كثير ما فيها فالذكر الكثير من لسان القلب كثير والفلاح فى الذكر الكثير لا فى القليل لقوله تعالى {أية : واذكروا الله ذكرا كثيرا} تفسير : [الجمعة: 10]. اى بلسان القلب {أية : لعلكم تفلحون} تفسير : [الجمعة: 10]. ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا فما افلحوا به وانما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لانه رأى رشاش النور ظاهرا من البعد ولم يصبه فلو كان اصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا به كما قال تعالى {أية : أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه} تفسير : [الزمر: 22]. اى على نور مما رش به ربه ومعدن النور هو القلب فكان قلبه ذاكرا لله بذلك النور فانه يصير لسان القلب فقليل الذكر منه يكون كثيرا فافهم جدا فلما كانت ارواح المنافقين مترددة متحيرة بين مشاهدة رشاش النور وبين الظلمة الخلقية لا الى هؤلاء الذين اصابهم النور ولا الى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش لذلك كانوا {مذبذبين بين ذلك} المؤمنين والكافرين {لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله} باخطاء ذلك النور كما قال ومن اخطأه فقد ضل {فلن تجد له سبيلا} ههنا الى ذلك النور يدل عليه قوله {أية : ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} تفسير : [النور: 40]. اى ومن لم يجعل الله له قسمة من ذلك النور المرشش عليهم فماله اليوم نصيب من نور الهداية كذا فى التأويلات النجمية اللهم ارزقنا الذكر الكثير واعصمنا من الذنب الصغير والكبير. يقال حصون المؤمن ثلاثة المسجد وذكر الله وتلاوة القرآن والمؤمن اذا كان فى واحد من ذلك اى من الاشياء الثلاثة فهو فى حصن من الشيطان قال على رضى الله عنه (يأتى على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ومن القرآن الا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله تعالى شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود: قال السعدى قدس سره شعر : كنون بايدت عذر تقصير كفت نه جون نفس ناطق زكفتن بخفت تفسير : اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا معين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة: {ولا يذكرون الله}؛ حال من واو {يُراءون}، وكذلك {مذبذبين} أي: يراءون حال كونهم غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم، والمذبذب المضطرب المتردد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن المنافقين يُخادعون الله} بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر، {وهو خادعهم}، أي: مجازيهم على خداعهم؛ بأن يظهر لهم يوم القيامة، نورًا يمشون به على الصراط، كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا به طُفِىءَ نورهم وبقي نور المؤمنين، فينادونهم: {أية : انظُرُونَا نَقْتَبِس مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا} تفسير : [الحديد:13]، فيتهافتون في النار، فسمي هذه العقوبة خداعًا تسمية للعقوبة باسم الذنب. وكانوا {إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} أي: متثاقلين، لا يريدون بها وجه الله، فإن رءاهم أحد، صلوا، وإلاَّ انصرفوا، فلم يصلوا، {يُراءون} بأعمالهم {الناس} أي: المؤمنين، {ولا يذكرون الله إلا قليلاً}؛ لأن المرئي لا يذكر إلا بحرة الناس، وهو أقل أحواله، أو لا يذكرونه في صلاتهم إلا قليلاً، لأنهم لا يذكرون إلا التكبير والتسليم، وقال ابن عباس: إنما ذلك لأنهم يفعلونها رياءً وسمعةً، ولو أرادوا بذلك وجه الله تعالى لكان كثيرًا. وقال قتادة: إنما قل ذكرهم، لأنه لم يُقبل، فكل ما رُدَّ من العمل فهو قليل، وكل ما قُّبل فهو كثير. وكانوا أيضًا {مذبذبين} أي: مترددين ومتحيرين بين الكفر والإيمان، {لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} أي: لا صائرين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. قال قتادة: ماهم بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مُصَرِّحين بالشرك، هكذا سبق في علم الله، {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} أي: طريقًا إلى الهدى، ومثله قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}تفسير : [النور:40]. الإشارة: كل من أحب أن يَرى الناسُ محاسنَ أعماله وأحواله، ففيه شعبة من النفاق وشعبة من الرياء، وعلامة المرائي: تزيين ظاهرة وتخريب باطنه، يتزين للناس بحسن أعماله وأحواله، يراقب الناس ولا يراقب الله، وكان بعضُ الحكماء يقول: يقول الله ـ تعالى ـ: "حديث : يا مُرائي: أمرُ من ترائى بيد من تعصيه"تفسير : . فمثل هذا أعماله كلها قليلة، ولو كثرت في الحس كالجبال الرواسي، وأعمال المخلصين كلها كثيرة ولو قلَّت في الحس، وأعمال المرائين كلها قليلة ولو كثرت في الحس. قال في القوت: وَصَفَ اللهُ تعالى ذكر المنافقين بالقلة، لكونه غير خاص، كما قيل في تفسير قوله تعالى: {أية : ذِكْرًا كَثِيرًا}تفسير : [الأحزَاب:41] أي: خالصًا، فسمي الخالص كثيرًا. هـ. قولى تعالى: {مذبذبين بين ذلك}: هذه صفة أهل الدعوى، المستشرفين على الحقيقة بالعلم، ليسوا من الخصوص ولا من العموم، مترددين بين الفريقين، ومن يضلل الله عن طريق التحقيق، فلن تجد له سبيلاً.

الطوسي

تفسير : - قد بينا - في اوّل البقرة معنى الخداع من المنافقين، ومن الله (تعالى) وجملته ان الخداع من المنافقين اظهارهم الايمان الذي حقنوا به دماءهم واموالهم، كما حقن المؤمنون على الحقيقة. وقال: الحسن والزجاج والازهري ان معناه يخادعون نبي الله فسماه خداعا لله للاختصاص، كما قال: إن الذين ببايعونك انما يبايعون الله فسمى مبايعة النبي (صلى الله عليه وسلم) مبايعة الله، للاختصاص، لانه بأمره. ومعنى الخداع من الله يحتمل امرين: احدهما - ان يجازيهم على خداعهم فسمى الجزاء باسم الشيء، للازدواج، كما قال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} والجزاء ليس بسيئة. وقال: {ومكروا ومكر الله} والله لا يمكر، غير انه يجازي عليه. والثاني - ما حكم الله فيهم من منع دمائهم بما اظهروه من الايمان بلسانهم مع علمه بباطنهم، واعتقادهم الكفر استدراجاً منه لهم في الدنيا حتى يلقوه يوم القيامة، فيوردهم بما ابطنواهم نار جهنم. وقال السدي: يعطيهم الله نوراً يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، كما كانوا في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور، ويضرب بينهم بسور، فذلك هو الخداع منه (تعالى). وبه قال ابن جريج، والحسن وغيرهم من المفسرين: على ما بيناه فيما مضى. وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس} يعني ان المنافقين لا يعملون شيئاً من اعمال العبادات التي اوجبها على المؤمنين على وجه القربة الى الله، لانهم غير موقنين بها، ولا ان لهم عليها ثواباً أو عقابا وانما يفعلون ذلك إبقاءً على انفسهم، وحذراً من المؤمنين أن يقتلوهم، ويسلبوا اموالهم، فهم إذا قاموا الى الصلاة، قاموا كسالى اليها رياءً للمؤمنين، ليحسبوهم المؤمنون منهم، وليسوا منهم، لانهم لا يعتقدون فرضها. وبه قال قتادة وابن زيد. وقوله: {ولا يذكر الله إلا قليلاً} إنما وصف ما استثناه من ذكرهم لله بالقلة من حيث انهم لا يقصدون به وجه الله، ولا التقرب اليه، لا ان شيئاً من ذكر الله يوصف بانه قليل، بل يوصف جميعه بانه كثير، قال الحسن: وصفه بالقلة، لانه كان لغير الله. وقال قتادة: لانه لم يقبله الله وكلما رده الله، فهو قليل، وما قبله فهو كثير. وقال الجبائي: لانهم. إذا قاموا الى الصلاة، لم يذكروا غير تكبيرة الاحرام. وقوله: {مذبذبين} في موضع نصب على الحال. ومعناه انهم يقومون الى الصلاة يعني المنافقين مترددين، لا الى هؤلاء يعني المؤمنين فيفعلونه، فيستحقون به الثواب ولا الى هؤلاء يعني الكفار فيجاهرون بالكفر، بل بين ذلك يظهرون الايمان، فيجري عليهم حكم أهله، ويبطنون الكفر فيستحقون به عقاب أهله. واصل التذبذب التحرك والاضطراب. قال النابغة: شعر : الم تر ان الله اعطاك سورة يرى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : وقال الحسن بن علي المغربي: مذبذبين مطرودين من هؤلاء، ومن هؤلاء، من الذب الذي هو الطرد. وصف الله تعالى هؤلاء المنافقين بالحيرة في دينهم، وانهم لا يرجعون إلى صحة فيه، لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع الكفار على جهالة. وقال ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ان مثلهم مثل الشاة العائرة بين الغنمين تتحير، فتنظر إلى هذه والى هذه، لا تدري ايهما تتبع. وبهذه الجملة قال السدي وقتادة ومجاهد وابن جريج وابن زيد وغيرهم من المفسرين. وقوله: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} يحتمل امرين: احدهما - من يضله الله عن طريق الجنة، فلن تجد له سبيلا الى طريق الجنة. والثاني - من يجد له عقوبة على معاصيه عن طريق الرشاد والاسلام، ولم يوفقه، لحرمانه نفسه التوفيق بسوء اختياره، فلن تجد له سبيلا يعني طريقاً الى الحق يفضيه اليه.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} جواب لما يتراءى ان يسأل عنه من حال المنافقين مع الله وفى عبادة الله ولذلك لم يأت بالوصل، بمخادعتهم لله خدعته باعتبار مظاهره واتمّها محمّد (ص) وعلىّ (ع) او يخادعون الله باعتبار ما يذكرون بالسنتهم انّ لنا مبدءً وامراً ونهياً منه والاّ فلا معرفة لهم بالله حتّى يخادعوه، ونسبة الخدعة الى الله على سبيل المشاكلة، او لانّه باستدراجه لهم يفعل فعل المخادع، واتيان الفعل من باب المفاعلة للاشارة الى انّهم كأنّهم يغالبون الله فى المخادعة وهو يغلبهم فيها {وَ} طريق عبادتهم انّهم {إِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} بيان لمخادعتهم الله يعنى ليس فى وجودهم داعٍ وشوق للعبادة كأنّهم مكرهون وقيامهم الى الصّلوة ليس لعبادة الله بل لمحض الخدعة مع الله واراءة النّاس {وَ} لذلك {لاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} اى ذكراً قليلاً او جمعاً قليلاً منهم، عن امير المؤمنين (ع) من ذكر الله فى السّرّ فقد ذكر الله كثيراً انّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانية فلا يذكرونه فى السّرّ فقال الله عزّ وجلّ: يراؤن النّاس ولا يذكرون الله الاّ قليلاً.

الأعقم

تفسير : {إن المنافقين يخادعون الله} يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإِيمان وإبطان الكفر وهو خادعهم وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} كما ترى من يفعل شيئاً على كره {يراؤون الناس} يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة {ولا يذكرون الله إلا قليلاً} ولا يصلون إلاَّ قليلاً لأنهم لا يصلُّون قط غائبين عن عيون الناس إلاَّ ما يجاهرون به قليل أيضاً ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا قليلاً وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإِسلام {مذبذبين} إما حال نحو قولك: ولا يذكرون، يراؤون أي ترونهم غير ذاكرين مذبذبين أو منصوب على الذم، ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإِيمان والكفر فهم يترددون بينهما متحيرون لا من الكفار ولا من المسلمين {إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار} الطبق الذي في قعر جهنم والنار سبع دركات، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ثلاث من كنَّ فيه فهو منافق وإن صام وصلَّى: من إذا حدَّث كذب، وإذا وعد خلف، وإذا أؤتمن خان" تفسير : وقيل لحذيفة: من المنافق؟ قال: الذي يصف الاسلام ولا يعمل به {إلا الذين تابوا} يعني تابوا من النفاق بالندم عليه {وأصلحوا} يعني أصلح قولهم وفعلهم {واعتصموا بالله} أي بطاعته من كل ما يخاف عاجلاً وآجلاً {وأخلصوا دينهم لله} قيل: عبدوا الله وحده دون من سواه {فأولئك مع المؤمنين}، قيل: معهم في الجنة، وقيل: معهم في الولاية والكرامة في الدنيا والآخرة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً} أي ثواباً دائماً {ما يفعل الله بعذابكم} قيل: الخطاب للمنافقين كأنه قال: لا حاجة لي في جعلكم في الدرك الأسفل من النار إذا تُبْتُمْ وشكرتم، وقيل: خطاب لجميع المكلفين وبيان أنه لا حاجة به وأنه يعاقب لا لحاجة لكن لحكمة وأنه يعاقب المسيء فإن آمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب {وكان الله شاكراً} مبيناً موفياً لأجوركم، وقيل: شاكراً يشكر عباده على طاعتهم بأن يثيبهم عليها {عليماً} بأعمالكم فيجازيكم عليها {لا يحب الله بالجهر بالسوء من القول إلاَّ من ظلم} قال جار الله: إلاّ جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعو عليه ويذكره بما فيه من السوء، وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم {ولمن انتصر بعد ظلمه}، وقيل: نزلت في الضيف إذا أساء إضافته فله أن يشكر مضيفه، وقيل: نزلت في الدعاء على الغير، فليس لأحد أن يدعو على غيره إلا المظلوم، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اتقوا دعوة المظلوم" تفسير : وقيل: لا يدعو على من ظلمه عن ابن عباس، وقيل: يكره رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم يدعو على من ظلمه، وقيل: لا يخبر بظالم ظلمه، وقيل: ضاف رجل قوماً فلم يطعموه فأصبح شاكياً فعوقب على الشكاية فنزلت وذكر ابداء الخير وإخفاءه تشبهاً للعفو لأن العفو هو الغرض المقصود {فإن الله كان عفواً قديراً} أي يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ} بكونهم (أية : وَإِذَا لَقُوا الذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) تفسير : [البقرة:14] {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}. قوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى} عنها {يُرَاءُونَ النَّاسَ} بصلاتهم ليظنوا أنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي التوحيد الذي قِبَلَهم. وقال الحسن: إنما قلّ لأنه لغير الله. قوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ} لا إلى المؤمنين ولا إلى المشركين. وقال بعضهم: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا بمصرّحين بالشرك. ذكروا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وتعير إلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع . تفسير : وذكر بعضهم حديث : أن نبي الله كان يضرب مثلاً للمؤمن والكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق، حتى إذا كاد أن يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: هلمّ إليّ فإنني أخشى عليك، وناداه المؤمن: هلم إليّ فإن عندي وعندي، يحصي له ما عنده. فما زال المنافق يتردد حتى أتى عليه آذى فغرقه. وإن المنافق لم يزل في شبهة وشك حتى أتى عليه الموت . تفسير : قوله: {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي سبيل الهدى.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}: مجازيهم على خداعهم، فسمى جزاء الخداع خداعا بتسميته للمسمى باسم سببه وملزومه، وفيه المشاكلة، وتقدم تفسير الخداع فى البقرة، والله لا يخادعه خادع، فيقدر مضاف أى يخادعون أولياء الله، أو حزب الله أو نحو ذلك، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس والحسن وابن جريج والسدى: خدع الله اياهم على الحقيقة بأن يعطيهم يوم القيامة نورا كنور المؤمنين، فيطمئنون اليه ثم ينطفىء. {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى}: غير ناشطين كمن أكره على الشىء، لأنهم لا يرجون لها ثوابا لانكارهم البعث اذ أضمروا الشرك، ولعدم رسوخ الايمان فيهم ان لم يضمروه، وقرىء بفتح الكاف وهو لغة تميم وأسد. {يُرَآءُونَ النَّاسَ}: بصلاتهم، يتناولون أن يرى الناس أو يطلعوا لهم عليها بفعلها قصدا لمدحهم، ونفيا للتهمة. وعن قتادة: والله لولا الناس ما صلى منافق، ويراءون يفاعلون خارج عن معنى المفاعلة، بل بمعنى التفعيل وهو لتفسيرهم الناس رائين، ويدل لهذا قراءة ابن أبى اسحاق يراءون الناس بتشديد الهمزة، وعدم ألف قبلها، ويجوز أن يكون المفاعلة على بابها، فان المرائى يظهر للناس عمله، ويظهرون له هم أيضا أنه حسن، والجملة حال من واو {قَامُوا كُسَالَى} مستأنفة. وقال أبو البقاء: بدل من قاموا كسالى، ولعله بدل اشتمال، لأن القيام كسالى يلابسه الرياء بلا جزئية وكلية، وليس عينية، وكيفة بدل الاشتمال هو مما اشتمل عليه المبدل منه اشتمال الظرف على المظروف، بل ما بينه وبين المبدل منه ملابسة بغير الجزئية والكلية فلم يبطل كلام أبى البقاء. {وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً}: الا زمانا قليلا، أو ذكرا قليلا، لأنهم انما يذكرون الله اذا حضر الناس فى حين الذكر أو مكانه كوقت الصلاة فى المسجد، وكوقت اعتيد لذكر الله أو اتفق فيه ذكر الله، أو لأن ذكرهم باللسان فقط وهو قليل بالنسبة الى ذكر غيرهم بالقلب، وقيل: الذكر الصلاة أى لا يصلون الا قليلا، وقيل: الذكر فيها أى يقللون ذكر الله فى الصلاة، لأنهم لا يقرءون فيها ولا يعظمون، ولا يسبحون ولا يقرءون التحيات، ولا يقولون ما يقول الراكع من التعظيم: بل يكبرون ويسلمون مع الناس بعد الامام فقط. قال ابن العربى فى قوله تعالى: {وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً} روى الأئمة مالك وغيره عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى اذا اصفرت الشمس وكانت بين قرنى الشيطان قام ينقر أربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا ما أقام فيه الا قليلا"تفسير : وقد بين تعالى صلاة المؤمنين بقوله: {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون}تفسير : ومن خشع خضع واستم، ولم ينقر صلاته ولم يستعجل، انتهى. وعن ابن عباس: سماه الله قليلا، لأنهم فعلوا لغير الله، ولو كان له لكان كثيرا ولو قل، وقيل: لأن الله لم يقبله ولو قبله لكان كثيرا، ولا يجوز أن يراد بالقلة العدم، لأنه يتكرر مع قوله: لا يذكرون، فلا يبقى للاستثناء فائدة كأنه قيل: لا يذكرون الله الا عدم ذكر كمن قال فى الاثبات: بعت هذه الشاة الا هذه، مشيرا للأولى فى كون كل مستثنى من نفسه، وأجازه فى الكشاف.

اطفيش

تفسير : {إنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ} يخادوعون أولياء الله بإضمار الشرك وإظهار الإسلام، فحذف المضاف تشريفاً لهم بجعل معاملتهم معاملة الله، المفاعلة بمعنى الفعل هنا، أو شبه صنيعهم مع المؤمنين بصنيع الخادع إِذ أظهروا ما يوهم إسلام قلوبهم، والمفاعلة مبالغة وحقيقة، لأن المؤمنين لم يخدعوهم كما دل قوله {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} إذ لم يقل مخادعهم، والمعنى مجازيهم على خدعهم، فسمى الجزاء الذى هو لازم خدعهم وسببه باسم الخدع، أو مجاز لعلاقة الجواز، أو مجاز مركب استعارى، بأن شبه إضمار الشرك وإظهار التوحيد، لينجو من القتل والسبى والغنم، بإظهار الشىء الحسن وإضمار السوء، ليتوصل إلى ما يريده من عدوه، وكذا شبه الله جل جلاله قبول إسلامهم فى الدنيا وإجراء أحكام الإسلام عليهم به مع عقابهم فى الآخرة بإظهار الحسن وإضمار السوء للتوصل إلأى مايراد، ومن معنى ذلك ما روى عن ابن عباس، أن هذا الخداع أنهم يعطون نوراً يوم القيامة كالمؤمنين، ويمضى المؤمنون بنورهم وينطفىء نور المنافقين {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ} مع المسلمين {قَامُوا كُسَالَى} متثاقلين، لكراهة قلوبهم لها، والواحد كسلان {يُرَآءُونَ النَّاسَ} مفاعلة بمعنى إفعال أو تفعيل، أو يظهرون الإيمان وإعماله للمؤمنين، ويظهر المؤمنون لهم القبول، فالمفاعلة فى الرؤية متحدة، والاختلاف فى متعلق الإرادة، وهذا مجاز، لأن حقيقة المفاعلة اتحاد الفعل ومتعلقه، وهنا متعلق رؤية الناس، ليس أنهم يطلبون من المنافقين أن يراهم المنافقون عابدين لله عز وجل {وَلاَ يَذْكُرُونَ الله} مطلق الذكر الشامل للصلاة، أو يصلون {إلاّ قَلِيلاً} زمانا قليلا، أو ذكرا قليلا، ويقال: إنهم يقتصرون على تكبير الإحرام والتسليم أو مع بعض القرآن والذكر، ويقال: ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب، وقيل: وصف بالقلة لأنه لم يقبل، وفيهما ضعف، لأن ما لم ينعقد أو مالم يقبل يوصف بالبطلان لا بالقلة، والصحيح ما ذكرته، قال صلى الله عليه وسلم فى صلاة المنافق "حديث : يجلس حتى إذا كانت الشمس بين قرنى الشمس قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ".

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ} أي يفعلون ما يفعل المخادع فيظهرون الإيمان ويضمرون نقيضه، وعن الحسن ـ واختاره الزجاج ـ أن المراد يخادعون النبـي صلى الله عليه وسلم على حد {أية : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10] {وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ} أي فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموال وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، وقيل: خداعه تعالى لهم أن يعطيهم سبحانه نوراً يوم القيامة يمشون به مع المسلمين ثم يسلبهم ذلك النور ويضرب بينهم بسور، وروي ذلك عن الحسن، أيضاً ـ والسدي ـ واختاره جماعة من المفسرين ـ وقد مر تحقيق ذلك ولله تعالى الحمد. والجملة في محل نصب على الحال أو معطوفة على خبر {إِنَّ} أو مستأنفة كالأولى. {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} أي متثاقلين متباطئين لا نشاط لهم ولا رغبة كالمكره على الفعل لأنهم لا يعتقدون ثواباً في فعلها ولا عقاباً على تركها، وقرىء بفتح الكاف وهما جمعا كسلان. {يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ} ليحسبوهم مؤمنين، والمراآة مفاعلة من الرؤية إما بمعنى التفعيل لأن فاعل بمعنى فعل / وارد في كلامهم ـ كنعم وناعم ـ وقراءة عبد الله وإسحق ـ يروون ـ تدل على ذلك، أو للمقابلة لأنهم لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناس والناس يرونهم وهم يقصدون أن ترى أعمالهم والناس يستحسنونها، فالمفاعلة في الرؤية متحدة وإنما الاختلاف في متعلق الإراءة، فلا يرد على هذا الشق أن المفاعلة لا بد في حقيقتها من اتحاد الفعل ومتعلقه، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا يريدون بقيامهم هذا؟ فقيل: يراءون الخ، أو حال من ضمير {قَامُواْ} أو من الضمير في {كُسَالَىٰ}. {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} عطف على {يُرَاءونَ}، وقيل: حال من فاعله أي ولا يذكرونه سبحانه مطلقاً إلا زماناً قليلاً، أو إلا ذكراً قليلاً إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب، وقيل: إنما وصف بالقلة لأنه لم يقبل وكل ما لم يقبله الله تعالى قليل وإن كان كثيراً، وروي ذلك عن قتادة، وأخرج البيهقي وغيره عن الحسن ما بمعناه. وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: ـ لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبل ـ وقيل: المراد بالذكر الذكر الواقع في الصلاة نحو التكبير والتسبيح، وإليه ذهب الجبائي، وأيد بما أخرجه مسلم وأبو داود عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً»تفسير : ، وقيل: الذكر بمعنى الصلاة لأن الكلام فيها لا بمعناه المتبادر منه، وجوز أن يراد بالقلة العدم، واستشكل توجيه الاستثناء حينئذٍ. وأجيب بأن المعنى: لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً ملحقاً بالعدم لأنه لا ينفعهم فلا إشكال، ولا يخفى ما فيه فإن القلة بمعنى العدم مجاز، وجعل العدم بمعنى ما لا نفع فيه مجاز آخر، ومع ذلك ليس في الكلام ما يدل عليه، وقال بعض المحققين: في توجيه الكلام على ذلك التقدير أن المعنى حينئذٍ لو صح أن يعد عدم الذكر ذكراً فذلك ذكرهم على طريقة قوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وفيه ـ وإن كان أهون من الأول ـ ما فيه، واستدل بالآية على استحباب دخول الصلاة بنشاط، وعلى كراهة قول الإنسان كسلت، أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يكره أن يقول الرجل إني كسلان ويتأول هذه الآية.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، فيه زيادة بيان لمساويهم. والمناسبةُ ظاهرة. وتأكيد الجملة بحرف (إنّ) لتحقيق حالتهم العجيبة وتحقيق ما عقبها من قوله: {وهو خادعهم}. وتقدّم الكلام على معنى مخادعة المنافقين الله تعالى في سورة البقرة (9) عند قوله: {أية : يخادعون الله والذين آمنوا}.تفسير : وزادت هذه الآية بقوله: وهو خادعهم} أي فقابلهم بمثل صنيعهم، فكما كان فعلهم مع المؤمنين المتبعين أمر الله ورسوله خداعاً لله تعالى، كان إمْهال الله لهم في الدنيا حتى اطمأنّوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجَا على المسلمين وأنّ الله ليس ناصرهم، وإنذارهُ المؤمنين بكيدهم حتّى لا تنطلي عليهم حيلهم، وتقديرُ أخذه إيّاهم بأخَرَة، شبيهاً بفعل المخادع جزءاً وفاقاً. فإطلاق الخداع على استدراج الله إيّاهم أستعارة تمثيلية، وحسنَّتَهْا المشاكلة؛ لأنّ المشاكلة لا تعدو أن تكون استعارة لفظ لغير معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل اللفظ المستعار. فالمشاكلة ترجع إلى التلميح، أي إذا لم تكن لإطلاق اللفظ على المعنى المراد علاقةٌ بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلاّ محاكاة اللفظ، سميّت مشاكلة كقول أبي الرقَعْمَق. قالوا:شعر : اقترْحْ شيئاً نجد لك طبخه قلتُ: أطبخوا لي جُبَّةً وقَميصاً تفسير : و«كُسالى» جمع كسلان على وزن فُعالى، والكَسلان المتّصف بالكسل، وهو الفتور في الأفعال لسآمةٍ أو كراهية. والكسل في الصلاة مؤذن بقلّة اكتراث المصلّي بها وزهده في فعلها، فلذلك كان من شيم المنافقين. ومن أجل ذلك حذّرت الشريعة من تجاوز حدّ النشاط في العبادة خشية السآمة، ففي الحديث «حديث : عليكم من الأعمال بما تطيقون فإنّ الله لا يَمَلُّ حتّى تَمَلّوا»تفسير : . ونهى على الصلاة والإنسان يريد حاجته، وعن الصلاة عند حضور الطعام، كلّ ذلك ليكون إقبال المؤمن على الصلاة بَشَرهٍ وعزم، لأنّ النفس إذا تطرّقتها السآمة من الشيء دبّت إليها كراهيته دبيباً حتّى تتمكّن منها الكراهِية، ولا خطَر على النفس مثلُ أن تكره الخير. و«كسالى» حال لازمة من ضمير {قاموا}، لأنّ قاموا لا يصلح أن يقع وحده جواباً لــــ «إذا» التي شرطها «قاموا»، لأنّه لو وقع مجرّداً لكان الجواب عين الشرط، فلزم ذكر الحال، كقوله تعالى: {أية : وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً}تفسير : [الفرقان: 72] وقول الأحوص الأنصاري:شعر : فإذا تَزُولُ تَزُولُ عن مُتَخَمِّطٍ تُخْشَى بَوادره على الأقران تفسير : وجملة {يراءَون الناس} حال ثانية، أو صفة لــــ (كسالى)، أو جملة مستأنفة لبيان جواب من يسأل: ماذا قَصْدُهم بهذا القيام للصلاة وهلاّ تركوا هذا القيام من أصله، فوقع البيان بأنّهم يُراءون بصلاتهم الناس. {ويُراءون} فعل يقتضي أنّهم يُرون الناس صلاتهم ويُريهم الناس. وليس الأمر كذلك، فالمفاعلة هنا لمجرد المبالغة في الإراءة، وهذا كثير في باب المفاعلة. وقوله: {ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً} معطوف على {يُراءُون} إن كان {يراءون} حالاً أو صفة، وإن كان {يراءون} استئناف فجملة {ولا يذكرون} حال، والواو واو الحال، أي: ولا يذكرون الله بالصلاة ألاّ قليلاً. فالاستثناء إإمّا من أزمنة الذكر، أي إلاّ وقتاً قليلاً، وهو وقت حضورهم مع المسلمين إذ يقومون إلى الصلاة معهم حينئذٍ فيذكرون الله بالتكبير وغيره، وإمّا من مصدر {يذكرون}، أي إلاّ ذكراً قليلاً في تلك الصلاة التي يُراءون بها، وهو الذكر الذي لا مندوحة عن تركه مثل: التأمين، وقول ربنا لك الحمد، والتكبير، وما عدا ذلك لا يقولونه من تسْبيححِ الركوع، وقراءةِ ركعات السرّ. ولك أن تجعل جملة {ولا يذكرون} معطوفة على جملة {وإذا قاموا}، فهي خبر عن خصالهم، أي هم لا يذكرون الله في سائر أحوالهم إلاّ حالا قليلاً أو زمناً قليلاً وهو الذكر الذي لا يخلو عنه عبد يحتاج لربّه في المنشط والمكره، أي أنّهم ليسوا مثل المسلمين الذين يذكرون الله على كلّ حال، ويكثرون من ذكره، وعلى كلّ تقدير فالآية أفادت عبوديتهم وكفرَهم بنعمة ربّهم زيادة على كفرهم برسوله وقرآنه. ثم جاء بحال تعبر عن جامع نفاقهم وهي قوله: {مُذبذبينَ بينَ ذلك} وهو حال من ضمير {يُراءون}. والمذَبْذَب اسن مفعول من الذّبْذَبة. يقال: ذبذبه فتذبذب. والذبذبة: شدّة الاضطراب من خوف أو خجل، قيل: إن الذبذبة مشتقّة من تكرير ذَبّ إذا طَرد، لأنّ المطرود يعجّل ويضطرب، فهو من الأفعال التي أفادت كثرة المصدر بالتكرير، مثل زلزل ولَمْلَم بالمكان وصلصل وكبكب، وفيه لغة بدالين مهملتين، وهي التي تجري في عاميتنا اليوم، يقولون: رجل مدبدب، أي يفعل الأشياء على غير صواب ولا توفيق. فقيل: إنّها مشتقّة من الدْبَّة ــــ بضمّ الدال وتشديد الباء الموحدة ــــ أي الطريقة بمعنى أنّه يَسلك مرّة هذا الطريق ومرّة هذا الطريق. والإشارة بقوله: {بين ذلك} إلى ما استفيد من قوله: {يُراءون الناس} لأنّ الذي يقصد من فعله إرضاء الناس لا يلبث أن يصير مذبذباً، إذ يجد في النماس أصنافاً متبايَنة المقاصد والشهوات. ويجوز جعل الإشارة راجعة إلى شيء غير مذكور، ولكن إلى ما من شأنه أن يشار إليه، أي مذبذبين بين طرفين كالإيمان والكفر. وجملة {لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} صفة لــــ {مذبذبين} لقصد الكشف عن معناه لما فيه من خفاء الاستعارة، أو هي بيان لقوله: {مذبذبين بين ذلك}. و{هؤلاء} أحدهما إشارة إلى المؤمنين، والآخر إشارة إلى الكافرين من غير تعيين، إذ ليس في المقام إلاّ فريقان فأيّها جعلته مشاراً إليه بأحد اسمي الإشارة صحّ ذلك، ونظيره قوله تعالى «فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّه». والتقدير لا هُم إلى المسلمين ولا هُم إلى الكافرين. و(إلى) متعلّقة بمحذوف دلّ عليه معنى الانتهاء، أي لا ذاهبين إلى هذا الفريق ولا إلى الفريق الآخر، والذهاب الذي دلّت عليه (إلى) ذهاب مجازي وهو الانتماء والانتساب، أي هُم أضاعوا النسبتين فلا هم مسلمون ولا هم كافرون ثابتون، والعرب تأتي بمثل هذا التركيب المشتمل على (لا) النافية مكرّرةً في غرضين: تارة يقصدون به إضاعة الأمرين، حديث : كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع «لا سَهْلٌ فيُرْتقَى ولا سمين فيُنْتَقَل» تفسير : وقوله تعالى: {أية : فَلاَ صَدَّقَ ولا صلّى}تفسير : [القيامة: 31] {أية : لا ذلول تثير الأرض وَلا تسْقي الحرث}تفسير : [البقرة: 71]. وتارة يقصدون به إثبات حالة وسَط بين حالين، كقوله تعالى: {أية : لا شرقيةٍ ولا غريبةٍ}تفسير : [النور: 35] ــــ {أية : لا فارض ولا بكر}تفسير : [المائدة: 68]، وقول زهير:شعر : فلاَ هُو أخفاها ولم يَتَقَدّمِ تفسير : وعلى الاستعمالين فمعنى الآية خفي، إذ ليس المراد إثبات حالة وسط للمنافقين بين الإيمان والكفر، لأنّه لا طائل تحت معناه، فتعيّن أنّه من الاستعمال الأول، أي ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين. وهم في التحقيق.، إلى الكافرين. كما دَلّ عليه آيات كثيرة. كقوله: {أية : الذين يتُخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}تفسير : [النساء: 139] وقوله: {أية : وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}تفسير : [النساء: 141]. فتعيّن أنّ المعنى أنهم أضاعوا الإيمان والانتماء إلى المسلمين، وأضاعوا الكفر بمفارقة نصرة أهله، أي كانوا بحالة اضطراب وهو معنى التذبذب. والمقصود من هذا تحقيرهم وتنفير الفريقين من صحبتِهم لينبذهم الفريقان. وقوله: {فلن تجد له سبيلاً} الخطاب لغير مُعّين، والمعنى: لم تجد له سيبلاً إلى الهدى بقرينة مقابلته بقوله: {ومن يضلل الله}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}. بين في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ورياء، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً، ونظيرها في ذمهم على التهاون بالصلاة. قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} تفسير : [التوبة: 54] الآية. وقوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون: 4-5] الآية. ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرح به تعالى في آيات كثيرة كقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-2] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9] وقوله: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [النور: 36-37] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يخادعون الله: بإظهارهم ما يحب وهو الإِيمان والطاعات، وإخفائهم الكفر والمعاصي. وهو خادعهم: بالسَّتر عليهم وعدم فضيحتهم، وبعدم إنزال العقوبة بهم. يراءون: أي يظهرون الطاعات للمؤمنين كأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين. مذبذبين: أي يترددون بين المؤمنين والكافرين فأي جانبٍ عز وكانوا معه. معنى الآيتين: يخبر تعالى أن المنافقين في سلوكهم الخاص يخادعون الله تعالى بإظهارهم الإِيمان به وبرسوله وهم غير مؤمنين إذ الخداع أن تري من تخادعه ما يحبه منك وتستر عليه ما يكرهه والله تعالى عاملهم بالمثل فهو تعالى أراهم ما يحبونه وستر عليهم ما يكرهونه منه وهو العذاب المعد لهم عاجلا أو آجلاً، كما أخبر عنهم أنهم إذا قاموا إلى أداء الصلاة قاموا كسالى متباطئين لأنهم لا يؤمنون بالثواب الأخروي فلذا هم يراءون بالأعمال الصالحة المؤمنين حتى لا يتهمونهم بالكفر، كما أنهم لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً قليلاً في الصلاة وخارج الصلاة، وذلك لعدم إيمانهم بالله تعالى وعدم حبهم له كما أخبر عنهم بأنهم مذبذبون بين الكفر والإِيمان والمؤمنين والكافرين فلا إلى الإِيمان والمؤمنين يسكنون، ولا إلى الكفر والمنافقين يسكنون فهم في تردد وحسرة دائمون، وهذه حال من يضله الله فإن من يضلل الله لا يوجد لهدايته سبيلٌ. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان صفات المنافقين. 2- قبح الرياء وذم المرائين. 3- ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإِكثار منه في قوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} تفسير : [الأحزاب: 41]. 4- ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها.

القطان

تفسير : يخادعون الله: يحاولون خداعه. كُسالى: جمع كسلان. يراؤون الناس: يعملون من أجل أن يراهم الناس وهم لا يؤمنون. مذبذبين: مترددين لا يستقرون على حال. ان المنافقين يحسبون انهم يخدعون الله ويخفون عنه حقيقة أمرهم، وهو يكشف خداعهم لا محالة، فيُمهلهم يرتعون في شرهم، ثم يحاسبهم على ما يفعلون. واذا قام هؤلاء المنافقون إلى الصلاة قاموا متثاقلين بدون رغبة ولا ايمان. إنهم يخشون الناس فيوهمونهم انهم مؤمنون، كما يعملون الاعمال الطيبة لمجرد الرياء، حتى يراهم المؤمنون ويظنوهم منهم. وهم لا يذكرون الله الا نادرا، ويظلّون مذبذبين تارة مع المؤمنين وتارة مع الكافرين، لأنهم طلاب منافع، ومن قضت سُنته تعالى ان يكون ضالاً عن الحق، فلن تجد له سبيلا للهداية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُنَافِقِينَ} {يُخَادِعُونَ} {خَادِعُهُمْ} {ٱلصَّلاَةِ} (142)- يَعْتَقِدُ المُنَافِقُونَ، جَهْلاً مِنْهُمْ وَسَفَهاً، أنَّ أمُورَهُمْ رَاجَتْ عِنْدَ النَّاسِ لِمَا أظْهَرُوهُ لَهُمْ مِنَ الإِيمَانِ وَأبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ، وَأنَّ نِفَاقَهُمْ سَيَرُوجُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أيْضاً، كَمَا رَاجَ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ جَهِلَ هَؤُلاءِ المَخْدُوعُونَ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَسْلَكِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ، وَهُوَ يَخْدَعُهُمْ إذْ يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ، وَضَلاَلِهِمْ، وَيَخْدَعُهُمْ عَنِ الحَقِّ وَالوُصُولِ إليهِ، فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ خِدَاعَهُ تَعَالَى لَهُمْ هُوَ أنْ يُعْطِيَهُمْ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ يَمْشُونَ بِهِ مَعَ المُؤْمِنينَ، فَإِذا وَصَلُوا إلى الصِّرَاطِ انْطَفَأ نُورُهُمْ وَبَقُوا فِي ظُلْمَةٍ). وَمِنْ صِفَةِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ أنَّهُمْ حَتَّى فِي الصَّلاَةِ، التِي هِيَ أعْظَمُ الفَرَائِضِ وَالقُرُبَاتِ إلى اللهِ، لا يُؤَدُّونَها إلاّ وَهُمْ كُسَالَى، لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِيهَا، لأنَّهُمْ لا نِيَّةَ لَهُمْ، وَلا إيمَانَ لَهُمْ، وَلا يَفْقَهُونَ مَعْنَى الصَّلاَةِ، وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالصَّلاةِ أمَامَ النَّاسِ، تَقِيَّةً وَمُصَانَعَةً، وَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ لاَهُونَ لاَ يَخْشَعُونَ، وَلا يَذْكُرُونَ الله إلاّ قَلِيلاً.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} قد مرّ تفسيره. {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي يجازيهم جزاء خداعهم، وذلك أنهم على الصراط يعطون نوراً كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا على الصراط [يسلبهم ذلك النور] ويبقى المؤمنون ينظرون بنورهم فينادون المؤمنين {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} تفسير : [الحديد: 13] فيناديهم الملائكة على الصراط {أية : ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} تفسير : [الحديد: 13] وقد علموا أنهم لايستطيعون الرجوع [فيشفق] المؤمنون حينئذ من نورهم أن يطفىء فيقولون : {أية : رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [التحريم: 8] {وَإِذَا قَامُوۤا} يعني [تهيّأوا] {قَامُواْ كُسَالَىٰ} يعني متثاقلين، يعني لايريدون بها [وجه] الله فإن رآهم أحد صلّوا وإلاّ انصرفوا ولم يصلّوا {يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} يعني المؤمنين بالصلاة {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} ابن عباس والحسن : إنما قال ذلك لأنهم يصلونها رياء وسمعة ولو كانوا يريدون بذلك وجه الله عز وجل لكان ذلك كثيراً. قتادة : إنما قلّ ذكر المنافقين لأن الله عز وجل لم يقبله وكما ذكر الله قليل وكلما قبل الله كثير {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمسلمين، فليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار فلا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. [القاسم بن طهمان] عن قتادة : ماهم بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي طريقاً إلى الهدى. وذكر لنا ان نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن والمنافق والكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر أن هلمّ إليّ فإني أخشى عليك وناداه المؤمن هلمَّ إلي فأن عندي الهدى وكفى له ما عنده، فما زال المنافق يتردد منهما حتّى أتى على أذى فعرفه فإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. وروى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "حديث : إنّما مثل المنافق مثل الشاة العايرة من الغنمين يبدي إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لايدري أيهما يتبع ". تفسير : ثم ذكر المؤمنين ونهاهم عن الإتيان بما أتى المنافقون. فقال تعالى {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} يعني في أسفل برج من النار، والدُرك والدَرك لغتان مثل الطُعن والطَعن والنُهَر والنَهر واليُبس واليَبس. قال عبد الله بن مسعود : الدرك الأسفل من النار توابيت مقفلة في النار تطبق عليهم {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} [عوناً]. عن عوف عن أبي المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر قال : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون. قال الثعلبي : وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى فأما أصحاب المائدة فقوله عز وجل {أية : فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المائدة: 115]، وأما آل فرعون فقوله تعالى : {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46]، وأما المنافقون فقوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} [النساء: 145]. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} من النفاق {وَأَصْلَحُواْ} عملهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} أي وثقوا بالله {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على دينهم. قال الفراء : مع المؤمنين تفسيره من المؤمنين. قال القتيبي : حاد عن كلامهم غيظاً عليهم فقال (فأولئك مع المؤمنين)، ولم يقل فأولئك هم المؤمنون {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في الآخرة {أَجْراً عَظِيماً} وهي الجنة وإنما حذفت الياء من : يؤتي في الخط كما حذف في اللفظ لأن الياء سقطت من اللفظ لسكونها وسكون اللام في الله وكذلك قوله {أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} تفسير : [ق: 41] حذفت الياء في (الخط) لهذه العلة وكذلك {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق: 18] {أية : يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 6] قالوا : والياء هذه حذفت لالتقاء الساكنين. وأما قوله {أية : مَا كُنَّا نَبْغِ} تفسير : [الكهف: 64] حذفت لأن الكسرة دلت على الياء فحذفت لثقل الياء، وقد قيل حذفت الياء من المناد والدّاع لأنك تقول : داع ومناد حذفت اللام بها كما حذفت قبل دخول الألف واللام. وأما قوله تعالى {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} تفسير : [الفجر: 4] فحذفت الياء لأنها مابين آية ورؤس الآية يجوز فيها الحذف {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} نعماه {وَآمَنْتُمْ} به وفي الآية تقديم، وتأخير، تقديرها ما يفعل الله بعذابكم ان آمنتم وشكرتم لأن الشكر لاينفع مع عدم الإيمان بالله والله تعالى عرف خلقه بفضله على ان تعذيبه عباده لايزيد في ملكه. وتركه عقوبتهم على افعالهم، لاينقص من سلطانه {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً} للقليل من اعمالكم {عَلِيماً} بإضعافها لكم إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف. قال أهل اللغة : أصل الشكر إظهار النعمة والتحدث بها. قال الله تعالى {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } تفسير : [الضحى: 11] وذكر بعض أهل اللغة إن الشكر مأخوذ من قول العرب لغة شكور إذا كان يظهر سمنها على القليل من العلف فكان الله تعالى سمّى نفسه شاكراً إلا أنه يرضى من عباده بالقليل من العبادة، بعد رتبة التوحيد. وقال بعض المعتزلة : إن الوصف لله بأنه شكور وشاكر على جهة المجاز لأن الشكر في الحقيقة هو الاعتراف بنعم المنعم فلما كان القديم تعالى ذكره مجازياً للمطيعين على طاعتهم سمي مجازاته إياهم عليها شكراً على التوسعة، وليس الحمد عنده هو الشكر لأن الحمد ضد [الذم] والشكر ضد الكفر، فيقال له : إن لم يجز أن يكون الباري تعالى شاكراً على الحقيقة لما ذكرته لم يجز أن يكون مثيباً، لأن المثيب من كافى غيره على نعمة [قدمت] إليه ابتداءً، [وإلاّ لم يجزيه] أن يكون شاكراً في الحقيقة، والشكر من الله تعالى الثواب. ومن العباد الطاعة وحقيقة مقابلة الطاعة بغيرها، فإذا قابلت أوامر الله بطاعتك فقد شكرته وإذا قابلك الله طاعتك بثوابه فقد شكرك عليها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعرف واقع المنافقين أنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ ويوضح الحق: إياكم أن تظنوا أن في قدرة مخلوق أن يفعل شيئاً بدون علم الله، وقد يمكر إنسان بك، وهو يعلم أنك تعلم بمكره، فهل هذا مكر؟ لا؛ لأن المكر هو الأمر الذي يتم خفية بتدبير لا تعلمه، والأصول في المكر ألا يعلم الممكور به شيئاً. والمنافقون حين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر يخادعون من يعلم خافية الصدور. وكان يجب أن يأخذوا درساً من معاملة الله بوساطة المؤمنين لهم، فقد صان المؤمنون دم المنافقين ومالهم. وأجرى المسلمون على المنافقين أحكام الإسلام، لكن ما الذي يبيته الله لهؤلاء المنافقين؟ لقد بيت لهم الدرك الأسفل من النار. فمن الأقدر - إذن - على الخداع؟ إن الذكي حقاً هو من لا يخدع من يعلم أنه قادر على كشف الخداع. وكلمة "خدع" تعني مكر به مكراً فيبدي له قولاً وفعلاً ويخفى سواهما حتى يثق فيه. وبعد ذلك ينفذ المكر. وهناك كلمة "خدع" وكلمة "خادع". والحق في هذه الآية لم يقل إن الله يخدعهم، بل قال: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}. و "خادع" تعني حدوث عمليتين، مثل قولنا: قاتل فلان فلانا. فالقتال يحدث بين طرفين, وكذلك نقول: شارك فلان فلانا؛ لأن مادة "فاعل" تحتاج إلى طرفين. لكن عندما نقول "قتل"، فالفعل يحدث من جانب واحد. والخداع يبدأ من واحد، وعندما يرى الشخص الذي يُراد خداعه أن خصمه أقوى منه فإنه يبيت له خداعاً آخر، وتسمى العملية كلها "مخادعة"، ويقال: خادعه فخدعه إذا غلبه وكان أخدع منه. ومن إذن الذي غلب؟ إن الذي بيَّت الخداع رداً على خداع خصمه هو الغالب. ولأن الخداع يحدث أولاً، وبعد ذلك يتلقى "المخدوع" الأمر بتبييت أكبر؛ فهو "خادع"، والذي يغلب نقول عنه: "أخدعه" أي أزال خداعه. والله سبحانه وتعالى عاملهم بمثل ما أرادوا أن يعاملوا به المؤمنين، فالمنافقون أظهروا الإيمان أولاً وأضمروا الكفر، وأعطاهم الله في ظاهر الأمر أحكام المسلمين، وفي الباطن قرر أن يعذبهم عذاب الكافرين بل وأشد من ذلك؛ لأنهم سيكونون في الدرك الأسفل من النار. {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وإياك أيها المسلم أن تشتق من هذه العملية اسما لله وتقول "المخادع"؛ لأن أسماء الله توقيفية أي لا نسمي الله إلا بالأسماء التي سمَّى بها نفسه. وسبحانه يفعل الفعل، لكن لا تأخذ من هذا الفعل اسماً، والحق يعطينا هنا "مشاكلة" ليوضح لنا أن المنافقين يمكرون ويبيتون شراً للمؤمنين، وأنت أيها المسلم تعرف أن الإنسان إنما يبيت الشر على قدر طاقته التي مهما كبرت فهي محدودة بجانب طلاقة قدرة الله. ولذلك يفضح الله هذا الشر المبيت من هؤلاء المنافقين، وهم حين يمكرون فالله بطلاقة قدرته يمكر بهم أي يبطل مكرهم ويجازيهم على سوء فعلتهم، ولا نقول: "الله ماكر". ولله أن يقول في الفعل المشاكل ما يشاء. {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ}. إن الغايات من الأحداث هي التي تضفي على الجوارح الإقبال على الأحداث، فإذا كنت تحب الحدث الذي تقبل عليه فأنت تقبل عليه بكل اشتياق ولهفة. ويقيسون لهفة اللقاء لأنها تحدد درجة المحبة. والشاعر العربي يصف لقاء حبيب بحبيبته: شعر : لقاء الاثنين يبين حَدَّهْ تلهف كَيْفٍ واستطالة مًدَّهْ تفسير : فلحظة اللقاء تبين ما بين الحبيبين من مودة، فإن كانت المسألة بينهما عشر خطوات فهما يسرعان باللهفة فيقطعان العشر خطوات في ثلاث خطوات، وهذا معناه تقصير زمن الابتعاد، وكذلك تظهر الكيفية التي يتم بها السلام درجة المودة، فقد يسلم أحدهما على الآخر ببرود أو بنصف ود، أو بود كبير، أو بود مصحوب بلهفة وأخذ متبادل بالأحضان؛ وكذلك المدة التي يحتضن كلاهما الآخر، هل هي دقيقة أو دقيقتان أو ثلاث؟ إذن فالذي يبين قيمة الود: التلهف، الكيفية، المدة. وهذه العناصر الثلاثة أخذها الشعراء للتعبير عن المودة والحب بين البشر، وقديماً كان الذين يُتَيَّمون بالنساء يسترون في السلام مودتهم. وفي الحصارة الغربية التي سقطت فيها قيم الأديان نجد أن الرجل يتلقى المرأة بالقبلات. وفي بعض البلاد نجد الرجل يصافح المرأة، فهل يصافحها بتلهف، وهل تبادله هذه اللهفة؟ فإن وجدت الكف مفردة ومبسوطة للمصافحة فقط فهذا سلام عادي. أما إذا ثنى أحدهما إصبعه البنصر على كف الآخر فعليم أن ترى أي طرف هو الذي قام بثني أصبعه ليحتضن اليد كلها في يده، فإن كان ذلك من الرجل فاللهفة منه، وإن كان من المرأة فاللهفة منها، وإن كان من الاثنين فاللهفة منهما معا، ثم ما المدة التي يستغرقها بقاء اليد في اليد؟ وقد يحلو لكليهما معاً - رجل وامرأة - وكأن الكلام قد أخذهما فنسي كل منهما يده في يد الآخر. شعر : سلام نوعين يبين حَدَّهْ تلهف كيف واستطالة مُدَّهْ تفسير : هكذا يقابل الإنسان الأحداث، فإن كان الحدث ساراً فالإنسان يقبل عليه بلهفة. وإن كان غير ذلك فالإنسان يقوم إليه متثاقلاً. وكان المنافقون يقومون إلى الصلاة بتثاقل وتكاسل: {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} كأنهم يؤدون الصلاة كستار يخفون به نفاقهم، ويستترون بها عن أعين المسلمين. ولم يكن قيامهم للصلاة شوقاً إلى لقاء الله مثلما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال - رضي الله عنه - طالبا منه أن يؤذن للصلاة: "حديث : يا بلال أرحنا بالصلاة ". تفسير : لأن المؤمن يرتاح عندما يؤدي الصلاة، أما المنافق فهي عملية شاقة بالنسبة إليه لأنه يؤديها ليستتر بها عن أعين المسلمين ولذلك يقوم إليها بتكاسل. {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}. هم يقيمون الصلاة ظاهرياً أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم غيرهم وهم يصلون. وفي الصلاة التي يراءون بها الناس لا يقولون كل المطلوب منهم لتمامها، يقولون فقط المطلوب قوله جهراً. كأن يقرأوا الفاتحة وبعض القرآن ولكنهم في أثناء الركوع لا يسبحون باسم الله العظيم وكذلك في السجود لايسبحون باسم الله الأعلى. ففي داخل كل منافق تياران متعارضان.. تيار يظهر به مع المؤمنين وآخر مع الكافرين. والتيار الذي مع المؤمنين يجبر المنافق على أن يقوم إلى الصلاة ويذكر الله قليلاً، والتيار الذي مع الكافرين يجعله كسولاً عن ذلك، ولا يذكر الله كثيرا. وإذا ما حسبنا كم شيئا يجهر به المصلي وكم شيئاً يجريه سراً فسنجد أن ما يجريه المصلي سراً في أثناء الصلاة أكثر من الجهر. ففي الركوع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، ويقول: سبحان ربي الأعلى، في كل سجود ثلاث مرات، أما المنافق فلا يذكر الله إلا جهراً، وهو ذكر قليل. ونجد المنافق لا يفعل فعلاً إلا إذا كان مَرْئيا ومسموعا من غيره، هذا هو معنى المراءاة. أما الأعمال والأقوال التي لا تُرَى من الناس ولا تُسمع فلا يؤديها. ولا يهز المجتمعات ولا يزلزلها ويهدُّها إلا هذه المراءاة؛ لأن الحق سبحانه يحب أن يؤدي المسلم كل عمل جاعلاً الله في باله، وهو الذي لا تخفى عليه خافية. ويلفتنا إلى هذه القضية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول عن الإحسان: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". تفسير : وإذا كان الإنسان يخجل من أن يغش واحداً مثله من البشر غشاً ظاهرياً فما بالنا بالذي يحاول غش الله وهو يعلم أن الله يراه؟ ولماذا يجعل ذلك العبد ربه أهون الناظرين إليه؟ وعندما يغش واحداً آخر واكتشف الآخر غشه فهو يعاقبه فما بالنا بغش الله؟! ولذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل لنا حال المرائي للناس فيقول: "حديث : إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله - عز وجل - يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟ ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة "يا فاجر" "يا غادر" "يا مرائي" ضل عملك وحبط أجرك فخذ أجرك ممن كنت تعمل له ". تفسير : إذن فالمنافق إنما يخدع نفسه، هو يتظاهر بالصلاة ليراه الناس. ويزكي ليراه الناس، ويحج ليراه الناس، هو يعمل ما أمر الله به، لكنه لا يعلمه الله، ولذلك قال القرآن: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39] وقال عن لون ثان من نفاقهم: {أية : كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264] والصفوان هو الحجر الأملس تماما وهو الذي ليس فيه خشونة، لأن الحجر إن كان به جزء من خشونة وعليه تراب ثم سقط عليه المطر، فالتراب يتخلل الخشونة. أما الحجر الأملس فمن فور نزول المطر ينزلق من عليه التراب. ومن يرائي المؤمنين عليه أن يأخذ أجره ممن عمل له. ويستكمل الحق وصف الحالة النفسية للمنافقين فيقول: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أمارات المنافقين وعلامات المخادعين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ} [النساء: 142]، إشارة في الآيتين: أن المنافقين غنما يخادعون في الدنيا؛ لأن الله {خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] في الأزل عند رش نوره على الأرواح، وذلك أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فلما رش نوره أصاب الأرواح المؤمنين وأخطأ أرواح المنافقين والكافرين، ولكن الفرق بين المنافق والكافر أن المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا أنهم يصيبهم فأخطأهم، وأرواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم تصبهم، فإن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش إذا ما أصابهم، فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ} [النساء: 142]، من نتائج حرمانهم إصابة النور، {قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} [النساء: 142]، كأنهم يراؤونهم النور {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142]؛ لأنهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبي لا بلسان الباطن القلبي، والقالب من الدنيا وهي قليلة قليل ما فيها، والقلب من الآخرة وكثيرة كثير ما فيها، فالذكر الكثير من لسان القلب كثير، والفلاح في الذكر الكثير لا في القليل، كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} تفسير : [الأنفال: 45]؛ أي: بلسان القلب {أية : لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}تفسير : [الأنفال: 45]، ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلاً كلما أفلحوا به، وإنما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر؛ لأنه شاهد رش النور ظاهراً من العبد ولم يصبه، فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحاً به، كما قال تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الزمر: 22]، فهو على نور من ربه؛ أي: على نور مما رش به ربه، ومعدن النور هو القلب، وإذا كان قلبه ذاكراً لله النور فإنه يصير لسان القلب، فقليل الذكر منه يكون كثيراً، فافهم جيداً. فلما كان أرواح المنافقين مترددة متحيرة بين رشاش النور وبين ظلمة الخلقية، لا إلى هؤلاء الذين أصابهم النور، ولا إلى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش، كذلك كانوا {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ} [النساء: 143] المؤمنين والكافرين، {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} [النساء: 143] بأخطاء ذلك النور، كما قال: ومن أخطأه فقد ضل {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 143] هاهنا إلى ذلك النور، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40] قسمته من ذلك النور المرشش، فماله اليوم نصيب من نور الهداية والله أعلم. ثم أخبر عن منازل المنافقين باتخاذهم الأولياء من الكافرين ونهى عن المؤمنين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144]، والإشارة فيها: إن النهي في قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144]، نهي التكوين؛ يعني: ما كونهم مستعدين لاتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين؛ لأن المؤمنين خلقت أرواحهم في غير صف أرواح الكافرين، حيث كانت الأرواح جنود مجندة فكان بين أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين تعارف يأتلفون به هاهنا من دون المؤمنين، إنما قيد موالاتهم بقوله تعالى {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144]؛ لأن موالاتهم على نوعين: أحدهما: ما يكون بمناسبة كلية بين الأرواح بأن يكونوا في صف واحد، فتلك المناسبة بين الكافرين والمنافقين موالاة حقيقية، وهذا هو الذي نهى عنه المؤمنون نهي التكوين، وبهذا النوع يتخذ المنافقون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. والنوع الثاني: ما يكون من أدنى مناسبة يكون بين الأرواح وإنما يكونوا في صف واحد، بل يكون لمحذاة أرواحهم في الصفوف، فتلك المناسبة تكون بين المؤمنين والكافرين صورة موالاة دنيوية معلولة في بعض الأوقات، ولا يكون لها إثبات ولا ينقطع موالاته مع المؤمنين في الدين البتة، ويرجع المؤمن من موالاتهم البتة يوماً، ثم قال تعالى لمن آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144]، {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 144]؛ يعني: بعد أن خلقكم في صف أرواح الكافرين وأخطأكم رشاش النور حتى إئتلفتم هاهنا مع الكفار، {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 144]، في عقابكم يوم القيامة باتخاذكم الكفار أولياء، {سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 144]، عذراً واضحاً وبرهاناً لائحاً {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} [النساء: 145]؛ يعني: الذي آمنوا باللسان ولم تؤمن قلوبهم وهذا أحوالهم فهم المنافقون، ومنازلهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأن أرواحهم كانت في آخر الصفوف وأسفلها، {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} [النساء: 145] في الإخراج عن الدرك الأسفل؛ لأنهم أفسدوا استعداد صفاء الروحانية الكلية بالنفاق ورينه بخلاف الكافر؛ لأن الكافر وإن أفسد برين الكفر صفاء روحه، ولكن ما أضيف إلى رين كفره رين النفاق فكان لرين كفره منفذ من القلب إلى اللسان فيخرج بحاره من لسانه بإظهار الكفر، وكان للمنافق مع كفره ورين الكفر ورين النفاق زائد، ولم يكن لبخل رينه منفذ إلى لسانه، فكان لنجارات الكفر ورين النفاق منفذ ينفذ إلى صفاء الروحانية فلم يبق له الخروج عن هذا الأسفل، ولم ينصره نصير بإخراجه؛ لأنه مخذول الحق في آخر الصفوف. وقال تعالى: {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 160]؛ يعني: في خلق أرواحكم في صف أرواح المؤمنين {أية : فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 160] بأن يردكم إلى صف أرواح الكافرين، {أية : وَإِن يَخْذُلْكُمْ}تفسير : [آل عمران: 160] بأن يخلق أرواحكم في صف أرواح الكافرين، {أية : فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} تفسير : [آل عمران: 160] بأن يخرجكم إلى صف المؤمنين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه، من قبيح الصفات وشنائع السمات، وأن طريقتهم مخادعة الله تعالى، أي: بما أظهروه من الإيمان وأبطنوه من الكفران، ظنوا أنه يروج على الله ولا يعلمه ولا يبديه لعباده، والحال أن الله خادعهم، فمجرد وجود هذه الحال منهم ومشيهم عليها، خداع لأنفسهم. وأي خداع أعظم ممن يسعى سعيًا يعود عليه بالهوان والذل والحرمان؟!! ويدل بمجرده على نقص عقل صاحبه، حيث جمع بين المعصية، ورآها حسنة، وظنها من العقل والمكر، فلله ما يصنع الجهل والخذلان بصاحبه. ومن خداعه لهم يوم القيامة ما ذكره الله في قوله: {أية : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } تفسير : إلى آخر الآيات. " وَ " من صفاتهم أنهم { إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ } -إن قاموا- التي هي أكبر الطاعات العملية { قَامُوا كُسَالَى } متثاقلين لها متبرمين من فعلها، والكسل لا يكون إلا من فقد الرغبة من قلوبهم، فلولا أن قلوبهم فارغة من الرغبة إلى الله وإلى ما عنده، عادمة للإيمان، لم يصدر منهم الكسل، { يُرَاءُونَ النَّاسَ } أي: هذا الذي انطوت عليه سرائرهم وهذا مصدر أعمالهم، مراءاة الناس، يقصدون رؤية الناس وتعظيمهم واحترامهم ولا يخلصون لله، فلهذا { لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا } لامتلاء قلوبهم من الرياء، فإن ذكر الله تعالى وملازمته لا يكون إلا من مؤمن ممتلئ قلبه بمحبة الله وعظمته. { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ } أي: مترددين بين فريق المؤمنين وفريق الكافرين. فلا من المؤمنين ظاهرا وباطنا، ولا من الكافرين ظاهرا وباطنا. أعطوا باطنهم للكافرين وظاهرهم للمؤمنين، وهذا أعظم ضلال يقدر. ولهذا قال: { وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلا } أي: لن تجد طريقا لهدايته ولا وسيلة لترك غوايته، لأنه انغلق عنه باب الرحمة، وصار بدله كل نقمة. فهذه الأوصاف المذمومة تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون بضدها، من الصدق ظاهرا وباطنا، والإخلاص، وأنهم لا يجهل ما عندهم، ونشاطهم في صلاتهم وعباداتهم، وكثرة ذكرهم لله تعالى. وأنهم قد هداهم الله ووفقهم للصراط المستقيم. فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين وليختر أيهما أولى به، وبالله المستعان.