٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
144
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. أعلم أنه تعالى لما ذم المنافقين بأنهم مرة إلى الكفرة ومرة إلى المسلمين من غير أن يستقروا مع أحد الفريقين نهى المسلمين في هذه الآية أن يفعلوا مثل فعلهم فقال: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } والسبب فيه أن الأنصار بالمدينة كان لهم في بني قريظة رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من نتولى؟ فقال: المهاجرين؟ فنزلت هذه الآية. والوجه الثاني: ما قاله القفال رحمه الله: وهو أن هذا نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين يقول: قد بينت لكم أخلاق المنافقين ومذاهبهم فلا تتخذوا منهم أولياء. ثم قال تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } فإن حملنا الآية الأولى على أنه تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار كان معنى الآية أتريدون أن تجعلوا لله سلطاناً مبيناً على كونكم منافقين، والمراد أتريدن أن تجعلوا لأهل دين الله وهم الرسول وأمته، وإن حملنا الآية الأولى على المنافقين كان المعنى: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم للمنافقين ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} مفعولان؛ أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم؛ وقد تقدّم هذا المعنى. {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي في تعذيبه إياكم بإقامته حجته عليكم إذ قد نهاكم.
البيضاوي
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فإنه صنيع المنافقين ودينهم فلا تتشبهوا بهم، {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} حجة بينة فإن موالاتهم دليل على النفاق أو سلطاناً يسلط عليكم عقابه.
ابن كثير
تفسير : ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني: مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 28] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، ولهذا قال ههنا: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: قوله: {سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} قال: كل سلطان في القرآن حجة، وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي والنضر بن عربي. ثم أخبرنا تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} أي: يوم القيامة؛ جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي عن ابن عباس: {فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} أي: في أسفل النار، وقال غيره: النار دركات، كما أن الجنة درجات، وقال سفيان الثوري عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} قال: في توابيت ترتج عليهم، كذا رواه ابن جرير عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري به. ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله، يعني: ابن مسعود: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} قال: في توابيت من نار تطبق عليهم، أي: مغلقة مقفلة، ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم، ومعنى قوله: مبهمة، أي: مغلقة مقفلة، لا يهتدى لمكان فتحها. وروى ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد ابن سلمة، أخبرنا علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن: أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب، ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا، تاب عليه، وقبل ندمه، إذا أخلص في توبته، وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} أي: بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح، وإن قل. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمران عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : أخلص دينك، يكفك القليل من العمل»تفسير : . {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: في زمرتهم يوم القيامة {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً}. ثم قال تعالى مخبراًعن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال تعالى: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ} أي: أصلحتم العمل، وآمنتم بالله ورسوله {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً} أي: من شكر، شكر له، ومن آمن قلبه به، علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَبِيلاً يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ } بموالاتهم {سُلْطَٰناً مُّبِيناً } برهاناً بَيِّنا على نفاقكم؟
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس. والثاني: إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد. والثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن، والسدي. والرابع: إلا أن يكون ضيفاً، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. ثم قال بعد أن أباح بالسوء من القول لمن كان مظلوماً: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ} يعني خيراً بدلاً من السوء، أو تخفوا السوء، وإن لم تبدوا خيراً اعفوا عن السوء، كان أولى وأزكى، وإن كان غير العفو مباحاً.
ابن عطية
تفسير : خطابه تعالى للمؤمنين، يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان، ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله تعالى: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً} لأن التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي إلى هذه الحال، والمؤمنون المخلصون مما ألموا قط بشيء من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى: {من دون المؤمنين} أي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه، و"السلطان": الحجة، وهي لفظة تؤنث وتذكر، والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن حيث وقع، والسلطان إذا سمي به صاحب الأمر فهو على حذف مضاف، والتقدير: ذو السلطان أي ذو الحجة على الناس، إذ هو مدبرهم، والناظر في منافعهم، ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم {في الدرك الأسفل} من نار جهنم، وهي ادراك بعضها فوق بعض سبعة طبقة على طبقة، أعلاها هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر هم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من الكفار وأشد تمكناً من أذى المسلمين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "في الدرَك" مفتوحة الراء، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب "في الدرْك" بسكون الراء، واختلف عن عاصم فروي عنه الفتح والسكون، وهما لغتان، قال أبو علي: كالشمع والشمع ونحوه، وروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم قالوا: المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل عليهم، و"النصير": بناء مبالغة من النصر، ثم استثنى عزو جل التائبين من المنافقين، ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله منعته وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقال حذيفة بن اليمان بحضرة عبد الله بن مسعود: والله ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، فقال له عبد الله بن مسعود: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة وتنحى، فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه وقال: أما إن صاحبكم يعلم الذي قلت، ثم تلا {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا} الآية، وأخبر تعالى أنهم مع المؤمنين في رحمة الله وفي منازل الجنة، ثم وعد المؤمنين "الأجر العظيم" وحذفت الياء من {يؤت} في المصحف تخفيفاً قال الزجّاج: لسكونها وسكون اللام في {الله} كما وحذفت من قوله {أية : يوم يناد المناد} تفسير : [ق: 41] وكذلك {أية : سندع الزبانية} تفسير : [العلق:18] وأمثال هذا كثير, و "الأجر العظيم": التخليد في الجنة، ثم قال تعالى للمنافقين، {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} الآية، أي: أي منفعة له في ذلك أو حاجة؟ والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على جلالة موقعه، ثم وعد الله تعالى بقوله: {وكان الله شاكراً عليماً} أي يتقبل أقل شيء من العمل وينميه، فذلك شكر منه لعباده، والشكور من البهائم الذي يأكل قليلاً ويظهر به بدنه، والعرب تقول في مثل أشكر من بروقة، لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر، وفي قوله {عليماً} تحذير وندب إلى الإخلاص.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...} الآية: خطابه سبْحَانه للمؤُمنينَ يَدْخُلُ فيه بحُكْمِ الظاهرِ المنافقُونَ المظهرُونَ للإيمان، ففِي اللفْظِ رفْقٌ بهم، وهم المرادُ بقوله سبحانه: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}؛ لأنَّ هذا التوقيفَ إنما هو لِمَنْ أَلَمَّ بشيء مِنَ الفعل المؤَدِّي إلَىٰ هذه الحالِ، والمؤمنون المُخْلِصُونَ ما أَلَمّوا قَطُّ بَشْيءٍ مِنْ ذلك، ويُقَوِّي هذا المَنْزَعَ قولُهُ تعالَىٰ: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: والمؤمنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُون غُيَّبٌ عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين والمُخْلِصِينَ، بل المعنَىٰ: يأيها الذين أظهروا الإيمان، وٱلْتَزَمُوا لَوَازمه، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة. ثم أخبر تعالَىٰ عن المنافقين؛ أنهم في الدَّرْك الأسفلِ مِنْ نارِ جهنَّم؛ وذلك لأنهم أسْرَىٰ غَوَائِلَ من الكُفَّار، وأشَدُّ تَمَكُّناً مِنْ أَذَى المُسْلمين؛ قُلْتُ: وأيضاً لأنهم شاهَدُوا مِنْ معجزاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما جَعَلَ اللَّه علَىٰ يدَيْه مِنَ الخوارِقِ ما لَمْ يُشَاهِدْ غيرهم من الكفار، فكانَتِ الحجَّةُ علَيْهم أعْظَمَ، وكان كُفْرهم محْضَ عنادٍ، ورُوِيَ عن أبي هريرة، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما؛ أنَّهُمْ قالوا: المنافقُونَ في الدَّرْك الأسفل من النار، في تَوَابِيتَ من النَّارِ تُقْفَلُ عليهم، ثم استثنَىٰ عَزَّ وجلَّ التائِبِينَ مِنَ المنافقين، ومِنْ شروط التائِبِ؛ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، ويعتصمَ باللَّه، أيْ: يجعلَهُ مَنَعَتَهُ، وملْجَأَه، ويُخْلِصَ دينَهُ للَّه تعالى، وإلاَّ فليس بتائِب، وقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: في رحمة اللَّه سبحانه، وفي منازلِ الجَنَّة، ثم وَعَدَ سبحانه المُؤْمِنينَ الأجْرَ العظيمَ، وهو التخليدُ في الجَنَّة. وقال * ص *: {فَأُوْلَـٰئِكَ}: خبره مُضْمَر، والتقدير: فأولئك مؤمِنُونَ مع المؤمنين؛ قاله أبو البَقَاء. انتهى. ثم قال سبحانه للمنافقين: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ...} الآية: أيْ: أَيُّ منفعةٍ له سبحانه في ذلك أوْ حاجَةٍ؟! قال أبو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: زعم الطبريُّ؛ أنَّ قوله تعالَىٰ: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ}: خطابٌ للمنافقين، ولا يكادُ يقُومُ له علَىٰ ذلك دليلٌ يقطَعُ به، وليس في ذِكْرِ المنافقينَ قَبْلَهُ ما يقتَضِي أنْ يُحْمَلَ عليهم خاصَّةً، مع ٱحتمال الآية للعُمُومِ، فقطْعُهُ بأنَّ الآية في المنافِقِينَ حُكْمٌ لا يقُومُ به دليلٌ. انتهى، وهو حَسَنٌ؛ إذ حمل الآية على العُمُومِ أحْسَنُ. والعَجَب من * ع *: كيف تَبِعَ الطبريُّ في هذا التَّخْصيصِ، ويظهر ـــ واللَّه أعلم ـــ أنهما عَوَّلا في تخصيصِ الآيةِ علَىٰ قوله تعالى: {وَءَامَنتُمْ}، وهو محتملٌ أن يحمل في حَقِّ المنافقين علَىٰ ظاهره، وفي حقِّ المؤمنين علَىٰ معنى: «دُمْتُمْ علَىٰ إيمانكم»، واللَّه أعلم. والشُّكْرُ على الحقيقة لا يَكُونُ إلاَّ مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً علَىٰ جلالة موقعه، ثم وَعَدَ سبحانه بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً}: أيْ يتقبَّل أقلَّ شيء مِنَ العَمَل، وينَمِّيه؛ فذلك شُكْرٌ منه سبحانه لعباده، والشَّكُورُ من البهائمِ: الَّذي يأكل قليلاً، ويظهر به بَدَنُه، والعَرَبُ تقول في مثل: «أَشْكَرُ مِنْ بَرْوقَةٍ»؛ لأنها يُقَالُ: تخضَرُّ وتتنضَّر بِظِلِّ السَّحاب دُونَ مَطَرٍ، وفي قوله: {عَلِيماً}: تحذيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخلاص.
ابن عادل
تفسير : لما ذَمَّ المُنَافِقِين بأنَّهُم لم يَسْتقِرُّوا مع أحَد الطَّريقَين، نَهَى المُسْلِمِين أن يَفْعَلُوا فِعْل المُنَافِقِين؛ فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين} والسبب فيه: حديث : أن الأنْصَار بالمدينَةِ كانت لَهُمْ [في قُرَيْظَة] رِضَاع وحِلْفٌ ومَوَدَّة، فقالُوا: يا رسول الله، مَنْ نَتَولَّى؟ فقال: "المُهَاجِرِين""تفسير : ، فَنَزَلَتْ هذه الآية. وقال القَفَّال - رحمه الله تعالى -: هذا نَهْيٌ للمُسلِمِين عن مُوالاةِ المُنافِقِين، يقول: قد بَيَّنْتُ لكم أحْوَال هؤلاء المُنَافِقِين ومَذَاهِبهم، فلا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أوْلِيَاء. ثم قال: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}، [فإن حَمَلْنَاه على الأوَّلِ وهو نَهْي المُؤمنين عن مُوالاَةِ الكُفَّارِ، كان المَعْنَى: أتُرِيدُونَ أن تَجْعَلُوا للَّه عليكم سُلْطَاناً مُبِيناً] على كَوْنِكُم مُنَافِقِين، المُرَاد أتُرِيدُون أن تجعلُوا لأهْلِ دين اللَّه وهم الرَّسُول وأمته، وإن حَملْناهُ على المُنَافِقِين، كان المَعْنَى: أتريدُون أن تَجْعَلُوا للَّه عليكم في عقَابِكُم حُجَّة؛ بِسببِ مُوالاتِكُم مع المُنافِقِين. قوله: "سُلْطَاناً": السلطان يُذكَّرُ ويؤنث، فتذكيرُه باعتبار البرهان، وتأنيثه باعتبار الحُجَّة، إلا أن التأنيثَ أكثرُ عند الفُصَحاء، كذا قاله الفرَّاء، وحكى: "قَضت عليْكَ السُّلطَانُ" و"أخذتْ فلاناً السُّلْطَانُ" وعلى هذا فكيف ذُكِّرت صفته، فقيل: مبيناً دون: مبينة؟ والجوابُ: أن الصفة هنا رأسُ فاصلة، فلذلك عدلَ إلى التذكير، دون التأنيث، وقال ابن عطية ما يخالِفُ ما حكاه الفراء؛ فإنه قال: "والتذكيرُ أشهرُ، وهي لغةُ القرآنِ؛ حيث وقع". و"عَلَيْكُمْ" يجوزُ تعلُّقه بالجَعْلِ، أو بمحذوفٍ على أنه حال من "سُلْطَاناً" لأنه صفة له في الأصل، وقد تقدَّم نظيره.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً} قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول: عذراً مبيناً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
القشيري
تفسير : كرَّر عليهم الوعظ، وأكَّد بمباينة الأعداء عليهم الأمر، إبلاغاً في الإنذار، وتغليظاً في الزجر، وإلزاماً للحجة (....) موضع العذر. قوله: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}: تَوَعَّدَهم على موالاتهم للكفار بما لم يتوعَّد على غيره من المخالفات، لما فيه من إيثار الغير على المعبود؛ وإيثارُ الغير على المحبوب من أعظم الكبائر في أحكام الوداد. فإذا شَغَلَ من قلبه محلاً - كان للمؤمنين - بالأغيار استوجب ذلك العقوبة فكيف إذا شغل محلاً من قلبه - هو للحق - بالغير؟! والعقوبة التي تَوَعَّدَهم بها أنْ يَكِلهَم وما اختاروه من موالاة الكفار، وبئس البدل! كذلك مَنْ بقي عن الحق تركه مع الخَلْق؛ فيتضاعف عليه البلاءُ للبقاء عن الحق والبقاء مع الخلق، وكلاهما شديدٌ مِنَ العقوبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين} اى لا تتشبهوا بالمنافقين فى اتخاذهم اليهود وغيرهم من اعداء الاسلام احباء قوله من دون المؤمنين حال من فاعل لا تتخذوا اى متجاوزين ولاية المؤمنين {أتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} اى أتريدون بذلك ان تجعلوا لله عليكم حجة بينة على انكم منافقون فان موالاتهم اوضح ادلة النفاق فالسلطان هو الحجة يقال للامير سلطان يراد بذلك انه حجة ويجوز ان يكون بمعنى الوالى والمعنى حينئذ أتريدون ان تجعلوا سلطانا كائنا عليكم واليا امر عقابكم مختصا لله تعالى مخلوقا له منقادا لامره.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: اتخذ، يتعدّى إلى مفعولين، و {من دون}: حال. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} لا تتشبهوا بالمنافقين فتتخذوا {الكافرين أولياء} وأصدقاء {من المؤمنين}؛ لأن الله أعزكم بالإيمان والنصر، فلا تطلبوا العز من أحد سواه، {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا} أي: حجة واضحة على تعذيبكم وسببًا في عقابكم. الإشارة: قد تقدم في كثير من الإشارات النهي عن موالاة أهل الإنكار على الأولياء، وعن مخالطة أهل الدنيا وصحبتهم، فإن ذلك حجة واضحة على الرجوع إليهم ومصانعتهم، وهو عين النفاق عند المخلصين. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للمؤمنين نهاهم الله ان يتخذوا الكافرين اولياء وانصاراً من دون المؤمنين، فيكونون مثلهم في ركوب ما نهاهم الله عنه من موالاة اعدائه {أتريدون أن تجعلوا الله عليكم سلطاناً مبيناً} يعني حجة ظاهرة. قال عكرمة، كل ما في القرآن من ذكر سلطان، فمعناه حجة. وبه قال مجاهد والزجاج. وهو يذكر ويؤنث وقيل للامير سلطان، لان معناه ذو الحجة ومعنى الاية النهي عن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين. فمن فعل ذلك، فقد جعل لله على نفسه الحجة، وتعرض لغضبه وعقابه وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز أن يبتدئ الله الخلق بالعذاب، ولا يعاقب الاطفال بذنوب الآباء، لانه لو كان ذلك شائعاً، لما قال للمؤمنين: {تجعلون لله عليكم سلطاناً مبيناً} يعني باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين، لان ذلك دلالة على انه لم يكن له ذلك، وانه لا كان له حجة على الخلق لولا معاصيهم ومخالفتهم له تعالى.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآء} كالمنافقين {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} فانّ اتّخاذ البالغين فى الكفر والنّفاق وهم اعداء آل محمّد (ص) اولياء مع تصريح الله وتصريح نبيّه (ص) بمن هو وليّكم وعداوة هؤلاء لمن صرّحا بولايته يوجب حجّة ظاهره لله عليكم.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} أي: لا تفعلوا كفعل المنافقين اتخذوا المشركين أولياء، أي في المودة، من دون المؤمنين. {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بيّنة في تفسير ابن عباس. وقال مجاهد: حجة. قوله: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} وهو الباب السابع الأسفل، وهو الهاوية. قوله: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا} أي من نفاقهم {وَأَصْلَحُوا} أي بعد التوبة {وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} أي الجنة. قوله: {مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِِراً عَلِيماً} شاكراً أي: يشكر للمؤمن عمله حتى يجازيه به. عليماً بأفعال العباد. قال بعضهم: لا يعذب الله شاكراً ولا مؤمناً. قوله: {لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ} يقول: لا يحب الله الجهر بالشتم من القول. {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} ذكروا عن الحسن أنه قال: رخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه. ذكروا عن مجاهد أنه قال: هو الضيف ينزل فيحوّل رحله فإنه يجهر لصاحبه بالسوء ويقول: فعل الله به، لم ينزلني. قال: {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً}.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ}: كما اتخذهم المنافقون أولياء فتكون لكم النار مثلهم، وكانت للأنصار من فريضة مودة ورضاع، فنهاهم الله فقالوا: يا رسول الله من نتولى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: تولو المهاجرين، وانما للمؤمن أن يخالف الفاجر لا أن يواله، قال صعصعة بن صوحان لابن أخ له: خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر، فان الكافر يرضى منك بالخلق الحسن، وأنه يحق عليك تخالص المؤمن. {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا اللهِ}: باتخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين. {عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}: حجة بينة يهلككم بها، لأن موالاتهم دليل النفاق، وهى تفسير النفاق، وعند عالم السر وأخفى، ويجوز أن يكون سلطانا بمعنى تسلط أى تسلطا واضحا بالعقاب، ومن دون المؤمنين نعت كاسف لأولياء لأن الأولياء اذا كانوا كافرين لا يتصور أن يكون معهم المؤمنون أولياء، لأنك اذا واليت كافرا أبطلت ولايتك للمؤمن، ولو زعمت أنك باق عليها، والله متعلق بمحذوف مفعول ثان لتجعل، وعليكم يتعلق بما يتعلق به لله على طريق تعدد المفعول الثانى، أو لله متعلق بتجعلوا، وعليكم مفعول ثان، وأما جعل عليكم لسطانا ولله مفعول ثان أو بالعكس، ففيه مجىء الحال من منسوخ أصله المبتدأ، والصحيح جوازه فى باب ظن، وأما تعليق أحدهما بتجعل، والآخر بمحذوف حال من سلطانا ففيه اخراج الجعل عن التعدى لمفعولين، وهو خلاف الأصل اذ ليس بمعنى خلق الا أن يجعل مبينا مفعولا ثانيا لا نعتا لسلطانا، والواضح كونه نعتا.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} بالقلب واللسان {لاَ تَتخِّذُوا الكَافِرِينَ} اليهود والمشركين، وقيل اليهود {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} كما اتخذهم المنافقون، وقد قال الله عز وجل عنهم {أية : الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} تفسير : [النساء: 139]، لا تتشبتهو بهم ظاهرا ولا باطنا، وقيل الذين آمنوا المنافقون، والمؤمنين هم المخلصون، وقيل الذين آمنوا المخلصون والكافرون المنافقون، ولا يتبادر القولان، ولا أن يعتنى بالمنافقين فينادوا بالإيمان، والتحذير من المشركين، ولا أن يخاطبوا بقوله {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعلُوا لِلهِ عِلَيْكُمْ سُلْطَانا مّبِيناً} أى حجة بينة فى العذاب، أو تسلطاً، فإذا هم اذا اتخذوهم أولياء قامت الحجة عليهم في العذاب وتسلط عليهم العذاب، ومن لم يتخذهم لم تقم عليهم حجة العذاب، ولم يظلمهم الله به، أو تجعلوا حجة على أنكم موافقون للحق مع أنكم مبطلون، وعن ابن عباس، كل سلطان فى القرآن بمعنى حجة.
الالوسي
تفسير : {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} نهى المؤمنين الصادقين عن موالاة الكفار اليهود فقط ـ كما قيل ـ أو ما يعمهم وغيرهم كما هو الظاهر بعد بيان حال المنافقين، أي لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك ديدن المنافقين ودينهم فلا تتشبهوا بهم، وقيل: المراد بالذين آمنوا المنافقون وبالمؤمنين المخلصون، فالآية نهي للمنافقين عن موالاة الكافرين دون الملخصين؛ وقيل: المراد بالموصول المخلصون، وبالكافرين المنافقون فكأنه قيل: قد بينت لكم أخلاق هؤلاء المنافقين فلا تتخذوا منهم أولياء، وإلى ذلك ذهب القفال، وفي كلا القولين بعد. {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} أي حجة ظاهرة في العذاب، وفيه دلالة على أن الله تعالى لا يعذب أحداً بمقتضى حكمته إلا بعد قيام الحجة عليه، ويشعر بذلك كثير من الآيات، وقيل: أتريدون بذلك أن تجعلوا له تعالى حجة بينة على أنكم موافقون فإن موالاة الكافرين أوضح أدلة النفاق. ومن الناس من أبقى السلطان على معناه المعروف، لكن أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، وهو مما يجوز فيه التذكير والتأنيث إجماعاً، فتذكيره باعتبار البرهان أو باعتبار معناه المعروف، والتأنيث باعتبار الحجة والتأنيث أكثر عند الفصحاء على ما قاله الفراء إلا أنه لم يعتبر هنا، واعتبر التذكير لتحسن الفاصلة، وادعى ابن عطية أن التذكير أشهر وهي لغة القرآن حيث وقع، و {عَلَيْكُمْ} يجوز تعلقه بالجعل وبمحذوف وقع حالاً من {سُلْطَـٰناً}، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال: أتجعلون الخ للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته فضلاً عن صدور نفسه.
ابن عاشور
تفسير : أقبل على المؤمنين بالتحذير من موالاة الكافرين بعد أن شرح دخائلهم واستصناعهم للمنافقين لقصد أذى المسلمين، فعَلِم السامع أنّه لولا عداوة الكافرين لهذا الدين لما كان النفاق، وما كانت تصاريف المنافقين، فقال: {يأيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، فهي استئناف ابتدائي، لأنّها توجيه خطاب بعد الانتهاء من الإخبار عن المنافقين بطريق الغيبة. وهذه آية جامعة للتحذير من موالاة الكافرين. فالتحذير من موالاة الكافرين والمنافقين، ومن الوقوع في النفاق، لإن المنافقين تظاهروا بالإيمان ووالوا الكافرين تحذير من الاستشعار بشعار النفاق، وتحذير من موالاة المنافقين الذين هم أولياء الكافرين، وتشهير بنفاق المنافقين، وتسجيل عليهم أن لا يقولوا: كنّا نجهل أنّ الله لا يحبّ موالاة الكافرين. والظاهر أنّ المراد بالكافرين هنا مشركو مكة وأهل الكتاب من أهل المدينة، لأنّ المنافقين كانوا في الأكثر موالين لأهل الكتاب. وقوله: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً} استئناف بياني، لأنّ النهي عن اتّخاذ الكافرين أولياء ممّا يبعث الناس على معرفة جزاء هذا الفعل مع ما ذكرناه من قصد التشهير بالمنافقين والتسجيل عليهم، أي أنّكم إن استمررتم على موالاة الكافرين جعلتم لله عليكم سلطاناً مبيّناً، أي حجّة واضحة على فساد إيمانكم، فهذا تعريض بالمنافقين. فالاستفهام مستعمل في معنى التحذير والإنذار مجازاً مرسلاً. وهذا السلطان هو حجّة الرسول عليهم بأنّهم غير مؤمنين فتجري عليهم أحكام الكفر، لأنّ الله عالم بما في نفوسهم لا يحتاج إلى حجّة عليهم، أو أريد حجّة افتضاحهم يوم الحساب بموالاة الكافرين، كقوله: {أية : لئلاّ يكون للناس على الله حِجّة بعد الرسل}تفسير : [النساء: 165]. ومن هنا يجوز أيضاً أن يكون المراد من الحجّة قطع حجّة من يرتكب هذه الموالاة والإعذار إليه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 144- وإن من أسباب النفاق أن المنافقين جعلوا لأهل غير الإيمان ولاية لهم ونصرة، فتجنبوا هذا - أيها المؤمنون - ولا تتخذوا الكافرين نصراء ذوى ولاية عليكم تخضعون لهم، وإنكم إن فعلتم ذلك كان لله حُجة عليكم بينة، فتدخلون مع المنافقين وتذلون، لأنكم لا تجعلون عزتكم من الله، ومن الحق، ومن العمل الصالح. 145- إن المنافقين بسبب نفاقهم يكونون فى أعماق جهنم، فهم فى أسفل مكان فيها، وأحط درجاتها، ولن تجد لهم نصيراً يدفع عنهم العذاب. 146- إلا الذين يتوبون منهم ويعودون إلى الله - تعالى - ويعتصمون به - وحده - ويخلصون ويسلمون وجوههم له، ويعملون الصالحات فإنهم بهذا يكونون من المؤمنين ولهم جزاء المؤمنين، وقد أعد الله - تعالى - جزاءً عظيماً للمؤمنين فى الدنيا والآخرة. 147- وإن الله - تعالى - لا مطلب له منكم إلا الإيمان به، وشكر نعمته، وإذا كنتم كذلك فلا عذاب لكم، ولكن جزاء على الخير والشكر، وإن الله - تعالى - شاكر يشكر لعباده عمل الخير، وعليم يعلم كل حالهم من خير وشر. 148- ينهى الله عباده عن قول السوء. إلا من وقع عليه ظلم، فيباح له أن يشكو ظالمه، ويذكر ما فيه من سوء، والله - سبحانه - سميع لكلام المظلوم، عليم بظلم الظالم، ويجازيه على عمله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سلطانا مبينا: حجة واضحة لتعذيبكم. الدرك الأسفل: الدرك: كالطابق، والدركة كالدرجة. وأصلحوا: ما كانوا قد أفسدوه من العقائد والأعمال. واعتصموا بالله: تمسكوا بدينه وتوكلوا عليه. وأخلصوا دينهم لله: تخلوا عن النفاق والشرك. معنى الآيات: ما زال السياق في إرشاد الله تعالى المؤمنين إلى ما يعزهم ويكملهم ويسعدهم ففي هذه الآية [144] يناديهم تعالى بعنوان الإِيمان وهو الروح الذي به الحياة وينهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فيقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ومعنى اتخاذهم أولياء موادتهم ومناصرتهم والثقة فيهم والركون إليهم والتعاون معهم، ولما كان الأمر ذا خطورة كاملة عليهم هددهم تعالى بقوله: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} فيتخلى عنكم ويسلط عليكم أعداءه الكافرين فيستأصلوكم، أو يقهروكم ويستذلوكم ويتحكموا فيكم. ثم حذرهم من النفاق أن يتسرب إلى قلوبهم فأسمعهم حكمه العادل في المنافقين الذين هم رؤوس الفتنة بينهم فقال: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}، فأسفل طبقة في جهنم هي مأوى المنافقين يوم القيامة، ولن يوجد لهم ولي ولا نصير أبداً ثم رحمة بعباده تبارك وتعالى يفتح باب التوبة للمنافقين على مصراعيه ويقول لهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} إلى ربهم فآمنوا به وبرسوله حق الإِيمان {وَأَصْلَحُواْ} أعمالهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} ونفضوا أيديهم من أيدي الكافرين، {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} فلم يبقوا يراءون أحداً بأعمالهم. فأولئك الذين ارتفعوا إلى هذا المستوى من الكمال هم مع المؤمنين جزاؤهم واحد، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً وهو كرامة الدنيا وسعادة الآخرة. وأخيراً في الآية [147] يقرر تعالى غناه عن خلقه وتنزهه عن الرغبة في حب الإِنتقام فإن عبده مهما جنى وأساء، وكفر وظلم إذا تاب وأصلح فآمن وشكر. لا يعذبه أدنى عذاب إذ لا حاجة إلى تعذيب عباده فقال عز وجل وهو يخاطب عباده {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} لا يضيع المعروف عنده. لقد شكر لبغي سقيها كلباً عطشان فغفر لها وأدخلها الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. 2- إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف. 3- التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذبنه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه. 4- لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة فالإِيمان وَالشكر أمان الإِنسان.
القطان
تفسير : الدرك: بسكون الراء وبفتحها الطبقةُ من جهنم. اعتَصموا بالله: لجأوا اليه. يا أيها المؤمنون لا تتخذوا الكافرين أحبابا وانصاراً لكم من دون المؤمنين، أتريدون ان تجعلوا لله حجةً عليكم بأنكم منافقون؟. إن المنافقين في سفلى طبقات جنهم، لأنهم شر أهلها.. فقد جمعوا بين الكفر والنفاق، ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشّهم. ولن تجد لهم يا محمد نصيراً ينقذهم من العذاب. ولا ينسحب ذلك على الذين رجعوا عن النفاق ولاذوا بالله وأخلصوا لدينه، فأولئك يعدُّون من المؤمين، وقد أعدّ لهم جزاءً عظيماً في الدنيا والآخرة. ماذا ينال الله من تعذيبه إياكم ان شكرتم وآمنتم؟ إنه لا يعذّب احداً من خلقه انتقاماً منه، ولا طلبا لنفع، ولا دفعاً لضرٍ وانما يعاقب المجرمين لإصلاحهم وتطهيرهم، وهو شاكر لعباده عمل الخير، كما يعلم حالهم من خير أو شر. قراءات: قرأ الكوفيون "الدرك" بسكون الراء والباقون "الدرك" بفتح الراء وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلْكَافِرِينَ} {سُلْطَاناً} (144) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَنْ أَنْ يَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أوْلياءَ لَهُمْ، مِنْ دُونِ المُؤْمِنينَ، يُصَاحِبُونَهُمْ وَيُصَادِقُونَهُمْ، وَيُنَاصِحُونَهُمْ، وَيُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وَيُفْشُونَ إلَيْهِمْ أحْوَالَ المُؤْمِنينَ البَاطِنَةَ. وَيَقُولُ لَهُمْ إنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ جَعَلُوا للهِ عَلَيْهم حُجَّةً بَيِّنَةً وَعُذْراً فِي عُقُوبَتِهِ إيّاهُمْ. (وَالمُرَادُ هُنَا النُّصْرَةُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرُ المُسْلِمِينَ). سُلْطَاناً - حُجَّةً وَسَبَباً لِلْعُقُوبَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد أخذ الحق على المنافقين أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون الله؛ وكذلك أخذ المؤمنون على المنافقين أنهم اتخذوا من معسكر الكفر ولياً لهم من دون الله ومن دون المؤمنين، ولهذا فأولى بالمؤمنين ألا يصنعوا ذلك، ويوضح سبحانه: لقد أخذنا على المنافقين أنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون الله، فإياكم أن تفعلوا مثلهم. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}. وهذا أمر منطقي يستقيم مع منهج الإيمان؛ لأنكم إن فعلتم ذلك. فإنما تقدمون الحجة ليعذبكم الله، وتعلمون أن المنافق يعلن الإيمان بلسانه ويخفي الكفر في قلبه، فكيف يكون وضع المؤمن مع الكافر مثل وضع المنافق مع الكافر؟ ذلك أمر لا يستقيم. ومن يفعل ذلك إنما يقدم حجة لله ليعذبه. الحق سبحانه في إرساله للرسل وفي تأييد الرسل بالمعجزات وفي إرساله المناهج المستوفية لتنظيم حركة الإنسان في الحياة، كل ذلك ليقطع الحجة على الناس حتى لا يقولن واحد: أنت لم تقل لنا يارب كيف نسير على منهج ما؛ لذلك لم يترك - سبحانه - الإنسان ليفكر بعقله ليصل بفكره إلى وجود الله، ويكتشف أن هناك خالقا للكون. لم يتركنا سبحانه لهذه الظنون، ولكنه أرسل لنا الرسل بمنهج واضح، من أجل ألا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل، فلا يقولن واحد: أنت لم تنبهني يارب، والجهل بالقانون في الشرع البشري لا يعفي الإنسان من العقوبة إن ارتكب جرما، لكن الله لا يفعل ذلك؛ فهو أكرم على عباده من أنفسهم، لذلك يرسل الرسول ليحمل المنهج الذي يبين الحلال من الحرام: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42] فلا يقولن واحد: لقد أخذنا الله على غرّة. وأنتم أيها المؤمنون إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتقربتم إليهم ونصرتموهم فأنتم أكثر شرا من المنافقين؛ لأن المنافق له أسبابه، وفي أعماقه خيط من الكفر وخيط من الإيمان، والحجة واضحة عليكم أيها المؤمنون؛ فقد أبلغكم الحق المنهج وأعلنتم الإيمان به. فإن صنعتم غير ذلك تعطون الحق الحجة في أن يعذبكم. {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} والسلطان المبين هو السلطان الواضح المحيط الذي لا يستطيع أن يدفعه أحد، فإذا ما كانت هناك حجة، قد يستطيع الإنسان أن ينقضها، كالمحامي أمام المحاكم. لكن حجة الله هي سلطان مبين. أي لا تنقض أبداً. ومن بعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي...}
الأندلسي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ} عام يشمل المنافقين كبني قريظة إذ كان بينهم وبين الأنصار حلف ورضاع ويشمل الكافرين من غيرهم. وقوله: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني المهاجرين، ويكون: يا أيها الذين آمنوا، خطاب للأنصار وغيرهم من المؤمنين. {سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي بموالاة الكفار. {فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} قال ابن عباس: هي لأهل النار كالدرج لأهل الجنة إلا أن الدرجات بعضها فوق بعض والدركات بعضها أسفل من بعض. وقال: أبو عبيدة: الدركات الطبقات، وأصلها من الإِدراك أي هي متداركة متلاحقة. وقرىء في الدرك بسكون الراء. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ} استثناء من المنافقين. {تَابُواْ} من النفاق. {وَأَصْلَحُواْ} أعمالهم وتمسكوا بالله وكتابه. {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} أي لا يبتغون بعمل الطاعات إلا وجه الله. ولما كان المنافق متصفاً بنقائض هذه الأوصاف من الكفر وفساد الأعمال والموالاة للكافرين والإِعتزاز بهم والمراءة للمؤمنين شرط في توبتهم ما يناقص تلك الأوصاف وهي التوبة من النفاق وهي الوصف المحتوي على بقية الأوصاف من حيث المعنى. ثم فصل ما أجمل فيها وهو الإِصلاح للعمل المستأنف المقابل لفساد أعمالهم الماضية، ثم الاعتصام بالله في المستقبل وهو المقابل لمولاة الكافرين والاعتماد عليهم في الماضي، ثم الإِخلاص للدين لله تعالى وهو المقابل للرياء الذي كان لهم في الماضي، ثم بعد تحصيل هذه الأوصاف جميعها أشار إليهم بأنهم مع المؤمنين ولم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون ولا من المؤمنين، وإن كانوا قد صاروا مؤمنين تنفيراً لما كانوا عليه من عظم كفر النفاق وتفظيعاً لحال من كان متلبساً به. ومع المؤمنين أي رفقاؤهم ومصاحبوهم. {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} أتى بسوف لأن إيتاء الأجر هو يوم القيامة وهو زمان مستقبل ليس قريباً من الزمان الحاضر، وقد قالوا: ان سوف أبلغ في التنفيس من السين، ولم يعد الضمير عليهم. فيقال: وسوف يؤتيهم بل أخلص ذلك الأجر للمؤمنين وهم رفقاؤهم يشاركونهم فيه ويساهمونهم. {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} ما الاستفهامية في موضع نصب بيفعل تقديره أي شيء يفعل ومعناه النفي أي ما يعذبكم. وأجيز أن تكون ما نافية. والباء في بعذابكم زائدة. {إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} قدم الشكر على الإِيمان لأن العاقل ينظر ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه، وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً فإِذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدماً على الإِيمان فكأنه أصل التكليف ومداره. {شَاكِراً} أي مثبتاً موفياً أجوركم. وأتى في صفة الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة ليدل على أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل وينميه. {عَلِيماً} بشكركم وإيمانكم فيجازيكم. وفي قوله: عليماً، تحذير وندب إلى الإِخلاص لله عز وجل. {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ} الآية، مناسبها لما قبلها هي أنه تعالى لما ذكر من أحوال المنافقين وذمهم وإظهار فضائحهم ما ذكر وبيّن ظلمهم واهتضامهم جانب المؤمنين، سوغ هنا للمؤمنين أن يذكروهم بما فيهم من الأوصاف الذميمة. وقال عليه السلام: اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس. {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} هذا الاستثناء متصل على تقدير حذف مضاف أي الأجهر من ظلم. وقيل: الاستثناء منقطع فالتقدير لكن المظلوم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازي ظلامته. وقيل: من فاعل بالمصدر وهو الجهر تقديره لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا من ظلم أي إلا المظلوم فإِنه تعالى لا يكره جهره بالسوء، وفيه أعمال المصدر معرفاً بالألف واللام وهي مسألة خلاف، ومذهب سيبويه جواز ذلك. قال ابن عطية: وإعراب من يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر. "انتهى". يعني بأحد المقدر في المصدر إذ التقدير أن يجهر أحد. وما ذكره من جواز الرفع على البدل لا يصح، وذلك لأن الاستثناء المنقطع على قسمين: قسم يسوغ فيه البدل وهو ما يمكن توجه العامل عليه نحو: ما في الدار أحد إلا حمار، فهذا فيه البدل في لغة تميم والنصب على الاستثناء المنقطع في لغة الحجاز وإنما جاز فيه البدل لأنك لو قلت: ما في الدار إلا حمار، صح المعنى. وقسم، يتحتم فيه النصب على الاستثناء ولا يسوغ فيه البدل وهو ما لا يمكن توجه العامل عليه نحو: المال ما زاد إلا النقص، التقدير لكن النقص حصل له، فهذا لا يمكن أن يتوجه زاد على النقص لأنك لو قلت: ما زاد إلا النقص لم يصح المعنى. والآية، من هذا القسم لأنك لو قلت: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا الظالم، فتفرغ أن يجهر لأن يعمل في الظالم لم يصح المعنى. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون من مرفوعاً كأنه قيل: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا الظالم، على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو. ومنه: قل لا يعلم من في السماوات والأرض العتيب إلا الله. "انتهى". وهذا الذي جوزه الزمخشري لا يجوز لأنه لا يمكن أن يكون الفاعل يذكر لغواً زائداً ولا يمكن أن يكون الظالم بدلاً من الله ولا عمرو بدلاً من زيد لأن البدل في هذا الباب راجع إلى كونه بدل بعض من كل، اما على سبيل الحقيقة نحو: ما قام القوم إلا زيد، وأما على سبيل المجاز نحو: ما في الدار أحد إلا حمار، وهذا لا يمكن فيه البدل المذكور لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز لأن الله عليم وكذا زيد هو زيد فلا يمكن أن يتخيل فيه عموم فيكون الظالم بدلاً من الله، وعمرو بدلاً من زيد. وأما ما يجوز فيه البدل من الاستثناء المنقطع فإِنه يتخيل فيما قبله عموم ولذلك صح البدل منه على طريق المجاز وإن لم يكن بعضاً من المستثنى منه حقيقة. وأما قول الزمخشري: على لغة من يقول: ما جاء في زيد الا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو فلا نعلم هذه اللغة إلا أن في كتاب سيبويه بعد أن أنشد أبياتاً من الاستثناء المنقطع آخرها قوله الشاعر: شعر : عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المُصَمِّم تفسير : ما نصه. وهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، لأنها معارف ليست الأسماء الأخيرة بها ولا منها. وانتهى كلام سيبويه ولم يصرح ولا لوّح أن قوله: ما أتاني زيد إلا عمرو، من كلام العرب. وقال: من شرح كلامه فهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو أن ينبغي ان يثبت هذا من كلامهم لأن النبل معرفة ليس بالمشرفي، كما أن زيد ليس بعمرو، وكما ان اخوة زيد ليسوا اخوانك. "انتهى". وليس ما أتاني زيد إلا عمرو ونظير البيت لأنه يتخيل عموم في البيت على سبيل المجاز كأنه قال: لا يغني السلاح مكانها إلى المشرفيّ، بخلاف ما أتاني زيد إلا عمرو، فإِنه لا يتخيل في ما أتاني زيد عموم البتة على أنه لو سمع هذا من كلام العرب وجب تأويل حتى يصح البدل فكان بقدر: ما جاءني زيد ولا غيره إلا عمرو. وكان بدل على حذف المعطوف وجود هذا الاستثناء اما أن يكون على إلغاء الفاعل وزيادته أو على كون عمرو بدلاً من زيد فإِنه لا يجوز لما ذكرناه. وأما قول الزمخشري: ومنه قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فليس من باب ما ذكر لأنه يحتمل أن تكون من مفعوله والغيب بدلاً من مَن بدل اشتمال أي لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا الله أي ما يسرونه وما يخفونه لا يعلمه إلا الله وإن سلمنا أن من مرفوعة فيجوز أن يكون الله بدلاً من مَن على سبيل المجاز في من لأن في السماوات يتخيل فيه عموم كأنه قيل: قل لا يعلم الموجودون الغيب إلا الله، أو على سبيل المجاز في الظرفية بالنسبة إلى الله تعالى إذ جاء ذلك عنه في القرآن في السنة كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 3]. {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف: 84]. وفي الحديث: أين الله قالت في السماء. ومن كلام العرب: لا وذو في السماء بيته، يعنون الله تعالى. وإذا احتملت الآية هذه الوجوه لم يتعين حملها على ما ذكر. {أَوْ تُخْفُوهُ} الظاهر أن الهاء في تخفوه تعود على الخبر. قال ابن عباس: يريد من أعمال البر كالصيام والصدقة.
الجيلاني
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ} بصنيعكم هذا {أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ} المحاسب، المجازي لأعمال عباده {عَلَيْكُمْ} أيها المتخذون {سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 144] حجة واضحة على كفركم ونفاقكم؛ إذ من فعلكم هذا يلوح أثر النفاق والشقاق مع المؤمنين، فعليكم ألاَّ تصحبوهم، ولا تتخذوهم أولياء، سيما بعد ورود النهي، حتى لا تلحقوا بهم، ولا تحشروا في زمرتهم. {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} المصرين على النفاق {فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ} والمرتبة الأرذل، الأذل {مِنَ ٱلنَّارِ} المعدّ لجزاء العصاة، الطغاة، الضالين عن طريق الحق وصرطه المستقيم {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} [النساء: 145] يشفعه لهمن وينجيهم منها. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} وندموا عمَّا جرى عليهم من النفاق {وَأَصْلَحُواْ} بالتوبة ما أفسدوا بالنفاق من شعائر الإيمان والإسلام {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} وفضله ولطفه حين رجعوا إليه، وتوجهوا نحوه {وَ} بعدما تابوا واعتصموا بالله {أَخْلَصُواْ دِينَهُمْ} إطاعتهم وانقيادهم {للَّهِ} المنزه عن الشريك والنظير، المقدس عن المشير والظهير، ليس كثمله شيء، وهو السميع البصير {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء، المقبولون عند الله {مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في روح الله وكنف لطفه ورحمته {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في يوم الجزاء {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 146] هو الفو بشرف اللقاء. {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ} المتجلي في الآفاق بالاستحقاق {بِعَذَابِكُمْ} طردكم وحرمانكم {إِن شَكَرْتُمْ} تحققتم بظهوره في هوياتكم الباطلة، وأسندتم ما صدر وظهر منكم إليه أصالةً واستقلالاً {وَآمَنْتُمْ} عرفتم توحيده، واعترفتم به {وَ} متى فنيتم في هوية الحق {كَانَ ٱللَّهُ} بذاته {شَاكِراً} لنعمه {عَلِيماً} [النساء: 147] بنفسه ولقد أحسن من قال: شعر : لقد كنت دهراً قبل أن يكشف الغطاء أخال بإني شاكر لك ذاكر فلما أضاء الليل أصبحت شاهداً بأنك مذكور وذكر وذاكر
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر أن من صفات المنافقين اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، نهى عباده المؤمنين أن يتصفوا بهذه الحالة القبيحة، وأن يشابهوا المنافقين، فإن ذلك موجب لأن { تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا } أي: حجة واضحة على عقوبتكم، فإنه قد أنذرنا وحذرنا منها، وأخبرنا بما فيها من المفاسد، فسلوكها بعد هذا موجِب للعقاب. وفي هذه الآية دليل على كمال عدل الله، وأن الله لا يُعَذِّب أحدا قبل قيام الحجة عليه، وفيه التحذير من المعاصي؛ فإن فاعلها يجعل لله عليه سلطانا مبينا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):