Verse. 638 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ الْمُنٰفِقِيْنَ فِي الدَّرْكِ الْاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ۝۰ۚ وَلَنْ تَجِدَ لَھُمْ نَصِيْرًا۝۱۴۵ۙ
Inna almunafiqeena fee alddarki alasfali mina alnnari walan tajida lahum naseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المنافقين في الدرك» المكان «الأسفل من النار» وهو قعرها «ولن تجد لهم نصيرا» مانعا من العذاب.

145

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: الدرك أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، فعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم، وأصل هذا من الإدراك بمعنى اللحوق، ومنه إدراك الطعام وإدراك الغلام، فالدرك ما يلحق به من الطبقة، وظاهره أن جهنم طبقات، والظاهر أن أشدها أسفلها. قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {فِى ٱلدَّرْكِ } بسكون الراء والباقون بفتحها، قال الزجاج: هما لغتان مثل الشمع والشمع، إلا أن الاختيار فتح الراء لأنه أكثر استعمالاً قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كقولهم: جمل وأجمل، وفرس وأفرس، وجمع الدرك أدرك مثل فلس وأفلس وكلب وأكلب. المسألة الثالاثة: قال ابن الأنباري: إنه تعالى قال في صفة المنافقين إنهم في الدرك الأسفل، وقال في آل فرعون {أية : ادخلوا آل فرعون أشد العذاب } تفسير : [غافر: 46] فأيهما أشد عذاباً، المنافقون أم آل فرعون؟ وأجاب بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل، وقد اجتمع فيه الفريقان. المسألة الرابعة: لما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه مثله في الكفر، وضم إليه نوع آخر من الكفر، وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار. ثم قال تعالى: {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } وهذا تهديد لهم. واحتج أصحابنا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل الصلاة، قالوا: إنه تعالى خصّ المنافقين بهذا التهديد، ولو كان ذلك حاصلاً في حق غير المنافقين لم يكن ذلك زجراً عن النفاق من حيث أنه نفاق، وليس هذا استدلالاً بدليل الخطاب، بل وجه الاستدلال فيه أنه تعالى ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل ذلك مع عدمه لم يبق زجراً عنه من حيث إنه نفاق ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فِي ٱلدَّرْكِ} قرأ الكوفيون «الَّدرْك» بإسكان الراء، والأولى أفصح؛ لأنه يقال في الجمع: أدْراك مثل جَمَل وأَجْمَال؛ قاله النحاس. وقال أبو علي: هما لغتان كالشِّمْع والشَّمَع ونحوه، والجمع أدراك. وقيل: جمع الدَّرْك أدْرُك؛ كفَلْس وأفْلُس. والنار دركات سبعة؛ أي طبقات ومنازل؛ إلاّ أن استعمال العرب لكل ما تسافل أدراك. يقال: للبئر أدراك، ولِما تعالى دَرَج؛ فللجنة دَرَج وللنار أدْرَاك. وقد تقدّم هذا. فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية؛ لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكُّنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جَهَنّم ثم لَظَى ثم الحُطَمَة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية؛ وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابها بمنه وكرمه. وعن ابن مسعود في تأويل قوله تعالى: {فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} قال: تَوَابيت من حديد مقفلة في النار تقفل عليهم. وقال ابن عمر: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون؛ تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}. وقال تعالى في أصحاب المائدة: { أية : فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [المائدة: 115]. وقال في آل فرعون: { أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [غافر: 46].

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} وهو الطبقة التي في قعر جهنم، وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإِسلام وخداعاً للمسلمين، وأما قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»تفسير : ونحوه فمن باب التشبيه والتغليظ، وإنما سميت طبقاتها السبع دركات لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. وقرأ الكوفيون بسكون الراء وهي لغة كالسطر والسطر والتحريك أوجه لأنه يجمع على إدراك. {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } يخرجهم منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ } المكان {ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } وهو قعرها {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } مانعاً من العذاب.

الخازن

تفسير : فقال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} يعني في الطبق الذي في قعر جهنم والنار سبع دركات بعضها فوق بعض سميت طبقات جهنم دركات لأنها متداركة متتابعة. وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم وقيل هي توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار. فإن قلت لم كان المنافق أشد عذاباً من الكافر؟ قلت إن المنافق مثل الكافر في الكفر وزيادة وهو أنه ضم إلى كفره نوعاً آخر من الكفر أخبث منه وهو الاستهزاء بالإسلام والمسلمين وإفشاء أسرار المسلمين ونقلها إلى الكفار. فلهذا السبب جعل الله عذاب المنافقين أشد عذاباً من الكفار والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر وقيل هو الذي يصف الإسلام بلسانه ولا يعمل بشرائعه ولا يتقيد بقيوده ولا يدخل تحت أحكامه وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقاً فللتغليظ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" تفسير : فإن هذه الخصال صفات المنافقين فمن فعلها فقد تشبه بالمنافقين. وقوله تعالى: {ولن تجد لهم نصيراً} يعني ولن تجد يا محمد لهؤلاء المنافقين ناصراً ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم ثم استثنى الله عز وجل من تاب من المنافقين فقال تعالى: {إلا الذين تابوا} يعني من النفاق {وأصلحوا} يعني أصلحوا الأعمال فعملوا بما أمر الله به وأدوا فرائضه وانتهوا عما نهاهم عنه {واعتصموا بالله} يعني وتمسكوا بعهد الله ووثقوا به {وأخلصوا دينهم لله} يعني وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي عملوها لله وأرادوه بها ولم يريدوا رياء ولا سمعة فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت فقد كمل الإيمان فلذلك قال تعالى: {فأولئك} يعني التائبين من النفاق {مع المؤمنين} يعني في الجنة وقيل مع بمعنى من أي المؤمنين {وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً} يعني في الآخرة. قوله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} هذا استفهام تقرير معناه أنه تعالى لا يعذب الشاكر المؤمن فإن تعذيبه لا يزيد في ملكه وتركه عقوبته لا ينقص من سلطانه لأنه الغني الذي لا يحتاج إلى شيء من ذلك فإن عاقب أحداً فإنما يعاقبه لأمر أوجبه العدل والحكمة فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أنقذتم أنفسكم من عذابه قال أهل المعاني فيه تقديم وتأخير تقديره إن آمنتم وشكرتم لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات ولأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان ولأن الواو لا توجب الترتيب وقيل هو على أصله والمعنى أن العاقل ينظر بعين بصيرته أولاً إلى ما عليه من النعمة العظيمة في إيجاده وخلقه فيشكر على ذلك شكراً عظيماً مبهماً ثم إذا تمم النظر ثانياً انتهى به النظر إلى معرفة المنعم عليه فآمن به ثم شكره شكراً مفصلاً فكان ذلك الشكر المبهم مقدماً على الإيمان فلذلك قدم الشكر على الإيمان في الذكر {وكان الله شاكراً} يعني مثيباً عباده المؤمنين موفياً أجورهم والشكر من الله الرضا بالقليل من أعمال عباده وإضعاف الثواب عليه وقيل لما أمر الله عباده بالشكر سمى الجزاء شكراً على سبيل الاستعارة فالمراد من الشاكر في صفة الله تعالى كونه مثيباً على الشكر {عليماً} يعني بحق شكركم، وإيمانكم فيجازيكم على ذلك. قوله عز وجل: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال أهل المعاني يعني أنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر به أيضاً من القول يعني من القول القبيح إلا من ظلم قيل هو استثناء متصل والمعنى إلا جهر من ظلم وقيل هو استثناء منقطع ومعناه لكن المظلموم يجوز أن يجهر بظلم الظالم قال العلماء لا يجوز إظهار أحوال الناس المستورة المكتومة لأن ذلك يصير سبباً لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الشخص في الريبة لكن من ظلم فيجوز له إظهار ظلمه فيقول سرق مني أو غصب ونحو ذلك. وإن شتم جاز له أن يشتم بمثله ولا يزيد شيئاً على ذلك ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المستبان ما قالا فعلى الأول"تفسير : وفي رواية "حديث : فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم" تفسير : أخرجه مسلم قال ابن عباس: لا يحب الله أن يدعو أحد إلا أن يكون مظلموماً فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله إلا من ظلم وإن صبر فهو خير له وقال الحسن البصري هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل: اللهم أعني عليه اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه من الدعاء وقيل نزلت الآية في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ما صنع به قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج من عنده فيقول أساء ضيافتي وقال مقاتل نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن رجلاً نال منه والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر فسكت عنه أبو بكر مراراً ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئاً حتى إذا رددت عليه قمت ونزلت هذه الآية: {وكان الله سميعاً} يعني لدعاء المظلوم {عليماً} بما في قلبه فليتق الله ولا يقل إلا الحق.

ابن عادل

تفسير : الدَّرْك: قرأ الكوفيُّون - بخلاف عن عاصمٍ - بسكون الراء، والباقون بفتحها، وفي ذلك قولان: أحدهما: أنَّ الدَّرْك والدَّرَكِ لغتان بمعنى واحدٍ، كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، والقَدْرِ والقَدَرِ. والثاني: أن الدَّرَكَ بالفتح جمعُ "دَرَكَة" على حدِّ بَقَر وبَقَرة. وقال أبو حاتم: جَمْع الدَّرْكِ: أدْرَاك؛ مثل حَمْل وأحْمَال، وفَرْس وأفراس وجمع الدرك: أدْرُك؛ مثل أفْلُس وأكْلُب. واختار أبو عُبيد الفتح، قال: لأنه لم يَجِىءْ في الآثار ذكرُ "الدَّرَك" إلا بالفتحِ، وهذا غيرُ لازمٍ لمجيء الأحاديثِ بإحدى اللغتين، واختار بعضهم الفتح؛ لجمعه علَى أفعال قال الزمخشريُّ: "والوجهُ التحريكُ؛ لقولهم: أدْرَاكُ جَهَنَّمَ"، يعني أنَّ أفْعَالاً منقاسٌ في "فَعَلٍ" بالفتحِ، دونَ فَعْل بالسكون، على أنه قد جاء أفعالٌ في فعْلٍ بالسكون؛ نحو: فَرْخٍ وأفراخ، وزنْدٍ وأزنَادٍ، وفَرْدٍ وأفْرَادٍ، وقال أبو عبد الله الفاسيُّ في شرحِ القصيدِ: "وقال غيرُه - يعني غيرَ عاصم -؛ محتجاً لقراءة الفتحِ؛ قولهم في جمعه: "أدْرَاك" يدُلُّ على أنه "دَرَكٌ" بالفتح، ولا يلزمُ ما قال أيضاً؛ لأن فعلاً بالتحريك قد جُمِعَ على أفعالٍ، كقَلَمٍ وأقْلاَمٍ، وجَبَل وأجْبَالٍ" انتهى، وهذه غفلةٌ منه؛ لن المتنازع فيه إنما هو فعْلٌ بالتسكين: هل يُجمعُ على أفعالٍ، أم لا؟ وأما فعَل بالتحريك فأفعالٌ قياسه، وكأنه قصد الردَّ على الزمخشريَّ، فوقع في الغلطِ، وكان ينبغي له أن يقول: وقد جُمِعَ فعلٌ بالسكون على أفعالٍ نحو: فَرْخٍ وأفْرَاخٍ، كما ذكرته لك، وحُكِيَ عن عاصم أنه قال: "لو كان "الدَّرَكُ" بالفتح، لكان ينبغي أن يقال السُّفْلى لا الأسفل" قال بعض النحويِّين: يعني أنَّ الدَّرَك بالفتح جمع "دَرَكَة"؛ كبَقَرٍ جمع بقَرَةٍ، والجمعُ يُعامَلُ معاملةَ المؤنثة، وهذا غيرُ لازم؛ لأنَّ اسم الجنس الفارقُ بين واحده وجمعه تاءُ التأنيث يجوز تذكيرُه وتأنيثه، إلا ما استُثني وجوبُ تذكيره أو تأنيثه، والدَّرَكُ ليس منه، فيجوزُ فيه الوجهان، هذا بعد تسليم كون "الدَّرْكِ" جمع "دَرَكَةٍ" بالسكون كما تقدم، والدَّرَكُ مأخوذٌ من المُداركة، وهي المتابعةُ، وسُمِّيَتْ طبقاتُ النارِ "دَرَكَاتٍ"؛ لأنَّ بعضها مَدَارِكُ لبعض، أي: متتابعة. قوله: "من النَّارِ" في محلَّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه "الدَّرْك"، والعامل فيها الاستقرار. والثاني: أنه الضميرُ المستتر في "الأسْفَل"؛ لأنه صفةُ، فيتحمل ضميراً. قال الليث: الدَّرْكُ أقْصَى قعْر الشيء؛ كالبَحْر ونحوه، فعلى هذا المُرَاد بالدَّرْكِ الأسْفَل: أقْصَى قعر جَهَنَّم، وأصْلُ هذا من الإدْرَاكِ بمعنى اللُّحُوق، ومنه إدراكُ الطَّعَام وإدْراكُ الغُلاَمِ، قال الضحاك: [الدَّرج] إذا كان بَعْضُها فوقَ بَعْضٍ، والدَّرك إذا كانَ بعضها أسْفَل مِنْ بَعْضٍ. فصل في معنى الدرك قال ابن مَسْعُود: الدَّرْكُ الأسْفَل من النَّارِ: توابِيت من حديدٍ مُقْفَلَة في النَّارِ، وقال أبُو هُرَيْرَة: بَيْتٌ يُقْفَل عليهم، تتوَقَّد فيه النَّارُ من فوقهم ومن تَحْتِهِم. فصل قال ابن الأنْبَارِيّ: قال - تعالى - في صِفَةِ المُنَافِقِين: إنَّهُم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ من النَّارِ، وقال في آلِ فِرْعَوْن: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46] فأيُّهُمَا أشَدُّ عَذَاباً: المُنَافِقُون، أم آل فِرْعوْن؟. وأجَابَ: بأنَّهُ يحتمل أنَّ أشَدَّ العذاب إنَّما يكُون في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقد اجْتَمَع فيه الفَريقَانِ. فصل لماذا كان المنافقون أشد عذاباً من الكفار؟ إنَّما كان المُنَافِقُون أشَدّ عَذَاباً من الكُفَّارِ؛ لأنَّهم مِثْلهم في الكُفْر، وضَمُّوا إليه نَوْعاً آخَرَ من الكُفْرِ، وهو الاسْتِهْزَاء بالإسْلامِ [وأهْلِه أيضاً فإنّهم يُظْهِرُون الإسْلاَم]؛ ليتَمَكَّنُوا من الاطِّلاعِ على أسْرَار المُسْلِمِين، ثُمَّ يُخْبِرُون الكُفَّار بذلك فتتضاعف المِحْنَة. قوله: {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} مانعاً من العذاب. واحْتَجُّوا بهَذِهِ الآيَةِ على إثْبَات الشَّفَاعةِ للفُسَّاقِ من المُسْلِمِين؛ لأنه - تعالى - خَصَّ المُنَافِقِين بهذا التَّهْدِيدِ، ولو كَانَ ذلك حَاصِلاً لِغَيْر المُنَافِقِين، لم يَكُنْ ذلك زَجْراً عن النِّفَاقِ من حَيْثُ إنَّه نِفَاقٌ، ولَيْس هذا اسْتِدْلاَلاً بِدَلِيلِ الخِطَابِ، بل وجْه الاستدلالِ فيه؛ أنه - تعالى - ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عن النِّفَاقِ، فلو حَصَل ذلك مع عَدَمِهِ، لم يَبْقَ زَجْراً عَنْه من حَيْث إنَّه نِفَاقٌ. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ على الاستثناء من قوله: "إِنَّ المُنَافِقِينَ". الثاني: أنه مستثنًى من الضمير المجْرُورِ في "لَهُمْ". الثالث: أنه مبتدأ، وخبرُه الجملةُ من قوله: {فأولئك مَعَ المُؤمنِينَ}، قيل: ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ؛ لشبه المبتدأ باسم الشرط، قال أبو البقاء ومكي وغيرُهما: "مَعَ المُؤمنينَ" خبرُ "أولَئِكَ"، والجملةُ خبر "إِلاَّ الَّذِينَ"، والتقدير: فأولئك مؤمنون مع المُؤمِنِينَ، وهذا التقديرُ لا تقتضيه الصناعةُ، بل الذي تقتضيه الصناعةُ: أن يُقَدَّر الخبرُ الذي يتعلَّق به هذا الظرف شيئاً يليقُ به، وهو "فأولئِكَ مُصَاحِبُونَ أو كائِنونَ أو مستقرُّون" ونحوه، فتقدِّرُه كوناً مطلقاً، أو ما يقاربه. فصل معنى الآية {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}: من النِّفَاقِ وآمَنُوا، "وأَصْلَحُوا" أعْمَالَهُم، "واعْتَصَمُوا باللَّهِ" ووثِقُوا باللَّهِ، {وأخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} وأراد الإخلاَصِ بالقَلْبِ؛ لأن النِّفَاقَ كُفْر القَلْبِ، فَزَوالُهُ يكُونُ بإخلاصِ القَلْبِ، فإذا حَصَلَت هذه الشُّرُوط، فِعنْدَها قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، ولم يَقُلْ: فأولئَك مُؤمِنُون. قال الفَرَّاء: معناه: فَأولَئِك من المُؤمِنِين. قوله: {وَسَوْفَ يُؤْتِ الله [المُؤمِنينَ أجْراً عَظِيماً]} رُسِمَتْ "يُؤتِ" دون "يَاءٍ" وهو مضارعٌ مرفوع، فحقُّ يائه أن تثبت لفظاً وخَطَّاً، إلا أنها حذفتْ لفظاً في الوصل؛ لالتقاء الساكنين [وهما اليَاءُ في اللفظ واللام في الجلالة] فجاءُ الرسمُ تابعاً للفظ، وله نظائرُ تقدَّم بعضها، والقراءُ يقفون عليه دون ياءٍ اتِّباعاً للرسْمِ، إلا يعقوب، فإنه يقف بالياء؛ نظراً إلى الأصل، ورُوي ذلك أيضاً عن الكسَائيِّ وحمزة، وقال أبو عَمْرو: "ينبغي ألاَّ يُوقفَ عليها؛ لأنَّه إنْ وُقِفَ عليها كما في الرسْمِ دون ياء خالَفَ النحويين، وإن وقف بالياء خالَفَ رسْم المصْحَف"، ولا بأسَ بما قالَ؛ لأن الوقْفَ ليس ضروريًّا، فإن اضْطُرَّ إليه واقفٌ؛ لقَطْعِ نفس ونحوه، فينبغي أن يُتابعَ الرسمُ؛ لأنَّ الأطرافَ قد كَثُر حَذفُهَا، ومِمَّا يشبه هذا الموضع قوله: {أية : وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ} تفسير : [غافر: 9] فإنه رسم "تَقِ" بقافٍ، دون هاءِ سكت، وعند النحويين: أنه أنه إذا حُذِفَ من الفعل شيءٌ؛ حتى لم يَبْقَ منه إلا حرفٌ واحدٌ، ووُقِفَ عليه، وجَبَ الإتيانُ بهاء السكت في آخره؛ جَبْراً له؛ نحو: "قِهْ" و "لَمْ يَقِهْ" و "عِهْ" و "لَمْ يَعِهْ"، ولا يُعْتَدُّ بحرف المضارعة؛ لزيادته على بنية الكلمة، فإذا تقرَّر هذا، فنقول: ينبغي ألاَّ يُوقَفَ عليه؛ لأنه إن وُقِفَ بغير هاءِ سكتٍ، خالف الصناعةَ النحويةَ، وإنْ وُقِفَ بهاء خالف رَسْمَ المُصْحف. والمراد: "يؤت الله المؤمنين" في الآخِرَةِ، "أجْراً عَظِيماً" [يعني: الجَنَّة].

البقاعي

تفسير : ولما نهاهم عن فعل المنافقين استأنف بيان جزائهم عنده فقال: {إن المنافقين في الدرك} أي البطن والمنزل {الأسفل من النار} لأن ذلك أخفى ما في النار وأستره وأدناه وأوضعه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأدناه، وهو أيضاً أخبث طبقات النار كما أن كفرهم أخبث أنواع الكفر، وفيه أن من السلطان وضع فاعل ذلك في دار المنافقين لفعله مثل فعلهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وسميت طبقات النار أدراكاً لأناه متداركة متتابعة إلى أسفل كما أن الدرج متراقية إلى فوق. ولما أخبر أنهم من هذا المحل الضنك، أخبر بدوامه لهم على وجه مؤلم جداً فقال: {ولن تجد} أي أبداً {لهم نصيراً *} وأشار بالنهي عن موالاتهم وعدم نصرهم إلى ختام أول الآيات المحذرة من الكافرين {أية : وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} تفسير : [النساء: 45]. ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون منافقاً أولاً - متعذر، وأتبعه ما لاءمه إلى أن ختم بما دل على أن النفاق أغلظ أنواع الكفر استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء أولى، تنبيهاً على أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن مات على ذلك، ولكنه سيق على ذلك الوجه تهويلاً لما ذكره في حيزه وتنفيراً منه فقال تعالى: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق بالندم والإقلاع {وأصلحوا} أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا يراؤون فيها وغيرها بالإقلاع عن النفاق {واعتصموا بالله} أي اجتهدوا في أن تكون عصمتهم - أي ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه. ولما كان الإقلاع عن النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلاً ورأساً في غاية العسر قال حثاً على مجاهدة النفس فيه: {وأخلصوا دينهم} أي كله {لله} أي الذي له الكمال كله، فلم يريدوا بشيء من عبادتهم غير وجهه لا رياء ولا غيره {فأولئك} أي العالو الرتبة {مع المؤمنين} أي الذي صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً في الجنة، وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة العليا من النار {وسوف يؤت الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {المؤمنين} أي بوعد لا خلف فيه وإن أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن طال عذابهم، تهذيباً لهم من المعاصي بما أشار إليه لفظ "سوف" {أجراً عظيماً *} أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي نعيمها، ولا يتكدر يوماً نزيلها، فيشاركهم من كان معهم، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم. ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم، وأنهم يجدون الشفيع بإذنه؛ قال مؤكداً لذلك على وجه الاستنتاج منكراً على من ظن أنه لا يقبلهم بعد الإغراق في المهالك: {ما يفعل الله} أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق {بعذابكم} أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً. ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال: {إن شكرتم} أي نعمه التي من أعظمها إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد، المنقذ من كل ضلال، المبين لجميع ما يحتاج إليه العباد، فأداكم التفكر في حالها إلى معرفة مسديها، فأذعنتم له وهرعتم إلى طاعته بالإخلاص في عبادته وأبعدتم عن معصيته. ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه، ولما كان لا يقبل إلا به قال: {وآمنتم} أي به إيماناً خالصاً موافقاً فيه القلب ما أظهره اللسان؛ ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم، بل يشكر ذلك قال عاطفاً عليه: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً {شاكراً} لمن شكره بإثابته على طاعته فوق ما يستحقه {عليماً *} بمن عمل له شيئاً وإن دق، لا يجوز عليه سهو ولا غلط ولا اشتباه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود ‏{‏إن المنافقين في الدرك الأسفل‏} ‏ قال‏:‏ في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ‏:‏ مبهمة عليهم، أي مقفلة لا يهتدون لمكان فتحها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ‏ {‏إن المنافقين في الدرك الأسفل‏} ‏ قال‏:‏ الدرك الأسفل.‏ بيوت من حديد لها أبواب تطبق عليها، فيوقد من تحتهم ومن فوقهم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة ‏{‏إن المنافقين في الدرك‏} ‏ قال‏:‏ في توابيت ترتج عليهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏في الدرك الأسفل‏} ‏ يعني في أسفل النار‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن كثير قال‏:‏ سمعت أن جهنم أدراك منازل، بعضها فوق بعض‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن أبي الأحوص قال‏:‏ قال ابن مسعود‏:‏ أي أهل النار أشد عذاباً‏؟‏ قال رجل‏:‏ المنافقون‏.‏ قال‏:‏ صدقت، فهل تدري كيف يعذبون‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ يجعلون في توابيت من حديد تصمد عليهم، ثم يجعلون في الدرك الأسفل، في تنانير أضيق من زج، يقال له‏:‏ جب الحزن يطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل. أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن‏:‏ أوصني‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏حديث : أخلص دينك يكفك القليل من العمل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والبيهقي في الشعب عن ثوبان ‏"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏حديث : طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء"‏‏.‏‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي فراس رجل من أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏سلوني عما شئتم‏.‏ فنادى رجل‏:‏ يا رسول الله ما الإسلام‏؟‏ قال‏: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال‏:‏ فما الإيمان‏؟‏ قال‏:‏ الإخلاص‏. قال‏:‏ فما اليقين‏؟‏ قال‏: التصديق بالقيامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع‏:‏ ‏"حديث : ‏نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن‏.‏ إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه، أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي في زوائد الزهد وأبو الشيخ بن حبان عن مكحول قال‏:‏ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة، وأذنه مستمعة، وعينه ناظرة، فأما الأذن فقمع، والعين مقرة لما يوعي القلب، وقد أفلح من جعل قلبه واعياً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل‏:‏ يا رسول الله وما إخلاصها‏؟‏ قال‏: أن تحجزه عن المحارم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال‏:‏ قال الحواريون لعيسى عليه السلام‏:‏ يا روح الله من المخلص لله‏؟‏ قال‏:‏ الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس قال‏:‏ لا يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز وجل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏ما يفعل الله بعذابكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمنا‏ً.‏

ابو السعود

تفسير : {إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} وهو الطبقة التى في قعر جهنم وإنما كان ذلك لأنهم أخبثُ الكفرة حيث ضمّوا إلى الكفر الاستهزاءَ بالإسلام وأهلِه وخِداعَهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم » حديث : ثلاثٌ من كن فيه فهو منافقٌ وإن صامَ وصلى وزعم أنه مسلمٌ مَنْ إذا حدث كذَب وإذا وعد أخلف وإذا ائتُمِنَ خان« تفسير : ونحوُه فمن باب التشديد والتهديدِ والتغليظِ مبالغةً في الزجر وتسميةُ طبقاتِها السبعِ درْكاً لكونها متداركةً متتابعةً بعضها تحتَ بعض وقرئ بفتح الراء وهو لغة كالسَّطْر والسَطَر ويعضده أن جمعه أدراك {ولن تجد لهم نصيراً} يخلِّصهم منه والخطاب كما سبق. {إلا الذين تابوا} أى عن النفاق وهو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم فى الخبر {وأصلحوا} ما أفسدوا من أحوالهم فى حال النفاق {واعتصموا بالله} أى وثقوا به وتمسكوا بدينه {وأخلصوا دينهم} أى جعلوه خالصاً {لله} لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه {فأولئك} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد المنزلة وعلوِّ الطبقة {مع المؤمنين} أى المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضاً مؤمنون أى معهم فى الدرجات العالية من الجنة وقد بُيِّن ذلك بقوله تعالى {وسوف يُؤْتِ الله المؤمنين أجراً عظيماً} لا يقادَر قدرُه فيساهمونهم فيه. {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} استئناف مسوقٌ لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرُهم لا شيء آخَرُ فيكون مقرراً لما قبله من إثابتهم عن توبتِهم وما استفهاميةٌ مقيدةٌ للنفي على أبلغ وجه وآكَدِه أي أيَّ شيءٍ يفعل الله سبحانه بتعذيبكم أيتشفّى به من الغيظ أم يُدرك به الثأر أم يستجلب به نفعاً أم يستدفع به ضرراً كما هو شأن الملوك وهو الغنيُّ المتعالى عن أمثال ذلك وإنما هو أمرٌ يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيبُ لا محالة وتقديمُ الشكرِ على الإيمان لما أنه طريقٌ موصِلٌ إليه فإنه يدرِك أولاً ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكرُ شكراً مبْهماً ثم يترقى إلى معرفة المُنعِم فيؤمن به وجوابُ الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه {وكان الله شاكراً} الشكرُ من الله سبحانه هو الرضا باليسير من طاعة عبادِه وإِضعاف الثواب بمقابلته {عليماً} مبالِغاً فى العلم بجميع المعلوماتِ التي من جملتها شكركم وإيمانكم فيستحيل أن لا يوفيَكم أجورَكم. {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ} عدمُ محبتِه تعالى لشيء كنايةٌ عن سَخَطه والباءُ متعلقةٌ بالجهر، ومِنْ بمحذوف وقع حالاً من السوء أي لا يحب الله تعالى أن يجهرَ أحدٌ بالسوء كائناً من القول {إَلاَّ مَن ظُلِمَ} أي إلا جهرَ مَن ظُلم بأن يدعُوَ على ظالمه أو يَتظلَّمَ منه ويذكرَه بما فيه من السوء فإن ذلك غيرُ مسخوط عنده سبحانه، وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيردَّ على الشاتم {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} تفسير : [الشورى، الآية 41]، وقيل: (ضافَ رجلٌ قوماً فلم يُطعِموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت). وقرىء إلا من ظَلَم على البناء للفاعل فالاستثناءُ منقطِعٌ أي ولكنِ الظالمُ يرتكب ما لا يُحبه الله تعالى فيجهر بالسوء {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً} لجميع المسموعاتِ فيندرجُ فيها كلامُ المظلومِ والظالم {عَلِيماً} بجميع المعلوماتِ التي من جملتها حالُ المظلومِ والظالم، فالجملةُ تذيـيلٌ مقرِّرٌ لما يفيده الاستثناء.

القشيري

تفسير : دلَّت الآية على أنَّ المنافق ليس بمُسْتأمنٍ لأنَّ الإيمان ما يوجب الأمان، فالمؤمن يتخلَّص بإيمانه من النار، فما يكون سبب وقوعه في الدرك الأسفل من النار لا يكون إيماناً، ويقال هذا تحقيق قوله: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54، والأنفال: 30] أي مَكْرُه فوق كل مَكْرٍ. لمَّا أظهر المنافق ما هو مكر مع المؤمنين كانت عقوبتهم أشد من عقوبة من جاهر بكفره. ويقال نقلهم في آجلهم إلى أشد ما هم عليه في عاجلهم، لِمَا في الخبر: "حديث : من كان بحالةٍ لقي الله بها"تفسير : فالمنافق - اليومَ - في الدرك - الأسفل من الحجر - فكذلك ينقلون إلى الدرك الأسفل من النار. والدرك الأسفل من الحجر - اليوم - لهم ما عليهم من اسم الإيمان وليس لهم من الله شظية وهذا هو البلاء الأكبر. ويقال استوجبوا الدرك الأسفل من النار لأنهم صحبوا اليوم اسم الله الأعظم لا على طريقة الحرمة. ويقال استوجبوا ذلك لأنهم أساءوا الأدب في حال حضورهم بألسنتهم، وسوءُ الأدبِ يوجِبُ الطردَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار} هو الطبقة التى فى قعر جهنم وهى الهاوية والنار سبع دركات سميت بذلك لانها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض والدركات فى النار مثل الدرجات فى الجنة كل ما كان من درجات الجنة اعلى فثواب من فيه اعظم وما كان من دركات النار اسفل فعقاب من فيه اشد. وسئل ابن مسعود عن الدرك الاسفل فقال هو توابيت من حديد مبهمة عليهم لا ابواب لها. فان قلت لم كان المنافق اشد عذابا من الكافر. قلت لانه مثله فى الكفر وضم الى كفره الاستهزاء بالدين والخداع للمسلمين فالمنافقون اخبث الكفرة. فان قلت من المنافق. قلت هو فى الشريعة من اظهر الايمان وابطن الكفر واما تسمية من ارتكب ما يفسق به بالمنافق فللتغليظ والتهديد والتشبيه مبالغة فى الزجر كقوله من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومنه قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم انه مسلم من اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ائتمن خان " .تفسير : وقيل لحذيفة رضى الله عنه من المنافق فقال الذى يصف الاسلام ولا يعمل به. وعن الحسن اتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه فاصبح قد عمم وقلد واعطى سيفا يعنى الحجاج. قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل امة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم. وعن عبد الله بن عمر ان اشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة المنافقون ومن كفر من اصحاب المائدة وآل فرعون قال الله تعالى فى اصحاب المائدة {أية : فإنى أعذبه عذابا شديدا لا اعذبه احدا من العالمين} تفسير : [المائدة: 115]. وقال فى حق المنافقين {أية : إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار} تفسير : [النساء: 145]. وقال {أية : ادخلوا آل فرعون اشد العذاب} تفسير : [غافر: 46]. قيل لا يمتنع ان يجتمع القوم فى موضع واحد ويكون عذاب بعضهم اشد من بعض ألا ترى ان البيت الداخل فى الحمام يجتمع فيه الناس فيكون بعضهم اشد اذى بالنار لكونه ادنى الى موضع الوقود وكذلك يجتمع القوم فى القعود فى الشمس وتأذى الصفراوى اشد واكثر من تأذى السوداوى والمنافق فى اللغة مأخوذ من النفق وهو السر اى يستتر بالاسلام كما يستتر الرجل بالسرب وقيل هو ماخوذ من قولهم نافق اليربوع اذا دخل نافقاءه فاذا طلب من النافقاء خرج من القاصعاء واذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء والنافقاء والقاصعاء حجر اليربوع {ولن تجد لهم نصيرا} اى مانعا يمنع عنهم العذاب ويخرجهم من الدرك الاسفل من النار والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الدَّرَك والدَّرْك لغتان، كالظَّعَن والظَّعْن، والنَّهَر والنَّهْر، والنَّشَر والنَّشْر، وهي الطبقة السفلى، وسميت طبقاتهم دركات؛ لأنها مُتداركة متتابعة، وهي ضد الدرجات، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي: في الطبقة السفلى في قَعر جهنم؛ لإنهم أخبث الكفرة، حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وخداع المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (هم في توابيت من النار مقفلة عليهم في النار، مطبقة عليهم). وعن ابن عمر رضي الله عنه: ( إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، وممن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون لقوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} وقال في أصحاب المائدة: {أية : فَإِنْي أُعَذِبُهُ عَذَابًا لآَّ أُعَذِبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالمِينَ} تفسير : [المَائدة:115]. وقال:{أية : ادْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَ الْعَذَابِ }تفسير : [غافر:46]، {ولن تجد لهم نصيرًا} يمنعهم من ذلك العذاب. {إلا الذين تابوا} عن النفاق {وأصلحوا} ما أفسدوا في سرائرهم وأعمالهم في حال النفاق، {واعتصموا بالله} أي: وثقوا به وتمسكوا به، دون أحد سواه، {وأخلصوا دينهم لله} لا يريدون بطاعته إلا وجه الله، ولا رياءً ولا سمعةً {فأولئك مع المؤمنين} في الدين. قال الفرَّاء: من المؤمنين، وقال العتبي: حاد عن كلامهم غيظًا عليهم، ولم يقل هم المؤمنون. هـ. قلت: إنما قال: {مع المؤمنين} ولم يقل: منهم، لأن التخلص من النفاق صعب، ولا يكون من المؤمنين، حتى يتخلص من جميع شعبه، وهو عزيز، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهُوَ مُنَافقٌ، وإن صَامَ وصلَّى وزَعم أنه مُسلمٌ، من إذا حدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخلفَ، وإذا ائُتمِنَ خَانَ ". تفسير : {وسوف يُؤت الله المؤمنين} المخلصين {أجرًا عظيمًا} فيساهُمونَهم فيه إن تابوا وأصلحوا، فإن الله غني عن عذابهم، ولذلك قال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي: لا حاجة له في عذابكم، فلا يُشفى به غيظًا ولا يدفع به ضررًا، أو يستجلب به نفعًا؛ لأنه غنيَّ عن المنافع، وإنما يعاقب المصر بكفره، لأن إصراره عليه كسوء المزاج يؤدي إلى مرض فإن زال بالإيمان والشكر، ونقَّى منه قلبه، تخلص من تبعته. وإنما قدم الشكر؛ لإن الناظر يدرك النعم أولاً فيشكر شكرًا مبهمًا، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. قاله البيضاوي. وقال الثعلبي: فيه تقديم تأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان. {وكان الله شاكرًا} لأعمال عباده، يقبل اليسير ويعطي الكثير، {عليمًا} بحقيقة شكرهم وإيمانهم، ومقدار أعمالهم، فيضاعفها على قدر تخليصها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا شيء أصعب على النفس من الإخلاص؛ كلما اجتهد العبد في قطع الرياء؛ نبت على لون آخر، فلا يتطهر العبد منها إلا بتحقيق الفناء والغيبة عن السوى بالكلية. كما قال الششتري رضي الله عنه: شعر : طهَّرَ العَينَ بالمَدامِعِ سَكبًا مِن شُهُودِ السَّوى تَزُل كلُّ عِلَّه تفسير : قال بعضهم: [ لا ينبت الإخلاص في القلب؛ حتى يَسقط من عين الناس، ويُسقط الناسَ من عينه]. والإخلاص من أعمال القلوب، فلا يطَّلع عليه إلا علآَّم الغيوب، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار، وقد تدخل الرياء مع الإسرار، وتتخلص من القلب مع الإظهار، وفي الحكم: " ربما دخل الرياءُ عليك حيث لا ينظر الخلق إليك". فإذا تخلص العبد من دقائق الرياء، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه، كان مع المخلصين المقربين؛ فيكون عمله موفورًا، وسعيه مشكورًا. وبالله التوفيق. وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال: إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل؛ لأنهم جحدوا بعد العلم، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته؛ لأنه عَصَى عن علم. قلت: وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب "حديث : وَلَولاَ أنَا لَكَانَ فِي الدَّركِ الأسفلَ مِنَ النَّارِ"تفسير : . وذلك لاعراضه مع العلم. وقال في الإحياء أيضًا: شدَّد أمر المنافقين؛ لإن الكافر كفرَ وأظهَرَ، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرًا آخر، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظَّم أمر المخلوقين. هـ. والحاصل: أن التشديد في الرياء والنفاق؛ لِمَا في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق، فكان أعظمَ من الكفر الصريح. هـ. من الحاشية.

الطوسي

تفسير : [القراءة والحجة]: قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر، الا العلمي {الدرك} بسكون الراء الباقون بفتحها وهما الغتان مثل نهر ونهر وشمع وشمع فمن فتح الراء قال في الجمع: إدراك في القلة والكثرة ومن سكنها قال إدراك وفي الكثير الدرك والتسكين لغة وليس يسكن من المفتوح، لان مثل ذلك لا يجوز تسكينه، فلا يسكن جمل وجبل وانما هما لغتان مثل شمع وشمع ونهر ونهر. قالوا بفتح الراء افصح، سمع من العرب من يقول: أعطني دركاً اصل به حبلي، يعني ما يصل به حبله الذي عجز عن بلوغ الركية. [المعنى]: ومعنى الاية الاخبار من الله أن المنافقين في الطبق الاسفل من النار. قال عبد الله: المنافقون في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار وبه قال ابو هريرة، وابن عباس. قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير وأبو عبيدة، سمعنا ان جهنم إدراك منازل. وليس يمتنع ان يجعل الله قوماً من الكفار في الدرك الاسفل، كفرعون وهامان وأبى جهل، فان هؤلاء اعظم كفراً من المنافقين وليس في اخبار الله ان المنافقين هناك ما يمنع أن يكون غيرهم فيه أيضاً، وان تفاضلوا في العقاب قال ابن جريج: هذه الايات نزلت في عبد الله بن ابي واصحابه. قال البلخي يجوز أن يكون الأدراك منازل بعضها أسفل من بعض بالمسافة، ويجوز أن يكون ذلك اخباراً عن بلوغ الغاية في العقاب والاهانة، كما يقال بلغ فلاناً السلطان الحضيض، وبلغ فلاناً العرش. ويريدون بذلك علو المنزلة وانحطاطها لا المسافة. وقوله: {ولن تجد له نصيراً} معناه لا تجد يا محمد، لهؤلاء المنافقين إذا جعلهم الله في اسفل طبقة من النار ناصراً ينصرهم، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليم عقابه، ثم استثنى فقال: {إلا الذين تابوا} فاستثنى منهم التائبين من نفاقهم إذا اصلحوا نباتهم، واخلصوا الدين لله، وتبرؤا من الآلهة والانداد، واعتصموا يعني تمسكوا بكتاب الله وصدقوا رسله، فانهم إذا فعلوا ذلك فانهم يكونون مع المؤمنين في الجنة، ومحل الكرامة، ويسكنهم مساكنهم وما وعدهم من الجزاء على توبتهم، وسوف يؤتي الله المؤمنين اجراً عظيما. فكان تقدير الآية إن الذين راجعوا الحق، واقروا بوحدانية الله، وتصديق رسوله، وما جاء به من عند الله، واصلحوا اعمالهم فعملوا بما امرهم الله به وادوا فرضه وانتهوا عما نهاهم، وانزجروا عن معاصيه، وتمسكوا بعهد الله وميثاقه، فقطع حينئذ انه تعالى يؤتي المؤمنين، أي يعطيهم أجراً، يعني ثواباً عظيما، ودرجات في الجنة كما اعطى من مات على النفاق منازل في النار في اسفل طبقة منها. وهذه الجملة معنى قول حذيفة بن اليمان، وجميع المفسرين. {وسوف يؤت الله} كتبت في المصحف بلا ياء تخفيفاً ومثله {يوم يأت لا تكلم} وقوله: {ما كنا نبغ} وغير ذلك. وكان الكسائي يثبت الياء في الوصل دون الوقف، ثم رجع عنه. وابو عمرو يثبتها في الوصل واهل المدينة يثبتونها في الحالين

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} استيناف فى موضع التّعليل للنّهى، وللعالم السّفلىّ كالعالم العلوىّ مراتب وكلّيّاتها سبع مراتب والاراضى السّبع اشارة اليها وتسمّى طبقات ودركات، ولمّا كان كفر النّفاق اسوء اقسام الكفر واقبحها كان سبباً لانجرار صاحبه الى الدّرك الاسفل من النّار {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} لم يقل لن تجد لهم وليّاً ولا نصيراً للاشارة الى انّ المنافقين وقعوا فى الدّرك الاسفل فى الدّنيا، والولىّ لا يكون الا من ولاية محمّد (ص) الّتى تفتح باب رحمة الله على العباد ولا يتصوّر فتح باب الرّحمة لمن كان فى الدّرك الاسفل حتّى يحتاج الى التّصريح بنفيه عنهم، بخلاف النّصير فانّه من رسالة محمّد (ص) والرّسالة لمّا كانت ظهور رحمة الله الرّحمانيّة يتصوّر تعلّقها بكلّ احد ومع ذلك لا يكون له نصير، وما بقى بين الصّوفيّة من تعاضد نفسين حين التّوبة والتّلقين، انّما هو باعتبار مظهريّة الرّسالة والولاية وباعتبار النّصرة والولاية.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}: ان الذين أوتوا بالقول، وضيعوا العمل، سواء كان أيضا الشرك فى قلوبهم أو لم يكن، وقال غير أصحابنا: المنافقون هم الذين أظهروا الشرك، وأظهروا التوحيد، وقال أصحابنا: هم الذين ضيعوا العمل وفى ألسنتهم وقلوبهم التوحيد، ويدل له قوله صلى لله عليه سلم: "حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم أنه مسلم: من اذا حدث كذب، واذا وعد أخلف، واذا اؤتمن خان ". تفسير : وزعم غيرهم أنه سمى من كن فيه منافقا تغليظا وتشبيها بمن أضمر الشرك، وهو خلاف الظاهر، نعم الذى يظهر لى أن المنافق يطلق بالوجهين، كما رأيت الدلائل كالمنافقين فى صورة التوبة فان الظاهر أنهم مشركون، وذكر الخازن قول أصحابنا بقوله، وقيل: هو الذى يصف الاسلام بلسانه، ولا يعلم بشرائعه، أو عنى قوله حذيفة المنافق الذى يصف الاسلام، ولا يعمل به، وقول الحسن أبى على: النفاق زمان، وهو متروك فيه، فأصبح قد عمم وقلد وأعطى سيفا يعنى الحجاج. وقول ابن عمر لما قال له: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فاذا خرجنا تكلمنا بخلاف إنا كنا نعد هذا من النفاق، وهذه الروايات دلائل لأصحابنا. والدرك الأسفل من النار الطبقة السفلى من النار، سميت طبقاتها دركات لأنها تداركت آى تلاحقت واتصلت يتلوا بعض بعضا، وبعض تحت بعض متصل به، وانما كان المنافقون فى سفلاهن على مذهب أصحابنا فيما يظهر لى، لأنهم علموا ما لم يعلمه المشركون وحققوا ما لم يحقق المشركون، ودركات جنهم سبع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : ويل لمن علم ولم يعمل سبع مرات " تفسير : فكانت لهم مجاوزة ست دركات والوقوع فى السابعة الجامعة لأنواع عذاب الست وزيادة، ولأنهم شاركوا المشركين فى مطلق المعاصى، وزادوا بالخدع للمسلمين وغشهم. والاستهزاء بالايمان وان لم يكونوا بصورة الخداع، وظهر أمرهم ففيهم الاستهزاء به وان أضمروا الشرك اذا أطلقنا اسم المشرك على مضمره، ففيهم تلك الشرور كلها مع عظم الخدع بكونه بالشرك، ولا سيما أن ضموا اليه نقل أسرار المسلمين للمشركين، والدلالة على المسلمين لمن يقتلهم أو يأخذ مالهم، وكانوا أشد تمكنا من المسلمين، لأنهم عدو داخل، ومن حضر منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أشد عذابا، لأنه شاهد المعجزات الحق أرق. قال أبو هريرة، وابن سعود وغيرهم: المنافقون فى الدرك الأسفل من النار فى توابيت من النار، تقفل عليهم، وتوقد النار من تحتهم وفوقهم، وعبارة بعض غير أصحابنا أن المنافقين مختصون بزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس على ظاهره، وانما أراد نفى تسمية من فسق بعد موته منافقا، لم يرد أنه ان اتصف أحد بعده صلى الله عليه سلم بصفة المنافقين على عهده لا يسمى منافقا، وغير أصحابنا يقولون: ان الفسقة من هذه الأمة يكونون فى الطبقة الأولى من النار، وهى الأعلى والظاهر أنهم يقولون كذلك فى فسقة سائر الأمم، وأنهم يقولون باخراجهم أيضا من النار، كما يقولون فى فسقة هذه الأمة، وقرأ الكوفيون باسكان راء الدرك والفتح أولى، لأنه يجمع على ادراك لا أدرك، وفسر بعضهم الدرك بالفتح والاسكان ببيت مقفل عليهم توقد النار فوقه وتحته، وبعض بتابوت توقد فوقه وتحته. {وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}: يخرجهم عن الدرك، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغى لهم نصيرا، ولكن المعنى لو بحثت لهم عن نصير لم تجده أو لا ترى لهم نصيرا لأنه غير موجود.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ المُنَافِقِينَ} المضمرين الشرك {فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ} الهاوية، محل آل فرعون، قال الله تعالى: {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} تفسير : [غافر: 46]، ويليها الجحيم لأهل الشرك، فسقر للمجوس، فالسعير للصابئين، فالحطمة لليهود فلظى للنصارى، فجهنم لفساق الموحدين، سميت دركات، لأن بعضهن مدارك لبعض أو متابع، والدرجات والدركات بمعنى واحد، إلا أن الدرك باعتبار الهبوط، والدرج باعتبار الصعود، وقد تسمى السبع كلها بجهنم، وبعض ببعض {مِنَ النَّار} لأنهم صموا إلى الكفر، استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين، وأما المنافق يعمل الكبائر الذى لم يضمر الشرك فلا يكون فى الدرك الأسفل من النار عندى، بل فى الأعلى، كيف يكون تحت المشركين ومعهم وهو موحد، فإنا نرى أهل الكتاب فوق سائر أهل الشرك، لتعاطيهم متابعة الأنبياء والكتب، ولنا في تسمية الفاسق غير المشرك منافقا، وأنه لا يسمى مسلما حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خانتفسير : ، ونحوه، وأما دعوى أن تسميته منافقا مبالغة أو تشبيه بالمنافق الحقيقى وهو مضمر الشرك فلا دليل عليها، ولنا فى قوله: وزعم أنه مسلم، أن حقيقة المسلم من يوفى، وإن لم يوف بالدين لا يسمى مسلما إلا مجازا {وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} يخرجهم من ذلك الدرك الأسفل إلى طبقة فوقها، أو من النار كلها.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} أي في الطبقة السفلى منها وهو قعرها، ولها طبقات سبع تسمى الأولى كما قيل: جهنم، والثانية: لظى، والثالثة: الحطمة، والرابعة: السعير، والخامسة: سقر، والسادسة: الجحيم، والسابعة: الهاوية، وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها؛ وتسمية تلك الطبقات دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض، والدرك كالدرج إلا أنه يقال باعتبار الهبوط، والدرج باعتبار الصعود، وفي كون المنافق في الدرك الأسفل إشارة إلى شدّة عذابه. وقد أخرج ابن أبـي الدنيا عن الأحوص عن ابن مسعود ـ أن المنافق يجعل في تابوت من حديد يصمد عليه ثم يجعل في الدرك الأسفل ـ وإنما كان أشد عذاباً من غيره من الكفار لكونه ضم إلى الكفر المشترك استهزاءاً بالإسلام وخداعاً لأهله، وأما ما روى في «الصحيحين» من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد غدر، وإذا خاصم فجر»تفسير : فقد قال المحدثون فيه: إنه مخصوص بزمانه صلى الله عليه وسلم لاطلاعه بنور الوحي على بواطن المتصفين بهذه الخصال فأعلم عليه الصلاة والسلام أصحابه رضي الله تعالى عنهم بأماراتهم ليحترزوا عنهم، ولم يعينهم حذراً عن الفتنة وارتدادهم ولحوقهم بالمحاربين، وقيل: ليس بمخصوص ولكنه مؤل بمن استحل ذلك، أو المراد من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخلص، وأطلق صلى الله عليه وسلم ذلك عليه تغليظاً وتهديداً له، وهذا في حق من اعتاد ذلك لا من ندر منه، أو هو منافق في أمور الدين عرفاً والمنافق في العرف يطلق على كل من أبطن خلاف ما يظهر مما يتضرر به وإن لم يكن إيماناً وكفراً، وكأنه مأخوذ من النافقاء، وليس المراد الحصر وهذا صدر منه صلى الله عليه وسلم باقتضاء المقام، ولذا ورد في بعض الروايات «ثلاث» وفي بعضها «أربع». وقرأ الكوفيون {الدرك} بسكون الراء وهو لغة كالسطر والسطر، والفتح أكثر وأفصح لأنه ورد جمعه على أفعال، وأفعال في فعل المحرك كثير مقيس، ووروده في الساكن نادر كفرخ وأفراخ، وزند وأزناد ـ وكونه استغنى بجمع أحدهما عن الآخر جائز لكنه خلاف الظاهر، فلا يندفع به الترجيح والكلام مخرّج مخرج الحقيقة، وزعم أبو القاسم البلخي أن لا طبقات في النار، وأن هذا إخبار عن بلوغ الغاية في العقاب كما يقال: إن السلطان بلغ فلاناً الحضيض وفلاناً العرش، يريدون بذل انحطاط المنزلة وعلوها لا المسافة، ولايخفى أنه خلاف ما جاءت به الآثار، و {مِنَ ٱلنَّارِ} في محل النصب على الحال؛ وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه {ٱلدَّرْكِ} والعامل الاستقرار، والثاني: أنه الضمير المستتر في {ٱلأَسْفَلِ} لأنه صفة، فيتحمل الضمير أي حال كون ذلك من النار. {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} يخرجهم منه أو يخفف عنهم ما هم فيه يوم القيامة حين يكونون في الدرك الأسفل وكون المراد ولن تجد لهم نصيراً في الدنيا لتكون الآية وصفاً لهم بأنهم خسروا الدنيا والآخرة ليس بشيء كما لا يخفى، والخطاب لكل من يصلح له.

ابن عاشور

تفسير : عقّب التعريض بالمنافقين من قوله: {لا تتّخذوا الكافرين أولياء} كما تقدّم بالتصريح بأنّ المنافقين أشدّ أهل النار عذاباً. فإنّ الانتقال من النهي عن اتّخاذ الكافرين أولياء إلى ذكر حال المنافقين يؤذن بأنّ الذين اتّخذوا الكافرين أولياء معدودن من المنافقين، فإنّ لانتقالات جمل الكلام معاني لا يفيدها الكلام لما تدلّ عليه من ترتيب الخواطر في الفكر. وجملة {أن المنافقين} مستأنفة استئنافاً بيانياً، ثانياً إذ هي عود إلى أحوال المنافقين. وتأكيد الخبر بــــ (إنّ) لإفادة أنّه لا محِيصَ لهم عنه. والدّرك: اسم جَمع دَرَكة، ضدّ الدُّرج اسم جمع دَرجة. والدركة المنزلة في الهبوط. فالشيء الذي يقصد أسفله تكون منازل التدليّ إليه دركات، والشيء الذي يقصد أعلاه تكون منازل الرقيّ إليه درجات، وقد يطلق الأسمان على المنزلة الواحدة باختلاف الاعتبار وإنّما كان المنافقون في الدرك الأسفل، أي في أذلّ منازل العذاب، لأنّ كفرهم أسوأ الكفر لما حفّ به من الرذائل. وقرأ الجمهور: {في الدرَك} بفتح الراء على أنّه اسم جمع دَرَكة ضدّ الدرجة. وقرأه عاصم. وحمزة، والكسائي، وخلف بسكون الراء وهما لغتان وفتح الراء هو الأصل، وهو أشهر. والخطاب في {ولن تجد لهم نصيراً} لكلّ من يصحّ منه سماع الخطاب، وهو تأكيد للوعيد، وقطع لرجائهم، لأنّ العرب ألفوا الشفاعات والنجدات في المضائق. فلذلك كثر في القرآن تذييل الوعيد بقطع الطمع في النصير والفداء ونحوهما. واستثنى من هذا الوعيد من آمن من المنافقين، وأصلح حاله، واعتصم بالله دون الاعتزاز بالكافرين، وأخلص دينه لله، فلم يشبْه بتردّد ولا تربّص بانتظار من ينتصر من الفريقين: المؤمنين والكافرين، فأخبر أنّ من صارت حاله إلى هذا الخير فهو مع المؤمنين، وفي لفظ (مع) إيماء إلى فضيلة من آمن من أوّل الأمر ولم يَصِم نفسه بالنفاق لأنّ (مع) تدخل على المتبوع وهو الأفصل. وجيء باسم الإشارة في قوله: {فأولئك مع المؤمنين} لزيادة تمييز هؤلاء الذين تابوا، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة. وقد علم الناس ما أعدّ الله للمؤمنين بما تكرّر في القرآن، ولكن زاده هنا تأكيداً بقوله: {وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً}. وحرف التنفيس هنا دلّ على أنّ المراد من الأجر أجر الدنيا وهو النصر وحسن العاقبة وأجر الآخرة، إذ الكلّ مستقبل، وأن ليس المراد منه الثواب لأنّه حصل من قبل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات النار عياذاً بالله تعالى. وذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر: 46]. وذكر في موضع آخر: أنه يعذب من كفر من أصحاب المائدة عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين وهو قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِين} تفسير : [المائدة: 115] فهذه الآيات تبين أن أشد أهل النار عذاباً المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أصحاب المائدة، كما قاله ابن عمر - رضي الله عنهما - والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان معروفتان وقراءتان سبعيتان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُنَافِقِينَ} (145) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ المُنَافِقِينَ سَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي أسْفَلِ طَبَقَاتِ (دَرَكَاتِ) نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَنْ يَنْصُرَهُمْ أحَدٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ. الدَّرْكِ - الطَّبَقَةِ تَكُونُ أسْفَلَ مِنَ الأخْرَى. وَالنَّارُ سَبْعُ دَرَكَاتٍ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّها مُتَدَارِكَةٌ مُتَتَابِعَةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولنر دقة التربية الإيمانية. فلم يأت الحق بفصل في كتابه عن المنافقين يورد فيه كل ما يتعلق بالمنافقين، لا، بل يأتي بلمحة عن المنافقين ثم يأتي بلقطة أخرى عن المؤمنين، حتى ينفِّر السامع من وضع المنافق ويحببَه في صفات المؤمن، وهنا يقول: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}. والدرك دائماً في نزول. والأثر الصالح يميز لنا ذلك بالقول: "النار دركات كما أن الجنة درجات". فالنزول إلى أسفل هو الدرك، والصعود إلى أعلى هو صعود الدرج. وفي عصرنا نضع مستوى سطح البحر كمقياس؛ لأن اليابسة متعرجة، أما البحر فهو مستطرق. ونستخدم في الأمر الدقيق - أيضا - ميزان المياه، وعندما تسقط الأمطار على الطرق تكشف لنا عمل المقاول الذي رصف الطرق، هل أتقن هذا العمل أو لا؟ ونحن نلقي دلوا من المياه في الحمام بعد تبليطه حتى ينكشف جودة أو رداءة عمل العامل، إذن هناك شيء يفضح شيئا آخر. والقول المصري الشائع: "إن الذي يقوم بعمل المحارة هو الذي يكشف عامل البناء". فلو أن الحائط غير مستو؛ فعامل المحارة مضطر أن يسد الفجوات والميول حتى يستوي سطح الحائط.. والذي يكشف جودة عامل المحارة هو عامل طلاء الحائط؛ لأنه إما أن يستخدم المعجون بكثرة ليملأ المناطق غير المستوية في الحائط، وإما أن يجد الأمر سهلا. والذي يكشف جودة أو رداءة عمل عامل الطلاء هي أشياء طبيعية مثل الغبار. والعامل الذي يريد أن يغش هو الذي يسرع بتسليم البناء؛ لأن الغبار الذي يوجد في الجو يمشي في خط مستقيم، وعندما يوجد جدار تم طلاؤه بمادة غير جيدة فالغبار يلتصق به وكأن الله قد أراد بذلك أن يفضح من لا يتقن عمله، وكل شيء مرده إلى الله حتى يصل الخلق جميعا إلى الحق سبحانه مفضوحين، إلا المؤمنين الذين يعملون صالحاً، فهؤلاء يسترهم بعملهم الصالح. {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}. وسبحانه وتعالى سبق أن عرض لنا صورة المنافقين المهزوزة التي لا ثبات لها على رأي، ولا وجود لها على لون يحترمه المجتمع الذي يعيشون فيه فقال عنهم: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} تفسير : [النساء: 143] والذبذبة لون من أرجحة الشخصية التي لا يوجد لها مقوم ذاتي. وسبحانه وتعالى حين عرضهم هذا العرض المشوه، يوضح: أن جزائي لهم حق يناسب ما فعلوه. وقد هيأ الحق الأذهان ليجعلها مستعدة لقبول الحكم الذي أنزله عليهم حتى لا تأخذ الناس شفقة عليهم أو رحمة بهم،وسبحانه حين يحكم حكما فهو يضمن بقيوميته ووحدانيته ألا يوجد منازع له في الحكم. وكان من الممكن أن يقول سأجعله في الدرك الأسفل من النار. ولن توجد قوة أخرى تنتشل المنافق؛ لذلك أتبع الحق الحكم بقوله: {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} أي أنه حكم مشمول بالنفاذ، ولن يعدله أحد من خلق الله، فسبحانه له الملك وحده، وقد جعل سبحانه الملك في الدنيا لأسباب الناس أيضاً، أما في الآخرة فلا مِلك لأحد ولا مُلك لأحد. {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] وبعد ذلك يتيح الحق لأقوام من المنافقين أن يعدلوا رأيهم في المسألة وأن يعلنوا إيمانهم وأن يتوبوا عما فعلوه - أتاح لهم أن يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها فلم يغلق الباب دونهم بل قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} فَجَهَنَمُ أَدرَاكٌ معناهُ مَنازِلٌ، وأَطْباقٌ. ويقالُ: إِنَّها تَوابيتُ مِنْ حَدِيدٍ مُبهمةٍ: معناهُ مُقْفَلةٌ عَلِيهِمْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن مآل المنافقين أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشر الحالات من العقاب. فهم تحت سائر الكفار لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا يحس. ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام لكل منافق إلا مَنْ مَنَّ الله عليهم بالتوبة من السيئات. { وَأَصْلَحُوا } له الظواهر والبواطن { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } والتجأوا إليه في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم. { وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ } الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان { لِلَّهِ } . فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة وسلِمُوا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات { فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: { وَأَصْلَحُوا } لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقفِ الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما. وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرا عظيما، مع أن السياق فيهم. بل قال: { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } لأن هذه القاعدة الشريفة -لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثوابًا أو عقابا وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم. ثم أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ } والحال أن الله شاكر عليم. يعطي المتحملين لأجله الأثقال، الدائبين في الأعمال، جزيل الثواب وواسع الإحسان. ومن ترك شيئًا لله أعطاه الله خيرًا منه. ومع هذا يعلم ظاهركم وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من إخلاص وصدق، وضد ذلك. وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه. والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه.