Verse. 639 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِلَّا الَّذِيْنَ تَابُوْا وَاَصْلَحُوْا وَاعْتَصَمُوْا بِاللہِ وَاَخْلَصُوْا دِيْنَھُمْ لِلہِ فَاُولٰۗىِٕكَ مَعَ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۰ۭ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللہُ الْمُؤْمِنِيْنَ اَجْرًا عَظِيْمًا۝۱۴۶
Illa allatheena taboo waaslahoo waiAAtasamoo biAllahi waakhlasoo deenahum lillahi faolaika maAAa almumineena wasawfa yuti Allahu almumineena ajran AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا الذين تابوا» من النفاق «وأصلحوا» عملهم «واعتصموا» وثقوا «بالله وأخلصوا دينهم لله» من الرياء «فأولئك مع المؤمنين» فيما يؤتونه «وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما» في الآخرة وهو الجنة.

146

Tafseer

الرازي

تفسير : وأعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين، وذلك لأنه تعالى شرط في إزالة العقاب عنهم أموراً أربعة: أولها: التوبة، وثانيها: إصلاح العمل، فالتوبة عن القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن، وثالثها: الاعتصام بالله، وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت، لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها. ورابعها: الإخلاص، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم أولاً: بترك القبيح، وثانياً: بفعل الحسن، وثالثاً: أن يكون غرضهم في ذلك الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى، ورابعاً: أن يكون ذلك الغرض وهو طلب مرضاة الله تعالى خالصاً وأن لا يمتزج به غرض آخر، فإذا حصلت هذه الشرائط الأربعة فعند ذلك قال: {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولم يقل فأولئك مؤمنون، ثم أوقع أجر المؤمنين في التشريف لإنضمام المنافقين إليهم، فقال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند الله تعالى.

القرطبي

تفسير : استثناء ممن نافق. ومِن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأً ومَعاذا، ويُخلِص دينه لله؛ كما نصت عليه هذه الآية؛ وإلا فليس بتائب؛ ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم. والله أعلم. روى البخاري عن الأسود قال: كنا في حَلْقة عبدالله فجاء حُذيفَة حتى قام علينا فسلّم ثم قال: لقد نزل النفاق على قوم خيرٍ منكم، قال الأسود: سبحان اللهٰ إن الله تعالى يقول: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}. فتبسم عبدُالله وجلس حذيفة في ناحية المسجد؛ فقام عبدالله فتفرّق أصحابه فرماني بالحصى فأتيته. فقال حذيفة: عجبت من ضحِكه وقد عرف ما قلت: لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيراً منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم. وقال الفرّاء: معنى {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من المؤمنين. وقال القتبي: حاد عن كلامهم غضباً عليهم فقال: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل: هم المؤمنون. وحذفت الياء من {يُؤْتِ} في الخَطِّ كما حذفت في اللفظ؛ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله { أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } تفسير : [قۤ: 41] و { أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 18] و { أية : يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } تفسير : [القمر: 6] حذفت الواوات لالتقاء الساكنين.

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} عن النفاق. {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق. {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} وثقوا به أو تمسكوا بدينه. {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه سبحانه وتعالى. {فَأُوْلَٰـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ومن عدادهم في الدارين. {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } فيساهمونهم فيه. {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ} أيتشفى به غيظاً أو يدفع به ضرراً أو يستجلب به نفعاً وهو الغني المتعالي عن النفع والضر، وإنما يعاقب المصر بكفره لأن إصراره عليه كسوء مزاج يؤدي إلى مرض فإذا أزاله بالإِيمان والشكر ـ ونفى نفسه عنه ـ تخلص من تبعته، وإنما قدم الشكر لأن الناظر يدرك النعمة أولاً فيشكر شكراً مبهماً، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً } مثيباً يقبل اليسير ويعطي الجزيل. {عَلِيماً} بحق شكركم وإيمانكم. {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلم منه. وروي أن رجلاً ضاف قوماً فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه. فنزلت وقرىء من ظلم على البناء للفاعل فيكون الاستثناء منقطعاً أي ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه الله. {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً } لكلام المظلوم. {عَلِيماً } بالظالم. {إِن تُبْدُواْ خَيْراً } طاعة وبراً. {أَوْ تُخْفُوهْ } أو تفعلوه سراً. {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } لكم المؤاخذة عليه، وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له، ولذلك رتب عليه قوله. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو بعدما رخص له في الانتظار حملاً على مكارم الأخلاق. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله. {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم. {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } طريقاً وسطاً بين الإِيمان والكفر، لا واسطة: إذ الحق لا يختلف فإن الإِيمان بالله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بالإِيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلاً أو إجمالاً، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ }تفسير : [يونس: 32] {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا. {حَقّاً } مصدر مؤكد لغيره أو صفة لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفراً حقاً أي يقيناً محققاً. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً }. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} أضدادهم ومقابلوهم، وإنما دخل بين على أحد وهو يقتضي متعدداً لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي. {أُوْلَٰـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } الموعودة لهم وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر. وقرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب بالياء على تلوين الخطاب. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما فرط منهم. {رَّحِيماً } عليهم بتضعيف حسناتهم. {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء } نزلت في أحبار اليهود قالوا: إن كنت صادقاً فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام، وقيل: كتاباً محرراً بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، أو كتاباً نعاينه حين ينزل، أو كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسول الله. {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ } جواب شرط مقدر أي: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى عليه السلام أكبر منه، وهذا السؤال وإن كان من آبائهم أسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم. والمعنى إن عرقهم راسخ في ذلك وأن ما اقترحوه عليك ليس بأول جهالاتهم وخيالاتهم. {فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً } عياناً أرناه نره جهرة، أو مجاهرين معاينين له. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } نار جاءت من قبل السماء فأهلكتهم. {بِظُلْمِهِمْ } بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم، ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقاً. {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } هذه الجناية الثانية التي اقترفها أيضاً أوائلهم، والبينات، المعجزات، ولا يجوز حملها على التوراة إذ لم تأتهم بعد. {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} تسلطاً ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } من النفاق {وَأَصْلَحُواْ } عملهم {وَٱعْتَصِمُواْ } وَثِقُوا {بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } من الرياء {فَأُوْلَئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فيما يُؤتونه {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } في الآخرة هو الجنة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 146]. ولم يقل من المؤمنين، لنعلم أن الاجتهاد لا يؤثر فى سبق الأزل. قال أبو عثمان: التوبة: الرجوع من أبواب الاختلاف إلى أبواب الائتلاف. وقال محمد بن الفضل: الاعتصام: التشبث السنة وطريق السلف. وقال بعضهم: تابوا من المخالفات وأصلحوا ظواهرهم باتباع الرسول واعتصموا بالله وألقوا حبال القوة والحول عن ظواهرهم وبواطنهم وأخلصوا دينهم لله، لم تمنعهم رؤية الناس عن القيام بالخدمة. وقال سهل: تابوا من التوبة. وقال الجنيد رحمة الله عليه: التوبة: الرجوع عما تأمرك به نفسك والطبع والهوى. وقال سهل: تابوا من غفلاتهم عن الطاعات فى كل ساعة وأوانٍ. قال بعضهم: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لا من المؤمنين، فإنهم مع المؤمنين ظاهرًا يعنى المنافقين، وهم معنا بتوبتهم فى الباطن. قال الله تعالى: {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} ظاهرًا وباطنًا.

القشيري

تفسير : لم يشترط كل هذه الشرائط في رجوع أحدٍ عن جُرْمِه ما اشترط في رجوع المنافقين عن نفاقهم لصعوبة حالهم في كفرهم. وبعد تحصيلهم هذه الشروط قال لهم: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل من المؤمنين، وفي هذا إشارة أيضاً إلى نقصان رتبتهم وإن تداركوا بإخلاصهم ما سبق من آفتهم، وفي معناه أنشدوا: شعر : والعُذر مبسوطٌ ولكنما شتان بين العذر والشكر تفسير : ويقال إن حرف (مع) للمصاحبة، فإذا كانوا مع المؤمنين استوجبوا ما يستوجب جماعة المؤمنين، فالتوبة هاهنا أي رجعوا عن نفاقهم، وأصلحوا - بصدقهم في إيمانهم، واعتصموا بالله بالتبرؤ من حولهم وقوتهم، وشاهدوا المِنَّة لله عليهم حيث هداهم، وعن نفاقهم نجَّاهم. قوله: {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ}: ونجاتهم بفضل ربهم لا بإيمانهم في الحال، ورجوعهم عن نفاقهم فيما مضى عليهم من الأحوال. ويقال أخلصوا دينهم لله وهو دوام الاستعانة بالله في أن يثبتهم على الإيمان، ويعصمهم عن الرجوع إلى ما كانوا عليه من النفاق. ويُقال: تابوا عن النفاق، وأصلحوا بالإخلاص في الاعتقاد، واعتصموا بالله باستدعاء التوفيق وأخلصوا دينهم لله في أن نجاتهم بفضل الله ولطفه لا بإتيانهم بهذه الأشياء - في التحقيق.

البقلي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بين ان من خالف الطريق وظهر منه الخيانة لو يصل الا مقام الاول الا بالعبور على هذه الشرائط المخصوصة منها التوبة وهى الخروج من النفس والهوى والرجوع الى الله بمراد الله والاصلاح وهو الاصح السريرة بنعت تقديسها عن النظر الى غير الله والاعتصام بالله الا لتجاءه اليه فى جريان القضاء والقدر عليه الاخلاص فى الدين تجريد الاسرار عن النظر الى الاغيرا فاذا غير على هذه القناطر فتكون فى السلوك مع العارفين ولكن لم يكن معهم فى مشاهدة رب العالمين لان صحبة المخالف لم يكن مستعدة لما نال اهل المعارف والكواشف وبيان ذلك قوله تعالى فأولئك مع المؤمنين وما قال من المؤمنين اى ليس هؤلاء منهم وان اجتهد وافى الطريق لان الجاهدوا ان اشتد جهده لم يكن عارفا لان المعرفة موهبة الازلية وهبها الواهب لمحبيه بغير علة وهذا اخبار عن قوم محرومين من الوصول الى هذه المقامات وظهر فى نحوى الخطاب ان هذا الخبر منهم انهم لم يفعلوا ذلك قال ابن عطا اولئك مع المؤمنين ولم يقل من المؤمنين ليعلم ان الاجتهادات لا توثر فى سبق الازل قال ابو عثمان التوبة الرجوع من ابواب الخلاف الى ابواب الايتلاف وقال محمد بن الفضل الاعتصام هو التشبب بالسنة وطرق السلف وقال سهل تابوا من التوبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا الذين تابوا} اى عن النفاق هو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم فى الخبر {واصلحوا} ما افسدوا من احوالهم من حال النفاق باتيان ما حسنه الشرع من افعال القلوب والجوارح {واعتصموا بالله} اى وثقوا به وتمسكوا بدينه وتوحيده {واخلصوا دينهم} اى جعلوه خالصا {لله} لا يبتغون بطاعتهم الا وجهه {فاولئك} الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة {مع المؤمنين} اى المؤمنين المعهودين الذين لا يصدر عنهم نفاق اصلا وإلا فهم ايضا مؤمنون اى معهم فى الدرجات العالية من الجنة لا يضرهم النفاق السابق وقد بين ذلك بقوله تعالى {وسوف يؤت الله المؤمنين اجرا عظيما} لا يقادر قدره فيشاركونهم فيه ويساهمونهم وسوف كلمة ترجئة واطماع وهى من الله سبحانه ايجاب لانه اكرم الاكرمين ووعد الكريم انجاز وانما حذفت الياء من يؤتى فى الخط كما حذفت فى اللفظ لسكونها وسكون اللام فى اسم الله وكذلك سندع الزبانية ويدع الداع. واعلم ان الكافر وان افسد برين الكفر صفاء روحه ولكن ما اضيف الى رين كفره رين النفاق فكان لرين كفره منفذ من القلب الى اللسان فيخرج بخاره من لسانه باظهار الكفر وكان للمنافق مع رين كفره رين النفاق زائدا ولم يكن لبخار رينه منفذ الى لسانه فكان بخارات رين الكفر ورين النفاق تنفذ من منفذ قلبه الذى هو الى عالم الغيب فتتراكم حتى انسد منفذ قلبه بها وختم عليه بافساد كلية الاستعداد من صفاء الروحانية فلم يتفق له الخروج عن هذا الاسفل ولا ينصره نصير باخراجه لانه محذول بعيد من الحق فى آخر الصفوف وقال تعالى {أية : ان ينصركم الله} تفسير : [آل عمران: 160]. يعنى فى خلق ارواحكم فى صف ارواح المؤمنين {أية : فلا غالب لكم} تفسير : [آل عمران: 160]. بان يردكم الى صف ارواح الكافرين {أية : وان يخذلكم} تفسير : [آل عمران: 160]. بان يخلق ارواحكم فى صف ارواح الكافرين {أية : فمن ذا الذى ينصركم من بعده} تفسير : [آل عمران: 160]. بان يخرجكم الى صف المؤمنين ثم استثنى منهم من كان كفره ونفاقه عارية وروحه فى اصل الخلقة خلقت فى صف المؤمنين ثم بادنى مناسبة فى المحاذاة بين روحه وارواح الكافرين والمنافقين ظهر عليه من نتائجها موالاة معلولة من القوم اياما معدودة فما افسدت صفاء روحانيته بالكلية وما انسد منفذ قلبه الى عالم الغيب فهب له من مهب العناية نفحات الطاف الحق ونبه من نومة الغفلة ونبىء بالرجوع الى الحق بعد التمادى فى الباطل ونودى فى سره بان لا نصير لمن اختار الاسفل ولا يخرج منه {الا الذين تابوا} اى ندموا على ما فعلوا ورجعوا عن تلك المعاملات الرديئة {واصلحوا} ما افسدوا من حسن الاستعداد وصفاء الروحانية بترك الشهوات النفسانية والحظوظ الحيوانية {واعتصموا بـ} حبل {الله} استعانة على العبودية {واخلصوا دينهم لله} فى الطلب لا يطلبون منه الا هو ثم قال من قام بهذه الشرائط {فاولئك مع المؤمنين} يعنى فى صف ارواحهم خلق روحه لا فى صف ارواح الكافرين {وسوف يؤتى الله المؤمنين} التائبين ويتقرب اليهم على قضية من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا ومن تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتانى يمشى اتيته اهرول وهذا هو الذى سماه {اجرا عظيما} والله العظيم كذا فى التأويلات النجمية: قال السعدى قدس سره شعر : خلاف طريقت بود كاوليا تمننا كنند ازخدا جزخدا

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} من نفاقهم {وَأَصْلَحُواْ} ما افسدوا بنفاقهم بنصرة الرّسالة والرّسول او مظهره {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} اى بمظهره الّذى هو شيخ الارشاد وهو علىّ (ع) {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} الدّين هو الولاية، واخلاصها بان لا تكون باشراك ولاية من ليس لها باهلٍ وبان لا تكون مشوبة بالاغراض الكاسدة {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لانّهم بتوبتهم على يد علىّ (ع) واعتصامهم ببيعتهم الخاصّة الولويّة صاروا مؤمنين بعد نفاقهم وطهروا عن دنسه بالتّوبة ولذلك قبلهم علىّ (ع) {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} فيساهمونهم.

اطفيش

تفسير : {إِلا الَّذِينَ تَابُوا}: ندموا عن نفاقهم. {وَأَصْلَحُوا}: ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم حال النفاق ورده، وما استهلكوا من الأموال والأنفس، وردوا المظالم، فان المنافق ولو كان قد أسر الشرك لا يعافى فيما يعافى فيه من أسلم من الشرك هذا ما ظهر لى، وذلك تغليظ عليه، وقد أجريت عليه أحكام أهل التوحيد. {وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ}: تمسكوا بدينه طلبا لمرضاته والنجاة من الهلاك. {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ}: طاعتهم {للهِ}: لم يشركوا به غيره، ولا مزجوها بغرض دنيوى. {فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ}: فى الجنة والولاية والرحمة، وفى عددهم فى الدنيا، ويكفى هذا عن جعل مع بمعنى من كما قيل انها بمعنى من، وأن المعنى من المؤمنين والاسم لا يكون بمعنى مجرد الحرف. {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً}: هو الجنة فى الآخرة فتكون لأولئك معهم الجنة، وذلك كما يقول الملك: أنت مع خاصتى وسأكرم خاصتى.

اطفيش

تفسير : {إلاّ الَّذِينَ تَابُوا} من النفاق استثناء من المنافقين، أو من هاء لهم {وَأَصْلَحُوا} عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم {وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ} تمسكوا بدينه طلبا لمرضاة الله {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} لا رياء ولا سمعة ولا غرضا من أغراض الدنيا، قال الحواريون لعيسى، يا روح الله، من المخلص؟ قال: الذى يعمل لله تعالى ولا يحب أن يحمده الناس على عمله {فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ} الذين لم يصدر منهم نفاق فى الدرجات العلا والخيرات، وهم منهم أيضاً عداد فى الدارين ينالهم ما ينال المؤمنين من الخير فى الآخرة، ويؤتهم ما يؤتى المؤمنين، ويجوز على الاستثناء المنقطع أن يكون الذين مبتدأ وخبره أولئك مع المؤمنين، والصحيح ما مر، والاستثناء متصل {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْراً عظِيماً} فى الآخرة، وهو الجنة والخلود، وقيل الأجر العظيم، ما يزاد لمن ينافق ألبتة، وقيل، المراد بالمؤمنين من لم ينافق ومن نافق وتاب، وقياس الخط إثبات الياء فى يؤت لأنه غير مجزوم إلا أنه حذفت للساكن، وتبعها الحذف فى العثمانى ووجهه التلويحالخط إلى أصل مغمور، وهو ألا يكتب ما لا يقرأ، ولكن الأصل الأصيل أن يكتب للدلالة، ويوقف عليه بإسكان التاء على الصحيح، لأن القاعدة الوقف عَلَى المرسوم.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} عن النفاق وهو استثناء من المنافقين، أو من ضميرهم في الخبر، (أو) من الضمير المجرور في لهم؛ وقيل: هو في موضع رفع بالابتداء والخبر ما بعد الفاء؛ ودخلت ـ لما ـ في الكلام من معنى الشرط {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا من نياتهم وأحوالهم في حال النفاق، وقيل: ثبتوا على التوبة في المستقبل، والأول أولى {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} أي تمسكوا بكتابه، أو وثقوا به {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه ورضاه سبحانه لا رياء الناس، ودفع الضرر كما في النفاق، وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبـي ثمامة قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده الناس عليه {فَأُوْلَٰـئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز (الصفة) وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة {مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المعهودين من الذين لم يصدر منهم نفاق أصلاً منذ آمنوا، والمراد أنهم معهم في الدرجات العالية من الجنة، أو معدودون من جملتهم في الدنيا والآخرة. {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} لا يقادر قدره فيساهمونهم فيه ويقاسمونهم / وفسر أبو حيان الأجر العظيم بالخلود، والتعميم أولى، والمراد بالمؤمنين هٰهنا ما أريد به فيما قبله، واعتبار المساهمة جرى عليه غير واحد، ولولا تفسير الآية بذلك لم يكن لها في ذكر أحوال من تاب من النفاق معنى ظاهر. وذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها، والمراد الإخبار بزيادة ثواب من لم يسبق منه نفاق أصلاً، وعمم بعض المؤمنين ليشمل من لم يتقدم منه نفاق ومن تقدم منه وتاب عنه، والظاهر ما ذكرناه، ورسم {يُؤْتِ} بغير ياء، وهو مضارع مرفوع فحق يائه أن تثبت لفظاً وخطاً إلا أنها حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وجاء الرسم تبعاً للفظ، والقراء يقفون عليه دونها اتباعاً للرسم إلا يعقوب فإنه يقف بالياء نظراً إلى الأصل. وروي ذلك أيضاً عن الكسائي وحمزة ونافع، وادعى السمين أن الأولى اتباع الرسم لأن الأطراف قد كثر حذفها.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} (146) - أمَّا الذِينَ يَتُوبُونَ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَيُقْلِعُونَ عَنِ النِّفَاقِ وَالكُفْرِ، وَيُخْلِصُونَ دِينَهُمْ وَعَمَلَهُمْ، فَإنَّهُمْ يُصْبِحُونَ مَعَ المُؤْمِنينَ، وَسَيَنَالُهُم الأجْرُ العَظِيمُ الذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُتَّقِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن فمن الممكن أن توجد فتحة خير قد تدفع الإنسان إلى التوبة، وحتى لا يظن أحد أن الحكم هنا نهائي، وذلك حتى لا يفقد الإنسان نفسه ويتورط في مزيد من الشرور؛ لذلك قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} أي تاب عن نفاقه الأول، وإذا ما كان قد ترتب على نفاقه السابق إفساد فلا بد أن يصلح ما أفسده ويعتصم بالله ويُخْلِص لله نيّةً وعملاً. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ}. إذن فشروط النجاة من الدرك الأسفل من النار هي التوبة، وإصلاح ما أفسد، والاعتصام بالله، وإخلاص دينه لله. والتوبة هنا إقلاع عن النفاق، وألا يترك المنافق الفساد الذي صنعه نفاقه بل عليه أن يحاول جاهداً أن يصلح ما أفسده بهذا النفاق. والاعتصام بالله كيف يكون؟ لقد عرفنا من قبل أنهم كانوا يفعلون ذلك لابتغاء العزة عند الكافرين.. أي أن نفس المنافق تطمئن إلى هؤلاء الكافرين فيفزع إليهم ويعتز بشدتهم وبصلابتهم؛ لذلك يوضح الله: تنزعوا هذه الفكرة من رءوسكم وليكن اعتصامكم بالله وحده لأنه لا يُجِير أحد على الله، واجعلوا العزة والمرجع إليه وحده. والملاحظ أن الذي يتوب ويصلح ويعتصم بالله يكون قد استوفى أركان اليقين الإيماني بالله، لكن الحق يقول: {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} فلماذا أكد على الإخلاص هنا؟ لأن تدبير النفاق كان ينبع من قلوبهم أولا. ونعلم أن القلب قد يذنب، فذنب الجارحة أن تعتدي، مثال ذلك العين تذنب حين تعتدي على محارم الآخرين، واللسان يذنب إن تعرض بالسب أو الشتم للناس. إذن. فكل جارحة لها مجال معصية، وهنا مجال معصية القلب هو النفاق وهو الأمر المستور. إذن فقوله الحق: {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} جاء ليؤكد ضرورة الإخلاص في التوبة عن النفاق، والإخلاص محله القلب. فكأن توبة القلوب غير توبة الجوارح، فتوبة الجوارح تكون بأن تكف الجوارح عن مجال معاصيها. أما توبة القلب فهو أن يكف عن مجال نفاقه بأن يخلص. وبذلك أثبت الحق مزية المؤمنين الذين لم ينغمسوا في النفاق. وجعل التائبين من المنافقين مع المؤمنين، فكأن الأصل في التنعيم وفي نيل الجزاء العظيم هو الوجود مع المؤمنين. {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً}. ومن هنا نعلم أن الأجر العظيم يكون للمؤمنين. ومن يوجد مع المؤمنين ينال الأجر نفسه. وقد جعل الحق الجزاء من جنس العمل. وكان المنافقون ينافقون ليأخذوا من المؤمنين ظواهر الإسلام كصون المال والدماء وليعتبرهم الجميع ظاهريا وشكليا من المسلمين، وهم حين نافقوا المسلمين أعطاهم المسلمون ما عندهم. وعندما تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا الدين لله جعلهم الله مع المؤمنين، ويعطي سبحانه لأهل الإيمان أجراً عظيماً. ثم يقول الحق سبحانه: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم استثنى منهم من كان كفره ونفاقه عارية، وروحه في أصل الخلقة خلق في المؤمنين، ثم بأدنى مناسبات في المجازات بين روحه وأرواح الكافرين والمنافقين ظهر عليه من نتائجها موالاة معلومة مع القوم أياماً معلومة مع القوم أياماً معدودة، فما أفسدت صفاء روحانيته بالكلية، وما أنسد منفذ قلبه إلى عالم الغيب فهبت له من وهب العناية نفحات ألطاف الحق، ونبهته عن نوم الغفلة، ونبهته عن الرجوع إلى الحق بعد التمادي في الباطل، ونودي في سره بأن لا نصير لمن يختار الأسفل، ولا يخرج منه {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} [النساء: 146] وندموا على ما فعلوا، ورجعوا عن تلك المعاملات الردية، {وَأَصْلَحُواْ} [النساء: 146] ما أفسدوا من حسن الاستعداد، وصفاء الروحانية بترك الشهوات النفسانية، والحظوظ الحيوانية، {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} [النساء: 146] بحبل الله استعانة على العبودية، {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} [النساء: 146] لله في الطلب لا يطلبون منه إلا هو ثم قال تعالى: من قام بهذه الشرائط {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146]؛ يعني: في صف أرواحهم خلق روحه لا في صف أرواح الكافرين، {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146]، التائبين ويتقرب إليهم على قضية "حديث : من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً وقال من أتاني يمشي أتيته هرولة"تفسير : ، وهذا هو الذي سماه {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 146] والله أعظم. ثم أخبر عن كمال فضله وجلال عدله بقوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147]، والإشارة فيها: إن الله عز وجل يذكر العباد المؤمنين من نعمة السابقة منها: إخراجهم من العدم ببديع فطرته، ومنها: إنه خلق أرواحهم قبل خلق الأشياء، ومنها: إنه خلق أرواحهم نورانية بالنسبة إلى أن خلق أجسادهم ظلمانية، ومنها: إن أرواحهم لما كانت بالنسبة إلى نور القدم ظلمانية رش عليهم من نور القدم، ومنها: لما أخطأ بعض الأرواح ذلك النور وهو أرواح الكفار والمنافقين فقد أصاب أرواح المؤمنين، فيقول: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} [النساء: 147]، هذه النعمة التي أنعمت بها عليكم من غير استحقاق منكم، فإنكم إن شكرتم هذه النعمة برؤيتها ورؤية المنعم بها فقد آمنتم بي ونجوتم من عذابي وهو ألم الفراق، فإن حقيقة الشكر رؤية المنعم، والشكر على وجوده أبلغ من الشكر على وجود النعم قال: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي}تفسير : [البقرة: 152]؛ أي: أشكروا لوجودي، {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 147]، في الأزل {شَاكِراً} [النساء: 147]؛ لوجوده، ومن شاكراً لوجود أوجد الخلق بجوده، {عَلِيماً} [النساء: 147] بمن يشكر وبمن يكفر، فإعطاء جزاء الشاكرين قبل شكرهم؛ لأنه مشكور وأعطى جزاء الكافرين قبل كفرهم؛ لأن الكافر كفور. ثم أخبر عن محبة المظلوم بقوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ} [النساء: 148]، الإشارة فيها: إن الله تعالى {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [النساء: 148] من العوام، ولا من التحدث مع النفس من الخواص، ولا من الخطرة التي يخطر بالبال من الأخص من القول، {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [النساء: 148] تبعاً من دواعي البشرية من غير اختيار وبابتلاء من اضطرار، وأيضاً {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [النساء: 148]، إفشاء بأسرار الربوبية وإظهار المواهب الإلوهية، وأيضاً {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [النساء: 148]، إفشاء بأسرار الربوبية بكشف القناع من مصنوعات الغيب، ومكنونات غيب الغيب، {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [النساء: 148] بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس عقار الجمال والجلال فأضطر إلى المقال، فقال باللسان الباقي لا باللساني الفاني: أنا الحق سبحاني، {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 148] في الأزل {سَمِيعاً} [النساء: 148] لمقالهم، {عَلِيماً} [النساء: 148] قبل أداء مالهم.