٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
147
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: أيعذبكم لأجل التشفي، أم لطلب النفع، أم لدفع الضرر، كل ذلك محال في حقه لأنه تعالى غني لذاته عن الحاجات، منزّه عن جلب المنافع ودفع المضار، وإنما المقصود منه حمل المكلفين على فعل الحسن والاحتراز عن القبيح، فإذا أتيتم بالحسن وتركتم القبيح فكيف يليق بكرمه أن يعذبكم. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على قولنا، وذلك لأنها دالة على أنه سبحانه ما خلق خلقاً لأجل التعذيب والعقاب، فإن قوله {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب، وأيضاً الآية تدل على أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وليس ذلك فعلاً لله تعالى، وإلا لصار التقدير: ما يفعل الله بعذابكم إذا خلق الشكر والإيمان فيكم ومعلوم أن هذا غير منتظم، وقد سبق الجواب عن هذه الكلمات. المسألة الثالثة: قال أصحابنا: دلت هذه الآية على أنه لا يعذب صاحب الكبيرة لأنا نفرض الكلام فيمن شكر وآمن ثم أقدم على الشرب أو الزنا، فهذا وجب أن لا يعاقب بدليل قوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } فإن قالوا لا نسلم أن صاحب الكبيرة مؤمن، قلنا: ذكرنا الوجوه الكثيرة في هذا الكتاب على أنه مؤمن. المسألة الرابعة: في تقدم الشكر على الإيمان وجهان: الأول: أنه على التقديم والتأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات. الثاني: إذا قلنا: الواو لا توجب الترتيب فالسؤال زائل. الثالث: أن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكراً مجملاً، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان ذلك الشكر المجمل مقدماً على الإيمان، فلهذا قدمه عليه في الذكر. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً } لأنه تعالى لما أمرهم بالشكر سمى جزاء الشكر شكراً على سبيل الاستعارة، فالمراد من الشاكر في حقه تعالى كونه مثيباً على الشكر، والمراد من كونه عليماً أنه عالم بجميع الجزئيات، فلا يقع الغلط له ألبتة، فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض.
القرطبي
تفسير : استفهام بمعنى التقرير للمنافقين. التقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؛ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأنّ تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. وقال مكحول: أربع من كنّ فيه كنّ له، وثلاث من كنّ فيه كنّ عليه؛ فالأربع اللاتي له: فالشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} وقال الله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } تفسير : [الأنفال: 33] وقال تعالى: { أية : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ } تفسير : [الفرقان: 77]. وأما الثلاث اللاتي عليه: فَالمَكْرُ وَالبَغْيُ والنَّكْثُ؛ قال الله تعالى: { أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [الفتح: 10] وقال تعالى: { أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43] وقال تعالى: { أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [يونس: 23]. {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} أي يشكر عباده على طاعته. ومعنى {يشكرهم} يثيبهم؛ فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته. والشكر في اللغة الظهور، يقال: دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تُعطَي من العلف، وقد تقدّم هذا المعنى مستوفى. والعرب تقول في المثل (أشْكَرُ من بَرْوَقَة) لأنها يقال: تخضرّ وتنضُر بظلّ السحاب دون مطر. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } نعمه {وَءامَنتُمْ } به والاستفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً } لأعمال المؤمنين بالإِثابة {عَلِيماً } بخلقه.
ابن عادل
تفسير : في "مَا" وجهان: أحدهما: أنها استفهامية، فتكون في محل نصب بـ "يَفْعَل" وإنما قُدِّم؛ لكونه له صدر الكلام، والباءُ على هذا سببيةٌ متعلقةٌ بـ "يَفْعَلُ"، والاستفهام هنا معناه النفيُ، والمعنى: أن الله لا يفعلُ بعذابِكُمْ شيئاً؛ لأنه لا يجلبُ لنفسِه بعذابكم نفعاً، ولا يدْفَعُ عنها به ضُرًّا، فأيُّ حاجة له في عذابكُمْ؟ [والمقصودُ منه حمل المكلَّفين على فعل الحَسَن والاحتراز عن القبيح]. والثاني: أن "مَا" نافية؛ كأنه قيل: لا يُعذِّبُكُمُ الله، وعلى هذا: فالباء زائدة، ولا تتعلَّق بشيءٍ. [قال شهاب الدين:] وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيءٌ واحدٌ، فينبغي أن تكون سبييةٌ في الموضعين أو زائدة فيهما؛ لأن الاستفهام بمعنى النفْيِ، فلا فرق. وقال البَغَوِي: هذا اسْتِفْهَام بمعْنَى التَّقْرير معناه: إنه لا يُعَذِّبُ المؤمِنَ الشَّاكِر، فإن تَعْذِيبَهُ عِبَادهُ لا يَزِيدُ في مُلْكِهِ، وتَرْكَهُ عُقُوبَتَهُم على فعلهم لا يُنْقصُ من سُلطانِه [والشُّكْرُ ضد الكُفر، والكُفْر سَتْر النِّعْمَة والشُّكْرُ إظهَارُهَا]، والمصدر هُنا مُضَاف لمفْعُولِهِ. وقوله "إِن شَكَرْتُمْ" جوابُهُ مَحْذُوفٌ؛ لدلالةِ ما قبله عليه، أي: إن شَكَرْتُم وآمَنْتُم فما يَفْعَلُ بعَذابكُم. فصل لِمَ قدَّم الشُّكر على الإيمان في الآية؟ وفي تَقْدِيم الشُّكْرِ على الإيمانِ وُجُوه: الأول: على التَّقْدِيم والتَّأخير، أي: آمَنْتُم وشكرْتُم؛ لأن الإيمان مقدَّمٌ على سَائِر الطَّاعَاتِ، ولا يَنْفَعُ الشكْرُ مع عَدَمِ الإيمَانِ. الثاني: أن الوَاوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ. الثالث: أن الإنْسَانَ إذا نَظَر إلى نَفْسِهِ، رَأى النِّعْمَة العَظيمَة في تَخْلِيقهَا وتَرْتيبها، فيْشكُر شُكْراً مُجْمَلاً بِهَا، ثُمَّ إذا تَمَّمَ النَّظَر في مَعْرِفَة المُنْعِم، آمَنَ به ثُمَّ شكَر شُكْراً مُفَصَّلاً، فكان ذلك الشكْرُ المُجْمَل مُقَدَّماً على الإيمانِ؛ فَلِهذَا قُدِّمَ عليه في الذِّكْرِ. فصل اسْتَدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أصْحَاب الكَبَائِرِ؛ لأنا نفرض الكلام فيمن شَكَر وآمن، ثم أقْدَم على الشُّرْبِ أو الزِّنَا، فهذا يَجِبُ ألاَّ يُعَاقَبَ؛ لقوله - تعالى -: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} وقد تقدَّم الاسْتِدْلاَل على أنَّ صَاحِب الكَبِيرَةِ مُؤمِنٌ. فصل قالت المُعْتَزِلَة: دَلَّت هذه الآيةُ على أنَّه - سبحانه [وتعالى] - ما خَلَق خَلْقاً ابْتِدَاءً لأجْلِ التَّعْذِيب والعِقَابِ؛ لأن قوله: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ} صريحٌ في أنَّه - تعالى - لَمْ يَخْلُق أحْداً لِغَرَضِ التَّعْذِيبِ. ودلَّت أيضاً على أنَّ فاعل الشُّكْرِ والإيمانِ هو العَبْد، وليس ذلك فِعْلاً للَّه تعالى وإلا لَصَار التَّقْدِير: ما يَفْعَلُ اللَّه بعذَابِكُم بعد أن خَلَقَ الشُّكْرَ والإيمَانَ فِيكُم، وذلك غير مُنْتَظِم. وتقدَّم الجوابُ عن مِثْلِ ذلك. ثم قال {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} أمرَهُمْ بالشُّكْرِ، وسَمَّى الجَزَاءَ شُكْراً، على سَبيلِ الاسْتِعَارةِ، فالشُّكْرُ من اللَّهِ هو الرِّضَا بالقَلِيلِ من عِبَادِهِ، وإضْعَافِ الثَّوَابِ عَلَيْه، والشُّكْر من العَبْدِ الطَّاعَة، والمُراد من كونه عَلِيماً: أنَّهُ عَالِمٌ بِجَميع الجُزْئيَّات، فلا يَقَعُ لَهُ الغَلَطُ ألْبَتَّة، فلا جَرَمَ يُوصلُ الثَّوَابَ إلى الشَّاكِرِ، والعِقَابَ إلى المُعرِضِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [الآية: 147]. قال الحسين ما يفعل الله بتعذيبكم أنفسكم فى أنواع المجاهدات إن شكرتم، أن طالعتم برِّى وإحسانى إليكم وآمنتم. قال: قطعتم الهمم عمن سواى. قوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} تفسير : [المائدة: 15]. قال عطاء: العبد ينال بهذا النور ما هو أجل من النور، من أخذ سراجًا إلى بيت مظلم فيدور.
القشيري
تفسير : هذه الآية من الآيات التي توجب حُسْنَ الرجاء وقوة الأمل، لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين: الشكر والإيمان، وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان؛ فإن الشكر قالة، والإيمان حالة، ولقد هوَّن السبيل على العبد حين رضي منه بقالته وحالته. والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأمَّا الكافر فلا يصح منه الشكر؛ لأن الشكر طاعته والطاعة لا تصح من غير المؤمن. وقوله: {وَآمَنْتُمْ} يعني في المآل؛ فكأنه بيَّن أن النجاة إنما تكون لمن كانت عاقبته على الإيمان، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد، إن شكرتم في الحال وآمنتم في المآل. ويقال: إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم. ويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله في النعمة، فكأنه قال: إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنَّكم شهودها عن شهود المُنْعِم. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} أي والله شاكر عليم، ومعنى كونه شاكراً أنه مادِحٌ للعبد ومُشْهِدٌ عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحَدَّه الثناء على المُحْسِن بذكر إحسانه؛ فالعبد يشكر الله أي يثني عليه بذكر إحسانه إليه الذي هو نعمته عليه، والربُّ يشكر للعبد أن يثني عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته له، فإن الله يثني عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوباً كثيرة. ويقال يشكره - وإنْ عَلِمَ أنه سيرجع في المستأنف إلى قبيح أعماله. ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصي وقَصْدُه مخالفةُ ربِّه ولكنه يُذْنِبُ لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة. ويقال يشكره لأن العبد يعلم في حالة ذنوبه أنه له ربّاً يغفر له.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما} استفهامية بمعنى النفى فى محل النصب بيفعل اى أى شىء {يفعل الله بعذابكم} الباء سببية متعلقة بيفعل اى بتعذيبكم {ان شكرتم وآمنتم} اى أيتشفى به من الغيظ ام يدرك به الثأر ام يستجلب به نفعا ام يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك اى لا يفعل بعذاب المؤمن الشاكر شيئاً من ذلك لان كل ذلك محال فى حقه تعالى لانه تعالى غنى لذاته عن الحاجات منزه عن جلب المنفعة ودفع المضرة واما تعذيب من لم يؤمن او آمن ولم يشكر فليس لمصلحة تعود اليه تعالى بل لاستدعاء حال المكلف ذلك كاستدعاء سوء المزاج المرض والمقصود منه حمل المكلفين على الايمان وفعل الطاعات والاحتراز عن القبيح وترك المنكرات فكأنه قيل اذا اتيتم الحسنات وتركتم المنكرات فكيف يليق بكرمه ان يعذبكم وتعذيبه عباده لا يزيد فى ملكه وتركه عقوبتهم على فعلهم القبيح لا ينقص من سلطانه وجواب ان شكرتم محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم. والشكر ضد الكفر والكفر ستر النعمة فالشكر اظهارها وإنما قد الشكر على الايمان مع ان الايمان مقدم على سائر الطاعات ولاثبات مع عدم الايمان لما انه طريق موصل اليه فان الناظر يدرك اولا ما عليه من النعم الانفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما ثم يترقى الى معرفة المنعم بعد امعان النظر فى الدلائل الدالة على ثبوته ووحدته فيؤمن به {وكان الله شاكرا} الشكر من العبد هو الاعتراف بالنعمة الواصلة اليه مع ضروب من التعظيم ومن الله تعالى الرضى اى راضيا باليسير من طاعة عباده واضعاف الثواب مقابلة واحدة الى عشرة الى سبعمائة الى ما شاء من الاضعاف {عليما} بحق شكركم وايمانكم فيستحيل ان لا يوفيكم اجوركم فينبغى لطالب الحق ان يخضع له خضوعا تاما ويشكره شكرا كثيرا. قال الجرجانى فى قوله تعالى {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم} تفسير : [إبراهيم: 7]. اى لئن شكرتم القرب لأزيدنكم الانس. وعن على رضى الله عنه اذا وصلت اليكم اطراف النعم فلا تنفروا اقصاها بقلة الشكر معناه من لم يشكر النعم الحاصلة لديه الواصلة اليه حرم النعم الفائتة منه القاصية عنه شعر : جون بيابى تونعمتى درجند خرد باشد جو نقطه موهوم شكر آن يافته فرومكذار كه زنا يافته شوى محروم تفسير : فالبشكر والايمان يتخلص المرء من النيران والا فقد عرض نفسه للعذاب واستحق العذاب والعتاب وجه التعذيب ان التأديب فى الحكمة واجب فخلق الله النار ليعلم الخلق قدر جلال الله وكبريائه وليكونوا على هيبة وخوف من صنع جلاله ويؤدب بها من لم يتأدب بتأديب رسله الى خلقه وليعتبر اهل العقل بالنظر اليها فى الدنيا وبالاستماع لها فى الآخرة ولهذا السر علق النبى عليه السلام السوط حيث يراه اهل البيت لئلا يتركوا الادب ـ روى ـ ان الله تعالى قال لموسى عليه السلام [ما خلقت النار بخلا منى ولكن اكره ان اجمع اعدائى واوليائى فى دار واحدة] وادخل الله بعض عصاة المؤمنين النار ليعرفوا قدر الجنة ومقدار ما دفع الله عنهم من عظيم النقمة لان تعظيم النعمة واجب فى الحكمة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى يذكر للعباد المؤمنين نعما من نعمه السالفة السابقة. منها اخراجهم من العدم ببديع فطرته. ومنها انه خلق ارواحهم قبل خلق الاشياء. ومنها انه خلق ارواحهم نورانية بالنسبة الى خلق اجسادهم الظلمانية. ومنها ان ارواحهم لما كانت بالنسبة الى نور القدم ظلمانية رش عليهم من نور القدم. ومنها انه لما اخطأ بعض الارواح ذلك النور وهو ارواح الكفار والمنافقين وقد اصاب ارواح المؤمنين قال {ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم} هذه النعم التى انعمت بها عليكم من غير استحقاق منكم فانكم ان شكرتم هذه النعم برؤيتها ورؤية المنعم {وآمنتم} فقد امنتم بى ونجوتم من عذابى وهو ألم الفراق فان حقيقة الشكر رؤية المنعم والشكر على وجود المنعم ابلغ من الشكر على وجود النعم وقال واشكروا لى اى اشكروا لوجودى {وكان الله} فى الازل {شاكرا} لوجوده ومن شكر لوجوده اوجد الخلق بجوده {عليما} بمن يشكره وبمن يكفره فاعطى جزاء شكر الشاكرين قبل شكرهم لان الله شكور واعطى جزاء كفر الكافرين قبل كفرهم لان الكافر كفور كذا فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : خاطب الله (تعالى) بهذه الآية المنافقين الذين تابوا وآمنوا، واصلحوا اعمالهم، فقال: إن انتم تبتم الى الله وراجعتم الحق الواجب لله عليكم، وشكرتمره على نعمه واخلصتم عبادته، واعتصمتم به وتركتم رياء الناس، وآمنتم برسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) وصدقتم به، واقررتم بما جاء به من عند الله ما يصنع بعذابكم، أي لا حاجة بالله الى عذابكم، وجعلكم في الدرك الاسفل من جهنم، لانه لا يجتلب بعذابكم نفعاً، ولا يدفع عن نفسه ضرراً، لانهما مستحيلان عليه. {وكان الله شاكراً} يعني لم يزل الله مجازيا للشاكر على شكره في جميع عباده عليما بما يستحقونه على طاعاته من الثواب، ولا يضيع عنده شيء منه، ولا يفوته شيء من معاصي من عصاه، فيجازي بذلك من يشاء منهم على سوء أفعالهم جزآءً بما كسبوه. وبه قال قتادة وغيره من المفسرين. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من تعظيم المنعم، وذلك لا يجوز الشكر منه بمعنى الجزاء عليه كما قال: {ومكروا ومكر الله} {وجزاء سيئة سيئة مثلها} والجزاء ليست سيئة ولكن اطلق ذلك لازدواج الكلام.
الجنابذي
تفسير : {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} قد يفسّر الشّكر بتعظيم المنعم لاجل النّعمة وعلى هذا فالمراد ههنا تعظيم الله لاجل النّعمة الّتى هى علىّ (ع) فانّه اصل النّعم بل فرعها ايضاً، فلا نعمة غيره وقرينة التّخصيص تعقيبه بقوله تعالى {وَآمَنْتُمْ} فانّه قد علمت انّ الايمان لا يحصل الاّ بالبيعة الخاصّة الولويّة على يدل علىّ (ع) على انّ الكلام فى آل محمّد (ص) واعدائهم، وقد يفسّر الشّكر بصرف النّعمة فيما خلقت لاجله، وعلى هذا فالمراد بالنّعمة المأخوذة فى الشّكر استعداد قبول الولاية والبيعة الولويّة والتهيّؤ للعروج الى الملكوت، ولا نعمة اعظم منها فى العالم الصّغير، كما انّه لا نعمة اعظم من علىّ (ع) فى العالم الكبير، وصرف تلك النّعمة فى وجهها بان يسلّمها الى علىّ (ع) حتّى يعطيه ما يتستحقّه والقرينة ايضاً قوله تعالى: وآمنتم وتقديم الشّكر لتقدّمة على حصول الايمان فانّ البيعة وقبول الولاية لا تكون الا بعد التّعظيم والتّسليم، وتعميم الآية لكلّ شكر ونعمة غير مخفىّ على ذوى الدّارية {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً} يجزى الشّكر زيادة فى النّعمة فكيف يعذّب الشّاكر {عَلِيماً} لا يفوت عنه شكركم فيعذّبكم لعدم العلم بشكركم.
اطفيش
تفسير : {مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذّابِكُمْ}: خطابا للمنافقين. {إِن شَكَرْتُمْ}: نعمه. {وَآمَنتُمْ}: هذه الواو عطفت السابق على اللاحق، لأن الشكر انما هو بعد الايمان بالله تعالى، ولا يتصور من مشرك شكر، ويجوز أن تكون للحال على تقدير قد، وقيل: لا يلزم تقديرها، ولو كان الفعل ماضيا متصرفا مثبتا، وهى من قبل الحال المحكية، أى شكرتم وقد قدمتم ايمانا على شكركم، ويجوز أن تكون لعطف اللاحق على السابق يلوح بذلك على، الى أن العقل يوجب أمر شكر المنعم اذا رأى المنعم المفاضة عليه، التى ليست باختياره، وبعد ذلك يعلم بالدلائل أن المنعم هو الله جل وعلا، فيؤمن به، والاستفهام للانكار، أى لا يفعل بعذابكم شيئا ينفعه أو يضره، لأنه لا يناله ضر بمعصيته العاصى أو غيرها، فيشقى بعذابه بعد توبته، أو يدفع بعذابه ضرا وهو الغنى لا يحتاج لنفع فيستجلبه بعذاب المنافق، وانما يعذب من أصر لحكمة، اذ ليس من الحكمة اهمال العاقل، لأن اهماله يؤدى الى اباحة الشتم لله عز وجل، والاشراك به، وأيضا المعصية فى العاصى كسوء مزاج فى الحيوان يؤدى الى مرضه ودواؤه ما ذكره الله من التوبة عما مضى، واصلاح ما مضى، وما استقبل، والحال والاعتصام بالله، والاخلاص فهذه أربع تنفى وياء المعصية كنفى الدواء للمرض باذن الله وقدره، والا فتعذيب العاصى لا يزيد فى ملك الله تعالى ولا ينقص منه ترك تعذيبه. وانما قلت الخطاب للمنافقين لقوله: {إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ} فكأنه قيل: كيف أعذبكم ان خرجتم عن النفاق، ثم رأيته محكيا عن الطبرى، ورد عليه بأنه لا دليل على تخصيص المنافقين، وأجيب بأن الدليل آمنتم، وحمله الراد على عموم المؤمنين والمنافقين، ويلزم عليه الجمع بين الحقيقة والمجاز بلغة واحد، لأن ما الشكر أو الايمان حقيقتان فى المنافق، مجازان فى المؤمن، لأن المعنى فى حقه ان بقيت على الشكر والايمان، وحمل الشكر والايمان على البقاء عليهما مجاز، الا ان حمل على عموم المجاز، أو اعتبر من المؤمن شكره وايمانه اللذان يجددهما، وفى الجمع المذكور خلاف. {وَكَانَ اللهُ شَاكِراً}: مجازيا لكم على شكركم بأكثر منه، وقيل: الشكر من الله تعالى قبول العمل واضعاف ثوابه. {عَلِيماً}: بشكركم وايمانكم، فلا يفوتكم شىء من الجزاء عليهما.
اطفيش
تفسير : {مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ} فى الدنيا والآخرة، أو فى الآخرة {إن شَكَرْتُمْ} نعمه بأداء الفرائض واجتناب المحرمات {وَءَامَنتُمْ} به، أيتشفى من الغيظ والغيظ لا يلحقه، أو يدفع به ضرا وهو لا يلقحه، وهو القادر على الإطلاق، أو يجلب به نفعا وهو الغنى عَلَى الإطلاق والخطاب للمنافقين، وقيل للمؤمنين وهو ضعيف، والاستفهام بمعنى النفى، وما مفعول ليفعل، وأجيز أن تكون حرف نفى والباء زائدة فى المفعول، أى ما يفعل الله عذابكم، والظاهر الأول، والحاصل أن لا يستكمل لكمال ذاته، سبحانه وتعالى عن صفات الخلق، وقدم الشكر عَلَى الإيمان مع أنه لا عبرة بشىء مع عدم الإيمان، لأن الناظر يدرك النعمة فيعتقد شكرها أو يشكر منعمها إجمالا، ثم يمعن النظر فى الدلائل فيعرف المنعم فيؤمن به، ولأن الواو لا ترتب، أو هى للحال فتكون قيدا، أى صدر منكم الشكر فى حال الاتصاف بالإيمان أو بعده {وَكَانَ اللهُ شَاكِراً} مثيبا بالكثير الدائم عَلَى القليل الفانى، شبه الإثابة بصرف العبد إعماله لله، فسماها باسمه، وهو الشكر، أو ذلك تسمية باسم السبب والملزوم، فشاكرا بمعنى مثيبا عَلَى الشكر، أو يجزى بقليل الطاعات كثير الدرجات، أو المثنى على المطيع {عَلِيماً} بحق شكركم وإيمانكم كما أنه عالم بكم.
الالوسي
تفسير : {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ} خطاب للمنافقين ـ وقيل: للمؤمنين، وضعف ـ مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لا شيء آخر، فتكون الجملة مقررة لما قبلها من (ثباتهم عند توبتهم)، و {مَا} استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده، وقيل: نافية والباء سببية، وقيل: زائدة أي أيّ شيء يفعل الله سبحانه بسبب تعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب [به] نفعاً أو يستدفع به ضرراً كما هو شأن الملوك، وهو الغني المطلق المتعالي عن أمثال ذلك؟ وإنما هو أمر يقتضيه مرض كفركم ونفاقكم فإذا احتميتم عن النفاق ونقيتم نفوسكم بشربة الإيمان والشكر في الدنيا برئتم وسلمتم وإلا هلكتم هلاكاً لا محيص عنه بالخلود في النار، وإنما قدم الشكر مع أن الظاهر تأخيره لأنه لا يعتد به إلا بعد الإيمان لما أنه طريق موصل إليه في أول درجاته، فقد ذكر العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن الشكر في الأصل اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم وله ثلاث درجات لأنه إذا نظر إلى النعمة كالرزق والخلق ينبعث منه شوق إلى معرفة المنعم وهذه الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبـي والشكر المبهم لأن منعمه لم يتضح له تعيينه، وإنما عرف منعماً مّا فهو منعم عليه فإذا تيقظ لهذا وفق لنعمة أكبر منها، وهي المعرفة بأن المنعم عليه هو الصمد الواسع الرحمة المثيب المعاقب فتتحرك جوارحه لتعظيمه؛ ويضيف إلى شكر الجنان شكر الأركان، ثم ينادي على ذلك الجميل باللسان، ويقول:شعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا تفسير : فالمذكور في الآية هو الشكر المبهم وهو مقدم على الإيمان، فلا حاجة إلى ما زعمه الإمام من أن الكلام على التقديم والتأخير أي آمنتم وشكرتم، وأما القول: بأن هذا السؤال إنما هو على تقدير أن تكون الواو للترتيب، وأما إذا لم تكن للترتيب فلا سؤال فمما لا ينبغي أن يتفوه به من له أدنى ذوق في علم الفصاحة والبلاغة لأن الواو وإن لم تفد الترتيب لكن تقديم ما ليس مقدماً لا يليق بالكلام الفصيح فضلاً عن المعجز، ولذا تراهم يذكرون لما يخالفه وجهاً ونكتة، وذكر النيسابوري وجهاً آخر في التقديم لكنه بناه على إفادة الواو للترتيب فقال: لعل الوجه في ذلك أن الآي مسوقة في شأن المنافقين ولا نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر هٰهنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة انتهى، ولايخفى أنه لم يحمل الشكر في الآية على الشكر المبهم، ولا يخلو عن حسن. / وأوضح منه وأطيب ما حاك في صدري، ثم رأيت العلامة الطيبـي عليه الرحمة صرح به أن الذي يقتضيه النظم الفائق أن هذا الخطاب مع المنافقين، وأن قوله سبحانه: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} متصل بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 145] الخ، وتنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله تعالى وتهاونهم في شكر ما أوتوا وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البغية العظمى، وهو الإسعاد بصحبة أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم والانخراط في زمرة الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله تعالى وأخلصوا دينهم له فأولئك حكمهم أن ينتظموا في سلك أولئك السعداء من المؤمنين بعد ما كانوا مستأهلين الدرجات السفلى من النيران، ثم التفت تعريضاً لهم أن ذلك العذاب كان منهم وبسبب تقاعدهم وكفرانهم تلك النعمة الرفيعة وتفويتهم على أنفسهم تلك الفرصة السنية وإلا فإن الله تعالى غني مطلق عن عذابهم فضلاً على أن يوقعهم في تلك الورطات، فقوله عز وجل: {إِن شَكَرْتُمْ} فذلكة لمعنى الرجوع عن الفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها، ومن اللجأ إلى الخلق إلى الاعتصام بالله تعالى، ومن الرياء في الدين إلى الإخلاص فيه، فقوله عز من قائل: {وَءامَنتُمْ} تفسير له وتقرير لمعناه أي: وآمنتم الإيمان الذي هو حائز لتلك الخلال الفواضل جامع لتلك الخصال الكوامل، فتقديم الشكر على الايمان وحقه التأخير في الأصل إعلام بأن الكلام فيه، وأن الآية السابقة مسوقة لبيان كفران نعمة الله تعالى العظمى والكفر تابع فإذا أخر الشكر أخل بهذه الأسرار واللطائف، ومن ثم ذيل سبحانه الآية على سبيل التعليل بقوله جل وعلا: {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً} أي مثيباً على الشكر {عَلِيماً} بجميع الجزئيات والكليات فلا يعزب عن علمه شيء فيوصل الثواب كاملاً إلى الشاكر، وإلى هذا ذهب الإمام، وقال غير واحد: الشاكر وكذا الشكور من أسمائه تعالى هو الذي يجزي بيسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعماً في الآخرة غير محدودة، وعلى التقديرين يرجع إلى صفة فعلية، وقيل: معناه المثني على من تمسك بطاعته فيرجع إلى صفة كلامية. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: أما في قوله سبحانه: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء} إلى قوله عز وجل: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 127ـ130] فقد قال النيسابوري فيه: إن النفس للروح كالمرأة للزوج، و{يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ} صفات النفوس، و {مَا كُتِبَ لَهُنَّ} ما أوجب الله تعالى من الحقوق. وحاصل المعنى إن نفسك مطيتك فارفق بها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ} تفسير : [النساء: 128] فالروح تشح بترك حقوق الله تعالى، والنفس تشح بترك حظوظها {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} في رفض حظوظ النفس، فقد جاء في الخبر «حديث : إن لنفسك عليك حقاً» {أية : فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} تفسير : [النساء: 129] بين العالم العلوي والعالم السفلي {وَإِن يَتَفَرَّقَا} أي الروح والنفس {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ} فالروح يجتذب بجذبة ـ خل نفسك وائتني إلى سعة غنى الله تعالى في عالم هويته ـ فيستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفس تجتذب بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : إلى سعة غنى الله تعالى في عالم {أية : فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى * وَٱدْخُلِى جَنَّتِى} تفسير : [الفجر: 28ـ30] انتهى، ولايخفى أن باب التأويل واسع، وما ذكره ليس بمتعين فيمكن أن تجعل الآية في شأن الشيخ والمريد؛ وأما في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ} الخ فنقول: إنه سبحانه أمر المؤمنين بالتوحيد العلمي المريدين لثواب الدارين أن يكونوا ثابتين في مقام العدالة التي / هي أشرف الفضائل {أية : قَوَّامِينَ} تفسير : [النساء: 135] بحقوقها بحيث تكون ملكة راسخة فيهم لا يمكن معها جور في شيء ولا ظهور صفة نفس لاتباع هوى في جلب نفع دنيوي أو رفع مضرة كذلك، ثم قال جل وعلا: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من حيث البرهان {أية : ءَامِنُواْ} تفسير : [النساء: 136] من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث العيان أو: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالإيمان التقليدي {ءامَنُواْ} بالإيمان العيني، أو المراد يا أيها المدعون تجريد الإيمان لي من غير وساطة لا سبيل لكم إلى الوصول إلى عين التجريد إلا بقبول الوسائط، فالآية إشارة إلى الفرق بعد الجمع {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالتقليد {ثُمَّ كَفَرُواْ} إذ لم يكن للتقليد أصل {ثُمَّ ءَامَنُواْ} بالاستدلال العقلي {ثُمَّ كَفَرُواْ} إذ لم تكن عقولهم مشرفة بالنور الإلهي {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بالشبهات والاعتراضات، وقد يكون ذلك إشارة إلى وصف أهل التردد في سلوك سبيل أولياء الله تعالى، والإيمان بأحوالهم حين هاجت رغبتهم إلى رياسة القوم. فلما جن عليهم ليل المجاهدات لم يتحملوا وأنكروا ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم، ولما رأوا نهاية الأكابر وظنوا اللحوق بهم لو استقاموا وآمنوا فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات القوم وكراماتهم لعدم إخلاصهم وسوء استعدادهم ارتدوا وصاروا منكرين عليهم وعلى مقاماتهم وازدادوا إنكاراً على إنكار حين رجعوا إلى اللذات والشهوات واختاروا الدنيا على الآخرة وجعلوا يقولون للخلق: إن هؤلاء ليسوا على الحق فقد سلكنا ما سلكوا وخضنا ما خاضوا فلم نر إلا سراباً بقيعة، وهذا حال كثير من علماء السوء المنكرين على القوم قدس الله تعالى أسرارهم {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} لمكان الريب الحاجب وفساد جوهر القلب وزوال الاستعداد {أية : وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 137] إلى الحق ولا إلى الكمال لعدم قبولهم ذلك {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء} لمناسبتهم إياهم وشبيه الشيء منجذب إليه {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لعدم الجنسية {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} أي أيطلبون التعزز بهم في الدنيا والتقوي بمالهم وجاههم {أية : فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 139] فلا سبيل لهم إليها إلا منه سبحانه عز وجل، ثم ذكر سبحانه من وصف المنافقين أنهم ـ إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ـ لعدم شوقهم إلى الحضور ونفورهم عنه لعدم استعدادهم واستيلاء الهوى عليهم {يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ} لاحتجابهم بهم عن رؤية الله تعالى {أية : وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 142] لأنهم لا يذكرونه إلا باللسان وعند حضورهم بين الناس بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم إذا قاموا إلى الصلاة يطيرون إليها بجناحي الرغبة والرهبة بل يحنون إلى أوقاتها:شعر : حنين أعرابية حنت إلى أطلال نجد فارقته ومرخه تفسير : ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: «حديث : أرحنا يا بلال»تفسير : يريد عليه الصلاة والسلام أقم لنا الصلاة لنصلي فنستريح بها لا منها، وظن الأخير برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر والعياذ بالله تعالى؛ وإذا عبدوا لا يرون إلا الله تعالى، وما قدر السوى عندهم ليراءوه؟ وإن كل جزء منهم يذكر الله تعالى، نعم إنهم قد يشتغلون به عنه فهناك لا يتأتى لهم الذكر، وقد عد العارفون الذكر لأهل الشهود ذنباً، ولهذا قال قائلهم:شعر : بذكر الله تزداد الذنوب وتنكشف الرذائل والعيوب وترك الذكر أفضل كل شيء وشمس الذات ليس لها مغيب تفسير : لكن ذكر بعضهم أنه لا يصل العبد إلى ذلك المقام إلا بكثرة الذكر، وأشار إلى مقام عال من قال:شعر : لا يترك الذكر إلا من يشاهده وليس يشهده من ليس يذكره والذكر ستر على مذكوره ستر فحين أذكره في الحال يستره فلا أزال على الأحوال أشهده ولا أزال على الأنفاس أذكره تفسير : / {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لئلا تتعدى إليكم ظلمة كفرهم {أية : أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 144] حجة ظاهرة في عقابكم برسوخ الهيئة التي بها تميلون إلى ولايتهم {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : لتحيرهم بضعف استعدادهم {أية : وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 145] ينصرهم من عذاب الله تعالى لانقطاع وصلتهم وارتفاع محبتهم مع أهل الله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} رجعوا إلى الله تعالى ببقية نور الاستعداد وقبول مدد التوفيق {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا من استعدادهم بقمع الهوى وكسر صفات النفس ورفع حجاب القوى {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} بالتمسك بأوامره والتوجه إليه سبحانه {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} بإزالة خفايا الشرك وقطع النظر عن السوى {فَأُوْلَٰـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الصادقين {أية : وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 146] من مشاهدة تجليات الصفات وجنات الأفعال {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} بالتوبة وإصلاح ما فسد والاعتصام بحبل الأوامر والتوجه إلى الله عز وجل وإخلاص الدين له سبحانه {وَءامَنتُمْ} الإيمان الحائز لذلك {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً} [النساء: 147] فيثيب ويوصل الثواب كاملاً، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لكلتا الجملتين: جملة {إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار} مع الجملة المتضمنّة لاستثناء من يتوب منهم ويؤمن، وما تضمّنته من التنويه بشأن المؤمنين من قوله: {أية : وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً}تفسير : [النساء: 146]. والخطاب يجوز أن يراد به جميع الأمّة، ويجوز أن يوجّه إلى المنافقين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ارتفاقاً بهم. والاستفهام في قوله: {ما يفعل الله بعذابكم} أريد به الجواب بالنفي فهو إنكاري، أي لا يفعل بعذابكم شيئاً. ومعنى {يفْعَلُ} يصنع وينتفع، بدليل تعديته بالباء. والمعنى أنّ الوعيد الذي تُوعِّد به المنافقون إنّما هو على الكفر والنفاق، فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله غفر لهم العذاب، فلا يحسبوا أنّ الله يعذّبهم لِكراهة في ذاتهم أو تشفّ منهم، ولكنّه جزاء السوء، لأنّ الحَكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب، ولكنّها المسبّبات تجري على الأسباب. وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم وشُكرهم،. وتجنّبوا موالاة المنافقين والكافرين، فالله لا يعذّبهم، إذ لا موجب لعذابهم. وجملة {وكان الله شاكراً عليماً} اعتراض في آخر الكلام، وهو إعلام بأنّ الله لا يعطّل الجزاء الحسن عن الذين يؤمنون به ويشكرون نعمَهُ الجمّة، والإيمان بالله وصفاته أوّل درجات شكر العبد ربّه.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآمَنْتُمْ} (147) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أحَداً مِنْ خَلْقِهِ انْتِقَاماً مِنْهُ، وَلا طَلَباً لِنَفْعٍ، وَلا دَفْعاً لِضَرَرٍ، لأنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ، وَهُوَ إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالنَّاسِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِأَنْعُمِ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بِالعَقْلِ وَالحَوَاسِّ وَالوِجْدَانِ، لَكِنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ، وَهُوَ أنْ تَكُونَ وَسِيلَةً لِلاهْتِدَاءِ بِهَا إلى وُجُودِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ وَلَوُ أنَّهُمْ آمَنُوا وَشَكَرُوا لطَهُرَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَظَهَرَتْ آثَارُ ذَلِكَ فِي عُقُولِهِمْ، وَسَائِرِ أعْمَالِهِمْ، التِي تُصْلِحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ رِضْوَانَ اللهِ. وَاللهُ يَجْعَلُ ثَوَابَ المُؤْمِنينَ الشَّاكِرِينَ بِحَسَبٍ عِلْمِهِ بِأحْوَالِهِمْ، وَيُنِيلُهُمْ مِنَ الدَّرَجَاتِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ، جَزَاءَ شُكْرِهِمْ وَإيمَانِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه قد أوضح من قبل أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، واستثنى منهم من تاب وأصلح واعتصم بالله وأخلص، ويتحدث هنا عن فكرة العذاب نفسها، ليجليها فيقول: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} وهذا استفهام، والاستفهام أصلاً سؤال من سائل يتطلب جواباً من مجيب. وسبحانه وتعالى يريد أن يعرض قضية موثوقا بها فهو لا يأتي بها خبراً، فهو القادر على أن يقول: أنا لا أفعل بعذابي لكم ولا أحقق لذاتي من ورائه شيئا، فلا استجلب به لي نفعا ولا أدفع به عني ضراً. لكنه هنا لا يأتي بهذه القضية كخبر من عنده، بل يجعل المنافقين يقولونها. مثال ذلك - ولله المثل الأعلى - يقول واحد لآخر: أنت أهنتني. ومن الجائز أن يرد الآخر: أنا لم أهنك. وأقسم لك أنني ما أهنتك. وقد يضيف: ابغني شاهداً. وهنا نجد مراحل المسألة تبدأ بالإبلاغ عن عدم الإهانة، ثم القسم بأن الإهانة لم تحدث، ومن بعد ذلك طلب شاهداً على أن الإهانة المزعومة قد حدثت. وقد يقول الإنسان رداً على من يتهمه بالإهانة: أنا أترك لك هذه المسألة، فماذا قلت لك حتى تعتبره إهانة؟ ومن يقول ذلك واثق أن من شعر بالإهانة لو أدار رأسه وفكره فلن يجد كلمة واحدة تحمل في طياتها شبهة الإهانة. ولو كان الإنسان واثقا من أنه أهان الآخر، فهو يخاف أن يقيم الآخر دليلا على صحة اتهامه له، ولكن حين يقول له: وماذا قلت لك حتى تعتبر ذلك إهانة؟. فعليه أن يبحث ولن يجد. وبذلك يكون الحكم قد صدر منه هو. وإذا كان الله يقول: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} فهذا خطاب لجماعة كانت ستتعذب. وكانت فيهم محادة لله. ورضي الله شهادتهم، فكأن هذه لفتة على أن العاصي يستحق العذاب بنص الآية: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ}، ومستعد لهذا العذاب لأنه محاد لله. ولكن الله يقبل منه ومن أمثاله أن يشهدوا. وهذا دليل على أن الإيمان الفطري في النفس البشرية، فإذا ما حزبها واشتد عليها الأمر لم تجد إلا منطق الإيمان. ويوضح الحق للمنافقين: ماذا أفعل أنا بعذابكم؟ فلن يجدوا سببا خاصا بالله ليعذبهم، فكأن الفطرة الطبيعية قد استيقظت فيهم؛ لأنهم سيديرون المسألة في نفوسهم. وعلى مستوانا نحن البشر نرى أن الذي يدفع الإنسان ليعذب إنسانا آخر إنما يحدث ذلك ليشفي غيظ قلبه، أو ليثأر منه؛ لأنه قد آلمه فيريد أن يرد هذا الإيلام. أو ليمنع ضرره عنه. والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون في أي موقع من هذه المواقع. فإذا أدار المنافقون هذه المسألة فطريا بدون إيمان فلن يكون جوابهم إلا الآتي: لن يفعل الله بعذابنا شيئا، إن شكرنا وآمنا. ونستخلص من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يريد عرض قضية يثبت فيها الحكم من الخصم نفسه، يلقيها على هيئة سؤال. وكان من الممكن أن يجري هذه المسألة خبرا، إلا أن الخبر هو شهادة من الله لنفسه، أما السؤال فستكون إجابته اقرارا من المقابل. وهذا يعمي أنهم كانوا عاصين ومخالفين. وكأنه سبحانه قد ائتمنهم على هذا الجواب؛ لأن الجواب أمر فطري لا مندوحة عنه. وحين يدير الكافر رأسه ليظن بالله ما لا يليق، فلن يجد مثل هذا الظن أبدا. {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً}. وإن لم يشكروا ولم يؤمنوا فما الذي يناله الحق من عذابهم؟ ونعلم أن عظمة الحق أنه لا يوجد شي من طاعة يعود إلى الله بنفع، ولا يوجد شيء من معصية يعود إلى الله بالضرر. ولكنه يعتبر النفع والضرر عائدين على خلق الله لا على الله - سبحانه -. وسبحانه يريدنا طائعين حتى نحقق السلامة في المجتمع، سلامة البشر بعضهم من بعض. إذن فالمسألة التي يريدها الحق، لا يريدها لنفسه، فهو قبل أن يخلق الخلق موجود وبكل صفات الكمال له، وبصفات الكمال أوجد الخلق. وإيجاد الخلق لن يزيد معه شيئا، ولذلك قال في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا إلا كما يُنقص المخيط إذا أدخل البحر.. ". تفسير : إذن فالطاعة بالنسبة لله والمعصية بالنسبة لله، إنما لشيء يعود على خلق الله. ولننظر إلى الرحمة من الحق سبحانه وتعالى الذي خلق خلقاً ثم حمى الخلق من الخلق، واعتبر سبحانه أن من يحسن معاملة المخلوق مثله فهو طائع لله، ويحبه الله لأنه أحسن إلى صنعة الله. {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} فإن تشكروا وتؤمنوا فلن يفعل الله بعذابكم شيئا.. أي فقد أبعدتم أنفسكم عن استحقاق العذاب. وسبحانه يريد أن يعدل مزاج المجتمع وتفاعلات أفراده مع بعضهم بعضاً، وذلك حتى يكون المجتمع ذا بقاء ونماء وتعايش. ونعلم أن لكل إنسان سمة وموهبة، وهذه الموهبة يريدها المجتمع. فمن الجائز أن يكون لإنسان ما أرض ويريد أن يقيم عليها بناء، وصاحب الأرض ليس مفترضا فيه أن يدرس الهندسة أولاً حتى يصمم البناء ورسومه، وليس مفترضا فيه أن يتقن حرفة البناء ليبني البيت، وكذلك ليس مفروضا فيه أن يتعلم حرفة الطلاء والكهرباء وغيرهما. وكذلك ليس من المفروض فيمن يريد ارتداء جلباب أن يتعلم جز الصوف من الغنم أو غزل القطن وكيف ينسجه وكيف يقوم بتفصيله وحياكته من بعد ذلك، لا، لا بد أن يكون لكل إنسان عمل ما ينفع الناس. إذن فلكل إنسان عمل ينفع الناس به حتى يتحقق الاستطراق النفعي، ولأن كلاًّ منا يحتاج إلى الآخر فلا بد من إطار التعايش السلمي في الحياة. لا أن يكون العراك هو أساس كل شيء؛ لأن العراك يضعف القوة ويذهب بها سدى، وسبحانه يريد كل قوى المجتمع متساندة لا متعاندة، ولذلك قال: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}. أما إن لم تشكروا وتؤمنوا، فعذابكم تأديب لكم، لا يعود على الله بشيء. ولماذا وضع الحق الشكر مع الإيمان؟ لنعرف أولاً ما الشكر؟ الشكر: هو إسداء ثناء إلى المنعم ممن نالته نعمتهُ، فتوجيه الشكر يعني أن تقول لمن أسدى لك معروفا: "كثر خيرك"، وما الإيمان؟ إنه اليقين بأن الله واحد. لكن ما الذي يسبق الآخر. الشكر أو الإيمان؟ إن الإيمان بالذات جاء بعد الانتفاع بالنعمة، فعندما جاء الإنسان إلى الكون وجد الكون منظما، ولم يقل له أحد أي شيء عن أي دين أو خالق. ألا تهفو نفس هذا الإنسان إلى الاستشراف إلى معرفة من صنع له هذا الكون؟ وعندما يأتي رسول، فالرسول يقول للإنسان: أنت تبحث عن القوة التي صنعت لك كل هذا الكون الذي يحيط بك، إن اسمها الله، ومطلوبها أن تسير على هذا المنهج. هنا يكون الإيمان قد وقع موقعه من النعمة. فالشكر يكون أولاً، وبعد ذلك يوجد الإيمان، فالشكر عرفان إجمالي، والإيمان عرفان تفصيلي. والشكر متعلق بالنعمة. والإيمان متعلق بالذات التي وهبت النعمة. {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} والحق سبحانه يوضح لنا: أنا الإله واهب النعمة أشكركم. كيف يكون ذلك؟ لنضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت اشتريت لابنك بعضا من اللعب، ولم تفعل ذلك إلا بعد ان استوفيت ضرورات الحياة، فلا أحد يأتي باللعب لابنه وهو لم يأت له بطعام أو ملابس. إذن فأنت تأتي لابنك باللعب بعد الطعام والملبس ليملأ وقت فراغه، وهذا يعني أن الضرورات قد اكتملت. وحين تقول لابنك: إن هذه اللعبة للعب فقط، ستأخذها ساعة تحب أن تلعب، وتضعها في مكانها وقت أن تذاكر، فكل شيء هنا في هذا المنزل له مهمة يجب أن يؤديها. وهذا يعني إنك كوالد تريد أن تؤدب ابنك حتى يلعب بلعبته وقت اللعب ولا يلعب بأي شيء غيرها في المنزل؛ لأنه لو لعب بكل شيء في المنزل فلا بد من أن يكسر شيئا، فلا مجال للعب في التليفزيون أو في الساعة أو الثلاجة أو الغسالة حتى لا تتعطل تلك الأجهزة. وأنت كوالد تريد أن تفرق بين شيء يلعب به وشيء يُجد به. وأشياء الجد لا توجد إلا عند طلبها فقط؛ فالغسَّالة لا تستخدم إلا ساعة غسل الملابس، والساعة لا نستخدمها إلا لحظة أن نرغب في معرفة الوقت. والثلاجة لا تفتحها إلا ساعة تريد أن تستخرج شيئا تأكله أو تشربه، والوالد يأتي للابن بقليل اللعب ليضع له حدا بين الأشياء التي يمكنه أن يلعب بعا وبين الأشياء التي لا يصح أن يلعب بها، فأشياء المنزل يجب ألا يقرب منها الابن إلا وقت استعمالها. لكن بالنسبة للعبة فالابن يلعب بها عندما يحين وقت اللعب، لكن عليه أن يحافظ عليها. وعندما يرقب الوالد ابنه، ويجده منفذا للتعليمات، ويحافظ على حاجات المنزل، ويلعب بلعبه محافظا عليها. وإن لم يُعَلّم الأب ابنه ذلك فقد يفسد الابن لعبه. وحين يقوم الابن بتنفيذ تعليمات أبيه فالأب يرضى عنه ويسعد به. وعندما تخرج لعبة جديدة في السوق فالأب الراضي عن ابنه يشتري له هذه اللعبة الجديدة؛ لأن الولد صار مأمونا؛ لأنه يعرف قواعد اللعب مع المحافظة على أداة اللعب. ويعرف أيضا كيف يحافظ على حاجات المنزل. ويزداد رضاء الأب عن تصرفات الابن. وينشأ عن هذا الرضاء أن يشتري الأب لعبا جديدة. فإذا كان ذلك هو ما يحدث في العلاقة ما بين الأب والابن، وهما مخلوقان لله، فما بالنا بالخالق الأعلى سبحانه وتعالى الذي أوجد كل المخلوقات؟ إن الإنسان حين يضع كل المسائل في ضوء منهج الله، فالله شاكر وعليم؛ لأن الله يرضى عن العبد الذي يسير على منهجه، وعندما يرضى الرب عن العبد فهو يعطي له زيادة. فالله شاكر بمعنى أن البشر إن أحسنوا استقبال النعمة بوضع كل نعمة في مجالها فلا تتعدى نعمة جادة، على نعمة هازلة ولا نعمة هازلة على نعمة جادة، فالله يرضى عن العباد. ومعنى رضاء الله أن يعطي البشر أشياء ليست من الضرورات فقط ولكن ما فوق ذلك. فسبحانه يعطي الضرورات للكل حتى الكافر. ويعطي سبحانه ما فوق الضرورات وهي أشياء تسعد البشر. إذن فمعنى أن الله شاكر.. أي أن سبحانه وتعالى راض. ويثيب نتيجة لذلك ويعطي الإنسان من جنس الأشياء ويسمو عطاؤه، مصداقا لقوله الحق: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7] فالشكر هنا موجه من العبد للرب، والزيادة من الرب إلى العبد. وإياك أيها الإنسان أن تصنع الأشياء شكليا، مثل الطفل الذي يصون لعبته لحظة أن يرى الأب. ومن فور أن يختفي الأب أمام عيني الطفل فهو يفسد اللعبة، والله ليس كالأب أبداً، فالأب قدراته محدودة، ولكن الله هو الخالق الأعلى الذي لا تخفى عليه خافية أبداً وسبحانه شاكر، وهو أيضاً عليم. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):