٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
148
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر غير لائق بالرحيم الكريم ذكر تعالى ما يجري مجرى العذر في ذلك فقال: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس» تفسير : وهؤلاء المنافقون قد كان كثر مكرهم وكيدهم وظلمهم في حق المسلمين وعظم ضررهم، فلهذا المعنى ذكر الله فضائحهم وكشف أسرارهم. الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية المتقدمة أن هؤلاء المنافقين إذا تابوا أخلصوا صاروا من المؤمنين، فيحتمل أنه كان يتوب بعضهم ويخلص في توبته ثم لا يسلم بعد ذلك من التعيير والذم من بعض المسلمين بسبب ما صدر عنه في الماضي من النفاق، فبين تعالى في هذه الآية أنه تعالى لا يحب هذه الطريقة، ولا يرضى بالجهر بالسوء من القول إلا من ظلم نفسه وأقام على نفاقه فإنه لا يكره ذلك. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى لا يريد من عباده فعل القبائح ولا يخلقها، وذلك لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته، فلما قال: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ } علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضاً لو كان خالقاً لأفعال العباد لكان مريداً لها، ولو كان مريداً لها لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول، وإنه خلاف الآية. والجواب: المحبة عندنا عبارة عن إعطاء الثواب على الفعل، وعلى هذا الوجه يصح أن يقال: إنه تعالى أراده ولكنه ما أحبه والله أعلم. المسألة الثالثة: قال أهل العلم: إنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول ولا غير الجهر أيضاً، ولكنه تعالى إنما ذكر هذا الوصف لأن كيفيته الواقعة أوجبت ذلك كقوله {أية : إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ } تفسير : [النساء: 94] والتبين واجب في الطعن والإقامة، فكذا ههنا. المسألة الرابعة: في قوله {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } قولان، وذلك لأنه إما أن يكون استثناءً منقطعاً أو متصلاً. القول الأول: أنه استثناء متصل، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال أبو عبيدة هذا من باب حذف المضاف على تقدير: إلا جهر من ظلم. ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، الثاني: قال الزجاج: المصدر ههنا أقيم مقام الفاعل، والتقدير: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. القول الثاني: إن هذا الاستثناء منقطع، والمعنى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته. المسألة الخامسة: المظلوم ماذا يفعل؟ فيه وجوه: الأول: قال قتادة وابن عباس: لا يحب الله رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم فإن له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه. الثاني: قال مجاهد: إلا أن يخبر بظلم ظالمه له. الثالث: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة، لأن ذلك يصير سبباً لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الإنسان في الريبة، لكن من ظلم فيجوز إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب، وهذا قول الأصم. الرابع: قال الحسن: إلا أن ينتصر من ظالمه. قيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه، فإن رجلاً شتمه فسكت مراراً، ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه قمت، قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء الشيطان، فلم أجلس عند مجيء الشيطان، فنزلت هذه الآية. المسألة السادسة: قرأ جماعة من الكبار: الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } بفتح الظاء، وفيه وجهان: الأول: أن قوله {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ } كلام تام، وقوله {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } كلام منقطع عما قبله، والتقدير: لكن من ظلم فدعوه وخلوه، وقال الفرّاء والزجاج: يعني لكن من ظلم نفسه فإنه يجهر بالسوء من القول ظلماً واعتداء. الثاني: أن يكون الاستثناء متصلاً والتقدير {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } فإنه يجوز الجهر بالسوء من القول معه. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً } وهو تحذير من التعدي في الجهر المأذون فيه، ويعني فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً بسوء فإنه يصير عاصياً لله بذلك، وهو تعالى سميع لما يقوله عليم بما يضمره.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} وتمّ الكلام. ثم قال جل وعز: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} ٱستثناء ليس من الأوّل في موضع نصب؛ أي لكن من ظلِم فله أن يقول ظلمني فلان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير؛ لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم. وقراءة الجمهور «ظُلِم» بضم الظاء وكسر اللام؛ ويجوز إسكانها. ومن قرأ «ظَلَم» بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وٱبن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي، فلا يجوز له أن يسكّن اللام لخفة الفتحة. فعلى القراءة الأُولى قالت طائفة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظُلم فلا يُكره له الجهر به. ثم ٱختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك؛ فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعِنِّي عليه، اللهم ٱستخرج حقي، اللهم حُلْ بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء. وقال ٱبن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له؛ فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم. وقال أيضاً هو والسدي: لا بأس لمن ظُلِم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقال ٱبن المستنير: «إلا من ظلِم» معناه؛ إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفرٍ أو نحوه فذلك مباح. والآية على هذا في الإكراه؛ وكذا قال قُطْرُب: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} يريد المكره؛ لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر؛ قال: ويجوز أن يكون المعنى {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} على البدل؛ كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم، أي لا يحب الله الظالم؛ فكأنه يقول: يحب من ظلم أي يأجِر من ظلم. والتقدير على هذا القول: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم، على البدل. وقال مجاهد: نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه. قال ٱبن جريج عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاةٍ من الأرض فلم يضيفه فنزلت «إلا من ظلِم» ورواه ٱبن أبي نجيح أيضاً عن مجاهد؛ قال: نزلت هذه الآية {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. وقد ٱستدل من أوجب الضيافة بهذه الآية؛ قالوا: لأن الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها؛ وهو قول الليث بن سعد. والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في «هود» والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ـ ولكن مع ٱقتصاد ـ إن كان مؤمناً كما قال الحسن؛ فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا؛ وقد تقدّم في «البقرة». وإن كان كافراً فأرسل لسانك وٱدع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: « حديث : اللهم ٱشدد وطأتك على مضر وٱجعلها عليهم سِنين كسِنِي يوسف » تفسير : وقال: « حديث : اللهم عليك بفلانٍ وفلانٍ » تفسير : سماهم. وإن كان مجاهراً بالظلم دعى عليه جهراً، ولم يكن له عِرض مُحترم ولا بَدَن مُحترم ولا مال محترم. وقد روى أبو داود: حديث : عن عائشة قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُسبِّخِي عنه» تفسير : أي لا تخفِّفي عنه العقوبة بدعائِك عليه. وروي أيضاً عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ليّ الواجِد ظلم يُحِل عِرضه وعقوبته » تفسير : . قال ٱبن المبارك: يحِل عِرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. وفي صحيح مسلم: « حديث : مطل الغنى ظلم » تفسير : . فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من عِرضه أن يقال فيه: فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك؛ حكى معناه عن سفيان، وهو معنى قول ٱبن المبارك رضي الله عنهما. الثانية ـ وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في عليّ رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين ٱقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. الحديث. ولم يردّ عليه واحد منهم؛ لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب؛ قاله ابن العربي. وقال علماؤنا: هذا إنما يكون فيما إذا ٱستوت المنازل أو تقاربت، وأما إذا تفاوتت، فلا تُمكَّن الغوغاءُ من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرّد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار. ووجه آخر ـ وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة! فإن العمّ صِنْوُ الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والرّدع مبالغة في تأديبه، لا أنه موصوف بتلك الأُمور؛ ثم ٱنضاف إلى هذا أنهم في محاجّة وِلاية دينية؛ فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن مخالفته فيها تؤدّي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأُمور؛ فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه؛ ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه؛ أشار إلى هذا المازَرِي والقاضي عياض وغيرهما. الثالثة ـ فأمّا من قرأ «ظَلَمَ» بالفتح في الظاء واللام ـ وهي قراءة زيد بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظِيّ، وقراءة ٱبن أبي إسحاق والضحاك وٱبن عباس وٱبن جبير وعطاء بن السائب ـ فالمعنى: إلا من ظلم في فعل أو قول فٱجهروا له بالسوء من القول؛ في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والردّ عليه؛ المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق: ألستَ نافقتَ؟ إلا من ظَلَم، أي أقام على النفاق؛ ودل على هذا قوله تعالى: { أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [النساء: 146 البقرة: 160]. قال ٱبن زيد: وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدّرك الأسفل من النار كان ذلك جهراً بسوء من القول، ثم قال لهم بعد ذلك: { أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } تفسير : [النساء: 147] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان. ثم قال للمؤمنين: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} في إقامته على النفاق؛ فإنه يقال له: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار؟ ونحو هذا من القول. وقال قوم: معنى الكلام: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، ثم ٱستثنى ٱستثناء منقطعاً؛ أي لكن من ظَلَم فإنه يجهر بالسوء ظلماً وعدواناً وهو ظالم في ذلك. قلت: وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم؛ فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عِرض مظلومهم ما حرّم عليهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: يجوز أن يكون المعنى {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فقال سوءا؛ فإنه ينبغى أن تأخذوا على يديه؛ ويكون الاستثناء ليس من الأوّل. قلت: ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام: « حديث : خذوا على أيدي سفهائكم » تفسير : . وقوله:حديث : «ٱنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال:«تكفه عن الظلم» تفسير : . وقال الفرّاء: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} يعني ولا من ظلم. قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدّى الحدّ في الانتصار. ثم أتبع هذا بقوله: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} فندب إلى العفو ورغّب فيه. والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام؛ وقد تقدّم في «آل عمران» فضل العافِين عن الناس. ففي هذه الألفاظ اليسيرة معانٍ كثيرة لمن تأملها. وقيل: إن عفوت فإن الله يعفو عنك. روى ٱبن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأُمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا؛ يصدّق هذا الحديث قوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوماً؛ فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} وإن صبر فهو خير له. وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت: سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسبخي عنه» تفسير : وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه، وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه. وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك، فلا تفتر عليه؛ لقوله: { أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } تفسير : [الشورى: 41]. وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : المستبَّان، ما قالا، فعلى البادىء منهما، ما لم يعتد المظلوم» تفسير : وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح عن مجاهد في قوله: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} قال: ضاف رجل رجلاً، فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج، أخبر الناس فقال: ضفت فلاناً، فلم يؤد إلي حق ضيافتي، قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حتى يؤدي الآخر إليه حق ضيافته. وقال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} قال: هو الرجل ينزل بالرجل، فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي، ولم يحسن، وفي رواية: هو الضيف المحول رحله؛ فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول، وكذا روي عن غير واحد عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي من طريق الليث بن سعد، والترمذي من حديث ابن لهيعة، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا، فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: «حديث : إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن سعيد بن مهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أيما مسلم ضاف قوماً، فأصبح الضيف محروماً، فإن حقاً على كل مسلم نصره، حتى يأخذ بقرى ليلته؛ من زرعه وماله» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد أيضاً: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروماً، كان ديناً له عليه، فإن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه»تفسير : . ثم رواه أيضاً عن غندر عن شعبة. وعن زيادة بن عبد الله البكائي عن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور، به، وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة عن منصور، به. ومن هذه الأحاديث وأمثالها، ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمد بن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جاراً يؤذيني، فقال له: «حديث : أخرج متاعك فضعه على الطريق»تفسير : ، فأخذ الرجل متاعه، فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبداً، وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، به، ثم قال البزار: لا نعلمه يروي عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: { إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} أي: إن تظهروا أيها الناس خيراً، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده؛ مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك وفي الحديث الصحيح: «حديث : ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ } من أحد أي يعاقبه عليه {إَلاَّ مَن ظُلِمَ} فلا يؤاخذه بالجهر به بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً } لما يقال {عَلِيماً } بما يفعل.
الشوكاني
تفسير : نفي الحبّ كناية عن البغض، وقراءة الجمهور: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } على البناء للمجهول. وقرأ زيد بن أسلم، وابن أبي إسحاق، والضحاك، وابن عباس، وابن جبير، وعطاء بن السائب "إَلاَّ مَن ظَلَمَ" على البناء للمعلوم، وهو على القراءة الأولى استثناء متصل بتقدير مضاف محذوف، أي: إلا جهر من ظلم. وقيل: إنه على القراءة الأولى أيضاً منقطع، أي: لكن من ظلم، فله أن يقول ظلمني فلان. واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم، فقيل: هو أن يدعو على من ظلمه. وقيل: لا بأس أن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه بأن يقول: فلان ظلمني، أو هو ظالم أو نحو ذلك. وقيل معناه: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه، فهو مباح له، والآية على هذا في الاكراه، وكذا قال قطرب، قال: ويجوز أن يكون على البدل كأنه قال لا يحبّ الله إلا من ظلم، أي: لا يحبّ الظالم بل يحبّ المظلوم. والظاهر من الآية أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي: هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في الصحيح بلفظ: «حديث : ليّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته»تفسير : ، وأما على القراءة الثانية، فالاستثناء منقطع، أي: إلا من ظلم في فعل أو قول، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له. وقال قوم: معنى الكلام لا يحبّ الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ظلم، فإنه يجهر بالسوء ظلماً وعدواناً، وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه، وينالون من عرضه. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم، فقال سوءاً، فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه، ويكون استثناء ليس من الأوّل {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً } هذا تحذير للظالم بأن الله يسمع ما يصدر منه ويعلم به، ثم بعد أن أباح للمظلوم أن يجهر بالسوء ندب إلى ما هو الأولى والأفضل، فقال: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } تصابون به {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً } عن عباده {قَدِيراً } على الانتقام منهم بما كسبت أيديهم، فاقتدوا به سبحانه، فإنه يعفو مع القدرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ } قال: لا يحبّ الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في الآية قال: نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض، فلم يضفه، ثم ذكر أنه لم يضفه لم يزد على ذلك. وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } قال: كان الضحاك بن مزاحم يقول هذا على التقديم والتأخير، يقول الله. ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم، وآمنتم إلا من ظلم، وكان يقرؤها كذلك، ثم قال: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ } أي: على كل حال هكذا قال، وهو قريب من التحريف لمعنى الآية. وقد أخرج ابن أبي شيبة، والترمذي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دعا على من ظلمه، فقد انتصر»تفسير : . وروى نحوه أبو داود عنها من وجه آخر. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المتسابان ما قالاه، فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم».
ابن عطية
تفسير : المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، و {الجهر بالسوء من القول} لا يكون من الله تعالى فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. و {الجهر} : كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى {أية : أرنا الله جهرة} تفسير : [النساء:53] ومنه قولهم: جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها، واختلف القراء في قوله تعالى {إلا من ظلم} وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومسلم بن يسار وغيرهم "إلا من ظَلَم" بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت فرقة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول "إلا من ظُلم" فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعنّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره: هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه: وفي هذا نزلت الآية، ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي: لا بأس لمن ظَلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول. قال القاضي رحمه الله: فهذه الأقوال على أربع مراتب: قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول. وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء. وقول مجاهد، ذكر الظلامة والظلم. وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة. وقال ابن المستنير: {إلا من ظلم} معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفراً أو نحوه، فذلك مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد واللام، فقال ابن زيد: المعنى "إلا من ظلم" في قول أو فعل، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال: وذلك أنه لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك جهراً بالسوء من القول. ثم قال لهم بعد ذلك {أية : ما يفعل الله بعذابكم} تفسير : [النساء: 147] الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال للمؤمنين: "ولا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا لمن ظلم" في إقامته على النفاق، فإنه يقال له: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل؟ ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام: "ولا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول" ثم استثنى استثناء منقطعاً، تقديره: لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب {من} يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر، و "سميع عليم": صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء، ثم وعد عليه بقوله {فإن الله كان عفواً قديراً} وعداً خفياً تقتضيه البلاغة ورغب في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام، ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها، وقوله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} إلى آخر الآية. نزل في اليهود والنصارى، لأنهم في كفرهم بمحمد عليه السلام كأنهم قد كفروا بجميع الرسل. وكفرهم بالرسل كفر بالله، وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء، وقولهم {نؤمن ببعض ونكفر ببعض} قيل: معناه من الأنبياء، وقيل: هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تفريقاتهم التي كانت تعنتاً وروغاناً، وقوله {بين ذلك} أي بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقاً، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فيدعو على ظالمه، أو يخبر بظلمه إياه، أو فينتصر منه، أو ينزل برجل فلا يحسن ضيافته فله أن يجهز بذمه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ...} الآية: قراءة الجمهور بضَمِّ الظاء، وقرىء شاذاً بفتحها، واختلف على قراءة الجمهورِ، فقالَتْ فرقةٌ: المعنَىٰ: لا يحبُّ اللَّه أنْ يَجْهَرَ أحدٌ بالسوء من القَوْل إلا مَنْ ظُلِم، فلا يُكْرَهُ له الجَهْرُ به، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في كيفيَّةِ الجَهْر بالسُّوء، وما هو المباحُ منه، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: لا بأسَ لِمَنْ ظُلِمَ أنْ ينتصر ممِنْ ظلمه بمثْلِ ظُلْمِهِ، ويَجْهَرَ له بالسُّوء من القَوْل، أي: بما يوازي الظَّلاَمَةَ، وقال مجاهد وغيره: نزلَتْ في الضَّيْفِ المُحَوَّلِ رَحْلُه، فإنَّه رُخِّصَ له أنْ يجهر بالسُّوءِ من القول للذي لم يُكْرِمْهُ، يريد: بقَدْر الظلمِ، والظُّلاَمةِ، وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن أبي هريرة، قال: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ»تفسير : . انتهى. «وسميعٌ عليمٌ»: صفتان لائِقَتَان بالجَهْر بالسوء، وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي علَيْه، ولما ذكر سبحانه عُذْر المَظْلُوم في أنْ يجهر بالسوء لظالمه، أَتْبَعَ ذَلك عَرْضَ إبداء الخير، وإخفائه، والعَفْوِ عن السُّوء، ثم وَعَدَ عَلَيْه سبحانه بقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} وعْداً خفيًّا تقتضيه البلاغَةُ، ورغَّب سبحانه في العَفْو؛ إذ ذكر أنها صفتُهُ مع القدرةَ عَلىٰ الإنتقام. قال * ع *: فَفِي هذه الألفاظِ اليسيرَةِ مَعَانٍ كثيرةً لمن تأمَّلها، قال الدَّاوُوديُّ: وعن ابنِ عُمَر؛ أنه قال: لا يحب اللَّه سبحانه أنْ يدعو أحَدٌ علَىٰ أحدٍ إلاَّ أنْ يُظْلَمَ، فقد رخَّص له في ذلك. انتهى.
ابن عادل
تفسير : في كيفيَّة النَّظْمِ وجهانِ: أحدهما: أنه - تعالى - لمَّا فَضَح المُنَافِقِين وهَتَك سِتْرَهُم، وكان هَتْكُ السِّتْر غَيْرَ لائقٍ بالرَّحِيم الكريم، ذكر - تعالى - ما يَجْري مَجْرَى العُذْرِ من ذَلِك؛ فقال: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} يعني: لا يُحبُّ إظهارَ الفَضَائِحِ، إلاَّ في حقِّ من عَظُمَ ضَرَرُه وكَثُر كَيْدُه ومَكْرُه، فَعِنْد ذلك يَجُوز إظْهَار فَضَائِحِه؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : اذْكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ" تفسير : والمُنافِقُون قد كَثُر كيْدهُم ومَكْرهُم وظُلْمهُم، وضَرَرهُم على المُسْلمِين؛ فلهذا ذَكَر اللَّه فَضَائِحَهُم وكَشَفَ أسْرَارَهُم. وثانيهما: أنَّه - تعالى - قال في الآية الأولى: أن المُنافِقِين إذا تَابُوا وأخْلَصُوا، صارُوا من المُؤمنين، فيُحْتَمَلُ أن يتُوبَ بَعْضُهم ويُخْلصَ تَوْبَته، ثم لا يَسْلمُ من التَّغير والذَّمِّ من بَعْضِ المُسْلِمِين؛ بسبب ما صَدَر عَنْهُ في المَاضِي من النِّفَاقِ، فبين - تعالى - في هذه الآية أنَّه لا يُحِبُّ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القول، إلا مَنْ ظَلَم نَفْسَه وأقَامَ على نِفَاقِهِ، فإنه لا يُكْرَه. قوله: "بالسُّوء" متعلق بـ "الجَهْر"، وهو مصدر معرف بـ "أل" استدلَّ به الفارسيُّ على جواز إعمالِ المصدر المعرَّف بـ "أل". قيل: ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ الظرفَ والجارَّ يعمل فيهما روائحُ الأفعال، وفاعل هذا المصدر محذوفٌ، أي: الجَهْر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يَطَّردُ حذفُه في صُورٍ منها المصْدرُ، ويجوز أن يكون الجهرُ مأخوذاً من فعلٍ مبنيٍّ للمفعول على خلافٍ في ذلك، فيكون الجارُّ بعده في محلِّ رفعٍ لقيامه مقام الفاعل؛ لأنك لو قلْتَ: لا يحبُّ الله أن يُجْهَرَ بالسوء، كان "بِالسُّوءِ" قائماً مقام الفاعل، ولا تعلُّقَ له حينئذٍ به، و"مِنَ القَوْلِ" حال من "السُّوء". قوله: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} في هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل، فقيل: هو مستثنى من "أحَد" المقدَّرِ الذي هو فاعلٌ للمصدر، فيجوز أن تكون "مَنْ" في محلِّ نصبٍ على أصل الاستثناء، أو رفعٍ على البدل من "أحَد"، وهو المختار، ولو صُرِّح به، لقيل: لا يُحِبُّ الله أنْ يَجْهَرُ أحَدٌ بالسُّوء إلا المَظْلومُ، أو المظلومَ رفعاً ونصباً، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء وغيرُهما، قال أبو حيان: "وهذا مذهبُ الفراء، أجاز في "مَا قَامَ إلاَّ زيدٌ" أن يكون "زَيْد" بدلاً من "أحَد"، وأمَّا على مذهب الجمهور، فإنه يكون من المستثنى الذي فُرِّغ له العاملُ، فيكون مرفوعاً على الفاعليَّة بالمصدر، وحسَّن ذلك كونُ الجَهْر في حيِّز النفي، كأنه قيل: لا يَجْهَرُ بالسُّوءِ من القولِ إلا المظلومُ" انتهى، والفرقُ ظاهرٌ بين مذهب الفراء وبين هذه الآية؛ فإن النحويِّين إنما لم يَرَوْا بمذهب الفراءِ، قالوا: لأن المحذوف صار نَسْياً مَنْسِيًّا، وأما فاعل المصْدر هنا، فإنه كالمنطوقِ به ليس منسياً، فلا يلزمُ من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعل المقدَّر أن يكونوا تابعين لمذْهَب الفرَّاء؛ لما ظهر من الفرق، وقيل: هو مستثنى مفرَّغٌ، فتكون "مَنْ" في محلِّ رفع بالفاعلية؛ كما تقدَّم في كلام أبي حيان، والتفريغُ لا يكون إلا في نفي أو شبهه، ولكنْ لَمَّا وقع الجهْرُ متعلَّقاً للحُبِّ الواقعِ في حيِّز النفْي ساغ ذلك، وقيل: هو مستثنىً من الجَهْر؛ على حذف مضافٍ، تقديرُه: إلا جَهْرَ من ظُلِمَ، فهذه ثلاثة أوجه على تقدير كونه متَّصِلاً، تحصَّل منها في محل "مَنْ" أربعةُ أوجه: الرفع من وجهين، وهما البدلُ من "أحَد" المقدَّر، أو الفاعليَّة؛ على كونه مفرَّغاً، والنصبُ؛ على أصلِ الاستثناء من "أحد" المقدَّر، أو من الجهر؛ على حَذْفِ مضاف. والثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، تقديرُه: لكنْ مَنْ ظُلِمَ له أن ينتصفَ من ظالمه بما يوازِي ظُلامته، فتكون "مَنْ" في محلِّ نصب فقط على الاستثناء المنقطع. والجمهورُ على {إِلا مَنْ ظُلِمَ} مبنياً للمفعول قال القرطبي: ويجوز إسْكان اللاَّم، وقرأ جماعة كثيرة منهم ابن عبَّاس وابن عمر وابن جبير والضحاك وزيد بن أسلم والحسن: "ظَلَمَ" مبنيًّا للفاعل، وهو استثناء منقطعٌ، فهو في محلِّ نصب على أصْل الاستثناء المنقطع، واختلفتْ عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصلُ ذلك يرجعُ إلى أحد تقديرات ثلاثة: إمَّا أن يكون راجعاً إلى [الجملة الأولى؛ كأنه قيل: لا يحبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بالسوء، لكنَّ الظالمَ يُحِبُّهُ، فهو يَفعلُهُ، وإما أنْ يكون راجعاً] إلى فاعل الجَهْر، أي: لا يحبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ أحدٌ بالسُّوء [لأحَدٍ]، لكن الظالِمَ يَجْهَرُ به، [وإمَّا أن يكون راجعاً إلى متعلَّق الجَهْر، وهو "مَنْ يُجاهَرُ ويُواجهُ بالسُّوء"، أيْ: لا يحبُّ الله أن يُجْهَرَ بالسُّوء لأحدٍ، لكن الظَّالِمَ يُجْهَرُ لَهُ به]، أي: يُذكر ما فيه من المساوىء في وجهه، لعلَّه أن يرتدع، وكونُ هذا المستثنى في هذه القراءة منصوبَ المحلِّ على الانقطاع هو الصحيحُ، وأجاز ابن عطية والزمخشريُّ أن يكون في محلِّ رفع على البدلية، ولكن اختلف مدركهما. فقال ابن عطية: "وإعرابُ "مَنْ" يحتملُ في بعض هذه التأويلاتِ النَّصْبَ، ويحتملُ الرفع على البدل من "أحَد" المقدَّر" يعني أحداً المقدَّر في المصدر؛ كما تقدَّم تحقيقه. وقال الزمخشريُّ: ويجوز أن يكون "مَنْ" مرفوعاً؛ كأنه قيل: لا يحبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسُّوء إلا الظالِمُ، على لغةِ من يقولُ: "مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرو" بمعنى: ما جَاءني إلاَّ عَمرٌو" ومنه {أية : لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65]، ورد أبو حيان عليهما فقال: "وما ذكره - يعني ابن عطية - من جواز الرفع على البدل لا يَصِحُّ؛ وذلك أن المنقطع قسمان: قسمٌ يتوجَّه إليه العامل؛ نحو: "ما فِيهَا أحَدٌ إلاَّ حِمَارٌ" فهذا فيه لغتان: لغة الحجاز وجوبُ النصب، ولغةُ تميم جوازُ البدل، وإن لم يتوجه عليه العامل، وجب نصبُه عند الجميع؛ نحو: "المالُ ما زَادَ إلاَّ النَّقْصَ"، أي: لكن حصل له النقصُ، ولا يجوز فيه البدل؛ لأنك لو وجهت إليه العامل، لم يصحَّ"، قال: والآيةُ من هذا القسم؛ لأنك لو قلت: "لا يُحِبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ بالسُّوءِ إلا الظالمُ" - فتسلطُ "يَجْهَر" على "الظَّالِمَ" [فتسليط يجهر على الظالم يصح]. قال: "وهذا الذي جَوَّزه - يعني الزمخشريَّ - لا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يكون الفاعلُ لَغْواً، ولا يمكنُ أن يكون الظالمُ بدلاً من "الله"، ولا "عَمْرو" بدلاً من "زَيْد"؛ لأنَّ البدلَ في هذا البابِ يَرْجِع إلى بدل بعضٍ من كلٍّ حقيقة؛ نحو: "مَا قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيدٌ"، أو مجازاً؛ نحو: "مَا فِيهَا أحدٌ إلاَّ حِمَارٌ"، والآيةُ لا يجوز فيها البدلُ حقيقةً، ولا مجازاً، وكذا المثالُ المذكور؛ لأن الله تعالى عَلَمٌ، وكذا زيدٌ، فلا عموم فيهما؛ ليتوَهَّمَ دخولُ شيءٍ فيهما فيُستثنى، وأمَّا ما يجوزُ فيه البدلُ من الاستثناء المنقطع؛ فلأنَّ ما قبله عامٌّ يُتوهَّم دخولُه فيه، فيُبْدلُ ما قبله مجازاً، وأمَّا قوله على لغة من يقول: "مَا جَاءنِي زَيْدٌ إلا عمرٌو"، فلا نعلم هذه لغة إلا في كتاب سيبويه، بعد أن أنشد أبياتاً في الاستثناء المنقطع آخرها: [الطويل] شعر : 1898- عَشِيَّةَ مَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا ولا النَّبْلُ إلاَّ المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ تفسير : [ما نصُّه:] "وهذا يُقَوِّي: "ما أتَانِي زَيْدٌ إلا عَمرٌو، ومَا أعانهُ إخْوَانكُم إلاَّ إخْوانُه"؛ لأنها معارفُ ليست الأسماء الآخرة بها ولا بعضها" ولم يصرِّح، ولا لَوَّحَ أن "مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو" من كلام العرب، قال من شرح كلام سيبويه: فهذا يُقَوِّي "مَا أتَانِي زَيْدٌ إلا عمرٌو"، أي: ينبغي أن يَثْبُتَ هذا من كلام العرب؛ لأن النبل معرفةٌ ليس بالمشرفيِّ، كما أن زيداً ليس بعمرو، كما أنَّ إخوة زيدٍ ليسوا إخوتَكَ، قال أبو حيان: "وليس "مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو" نظير البيت؛ لأنَّه قد يُتَخَيَّلُ عمومٌ في البيت؛ إذ المعنى: لا يُغْنِي السلاح، وأمَّا "زَيْد" فلا يتوهَّم فيه عمومٌ؛ على أنه لو ورد من كلامهم: "مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو"، لأمكن أن يصحَّ على "مَا أتَانِي زَيدٌ ولا غَيرُهُ إلاَّ عمرٌو"، فحذف المعطوفُ؛ لدلالة الاستثناء عليه، أمَّا أن يكون على إلغاء الفاعل، أو على كون "عَمْرو" بدلاً من "زَيْد"، فإنه لا يجوز، وأمَّا الآية فليست ممَّا ذكر؛ لأنه يحتمل أن تكون "مَنْ" مفعولاً بها، و"الغَيْبَ" بدلٌ منها بدلُ اشتمال، والتقديرُ: لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلاَّ اللَّهُ، أي: سِرَّهُمْ وعلانيتَهُمْ لا يَعْلَمُهُم إلا الله، ولو سُلِّم أن "مَنْ" مرفوعةُ المحلِّ، فيتخيلَّ فيها عمومٌ، فيُبدل منها "الله" مجازاً؛ كأنه قيل: لا يعلمُ المَوْجُودُونَ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ، أو يكونُ على سبيل المجازِ في الظرفيَّة بالنسبة إلى الله تعالى؛ إذ جاء ذلك عنه في القرآن والسنة نحو: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 3] {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف: 84]، قال "أيْنَ الله" قالت: "فِي السَّماءِ"، ومن كلام العرب: "لا وَذُو في السَّمَاءِ بَيْتُهُ" يعنون اللَّه، وإذ احتملت الآيةُ هذه الوجوه، لم يتعيَّنْ حملُها على ما ذكره" انتهى ما رَدَّ به عليهما. [وقال شهاب الدين:] أمَّا ردُّه على ابن عطية، فواضحٌ، وأمَّا ردُّه على الزمخشريِّ، ففي بعضه نَظَرٌ، أما قوله: "لا نعلمُهَا لغة إلا في كتاب سيبويه"، فكفى به دليلاً على صحة استعمال مثله، ولذلك شَرَح الشُّرَّاحُ لكتاب سيبويه هذا الكلام؛ بأنه قياسُ كلام العرب لما أنشد من الأبيات، وأمَّا تأويله "مَا أتَانِي زَيْدٌ إلاَّ عمرٌو" بـ "مَا أتَانِي ولا غَيْرُهُ"، فلا يتعيَّنُ ما قاله، وتصحيحُ الاستثناء فيه أنَّ قول القائل: "مَا أتَانِي زَيْدٌ" قد يوهِمُ أن عمراً أيضاً لم يَجِئْهُ، فنفى هذا التوهُّمَ، وهذا القدْر كافٍ في الاستثناء المنقطع، ولو كان تأويلُ "مَا أتَانِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرٌو" على ما قال، لم يكن استثناءً منقطعاً بل متصلاً، وقد اتفق النحويُّون على أن ذلك من المنقطِعِ، وأمَّا تأويلُ الآية بما ذكره، فالتجوُّزُ في ذلك أمرٌ خَطِرٌ، فلا ينبغي أن يُقْدَمَ على مِثْله. فصل قال المفسرون: معنى {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ}: القَوْل القَبِيح، {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فيجوز للمَظْلُوم أن يُخْبِر عن ظُلْمِ الظَّالِمِ، وأن يَدْعُو عليه؛ قال - [تعالى] -: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 41]. قال الحسن دُعَاؤه عليه أن يقول: "اللهُمَّ أعِنِّي عليه، اللَّهُمَّ استَخْرِج حَقِّي [اللهم حُل بَيْنِي وبَيْن ما يُرِيد ونحوه من الدعاء]. وقيل: إن شُتم جَازَ أن يَشْتُمَ بمثلِهِ، ولا يَزِيد عَلَيْه. قال ابن عبَّاس وقتادة: لا يُحِبُّ الله رفْعَ الصَّوْتِ بما يَسُوء غيْرَه، إلا المَظْلُوم فإنَّ له أنْ يَرْفَع صوْتَهُ بالدُّعَاءِ على ظَالمِهِ. وقال مُجَاهِد: إلا أنْ يَجْهَر بِظُلْمِ ظالِمِه لَهُ. وقال الأصَمُّ: لا يَجُوزُ إظهَار الأحْوَال المستُورَة؛ لأن ذَلِكَ يصير سَبَباً لِوُقُوع النَّاسِ في الغيبَةِ؛ ووُقُوع ذلك الإنْسَان في الرِّيبَةِ، ولكن من ظَلَمَ فيجوز إظْهَارُ ظُلْمِهِ؛ بأن يُذْكَر أنَّه سَرَق أوْ غَصَب. وقيل: "حديث : نزلت في أبِي بكرٍ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - فإنَّ رَجُلاً شَتَمَهُ، فسَكَت مِرَاراً ثُمّ رَدّ عليه، فقام النَّبِي صلى الله عليه وسلم. فقال أبُو بَكْر: شَتَمَنِي وأنت جَالِسٌ، فلَّما رَدَدْتُ عليه قُمْتَ. قال: إن ملكاً كان يَرُدُّ عَنْك، فلما رَدَدْتَ [عليه] ذهَبَ المَلَكُ وجاء الشَّيْطَانُ، فلم أجْلِسْ عند مَجِيء الشَّيْطَانِ"تفسير : ، فنزلَت الآية. وقيل: نَزَلَتْ في الضيفِ؛ روى عُقْبَة بن عَامِرٍ قال: حديث : قُلْنَا يا رسُول الله: إنك تَبْعَثُنا فَنَنْزِلُ على قومٍ لا يُقرُونا فما تَرَى؟ فقال النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "إن نَزَلْتُم بِقَومٍ فأمَرُوا لَكُم بما ينْبَغِي للضَّيْفِ، فاقْبَلُوهُ، فإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُم حَقَّ الضَّيْف الذي يَنْبَغِي لَهُم ." تفسير : وقيل: معنى الآيةِ إلا من أكْرِهَ [على] أنْ يَجْهَر بسُوءٍ من القولِ كُفْراً كان أو نحوه، فذلك مُبَاحٌ، فالآيَةُ على ذَلِك في الإكْرَاه. قال قُطْرب: {إلا من ظُلِمَ} يريد: المُكْرَه؛ لأنه مَظْلُومٌ، قال: ويجُوز أنْ يكون المَعْنَى إلا من ظُلِمَ على البَدَلِ؛ كأنه قال: لا يُحِبُّ الله إلا مَنْ ظُلِمَ، أي: لا يُحِبُّ الظَّالِمَ؛ كأنه يقُول: يُحِبُّ من ظُلِم [أي: يَأجُرُ من ظُلِمَ]، والتقدير على هذا القَوْلِ: لا يُحِبُّ الله ذَا الجَهْرِ بالسُّوءِ إلا مَنْ ظُلِمَ على البَدَلِ. قال القُرْطُبِيُّ: وظاهر الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ للمَظْلُومِ أن يَنْتَصِر من ظَالمِهِ ولكن مع اقْتِصَادٍ إن كان مُؤمِناً، كما قال الحسن، فأمَّا أن يُقَابِلَ القَذْفَ بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كَافِراً فأرْسِلْ لِسَانَك وادْعُ بِمَا شِئْتَ؛ كما فعل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ على مُضَر، واجْعَلْهَا عَلَيْهم سنين كَسِني يُوسُف ." تفسير : فصل: لا يحب الله الجهر بالسوء ولا غير الجهر قال العُلَمَاء: إنه - تعالى - لا يُحِبُّ الجَهْرَ بالسُّوءِ من القَوْلِ ولا غَيْر الجَهْر، وإنما ذكر هذا الوصف؛ لأن كيفيَّة الواقِعَة أوْجَبَتْ ذلك؛ كقوله - تعالى -: {أية : إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} تفسير : [النساء: 94] والتَّبَيُّن واجِبٌ في الظَّعْنِ والإقَامَة، فكذا هَهُنَا. فصل شبهة المعتزلة وردها قالت المعتزلةُ: دلت الآيةُ على أنَّهُ لا يُرِيدُ من عِبَادِه فِعْلَ القَبَائِحِ ولا يَخْلُقُها؛ لأن مَحَبَّة الله عِبَارةٌ عن إرادته، فلما قال: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ}. علمنا أنه لا يُرِيدُ ذلك، وأيْضاً لو كَانَ خَالِقاً لأفْعَالِ العِبَادِ، لكان مُرِيداً لَهَا؛ ولو كان مُريداً لَهَا، لكان قَدْ أحَبَّ إيجَادَ الجَهْرِ بالسُّوءِ من القَوْلِ، وهو خِلاَفُ الآيَةِ. والجواب: المَحبَّة عِبَارَةٌ عن إعْطَاء الثَّوَابِ على القَوْلِ، وعلى هذا يَصِحُّ أن يُقال: إنَّه - تعالى - أرادَهُ ولكِنَّهُ ما أحَبَّهُ. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} وهو تَحْذِيرٌ من التَّعَدِّي في الجَهْرِ المأذُونِ فيه، يعني: فَلْيتَّقِ اللَّه ولا يَقُل إلاَّ الحقَّ، فإنه سَمِيعٌ لما تقوله، عليم بما تُضْمِرُه، وقيل: سَمِيعٌ لِدُعَاءِ المَظْلُوم، عَلِيمٌ بعِقَابِ الظَّالِمِ.
البقاعي
تفسير : ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في آياته بما هي منزهة عنه، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد عذاب المنافقين، وحث على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم؛ أخبر أنه يبغض خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس به، وكذا كل جهر بسوء إلا ما استثناه، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته، فقال معللاً ما مضى قبل افتتاح أمر المنافقين من الأمر بإحسانه التحية: {لا يحب الله} أي المختص بصفات الكمال {الجهر} أي ما يظهر فيصير في عداد الجهر {بالسوء} أي الذي يسوء ويؤذي {من القول} أي لأحد كائناً من كان، فإن ذلك ليس من شكر الله تعالى في الإحسان إلى عباده وعياله, ولا من شكر الناس في شيء ولا يشكر الله من لا يشكر الناس {إلا من} أي جهر من {ظلم} أي كان من أحد من الناس ظلم إليه كائناً من كان فإنه يجوز له الجهر بشكواه والتظلم منه والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي. ولما كان القول مما يسمع، وكان من الظلم ما قد يخفي، قال مرغباً مرهباً: {وكان الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {سمعياً} أي لكل ما يمكن سماعه من جهر وغيره {عليماً *} أي بكل ما يمكن أن يعلم فاحذروه لئلا يفعل بكم فعل الساخط، وجهر ومن ظلم - وإن كان داخلاً فيما يحبه الله تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلاً - لكن جعله من جملة السوء وإن كان من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة، وهي نهي الفطن عن تعاطيه وحثه على العفو، لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على أي وجه كان إطلاقه - كف عنه إن كان موفقاً. ولما كانت معاقد الخيرات على كثرتها منحصرة في قسمين: إيصال النفع إبداء وإخفاء، ودفع الضرر، فكان قد أشار سبحانه وتعالى إلى العفو، وختم بصفتي السمع والعلم؛ قال مصرحاً بالندب إلى العفو والإحسان، فكان نادباً إليه مرتين: الأولى بطريق الإشارة لأولى البصارة، والثانية بطريق العبارة للراغبين في التجارة، حثاً على الأحب إليه سبحانه والأفضل عنده والأدخل في باب الكرم: {إن تبدوا خيراً} أي من قول أو غيره {أو تخفوه} أي تفعلوه خفية ابتداء أو في مقابلة سوء فعل إليكم؛ ولما ذكر فعل الخير أتبعه نوعاً منه هو أفضله فقال: {أو تعفوا عن سوء} أي فعل بكم. ولما كان التقدير: يعلمه بما له من صفتي السمع والعلم فيجازي عليه بخير أفضل منه وعفو أعظم من عفوكم؛ سبب عنه قوله: {فإن} أي فأنتم جديرون بالعفو بسبب علمكم بأن {الله كان} أي دائماً أزلاً وأبداً {عفواً} ولما كان ترك العقاب لا يسمى عفواً إلا إذا كان من قادر وكان الكف - عند القدرة عن الانتقام، ممن أثر في القلوب الآثار العظام - بعيداً، شاقاً على النفس شديداً؛ قال تعالى مذكراً للعباد بذنوبهم إليه وقدرته عليهم: {قديراً *} أي بالغ العفو عن كل ما يريد العفو عنه من أفعال الجانين والقدرة على كل ما يريد ومن يريد، فالذي لا ينفك عن ذنب وعجز أولى بالعفو طمعاً في عفو القادر عنه وخوفاً من انتقامه منه وتخلقاً بخلقه العظيم والاقتداء بسنته. ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو، وختم بصفتي العفو والقدرة؛ شرع في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل الكتاب، وبيان أنهم هم الذين أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم من الشبه التي وسَّعَ عقولهم لها ما أنعم به عليهم سبحانه وتعالى من العلم، فأبدوا الشر وكتموا الخير، فوضعوا نعمته حيث يكره، ثم كشف سبحانه وتعالى بعض شبههم، فقال مبيناً لما افتتح به قصصهم من أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، ويريدون ضلال غيرهم، بعد أن كان ختم هناك ما قبل قصصهم بقوله عفواً قديراً: {إن الذين يكفرون} أي يسترون ما عندهم من العلم {بالله} أي الذي له الاختصاص بالجلال والجمال {ورسله}. ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب الموقع فيه فقال: {ويريدون أن يفرقوا بين الله} أي الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه {ورسله} أي فيصدقون بالله ويكذبون ببعض الرسل فينفون رسالاتهم، المستلزم لنسبتهم إلى الكذب على الله المقتضي لكون الله سبحانه وتعالى بريئاً منهم. ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال: {ويقولون نؤمن ببعض} أي من الله ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وغيره إلا عيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم فكفروا بهما {ونكفر ببعض} أي من ذلك وهم الرسل كمحمد صلى الله عليه وسلم {ويريدون أن يتخذوا} أي يتكلفوا أن يأخذوا {بين ذلك} أي الإيمان والكفر {سبيلاً *} أي طريقاً يكفرون به، وعطف الجمل بالواو - وإن كان بعضها سبباً لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون بالوصف بكل منها على انفراده، وأن كل خصلة كافية في نسبة الكفر إليهم، وقدم نتيجتها، وختم بالحكم بها على وجه أضخم، تفظيعاً لحالهم، وأصل الكلام: أرادوا سبيلاً بين سبيلين، فقالوا: نكفر ببعض، فأرادوا التفرقة، فكفروا كفراً هو في غاية الشناعة على علم منهم، فأنتج ذلك: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم الكافرون} أي الغريقون في الكفر {حقاً} ولزمهم الكفر بالجميع لأن الدليل على نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل منه مثل ذلك الدليل، وحيث جوز حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال به على شيء كالمعجزة، فلزم حينئذ الكفر بالجميع، فثبت أن من كذب بنبوة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزمه الكفر بجميع الأنبياء، ومن لزمه الكفر بهم لزمه الكفر بالله وكل ما جاء به. ولما كان التقدير: فلا جرم أنا أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذاباً مهيناً، عطف عليه تعميماً: {وأعتدنا للكافرين} أي جميعاً {عذاباً مهيناً *} أي كما استهانوا ببعض الرسل وهم الجديرون بالحب والكرامة، والآية شاملة لهم ولغيرهم ممن كان حاله كحالهم، وإيلاء ذلك بيان أحوال المنافقين أنسب شيء وأحسنه للتعريف بأنهم منافقون، من حيث أنهم يظهرون شيئاً من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويبطنون غيره وإن كان ما يظهرونه على الضد مما يظهره المنافقون، وبأنهم هم الذين أضلوا المنافقين، وللتحذير من أقوالهم وتزييف ما حرفوا من محالهم، وفي ذلك التفات إلى أول هذه القصة{أية : يا أيها الذين ءامنوا ءامِنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول...} الآية. قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: هو الرجل يظلم فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي حل بينه وبين ما يريد ونحو هذا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو. وأخرج أبو داود حديث : عن عائشة. أنها سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبخي عنه بدعائك" . تفسير : وأخرج الترمذي عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من دعا على من ظلمه فقد انتصر ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض، فلم يضفه، فنزلت {إلا من ظلم} ذكر أنه لم يضفه لا يزيد على ذلك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول من أحد من الخلق، ولكن يقول: من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان أبي يقرأ {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال ابن زيد: يقول: من قام على ذلك النفاق فجهر له بالسوء حتى نزع. وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: كان الضحاك بن مزاحم يقول: هذا في التقديم والتأخير يقول الله {أية : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} تفسير : [النساء: 147] {إلا من ظلم} وكان يقرأها كذلك، ثم قال {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} أي على كل حال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [الآية: 148]. قال الواسطى رحمة الله عليه: لا يرضى الله من عباده بإسماع الخفاء لأمثاله، إلا من جحد نعم الله عنده فى البينات والبراهين.
القشيري
تفسير : قول المظلوم في ظالمه - على وجه الإذن له - ليس بسوءٍ في الحقيقة، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] والجزاء ليس بسيئة. ويقال مَنْ عَلِمَ أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثيرٍ مما تدعو نفسه إليه. ويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تُحدِّثُ في نفسك من مساءة الخلق؛ فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون في أنفسهم بما (يعد) لا يُطالَب به كثيرٌ من العوام فيما يَسمعُ منهم الناس. قوله: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ}: قيل ولا من ظُلِمَ. وقيل معناه ولكن مَنْ ظُلِمَ فله أنْ يذكرَ ظالمَه بالسوء. ويقال من لم يُؤثِرْ مدحَ الحقِّ على القَدْحِ في الخَلْق فهو المغبون في الحال. ويقال من طَالَعَ الخلْقَ بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم يبسط فيهم لسان اللوم؛ يقول الرجل لصاحبه: "أنا أحْتَمِل من (....) خدمتك لك ما لا أحتمله من ولدي"، فإذا كان مثل هذا معهوداً بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب - بينه وبين مولاه - أوْلى. ويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام، ولا يحب ذلك بخطوره من الخواص. ويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول في صفة الله ما لم يَرِدْ به الإذن والتوفيق. والجهر بالسوء من القول في صفة الخَلْق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه، وتقول في صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذباً، وفي صفة الخلق عن الخواص ما اتصفوا به من النقصان - وإن كنت فيه صادقاً. قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}: سميعاً لأقوالكم، عليماً بعيوبكم، يعني لا تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بمثابتهم. ويقال سميعاً لأقوالكم عليماً ببراءةِ ساحةِ مَنْ تَقَوَّلْتُم عليه، فيكون فيه تهديد للقائل - لبرئ الساحة - بما يتقَوَّلُ عليه. ويقال سميعاً: أيها الظالم، عليمًا: أيها المظلوم؛ تهديدٌ لهؤلاء وتبشيرٌ لهؤلاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} بين سبحانه شفقته على العباد حيث لا يرضى بشناعة الغير عليهم ظاهر فكيف يرضى من نفسه ان يهتك سترهم اعلم انه غيور حيث لا يحب الجهر بالسوء من القول وقوله الا من ظلم لان حديث المظلوم هفوة وانبساط بين ديديه وليس قول المسوء فحشا انما هو الدعاء على ظالمه وهو سميع لدعاء المظلوم على الظالم وهذا كقوله ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل وهذه تسلية وشفاء لعلة للظلوم قال الواسطى لا يرضى الله من عباده باستماع الجفاء الا مثاله الا من حجد نعم الله عنده فى البينات والبراهين.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} عدم محبته تعالى لشىء كناية عن سخطه والباء متعلقة بالجهر ومن بمحذوف وقع حالا من السوء اى لا يحب الجهر من احد فى حق غيره بالسوء كائنا من القول {الا من ظلم} اى الا جهر المظلوم فان المظلوم له ان يجهر برفع صوته بالدعاء على من ظلمه او يذكر ما فيه من السوء تظلما منه مثل ان يذكر انه سرق او غصبه منى وقيل هو ان يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم يعنى لو شتمه احد ابتداء فله ان يرد على شاتمه اى جاز ان يشتمه بمثله ولا يزيد عليه وقيل ان رجلا ضاف قوما اى اتاهم ضيفا فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت {وكان الله سميعا} لكلام المظلوم {عليما} بحال الظالم {ان تبدوا خيرا} أى خير كان من الاقوال والافعال {او تخفوه او تعفوا عن سوء} لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر ابداء الخير واخفائه تمهيد وتوطئة له ولذلك رتب عليه قوله {فان الله كان عفوا قديرا} فان ايراده فى معرض جواب الشرط يدل على ان العمدة هو العفو مع القدرة اى كان مبالغا فى العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة والانتقام فعليكم ان تقتدوا بسنة الله وهو حث المظلوم على العفو بعد ما رخص له فى الانتصار والانتقام حملا على مكارم الاخلاق. وعن على رضى الله عنه لا تتفرد دفع انتقام شعر : صولت انتقام ازمردم دولت مهترى كند باطل ازره انتقام يكسو شو تانمانى بمهترى عاطل تفسير : واعلم ان الله تعالى لا يحب اظهار الفضائح الا فى حق ظالم عظم ضرره وكثر كيده ومكره فعند ذلك يجوز اظهار فضائحه ولهذا قال عليه السلام "حديث : اذكروا الفاسق بما فيه كى يحذره الناس " .تفسير : وورد فى الاثر "حديث : ثلاثة ليست لهم الغيبة الامام الجائر والفاسق المعلن بفسقه والمبتدع الذى يدعو الناس الى بدعته " .تفسير : ثم ان اكثر السوء قولى فان اللسان صغير الجرم كبير الجرم وفى الحديث "حديث : البلاء موكل بالمنطق " .تفسير : ـ يحكى ـ ان ابن السكيت جلس مع المتوكل يوما فجاء المعتز والمؤيد ابنا المتوكل فقال ايما احب اليك ابناى ام الحسن والحسين قال والله ان قنبر خادم على رضى الله عنه خير منك ومن ابنيك فقال سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات ومن العجب انه انشد قبل ذلك للمعتز والمؤيد وكان يعلمهما فقال شعر : يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته فى القول تذهب رأسه وعثرته فى الرجل تبرا على مهل تفسير : وفى المثنوى شعر : اين زبان جون سنك وهم آهن وشست آنجه بجهد از زبان جون آتشست سنك و آهن را مزن برهم كزاف كه زروى نقل وكه ازروى لاف زانكه تاريكست وهر سو ينبه زار درميان ينبه جون باشد شرار عالمى را يك سخن ويران كند روبهان مرده را شيران كند تفسير : والاشارة فى الآية ان {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} من العوام ولا التحدث مع النفس من الخواص ولا الخطرة التى تخطر بالبال من الاخص {الا من ظلم} بمعاصى دواعى البشرية من غير اختيار او بابتلاء من اضطرار. وايضا لا يحب الجهر بالسوء من القول بافشاء اسرار الربوبية واسرار مواهب الالوهية الا من ظلم بغلبات الاحوال وتعاقب كؤوس عقار الجمال والجلال فاضطر الى المقال فقال باللسان الباقى لا باللسان الفانى انا الحق سبحانى {وكان الله} فى الازل {سميعا} لمقالهم قبل ابداء حالهم {عليما} باحوالهم ثم قال {ان تبدوا خيرا} يعنى مما كوشفتم به من الطاف الحق تنبيها للحق وافادة لهم بالحق {او تخفوه} صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب واخذا بخطامها عن المشارب {او تعفوا عن سوء} مما يدعوكم اليه هوى النفس الامارة بالسوء او تتركوا اعلان ما جعل الله اظهاره سوأ فان الله كان عفوا فيكون عفوا متخلقا باخلاقه متصفا بصفاته وايضا {فان الله كان} فى الازل {عفوا} عنك بان لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفوا عما سواه وكان هو {قديرا} على خذلانك حتى يقدر على ان لا يعفو عن مثقال ذرة لكفرانك ان الانسان لظلوم كفار كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إلا من ظلم}: استثناء منقطع، أي: لكن من ظلم فلا بأس أن يشكو بظالمه ويدعو عليه، وليس المراد أن الله يحب ذلك منه، إذ العفو أحسن كما يقوله بعد، وقٌرىء: {إلا من ظَلَم} بالبناء للفاعل، أي: ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه الله. يقول الحقّ جلَ جلاله: {لا يحب الله الجهر} أي: الإجهار {بالسوء من القول}؛ لأنه مِن فِعل أهل الجفاء والجهل {ألا من ظُلم} فلا بأس أن يجهر بالدعاء على ظالمه، أو بالشكوى به. نظيرها: {أية : وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ} تفسير : [الشّورى:41]. قال مجاهد: هذا في الضيف النازل إذا لم يُضَف ومُنِع حقه، أو أُسِيءَ قِراه، فقد رخص له أن يذكر ما صُنعَ به. وزَعَم أن ضيفًا تَضَيَّفِ قومًا فأساؤوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت الآية رخصة في شكواه. {وكان الله سميعًا} لدعاء المظلوم، ورده على الظالم، فلا يحتاج إلى جهره، {عليمًا} بالظالم فيعاقبه على قدر جرمه. ثم رغَّب في العفو فقال: {إن تُبدوا خيرًا}: طاعة وبرًا كحسن الخلق ولين الجانب، {أو تُخفوه} أي: تفعلوه سرًا، {أو تعفوا عن سوء} بأن لا تؤاخذوا به من أساء إليكم، وهذا هو المقصود بالذكر، وإنما ذُكِرَ إبداءُ الخير وإخفاؤُه سببًا ووسيلة لذكره، ولذلك رتب عليه {فإن الله كان عفوًا قديرًا} أي: كثير العفو عن العُصاة، مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو، بعدما رخَّص له في الانتصار، حملاً على مكارم الأخلاق. الإشارة: اعلم أن الباطن إذا كمل تطهيره وتحقق تنويره؛ ظهر أثر ذلك على الظاهر من مكارم الأخلاق، ولين الجانب، وحسن الخطاب، وترك العتاب، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر؛ وما كمن فيك ظهر على فيك، وهذه أخلاق الصوفية ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ وبذلك وصفهم القائل فيهم، فقال: شعر : هيْنُون ليْنُون أيسَارٌ بنو يَسَرٍ سُوَّاسُ مَكرُمَةِ أبناءُ أيسَارِ لا يَنطقُون بغيرِ الحقِّ إن نطقُوا ولا يُمَاروُنَ إن مارَوُا بإكثَارِ مَن تَلق مِنهُم تَقُل هذاك سَيِّدهُم مِثلُ النُّجُومِ التي يُهدَى بها السَّارِ تفسير : ومن شأن الحضرة التهذيب والتأديب، فلا يبقى معها لغو ولا تأثيم، لأنها جنة معجلة، قال تعالى {أية : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِمًا، إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا} تفسير : [الواقعة: 25،26]. وأيضَا أهل الحضرة حصل لهم القرب من الحبيب، فهم في حضرة القريب على بساط القرب على الدوام، ولا يتصور منهم الجهر بالكلام، وهم في حضرة الملك العلاَّم. قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا} تفسير : [طه:108]، فرفعُ الصوت عند الصوفية مذموم شنيع، يدل على بُعد صاحبه كيف ما كان، وتأمل قضية الصِّدِّيق حيث قال له ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : ما لَك تقرأ سرًا؟"تفسير : فقال: ( إن الذي نناجيه ليس ببعيد). أو كما قال، وإنما قال له صلى الله عليه وسلم " حديث : ارفع قليلاً "تفسير : ؛ إخراجًا له عن مُراده، تربية له. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : [القراءة والحجة]: الفراء ضم الظاء في قوله: {إلا من ظلم} وكسر اللام. وقرأ زيد بن اسلم والضحاك بن مزاحم {ظلم} بفتح الظاء واللام. فمن ضم الظاء، اختلفوا في تأويله فقال قوم: معنى ذلك لا يحب الله ان يجهر احد بالدعاء على احد، وهو الجهر بالسوء إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، لا يكره ذلك وذلك انه رخص له فيه. ذهب اليه ابن عباس وقتادة والحسن. [الاعراب]: و (من) على قول ابن عباس في موضع رفع، لانه وجهه إلى ان الجهر بالسوء في معنى الدعاء. واستثنى المظلوم منه وقال الزجاج: وجه الرفع أن يكون بدلا من احد وتقديره لا يحب الله أن يجهر احد بالسوء إلا من ظلم وقال الفراء تقديره لا يحب الله أن يجهر بالسوء الا المظلوم، فلا حرج عليه في الجهر اما بان يدعو عليه، أو بان يخبر بما فعله به، ويذمه عليه. وبه قال الجبائي قال: ولا يجوز لمن ليس بمظلوم أن يذكر احداً بسوء لان الله (تعالى) أمره بالستر عليه والكتمان، وانما يجب عليه أن ينكر عليه فيما بينه وبينه على وجه لا يفضحه، وانما جاز ذلك للمظلوم، لانه خصم يجوز له ان يدعي على خصمه ما ظلمه فيه، فان أقام بذلك بينة استوفى له حقه، والا ابطل دعواه. وقال بعض النحويين: هذا خطأ في العربية، لان من لا يجوز أن يكون رفعاً بالجحد لانها في صلة أن، ولم ينله الجحد، فلا يجوز العطف عليه. لا يجوز ان يقول: لا يعجبني أن يقوم الا زيد. ويحتمل أن يكون (من) نصباً في تأويل ابن عباس. [المعنى]: وقوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} يكون كلاماً، ثم قال: {إلا من ظلم فلا حرج عليه} فيكون (من) استثناء من الفعل، وان لم يكن قبل الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه، كما قال: {لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر}. وكقولهم: إني لاكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلا يريد الله بذلك. ولم يذكر فيه شيء من الاشياء ذكره الفراء. وقال آخرون: معناه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم فيخبر بما ينل منه. ذهب اليه مجاهد قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن اليه فقد رخص له أن يقول ذلك فيه وروي عن أبي عبد الله انه قال: هو الضيف ينزل بالرجل، فلا يحسن ضيافته، جاز أن يقول ذلك فيه. وقال آخرون: الا من ظلم فانتصر من ظلمه، فان ذلك قد أذن له فيه، ذهب اليه السدي وهو المروي عن ابي جعفر (ع) و (من) على هذا يكون في موضع نصب على انقطاعه من الاول. ومن شان العرب ان تنصب ما بعد الا في الاستثناء المنقطع. فالمعنى على هذا القول سوى قول ابن عباس: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن من ظلم فلا حرج عليه ان يخبر بما ينل منه، ينتصر ممن ظلمه. ومن فتح الظاء قال تأويله: لا يجب الله الجهر بالسوء من القول، الا من ظلم، فلا بأس أن يجهر له بالسوء من القول. ذهب اليه ابن زيد قال: يجهر له بالسوء حتى يفزع. (ومن) على هذا القول في موضع نصب والمعنى لا يحب الله الجهر أن يجهر أحد لاحد من المنافقين بالسوء من القول إلا من ظلم منهم فاقام على نفاقه، فانه لا بأس بالجهر بالسوء من القول. قال الزجاج: وفيه وجه آخر لم يذكره النحويون وهو أن يكون الا من ظلم، لكن الظالم! اجهروا له بالسوء من القول، وهو استثناء ليس من الاول. وهذا الذي ذكره هو قول ابن زيد بعينه. وقال الفراء: موضع (من) نصب في القراءتين معاً. ويجوز الرفع على تقدير لا يحب الله أن يجهر بالسوء الا المظلوم. وقال البلخي: كان الضحاك يقول: فيه تقديم وتأخير والتقدير ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وامنتم إلا من ظلم بفتح الظاء ثم قال: لا يحب الله الجهر بالسوء من القوم على كل حال. قال البلخي: ويجوز أن يكون (إلا) بمعنى الواو، كانه قال: لا يحب الله الجهر بالسوء، ولا من ظلم، فانه لا يحب الجهر بالسوء منه. وقال قطرب: يجوز أن يكون المراد به المكره في قوله: {إلا من ظلم} لانه إذا اكره على الجهر بالسوء من القول، فلا شيء عليه. والقراءة المعروفة أولى بالصواب، لان هذه شاذة. والتأويل فيه لا يحب الله ان يجهر احد لاحد بالسوء من القول إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما اسيء اليه. وتكون (من) في موضع نصب لانقطاعها عما قبلها، فانه لا اسماء قبله يستثنى منها. وهو مثل قوله: {لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر} وقوله: {وكان الله سميعاً عليماً} يعني سميعاً لما يجهرون من سوء القول لمن يجهرون له، وغير ذلك من كلامكم واصواتكم عليما بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن يخفون له به فلا يجهرون يحصي ذلك كله عليكم فيجازي على ذلك كل المسيء باساءته. والمحسن باحسانه.
الجنابذي
تفسير : {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} استثناء من المفعول بتقدير الاّ جهر من ظلم او استثناء مفرّغ بتقدير لا يحبّ الله الجهر بالسّوء من احد الاّ ممّن ظلم وعليهما يكون الجهر بالسّوء من المظلوم محبوباً لكن هو محبوبٌ من كلّ المظلومين او من بعضهم، وفى كلّ اقسام الظّلم او بعضها، وبكلّ سوء او بسوء مخصوص ومجملٌ محتاج الى البيان، او المستثنى منقطع والتّقدير لا يحبّ الله الجهر بالسّوء لكن من ظلم يجهر بالسّوء او يباح له الجهر بالسّوء وهذا اوفق بقراءة ظلم مبنيّاً للفاعل وبيان نظم الآية بحيث يظهر القيود فيها هكذا لا يحبّ الله الشّيء المقول المجهور السّوء، يعنى لا الشّيء الصّادر من غير اللّسان من الاعضاء ولا الشّيء الصاّدر من اللّسان غير المجهور كالمخفت ولا الشّيء الصّادر من اللّسان المجهور غير السّيّء، ولمّا لم يكن مفهوم المخالفة من الوصف والقيد معتبراً لا يلزم ان يكون هذه محبوبة بل مسكوتاً عنها، وبيانها بالآيات الاُخر واخبار الاحكام وهذه الآية فى بيان حكم القول الجهر السّوء من احكام القالب واحكام ظاهر الشّريعة، وامّا الخطرات والخيالات فانّها وان كانت اقوال النّفس وسيّئها سيءّ وحسنها حسن لكن لا مؤاخذة عليها فى الشّريعة ورفعت عن الامّة المرحومة وكانت عليها مؤاخذة فى الطّريقة كما اشاروا اليها بقولهم، فى جواب من سئل عن الخطرات، هل ريح المنتن وريح الطّيب سواء، يعنى لطيّبها مجازاة وعلى منتنها مؤاخذة، وسوء القول اعمّ من كونه كذباً وافتراء، او صدقاً وغيبةً بما لا يجوز، او صدقاً وغيبة بما يجوز، او صدقاً من غير اسماعٍ لغير من ينسب السّوء اليه حتّى لا يكون غيبة او مع اسماع الغير فى حضور من ينسب السّوء اليه والكلّ غير محبوب لله الاّ قول الجهر السّوء ممّن ظلم، لكن هذا مجمل محتاج الى البيان لانّه لا يجوز بجميع شقوقه قطعاً فبيّنوا المجوّز منه لنا مثل موارد جواز الغيبة ومثل ذكر الضّيف مساوى مضيفه فى ضيافته اذا لم يحسن ضيافته، ومثل تكذيب من يمدحك بما ليس فيك، وقد نسب الى علىّ (ع) انّه قال استاههم الحفر وقال لخالدٍ: انّما يفعل ذلك من كان استه اضيق من استك، لكن بقى هل هو محبوب كما هو ظاهر الاستثناء او ليس بمذموم فنقول: انّه ليس بمحبوب لله على الاطلاق فانّه علّق محبّته على الاحسان فى مقابل الاساءة فى قوله {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران:134] ويدلّ عليه الآيات الآخر الامرة بالصّبر عند الاساءة بل يكون محبوباً او غير مبغوضٍ على بعض الوجوه. فانّ للانسان من اوّل اسلامه الى كمال ايمانه مراتب ودرجات ولكلّ مرتبة حكم ليس لما فوقها ولا لما دونها فلا يجرى حكم مرتبةٍ فى مرتبةٍ اخرى، وهذا احد معنيى النّسخ فى الآيات والاخبار، فصاحب المرتبة الاولى من الاسلام الّذى لا يقنع نفسه من الاساءة الواحدة بالعشرة ولا يكسر سورة غضبه الاّ بالمائة فاذا ائتمر بأمر الله واكتقى من الواحدة بالواحدة كان ذلك منه محبوباً ولصاحب هذه المرتبة قال الله تعالى، {أية : فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:194]، ولكن هذا من صاحب الدّرجة الثّانية مذموم وهكذا، ولذلك ورد: حسنات الابرار سيّئات المقرّبين، والصّبر وكظم الغيظ لصاحب الدّرجة الثّانية، والعفو وتطهير القلب لصاحب الدّرجة الثّالثة، والاحسان الى المسيء للمنتهى فى الايمان، ويمكن جعل الاستثناء من لازم الآية وهو ما يستفاد من نفى المحبوبيّة من القول الجهر السّوء كأنه قيل: كلّ احد هذا منه مذموم الا من ظلم {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} فكلوا امر من ظلمكم اليه ولا تجهروا بالقول السّوء اتّكالاً على الله وحياءً منه، او المراد ردع المظلوم عن الزّيادة على قدر الظّلم يعنى فلا تتجاوزوا قدر الظّلم فتصيروا ظالمين فانّ الله سميع يسمع قول الظّالم وقول المظلوم عليمٌ بقدر كلّ.
اطفيش
تفسير : {لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلا مَن ظُلِمَ}: الاستثناء متصل على حذف مضاف، أى الا جهر من ظلم، والنصب على الابدال من الجهر أولى منه على الاستثناء لتقدم النفى واتصال الاستثناء، وكلا الوجهين استثناء، والمعنى أن الله أباح جهر المظلوم بالسوء وهو الدعاء على الظالم بما يسوءه مما لا يتعدى فيه الحق، مثل أن يدعو عليه بالنار، أو بأن يصيبه الله بمثل ما أصابه من الظلم، ومثل أن يذكره باسم الظالم والفاسق، ونحو ذلك من الأسماء التى سمى بها فاعل الذنب الكبير، ومثل أن يقول: ظلمتنى أو ضربتنى أو سرقت مالى. قال ابن عباس: وان لم يدعه بل صبر له خير، ومعنى لا يحب الله لا يبيح الله، وذلك من استعمال المقيد فى المطلق، فان الحب من الله تعالى للشىء اباحة له مع الأمر به، واستعمل هنا فى معنى الاباحة مطلقا، فانه تعالى لا يأمر المظلوم بالجهر بالسوء، ولكن ان جهر لم يعاقبه وان أبقى الحب على ظاهره من اباحته تعالى الشىء والأمر به كان الاستثناء منقطعا لما علمت من أنه لا يأمر بالجهر بالسوء المظلوم، كما أن الاستثناء منقطع اذا لم تقدر المضاف، أى لكن من ظلم له الجهر بقى أن الله كما لا يحب الجهر بالسوء لا يحب الاسرار به جزما. الجواب والله أعلم: أنه ذكر الجهر لأنه غالب أمر المظلوم، فليس بقيد، أو أنه واقعة حال جهر مظلوم بسوء، فعوتب فنزلت الآية، أو يقدر العطف أى الجهر بالسوء من القول والاسرار به، ولا تكلف فى تقديره، لأنه معروف أن الاسرار أيضا لا يجوز. روى أن قوما ضافهم رجل ليلا فلم يطعموه، فشكاهم صباحا فعوتب على الشكوى فنزلت الآية، فهذه واقعة حال فيما جهر، كما أشرت اليه آنفا. وقال مقاتل: نزلت الآية فى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، حديث : اذا شتمه رجل مرارا وهو ساكت، ورسول الله حاضر جالس، ثم رد عليه فقام النبى صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: شتمنى وأنت جالس، فلما رددت عليه قمت، فقال صلى الله عليه وسلم: "ان ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجىء الشيطان " تفسير : والمشهور أنها نزلت فى الضيف المذكور. وعن مجاهد وغيره: نزلت فى الضيف المحول رحله، فانه رخص له أن يجهر بالسوء من القول للذى لم يكرمه، بل أعرض عنه حتى حول رحله، مع أن أمر الضيافة واجب، ففى الآية على هذا تسمية حرمان الضيف ظلما، قال مجاهد: يقول الضيف: الفعل به لم ينزلنى، أو فعل الله به أنزلنى، وأساء ضيافتى له ذلك، ولكن العبرة بعموم اللفظ، ولو كان سبب النزول خاصا، فالآية شملت كل مظلوم الا ما قام الدليل على منعه، مثل أن تقول امرأة: زنى بى فلان، لأنها تجلد حين لا بينة. وعن الحسن: الآية فى الرجل يظلم الرجل، فلا يدع عليه، ولكن يقول: اللهم أعنى عليه، اللهم استخرج لى حقى، اللهم حل بينه وبين ما يريد ونحو ذلك، يعنى أن الاستثناء منقطع، أى لا يحب الله الجهر بالسوء فى القول، لكن من ظلم له مثل هذه الأدعية مما ليس جهرا بسوء. وفى الحديث عن أبى هريرة: "حديث : المستبان ما قالا فعلى الأول " تفسير : وفى رواية حديث : فعلى البادى منهما حتى يتعدى المظلومتفسير : ، يعنى أنه يجوز له الجهر بمثل ما قيل له من السوء ما يجوز له القول به، مثل أن يقول له: يا كافر، فيقول له: أنت الكافر، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، وعلى هذا الاستثناء متصل، وفى قراءة الأمن ظلم بالبناء للفاعل فيكون الاستثناء منقطع، أى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لا من الظالم ولا من المظلوم، لكن الظالم لا يحل له الظلم، وفعل ما لا يحبه الله. {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً}: لدعاء المظلوم وكلامه. {عَلِيماً}: بما فى قلبه، فليتق الله ولا يقل الا الحق، والصبر أفضل، أو عليما بالظالم، والمنافقون ظالمون مجاز ذكرهم بالسوء كما فى الحديث: "حديث : اذكر الفاسق بما فيه يعرفه الناس " تفسير : وهو وجه اتصال الآية بما قبلها.
اطفيش
تفسير : {لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ} لا يرضى من أحد {بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ}معاقبه للآخر {إلاّ مَن ظلِمَ} استثناء من أحد المقدر، كذا يقال، والأولى أنه من الجهر على حذف المضاف، أى إلا جهر من ظلم، أو لا يحب الله صاحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، أو منقطع، أى لكن من ظلم له الجهر به، والمراد بالجهر هنا إسماع الأذن، لأنك إذ سمعتك أذنك سمعك الملك ومن معك من الجن، وهذا كما قال أبو هريرة، إن الجهر فى الصلاة إسماع الأذن، وقد يقال الجهر هنا إسماع غيرك، وعلى كل حال المراد ما شمل خفض الصوت، وقيل المراد رفع الصوت، ولكن خفضه لا يحبه الله أيضاً، إلا أنه دون الجهر فى الذنب، وذلك دعاء على الظالم وتظلم منه، ويخبر بذلك، بأن يقول، هو فاسق، يأخذ مالى، أو يضرنى، أو نحو ذلك مما فعله به، خلص الله حقى منه، أو اللهم جازه، وإن قال له يا زانى فلا يقول له: يا زانى، وأجازه الحسن، وهو سهو، وإن قال له: يا مشرك، فقيل، لا يقله له، ومن قال الحاكم على المؤمن بالشرك مشرك أجاز له الرد به، وإن قال له الزانى عنده يا زانى، قال له، إن شاء، يا زانى، إن كان لا يسمع أحدا، أو يسمع من علم بزناه، ولا يدع عليه بما هو أكثر من حقه، أو بما يتعدى إلى ولده، ولا بسوء الخاتمة أو الفتنة فى الدين، فبعض منعه مطلقا، وبعض أجازه إن كان ظالما متمردا، وأجازه أصحابنا مطلقا فى صاحب الكبيرة لله لا انتقاما، وكذلك الإسرار بالسوء من القول لا يحبه الله إلا من ظلم، إلا أنه خص الجهر لأنه أفحش ولأنه سبب النزول، وهو أن رجلا أضاف قوما فلم يحسنوا ضيافته، ولما خرج تكلم فيهم جهراً، فنهاه الله، وأمثاله، لأنهم لم يظلموه، وروى أنها نزلت فى أبى بكر رضى الله عنه، إذ شتمه رجل مرارا، والنبى صلى الله عليه وسلم حاضر، وسكت أبو بكر، ثم رد عليه، فقام النبى صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر، يا رسول الله، شتمنى، ولم تقل شيئا حتى إذا رددت عليه قمت، قال: حديث : إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان، فقمتتفسير : ، فأساغ الله عز وجل لأبى بكر جهره بالسوء لشاتمه ذلك، لأنه مظلموم {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً} بقول الظالم والمظلوم وغيرهما {عليماً} بما يفعل كل فاعل.
الالوسي
تفسير : {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ} عدم محبته سبحانه لشيء كناية عن غضبه، والباء متعلقة بالجهر، وموضع الجار والمجرور نصب أو رفع، و {مِنْ} متعلقة بمحذوف وقع حالاً من السوء، والجهر بالشيء الإعلان به والإظهار كما يفهم من «القاموس»، وفي «الصحاح» جهر بالقول رفع صوته به، ولعل المراد هنا الإظهار وإن لم يكن برفع صوت أي لا يحب الله سبحانه أن يعلن أحد بالسوء كائناً من القول {إَلاَّ مَن ظُلِمَ} أي إلا جهر من ظلم فإنه غير مسخوط عنده تعالى، وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء؛ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة: هو أن يدعو على من ظلمه، وعن مجاهد أن المراد لا يحب الله سبحانه أن يذم أحد أحداً أو يشكوه إلا من ظلم فيجوز له أن يشكو ظالمه ويظهر أمره ويذكره بسوء ما قد صنعه، وعن الحسن. والسدي ـ وهو المروي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه ـ المراد: لا يحب الله تعالى الشتم في الانتصار إلا من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين، وجوز الحسن للرجل إذا قيل له: يا زاني أن يقابل القائل له بمثل ذلك، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً ضاف قوماً فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه فنزلت، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبيّ وابن جبير والضحاك وعطاء أنهم قرءوا {إَلاَّ مَن ظَلَمَ} على البناء للفاعل، فالاستثناء منقطع، والمعنى لكن الظالم يحبه أو لكنه يفعل ما لا يحبه الله تعالى فيجهر بالسوء، والموصول في محل نصب، وجوز الزمخشري أن يكون مرفوعاً بالإبدال من فاعل {يُحِبُّ} كأنه قيل: لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو، ومنه {أية : لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65] وهي لغة تميمية، وعليها قول الشاعر:شعر : عشية ما تغنى الرماح مكانها ولا النبل (إلا) المشرفي المصمم تفسير : وقد نقل هذه اللغة سيبويه وأنكرها البعض، وكفى بنقل شيخ الصناعة سنداً للمثبت، ونقل عن أبـي حيان أنه ليس البيت كالمثال لأنه قد يتخيل فيه عموم على معنى السلاح، وأما زيد فلا يتوهم فيه عموم ولا يمكن تصحيحه إلا على أن أصله ما جاءني زيد ولا غيره، فحذف المعطوف لدلالة الاستثناء وكذا الآية التي ذكرت، ورد ـ كما قال الشهاب ـ بأنه لو كان التقدير ما ذكره في المثال لكان الاستثناء متصلاً والمفروض خلافه، وأن المراد ـ كما يفهمه كلام الطيبـي ـ جعل المبدل منه بمنزلة غير المذكور حتى كأن الاستثناء مفرغ والنفي عام إلا أنه صرح بنفي بعض أفراد العام لزيادة اهتمام بالنفي عنه، أو لكونه مظنة توهم الإثبات، فيقولون: ما جاءني زيد إلا عمرو، والمعنى ما جاءني إلا عمرو فكذا ههنا المعنى ـ لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم ـ فأدخل لفظ {ٱللَّهُ} تأكيداً لنفي / محبته تعالى يعني لله سبحانه اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك. فإن قيل: ما بعد {إِلاَّ} حينئذ لا يكون فاعلاً وهو ظاهر فتعين البدل وهو غلط، أجيب بأنه إنما يكون غلطاً لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام، ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو فإن قيل: فكيون لفظ {ٱللَّهُ} مجازاً عن أحد ولا سبيل إليه، أجيب بأن لا يحب الله مؤل بلا يحب أحد، وواقع موقعه من غير تجوز في لفظ {ٱللَّهُ} كذا قيل، وتعقبه الشهاب بأن المستثنى منه إذا كان عاماً، فإما بتقدير لفظ ـ كما ذكره أبو حيان ـ وإما بالتجوز في لفظ العلم، وكلاهما مرّ ما فيه، ولا طريق آخر للعموم، فما ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء من العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفى عنه يعلم نفيه عن غيره بالطريق الأولى من غير تقدير ولا تجوز فيقال هنا مثلاً: إذا لم يحب الله سبحانه الجهر بالسوء وهو الغني عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق من الطرق، وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لأن الاشتراط المذكور مما لم يقم عليه دليل، على أن دعوى كون نفي حب الجهر بالسوء عنه تعالى يعلم منه نفيه عن غيره بالطريق الأولى في غاية الخفاء، فالأولى ماذكره بعد بأن يقال يقدر في الكلام ما ذكر لكنه عد الاستثناء منقطعاً بحسب المتبادر، والنظر إلى الظاهر. وجوّز على قراءة المعلوم أن يكون متعلقاً بالسوء أي إلا سوء من ظلم فيجب الجهر به ويقبله، وقيل: إنه متعلق بقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ} تفسير : [النساء: 147] فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول هذا على التقديم والتأخير، أي ـ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، إلا من ظلم ـ وكان يقرأها كذلك، ولا يكاد يقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز. {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً} بجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم والظالم {عَلِيماً} بجميع المعلومات التي من جملتها حال المظلوم والظالم، والجملة تذييل مقرر لما يفيده الاستثناء ولا يأبى ذلك التعميم كما توهم. ووجه ربط هذه الآية بما قبلها ـ على ما قاله العلامة الطيبـي ـ أنه سبحانه لما فرغ من بيان إيراد رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله جل وعلا: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء} تتميماً لذلك وتعليماً للعباد التخلق بأخلاقه جل جلاله، وفيه أن هذا مما لا محصل له ولا تتم به المناسبة، وزعم أن الآية الأولى فيها أيضاً إشارة إلى تعليم التخلق بالأخلاق العلية ـ كما قرره عصام الملة ـ ورجا أن يكون من الملهمات، وحينئذ يشتركان في أن كلا منهما متضمناً التعليم المذكور ليس بشيء كما لا يخفى، ومثل ذلك ما ذكره علي بن عيسى في وجه الاتصال وهو أنه تعالى شأنه لما ذكر أهل النفاق، وهو إظهار خلاف ما يبطن بيّن جل وعلا أن ما في النفس منه ما يجوز إبطانه ومنه ما يجوز إظهاره، وقال شهاب الدين: الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه سبحانه ومحبة إظهاره تممه عز وجل بذكر ضده، فكأنه قيل: إنه يحب الشكر وإعلانه ويكره السوء وإعلانه، وفيه احتباك بديع.
سيد قطب
تفسير : لقد كان هذا القرآن ينشئ أمة جديدة. ينشئها من المجموعات المسلمة التي التقطها الإسلام من سفوح الجاهلية التي كانت تهيم فيها؛ ليأخذ بيدها في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة؛ وليسلمها - بعد أن تكمل نشأتها - قيادة البشرية؛ ويحدد لها دورها الضخم في هذه القيادة.. ومن بين عوامل البناء تطهير ضمائر هذه الجماعة؛ وتطهير جو المجتمع الذي تعيش فيه؛ ورفع المستوى الخلقي والنفسي الذي تستوي عليه. وحينما بلغت تلك الجماعة هذا المستوى؛ تفوقت في أخلاقها الفردية والاجتماعية؛ بقدر تفوقها في تصورها الاعتقادي؛ على سائر أهل الأرض.. وعندئذ صنع الله بها في الأرض ما قدر أن يصنعه؛ وأقامها حارسة لدينه ومنهجه؛ وقائدة للبشرية الضالة إلى النور والهدى؛ وأمينة على قيادة البشرية وإرشادها.. وحينما تفوقت في هذه الخصائص تفوقت على كل أهل الأرض؛ فكانت قيادتها للبشرية أمراً طبيعياً وفطرياً؛ وقائماً على أسسه الصحيحة.. ومن هذا الوضع الممتاز تفوقت كذلك في العلم والحضارة والاقتصاد والسياسة. وكان هذا التفوق الأخير ثمرة للتفوق الأول في المستوى الاعتقادي والأخلاقي. وهذه هي سنة الله في الأفراد والجماعات. وطرف من هذا التطهير للنفس والمجتمع يتمثل في هاتين الآيتين: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول - إلا من ظلم - وكان الله سميعاً عليماً. إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء، فإن الله كان عفواً قديراً}.. إن المجتمع شديد الحساسية، وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية. ورب كلمة عابرة لا يحسب قائلها حساباً لما وراءها؛ ورب شائعة عابرة لم يرد قائلها بها إلا فرداً من الناس.. ولكن هذه وتلك تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثاراً مدمرة؛ وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة. والجهر بالسوء من القول - في أية صورة من صوره - سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله. وشيوع هذا السوء كثيراً ما يترك آثاراً عميقة في ضمير المجتمع.. كثيراً ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالباً. وكثيراً ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء، ولكنهم يتحرجون منه، أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه، فلا تحرج إذن ولا تقية، وهم ليسوا بأول من يفعل! وكثيراً ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة. فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة؛ حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره، خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه؛ وسهل على النفوس أن تسمع - بل أن ترى - ولا تثور للتغيير على المنكر. ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم - وقد يكونون منه أبرياء - ولكن قالة السوء حين تنتشر؛ وحين يصبح الجهر بها هيناً مألوفاً، فإن البريء قد يتقول عليه مع المسيء؛ ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام؛ ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح؛ والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء. إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية - سبّاً وقذفاً - وينتهى انحلالاً اجتماعياً؛ وفوضى أخلاقية؛ تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفراداً وجماعات؛ وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض؛ وقد شاعت الاتهامات؛ ولاكتها الألسنة بلا تحرج. لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء. وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم؛ يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم؛ في حدود ما وقع عليه منه من الظلم! {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول - إلا من ظلم -}.. ففي هذه الحالة يكون الوصف بالسوء - ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف - انتصاراً من ظلم، ودفعاً لعدوان، ورداً لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته؛ وتشهيراً بالظلم والظالم في المجتمع؛ لينتصف المجتمع للمظلوم؛ وليضرب على يد الظالم؛ وليخشى الظالم عاقبة فعله، فيتردد في تكراره.. والجهر بالسوء عندئذ يكون محدد المصدر - من الشخص الذي وقع عليه الظلم - محدد السبب - فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم - موجهاً إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم.. عندئذ يكون الخير الذي يتحقق بهذا الجهر مبرراً له؛ ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير.. إن الإسلام يحمي سمعة الناس - ما لم يظلموا - فإذا ظلموا لم يستحقوا هذه الحماية؛ وأُذن للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه؛ وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء. وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم، وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشاً للحياء النفسي والاجتماعي.. ويعقب السياق القرآني على ذلك البيان هذا التعقيب الموحي: {وكان الله سميعاً عليماً}.. ليربط الأمر في النهاية بالله، بعد ما ربطه في البداية بحب الله وكرهه: {لا يحب الله الجهر بالسوء..}. وليشعر القلب البشري أن مرد تقدير النية والباعث، وتقدير القول والاتهام، لله، السميع لما يقال، العليم بما وراءه مما تنطوي عليه الصدور. ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء؛ إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة؛ ويوجه إلى العفو عن السوء؛ ويلوح بصفة الله سبحانه في العفو وهو قادر على الأخذ، ليتخلق المؤمنون بأخلاق الله سبحانه فيما يملكون وما يستطيعون: {إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء، فإن الله كان عفواً قديراً}.. وهكذا يرتفع المنهج التربوي بالنفس المؤمنة والجماعة المسلمة درجة أخرى.. في أول درجة يحدثهم عن كراهة الله - سبحانه - للجهر بالسوء. ويرخص لمن وقع عليه الظلم أن ينتصف أو يطلب النصف، بالجهر بالسوء فيمن ظلمه، ومما وقع عليه من الظلم.. وفي الدرجة الثانية يرتفع بهم جميعاً إلى فعل الخير؛ ويرتفع بالنفس التي ظلمت - وهي تملك أن تنتصف من الظلم بالجهر - أن تعفو وتصفح - عن مقدرة فلا عفو بغير مقدرة - فيرتفع على الرغبة في الانتصاف إلى الرغبة في السماحة؛ وهي أرفع وأصفى.. عندئذ يشيع الخير في المجتمع المسلم إذا أبدوه. ويؤدي دوره في تربية النفوس وتزكيتها إذا أخفوه - فالخير طيب في السر طيب في العلن - وعندئذ يشيع العفو بين الناس، فلا يكون للجهر بالسوء مجال. على أن يكون عفو القادر الذي يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلة العجز؛ وعلى أن يكون تخلقاً بأخلاق الله، الذي يقدر ويعفو: {فإن الله كان عفواً قديراً}. بعد ذلك يأخذ السياق في جولة مع {الذين أوتوا الكتاب} بصفة عامة! ثم ينتقل منها إلى اليهود في شوط، وإلى النصارى في الشوط الآخر.. واليهود يجهرون بالسوء - إفكاً وبهتاناً - على مريم وعلى عيسى - ويأتي ذكر هذا الجهر في ثنايا الجولة؛ فترتبط هذه الجولة بذلك البيان الذي تتضمنة الآيتان السابقتان في السياق. والجولة كلها طرف من المعركة التي خاضها القرآن مع أعداء الجماعة المسلمة في المدينة. والتي سلفت منها في هذه السورة وفي سورتي البقرة وآل عمران أطراف أخرى.. فنأخذ في استعراضها هنا كما وردت في السياق القرآني: {إن الذين يكفرون بالله ورسله؛ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله؛ ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض؛ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقاً. وأعتدنا للكافرين عذاباً مهينا. والذين آمنوا بالله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم، أولئك سوف يؤتيهم أجورهم؛ وكان الله غفوراً رحيما}. لقد كان اليهود يدعون الإيمان بأنبيائهم؛ وينكرون رسالة عيسى ورسالة محمد؛ كما كان النصارى يقفون بإيمانهم عند عيسى - فضلاً عن تأليهه - وينكرون رسالة محمد كذلك. وكان القرآن ينكر على هؤلاء وهؤلاء؛ ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل عن الإيمان بالله ورسوله؛ بدون تفريق بين الله ورسله؛ وبدون تفريق كذلك بين رسله جميعاً. وبهذا الشمول كان الإسلام هو "الدين" الذي لا يقبل الله من الناس غيره، لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية الله؛ ومقتضيات هذه الوحدانية. إن التوحيد المطلق لله سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل للبشر، وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة للناس.. وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية الله في الحقيقة؛ وسوء تصور لمقتضيات هذه الوحدانية. فدين الله للبشر ومنهجه للناس، هو هو لا يتغير في أساسه كما أنه لا يتغير في مصدره. لذلك عبر السياق هنا عمن يريدون التفرقة بين الله ورسله (بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالرسل) وعمن يريدون التفرقة بين الرسل (بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا ببعضهم) عبر عن هؤلاء وهؤلاء بأنهم {الذين يكفرون بالله ورسله}، وعد تفرقتهم بين الله ورسله، وتفرقتهم بين بعض رسله وبعض، كفراً بالله وبرسله. إن الإيمان وحدة لا تتجزأ.. الإيمان بالله إيمان بوحدانيته - سبحانه - ووحدانيته تقتضي وحدة الدين الذي ارتضاه للناس لتقوم حياتهم كلها - كوحدة - على أساسه. ويقتضي وحدة الرسل الذين جاءوا بهذا الدين من عنده - لا من عند أنفسهم ولا في معزل عن إرادته ووحيه - ووحدة الموقف تجاههم جميعاً.. ولا سبيل إلى تفكيك هذه الوحدة. إلا بالكفر المطلق؛ وإن حسب أهله أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض! وكان جزاؤهم عند الله أن أعد لهم العذاب المهين.. أجمعين.. {أولئك هم الكافرون حقاً، وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}.. أما "المسلمون" فهم الذين يشتمل تصورهم الاعتقادي على الإيمان بالله ورسله جميعاً؛ بلا تفرقة. فكل الرسل عندهم موضع اعتقاد واحترام؛ وكل الديانات السماوية عندهم حق - ما لم يقع فيها التحريف فلا تكون عندئذ من دين الله، وإن بقي فيها جانب لم يحرف، إذ أن الدين وحدة - وهم يتصورون الأمر - كما هو في حقيقته -: إلهاً واحداً، ارتضى للناس دينا واحداً؛ ووضع لحياتهم منهجاً واحداً، وأرسل رسله إلى الناس بهذا الدين الواحد وهذا المنهج الواحد. وموكب الإيمان - في حسهم - موصول، يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً - ونسبهم هم إلى هذا الموكب الموصول عريق؛ وهم حملة هذه الأمانة الكبرى، وهم ورثة هذا الخير الموصول على طول الطريق المبارك.. لا تفرقة ولا عزلة ولا انفصام.. وإليهم وحدهم انتهى ميراث الدين الحق. وليس وراء ما عندهم إلا الباطل والضلال. وهذا هو "الإسلام" الذي لا يقبل الله غيره من أحد. وهؤلاء هم "المسلمون" الذين يستحقون الأجر من الله على ما عملوا، ويستحقون منه المغفرة والرحمة فيما قصروا فيه: {أولئك سوف يؤتيهم أجورهم، وكان الله غفوراً رحيماً}.. والإسلام إنما يتشدد هذا التشدد في توحيد العقيدة في الله ورسله. لأن هذا التوحيد هو الأساس اللائق بتصور المؤمن لإلهه - سبحانه - كما أنه هو الأساس اللائق بوجود منظم، غير متروك للتعدد والتصادم. ولأنه هو العقيدة اللائقة بإنسان يرى وحدة الناموس في هذا الوجود أينما امتد بصره. ولأنه هو التصور الكفيل بضم المؤمنين جميعاً في موكب واحد، يقف أمام صفوف الكفر، وفي حزب واحد يقف أمام أحزاب الشيطان.. ولكن هذا الصف الواحد ليس هو صف أصحاب الاعتقادات المحرفة - ولو كان لها أصل سماوي - إنما هو صف أصحاب الإيمان الصحيح والعقيدة التي لم يدخلها انحراف.. ومن ثم كان "الإسلام" هو "الدين". وكان "المسلمون" {أية : خير أمة أخرجت للناس}تفسير : المسلمون المعتقدون عقيدة صحيحة، العاملون بهذه العقيدة. لا كل من ولد في بيت مسلم، ولا كل من لاك لسانه كلمة الإسلام! وفي ظل هذا البيان يبدو الذين يفرقون بين الله ورسله، ويفرقون بين بعض الرسل وبعض، منقطعين عن موكب الإيمان، مفرقين للوحدة التي جمعها الله، منكرين للوحدانية التي يقوم عليها الإيمان بالله. وبعد تركيز تلك القاعدة الأساسية في التصور الإسلامي عن حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر، فيما يتعلق بالرسل والرسالات.. يأخذ في استعراض بعض مواقف اليهود في هذا المجال، وفي مجال الجهر بالسوء الذي بدئ به هذا الدرس، مندداً بموقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، وتعنتهم في طلب الآيات والأمارات منه، ويقرن بين موقفهم هذا وما كان لهم من مواقف مع نبيهم موسى - عليه السلام - ثم مع رسول الله من بعده عيسى - عليه السلام - وأمه مريم، فإذا هم جبلة واحدة في أجيالهم المتتابعة.. والسياق يوحد بين الجيل الذي يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم، والجيل الذي واجه عيسى عليه السلام.. والجيل الذي واجه موسى كذلك من قبل، ليؤكد هذا المعنى، ويكشف عن هذه الجبلة: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء.. فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله جهرة! فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات؛ فعفونا عن ذلك، وآتينا موسى سلطاناً مبيناً. ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً؛ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت؛ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً. فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم: قلوبنا غلف - بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً - وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً. وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله! وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم؛ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم، إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقيناً. بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزا حكيماً. وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً - فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيراً، وأخذهم الربا - وقد نهوا عنه - وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً}.. لقد وقف اليهود في الجزيرة من الإسلام ونبي الإسلام ذلك الموقف العدائي المتعنت المكشوف، وكادوا له ذلك الكيد المبيت المستمر العنيد، الذي وصفه القرآن تفصيلاً، واستعرضنا ألواناً منه في سورتي البقرة وآل عمران، وفي هذه السورة كذلك من قبل - في الجزء الخامس - وهذا الذي تقصه الآيات هنا لون آخر. إنهم يتعنتون فيطلبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بكتاب من السماء.. كتاب مخطوط ينزله عليهم من السماء مجسماً يلمسونه بأيديهم: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء}: ويتولى الله - سبحانه - الإجابة عن نبيه. ويقص عليه وعلى الجماعة المسلمة - في مواجهة اليهود - صفحة من تاريخهم مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم موسى - عليه السلام - الذي يزعمون أنهم يؤمنون به؛ ويرفضون التصديق بعيسى من بعده وبمحمد! إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم؛ وليست طابع هذا الجيل وحده منهم، إنما هي جبلتهم من قديم. إنهم هم هم من عهد موسى - نبيهم وقائدهم ومنقذهم - إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات.. وهم هم تعنتاً وإعناتاً فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط.. وهم هم كفراً وغدراً فسرعان ما ينقلبون فينقضون عهدهم - لا مع الناس وحدهم ولكن مع ربهم كذلك - وهم هم قحة وافتراء؛ فلا يعنيهم أن يتثبتوا من قول؛ ولا يتورعون كذلك عن الجهر بالنكر.. وهم هم طمعاً في عرض الدنيا؛ وأكلاً لأموال الناس بالباطل؛ وإعراضاً عن أمر الله وعما عنده من ثواب.. إنها حملة تفضحهم وتكشفهم؛ وتدل قوتها وتنوع اتجاهاتها، على ما كان يقتضيه الموقف لمواجهة خبث الكيد اليهودي للإسلام ونبي الإسلام في ذلك الأوان.. وهو هو خبث الكيد الذي ما يزالون يزاولونه ضد هذا الدين وأهله حتى الآن. {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء}... فلا عليك من هذا التعنت؛ ولا غرابة فيه ولا عجب منه: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة}. ولم تبلغ الآيات البينات التي أظهرها الله لهم على يد موسى نبيهم أن تلمس حسهم؛ وتوقظ وجدانهم وتقود قلوبهم إلى الطمأنينة والاستسلام؛ فإذا هم يطلبون رؤية الله - سبحانه - عياناً! وهو مطلب طابعة التبجح الذي لا يصدر عن طبع خالطته بشاشة الإيمان؛ أو فيه استعداد للإيمان. {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم}.. ولكن الله - سبحانه - عفا عنهم؛ وتقبل فيهم دعاء موسى عليه السلام وضراعته إلى ربه؛ كما ورد في السورة الأخرى {أية : فلما أخذتهم الرجفة، قال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء. أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة. إنا هدنا إليك... }. تفسير : {ثم اتخذوا العجل - من بعد ما جاءتهم البينات -}. عجل الذهب، الذي صاغه لهم السامري، مما كانوا قد أخذوه - حيلة - من نساء المصريين وهم خارجون من مصر - فإذا هم يعكفون عليه؛ ويتخذونه إلهاً في غيبة موسى عنهم في مناجاة ربه، في الموعد الذي حدده له، لينزل عليه الألواح فيها هدى ونور. {فعفونا عن ذلك}.. ولكن اليهود هم اليهود. لا يفلح معهم إلا القهر والخوف: {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً. ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم. وقلنا لهم: ادخلوا الباب سجداً. وقلنا لهم: لا تعدوا في السبت. وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً}.. والسلطان الذي آتاه الله موسى هو - في الغالب - الشريعة التي تضمنتها الألواح، فشريعة الله سلطان من الله؛ وكل شريعة غير شريعة الله ما أنزل الله بها من سلطان؛ وما جعل فيها من سطوة على القلوب. لذلك تستهين القلوب بالشرائع والقوانين التي يسنها البشر لأنفسهم، ولا تنفذها إلا تحت عين الرقيب وسيف الجلاد. فأما شريعة الله فالقلوب تخضع لها وتخنع؛ ولها في النفس مهابة وخشية.. ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح.. وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة. إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم؛ تهددهم بالوقوع عليهم؛ إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد؛ وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح.. عندئذ فقط استسلموا؛ وأخذوا العهد؛ وأعطوا الميثاق.. ميثاقاً غليظاً.. مؤكداً وثيقاً.. يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم، وغلظ القلب الذي في صدورهم، ثم يعطي - إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير، وبالتخييل الحسي والتجسيم. وكان في هذا الميثاق: أن يدخلوا بيت المقدس سجداً. وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيداً. ولكن ماذا كان؟ إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم؛ وغياب القهر لهم، تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه بغير حق. وتبجحوا فقالوا: إن قلوبنا لا تقبل موعظة، ولا يصل إليها قول، لأنها مغلفة دون كل قول! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات.. {فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف...} وعند قولهم: {قلوبنا غلف}.. وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما تيئيساً له من إيمانهم واستجابتهم، وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم، وتبجحاً بالتكذيب وعدم الإصغاء، وإما هذا وذلك معاً.. عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم: {بل طبع الله عليها - بكفرهم - فلا يؤمنون إلا قليلاً -} فهي ليست مغلفة بطبعها. إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته، فلا يقع منه الإيمان، إلا قليلا، ممن لم يستحق بفعله، أن يطبع الله على قلبه. أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه، فهداهم الله إليه ورزقهم إياه. وهم قلة قليلة من اليهود. كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، وأسد بن عبيدالله.. وبعد هذا الاستدراك والتعقيب، يعود السياق إلى تعداد الأسباب التي استحقوا عليها ما استحقوا من تحريم بعض الطيبات عليهم في الدنيا، ومن إعداد النار وتهيئتها لهم، لتكون في انتظارهم في الآخرة! {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً. وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله...} ويكرر صفة الكفر كلما ذكر إحدى منكراتهم. فقد ذكرها عند قتلهم الأنبياء بغير حق - وما يقتل نبي بحق أبداً فهي حال لتقرير الواقع - وذكرها هنا بمناسبة قولهم على مريم بهتاناً عظيماً. وقد قالوا على مريم الطاهرة ذلك المنكر الذي لا يقوله إلا اليهود! فرموها بالزنا مع يوسف النجار - لعنة الله عليهم! ثم تبجحوا بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه، وهم يتهكمون بدعواه الرسالة فيقولون: قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله! وحين يصل السياق إلى هذه الدعوى منهم يقف كذلك للرد عليها، وتقرير الحق فيها: {وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه؛ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن. وما قتلوه يقيناً. بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً}.. إن قضية قتل عيسى عليه السلام وصلبه، قضية يخبط فيها اليهود - كما يخبط فيها النصارى بالظنون - فاليهود يقولون: إنهم قتلوه ويسخرون من قوله: إنه رسول الله، فيقررون له هذه الصفة على سبيل السخرية! والنصارى يقولون: إنه صلب ودفن، ولكنه قام بعد ثلاثة أيام. و"التاريخ" يسكت عن مولد المسيح ونهايته كأن لم تكن له في حساب! وما من أحد من هؤلاء أو هؤلاء يقول ما يقول عن يقين.. فلقد تتابعت الأحداث سراعاً؛ وتضاربت الروايات وتداخلت في تلك الفترة بحيث يصعب الاهتداء فيها إلى يقين.. إلا ما يقصه رب العالمين.. والأناجيل الأربعة التي تروي قصة القبض على المسيح وصلبه وموته ودفنه وقيامته.. كلها كتبت بعد فترة من عهد المسيح؛ كانت كلها اضطهاداً لديانته ولتلاميذه يتعذر معه تحقيق الأحداث في جو السرية والخوف والتشريد.. وقد كتبت معها أناجيل كثيرة. ولكن هذه الأناجيل الأربعة اختيرت قرب نهاية القرن الثاني للميلاد؛ واعتبرت رسمية، واعترف بها؛ لأسباب ليست كلها فوق مستوى الشبهات! ومن بين الأناجيل التي كتبت في فترة كتابة الأناجيل الكثيرة: إنجيل برنابا. وهو يخالف الأناجيل الأربعة المعتمدة، في قصة القتل والصلب، فيقول: "ولما دنت الجنود مع يهوذا، من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير. فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً. وكان الأحد عشر نياماً. فلما رأى الخطر على عبده، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل، سفراءه.. أن يأخذوا يسوع من العالم. فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه, ووضعوه في السماء الثالثة، في صحبة الملائكة التي تسبح إلى الأبد.. ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع. وكان التلاميذ كلهم نياماً. فأتى الله العجيب بأمر عجيب فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبيهاً بيسوع. حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع. أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم. لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيدي معلمنا. أنسيتنا الآن؟... إلخ". وهكذا لا يستطيع الباحث أن يجد خبراً يقيناً عن تلك الواقعة - التي حدثت في ظلام الليل قبل الفجر - ولا يجد المختلفون فيها سنداً يرجح رواية على رواية. {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه. ما لهم به من علم إلا اتباع الظن}. أما القرآن فيقرر قراره الفصل: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}. {وماقتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً}. ولا يدلي القرآن بتفصيل في هذا الرفع أكان بالجسد والروح في حالة الحياة؟ أم كان بالروح بعد الوفاة؟ ومتى كانت هذه الوفاة وأين. وهم ما قتلوه وما صلبوه وإنما وقع القتل والصلب على من شبه لهم سواه. لا يدلي القرأن بتفصيل آخر وراء تلك الحقيقة؛ إلا ما ورد في السورة الأخرى من قوله تعالى {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي}.. وهذه كتلك لا تعطي تفصيلاً عن الوفاة ولا عن طبيعة هذا التوفي وموعده.. ونحن - على طريقتنا في ظلال القرآن - لا نريد أن نخرج عن تلك الظلال؛ ولا أن نضرب في أقاويل وأساطير؛ ليس لدينا من دليل عليها، وليس لنا إليها سبيل.. ونعود من هذا الاستطراد، مع عودة السياق القرآني إلى بقية هذا الاستدراك: {وإنْ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته؛ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً}. وقد اختلف السلف في مدلول هذه الآية، باختلافهم في عائد الضمير في "موته" فقال جماعة: وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى - عليه السلام - قبل موته - أي عيسى - وذلك على القول بنزوله قبيل الساعة.. وقال جماعة وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى قبل موته.. أي موت الكتابي - وذلك على القول بأن الميت - وهو في سكرات الموت - يتبين له الحق، حيث لا ينفعه أن يعلم! ونحن أميل إلى هذا القول الثاني؛ الذي ترشح له قراءة أبيّ: {إلا ليؤمننّ به قبل موتهم}.. فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير؛ وأنه أهل الكتاب.. وعلى هذا الوجه يكون المعنى: أن اليهود الذين كفروا بعيسى - عليه السلام - وما زالوا على كفرهم به، وقالوا: إنهم قتلوه وصلبوه، ما من أحد منهم يدركه الموت، حتى تكشف له الحقيقة عند حشرجة الروح، فيرى أن عيسى حق، ورسالته حق، فيؤمن به، ولكن حين لا ينفعه إيمان.. ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيداً. بذلك يحسم القرآن الكريم قصة الصلب. ثم يعود بعدها إلى تعداد مناكر اليهود؛ وما نالهم عليها من الجزاء الأليم في الدنيا والآخرة. {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. وبصدهم عن سبيل الله كثيراً. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه. وأكلهم أموال الناس بالباطل. وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً}.. فيضيف إلى ما سبق من مناكرهم هذه المنكرات الجديدة: الظلم. والصد الكثير عن سبيل الله. فهم ممعنون فيه ودائبون عليه. وأخذهم الربا - لا عن جهل ولا عن قلة تنبيه - فقد نهوا عنه فأصروا عليه! وأكلهم أموال الناس بالباطل. بالربا وبغيره من الوسائل. بسبب من هذه المنكرات، ومما أسلفه السياق منها.. حرمت عليهم طيبات كانت حلالاً لهم. وأعد الله للكافرين منهم عذاباً أليماً. وهكذا تتكشف هذه الحملة عن كشف طبيعة اليهود وتاريخهم؛ وفضح تعلاتهم وعدم الاستجابة للرسول وتعنتهم؛ ودمغهم بالتعنت مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم؛ ويسر ارتكابهم للمنكر وجهرهم بالسوء في حق الأنبياء والصالحين. بل قتلهم والتبجح بقتلهم! وتسقط بذلك وتتهاوى دسائس اليهود في الصف المسلم وكيدهم ومكرهم وحبائلهم. وتعرف الجماعة المسلمة - ما ينبغي أن تعرفه الأمة المسلمة في كل حين - عن طبيعة اليهود وجبلتهم، ووسائلهم وطرائقهم؛ ومدى وقوفهم للحق في ذاته سواء جاء من غيرهم أو نبع فيهم. فهم أعداء للحق وأهله، وللهدى وحملته. في كل أجيالهم وفي كل أزمانهم. مع أصدقائهم ومع أعدائهم.. لأن جبلتهم عدوة للحق في ذاته؛ جاسية قلوبهم، غليظة أكبادهم لا يحنون رؤوسهم إلا للمطرقة! ولا يسلمون للحق إلا وسيف القوة مصلت على رقابهم.. وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق، ليقصر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة. فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت، فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها، وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها؛ وإذا استرشدت به أرشدها. وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود، فدانت لها رقابهم.. ثم لما اتخذته مهجوراً دانت هي لليهود، كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشرذمة الصغيرة، وهي غافلة عن كتابها.. القرآن.. شاردة عن هدية، ملقية به وراءها ظهرياً! متبعة قول فلان وفلان!! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود، حتى تثوب إلى القرآن.. ولا يترك السياق الموقف مع اليهود، حتى ينصف القليل المؤمن منهم؛ ويقرر حسن جزائهم، وهو يضمهم إلى موكب الإيمان العريق، ويشهد لهم بالعلم والإيمان، ويقرر أن الذي هداهم إلى التصديق بالدين كله: ما أنزل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل من قبله، هو الرسوخ في العلم وهو الإيمان: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك. والمقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله واليوم الآخر، أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً}.. فالعلم الراسخ، والإيمان المنير، كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله. كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند الله الواحد. وذكر العلم الراسخ بوصفه طريقاً إلى المعرفة الصحيحة كالإيمان الذي يفتح القلب للنور، لفتة من اللفتات القرآنية التي تصور واقع الحال التي كانت يومذاك؛ كما تصور واقع النفس البشرية في كل حين. فالعلم السطحي كالكفر الجاحد، هما اللذان يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة.. ونحن نشهد هذا في كل زمان. فالذين يتعمقون في العلم، ويأخذون منه بنصيب حقيقي، يجدون أنفسهم أمام دلائل الإيمان الكونية؛ أو على الأقل أمام علامات استفهام كونية كثيرة، لا يجيب عليها إلا الاعتقاد بأن لهذا الكون إلهاً واحداً مسيطراً مدبراً متصرفاً، وذا إرادة واحدة، وضعت ذلك الناموس الواحد.. وكذلك الذين تتشوق قلوبهم للهدى - المؤمنون - يفتح الله عليهم، وتتصل أرواحهم بالهدى.. أما الذين يتناوشون المعلومات ويحسبون أنفسهم علماء، فهم الذين تحول قشور العلم بينهم وبين إدراك دلائل الإيمان، أو لا تبرز لهم - بسبب علمهم الناقص السطحي - علامات الاستفهام. وشأنهم شأن من لا تهفو قلوبهم للهدى ولا تشتاق.. وكلاهما هو الذي لا يجد في نفسه حاجة للبحث عن طمأنينة الإيمان، أو يجعل التدين عصبية جاهلية فيفرق بين الأديان الصحيحة التي جاءت من عند ديان واحد، على أيدي موكب واحد متصل من الرسل، صلوات الله عليهم أجمعين. وقد ورد في التفسير المأثور أن هذه الإشارة القرآنية تعني - أول من تعني - أولئك النفر من اليهود، الذين استجابوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكرنا أسماءهم من قبل، ولكن النص عام ينطبق على كل من يهتدي منهم لهذا الدين، يقوده العلم الراسخ أو الإيمان البصير.. ويضم السياق القرآني هؤلاء وهؤلاء إلى موكب المؤمنين، الذين تعينهم صفاتهم: {والمقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله واليوم الآخر}. وهي صفات المسلمين التي تميزهم: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بالله واليوم الآخر.. وجزاء الجميع ما يقرره الله لهم. {أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً}.. ونلاحظ أن {المقيمين الصلاة} تأخذ إعراباً غير سائر ما عطفت عليه. وقد يكون ذلك لإبراز قيمة إقامة الصلاة في هذا الموضع على معنى - وأخص المقيمين الصلاة - ولها نظائر في الأساليب العربية وفي القرآن الكريم، لإبراز معنى خاص في السياق له مناسبة خاصة. وهي هكذا في سائر المصاحف وإن كانت قد وردت مرفوعة: {والمقيمون الصلاة} في مصحف عبدالله بن مسعود. ويستطرد السياق في مواجهة أهل الكتاب - واليهود منهم في هذا الموضع خاصة - وموقفهم من رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وزعمهم أن الله لم يرسله، وتفريقهم بين الرسل، وتعنتهم وهم يطلبون أمارة على رسالته: كتاباً ينزله عليهم من السماء.. فيقرر أن الوحي للرسول ليس بدعاً، وليس غريباً، فهو سنة الله في إرسال الرسل جميعاً، من عهد نوح إلى عهد محمد. وكلهم رسل أرسلوا للتبشير والإنذار؛ اقتضت هذا رحمة الله بعباده، وأخذه الحجة عليهم، وإنذاره لهم قبل يوم الحساب.. وكلهم جاءوا بوحي واحد، لهدف واحد؛ فالتفرقة بينهم تعنت لا يستند إلى دليل.. وإذا أنكروا هم وتعنتوا فإن الله يشهد - وكفى به شاهداً - والملائكة يشهدون. {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وآتينا داود زبوراً. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك، وكلم الله موسى تكليماً.. رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وكان الله عزيزاً حكيماً}.. فهو إذن موكب واحد يتراءى على طريق التاريخ البشري الموصول، ورسالة واحدة بهدى واحد للإنذار والتبشير.. موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من بين البشر: نوح. وإبراهيم. وإسماعيل. وإسحاق. ويعقوب. والأسباط. وعيسى. وأيوب. ويونس. وهارون. وسليمان. وداود. وموسى... وغيرهم ممن قصهم الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في القرآن، وممن لم يقصصهم عليه.. موكب من شتى الأقوام والأجناس، وشتى البقاع والأرضين. في شتى الآونة والأزمان. لا يفرقهم نسب ولا جنس، ولا أرض ولا وطن. ولا زمن ولا بيئة. كلهم آت من ذلك المصدر الكريم. وكلهم يحمل ذلك النور الهادي. وكلهم يؤدي الإنذار والتبشير. وكلهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة البشرية إلى ذلك النور.. سواء منهم من جاء لعشيرة. ومن جاء لقوم. ومن جاء لمدينة ومن جاء لقطر.. ثم من جاء للناس أجمعين: محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين. كلهم تلقى الوحي من الله. فما جاء بشيء من عنده. وإذا كان الله قد كلم موسى تكليماً فهو لون من الوحي لا يعرف أحد كيف كان يتم. لأن القرآن - وهو المصدر الوحيد الصحيح الذي لا يرقى الشك إلى صحته - لم يفصل لنا في ذلك شيئاً. فلا نعلم إلا أنه كان كلاماً. ولكن ما طبيعته؟ كيف تم؟ بأية حاسة أو قوة كان موسى يتلقاه؟... كل ذلك غيب من الغيب لم يحدثنا عنه القرآن. وليس وراء القرآن - في هذا الباب - إلا أساطير لا تستند إلى برهان. إولئك الرسل - من قص الله على رسوله منهم ومن لم يقصص - اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعث بهم إلى عباده يبشرونهم بما أعده الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان؛ وينذرونهم ما أعده الله للكافرين العصاة من جحيم وغضب.. كل ذلك: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.. ولله الحجة البالغة في الأنفس والآفاق؛ وقد أعطى الله البشر من العقل ما يتدبرون به دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ولكنه - سبحانه - رحمة منه بعباده، وتقديراً لغلبة الشهوات على تلك الأداة العظيمة التي أعطاها لهم - أداة العقل - اقتضت رحمته وحكمته أن يرسل إليهم الرسل {مبشرين ومنذرين} يذكرونهم ويبصرونهم؛ ويحاولون استنقاذ فطرتهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات، التي تحجب عنها أو تحجبها عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق. {وكان الله عزيزاً حكيماً}.. عزيزاً: قادراً على أخذ العباد بما كسبوا. حكيماً: يدبر الأمر كله بالحكمة ويضع كل أمر في نصابه.. والقدرة والحكمة لهما عملهما فيما قدره الله في هذا الأمر وارتضاه.. ونقف من هذه اللفتة: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} أمام حشد من الإيحاءات اللطيفة العميقة ونختار منه ثلاثاً على سبيل الاختصار الذي لا يخرج بنا من الظلال. نقف منها: أولاً: أمام قيمة العقل البشري ووظيفته ودوره في أخطر قضايا "الإنسان" قضية الإيمان بالله؛ التي تقوم عليها حياته في الأرض من جذورها؛ بكل مقوماتها واتجاهاتها وواقعياتها وتصرفاتها؛ كما يقوم عليها مآله في الآخرة وهي أكبر وأبقى. لو كان الله - سبحانه - وهو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها، يعلم أن العقل البشري، الذي وهبه للإنسان، هو حسب هذا الإنسان في بلوغ الهدى لنفسه والمصلحة لحياته، في دنياه وآخرته، لوكله إلى هذا العقل وحده؛ يبحث عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق، ويرسم لنفسه كذلك المنهج الذي تقوم عليه حياته، فتستقيم على الحق والصواب؛ ولما أرسل إليه الرسل على مدى التاريخ؛ ولما جعل حجته على عباده هي رسالة الرسل إليهم؛ وتبليغهم عن ربهم؛ ولما جعل حجة الناس عنده - سبحانه - هي عدم مجيء الرسل إليهم: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.. ولكن لما علم الله - سبحانه - أن العقل الذي آتاه للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى - بغير توجيه من الرسالة وعون وضبط - وقاصرة كذلك عن رسم منهج للحياة الإنسانية يحقق المصلحة الصحيحة لهذه الحياة؛ وينجي صاحبه من سوء المآل في الدنيا والآخرة.. لما علم الله - سبحانه - هذا شاءت حكمته وشاءت رحمته أن يبعث للناس بالرسل، وألا يؤاخذ الناس إلا بعد الرسالة والتبليغ: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : وهذه تكاد تكون إحدى البديهيات التي تبرز من هذا النص القرآني.. فإن لم تكن بديهية فهي إحدى المقتضيات الحتمية.. إذن.. ما هي وظيفة هذا العقل البشري؛ وما هو دوره في قضية الإيمان والهدى؛ وفي قضية منهج الحياة ونظامها؟ إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة؛ ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول. ومهمة الرسول أن يبلغ، ويبين، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام. وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق؛ وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح، ومنهج النظر الصحيح؛ وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة. وليس دور العقل أن يكون حاكماً على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول أو الرفض - بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله؛ وبعد أن يفهم المقصود بها: أي المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص - ولو كان له أن يقبلها أو يرفضها - بعد إدراك مدلولها، لأنه هو لا يوافق على هذا المدلول! أو لا يريد أن يستجيب له - ما استحق العقاب من الله على الكفر بعد البيان.. فهو إذن ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح، ومتى فهم عقله ما المقصود بها وما المراد منها.. إن هذه الرسالة تخاطب العقل.. بمعنى أنها توقظه، وتوجهه، وتقيم له منهج النظر الصحيح.. لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها، وبقبولها أو رفضها، ومتى ثبت النص كان هو الحكم؛ وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه؛ سواء كان مدلوله مألوفاً له أو غريباً عليه.. إن دور العقل - في هذا الصدد - هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص. وما مدلوله الذي يعطيه حسب معاني العبارة في اللغة والاصطلاح. وعند هذا الحد ينتهي دوره.. إن المدلول الصحيح للنص لا يقبل البطلان أو الرفض بحكم من هذا العقل. فهذا النص من عند الله، والعقل ليس إلهاً يحكم بالصحة أو البطلان، وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله. وعند هذه النقطة الدقيقة يقع خلط كثير.. سواء ممن يريدون تأليه العقل البشري فيجعلونه هو الحكم في صحة أو بطلان المقررات الدينية الصحيحة.. أو ممن يريدون إلغاء العقل، ونفي دوره في الإيمان والهدى.. والطريق الوسط الصحيح هو الذي بيناه هنا.. من أن الرسالة تخاطب العقل ليدرك مقرراتها؛ وترسم له المنهج الصحيح للنظر في هذه المقررات، وفي شؤون الحياة كلها. فإذا أدرك مقرراتها - أي إذا فهم ماذا يعني النص - لم يعد أمامه إلا التصديق والطاعة والتنفيذ.. فهي لا تكلف الإنسان العمل بها سواء فهمها أم لم يفهمها. وهي كذلك لا تبيح له مناقشة مقرراتها متى أدرك هذه المقررات، وفق مفهوم نصوصها.. مناقشتها ليقبلها أو يرفضها. ليحكم بصحتها أو خطئها.. وقد علم أنها جاءته من عند الله. الذي لا يقص إلا الحق، ولا يأمر إلا بالخير. والمنهج الصحيح في التلقي عن الله، هو ألا يواجه العقل مقررات الدين الصحيحة - بعد أن يدرك المقصود بها - بمقررات له سابقة عليها؛ كونها لنفسه من مقولاته "المنطقية"! أو من ملاحظاته المحدودة؛ أو من تجاربه الناقصة.. إنما المنهج الصحيح أن يتلقى النصوص الصحيحة، ويكون منها مقرراته هو! فهي أصح من مقرراته الذاتية؛ ومنهجها أقوم من منهجه الذاتي - قبل أن يضبط بموازين النظر الدينية الصحيحة - ومن ثم لا يحاكم العقل مقررات الدين - متى صح عنده أنها من الله - إلى أية مقررات أخرى من صنعه الخاص! ..إن العقل ليس إلهاً، ليحاكم بمقرراته الخاصة مقررات الله.. إن له أن يعارض مفهوماً عقلياً بشرياً للنص بمفهوم عقلي بشري آخر له.. هذا مجاله، ولا حرج عليه في هذا ولا حجر ما دام هنالك من الأصول الصحيحة مجال للتأول والأفهام المتعددة. وحرية النظر - على أصوله الصحيحة وبالضوابط التي يقررها الدين نفسه - مكفولة للعقول البشرية في هذا المجال الواسع. وليس هنالك من هيئة، ولا سلطة، ولا شخص، يملك الحجر على العقول، في إدراك المقصود بالنص الصحيح وأوجه تطبيقه - متى كان قابلاً لأوجه الرأي المتعددة، ومتى كان النظر في حدود الضوابط الصحيحة والمنهج الصحيح، المأخوذ من مقررات الدين - وهذا كذلك معنى أن هذه الرسالة تخاطب العقل.. إن الإسلام دين العقل.. نعم.. بمعنى أنه يخاطب العقل بقضاياه ومقرراته؛ ولا يقهره بخارقة مادية لا مجال له فيها إلا الإذعان. ويخاطب العقل بمعنى أنه يصحح له منهج النظر ويدعوه إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق؛ ليرفع عن الفطرة ركام الإلف والعادة والبلادة؛ وركام الشهوات المضلة للعقل والفطرة. ويخاطب العقل بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مقرراته، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه.. فإذا وصل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات لم يعد أمامه إلا التسليم بها فهو مؤمن، أو عدم التسليم بها فهو كافر.. وليس هو حكماً في صحتها أو بطلانها. وليس هو مأذوناً في قبولها أو رفضها، كما يقول من يبتغون أن يجعلوا من هذا العقل إلهاً، يقبل من المقررات الدينية الصحيحة ما يقبل، ويرفض منها ما يرفض، ويختار منها ما يشاء، ويترك منها ما يشاء.. فهذا هو الذي يقول الله عنه: {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟}تفسير : ويرتب عليه صفة الكفر، ويرتب عليه كذلك العقاب.. فإذا قرر الله - سبحانه - حقيقة في أمر الكون، أو أمر الإنسان، أو أمر الخلائق الأخرى. أو إذا قرر أمراً في الفرائض، أو في النواهي.. فهذا الذي قرره الله واجب القبول والطاعة ممن يبلغ إليه. متى أدرك المدلول المراد منه.. إذا قال الله سبحانه {أية : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} {أية : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي} {أية : والله خلق كل دابة من ماء} {أية : خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار}تفسير : إلى آخر ما قال - سبحانه - عن طبيعة الكون والكائنات والأحياء والأشياء.. فالحق هو ما قال. وليس للعقل أن يقول - بعد أن يفهم مدلول النصوص والمقررات التي تنشئها - إنني لا أجد هذا في مقرراتي، أو في علمي، أو في تجاربي.. فكل ما يبلغه العقل في هذا معرض للخطأ والصواب. وما قرره الله - سبحانه - لا يحتمل إلا الحق والصواب. وإذا قال الله سبحانه: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} {أية : وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} {أية : وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن..}تفسير : إلى آخر ما قال في شأن منهج الحياة البشرية فالحق هو ما قال - سبحانه - وليس للعقل أن يقول: ولكنني أرى المصلحة في كذا وكذا مما يخالف عن أمر الله، أو فيما لم يأذن به الله ولم يشرعه للناس.. فما يراه العقل مصلحة يحتمل الخطأ والصواب، وتدفع إليه الشهوات والنزوات.. وما يقرره الله - سبحانه - لا يحتمل إلا الصحة والصلاح.. وما قرره الله سبحانه من العقائد والتصورات، أو من منهج الحياة ونظامها، سواء في موقف العقل إزاءه.. متى صح النص، وكان قطعي الدلالة؛ ولم يوقت بوقت.. فليس للعقل أن يقول: آخذ في العقائد والشعائر التعبدية؛ ولكني أرى أن الزمن قد تغير في منهج الحياة ونظامها.. فلو شاء الله أن يوقت مفعول النصوص لوقته. فما دام النص مطلقاً فإنه يستوي زمان نزوله وآخر الزمان.. احترازاً من الجرأة على الله، ورمي علمه بالنقص والقصور - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.. إنما يكون الاجتهاد في تطبيق النص العام على الحالة الجزئية؛ لا في قبول المبدأ العام أو رفضه، تحت أي مقولة من مقولات العقل في جيل من الأجيال! وليس في شيء من هذا الذي نقرره انتقاص من قيمة العقل ودوره في الحياة البشرية.. فإن المدى أمامه واسع في تطبيق النصوص على الحالات المتجددة - بعد أن ينضبط هو بمنهج النظر وموازينه المستقاة من دين الله وتعليمه الصحيح - والمدى أمامه أوسع في المعرفة بطبيعة هذا الكون وطاقاته وقواه ومدخراته؛ وطبيعة الكائنات فيه والأحياء؛ والانتفاع بما سخر الله له من هذا الكون ومن هذه الكائنات والأحياء؛ وتنمية الحياة وتطويرها وترقيتها - في حدود منهج الله - لا كما تبتغي الشهوات والأهواء التي تضل العقل وتغطي الفطرة بالركام!. ونقف من هذه اللفتة: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقفة أخرى: نقف منها أمام التبعة العظيمة الملقاة على الرسل - صلوات الله عليهم - ومن بعدهم على المؤمنين برسالاتهم - تجاه البشرية كلها.. وهي تبعة ثقيلة بمقدار ما هي عظيمة.. إن مصائر البشرية كلها في الدنيا وفي الآخرة سواء، منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم. فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر، تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم، ويترتب ثوابهم أو عقابهم.. في الدنيا والآخرة. إنه أمر هائل عظيم.. ولكنه كذلك.. ومن ثم كان الرسل - صلوات الله عليهم - يحسون بجسامة ما يكلفون. وكان الله - سبحانه - يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم.. وهذا هو الذي يقول الله عنه لنبيه: {أية : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلاً}تفسير : ويعلمه كيف يتهيأ له ويستعد: {أية : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً. نصفه أو انقص منه قليلاً. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً.. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} {أية : إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً}تفسير : وهذا هو الذي يُشعر به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو يأمره أن يقول وأن يستشعر حقيقة ما يقول: {أية : قل: إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملتحداً.. إلا بلاغاً من الله ورسالاته} {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً.. ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً }. تفسير : إنه الأمر الهائل العظيم.. أمر رقاب الناس.. أمر حياتهم ومماتهم.. أمر سعادتهم وشقائهم.. أمر ثوابهم وعقابهم.. أمر هذه البشرية، التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة. وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة. وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ! فأما رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل.. وهم لم يبلغوها دعوة باللسان، ولكن بلغوها - مع هذا - قدوة ممثلة في العمل، وجهاداً مضنياً بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق.. سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين. كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين. بما أنه المبلغ الأخير. وبما أن رسالته هي خاتمة الرسالات. فلم يكتف بإزالة العوائق باللسان. إنما أزالها كذلك بالسنان {أية : حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } تفسير : وبقي الواجب الثقيل على من بعده.. على المؤمنين برسالته.. فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجيء بعده - صلى الله عليه وسلم - وتبليغ هذه الأجيال منوط - بعده - بأتباعه. ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة - تبعة إقامة حجة الله على الناس؛ وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا - إلا بالتبليغ والأداء.. على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدى.. فالرسالة هي الرسالة؛ والناس هم الناس.. وهناك ضلالات وأهواء وشبهات وشهوات.. وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة؛ وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل وبالقوة.. الموقف هو الموقف؛ والعقبات هي العقبات، والناس هم الناس. ولا بد من بلاغ، ولا بد من أداء. بلاغ بالبيان. وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية واقعة مما يبلغون. وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة؛ وتفتن الناس بالباطل وبالقوة.. وإلا فلا بلاغ ولا أداء.. إنه الأمر المفروض الذي لا حيلة في النكوص عن حمله.. وإلا فهي التبعة الثقيلة. تبعة ضلال البشرية كلها؛ وشقوتها في هذه الدنيا، وعدم قيام حجة الله عليها في الآخرة! وحمل التبعة في هذا كله، وعدم النجاة من النار.. فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعة؟ وهي تبعة تقصم الظهر وترعد الفرائص وتهز المفاصل؟! إن الذي يقول: إنه "مسلم" إما أن يبلغ ويؤدي هكذا. وإلا فلا نجاة له في دنيا ولا في أخرى.. إنه حين يقول إنه "مسلم" ثم لا يبلغ ولا يؤدي.. كل ألوان البلاغ والأداء هذه، إنما يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه! بدلاً من أداء شهادة له، تحقق فيه قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }. تفسير : وتبدأ شهادته للإسلام، من أن يكون هو بذاته. ثم ببيته وعائلته. ثم بأسرته وعشيرته، صورة واقعية من الإسلام الذي يدعو إليه.. وتخطو شهادته الخطوة الثانية بقيامه بدعوة الأمة - بعد دعوة البيت والأسرة والعشيرة - إلى تحقيق الإسلام في حياتها كلها.. الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وتنتهي شهادته بالجهاد لإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم من أي لون كانت هذه العوائق.. فإذ استشهد في هذا فهو إذن "شهيد" أدى شهادته لدينه، ومضى إلى ربه.. وهذا وحده هو "الشهيد". وفي نهاية المطاف نقف وقفة خاشعة أمام جلال الله وعظمته؛ ممثلة في علمه، وعدله، ورعايته، وفضله، ورحمته وبره.. بهذا الكائن الإنساني الذي يجحد ويطغى.. نقف أمام عظمة العلم بهذا الكائن؛ وما أودعه من القوى والطاقات؛ وما ركب في كينونته من استعدادات الهدى والضلال. وما رتبه على هذا العلم حين لم يكله إلى عقله وحده.. على عظمة هذه الأداة التي وهبها له؛ وعلى كثرة ما في الأنفس والآفاق من دلائل الهدى وموجبات الإيمان.. فلقد علم الله أن هذه الأداة العظيمة تنوشها الشهوات والنزوات؛ وأن الدلائل المبثوثة في تضاعيف الكون وأطواء النفس قد يحجبها الغرض والهوى، ويحجبها الجهل والقصور.. ومن ثم لم يكل إلى العقل البشري تبعة الهدى والضلال - إلا بعد الرسالة والبيان - ولم يكل إليه بعد البيان والاهتداء وضع منهج الحياة، إنما وكل إليه تطبيق منهج الحياة الذي يقرره له الله.. ثم ترك له ما وراء ذلك - وهو ملك عريض - يبدع فيه ما شاء، ويغير فيه ما شاء، ويركب فيه ما شاء، ويحلل فيه ما شاء. منتفعاً بتسخير الله لهذا الملك كله لهذا الإنسان وهو الذي يخطىء عقله ويصيب، وتعثر قدمه وتستقيم على الطريق! ونقف أمام عظمة العدل الذي يرتب للناس حجة على الله - سبحانه - لو لم يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين. هذا مع احتشاد كتاب الكون المفتوح، وكتاب النفس المكنون بالآيات الشواهد على الخالق، ووحدانيته، وتدبيره وتقديره، وقدرته وعلمه.. ومع امتلاء الفطرة بالأشواق والهواتف إلى الاتصال ببارئها والإذعان له، والتناسق والتجاوب والتجاذب بينها وبين دلائل وجود الخالق في الكون والنفس.. ومع هبة العقل الذي يملك أن يحصي الشواهد ويستنبط النتائج.. ولكن الله - سبحانه - بما يعلم من عوامل الضعف التي تطرأ على هذه القوى كلها، فتعطلها، أو تفسدها، أو تطمسها، أو تدخل في حكمها الخطأ والشطط، قد أعفى الناس من حجية الكون، وحجية الفطرة، وحجية العقل، ما لم يرسل إليهم الرسل ليستنقذوا هذه الأجهزة كلها مما قد يرين عليها، وليضبطوا بموازين الحق الإلهي الممثل في الرسالة، هذه الأجهزة، فتصح أحكامها حين تستقيم على ضوابط المنهج الإلهي.. وعندئذ فقط يلزمها الإقرار والطاعة والاتباع؛ أو تسقط حجتها وتستحق العقاب.. ونقف أمام عظمة الرعاية والفضل والرحمة والبر بهذا المخلوق الذي يكرمه الله ويختاره، على ما يعلم به من ضعف ونقص؛ فيكل إليه هذا الملك العريض.. خلافة الأرض.. وهو بالقياس إليه ملك عريض! وإن كان في ملك الله ذرة تمسكها يد الله فلا تضيع في ملكه الكبير! ثم تشاء رعايته وفضله ورحمته وبره، ألا تدعه لما أودع في كينونته من فطرة هادية ولكنها تطمس؛ ومن عقل هاد ولكنه يضل؛ بل يتفضل عليه ربه فيرسل إليه الرسل تترى.. وهو يكذب ويعاند؛ ويشرد وينأى؛ فلا يأخذه ربه بأخطائه وخطاياه؛ ولا يحبس عنه بره وعطاياه، ولا يحرمه هداه على أيدي رسله الهداة.. ثم لا يأخذه بالعقاب في الدنيا أو في الآخرة حتى تبلغه الرسل؛ فيعرض ويكفر، ويموت وهو كافر لا يتوب ولا ينيب.. ومن عجب أن يأتي على هذا الإنسان زمان يزعم لنفسه أنه استغنى عن ربه.. استغنى عن رعايته وفضله ورحمته وبره.. استغنى عن هدايته ودينه ورسله.. استغنى بالأداة التي علم ربه أنها لا تغنيه - ما لم تقوّم بمنهج الله - فلم يكتب عليه عقاباً إلا بعد الرسالة والبيان.. فيتمثل لنا الطفل الذي يحس ببعض القوة في ساقيه فيروح يبعد عنه اليد التي تسنده، ليتكفأ ويتعثر! غير أن الطفل في هذا المثال أرشد وأطوع للفطرة. إذ أنه بمحاولة الاستقلال عن اليد التي تسنده يجيب داعي الفطرة في استحثاث طاقات كامنة في كيانه؛ وإنماء قدرات ممكنة النماء؛ وتدريب عضلات وأعصاب تنمو وتقوى بالتدريب.. أما إنسان اليوم الذي يبعد عنه يد الله، ويتنكب هداه، فإن كينونته - بكل ما يكمن فيها من قوى - يعلم الله أنها لا تشتمل على قوة مكنونة تملك الاستغناء عن يد الله وهداه. وقصارى ما في قواه أنها ترشد وتضبط وتستقيم برسالة الله. وتضل وتختل وتضطرب إذا هي استقلت بنفسها، وتنكبت هداه! وخطأ وضلال - إن لم يكن هو الخداع والتضليل - كل زعم يقول: إن العقول الكبيرة كانت حرية أن تبلغ بدون الرسالة ما بلغته بالرسالة.. فالعقل ينضبط - مع الرسالة - بمنهج النظر الصحيح؛ فإذا أخطأ بعد ذلك في التطبيق كان خطؤه كخطأ الساعة التي تضبط، ثم تغلبها عوامل الجو والمؤثرات، وطبيعة معدنها الذي يتأثر بهذه المؤثرات، لا كخطأ الساعة التي لم تضبط أصلاً، وتركت للفوضى والمصادفة! وشتان شتان! وآية أن ما يتم بالرسالة - عن طريق العقل نفسه - لا يمكن أن يتم بغيرها؛ فلا يغني العقل البشري عنها.. أن تاريخ البشرية لم يسجل أن عقلاً واحداً من العقول الكبيرة النادرة اهتدى إلى مثل ما اهتدت إليه العقول العادية المتوسطة بالرسالة.. لا في تصور اعتقادي؛ ولا في خلق نفسي، ولا في نظام حياة، ولا في تشريع واحد لهذا النظام.. إن عقول أفلاطون وأرسطو من العقول الكبيرة قطعاً.. بل إنهم ليقولون: إن عقل أرسطو هو أكبر عقل عرفته البشرية - بعيداً عن رسالة الله وهداه - فإذا نحن راجعنا تصوره لإلهه - كما وصفه - رأينا المسافة الهائلة التي تفصله عن تصور المسلم العادي لإلهه مهتدياً بهدى الرسالة. وقد وصل أخناتون - في مصر القديمة - إلى عقيدة التوحيد - وحتى مع استبعاد تأثره في هذا بإشعاع عقيدة التوحيد في رسالة إبراهيم ورسالة يوسف - فإن الفجوات والأساطير التي في عقيدة أخناتون تجعل المسافة بينها وبين توحيد المسلم العادي لإلهه بعيدة بعيدة. وفي الخلق نجد في الفترة التي هيمن فيها الإسلام في صدر الإسلام نماذج للأوساط ممن رباهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تتطاول إليها أعناق الأفذاذ على مدار التاريخ ممن لم تخرجهم رسالة سماوية. وفي المبادىء والنظم والتشريعات لا نجد أبداً ذلك التناسق والتوازن، مع السمو والرفعة التي نجدها في نظام الإسلام ومبادئه وتشريعاته. ولا نجد أبداً ذلك المجتمع الذي أنشأه الإسلام يتكرر لا في زمانه ولا قبل زمانه ولا بعد زمانه في أرض أخرى، بتوازنه وتناسقه ويسر حياته وتناغمها.. إنه ليس المستوى الحضاري المادي هو الذي يكون عليه الحكم. فالحضارة المادية تنمو بنمو وسائلها التي ينشئها "العلم" الصاعد.. ولكن ميزان الحياة في فترة من الفترات هو التناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها.. هو التوازن الذي ينشىء السعادة والطمأنينة، والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة.. والفترة التي عاشت بالإسلام كاملاً لم تبلغها البشرية - بعيداً عن الرسالة - في أي عصر.. والخلخلة وعدم الاتزان هو الطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام؛ مهما التمعت بعض الجوانب؛ ومهما تضخمت بعض الجوانب. فإنما تلتمع لتنطفىء جوانب أخرى. وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى.. والبشرية معها تتأرجح وتحتار وتشقى. ونقف عند هذا الحد - المناسب لسياق الظلال - في الحديث عن الإيحاءات القوية العميقة، التي يثيرها في النفس قول الله تعالى: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.. لنمضي بعدها مع السياق القرآني: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك. أنزله بعلمه. والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيداً}. فإذا أنكر أهل الكتاب هذه الرسالة الأخيرة - وهي جارية على سنة الله في إرسال الرسل لعباده {مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وأهل الكتاب يعترفون بالرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - اليهود يعترفون بمن قبل عيسى - عليه السلام - والنصارى يعترفون بهم، وبعيسى الذي ألهوه كما سيجيء.. فإذا أنكروا رسالتك - يا محمد - فلا عليك منهم. فلينكروا: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك. أنزله بعلمه. والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيداً}. وفي هذه الشهادة من الله.. ثم من ملائكته ومنهم من حملها إلى رسوله.. إسقاط لكل ما يقوله أهل الكتاب. فمن هم والله يشهد؟ والملائكة تشهد؟ وشهادة الله وحدها فيها الكفاية؟! وفي هذه الشهادة تسرية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يلقاه من كيد اليهود وعنتهم. وفيها كذلك تصديق وتثبيت وتطمين للمسلمين - في أول عهدهم بالإسلام بالمدينة - أمام حملة يهود التي يدل على ضخامتها هذه الحملة القرآنية المنوعة الأساليب والإيحاءات في ردها والقضاء عليها. وعندئذ يجيء التهديد الرعيب للمنكرين في موضعه، بعد شهادة الله - سبحانه - وشهادة الملائكة بكذبهم وتعنتهم والتوائهم. {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً. إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً. وكان ذلك على الله يسيراً}.. إن هذه الأوصاف وهذه التقريرات - مع كونها عامة - تنطبق أول ما تنطبق، على حال اليهود، وتصور موقفهم من هذا الدين وأهله؛ بل من الدين الحق كله؛ سواء منهم من عاصروا فجر الدعوة في المدينة، أو من سبقوهم منذ أيام موسى عليه السلام أو من جاءوا بعدهم إلى يومنا هذا - إلا القلة النادرة المستثناة من الذين فتحوا قلوبهم للهدى فهداهم الله. وهؤلاء - وكل من ينطبق عليهم وصف الكفر والصد - قد ضلوا ضلالاً بعيداً. ضلوا عن هدى الله؛ وضلوا طريقهم القويم في الحياة. ضلوا فكراً وتصوراً واعتقاداً؛ وضلوا سلوكاً ومجتمعاً وأوضاعاً. ضلوا في الدنيا وضلوا في الآخرة. ضلوا ضلالاً لا يرتجى معه هدى.. {ضلوا ضلالاً بعيداً}.. ويعيد السياق وصفهم بالكفر، ليضم إليه الظلم: {إن الذين كفروا وظلموا}.. والكفر في ذاته ظلم: ظلم للحق، وظلم للنفس، وظلم للناس.. والقرآن يعبر عن الكفر أحياناً بأنه الظلم كقوله تعالى: {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : وقوله: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} تفسير : بعدما قرر أنهم الكافرون في الآية السابقة عليها.. (كما سيجيء في موضعه في هذا الجزء في سورة المائدة).. وهؤلاء لم يرتكبوا ظلم الشرك وحده، ولكن ارتكبوا معه ظلم الصد عن سبيل الله أيضاً، فأمعنوا في الكفر.. أو أمعنوا في الظلم.. ومن ثم يقرر الله بعدله جزاءهم الأخير: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً - إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً}.. فليس من شأن الله - سبحانه - أن يغفر لأمثال هؤلاء، بعدما ضلوا ضلالاً بعيداً، وقطعوا على أنفسهم كل طريق للمغفرة.. وليس من شأن الله - سبحانه - أن يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم. وقد قطعوا على أنفسهم كذلك كل طريق للهدى، وأوصدوا في وجوه أنفسهم كل طريق إلا طريق جهنم، فأبعدوا فيه وأوغلوا، واستحقوا الخلود المؤبد فيها بإبعادهم في الضلال والكفر والصد والظلم، بحيث لا يرجى لهم من هذا الإبعاد مآب! {وكان ذلك على الله يسيراً}.. فهو القاهر فوق عباده. وليس بينه وبين أحد من العباد صهر ولا نسب، يجعل أخذهم بهذا الجزاء العادل المستحق عليهم عسيراً. وليس لأحد من عباده قوة ولا حيلة تجعل أخذه عسيراً على الله أيضاً.. ولقد كان اليهود - كما كان النصارى - يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه. وكانوا يقولون:{أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات}تفسير : . وكانوا يقولون: نحن شعب الله المختار.. فجاء القرآن لينفي هذا كله. ويضعهم في موضعهم.. عباداً من العباد.. إن أحسنوا أثيبوا، وإن أساءوا - ولم يستغفروا ويتوبوا - عذبوا.. وكان ذلك على الله يسيراً.. ومن ثم دعوة شاملة إلى الناس كافة - بعد هذه البيانات كلها - أن هذا الرسول إنما جاءهم بالحق من ربهم. فمن أمن به فهو الخير. ومن كفر فإن الله غني عنهم جميعاً. وقادر عليهم جميعاً، وله ما في السماوات والأرض. وهو يعلم الأمر كله، ويجريه وفق علمه وحكمته: {يا أيها الناس، قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم. فآمنوا خيراً لكم. وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض، وكان الله عليماً حكيماً}.. وهي دعوة سبقها دحض مفتريات أهل الكتاب، وكشف جبلة اليهود ومناكرهم في تاريخهم كله، وتصوير تعنتهم الأصيل، حتى مع موسى نبيهم وقائدهم ومنقذهم، كما سبقها بيان طبيعة الرسالة وغايتها. وهذه الغاية وتلك الطبيعة تقتضيان أن يرسل الله الرسل، وتقتضيان أن يرسل الله محمداً حتماً. فهو رسول إلى العالمين. إلى الناس كافة - بعدما غبرت الرسالات كلها خاصة بقوم كل رسول - فلم يكن بد من تبليغ عام في ختام الرسالات، يبلغ إلى الناس كافة: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}..ولو لم تكن هذه الرسالة عامة للناس كافة لكان للناس - ممن سيأتون من أجيال وأمم - حجة على الله. فانقطعت هذه الحجة بالرسالة العامة للناس وللزمان، وكانت هي الرسالة الأخيرة. فإنكار أن هناك رسالة بعد أنبياء بني إسرائيل غير عيسى، أو بعد عيسى - عليه السلام - لا يتفق مع عدل الله، في أن يأخذ الناس بالعقاب بعد البلاغ.. ولم يسبق أن كانت هناك رسالة عامة. ولم يكن بد من هذه الرسالة العامة.. فكانت بعدل الله ورحمته بالعباد.. وكان حقاً قول الله سبحانه {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. كما يتجلى من هذا البيان..
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أنّ الله لما شوّه حال المنافقين وشهّر بفضائحهم تشهيراً طويلاً، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفوراً من النفاق وأحواله، وبغضاً للملموزين به، وخاصّة بعد أن وصفهم باتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأنَّهم يستهزئون بالقرآن، ونَهى المسلمين عن القعود معهم، فحذّر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسّمون فيه النفاق، فيجاهِروهم بقول السوء، ورخَّص لِمن ظُلم من المسلمين أن يجهر لظالمه بالسوء، لأنّ ذلك دفاع عن نفسه. روى البخاري: حديث : أنّ رجالاً اجتمعوا في بيت عِتبان بن مالك لطعام صنعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل: أين مالك بن الدّخْشُم، فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله، فقال رسول الله «لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلاّ الله، يريد بذلك وجهَ الله، فقال: فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين»»تفسير : . الحديثَ. فظنّ هذا القائل بمالك أنَّه منافق، لملازمته للمنافقين، فوصفه بأنَّه منافق لا يحبّ الله ورسوله. فلعلّ هذه الآية نزلت للصدّ عن المجازفة بظنّ النفاق بمن ليس منافقاً. وأيضاً لمّا كان من أخصّ أوصاف المنافقين إظهار خلاف ما يُبطنون فقد ذكرت نجواهم وذكر رياؤهم في هذه السورة وذكرت أشياء كثيرة من إظهارهم خلاف ما يبطنون في سورة البقرة كان ذلك يثير في النفوس خشية أن يكون إظهار خلاف ما في الباطن نفاقاً فأراد الله تبين الفارق بين الحالين. وجملة {لا يحبّ} مفصولة لأنَّها استئناف ابتدائي لهذا الغرض الذي بينّاه: الجهر بالسوء من القول، وقد علم المسلمون أنّ المحبّة والكراهية تستحيل حقيقتهما على الله تعالى، لأنّهما انفعالان للنفس نحو استحسان الحسن، واستنكار القبيح، فالمراد لازمهما المناسب للإلهية، وهما الرضا والغضب. وصيغة {لا يحبّ}، بحسب قواعد الأصول، صيغة نفي الإذن. والأصل فيه التحريم. وهذا المراد هنا؛ لأنّ {لا يحبّ} يفيد معنى يكره، وهو يرجع إلى معنى النهي. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً ـــ إلى قوله ـــ ويكره لكم قِيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال»تفسير : . فهذه أمور ثلاثة أكثر أحوالها مُحرّم أو مكروه. والمراد بالجهر ما يبلغ إلى أسماع الناس إذ ليس السرّ بالقول في نفس الناطق ممّا ينشأ عنه ضرّ. وتقييده بالقول لأنَّه أضعف أنواع الأذى فيعلم أنّ السوء من الفعل أشدّ تحريماً. واستثنى {مَن ظُلم} فرَخَّص له الجهرَ بالسوء من القول. والمستثنى منه هو فاعلُ المصدر المقدّر الواقع في سياق النفي، المفيد للعموم، إذ التقدير: لا يحبّ الله جَهْر أحد بالسوء، أو يكون المستثنى مضافاً محذوفاً، أي: إلاّ جَهْرَ من ظلم، والمقصود ظاهر، وقد قضي في الكلام حقّ الإيجاز. ورخَّص الله للمظلوم الجهر بالقول السيّىء ليشفي غضبه، حتّى لا يثوب إلى السيف أو إلى البَطش باليد، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند لحاق الظلم به، والمقصود من هذا هو الاحتراس في حكم {لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول}. وقد دلَّت الآية على الإذن للمظلوم في جميع أنواع الجهر بالسوء من القول، وهو مخصوص بما لا يتجاوز حدّ التظلّم فيما بينه وبين ظالمه، أو شكاية ظلمه: أن يقول له: ظلمتني، أو أنت ظالم؛ وأن يقول للناس: إنَّه ظالم. ومن ذلك الدعاءُ على الظالم جهراً لأنّ الدعاء عليه إعلان بظلمه وإحالته على عدل الله تعالى، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن، وذلك مَخصوص بما لا يؤدّي إلى القذف، فإنّ دلائل النهي عن القذف وصيانة النفس من أن تتعرّض لِحدّ القذف أو تعزيز الغيبة، قائمة في الشريعة. فهذا الاستثناء مفيد إباحة الجهر بالسوء من القول من جانب المظلوم في جانب ظالمه؛ ومنه ما في الحديث «حديث : مَطْلُ الغنيّ ظلم» تفسير : أي فللممطول أن يقول: فلان مماطل وظالم. وفي الحديث «حديث : لَيُّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته»تفسير : . وجملة {وكان الله سميعاً عليماً} عطف على {لا يحبّ}، والمقصود أنَّه عليم بالأقوال الصادرة كلّها، عليم بالمقاصد والأمور كلّها، فذِكْرُ «عليماً» بعد «سميعاً» لقصد التعميم في العلم، تحذيراً من أن يظنّوا أنّ الله غير عالم ببعض ما يصدر منهم. وبعد أن نَهى ورَخّص، ندب المرخَّصَ لهم إلى العفو وقوللِ الخير، فقال: {إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفواعن سوء فإن الله كان عفواً قديراً}، فإبداء الخير إظهاره. وعُطف عليه {أو تخفوه} لزيادة الترغيب أنْ لا يظنّوا أنّ الثواب على إبداء الخير خاصّة، كقوله: {أية : إن تبدوا الصدقات فنِعِمَّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}تفسير : [البقرة: 271]. والعفو عن السوء بالصفح وترك المجازاة، فهو أمر عدميّ. وجملة {فإنّ الله كان عفوّا قديرا} دليل جواب الشرط، وهو علّة له، وتقدير الجواب: يَعفُ عَنكم عند القدرة عليكم، كما أنّكم فعلتم الخير جهراً وخفية وعفوتم عند المقدرة على الأخذ بحقّكم، لأنّ المأذون فيه شرعاً يعتبر مقدوراً للمأذون، فجواب الشرط وعد بالمغفرة لهم في بعض ما يقترفونه جزاء عن فعل الخير وعن العفو عمّن اقترف ذنباً؛ فذكر {إن تبدوا خيراً أو تخفوه} تكملة لما اقتضاه قوله: {لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول} استكمالاً لموجبات العفو عن السيّئات، كما أفصح عنه قوله صلى الله عليه وسلم {وأتْبِع السيّئة الحسنةَ تَمْحُها}. هذا ما أراه في معنى الجواب. وقال المفسّرون: جملة الجزاء تحريض على العفو ببيان أنّ فيه تخلّفاً بالكمال، لأنّ صفات الله غاية الكمالات. والتقدير: إن تبدو خيراً الخ تكونوا متخلّقين بصفات الله، فإنّ الله كان عفوّاً قديراً، وهذا التقدير لا يناسب إلاّ قوله: {أو نعفوا عن سوء} ولا يناسب قوله: {إن تبدوا خيراً أو تخفوه} إلاّ إذا خصّص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم، وإخفائه عمّن ظلمهم. وفي الحديث «حديث : أن تَعْفُو عمّن ظلمك وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وتَصِلَ من قطعك».
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: السوء: ما يسوء إلى من قيل فيه أو فعل به. سميعاً عليماً: سميعاً للأقوال عليماً بالأعمال. إن تبدوا: تظهروا ولا تخفوا. تعفوا عن سوء: أي لا تؤاخذوا به. معنى الآيتين: يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء، ولازم هذا أن عباده المؤمنين يجب أن يكرهوا ما يكره ربهم ويحبوا ما يحب وهذا شرط الولاية وهي الموافقة وعدم المخالفة. ولما حرم تعالى على عباده الجهر بالسوء بأبلغ عبارة وأجمل أسلوب، استثنى المظلوم فإن له أن يجهر بمظلمته لدى الحاكم ليرفع عنه الظلم فقال تعالى: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ} - (وما زال) - {سَمِيعاً عَلِيماً} ألا فليتق فلا يعصي بفعل السوء ولا بقوله. ثم انتدب عباده المؤمنين إلى فعل الخير في السر أو العلن، وإلى العفو عن صاحب السوء فقال: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} فسيكسب فاعل الخير خيراً أبداه أو أخفاه وسيعفو عن صاحب العفو حينما تزل قدمه فيجني بيده أو بلسانه ما يستوجب به المؤاخذة فيشكر الله تعالى له عفوه السابق فيعفو عنه {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير. 2- استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر. 3- استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.
القطان
تفسير : حُبُّ الله للشيء: الرضا به والإثابة عليه. السوء من القول: ما يسوء الذي يقال فيه، كذِكر عيوبه ومساويه. إن الله لا يرضى من المؤمنين ان يقول السوءَ بعضهم لبعض، الا الّذي وقع عليه ظلم، فإن الله رخص له أن يشكوَ من ظلمه، ويشرح ذلك لصديق أو حاكم او غيره ممن يساعده على ازالته. واللهُ لا يحب لعباده ان يسكتوا على الظلم، وهو سميع لكلام المظلوم، عليم بظلم الظالم، لا يخفى عليه شيء من أقوال العباد ولا افعالهم ونيّاتهم فيها. وهكذا فإن الإسلام يحمي سمعة الناس ما لم يَظلِموا.. فإذا ظَلموا لم يستحقّوا هذه الحماية، عند ذلك يحق للمظلوم ان يجهر بكلمة السوء في ظالمه. بذا يوفّق الإسلام بين حرصه على العدل، وحرصه على الأخلاق.. ثم يوجه الناس إلى الخير عامة ويدعوهم الى العفو عن السوء.
د. أسعد حومد
تفسير : (148) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ، وَلا يَرْضَى لَهُمْ، أنْ يَجْهَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِذِكِر العُيُوبِ، وَالسَّيِّئَاتِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ المَفَاسِدِ (وَأَقَلَّهَا أنَّهُ يَضْعُفُ فِي النَّفْسِ اسْتِقَبَاحُهُ وَاسْتِبْشَاعُهُ خُصُوصاً إذا تَكَرَّرَ سَمَاعُهُ)، كَمَا أنَّهُ لاَ يُحِبُّ الإِسْرَارَ بِالسُّوءِ، إذْ أنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنِ النَّجْوَى بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ. وَلَكِنْ مَنْ ظَلَمَهُ ظَالِمٌ فَلَهُ أنْ يَجْهَرَ بِالشَّكْوَى مِمَّنْ ظَلَمَهُ، وَأنْ يَشْرَحَ ظُلاَمَتَهُ لِحَاكِمٍ أوْ غَيْرِهِ، مِمَّنْ تُرْجَى نَجْدَتُهُمْ، وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى إِزَالَةِ هَذا الظُّلْمِ، وَلا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلا إثْمَ، فَإنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أن يَسْكُتُوا عَلَى الظُّلْمِ، وَلا أنْ يَخْضَعُوا لِلضَّيْمِ، وَالسُّكُوتُ عَلَى الضَّيْمِ وَالظُّلْمِ أعْظَمُ مِنَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ، لِذَلِكَ جَازَتِ الشَّكْوَى مِنَ الظُّلْمِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لِمَنْ دَعَاهُ، فَلاَ يَفُوتُهُ قَوْلٌ مِنْ أقْوَالِ مَنْ يَجْهَرُ بالسُّوءِ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِالبَوَاعِثِ التِي أدَّتْ إليهِ.
الثعلبي
تفسير : {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} يعني القول القبيح { إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فقد اذن للمظلوم ان ينتصر بالدعاء على ظالمه {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً} لدعاء المظلوم {عَلِيماً} بعقاب الظالم، نظير قوله {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 41] مجاهد: هذا في الضيف النازل إذا لم يضيف ومنع حقه أو اساءوا قراه فقد رخص الله له أن يذكر منه ماصنع به، وزعم أن ضيفاً نزل بقوم فأساءوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو. والضيافة ثلاثة أيام ومافوق ذلك فهو صدقة. وقوله (من ظلم) من في محل النصب لأنه استثناء ليس من الأول، وإن شئت جعلت من رفعاً فيكون المعنى {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} فيكون من بدلاً من معنى أحد والمعنى لايحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلاّ المظلوم، وقرئ إلاّ مَنْ ظلم بفتح الظاء واللام على معنى إن الظالم يجهر بالسوء من القول ظلماً واعتداءً، ويكون المعنى لكن الظلم الجهر بذلك ظلماً ومحل من في {مَن ظُلِمَ} النصب لأنه استثناء من الأول، وفيه وجه آخر: وهو أن يكون إلاّ من ظلم على معنى لكن الظالم جهروا له بالسوء من القول وهو بعد استثناءه من الأول، وموضعه نصب وهو وجه حسن. {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} يعني حسنة فتعمل بها كتبت له عشر وإن همّ بها ولم يعمل بها كتبت له حسنة واحدة {أَوْ تُخْفُوهُ} وقيل الخير ماصفى المال ومعناه ان تبدوا الصدقة والمعروف أو تصدّقوا بسرّ {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} عن ظلم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} يعني فإنّ الله عز وجل أولى أن يتجاوز عنكم يوم القيامة عن الذنوب العظام. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية نزلت في اليهود وذلك إنهم آمنوا بموسى وعزير والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمّد والقرآن وذلك قوله {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي ديناً من اليهودية والإسلام، قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} كلهم {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} يعني بين الرسل وهم المؤمنون، قالوا: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 136] كما علمهم الله، فقال {أية : قُولُوۤاْ آمَنَّا...} تفسير : إلى قوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 136] {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} بايمانهم بالله وكتبه ورسله {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} كما كان منهم في الشرك.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنه سبحانه وتعالى يريد أن يحمي آذان المجتمع الإيماني من "قالات السوء".. أي من الألفاظ الرديئة؛ لأننا نعلم أن الناس إنما تتكلم بما تسمع، فاللفظ الذي لا تسمعه الأذن لا تجد لسانا يتكلم به، ونجد الطفل الذي نشأ في بيت مهذب لا ينطق ألفاظا قبيحة، وبعد ذلك تجيء على لسانه ألفاظ قبيحة وحينئذ نتساءل: من أين جاءت هذه الألفاظ على لسان هذا الابن؟ ونعرف أنها جاءت من الشارع؛ لأن البيئة الدائمة للطفل ليس بها ألفاظ رديئة، وعندما يتقصى الإنسان عن مصدر هذه الألفاظ، يعرف أن الطفل المهذب قضى بعضاً من الوقت في بيئة أخرى تسربت إليه منها بعض الألفاظ الرديئة. إذن فاللغة هي بنت المحاكاة. وما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. ونعلم أن اللغة ليست جنسا وليست دما، بمعنى أن الطفل الإنجليزي لو نشأ في بيئة عربية، فهو يتحدث العربية. ولو أخذنا طفلا عربيا ووضعناه في بيئة إنجليزية فسيتكلم الإنجليزية. واللغة الواحدة فيها ألفاظ لا يتكلم بها لسان إلا إن سمعها، وإن لم يسمعها الإنسان فلن ينطق بها. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي المجتمع الإيماني من قالات السوء التي تطرق آذان الناس لأنها ستعطيهم لغة رديئة؛ لأن الناس إن تكلمت بقالات السوء، فسيكون شكل المجتمع غريبا، وتتردد فيه قالات سوء في آذان السوء، فكأن الحق سبحانه يوضح: إياكم أن تنطق ألسنتكم بأشياء لا يحبها الله، فليست المسألة أن يريد الإنسان نفسه فقط بنطق كلمة، ولكن نطق هذه الكلمة سيرهق أجيالاً؛ لأن من يسمع الكلمة الرديئة سيرددها، وسيسمعها غيره فيرددها، وتتوالى القدوة السيئة. ويتحمل الوزر الإنسان الذي نطق بكلمة السوء أولاً. وقالات السوء هذه قد تكون بالحق وقد تكون بالباطل، فإن كانت في الحق مثلا فلن نستطيع أن نقول: إن كل الناس أهل سوء. وقد يبتدئ إنسان آخر بسباب، ويجوز أن يدعي إنسان على آخر سبابا. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي الآذان الإيمانية من ألسنة السوء، لذلك يقول: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْل} ومقابلها بالطبع هو: أن الله يحب الجهر بالحسن من القول. وساعة يحبك الحق المجتمع هذه الحبكة الإيمانية، أيعالج ملكة على حساب ملكة أخرى؟. لا. ونعلم أن النفس فيها حب الانتقام وحب الدفاع عن النفس وحب الثأر وما يروح به عن نفسه ويخفف ما يجده من الغيظ. والمثل العربي يقول: "من اسْتُغْضِب ولم يغضب فهو حمار"؛ لأن الذي يُستغضب ولا يغضب يكون ناقص التكوين، فهل معنى ذلك أن الله يمتع الناس من قول كلمة سوء ينفث بها الإنسان عن صدره ويريح بها نفسه؟ لا، لكنه - سبحانه - يضع شرطاً لكلمة السوء هو: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ}؛ لأن الظلم هو أخذ حق من إنسان لغيره. وكل إنسان حريص على نفسه وعلى حقوقه. فإن وقع ظلم على إنسان فملكات نفسه تغضب وتفور، فإما أن ينفث بما يقول عن نفسه، وإما أن يكبت ويكتم ذلك. فإن قال الله: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} واكتفى بذلك، لكان كبتاً للنفس البشرية. وعملية الكبت هذه وإن كانت طاعة لأمر الله لأنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، ولكن قد ينفلت الكبت عند الانفعال، وينفجر؛ لذلك يضع الحق الشرط وهو وقوع ظلم. فيوضح سبحانه: أنا لأ أحب الجهر بالسوء من القول، وأسمح به في حدوده المنفثة عن غيظ القلوب؛ لأني لا أحب أن أصلح ملكة على حساب ملكة أخرى. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الغضب جمرة توقد في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فلينم فإن لم يزُل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء ". تفسير : أي أن يتحرك الإنسان من فور إحساسه بالغضب؛ فيغير من وضعه أو يقوم إلى الصلاة بعد أن يتوضأ أو يغتسل؛ لأنه بذلك ينفث تنفيثاً حركياً ليخفف من ضغط المواجيد على النفس الفاعلة؛ تماماً كما يفك إنسان صماماً عن آلة بها بخار ليخرج بعض البخار. إذن فمن وقع عليه ظلم له أن يجهر بالسوء. والجهر له فائدتان: الأولى: أن ينفث الإنسان عن نفسه فلا يكبت، وثانياً: أنه أشاع وأعلن أن: هذا إنسان ظالم، وبذلك يحتاط الناس في تعاملهم معه. وحتى لا يخدع إنسان نفسه ويظن بمنجاة عن سيئاته، فلو ستر كل إنسان الظلم الذي وقع عليه لاستشرى الظلم في عمل السيئات. ولكن إياك أن تتوسع أيها العبد في فهم معنى كلمة "ظلم" هذه؛ لأن الذي ينالك ممن ظلمك إما فعل وإما قول. وعليك أيها المسلم أن تقيس الأمر بمقياس دقيق على قدر ما وقع عليك من ظلم. {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يعطينا في الاستثناء إلا على قدر الضرورة. ويوضح: إياكم أن تزيدوا على هذه الضرورة، فإن كان ظلمكم بقول فأنا السميع. وإنْ كان ظلمكم بفعل فأنا العليم، فلا يتزيد واحد عن حدود اللياقة. وبذلك يضع الحق الضوابط الإيمانية والنفسية فأزاح الكبت وفي الوقت نفسه لم يقفل باب الطموح الإيماني. لقد سمح للعبد أن يجهر إن وقع عليه ظلم. لكن إن امتلك الإنسانُ الطموحَ الإيماني فيمكنه ألا يجهر وأن يعفو. إذن فهناك فارق بين أمر يضعه الحق في يد الإنسان، وأمر يلزمه به قسراً وإكراها عليه؛ فمن ناحية الجهر، جعل سبحانه المسألة في يد الإنسان، ويحب سبحانه أن يعفو الإنسان؛ لأن المبادئ القرآنية يتساند بعضها مع بعض. وسبحانه يقول: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34] فإن أباح الله لك أن تجهر بالسوء من القول إذا ظلمك أحدٌ، فقد جعل لك ألاّ تجهر بل تعفو عنه، وغالب الظن أن صاحب السوء يستخزى ويعرف أن هناك أناساً أكرم منه في الخلق، ولا يتعب إنسانٌ إلا أن يرى إنساناً خيراً منه في شيء. وعندما يرى الظَالمُ أن المظلوم قد عفا فقد تنفجر في نفسه الرغبة أن يكون أفضل منه. إذن فالمبدأ الإيماني: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} جعله الله مجالاً محبوباً ولم يجعله قسراً؛ لأنك إن أعطيت الإنسان حقه، ثم جعلت لأريحيته أن يتنازل عن الحق فهذا إرضاء للكل. وهكذا ينمي الحق الأريحية الإيمانية في النفس البشرية؛ لأنه لو جعلها قسراً لأصلح ملكة على حساب ملكة أخرى. ولذلك إذا رأيت إنساناً قد اعتدى على إنسان آخر، فدفع الإنسان المعتدى عليه بالتي هي أحسن وعفا وأصلح فقد ينصلح حال المعتدي، وسبحانه القائل: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. فإذا تمادى من بعد ذلك فعلى الإنسان أن يعرف أن الله لا يكذب أبداً، ولا بد أن الخلل في سلوكك يا من تظن أنك دفعت بالتي هي أحسن. قد يكون الذي دفع بالتي هي أحسن قد قال بلهجة من التعالي: سأعفو عنك، ومثل هذا السلوك المتكبر لا يجعل أحداً وليًّا حميمًا. لكن إن دفع حقيقة بالتي هي أحسن تواضعاً وسماحة، فلا بد أن يصير الأمر إلى ما قاله الله: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. والتفاعلات النفسية المتقابلة يضعها الله في إطارات واضحة وسبحانه القائل: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] وذلك حتى لا يستشرى المعتدي أيضاً، فهناك إنسان إذا تركناه مرة ومرة. يستشرى، لكن إذا ما أوقفناه عند حده فهو يسكت، وبذلك نرحم المجتمع من استشراء الفساد. ويُصعب الحق المسألة في رد الاعتداء. ويثور سؤال: من القادر على تحقيق المثلية بعدالة؟. ونجد على سبيل المثال إنسانا ضرب إنساناً آخر صفعة على الوجه، فبأية قوة دفعٍ قد ضرب؟ وفي أي مكان ضرب؟ ولذلك نجد أن رد العدوان على درجة المثلية المتساوية أمر صعب. ومادام المأمور به أن أعتدى بمثل ما اعتدى به علي؛ ولن أستطيع تحقيق المثلية، ولربما زاد الأمر على المثلية؛ وبعد أن كنت المعتدَى عليه صرت المعتدِي، بذلك يكون العفو أقرب وأسلم. والعمليات الشعورية التي تنتاب الإنسان في التفاعلات المتقابلة يكون لها مواجيد في النفس تدفع إلى النزوع. والعملية النزوعية هي رد الفعل لما تدركه، فإن آذاك إنسان وأتعبك واعتدى عليك فأنت تبذل جهدًا لتكظم الغيظ، أي أن تحبس الغيظ على شدة. فالغيظ يكون موجوداً، ولكن المطلوب أن يمنع الإنسان الحركة النزوعية فقط. وعلى المغتاظ أن يمنع نفسه من النزوع، وإن بقي الغيظ في القلب. {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} تفسير : [آل عمران: 134] هذه مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية هي: {أية : وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 134] فإذا كان المطلوب في المرحلة الأولى منع العمل النزوعي، فالأرقى من ذلك أن تعفو، والعفو هو أن تخرج المسألة التي تغيظك من قلبك. وإن كنت تطلب مرحلة أرقى في كظم الغيظ والعفو فأحسن إليه؛ لأن من يرتكب الأعمال المخالفة هو المريض إيمانياً. وعندما ترى مريضاً في بدنه فأنت تعاونه وتساعده وإن كان عدواً لك. وتتناسى عدواته؛ فما بالنا بالمصاب في قيمه؟ إنه يحتاج منا إلى كظم الغيظ، أو العفو كدرجة أرقى، أو الاحسان إليه كمرحلة أكثر علواً في الارتقاء. إذن فالحق سبحانه وتعالى يبيح أن تعتدي بالمثل، ثم يفسح المجال لنكظم الغيظ فلا نعتدي ولكن يظل السبب في القلب، ثم يرتقي بنا مرحلة أخرى إلى العفو وأن نخرج المسألة من قلوبنا، ثم يترقى ارتقاء آخر، فيقول سبحانه: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}، ومن فينا غير راغب في حب الله؟ وهكذا نرى أن الدين الإسلامي يأمر بأن يحسن المؤمن إلى من أساء إليه. وقد يتساءل إنسان: كيف تطلب مني أن أحسن إلى من أساء إلي؟ والرد: أنت وهو لستما بمعزل عن القيوم؛ فهو قيوم ولا تأخذه سنة ولا نوم، وكل شيء مرئي له وكلاكما صنعة الله، وعندما يرى الله واحداً من صنعته يعتدي عليك أو يسيء إليك فسبحانه يكون معك ويجيرك، ويقف إلى جانبك لأنك المعتدَى عليه. إذن فالإساءة من الآخر تجعل الحق سبحانه في جانبك، وتكون تلك الإساءة في جوهرها هدية لك. وعندما نفلسف كل المسائل نجد أن الذي عفا قد أخذ مما لو كان قد انتقم وثأر لنفسه؛ لأنه إن انتقم سيفعل ذلك بقدرته المحدودة، وحين يعفو فهو يجعل المسألة لله وقدرته سبحانه غير محدودة، إن أراد أن يرد عليه، وبعطاء غير محدود إن أراد أن يرضى المعتدي عليه. هذا هو الحق سبحانه وتعالى عندما يلجأ إليه المظلوم العافي المحسن. وهو السميع العليم بكل شيء. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المنافقين وفضحهم في الآيات السابقة، ذكر هنا أنه لا يحب إِظهار الفضائح والقبائح، إِلا في حق من زاد ضررُه وعظُم خطرُه، فلا عجب أن يكشف الله عن المنافقين الستر، ثم تحدث عن اليهود وعدَّد بعض جرائمهم الشنيعة مثل طلبهم لرؤية الله، وعبادتهم للعجل وادعائهم صلب المسيح، واتهامهم مريم البتول بالفاحشة إلى غير ما هنالك من قبائح وجرائم شنيعة. اللغَة: {جَهْرَةً} عياناً {بُهْتَاناً} البهتان: الكذب الذي يُتحير فيه من شدته وعظمته {شُبِّهَ} وقع الشَّبه بين عيسى والمقتول الذي صلبوه {وَأَعْتَدْنَا} هيأنا {ٱلرَّاسِخُونَ} المتمكنون من العلم. سَبَبُ النّزول: روي أن كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا يا محمد: إِن كنت نبياً فأتنا بكتاب من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة جملة فأنزل الله {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...} الآية. التفسِير: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} أي لا يحب الله الفُحْش في القول والإِيذاء باللسان إِلا المظلوم فإِنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه وأن يذكره بما فيه من السوء قال ابن عباس: المعنى لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إِلا أن يكون مظلوماً {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} أي سميعاً لدعاء المظلوم عليماً بالظالم {إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} أي إِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه أو عفيتم عمن أساء إِليكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} أي كان مبالغاً في العفو مع كمال قدرته على المؤاخذة، قال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى حثّ تعالى على العفو وأشار إِلى أنه عفوٌّ مع قدرته فكيف لا تعفون مع ضعفكم وعجزكم؟! {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية في اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره، جعل كفرهم ببعض الرسل كفراً بجميع الرسل، وكفرَهُم بالرسل كفراً بالله تعالى {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} التفريقُ بين الله ورسله أن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، وكذلك التفريق بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإِيمان ببعضهم وقد فسره تعالى بقوله بعده {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} أي نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض قال قتادة: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإِنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإِنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وتركوا الإِسلام دين الله الذي بعث به رسله {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي طريقاً وسطاً بين الكفر والإِيمان ولا واسطة بينهما {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} أي هؤلاء الموصوفون بالصفات القبيحة هم الكافرون يقيناً ولو ادعوا الإِيمان {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أي هيأنا لهم عذاباً شديداً مع الإِهانة والخلود في نار جهنم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} أي صدّقوا الله وأقروا بجميع الرسل وهم المؤمنون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يفرقوا بين أحد من رسله بل آمنوا بجميعهم {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} أي سنعطيهم ثوابهم الكامل على الإِيمان بالله ورسله {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي غفوراً لما سلف منهم من المعاصي والآثام متفضلاً عليهم بأنواع الإِنعام {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} نزلت في أحبار اليهود حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إِن كنت نبياً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى جملة، وإِنما طلبوا ذلك على وجه التعنت والعناد، فذكر تعالى سؤالهم ما هو أفظع وأشنع تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي بالرسل فقال {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي سألوا موسى رؤية الله عز وجل عياناً {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} أي جاءتهم من السماء نار فأهلكتهم بسبب ظلمهم {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي ثم اتخذوا العجل إِلهاً وعبدوه من بعد ما جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات من العصا واليد وفلق البحر وغيرها قال أبو السعود: وهذه المسألة - وهي طلب رؤية الله - وإِن صدرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون ويذرون أسندت إِليهم {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} أي عفونا عما ارتكبوه مع عظم جريمتهم وخيانتهم {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة ظاهرة تظهر صدقه وصحة نبوته قال الطبري: وتلك الحجة هي الآيات البينات التي آتاه الله إِياها {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} أي رفعنا الجبل فوقهم لما امتنعوا عن قبول شريعة التوراة بسبب الميثاق ليقبلوه {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} أي ادخلوا باب بيت المقدس مطأطئين رءوسكم خضوعاً لله فخالفوا ما أُمروا به ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة استهزاءً {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} أي لا تعتدوا باصطياد الحيتان يوم السبت فخالفوا واصطادوا {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي عهداً وثيقاً مؤكداً {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبسبب نقضهم الميثاق لعنّاهم وأذللناهم و {مَا} لتأكيد المعنى {وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ} أي وبجحودهم بالقرآن العظيم {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} كزكريا ويحيى عليه السلام {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم قلوبنا مغشّاة بأغشية لا تعي ما تقوله يا محمد، قال تعالى رداً عليهم {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي بل ختم تعالى عليها بسبب الكفر والضلال فلا يؤمن منهم إِلا القليل كعبد الله بن سلام وأصحابه {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} أي وبكفرهم بعيسى عليه السلام أيضاً ورميهم مريم بالزنى وقد فضلها الله على نساء العالمين {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي قتلنا هذا الذي يزعم أنه رسول الله، وهذا إِنما قالوه على سبيل "التهكم والاستهزاء" كقول فرعون {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27] وإِلاّ فهم يزعمون أن عيسى ابن زنى وأمه زانية ولا يعتقدون أنه رسول الله قال تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي وما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من أُلقي عليه شَبَهُه قال البيضاوي: روي أن رجلاً كان ينافق لعيسى فخرج ليدل عليه فألقى الله عليه شبهه فأُخذ وصُلب وهم يظنون أنه عيسى {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي وإِن الذين اختلفوا في شأن عيسى لفي شك من قتله، روي أنه لما رُفع عيسى وأُلقي شبهه على غيره فقتلوه قالوا: إِن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا؟ وإِن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فاختلفوا فقال بعضهم هو عيسى وقال بعضهم ليس هو عيسى بل هو غيره، فأجمعوا أن شخصاً قد قتل واختلفوا من كان {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} أي ما لهم بقتله علم حقيقي ولكنهم يتبعون فيه الظنَّ الذي تخيَّلوه {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} أي وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين ونجّاه الله من شرهم فرفعه إِلى السماء حياً بجسده وروحه كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي عزيزاً في ملكه حكيماً في صنعه {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي ليس أحد من اليهود والنصارى إِلا ليؤمننَّ قبل موته بعيسى وبأنه عبد الله ورسوله حين يعاين ملائكة الموت ولكن لا ينفعه إِيمانه قال ابن عباس: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى قيل له: أرأيت إِن ضرُبت عُنق أحدهم؟ قال: يلجلج بها لسانه وكذا صحّ عن مجاهد وعكرمة وابن سيرين {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} أي بسبب ظلم اليهود وما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرمنا عليهم أنواعاً من الطيبات التي كانت محلّلة لهم {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي وبمنعهم كثيراً من الناس عن الدخول في دين الله قال مجاهد: صدوا أنفسهم وغيرهم عن الحق {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} أي تعاطيهم الربا وقد حرمه الله عليهم في التوراة {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} أي بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي وهيأنا لمن كفر من هؤلاء اليهود العذاب المؤلم الموجع {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} أي لكن المتمكنون في العلم منهم والثابتون فيه كعبد الله بن سلام وجماعته {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي من المهاجرين والأنصار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غير أهل الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي يؤمنون بالكتب والأنبياء {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} أي أمدح المقيمين الصلاة فهو نصبٌ على المدح {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} أي المعطون زكاة أموالهم {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي والمؤمنون بوحدانية الله وبالبعث بعد الموت {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} أي هؤلاء الموصوفون بالأوصاف الجليلة سنعطيهم ثواباً جزيلاً على طاعتهم وهو الخلود في الجنة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعاً من الفصاحة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {تُبْدُواْ.. أَوْ تُخْفُوهُ} وبين {نُؤْمِنُ.. وَنَكْفُرُ}. 2- التعريض والتهكم في {قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} قالوه على سبيل التهكم والاستهزاء لأنهم لا يؤمنون برسالته. 3- زيادة الحرف لمعنى التأكيد {فَبِمَا نَقْضِهِم} أي فبنقضهم. 4- الاستعارة في {ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} استعار الرسوخ للثبوت في العلم والتمكن فيه وكذلك الاستعارة في {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} استعار الغلاف بمعنى الغطاء لعدم الفهم والإِدراك أي لا يتوصل إِليها شيء من الذكر والموعظة. 5- الاعتراض في {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} رداً لمزاعمهم الفاسدة. 6- الإِلتفات في {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} والأصل سيؤتيهم وتنكير الأجر للتفخيم. 7- المجاز المرسل في {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ} حيث أُطلق الكل وأُريد البعض وكذلك في {كُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ} لأنهم كفروا بالقرآن والإِنجيل ولم يكفروا بغيرهما. الفوَائِد: قال في التسهيل: إِن قيل كيف قالوا فيه رسول الله وهم يكفرون به ويسبونه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، والثاني: أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا: رسولُ الله عندكم أو بزعمكم والثالث: أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله وفائدته تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إِنا قتلناه وقوله تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} ردٌّ على اليهود وتكذيبٌ لهم وردٌ على النصارى في قولهم إِنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك، والعجب كل العجب من تناقضهم في قولهم إِنه إِلهٌ أو ابن إِله ثم يقولون إِنه صلب. تنبيه: دلَّ قوله تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} على أن الله تعالى نجّى رسوله عيسى من شر اليهود الخبثاء فلم يُقتل ولم يصلب وإِنما صلبوا شخصاً غيره ظنوه عيسى وهو الذي ألقى الله الشبه عليه فقتلوه وهم يحسبونه عيسى، وهذا هو الاعتقاد الحق الذي يتفق مع العقل والنقل، وأما النصارى فيعتقدون أنه صلب وأن اليهود أهانوه ووضعوا الشوك على رأسه وأنه تضرّع وبكى مع زعمهم أنه هو "الله" أو "ابن الله" وأنه جاء ليخلّص البشرية من أوزارها إِلى غير ما هنالك من التناقض العجيب الغريب ولقد أحسن من قال: شعر : عجباً للمسيح بين النصارى وإِلى أي والدٍ نسبوه! أسلموه إِلى اليهود وقالوا إِنهم بعد ضربه صلبوه فإِذا كان ما يقولون حقاً وصحيحاً فأين كان أبوه؟ حين خلّى ابنه رهين الأعادي أتراهم أرضوه أم أغضبوه؟ فلئن كان راضياً بأذاهم فاحمدوهم لأنهم عذبوه ولئن كان ساخطاً فاتركوه واعبدوهم لأنهم غلبوه
الجيلاني
تفسير : ومن متقضيات التوحيد أيها المتوجهون نحوه ألاَّ تظهروا، وتبثُّوا إلى الله الشكوى في الأمور المتعلقة بالدنيا، ولا تلحوا في المناجاة والدعاء، فإن ناقدكم بصير بحاجاتكم، وعليكم الرضا بما جرى عليكم من القضاء، ونعم القرين الرضا؛ إذ {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ} المتجلي باسم الرحمن على ذرائر الأكوان معتدلاً، مستوياً بلا تفاوت، ولا يمدح عنده {ٱلْجَهْرَ} والإشاعة {بِٱلسُّوۤءِ} أي: لا يحب أن يجهر بالقبيح، المستهجين عقلاً وشرعاً، ويبالي بشأنه، ويستدعي لأجله؛ إذ لا يجري في ملكه إلا العدل والخير، خصوصاً الجهر {مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ} جهر {مَن ظُلِمَ} فإنه سبحانه يحبه، ويبادر إلى إجابته؛ إذ الظالم خارج عن مقتضى عدل الله وصراطه المستقيم {وَكَانَ ٱللَّهُ} المتجلي على العدل القويم {سَمِيعاً} لجهر المظلوم {عَلِيماً} [النساء: 148] بظلم الظالم، وبما استحق له من الجزاء، يجازيه على مقتضى علمه. {إِن تُبْدُواْ} أيها المؤمنون وتظهروا {خَيْراً} على رءوس الأشهاد {أَوْ تُخْفُوهُ} أي: تعطوه خفية عن الناس {أَوْ تَعْفُواْ} تجاوزوا عن الظالم، ولم تنتقموا منه، ولم تتضرعوا إلى الله المنتقم {عَن سُوۤءٍ} فعل الظالم بكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائركم ونياتكم {كَانَ عَفُوّاً} عنكم، ماحياً لذنوبكم مع كونه {قَدِيراً} [النساء: 149] على انتقامه منكم. ثم قال سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} ويشركون له بإثبات الوجود لغيره {وَرُسُلِهِ} أي: يكفرون برسله، ويكذبونهم مع كونهم مبعوثين على الحق من عنده {وَ} مع كفرهم وتكذيبهم {يُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ} المتوحد، المتفرد بذاته، المستقبل في وجوده {وَرُسُلِهِ} المستخلفين من عنده بظهوره عليهم بجميع أسمائه وصفاته {وَيقُولُونَ} من غاية جهلهم بظهور الله، واستيلائه على مظاهرة: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ} من الرسل {وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} آخر، مع أن ظهوره في الكل على السواء بلا تفاوت {وَيُرِيدُونَ} وتوهمون {أَن يَتَّخِذُواْ} ويثبتوا {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي: ارتباط الظاهر بالمظهر والمظهر بالظاهر {سَبِيلاً} [النساء: 150] غير سبيل لاحق المطابق للواقع. {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء، المتوغلون في الكفر {هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} أي: الكافرون المنهمكون فيه، المنتهون إلى مرتبةٍ لا يعبأ بإيمانهم أصلاً {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} المستغرقين فقي الغي والضلال {عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 151] مذلاً، مقسطاً لهم عن الإنسانية بعدما جلبوا عليه صورةً؛ إذ لا إهانة أشد من ذلك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله. ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين. وقوله: { إِلا مَن ظُلِمَ } أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكى منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه، ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى، كما قال تعالى: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } . تفسير : { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } ولما كانت الآية قد اشتملت على الكلام السيئ والحسن والمباح، أخبر تعالى أنه { سميع } فيسمع أقوالكم، فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم على ذلك. وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن. { عَلِيمٌ } بنياتكم ومصدر أقوالكم. ثم قال تعالى: { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ } وهذا يشمل كل خير قوليّ وفعليّ، ظاهر وباطن، من واجب ومستحب. { أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ } أي: عمن ساءكم في أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، فتسمحوا عنه، فإن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا لله عفا الله عنه، ومن أحسن أحسن الله إليه، فلهذا قال: { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } أي: يعفو عن زلات عباده وذنوبهم العظيمة فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته. وفي هذه الآية إرشاد إلى التفقه في معاني أسماء الله وصفاته، وأن الخلق والأمر صادر عنها، وهي مقتضية له، ولهذا يعلل الأحكام بالأسماء الحسنى، كما في هذه الآية. لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء رتب على ذلك، بأن أحالنا على معرفة أسمائه وأن ذلك يغنينا عن ذكر ثوابها الخاص.
همام الصنعاني
تفسير : 654- عبد الرزاق، قال: سمعتُ المُثَنَّى بْن الصبَّاح يُحدّث عن مجاهد، في قوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ}: [الآية: 148]، قال: ضافَ رجُل رجُلاً، فلم يُؤدِّ إليه حَقَّ ضيافته فَلمَّا خَرَجَ أخْبَر الناس فقال: ضِفْت فُلاناً فلم يؤدِّ إليّ حق ضيافتي، فذلك جَهْرٌ بالسّوء، {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} حينَ لم يؤد إليه الآخر حَقَّ ضيافته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):