٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
149
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن معاقد الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق، وخلق مع الخلق، والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر. ثم قال تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } وفيه وجوه: الأول: أنه تعالى يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى وهو قول الحسن. الثاني: أن الله كان عفواً لمن عفا، قديراً على إيصال الثواب إليه. الثالث: قال الكلبي: إن الله تعالى أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ } تظهروا {خَيْرًا } من أعمال البر {أَوْ تُخْفُوه } تعملوه سراً {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ } ظلم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِن تُبْدُواْ خَيْرًا} بدلاً من السوء، أو تخفوا السوء وإن لم تبدوا خيراً {عَفُوًّا} عن السوء، كان أولى، وإن كان ترك العفو جائزاً.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {إن تبدوا خيراً} قال ابن عباس يريد من أعمال البر كالصيام والصدقة والضيافة والصلة. وقيل معناه إن تبدوا خيراً بدلاً من السوء {أو تخفوه} يعني تخفوا الخير فلم تظهروه وقيل معناه إن تبدوا حسنة فتعملوا بها تكتب لكم عشراً وإن هم بها ولم يعملها كتبت له واحدة وقيل إن جميع مقاصد الخيرات على كثرتها محصورة في قسمين: أحدهما صدق النية مع الحق. والثاني التخلق مع الخلق فالذي يتعلق بالخلق ينحصر في قسمين أيضاً وهما إيصال نفع إليهم في السر والعلانية وإليه الإشارة بقوله تعالى: {إن تبدوا خيراً أو تخفوه} أو رفع ضر عنهم وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أو تعفوا عن سوء} فيدخل في هاتين الكلمتين جميع أعمال البر وجميع دفع الضر، وقيل المراد بالخير المال والمعنى إن تبدوا الصدقة فتعطوها الفقراء جهراً أو تخفوها فتعطوها سراً أو تعفوا عن مظلمة {فإن الله كان عفواً قديراً} يعني لم يزل ذا عفو مع قدرته على الانتقام فاعفوا أنتم عمن ظلمكم واقتدوا بسنّة الله عز وجل يعف عنكم يوم القيامة لأنه أهل للتجاوز والعفو عنكم وقيل معناه إن الله كان عفواً لمن عفا قديراً على إيصال الثواب إليه. قوله عز وجل: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} نزلت في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك أن اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد والنصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} يعني ويريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله والإيمان برسله ولا يصح الإيمان مع التكذيب ببعض رسله {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً} يعني بين الإيمان بالبعض دون البعض يتخذون مذهباً يذهبون إليه وديناً يدينون به {أولئك} يعني من هذه صفتهم {هم الكافرون حقاً} يعني يقيناً وإنما قال ذلك توكيداً لكفرهم لئلا يتوهم متوهم أن الإيمان ببعض الرسل يزيل اسم الكفر عنهم وليعلم أن الكفر ببعض الأنبياء كالكفر بكلهم لأن الدليل الذي يدل على نبوة البعض وهو المعجزة لزم منه أنه حيث وجدت المعجزة حصلت النبوة وقد وجدت المعجزة لجميع الأنبياء فلزم الإيمان بجميعهم {وأعتدنا} يعني وهيأنا {للكافرين عذاباً مهيناً} يعني يهانون فيه.
ابن عادل
تفسير : قيل: "تُبْدُواْ خَيْراً" أي: حَسَنَةً فيَعْمَل بها، كُتِبَتْ عَشْرَةٌ، وإن هَمَّ بِهَا ولم يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ له حَسَنةٌ واحدةٌ، وهو قوله: "أَوْ تُخْفُوهْ". وقيل: المُراد مِنَ الخَيْرِ: المَال؛ لقوله: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} والمَعْنَى: إن تُبْدُوا صَدَقَةً تُعطُونَها جَهْراً، أو تُخْفُوها فتُعْطُوها سِرّاً، {أو تَعْفُوا عَن سُوءٍ} أي: عن مَظْلَمةٍ والظاهر أن الضَّمِير المَنْصُوب في "تُخْفُوه" عائِدٌ على "خَيْراً"، والمُراد به: أعْمَالُ البرِّ كُلُّها، وأجَازَ بَعْضُهم أن يعُودَ على "السُّوءِ" أي: أو تُخْفُوا السُّوءَ، وهو بَعِيد. ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}. قال الحسن: يَعْفُو عن الجَانِبَيْن مع قُدرَتِهِ على الانْتِقَامِ، فعَلَيْكُم أن تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ، وقال الكْلَبِي: اللَّهُ أقْدَرُ على عَفْوِ ذُنُوبكُم مِنْكَ على عَفْوِ صَاحِبِك، وقيل: عَفُوًّا لمن عَفَى، قَدِيراً على إيصَالِ الثَّوَابِ إليْه.
ابو السعود
تفسير : {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} أيَّ خيرٍ كان من الأقوال والأفعالِ {أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء} مع ما سُوِّغ لكم من مؤاخذة المسيءِ والتنصيفِ عليه مع اندراجه في إبداء الخيرِ وإخفائه لما أنه الحقيقُ بالبـيان، وإنما ذُكر إبداءُ الخير وإخفاؤه بطريق التسبـيب له كما ينبىء عنه قوله عز وجل: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} فإن إيرادَه في معرِض جوابِ الشرطِ يدل على أن العُمدة هو العفوُ مع القدرة أي كان مبالِغاً في العفو مع كمال قدرتِه على المؤاخذة. وقال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسُنة الله تعالى، وقال الكلبـي: هو أقدر على عفو ذنوبِكم منكم على عفو ذنوبِ مَنْ ظلمكم، وقيل: عفُوّاً عمن عفا قديراً على إيصال الثوابِ إليه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي يؤدِّي إليه مذهبُهم ويقتضيه رأيُهم لا أنهم يصرِّحون بذلك كما ينبىء عنه قولُه تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي بأن يؤمنوا به تعالى ويكفُروا بهم لكن لا بأن يصرِّحوا بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبةً بل بطريق الاستلزامِ كما يحكيه قوله تعالى: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} أي نؤمن ببعض الأنبـياءِ ونكفُر ببعضهم كما قالت اليهودُ بموسى والتوراةِ وعزيرٍ، ونكفر بما وراء ذلك وما ذاك إلا كفرٌ بالله تعالى ورسُلِه وتفريقٌ بـين الله تعالى ورسُله في الإيمان لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبـياءِ عليهم السلام وما من نبـيَ من الأنبـياء إلا وقد أخبر قومَه بحقية دينِ نبـينا صلى الله تعالى عليه وسلم وعليهم أجمعين، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضاً من حيث لا يحتسب {وَيُرِيدُونَ} بقولهم ذلك {أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بـين الإيمان والكفرِ {سَبِيلاً} يسلُكونه مع أنه لا واسطةَ بـينهما قطعاً إذِ الحقُّ لا يتعدد وماذا بعد الحقِّ إلا الضلال. {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بالصفات القبـيحةِ {هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} الكاملون في الكفر لا عبرةَ بما يدّعونه ويسمونه إيماناً أصلاً {حَقّاً} مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملةِ أي حَقَّ ذلك أي كونُهم كاملين في الكفر حقاً، أو صفةٌ لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا كفراً حقاً أي ثابتاً يقيناً لا ريب فيه {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ} أي لهم وإنما وُضع المُظهرُ مكان المُضمرِ ذماً لهم وتذكيراً لوصفهم أو لجميع الكافرين وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أولياً {عَذَاباً مُّهِيناً} سيذوقونه عند حُلولِه.
القشيري
تفسير : { إِن تُبْدُواْ خَيْراً} تخلقاً بآداب الشريعة، وتخفوه تحققاً بأحكام الحقيقة. {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} أخذاً من الله ما ندبكم إليه من محاسن الخُلُق. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً} لعيوبكم {قَدِيراً} على تحصيل محبوبكم وتحقيق مطلوبكم. ويقال إن تبدوا خيراً لتكونوا للناس قدوة فيما تُسِنُّون وما تعينون غيركم على ما يُهَدْون به من سلوك سُنَّتكم، وإن تخفوه اكتفاءً بعلمه، وصيانة لنفوسكم عن آفات التصنَّع، وثقةً بأن من تعملون له يرى ذلك ويعلمه منكم، وإن تعفوا عن سوءٍ أي تتركوا ما تدعوكم إليه نفوسكم فالله يجازيكم بعفوه على ما تفعلون، وهو قادر على أن يبتليكم بما ابتلى به الظالم، فيكون تحذيراً لهم من أن يغفلوا عن شهود المنَّة، وتنبيهاً على أن يستعيذوا أن يُسلَبوا العصمة، وأنْ يُخْذَلُوا حتى يقعوا في الفتنة والمحنة. ويقال إنْ تبدوا خيراً فتحسنوا إلى الناس، أو تخفوه بأن تدعوا لهم في السرِّ، أو تعفوا عن سوءٍ إنْ ظُلِمْتم. ويقال من أحسن إليك فأبْدِ معه خيراً جهراً، ومن كفاك شرَّه فأخلِصْ بالولاء والدعاء له سِرَّاً، ومن أساء إليك فاعفُ عنه كرمًا وفضلاً؛ تجِدْ من الله عفوَه عنك عما ارتكبت، فإن ذنوبَك أكثرُ، وهو قادرٌ على أنْ يُعطيَك من الفضل والإنعام ما لا تصل إليه بالانتصاف من خصمك، وما تجده بالانتقام.
الطوسي
تفسير : [المعنى]: هذا خطاب لجميع المكلفين. يقول الله لهم: {إن تبدوا} بمعنى ان تظهروا {خيراً} اي حسناً جميلا من القول لمن احسن اليكم شكراً على إنعامه عليكم، أو تخفوه أي تتركوا اظهاره، فلا تبدوه، {أو تعفوا عن سوء} معناه أو تصفحوا عمن اساء اليكم عن اساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي أذنت لكم أن تظهروه، وتجهروا به {فإن الله كان عفواً} يعني لم يزل كان صفوحا عن خلقه يصفح لهم عن معاصيه {قديراً} يعني قادراً على الانتقام منهم. وانما أراد بذلك انه مع صفحه قادراً على الانتقام، ليكون اعظم للمدح ليحث بذلك الخلق على العفو عمن أساء اليهم. إذا قدروا على الانتقام منهم، والمكافات لهم. ولا يجهروا له بالسوء من القول مع القدرة عليه، ويتأدبوا في ذلك بأدب الله تعالى. وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {إن الله عفو يحب العفو}.
الجنابذي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} بالنّسبة الى من ظلمكم {أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} ان لم يتيسّر لكم الاوّلان فانّه مقام لا مقام فوقه، والمراد من العفو ههنا اعمّ من الصّفح الّذى هو تطهير القلب عن الحقد على المسيء ولذلك لم يذكره فان تفعلوا ذلك تتخلّقوا بأخلاق الله وتتّصفوا بصفاته فتستحقّوا عفوه واحسانه {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} على الاحسان فاقيم السّبب مقام الجزاء وقدّم الاحسان ههنا واخّره فى آية كظم الغيظ لانّه ابدأه ههنا بصورة الشّرط والفرض فيناسبه التّرتيب من الاعلى الى الادنى بخلافه هناك فانّه ذكر هناك على سبيل تحقّق مراتب الرّجال كما انّ قوله عفوّاً قديراً، كان على سبيل ترتيب الصّفات، فانّ المراد من القدرة القدرة على الاحسان الى المسيء، والاحسان الى المسيء بعد العفو عن اساءته ويجوز ان يراد بها القدرة على الانتقام وحينئذ يكون المعنى انّه عفوّ مع كونه قديراً على الانتقام ليكون ترغيباً فى العفو.
الهواري
تفسير : قوله: {إِن تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} هو كقوله: (أية : إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ) تفسير : [آل عمران:29]. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} قال بعضهم: هم اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وبموسى وكفروا بالإِنجيل وبعيسى، وآمنت النصارى بالإِنجيل وبعيسى وكفروا بالقرآن وبمحمد على جميعهم السلام. قوله: {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} أي دنيا؛ يقوله للذين اتخذوا اليهودية والنصرانية وتركوا الإِسلام. قال الله: {أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} وهي مثل قوله: {أية : قُولُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزَلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ}...تفسير : الآية [البقرة: 136]. قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ} قال بعضهم: كتاباً من السماء، أي خاصة عليهم. {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} أي عياناً {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} وهو قوله: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} تفسير : [البقرة:55]. قوله: {ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بينة. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
اطفيش
تفسير : {إِن تُبْدُوا}: تظهروا. {خَيْراً}: طاعة كالصيام والصدقة والضيافة، وصلة الرحم الزائدات على الحد المفروض، وقيل: ان تبدوا خيرا كلاما حسنا لمن جاهركم بالسوء. {أَوْ تُخْفُوهُ}: تفعلوه سرا، وقيل: ابداء الخير وعلمه، واخفاءه بنيته فيكتب على عمله عشر حسنات وبنيته واحدة، ويقال: خصال الخير قسمان: صدق النية مع الحق، والتخلق مع الخلق، والحق هو الله تعالى، ومعنى التخلق مع الخلق معاملتهم بما يوافقهم مما لا معصية فيه، ومنه ايصال النفع اليهم ودفع الضر والعفو عنهم كما قال الله جل وعلا. {أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ}: عن مظلمة فى مال أو بدن أو عرض، وقد كانت لكم المؤاخذة عليه، والعفو هو المقصود الأعظم بالذات فى الآية، وذكر ابداء الخير واخفائه تمهيدا له ترغيبا فيه وتزيينا، ولكونه المقصود بالذات رتب على ذلك كله ما يقرر العفو وهو قوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ كان عَفُوًّا قَدِيراً}: فاعفوا كما يعفو الله عنكم وأنتم أعصى له تعالى ممن ظلمكم لكم، وهو أقدر عليكم منكم على من ظلمكم، فالعفو مع القدرة من مكارم الأخلاق، والمأمور بها، وفى الآية تفضيل العفو على الانتصار، لأنه بعد ما أباح الجهر بالسوء للمظلوم ندب للعفو، وقيل: كان عفوا لمن عفا، قديرا على اثابته، وقيل: الخير المال أى تبدوا تصدق مال أو تخفوا تصدقه كقوله تعالى: {أية : ان تبدوا الصدقات }تفسير : الآية، وما تقدم من التعميم أولى.
اطفيش
تفسير : {إن تُبْدُوا خيْراً} طاعة لله أو إحسانا إلى الخلق، من فعل أو قول، كائنا ما كان، وقيل، قولا حسنا، شكرا لمن قال فيكم، أو مالا، وإبداؤه إظهاره بالتصدق به، وقابل قوله سميعاً عليماً بهذا وبقوله {أَوْ تُخْفُوهُ} عن الناس، أو تغرموا عليه، وكل من الإبداء والإخفاء تمهيد لقوله {أَوْ تَعْفُوا عن سُوءٍ} صادر إليكم من غيركم، والمقصود بالذات ذكر العفو لمناسبته، لقوله، لا يحب الله الجهر إلى قوله، إلا من ظلم، والجواب محذوف، تقديره يجاركم، أو يثبكم على ذلك، أو فذلكم أولى لكم {فَإِنَّ} لأن {اللهَ كانَ عَفُوَّ} كثير العفو وعظيمه عن العصاة إذا تابوا، وهو صفة مبالغة كصبور وغضوب {قَدِيراً} عظيم القدرة على الانتقام والثواب، وقيل عفو عن من عفا، قدير عَلَى إيصال الخير إليه، والآية حث عَلَى العفو فى القدرة بعد إباحة الانتقام، وتعليم لنا أن نقتدى به إذ عفا، مع أنه قادر، كقوله تعالى: {أية : فلا يسرف فى القتل} تفسير : [الإسراء: 33]، وقوله تعالى: {أية : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} تفسير : [النحل: 126]، والمراد بإبداء الخير غير العفو عن السوء، أو أراد ما يعمه، فذكره تخصيص بعد تعميم لمزيته وفضله، ومن كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين وغيرهم كاليهود والنصارى إذ كفروا ببعض الأنبياء وبعض الكتب وآمنوا ببعض فقد كفر بالله وبكل رسول كما قال: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقَوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ} بأن يؤمنوا بالله ويكفروا ببعض رسله وكتبه، وهم اليهود والنصارى {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} كما كفرت النصارى بالتوراة وموسى، واليهود بعيسى والإنجيل، وكما كفر اليهود والنصارى بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن{وَيُرِيدَّونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} بين الإيمان والكفر ولا واسطة، ومن كفر بنبى أو كتاب فقد كذب بالأنبياء كلهم.
الالوسي
تفسير : {إِن تُبْدُواْ} أي تظهروا {خَيْرًا} أي خير كان من الأقوال والأفعال، وقيل: المراد إن تبدوا جميلاً حسناً من القول فيمن أحسن إليكم شكراً له على إنعامه عليكم، وقيل: المراد بالخير المال والمعنى: إن تظهروا التصدق {أوْ تُخْفُوهُ} أي تفعلوه سراً، وقيل: تعزموا على فعله. {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء} أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع ما سوّغ لكم من مؤاخذته وأذن فيها، والتنصيص على هذا مع اندراجه / في إبداء الخير وإخفائه على أحد الأقوال للاعتداد به، والتنبيه على منزلته وكونه من الخير بمكان، وذكر إبداء الخير وإخفائه توطئة وتمهيداً له كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} فإن إيراد العفو في معرض جواب الشرط يدل على أن العمدة العفو مع القدرة ولو كان إبداء الخير وإخفاؤه أيضاً مقصوداً بالشرط لم يحسن الاقتصار في الجزاء على كون الله تعالى عفوّاً قديراً أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة، وقال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى، وقال الكلبـي: هو أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو ذنوب من ظلمكم، وقيل: عفواً عمن عفا قديراً على إيصال الثواب إليه، نقله النيسابوري وغيره.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 149- إن تُظهروا خيراً أو تُسِروه، أو تصفحوا عمن يسئ إليكم، يثبكم الله لتخلقكم بأخلاقه - تعالى - من العفو مع كمال القدرة، والله - سبحانه - عظيم العفو كامل القدرة. 150- إن الذين لا يؤمنون بالله ورسله، والذين يريدون التفرقة فى الإيمان بالله ورسله ويقولون: نؤمن ببعض الرسل دون بعض، فيؤمنون بمن يحبون، ويكفرون بمن لا يحبون، والواجب الإيمان بالجميع، لأن الإيمان لا يقبل أن يتجزأ. 151- هؤلاء جميعاً هم الممعنون فى الكفر البين، وقد أعد الله لهم ولأمثالهم عذاباً شديداً مذلاً. 152- وأما من آمنوا بالله ورسله، ولم يُكذِّبوا بأحد منهم، فإن الله يثيبهم على كامل إيمانهم الثواب العظيم، والله غفور للتائبين، رحيم بعباده.
د. أسعد حومد
تفسير : (149) - إنْ عَمِلْتُمْ خَيْراً فِي الجَهْرِ أوْ فِي السِّرِّ، أوْ عَفَوْتُمْ عَمَّنْ أسَاءَ إلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُقَرِّبُكُمْ عِنْدَ اللهِ، وَيُجْزِلُ ثَوَابَكُمْ لَدَيْهِ، فَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِكُمْ، لأنَّهُ تَعَالَى يَجْزِي العِبَادَ مِنْ جِنْسِ أعْمَالِهِمْ. وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى الصَّفْحُ عَنْ عِبَادِهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى عِقَابِهِمْ. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : مَا نَقُصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاَ زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد عرفنا أن الحق لا يسمح لك بالجهر بالسوء من القول إلا إذا كنت مظلوماً. وهذا يعني أن المسألة تحتمل الجهر وتحتمل الإخفاء، فقال: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} أي إن تظهر الخير، أو تخفي ذلك، أو تعفو عن السوء. وكل هذه الأمور من ظاهر وخفي من الأغيار البشرية، لكن شيئاً لا يخفى على الله. ولا يمكن أن يكون للعفو مزية إيمانية إلا إذا كان مصحوبا بقدرة، فإن كان عاجزاً لما قال: عفوت. وسبحانه يعفو مع القدرة. فإن أردت أن تعفو فلتتخلق بأخلاق منهج الله، فيكون لك العفو مع القدرة. ولنا أن نعلم أن الحق لا يريد منا أن نستخزي أو نستذل ولكن يريد منا أن نكون قادرين، ومادمنا قادرين فالعفو يكون عن قدرة وهذه هي المزية الإيمانية؛ لأن عفو العاجز لا يعتبر عفواً. والناس تنظر إلى العاجز الذي يقول: إنه عفا - وهو على غير قدرة - تراه أنه استخزى. أما من أراد أن يتخلق بأخلاق منهج الله فليأخذ من عطاءات الله في الكون، ليكون قادراً وعزيزاً بحيث إن ناله سوء، فهو يعفو عن قدرة {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}. وقلنا من قبل: إنك إذا لمحت كلمة "كان" على نسبة لله سبحانه وتعالى كنسبة الغفران له أو الرحمة، فعلينا أن نقول: كان ولا يزال؛ لأن الفعل مع الله ينحل عن الزمان الماضي وعن الحاضر وعن المستقبل؛ فهو سبحانه مادام قد كان، وهو لا تناله الأغيار، فهو يظل إلى الأبد. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} [النساء: 149]؛ يعني: مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وأفادت بالحق، {أَوْ تُخْفُوهُ} [النساء: 149] صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب، وفطامها من المشارب، {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ} [النساء: 149] مما يدعوكم إليه سوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل إظهاره سوء، فإن الله عفو، فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه متصفاً بصفاته، وأيضاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 149] في الأزل، {عَفُوّاً} [النساء: 149] عنك بأن لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفواً عما سواه، وكان هو {قَدِيراً} [النساء: 149] على خذلانكم حتى لا يقدر على أن يعفوا عن مثقال ذرة لكفرانك، {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]. ثم أخبر عن لوم الإحسان وكفرانه، وعن كرم الحق وغفرانه بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 150]، إشارة فيها: إن الذين يكفرون بالله ورسله ومنها {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150]، ومنها {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} [النساء: 150]؛ يعني: بين أنهم يؤمنون ببعض من الكتب والرسل ويكفرون ببعض، فيضعون ذنباً ومذهباً يضلون به الخلق عن الصراط المستقيم والدين القويم، فلما ازدادوا كفر وضلالة حتى آل أمرهم في الكفر إلى أن يصنعوا ذنباً في الضلال؛ ليضلوا الناس به عن طريق الحق، وصار كفرهم حقيقياً فسماهم الله في الكفر حقاً، وقال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء: 151]؛ يعني: الذين أخطأهم النور عند الرشاش على الأرواح، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} [النساء: 151]، في يوم رش النور {عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 151]؛ لحرمانهم عن تلك السعادة إذا كرم المؤمنين بإصابة ذلك النور، وأهين الكافرين بحرمانهم عنهم، وفي الآية دلالة على أن الإيمان لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص؛ لأنه لو كان متجزئاً لكان من يؤمن بالله وببعض الكتب والرسل جزء من الإيمان، فلما لم يكن لهم من الإيمان شيء علمنا إنه لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص فحسب، مثل نور الشمس وضياؤه إذا دخل البيت من كوة فيزيد وينقص بحسب زيادة الكوة ونقصانها، ولكن لا يمكن تجزئتها البتة بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذي الشمس، والآية تدل على أن الإيمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه وإنما يحصل بحصول شرائط نتائجه منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):