٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
150
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم على طريقة المنافقين عاد يتكلم على مذاهب اليهود والنصارى ومناقضاتهم وذكر في آخر هذه السورة من هذا الجنس أنواعاً: النوع الأول: من أباطيلهم: إيمانهم ببعض الأنبياء دون البعض. فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } فإن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة، وهي الإيمان بالبعض دون البعض. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في خبر {إن} قولان: أحدهما: أنه محذوف، كأنه قيل جمعوا المخازي. والثاني: هو قوله {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } والأول أحسن لوجهين: أحدهما: أنه أبلغ لأنه إذا حذف الجواب ذهب الوهم كل مذهب من العيب، وإذا ذكر بقي مقتصراً على المذكور، والثاني: أنه رأس الآية، والأحسن أن لا يكون الخبر منفصلاً عن المبتدأ. المسألة الثانية: أنهم إنما كانوا كافرين حقاً لوجهين: الأول: أن الدليل الذي يدل على نبوّة البعض ليس إلاّ المعجز، وإذا كان دليلاً على النبوّة لزم القطع بأنه حيث حصل حصلت النبوّة فإن جوزنا في بعض المواضع حصول المعجز بدون الصدق تعذر الاستدلال به على الصدق، وحينئذ يلزم الكفر بجميع الأنبياء فثبت أن من لم يقبل نبوّة أحد منهم لزمه الكفر بجميعهم. فإن قيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء، ولكن ليس إذا توجه بعض الالزامات على الإنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر غير، والتزام الكفر غير، والقوم لما لم يلتزموا ذلك فيكف يقضى عليهم بالكفر. قلنا: الإلزام إذا كان خفياً بحيث يحتاج فيه إلى فكر وتأمل كان الأمر فيه كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبقَ بين الالزام والالتزام فرق، والثاني: وهو أن قبول بعض الأنبياء إن كان لأجل الانقياد لطاعة الله تعالى وحكمه وجب قبول الكل، وإن كان لطلب الرياسة كان ذلك في الحقيقة كفراً بكل الأنبياء. المسألة الثالثة: في قوله {حَقّاً } وجهان: الأول: أنه انتصب على مثل قولك: زيد أخوك حقاً، والتقدير أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً، والثاني: أن يكون التقدير: أولئك هم الكافرون كفراً حقاً. طعن الواحدي فيه وقال: الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه. والجواب أن المراد بهذا الحق الكامل، المعنى أولئك هم الكافرون كفراً كاملاً ثابتاً حقاً يقيناً.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} لمّا ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى؛ إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيّن أن الكفر به كفر بالكل؛ لأنه ما من نبيّ إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومعنى {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي بين الإيمان بالله ورسله؛ فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر؛ وإنما كان كفراً لأنّ الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها؛ فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر، وهي: المسألة الثانية ـ لقوله تعالى: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد؛ وقد تقدّم هذا من قولهم في «البقرة». ويقولون لعوامّهم: لم نجد ذكر محمد في كتبنا. {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي يتخذوا بين الإيمان والجحد طريقاً، أي ديناً مبتدعاً بين الإسلام واليهودية، وقال: «ذلِكَ» ولم يقل ذينك؛ لأن ذلك تقع للاثنين ولو كان ذينك لجاز. الثالثة ـ قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله؛ وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عز وجل، وكفروا بكل رسول مبشِّر بذلك الرسول؛ فلذلك صاروا الكافرين حقاً. و {لِلْكَافِرِينَ} يقوم مقام المفعول الثاني لأعتدنا؛ أي أعتدنا لجميع أصنافهم {عَذَاباً مُّهِيناً} أي مُذِلاّ.
ابن كثير
تفسير : يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى؛ حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء، وكفروا ببعض؛ بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك؛ فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود ـ عليهم لعائن الله ـ آمنوا بالأنبياء، إلا عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء، وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم، والسامرة لا يؤمنون بنبيَ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له زرادشت، ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم، والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء؛ فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، أي: في الإيمان، {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} أي: طريقاً ومسلكاً، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً} أي: كفرهم محقق - لا محالة ـ بمن ادعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعياً، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلاً وأقوى برهاناً منه، أو نظروا حق النظر في نبوته. وقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 61] في الدنيا والآخرة. وقوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} يعني بذلك: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 285] الآية، ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل، والعطاء الجميل، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} على ما آمنوا بالله ورسله {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي: لذنوبهم، أي: إن كان لبعضهم ذنوب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } بأن يؤمنوا به دونهم {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ } من الرسل {وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } منهم {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ } الكفر والإيمان {سَبِيلاً } طريقاً يذهبون إليه.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ من ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى؛ لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كالكفر بجميع الرسل، والكتب المنزلة، والكفر بذلك كفر بالله، وينبغي حمل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } على أنه استلزم ذلك كفرهم ببعض الكتب والرسل، لا أنهم كفروا بالله ورسله جميعاً، فإن أهل الكتاب لم يكفروا بالله ولا بجميع رسله، لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك كفر بالله وبجميع الرسل. ومعنى: {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } أنهم كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم، وآمنوا بالله، فكان ذلك تفريقاً بين الله وبين رسله {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } هم اليهود آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ومحمد، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى، وكفروا بمحمد: {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } أي: يتخذوا بين الإيمان والكفر ديناً متوسطاً بينهما، فالإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى قوله نؤمن ونكفر {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أي: الكاملون في الكفر. وقوله: {حَقّاً } مصدر مؤكد لمضمون الجملة، أي: حق ذلك حقاً. أو هو صفه لمصدر الكافرين، أي: كفراً حقاً. قوله: {وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بأن يقولوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ودخول {بين} على {أحد} لكونه عاماً في المفرد مذكراً ومؤنثاً ومثناهما وجمعهما. وقد تقدّم تحقيقه، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الذين آمنوا بالله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية، قال: {أُوْلَـٰئِكَ } أعداء الله اليهود، والنصارى آمنت اليهود بالتوراة، وموسى، وكفروا بالإنجيل، وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن ومحمد، اتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله وتركوا الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به رسله. وأخرج ابن جرير، عن السديّ، وابن جريج نحوه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ...} إلى آخر الآية: نَزَلَت في اليهود والنصارَىٰ، وقد تقدَّم بيانُ هذه المعاني. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ...} الآية: لما ذَكَر سبحانَهُ أنَّ المفرِّقين بَيْنَ الرسُلِ هم الكافرونَ حقًّا، عَقَّبَ ذلك بذكْرِ المؤمنين باللَّه ورسُلِهِ جميعاً، وهم المؤمنون بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ ليصرِّح بوَعْد هؤلاء؛ كما صرَّح بوعيدٍ أولئِكَ، فَبَيَّن الفَرْقَ بين المنزلتَيْن.
ابن عادل
تفسير : لما تكلم على طَرِيقَة المُنَافِقِين، أخَذَ يتكَلَّم على مَذَاهَب اليَهُودِ والنَّصَارى ومناقضاتهم، وذكر في آخِرِ هذه السُّورَةِ من هذا الجِنْسِ أنْوَاعاً: أولها: إيمَانهم ببعْضِ الأنبياءِ دون بعضٍ؛ لأنهم كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فبيَّن أن الكُفْرَ به كُفْرٌ بالكُلِّ؛ لأن ما مِنْ نَبِيٍّ إلا وقد أمَر قَوْمَه بالإيمانِ بمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - وبجميع الأنْبِيَاء. قال المُفَسِّرون: نزلت هذه الآيةٌ في اليَهُودِ، وذلِك أنَّهُم آمَنُوا بمُوسَى، والتَّوْرَاة، وعُزَيْر، وكَفَرُوا بعيسى، والإنْجِيل، وبمُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام -، والقرآن، {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} أي: بين الإيمانِ بالكُلِّ وبَيْن الكُفْرِ بالكُلِّ سَبِيلاً، أي: وَاسِطَة، وهي الإيمانُ بالبَعْضِ دُون البَعْضِ، وأشير بـ "ذلك" وهو للمُفْرَد، والمُرَادُ به: البَيِّنَة، أي: بين الكُفْرِ والإيمانِ، وقد تَقَدَّم نظيرها في البَقَرَة، وفي خَبَرِ "إنَّ" قولان: الأول: أنه مَحْذُوف، تقديره: جمعوا المخازي. والثاني: هو قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} والأوَّل أحْسَن لوجهين: أحدهما: أنه أبْلَغُ؛ لأن الجواب إذا حُذِفَ ذهب الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ، فإذا ذكر بَقِي مُقْتَصِراً على المَذْكُورِ. والثاني: أنه رأسُ آيةٍ، والأحْسَن ألا يكون الخَبَرُ مُنْفَصِلاً عن المُبْتَدأ، و"بَيْنَ" يجوزُ أن يكونَ مَنْصُوباً بـ "يَتَّخِذُوا"، وأن يكُون مَنْصُوباً بمحْذُوفٍ؛ إذ هو حَالٌ من "سَبيلاً". قوله: "حَقّاً" فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر مؤكِّد لمضْمُون الجُمْلَة [قَبْلَه]، فيَجِبُ إضْمَارُ عَامِلِه وتأخيرُه عن الجُمْلَة المؤكِّد لَهَا، والتقدير: أحُقُّ ذلك حَقاً، وهكذا كُلُّ مَصْدَر مؤكِّدٍ لِغَيْره أو لِنَفْسِهِ. قال بعضهم: انْتَصَبَ "حَقّاً" على مِثْلِ قولك: "زَيْدٌ أخُوك حَقّاً"، تقديره: أخْبَرْتُك بهذا المَعْنَى إخْبَاراً حَقّاً. والثاني: أنه حالٌ من قوله: "هُمُ الكَافِرُونَ" قال أبو البقاء: أي: "كَافِرُون غير شَكٍّ" وهذا يشبه أن يكونَ تفسيراً للمصْدر المؤكد، وقد طعن الواحديُّ على هذا التوجيه؛ فقال: "الكُفْرُ لا يكُونُ حَقًّا بوجْهٍ من الوجوه"، والجوابُ: أنَّ الحقَّ هنا ليس يرادُ به ما يقابلُ الباطلَ، بل المرادُ به أنه ثابتٌ لا محالةَ، وأنَّ كفرهم مقطوعٌ به. الثالث: أنه نعتٌ لمصدر محذوف، أي: الكافرون كُفْراً حَقًّا، وهو أيضاً مصدر مؤكِّد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول، أنَّ هذا عاملُه مذكورٌ، وهو اسمُ الفاعل، وذاك عاملُه محذوف. فصل أي: كانوا كَافِرين حَقّاً لوجْهَيْن: الأول: أن الدَّليلَ الذي يدُلُّ على نُبُوَّة البَعْضِ، ألزم مِنْه القطع بأنَّه حَيْث حصلت المُعْجِزَة حصلت النُّبُوَّة، فإن جَوَّزْنَا في بَعْضِ المواضِع حُصُول المُعْجِز بدُون الصِّدْق، تعذَّر الاستدلال بالمُعْجِزِ على الصِّدْق، وحينئذٍ يَلْزَم الكُفْرُ بِجَميعِ الأنْبِيَاءِ، فَثَبت أنَّ من لَمْ يَقْبَل نُبُّوة أحدٍ من الأنْبِيَاء، لَزِمَهُ الكُفْرُ بجَميعِ الأنْبِيَاءِ. فإن قيل: هَبْ أنه يَلْزَم الكُفْرُ بكل الأنْبِيَاءِ، ولكن لَيْسَ إذا توجَّه بَعْضُ الإلْزَامَاتِ على إنسانٍ، لزِمَ أن يكُون ذَلِك الإنْسَان قَائِلاً به، فإلْزَامُ الكُفْرِ غَيْر [والتزام الكفر غير] فالقَوْمُ لمَّا لمْ يَلْتَزِمُوا ذلك، فكَيْفَ يَقْضِي عَلَيْهم بالكُفْرِ. فالجواب: [الإلْزَامُ] إذا كان خَفِيّاً بحَيْث يُحْتَاج فيه إلى فِكْرٍ وتأمُّلٍ، كان الأمْرُ كما ذَكَرْتم، أمَّا إذا كان جَلِيّاً وَاضِحاً، لم يَبْقَ بَيْن الإلْزَامِ والالْتِزَام فَرْقٌ. الوجه الثاني: هو أنّ قَبُولَ البَعْضِ دون الكُلِّ إن كان لِطَلَبِ الرِّيَاسَة، كان ذلك في الحقيقة كُفْراً بكل الأنبياء [عليهم السلام]. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} ["وأعتدنا" أي: هَيَّأنَا] {لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} ولمَّا ذكر الوعيد، أتْبَعَهُ بذِكْرِ الوَعْدِ؛ فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} الآية. قد تقدَّم الكلامُ على دخول "بَيْنَ" على "أحَد" في البقرة فأغنَى عن إعادته، وقرأ الجمهور: "سَوْفَ نُؤتيهم" بنونِ العظمة؛ على الالتفات، ولموافقةِ قوله: "وأعْتَدْنَا"، وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ بالياء، أعاد الضمير على اسْمِ الله تعالى في قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ}. وقول بعضهم: قراءة النون أولى؛ لأنها أفْخَمُ، ولمقابلة "وأعْتَدْنَا" ليس بجيِّد لتواتُرِ القراءتَيْنِ. والمعنى: آمَنُوا باللَّه ورَسُلِهِ كُلِّهِم، ولَمْ يُفَرِّقُوا بين أحد من الرُّسُلِ، يقولون: لا نُفَرِّق بين أحدٍ من رُسُلِه، {أولئك سوف نؤتيهم أجورهم} بإيمانِهِم باللَّهِ وكُتُبِهِ ورسُلِهِ، {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً}: يغفر سَيِّئاتهم، "رحيماً" بهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن ومحمد، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله. وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جرير. نحوه.
القشيري
تفسير : أخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عُدَّ من ذميم فعلهم، ثم بَيَّنَ أنه ضاعف من عذابهم ما كان جزاء جرمهم، لِتَعْلَمَ أنه لأهل الفساد بالمرصاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين يكفرون بالله ورسله} اى يؤدى اليه مذهبهم ويقتضيه رأيهم لا انهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى {ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله} اى بان يؤمنوا به تعالى ويكفروا بهم لكن لا بان يصرحوا بالايمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة بل بطريق الالتزام كما يحكيه قوله تعالى {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} اى نؤمن ببعض الانبياء ونكفر ببعضهم كما قالت اليهود نؤمن بموسى والتوراة وعزير ونكفر بما وراء ذلك وما ذلك الا كفر بالله تعالى ورسله وتفريق بين الله ورسله فى الايمان لانه تعالى قد امرهم بالايمان بجميع الانبياء وما من نبى من الانبياء الا وقد اخبر قومه بحقية دين نبينا صلى الله عليه وسلم فمن كفر بواحد منهم كفر بالكل وبالله تعالى ايضا من حيث لا يحتسب {ويريدون} بقولهم ذلك {ان يتخذوا بين ذلك سبيلا} اى طريقا وسطا بين الايمان والكفر ولا واسطة بينهما قطعا اذا الحق لا يختلف فان الايمان بالله انما يتم بالايمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا واجمالا فالكافر ببعض كالكافر بالكل فى الضلال كما قال {أية : فماذا بعد الحق الا الضلال }تفسير : [يونس: 32].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {حقًا}: مصدر مؤكد للجملة، أو صفة لمصدر الكافرين، أي: كفروا كفرًا محققًا يقينًا. وأصل {أعتدنا}: أعددنا، أبدلت الدال تاء؛ لقرب المخرج. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يُفرقوا بين الله ورسله} بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، {ويقولون نؤمن ببعض} الأنبياء {ونكفر ببعض}، كاليهود، آمنوا بموسى وعُزير والتوراة، وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً}، أي: طريقًا وسطًا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة، إذ الحق لا يختلف، فإن الإيمان بالله إنما يتم برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه، تفصيلاً وإجمالاً، فالكافر بالبعض كالكافر بالكل في الضلال. ولذلك حكم عليهم بصريح الكفر فقال: {أولئك هم الكفرون حقًا} أي: هم الكاملون في الكفر حقيقة، وإنما أكد كفرهم لأنهم تحكموا على الله، واتخذوا إلههم هواهم، حيث جعلوا الاختيار لهم دون الله، وفي ذلك منازعة للقدر، وتعطيل له، وهو كفر وشرك، ثم ذَكَرَ وعيدَهم فقال: {وأعتدنا} أي: هيأنا {للكافرين} منهم {عذابًا مهينًا} أي: يخزيهم ويهينهم، حين يُكرِّم أولياءَه ويرفع أقدارهم. جعلنا الله منهم. آمين. الإشارة: الأولياء على قدم الأنبياء، فمن فرَّق بينهم حُرم بركةَ جميعهم ومن صدَّق بجميعهم وعَظَّمَهم اقتبس من أنوارهم كلهم، والله ـ تعالى ـ غيور على أوليائه، كما كان غيورًا على أنبيائه، فطرد من فرَّق بينهم، فكذلك يطرد من يقع في بعض أوليائه ويعظم البعض، لأن البعض هو الكل. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : [المعنى]: معنى الآية الاخبار من الله تعالى {إن الذين يكفرون} ومعناه يجحدون بالله ورسله من اليهود والنصارى {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} أي يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه وأوحى اليهم ويزعمون انهم كاذبون على الله. وذلك معنى إرادتهم التفريق بين الله ورسله {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} ومعناه أنهم يقولون نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود صدقوا موسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا عيسى ومحمد (صلى الله عليه وسلم) وكما فعلت النصارى صدقت عيسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا محمداً (صلى الله عليه وسلم) {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً} يعني يريد المفرقون بين الله ورسله الزاعمون انهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض أن يتخذوا بين قولهم: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض سبيلا يعني طريقاً إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها يدعون جهال الناس اليه، ثم اخبر عن حالهم فقال: {أولئك هم الكافرون حقاً} أي هؤلاء الذين أخبر عنهم بانهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وتفريقهم بين الله ورسله هم الكافرون حقاً فاستيقنوا ذلك ولا ترتابوا بدعواهم انهم يقرون بما زعموا انهم فيه مقرون من الكتب والرسل، فانهم يكذبون في دعواهم هذه، لأنهم لو كانوا صادقين في ذلك، لصدقوا جميع رسل الله، لانه لا يصح أن يكونوا عارفين بالله ورسوله مع جحودهم، لنبوة بعض الانبياء على ما يذهب اليه في الموافات. وعند من قال بالاحباط لا يمتنع أن يكونوا عارفين بالله، وبعض رسله فاذا كفروا ببعضهم، انحبط ما معهم من الثواب على ايمانهم وهذا لا يصح على مذهبنا في بطلان الاحباط فالصحيح إذا ما قلناه. وقوله: {واعتدنا} معناه أعددنا للكافرين يعني الجاحدين الذين ذكرهم ولغيرهم من اصناف الكفار {عذاباً} في الاخرة {مهيناً} يهينهم ويذلهم مخلدون في ذلك وقال قتادة والسدي ومجاهد نزلت في اليهود والنصارى وانما قال: إن هؤلاء هم الكافرون حقاً، وإن كان غيرهم أيضاً كافراً حقاً على وجه التأكيد لئلا يظن أنهم ليسوا كفاراً لقولهم: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وقيل إنه قال ذلك استعظاماً لكفرهم، كما قال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون حقاً} وقد يكون مؤمناً حقاً من لم يلحق هذه الخصال بلا خلاف.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} بعد ما ذكر ادباً من الآداب جدّد ذكر محبوبه واعداء محبوبه: شعر : از هرجه سيرود سخن دوست خوشتر است تفسير : وورّاه بادائه بطريق العموم كما هو ديدنه تعالى، كما قيل: شعر : خوشتر آن ابشد كه سرّ دلبران كَفته آيد در حديث ديكَران تفسير : فقال تعالى: انّ الّذين يكفرون {بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} بان آمنوا بالله وكفروا بالرّسول {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ} كالله {وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} كالرّسل (ع)، او نؤمن ببعض الرّسل كمحمّد (ص) ونكفر ببعضٍ كاوصيائه (ع) {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ} اى الايمان بمحمّد (ص) والكفر باوصياءه (ع) {سَبِيلاً} ويجوز ان يكون المراد مظاهره كعلىّ (ع) لانّ عليّاً (ع) بعلويّته مرتبته مرتبة المشيّة وهى ظهور الله على العباد ومقام معروفيّته وتجلّيه باسمه العلىّ، غاية الامر انّ عليّاً اسم لتلك المرتبة باعتبار اضافتها الى الخلق، وفى تفسير القمى: هم الّّّذين اقرّوا برسول الله (ص) وانكروا امير المؤمنين (ع).
الأعقم
تفسير : {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض} أي نصدق ببعض {ونكفر ببعض} والآية نزلت في اليهود والنصارى {أولئك هم الكافرون حقاً} أي هم الكاملون في الكفر، حقاً تأكيد {والذين آمنوا بالله ورسله} صدقوا الله بتوحيده وعدله وصفاته الواجبة وجميع أنبيائه {ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم} {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم} الآية في كعب بن الأشرف وفنحاص وجماعة من اليهود قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كنت نبيَّاً صادقاً فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى فنزلت {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} معناه إذا استكثرت ما سألوه منك {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} الآية ولما نزلت هذه الآية غضبت اليهود وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء فنزل قوله: {أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} تفسير : [النساء: 163] {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} هم بنو إسرائيل سألوا موسى إذ يريهم الله جهرة فأنزل الله عليهم الصاعقة، فأهلكتهم وهم الذين خرجوا مع موسى إلى جبل الطور الذي ذكر الله تعالى في قوله: {أية : واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا} تفسير : [الأعراف: 155] فأحياهم الله تعالى بدعاء موسى وقد تقدم كلامهم في سورة البقرة، وكذلك ثم ذكر الله تعالى اتخاذهم العجل من بعد أن أنقذهم من آل فرعون، وما رأوا من الآيات العظام من انفلاق البحر طريقاً ومشيهم في قعره يبساً فلم ينفعهم ذلك، {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم وأطاعوه والسيوف تساقط عليهم يا لك من سلطان {وقلنا لهم ادخلوا الباب} يعني وقلنا لهم والطور مظل عليهم {لا تعدوا في السبت} وقد تقدم الكلام في سورة البقرة وهو يأتي انشاء الله تعالى في سورة الأعراف {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} على ذلك {فبما نقضهم ميثاقهم} وما مزيدة للتوكيد أي منقض هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من أهل الكتاب، ميثاقهم عهودهم قيل: هم الذين كانوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وكفرهم بآيات الله} أي حججه ومعجزاته التي أظهرها على أنبيائه، وقيل: كفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {وقتلهم الأنبياء بغير حق} من غير استحقاق القتل كزكريا ويحيى (عليهما السلام) {وقولهم قلوبنا غلف} قيل: ذات غلف مما تدعونا إليه لأنَّا لا نفهم منه شيء، وقيل: غُلف أوعية للعلم وهي مع ذلك لا تفهم احتجاجك بما تحتج به، وقيل: أوعية للعلم فلا تحتاج إلى علمك {بل طبع الله عليها}، قيل: الطبع علامة جعلها الله تعالى على قلوبهم تدل الملائكة أنهم كفار، وقيل: ذم {بكفرهم} أي بسبب كفرهم {فلا يؤمنون إلا قليلاً}.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُريدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ}: من الرسل كما نؤمن بالله. {وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}: هم اليهود والنصارى، وقيل: اليهود كفروا بالله، اذ قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالوا انه جسم ووصفوه بالحلول، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال بعض النصارى: انه الله، وقال بعض النصارى: انه ثالث ثلاثة، وفرقوا كلهم بين الله ورسله، اذ زعمت اليهود أنهم آمنوا بالله، مع أنهم كفروا بعيسى، وقتلوا جملة الأنبياء، وكفروا بهم وكفروا بالانجيل والقرآن وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك كفر بالله تعالى، وزعمت النصارى أنهم آمنوا بالله سبحانه وتعالى، مع أنهم كفروا بموسى والتوراة وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وذلك كفر بالله عز وجل، وذلك كفر بالله فايمان اليهود والنصارى فى زعمهم بالله، وتكذيب بعض رسله هو التفريق بين الله ورسله. {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ}: بين المذكور من الايمان والكفر. {سَبِيلاً}: طريقا ليس ايمانا محضا ولا كفرا محضا، ولا واسطة فكان ذلك فى حكم الشرع كفرا لأن الكفر ببعض الحق كفر بجميع الحق.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي على ما يؤدي إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم لا أنهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} في الإيمان بأن يؤمنوا به عز وجل ويكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام، لكن لا يصرحون بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة، بل بطريق الالتزام كما يحكيه قوله تعالى: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} أي نؤمن ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكفر ببعضهم كما فعل أهل الكتاب، وما ذلك إلا كفر بالله تعالى وتفريق بين الله تعالى ورسله، لأنه عز وجل قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما من نبـي إلا وقد أخبر قومه بحقية دين نبينا صلى الله عليه وسلم فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضاً من حيث لا يشعر {وَيُرِيدُونَ} بهذا القول {أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي الإيمان والكفر {سَبِيلاً} أي طريقاً يسلكونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعاً، إذ الحق لا يختلف، {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس: 32] ! هذا ما ذهب إليه البعض في تفسير الآية وهو الذي تؤيده الآثار، فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال فيها: أولئك أعداء الله تعالى اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى عليه السلام، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى عليه السلام وكفروا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله عز وجل وتركوا الإسلام وهو دين الله تعالى الذي بعث به رسله، وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جريج مثله، وقال بعضهم: الذين يكفرون بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين خلص كفرهم الصرف بالجميع فنفوا الصانع مثلاً وأنكروا النبوات، والذين يفرقون بينه تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين آمنوا بالله تعالى وكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام لا عكسه، وإن قيل: إنه يتصور في النصارى لإيمانهم بعيسى عليه السلام وكفرهم بالله تعالى حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة، والكفر بالله سبحانه شامل للشرك والإنكار إذ لا يخفى ما فيه، والذي يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء عليهم السلام وكفروا ببعضهم كاليهود، فهذه أقسام متقابلة كان الظاهر عطفها ـ بأو ـ لكن أتى بالواو بدلها فهي بمعناها، وقيل: إن الموصول مقدر بناءاً على جواز حذفه مع بقاء صلته، وقيل: إن قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ} الخ عطف تفسيري على قوله سبحانه: {يَكْفُرُونَ} لأن هذه الإرادة عين الكفر بالله تعالى لأن من كفر برسل الله سبحانه فقد كفر بالله تعالى كالبراهمة، وأما قوله جل وعلا: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ} الخ فعطف على صلة الموصول والواو بمعنى أو التنويعية، فالأولون فرقوا بين الإيمان بالله تعالى ورسوله؛ والآخرون فرقوا بين رسل الله تعالى عليهم السلام فآمنوا ببعض وكفروا ببعض كاليهود، وعلى كل تقدير فخبر {إِنَّ} قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}.
ابن عاشور
تفسير : عادة القرآن عند التعرّض إلى أحوال مَن أظهروا النِّواء للمسلمين أن ينتقل من صفات المنافقين، أو أهل الكتاب، أو المشركين إلى صفات الآخرين، فالمراد من الذين يكفرون بالله ورسله هنا هم اليهود وَالنصارى، قاله أهل التفسير. والأظهر أنّ المراد به اليهود خاصّة لأنّهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين، وكان كثير من المنافقين يهوداً وعبّر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الخير، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم باسم الإشارة بعد ذلك. وجُمع الرسل لأنّ اليهود كفروا بعيسى ومحمد ـــ عليهما السلام ـــ، والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فجمع الرسل باعتبار مجموع الكفّار، أو أراد بالجمع الاثنين، أو أراد بالإضافة معنى الجنس فاستوى فيه صيغة الإفراد والجمع، لأنّ المقصود ذمّ مَن هذه صفتهم بدون تعيين فريق، وطريق العرب في مثل هذا أن يعبّروا بصيغة الجموع وإن كان المعرّض به واحداً كقوله تعالى: {أية : أم يحسدون الناس}تفسير : [النساء: 54] وقوله: {أية : الذين يبْخلون ويأمرون الناس بالبخل}تفسير : [النساء: 37] {أية : يحكم بها النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا}تفسير : [المائدة: 44] وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : مَا بال أقوام يشترطون شروطاً»تفسير : . وجيء بالمضارع هنا للدلالة على أنّ هذا أمر متجدّد فيهم مستمرّ، لأنَّهم لو كفروا في الماضي ثم رجعوا لما كانوا أحرياء بالذمّ. ومعنى كفرهم بالله: أنَّهم لمّا آمنوا به ووصفوه بصفات غير صفاته من التجسيم واتّخاذ الصاحبة والولد والحلول ونحو ذلك، فقد آمنوا بالاسم لا بالمسمّى، وهم في الحقيقة كفروا بالمسمّى، كما إذا كان أحد يظنّ أنَّه يعرف فلاناً فقلت له: صفه لي، فوصفه بغير صفاته، تقول له: «أنت لا تعرفه»؛ على أنّهم لمَّا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفروا بما جاء به من توحيد الله وتنزيهه عن مماثلة الحوادث، فقد كفروا بإلهيته الحقّة، إذ منهم من جسّم ومنهم من ثلّث. ومعنى قوله: {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} أنّهم يحاولون ذلك فأطلقت الإرادة على المحاولة، وفيه إيذان بأنَّه أمر صعب المنال، وأنَّهم لم يبلغوا ما أرادوا من ذلك، لأنّهم لم يزالوا يحاولونه، كما دلّ عليه التعبير بالمضارع في قوله: {ويريدون} ولو بلغوا إليه لقال: وفرّقوا بين الله ورسله. ومعنى التفريق بين الله ورسله أنّهم ينكرون صدق بعض الرسل الذين أرسلهم الله، ويعترفون بصدق بعض الرسل دون بعض، ويزعمون أنَّهم يؤمنون بالله، فقد فرّقوا بين الله ورسله إذ نفوا رسالتهم فأبعدوهم منه، وهذا استعارة تمثيليّة، شبّه الأمر المتخيّل في نفوسهم بما يضمره مريد التفريق بين الأولياء والأحباب، فهي تشبيه هيئة معقولة بهيئة معقولة، والغرض من التشبيه تشويه المشبّه، إذ قد علم الناس أنّ التفرقة بين المتّصلين ذميمة. وهذه الآية في معنى الآيات التي تقدّمت في سورة البقرة: {أية : لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}تفسير : [البقرة: 136]، {أية : لا نفرّق بين أحد من رسله}تفسير : [البقرة: 285]، وفي سورة آل عمران {أية : لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}تفسير : [آل عمران: 84] إلاّ أنّ تلك الآيات في التحذير من التفريق بين الرسل، والآية هذه في التحذير من التفريق بين الله وبعض رسله، ومآل الجميع واحد: لأنّ التفريق بين الرسل يستلزم التفريق بين الله وبعض رسله. وإضافة الجمع إلى الضمير هنا للعهد لا للعموم بالقرينة، وهي قوله: {ويقولون نؤمن ببعض}. وجملة {ويقولون نؤمن ببعض} واقعة في معنى الاستئناف البياني للتفريق بين الله ورسله، ولكنَّها عطفت؛ لأنّها شأن خاصّ من شؤونهم، إذ مدلولها قول من أقوالهم الشنيعة، ومدلول {يريدون} هيئة حاصلة من كفرهم، فلذلك حسن العطف باعتبار المغايرة ولو في الجملة، ولو فصلت لكان صحيحاً. ومعنى {يقولون نؤمن} الخ أنّ اليهود يقولون: نؤمن بالله وبموسى ونكفر بعيسى ومحمد، والنصارى يقولون: نؤمن بالله وبموسى وعيسى ونكفر بمحمد، فآمنوا بالله وبعض رسله ظاهراً وفرّقوا بينه وبين بعض رسله. والإرادة في قوله {ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً} إرادة حقيقية. والسبيل يحتمل أن يراد به سبيل النجاة من المؤخذة في الآخرة توهّماً أنّ تلك حيلة تحقّق لهم السلامة على تقدير سلامة المؤمنين، أو سبيل التنصّل من الكفر ببعض الرسل، أو سبيلاً بين دينَين، وهذان الوجهان الأخيران يناسبان انتقالهم من الكفر الظاهر إلى النفاق، فكأنّهما تهيئة للنفاق. وهذا التفسير جار على ظاهر نظم الكلام، وهو أن يكون حرف العطف مشرِّكاً بين المتعاطفات في حكم المعطوف عليه، وإذ قد كان المعطوف عليه الأول صلة لــ {لذين}، كان ما عطف عليه صِلات لذلك الموصول وكان ذلك الموصول صاحب تلك الصِّلات كلّها. ونُسِب إلى بعض المفسّرين أنّه جعل الواوات فيها بمعنى (أو) وجعل الموصول شاملاً لِفرق من الكفّار تعدّدت أحوال كفرهم على توزيع الصِّلات المتعاطفة، فجعلَ المراد بالذين يكفرون بالله ورسله المشركين، والذين يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله قوماً أثبتوا الخالق وأنكروا النبوءات كلّها، والذين يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض اليهودَ والنصارى. وسكت عن المراد من قوله: {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً}، ولو شاء لجعل أولئك فريقاً آخر: وهم المنافقون المتردّدون الذين لم يثبتوا على إيمان ولا على كفر، بل كانوا بين الحالين، كما قال تعالى: {أية : مذبذبين بين ذلك}تفسير : [النساء: 143]. والذي دعاه إلى هذا التأويل أنَّه لم يجد فريقاً جمع هذه الأحوال كلّها على ظاهرها لأنّ اليهود لم يكفروا بالله ورسله، وقد علمت أنّ تأويل الكفر بالله الكفر بالصفات التي يَستلزم الكفر بها نفي الإلهية. وهذا الأسلوب نادر الاستعمال في فصيح الكلام، إذ لو أريد ذلك لكان الشأن أن يقال: والذين يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله والذين يقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما قال: {أية : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا}تفسير : [الأنفال: 72]. وقوله: {أولئك هم الكافرون حقاً} الجملة خبر إنّ والإشارة إلى أصحاب تلك الصلة الماضية، وموقع الإشارة هنا لقصد التنبيه على أنّ المشار إليهم لاستحضارهم بتلك الأوصاف أحرياء بما سيحكم عليهم من الحكم المعاقِب لاسم الإشارة. وأفاد تعريف جزأي الجملة والإتيانُ بضمير الفصل تأكيدَ قصرِ صفة الكفر عليهم، وهو قصر ادّعائي مجازيّ بتنزيل كفر غيرهم في جانب كفرهم منزلة العدم، كقوله تعالى في المنافقين: {أية : هم العدوّ}تفسير : [المنافقون: 4]. ومثل هذا القصر يدلّ على كمال الموصوف في تلك الصفة المقصورة. ووجه هذه المبالغة: أنّ كفرهم قد اشتمل على أحوال عديدة من الكفر، وعلى سفالة في الخُلُق، أو سفاهة في الرأي بمجموع ما حكي عنهم من تلك الصِلات، فإنّ كلّ خصلة منها إذا انفردت هي كفر، فكيف بها إذا اجتمعت. و{حقّا} مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة التي قبله، أي حُقَّهم حقّا أيّها السامع بالِغين النهاية في الكفر، ونظير هذا قولهم: (جِدّاً). والتوكيد في مثل هذا لمضمون الجملة التي قبله على ما أفادته الجملة، وليس هو لرفع المجاز، فهو تأكيد لما أفادته الجملة من الدلالة على معنى النهاية لأنّ القَصْر مستعمل في ذلك المعنى، ولم يقصد بالتوكيد أن يصير القصر حقيقيّاً لظهور أنّ ذلك لا يستقيم، فقول بعض النحاة، في المصدر المؤكّد لمضمون الجملة: إنَّه يفيد رفع احتمال المجاز، بناء منهم على الغالب في مفاد التأكيد. و{أعتدنا} معناه هيّأنا وقدّرنا، والتاء في {أعتدنا} بدل من الدال عند كثير من علماء اللغة، وقال كثير منهم: التاء أصلية، وأنّه بناء على حدة هو غير بناء عَدّ. وقال بعضهم: إنّ عَتد هو الأصل وأنّ عدّ أدغمّت منه التاء في الدال، وقد ورد البناءان كثيراً في كلامهم وفي القرآن. وجيء بجملة {والذين آمنوا بالله ورسله} إلى آخرها؛ لمقابلة المسيئين بالمحسنين، والنذارةِ بالبشارة على عادة القرآن. والمراد بالذين آمنوا المؤمنون كلّهم وخاصّة من آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام. فهم مقصودون ابتداء لما أشعر به موقع هذه الجملة بعد ذكر ضلالهم ولما اقتضاه تذييل الجملة بقوله: {وكان الله غفوراً رحيماً} أي غفوراً لهم ما سلف من كفرهم، رحيماً بهم. والقول في الإتيان بالموصول وباسم الإشارة في هذه الجملة كالقول في مقابله. وقوله: {بين أحد منهم} تقدّم الكلام على مثله في قوله تعالى: {أية : لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}تفسير : في سورة البقرة (136). وقرأ الجمهور: {نؤتيهم} ـــ بنون العظمة. وقرأه حفص عن عاصم ـــ بياء الغائب ـــ والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ورسله: الرسل جمع رسول وهم جَم غفير قيل عددهم ثلثمائة وأربعة عشر رسولاً سبيلاً: أي طريقاً بين الكفر والإِيمان، وليس ثم إلا طريق واحد وهو الإِيمان أو الكفر فمن آمن بكل الرسل فهو المؤمن، ومن آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو الكافر كمن لم يؤمن بأحد منهم. ولم يفرقوا: كما فرق اليهود فآمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكما فرق النصارى آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم لذلك كفار. أجورهم: أجر إيمانهم برسل الله وعملهم الصالح وهو الجنة دار النعيم. معنى الآيات: يخبر تعالى مقرراً حكمه على اليهود والنصارى بالكفر الحق الذي لا مرية فيه فيقول إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك أي بين الكفر بالبعض والإِيمان بالبعض سبيلاً أي طريقاً يتوصلون به إلى مذهب باطل فاسد وهو التخيّر بين رسل الله فمن شاءوا الإِيمان به آمنوا، ومن لم يشاءوا الإِيمان به كفروا به ولم يؤمنوا وبهذا كفروا كفراً لا ريب فيه، ولهم بذلك العذاب المهين الذي يهانون به ويذلون جزاء كبريائهم وسوء فعالهم قال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} فسجل عليهم الكفر ثلاث مرات فالمرة الأولى بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} والثانية بقوله {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} والثالثة بقوله {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} حيث لم يقل واعتدنا لهم فأظهر في موضع الإِضمار لتسجيل الكفر عليهم وللإِشارة إلى علة الحكم وهي الكفر. هذا ما تضمنته الآية الثانية [151] أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} فإنها مقابلة في ألفاظها ومدلولها للآية قبلها فالأولى تضمنت الحكم بالكفر على اليهود والنصارى، وبالعذاب المهين لهم والثانية تضمنت الحكم بإيمان المسلمين وبالنعيم المقيم لهم وهو ما وعدهم به ربهم بقوله {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. فغفر لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقائدهم وبطلان أعمالهم. 2- كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به. 3- بطلان إيمان من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض. 4- صحة الدين الإِسلامي وبطلان اليهودية والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين، ووعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.
القطان
تفسير : الايمان بالله ورسله ركنان أساسيان في العقيدة الاسلامية، والإيمان بهما واجب بدون تفرقة بين رسول وآخر. وهناك فريق من الناس يؤمن ببعض الرسل دون بعض كقول اليهود: نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد، وقول النصارى: نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد.. والفريقان على خطأ. وهناك فريق ينكرون النبوّات. وكل هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. ثم بعد أن بيّن حال الخارجين عن طريق الايمان ذَكر حال الفريق الذي هو على الصراط المستقيم فقال: والّذين آمنوا بالله ورسوله.. الآية:152.
د. أسعد حومد
تفسير : (150) - يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ بِهِ، وَالكَافِرِينَ بِرُسُلِهِ جَمِيعاً بِالعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّاتِ، وَيَزْعُمُونَ أنَّ مَا أتَى بِهِ الأنْبِياءُ، مِنَ الهُدَى وَالشَّرَائِعِ، هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، لاَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا يَتَوعَّدُ اللهُ، بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ، الكَافِرِينَ بِبَعْضِ رُسُلِهِ أوْ أحَدِهِمْ، كَاليَهُودِ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ وَعِيسَى، وَالنَّصَارَى الذِينَ يَكْفُرُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، وَهُمْ إنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الهَوَى وَالعَادَةِ، وَلأنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَيهِ، وَلاَ دَليلَ لَهُمْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ طَرِيقاً وَسَطاً، وَمَسْلَكاً (سَبِيلاً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه يريد أن يجعل من قضية الإيمان قضية كلية واحدة لا أبعاض فيها، فليس إعلان الإيمان بالله وحده كافياً لأن يكون الإنسان مؤمناً؛ لأن مقتضى أن تؤمن بالله يحتاج إلى رسول يعرفك أن الخالق هو الذي سخر لك قوى الكون واسمه الله. وأنت لا تهتدي إلى معرفة اسم القوة الخالقة لك إلا بوساطة رسول منزل من عند الله. ونعرف أن عمل العقل في الاستنباط العقدي عاجز عن معرفة اسم خالق الكون؛ لأن الإنسان قد طرأ على كون منظم، وكان من الواجب عليه أن يلتفت لفتة ليعلم القوة التي سبقت هذا الوجود وخلقته وأن الإنسان قد طرأ على وجود متكامل. وقد يسمع الإنسان من أبيه - مثلاً - أن هذا البيت بناه الأب أو الجد، وذلك الشيء فعله فلان ابن فلان. لكن لم يسمع أحداً يقول له: "ومن بنى السماء؟" ولم يسمع أحداً يقول: "ومن خلق الشمس؟"، مع أن الناس تدعي ما ليس لها، فكيف يُترك أعظم ما في كون الله بدون أن نعرف من أوجده؟. إننا نجد الناس تؤرخ للشيء التافه أو المهم نسبياً في حياتهم، نجد دراسات عن تاريخ أحجار، ودراسات عن تاريخ صناعة الأشياء؛ تاريخ المصباح الكهربي الذي اخترعه اديسون وقام بتوليد الكهرباء من مصادر ضئيلة ويسيره، باختصار، نجد أن كل شيء في هذا الوجود له تاريخ، وهذا التاريخ يرجع بالشيء إلى أصل وجوده. وأنت إن نسبت أي صنعة مهما كانت مهمة أو تافهة نكتشف أن واحداً تلقاها عن واحد، ولم يبتكرها هو دفعة واحدة. إن كل مبتكر أخذ ما انتهى إليه سابقه وبدأ عملاً جديداً إلى أن وصلت المخترعات بميلادها، ومن يصدق أن مصباحاً يُضيء وينطفئ ويحترق يضنعه إنسان ونعرف له تاريخاً، وبعد ذلك ننظر إلى الشمس التي لم تخفت ولم تضعف ولم تنطفئ ولم تحترق، والمصباح ينير حيزاً قليلا يسيراً، والشمس تنير كوناً ووجوداً، ألا تحتاج الشمس إلى من يفكر في تاريخها؟ لقد سبق لنا أن قلنا: إن الإنسان حينما ينظر إلى الكون نظرة بعيدة عن فكرة الدين وبعيداً عن بلاغ الرسل عن الخالق وكيفية الخلق ومنهج الهداية، فهو يقول لنفسه: تختلف مقادير الناس باختلاف مراكزها وقوتها فيما يفعلون، هناك من يجلس على كرسي من شجر الجميز. وآخر على كرسي مصنوع من شجر الورد، وثالث يجلس على حصيرة. إن الإنسان يعيش بصناعات غيره من البشر حسب قدره ومكانته؛ فالريفي أو البدوي يشعل النار بصك حديدة بحجر الصوان ويحتفظ بالنار لمدة يستخدمها لأكثر من مرة، وعندما يرتقي في استخدام النار يستخدم "مسرجة"، ولمَّا ازداد تحضرا استخدم "مصباح جاز" بزجاج ولها أرقام تدل على قدرتها على الإضاءة. فهناك مصباح رقم خمسة، ورقمها دليل على قوتها الخافتة، وتتضاعف قوة "المصباح" من بعد ذلك حسب المساحة المطلوب إنارتها. ولمّا ارتقى الإنسان أكثر استخدم "الكلوب". ولمّا ارتقى أكثر استخدم الكهرباء أو النيون أو الطاقة الشمسية، فإذا ما أشرقت الشمس فكل إنسان يطفئ الضوء الذي يستخدمه، فنورها يغني عن أي نور. وفي الليل يحاول الإنسان أن تكون حالة الكهرباء في منزله جيدة خشية أن ينقطع سلك ما فيظلم المكان. فما بالنا بالشمس التي لا يحدث لها مثل ذلك. إننا نجد الإنسان على مر التاريخ يحاول أن يرقى إلى فهم طلاقة قدرة الحق، وإن لم يأت رسول، أما أسماء القدرة الخالقة فلا يعرفها أحد بالعقل بل بوساطة الرسل. فاسم "الله" اسم توقيفي. فكيف يتأتى - إذن - مثل قول هؤلاء: سنؤمن بالله ونكفر برسله؟ كيف عرفوا - إذن - أن القوة التي سيؤمنون بها اسمها الله؟ لا بد أنهم قد عرفوا ذلك من خلال رسول؛ لأن الإيمان بالله إنما يأتي بعد بلاغ عن الله لرسول ليقول اسمه لمن يؤمن به. وهل الإيمان بالله كقوة خفية قوية مبهمة وعظيمة يكفي؟ أو أن الإنسان لا بد له أن يفكر فيما تطلبه منه هذه القوة؟ وإذا كانت هذه القوة تطلب من الإنسان أن يسير على منهج معين، فمن الذي يبلغ هذا المنهج؟ لا بد إذن من الرسول يبلغنا اسم القوة الخالقة ومطلوبها من الإنسان للسير على المنهج، ويشرح لنا كيفية طاعة هذه القوة. فلا أحد - إذن - يستطيع أن يفصل الإيمان بالله عن الرسول، وإلا كان إيماناً بقوة مبهمة. ولا يجترئ صاحب هذا اللون من الإيمان أن يقول: إن اسم هذه القوة "الله"؛ لأن هذا الاسم يحتاج إلى بلاغ من رسول. إذن فعندما يسمع أحدنا إنساناً يقول: أنا أؤمن بالله ولكن لا أؤمن بالرسل: علينا أن نقول له: هذا أول الزلل العقلي؛ لأن الإيمان بالله يقتضي الإيمان ببلاغ جاء به رسول؛ لأن الإيمان بالله لا ينفصل عن الإيمان بالرسول. والحق سبحانه وتعالى خلق آدم بعد أن خلق الكون وبقية المخلوقات، ولا نجد من يدعي أن آدم هو أول من عمر هذا الوجود. شعر : وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أوادم تفسير : ومن الممكن أن نقول: إن هناك خلقاً كثيراً قد سبقوا آدم في الوجود، ولكن آدم هو أول الجنس البشري. وعندما خلقه الله علمه الأسماء كلها حتى يستطيع أن يسير في الوجود، فلو لم يكن قد تعلم الأسماء لما استطاع أن يتحدث مع ولد من أولاده، ولما استطاع - على سبيل المثال - أن يقول لابن من أبنائه: انظر أاشرقت الشمس أم لا؟ إذن كان لا بد لآدم من معرفة الأسماء كلها من خلال معلم؛ لأن اللغة بنت المحاكاة؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يتكلم كلمة إلا بعد أن يكون قد سمعها. والواحد منا سمع من أبيه، والآباء سمعوا من الأجداد، وتتوالى المسألة إلى أن تصل إلى آدم، فممن سمع آدم حتى يتكلم أول كلمة؟ لا بد أنه الله، وهذه مسألة يجب أن يعترف بها كل إنسان عاقل. إذن قول الحق في قرآنه: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] هو كلام منطقي بالإحصاء الاستقرائي، وهو قول يتميز بمنتهى الصدق. والإنسان منا عندما يعلم ابنه الكلام يعلمه الأسماء. أما الأفعال فلا أحد يعرف كيف تعلمها. الإنسان يقول لابنه: هذا كوب، وهذه منضدة، وذلك طبق، وهذا طعام، لكن لا أحد يقول لابنه: "شرب" معناها كذا، و"أكل" معناها كذا. إذن فالخميرة الأولى للكلام هي الأسماء، وبعد ذلك تأتي المزاولات والممارسات ليتعلم الإنسان الأفعال. لقد ترك الحق لنا في كونه أدلة عظيمة تناسب عظمته كخالق لهذا الكون. والرسول هو الذي يأتي بالبلاغ عنه سبحانه، فيقول لنا اسم القوة: "الله"، وصفاتها هي "كذا"، ومن يطعها يدخل الجنة، ومن يعصها يدخل النار، ولو لم يوجد رسول نظل تائهين ولا نعرف اسم القوة الخالقة ولا نعرف مطلوبها، وهذا ما يرد به على الجماعة التي تعبد الشمس أو تعبد القمر أو النجوم ونقول لهم: هل أنتم تعبدون الشمس؟ لعلكم فعلتم ذلك لأنها أكبر قوة في نظركم. لكن هناك سؤال هو: "ما العبادة"؟ الإجابة هي: العبادة طاعة عابد لمعبود، فماذا طلبت منكم الشمس أن تفعلوه وماذا نهتكم ومنعتكم الشمس ألا تفعلوه؟ ويعترف عبدة الشمس: لم تطلب الشمس منا شيئا. وعلى ذلك فعبادتهم للشمس لا أساس لها؛ لأنها لم تحدد منهجا لعبادتها، ولا تستطيع أن تعد شيئا لمن عبدها، فإله بلا منهج لا قيمة له. وهكذا نرى أن عبادة أي قوة غير الله هي عبادة تحمل تكذيبها، والإيمان بالله لا ينفصل أبداً عن الإيمان بالقوة المبلغة عن الله إنها الرسل. ويشرح الرسول لنا كيف يتصل بهذه القوة الإلهية، وتشرح القوة الألهية لنا كيفية اتصاله بالرسول البشري بوساطة خلق آخر خلقته هذه القوة المطلقة؛ لأن الرسول من البشر، والبشر لا يستطيع أن يتلقى عن القوة الفاعلة الكبرى. ونحن نفعل مثل هذه الأشياء في صناعتنا. ونعلم أن الإنسان عندما يريد أن ينام لا يرغب في وجود ضوء في أثناء نومه، فيتخذ الليل سكنا ويتمتع بالظلمة، لكن إن استيقظ في الليل فهو يخاف أن يسير في منزله بدون ضوء حتى لا يصطدم بشيء، لذلك يوقد مصباحاً صغيراً في قوة الشمعة الصغيرة ليعطي نفسه الضوء، ونسميها "الوناسة". ولا نستطيع توصيل هذا المصباح الصغير بالكهرباء مباشرة، وإنما نقوم بتركيب محول صغير يأخذ من القوة الكهربية العالية ويعطى للمصباح الصغير، فما بالنا بقوة القوى؟ إن الله جعل خلقاً آخر هم الملائكة ليكونوا واسطة بينه وبين رسله. وهؤلاء الرسل أعدهم سبحانه إعداداً خاصاً لتلقي هذه المهمة. إذن فالذين يريدون أن يؤمنوا بالله ثم يكفروا برسله نقول لهم: لا، هذا إيمان ناقص. ووضع الحق سبحانه وتعالى الإيمان بالرسل كلهم في صيغة جمع حتى لا تفهم كل أمة أن رسولها فقط هو الرسول المنزل من عند الله، بل لا بد أن تؤمن كل أمة بالرسل كلهم؛ لأن كل رسول إنما جاء على ميعاده من متطلبات المجتمع الذي يعاصره، وكلهم جاءوا بعقائد واحدة، فلم يأت رسول بعقيدة مخالفة لعقيدة الرسول الآخر؛ وإن اختلفوا في الوسائل والمسائل التي تترتب عليها الارتقاءات الحياتية. وقد خلق الحق أولاً سيدنا آدم وخلق منه زوجته حواء، اثنين فقط ثم قال سبحانه: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1] كان الاثنان يعيشان معاً وأنجبا عدداً من الأبناء، وتناسل الأبناء فصار مطلوباً لكل أسرة من الأبناء بيتاً، وكل بيت فيه أسرة يحتاج إلى رقعة من الأرض ليستخرج منها أفراد الأسرة خيرات تكفي الطعام. وكل فرد يحتاج على الأقل إلى نصف فدان ليستخرج منه حاجته للطعام. وكلما كثر النسل اتسعت رقعة الوجود بالمواصلات البدائية، فهذا إنسان ضاقت به منطقته فرحل إلى منطقة أخرى فيها مطر أكثر ليستفيد منه أو خير أكثر يستخرجه. وتنتشر الجماعات وتنعزل. وصارت لكل جماعة عادات وتقاليد وأمراض ومعايب غير موجودة في الجماعة الأخرى. ولذلك ينزل الحق سبحانه وتعالى رسولاً إلى كل جماعة ليعالج الداءات في كل بيئة على حدة. وسخر الحق سبحانه وتعالى بعض العقول لاكتشافات الكون، وبعد ذلك يصبح الكون قطعة واحدة، فالحدث يحدث في أمريكا لنراه في اللحظة نفسها في مصر. وزادت الارتقاءات. ولذلك كادت العادات السيئة تكون واحدة في المجتمع الإنساني كله، فتظهر السيئة في أمريكا أو ألمانيا لنجدها في مجتمعنا. إذن فالارتقاءات الطموحية جعلت العالم وحدة واحدة: آفاته واحدة، وعاداته واحدة. وعندما يأتي الرسول الواحد يشملهم كلهم. ولذلك كان لا بد أن يأتي الرسول الخاتم الجامع صلى الله عليه وسلم؛ لأن العالم لم يعد منعزلاً، ليخاطب الجمع كله، وهو خير الرسل، وأمته خير الأمم إن اتبعت تعاليمه. ومن ضرورة إيمان رسول الله والذين معه أن يؤمنوا بمن سبق من الرسل. والذين يحاولون أن يفرقوا بين الرسل هم قوم لا يفقهون،. فاليهود آمنوا بموسى عليه السلام وأرهقوه وكفروا بعيسى. وعندما جاء عيسى عليه السلام آمن به بعض، وعندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمن به بعض وكفر به بعض. ولذلك سمى الحق كفرهم بالنبي الخاتم: (ثم ازدادوا كفراً). أي أنه كفر في القمة، فلن يأتي نبي من بعد ذلك. واكتمل به صلى الله عليه وسلم موكب الرسالات. إذن فالمراد من الآية أن الإيمان فيه إيمان قمة، تؤمن بقوة لكنك لا تعرف اسم هذه القوة ولا مطلوبات هذه القوة ولا ما ا'دته القوة من ثواب للمطيع ولا من عقاب للعاصي. ولذلك كان ولا بد أن يوجد رسول؛ لأن العقل يقود إلى ضرورة الإيمان بالله والرسل. وجاء الرسل في موكب واحد لتصفية العقيدة الإيمانية للإله واحد، فلا يقولن واحد: لقد آمنت بهذا الرسول وكفرت ببقية الرسل. والآية التي نحن بصددها الآن تتعرض لذلك فتقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 150] ونحن نعلم أن "كفر" معناها "ستر". والستر - كما نعلم - يقتضي شيئا تستره، والشيء الذي يتم ستره موجود قبل الستر لا بعد الستر. والذي يكفر بوجود الله هو من يستر وجود الله؛ فكأن وجود الله قد سبق الكفر به. إذن فكلمة الكفر بالله دليل على وجود الله. ونقول للكافر: ماذا سترت بكفرك؟ وستكون إجابته هي: "الله". أي أنه آمن بالله أولاً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} هم الحمقى؛ لأن هذا أمر غير ممكن، وكل رسول إنما جاء ليصل المرسل إليهم بمن أرسله. ولذلك نجد قوله الحق: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [التوبة: 74] إنه حدث واحد من الله ورسوله. لذلك نجد أن الحمقى هم من يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} لهؤلاء نقول: إن الإيمان قضية كلية، فموكب الرسالة من الحق سبحانه وتعالى يتضمن عقائد واحدة ثابتة لا تتغير. والحق يقول: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [النساء: 163] وهذا يؤكد أن قضايا العقائد إنما جاءت من نبع واحد لعقيدة واحدة. فماذا - إذن - يريدون بمسألة الإيمان ببعض الرسل والكفر بالبعض الآخر؟ يريدون السلطة الزمنية. وكان القائمون على أمر الدين قديماً هم الذين يتصرفون في كل أمر، في القضاء وفي الهندسة وفي كل شيء، لذلك وثق فيهم الناس على أساس أنهم المبلغون عن الله الذين ورثوا النبوات وعرفوا العلم عن الله. ونجد العلوم الارتقائية في الحضارات القديمة كحضارة قدماء المصريين كالتحنيط وغيرها تلك التي مازالت إلى الآن لغزاً، إنما قام بأمرها الكهنة، وهم - كما نعلم - المنسوبون إلى الدين. كأن الأصل في كل معلومات الأرض هي من هبة السماء. لماذا إذن أخرج البشر وسنُّوا قوانين من وضعهم؟ لقد فعل البشر ذلك لأن السلطة الزمنية استولى عليها رجال الدين. ما معنى كلمة "سلطة زمنية". كان الناس يلجأون إلى رجل الدين في كل أمورهم، ويفاجأ رجل الدين بأنه المقصود من كل البشر، ويغمره الناس بأفضالهم ويعطونه مثل القرابين التي كانت تعطى للآلهة، فيعيش في وضع مرفَّه هو وأهله ويزداد سمنة من كثرة الطعام والمتعة. وعندما يأتي إليه أحد في مسألة فهو يحاول أن يقول الرأي الذي يؤكد به سلطته الزمنية، فإذا ما جاء رسول ليلغي هذه الامتيازات، يسرع بتكذيبه؛ ليظل - كرجل كهنوت - على قمة السلطة. ولذلك قال فيهم الحق: {أية : ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [التوبة: 9] أي استبدلوا بآيات الله ثمنا قليلا من متاع الدنيا. فأخذوا الشيء الحقير من متاع الدنيا وتركوا آيات الله دون أن يعملوا بها. وعندما نبحث في تاريخ القانون. نجد قانوناً إنجليزياً وآخر فرنسياً أو رومانياً، ونجد أن المصادر الأولى لهذه القوانين هي ما كان يحكم به الكهنة. والذي جعل الناس تنعزل عن الكهنة هو استغلالهم للسلطة الزمنية. والتفت البشر الذين عاصروا هؤلاء الكهنة أن الواحد منهم يقضي في قضية بحكم، ثم يقضي في مثيلاتها بحكم مخالف، ويغير من حكمه لقاء ما يأخذ من أجر، فتشكك فيهم الناس، وعرفوا أنهم يلوون الأحكام حسب أهوائهم؛ لذلك ترك الناس حكم الكهنة، ووضعوا هم القوانين المناسبة لهم. إذن فالسلطة الزمنية هي التي جعلت من أتباع بعض الرسل يتعصبون لرسلهم. فإذا ما جاء رسول آخر، فإن أصحاب السلطة الزمنية يقاومون الإيمان برسالته حتى لا يأخذ منهم السلطة الزمنية. ولذلك يعادونه؛ لأن الأصل في كل رسول أن يبلغ أتباعه والذين آمنوا به، أنه إذا جاء رسول من عند الله فعليكم أن تسارعوا أنتم إلى الإيمان به. {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81] وهكذا أخذ الله الميثاق من النبيين بضرورة البلاغ عن موكب الرسالة حتى النبي الخاتم. {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 150] أي أنهم يحاولون أن يفرقوا بين الله ورسله بأحكامهم التي كانوا يتبعون فيها أهواءهم للإبقاء على السلطة الزمنية، من أجل أن يقيموا أمراً هو بين بين، وليس في الإيمان "بين بين"؛ فإما الإيمان وإما الكفر. والنظرة إلى كل هذه الآية نجدها في معظمها معطوفات، ولم يتم فيها الكلام وهي في كليتها مبتدأ، لا بد لها من خبر، ويأتي الخبر في الآية التالية: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ...}
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} قيل: نزلت في اليهود والنصارى وجعل إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض كفراً بالله ورسوله. وقوله: {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بين الإِيمان والكفر. والجملة من قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ} وما بعدها خبر لأن والأفعال التي قبل ذلك صلات للذين. بدأ أولاً بأشنعها وهو الكفر بالله ورسله إذ هم متظاهرون بذلك، ثم الاعتقاد القلبي وهو إرادة التفريق بين الله ورسله، ثم التلاعب بالذين في كونهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وانتصب حقاً على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره كفراً حقاً. ويجوز في إعراب هم أن يكون مبتدأ والكافرون خبر. ويجور أن يكون هم فصلاً والكافرون خبر عن أولئك ويجوز أن يكون بدلاً من أولئك والبدل من المبتدأ مبتدأ فيكون الكافرون خبراً عن لفظ هم. ويجوز أن ينتصب حقاً على أنه توكيد لمضمون الجملة والعامل محذوف تقديره أحق ذلك حقاً. لما تقدم ذكر الكافرين ذكر مقابليهم وهم المؤمنون وذكر ما أعد لهم كما ذكر ما أعد للكافرين. وختم آية المؤمنين بقوله: غفوراً رحيماً أي غفوراً لمن يقع منه بعض زلل، رحيماً لكونه لا يؤاخذهم. {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} عامّ في اليهود والنصارى. وقيل: خاص باليهود وسؤالهم سؤال تعنت. ولذلك قالوا: ان تنزل، والتنزيل إنما هو لله تعالى وقد نزل عليهم أشرف الكتب وأعظمها وهو القرآن. {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} وقدروا قبل هذا كلاماً محذوفاً. فجعله الزمخشري شرطاً هذا جوابه وتقديره فإِن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. وقدره ابن عطية فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشطيطهم فإِنها عادتهم، فقد سألوا موسى. وأسند السؤال إليهم وإن كان إنما وقع من آبائهم من نقبائهم السبعين لأنهم راضون بفعل آبائهم ومذاهبهم ومشابهون لهم في التعنت. وقرىء أكثر بالثاء مكان الباء. وتقدم تفسير باقي الآية في البقرة. والباء في قوله: فبما نقضهم تتعلق بمحذوف، فقدره الزمخشري فعلنا بهم ما فعلنا، وقدره ابن عطية لعناهم وذللناهم. وجوزوا أن تتعلق بقوله: جعلنا عليهم، على أن قوله: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} تفسير : [النساء: 160]، بدل من قوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} تفسير : [النساء: 155]، وقاله الزجاج وأبو بكر والزمخشري وغيره. وهذا فيه بعد لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم فلا يمكن أن يكون جزءَ سبب أو سبباً إلا بتأويل بعيد. وبيان ذلك أن "قولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم انا قتلنا المسيح" متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم، فالأولى أن يكون التقدير لعناهم. وقد جاء مصرحاً به في قوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} تفسير : [النساء: 155] لعناهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هنا قسمان قد وضحا لكل أحد: مؤمنٌ بالله وبرسله كلِّهم وكتبه، وكافرٌ بذلك كله. وبقي قسم ثالث: وهو الذي يزعم أنه يؤمن ببعض الرسل دون بعض، وأن هذا سبيل ينجيه من عذاب الله، إنْ هذا إلا مجرد أماني. فإن هؤلاء يريدون التفريق بين الله وبين رسله. فإن من تولى الله حقيقة تولى جميع رسله لأن ذلك من تمام توليه، ومن عادى أحدا من رسله فقد عادى الله وعادى جميع رسله، كما قال تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ } تفسير : الآيات. وكذلك مَنْ كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل، بل بالرسول الذي يزعم أنه به مؤمن، ولهذا قال: { أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا } وذلك لئلا يتوهم أن مرتبتهم متوسطة بين الإيمان والكفر. ووجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به- أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله أو ما فوقه للنبي الذي كفروا به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها أو أعظم منها فيمن آمنوا به. فلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها، ولما ذكر أن هؤلاء هم الكافرون حقا ذكر عقابا شاملا لهم ولكل كافر فقال: { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } كما تكبروا عن الإيمان بالله، أهانهم بالعذاب الأليم المخزي. { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } وهذا يتضمن الإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه وبكل ما جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام. { وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ } من رسله، بل آمنوا بهم كلهم، فهذا هو الإيمان الحقيقي، واليقين المبني على البرهان. { أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي: جزاء إيمانهم وما ترتب عليه من عمل صالح، وقول حسن، وخلق جميل، كُلٌّ على حسب حاله. ولعل هذا هو السر في إضافة الأجور إليهم، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } يغفر السيئات ويتقبل الحسنات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):