Verse. 64 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَاَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوٰى۝۰ۭ كُلُوْا مِنْ طَيِّبٰتِ مَا رَزَقْنٰكُمْ۝۰ۭ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلٰكِنْ كَانُوْۗا اَنْفُسَھُمْ يَظْلِمُوْنَ۝۵۷
Wathallalna AAalaykumu alghamama waanzalna AAalaykumu almanna waalssalwa kuloo min tayyibati ma razaqnakum wama thalamoona walakin kanoo anfusahum yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وظلَّلنا عليكم الغمام» سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في التيه «وأنزلنا عليكم» فيه «المن والسلوى» هما الترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر، وقلنا: «كلوا من طيبات ما رزقناكم» ولا تدَّخروا، فكفروا النعمة وادخروا فقطع عنهم «وما ظلمونا» بذلك «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» لأن وباله عليهم.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها. قال المفسرون، {وَظَلَّلْنَا } وجعلنا الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه {كُلُواْ } على إرادة القول: {وَمَا ظَلَمُونَا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة {وَمَا ظَلَمُونَا } عليه.

القرطبي

تفسير : فيه ثماني مسائل. الأولى: قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} أي جعلناه عليكم كالظُّلّة. والغمام جمع غمامة، كسحابة وسحاب؛ قاله الأخفش سعيد. قال الفراء: ويجوز غمائم وهي السحاب؛ لأنها تغمّ السماء أي تسترها؛ وكل مغطّى فهو مغموم؛ ومنه المغموم على عقله. وغُمّ الهلال إذا غطّاه الغَيْم. والغين مثل الغيم؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : إنه ليُغان على قلبي»تفسير : . قال صاحب العين: غِين عليه: غطّى عليه. والغَيْن: شجر ملتّف. وقال السُّدّي: الغمام السحاب الأبيض. وفعل هذا بهم ليقيهم حرّ الشمس نهاراً، وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلاً. وذكر المفسرون أن هذا جرى في التِّيه بين مصر والشام لما ٱمتنعوا من دخول مدينة الجبّارين وقتالهم؛ وقالوا لموسى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ} تفسير : [المائدة: 24]. فعوقبوا في ذلك الفَحْصِ أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة. رُوي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس. وإذ كانوا بأجمعهم في التِّيه قالوا لموسى: مَن لنا بالطعام! فأنزل الله عليهم المنّ والسّلْوَى. قالوا: مَن لنا من حَرّ الشمس! فظلّل عليهم الغمام. قالوا: فبم نستصبح! فضرب لهم عمود نور في وسط محلّتهم. وذكر مكيّ: عمود من نار. قالوا: من لنا بالماء! فأمر موسى بضرب الحجر. قالوا: من لنا باللباس! فأعطوا؛ ألاّ يبلى لهم ثوب ولا يَخْلَق ولا يدرَن؛ وأن تنمو صغارها حسب نموّ الصبيان. والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} اختُلِف في المنّ ما هو وتعيينه على أقوال؛ فقيل: التّرْنجبِين ـ بتشديد الراء وتسكين النون، ذكره النحاس، ويقال: الطّرْنجبِين بالطاء ـ وعلى هذا أكثر المفسرين. وقيل: صمغة حُلوة. وقيل عسل: وقيل شراب حلو. وقيل: خبز الرُّقاق؛ عن وهب بن مُنَبّه. وقيل: «المنّ» مصدر يعم جميع ما منّ الله به على عباده من غير تعب ولا زرع؛ ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل: «حديث : الكمأة من المنّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين»تفسير : . وفي رواية: «حديث : من المنّ الذي أنزل الله على موسى»تفسير : . رواه مسلم. قال علماؤنا: وهذا الحديث يدل على أن الكمأة مما أنزل الله على بني إسرائيل؛ أي مما خلقه الله لهم في التِّيه. قال أبو عبيد: إنما شبهها بالمنّ لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج؛ فهي منه. أي مِن جنس مَنّ بني إسرائيل في أنه كان دون تكلُّف. روي أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج؛ فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ٱدّخر منه شيئاً فسد عليه، إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم؛ لأن يوم السبت يوم عبادة، وما كان ينزل عليهم يوم السبت شيء. الثالثة: لما نصّ عليه السلام على أن: «حديث : ماء الكمأة شفاء للعين»تفسير : قال بعض أهل العلم بالطب: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها. وذهب أبو هريرة رضي الله عنه إلى ٱستعمالها بحتاً في جميع مرض العين. وهذا كما ٱستعمل أبو وَجْزَة العسلَ في جميع الأمراض كلّها حتى في الكحل، على ما يأتي بيانه في سورة «النحل» إن شاء الله تعالى. وقال أهل اللغة: الكمء واحد، وكمآن ٱثنان، وأكمؤ ثلاثة، فإذا زادوا قالوا: كمأة ـ بالتاء ـ على عكس شجرة وشجر. والمنّ ٱسم جنس لا واحد له من لفظه؛ مثل الخير والشر؛ قاله الأخفش. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلسَّلْوَىٰ} اختُلِف في السَّلْوَى، فقيل: هو السُّمَانَى بعينه؛ قاله الضحاك. قال ٱبن عطية: السَّلْوَى طير بإجماع المفسرين؛ وقد غَلِط الهُذَلي فقال:شعر : وقاسمها بالله جَهْداً لأَنْتُمُ ألذّ من السّلوَى إذا ما نَشُورُهَا تفسير : ظنّ السلوى العسل. قلت: ما ٱدّعاه من الإجماع لا يصح؛ وقد قال المؤرّج أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل؛ وٱستدلّ ببيت الهذليّ، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة؛ سُمّيَ به لأنه يسلى به؛ ومنه عين السُّلوان؛ وأنشد:شعر : لو أشرب السُّلوان ما سَلِيتُ ما بي غنىً عنكِ وإن غَنِيتُ تفسير : وقال الجوهري: والسلوى العسل؛ وذكر بيت الهُذَليّ:شعر : ألذّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُهَا تفسير : ولم يذكر غلطا. والسُّلوانة (بالضم): خرزة كانوا يقولون إذا صُبّ عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا؛ قال:شعر : شربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ فلا وجديد العيشِ يا مَيّ ما أسْلُو تفسير : وٱسم ذلك الماء السُّلوان. وقال بعضهم: السلوان دواء يُسقاه الحزين فيسلو؛ والأطباء يسمونه المُفَرِّح. يقال: سَلِيت وسلوتْ؛ لغتان. وهو في سُلوة من العيش، أي في رغد؛ عن أبي زيد. الخامسة: وٱخْتُلِف في السَّلْوَى هل هو جمع أو مفرد؛ فقال الأخفش: جمع لا واحد له من لفظه؛ مثل الخير والشر؛ وهو يشبه أن يكون واحده سَلْوَى مثل جماعته؛ كما قالوا: دِفْلَى للواحد والجماعة، وسُمَانَى وشُكاعَى في الواحد والجميع. وقال الخليل: واحده سَلواة؛ وأنشد:شعر : وإني لتعروني لذكرك هزةٌ كما ٱنتفض السَّلواة من بلل القطر تفسير : وقال الكسائي: السَّلْوَى واحدة، وجمعه سلاوي. السادسة: «السَّلْوَى» عطفٌ على «المنّ»، ولم يظهر فيه الإعراب، لأنه مقصور. ووجب هذا في المقصور كله؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. قال الخليل: والألف حرف هوائي لا مستقرّ له؛ فأشبه الحركة فٱستحالت حركته. وقال الفرّاء: لو حرّكت الألف صارت همزة. السابعة: قوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} «كلوا» فيه حذف، تقديره وقلنا كلوا؛ فحذف اختصاراً لدلالة الظاهر عليه. والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ. الثامنة: قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا} يقدّر قبله فعصوا ولم يقابلوا النّعم بالشكر. {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لمقابلتهم النعم بالمعاصي.

البيضاوي

تفسير : {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } سخر الله لهم السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } الترنجبين والسماني. قيل كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع، وتبعث الجنوب عليهم السماني، وينزل بالليل عمود نار يسيرون في ضوئه، وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلى. {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } على إرادة القول. {وَمَا ظَلَمُونَا } فيه اختصار، وأصله فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفران لأنه لا يتخطاهم ضرره.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم أيضاً بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغم السماء، أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التيه؛ ليقيهم حر الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون، قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام، قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس، وقال الحسن وقتادة: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس، وقال ابن جرير: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم. وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم عن أبي حذيفة، وكذا رواه الثوري وغيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكأنه يريد، والله أعلم، أنه ليس من زي هذا السحاب، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظراً، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ}تفسير : [البقرة: 210] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التيه. وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون منه ما شاؤوا. وقال مجاهد: المن: صمغة، وقال عكرمة: المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرُّب الغليظ، وقال السدي: قالوا: يا موسى كيف لنا بما ههنا أي: الطعام؟، فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الزنجبيل. وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق، حتى كان يوم سادسه يوم جمعته، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته، ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية. وقال الربيع بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه. وقال وهب بن منبه، وسئل عن المن، فقال: خبز رقاق مثل الذرة، أو مثل النقى. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثناإسرائيل عن جابر عن عامر، وهو الشعبي، قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءاً من المن، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه العسل، ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال:شعر : فرأى اللّهُ أنهمْ بِمضيعٍ لا بذي مزرعٍ ولا مَثْمورا فَسَنَّاها عليهم غادياتٍ وترىٰ مُزْنَهُمْ خلايا وخورا عَسَلاً ناطِفاً وماءً فُراتاً وحَليباً ذا بهجةٍ مَزْمورا تفسير : فالناطف هو السائل، والحليب المزمور الصافي منه، والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر، والله أعلم، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أُكل وحده كان طعاماً وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شراباً طيباً، وإن ركب مع غيره صار نوعاً آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده، والدليل على ذلك قول البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبد الملك ابن عمير بن حريث عن سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : وهذا الحديث رواه الامام أحمد عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك، وهو ابن عمير به، وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق عن عبد الملك، وهو ابن عمير به، وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه البخاري ومسلم من رواية الحكم عن الحسن العرني عن عمرو بن حريث به، وقال الترمذي: حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : تفرد بإخراجه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر عنه، وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر - كذا قال - وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق آخر عن أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل حدثنا القاسم بن عيسى حدثنا طلحة بن عبد الرحمن عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا السلمي الواسطي، يكنى بأبي محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها. ثم قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة: أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم» تفسير : وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار به، وعنه عن غندر عن شعبة عن أبي بشر جعفر ابن أياس عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة به، وعن محمد بن بشار عن عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط. وروى النسائي أيضاً وابن ماجه من حديث محمد بن بشار عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد عن مطر الوراق عن شهر: بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه، وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض، فقال: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم»تفسير : وقال النسائي في الوليمة أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : ثم رواه أيضاً وابن ماجه من طرق الأعمش عن أبي بشر عن شهر عنهما به، وقد رويا - أعني النسائي من حديث جرير، وابن ماجه من حديث سعيد بن أبي سلمة - كلاهما عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد، رواه النسائي. وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين»تفسير : ورواه ابن مردويه عن أحمد بن عثمان عن عباس الدوري عن لاحق بن صواب عن عمار بن زريق عن الأعمش كابن ماجه، وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا عباس الدوري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت، فقال: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : وأخرجه النسائي عن عمرو بن منصور عن الحسن بن الربيع به. ثم ابن مردويه رواه أيضاً عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان عن الأعمش به، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن عبيد الله بن موسى. وقد روي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، كما قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا حمدون بن أحمد حدثنا حوثرة بن أشرس حدثنا حماد عن شعيب بن الحبحاب عن أنس: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تداروا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه الكمأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم»تفسير : وهذا الحديث محفوظ، أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئاً من هذا، والله أعلم. وروي عن شهر عن ابن عباس كما رواه النسائي أيضاً في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد عن عبد الله بن عون الخراز عن أبي عبيدة الحداد عن عبد الجليل بن عطية عن شهر عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»تفسير : فقد اختلف كما ترى فيه شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة، وبلغه عن بعضهم، فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم من رواية سعيد بن زيد رضي الله عنه. وأما السلوى، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السلوى طائر يشبه السماني، كانوا يأكلون منه. وقال السدي في خبره، ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: السلوى طائر يشبه السماني، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا قرة بن خالد عن جهضم عن ابن عباس، قال: السلوى هو السماني، وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن وعكرمة والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى، وعن عكرمة: أما السلوى، فطير كطير يكون بالجنة، أكبر من العصفور، أو نحو ذلك، وقال قتادة: السلوى كان من طير أقرب إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد، ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه، وقال وهب بن منبه: السلوى طير سمين مثل الحمامة، كان يأتيهم، فيأخذون منه من سبت إلى سبت، وفي رواية عن وهب قال: سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام لحماً، فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحاً، فأذرت عند مساكنهم السلوى، وهو السماني مثل ميل في ميل، قيد رمح في السماء، فخبؤوا للغد، فنتن اللحم، وخنز الخبز، وقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى عليه السلام: كيف لنا بما هاهنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى، وهو طائر شبه السماني، أكبر منه، فكان يأتي أحدهم، فينظر إلى الطير، فإن كان سميناً ذبحه، وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى، فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يخترق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} وقوله: {أية : وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}تفسير : [البقرة: 60] وروي عن وهب بن منبه وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج: فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسداً، قال ابن عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهداً:شعر : وقاسَمَها باللّهِ جَهْداً لأَنْتُمُ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما أَشُورُها تفسير : قال: فظن أن السلوى عسل، قال القرطبي: دعوى الإجماع لا تصح؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛ لأنه يسلى به، ومنه عين سلوان، وقال الجوهري: السلوى العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضاً، والسلوانة بالضم خرزة كانوا يقولون: إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر:شعر : شَرِبْتُ على سُلْوانَةٍ ماءَ مُزْنَةٍ فَلا وجديدِ العَيْشِ يامَيُّ ما أَسْلُو تفسير : واسم ذلك الماء السلوان، وقال بعضهم: السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو، والأطباء يسمونه: (مفرج)، قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضاً؛ كما يقال: سماني، للمفرد والجمع، وويلي كذلك، وقال الخليل واحده سلواة، وأنشد:شعر : وإني لَتَعْرُوني لِذِكْراكِ هِزَّةٌ كما انْتَفَضَ السَّلْواةُ من بَلَلِ القَطْرِ تفسير : وقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعه سلاوى، نقله كله القرطبي. وقوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم، وأن يعبدوا؛ كما قال:{أية : كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} تفسير : [سبأ: 15] فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن ههنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلاً على النبي صلى الله عليه وسلم لكن لما أجهدهم الجوع، سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مبرك الشاة، فدعا الله فيه، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء، سأل الله تعالى، فجاءتهم سحابة، فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في اتباع الشيء مع قدر الله مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } سترناكم بالسحاب الرقيق من حرّ الشمس في التيه {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ } فيه {ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } هما الترَنْجبِين والطير السُّمَاني بتخفيف الميم والقصر-، وقلنا: {كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ } ولا تدَّخروا، فكفروا النعمة وادَّخروا فقطع عنهم {وَمَا ظَلَمُونَا } بذلك {وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } لأنّ وباله عليهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}: والغمام: هو ما غَمَّ السماء، فغطَّاها من سحاب وقتام، وكلُّ مُغَطٍّ فهُو غمام، ومنه: غُمَّ الهلال، أي غطاه الغَيْمُ. وفي الغمام الذي ظلله الله عليهم تأويلان: أحدهما: أنه السحابة، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه الذي أتى الملائكة في يوم بدر، مثل قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ منَ الْغَمَامِ}، تفسير : [البقرة: 210] وهذا قول مجاهد. قوله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ والسَّلْوَى} فيه سبعة أقاويل: أحدها: أن المنَّ ما سقط على الشجر فيأكله الناس، وهو قول ابن عباس. والثاني: أن المنَّ صمغة، وهو قول مجاهد. والثالث: أن المنَّ شرابٌ، كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجِهِ بالماء، وهو قول الربيع بن أنس. والرابع: أن المنَّ عسل، كان ينزل عليهم، وهو قول ابن زيدٍ. والخامس: أن المن الخبز الرقاق، هو قول وهب. والسادس: أنه الزنجبيل، وهو قول السدي. والسابع: أنه الترنجين. وفي السلوى قولان: أحدهما: أنه السماني. والثاني: أنه طائر يشبه السماني كانت تحشره عليهم الريح الجنوب، وهذا قول ابن عباس، واشتقاقه من السلو، كأنَّه مُسَلِّي عن غيره. قال ابن جريج: كان الرجل منهم إن أخذ من المنِّ والسلوى زيادة على طعام يوم واحدٍ فسد، إلا يومَ الجمعة، فإنهم كانوا إذا أخذوا طعامَ يومَيْنِ لم يفسد. وفي قوله عز وجل: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثلاثة تأويلاتٍ: أحدها: الشَّهيَّات اللذيذة. والثاني: أنه الحلال. والثالث: أنها المباح.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْغَمَامَ} ما غطى السماء من السحاب، غُم الهلال: غطاه السحاب، وكل مُغطى مغموم. وهذا الغمام هو السحاب، أو الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر. {الْمَنَّ} ما سقط على الشجر فأكله الناس أو صمغة، أو شراب كانوا يشربونه ممزوجاً بالماء. أو عسل ينزل عليهم أو الخبز الرقاق، أو الزنجبيل. أو الترنجبين. {وَالسَّلْوَى} السماني أو طائر يشبهه. كانت تحشره عليهم ريح الجنوب. {طَيِّبَاتِ} اللذيذة، أو الحلال.

ابن عادل

تفسير : هذا هو الإنعام السابع المذكور في سورة "الأعراف"، وظاهر هذه الآية يدلّ على أن هذا الإضلال كان بعد البعث، لأنه ـ تعالى ـ قال: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [البقرة:56]، {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} أي: وجعلنا الغَمَام يظلكم، وذلك في التِّيْهِ سخر الله ـ تعالى ـ لهم السحاب يظلّهم من الشمس، ونزل عليهم المَنّ وهو "التَّرنْجِبِين" بالتاء والراء ـ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. وقال "مجاهد": هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طَعْمُهُ كالشّهد. وقال "وهب": خبز الرقاق. وقال "السدي": عَسَل كان يقع على الشجر من الليل. وقال "الزجاج": "المَنّ: ما يمنّ الله ـ عز وجل ـ به مما لا تَعَبَ فيه ولا نصب". روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الكَمَأةُ من المَنّ وماؤها شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ". تفسير : "والسَّلْوَى" قال "ابن عباس" وأكثر المفسرين: هو طَائِرٌ يشبه السّماني. وقال أبو العالية ومقاتل: هو السّماني. وقال "عكرمة": طير "الهِنْدِ" أكبر من العصفور. وقيل: السَّلوى: العسل نقله المؤرّج، وأنشد قول الهذليِّ: [الطويل] شعر : 507ـ وَقَاسَمَها بِاللَّهِ جَهْداً لأَنْتُمُ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا تفسير : وغله "ابن عطية" وادّعى الإجماع على أن السَّلْوَى: طائر، وهذا غير مُرْضٍ، فإن "المؤرج" من أئمة اللغة والتفسير، واستدلّ ببيت الهذلي، وذكر أنه بلغة "كنانة". وقال "الراغب": "السَّلْوَى مصدر، أي: لهم بذلك التَّسلِّي". قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} تقديره: وجعلنا الغمام يُظَلِّلُكُمْ. قال: "أبو البقاء": ولا يكون كقولك: "ظَلَّلْتُ زيداً يُظَلُّ"؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون الغمام مستوراً بظل آخر. وقيل التقدير: بالغمام، وهذا تفسير معنى لا إعراب، لأن حذف الجر لا يَنْقَاس. فصل في اشتقاق الغمام الغمام: السَّحَاب، لأنه يغم وَجْه السماء، أي: يَسْتُرُهَا، وكل مستور مغموم أي مغطى. وقيل: الغمام: السَّحاب الأبيض خاصّة، ومثله: الغَيْمُ والغَيْن ـ بالميم والنون ـ وفي الحديث: "حديث : إنه لَيُغَانُ عَلىَ قَلْبِي ". تفسير : وواحدته "غَمَامَةٌ" فهو اسم جنس. و "المَنّ" تقدم تفسيره، ولا واحد له من لفظه. والمَنّ ـ أيضاً ـ مقدار يوزن به، وهذا يجوز إبدال نونه الأخيرة حرف علّة، فيقال: مَناً مثل: عَصاً، وتثنيته: مَنَوَان، وجمعه: أمْنَاء. والسَّلْوَى تقدمت أيضاً، واحدتها: سَلْوَاةٌ؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 508ـ وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ سَلْوَةٌ كَمَا انْتَفَضَ السَّلْوَاةُ مِنْ بَلَلِ القَطرِ تفسير : فيكون من باب "قَمْح وقَمْحَة". وقيل: سَلْوَى مفرد وجمعها: سَلاَوى كـ "فَتْوَى وَفَتَاوَى" قاله "الكسائي". وقيل: سلوى يستعمل للواحد والجمع كـ: دِفْلَى. و "السُّلْوَانَةُ" ـ بالضم ـ خَرَزَةٌ كانوا يقولون: إذا صُبَّ عليها ماء المَطَرِ فشربه العاشق سَلاَ؛ [قال: [الطويل] شعر : 509ـ شَرِبْتُ عَلَى سُلْوَانَةٍ مَاءً مُزْنَةٍ فَلاَ وَجَدِيدِ العَيْشِ يَا مَيُّ مَا أَسْلُو] تفسير : واسم ذلك الماء "السُّلْون". وقال بعضهم: "السُّلْوَان" دواء يُسْقَاه الحزين فَيَسْلُو، والأطباء يسمونه المُفَرِّح. يقال: سَلَيْتُ وسَلَوْت، لُغَتَان. وهو في سُلْوة من العيش، قاله "أبو زيد". و "السَّلوى" عطف على "المَنّ" لم يظهر فيه الإعراب، لأنه مقصور، وهذا في المقصور كلّه؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. قال الخليل: "والألف حرف هَوَائِيّ لا مُسْتَقَرّ له، فأشبه الحركة، فاستحالت حركته". وقال "الفراء": "لو حركت الألف صارت همزة". فصل في سبب تقديم المن على السلوى فإن قيل: المعهود تقديم الأهم [فالأهم] والمأكول مقدّم على الفاكهة والحلوى؛ لأن به قيام البِنْيَةِ، فالإنسان أول ما يأكل الغذاء، ثم بعد الشِّبع يتحلّى ويأكل الفاكهة وهاهنا قدم المَنّ وهو الحلوى على الغذاء وهو السلوى فما فائدته؟ فالجواب: أن نزول الحَلْوَى من السماء أمر مخالف للعادة، فقدم لاستطعامه بخلاف الطيور المأكولة، فإنها ليست مخالفةً للعادة، فإنها مألوفةُ الأكل. "كلوا" هذا على إضمار القول، أي: وقلنا لهم: كلوا، وإضمار القول كثير، ومنه قوله تعالى: {أية : وَالمَلاۤئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ}تفسير : [الرعد:23] أي: يقولون سلام، {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ}تفسير : [الزمر:3] أي: يقولون: ما نعبدهم إلاّ. {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ}تفسير : [آل عمران:106] أي: فيقال لهم: أكفرتم، وتقدم الكلام في كل تصريفه. قوله: "مِنْ طَيِّبَات" من: لابتداء الغاية، أو للتبعيض. وقال: "أبو البقاء": أو لبيان الجِنْسِ. والمفعول محذوف، أي: كلوا شيئاً من طيبات. وهذا ضعيف؛ لأنه كيف يبين شيء ثم يحذف. قوله: "مَا رَزَقْنَاكُم" يجوز في "ما" أن تكون بمعنى الَّذي، وما بعدها حاصلة لها، والعائد محذوف، أي: رَزَقْنَاكُمُوهُ، وأن تكون نكرة موصوفة. فالجملة لا محلّ لها على الأول، ومحلّها الجر على الثَّاني، والكلام في العَائِد كما تقدّم، وأن تكون مصدريةً، والجملة صلتها، ولم تَحْتَجْ إلى عائدٍ على ما عرف قبل ذلك، ويكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعول، أي: من طيبات مرزوقنا. قوله: "أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ". "أنفسهم" مفعول مقدم، و "يظلمون" في محل نصب خبر "كانوا" وقدّم المفعول إيذاناً باختصاص الظُّلم بهم، وأنه لا يتعدّاهم. والاستدراك في "لكن" واضح، ولا بُدّ من حذف جملة قبل قوله: "وَمَا ظَلَمُونَا"، فقدره ابن عطية: فعصوا، ولم يقابلوا النعم بالشكر. وقال "الزمخشري": تقديره فظلمونا بأن كفروا هذه النعم، وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة "وَمَا ظَلَمُونَا" عليه. فإن قيل: قوله: "وَمَا ظَلَمُونَا" جملة خبرية، فكيف عطفت على قوله: "كلوا"، وهي جملة أمرية؟. فالجواب من وجهين: الأول: أن هذه جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بما قبلها. والثاني: أَنَّهَا معطوفة على الجملة القولية المحذوفة أي: وقيل لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما ظلمونا، فيكون قد عطف جملة خبرية على خَبَرِيّة. و "الظلم": وضع الشيء في غير موضعه. وقوله: "كانوا" وكانت هذه عادتهم كقولك: "كان حاتم كريماً".

البقاعي

تفسير : وقال الحرالي وعطف تعالى على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء المبعوثين لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام وهو من أمر ما بعد البعث والأرزاق بغير كلفة وهو من حال ما بعد البعث وأفهم ذلك أموراً أخر في أحوالهم كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة إلى شبه أحوال أهل الجنة في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم كل ذلك إنعاماً عليهم، ثم لم يزيدوا مع ذلك إلا بعداً عن التبصرة في كل ما أبدي لهم من العجائب - حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: {وظللنا} من الظلة وهو وقاية مما ينزل من سماء الموقي و {عليكم الغمام} من الغم وهو ما يغم النور أي يغطيه - انتهى. أي فعلنا ذلك لترفيه أجسامكم وترويح أرواحكم، وعن مجاهد أن الغمام أبرد من السحاب وأرق وأصفى {وأنزلنا عليكم المن} قال الحرالي: هو ما جاء بغير كلفة، الكمأة من المن - انتهى. {والسلوى} أي لطعامكم على أن المن من الغمام، وحشر السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية التناسب. قال الحرالي: والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره - انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم خصوا به إيذاناً بقساوة قلوبهم. وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم غنيين عنها بما كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما احتاجوا دعا بما عندهم من فضلات الزاد فيدعو، فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم، وأعطى أبا هريرة رضي الله عنه تمرات وأمره أن يجعلها في مزود وقال له: أنفق ولا تنثرها، فأكل منه سنين وأنفق منه أكثر من خمسين وسقاً. وبارك لآخر في قليل شعير وأمره أن لا يكيله، فلم يزل ينفق منه على نفسه وامرأته وضيفه حتى كاله فنفي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم " تفسير : وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا لأم مالك رضي الله عنها في عكة سمن لم تزل تقيم لها أدمها حتى عصرتها. ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره. وقيل لكم {وكلوا} ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله {من طيبات} جمع طيبة. قال الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيّبه من سوى الأكل له أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق وهو الذي لا ينازعه تكره في طعمه، وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث ولا معاملة مع خلق - انتهى. {ما رزقناكم} أي على عظمتنا التي لا تضاهى. ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب. وقال الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه - انتهى. فقال {وما} أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما {ظلمونا} بشيء من ذلك {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} لأن ضرر ذلك مقصور عليهم. قال الحرالي: وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحواً مما رأوا فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصوراً على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى. ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير مألوف لهم مع كونه نعمة دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية. وقال الحرالي: لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام حين دخولهم مع يوشع عليه السلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى. فقال تعالى {وإذ قلنا} أي لكم {ادخلوا هذه القرية} إشارة إلى نعمة النصر. قال الحرالي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حساً بالجسم ومعنى بالنظر والرأي، والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال عليه السلام: "حديث : أُمرت بقرية تأكل القرى"تفسير : باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة والواو مع القاف والراء على عام هذا المعنى - انتهى. وناسب سياق النعم الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء في قوله: {فكلوا منها حيث شئتم} وأتمّ النعمة بقوله {رغداً} موسعاً عليكم طيباً. قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض لما تقدم من نحوه لآدم في السماء، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر آدم عليه السلام، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم - انتهى. وأمرهم بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق بأمر يسير من القول والفعل، وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب مقرب للحضرة الشريفة لأنه في سياق عد النعم على القول المشعر بالذنب فقال {وادخلوا الباب} وهو كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء والأمور المستغلقة حساً أو معنى حال كونكم {سجداً وقولوا} جامعين إلى ندم القلب وخضوع الجوارح الاستغفار باللسان، ولما كان القول تحكى به الجمل فتكون مفعولاً بها ويعمل في المفرد إذا كان مصدراً أو صفة لمصدر كقلت حقاً أو معبراً به عن جملة كقلت شعراً وما كان على غير هذا كان إسناداً لفظياً لا فائدة فيه غير مجرد الامتثال رفع قوله {حطة} أي عظيمة لذنوبنا. قال الكشاف: والأصل النصب أي حط عنا ذنوبنا إلاّ أنه رفع ليعطي معنى الثبات. قال الحرالي: من الحط وهو وضع الحمل الثقيل بمُنّة وجمام قوة يكون في الجسم، والمعنى أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوّقتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب متردداً بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال قولوا: "لا إله إلاّ الله" وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها "فقالوها، فقال: والذي نفسي بيده! إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها" انتهى. وعبر بنون العظمة في قوله {نغفر لكم} إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم كاتخاذ العجل إذا جُبّ بالتوبة، وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية مبنياً للمجهول إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه بأدنى أمر وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة، كل ذلك استعطاف إلى التوبة.. والغفر قال الحرالي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب لا عقوبة ولا ذكر - ثم قال: ففي قراءة {نغفر} تول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل، وفي قراءة: تغفر، إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر، وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو قراءة النون ونزول قراءة التاء، ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، وصنف أحسنوا فيزيدهم الله ما لا يسعه القول و { أية : هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان } تفسير : [الرحمن: 60] انتهى. ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن يعبر عن ذنوبهم بجمع الكثرة فقال {خطاياكم} إشارة إلى أنهم أصروا عليها بحيث كادوا أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنباً، والخطايا جمع خطيئة من الخطأ وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو وَدِّ أن لا يخطىء - هكذا قال الحرالي، والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد كائناً ما كان، لأن ذلك أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان. قال في القاموس: والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد، جمعه خطايا، وقرىء شاذاً: خطيئاتكم، بالجمع السالم الدال على القلة إشارة إلى أنّها وإن تكاثرت فهي في جنب عفوه قليل، وهذا بخلاف الأعراف فإن السياق هناك لبيان إسراعهم في الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وناسب عدّ النعم العطف على ما تقدم منها بقوله: {وسنزيد المحسنين *} أي بعد غفران ذنوبهم. قال الحرالي: جمع محسن من الإحسان وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه، ورؤية العبد ربّه في عبادته، فالإحسان فيما بين العبد وربّه أن يغيب عن نفسه ويرى ربه، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن غيره ويرى نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير ولم ير نفسه في عبادة الرب فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى. ولمّا كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضياً للعاقل المبادرة إلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه النعمة العظيمة ولم يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في الحديث " حديث : يزحفون على أستاههم قائلين: حبة في شعرة " تفسير : أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في الغرائر مطلوبنا لا الحطة وهي غفران الذنوب. قال الحرالي: أمروا بالإخلاص لله نظراً إلى حياة قلوبهم فطلبوا الحنطة نظراً إلى حياة جسومهم فقال تعالى {فبدل} من التبديل وهو تعويض شيء مكان شيء - انتهى. {الذين ظلموا} وأسقط: منهم، لما يأتي في الأعراف {قولاً} أي مكان القول الذي أمروا به. ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير لكنه يصدق بأدنى تغيير ولو أنه في اللفظ وإن اتّحد المعنى بيّن أنه مضاد له بحيث لا يمكن اجتماعهما بقوله: {غير الذي قيل لهم} فإن غيراً كما قال الحرالي كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى، وقال: ذكر تعالى عدولهم عن كل ذلك واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها التقدير وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهاراً لبلادة طباعهم وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلاّ الله وهي الحطة بطلب الحنطة { أية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } تفسير : [المائدة: 66] { أية : ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } تفسير : [الأعراف: 96] "حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" تفسير : انتهى. وبيّن أنه خصّ المبدلين بالعتاب نعمة منه مع أن له أن يعم فقال {فأنزلنا} أي بعظمتنا بسبب ذلك {على الذين ظلموا} أي خاصة {رجزاً} قال الحرالي: هو أشد العذاب، وما جره أيضاً يسمى رجزاً مما يجب أن يزجر عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى. ولما كان الإنزال مفهماً للسماء حققه تعظيماً له بقوله: {من السماء بما} أي بسبب ما {كانوا يفسقون *} أي يجددون الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت. ففي إفهامه أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون يظلمون أشد منه كما يأتي. قال الحرالي: فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في وصيدها: لا إله إلاّ الله، ليحط عنه ماضي ذنوبه، فكأنّ ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله مذكياً دخله فاسقاً { أية : لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } تفسير : [الأنعام: 121] فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وظللنا عليكم الغمام} قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وظللنا عليكم الغمام} قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ولم يكن إلا لهم. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {وظللنا عليكم الغمام} قال: هو السحاب الأبيض الذي لا ماء فيه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز في قوله {وظللنا عليكم الغمام} قال: ظلل عليهم في التيه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وظللنا عليكم الغمام...} الآية. قال: كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس، وأطعمهم المن والسلوى حين برزوا إلى البرية، فكان المن يسقط عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضاً من الثلج، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدى فسد وما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعة أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده، لأنه إذا كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشة ولا لطلب شيء، وهذا كله في البرية. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال {المن} شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرب الغليظ {والسلوى} طير أكبر من العصفور. وأخرج وكيع وعبد حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال {المن} صمغة {والسلوى} طائر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قالوا يا موسى كيف لنا بماء ههنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الترنجبين. واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه. أنه سئل ما المن؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النقي. وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم عن الربيع بن أنس قال {المن} شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المن ينزل عليهم بالليل على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا {والسلوى} طائر شبيه بالسماني كانوا يأكلون منه ما شاؤوا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال {المن} الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس {والسلوى} هو السماني. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن سعيد بن زيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة. مثله. وأخرج النسائي من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وابن عباس. مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة {السلوى} طائر يشبه السماني. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك أنه كان يقول: السماني هي السلوى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت السلوى طيراً إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، فكان الرجل منهم يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه. وأخرج سفيان بن عيينة وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: سألت بنو إسرائيل موسى اللحم فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض. فأرسل عليهم ريحاً فأذرت عند مساكنهم السلوى - وهو السماني - ميلاً في ميل قيد رمح في السماء، فجنوا للغد فنتن اللحم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن السلوى فقال: طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما ظلمونا} قال: نحن أعز من أن نظلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قال: يضرون.

القشيري

تفسير : لمّا طرحهم في متاهات الغُربة لم يرضَ إلاَّ بأن ظلَّلَهُم، وبلبسة الكفايات جَلَّلَهُم، وعن تكلف التكسُّب أغناهم، وبجميل صنعه فيما احتاجوا إليه تولاَّهم؛ فلا شُعُورُهم كانت تَطُول، ولا أظفارهم كانت تنبُت، ولا ثيابهم كانت تتسِخ، ولا شعاعُ الشمس عليهم كان ينبسط. وكذلك سُنَّتُه لمن حال بينه وبين اختياره، يكون ما يختاره سبحانه له خيراً مما يختاره لنفسه.

البقلي

تفسير : {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} ظَلَّلهم بغيم القدرة وانزل منها على قلوبهم وابل المعرفة واطعمه الحكمة وايضاً لمَّا فَرَّقهم في نية الغربة حَلّلهم باودية الكرامة انزل عليهم مائدة الحضر بلا كلفة الاكتساب وكدّ المعاملات وقال الاستاد لما طوّحهم في شابه القرية لم يرضَ الا بان ظلّلهم وبلبسه الكفايات جَلّلْهم وعن تكلف التكسب اغْنَاهم وبجميل صنعه فيما احتاجوا اليه تولاّهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وظللنا عليكم الغمام} هذا هو الانعام السابع اى جعلنا الغمام ظلة عليكم يا بنى اسرائيل وهذا جرى فى التيه بين مصر والشام فانهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر وقعوا فى صحراء لا ابنية فيها امرهم الله تعالى بدخول مدينة الجبارين وقتالهم فقبلوا فلما قربوا منها سمعوا بان اهلها جبارون اشداء قامة احدهم سبعمائة ذراع ونحوها فامتنعوا وقالوا لموسى اذهب انت وربك فقاتلان انا ههنا قاعدون فعاقبهم الله بان يتيهوا فى الارض اربعين سنة وكانت المفازة يعنى التيه اثنى عشر فرسخا فاصابهم حر شديد وجوع مفرط فشكوا الى موسى فرحمهم الله فانزل عليهم عمودا من نور يدلى لهم من السماء فيسير معهم بالليل يضيىء لهم مكان القمر اذا لم يكن قمر وارسل غماما ابيض رقيقا اطيب من غمام المطر يظللهم من حر الشمس فى النهار وسمى السحاب غماما لانه يغم السماء اى يسترها والغم حزن يستر القلب ثم سألوا موسى الطعام فدعا ربه فاستجاب له وهو قوله تعالى {وانزلنا عليكم المن} اى الترنجبين بفتح الراء وتسكين النون كان ابيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن او المن جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" تفسير : اى مما من الله على عباده والظاهر ان مجرد مائه شفاء لانه عليه السلام اطلق ولم يذكر الخلط ولما روى عن ابى هريرة انه قال عصرت ثلاثة اكمؤ وجعلت ماءها فى قارورة فكحلت منه جارية لى فبرئت باذن الله تعالى. وقال النووى رأينا فى زماننا اعمى كحل عينه بمائها مجردا فشفى وعاده اليه بصره ثم لما ملوا من اكله قالوا يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك ان يطعمنا اللحم فانزل الله عليهم السلوى وذلك قوله {والسلوى} هو السمانى كانت تحشره عليهم الريح الجنوب وكانت الريح تقطع حلوقها وتشق بطونها وتمعط شعورها وكانت الشمس تنضجها فكانوا يأكلونها مع المن واكثر المفسرين على انهم يأخذونها فيذبحونها فكان ينزل عليهم المن نزول الثلج من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وتأتيهم السلوى فيأخذ كل انسان منهم كفايته الى الغد الا يوم الجمعة يأخذ ليومين لانه لم يكن ينزل يوم السبت لانه كان يوم عبادة فان اخذ اكثر من ذلك دود وفسد {كلوا} اى قلنا لهم كلوا {من طيبات} حلالات {ما رزقناكم} من المن والسلوى ولا ترفعوا منه شيأ ادخارا ولا تعصوا امرى فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة ان ينفد ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك والطيب ما لا تعافه طبعا ولا تكرهه شرعا {وما ظلمونا} اى فظلموا بان كفروا تلك النعمة الجليلة وادخروا بعدما نهوا عنه وما ظلمونا اى ما بخسوا بحقنا {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذى كان ينزل عليهم بلا مؤونة فى الدنيا ولا حساب فى العقبى فرفعنا ذلك عنهم لعدم توكلهم علينا: قال فى المثنوى شعر : سالها خوردى وكم نامد زخور ترك مستقبل كن وماضى نكر تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لولا بنوا اسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا خيانة حواء لم تخن انثى زوجها الدهر" تفسير : واستمر النتن من ذلك الوقت لان البادئ للشىء كالحامل للغير على الاتيان به وكذلك استمرت الخيانة من النساء لان ام النساء خانت بان أغواها ابليس قبل آدم حتى اكلت من الشجرة ثم أتت آدم فزينت له ذلك حتى حملته على ان اكل منها فاستمرت تلك الخيانة من بناتها لازواجها * قال السعدى شعر : كراخانة آباد وهمخوا به دوست خدارا برحمت نظر سوى اوست تفسير : قال فى الاشباه والنظائر الطعام اذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن اذا انتن لا يحرم اكله انتهى. والاشارة فى الآية انه تعالى لما ادبهم بسوط الغربة ادركهم بالرحمة فى وسط الكربة فاكرمهم بالانعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى فلا شعورهم كانت تطول ولا اظفارهم كانت تنبت ولا ثيابهم كانت تخلق او تنسخ وتدرن بل كانت تنمو صغارها حسب نمو الصغار والصبيان ولا شعاع الشمس كان ينبسط وكذلك سنته بمن حال بينه وبين اختياره يكون ما اختاره خيرا له مما يختاره العبد لنفسه فما ازدادوا بشؤم الطبيعة الا الوقوع فى البلوى كما قيل كلوا من طيبات ما رزقناكم بامر الشرع وما ظلمونا اذ تصرفوا فيها بالطبع ولكن كانوا انفسهم يظلمون بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى. قال فى التنوير وما ادخلك الله فيه تولى اعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك اليه فلا تكفر نعمة الله عليك فيما تولاك به من ذلك كان بعضهم يسير فى البادية وقد اصابه العطش فانتهى الى بئر فارتفع الماء الى رأس البئر فرفع رأسه الى السماء وقال اعلم انك قادر ولكن لا اطيق هذا فلو قيضت لى بعض الاعراب يصفعنى صفعات ويسقينى شربة ماء كان خيرا لى ثم انى أعلم ان ذلك الرفق من جهته فقد عرفت ان مكر الله خفى فلا تغرنك النعم الظاهرة والباطنة وليكن عزمك على الشكر والاقامة فى حد اقامك الله فيه والا فتضل وتشقى. وقد قال الشيخ ابو عبد الله القرشى من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصى فهى حجاب فى حقه وسترها عنه رحمة فالنعمة كما انها سبب للسعادة كذلك هى سبب للشقاوة استدراجا: قال فى المثنوى شعر : بنده مى نالد بحق ازدرد ونيش صد شكايت ميكند ازرنج خويش حق همى كويدكه آخررنج ودرد مرترا لابه كنان وراست كرد اين كله زان نعمتى كن كت زند ازدرما دور ومطرودت كند تفسير : فلا بد للمؤمن السالك من الفناء عن الذات والصفات والافعال والدور مع الامر الالهى فى كل حال حتى يكون من الصديقين واهل اليقين اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك واجعلنا من الذين معك فى تقلباتهم وكل معاملاتهم آمين آمين آمين بجاه النبى الامين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الغّمّامّ}: السحاب الرقيق، و {المَنِّ} هنا: العسل، و {السَّلْوى} قيل: اللحم، والأصح: أنه اسم طائر كالسماني. يقول الحقَ جلّ جلاله: في تذكير بني إسرائيل ما أنعم به عليهم في حال التيه: {و} قد {ظَلَّلْنا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ} يقيكم من الحر في أيام التيه، {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} وهو عسل كان ينزل على الشجر من الفجر إلى الطلوع، فيغرفون منه ما شاءوا، {و} أنزلنا عليكم {السلوى}، وهو طير كانت تحشره الجنوب، فينزل عليهم، فياخذون منه ما شاءوا، ولا يمتنع منهم، فيذبحون ويأكلون لحماً طريّاً، فقلنا لهم: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا} بمخالفتهم أمْرَ نبيهم وسوء أدبهم معه، حيث قالوا:{أية : فَاذْهَبْ أَنَتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}تفسير : [المَائدة: 24]، فعاقبهم بالتيه أربعين سنة، يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة. {وَلَكِن} ظلموا أنفسهم؛ حيث أوقعوها في البلاء والمحنة. رُوِيَ أنهم لما أُمروا بجهاد الجبارين، جبنوا وقالوا تلك المقالة، فدعا عليهم سيدنا موسى عليه السلم فوقعوا في التيه بين مصر والشام، فكانوا يمشون النهار فيبيتون حيث أصبحوا، ويمشون الليل فيصبحون حيث أمسوا، فقالوا لموسى عليه السلام: من لنا بالطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى، قالوا: كيف بحر الشمس؟ فظلل عليهم الغمام، قالوا: بم نستصبح بالليل؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم، قالوا: من لنا بالماء؟ فأمر موسى عليه السلام بضرب الحجر، فقالوا: من لنا باللباس؟ فأعطوا ألا يَبْلى لهم ثوب، ولا يَخْلَق، ولا يَدْرن، وأن ينمو بنمو صاحبه، وقيل: كساهم مثل الظفر،{أية : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [البَقَرَة: 284]. الإشارة: لما انفصلت الأرواح من عالم الجبروت، كانت على الطهارة الأصلية، والنزاهة الأزلية، عالمة بأسرار الربوبية وعظمة الألوهية، لكن لم يكن لها إلا جنة الحرية، دون جنة العبودية، فلما أراد الحق تعالى أن يمتعها بجنتين عن يمين وشمال، أمرها بالنزول إلى أرض العبودية، في ظلل من غمام البشرية، فمنَّ عليها بحلاوة المشاهدات وسلوان المناجات، وقال لها: {كلوا منطيبات ما رزقناكم} من طرائف العلوم، وفواكه الفهوم، هذا لمن اعتنى بروحه فاستكمل فضيلتها، وخالف هواها، فنفذت من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، فلم تنحجب بسحب الآثار إلى نفوذ شهود الأنوار، بل غابت عن شهود الآثار بشهود الأنوار. أما من حجبت عن شهود الأنوار بالوقوف مع الآثار، ووقعت في شبكة الحظوظ والشهوات، وربطت بعقال الأسباب والعادات، فقد ظلمت نفسها، وبخست حقها من مشاهدة مولاها، حتى استعت عليها دائرة الحس، ولم تنفذ إلى المشاهدة والأنس. وأنشدوا: شعر : كَمِّلْ حقيقتك التي لم تكمُلِ والجسمَ ضَعْهُ في الحضِيض الأسفلِ أَتُكَمِّلُ الفَانِي وَتَتْرُك باقياً هَمَلاً، وأَنت بأمرِه لم تحفلِ؟ فالجسمُ للنفس النفيسةِ آلةٌ ما لَمْ تُحَصِّلْه بها لم يحْصُلِ يَفْنَى، وتَبقى دائماً في غِبْطةٍ أو شِقْوةٍ وندامة لا تنْجَلِي أُعْطِيتَ جِسْمَكَ خادماً فخدمْتَه أَتُمَلِّكُ المفضولَ رِقَّ الأفضلِ؟ شَرَكٌ كثيفٌ أنتَ في أحْبَالِهِ مَا دام يُمكنك الخَلاصَ فَعَجِّلِ مَنْ يستطيعُ بلوغَ أَعْلَى مَنزلٍ ما بالَهُ يرضَى بأدنَى مَنْزِل!

الطوسي

تفسير : قوله: {وظللنا} عطف على قوله {ثم بعثناكم من بعد موتكم} وكأن التقدير ثم بعثناكم من بعد موتكم وظللنا عليكم الغمام. والظلمة والغمامة والسترة نظائر في اللغة. تقول: ظل يظل ظلولا. واظل اظلالا. واستظل استظلالا. وتظلل تظللا. وظلله تظليلا. قال صاحب العين: تقول ظل نهاره فلان صائماً. ولا تقول العرب: ظل إلا لكل عمل بالنهار. كما لا تقول: بات إلا بالليل. وربما جاءت ظل في اشعارهم نادرا. ومن العرب من يحذف لام ظللت، ونحوها فاما اهل الحجاز فيكسرون الظاء على كسر اللام التي القيت فيقولون: ظللنا وظللتم. كما قال تعالى {أية : فظلتم تفكهون} تفسير : والمصدر: الظلول. فالامر فيه اظلل والظل ضد القبح ونقيضه. ويقال لسواد الليل، فيسمى ظلا. وجمعه ظلال. قال الله تعالى: {أية : ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً} تفسير : يعني الليل. والظل في كلام العرب هو الليل. وتقول اظلتني هذه الشجرة اظلالا. والمكان الظليل: الدائم الظل. وقد دامت ظلاله. والظلة كهيئة الصفة، وقوله: {أية : عذاب يوم الظلة} تفسير : يقال هو عذاب يوم الصفة. والظلة البرطلة. والاظلال: الدنوّ يقول قد اظلك فلان اي كأنه القى عليك ظله من قربه. وتقول لا تجاوز ظل ظلك وملاعب ظله: طائر يسمى بذلك. والاظل: باطن منسم البعير وجمعه اظلال قال الشاعر: شعر : يشكو الوجى من اظلل واظلل تفسير : يعني من اظل واظل. فاظهر التضعيف بضرورة الشعر قال لبيد: شعر : بنكيب معر دامي الاظل تفسير : اراد بخف نكيب: منكوب نكبته الحجارة. معر: ساقط الشعر املس. والظل كون النهار تغلب عليه الشمس. قال رؤبة: كل موضع تكون فنزول عنه ظل وفىء يقالان جميعا. وما سوى ذلك يقال له ظل ولا يقال: فيه الفيء. والظل الظليل: الجنة قال الله تعالى: {أية : وندخلهم ظلا ظليلا}تفسير : والظل: الخيال الذي يرى من الجن وغيره. والمظلة ايضا تتخذ من خشب وغيره يستظل بها والظل: المنعة والعز. كذا ذكر ابن دريد يقال: فلان في ظل فلان اي في عزه وأصل الباب: التظليل. وهو الستر والاظلال الدنو: كدنو الساتر وحد التظليل الستر من علة. والغمام: السحاب والقطعة منها غمامة تقول: يوم غم، وليلة غمة وامر غام. ورجل مغموم، ومغتم، ذو غم. وفلان في غمة من امره: اذا لم يهتد له. والغماء: الشديدة من شدائد الدهر، ورجل اغم، وجبهة غماء: كثيرة الشعر تقول منه: غم يغم. وكذلك في القفا. قال الشاعر: شعر : فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا اغم الققا والوجه ليس بانزعا تفسير : والغميم: الغمس وهو ان يسحق حتى يغلط. والغم: ضد الفرح. والغمة: الغطاء على القلب من الغم. والغمة: الضيقه تقول: اللهم احسر عنا هذه الغمة أي الضيقة. وغم الهلال اذا غطاه الغيم. وكل شيء غطيته فقد غميته ولذلك سمي الرطب الغموم وهو الذي يوضع في جرة وهو بسر ثم يغطى حتى يرطب. والغمام اشتق من هذا، لانه يغطى السماء، ورجل أغم. وامرأة غماء اذا دنا قصاص الشعر من حاجبه حتى يغطى جبهته، وكذلك هو في القفا. وأصل الباب الغطاء. المعنى: يوم الغمام الذي ظلل على بني اسرائيل. قال ابن عباس ومجاهد: لم يكن بالسحاب، ولكنه الذي عنى في قوله: {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}. تفسير : وهو الغمام الذي اتت فيه الملائكة يوم بدر، ولم يكن لغيرهم. قال ابن عباس كان معهم في التيه وقيل هو ما ابيض من السحاب. واما المن قال ابن عباس: هو المن الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج. وقيل هو عسل وقيل خبز مرقق وقيل هو الزنجبيل. وقيل هو شيء كالصمغ كان يقع على الاشجار وطعمه كالشهد والعسل عن مجاهد وقال الزجاج: جملة المن ما من الله تعالى على عباده مما لا تعب فيه ولا نصب. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: حديث : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعينتفسير : . قال بعض اهل العلم يعني بمائها الوسمي الذي يكون منها الكمأ وهو اول مطر يجيء في الخريف. وقيل هو الذي يسقط على الثمام. والمنّ حلوٌ كالعسل. وإياه عنى الاعشى في قوله: شعر : لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ما ابصر الناس طعما فيهم نجعا تفسير : وجعله امية بن ابي الصلت في شعره عسلا فقال: شعر : ورأى الله انهم بمضيع لا بذي مزرع ولا معمورا فنساها عليهم غاديات ومرى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتا وحليباً ذا بهجة مثمورا تفسير : الناطف: القاطر والصافي من اللبن والمن قطع الخير قال الله تعالى لهم {أجر غير ممنون} أي غير مقطوع. والمن: هو الاحسان إلى من لا يستثنيه والاسم هو المنة والله تعالى المنان علينا الرحيم والمنّة: قوة القلب. يقال ضعيف المنّة. ويقال ليست لقلبه منة والمنون: الموت. وهو اسم مؤنث. قال ابن دريد: منّ يمنّ منا: اذا اعتقد منه ومن عليه بيدٍ أسداها اليه اذا قرعه بها. واصل الباب: الاحسان. فالمن الذي كان يسقط على بني اسرائيل مما من الله عليهم أي أحسن به اليهم. واما السلوى فقال ابن عباس: هو السماني وقيل: هو طائر كالسماني وواحده سلوى قال الاخفش: لم اسمع له بواحد. قال: ويجوز ان يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا دفلى للواحد والجماعة. وقال الخليل واحده سلواة قال الشاعر: شعر : كما انتفض السلواة بلله القطر تفسير : ويقال سلا فلان يسلو عن فلان: اذا تسلى عنه. وفلان في سلوة من العيش اذا كان في رغد يسليه الهم. والسلوان: ماء من شربه ذهب غمه على ما يقال ويقال هذا مثل يضرب لمن سلا عن شيء يقال سقي سلوة وسلوانا. وقال ابن دريد: سلا يسلو سلوا، وسلوا وسلوة والسلوانة: خرزة زعموا انهم اذا صبوا عليها الماء، فسقي منها الرجل، سلا واصل الباب السلو، وهو زوال الهم. سبب نزول المن والسلوى: وكان سبب انزال المن والسلوى عليهم انه لما ابتلاهم الله تعالى بالتيه، حين قالوا لموسى: {أية : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} تفسير : فامرهم بالمسير إلى بيت المقدس، فلما ساروا تاهوا في قدر خمس فراسخ أو الستة. فلما اصبحوا ساروا عادين فامسوا، فاذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه فلم يزالوا كذلك، حتى تمت اربعين سنة، تفضل عليهم في تلك الحال، واحسن اليهم، وانزل عليهم المن والسلوى. وكانت ريح الجنوب تحشره عليهم قال ابن جريج: كان الرجل إذا اخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد، فسد إلا يوم الجمعة فانهم اذا اخذوا طعام يومين لم يفسد. الاعراب: وموضع {كلوا} نصب على وقلنا كلوا كذا قال الرماني: وقيل في معنى {الطيبات} قولان: احدهما ـ انه المشتهى اللذيذ والثاني ـ انه المباح الحلال الذي يستلذ اكله. وقوله: {وما ظلمونا} المعنى: انما يتصل بما قبله بتقدير محذوف فكأنه قال فخالفوا ما امر الله به أو كفروا هذه النعمة. {وما ظلمونا} قال ابن عباس وما نقصونا، ولكن كانوا انفسهم ينقصون. وقال غيره: معناه وما ضرونا، ولكن كانوا انفسهم يضرون. قال ابو علي الظلم الذي لا يستحقه المضرور ممن قصده وليس للمضرور فيه نفع. وقال الرماني حقيقة الضرر القبيح. والصحيح في حقيقه الظلم ما ذكرناه فيما مضى هو الضرر الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع ضرر اعظم منه عاجلا وآجلا ولا يكون واقعاً على وجه المدافعة فاما ما قاله الرماني فهو حد الشيء نفسه، لأن السؤال باق ولقائل ان يقول: وما الضرر إلا القبيح، لأن كونه قبيحا حكم من احكامه فلا بد من بيان ذلك حينئذ. وما ذكره ابو علي ينتقض بالالم الواقع على وجه المدافعة وبالالم الذي فيه وجه ضرر اعظم منه عن الضرورة، وبالضرر الذي فيه نفع يوازيه وروي عن عن الصادق (ع) انه قال: المن كان ينزل على بني اسرائيل من بعد طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس فمن نام في ذلك الوقت، لم ينزل عليه نصيبه فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى بعد طلوع الشمس.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا هو الإنعام السابع لبني إسرائيل، وقد ذكره الله هاهنا وفي سورة الأعراف بهذه الألفاظ. والاظلال من الظِّلَة. وهي والغمامة، والسترة، نظائر. و {ٱلْغَمَامَ} السحاب، والقطعة منها غَمامة. وإنّما سمّي غماماً لأنّه يغمّ السماء، أي: يسترها. وكل ما ستَر شيئاً فقد غمَّه، والغُمَّة: الغطاء على القلب، من الغَمّ. و "فلان في غُمّة من أمره" إذا لم يهتد له. و {ٱلْمَنُّ} أصله الإحسان إلى من لا يستثيبه، والاسم: المنّة. و {ٱلسَّلْوَىٰ} طائر كالسماني. قال الأخفش: هو للواحد والجمع كالدِفْلَى. وقيل: واحده "سلواة". والمعنى: جعلنا لكم الغَمام ظلة وسترة تقيكم حرَّ الشمس في التيه، وأنزلنا عليكم المنَّ - وهو الترنجبين - وبعثنا إليكم السلوى. روي أنّه سخّر الله لهم السحاب، يسير بسيرهم، يظلّهم من الشمس، وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتّسخ ولا تبلى. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} وهو الترنجبين، وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الشمس لكلّ إنسان صاع، ويبعث الجنوب فتحشر عليهم السلْوى - وهي السماني - فيذبح الرجل منها ما يكفيه. قال الطبرسيّ في مجمع البيان: "المنّ فيه وجوه: أحدها: إنّه المنّ الذي يعرفه الناس، يسقط على الشجر عن ابن العباس. وثانيها: إنّه شيء كالصمغ، كان يقع على الأشجار، طعمه كالشهد والعسل عن مجاهد. وثالثها: إنّه كالخبز المرقّق، عن وهب. ورابعها: إنّه جميع النعم التي آتاهم الله، مما منّ الله تعالى به عليهم، مما لا تعب فيه ولا نصَب. والسلوى، قيل: وهو السماني. وقيل هو طائر أبيض يشبه السماني، عن ابن عباس". قوله: {كُلُواْ} على إرادة القول. {وَمَا ظَلَمُونَا} بأن كفروا هذه النعم. يعني: فظلَموا بأن كفروا هذه النعم، وما ظلَمونا. فوقع الاختصار لدلالة الكلام على هذا الحذف. وهذا دليل على أنّ الله لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضرّه معصية من عصاه، وإنّما تعود منفعة الطاعة إلى المطيع، ومضرّة المعصية إلى العاصي. وكيفيّة قصّتهم أنّه لما ابتلاهم الله بالتيه إذ قالوا لموسى (عليه السلام): {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة:24]. حين أمَرهم بالسير إلى بيت المقدس وحرْب العمالقة، فوقعوا في التيه، فصاروا كلّما ساروا تاهوا في قدْر خمسة فراسخ أو ستّة، فكلّما أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه كذلك حتّى تمّت المدّة، وبقوا فيها أربعين سنة، وفي التيه توفّي موسى وهارون (عليهما السلام) ثمّ خرج يوشع بن نون، ولمّا حصلوا في التيه ندموا على ما فعَلوا، فألطف الله تعالى لهم بالغمام لما شكوا حرّ الشمس. وممّا روى أصحابنا الإمامية في هذه القصّة عن الصادق (عليه السلام) أنّه كان ينزل عليهم المنّ من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمَن نام في ذلك الوقت لم ينزل نصيبه، فلذلك يكره النوم في هذا الوقت. وعن ابن جرير: وكان الرجل منهم إن أخذ من المنّ والسلوى زيادة على طعام يوم واحد فسَد، إلاّ يوم الجمعة، فإنّه لم يفسد إذا أخذوا منها ليوم الجمعة والسبت، لأنّهم لا يأتيهم يوم السبت. وكانوا يخبزونه مثل القُرصة، فيوجد له طعم كالشهد المعجون بالسمن، وكان إذا وُلد فيهم مولود يكون عليه ثوبٌ يطول بطوله كالجلد. وفي هذه القصّة أسرار عجيبة، وما أشبه حال قوم موسى (عليه السلام) في التيه بحال البقَر والغنم والله أعلم.

الجنابذي

تفسير : {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} حين كونكم تائهين فى التّيه ليقيكم من ضرّ حرّ الشّمس وبرد القمر {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} فسّر المنّ بالتّرنجبين {وَٱلسَّلْوَىٰ} بالعسل وبالطّائر المشوىّ وبالسُّمانىٰ وهو طيرٌ يشبه الحمام أطول ساقاً وعنقاً منه {كُلُواْ} اى قائلين كلوا {مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} والامر فى أمثال المقام أعمّ من الاباحة والوجوب والرّجحان بحسب اعداد الاشخاص واحوال الشّخص الواحد ومقدار الاكل لشخصٍ واحد فى حالٍ واحدةٍ والمراد بما رزقه الله هاهنا ان كان المنّ والسّلوى فاضافة الطّيّبات للتّبيين لا للتّقييد، وان كان المراد مطلق ما رزقه الله العباد فالاضافة للتّقييد اى تقييد المضاف اليه بالمضاف، او نقول: ان كان المراد بالمرزوق المنّ والسّلوى فطيبوبته وعد طيبوبته بذكر اسم الله عليه وعدمه والمعنى كلوا ممّا ذكر اسم الله عليه ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه وحينئذٍ فالاضافة للتّقييد وفى تفسير القمىّ لمّا عبر موسى (ع) بهم البحر نزلوا فى مفازة فقالوا: يا موسى أهلكتنا وأخرجتنا من العمران الى مفازة لا ظلّ فيها ولا شجر ولا ماء فكانت تجيئ بالنّهار غمامة تظلّهم من الشّمس وتنزّل عليهم باللّيل المنّ فيأكلونه وبالعشىّ يجيئ طائر مشوّىٌّ فيقع على موائدهم فاذا أكلوا وشبعوا طار عنهم وكان مع موسى (ع) حجرٌ يضعه فى وسط العسكر ثمّ يضربه بعصاه فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً فيذهب الماء الى كلّ سبطٍ وكانوا اثنى عشر سبطاً فلمّا طال عليهم ملوّا وقالوا: يا موسى لن نصبر على طعامٍ واحدٍ {وَمَا ظَلَمُونَا} بكفران النّعمة واستبدال الادنى بالّذى هو خيرٌ اوما ظلمونا بالاعتراض على موسى (ع) وعدم مراعاة تعزيزه وتوقيره وهو تعريضٌ بأمّة محمّد (ص) وكفرانهم النّعمة وعدم تعظيم محمّد (ص) والائمّة (ع). وعن الباقر (ع) انّه قال: انّ الله أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من ان يظلم ولكنّه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول: {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [المائدة:55] يعنى الائمّة منّا {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} باستبدال الادنى بالّذى هو خيرٌ، او بازالة النّعمة بالكفران، او بظلم الائمّة الّذين هم أنفس الاخلائق وذواتهم حقيقة، او بظلم الائمّة المسبّب او السّبب لاهلاك أنفسهم.

اطفيش

تفسير : {وَظَلَلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}: السحاب الرقيق فى التيه ستراً لكم من حر الشمس. قيل: وقعوا فيه بدعاء بالعام بن عوراء سمع أهل بلده وهى بلدة الجبارين بقدوم موسى لقتالهم فسألوه أن يدعو لهم ألا يصلهم موسى وجنده فأبى. فما زالوا به حتى فتنوه عن دينه فدعا. وكان يحسن اسم الله الأعظم. ولما أوحى الله إلى موسى بذلك بعد سؤال عن موجب التيه، أوحى الله ـ عز وجل ـ بأمر بلعام فقال: اللهم كما أحببت له فأجب لى فيه، فنزع اسمه الأعظم منه وتدلى لسانه وكان يلهث كالكلب إلى أن مات، ويأتى ذلك ـ إن شاء الله ـ فى سورة المائدة وسورة الأعراف. والصحيح أن موجب التيه أن موسى أمر. من بقى من القتل الواقع بعبادة العجل ـ بقتال الجبارين، وكانوا فى موضع التيه حين أمرهم وعصوه {أية : فاذهَبْ أنتَ وربُّكَ فقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدون} تفسير : فدعا عليهم موسى، فعوقبوا بالبقاء فى ذلك الفَحْص أربعين سنة يتيهون فى مقدار خمسة فراسخ أو ستة يمشون النهار كله فيبيتون فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس، فندم موسى فقال الله تبارك وتعالى: {أية : فلا تَأْسَ على القَوْمِ الفاسقين} تفسير : وروى أنهم ماتوا بأجمعهم فى فحص التيه بين مصر والشام، ونشأ بنوهم على خير طاعة وخرجوا بعد الأربعين وقاتلوا الجبارين، ولما حصلوا فى التيه ولم يكن لهم فيه ما يسترهم قالوا لموسى من لنا من حر الشمس، فظلل الله سبحانه عليهم الغمام وقالوا بم نستصبح بالليل، فضرب الله عمود نور فى وسط محلتهم مكان القمر، وقال مكى من علماء الأندلس والشيخ هود رحمه الله والقاضى: عمود نار كصاحب الكشاف، وذكروا عموداً من نار يسيرون فى ضوئه، وقالوا من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر كما قال الله تعالى: {أية : وإذ استسقَى موسى لقومهِ فقُلنا اضْرِب بعصاك الحَجَر}تفسير : ، وقالوا من لنا باللباس فأعْطوا ألاّ تبلَى ثيابهم ولا تتسخ، وقالوا من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن كما قال الله عز وجل: {وأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمنَّ}: وهو الترنجبين حلو أبيض يشبه الثلج، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، وقيل كان أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل، ويأخذ أحدهم ما يكفيه يومه وإن زاد فسد ولم يبق عنده إلا يوم الجمعة فإنهم يأخذون ما يكفيهم فيه وفى يوم السبت، ويبقى ولا يفسد لأنهم أمروا فى يوم السبت بالعبادة وترك أشغال الدنيا. وقال بعضهم: المنّ صمغة حلوة، وقيل عسل، وقيل شراب حلو، وقيل الذى ينزل اليوم على الشجرة، وكان طعمه كالشهد، وقيل كان ينزل عليهم المن كل ليلة من وقت السحر إلى طلوع الشمس، وسُمي المن لأن الله سبحانه وتعالى مَنَّ به من غير تعب، كما روى البخارى ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين"تفسير : . يعنى أن ما يسمى الترفاس من منة الله علينا بلا تعب، فجعله من المن لأنهُ بلا تعب، أو يعنى أنهُ من المن المذكور فى هذه الآية، بمعنى أن جنسهما واحد وهو ما مَنَّ به بلا تعب، ومعنى كون مائه شفاء للعين أنه يخلط بدواء آخر أو لوجع مخصوص، وقد أطلت الكلام عليهِ فى تحفة الحب فى أصل الطب. وقالوا يا موسى: قتلنا هذه المن بحلاوته فادع ربك أن يطعمنا اللحم. فأرسل عليهم السلوى كما قال الله عز وعلا: {وَالسَّلْوَى}: وهو طائر يشبه السمانى، وقيل السمانى بعينه، يرسل الله جل وعلا ريح الجنوب فتحشرها إليهم كل يوم، فيأخذون منها ما يكفيهم يوماً وليلة ويذبحون، وإن زادوا فسد، وإذا كان يوم الجمعة أخذوا ليوم السبت كما مر فى المن وإن أخذوا المن والسلوى لأكثر من يوم الجمعة والسبت فسد، وقيل السلوى طائر كالحمام تحشره ريح الجنوب، ويطلق فى اللغة على العسل أيضاً وليس مراداً فى الآية، بل المراد فيها الطائر بإجماع، ومن استعماله بمعنى العسل قول خالد ابن زهير الهذلى: شعر : وقاسمها بالله عهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : وليس غلظاً بل هو من معانيه لغة، وغلط من غلّطه، وممن غلطه الزجاج وعياض، قال ابن سيده: السلوى طائر أبيض مثل السمانى واحدته سلواة، والسلوى العسل، قال خالد بن زهير الهذلى: وقاسمها بالله جهدا... البيت قال الزجاج: أخطأ خالد إنما السلوى طائر، انتهى. وقيل يميل للحمرة، وقيل السلوى اللحم. قال الغزالى: سمى سلوى لأنهُ يسلى الإنسان عن سائر الإدام. والناس يسمونه قاطع الشهوات، وكذا غلّطه الأخفش أعنى غلط خالداً، قال: لم يُسمع لهُ بواحد، ويشبه أن يكون واحده سلوى كدفلى للواحد والجمع، وهو طائر يعيش دهره فى قلب اللجة، وإذا مرضت البزاة بوجع الكبد طلبته وأخذته وأكلت كبده فتبرأ، وهو الذى أنزل الله تعالى على بنى إسرائيل على القول المشهور، وغلط الهذلى فظنه العسل فقال: ألذ من السلوى إذا ما نشوزها.. انتهى. والسمانى سمى لسمنة وهو بوزن الحبارى بالضم والتخفيف، ويسمى أيضاً قتيل الرعد من أجل أنه إذا سمع الرعد مات، وفرخه يطير إذا خرج من البيضة لساعته، والسمانى يلبد بالأرض ولا يكاد يطير إلا أن يطار. قال البخارى فى أحاديث الأنبياء ومسلم فى النكاح بسندهما إلى أبى هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا بنو إسرائيل لم يخثر لحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر أبداً" تفسير : أى لم يتغير اللحم أبداً ولم ينتن لما أنزل الله المن والسلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وأنتن واستمر من ذلك الوقت، وقدم المن على السلوى ولو كانت الحلواء تتأخر عن الغذاء لأن نزول المن من السماء مخالف للعادة، وقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة، والموافقة لفظ المن معنى الامتنان والمنة والمقام مقام ذكر الامتنان على بنى إسرائيل، فناسب الابتداء به، بل اقول أيضاً: إن المن ولو كان حلواء لكنه غذاء، والسلوى إنما هو ليقطعوا به شدة حلاوتها كما مر عنهم فهو عندهم حينئذ كالتمر عندنا فى بلادنا هذه. {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}: مقول القول محذوف أى قلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم وهو الحلال المستلذ، هذا هو المراد هنا لأنهن المن والسلوى، وتطلق الطيبات أيضاً على الحلال المتوسط فى اللذة ودون المتوسط. {وَمَا ظَلَمُونَا}: عطف على محذوف أى فظلموا بكفران هذه الطيبات من المن والسلوى بأن ادخروا وقد نهوا عن الادخار {وما ظلمونا} فعطف ظلموا على ظلموا، روى أنهم لما ادخروا قطع عنهم كما قال الله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: بالكفران والادخار، لأن مضرته عائدة عليهم وهى عذاب الله، وقطع ذلك عنهم، وقد كان يأتيهم بلا تعب، فإن صح أنه قطع عنهم فإن الله تعالى أبدل لهم رزقناً يتعبون عليه، إذ لم يشكروا الذى لا تعب فيه فى الدنيا ولا حساب فى العقبى، أو معنى قطعه تقليله، وإنما قدرت فظلموا، ولم أقدر فظلموا أنفسهم كما قدر بعضهم، لأنه لو كان المحذوف كذلك لم تكن فائدة لقوله: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بخلاف ما إذا قدرت فظلموا فإن معناه أوقعوا الظلم، فيحسن حينئذ أن يقال إن الظلم الذى أوقعوا لم يصيبنا، بل أصابهم، ويجوز كون (الواو للحال) من ذلك المحذوف. وقدر عياض فعصوا وما ظلموا، وقال أبو حيان: لا حاجة إلى التقدير ويرده أن محذوفات الكلام الفصيح هذا شأنها، ولا بد من دليل يدل عليها، لكن يختلف ذلك، فى الوضوح والخفاء، والدليل هنا موجود وهو أنه بقى أصابه ظلمهم الله وأثبت إصابته إياهم، فدل ذلك على أنهم أوقعوا ظلماً، أخبر أنه لم يصب الله بل أصابهم، والظلم الضر والنقص والجور.

اطفيش

تفسير : {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} أى جعلناه ظلة عليكم من حر الشمس، وهو السحاب الرقيق، يسير بسيرهم فى التيه، أمرهم الله بقتال الجبارين، فقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا، فحبسهم الله فى التيه، وكانوا يسيرون ليلا ونهاراً، وينزل عليهم عمود من نور يَسيرون فى ضوئه، وثيابهم لا تنسخ ولا تبلى، وذلك من الله، لا كما قيل لا تبلى لعدم الحرارة، ولا تنسخ لعدم الدخان، والتيه واد بين الشام ومصر، فيه طرق لا رمل فيها، بين جبال من رمل يمشى فيها الركب المصرى والمغربى والشامى، عرضه تسعة فراسخ فى ثلاثين فرسخا، وقيل ستة فراسخ فى اثنى عشر فرسخا، وقيل خرجوا من التيه فوقعوا فى صحراء، واشتكوا الحر فظللهم الله عز وجل بالغمام، وقيل من عبدالله منهم ثلاثين سنة ولم يعص فيها أظله الغمام، فكان ذلك لجماعة منهم {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ} فى التيه {الْمَنَّ} الرنجين بالمثناة الفوقية والراء المهملة والجيم الموحدة والمثناة التحتية النون، لفظ يونانى تستعمله الأطباء، ويقال معرب ترتكين، وهو شىء يشبه الصمغ، حلو مع بعض حموضة، وينزل على الأشجار قليلا إلى الآن فى بوادى تركستان، وهو مشهور فى بلدة آمد وحواليها، شهر فيهم بحلوة القدرة، وقد أمروا فى التيه أن لا يأخذوا أكثر من صاع كل يوم ولا يدخروا الزيادة إلا يوم الجمعة، فيأخذون فيه صاعين ليدخروا ليوم السبت، فإنه لا ينزل يوم السبت {وَالسَّلْوَى} طائرٌ يشبه السمان أو هما السمان، وألفه ليست للتأنيث لورود سلواة، قلبت هذه التاء للوحدة لا للتأنيث، وقيل هو واحد والجمع سلاوة، وقيل هو للواحد فصاعدا، تبعثه عليهم ريح الجنوب، فيذبح الرجل ما يكفيه على حد ما مر فى المن، ويطير الباقى وذلك بكرة وعشية، أو متى شاءوا وادخروا من المن والسلوى فأصاب النتن ما ادخروا وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : لولا بنو إسرائيل لم تخز اللحم". تفسير : الحديث، ويروى أن السلوى تجيئهم مطبوخة أو مشوية، قيل ويناسبه الحديث المذكور، لأن التغيير أنسب بالمطبوخ، وهو أعظم معجزة قلت كما يخنز المطبوخ يخنز غير المطبوخ ولا تثبت المعجزة بلا دليل قوى، وقدم المن مع أنه حلوى على السلوى مع أنها غذاء، لأن نزوله من السماء خارق للعادة بخلاف الطير قائلين لكم {كُلُوا مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ} المن والسلوى طيبان، طيب لذة وطيب حلال وطيب مجىء بلا كسب، فكفروا النعمة وادخروا فقطا عن حالهما فصارا يدوران ويختزان، ولو بلا ادخار، وعاشوا بهما كذلك، وإذا وضع الطعام بين يديك فقيل لا تأكل حتى يقول حامله إليك كل لمناسبة الآية، وقيل لك الأكل بلا انتظار لقوله: كل وهو أولى، إن اطمأنت النفس، لذلك ظلموا أنفسهم بذلك {وَمَا ظَلَمُونَا} أشار به إلى أنهم ظلموا أنفسهم بالكفر والمختلفة، وصرح به فى قوله {وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تكرر الظلم منهم واعتادوه، وكانوا ستمائة ألف فى التيه، وفيه مات هارون وموسى، وماتوا كلهم فيه إلا من لم يبلغ العشرين، ذهب موسى وهارون إلى غار، فمات هارون، فدفنه موسى، فقالوا: قتلته لحبنا إياه، فتضرع إلى الله، فأوحى إليه أن سر بهم إليه، فناداه، يا هارون، فخرج ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا، ولكن مت، قال: فعد كما كنت فى قبرك، وعاش موسى سنة، ومر فى حاجة له بملائكة يحفرون قبراً لم ير أحسن منه بهجة وخضرة ونضرة، فقال: يا ملائكة الله، لمن تحفرون هذا هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبد من الله بمنزلة، فقالوا: يا صفّى الله، أتحب أن يكون لك؟ قال: نعم. قالوا: فأنزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ففعل وتنفس أسهل تنفس، ومات، وسووا عليه التراب، وقيل: أتاه ملك بتفاحة من الجنة فشمها فمات، وليس كما قيل، إنه مات فى جبل أحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: لو أنى عنده لأربتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر، لعدم صحة هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم.

الخليلي

تفسير : هذا تذكير بنعمة أخرى أُسبغت عليهم في وقت كانوا فيه أشد فقرا إلى مثلها، إذ كان المحكى هنا عندما كانوا في التيه يترددون في حدوده لا يتجاوزونها، كأنما يدورون في حلقة مفرغة، وذلك عندما طالبهم موسى عليه السلام بمقاتلة الجبارين في أرض الشام فعتوا عتوا كبيرا، وقالوا له: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]، فظلوا يتخبطون في سيرهم، يتيهون في الأرض مدة أربعين عاما، لا يدرون المخرج من محبسهم، عقوبة من الله على عتوهم، وبجانب هذا التأديب الإِلهي لهم كانت عين العناية ترعاهم، وسيوب الإِحسان تغمرهم، ومن ذلك ما حكاه الله هنا من تظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى إليهم، وما حكاه من بعد من تفجير الأنهار لهم من الحجر الصلد؛ وأضاف المفسرون الى ذلك أنه تعالى سخر لهم عمودا من نور يستضيئون به، وأن ثيابهم كانت لا تبلى، وكانت تنمو بنمو أجسادهم، وهذا مما لم تثبت به حجة، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه ذلك، كما لم يعجزه تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى عليهم. "وظللنا" معطوف على "بعثناكم"، وقيل على "قلتم"، والصحيح الأول لتناسبهما في كون كل منهما نعمة، واشتراكهما في إسنادهما الى الله بخلاف "قلتم"، فإنه يفيد النداء عليهم بالحماقة والجهل ولا يبعد أن يكوت ترتب هذه الأحداث في الوقوع بحسب ترتيبها في الذكر، وهذا هو الظاهر، وخالف في ذلك العلامة ابن عاشور حيث قال: "والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة، لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى حين دخولهم في برية سين بين إيلين وسيناء في اليوم الثاني عشر من الشهر الثاني من خروجهم من مصر حين اشتاقوا أكل الخبز واللحم لأنهم في رحلتهم ما كانوا يطبخون بل الظاهر أنهم كانوا يقتاتون من ألبان مواشيهم التي أخرجوها معهم، ومما تنبته الأرض، وأما تظليلهم بالغمام فالظاهر أنه وقع بعد أن سألوا رؤية الله لأن تظليل الغمام وقع بعد أن نصب لهم موسى خيمة الاجتماع محل القرابين ومحل مناجاة موسى وقبلة الداعين من بني إسرائيل في برية سيناء، فلما تمت الخيمة سنة اثنتين من خروجهم من مصر غطت سحابة خيمة الشهادة، ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة فذلك إذن لبني اسرائيل بالرحيل، فإذا حلت السحابة حلّوا... الخ. كذا تقول كتبهم". وهذا الكلام لا يخلو من تناقض، فقد ذكر أولا أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كانا قبل سؤالهم رؤية الله جهرة، ثم أتبعه أن تظليلهم بالغمام وقع بعد أن سألوا رؤية الله، ثم هو مخالف لما عليه المفسرون من أن ذلك حدث في التيه عندما امتنعوا عن مقاتلة الجبارين. والغمام اسم جنس، واحده غمامة، كسحاب وسحابة، وزنا ومعنى، وقيل: هو السحاب الأبيض، وقيل: ما رق منه وبرد، وهو المروي عن مجاهد، ورده الإِمام محمد عبده بأن السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل الذي يفيده حرف التظليل إلا بسحاب كثيف يمنع حر الشمس ووهجها، وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة الا بالكثيف، وهو المنقول المعروف عند الإِسرائيليين أنفسهم. وتسميته غماما لأنه يغم السماء أي يسترها عن الأبصار، وزعم بعضهم أنه لم يكن غماما حقيقة، وإنما كان ظلا مشبها للغمام فسمي به، والصحيح خلاف ذلك، إذ لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا من قرينه تصرف اللفظ عنها إليه. وعُد هذا التظليل نعمة لأنه يقيهم لفح الشمس ووهجها، واستظهر بعض المفسرين من ذلك أنه كان بالنهار دون الليل، أما الليل فقد كان الغمام ينجلي فيه ليأنسوا بنور القمر، ولألاء النجوم في الصحو. والمن - في قول أكثر المفسرين - مادة صمغية ذات حلاوة مع شيء من الحموضة لم تكن معهودة في بلاد الشام وما حاذاها، وإنما يكثر نزولها في تركستان، وقد أنعم الله به على بني اسرائيل في التيه فكان ينزل عليهم كالطل بين انشقاق الفجر وطلوع الشمس فيما عدا يوم السبت، وكان كل منهم يأخذ قدر صاع ليومه وليلته، ولا يدخرون منه إلا ليوم السبت. ونقل الإِمام ابن عاشور عن التوراة أنها وصفته بأنه دقيق مثل القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض، وهو مثل بزر الكزبرة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل، وأنهم كانوا يلتقطونه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه، فكانوا إذا التقطوه طحنوه بالرحى، أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور، وعملوه ملات، وكان طعمه كطعم قطائف بِزيت. وأخرج ابن جرير عن عبد الصمد قال: سمعت وهبا، وسئل ما المن؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة ومثل النقى، والظاهر أن وهبا استمد تفسيره هذا للمن مما جاء في التوراة من وصف طعمه أنه كرقاق بعسل فمراده تشبيهه بالرقاق وحذف آلة التشبيه. وفسره الربيع بن أنس - فيما رواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم - أنه شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، وقيل: هو العسل نفسه، روى ذلك ابن جرير عن عام وابن زيد، وهو يتفق مع ما قاله أمية بن أبي الصلت في وصفه، وهو: شعر : فرأى الـله أنهم بمضيع لا بـذي مـزرع ولا مثمورا فعناها عليهم غاديات ومرى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتا وحليبا ذا بهجة ممرورا تفسير : وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن المن مصدر يعم كل ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع، واستدلوا بما أخرجه الجماعة إلا أبا داود عن سعيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء العين"تفسير : واختلف في توجيه هذا الحديث، فقال بعضهم بأن الكمأة ذاتها مما أنزله الله على بني إسرائيل أي مما خلقه لهم في التيه، وقال آخرون: إنما أراد صلى الله عليه وسلم تشبيهها بالمن لأنها لا تحتاج إلى مؤونة ببذر ولا سقي ولا علاج. والسلوى طائر يدعى السماني، وقيل: طائر يشبه السماني وليس به، والقولان أخرجهما ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج ثانيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه، وطائفة من مفسري السلف؛ وقيل: السلوى العسل، رُوى ذلك عن مؤرج بن عمر السدوسي - أحد علماء اللغة والتفسير - واستدل له بقول الهذلي: شعر : وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : وانتقد هذا القول ابن عطية وادعى أن إجماع المفسرين على خلافه، وغلط الهذلي قائل البيت، وابن عطية هو الواقع في الغلط، فإن الهذلي هذا هو خالد بن زهير ممن يعتد بكلامه في اللسان العربي، واستدل ببيته هذا أئمة اللغة. كالمؤرج المذكور وابن سيدة والجوهري، وذكر المؤرِّج أن مجيء السلوى بمعنى العسل لغة كنانية؛ وإنما الأقرب أن تكون السلوى في الآية من أنواع الطير كما رُوي عن السلف، وذكروا أن ريح الجنوب كانت تسوقها إليهم في كل يوم فيأخذون حاجتهم منها ليومهم، ولا يدخرون إلا ليوم السبت، وإن ادخروا لغيره فسد المدخر كما هو الشأن في المن كذلك، وإنما يأخذون منهما في يوم الجمعة ما يكفيهم له وللسبت بعده لأنهم كانوا يتفرغون يوم السبت للعبادة ولا يبرحون أمكنتهم. ومع ظهور هذه الآيات بجانب المعجزات السابقة لم يبرحوا حالتهم التي ألفوها، لأنهم ألفوا الشقاق، ومردوا عليه، فظلوا في تيههم يتخبطون إلى أن مات هارون ثم موسى - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما - وهلك ذلك الجيل العاتي، ونشأ جيل جديد أسلم منه فطرة، وأسلس قيادا، وأوفى مروءة، وأرهف حسا، فقاتل به يوشع بن نون خليفة موسى - عليهما السلام - الجبارين، وفتح به الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فكان لهم التمكين في الأرض كما وعدهم الله حتى بدل أعقابهم وعادوا إلى ما كان عليه سلفهم الأولون من اللؤم والفساد، وقتلوا من قتلوا من النبيين، فأعقبهم الله ذلا وهوانا، وفتنة ودمارا، وهذه هي سنة الله في عباده {أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 117]. وبهذا يتبين بعد البون بين حال أمتي محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، فنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بعث في أمة بدائية ليس لها عهد بالنبوات منذ أمد بعيد، وقُرن بمعجزة معنوية - وهي القرآن الذي بُعث به - لا كمعجزات موسى عليه السلام التي كانت تدرك بالحواس، وتتجلى لجميع الناس، كاليد والعصى، وفرق البحر، ونزول المن والسلوى، ومع ذلك لم تلبث هذه الأمة التي بعث فيها - عليه الصلاة والسلام أن انقادت لأمره واضطلعت بأمانته، فكان كل فرد منها كأنه رسول بُعث إلى أمة، يجسد بفعله وقوله قيم الدين ومبادئ الحق مع ما كان منها - بادي الأمر - من مجاهرة أكثرها بعدائه صلى الله عليه وسلم، ومناصبته الحرب، ومعاكسته في الأمر، ولعمري إن هذا التحول السريع في مدة عقدين من السنين قضاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني هذه الأمة مبلغا دعوة ربه، ومجاهدا في سبيله، لدليل كاف أن الله سبحانه أعدها بتزكية فطرتها، وتنوير بصائرها، لحمل أمانة الرسالة الخاتمة الجامعة، ولأن تكون أمة وسطا شهيدة على سائر الأمم. والأمر في قوله سبحانه: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} للامتنان ذلك لأن الموهوب يشعر بجسامة ما أنعم به الواهب إذا صرح له للانتفاع به، واستظهر منه بعض العلماء أنه لا يجوز لمن أحضر له الطعام أن يأكل منه حتى يؤمر الأكل، والصحيح أن العرف كاف في إباحة الأكل في مثل هذه الحالة، والمسألة ونظائرها مبسوطة في كتب الفقه، والمراد بقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أن عاقبة ظلمهم لم تعد إلا على أنفسهم، فالعبد وإن تطاول على ربه بأنواع المعاصي وصنوف الكفران فإنه لا يضر بذلك إلا نفسه، والله أجل من أن يلحقه ضرر أو يناله مكروه، ويجوز أن تكون هذه الجملة فذلكة لما وصفوا به من صفات الظلم من قبل، كاتخاذهم العجل، وسؤالهم الرؤية.

الالوسي

تفسير : {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} عطف على {أية : بَعَثْنَـٰكُم } تفسير : [البقرة: 56] وقيل: على {أية : قُلْتُمْ } تفسير : [البقرة: 55] والأول أظهر للقرب والاشتراك في المسند إليه مع التناسب في المسندين في كون كل منهما نعمة بخلاف {قُلْتُمْ } فإنه تمهيد لها، وإفادته تأخير التظليل والإنزال عن واقعة طلبهم الرؤية، وعلى التقديرين لا بد لترك كلمة {أية : إِذْ }تفسير : [البقرة: 55] هٰهنا من نكتة، ولعلها الاكتفاء بالدلالة العقلية على كون كل منهما نعمة مستقلة مع التحرز عن تكرارها في {ظللنا} و {أَنزَلْنَا} والغمام اسم جنس كحمامة وحمام وهو السحاب، وقيل: ما ابيض منه، وقال مجاهد: هو أبرد من السحاب وأرق، وسمي غماماً لأنه يغم وجه السماء ويستره ومنه الغم والغمم، وهل كان غماماً حقيقة أو شيئاً يشبهه وسمي به؟ قولان، والمشهور الأول وهو مفعول {ظَلَّلْنَا} على إسقاط حرف الجر كما تقول: ظللت على فلان بالرداء أو بلا إسقاط، والمعنى جعلنا الغمام علكيم ظلة، والظاهر أن الخطاب لجميعهم فقد روي أنهم لما أمروا بقتال الجبارين وامتنعوا وقالوا: {أية : فٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا }تفسير : [المائدة: 24] ابتلاهم الله تعالى بالتيه بين الشام ومصر أربعين سنة وشكوا حر الشمس فلطف الله تعالى بهم بإظلال الغمام ـ وإنزال المنّ والسلوى ـ وقيل: لما خرجوا من البحر وقعوا بأرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء ولا ظل فشكوا الحر فوقوا به، وقيل: الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد ثلاثين سنة لا يحدث فيها ذنباً أظلته الغمامة وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم فامتن الله تعالى لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة والنعمة الباهرة. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} المنّ اسم جنس لا واحد له من لفظه والمشهور أنه الترنجبين وهو شيء يشبه الصمغ حلو مع شيء من الحموضة كان ينزل عليهم كالطل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم إلا يوم السبت وكان كل شخص مأموراً بأن يأخذ قدر صاع كل يوم أو ما يكفيه يوماً وليلة ولا يدخر إلا يوم الجمعة فإن ادخار حصة السبت كان مباحاً فيه. وعن وهب أنه الخبز الرقاق، وقيل: المراد به جميع ما منّ الله تعالى/ به عليهم في التيه وجاءهم عفواً بلا تعب، وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكمأة من المنّ الذي منّ الله تعالى به على بني إسرائيل» تفسير : والسلوى اسم جنس أيضاً واحدها سلواة كما قاله الخليل. وليست الألف فيها للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله:شعر : كما انتفض السلوات من بلل القطر تفسير : وقال: الكسائي: السلوى واحدة وجمعها سلاوي، وعند الأخفش الجمع والواحد بلفظ واحد، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشياً أو متى أحبوا فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل، وقيل: إن ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي، وفي رواية كانت تنزل عليهم مطبوخة ومشوية ـ وسبحان من يقول للشيء كن فيكون ـ وذكر السدوسي أن السلوى هو العسل بلغة كنانة ويؤيده؛ قول الهذلي:شعر : وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ من (السلوى) إذا ما نشورها تفسير : وقول ابن عطية ـ إنه غلط ـ غلط، واشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي عن غيرها وعطفها على بعض وجوه المنّ من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه. {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أمر إباحة على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين، و ـ الطيبات ـ المستلذات وذكرها للمنة عليهم أو الحلالات فهو للنهي عن الإدخار، و {مِنْ} للتبعيض، وأبعد من جعلها للجنس أو للبدل، ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات قائلاً إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل ـ بالمنّ والسلوى ـ فكانا بدلاً من الطيبات، و {مَا} موصولة والعائد محذوف ـ أي رزقناكموه ـ أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول، واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك وهو أحد أقوال في المسألة. {وَمَا ظَلَمُونَا} عطف على محذوف أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا بذلك، ويجوز ـ كما في «البحر» ـ أن لا يقدر محذوف لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلهاً، وسؤال رؤيته تعالى ظلماً وغير ذلك فجاء قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا} بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقص ولا ضرر، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه البتة. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفران أو بما فعلوا إذ لا يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق، وفيه ضرب تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم عليه، وفي ذكر (أنفسهم) بجمع القلة تحقير لهم وتقليل، والنفس العاصية أقل من كل قليل.

ابن عاشور

تفسير : عطف {وظللنا} على {أية : بعثناكم}تفسير : [البقرة: 56]. وتعقيب ذكر الوحشة بذكر جائزة شأن الرحيم في تربية عبده، والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى حين دخولهم في برية سين بين إيليم وسينا في اليوم الثاني عشر من الشهر الثاني من خروجهم من مصر حين اشتاقوا أكل الخبز واللحم لأنهم في رحلتهم ما كانوا يطبخون بل الظاهر أنهم كانوا يقتاتون من ألبان مواشيهم التي أخرجوها معهم ومما تنبته الأرض. وأما تظليلهم بالغمام فالظاهر أنه وقع بعد أن سألوا رؤية الله لأن تظليل الغمام وقع بعد أن نصب لهم موسى خيمة الاجتماع محل القرابين ومحل مناجاة موسى وقبلة الداعين من بني إسرائيل في برية سينا فلما تمت الخيمة سنة اثنتين من خروجهم من مصر غطت سحابة خيمة الشهادة ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة فذلك إذن لبني إسرائيل بالرحيل فإذا حلت السحابة حلوا إلخ كذا تقول كتبهم. فلما سأل بنو إسرائيل الخبز واللحم كان المن ينزل عليهم في الصباح والسلوى تسقط عليهم في المساء بمقدار ما يكفي جميعهم ليومه أو ليلته إلا يوم الجمعة فينزل عليهم منهما ضعف الكمية لأن في السبت انقطاع النزول. والمن مادة صمغية جوية ينزل على شجر البادية شبه الدقيق المبلول، فيه حلاوة إلى الحموضة ولونه إلى الصفرة ويكثر بوادي تركستان وقد ينزل بقلة غيرها ولم يكن يعرف قبل في برية سينا. وقد وصفته التوراة بأنه دقيق مثل القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض وهو مثل بزر الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل وسمته بنو إسرائيل منا، وقد أمروا أن لا يبقوا منه للصباح لأنه يتولد فيه دود وأن يلتقطوه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه فكانوا إذا التقطوه طحنوه بالرحا أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور وعملوه ملات وكان طعمه كطعم قطائف بزيت وأنهم أكلوه أربعين سنة حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان يريد إلى حبرون. وأما السلوى فهي اسم جنس جمعي واحدته سلواة وقيل: لا واحد له وقيل: واحده وجمعه سواء، وهو طائر بري لذيذ اللحم سهل الصيد كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضاً ويسمى هذا الطائر أيضاً السمانى بضم السين وفتح الميم مخففة بعدها ألف فنون مقصور كحبارى، وهو أيضاً اسم يقع للواحد والجمع، وقيل: هو الجمع وأما المفرد فهو سماناة. وقوله: كلوا من طيبات ما رزقناكم مقول قول محذوف لأن المخاطبين حين نزول القرآن لم يؤمروا بذلك فدل على أنه من بقية الخبر عن أسلافهم. وقوله: {وما ظلمونا} قدره صاحب «الكشاف» معطوفاً على مقدر أي فظلموا وقرره شارحوه بأن (ما ظلمونا) نفي لظلم متعلق بمفعول معين وهو ضمير الجلالة وهذا النفي يفيد في المقام الخطابي أن هنالك ظلماً متعلقاً بغير هذا المنصوب إذ لو لم يكن الظلم واقعاً لنفى مطلقاً بأن يقال: وما ظلموا وليس المعنى عليه، وأنه إنما قدر في «الكشاف» الفعل المحذوف مقترناً بالفاء لأن الفاء في عطف الجمل تفيد مع الترتيب والتعقيب معنى السببية غالباً، فتكون الجملة المعطوفة متسببة عن الجملة المعطوف عليها فشبه وقوع ظلمهم حين كفروا النعمة عقب الإحسان بترتب المسبب على السبب في الحصول بلا ريثٍ وبدون مراقبة ذلك الإحسان حتى كأنهم يأتون بالظلم جزاء للنعمة، ورمز إلى لفظ المشبه به برديفه وهو فاء السببية وقرينة ذلك ما يعلمه السامع من أن الظلم لا يصلح لأن يكون مسبباً عن الإنعام على حد قولك أحسنتُ إلى فلان فأساء إليَّ وقوله تعالى: {أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}تفسير : [الواقعة: 82] أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون فالفاء مجاز لغير الترتب على أسلوب قولك: أنعمَتُ عليه فكفر. ولك أن تقول إن أصل معنى الفاء العاطفة الترتيب والتعقيب لا غير وهو المعنى الملازم لها في جميع مواقع استعمالها فإن الاطراد من علامات الحقيقة. وأما الترتب أي السببية فأمر عارض لها فهومن المجاز أو من مستتبعات التراكيب ألا ترى أنه يوجد تارة ويتخلف أخرى فإنه مفقود في عطف المفردات نحوجاء زيد فعمرو وفي كثير من عطف الجمل نحو قوله تعالى: {أية : لقد كنتَ في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك}تفسير : [ق: 22] فلذلك كان معنى السببية حيثما استفيد محتاجاً إلى القرائن فإن لم تتطلب له علاقة قلت هو من مستتبعات تراكيب بقرينة المقام وإن تطلبت له علاقة - وهي لا تعوزك - قلت هو مجاز لأن أكثر الأمور الحاصلة عقب غيرها يكون موجب التعقيب فيها هو السببية ولو عرفا ولو ادعاء فليس خروج الفاء عن الترتب هو المجاز بل الأمر بالعكس. ومما يدل على أن حقيقة الفاء العاطفة هو الترتيب والتعقيب فقط أن بعض البيانيين جعلوا قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا}تفسير : [القصص: 8] اللامَ فيه مستعارة لمعنى فاء التعقيب أي فكان لهم عدوًّا فجعلوا الفاء حقيقة في التعقيب ولو كانت للترتيب لساوت اللام فلم تستقم الاستعارة فيكون الوجه الحامل للزمخشري على تقدير المحذوف مقترناً بالفاء هو أنه رأى عطف الظلم على {وظللنا عليكم الغمام} وما بعده بالواو ولا يحسن لعدم الجهة الجامعة بين الامتنان والذم والمناسبةُ شرط في قبول الوصل بالواو بخلاف العطف بالفاء، فتعين إما تقدير ظلموا مستأنفاً بدون عطف وظاهر أنه ليس هنالك معنى على الاستئناف وإما ربط ظلموا بعاطف سوى الواو وليس يصلح هنا غير الفاء لأن المعطوف حصل عقب المعطوف عليه فكان ذلك التعاقب في الخارج مغنياً عن الجهة الجامعة ولذلك كانت الفاء لا تستدعي قوة مناسبة كمناسبة الواو ولكن مناسبة في الخيال فقط وقد وجدت هنا لأن كون المعطوف حصل في الخارج عقب المعطوف عليه مما يجعله حاضراً في خيال الذي يتكلم عن المعطوف عليه، وأما قبح نحو قولك جاء زيد فصاح الديك فلقلة جدوى هذا الخبر ألا تراه يصير حسناً لو أردت بقولك فصاح الديك معنى التوقيت بالفجر فبهذا ظهر أنه لم يكن طريق لربط الظلم المقدر بالفعلين قبله إلا الفاء. وفي ذلك الإخبار والربط والتصدي لبيانه - مع غرابة هذا التعقيب - تعريض بمذمتهم إذ قابلوا الإحسان بالكفران وفيه تعريض بغباوتهم إذ صدَفوا عن الشكر كأنهم ينكون بالمنعم وهم إنما يوقعون النكاية بأنفسهم، هذا تفصيل ما يقال على تقدير صاحب «الكشاف». والذي يظهر لي أن لا حاجة إلى التقدير وأن جملة {وما ظلمونا} عطف على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل ومثار ذكر هذه الجملة هو ما تضمنته بعض الجمل التي سبقت من أن ظلماً قد حصل منهم من قوله: {أية : ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون}تفسير : [البقرة: 51] وقوله: {أية : إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل}تفسير : [البقرة: 54] وما تضمنه قوله: {أية : فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون}تفسير : [البقرة: 55] الدال على أن ذلك عذاب جروه إلى أنفسهم فأتى بهذه الجملة كالفذلكة لما تضمنته الجمل السابقة نظير قوله: {أية : وما يخادعون إلا أنفسهم}تفسير : [البقرة: 9] عقب قوله: {أية : يخادعون الله والذين آمنوا}تفسير : [البقرة: 9] ونظير قوله: {أية : وظلموا أنفسهم}تفسير : [سبأ: 19] بعد الكلام السابق وهو قوله: {أية : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} تفسير : [سبأ: 18] الآية. وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضاً بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم. وهذا الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى: {أية : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد}تفسير : [البقرة: 61] الآية فكان قوله: {وما ظلمونا} تمهيداً له وتعجيلاً بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم. وقوله: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولاً بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكي غيره كما قيل: يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه.

الواحدي

تفسير : {وظللنا عليكم الغمام} سترناكم عن الشَّمس في التِّيه بالسَّحاب الرَّقيق {وأنزلنا عليكم المنَّ} الطُّرَنْجبين كان يقع على أشجارهم بالأسحار {والسَّلوى} وهي طير أمثال السُّمانى، وقلنا لهم: {كلوا من طيبات} من حلالات {ما رزقناكم وما ظلمونا} بإبائهم على موسى عليه السَّلام دخول قرية الجبَّارين، ولكنَّهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التِّيه، فلمَّا انقضت مدَّة حبسهم وخرجوا من التِّيه قال الله تعالى لهم: {ادخلوا هذه القرية} وهي أريحا {وادخلوا الباب} يعني: باباً من أبوابها {سجداً} منحنين متواضعين {وقولوا حطة} وذلك أنَّهم أصابوا خطيئةً بإبائهم على موسى عليه السَّلام دخول القرية، فأراد الله تعالى أَنْ يغفرها لهم فقال لهم: قولوا حطَّةٌ، أَيْ: مسألتنا حطَّةٌ، وهو أن تحط عنا ذنوبنا، {وسنزيد المحسنين} الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحساناً وثواباً.

القطان

تفسير : ثم يذكّرهم تعالى بما أفاء عليهم من النعم: ومن فضلِنا عليكم أننا جعلنا السحاب لكم كالظُلَّة يصونكم من حر الصحراء التي أنتم بها. وأنزلنا عليكم المنّ، وهو طعام لذيذ حلو كالعسل كان ينزل مع ندى الصباح فيلتقطونه بسهولة، وكان لهم بدل الخبز. اما السلوى فهو طائر لحمه لذيذ يعرف بالسُّمّان، كان يأتيهم أسراباً كثيرة. فلم يشكروا هذه النعم بل كفروا بها. ولما كان كفرهم لا يضر الله وانما يضرهم هم، فقد جاء قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَيِّبَاتِ} {رَزَقْنَاكُمْ} (57) - وَحِينَما وَصَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلى صَحْرَاءِ سِينَاءَ (التِّيهِ) كَانَ الحَرُّ شَدِيداً، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيهِمْ غُيُوماً بِيضاً (غَمَاماً) تُظَلِّلُهُمْ، وَتََقِيهم الحَرَّ والشَّمْسَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُم طَعَامٌ فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ، فَأَنْزَلَ عَلَيهِم المَنَّ (وَهُوَ مَادَّةٌ سُكَّرِيَّةٌ تَقَعُ عَلَى الأَشْجَارِ) فَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْدُونَ عَلَيهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَأَرْسَلَ إلَيهِمِ السَّلْوى وَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانىَ، لَحْمُهُ لَذِيذُ الطَّعْمِ، فَصَارُوا يَأَكُلُونَ مِنْهُ، وَقَالَ اللهُ لَهُمْ: إِنَّهُ أَبَاحَ لهمُ الأَكْلَ مِنَ المَنِّ وَالسَّلْوَى، وَهُمَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ التِي رَزَقَهُمْ إِيَّاهَا فَلْيَأْكُلُوا مَا شَاؤُوا وَلْيَعْبُدُوا اللهَ. وَلكِنَّهُمْ خَالَفُوا عَنْ أَمْرِ اللهٍ، فَكَفَرُوا تِلْكَ النِّعَمَ الجَزِيلَةَ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ بِعَمَلِهِمْ هذا لا يُسِيئُونَ إِلى اللهِ، وَإِنَّما يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيُسِيئُونَ إِلَيها لأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ، وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ. الغَمَامَ - الغُيُومَ البِيضَ. المَنَّ - مَادَّةً صِمْغِيَّةً حُلْوَةً. السَّلْوى - طَائِرَ السُّمَانىَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالله سبحانه وتعالى يريد أن يمتن على بني إسرائيل بنعمه ومعجزاته .. ويرينا أنه برغم كل هذه النعم عاش بنو إسرائيل في عنادهم وتعنتهم، بعد أن طلب بنو إسرائيل أن يروا الله جهرة فقتلتهم الصاعقة .. ثم بعثهم الله تبارك وتعالى لعلهم يشكرون .. ذكر لنا الحق جل جلاله نعماً أخرى من نعمه على بني إسرائيل .. وقال اذكروا إذ كنتم في الصحراء وليس فيها ظل تحتمون به من حرارة الشمس القاسية، وليس فيها مكان تستظلون فيه، لأنه لا ماء ولا نبات في الصحراء .. فظلل الله سبحانه وتعالى عليكم بالغمام .. أي جاء الغمام رحمة من الله سبحانه وتعالى .. ثم بعد ذلك جاء المن والسلوى.. والمن نقط حمراء تتجمع على أوراق الشجر بين الفجر وطلوع الشمس. وهي موجودة حتى الآن في العراق .. وفي الصباح الباكر يأتي الناس بالملاءات البيضاء ويفرشونها تحت الشجر .. ثم يهزون الشجر بعنف فتسقط القطرات الموجودة على ورق الشجر فوق الملاءات .. فيجمعونها وتصبح من أشهى أنواع الحلويات. فيها طعم القشدة وحلاوة عسل النحل .. وهي نوع من الحلوى اللذيذة المغذية سهلة الهضم سريعة الامتصاص في الجسم. والله سبحانه وتعالى جعله بالنسبة لهم وقود حياتهم .. وهم في الصحراء يعطيهم الطاقة. أما السلوى فهي طير من السماء ويقال إنه السمان .. يأتيهم في جماعات كبيرة لا يعرفون مصدرها .. ويبقى على الأرض حتى يمسكوا به ويذبحوه ويأكلوه. فالله تبارك وتعالى قد رزقهم بهذا الرزق الطيب من غمام يقيهم حرارة الشمس، ومَنّ يعطيهم وقود الحركة، وسَلْوَى كغذاء لهم، وكل هذا يأتيهم من السماء دونما تعب منهم .. ولكنهم لعدم إيمانهم بالغيبيات يريدون الأمر المادي وهم يخافون أن ينقطع المَنُّ والسلْوى عنهم يوماً ما فماذا يفعلون؟ لو كانوا مؤمنين حقاً لقالوا: إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا، ولكن الحق جل جلاله ينزل لهم طعامهم يومياً من السماء وهم بدلاً من أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر قابلوها بالجحود. وقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] فالحق سبحانه وتعالى يتحدث للمرة الثالثة عن ظلم قوم موسى .. ففي المرة الأولى قال "وأنتم ظالمون". وفي الآية الثانية قال: "ظلمتم أنفسكم" .. وفي هذه الآية قال: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57].. ولقد سبق أن قلت إنه لا أحد يستطيع أن يظلم الله لأن الله سبحانه وتعالى باق بقدرته وقوته وعظمته .. لا يقلل منها لو كفر أهل الأرض جميعاً ولا يزيد فيها لو آمن أهل الأرض كلهم. فقدرة الله باقية وكلمته ماضية .. ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا .. بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي لا نجاة منه دون أن نعطيها شيئاً. إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار. والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك. إما أن تتركها بالموت أو تتركك هي وتزول عنك .. وتخرج من الدنيا تحمل أعمالك فقط .. كل شيء زال وبقيت ذنوبك تحملها إلى الآخرة .. ولذلك فإن كل من عصى الله وتمرد على دينه قد ظلم نفسه لأنه قادها إلى العذاب الأبدي طمعاً في نفوذ أو مال زال بعد فترة قصيرة ولم يدم .. فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم أبدي وأعطاها شهوة قصيرة عاجلة.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} معناهُ السَّحابُ الأَبيضُ. وواحدُهَا غَمامةٌ [والجمعُ] غَماماتُ. والسَّحابُ جمعُ سَحابةٍ، ويجوزُ سَحابات وسَحائب. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} معناهُ جَعلنا لَكُم المَنَّ والسَّلوى. ويقالُ المَنُّ: التَرْنْجَبِينُ. والسَّلوى: السَمَّانُ. ويقالُ طائرٌ يَشبهُهُ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } [57] 8- أنا إسحاق بن إبراهيم، وعليُّ بن حُجْر قالا: أنا جرير، عن مُطرِّف، عن الحكم بن عُتيبة، عن الحسن العُرَنِّي، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكَمْأَة من المَنِّ"تفسير : قال علي في حديثه: "حديث : الَّذي أنزله الله على بني إسرائيل وماؤها شفاءُ للعين ".

همام الصنعاني

تفسير : 55- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ}: [الآية: 57]، قال: كان المنُّ ينزل عليهم مثل الثلج، والسلوى: طير كانت تحشرها عليهم ريح الجنوب.