Verse. 65 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قُلْنَا ادْخُلُوْا ھٰذِہِ الْقَرْيَۃَ فَكُلُوْا مِنْہَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَّادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَّقُوْلُوْا حِطَّۃٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطٰيٰكُمْ۝۰ۭ وَسَنَزِيْدُ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۵۸
Waith qulna odkhuloo hathihi alqaryata fakuloo minha haythu shitum raghadan waodkhuloo albaba sujjadan waqooloo hittatun naghfir lakum khatayakum wasanazeedu almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ قلنا» لهم بعد خروجهم من التيه «ادخلوا هذه القرية» بيت المقدس أو أريحا «فكلوا منها حيث شئتم رغدا» واسعا لاَ حَجْرَ فيه «وادخلوا الباب» أي بابها «سجداً» منحنين «وقولوا» مسألتنا «حطة» أي أن تحط عنا خطايانا «نغفر» وفي قراءة بالياء والتاء مبنياً للمفعول فيهما «لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين» بالطاعة ثواباً.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل (عليهم) من المن والسلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة. واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين: النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير فنقول: أما قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [البقرة: 58] فاعلم أنه أمر تكليف، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه تعالى أمر بدخول الباب سجداً، وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفاً ودخول الباب سجداً مشروط بدخول القرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة. الثاني: أن قوله: {أية : ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } تفسير : [المائدة: 21] دليل على ما ذكرناه. أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار، وفيه أقوال: أحدها: وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ }، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد، وثانيها: أنها نفس مصر، وثالثها: وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت المقدس، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تقتضي التعقيب فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى، لكن موسى مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس. وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية: أنا قلنا ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال. وأما قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة. أما قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا } ففيه بحثان. الأول: اختلفوا في الباب على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس، وثانيهما: حكى الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلاً إليها. الثاني: اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو الصاق الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك، ومنهم من حمله على غير السجود، وهؤلاء ذكروا وجهين: الأول: رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً فما كان يحتاج فيه إلى الأمر. الثاني: أراد به الخضوع وهو الأقرب، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعاً مستكيناً. أما قوله تعالى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } ففيه وجوه. أحدها: وهو قول القاضي: المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة، ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذلك من عرف بمذهب خطأ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } [البقرة: 58]، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق. ثانيها: قول الأصم: إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية. وثالثها: قال صاحب الكشاف (حطة) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله:شعر : صبر جميل فكلانا مبتلي تفسير : والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب. ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك بأن قال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} [البقرة: 58]، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به. وخامسها قول القفال: معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك، فحط عنا ذنوبنا. فإن قال قائل: هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا؟ قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين. أحدهما: أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بالعربية، وثانيهما: وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم: {حِطَّةٌ } اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً، لأن المقصود من التوبة، إما القلب وإما اللسان، أما القلب فالندم، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها. أما قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ } فالكلام في المغفرة قد تقدم. ثم ههنا بحثان: الأول: أن قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ } ذكره الله تعالى في معرض الامتنان، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان. الثاني: ههنا قراءات. أحدها: قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء. وثانيها: قرأ نافع بالياء وفتحها. وثالثها: قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء، ورابعها: قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء. قال القفال: والمعنى في هذه القراءات كلها واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [هود: 67] والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد. أما قوله تعالى: {خَطَـٰيَـٰكُمْ } ففيه قراءات، أحدها: قرأ الجحدري «خطيئتكم» بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة. وثانيها: الأعمش «خطيئاتكم» بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء. وثالثها: الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء، ورابعها: الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء، وخامسها: ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف. وسادسها: الكسائي بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء فقط. أما قوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف. أما على التقدير الأول: فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين. أما الاحتمال الأول: وهو أن تكون من منافع الدنيا، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وأما الاحتمال الثاني: وهو أن تكون من منافع الآخرة، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26]، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً، وأكثر من ذلك، وأما إن كان المراد من «المحسنين» من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة، وفي الآية تأويل آخر، وهو أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في إحسانه، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين. أما قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } ففيه قولان. الأول: قال أبو مسلم قوله تعالى: {فَبَدَّلَ } يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة، قال تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ مّنَ ٱلأَعْرَابِ } تفسير : [الفتح: 11] إلى قوله: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } تفسير : [الفتح: 15] ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه. الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل، فلا بد من حصول البدل، وهذا كما يقال: فلان بدل دينه، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان؟ فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً زاحفين على أستاههم، قائلين حنطة من شعيرة، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا: حنطة استهزاء، وقال ابن زيد: استهزاء بموسى. وقالوا: ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة. أما قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم، وذلك ظلم على ما تقدم. أما قوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء } ففيه بحثان: الأول: أن في تكرير: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم. الثاني: أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرّجْزُ} أي العقوبة، وكذا قوله تعالى: {أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ } تفسير : [الأعراف: 134] وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب. وأما قوله: {أية : وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [الأنفال: 11] فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه، فقال ابن عباس: مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة، وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً، ولم يبق منهم أحد. أما قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }، فالفسق من الخروج المضر، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته، قال أبو مسلم: هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى: {عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين. الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] ولأنه تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لا بد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولاً: وصفهم بالفسق، ثانياً: ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر. الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار. النوع الثاني من الكلام في هذه الآية: اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله: {أية : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ سَنَزِيدُ } تفسير : [الأعراف: 161، 162] واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا، وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْنَا } وقال في الأعراف: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] ثم أخذ يعدد (نعمه) نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول: {وَإِذْ قُلْنَا } أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة. السؤال الثاني: لم قال في البقرة: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ } وفي الأعراف: {ٱسْكُنُواْ }؟ الجواب: الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة. السؤال الثالث: لم قال في البقرة: {فَكُلُواْ } بالفاء وفي الأعراف: {وَكُلُواْ } بالواو؟ والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } وفي الأعراف: {فَكُلاًّ }. السؤال الرابع: لم قال في البقرة: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } وفي الأعراف: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ }، الجواب: الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة (ة) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة. السؤال الخامس: لم ذكر قوله: {رَغَدًا } في البقرة وحذفه في الأعراف؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه. السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي الأعراف قدم المؤخر؟ الجواب: الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ }، يحتمل أن يقال: إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولاً «حطة» ثم يدخلوا الباب سجداً، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانياً: على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى. السؤال السابع: لم قال: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } في البقرة مع الواو وفي الأعراف: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } من غير الواو؟ الجواب: أما في الأعراف فذكر فيه أمرين: أحدهما: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، وثانيها: دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزأين: أحدهما: قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } وهو واقع في مقابلة قول الحطة. والآخر: قوله: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين. وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة. السؤال الثامن: قال الله تعالى في سورة البقرة: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً } وفي الأعراف: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً } فما الفائدة في زيادة كلمة «منهم» في الأعراف؟ الجواب: سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ «من» لأنه تعالى قال: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 159] فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم، فلما انتهت القصة قال الله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فذكر لفظة: {مِنْهُمْ } في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة، وههنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق. السؤال التاسع: لم قال في البقرة: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا } وقال في الأعراف: {فَأَرْسَلْنَا } الجواب: الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة. السؤال العاشر: لم قال في البقرة: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وفي الأعراف: {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ }، الجواب: أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} حُذفت الألف من «قلنا» لسكونها وسكون الدال بعدها، والألف التي يُبتدأ بها قبل الدال ألف وصل؛ لأنه من يدخل. الثانية: قوله تعالى: {هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أي المدينة؛ سُمِّيت بذلك لأنها تقرّت أي ٱجتمعت؛ ومنه قَرَيت الماء في الحوض؛ أي جمعته؛ وٱسم ذلك الماء قِرًى (بكسر القاف) مقصور. وكذلك ما قُرِيَ به الضيف؛ قاله الجوهري. والمِقْراة للحوض. والقَرِيّ لمسيل الماء. والقَرَا للظهر؛ ومنه قوله:شعر : لاحِقُ بطنٍ بِقَراً سمينِ تفسير : والمقارِي: الجِفان الكبار؛ قال:شعر : عظام المقاري ضيفهم لا يُفْزَّع تفسير : وواحد المقاري مِقراة؛ وكله بمعنى الجمع غير مهموز. والقِرية (بكسر القاف) لغة اليمن. وٱختُلف في تعيينها؛ فقال الجمهور: هي بيت المقدس. وقيل: أرِيحاء من بيت المقدس. قال عمر بن شَبّة: كانت قاعدة ومسكن ملوك. ٱبن كَيْسَان: الشام. الضحاك: الرَّمْلة والأُرْدُنّ وفلسطين وتَدْمُر. وهذه نعمة أخرى، وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التِّيه. الثالثة: قوله تعالى: {فَكُلُواْ} إباحة. و {رَغَداً} كثيراً واسعاً؛ وهو نعت لمصدر محذوف؛ أي أكلاً رَغَداً. ويجوز أن يكون في موضع الحال؛ على ما تقدّم. وكانت أرضاً مباركة عظيمة الغَلّة، فلذلك قال: «رغدا». الرابعة: قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} الباب يُجمع أبواباً؛ وقد قالوا: أبْوِبَة للازدواج؛ قال الشاعر:شعر : هتّاك أخْبيةٍ ولاّج أبوِبَة يَخْلِط بالبِرّ منه الجِدَّ واللِّينا تفسير : ولو أفرده لم يجز. ومثله قوله عليه السلام: «حديث : مرحبا بالقوم ـ أو بالوفد ـ غير خَزَايا ولا نَدَامَى»تفسير : . وتبوّبت بوّابا ٱتخذته. وأبواب مبوّبة؛ كما قالوا: أصناف مُصنّفة. وهذا شيء من بابَتِك؛ أي يصلح لك. وقد تقدّم معنى السجود فلا معنى لإعادته. والحمد لله. والباب الذي أمِروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ «ـباب حِطّة»؛ عن مجاهد وغيره. وقيل: باب القُبّة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل. و «سجداً» قال ٱبن عباس: منحنين ركوعاً. وقيل: متواضعين خضوعاً لا على هيئة متعينة. الخامسة: قوله تعالى: {وَقُولُواْ} عطف على ٱدخلوا. و {حِطَّةٌ} بالرفع قراءة الجمهور؛ على إضمار مبتدأ، أي مسألتنا حطة، أو يكون حكاية. قال الأخفش: وقرئت «حِطّةً» بالنصب، على معنى ٱحطط عنا ذنوبنا حِطة. قال النحاس: جاء الحديث عن ٱبن عباس أنه قيل لهم: قولوا لا إلٰه إلا الله، وفي حديث آخر عنه قيل لهم: قولوا مغفرة ـ تفسير للنصب؛ أي قولوا شيئاً يحط ذنوبكم؛ كما يقال: قل خيراً. والأئمة من القراء على الرفع. وهو أولى في اللغة؛ لما حكي عن العرب في معنى بدّل، قال أحمد بن يحيى: يقال بدّلته؛ أي غيرته ولم أزِل عينه. وأبدلته أزلت عينه وشخصه؛ كما قال: شعر : عَزْل الأمير للأمير المُبْدَل تفسير : وقال الله عز وجل: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ}تفسير : . [يونس: 15] وحديث ٱبن مسعود قالوا: «حِطّة» تفسير على الرفع. هذا كله قول النحاس. وقال الحسن وعكرمة: «حِطّةً» بمعنى حُطّ ذنوبنا؛ أُمِروا أن يقولوا: لا إلٰه إلا الله ليحطّ بها ذنوبهم. وقال ٱبن جبير: معناه الاستغفار. أبان بن تَغْلِب: التوبة؛ قال الشاعر:شعر : فاز بالحطة التي جعل اللّـ ـه بها ذنب عبده مغفورا تفسير : وقال ٱبن فارس في المُجْمَل: «حِطّة» كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطّت أوزارهم. وقاله الجوهري أيضاً في الصحاح. قلت: يحتمل أن يكونوا تعبّدوا بهذا اللفظ بعينه، وهو الظاهر من الحديث. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قيل لبني إسرائيل ٱدخلوا الباب سُجَّداً وقولوا حِطّةٌ يُغفر لكم خطاياكم (فبدّلوا) فدخلوا الباب يَزْحَفُون على أستاههم وقالوا حَبّةٌ في شَعرة»تفسير : . وأخرجه البخاري وقال: «حديث : فبدلوا وقالوا حِطَّةَ حبّةٌ في شعرة»تفسير : . في غير الصحيحين: «حديث : حنطة في شَعَر»تفسير : . وقيل: هِطّا سُمْهاثا. وهي لفظة عبرانية، تفسيرها: حنطة حمراء؛ حكاها ٱبن قتيبة، وحكاه الهروِي عن السدّي ومجاهد. وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا وتمرّدوا وٱستهزءوا؛ فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب. وقال ٱبن زيد: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفاً. ورُوِيَ أن الباب جُعل قصيراً ليدخلوه ركّعاً فدخلوه متورّكين على أستاههم. والله أعلم. السادسة: استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبُّد بلفظها أو بمعناها؛ فإن كان التعبُّد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها؛ لذمّ الله تعالى مَن بدّل ما أمره بقوله. وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدّي إلى ذلك المعنى؛ ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه. وقد ٱختلف العلماء في هذا المعنى؛ فحُكِيَ عن مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله؛ وهو قول الجمهور. ومنع ذلك جمعٌ كثير من العلماء منهم ٱبن سِيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حَيْوَة. وقال مجاهد: انْقُصْ من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. وكان مالك بن أنس يشدّد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا. وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحوناً ويعلمون ذلك ولا يغيّرونه. وروى أبو مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد قال: قال عمر بن الخطاب: مَن سمع حديثاً فحدّث به كما سمع فقد سلم. وروي نحوه عن عبد اللَّه بن عمرو وزيد بن أرقم. وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛ فإن منهم من يعتدّ بالمعنى ولا يعتدّ باللفظ، ومنهم من يشدّد في ذلك ولا يفارق اللفظ. وذلك هو الأحوط في الدّين والأتقى والأولى؛ ولكن أكثر العلماء على خلافه. والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها. وروي عن واثلة بن الأَسْقَع أنه قال: ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم؛ حسبكم المعنى. وقال قتادة عن زُرارة بن أوْفَى: لقيت عدّة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فٱختلفوا عليّ في اللفظ وٱجتمعوا في المعنى. وكان النَّخَعِيّ والحسن والشعبيّ رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال سفيان الثورِيّ رحمه الله: إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدّقوني؛ إنما هو المعنى وقال وَكِيع رحمه الله: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس. وٱتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم؛ وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف، فقصّ قِصصاً ذكر في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربيّ وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان. وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فَلأن يجوز بالعربية أوْلى. ٱحتج بهذا المعنى الحسن والشافعيّ، وهو الصحيح في الباب. فإن قيل: فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : نَضّر الله ٱمرأً سمع مقالتي فبلّغها كما سمعها»تفسير : وذكر الحديث. وما«حديث : ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلاً أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه: «آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيّك الذي أرسلت»؛ فقال الرجل: ورسولك الذي أرسلت؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ونبيّك الذي أرسلت»»تفسير : . قالوا: أفلا ترى أنه لم يسوّغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال: «حديث : فأدّاها كما سمعها»تفسير : . قيل لهم: أما قوله: «حديث : فأدّاها كما سمعها» تفسير : فالمراد حكمها لا لفظها؛ لأن اللفظ غير معتدٍّ به. ويدلّك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله: «حديث : فرُبّ حامِل فقه غير فقيه ورُبّ حامِل فقه إلى من هو أفقه منه»تفسير : . ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد؛ وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة؛ لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة؛ وذلك أدلّ دليل على الجواز. وأما ردّه عليه السلام الرجلَ من قوله: «ورسولك ـ إلى قوله ـ ونبيك»؛ لأن لفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمدح؛ ولكل نعت من هذين النعتين موضع. ألا ترى أن ٱسم الرسول يقع على الكافة، وٱسم النبيّ لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام! وإنما فُضّل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوّة والرسالة. فلما قال: «ونبيك»، جاء بالنعت الأمدح، ثم قيّده بالرسالة بقوله: «الذي أرسلت». وأيضاً فإن نقله من قوله «ورسولك ـ إلى قوله ـ ونبيك» ليجمع بين النبوّة والرسالة. ومستقبح في الكلام أن تقول: هذا رسول فلان الذي أرسله، وهذا قتيل زيد الذي قتله؛ لأنك تجتزىء بقولك: رسول فلان، وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل؛ إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأوّل. وإنما يحسن أن تقول: هذا رسول عبد اللَّه الذي أرسله إلى عمرو، وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا. والله وليّ التوفيق. فإن قيل: إذا جاز للرّاوي الأوّل تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأوّل، ويؤدّي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها. قيل له: الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا؛ فإن عُدمت لم يجز. قال ٱبن العربيّ: الخلاف في هذه المسألة إنما يُتصوّر بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجِبِلّية الذّوقية؛ وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز؛ إذ الطباع قد تغيّرت، والفهوم قد تباينت، والعوائد قد ٱختلفت؛ وهذا هو الحق. والله أعلم. قال بعض علمائنا: لقد تعاجم ٱبن العربيّ رحمه الله؛ فإن الجواز إذا كان مشروطاً بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم؛ ولهذا لم يفصّل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل. نعم، لو قال: المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب، والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} قراءة نافع بالياء مع ضمها. وٱبن عامر بالتاء مع ضمها، وهي قراءة مجاهد. وقرأها الباقون بالنون مع نصبها، وهي أبينها؛ لأن قبلها {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ} فجرى {نَّغْفِرْ} على الإخبار عن الله تعالى؛ والتقدير وقلنا ٱدخلوا الباب سُجّداً نغفر، ولأن بعده {وَسَنَزِيدُ} بالنون. و {خَطَايَاكُمْ} ٱتباعاً للسواد وأنه على بابه. ووجه من قرأ بالتاء أنه أنث لتأنيث لفظ الخطايا؛ لأنها جمع خطيئة على التكسير. ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله؛ على ما تقدّم في قوله: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}. وحَسُن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله: {وَإِذْ قُلْنَا} لأنه قد عُلِم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى؛ فٱستغنى عن النون وردّ الفعل إلى الخطايا المغفورة. الثامنة: واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة؛ فقال الخليل: الأصل في خطايا أن يقول: خطاييء. ثم قلب فقيل: خطائي بهمزة بعدها ياء، ثم تبدل من الياء ألفاً بدلاً لازماً فتقول: خطاءاً؛ فلما ٱجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات، فأبدلت من الهمزة ياء فقلت: خطايا. وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأوّل خطايىء، ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول: خطائىء، ولا تجتمع همزتان في كلمة؛ فأبدلت من الثانية ياء فقلت: خطائي، ثم عملت كما عملت في الأول. وقال الفرّاء: خطايا جمع خطية بلا همز؛ كما تقول: هديّة وهدايا. قال الفراء: ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت: خطاءا. وقال الكسائي: لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة؛ كما قلت: دواب. التاسعة: قوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي في إحسان من لم يعبد العجل. ويقال: يغفر خطايا من رفع المنّ والسَّلْوَى للغد، وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد. ويقال: يغفر خطايا من هو عاص، وسيزيد في إحسان من هو محسن؛ أي نزيدهم إحساناً على الإحسان المتقدّم عندهم. وهو ٱسم فاعل من أحسن. والمحسن: من صحح عقد توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شرّه. وفي حديث جبريل عليه السلام: «حديث : ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت»تفسير : وذكر الحديث. خرّجه مسلم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } يعني بيتَ المقدس، وقيل أريحا أمروا به بعد التيه. {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } واسعاً، ونصبه على المصدر، أو الحال من الواو. {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } أي باب القرية، أو القبة التي كانوا يصلون إليها، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام. {سُجَّدًا } متطامنين مخبتين، أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } أي مسألتنا، أو أمرك حطة وهي فعلة من الحط كالجلسة، وقرىء بالنصب على الأصل بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، أو على أنه مفعول {قُولُواْ } أي قولوا هذه الكلمة. وقيل معناه أمرنا حطة أي: أن نحط في هذه القرية ونقيم بها. {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } بسجودكم ودعائكم. وقرأ نافع بالياء وابن عامر بالتاء على البناء للمفعول. وخطايا أصله خطايىء كخطايع، فعند سيبويه أنه أبدلت الياء الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف، واجتمعت همزتان فأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً، وكانت الهمزة بين الألفين فأبدلت ياء. وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بهما ما ذكر. {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } ثواباً، جعل الامتثال توبة للمسيء وسبب زيادة الثواب للمحسن، وأخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله، فكيف إذا فعله، وأنه تعالى يفعل لا محالة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لائماً على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم، وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم؛ كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس؛ كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد. وقد قال الله تعالى حاكياً عن موسى: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا}تفسير : [المائدة: 21] الآيات. وقال آخرون: هي أريحاء، ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء، وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلاً حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد {سُجَّدًا} أي: شكراً لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم، وإنقاذهم من التيه والضلال، قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس إنه كان يقول في قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا} أي: ركعاً، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا} قال: ركعاً من باب صغير، رواه الحاكم من حديث سفيان به، ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان، وهو الثوري، به وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم، وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي، وحكي عن بعضهم أن المراد ههنا بالسجود الخضوع؛ لتعذر حمله على حقيقته، وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قبل القبلة، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس، وحكى الرازي عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القبلة، وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق، وقال السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن عبد الله بن مسعود: قيل لهم: ادخلوا الباب سجّداً، فدخلوا مقنعي رؤوسهم، أي: رافعي رؤوسهم، خلاف ما أمروا، وقوله تعالى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: مغفرة، استغفروا، وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه، وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: قولوا: هذا الأمر حق؛ كما قيل لكم، وقال عكرمة: قولوا: {لا إله إلا الله}، وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه، فسأله عن قوله تعالى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} فكتب إليه أن: أقروا بالذنب، وقال الحسن وقتادة: أي: احطط عنا خطايانا {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وقال: هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم، غفرنا لكن الخطيئات، وضاعفنا لكم الحسنات. وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم، ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى؛ كما قال تعالى: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}تفسير : [النصر: 1 - 3] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس بأنه نعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله فيها، وأقره على ذلك عمر رضي الله عنه، ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك، ونعى إليه روحه الكريمة أيضاً، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يظهر عليه الخضوع جداً عند النصر؛ كما روي أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلاً إليها من الثنية العليا، وأنه لخاضع لربه، حتى إن عثنونه ليمس مورك رحله؛ شكراً لله على ذلك، ثم لما دخل البلد، اغتسل وصلى ثماني ركعات، وذلك ضحى، فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى، وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح، فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلداً أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله؛ كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات. والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل: يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم. وقوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} قال البخاري: حدثني محمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : قيل لبني اسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا، وقالوا: حبة في شعرة»تفسير : ورواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الرحمن به موقوفاً، وعن محمد بن عبيد بن محمد عن ابن المبارك ببعضه مسنداً في قوله تعالى: {حِطَّةٌ} قال: فبدلوا، وقالوا: حبة، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله لبني إسرائيل: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} فبدلوا، ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، فقالوا: حبة في شعرة»تفسير : وهذا حديث صحيح رواه البخاري عن إسحاق بن نصر، ومسلم عن محمد بن رافع، والترمذي عن عبد الرحمن ابن حميد، كلهم عن عبد الرازق به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا أتهم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً - يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة»تفسير : وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح. وحدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله لبني إسرائيل: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ}»تفسير : ثم قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا ابن أبي فديك عن هشام بمثله، هكذا رواه منفرداً به في كتاب الحروف مختصراً. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا أحمد بن المنذر القزاز حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من آخر الليل، أجزنا في ثنية يقال لها: ذات الحنظل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم»تفسير : وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 142] قال: اليهود، قيل لهم: ادخلوا الباب سجداً، قال: ركعاً، وقولوا: حطة، أي: مغفرة، فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وقال الثوري عن السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود: وقولوا حطة، فقالوا: حنطة، حبة حمراء فيها شعيرة، فأنزل الله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هطا سمعاثا أزبة مزبا، فهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء، فذلك قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد عن ابن عباس في قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} قال: ركعاً من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا: حنطة، فذلك قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وهكذا روي عن عطاء ومجاهد وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن رافع. وحاصل ما ذكره المفسرون، وما دل عليه السياق، أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجداً، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزؤوا، فقالوا: حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته. ولهذا قال: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب، وهكذا روي عن مجاهد وأبي مالك والسدي والحسن وقتادة أنه العذاب. وقال أبو العالية: الرجز: الغضب، وقال الشعبي: الرجز: إما الطاعون، وإما البرد، وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد، يعني ابن أبي وقاص، عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهم، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الطاعون رجز عذاب، عذب به من كان قبلكم»تفسير : وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت: «حديث : إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها»تفسير : الحديث، قال ابن جرير: أخبرني يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس عن الزهري، قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن هذا الوجع والسقم رجز، عُذب به بعض الأمم قبلكم»تفسير : وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين من حديث الزهري ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم بن أبي النضر عن عامر بن سعد بنحوه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا } لهم بعد خروجهم من التيه {ٱدْخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } بيت المقدس أو أريحا {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } واسعاً لا حَجْرَ فيه {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } أي بابها {سُجَّدًا } منحنين {وَقُولُواْ } مسألَتُنا {حِطَّةٌ } أي أن تَحُطُّ عنا خطايانا {نَّغْفِرْ } وفي قراء بالياء والتاء مبنيًّا للمفعول فيهما {لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } بالطاعة ثواباً.

الشوكاني

تفسير : قال جمهور المفسرين: القرية هي بيت المقدس. وقيل إنها أريحاء قرية من قرى بيت المقدس، وقيل: من قرى الشام. وقوله: {كُلُواْ } أمر إباحة، و {رَغَدًا } كثيراً واسعاً، وهو: نعت لمصدر محذوف، أي: أكلاً رغداً، ويجوز أن يكون في موضع الحال، وقد تقدم تفسيره. والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم بباب حطة. وقيل: هو: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل. والسجود قد تقدم تفسيره: وقيل: هو: هنا الانحناء، وقيل: التواضع والخضوع، واستدلوا على ذلك بأنه لو كان المراد السجود الحقيقي الذي هو وضع الجبهة على الأرض لامتنع الدخول المأمور به؛ لأنه لا يمكن الدخول حال السجود الحقيقي. وقال في الكشاف: إنهم أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله، وتواضعاً. واعترضه أبو حيان في النهر المادّ، فقال: لم يؤمروا بالسجود، بل هو: قيد في وقوع المأمور به، وهو: الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية. انتهى. ويجاب عنه بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال: اخرج مسرعاً، فهو أمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفاً للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسباً تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيوداً مأموراً بها هو شيء زائد على مجرد التقييد. وقوله: {حِطَّةٌ } بالرفع في قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ، قال الأخفش: وقرئت: «حطة» نصباً على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة، وقيل معناها الاستغفار ومنه قول الشاعر:شعر : فَازَ بِالحطةِ التي أمرَ الله بها ذَنْبَ عبده مَغْفُوراً تفسير : وقال ابن فارس في المجمل: {حطة} كلمة أمروا بها، ولو قالوها لحطت أوزارهم. قال الرازي في تفسيره: أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة؛ وذلك لأن التوبة صفة القلب، فلا يطلع الغير عليها، وإذا اشتهر، وأخذ بالذنب، ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب؛ لأن التوبة لا تتمّ إلا به. انتهى. وكون التوبة لا تتم إلا بذلك لا دليل عليه، بل مجرد عقد القلب عليها يكفي، سواء اطلع الناس على ذنبه أم لا. وربما كان التكتم بالتوبة على وجه لا يطلع عليها إلا الله - عزّ وجل - أحبّ إلى الله، وأقرب إلى مغفرته، وأما رفع ما عند الناس من اعتقادهم بقاءه على المعصية، فذلك باب آخر. وقوله: {نَغْفِرْ لَكُمْ } قرأ نافع بالياء التحتية المضمومة، وقرأه ابن عامر بالتاء الفوقية المضمومة، وقرأه الباقون بالنون، وهي أولى. والخطايا جمع خطيئة بالهمز، وقد تكلم علماء العربية في ذلك بما هو معروف في كتب الصرف، وقوله: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: نزيدهم إحساناً على إحسانهم المتقدم، وهو اسم فاعل من أحسن، وقد ثبت في الصحيح: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الإحسان فقال: حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : وقوله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } قيل: إنهم قالوا: حنطة. وقيل غير ذلك، والصواب أنهم قالوا: حبة في شعرة كما سيأتي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } هو من وضع الظاهر موضع المضمر لنكتة، كما تقرر في علم البيان، وهي هنا: تعظيم الأمر عليهم وتقبيح فعلهم، ومنه قول عدي بن زيد:شعر : لا أرَى المْوت يسبق الموتَ شيءٌ نغَّص الموت ذا الغنَى والفَقِيرا تفسير : فكرر الموت في البيت ثلاثاً؛ تهويلاً لأمره، وتعظيماً لشأنه. وقوله: {رِجْزًا } بكسر الراء في قراءة الجميع إلا ابن مُحَيْصن، فإنه قرأ بضم الراء. والرجز: العذاب، والفسق قد تقدم تفسيره. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } قال: بيت المقدس. وأخرج بن جرير عن ابن زيد قال: هي أريحاء قرية من بيت المقدس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } قال: باب ضيق {سُجَّدًا } قال: ركعاً. وقوله: {حِطَّةٌ } قال: مغفرة، فدخلوا من قبل أستاهم، وقالوا: حنطة؛ استهزاء. قال: فذلك قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الباب هو أحد أبواب بيت المقدس، وهو: يدعى باب حطة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: قيل لهم: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً } فدخلوا مقنعي رءوسهم، وقالوا حنطة: حبة حمراء فيها شعيرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا } قال: طأطئوا رءوسكم. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } قال: قولوا لا إلٰه إلا الله. وأخرج البيهقي في الأسماء، والصفات عن ابن عباس في قوله: {قُولُواْ حِطَّةٌ } قال: لا إلٰه إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كان الباب قبل القبلة. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً، وقولوا حطة، فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستأهم، وقالوا حبة في شعرة»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة»تفسير : ، والأول أرجح لكونه في الصحيحين. وقد أخرجه معهما من أخرج هذا الحديث الآخر: أعني ابن جرير، وابن المنذر. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عليّ قال: إنما مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح، وكباب حطة في بني إسرائيل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني: العذاب. وأخرج مسلم، وغيره من حديث أسامة بن زيد وسعد بن مالك وخزيمة بن ثابت، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وإن الطاعون رجز، وبقية عذاب عُذِّب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض، فلا تدخلوها».

الماوردي

تفسير : قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ}: اختلفوا فيها على ثلاثةِ أقاويلَ: أحدها: أنها بيت المقدس، وهو قول قتادة، والربيع بن أنس. والثاني: أنها قريةٌ ببيت المقدس، وهو قول السدي. والثالث: أنها "أريحا" قرب بيت المقدس، وهو قول ابن زيد. قوله عز وجل: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً}. اختلفوا في الباب على قولين: أحدهما: أنه باب حِطَّةَ وهو الباب الثامن ببيت المقدس، وهذا قول مجاهد، والسُّدِّيِّ. والثاني: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها. وفي قوله: {سُجَّداً} تأويلان: أحدهما: يعني: رُكَّعاً، وهذا قول ابن عباس. والثاني: معناه: خاضعين متواضعين. وأصل السجود الانحناء تعظيماً لمن يُسجَد له، وخضوعاً، ومنه قول الشاعر: شعر : بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ تفسير : وقال أعشى قيس: شعر : يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ ـكِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً تفسير : وفي قوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} أربعةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه قول: لا إله إلا الله، وهو قول عكرمة. والثاني: أن "حِطَّة" المغفرة، فكأنه أمر بالاستغفار، وهو رواية سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ. والثالث: هو قولهم: هذا الأمر حق كما قيل لكم، وهو رواية الضحاك، عن ابن عباسٍ. والرابع: معناه: حُطَّ عنا خطايانا، وهو قول الحسن، وقتادة، وابن زيدٍ، وهو أشبهُ بظاهر اللفظ. قوله عز وجل: {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} أي نرحمْكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. والخطأ: العدولُ عن القصد، يقال خَطِئ الشيءَ خَطَأً، إذا أصابه ولم يُرِدْهُ، وأَخْطَأَ يُخْطِئُ، إذا أراده ولم يُصِبْهُ، فالأول خاطئ والثاني مُخطِئ. وأصل المغفرة: التغطية والستر؛ ولذلك قيل للبيضة من الحديد: مِغْفَرٌ، لأنها تُغَطِّي الرأسَ وتُغَطِّي الرأسَ وتُجِنُّهُ، ومنه قول أوسِ بنِ حجر: شعر : وَلاَ أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ مُخْطِئاً وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ جَاهِلاً تفسير : قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} يعني أنهم بَدَّلوا ما أمِروا به من قول وفعل، فأُمِرُوا أن يدخُلُوا الباب سُجَّداً، فَدَخَلُوا يزحفون على أستاهم، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فقالوا: حنطة في شعير، مستهزئين بذلك. {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً من السَّمَاءِ}: وفي الرجز ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العذاب، وهو قول ابن عباس وقتادة. والثاني: أنه الغضب، وهو قول أبي العالية. والثالث: أنه الطاعون، بعثه الله عليهم فأهلكهم، وبقي الأبناء، وهو قول ابن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقَرْيَةَ} بيت المقدس، أو قرية بيت المقدس، أو أريحيا. {الْبَابَ} باب القرية المأمور بدخولها، أو باب حِطة، وهو الثامن من بيت المقدس. {سُجَّداً} ركعاً، أو متواضعين خاضعين، أصل: السجود الانحناء تعظيماً وخضوعاً. {حِطَّةٌ} لا إله إلا الله، أو أُمروا بالاستغفار أو حط عنا خطايانا، أو قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم. [ {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} ] نغفرها بسترها عليكم فلا نفضحكم، من الغفر وهو الستر، ومنه بيضة الحديد: مغفر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} سميت قرية لاجتماع الناس فيها قال ابن عباس: هي أريحاء قرية الجبارين وقيل: كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون لأنه هو الذي فتح أريحاء بعد موت موسى لأن موسى مات في التيه، وقيل: هي بيت المقدس وعلى هذا فيكون القائل موسى. والمعنى إذا خرجتم من التيه بعد مضي الأربعين سنة، ادخلوا بيت المقدس {فكلوا منها حيث شئتم رغداً} أي موسعاً عليكم {وادخلوا الباب} فمن قال: إن القرية أريحاء قال ادخلوا من أي باب كان من أبوابها وكان لها سبعة أبواب ومن قال إن القرية هي بيت المقدس قال هو باب حطة {سجداً} محنين خضعاً متواضعين كالراكع ولم يرد به نفس السجود {وقولوا حطة} أي حط عنا خطايانا أمروا بالاستغفار. وقال ابن عباس قولوا لا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب والخطايا على تقدير مسألتنا حطة {نغفر لكم خطاياكم} أي نسترها عليكم من الغفر وهو الستر لأن المغفرة تستر الذنوب {وسنزيد المحسنين} يعني ثواباً {فبدل} أي فغير {الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} أي قالوا قولاً غير ما قيل لهم، وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، وقالوا بلسانهم حطاناً سمقاثاً أي حنطة حمراء، وذلك استخفافاً منهم بأمر الله تعالى. وقيل: طؤطئ لهم للباب ليخفضوا رؤوسهم فأبوا ذلك ودخلوا زحفاً على أستاههم فخالفوا في الفعل ما خالفوا في القول، وبدلوه (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة " تفسير : {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء} يعني عذاباً من السماء، قيل: أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً {بما كانوا يفسقون} أي يعصون ويخرجون عن أمر الله تعالى. قوله عز وجل: {وإذ استسقى موسى لقومه} أي طلب السقيا لقومه، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال مبيناً {فقلنا اضرب بعصاك} وكانت العصا من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه الصلاة والسلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً واسمها عليق، وقيل: نبعة حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى {الحجر} قال وهب: لم يكن حجراً معيناً بل كان موسى يضرب أي حجر كان فيتفجر عيوناً لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطاً، وقيل: كان حجراً معيناً بدليل أنه عرفه بالألف واللام قال ابن عباس: كان حجراً خفيفاً مربعاً قدر رأس الرجل وكان موسى عليه الصلاة والسلام يضعه في مخلاة، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه وقيل: كان للحجر أربعة وجوه في كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل كان من الرخام وقيل، كان من الكذان وهي الحجارة الليّنة وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه ليغتسل، ففر به فأتاه جبريل وقال إن الله يأمرك أن ترفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة فوضعه في مخلاة فلما سألوه السقيا قيل اضرب بعصاك الحجر فكان إذا احتاجوا إلى الماء، وضعه وضربه بعصاه فتتفجر منه عيون لكل سبط عين تسيل إليهم في جدول، وكان إذا أراد حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء وييبس الحجر فذلك قوله تعالى: {فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً} يعني على عدد أسباط بني إسرائيل، والمعنى فضربه فانفجرت قال المفسرون: انفجرت وانبجست: بمعنى واحد وقيل انبجست أي عرقت وانفجرت أي سالت {قد علم كل أناس مشربهم} أي موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره {كلوا واشربوا} أي وقلنا لهم كلوا واشربوا {من رزق الله} يعني المن والسلوى والماء فهذا كله من رزق الله كان يأتيهم بلا مشقة ولا كلفة {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} العيث أشد الفساد في هذه الآية معجزة عظيمة لموسى عليه الصلاة والسلام، حيث انفجر من الحجر الصغير ما روى منه الجمع الكثير ومعجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم لأنه انفجر من بين أصبعيه فروى منه الجم الغفير، لأن انفجار الماء من الدم واللحم أعظم من انفجاره من الحجر.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ...} قال ابن عرفة: هذا إما خطاب لهم مباشرة أو بواسطة. والأول: (يمتنع) لأنّ الله تعالى لم يباشرهم بالخطاب إلا على لسان نبيه إلا أن يكون الخطاب لجماعة أنبياء وهو بعيد. والثاني: أيضا ممتنع لأنهم غائبون عن الخطاب، وفعل الأمر الغائب إنما يكون باللام فكيف (يقول): "ادْخُلُوا". وأجيب باختيار أنه مباشرة، وأن قول الرّسول لهم منزل منزلة خطاب الله لهم قال الله تعالى: {أية : مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : وكما يقول الملك: بنيت داري، وكاتبت فلانا (بكذا) وهو لم يفعله بنفسه، إنما فعله أعوانه وخدمه. قال ابن عرفة: والقرية إن أريد بها بيت المقدس فصيغة أفعل للطلب، وإن أريد بها (أريحا) فهي للإباحة. قيل لابن عرفة: هذا أمر ورد عقب الحظر فهو للإباحة (مطلقا)؟ فقال: لم يرد عقب الحظر القولي، وإنما (ورد) عقب (الحظر) الجبري (المعلن) بالبقاء في أرض وعدم التمكن في الخروج عنها أربعين سنة ولم يقع هنالك نهي بالقول حتى يكون هذا أمر بعده. قيل له: قد قال تعالى: {أية : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً }؟ تفسير : فقال: هذا إخبار عن واقع، لأنهم كلفوا بالبقاء فيها وعدم الخروج بل منعوا من ذلك فمقامهم ليس باختيارهم لأجل التكليف به، بل جبرا واضطرارا لأجل عدم قدرتهم على الخروج. قال ابن عرفة: وعموم "حيث شئتم" مخصوص بالمساجد، (فإنه) يمتنع الأكل فيها. قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً...} أعيد لفظ "ادْخُلُوا" (لأجل وصفهم) سجدا فليس بتكرار، والمراد بالسجود الركوع لتعذر الدخول حالة السجود أو يكون حالا مقدرة، فيكون الدخول سابقا على السجود. واحتج ابن التلمساني على أن الواو لا تفيد ترتيبا بكون المقدم هنا مؤخرا في سورة الأعراف، فلو كانت الواو للترتيب للزم عليه: إما التنافي بين الآيتين، أو المجاز في أحدهما، وأجاب بأنه قصد تكليفهم ((بأن يقولوا: حطة (حال كونهم) قبل السجود وبعده، وأجاب أبو جعفر (الزّبير) بأنه قصد تكليفهم)) بالجمع بين السجود والقول في حالة واحدة لأن كلا الأمرين حصل له وصف (الاهتمام) بالتقديم. قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ...} قال الفخر الرّازي: يحتج بها على المعتزلة في قولهم: إن قبول التوبة واجب عقلا لأجل ما اشتملت عليه من أوصاف الامتنان بتعداد (النعم)، فغفران الخطايا نعمة وتفضل (لا أنّه) واجب لأجل التوبة. ورده ابن عرفة: بأنهم يقولون: إن الامتنان بهذه النعمة سبب لطريق التوبة والخطايا مرتفعة بالتوبة. قوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال ابن عرفة: لما تضمّن الكلام السابق حصول المغفرة لهؤلاء وعدم المؤاخذة بالذنب فقط من غير زيادة على ذلك أفاد هذا أن المحسنين لهم مع ذلك ثواب جزيل وعبر عنهم بالاسم تهييجا على الاتصاف بذلك وإشارة إلى (أنّ) الزيادة إنما هي لمن بالغ في الإحسان وحصل منه الحظ (الوافر) (لينَالَها) من حصل مطلقة وأدناه. فإن قلت: لم قال هنا: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَة فَكُلُواْ}، وفي الأعراف {أية : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ }؟ تفسير : قلت: نقل (لي) عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام أنه قَال: إن كانت القصة واحدة، وتلك مكررة بهذه، فعبر فيها بـ"قيل لهم" عن "قُلْنَا" التي في هذه، وأخبر بما بعد الدخول وهو السكنى (لالتزامها) إيّاه وان (كانا) قصتين فتلك بعد هذه. وأجاب أبو جعفر (الزبير) بأنهم أمروا أولا بالوسيلة وهو الدخول، ثم أمروا (بالمقصد)وهو السكنى. قال الشيخ أبو جعفر: وعطف هنا بالفاء لأن الأكل من الموضع (لا يكون) إلا بعد الدخول عليه وعطف في الأعراف (بالواو) لأنّ السكنى قد تقارن الأكل، وقد يتأخر عنه، وقد يتقدم (عليه) قال ابن عبد السلام: أو هما قصتان أو يقال: لما فيهم التعقيب من الأول لم يحتج إلى إعادته في الثانية وقال هنا: {حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}. وأسقط في الأعراف (رغدا) لأن السكنى يفهم منها الملازمة والدوام وعطفها على الأمر بالأكل من حيث شاء، وأشعر بدوام الأكل من غير مانع (فتحصل) فيه معنى الرغد (فأغنى) عن ذكره هناك وقال هنا {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}، وفي الأعراف على قراءة الجماعة غير أبي عمرو وابن عامر، (نَغْفِرْ لَكُمْ) خَطَايَاكُمْ، مجموعة جمع سلامة ولأن آية البقرة (بنيت) على كثرة تعداد النعم فناسبت جمع الكثرة وآية الأعراف لم يبالغ فيها بكثرة تعداد النعم فناسبت جمع القلة وهو جمع السلامة. وقلت: ونقل/ لي عن القاضي ابن عبد السلام أجاب بأن آية البقرة صدرت بـ "إِذْ قُلْنَا" المكنى به عن الله تعالى فناسب جمع الكثرة (ولما ذكر) هنا {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} بحذف الفاعل فناسب جمع القلة، وقال هناك "وَسَنَزِيدُ" بالواو وفي الأعراف بغير واو لأن البقرة بولغ فيها بتعداد ما لم يبالغ في الأعراف، أي ولنجزي المُحْسِنِينَ على مَا تَقَدّم من تعداد النعم بالعفو وزيادة الإحسان.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يغفر لكم} بضم الياء التحتانية وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وجبلة. {تغفر لكم} بضم التاء الفوقانية وفتح الفاء: ابن عامر وأبو زيد عن المفضل. الباقون {نغفر} بالنون وكسر الفاء {يغفر لكم} مدغماً كل القرآن: أبو عمرو. {خطاياكم} وبابه بالإمالة: علي {قولاً غير} بالإخفاء: يزيد وأبو نشيط عن قالون، وكذلك يخفيان النون والتنوين عند الخاء والغين سواء وسط الكلمة أو أولها. الوقوف: {خطاياكم} (ط) {المحسنين} (ه) {يفسقون} (ه). التفسير: القرية مجتمع الناس من قرأت الماء في الحوض أي جمعت. وبهذا الاعتبار كثيراً ما تطلق القرية على البلدة، والجمع القرى على غير قياس. وإنما قياسه من المعتل اللام "فعال" نحو: ركوة وركاء، وظبية وظباء، والنسبة إليها قروي. وهو على القياس عند يونس حيث قال: ظبوي في النسبة إلى ظبية، وعلى خلاف القياس عند الخليل وسيبويه حيث يقولان: ظبي على مثال الصحيح. والقرية بيت المقدس، وقيل: أريحاء من قرى الشام. أمروا بدخولها بعد التيه. والباب باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب تواضعاً وشكراً لله تعالى. وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بإخبات وخشوع. وقيل: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ودخلوا متزحفين على أوراكهم من الزحف وهو المشي على الأوراك. و {حطة} فعلة من الحط كالجلسة خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، أو أمرك وأصله النصب معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا حطة، فرفعت لإفادة الثبوت كقوله: شعر : شكــا إلــيّ جملــي طــول الســرى يــا جملــي ليــس إلــيّ المشتكــى صبــر جميــــل فكـــــلانـــا مبتلــــى تفسير : الأصل صبراً أي أصبر صبراً. كان القوم أمروا أن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وذلك أن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لا لأن التوبة لا تتم إلا به إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام، بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذا من عرف بمذهب خطأ ثم تبين له الحق، فإنه يلزمه أن يعرّف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه لتزول التهمة عنه في الثبات على الباطل، وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ويحسنوا الظن به. وعن أبي مسلم الأصفهاني: أن معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها. وأصل الغفر الستر والتغطية. ومعنى القراءات في {نغفر لكم} واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله. والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث. والخطء الذنب قال تعالى {أية : إن قتلهم كان خطأ كبيراً}تفسير : [الإسراء: 31] تقول منه خطئ يخطأ خطأً وخطأة على فعلة. والاسم الخطيئة على "فعيلة" وجمعها خطايا وأصله خطايء بياء ثم همز، أبدلت الهمزة ألفاً فانفتحت الياء لأجلها. {وسنزيد المحسنين} المفعول الثاني محذوف للعلم به ولمكان الفاصلة أي سنزيدهم إحساناً أو ثواباً أو سعة، وذلك أن المراد من المحسنين إما من هو محسن بالطاعة في هذا التكليف، وإما من هو محسن بطاعات أخرى في سائر التكاليف. وعلى الأول فالزيادة الموجودة إما منفعة دنيوية، فالمعنى أن المحسن بهذه الطاعة نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وإما منفعة دينية أي المحسن بهذا نزيده على غفران الذنوب ثواباً جزيلاً. وعلى الثاني فالمعنى أنّا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم {حطة} مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إن أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى زدناكم ثواباً. ويحتمل أن يكون المراد أنهم صنفان: فمن مخطئ تصير الكلمة سبباً لغفرانه، ومن محسن تصير سبباً لزيادة ثوابه قوله تعالى {فبدل الذين ظلموا} قال أبو البقاء: التقدير فبدلوا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم. يتعدى إلى مفعولين: واحد بنفسه والآخر بالباء. والذي مع الباء يكون هو المتروك، والذي بغير باء هو الموجود. ويجوز أن يكون "بدل" بمعنى "قال"، لأن تبديل القول يكون بقول. والمعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ معين وهو لفظ حطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يأخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف عنا ونحو ذلك. وقيل: قالوا مكان حطة حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية والنبط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين حطاً سمقاثاً أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة"تفسير : وفي تكرير {الذين ظلموا} ووضع المظهر موضع المضمر، زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وهو أن وضعوا غير ما أمروا به مكان ما أمروا به. والرجز العذاب. عن ابن عباس: مات بالفجأة منهم أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة. وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي عشرون ألفاً. وقيل: سبعون ألفاً. ومعنى {من السماء} يحتمل أن يكون شيئاً نازلاً من جهة العلو كريح ونحوه، ويحتمل أن يراد من قبل الأمر النازل من عند الله تفظيعاً لشأن العذاب. والفسق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته بارتكاب الكبيرة، فالمراد {بما كانوا يفسقون} إما الظلم المذكور وفائدة التكرار التأكيد، وإما أن يراد أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل. ونزول الرجز عليهم من السماء بالفسق الذي كانوا يفعلون قبل ذلك التبديل مستمراً إلى أوان هذا الظلم، وهذا أظهر لزوال التكرير، ولأن لفظة "كانوا" تنبئ عن خصلة مستمرة، والخصلة الواحدة المعينة لا يتصور فيها الاستمرار. فلو كان المراد ذلك لقيل بما فسقوا. وربما احتج أصحاب الشافعي بقوله تعالى {فبدل الذين ظلموا} أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التحميد والتعظيم والتسبيح، ولا تجوز القراءة بالفارسية، وكذا لا يجوز تبديل ما ورد به التوقيف من الأذكار بغيرها. وأجيب بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم. فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك. ورد بأن ظاهر الآية يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أم لم يتفقا. (أسئلة) لم قال في "البقرة" {وإذ قلنا} وفي "الأعراف" {وإذ قيل} لأنه صرح بالقائل في أول القرآن إزالة للإبهام، ولأن الكلام مرتب على قوله {اذكروا نعمتي} وفي "الأعراف" لم يبق الإبهام. ولم قال ههنا {ادخلوا} وهناك {اسكنوا}؟ لأن الدخول مقدم على السكون، "والبقرة" مقدمة في الذكر على "الأعراف". ولم قال في "البقرة" {فكلوا} وفي "الأعراف" {وكلوا} بالواو؟ لما بينا في قوله {وكلا منها رغداً}. ولم قال في "البقرة" {خطاياكم} وفي "الأعراف" {خطيئاتكم}؟ لأن الخطايا جمع الكثرة، والخطيئات جمع السلامة للقلة، وقد أضاف القول ههنا إلى نفسه فكان اللائق بكرمه غفران الذنوب الكثيرة، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال على الكثرة واجباً. ولمثل هذا الجواب ذكر ههنا {رغداً} ليدل على الإنعام الأتم، ولم يذكر في "الأعراف"، ولم قال ههنا {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} وفي "الأعراف" بالعكس؟ لأن الواو للجمع المطلق، ولأن المخاطبين صنفان: محسن ومذنب. واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع، ثم ذكر التوبة على سبيل هضم النفس وإزالة العجب. واللائق بالمسيء عكس ذلك، ولأنه ذكر في هذه السورة {ادخلوا هذه القرية} فقدم كيفية الدخول. ولم قال في "البقرة" {وسنزيد} وفي "الأعراف" {سنزيد}؟ لأنه في "الأعراف" ذكر امرين: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة. ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران والآخر الزيادة، فترك الواو ليفيا توزيع الجزاءين على الشرطين. وفي "البقرة" وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين، أعني دخول الباب وقول الحطة، فاحتيج إلى الواو وأيضاً الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين قوله {وإذ قلنا} وبين قوله {وسنزيد} بخلاف "الأعراف" لأن اللائق به في الظاهر سيزاد، فحذف الواو ليكون استئنافاً للكلام. وما الفائدة في زيادة كلمة {منهم} في الأعراف؟ لأن أول القصة مبني على التخصيص {أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : [الأعراف: 159] فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدد صنوف إنعامه وأوامره عليهم، فلما انتهت القصة قال {فبدل الذين ظلموا منهم} فهناك ذكر أمة عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما في البقرة فلم يذكر في أول الآيات تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة مثل ذلك. لم قال في "البقرة" {فأنزلنا} وفي "الأعراف" {فأرسلنا} لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة. وقيل: لأن لفظ الإرسال في "الأعراف" أكثر فَرُوعي التناسب. لم قال في "البقرة" {بما كانوا يفسقون} وفي "الأعراف" {يظلمون} لأنه لما بين في البقرة كون الظلم فسقاً اكتفى بذلك البيان في "الأعراف". وأيضاً إنهم ظلموا أنفسهم وخرجوا عن طاعة الله تعالى، فوصفهم بالأمرين في موضعين والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ}. {القَرْيَةَ}: المدينةُ؛ سمِّيت بذلك؛ لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت؛ ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقْدِسِ في قول الجمهور. وقيل: إلى أَرِيحَاء، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شَبَّة: كانت قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسَىٰ وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه؛ لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ. * ت *: لكن ظاهر قوله: { أية : فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [المائدة:25] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإِمام الفَخْر. انتهى. وَ {كُلُواْ }: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغَلَّة، فلذلك قال: {رَغَدًا}. و {ٱلْبَابَ}: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المَقْدِسِ يُعْرَفُ إِلى اليوم بباب حِطَّة، و {سُجَّدًا}: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعاً، وقيل: متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ؛ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء؛ كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة وغيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ»؛ لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ، وقال ابن عَبَّاس: قيل لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم. * ت *: قال أحمد بن نصرٍ الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره»: «حديث : وَرُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَارَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا»تفسير : انتهى. وحكي عن ابن مَسْعود وغيره؛ أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ علَىٰ أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ. وقوله تعالَىٰ: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} عِدَةٌ: المعنَىٰ: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد بــــ {ٱلْمُحْسِنِينَ} هنا. وقوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} الآية. روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القَهْقَرَىٰ، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ علَىٰ أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ؛ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي ٱختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا: حِطَّة، وطُؤْطِىءَ لهم البابُ؛ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة. وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم؛ تنبيهاً أنَّ تكذيبهم لمحمَّد صلى الله عليه وسلم جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم علَىٰ أنبيائهم، وٱستخفافِهِمْ بهم، وٱستهزائِهِمْ بأمر ربِّهم. انتهى. والرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس: أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألْفاً. و {ٱسْتَسْقَىٰ}: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «ٱسْتَفْعَلَ» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك؛ كقوله تعالَىٰ: {أية : وَٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ }،تفسير : [التغابن:6]، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالَىٰ بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأسِ الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسَىٰ، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولَىٰ، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسَىٰ، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ؛ تقديره: فضربه، فٱنفجرَتْ، والانفجار: ٱنصداعُ شيء عن شَيْء؛ ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار. و {أُنَاسٍ}: اسم جمعٍ، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ؛ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ عليه السلام. وقوله سبحانه: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ...} الآية. * ت *: رُوِّينَا من طريق أنس بن مالك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه قال: «حديث : إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَىٰ عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا»تفسير : رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ. انتهى. والمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها. {وَلاَ تَعْثَوْاْ}: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ. * ص *: {مُفْسِدِينَ}: حالٌ مؤكِّدة؛ لأن: «لاَ تَعْثَوْا»: معناه: لا تفسدوا. انتهى.

ابن عادل

تفسير : هذا هو الإنعام الثَّامن، وحذفت الألف من "قلنا" لسكونها، وسكون الدال بعدها، والألف التي يبتدأ بها قبل الدّال ألف وصل؛ لأنه من يدخل. قوله: "هَذِهِ الْقَرْيَةَ". هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، وذلك أنّ كل ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلاّ بـ "في"، تقول: صلّيت في البيت ولا تقول: صلّيت البيت إلاّ ما استثني. ومن جملة ما استثني "دخل" مع كل مكان مختصّ، "دخلت البيت والسُّوق"، وهذا مذهب سيبويه وقال الأخفش: الواقع بعد "دَخَلت" مفعول به كالواقع بعد "هَدَمت" كقولك: "هَدَمت البيت" فلو جاء "دَخَل" مع الظرف تعدّى بـ "في" نحو: "دخلت في الأمر" ولا تقول: "دَخَلْت الأمر"، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير "دخل" تعدّى بـ "في" إلا ما شَذَّ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 510ـ جَزَى اللَّهُ [رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ تفسير : و "القرية" "المدينة"، وهي نعت لـ "هذه"، أو عطف بَيَان كما تقدم، والقرية مشتقّة من قَرَيْتُ أي: جمعت، تقول: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْض، أي: جَمَعْتُهُ، واسم ذلك الماء قِرى ـ بكسر القاف ـ و "المِقْرَاة" للحوض، وجمعها "مَقَارٍ"، قال: [الطويل] شعر : 511ـ عِظَامُ الْمَقَارِي ضَيْفَهُمْ لاَ يُفَزَّعُ ...................... تفسير : و "القَرْيَان": اسم لمجتمع الماء، و "القَرْيَةُ" في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد يطلق عليهم مجازاً، وقوله تعالى {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] يحتمل الوجهين. وقال الراغب: "إنها اسم للموضع وللناس جميعاً، ويُسْتَعْمَل في كل واحد منهما" و "القِرْية" ـ بكسر القاف ـ في لغة "اليمن"، واختلف في تعيينها. فقال الجمهور: هي بيت المقدس. وقال ابن عباس: "أَرِيْحَا" وهي قرية الجَبَّارين، وكان فيها قوم من بَقِيَّةِ عَادٍ يقال لهم: العَمَالقة، ورئيسهم عوج بن علق. وقال "ابن كيسان": "الشّام". وقال الضحاك: "الرَّمْلَة" و "الأردنُّ"، و "فلسطين" و "تَدْمُرُ". وقال مقاتل: "إيليا". وقيل: بلقاء. وقيل: "مصر". والصحيح الأول، لقوله من المائدة: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ}تفسير : [المائدة:21]. قوله: {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} تقدّم الكلام على هذه المادة. قوله: "الْبَابَ سُجَّداً" حال من فاعل "ادْخُلُوا" وهو جمع "سَاجِد". قال أبو البقاء: "وهو أبلغ من السجود"، يعني: أن جمعه على "فُعَّل" فيه من المُبَالغة ما ليس في جمعه على "فُعُول". وأصل باب: بَوَبٌ، لقولهم: أَبْوَاب، وقد يجمع على "أَبْوِبة"؛ لازدواج الكلام؛ قال: [البسيط] شعر : 512ـ هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ أَبْوِبَةٍ يَخْلِطُ بِالْجِدِّ مِنْهُ الْبِرَّ واللِّينا تفسير : ورواه الجَوهريُّ: [البسيط] شعر : 513ـ.................... يَخْلِطُ بالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّيْنَا تفسير : ولو أفرده لم يجز، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : مرحباً بالقَوْمِ ـ أو بالوفد ـ غير خَزَايَا ولا نَدامَى ". تفسير : وتَبَوَّبْتُ بَوَّاباً اتخذته. وأبواب مُبَوَّبة، كقولهم: أصناف مصنّفة، وهذا شيء من بابتك، أي: يصلح لك، وتقدّم معنى السجود. قوله: "وَقُولُوا" قال [ابن كثير] الواو هنا حالية لا عاطفة، أي: ادخلوا سُجَّداً في حال قولكم حطّة. وأما قوله: "حطّة" قرىء بالرّفع والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطّة، أو أمرك حطة. قال: "الزمخشري": والأصل النصب بمعنى: حُطّ عنا ذنوبنا حطّة، وإنما رفعت لتعطي مَعْنَى الثبات كقوله: [الرجز] شعر : 514ـ يَشْكُو إِليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرٌ جَمِيلٌ فكِلاَنَا مُبْتَلى تفسير : والأصل: صبراً عَلَيَّ، اصْبِرْ صبراً، فجعله من باب {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد:24] وتكن الجملة في محلّ نصب بالقول. وقال "ابن عطية" وقيل: أمروا أن يقولوها مرفوعة على هذا اللفظ. يعني: على الحكاية، فعلى هذا تكون هي وحَدْهَا من غير تقدير شيء في محلّ نصب بالقول، وإنما منع [النصب] حركة الحكاية. وقال أيضاً: وقال عكرمة: أُمِرُوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، لِتحطَّ بها ذنوبهم وحَكَى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال: "فعلى هذه الأقوال تقتضي النَّصب"، يعني أنه إذا كان المَعْنَى على أنّ المأمور به لا يتعيّن أن يكون بهذا اللَّفظ الخاصّ، بل بأيّ شيء يقتضي حطّ الخطيئة، فكان ينبغي أن ينتصب ما بعد القول مفعولاً به نحو: قيل لزيد خيراً، المعنى: قل له ما هو من جنس الْخُيُور. وقال النَّحّاس: الرفع أولى، لما حكي عن العرب في معنى "بَدَّل". قال أحمد بن يحيى: يقال: بَدّلته أي غيرته، ولم أزل عينه، وأبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينه وشَخْصَهُ؛ كقوله: [الرجز] شعر : 515ـ عَزْلَ الأَمِيْرِ لِلأمِير الْمُبْدَلِ تفسير : وقال تعالى: {أية : ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ}تفسير : [يونس:15]. وبحديث ابن مسعود قالوا: حطّةٌ تغير على الرَّفع ـ يعني: أن الله ـ تعالى ـ قال: فبدَّلَ الذي يقتضي التَّغيير لا زَوَالَ العين، قال: وهذا المعنى يقتضي الرَّفع لا النصب. وقرأ ابن أبي عبلة: حطَّةً بالنصب وفيها وجهان: أحدهما: أنها مصدر نائب عن الفعل، نحو: ضرباً زيداً. والثاني: أن تكون منصوبة بالقول، أي: قولوا هذا اللَّفظ بعينه، كما تقدم في وجه الرَّفع، فهي على الأوّل منصوبةٌ بالفعل المقدر، وذلك الفعل المقدر ومنصوبه في محل نصب بالقول، ورجح الزمخشري هذا الوجه. و "الحطّة" اسم الهَيْئَةِ من الْحَطِّ كـ"الجِلْسَة" و "الْقِعْدَة". وقيل: هي لفظة أمروا بها، ولا ندري معناها. وقيل: هي التَّوْبة، وأنشد: [الخفيف] شعر : 516ـ فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّـ ـهُ بِهَا ذَنْبَ عَبدِهِ مَغْفُورَا تفسير : فصل في المراد بالباب اختلفوا في "الباب" قال ابن عباس، ومجاهد، والضّحاك، وقتادة: إنه باب يدعى باب الحطّة من بيت المقدس، وحكى الأَصَمّ عن بعضهم أنه عنى بالباب جِهَةً من جهات القرية، ومدخلاً إليها. واختلفوا في "السُّجود"، فقال الحسن: أراد به نفس السُّجود، أي: إلصاق الوجه بالأرض، وهذا بعيد، لأن الظَّاهر يقتضي وجوب الدُّخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنَّ المُراد به الركوع، لأنّ الباب كان صغيراً يحتاج الدَّاخل فيه إلَى الانحناء. قال ابن الخَطِيْبِ: وهذا بعيد؛ لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركّعاً، فلا حاجة فيه إلى الأمر. وأجيب بأنه روي عن ابن عَبَّاس: أنهم دخلوا يزحفون على أَسْتاههمْ. وقيل: المراد بالسجود: الخضوع. وهو الأقرب؛ لأنه لما تعذّر حمله على السجود الحقيقي وجب حمله على التواضع؛ لأن التَّائب عن الذنب لا بُدّ وأن يكون خاضعاً. فصل في تفسير "الحطة" وأما تفسير "الحطّة" فقال "القاضي": إنه ـ تعالى ـ لما أمرهم بدخول الباب خاضعين أمرهم بأن يقولوا ما يَدُلّ على التوبة؛ لأن التوبة صفةُ القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحدٌ بذنب، أو بمذهب خطأ، ثم تاب عن الذنب، أو أظهر له الحق، فإنه يلزم أن يعرف إخوانه الَّذِين عرفوا منه ذلك الذنب، أو ذلك المذهب، فتزول عنه التُّهْمَة في الثبات على الباطل، ويعودوا إلى مُوَالاته، فالحاصل أنه أمر القوم أن يدخلوا الباب على وَجْهِ الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم الْتِمَاسَ حَطّ الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللِّسان. وقال "الأصَمّ": هذه اللَّفظة من ألفاظ أهل الكتاب التي لا يعرف معناها في العربية. وقال أبو مسلم الأَصْفَهَاني: معناه: أمرنا حطّة، أي: أن نحطّ في هذه القرية، ونستقر فيها، ورد القاضي ذلك، وقال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خَطَايَاهُمْ متعلقاً به، ولكن قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} يدلّ على أن غفران الخَطَايا كان لأجل قولهم حطّة، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم لما حطُّوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدّاً مع التَّوَاضُع كان الغفران متعلقاً به. وقال معناه: اللَّهم حط عنا ذنوبنا، فإنّا إنما انحططنا لوجهك، وإرادة التذلل لك، فحطّ عنا ذنوبنا. فصل في بيان التلفظ بالحطة أو بمعناها اختلفوا هل كلّفوا بهذه اللفظة بعينها، أو بما يؤدي معناها؟ روي عن ابن عباس: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وفيه نظر؛ لأن هذه اللفظة عربية، ولم يكونوا يتكلمون بالعربية، وأيضاً فإنما أمروا بأن يقولوا قولاً دالاًّ على التوبة والندم؛ فلو قالوا: اللّهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً. قوله: "نَغْفِرْ" هو مجزوم في جواب الأمر، وقد تقدم الخلاف، هل الجازم نفس الجملة، أو شرط مقدر؟ أي: يقولوا نغفر. وقرىء: "نَغْفِرْ" بالنون وهو جار على ما قبله [من قوله:] "وإذ قلنا" و "تُغْفَر" بالتاء بالياء مبنيّاً للمفعول. و "خطاياكم" مفعول لم يسم فاعله، فالتَّاء لتأنيث الخَطَايا، والياء؛ لأن تأنيثها غير حقيقي، وللفصل أيضاً بـ "لكم". وقرىء: "يغفر" مبنياً للفاعل، وهو الله ـ تعالى ـ وهو في معنى القراءة الأولى، إلاّ أن فيه التفاتاً. و "لكم" متعلّق بـ "نغفر". وأدغم "أبو عمرو" الراء في اللاّم، والنحاة يستضعفونها، قالوا: لأن الرَّاء حرف تكرير فهي أقوى من اللام، والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى من غير عَكْسٍ، وليس فيها ضعف؛ لأن انحراف اللاّم يقاوم تكرير الراء. وقد بَيَّن "أبو البَقَاءِ" ضعفه، وتقدم جوابه. قوله: "خطاياكم": إما منصوب بالفعل قبله، أو مرفوع حسب ما تقدّم من القراءات، وفيها [أربعة] أقوال: أحدها: قول الخليل [أنّ] أصلها "خَطَايىء" بياء بعد الألف، ثم همزة؛ لأنها جمع "خطيئة" مثل: "صَحِيْفة وصَحَايف"، فلو تركت على حالها لوجب قَلْبُ الياء همزة؛ لأن مدة "فَعَايل" يفعل بها كذا، على ما تقرر في التصريف، فضر من ذلك، لئلا تجتمع همزتان، بأن قلب فقدم اللام، وأخّر عنها المدّة فصارت: "خَطَائي"، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل في نفسه، وبعده ياء من جنس الكَسْرَةِ فقلبوا الكسرة فتحة، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلبت ألفاً، فصارت: "خَطَاءا" بهمز بين ألفين، فاستثقلوا ذلك، فإنّ الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء؛ لأنها واقعة موقعها قبل القَلْبِ، فصارت "خَطَايَا" على وزن "فَعَالَى" ففيها أربعة أعمال: قلب، وإبدال الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفاً، وإبدال الهمزة ياء، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهب الخليل. الثاني: وعزاه "أبو البقاء" إليه أيضاً أنه: "خطائىء" بهمزتين: الأولى منهما مكسورة وهي المنقلبة عن الياء الزائدة في "خَطِيْئة" فهو مثل "صَحِيْفة" و "صَحَائف"، فاستثقلوا الجمع بين الهمزتين، فنقلوا الهمزة الأولى إلى موضع الثانية، فصار وزنه "فَعَلى"، وإنما فَعَلوا ذلك، لتصير المكسورة طرفاً، فتنقلب ياء، فتصير "فعالىء"، ثم أبدلوا من كسرة الهمزة الأولى فتحة، فانقلبت الياء بعدا ألفاً كما قالوا في: "يا لَهْفى" "ويا أَسَفى"، فصارت الهمزة بين ألفين، فأبْدِل منها ياء، لأن الهمزة قريبة من الألف، فاستنكروا اجتماع ثلاث ألفات. فعلى هذا فيها خمسة تغييرات: تقديم اللام، وإبدال الكسرة فتحة، وإبدال الهمزة الأخيرة ياء، ثم إبدالها ألفاً، ثم إبدال الهمزة التي هي لام ياء. والقول الأول أَوْلَى، لقلّة العمل، فيكون للخليل في المسألة قولان. الثالث: قول سيبويه أن أصلها عنده: "خَطَايىء" كما تقدم، فأبدل الياء الزائدة همزة، فاجتمع همزتان، فأبدل الثانية منهما "ياء" لزوماً، ثم عمل العمل المتقدّم، ووزنها عند "فَعَائل" مثل: "صَحَائف"، وفيها على قوله خمسة تغييرات: إبدال الياء المزيدة همزة وإبدال الهمزة الأصلية ياء، وقلب الكسرة فتحة، وقلب الياء الاصلية ألفاً، وقلب الهمزة المزيدة ياء. الرابع: قول "الفَرَّاء"، هو أن "خَطَايا" عنده ليس جمعاً لـ "خطيئة" بالهمز، إنما هو جمع لـ"خَطِيّة" كـ "هَدِيّة وهَدَايا" و "رَكيّة ورَكَايَا". قال الفراء: ولو جمعت "خَطيئة" مهمزة لقلت: "خَطَاءا" يعني: فلم تقلب الهمزة ياء، بل تبقيها على حالها، ولم يعتد باجتماع ثلاث ألفات. ولكنه لم يقله العرب، فدلّ ذلك عنده أنه ليس جمعاً للمهموز. وقال "الكسائي": ولو جمعت مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة مثل: "دواب". وقرىء: {يَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْئَاتِكُمْ} و "خَطِيْئَتَكُمْ" بالجمع والتوحيد، وبالياء والتاء على ما لم يُسَمَّ فاعله، و "خَطَايَاكُمْ" بهمز الألف الأولى دون الثانية، وبالعكس. والمعنى في هذه القراءات واحد؛ لأن الخطيئة إذا غفرها الله ـ تعالى ـ فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله. والفعل إذا تقدّم الاسم المؤنث، وحال بينه وبين الفاعل حَائِلٌ جاز التذكير والتّأنيث كقوله تعالى: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ}تفسير : [هود:67]. و {أية : وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [هود:94]. وقرأ الجحدري: "خَطِيئتكم" بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة. وقرأ ابن كثير: "خَطَايأكم" بهمزة قبل الكاف. وقرأ الكسائي: بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء. و "الغَفْر": السّتر، ومنه المِغْفَر: لِسُتْرة الرأس، وغفران الذُّنوب؛ لأنها تغطيها، وقد تقدّم الفرق بينه وبين العَفُو. و "الغِفارَة": خِرْقَةٌ تستر الْخِمَار أن يَمَسَّه دهن الرأس. و "الخَطِيئة" من الخَطَأ، وأصله: العدول عن الجهة، وهو أنواع: أحدها: إرادة غير ما تحسن إرادته، فيفعله، وهذا هو الأصل [التام] يقال منه: "خَطِىءَ يَخْطَأ خِطْأً وخِطْأةً". والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع بخلافه، يقال منه: أَخْطَأ إِخْطَاء، فهو مخطىء، وجملة الأمر أنَّ من أراد شيئاً، فاتفق منه غيره يقال: "أخطأ"، وإن وقع كما أراد، يقال: "أَصَاب"، وقد يقال لمن فعل فعلاً لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ ولهذا يقال: أَصَابَ الخَطَأ، وأَخْطَأَ الصَّوابَ، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ. قوله: "وَسَنَزِيدُ المُحْسِنينَ" أي نزيدهم إحساناً على الإحْسَان المتقدم عندهم، وهو اسم فاعل من "أحسن"، والمُحْسِنُ من صحّح عقد توحيده، وأحسن سياسَةَ نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شره. وقال بعض المفسرين: معناه: من كان محسناً جازيناه بالإحسان إحساناً، أو زيادة كما جعل للحسنة عشراً وأكثر. وقيل: من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة، فإنا نغفر خَطَاياه، ونزيده على غُفْران الذنوب إعطاءَ الثواب الجزيل، وفيه وجه آخر أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئاً، بل كان محسناً زدنا في إحسانه. قوله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ}. لا بُدّ في هذا الكلام من تأويل؛ إذ الذّم إنما يتوجه عليهم إذا بدّلوا القول الذي قيل لهم، لا إذا بدَّلوا قولاً غيره. فقيل: تقديره: فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم فـ "بدّل" يتعدّى لمفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، والمجرور بها هو المتروك، والمنصوب هو الموجود، كقول أبي النجم: [الرجز] شعر : 517ـ وَبُدِّلَتْ والدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلِ هَيْفاً دَبُوراً بِالصَّبَا وَالشَّمْأَلِ تفسير : فالمتطوع عنها الصَّبا، والحاصل لها الهَيْفُ. قاله أبو البقاء وقال يجوز أن يكون "بدل" محمولاً على المعنى، تقديره: فقال الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم؛ لأن تبديل القول كان بقول "فَنَصْبُ" غير عنده في هذين القولين على النِّعت لـ "قولاً". وقيل: تقديره: فبدل الذين قولاً بغير الذي، فحذف الحرف، فانتصب "غير". ومعنى التَّبْديل: التغيير كأنه قيل: فغيروا قولاً بغيره، أي جَاءُوا بقول آخر، فكان القول الذي أمروا به، كما يروا في القصّة أنهم قالوا: بدل حطّة حِنْطَة. والإبْدَال والتبديل والاستبدال: جعل الشيء مكان آخر، وقد يقال: التبديل: التغيير، وإن لم يأت ببدله. وقد تقدم الفرق بين بدل وأَبْدَلَ، وهو أن بدّل بمعنى غيّر من غَيْر إزالة العين، وأبدل تقتضي إزالة العين، إلا أنه قرىء: {أية : عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا}تفسير : [القلم:32] {أية : فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}تفسير : [الكهف:81] بالوجهين، وهذا يقتضي اتِّحَادهما معنى لا اختلافهما والبديل والبدل بمعنى واحد، وبدله غيره. ويقال: بِدْل وَبَدل كَشِبْه وَشَبَه، وَمِثْل وَمَثَل، وَنِكْل وَنَكَل [قال أبو عُبَيْدة: لم يسمع في فِعْل وفَعَل غي رهذه الأربعة أحرف]. فصل في بيان التبديل قال أبو مُسْلم: قوله: "فبدّل" يدلّ على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به لأجل أنهم أتوا له ببدل، ويدلّ عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المُخَالفة، قال تعالى: "سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ" إلى قوله: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ}تفسير : [الفتح:15] ولم يكن تبديلهم الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا هاهنا لما أمروا بالتواضع، وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله. وقال جمهور المفسرين: إنَّ المراد بالتبديل أنهم أتوا ببدل له؛ لأن التبديل مشتقّ من البدل، فلا بُدّ من حصول البدل، كما يقال: بدّل دِيْنَهُ أي: انتقل من دِيْنٍ إلى دين، ويؤيده قوله تعالى: {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ}. فصل في الباعث على تبديلهم وقوله: "الَّذِيْنَ ظَلَمُوا" تنبيه على أن الباعث لهم على التبديل هو الظلم، واختلفوا هل هو مُطْلق الظلم، فيكونون كلهم بدلوا، أو الظالمون منهم هم الذين بدلوا، وهم الرؤساء والأشراف، وهذا هو الظاهر، لقوله في سورة "الأعراف": {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}تفسير : [الأعراف:162] واختلفوا هل التقوا كلهم على الأشياء التي بَدّلوها، أو بدّل كلّ أناس منهم شيئاً، أو بدّلوا في كل وقت شيئاً؟ فإن قيل: إنّهم قد بدّلوا القول والفعل، فلم خصّ القول بالتبديل؟ فالجواب: أن ذكر تبديلهم القول يدلّ على تبديل الفعل كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل:81] أي: والبرد، فكأنه قال: بدّلوا القول والفعل، وأيضاً فقد يكون المراد بالقول المبدل هو الأمر، والأمر يشتمل القول المأمور به والفعل. واختلفوا في ذلك القول: فروي عن ابن عَبّاس: أنّهم لم يدخلوا الباب سجداً، ولم يقولوا حطّة، بل دخلوا زَاحِفِيْنَ على اسْتَاههم قائلين حِنْطة. وقال ابن زيد: استهزؤوا بموسى وقالوا ما شاء موسى أن يلعب بنا لا لعب بنا حطة أي شيء حطة. وقال "مجاهد": طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، ويركعوا، فدخلوا زَاحِفِيْنَ. وقيل لهم: قولوا حطة فقالوا: حطّاً شمقاً ما يعني حطة حمراء استخفافاً بأمر الله. قوله: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: أضروا بأنفسهم، وأوسعوا في نقصان خيراتهم في الدين والدنيا. و "الرجز": هو العذاب. فصل في لغات الرجز وفيه لُغة أخرى وهي ضمّ الراء، وقرىء بهما. وقيل: المضموم اسم صَنَمٍ، ومنه: {أية : وَٱلرُّجْزَ}تفسير : [المدثر:5]. والرِّجْز والرِّجْس بالزاي والسين ـ بِمَعْنًى كـ: السُّدْغ والزُّدْغ. والصحيح أن الرِّجْزَ: الْقَذَر، والرَّجَز: ما يصيب الإبل، فترتعش منه، ومنه: بحر الرِّجَز في الشّعر. قوله: "مِنَ السَّمَاءِ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون متعلقاً بـ "أَنْزَلْنَا"، و "من" لابتداء الغاية، أي: من جهة السماء، وهذا الوجه هو الظاهر. والثاني: أن يكون صفة لـ"رِجْزاً" فيتعلّق بمحذوف، و "من" أيضاً للابتداء. وقوله: {عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} فأعادهم بذكرهم أولاً، ولم يقل: "عليهم" تنبيهاً على أن ظُلْمهم سبب في عقابهم، وهو من إيقاع الظاهر موقع المُضْمَر لهذا الغرض، وإيقاع الظاهر موقع المُضْمَر على ضربين: ضرب يقع بعد تمام الكلام كهذه الآية، وقول الخنساء: [المتقارب] شعر : 518ـ تَعَرَّقَنِي الدَّهْرُ [نَهْساً] وَحَزَّا [وَأَوْجَعَنِي] الدَّهْرُ قَرْعاً وَغَمْزا تفسير : أي: أصابتني نوائبه جُمَعُ. وضرب يقع في كلام واحد؛ نحو قوله: {أية : ٱلْحَآقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}تفسير : [الحاقة:1، 2]. وقول الآخر: [الكامل] شعر : 518 - لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِباً كَانَ الغُرَابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ تفسير : وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال: [الخفيف] شعر : 520ـ لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا تفسير : قوله: "بِمَا كَانُوا" متعلِّق بـ "أنْزَلْنَا" و "الباء" للسببية، و "ما" يجوز أن تكون مصدرية ـ وهو الظّاهر ـ أي: بسبب فِسْقِهِمْ، وأن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج المذكور في غير موضع، والأصل: يفسقونه، ولا يقوى جعلها نكرة موصولة. وقرأ "ابن وَثّاب": "يَفْسِقُون" بكسر السين، وتقدم أنهما لُغَتَان. فصل في تفسير الظلم قال أبو مسلم: هذا الفِسْقُ هو الظلم المذكور في قوله: {عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وفائدة التكرار التأكيد. قال ابن الخطيب: والحق أنه غيره؛ لأن الظلم قد يكون من الصَّغائر، ولذلك قال بعض الأنبياء: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف:23] وقد يكون من الكَبَائر، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان:13]، والفِسْق لا بُدّ وأن يكون من الكبائر، ويمكن أن يجاب عنه: بأن أبا مُسْلِمٍ لم يقل بأن الفسق مطلق الظلم، وإنما خصّه بظلم معين، وهو الذي وصفوا به في أوّل الآية، ويحتمل أنهم استحقُّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرِّجْزُ عليهم بالفِسْقِ الذي كانوا يفعلوه قيل التبديل، فيزول التكرار. احتجّ بعضهم بقوله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} على أنَّ ما ورد من الأذكار لا يجوز تبديله بغيره، وعلى هذا لا يجوز تحريم الصَّلاة بلفظ التَّعْظيم، لا يجوز القراءة بالفارسية. وأجاب أبو بكر الرَّازِي: "بأنهم إنما استحقُّوا الذَّم لتبديلهم القول إلى قول يُضَاد معناه معنى الأول، فلهذا استوجبوا الذم، فأما تغيير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك". قال ابن الخطيب: "والظَّاهر أن هذا يتناول كل من بدّل قولاً يقول آخر سواء اتَّفَقَا أو لم يتفقا". فإن قيل: قال هنا: "وإذ قلنا"، وفي "الأعراف": {أية : وَإِذْ قِيلَ}تفسير : [الأعراف:161]. قيل: لأن سورة "الأعراف" مكية، و "البقرة" مدنية فأبهم القائل في الأولى ـ وهي "الأعراف" ـ ليكون لهم وَقْع في القلب، ثم بَيَّنَهُ في هذه السورة المدنية، كأنه قال: ذلك القائل هناك هو هذا. وقال هنا: "ادْخُلُوا"، وفي "الأعراف": "اسْكُنُوا". قال ابن الخطيب: "لأنّ الدخول مقدّم على السُّكْنَى". وهذا يرد عليه، فإن "الأعراف" قبل "البقرة"؛ لأنها مكية. وقال [هنا] "فَكُلُوا" بالفاء، وفي "الأعراف" "وَكُلُوا" بالواو. والجواب ـ ها هنا ـ هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً}، وفي "الأعراف" {فَكُلاَ}. [ولم ذكر قوله: "رغداً" في "البقرة"، وحذفه في "الأعراف"؟ لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنْعَام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً]، وفي "الأعراف" لما لم يسند الفعل إلى نفسه [لا جرم] لم يذكر الإنعام الأعظم. وقال هنا: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ}، وفي "الأعراف" قدّم المؤخر؛ لأن الواو للجمع المطلق، وأيضاً يحتمل أن يكون بعضهم مذنباً،وبعضهم ليس بمذنب، فالمُذْنب يكون اشتغاله أولاً بالتوبة، ثم بالعبادة فكلفوا أن يقولوا أولاً "حطة" ثم يدخلوا الباب سُجَّداً، وأما الذي ليس بمذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة أولاً، ثم [يذكروا] التوبة ثانياً على سبيل هَضْم النفس، وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فكلفوا أن يدخلوا الباب سجداً أولاً، ثم يقولوا "حطة"، فذكر حكم كل قسم في سورة قاله ابن الخطيب. وفيه نظر؛ لأن هذا القول إنما كان مَرّة واحدة. قال هنا: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} بالواو، وفي "الأعراف" بغير واو. وقال ابن الخطيب: لأنه ذكر في "الأعراف" أمرين: قول الحطة، وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب سجداً، وهو إشارة العبادة، ثم ذكرجزاءين: قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}، وهو واقع في مقابلة قول الحطّة، وقوله: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}، وهو واقع في مُقَابلة دخول الباب سجداً، [فترك] الواو يفيد توزيع كل واحد مِنَ الجَزَاءين على كل من الشرطين. وأما في "البقرة" فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاءً واحداً لمجموع الفعلين. وقال هنا: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً}، وفي "الأعراف" زاد كلمة "منهم". قال ابن الخطيب: لأنه ـ تعالى ـ قال: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ}، فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدّد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم فلما انتهت القصّة قال: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [فذكر لفظة "مِنْهُمْ" في آخر القصّة كما ذكرها في أول القصة] ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما هنا فلم يذكر الآيات التي قيل قوله: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص. وقال هنا: {فَأَنزَلْنَا} وفي [سورة] "الأعراف": {فَأَرْسَلْنَا}، وأتى بالمضمر دون الظاهر؛ لأنه ـ تعالى ـ عدّد عليهم في هذه السُّورة نعماً جسيمة كثيرة، فكان توجيه الذّم عليهم، وتوبيخهم بكفرانها أَبْلَغ من حيث إنه لم يعدّد عليهم هناك ما عَدّد هنا. فلفظ "الإنزال" للعذاب أبلغ من لفظ "الإرسال". وقال ـ هنا: {يَفْسُقُونَ}، وفي "الأعراف": {يَظْلِمُونَ} تنبيهاً على أنهم جامعون بين هذين الوصفين القبيحين.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {‏ادخلوا هذه القرية‏} ‏ قال‏:‏ بيت المقدس‏.‏ وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ‏{‏وادخلوا الباب‏}‏ قال‏:‏ باب ضيق ‏ {‏سجدا‏}‏ قال‏:‏ ركعا ‏{‏وقولوا حطة‏} ‏ قال‏:‏ مغفرة قال‏:‏ فدخلوا من قبل استاههم وقالوا‏:‏ حنطة استهزاء قال‏:‏ فذلك قوله عز وجل {أية : ‏فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم‏}تفسير : [‏البقرة: 59‏]‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وادخلوا الباب سجدا‏}‏ قال‏:‏ هو أحد أبواب بيت المقدس وهو يدعى باب حطة‏.‏ وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال‏:‏ قيل لهم ‏ {‏ادخلوا الباب سجدا‏}‏ فدخلوا مقنعي رؤوسهم ‏{‏وقولوا حطة‏}‏ فقالوا‏:‏ حنطة حبة حمراء فيها شعيرة، فذلك قوله ‏{أية : ‏فبدل الذين ظلموا‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 59‏]. وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ والحاكم عن ابن مسعود أنهم قالوا‏:‏ هطى سمقاثا ازبة مزبا‏.‏ فهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقولوا حطة} أي احطط عنا خطايانا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {‏وادخلوا الباب سجدا‏}‏ قال‏:‏ طأطئوا رؤوسكم ‏ {‏وقولوا حطة‏} ‏ قال‏:‏ قولوا لا إله إلا الله‏.‏ وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ‏{‏وقولوا حطة‏}‏ قال‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان الباب قبل القبلة‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ باب حطة من أبواب بيت المقدس، أمر موسى قومه أن يدخلوا ويقولوا حطة، وطؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلما سجدوا قالوا حنطة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏وادخلوا الباب سجدا‏ً}‏ قال‏:‏ كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس {‏وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين‏}‏ قال‏:‏ من كان خاطئا غفرت له خطيئته، ومن كان محسناً زاده الله إحساناً ‏{أية : ‏فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 59‏] قال‏:‏ بين لهم أمرا علموه فخالفوه إلى غيره جرأة على الله وعتوا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {‏وسنزيد المحسنين‏}‏ قال‏:‏ من كان قبلكم محسناً زيد في إحسانه ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئته‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏"حديث : قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فبدلوا فدخلوا يزحفون على استاههم، وقالوا حبة في شعرة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس وأبي هريرة قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على استاههم، وهم يقولون‏:‏ حنطة في شعيرة‏ ". تفسير : وأخرج أبو داود والضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏قال الله لبني إسرائيل ‏{‏ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم‏}‏ ‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من آخر الليل اجتزنا في برية يقال لها ذات الحنظل، فقال‏:‏ ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ‏{‏ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم‏}‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ إنما مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح وكتاب حطة في بني إسرائيل‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} تذكير لنعمة أخرى من جَنابه تعالى وكَفْرةٌ أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت قولِنا لآبائكم إثرَ ما أنقذناهم من التيه {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} منصوبةٌ على الظرفية عند سيبويه وعلى المفعولية عند الأخفش، وهي بـيتُ المقدِس وقيل: أريحا {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} أي واسعاً هنيئاً ونصبُه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبـين، وفيه دلالة على أن المأمورَ به الدخولُ على وجه الإقامة والسُكنى، فيؤول إلى ما في سورة الأعراف من قوله تعالى: {أية : ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَة } تفسير : [الكهف، الآية 12] {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} أي بابَ القرية على ما رُوي من أنهم دخلوا أريحاءَ في زمن موسى عليه السلام كما سيجىء في سورة المائدة أو بابَ القبة التي كانوا يصلّون إليها فإنهم لم يدخلوا بـيت المقدس في حياة موسى عليه السلام {سُجَّدًا} أي متطامنين مُخْبتين أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتُنا أو أمرُك حِطة وهي فِعلة من الحط كالجِلسة وقرىء بالنصب على الأصل بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطة أو على أنها مفعول قولوا أي قولوا هذه الكلمة وقيل: معناها أمرُنا حِطة أي أن نحُطَّ رحالنا في هذه القرية ونقيمَ بها {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} لما تفعلون من السجود والدعاء، وقرىء بالياء والتاء على البناء للمفعول، وأصلُ خطايا خطايـىءُ كخضايع فعند سيبويه أُبدلت الياءُ الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأُبدلت الثانية ياء، ثم قلبت ألفاً وكانت الهمزة بـين ألفين فأُبدلت ياءً وعند الخليل قُدمت الهمزة على الياء ثم فُعل بها ما ذكر {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} ثواباً جعل الامتثالَ توبةً للمسيءِ وسبباً لزيادة الثواب للمُحْسِنِ وأُخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد إيذاناً بأن المحسنَ بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وأنه يفعله لا محالة.

القشيري

تفسير : (...) بنو إسرائيل على تضييع ما كانوا يُؤْمَرون، حتى قالةٍ أُوصُوا بحفظها فَبَدّلوها، وحالةٍ من السجود أُمروا بأن يدخلوا عليها فحوّلوها، وعَرَّضوا أنفسَهم لِسهام الغيب. ثم لم يطيقوا الإصابة بقَرْعِها، وتعرضوا المفاجآت العقوبة فلم يثبتوا عند صدمات وَقْعِها.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قلنا} هذا هو الانعام الثامن لانه تعالى أباح لهم دخول البلدة وازال عنهم التيه اى اذكروا يا بنى اسرائيل وقت قولنا لآبائكم اثر ما انقذتم من التيه {ادخلوا هذه القرية} منصوب على الظرفية اى مدينة بيت المقدس والقرية بفتح القاف وكسرها ما يجتمع فيه الناس اخذا من القرى {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} اى اكلا واسعا هنيئا على ان النصب على المصدرية او هو حال من الواو فى كلوا اى راغدين متوسعين وفيه دلالة على ان المأمور به الدخول على وجه الاقامة والسكنى. قال فى التيسير اى ابحنا لكم ووسعنا عليكم فتعيشوا فيها أنى شئتم بلا تضيق ولا منع وهو تمليك لهم بطريق الغنيمة وذكر الاكل لانه معظم المقصود {وادخلوا الباب} اى بابا من ابواب القرية وكان لها سبعة ابواب والمراد الباب الثانى من بيت المقدس ويعرف اليوم بباب حطة او باب القبة التى كان يتعبد فيها موسى وهارون ويصليان مع بنى اسرائيل اليها {سجدا} اي ركعا منحنين ناكسى رؤسكم بالتواضع على ان يكون المراد به معناه الحقيقي او ساجدين لله تعالى شكرا على اخراجكم من التيه على ان يكون المراد به معناه الشرعى {وقولوا حطة} رفع بخبرية المبتدأ المحذوف اى مسألتنا من الله ان يحط عنا ذنوبنا او نصب اي حط عنا ذنوبنا حطة وقيل اريد بها كلمة الشهادة اى قولوا كلمة الشهادة الحاطة للذنوب {نغفر لكم} مجزوم على انه جواب الامر من الغفر وهو الستر اى تستر عليكم {خطاياكم} جمع خطيئة ضد الصواب اى ذنوبكم فلا نجازيكم بها لما تفعلون من السجود والدعاء وهم الذين عبدوا العجل ثم تابوا {وسنزيد المحسنين} ثوابا من فضلنا وهم الذين لم يعبدوا العجل والمحسن من احسن فى فعله والى نفسه وغيره وقيل المحسن من صحح عقد توحيده واحسن سياسة نفسه واقبل على اداء فرائضه وكف شره وقيل هو الفاعل ما يجمل طبعا ويحمد شرعا واخرج ذلك عن صورة الجواب الى الوعد ايذانا بان المحسن بصدد زيادة الثواب وان لم يقل حطة فكيف اذا قالها واستغفر وانه يقول ويستغفر لا محالة امرهم بشيئين بعمل يسير وقول صغير فالعمل الانحناء عند الدخول والقول التكلم بالمقول ثم وعد عليهما غفران السيآت والزيادة فى الحسنات.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {حِطة}: خبر مبتدأ مضمر، أي: أمرنا حطة، أي: تواضع وانحطاط، وقال هنا: (فكلوا)، وفي الأعراف بالواو؛ لأن الأكل مرتب على الدخول، بخلاف السكنى، فإنها تفارق الأكل، فكأنه مأمور به. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين قلنا لأسلافكم بعد أن خرجوا من التيه: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} أعني بيت المقدس، أو أريحاء، بعد أن تُجاهدوا أهلها، {فَكُلُوا} من نعم ما فيها أكلاً واسعاً؛ لأنها مخصبة، {وَادْخُلُوا} باب القرية راكعين، تواضعاً وشكراً، {وَقُولُوا} في دخولكم: شأننا {حِطَّةٌ}، أي: شأننا الانحطاط والتواضع لله، فإن فعلتم ذلك {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيد} من امتثل أمرنا، وأحسن الأدب معنا، خيراً كثيراً، في الدنيا والآخرة، {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} منهم قَوْلاً غيْر الَّذِي أمروا به، وقالوا مكان حطة: حنطة، حبة في شعرة، {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً} عذاباً {مِّنَ السَّمَاءِ} قيل: هو الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً في يوم واحد، بسبب فسقهم وتعديهم الحدود. الإشارة: يقول الحق سبحانه للأرواح، لما كمل تطهيرها من البقايا، وتكاملت فيها المزايا: ادخلوا هذه الحضرة المقدسة، وتنعموا فيها حيث شئتم بالمشاهدة، والمكالمة، والمواجهة، والمساورة، والمفاتحة، والمناجاة، وادخلوا بابها أذلاء صاغرين، فلا دخول للحضرة المقدسة إلا من باب الذل والافتقار، وأنشدوا: شعر : ومَا رُمتُ الدخولَ عليهِ حتَّى حَلَلْتُ مَحَلَّةَ العبدِ الذليلِ وأَغمضْتُ الجفُونَ على قَذَاها وصُنْت النَّفْسَ عن قالٍ وقيلِ تفسير : وقيل لأبي يزيد: يا أبا يزيد، خزائننا معمورة بالخدمة، ائتني من كوّة الذل والافتقار. وفي رواية قيل له: يا أبا يزيد: تقرب إلينا بما ليس عندنا، فقال: يا رب؛ وما الذي ليس عندك؟ فقال: الذل والافتقار. هـ. وقال شيخ المشايخ القطب الجيلاني رضي الله عنه: (أتيت الأبواب كلها، فوجدت عليها الزحام، فأتيت من باب الذل والافتقار، فوجدته خالياً، فدخلت منه، وقلت: هلموا). أو كما قال. وقال الشاعر: شعر : تَذَللْ لِمنْ تَهْوى فَلَيْسَ الهَوى سَهْلُ إذا رَضِيَ المحْبُوبُ صَحَّ لكَ الوّصْلُ تفسير : وقولوا عند دخولكم الحضرة: شأننا حطة؛ أي: شأننا السفليات دون العلويات، فالسلوك من باب السفليات واجب، وإلا فلا وصول، فكل مَن سلك من باب السفليات طهر من البقايا، وتكاملت فيه المزايا، فيصلح لدخول الحضرة، وينخرط في سلك أهل الشهود والنظرة، فيكون من المحسنين المقربين، فلا جرم أن الله يزيده ترقياً في العلوم والأسرار، في هذه الدار، وفي تلك الدار، بخلاف مَن خالف ما أمر به من سلوك طريق السفليات، وتعاطي الأمور العلويات، قبل كمال التربية؛ فإنه يجرع إلى غم الحجاب، وسوء الحساب؛ بسبب خروجه عن طريق الأحباب، وسلوكه طريق أهل الغفلة والارتياب، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع واهل المدينة يغفر بضم الياء وفتح الفاء. الباقون بفتح النون، وكسر الفاء. وادغم الراء في اللام وما جاء منه. والآيه معطوفة على ما تقدم. فكأنه قال واذكروا اذ قلنا. ادخلوا والدخول والولوج والاقتحام نظائر والفرق بين الدخول والاقتحام ان الاقتحام دخول على صعوبة. اللغة: ونقيض الدخول: الخروج تقول: دخل يدخل دخولا. وادخله ادخالا. وتداخل تداخلا، واستدخل استدخالا، وداخله مداخلة. ويقال: في امره دخل أي فساد. دخل امره يدخل دخلا: أي فسد. ودخلت الدار وغيرها دخولا واوردت ابلي دخالا إذا اوردتها فادخلت بين كل بعيرين بعيراً ضعيفاً بعد ما ابتعر أو تشرب دون ريها. وفلان دخيل بني فلان: اذا كان من غيرهم. واطلعت فلانا على دخلة امري: اذا بثثته مكتومك. والدخل طائر صغير. وفلان حسن المدخل، أو قبيح المدخل: أي المذهب في الامور. وكل لحمة على عصب فهي دخلة. قال صاحب العين: فلان مدخول اذا كان في عقله دخل، أو في حسبه. والمدخول: المهزول الداخل في جوفه الهزال. والدخلة: بطانة الامير. يقال: فلان خبث الداخلة. وادخل في عار ويدخل فيه ونحو ذلك يصف شدة الدخول. ودخيل الرجل: الذي يداخله في اموره كلها فهو له دخيل. دخال والدخال: مداخلة المفاصل بعضها في بعض. والدخولة معروفة والدخل: صغار الطير امثال العصافير مأواها الغيران، وبطون الاودية تحت الشجر الملتف وجمعه دخاخيل. والانثى دخلة. واصل الباب: الدخول قال الرماني في حد الدخول: الانتقال إلى محيط. وقد يقال: دخل في الامر: كما يقال دخل في الدار تشبيهاً ومجازاً. وقوله: {هذه القرية} إشارة إلى بيت المقدس ـ على قول قتادة، والربيع ابن أنس وقال السدي: هي قرية بيت المقدس: وقال ابن زيد: إنها أريحا قريب من بيت المقدس. اللغة: والقرية والبلدة والمدينه نظائر. قال ابو العباس: اصله الجمع: ومنه المقراة: الحوض الذي تسقى فيه الابل. سمي مقراة، لجمع الماء فيه. والمقراة: الجفنة التي يعد فيها الطعام للاضياف قال الشاعر: شعر : عظام المقاري جارهم لا يفزّع تفسير : ومنه قريت الضيف. ومنه قريت الماء في الحوض. ومنه قريت الشاة تقري وشاة قارية: إذا كانت تجمع الجرة في شدقها. وهو عيب عندهم شديد وكل ما قري فهو مقري: مثل المرقد كل ما رقدت فيه. والقري: المسيل الذي يحمل الماء إلى الروضة. وجمعه: قريان: كقضيب وقضبان قال الشاعر: شعر : ماء قريّ حده قري تفسير : قال ابن دريد: قريت الضيف أفريه قرى. وقريت الماء في الحوض أقريه قريا. وقرى البعير: جرته في شدقه قريا. والقرية: اشتقاقها من قرى البعير جرته: أى جمعها. والجمع قرى ـ على غير قياس ـ. وقال قوم من اهل اليمن: قرية: وقال صاحب العين: القرية والقيرية ـ لغتان ـ تقول: ما زلت استقري هذه الأرض قرية قرية. والكسر لغة عانية. ومن هناك اجتمعوا على جمعها على القرى، حيث اختلفوا فحملوها على لغة من قال: كِسوة وكُسوة. والنسبة اليها قروي. وام القرى: مكة وقوله: {أية : وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} تفسير : يعني بها: الكور والأمصار والمدائن والقرى: الظهر من كل شيء، حتى الآكام وغيرها. والجمع الاقراء. والقرى: الاحسان إلى الضيف. تقول: اقرى يقري الضيف قرىً: اذا اضافه ضيافة، وانزله نزالة. والقرى جيء الماء في الحوض. والمدة تقرى في الجرح: أي تجتمع. وقوله: {وادخلوا الباب} المعنى: أي الباب الذي امرو بدخلولها. وقال مجاهد والسدي: هو باب حطة من بيت المقدس. وهو الباب الثامن. وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى. وقال قوم: باب القرية التي أمروا بدخولها. قال أبو علي: قول من قال: إنه باب القرية، لأنه لم يدخلوا القرية في حياة موسى، لأنه قال: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم}. والعطف بالفاء يدل على أن هذا التبديل منهم كان في أثر الأمر فدل ذلك على أنه كان في حياة موسى. ومعنى قوله: {سجداً} قال ابن عباس: ركعاً. وهو شدة الانحناء. ومنه السجد من النساء: الفاترات الأعين. وقال الأعشى: شعر : ولهوي إلى حور المدامع سجد تفسير : وقال الآخر: شعر : ترى الأكم منه سجداً للحوافر تفسير : وقال غيره: ادخلوا خاضعين متواضعين. قال اعشى قيس: شعر : تراوح من صلوات المليـ ـك طوراً سجوداً وطوراً جؤاراً تفسير : وقوله: {حطة} المعنى: قال الحسن، وقتادة واكثر أهل العلم: معناه حُط عنا خطايانا. وروي عن ابن عباس أنه قال: أمروا أن يستغفروا. وروي عنه ايضاً أنه قال: امروا أن يقولوا: هذا الأمر حق: كما قيل لكم. وقال عكرمة: امروا أن يقولوا لا إله إلاّ الله. وكل هذه الأقوال محط الذنوب فيترحم لحطة عنها. اللغة: وحطة مصدر مثل رّدة وجدّة من رددت وجددت. قال صاحب العين: الحط: وضع الأحمال عن الدواب تقول: حططت عنها أحط حطا. وانحط انحطاطا. والحط والوضع والخفض نظائر. والحط: الحدر من العلو: كقول امرىء القيس: شعر : كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ تفسير : ويقال للنجيبة السريعة: حطت في سيرها وانحطت. وتقول حط الله وزرك الذي انقض ظهرك. وقال الشاعر: شعر : واحطط إلهي ـ بفضل منك ـ أوزاري تفسير : والحطاطة: بثرة تخرج في الوجه تقبح اللون ولا تقرح. وجارية محطوطة المتنين: ممدودة حسنة والحط: حط الاديم بالمحط. وهي خشبة يصقل بها الأديم او ينقش. وأصل الباب: الحط: وهو الحدر من علو. وارتفعت {حطة} في الآية على قول الزجاج ـ على تقدير مساءلتنا حطة، وقال غيره: دخولنا الباب سجداً: حطة لذنوبنا كقوله: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا: معذرة} يعني موعظتنا بعذرة إلى ربكم. ويجوز النصب في العربية على معنى حط عنا ذنوبنا حطة، كقولك: سمعا وطاعة يعني اسمع سمعاً واطيع طاعة، كقولك: معاذ الله. يعني نعوذ بالله وهو أقوى لأنه دعاء. وقوله: {نغفر لكم} اللغة: والغفران والعفو، والصفح نظائر. يقال: غفر الله غفرانا. واستغفر استغفارا واغتفر اغتفاراً. قال أبو العباس: غفر الله لزيد بمعنى: ستر غطى له على ذنوبه. والغفران انما هو التغطية. يقال للسحابة فوق السحاب: الغفارة. وثوب ذو غفر: اذا كان له زئير يستر قبحه. ويقال: المغفر، لتغطية العنق. ويقال غفرت الشيء: إذ واريته. والمغفرة والغفيرة بمعنى [واحد]. والمغفرة: منزل من منازل القمر. يسمى [بذلك] لخفائه. وقال الزجاج: الغفر: التغطية. وكل ما تفرع من هذا الباب فهذا معناه. وقولهم: اللهم اغفر لنا. تأويله اللهم غط علينا ذنوبنا والله الغفور والغفار والمغفر ما يغطى به الرأس من الحديد وغيره. وكذلك الغفارة وهي خرقة تلف على سية القوس: أي طرفها. وغفارة: اسم رأس جبل. والمغفورة والمغفارة. صمغ العرفط وقد اغفر الشجر: إذا ظهر ذلك فيه. وفي الحديث: أن النبي "صلى الله عليه وسلم" دخل على عائشة. فقالت: يا رسول الله. أكلت مغافير؟ تعني هذا الصمغ. ومنهم من يقول: مغاثير: كما قيل جدث، وجدف. والغفر: شعر صغار دون الكبار. وريش دون الريش الكبار، لأنه هو الذي يغطي الجلد. والغفر: النكس من المريض. يقال: صلح فلان من مرضه ثم غفر أي نكس. ومنه قول ضرار. ـ وقيل إنه لحميل ـ: شعر : خليلي إن الدار غفر لذي الهوى كما يغفر المحموم او صاحب الكلم تفسير : ومعناه: أن المحب إذا سلا عن حبيبه، ثم رأى داره جدد عليه حبه. فكأنه مريض نكس. وانما قيل النكس، لأنه يغطي على العافية. والغفر: شعر يكون في اللحيين. وقد غفر فلان، وقد غفرت المرأة: إذا انبت لها ذلك الشعر. ومتاع البيت يقال له: الغفر، لأنه يغطي على الخلل. والغفر: الحوالق. ويقال جاء والجماء الغفير. وجاءوا جماً غفيرا. وجاءوا جماء الغفير: اي مجتمعين جمعاً يغطي الأرض. والغفر: ولد الأروى: وهي انثى الوعل، لأنها تأوي الجبال، فتستر عن الناس. يقال لأنثى الوعل، إذا كان معها ولدها: مغفر. كما يقال: لكل ذات طفل: مطفل. ويقال: غفرت الأمر تغفرة: إذا أصلحته بما ينبغي ان يصلح به. والمعنى: أصلحته بما غطى على جميع فساده. والغفر: زئير الثوب. وثوب ذو غفر. وغفرت المتاع اذا جعلته في وعاء. وكل شيء غطيته، فقد سترته. ويقال إصبغ ثوبك فانه أغفر للوسخ: أي استر له. وأصل الباب: التغطية وحد المغفرة: ستر الخطيئة برفع العقوبة والخطيئة، والزلة، والمعصية نظائر. يقال: خطأ خطأ. واخطأ إخطاءً. واستخطأه استخطاء. وخطأه تخطئة. وتخاطى تخاطياً قال ابن دريد: الخطأ مقصور مهموز. يقال خطأ الشيء خطأ: اذا لم يرده واصابه. واخطأ يخطىء اخطاء: اذا اراده فلم يصبه. والأول خاطىء والثاني مخطىء به. والخطيئه تهمز. قال صاحب العين: الخطأ: ما لم يتعمد، ولكن يخطىء اخطاء وخطاءة وتخطئة. واصل الباب: الخطأ ومثله الزلل. والخاطىء الذي قد زل عن الشيء في قصده ـ وان اتفق له ان يصيبه من غير أن يقصده، ولذلك لا يكون الخاطىء في الدين إلا عاصياً، لأنه لم يقصد الحق وأما المخطىء فانما زل عن قصده. ولذلك يكون المخطىء من طريق الاجتهاد مصيباً لأنه قصد الحق واجتهد في اصابته فصار الى غيره. وحد الخطيئة: العدول عن الغرض المجرد. وخطايا وزنها: فعائل. وتقديره خطائي، فقلبت الهمزة الأخيرة ياءً على حركة ما قبلها، فصارت خطايي، ثم فعل بها ما فعل بمداري، حتى قيل مدارى فصارت: خطاءى. فاستثقل همز بين ألفين، لأنه بمنزلة ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة ياء. وانما أعلت هذا الاعلال، لأن الهمزة التي بعد الألف عرضت في جميع فعل القياس. تقول: في جمع مرآة مراءى، فلا تعل. والخليل يقول: وزنه فعالى على قلب الهمزة. القراءة: من اختار النون من القراء، قال: لأنه مطابق لما تقدم من قوله: {وظللنا} و "قلنا". وانما اتفق القراء على خطاياكم ها هنا، واختلفوا في الأعراف وسورة نوح، لأن اللتين في الأعراف ونوح كتبتا في المصحف بالياء بعد ألف، والتي في البقرة بألف. وقوله: {وسنزيد المحسنين}. فالزيادة التي وعدها الله المحسنين، هي تفضل يعطيه الله المحسنين، يستحقونها بوعده اياهم. وهي زيادة على الثواب الذي يستحقونه بطاعته (تعالى). اللغة: والفرق بين احسن اليه واحسن في فعله: ان أحسن اليه لا يكون إلا بالنفع له. واحسن في فعله ليس كذلك. ألا ترى انه لا يقال: أحسن الله اليه إلى أهل النار بتعذيبهم. ويقال: أحسن في تعذيبهم بالنار: يعني أحسن في فعله وفي تدبيره. والاحسان، والانعام، والافضال نظائر. وضد الاحسان: الاساءة: يقال حسن حسنا: واحسن إحسانا. واستحسن استحسانا. وتحاسنوا تحاسنا. وحسنه تحسينا. وحاسنه محاسنة. والمحسن والجمع محاسن: ـ المواضع الحسنة في البدن. ويقال: رجل كثير المحاسن. وامرأة كثيرة المحاسن. وامرأة حسناء. ولا تقول: رجل أحسن، وتقول: رجل حسان وامرأة حسانة. وهو المحسن جيدا. والمحاسن في الاعمال: ضد المساوىء. تقول: أحسن فانك الحسان. والحسنى: الجنة، لقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}. والحسنى: ضد السوء. والحسن. ضد القبيح والحسان: جمع حسن الحقوها بضدها، فقالوا: قباح وحسان. كما قالوا: عجاف وسمان. واصل الباب: الحسن. وهو على ضربين: حسن في النظر، وحسن في الفعل وكذلك القبح. وحد الحسن من طريق الحكمة: هو الفعل الذي يدعو اليه العقل. وحد القبح: الذي يزجر عنه العقل. وحد الاحسان: هو النفع الحسن. وحد الاساءة: هو الضرر القبيح هذا لا يصح الا على قول من يقول: إن الانسان يكون محسنا إلى نفسه ومسيئا اليها. ومن لا يقول فذلك يريد فيه الواصل إلى الغير مع قصده إلى ذلك والاقوى في حد الحسن أن تقول: هو الفعل الذي اذا فعله العالم به على وجه، لم يستحق الذم فانه لا ينتقض بشيء. وقوله: {وكلوا منها حيث شئتم رغدا} يعني من هذه القرية، حيث شئتم رغداً أي واسعاً بغير حساب. قد بينا معناه فيما مضى واختلاف الناس فيه.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا هو الإنعام الثامن، فإنّ الآية معطوفة على الآيات المتقدمة المذكورة فيها النّعم المتقدّمة التي آخرها تظليل الغمام عليهم، وإنزال المنّ والسَّلوى. فأردف بنعمة أُخرويّة. والدخول، والوُلوج، والاقتحام نظائر. إلاّ أنّ الاقتحام دخولٌ على صعوبة. والقَريَة والبَلدَة، والمَدينة نظائر. والسُّجود: الانحناء الشديد. و "حِطَّة" مصدر، كـ "ردة" و "جدة". وهي خبر مبتدإ محذوف. أي سؤالنا حطّة الذنوب. وأصله النصب بمعنى حطّ عنّا ذنوبنا حطّة، وإنّما رفعت لتعطي معنى الثبات، كقوله تعالى: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} تفسير : [يوسف:18]. وقيل معناه: أمرنا حطّة. أي: أن نحطّ هذه القرية ونستقرّ فيها. قال صاحب الكشاف: والأجود أن تكون منصوبة بإضمار فعلها، وينتصب محلّ ذلك المضمر بـ {قُولُوا}. والغُفران والصَّفْح والعَفو نظائر. والغَفْر في اللغة: الستر. يقال: "غَفَر الله له غفراناً" أي: ستر الله على ذنوبه. والخطيئة والزلّة والمعصية نظائر. والمحسِن: الفاعل للإحسان، أو للحُسن. يقال: "أحسَن إلى غيره" و "أحسَن في فِعْله". والفرق بينهما أنّ الأول لا يقال إلاّ في النفع بخلاف الثاني، وحدّ الحسن من طريق الحكمة هو الفعل الذي يدعو إليه العقل. وضدّه القبيح، وهو الفعل الذي يزجر عنه العقل. فصل القرية التي أُمروا بدخولها اختلف المفسّرون في أنّ المراد من هذه القرية أيُّ قرية؟ فالأكثر على أنّها بيت المقدس. ويؤيّده قوله تعالى في موضع آخر: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة:21]. ولا شكّ أنّ المراد منهما واحد. وعن ابن عباس وابن زيد أنّها "أريحا" وهي قرية قُرب بيت المقدس، وكان فيها بقايا من قوم عاد، وهم العَمالقة، رأسهم عوج بن عنق. وقيل: إنّها نفس مصْر. واعترض على الأوّل بأنّ الفاء في قوله تعالى: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [البقرة:59] يقتضي التعقيب، فوجب أن يكون هذا التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمْر في حياة موسى (عليه السلام). والجواب بأنّه ليس في الآية ما يدلّ على أنّ هذا القول من الله وقع على لسان موسى (عليه السلام)، أو على لسان يوشع، وإذا حملنا على لسان يوشع زال الإشكال. وقوله: {كُلُوا} أمْر إباحة. أي: كلوا منها أنّى شئتم {رَغَداً} أي: موسَّعاً عليكم، مستمتعين بما شئتم من طعام القرية بعد المنّ والسَّلوى. وأمّا قوله: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} فهو أمر تكليف حتم. ومن هاهنا يعلم أنّ قوله: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أيضاً أمر تكليف لأنّ دخول الباب مشروط به، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. وأيضاً قوله تعالى في المائدة: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة:21]. يدلّ على الوجوب. ولا شكّ أنّ المراد من الدخول في الآيتين واحد. قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} اختلفوا في الباب على وجوه: فعن ابن العباس، والضّحاك، ومجاهد، وقتادة: أنّه باب يدعى "بابُ حطَّة" من بيت المقدّس. وحَكى الأصمعي عن بعضهم أنّه عنى بالباب جهة من جهات القرية، ومدخلاً إليها. واختلفوا في المراد بالسجود. فقال الحسن: أراد به نفس السجود الذي هو وضع الجبهة على الأرض. وهو بعيد، لمعنى الحاليّة فيه، فيمتنع الدخول حين السجود. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنّ المراد هو الركوع. لأنّ الباب كان صغيراً يحتاج فيه إلى الانحناء للولوج. وهذا أيضاف بعيدٌ لعدم الحاجة فيه إلى الأمر. والأقرب أنّ المراد الخضوع، لأنّه لمّا امتنع حمله على حقيقة السجود فيجب حمله على التواضع، لأنّهم إذا أخذوا في الخضوع تائبين، والتائب من الذنب لا يخلو عن خشوع واستكانة. وأمّا قوله تعالى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} فالوجه فيه أنَّ التوبة صفة قلبيّة، فلا يطَّلع عليها الغير. وهي وإن كانت تتمّ من غير حاجة فيها إلى قول - كما في الأخرَس - لكن لأجل أن يعرف الغير عدوله من الفسْق إلى التوبة، ولإزالة التهمة عن نفسه يحتاج فيها إلى القول، ألا ترى أنّ من كان معروفاً بمذهب باطل، ثمّ استبصر وعدَل إلى الحقّ، فإنّه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ، لزوال التهمة ولعودهم إلى موالاته بعد مُعاداته، ولنُصرة الحقّ وتقويته في إظهار شعائر الدين، فلأجل ذلك أُمروا بأنْ يدخلوا الباب خاضِعين بقلوبهم، ذاكِرين بلسانهم، حتّى يكونوا جامعين بين عمل الجنان بالندم، وعمل الأركان بالخضوع أو الانحناء، وعمل اللسان بالاستغفار وهذا أجود الوجوه. وعن الأصمّ: انّ هذه اللَّفظة من ألفاظ أهل الكتاب، لا يُعرف معناها في العربية. وعن أبي مسلم الإصفهاني معناه: أمرُنا حِطَّةٌ. أي نحطّ في هذه القرية ونستقرّ فيها. وزيّفه القاضي بأنّ قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} يدلّ على أنَّ الغفران متعلّق به، ولو كان الوجه ما ذكره لم يكن للمغفرة تعلّق بقولهم حِطّة. وفيه ما لا يخفى. فصل هل كان التكليف بالتوبة متعلّقاً بذكر هذه اللفظة؟ أم مطلق قول دالّ على الندم والخضوع؟ فالمرويّ عن ابن عباس أنّهم كانوا مأمورين بهذه اللفظة بعينها، وهو محتَمَلٌ، لكنّه بعيد من وجوه: أمّا أوّلاً: فلأنّ هذه اللفظة عربيّة. وأمّا ثانياً: فلأنّهم كانوا مأمورين بالتوبة والخضوع، والمقصود حاصل بغير هذه اللفظة. وأمّا ثالثاً: فلأنّ التوبة تحطّ الذنوب - سواء قيل هذا اللفظ، أم لا - فذكره بعينه لا فائدة فيه. وروي عن ابن عباس أيضاً: أُمروا أن يقولوا: "هذا الأمر حقٌّ". وقال عكرمة: أُمروا أن يقولوا: "لا إله إلاّ الله" لأنّها تحطّ الذنوب. وبالجملة كلّ ما يحط الذنوب فصحّ أن يترجم عنه بـ "حطّة". وروي عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "نحن باب حطّتكم". قوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: مَن كان مُحسِناً منكم كانت كلمة الاستغفار له زيادة في ثوابه، ومَن كان مسيئاً كانت له مغفرة لذنوبه. وقيل: سنزيدهم على ما يستحقّونه من الثواب تفضّلاً، كقوله تعالى: {أية : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [فاطر:30]. وكقوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس:26]. وقيل: المراد به أن يزيدهم الإحسان على ما سلف من الإحسان، بإنزال المنّ والسَّلوى، وتظليل الغمام وغير ذلك، فإنّ الزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا، كما يمكن أن تكون من منافع الآخرة. فصل القراءة في {نَغْفِرْ لَكُمْ} مختلفة. فقرأ ابن المبارك بالنون وكسر الفاء. ونافع بالياء وفتحها. والباقون من أهل المدينة بالتاء، وضمّها، وفتح الفاء. والحسَن وقتادة وأبو حياة بالياء وضمّها، وفتح الفاء. قال القفّال: والمعنى في القراءات كلّها واحد، لأنّ الخطيئة إذا غفَرها الله فقد غُفِرت، وإذا غُفرتْ فقد غَفرها الله. والفِعل إذا تقدّم الاسمَ المؤنث وحالَ بينه وبين الفاعل حائلٌ جاز التذكير والتأنيث. كقوله تعالى: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [هود:67]. و: أخذَت الذين. فصل لأهل الإشارة أن يأوّلوا الآية: ادخلوا أيّها السالكون إلى المنازل، والمقامات، حسَب تطوّرات النفوس، وتقلّبات القلوب هذه الأرض المقدّسة، التي هي عالَم القدس والملَكوت، بقدم الصدق واليقين في العلْم والعمَل، وكُلوا من طيّبات الأغذية العلميّة والأرزاق المعنويّة. وادخلوها من بابها الذي هو الحقيقة الإنسانيّة، والإنسان المعنوي. فإنّه لا يمكن الدخول إلى ذلك العالَم القدسي الإلهي إلاّ بالولوج في هذا الباب الذي باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قِبَله العذاب. مخبتين ساجدين لله، محبّين لجماله، فانين في جلاله عن هذه الأنانيّة، قائلين: "حطَّ يا إلهي عنّا أوزارَنا، ونحِّ عنّا وساوس نفوسِنا الحيوانيّة، واغفر لنا ذنوبَ وجوداتنا، وجرائم قوانا المجرمة الظلمانيّة بنور تقديسك وتطهيرك". ويؤيّد هذا التأويل ما ورَد من طريق أهل بيت النبي عليه وعليهم السلام أنّهم قالوا: "نَحن بابُ حِطَّتكُم" وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها" تفسير : وروي أيضاً عن الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام) أنّه قال: "مثَّل الله على الباب مثال محمّد (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وأمرهم أن يسجدوا تعظيماً لذلك المثال، ويجدّدوا على أنفسهم العهد القديم من موالاتهما".

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} واذكروا يا بنى اسرائيل اذ قلنا لكم حين خرجتم من التّيه {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} وهى بيت المقدّس او اريحا من بلاد الشام {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} واسعاً بلا تعبٍ {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} اى باب القرية او باب القبّة الّتى فى بيت المقدّس كانوا يصلّون اليها {سُجَّداً} ساجدين لله او خاضعين متواضعين للشّكر على خروجكم من التّيه ذكر أنّه مثّل الله تعالى على الباب مثال محمّد (ص) وعلىّ (ع) وأمرهم ان يسجدوا تعظيماً لذلك ويجدّدوا على أنفسهم بيعتهما وذكر موالاتهما ويذكروا العهد والميثاق المأخوذين عليهم {وَقُولُواْ} بألسنتكم هذه الفعلة من السّجود والتّعظيم لمثال محمّد (ص) وعلىّ (ع) {حِطَّةٌ} لذنوبنا او قولوا بألسنة قلوبكم او اعتقدوا ذلك او هو مصدرٌ مبنىّ للمفعول اى قولوا بألسنة اجسادكم او قلوبكم لنا حطّة وسفلية بالنّسبة الى المثال المذكور وهى فعله من حطّة اذا أنزله وألقاه وقرئ حطّةً بالنّصب مفعولاً لفعل محذوف وعلى أىّ تقدير فهذه الكلمة امّا جزء جملة محذوفة المبتدأ او محذوفة الخبر أو قائمة مقام جملة محذوفة وعلى التّقادير فهى امّا انشائيّة دعائيّة او خبريّة {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} لمن كان مخطئاً منكم {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} منكم الجملة مستأنفة لبيان حال المحسن مخطئً كان او غير مخطئٍ.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ} أي بيت المقدس {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} أي لا حساب عليكم فيه. {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} قال بعضهم: هو باب من أبواب بيت المقدس {وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} فازدحموا على أوراكهم خلافاً لأمر الله. وقال الحسن: رفع لهم باب، فأمروا أن يسجدوا لله، يضعوا جباههم ويقولوا حطّة، وهو كقولك: احطط عنا خطايانا. وإنما ارتفعت لأنها حكاية. قال: قولوا: كذا وكذا. قال الحسن: فدخلوا وقد حرفوا وجوههم، ولم يسجدوا وقالوا: حنطة. وقال بعضهم: بل قالوا حبة شعيرة. قال الله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً [أي: عذاباً] مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. قال بعضهم: بلغنا أن ذلك العذاب كان الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الطاعون بقية رجز وعذاب عذِّب به من كان قبلكم، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإن وقع بأرض ولستم فيها فلا تقدموا عليهاتفسير : . وذكروا عن النبي عليه السلام أنه قال: حديث : الطاعون رجز أرسل من قبلكم على بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا عليه . تفسير : وتفسير مجاهد: أمر موسى قومه أن يدخلوا سجداً ويقولوا حطة، وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يسجدوا، وقالوا حنطة، فنتق فوقهم الجبل، أي: قطع؛ فجعل فوقهم وأشرف به عليهم. فدخلوا الباب سجداً على خوف وأعينهم إلى الجبل، فرفع عنهم. وقال الكلبي: لما فصلت بنو إسرائيل من أرض التيه ودخلوا العمران، وكانوا بجبال أريحا من الأردن قيل لهم: ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً. وكانت بنو إسرائيل قد أخطأوا خطيئة، فأحبّ الله أن يستنقذهم منها إن تابوا، فقيل لهم: إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا، وقولوا حطة تحط عنكم خطاياكم، وسنزيد المحسنين الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطايا إحساناً إلى إحسانهم. فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به. وأما الذين ظلموا فبدّلوا قولاً غير الذي قيل لهم فقالوا: حطتا سمقتا بالسريانية: أي: حنطة حمراء استهزاءً وتبديلاً لقول الله. قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}. أي: من كان محسناً زيد في إحسانه، ومن كان مخطئاً غفرت له خطيئته.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا}: لهم بعد خروجهم من التيه، وقد قيل مات الكبار فيه وخرجت أولادهم. {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}: قرية أريحاء بالحاء المهملة وهى قرية الجبارين قاله ابن عباس، وقيل (بالخاء المعجمة) وعلى كل حال هى قرية بالغور قريبة من بيت المقدس، وهى (بفتح الهمزة، وكسر الراء) روى أن فيها قوماً من بقية عاد يقال لهم العماليق، ورأسهم عوج ابن عناق أمرهم الله سبحانه وتعالى بدخولها على لسان يوشع بن نون فيما قيل، لأنه هو الذى فتح أريحاء بعد موسى، لأن موسى وهارون ماتا فى التيه، وقال قوم: لم يموتا فيه، وقال قوم: هما حيان حتى خرجا منه وماتا فى غيره، وقد اختلفوا فى موسى وهارون، هل وقع التيه بهما؟ فمن قال إنهم وقعوا فيه بدعاء اللعين بلعام، قال وقع بهما، ومن قال: وقعوا فيه بدعاء موسى قال لم يقع بهما، وحكى الزجاج عن بعضهم إنهما لم يكونا فى التيه لأنهُ عذاب والأكثر أنهما فيه. (وظاهر قوله تعالى: {أية : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} تفسير : يقوى أنهما لم يكونا فيه، وكذا قال الفخر، وكانت تلك القرية قاعدة، ومسكن ملوك، وقال الجمهور هى بيت المقدس، فمن قال مات موسى فى التيه قال أمرهم الله بدخولها على لسان موسى بأن قال لهم إذا تم أربعون سنة وخرجتم من التيه، فادخلوا بيت المقدس، وإنما سميت المدينة قرية لأنها تجمع الناس، من قريت الماء فى الحوض إذا جمعتهُ. {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}: أكلا واسعاً لم يمنع عنكم منه شئ، فرغدا مفعول مطلق، ويجوز كونه حالا من الواو، وتقدم الكلام على رغداً. {وَادْخُلُوا الْبَابَ}: باب القرية وعن مجاهد: هو باب فى مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطة، وقيل: باب من أبواب بيت المقدس، وقيل: هو باب القبة التى كانوا يصلون إليها، لأنهم لم يدخلوا بيت المقدس فى حياة موسى عليه السلام، وهذا الدخول كان فى حياته على هذا القول، وقيل: لم يؤمروا بباب مخصوص ولكن للقرية سبعة أبواب أمروا أن يدخلوا من أى باب أرادوا. {سُجَّداً}: منحنين منكسى الرءوس كالراكع أو دونهُ أو فوقهُ أو ساجدين بقلوبهم أى خاضعين، وعلى الوجهين السجود شكراً لخروجهم من التيهِ، وهو حال مقارنة ويجوز أن يكون السجود سجوداً على الوجه بأن يسجدوا قرب الباب، ثم يدخلوه فتكون الحال محكية لا مقارنة، وربما تطلق المقارنة على التى اتصل وقوعها بوقوع العامل أو انتفائه قبلهُ أو بعده كما يطلق على التى اتحد زمانها وزمان العامل، وعن ابن عباس: سجداً راكعين {وَقُولُوا حِطَّةٌ}: خبر لمحذوف أى قولوا مسألتنا حطة لذنوبنا، أى حط لها ومحو وهو نوع عظيم أكيد من الحط، لأنهُ يدل على الهينة كالجلسة (بكسر الجيم) أو أمرك حطة لها أى شأنك حط الخطايا فاحططها عنا، أو أمرك الذى رغبنا فيهِ حطها، واللفظ إخبار والمراد الطلب أو أمرنا حطة فى هذه القرية، أى إقامة فيها، وأصل ذلك النصب أى احطط عنا خطايانا حطا، وعدل إلى الرفع ترغيباً فى طلب الثبات والدوام، وقرأ ابن أبى عبلة (بالنصب) على هذا الأصل فهو مفعول مطلق لمحذوف، والمحذوف مفعول للقول، أى قولوا احطط عنا خطايانا حطة، أو مفعول للقول، أى قولوا هذه الكلمة وهى لفظ حطة بالنصب، أمرهم أن يقولوه منصوباً مريدين معنى احطط حطاً، أو مرفوعاً على الأوجه السابقة، وعلى هذا نصب لأنهُ مفعول القول فى الآية مثل أن يقال قام عمرو فتقول قل زيداً بالنصب، أى اذكر لفظ زيد بدل لفظ عمرو، وقل قام زيد بالرفع، ويجوز ألا يراد بالحطة بالنصب اللفظ، بل ما يحط الخطايا. قال عكرمة وغيره: أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله لتحط بها ذنوبهم، وعن ابن عباس: قيل لهم استغفروا وقولوا ما يحط ذنوبكم. قال أحمد بن نصر المعروف بالداودى فى تفسيره: روى أن النبى صلى الله عليه وسلم سار مع أصحابه فى سفر فقال: "حديث : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه" فقالوا ذلك، فقال: "والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها"تفسير : . وعن ابن عباس: قولوا لا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب والخطايا، وزعم بعض على قراءة الرفع أن التقدير أمرنا أن نحط فى القرية حتى ندخل الباب سجداً، وكأنه أراد باب مسجد فيها. {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}: قال أبو عمرو الدانى قرأ نافع يغفر لكم (بالياء مضمومة وفتح الفاء) وابن عامر بالتاء يعنى الفوقية والباقون بالنون مفتوحة وكسر الفاء.. انتهى. وقال القاضى. إن ابن عامر قرأ بالتحتية والبناء للمفعول، وأظنه تحريفاً من ناسخ والجزم فى جواب الأمر، أى إن دخلتم الباب سجداً وقلتم حطة تغفر لكم خطاياكم بسجودكم وقولكم، وأصل الخطايا خطائى (مكسورة بعد الألف) وأخرى بعدها قلبت الأولى همزة لأنها حرف مد زيد ثالثاً فى المفرد، وإنما لم تمد فى المفرد لإدغامها، بل يقال أيضاً خطيئة بياء بعدها همزة وهو قراءتنا فهى مد، ثم فتحت الهمزة للتخفيف فكانت الباء بعدها متحركة بعد فتحة فقلبت ألفاً فوجدت ألفان بينهما همزة فقلبت ياء لئلا يكون المجموع كثلاث ألفات، لأن الهمزة كالألف أو الأصل خطائي بمثناة تحتية بعدها همزة فاجتمعت همزتان فأبدلت الثانية ياء ثم خفف بفتح الهمزة الأولى فقلبت الياء ألفاً وكانت الهمزة بين ألفين فأبدلت ألفاً. وقال الخليل: قدمت الهمزة على الباء ففتحت تخفيفاً فقلبت الياء ألفاً ثم الهمزة ياء كما قال سيبويه. {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}: ثواباً على إحسانهم بامتثال ما أمروا به، فإن المراد بالإحسان دخول الباب سجدا، وقولهم حطة، وعدهم أن يزيدهم ثواباً على غفران الخطايا إذا دخلوا قائلين حطة، ويجوز أن يراد بالمحسنين من بالغوا فى الخير زيادة على الدخول بالسجود والقول حطة، فيكون الدخول بالسجود وقول الحطة غفراناً لخطايا المسئ وزيادة ثواب للمحسن، ومقتضى الظاهر ويغفر لكم خطاياكم ونزد المحسنين بجزم نزد عطفاً على يغفر المجزوم فى جواب الأمر، فيكسر للساكن ولكن أدخل عليهِ السين ورفع واستؤنف به ليدل على الوعد، وما كان وعداً من الله أعظم مما كان مسبباً لفعلهم، وليدل على أن المحسن فى معرض الدخول بسجود وقول الحطة قبل أن يفعلهما وأن له الثواب قبلهما فكيف إذا فعلهما وهو يفعلهما ولأبد؟.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} لمن بقى من أهل التيه حيا بعد خروجهم {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} أريحا، بفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان المثناة التحتية بعدها حاء مهملة قرية فى الغور قريبة من بيت المقدس، وهى قرية الجبارين، فيها قوم من بقية عاد، يقال لهم العمالقة، ولم تصح قصص عود، ولا أنه رأس هؤلاء الجبارين، والقائل بإِذن الله هو يوشع بن نون، نبأه فى أخر عمر موسى، وربما قال له موسى: بم أوحى الله إليك، فيقول: لم أكن أسألك عن ذلك. ويروى أنه لما احتضر فى التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبى، وأن الله عز وجل أمر يوشع بقتل الجبارين فقاتلهم، وفتح أريحا. وقيل: يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلطمه موسى، وفقأ عينه، فقال: يا رب أرسلتني إلى عبد كره الموت، ففقأ عيني فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، وقل له: إن شئت أحياك الله عدد ما تقع عليه يدك من شعر متن الثور سنين، فقال له موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم تموت، قال: الآن من قريب، ب أدنني من الأرض المقدسة رمية حجرتفسير : ، وقبره فى التيه بجانب الطريق عند جبل من رمل، ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم، أن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت ولا ضربه، لأنه ظلم لملك الموت وسخط لقضاء الله، ورد له، اللهم إلا إن جاء فى صورة لص أو قاطع، ولم يعلمه ملك الموت، وعينه جسم نورانى، وقيل: القرية بيت المقدس على يد يوشع، وقيل على يد موسى، وأنه خرج من التيه بعد أربعين سنة مع قومه، وعلى مقدمته يوشع وفتحها وأقام ما شاء الله ثم مات، وسميت القرية قرية من قرى بالألف بمعنى جمع، وهى جامعة للعامر {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمَا رَغَداً} لا منع عليكم منى، ولا من أحد، ولا من قلة أو جدب، فهذا مستثنى من كون الأمم السابقة لا يأكلون الغنيمة فإن لداحلى القرية المذكورة أكل ما فيها من مال العمالقة وأخذه وقله إلى حيث شاءوا {وَادْخُلُوا الْبَابَ} باب أريحا، أراد الحقيقة، فإن لها سبعة أبواب أو ثمانية، يدخلون من أيها شاءوا {سُجَّداً} منحنين، تواضعاً لا على الأرض، وقيل: القرية قرية بيت المقدس، والباب بابها المقول له باب حطة، والقائل ادخلوا موسى عليه السلام، قال لهم فى التيه: إذا مضت أربعون سنة وخرجتم من التيه، فادخلوا بيت المقدس، وقيل: خرج موسى من التيه حيا بعد الأربعين بمن بقى منهم، ففتح أريحا، ومات {وَقُولُوا حِطَّةٌ} سألتنا حطة، أو شأنك حطة، أى أن تحط عنا ذنوبنا، وقيل لفظ تعبد عبرانى، لا يدرى ما هو، وقيل تواضع لله، أى أمرنا تواضع لله {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَٰكُمْ} ذنوبكم، والأصل خطابتى بياء بعد الألف زائدة، هى ياء خطيئة، أبدلت همزة فاجتمعت همزتان، قلبت الثانية، وهى لام الكلمة، ياء، ثم قلبت الياء ألفاً، فكانت الهمزة بين الألفين فقلبت ياء، وإنما أبدلوا الياء ألفاً لفتح الهمزة قبلها مع تحركها فى النصب لفظا، وفى الجر والرفع حكما، وقال الخليل: الهمزة على الياء التى بعد الألف، وفعل ما ذكر {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ثواباً لإحسانهم بالطاعة، عطفت الجملة على قولوا.

الخليلي

تفسير : هذا تذكير بنعمة كفروها فعادت عليهم محنة وبلاء بعدما كانت يسرا وعطاء، وهكذا تنقلب النعمة إذا لم تشكر، وقد أجملت هذه القصة في هاتين الآيتين كما أجملت في أيتي (161، 162) من سورة الأعراف لأنها كانت معلومة للمخاطبين، فلم يكن داع لشرحها لأن المقصود مجرد تذكيرهم بها، وفي هذا الإِجمال ما يكفي لأن يكون عبرة للمعتبرين. ولم يتحد التعبير عنها هنا وفي سورة الأعراف، بل تجد تفاوتا في الموضعين في الترتيب، واختلافا في الألفاظ، وذلك لما سأبينه إن شاء الله هناك. والقرية هي الأرض العامرة بالسكان المستقرة بأهلها، مأخوذة من قريت الماء بمعنى جمعته في الحوض، وسميت بذلك لجمعها بيوتا وأسواقا ومعابد ومصانع، وغيرها، من المباني التي تعد من معالم الحضارة، وضرورات المدنية، وفي هذا ما يدل على أن اسم القرية غير خاص بالمجامع الصغيرة للناس، بل يطلق عليها وعلى المدن ذات العمران الواسع، وما تعورف عليه من التفرقة بين المدينة والقرية بأن الأولى هي المجمع الواسع الذي يضم عددا أكبر من السكان ودورا أوسع في العمران، والثانية ما كان على العكس من ذلك هو اصطلاح ناشئ لا تحمل عليه عبارات القرآن، بل استعمال القرآن يدل على خلاف ذلك، فإن الله سبحانه عندما يذكر أهل القرى يريد بهم أولئك الجبارين الذين استعلوا على الخلق، وأنفوا من الحق، وكذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض فسادا، وأذلوا الناس بالقهر، وقد وصفهم عموما بأنهم كانت لهم حضارات راقية، وقوى مكينة واسعة، فاسمعوا إن شئتم إلى قوله: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 6]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} تفسير : [الروم: 9]؛ وتجدون فيما وصف الله به عادا وثمود وقوم فرعون وغيرهم ما يدلكم على أنهم كانت لهم مدن واسعة مغرية بسعة عمرانها وكثرة سكانها، ومع ذلك فقد سماهم الله أهل القرى في مواضع من كتابه كالذي تجدونه في سورة هود بعد أن قص الله نبأ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وأصحاب مدين وقوم لوط وفرعون وآله حيث قال: {أية : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} تفسير : [هود: 100]، وقال: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ} تفسير : [هود: 102]، وحكى الله عن أبناء يعقوب قولهم: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا}تفسير : [يوسف: 82]، مع العلم بأنهم كانوا في بلدة، جمعت فيها خزائن الأرض، والتقت فيها القوافل، وتزاحمت بها الأقدام، وهذا مالا يكون عادة إلا في المدن الكبرى التي اصطلحوا على تسميتها عواصم وحكى عن المشركين قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] ومرادهم مكة والطائف، وكلتا البلدتين كانتا من البلدان العربية المتسعة العمران. واختلف في هذه القرية، فقيل: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة والسدي والربيع أخرجه عنهم ابن جرير، واستُدل له بقول الله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21]، وتُعِّقب بأنهم لم يدخلوا الأرض المقدسة في أيام موسى عليه السلام لأن موسى مات في التيه وقد افتتحوها بعدما خرجوا منه بقيادة خليفته يوشع بن نون عليهما السلام، ورُد بأن قائل "ادخلوا القرية" مبهم فلا يلزم أن يكون موسى، ولا مانع أن يكون يوشع. وهذا الرد مردود بما في سورة المائدة، فإن الآية قبل قوله: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ...} تفسير : الخ [المائدة: 21] صريحة بأن قائل ذلك موسى عليه السلام، وذلك قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...} تفسير : الخ [المائدة: 20]، وكذا المحكي عنهم من جوابهم له وهو قولهم: {أية : يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ...} تفسير : الخ [المائدة: 22]، فلا يستقيم تفسير القرية بالأرض المقدسة إلا مع القول بأن موسى هو قائل ذلك لهم، اللهم إلا أن يقال إن القصة المحكية هنا وفي سورة الأعراف غير المحكية في سورة المائدة وذلك أن ما في سورة المائدة كان قبل معاقبتهم بالتيه بل كانت تلك المعاندة منهم هي سبب وقوعهم فيه كما هو واضح من قوله تعالى ردا على شكوى موسى: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 26]، أما هذه القصة فهي قصة دخولهم الأرض المقدسة بعد مقاتلهم للجبارين في عهد يوشع عليه السلام، وذلك بعد خروجهم من التيه، وكان هذا الأمر على لسان يوشع، وهذا هو الذي يتعين في الجمع بين شتات هذه المحكيات. وقيل هي أريحاء، وهي قريبة من بيت المقدس، روى ذلك ابن جرير عن ابن زيد، وبه صدر القطب - رحمه الله - في هيميانه وتيسيره، وذهب بعضهم إلى أن هذا الأمر نفسه كان على لسان موسى، وأنه عين ما ذكر في سورة المائدة وأن مخالفتهم له هي المقصودة بالتبديل، وقيل: إن المراد بالقرية الشام كله، وهو قول ابن كيسان، وقال الضحاك هي الرملة، والأردن، وفلسطين، وتدمر. وذهب الامام ابن عاشور إلى أن القرية هي مدينة حبرون، وأن المأمورين بدخولها اثنا عشر رجلا بعثهم موسى عليه السلام عيونا إلى أرض كنعان ليكتشفوا خبرها وذلك أن بني اسرائيل عندما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني اسرائيل، وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر، فأرسل موسى هؤلاء الاثني عشر اختارهم من جميع الأسباط من كل سبط رجل وكان فيهم يوشع بن نون وكالب بن بَفُنّة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون، فوجدوا الأرض ذات خيرات، وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها، ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوما وأخبروا موسى وهارون وجميع بني اسرائيل وأروهم ثمر الأرض، وأخبروهم أنها حقا تفيض لبنا وعسلا غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جدا، فأمر موسى كالبا فأنصت بني اسرائيل إلى موسى، وقال: إننا نصعد ونمتلكها، وكذلك يوشع، أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني اسرائيل مذمة الأرض، وأنها تأكل سكانها، وأن سكانها جبابرة، فخافت بنو اسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال، فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا، فلم يصغ القوم لهم، وأوحى الله لموسى أن بني اسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم، فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم. ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخلها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعا وكالب، وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم. وذكر أن هذا التفسير الصحيح المنطبق على التأريخ الصحيح، وطبَّق ابن عاشور نصوص القرآن الواردة في هذه القصة على هذا الذي ذكره منقولا من مصادر أهل الكتاب. وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} دال على أن هذه القرية جعلها الله لهم مآبا ومنقلبا، فلذلك أباح لهم الأكل منها حيث شاءوا وإذا ما قارنتم ذلك بقوله تعالى في الأرض المقدسة: {أية : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21] اتضح لكم أن هذا القرية هي نفس الأرض المقدسة، ولأجل ملاحظة هذا المعنى قال من قال إنها جميع بلاد الشام ذلك لأن بني اسرائيل استخلفهم الله فيها فكانت موطن عزهم وتخت مملكتهم. وتوقف الإِمام محمد عبده عن تعيين هذه القرية، وقال: "نسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن، فقد أُمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة، وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين لله، خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله، ونعمه وأفضاله". وقد اتضح لكم مما ذكرته أن الأمر بالأكل للإِباحة، وإن كان معطوفا على الأمر الواجب، وهو الأمر بالدخول، لأن الجامع بينهما مطلق الطلب. واختلف في الباب الذي أمروا بدخوله؛ فقيل هو باب القرية، وقيل هو باب من أبواب بيت المقدس، رُوى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، ووُرى عنه أنه قال: يعرف اليوم بباب حطة، وقد تعاقب المفسرون زمنا بعد زمن على نقل ذلك عنه والاعتماد عليه، فكانوا يقولون إنه يعرف اليوم بباب حطة، وممن قال ذلك الألوسي في تفسيره، وهو من علماء القرن الثالث عشر، وهذا من التقليد الأعمى، فإن من شأن الأحوال أن تتحول، فلا بد - مع مضي العصور - أن تتغير الأبواب وتختلف الأعراف، وقيل هو باب القبة التي كان يتجه إليها موسى وهارون عليهما السلام في صلاتهما، وقيل: ليس المراد بالباب حقيقته المعروفة وإنما يراد به مدخل إلى القرية، وقد وصفه بعضهم بأنه مدخل بين جبلين. أُمروا أن يدخلوا سجدا تواضعا لله وشكرا له على ما أنعم به من نعمة الاستخلاف في الأرض، واختلف في المراد بالسجود؛ قيل: هو طأطأة الرأس وحني الظهر تواضعا له سبحانه، وسمي سجودا لما فيه من الخضوع للمقام الأعلى، (وأصل السجود) الانحناء لمن سُجد له مُعظّما بذلك، فكل منحنٍ لشيء تعظيما له فهو ساجد، ومنه قول الشاعر: شعر : بجمع تظل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجداً للحوافر تفسير : يعني بقوله سجدا خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى ابن قيس بن ثعلبة: شعر : يراوح من صلوات المليـ ـك طورا سجودا وطورا جؤارا تفسير : وهو معنى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في (سجدا) رُكَّعا، وحمل بعضهم السجود على ظاهره، واعترض بأن السجود سكون، والدخول حركة فيتعذر أن يجتمعا، وقال الزمخشري أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا؛ واعترضه أبو حيان بأن ما ذكره ليس مدلول الآية لأنهم لم يؤمروا بالسجود في الآية عند الانتهاء إلى الباب، بل أمروا بالدخول في حال السجود، فالسجود ليس مأمورا به، بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية، فتناقضتا إذ يستحيل أن يكون الشيء تقييديا اسناديا لأنه من حيث التقييد لا يُكتفى كلاما، ومن حيث الإسناد يُكتفى، فظهر التناقض، ورده الشوكاني بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال اخرج مسرعا فهو آمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفا للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسبا تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيودا مأمورا بها هو شيء زائد على مجرد التقييد. وللإِمام ابن عاشور في هذا الأمر بالسجود تفسير يتلاءم مع ما ذكرته من قبل عنه في تفسير الأمر بدخول القرية، وحاصل ما قاله أن المقصود بالسجود مطلق الانحناء لإِظهار العجز والضعف كي لا يفظن لهم أهل القرية، وهو مما تقتضيه مهمة التجسس التي بُعثوا من أجلها، واستبعد أن يكون السجود المأمور به سجود شكر، لأنهم كانوا عيونا ولم يكونوا فاتحين، واستظهر مما جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على أستاههم أنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أمرهم يفتضح لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره. والحطة مصدر دال على الهيئة من حط يحط بمعنى أسقط، واختلف في المراد بها؛ قيل: إنها بمعنى حط الأوزار، وعليه فيقدر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، وهو تعبير عن طلبهم الله أن يحط أوزارهم، ولما كان هذا المصدر بصيغة فعلة - بكسر الفاء - الدالة على الهيئة، حُمل على طلب نوع عظيم من الحط، وهو حط كبار الأوزار، ويعني ذلك اعترافهم بارتكابهم الكبائر مع سؤالهم غفرانها، وقيل: يُقَدّر أمرنا حطة، وهو محمول على أنهم مأمورون بأن يعبروا عما هم مأمورون به وواجب عليهم امتثاله من حط الرحال في تلك القرية تعبيرا عن الامتثال. والقول الأول أشهر، أخرجه ابن جرير عن الحسن وقتادة، وأخرج معناه عن ابن عباس وابن زيد والربيع وعطاء بألفاظ مختلف منها أن الحطة عبارة عن الاستغفار وذلك ليجمعوا بين خشوع القلب وخضوع الجوارح، والاستغفار باللسان، وجنح الى هذا الرأي الفخر الرازي، وقال: إنه أحسن الوجوه وأقربها الى التحقيق، وعليه اعتمد ابن جرير، ولا داعي إلى اعتبار العبارات المختلفة المحكية عن السلف، والمؤثَّرة في الكتب - مع اتفاقها في هذا المعنى - آراء متبانية فإن الخلف في ذلك لفظي فحسب، وتعضد هذا الرأي قراءة من نصب حطة ولو كانت شاذة كما يدل عليه قول الشاعر: شعر : فاز بالحطة التي جعل الله بها ذنب عبده مغفورا تفسير : ولا يُعد مخالفا لهذا الرأي ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد عن عكرمة أنهم أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله، لأن قولهم ذلك إثر ما تتابع من معاصيهم وتكرر من عنادهم لجوء إلى الله وإعلان للتوبة وطلب لمغفرة الخطايا إن قالوها من أعماق نفوسهم دائنين بما تقتضيه من الانقياد المطلق لواجب الوجود الذي أسبغ نعمه عليهم وعلى كل موجود سبحانه وتعالى. وقال الإِمام محمد عبده: "المراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم". وبناء على ما سبق نقله عن الإِمام ابن عاشور في تفسير القصة ذهب إلى أن كلمة حطة ما أن تكون كلمة معروفة في ذلك المكان للدلالة على العجز أو أنها من أقوال المتسولين والشحاذين كي لا يحسب لهم أهل القرية حسابا ولا يأخذوا حذرا منهم فيكون القول الذي أُمروا به قولا يخاطبون به أهل القرية، وضعف ابن عاشور القولين الأولين لاستبعاده الدعاء بمصدر مرفوع، وهو مع التأمل غير بعيد في بعض الأحوال لورود مثله في الطلب، كقول الشاعر: شعر : شكا إليّ جملي طول السُّرى صبر جميل فكلانا مُبتلى تفسير : والعدول عن النصب إلى الرفع لما يفيده من الثبوت والدوام. وُعدوا على امتثال ما أُمروا به غفران الخطايا - وهي جمع خطيئة - وهو فوز كبير، ونعمة جُلى، ومطلب لكل عاقل، فبحسب الإِنسان نعمة بالغة تكفير خطاياه الموبقة، وتنجيته من عواقبها المهلكة، ومع ذلك وعدوا زيادة في الأجر على الإِحسان إن أحسنوا، وهو محتمل بأن يكون أجرا دنيويا بزيادة الفتوح والتمكين في أنحاء الأرض، أو أخرويا بزيادة الدرجات في الدار الآخرة، أو كلا الأمرين، وهو الظاهر، غير أنهم لشر منزعهم، وفساد طباعهم، وانحراف فطرهم بِدأبهم على التمرد والعصيان أضاعوا هذه الفرصة، وزهدوا في ما وُعدوا به، فانقلب الوعد وعيدا، وتحولت النعمة إلى نقمة، ذلك بأنهم كفروا نعمة ربهم، وهكذا تكون عاقبة الكنود الجحود، فقد بدل أولئك قولا غير الذي قيل لهم، وذلك أنهم دخلوا زاحفين على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، أخرج ذلك الشيخان وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا أنهم دخلوا يقولون: حنطة في شعيرة. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة، وعن ابن عباس أنهم قالوا: حنطة، والروايات في ذلك متعددة، والجمع بينها محتمل بأن يكونوا قالوا كل ذلك سخرية واستخفافا، وقد أخذ بهذه الروايات جمهور المفسرين، وخالفهم أبومسلم الأصفهاني من المتقدمين، فحمل التبديل على مطلب المخالفة سواء دخلوا على غير الوجه المطلوب أو لم يدخلوا رأسا، لأن في كل ذلك تبديلا لما أُمروا به، فهو تبديل لقول الله، واستشهد لتفسيره هذا بقوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} تفسير : [الفتح: 15] فإن التبديل المقصود هنا لا يُقصد به وضع كلمة مكان أخرى، وما هو إلا مجرد مخالفتهم لحكم الله، وانتقد الألوسي قول أبي مسلم وقال: "ظاهر الآية والأحاديث تكذبه". ووافق أبا مسلم من مفسري المتأخرين الإِمامان محمد عبده ومحمد رشيد رضا في سورتي البقرة والأعراف، وقد عد الإِمام محمد عبده الروايات المنقولة من الإِسرائيليات التي لا يجوز أن يُحشى بها تفسير كلام الله، ووجه السيد محمد رشيد كلامه بما حاصله أن حديث أبي هريرة وإن رُوى في الصحيحين لم يثبت رفعه لاحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من كعب الأحبار لعدم تصريحه بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، على أن راويه عن أبي هريرة همام بن منبه أخو وهب وهما صاحبا الغرائب في الإِسرائيليات. وهذا ليس بشيء، فإن أبا هريرة رضي الله عنه صرح - كما في رواية البخاري في التفسير وأحاديث الأنبياء - بإسناد هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق مجال للشك الذي ذكره صاحب المنار. والرجز العذاب وبه فسره قتادة أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج عن أبي العالية أنه الغضب، وعن ابن زيد أنه الطاعون، ولا تعارض بين هذه الأقوال، فالطاعون من أنواع العذاب الذي يصيب الله به الأمم، وعندما يكون عقوبة على معصية فهو مقرون بغضب الله، وقد ثبت عن أسامة بن زيد، وسعد بن مالك، وخزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عُذب به أناس من قبلكم"تفسير : ولا ينافي ذلك ما ثبت علميا أنه ينشأ عن تلوث البيئة، فإن الله سبحانه هو الذي يهيئ لكل أمر أسبابه، فإذا أراد عقوبة قوم بما قدمت أيديهم هيأ لها أسبابها عادية كانت أو غير عادية، وتعيين الرجز أنه من السماء إنما هو لما اعتيد عند الناس من جعل السماء مصدرا للنوازل، وتوقف الإِمام محمد عبده عن تعيين الرجز وقد سبقه إلى ذلك الإِمام ابن جرير في تفسيره. وإسناد التبديل إلى الذين ظلموا للإِفادة بأنه ظلم، وكذلك قوله: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} - مع إمكان الاستغناء بالضمير لو قيل فأنزلنا عليهم - للافادة بأن ظلمهم سبب لإِنزال الرجز، لأن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، والإِسم الموصول وصلته في حكم المشتق، وأجاز الإِمام محمد عبده أن يكون ذكر الذين ظلموا في الموضعين للإِفادة بأن التبديل وإنزال الرجز خاصان بطائفة منهم دون سائرهم. وينبغي أن تضاف هذه النكتة الخاصة بهذا الموضع إلى القاعدة العامة التي ذكرتها من قبل، ويؤكد عليه ظلمهم في إنزال الرجز عليهم التصريح بما يفيد مفاد ذلك في قوله: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}، لأن الظلم والفسق مترادفان شرعا وإن اختلفا لغة.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} منصوبة على الظرفية عند سيبويه، والمفعولية عند الأخفش، والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان موسى عليه السلام كالأوامر السابقة واللاحقة ـ والقرية ـ بفتح القاف ـ والكسر لغة أهل اليمن ـ المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة، وقيل: إن قلوا قيل لها: قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة، والجمع القرى على غير قياس، وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جمّ/ والمشهور عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والسدي، والربيع، وغيرهم ـ وإليه ذهب الجمهور ـ أنها بيت المقدس، وقد كان هذا الأمر بعد التيه والتحير وهو أمر إباحة يدل عليه عطف {فَكُلُواْ} الخ وهو غير الأمر المذكور بقوله تعالى: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ }تفسير : [المائدة: 21] لأنه كان قبل ذلك وهو أمر تكليف كما يدل عليه عطف النهي، ومنهم من زعم اتحادهما، وجعل هذا الأمر أيضاً للتكليف. وحمل تبديل الأمر على عدم امتثاله بناء على أنه لم يدخلوا القدس في حياة موسى عليه السلام، ومنهم من ادّعى اختلافهما لكنه زعم أن ما هنا كان بعد التيه على لسان يوشع لا على لسان موسى عليهما السلام لأنه وأخاه هرون ماتا في التيه وفتح يوشع مع بني إسرائيل أرض الشام بعد موته عليه السلام بثلاثة أشهر، ومنهم من قال الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج عنه ولا يخفى ما في كل، فالأظهر ما ذكرنا. وقد روي أن موسى عليه السلام سار بعد الخروج من التيه بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحاء ـ وهي بأرض القدس ـ وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض، وكأنهم أمروا بعد الفتح بالدخول على وجه الإقامة والسكنى كما يشير إليه قوله تعالى: {فَكُلُواْ} الخ، وقوله تعالى في الأعراف [161] {أية : ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ }تفسير : ويؤكد كونه بعد الفتح الإشارة بلفظ القريب، والقول ـ بأنها نزلت منزلة القريب ترويجاً للأمر ـ بعيد، ولا ينافي هذا ما مر من أنه مات في التيه لأن المراد به المفازة لا التيه مصدر تاه يتيه تيهاً بالكسر والفتح وتيهاناً إذا ذهب متحيراً فليفهم. {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} أي واسعاً هنيئاً ونصبه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين، وفي الكلام إشارة إلى حلّ جميع مواضعها لهم، أو الإذن بنقل حاصلها إلى أي موضع شاءوا مع دلالة (رغداً) على أنهم مرخصون بالأكل منها ـ واسعاً ـ وليس عليهم القناعة لسد الجوعة، ويحتمل أن يكون وعداً لهم بكثرة المحصولات وعدم الغلاء، وأخر هذه المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم عليه السلام قبل لمناسبة الفاصلة في قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا} والخلاف في نصب (الباب) في نصب {هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} والمراد بها على المشهور أحد أبواب بيت القدس، وتدعى الآن باب حطة قاله ابن عباس، وقيل: الباب الثامن من أبوابه، ويدعى الآن باب التوبة ـ وعليه مجاهد ـ وزعم بعضهم أنها باب القبة التي كانت لموسى وهارون عليهما السلام يتعبدان فيها، وجعلت قبلة لبني إسرائيل في التيه، وفي وصفها أمور غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله تعالى. و (سجداً) حال من ضمير {أَدْخِلُواْ} والمراد خضعاً متواضعين لأن اللائق بحال المذنب التائب والمطيع الموافق الخشوع والمسكنة، ويجوز حمل السجود على المعنى الشرعي، والحال مقارنة أو مقدرة، ويؤيد الثاني ما روي عن وهب في معنى الآية ـ إذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله أي على ما أنعم عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على من كنتم منه تخافون وأعادكم إلى ما تحبون ـ وقول الزمخشري ـ أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً ـ لم نقف على ما يدل عليه من كتاب وسنة، وفسر ابن عباس السجود هنا بالركوع، وبعضهم بالتطامن والانحناء قالوا: وأمروا بذلك لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى انحناء، وفي «الصحيح» عن أبـي هريرة أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : قيل لبني إسرائيل: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} فدخلوا يزحفون على أستاههم»تفسير : . {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتنا، أو شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا، وهي فعلة من ـ الحط ـ كالجلسة، وذكر أبان أنها بمعنى التوبة وأنشد:شعر : فاز (بالحطة) التي جعل اللـ ـه بها ذنب عبده مغفوراً تفسير : / والحق أن تفسيرها بذلك تفسير باللازم، ومن البعيد قول أبـي مسلم: إن المعنى أمرنا ـ حطة ـ أي أن نحط في هذه القرية ونقيم بها لعدم ظهور تعلق الغفران به وترتب التبديل عليه إلا أن يقال كانوا مأمورين بهذا القول عند الحط في القرية لمجرد التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه، وقرأ ابن أبـي عبلة بالنصب بمعنى حط عنا ذنوبنا (حطة) أو نسألك ذلك، ويجوز أن يكون النصب على المفعولية ـ لقولوا ـ أي قولوا هذه الكلمة بعينها ـ وهو المروي عن ابن عباس ـ ومفعول القول عند أهل اللغة يكون مفرداً إذا أريد به لفظه ولا عبرة بما في «البحر» من المنع إلا أنه يبعد هذا إن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بها، ولأن الظاهر أنهم أمروا أن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم حتى لو قالوا اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً ولا تتوقف التوبة على ذكر لفظة بعينها، ولهذا قيل: الأوجه في كونها مفعولاً ـ لقولوا ـ أن يراد قولوا أمراً حاطاً لذنوبكم من الاستغفار، وحينئذ يزول عن هذا الوجه الغبار، ثم هذه اللفظة على جميع التقادير عربية معلومة الاشتقاق، والمعنى وهو الظاهر المسموع، وقال الأصم: هي من ألفاظ أهل الكتاب لا نعرف معناها في العربية. وذكر عكرمة إن معناها لا إله إلا الله وهو من الغرابة بمكان. {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} بدخولكم الباب سجداً وقولكم حطة. والخطايا أصلها خطايىء بياء بعد ألف ثم همزة فأبدلت الياء ـ عند سيبويه ـ الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً، وكانت الهمزة بين ألفين فأبدلت ياء، وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بها ما ذكر، وقرأ نافع {يَغْفِرُ} ـ بالياء ـ وابن عامر ـ بالتاء ـ على البناء للمجهول، والباقون ـ بالنون ـ والبناء للمعلوم ـ وهو الجاري على نظام ما قبله وما بعده ـ ولم يقرأ أحد من السبعة إلا بلفظ {خَطَـٰيَـٰكُمْ} وأمالها الكسائي، وقرأ الجحدري وقتادة {تَغْفِرْ} بضم التاء، وأفرد ـ الخطيئة ـ وقرأ الجمهور بإظهار ـ الراء ـ من {يَغْفِرُ} عند ـ اللام ـ وأدغمها قوم، قالوا: وهو ضعيف. {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} معطوف على جملة {قُولُواْ حِطَّةٌ } وذكر أنه عطف على الجواب، ولم ينجزم لأن ـ السين ـ تمنع الجزاء عن قبول الجزم، وفي إبرازه في تلك الصورة دون تردد دليل على أن المحسن يفعل ذلك البتة، وفي الكلام صفة الجمع مع التفريق، فإن {قُولُواْ حِطَّةٌ} جمع، و {نَّغْفِرْ لَكُمْ} و {سَنَزِيدُ} تفريق، والمفعول محذوف، أي ثواباً.

ابن عاشور

تفسير : هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها. وفي التذكير بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها المنعم عليه، وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء إعجابهم بآرائهم، وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم كلما صدفوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب. قال الشيخ ابن عطاء الله: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها. ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصاراً ترك كثيراً من المفسرين فيها حيارى، فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها فما أتوا على شيء مقنع، وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم بعضها بنظم الآية لا يلتئم بعضه الآخر، وربما خالف جميعها ما وقع في أيام أخر. والذي عندي من القول في تفسير هاته الآية أنها أشارت إلى قصة معلومة تضمنتها كتبهم وهي أن بني إسرائيل لما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني إسرائيل وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر فأرسل موسى اثني عشر رجلاً ليتجسسوا أرض كنعان من كل سبط رجل وفيهم يوشع بن نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون فوجدوا الأرض ذات خيرات وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوماً وأخبروا موسى وهارون وجميع بني إسرائيل وأروهم ثمر الأرض وأخبروهم أنها حقاً تفيض لبناً وعسلاً غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جداً فأمر موسى كالباً فأنصت إسرائيل إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها وكذلك يوشع أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني إسرائيل مذمة الأرض وأنها تأكل سكانها وأن سكانها جبابرة فخافت بنو إسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا، فلم يصغ القوم لهم وأوحى الله لموسى أن بني إسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخل لها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعاً وكالباً وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم. فهذه الآية تنطبق على هذه القصة تمام الانطباق لا سيما إذا ضمت لها آية سورة [المائدة: 21، 25] {أية : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} تفسير : - إلى قوله - {أية : الفاسقين} تفسير : فقوله: {ادخلوا هذه القرية} الظاهر أنه أراد بها «حبرون» التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بثمارها، وقيل: أراد من القرية الجهة كلها قاله القرطبي عن عمرو بن شبة فإن القرية تطلق على المزرعة لكن هذا يبعده قوله: {وادخلوا الباب} وإن كان الباب يطلق على المدخل بين الجبلين وكيفما كان ينتظم ذلك مع قوله: {فكلوا منها حيث شئتم رغداً} يشير إلى الثمار الكثيرة هناك. وقوله: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} يتعين أنه إشارة إلى ما أشاعه الجواسيس العشرة من مذمة الأرض وصعوبتها وأنهم لم يقولوا مثل ما قال موسى حيث استنصت الشعب بلسان كالب بن بَفُنَّة ويوشع ويدل لذلك قوله تعالى في سورة الأعراف (162) {أية : فبدل الذين ظلموا منهم قولاً}تفسير : أي من الذين قيل لهم ادخلوا القرية وأن الرجز الذي أصاب الذين ظلموا هو الوباء الذي أصاب العشرة الجواسيس، وينتظم ذلك أيضاً مع قوله في آية المائدة (21، 22) {أية : ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين } تفسير : إلخ وقوله: {أية : قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب}تفسير : [المائدة: 23] فإن الباب يناسب القرية. وقوله: {أية : قال فإنها محرمة عليهم}تفسير : [المائدة: 26]. فهذا هو التفسير الصحيح المنطبق على التاريخ الصريح. فقوله: {وإذ قلنا} أي على لسان موسى فبلغه للقوم بواسطة استنصات كالب بن بَفُنَّة، وهذاهو الذي يوافق ما في سورة العقود في قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} الآيات. وعلى هذا الوجه فقوله: {ادخلوا} إما أمر بدخول قرية قريبة منهم وهي «حبرون» لتكون مركزاً أولاً لهم، والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه أعني القتال كما دلت عليه آية المائدة إذ قال: {ادخلوا الأرض المقدسة} إلى قوله {ولا ترتدوا على أدباركم} فإن الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة في الحروب كما قال تعالى: {أية : فلا تولوهم الأدبار}تفسير : [الأنفال: 15]. ولعل في الإشارة بكلمة {هذه} المفيدة للقرب ما يرجح أن القرية هي حبرون التي طلع إليها جواسيسهم. والقرية - بفتح القاف لا غير على الأصح - البلدة المشتملة على المساكن المبنية من حجارة وهي مشتقة من القَرْي - بفتح فسكون وبالياء - وهو الجمع يقال: قَرى الشيء يَقريه إذا جمعه وهي تطلق على البلدة الصغيرة وعلى المدينة الكبيرة ذات الأسوار والأبواب كما أريد بها هنا بدليل قوله: {وادخلوا الباب سجداً}. وجمع القرية قُرى بضم القاف على غير قياس لأن قياس فُعَل أن يكون جمعاً لِفعْلة بكسر الفاء مثل كسوة وكُسى وقياس جمع قرية أن يكون على قِراء بكسر القاف وبالمد كما قالوا: رَكوة وركاء وشكوة وشكاء. وقوله: {وادخلوا الباب سجداً} مراد به باب القرية لأن أل متعينة للعوضية عن المضاف إليه الدال عليه اللفظ المتقدم. ومعنى السجود عند الدخول الانحناء شكراً لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له. والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاههم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره. وقوله: {وقولوا حطة} الحطة فعلة من الحط وهو الخفض وأصل الصيغة أن تدل على الهيئة ولكنها هنا مراد بها مطلق المصدر، والظاهر أن هذا القول كان معروفاً في ذلك المكان للدلالة على العجز أو هو من أقوال السُّؤَّال والشحاذين كيلا يحسب لهم أهل القرية حساباً ولا يأخذوا حذراً منهم فيكون القول الذي أمروا به قولاً يخاطبون به أهل القرية. وقيل: المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية. وقيل: من الحط بمعنى حط الرحال أي إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو يكون فتحاً ويكون صلحاً ويكون للغنيمة ثم الإياب. وهذان التأويلان بعيدان ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة لأن المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سَقياً ورعياً وإنما يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء ولا يستعمل الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو رحمه الله ويرحمه الله. و(حطة) بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمعٌ وطاعة وصبرٌ جميل. والخطايا جمع خطيئة ولامها مهموزة فقياس جمعها خطائِيء بهمزتين بوزن فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة أو لأن في الهمزتين ثِقلاً فخففوا الأخيرة منهما ياء ثم قلبوها ألفاً إما لاجتماع ثقل الياء مع ثقل صيغة الجمع وإما لأنه لما أشبه جائي استحق التخفيف ولكنهم لم يعاملوه معاملة جائي لأن همزة جائي زائدة وهمزة خطائيء أصلية ففروا بتخفيفه إلى قلب الياء ألفاً كما فعلوا في يتامى ووجدوا له في الأسماء الصحيحة نظيراً وهو طَهارَى جمع طَاهرة. والخطيئة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها مخطوء بها أي مسلوك بها مسلك الخطأ أشاروا إلى أنها فعل يحق أن لا يقع فيه فاعله إلا خطأ فهي الذنب والمعصية. وقوله: {وسنزيد المحسنين} وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة ولذلك حذف مفعول (نزيد). والواو عاطفة جملة {سنزيد} على جملة {قلنا ادخلوا} أي وقلنا سنزيد المحسنين؛ لأن جملة {أية : سنزيد} تفسير : حكيت في سورة الأعراف (161) مستأنفة فعلم أنها تعبر عن نظير لها في الكلام الذي خاطب الله به موسى على معنى الترقي في التفضل فلما حكيت هنا عطفت عطف القول على القول. وقوله: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} أي بدل العشرة القول الذي أمر موسى بإعلانه في القوم وهو الترغيب في دخول القرية وتهوين العدو عليهم فقالوا لهم: لا تستطيعون قتالهم وثبطوهم ولذلك عوقبوا فأنزل عليهم رجز من السماء وهو الطاعون. وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوَى أو نحوها فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم. ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف عندهم فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة فدل على أن التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم لأن الآية تذكير لليهود بما هو معلوم لهم من حوادثهم. وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً} ولم يقل عليهم لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل وبذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق. وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم وما حدثهم الناس عن حال القرية، وللإشارة إلى جميع هذا بني فعل {قيل} إلى المجهول إيجازاً. فقولاً مفعول أو لبدَّل، و{غير الذي قيل} مفعول ثان لأن (بدل) يتعدى إلى مفعولين من باب كسى أي مما دل على عكس معنى كسى مثل سلَبه ثوبه. قال أبو الشيص:شعر : بُدِّلْتُ من بُرْد الشباب ملاءة خَلَقاً وبئس مثوبة المقتاض تفسير : وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هيناً. وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدَّلوا به أنهم قالوا: حبة في شَعَرة أو في شعيرة، والظاهر أن المراد به أن العشرة استهزؤا بالكلام الذي أعلنه موسى عليه السلام في الترغيب في فتح الأرض وكنوا عن ذلك بأن محاولتهم فتح الأرض كمحاولة ربط حبة بشَعَرة أي في التعذر، أو هو كأكل حبة مع شَعَرة تخنق آكلها، أو حَبَّة من بُرّ مع شعيرة. وقوله: {فبدل الذين ظلموا} وقوله: {فأنزلنا على الذين ظلموا} اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدَّلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة. وفي هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقاً، وفي المثل «على أهلها تجني براقش» وهي اسم كلبة قوم كانت تحرسهم بالليل فدل نبحها أعداءهم عليهم فاستأصلوهم فضربت مثلاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: القرية: مدينة القدس. رغداً: عيشاً واسعاً هنيئاً. سجّداً: رُكّعا متطامنين لله خاضعين شكراً لله على نجاتهم من التيه. حِطّة: حِطّة: فِعْلَةٌ مثل ردة وحدة من رددت وحددت، أمرهم أن يقولوا حِطة بمعنى احطط عنا خطايانا ورفع (حِطةٌ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: دخولنا الباب سجداً حِطةٌ لذنوبنا. نغفر: نمحو ونستر. خطاياكم: الخطايا جمع خطيئة: الذنب يقترفه العبد. فبدل: غيروا القول الذي قيل لهم قولوه وهو حِطة فقالوا: حبَّة في شَعْرة. رجزاً: وباء الطاعون. يفسقون: يخرجون عن طاعة الله ورسوله إليهم، وهو يوشع عليه السلام. معنى الآيتين: تضمنت الآية الأولى [58] تذكير اليهود بحادثة عظيمة حدثت لأسلافهم تجلت فيها نعمة الله على بني إسرائيل وهي حال تستوجب الشكر، وذلك أنهم لما انتهت مدة التيه وكان قد مات كل من موسى وهارون وخلفهما في بني إسرائيل فتى موسى يوشع بن نون وغزا بهم العمالقة وفتح الله تعالى عليهم بلاد القدس أمرهم الله تعالى أمر إكرام وإنعام فقال ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً. واشكروا لي هذا الإِنعام بان تدخلوا باب المدينة راكعين متطامنين قائلين. دخولنا الباب سجداً حطةٌ لذنُوبنا التي اقترفناها بنكولنا عن الجهاد على عهد موسى وهارون. نثبكم بمغفرة ذنوبكم ونزيد المحسنين منكم ثواباً كما تضمنت الآية الثانية [59] حادثة أخرى تجلت فيها حقيقة سوء طباع اليهود وكثرة رعوناتهم وذلك بتغييرهم الفعل الذي أمروا به والقول إلى قيل لهم فدخلوا الباب زاحفين على أستاههم قائلين: حبة في شعيرة!! ومن ثم انتقم الله منهم فأنزل على الظالمين منهم طاعوناً أفنى منهم خلقاً كثيراً جزاء فسقهم عن أمر الله عز وجل. وكان فيما ذكر عظة لليهود لو كانوا يتعظون. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- تذكير الأبناء بأيام الآباء للعظة والاعتبار. 2- ترك الجهاد إذا وجب يسبب للأمة الذل والخسران. 3- التحذير من عاقبة الظلم والفسق والتمرد على أوامر الشارع. 4- حرمة تأويل النصوص الشرعية للخروج بها عن مراد الشارع منها. 5- فضيلة الإحسان في القول والعمل.

القطان

تفسير : القرية: قيل إنها بيت المقدس. الرغد: الهنيء والسعة من العيش. الرجز: العذاب. اذكروا يا بني اسرائيل حين قلنا لكم ادخلوا الأرض التي فيها تلك القرية التي عينها لكم موسى، فكلوا مما فيها وعيشوا راغدين. ادخلوا من بابها خاشعين، وقولوا حُطّ عنا يا ربنا ذنوبنا، فاذا فعلتم ذلك غفرنا لكم ذنوبكم، وللمحسنين منكم عندنا زيادة. فقالوا: {أية : يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}تفسير : [المائدة:22]. وهكذا خالف الظالمون أمر ربهم وبدّلوا ما أُمروا به بالإحجام عن طاعة الأوامر، استهزاءً بالجزاء، فأنزل الله على الظالمين منهم عذابا من فوقهم.. جزاء لهم على فسقهم وخروجهم على أوامر ربهم. القراءات: قرأ نافع "يغفر" بالياء. وقرأ ابن عامر "تغفر" بالتاء على البناء للمفعول. وقرىء "رُجزا" بضم الراء.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَطَايَاكُمْ} (58) - وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالجِهَادِ مَعَ مُوسَى لِدُخُولِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، لَمَّا قَدِمُوا مِنْ مِصْرَ، وَقِتَالِ أَهْلِهَا العَمَالِيقِ الكَفَرَةِ فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعُفُوا، فَرَمَاهُمُ اللهُ في صَحْرَاءِ التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً لَهُمْ، وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِنَ التِّيهِ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ مَاتَ، وَدَخَلَ بِهِمْ إِحْدَى مُدُنِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنْ يَدْخُلُوا بَابَ البَلَدِ رُكَّعاً شُكْراً للهِ، وَبِأَنْ يَقُولُوا (حِطَّةٌ) (أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، وَاغْفِرْ لَنَا) فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ بِإِخْلاَصٍ وَصِدْقِ نِيَّةٍ، فَإِنَّ اللهَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ دُعَاءَهُمْ، وَيُكَفِّرُ عَنْهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَيُضَاعِفُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ. رَغَداً - أَكْلاً هَنِيئاً لاَ عَنَاءَ فِيهِ. قُولُوا حِطَّةٌ - اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَحُطَّ عَنَّا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : من هذه الآية الكريمة نعرف أن بني إسرائيل رفضوا رزق السماء من المن والسلوى مع أنه كان رزقاً عالياً .. عالياً في الجودة لأنه طعام حلو نقي شهي ينزل لهم من السماء مباشرة، وعالياً في الكثرة من أنه كان يأتيهم بلا عمل وبلا تعب وبكميات هائلة تكفيهم وتزيد .. وطلبوا من موسى طعام الأرض الذي يزرعونه بأيديهم ويرونه أمامهم كل يوم فقد كانوا يخافون أن يستيقظوا يوماً فلا يجدون المن والسلوى. الحق سبحانه وتعالى يكمل لنا القصة في آية قادمة: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 61]. فالله سبحانه وتعالى ما زال يمتن على بني إسرائيل بنعمه وكيف قابلوها بالجحود، فيذكرهم بإنجائهم من عذاب آل فرعون، ويذكرهم بالبحر الذي انشق لهم فمشوا فيه ثم انقض الماء بعد ذلك على آل فرعون فأغرقهم، ويذكرهم كيف أنهم عبدوا العجل بعد ذلك .. وكان من الممكن أن يهلكهم الله بذنوبهم. كما أهلك الأمم السابقة ولكنه عفا عنهم .. ثم يذكرهم بفضله عليهم بأن أعطاهم الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل .. ويذكرهم بأنهم طلبوا أن يروا الله جهرة .. فصعقوا وماتوا ثم بعثهم الله. ويذكرهم كيف ظللهم بالغمام من حرارة الشمس المحرقة، ورزقهم بالمن والسلوى .. ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم. في هذه الآية يقول الحق تبارك وتعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} [البقرة: 58]. وفي آية أخرى يقول: {أية : رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : [البقرة: 35]. الفرق في المعنى أن قوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} [البقرة: 58] تدل على أن هناك أصنافاً كثيرة من الطعام. "ورغداً حيث شئتم" يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام .. عندما يقول الحق جل جلاله: كلوا رغداً يكون المخاطب هنا نوعين: إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألواناً متعددة من الطعام لتغريه على الأكل .. فتقدم في هذه الحالة "حيث شئتم" فيقال: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} [البقرة: 58] .. فإذا كان الإنسان جوعان يرضى بأي طعام .. فيقال رغداً حيث شئتم. إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديماً وتأخيراً في الألفاظ .. ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير .. قوله تعالى {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} [البقرة: 58] .. والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن .. الحق تبارك وتعالى يقول: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58].. والحق جل جلاله حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شيء فقال: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} [البقرة: 58] أي ستجدون فيها ألواناً كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ولو لم تكونوا جائعين. وقوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} [البقرة: 58] .. أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع .. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [البقرة: 58] أي حط عنا ذنوبنا يا رب .. غير أنهم حتى في الأمر يغيرون مضمونه .. ويلبسون الحق بالباطل .. وهذه خاصية فيهم .. ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين .. دخلوه زاحفين على ظهورهم .. مع أن ما أمرهم الله به أقل مشقة مما فعلوه .. فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر الله شاقة، ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلاً من أن يقولوا حطة. أي حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح .. ليطوعوا اللفظ لأغراضهم .. فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة. ومع أن الحق تبارك وتعالى وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين، فإنهم خالفوا وعصوا .. وقوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58] يأتي في الآية الكريمة: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]. أي لهم أجر مثل ما فعلوا أضعافاً مضاعفة .. وما هي الزيادة؟ أن يروا الله يوم القيامة. هذه هي الزيادة التي ليس لها نظير في الدنيا.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} معناهُ ركعٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {حِطَّةٌ} أَي مغفرةٌ أَي حُطَّ عَنَّا الخَطَايا.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} هي بيت المقدس ويقال: قرية بكسر القاف لغة يمانية. {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} إباحة في أي مكان شاؤا وتأخر {رَغَداً} وإن كان تقدم في قصة آدم لمناسبة الفاصلة بعده في قوله: سجداً، وتقدم هناك إذ لاصق الأكل. وهذا الباب الآن يسمى باب حطة أمروا بالدخول من الباب واضعي جباههم بالأرض. (وقال) الزمخشري: امروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً. انتهى. ولم يؤمروا بالسجود بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول والأحول نسب تقييديه والأوامر نِسَبْ إسنادية فتناقضتا وذكرت هيئات في الدخول وفي الصحيح دخلوا الباب يزحفون على استاههم. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتنا حطة وهو مصدر، كنشدة أو هيئة كقعدة. وقرىء بالنصب لقوله: صبر جميل، أو صبراً جميلاً، لما سألوا حط ذنوبهم رئب على ذلك غفران الخطيئة. (وقال الزمخشري): فإِن قلت هل يجوز أن ينصب حطة في قراءة من نصبها بقولوا على معنى قولوا هذه الكلمة؟ قلت: لا يبعد. انتهى. وما جوزه ليس بجائز لأن القول لا يعمل في المفردات إلا إن كان المفرد مصدراً أو صفة له أو معبراً به عن جملة نحو قلت شعراً أو خطبة ليس واحداً من هذه ويكون على قوله من الاسناد اللفظي فلا يترتب على قوله إلا مجرد الامتثال بالنطق باللفظ فلا فرق بينه وبين اللفظ الغفل. ويبعد أن يترتب الغفران للخطايا على النطق بمجرد لفظ لم يدل على معنى كلام. وقرىء "يغفر" بالياء والتاء مبنياً للمفعول وبهما مبنياً للفاعل ونغفر بالنون. وقرىء {خَطَٰيَٰكُمْ} وخطيئتكم وخطيّاتكم بهمز الألف الأولى دون الثانية وخطاياكم بهمز الثانية دون الأولى وتقدم الأمر بالدخول والأكل ودخول الباب. وقول حطة والجواب مترتب على دخول الباب بقيد السجود وقول حطة لقوة المناسبة والمجاورة. ويدل على ذلك قصة الاعراف وادغم قوم راء نغفر في اللام وسنزيد وفي الاعراف سنزيد، والذي فيها مختصر من هذه الا ترى إلى سقوط الواو من سنزيد وحذف رغداً فأرسلنا عليهم بالضمير. {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي على غفران الخطايا ثواباً ودرجات من أحسن منهم. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} انقسموا إلى ظالم وغير ظالم فإِن كانوا كلهم ظالمين كان من وضع الظاهر موضع الضمير أي فبدلوا ونبه على علة التبديل وهو الظلم والمبدل به محذوف تقديره فبدّل الذين ظلموا بقولهم حطة. {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ولما حذف ناسب إضافة غير إلى الاسم الظاهر ولو لم يحذف لكان التركيب بقولهم حطة قولاً غيره وابهم الذي قالوه وفي الصحيح هو مفسر قالوا حبة في شعرة أمروا بأن يسألوا حط ذنوبهم فقالوا ذلك استهزاء وعدم مبالاة فاستحقوا النكال. {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} اشعار بعلية نزول الرجز وهو العذاب ولم يعين في القرآن نوعه. وقرىء "رُجزاً" بضم الراء. {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} إشارة إلى الجهة التي نزل منها العذاب. وقرىء "يفسقون" بضم السين وكسرها.

الجيلاني

تفسير : {وَ} واذكروا ظلمكم أيضاً {إِذْ قُلْنَا} بعد خروجكم من التيه إشفاقاً لكم وامتناناً عليكم {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} التي هي من منازل الأنبياْ والأولياء وهي بيت المقدس {فَكُلُواْ مِنْهَا} من مأكولاتها ومشروباتها {حَيْثُ شِئْتُمْ} بلا مزاحم ولا مخاصم {رَغَداً} واسعاً بلا خوف من السقم حتى يتقوى مزاجكم ويزول ضعفكم، وبعد تقويتكم المزاج بالنعم ارجعوا إلينا وتوجهوا نحو بيتنا التي فيها {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} مذللين خاضعين، واضعين جباهكم ووجوهكم على الأرض، وعند سجودكم استغفروا ربكم من خطاياكم {وَقُولُواْ} رجاؤنا منك يا مولانا {حِطَّةٌ} أي: حط ما صدر عنا وجرى علينا من المعاصي والآثام، وإذا دخلتم كما أمرتم واستغفرتم كما علمتم {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ} التي جئتم بها واستغفرتم لها {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58] منكم، الذين لم يتجاوزوا الحد ولم يخالفوا الأمر الراضون الذي لا مرتبة أعلى منه. ولما أمرناهم بالدخل على هذا الوجه، وعلمناهم طريق الدعاء والاستغفار خالف بعضهم المأمول ظلماً وتأويلاً {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالخروج عن أمرنا، قولنا لهم لإصلاح حالهم {قَوْلاً} آخر لفظاً ومعنى {غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} بأن أرادوا من اقول الملقى إليهم لفظاً آخر، ومعنى آخر برأيهم الفاسد وطبعهم الكاسد حطاً سمتاتاً؛ أي: حنطة حمراء، ولما لم يأتوا بالمأمور به ومع ذلك بدلوا إلى ما تهوى أنفسهم أخذناهم بها { فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تنصيصاً عليهم وتخصيصاً لهم، لتعلم أن سبب أخذهم ظلمهم {رِجْزاً} طاعوناً نازلاً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59] يخرجون عن حدود الله المنزلة من السماء بأنواع الفسوق والعصيان. {وَ} اذكروا أيضاً {إِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ} وطلب السقي بإنزال المطر {لِقَوْمِهِ} حيث بثوا شكواهم عنده من شدة العطش في التيه {فَقُلْنَا} له مشيراً إلى ما يترقب من مطلوبه بل يستبعده: {ٱضْرِب} ولا تستعبد {بِّعَصَاكَ} التي استعنت بها في الأمور والوقائع {ٱلْحَجَرَ} الذي بين يديك فتفطن موسى بنور النبوة للأمر الوجوبي، فضربه دفعة {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ} فجأة {ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} متمايزة منفردة كل منها عن صاحبتها بعدد رءوس الفرق الاثني عشر بحيث {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} من كل فرقة {مَّشْرَبَهُمْ} المعينة لهم دفعاً للتزاحم والتنازع، ثم أمرناكم بما ينفعكم ظاهراً وباطناً بأن قلنا لكم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} مترفهين متنعمين {مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} الذي رزقكم من محض فضله ولطفه من حيث لا تحتسبون ونهيناكم عما يضركم صورة {وَ} معنى بأن قلنا لكم: {لاَ تَعْثَوْاْ} أي: لا تظهروا {فِي ٱلأَرْضِ} خيلاء متكبرين {مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60] فيها بأنواع الفسادات منتهزين بها، و{أية : ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}تفسير : [لقمان: 18].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية في التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفراً لخطايا أعمالكم الطبيعية {وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [البقرة: 59]، بالقول والعمل {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 59]، عذاباً مهلكاً في الدنيا وحجاباً معبداً في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59]، عن أمر بهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكامه القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا "لا إله إلا الله"، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: "لا إله إلا الله" اثنا عشر حرفاً كل حرف عين {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطاً من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف المشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} [البقرة: 60]، كل واحد منكم {مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد كانت بنو إسرائيل تقتل الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم"تفسير : ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوماً ما يعبدون الصنم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ}تفسير : [الإسراء: 46]، {أية : وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً}تفسير : [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: "حديث : لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي ويطعمني ويسقيني"تفسير : بل تقول لموسى القلب: {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ} أرض البشرية {مِن بَقْلِهَا} [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية {وَقِثَّآئِهَا} [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية {بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلاً؛ لأنهم {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضراراً بهم {ذٰلِكَ} [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، {بِمَا عَصَواْ} [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وربي يبصر وبي ينطق"،تفسير : كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم {عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، {1649وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 62]، من حجب الأنانية {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، فافهم جدّاً. وفيه معنى آخر {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحاً للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحاً للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار"،تفسير : ما استغنى [بنبوبته] فكيف أنتم: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} [البقرة: 63]، إلى قوله: {أية : وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاماً في عهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] ولكن قوماً أجابوه شوقاً وقلقاً، وقوماً أجابوه خوفاً وفرقاً، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجباً للهداية ويسمع من يشاء موجباً للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عياناً، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: {أية : يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}تفسير : [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}تفسير : [مريم: 12]. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63]، بالله عما سواه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه، فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا، ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل، وهو دخول الباب { سجدا } أي: خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا: { حِطَّةٌ } أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته. { نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } بسؤالكم المغفرة، { وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ } بأعمالهم، أي: جزاء عاجل وآجلا. { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } منهم، ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا { قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فقالوا بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله، واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم، ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال: { فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } منهم { رِجْزًا } أي: عذابا { مِنَ السَّمَاءِ } بسبب فسقهم وبغيهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 17 : 121 - قال سفين، قال مجاهد في قوله جل وعز {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} حبة من حنطة حمراء فيها شعرة. [الآية 58].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} [58] 9- أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن، نا عبد الله بن المُبارك، عن معمر، عن همَّام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة قال: قيل لبني إسرائيل: تدخلو الباب سجَّدا وقولوا حِطَّة، فدخلوا الباب يزحفون على أَسْتاهِهم، وبدلوا فقالوا: حِنطة حبة من شَعْرة. 10- أخبرني محمد بن عُبيد بن محمد، نا عبد الله بن المُبارك/، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "حِطَّة" قال: "حديث : بدَّلوا فقالوا: حبة ".

همام الصنعاني

تفسير : 56- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ}: [الآية: 58]، قال: بيت المقدس. 57- سلمة، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، في قوله: {حِطَّةٌ}: [الآية: 58]، قال: لا إلَه إلاّ الله". 58- قال معمر، وقال الحسن، وقتادة: أي احطط عنا خطايانا، فدخلوا على غير الجهة التي أمروا بها: فدخلوا زاحفين على أوراكهم، وبدَّلوا قولاً غير الذي قيل لهم، فقالوا: حبة في شعيرة.