Verse. 66 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَبَدَّلَ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِىْ قِيْلَ لَھُمْ فَاَنْزَلْنَا عَلَي الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاۗءِ بِمَا كَانُوْا يَفْسُقُوْنَ۝۵۹ۧ
Fabaddala allatheena thalamoo qawlan ghayra allathee qeela lahum faanzalna AAala allatheena thalamoo rijzan mina alssamai bima kanoo yafsuqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فبدل الذين ظلموا» منهم «قولا غير الذي قيل لهم» فقالوا: حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم «فأنزلنا على الذين ظلموا» فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح شأنهم «رجزاً» عذاباً طاعوناً «من السماء بما كانوا يفسقون» بسب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة فهلك منهم في ساعة سبعون ألفاً أو أقل.

59

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً} «الذين» في موضع رفع؛ أي فبدّل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم. وذلك أنه قيل لهم: قولوا حِطّة؛ فقالوا حنطة، على ما تقدم؛ فزادوا حرفاً في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا؛ تعريفاً أن الزيادة في الدِّين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر. هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب؛ فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود! هذا والقول أنقص من العمل، فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل. الثانية: قوله تعالى: {فَبَدَّلَ} تقدم معنى بدّل وأبدل؛ وقُرىء «عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا» على الوجهين. قال الجوهري: وأبدلت الشيء بغيره. وبدّله الله من الخوف أمْناً. وتبديل الشيء أيضاً تغييره وإن لم يأت ببدَل. وٱستبدل الشيء بغيره، وتبدّله به إذا أخذه مكانه. والمبادلة التبادل. والأبدال: قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم؛ إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر.قال ٱبن دُرَيد: الواحد بديل. والبدِيل: البدل. وبدَلُ الشيء: غيره؛ يقال: بَدَلٌ وبِدْلٌ، لغتان؛ مثل: شَبَه وشِبْه، ومَثَل ومِثْل، ونَكَل ونِكْل. قال أبو عبيد: لم يُسمع في فَعَل وفِعْل غير هذه الأربعة الأحرف. والبَدَل: وَجَع يكون في اليدين والرجلين. وقد بَدِل (بالكسر) يَبْدَلُ بَدَلاً. الثالثة: قوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} كرر لفظ «ظلموا» ولم يضمره تعظيماً للأمر. والتكرير يكون على ضربين؛ أحدهما: استعماله بعد تمام الكلام؛ كما في هذه الآية وقوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}، ثم قال بعدُ: {أية : فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 79] ولم يقل: مما كتبوا. وكرر الويل تغليظاً لفعلهم؛ ومنه قول الخنساء:شعر : تَعَرّقني الدهرُ نَهْساً وحَزّا وأوجعني الدهرُ قَرْعاً وغَمْزَا تفسير : أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. والضرب الثاني: مجيء تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام؛ كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ. مَا ٱلْحَآقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 1 ـ 2] و{أية : ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ}. تفسير : [القارعة: 1 ـ 2] كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم: الحاقة ما هي، والقارعة ما هي، ومثله: {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} تفسير : [الواقعة: 8 ـ 9]. كرر {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} تفخيماً لما ينيلهم من جزيل الثواب؛ وكرر لفظ «أصحاب المشأمة» لما ينالهم من أليم العذاب. ومن هذا الضرب قول الشاعر:شعر : ليتَ الغرابَ غداةَ ينعَبُ دائباً كان الغرابُ مقطّع الأوداج تفسير : وقد جمع عَدِيّ بن زيد المعنيين فقال:شعر : لا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيءٌ نغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا تفسير : فكرر لفظ الموت ثلاثاً، وهو من الضرب الأوّل؛ ومنه قول الآخر:شعر : ألا حبّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ وهندٌ أتى مِن دونها النّأْيُ والبُعْدُ تفسير : فكرر ذكر محبوبته ثلاثاً تفخيماً لها. الرابعة: قوله تعالى: {رِجْزاً} قراءة الجماعة «رِجْزاً» بكسر الراء، وٱبن مُحَيْصِن بضم الراء. والرجز: العذاب (بالزاي)، و (بالسين): النَّتْن والقَذَر؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}تفسير : [التوبة: 125] أي نَتْناً إلى نَتْنِهم؛ قاله الكِسائي. وقال الفرّاء: الرَّجْز هو الرِّجْس. قال أبو عبيد: كما يقال السُّدْغ والزُّدْغ، وكذا رِجْس ورِجْز بمعنًى. قال الفرّاء: وذكر بعضهم أن الرُّجز (بالضم): ٱسم صنم كانوا يعبدونه؛ وقرىء بذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} تفسير : [المدثر: 5]. والرَّجَز (بفتح الراي والجيم): نوع من الشِّعْر؛ وأنكر الخليل أن يكون شِعراً. وهو مشتق من الرَّجَز؛ وهو داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت ٱرتعشت أفخاذها. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بفسقهم. والفِسْق الخروج، وقد تقدّم. وقرأ ٱبن وَثّاب والنَّخَعِيّ: «يَفْسِقُونَ» بكسر السين.

البيضاوي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } بدلوا بما أمروا به من التوبة والاستغفار بطلب ما يشتهون من أعراض الدنيا. {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كرره مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارًا بأن الإنزال عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه، أو على أنفسهم بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها. {رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } عذاباً مقدراً من السماء بسبب فسقهم، والرجز في الأصل: ما يعاف عنه، وكذلك الرجس. وقرىء بالضم وهو لغة فيه والمراد به الطاعون. روي أنه مات في ساعة أربعة وعشرون ألفاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } منهم {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فقالوا حبة في شَعَرَةٍ ودخلوا يزحفون على أستاههم {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح شأنهم {رِجْزًا } عذاباً طاعوناً {مّنَ ٱلسَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة فهلك منهم في ساعة سبعون ألفاً أو أقل.

ابن عطية

تفسير : روي أنه لما جاؤوا الباب دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم، وبدلوا فقالوا حبة في شعرة، وقيل قالوا حنطة حبة حمراء فيها شعرة وقيل شعيرة. وحكى الطبري أنهم قالوا حطي شمقاثا أزبة، وتفسيره ما تقدم. والرجز العذاب، وقال ابن زيد ومقاتل وغيرهما: "إن الله تعالى بعث على الذين بدلوا ودخلوا على غير ما أمروا الطاعون فأذهب منهم سبعين ألفاً"، وقال ابن عباس: "أمات الله منهم في ساعة واحدة نيفاً على عشرين ألفاً". وقرأ ابن محيصن "رُجزاً" بضم الراء، وهي لغة في العذاب، والزجر أيضاً اسم صنم مشهور. والباء في قوله {بما} متعلقة بـ {أنزلنا}، وهي باء السبب. و {يفسقون} معناه يخرجون عن طاعة الله، وقرأ النخعي وابن وثاب "يفسِقون" بكسر السين، يقال فسق يفسُق ويفسِق بضم السين وكسرها. {وإذ} متعلقة بفعل مضمر تقديره اذكر، و {استسقى} معناه طلب السقيا، وعرف استفعل طلب الشيء، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: {أية : واستغنى الله} تفسير : [التغابن: 6] بمعنى غني، وقولهم: استعجب بمعنى عجب، ومثل بعض الناس في هذا بقولهم استنسر البغاث، واستنوق الجمل، إذ هي بمعنى انتقل من حال إلى حال، وكان هذا الاستسقاء في فحص التيه، فأمره الله تعالى بضرب الحجر آية منه، وكان الحجر من جبل الطور، على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وضربه موسى عليه السلام، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً منفصلاً مربعاً تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى صلى الله عليه وسلم، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون، وفي الكلام حذف تقديره فضربه {فانفجرت}، والانفجار انصداع شيء عن شيء، ومنه الفجر، والانبجاس في الماء أقل من الانفجار. و {اثنتا} معربة دون أخواتها لصحة معنى التثنية، وإنما يبنى واحد مع واحد، وهذه إنما هي اثنان مع واحد، فلو بنيت لرد ثلاثة واحداً، وجاز اجتماع علامتي التأنيث في قوله {اثنتا عشرة} لبعد العلامة من العلامة، ولأنهما في شيئين، وإنما منع ذلك في شيء واحد، نحو مسلمات وغيره. وقرأ ابن وثاب وابن أبي ليلى وغيرهما: "عَشِرة" بكسر الشين، وروي ذلك عن أبي عمرو، والأشهر عنه الإسكان، وهي لغة تميم، وهو نادر، لأنهم يخففون كثيراً، وثقلوا في هذه، وقرأ الأعمش "عشَرة" بفتح الشين وهي لغة ضعيفة، وروي عنه كسرها وتسكينها، والإسكان لغة الحجاز. و {عيناً} نصب على التمييز، والعين اسم مشترك، وهي هنا منبع الماء. و {أناس} اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا كل سبط، لأن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام. والمشرب المفعل موضع الشرب، كالمشرع موضع الشروع في الماء، وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها، وفي الكلام محذوف تقديره وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المنفجر من الحجر المنفصل، وبهذه الأحوال حسنت إضافة الرزق إلى الله تعالى، وإلا فالجميع رزقه وإن كان فيه تكسب للعبد. {ولا تعثوا} معناه ولا تفرطوا في الفساد، يقال عثى الرجل يعثي وعثي يعثى عثياً إذا أفسد أشد فساد، والأولى هي لغة القرآن والثانية شاذة وتقول العرب عثا يعثو عثواً ولم يقرأ بهذه اللغة لأنها توجب ضم الثاء من {تعثوا}، وتقول العرب عاث يعيث إذا أفسد، وعث يعث كذلك، ومنه عثة الصوف، وهي السوسة التي تلحسه. و {مفسدين} حال، وتكرر المعنى لاختلاف اللفظ، وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها، والتقدم في المعاصي والنهي عنها.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَبَدَّلَ} دخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا حنطة في شعيرة استهزاء منهم. {رِجْزاً} عذاب، أو غضب أو طاعون أهلكهم كلهم، وبقي الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم وسلامه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ...} قال ابن عرفة: يكون القول بذاته مصروفا (لنقيض) الشّيء، فينصرف إلى ذلك الشيء باعتبار حال المخاطب، وعَبّر بـ"الَّذِينَ ظَلَمُواْ" ولم يقل: فَبَدَّلَ الظالمون، لأن تعليق الذم على الوصف الأعم يستلزم الذم على الأخص من باب أحرى، (وكذلك ذمّهم على) تبديل القول يستلزم (ذمهم) على تبديل الكلام (من باب أحرى) لأنه إذا (بدل) أحد قرار المركب انتفى عنه التركيب. فإن قلت: هؤلاء إنما بدلوا غير القول الذي قيل لهم، ومن بدل غير (ما) قيل له يذم، وإنّما يذم من بدل لا ما قيل له (بغيره)؟ فالجواب بوجوه: إما بأن في الآية حذفا، أي فبدل الذين ظلموا فقالوا قولا غير الذي قيل لهم، ويكون ذلك تفسيرا للتبديل كيف هو، وإما بأن (يشوب) "بدل" معنى أتى أي فأتى الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، وإما بأن يكون "بدل" (تعدى) إلى الثاني على إسقاط حرف الجر أي فبدل الذين ظلموا قولا بغير الذي قيل لهم. وذكر أبو حيان أن البدل قد يتعدى إلى المبدل وهو المعطي بنفسه وإلى (المبدل به) وهو المأخوذ بواسطة حرف الجر وأنشد عليه: شعر : وبدلت والدهر ذو تبدل (هيفا) دبورا بالصبا والشمأل تفسير : والتقدير هنا فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم بالقول الذي قيل لهم. قال ابن عرفة: وهو كقوله عز وجل: {أية : وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ }. تفسير : قال ابن عرفة: وأخذ منه منع نقل الحديث بالمعنى، (ورد بأنهم) إنما ذموا على تبديل اللّفظ والمعنى. و(أجيب) بأن الذم إنما علل (بتبديلهم القول، والقول إنما يطلق على اللفظ فقط) وأيضا فلعل هذه اللّفظة متعبد بها فلذلك ذموا على تبديلها. (ورده) ابن عرفة (بأنه يلزمكم) التعليل بأمرين. قال القاضي أبو جعفر بن الزبير: وقال هنا {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} فعمم ثم خصص ذلك العموم بالأعراف بزيادة منهم لأن المخاطبين ليسوا سواء في الامتثال قال الله عز وجل: {أية : مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : ولذلك أعاد الظاهر فقال: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} (لتختص) العقوبة بالظالمين، ولو قال: عليهم لاحتمل العموم وهو غير مقصود. قال: فإن قلت لم قال هنا: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} وفي الأعراف {أية : بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ }؟ تفسير : وأجاب بأنه في البقرة وصفهم أولا بالوصف الأعم الصادق على أدنى المعاصي وأعلاها وهو الظلم ثم بالأخص وهو الفسق فقال: {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }. تفسير : ثم قال هنا: {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} وفي الأعراف وصفهم بالظلم في قوله: {أية : بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} تفسير : ثم بالفسق فقال: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} تفسير : إلى قوله {أية : بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال‏:‏ الرجز الغضب‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بما أُمروا به من التوبة والاستغفار بأن أعرضوا عنه وأوردوا مكانه {قَوْلاً} آخرَ مما لا خيرَ فيه. رُوي أنهم قالوا مكان حِطة حِنْطة وقيل: قالوا بالنَّبْطية حِطاً سمقاساً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله عز وجل {غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ} نعتٌ لقولا وإنما صُرِّح به مع استحالة تحقُّق التبديلِ بلا مغايَرةٍ تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كلِّ وجه {فَأَنزَلْنَا} أي عقيب ذلك {عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بما ذكر من التبديل وإنما وُضِعَ الموصولُ موضعُ الضمير العائدِ إلى الموصول الأول للتعليل والمبالغةِ في الذم والتقريع، وللتصريح بأنهم بما فعلوا قد ظلموا أنفسَهم بتعريضها لسخط الله تعالى {رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء} أي عذاباً مقدّراً منها، والتنوينُ للتهويل والتفخيم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فِسقهم المستمرِّ حسبما يفيدُه الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل، وتعليلُ إنزال الرجزِ به بعد الإشعار بتعليله بظلمهم للإيذان بأن ذلك فسقٌ وخروجٌ عن الطاعة وغلوٌّ في الظلم وأن تعذيبَهم بجميع ما ارتكبوه من القبائح لا بعدم توبتهم فقط كما يُشعِرُ به ترتيبُه على ذلك بالفاء، والرِّجْزُ في الأصل ما يُعاف عنه وكذلك الرجسُ وقرىء بالضم، وهو لغة فيه والمراد به الطاعونُ، روي أنه مات به في ساعة واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألفاً. {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} تذكير لنعمةٍ أخرى كفروها وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطشُ الشديد، وتغيـيرُ الترتيب لما أشير إليه مراراً من قصد إبرازِ كلَ من الأمور المعدودة في معرِض أمرٍ مستقلَ واجبِ التذكير والتذكرِ ولو رُوعي الترتيبُ الوقوعي لفُهم أن الكلَّ أمرٌ واحد أُمر بذكره، واللام متعلقة بالفعل أي استسقى لأجل قومه {فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} رُوي أنه كان حَجَراً طورياً مكعباً حمله معه وكان ينبُع من كل وجه منه ثلاثُ أعين تسيل كلُّ عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألفٍ وسعةَ المعسكر اثنيْ عشَرَ ميلاً أو كان حجَراً أهبطه الله تعالى مع آدمَ عليه السلام من الجنة ووقع إلى شعيب عليه السلام فأعطاه موسى عليه السلام مع العَصا أو كان هو الحجرَ الذي فرَّ بثوبه حين وضعَه عليه ليغتسل وبرّأه الله تعالى به عما رمَوْه به من الأَدَرَة فأشار إليه جبريلُ عليه السلام أن يحمِلَه أو كان حَجَراً من الحجارة وهو الأظهر في الحجة، قيل: لم يؤمَرْ عليه السلام بضرب حجر بعينه ولكن لما قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها حَملَ حجَراً في مخلاتِه وكان يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجَّر ويضرِبُه إذا ارتحل فيـيبَس فقالوا: إنْ فقَد موسى عصاه مِتْنا عطشاً، فأوحى الله تعالى إليه أن لا تقرَعِ الحجَر وكلِّمْه يُطِعْك لعلهم يعتبرون وقيل: كان الحجر من رُخام حجمُه ذِراعٌ في ذراع والعصا عشرةُ أذرُعٍ على طوله عليه السلام من آسِ الجنة ولها شُعبتان تتقدان في الظلمة {فَٱنفَجَرَتْ} عطف على مقدّر ينسحب عليه الكلام قد حُذف للدلالة على كمال سُرعة تحقُّق الانفجار كأنه حصلَ عَقيبَ الأمرِ بالضرب أي فضُرب فانفجَرَتْ {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} وأما تعلقُ الفاءِ بمحذوفٍ أي فإنْ ضَرَبْتَ فقد انفجرت فغيرُ حقيق بجلالة شأن النظمِ الكريم كما لا يخفى على أحد، وقرىء عشِرة بكسر الشين وفتحها وهما أيضاً لغتان {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} كل سبط {مَّشْرَبَهُمْ} عينُهم الخاصةُ بهم {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} على إرادة القول {مِن رّزْقِ ٱللَّهِ} هو ما رزقهم من المنّ والسلوى والماء وقيل: هو الماءُ وحده لأنه يؤكَلُ ما ينبُت به من الزروع والثمار ويأباه أن المأمورَ به أكلُ النعمة العتيدة لا ما سيطلُبونه وإضافتُه إليه تعالى مع استناد الكلِّ إليه خلقاً وملكاً إما للتشريف وإما لظهوره بغير سبب عاديّ، وإنما لم يقُلْ من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى: فقلنا إلخ إيذاناً بأن الأمرَ بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخِطاب بل بواسطة موسى عليه السلام {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ} العثْيُ أشدُّ الفساد فقيل لهم: لا تتمادَوْا في الفساد حال كونكم {مُفْسِدِينَ} وقيل: إنما قيد به لأن العَثْيَ في الأصل مطلقُ التعدي وإن غلب في الفساد وقد يكون في غير الفساد كما في مقابلة الظالم المعتدي بفعله وقد يكون فيه صلاحٌ راجح كقتل الخَضِر عليه السلام للغلام وخرقِه للسفينة، ونظيرُه العيْثُ خلا أنه غالبٌ فيما يدرك حِساً.

التستري

تفسير : قوله: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً}[59] قال: الرجز هو العذاب.

القشيري

تفسير : لم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم، أو يصدوا مِنْ دونهم أسبابَ البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم، فزعوا من الندم لما عضّهم ناب الألم، وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان.

اسماعيل حقي

تفسير : {فبدل الذين ظلموا} اى غير الذين ظلموا انفسهم بالمعصية ما قيل لهم من التوبة والاستغفار {قولا} آخر مما لا خير فيه فاحد مفعولى بدل محذوف {غير الذى قيل لهم} غير نعت لقولا وانما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه. روى انهم قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية وهى لغتهم حطا سمقانا يعنون حنطة حمراء استخفافا بامر الله تعالى وقال مجاهد طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فابوا ان يدخلون سجدا فدخلوا يزحفون على استاههم مخالفة فى الفعل كما بدلوا القول واما المحسنون ففعلوا ما امروا به ولذا لم يقل فبدلوا بل قال فبدل الذين ظلموا وظاهره انهم بدلوا القول وحده دون العمل وبه قال جماعة وقيل بل بدلوا العمل والقول جميعا ومعنى قوله قولا غير الذى قيل لهم اى امرا غير الذى امروا به فان امر الله قول وهو تغيير جميع ما امروا به {فانزلنا} اى عقيب ذلك {على الذين ظلموا} اى غيروا ما امروا به ولم يقل عليهم على الاختصار وقد سبق ذكر الذين ظلموا فى الآية لانه سبق ذكر المحسنين ايضا فلو اطلق لوقع احتمال دخول الكل فيه ثم هذا ليس بتكرار لان الظلم اعم من الصغائر والكبائر والفسق لا بد وان يكون من الكبائر فالمراد بالظلم ههنا الكبائر بقرينة الفسق والمراد بالظلم المتقدم هو ما كان من الصغائر {رجزا من السماء} اى عذابا مقدرا والتنوين للتهويل والتفخيم {بما} مصدرية {كانوا يفسقون} بسبب خروجهم عن الطاعة والرجز فى الاصل ما يعاف ويستكره وكذلك الرجس والمراد به الطاعون. روى انه مات فى ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا ودام فيهم حتى بلغ سبعين الفا. وفى الحديث "حديث : الطاعون رجز ارسل على بنى اسرائيل او على من كان قبلكم فاذا سمعتم ان الطاعون بارض فلا تدخلوها واذا وقع بارض وانتم بها فلا تخرجوا منها" تفسير : وفى الحديث ايضا "حديث : اتانى جبريل بالحمى والطاعون فامسكت الحمى بالمدينة وارسلت الطاعون الى الشأم فالطاعون شهادة لامتى ورحمة لهم ورجس على الكافر ". تفسير : واعلم ان من مات من الطاعون مات شهيدا ويأمن فتنة القبر وكذا الصابر فى الطاعون اذا مات بغير الطاعون يوقى فتنة القبر لانه نظير المرابط فى سبيل الله تعالى فالمطعون شهيد وهو من مات من الطاعون والصابر المحتسب فى حكمه وكذا المبطون وهو الميت من داء البطن وصاحب الاسهال والاستسقاء داخل فى المبطون لان عقله لا يزال حاضرا وذهنه باقيا الى حين موته ومثل ذلك صاحب السل وكذا الغرق شهيد وهو بكسر الراء من يموت غريقا فى الماء وكذا صاحب المهدم بفتح الدال ما يهدم وصاحبه من يموت تحته وكذا المقتول فى سبيل الله وكذا صاحب ذات الجنب والحرق والمرأة الجمعاء وهى من تموت حاملا جامعا ولدها وليس موت هؤلاء كموت من يموت فجأة او من يموت بالسام او البرسام والحميات المطبقة او القولنج او الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الالم ولورم ادمغتهم وافساد امزجتها * واعلم ان الطاعون مرض يكثر فى الناس ويكون نوعا واحدا والوباء وهو المرض العام قد يكون بطاعون وقد لا يكون. وفى الحديث "حديث : فناء امتى بالطعن والطاعون" قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفنا فما الطاعون قال "وخز اعدائكم من الجن وفى كل شهادة ". تفسير : قال ابن الاثير الطعن القتل بالرمح والوخز طعن بلا نفاذ وهذا لا ينفى قوله عليه الصلاة والسلام فى حديث آخر "حديث : غدة كغدة البعير تخرج فى مراق البطن ". تفسير : وذلك ان الجنى اذا وخز العرق من مراق البطن خرج من وخزه الغدة فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة والغدة هى التى تخرج فى اللحم والمراق اسفل البطن. وفى الحديث "حديث : اذا بخس المكيال حبس القطر واذا كثر الزنى كثر القتل واذا كثر الكذب كثر الهرج ". تفسير : والحكمة ان الزنى اهلاك النفس لان ولد الزنى هالك حكما فلذلك وقع الجزاء بالموت الذريع اى السريع لان الجزاء من جنس العمل ألا يرى ان بخس المكيال يجازى بمنع القطر الذى هو سبب لنقص ارزاقهم وكذا الكذب سبب للتفرق والعداوة بين الناس ولهذا يجازى بالهرج الذى هو الفتنة والاختلاط وانما عمت البلية اينما وقعت لتكون عقوبة على اخوان الشياطين وشهادة ورحمة لعباد الله الصالحين اذالموت تحفة للمؤمن وحسرة للفاسق ثم يبعثهم الله على قدر اعمالهم ونياتهم فيجازيهم والفرار من الطاعون حرام اذالفرار نسيان الفاعل المختار كما قال ابن مسعود رضى الله عنه الطاعون فتنة على الفار والمقيم اما الفار فيقول بفراره نجوت واما المقيم فيقول اقمت فمت. وفى الحديث "حديث : الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر فى الزحف ". تفسير : والزحف الجيش الذى يرى لكثرته كانه يزحف اى يدب دبيبا والمراد هنا الفرار من الجيش فى الغزو ولكن يجب ان يقيد بالمثل او الضعف فهذا الخبر يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر وليس بعيدا ان يجعل الله الفرار منه سببا لقصر العمر كما جعل الله تعالى الفرار من الجهاد سببا لقصر العمر قال تعالى {أية : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا قليلا} تفسير : [الأحزاب: 16] اما الخروج بغير طريق الفرار فمرخص فيه لكن الرخصة مشروطة بشرائط صعبة لا يقدر عليها الا الافراد منها حفظ امر الاعتقاد والتحرز من الاسباب العادية للمرض كالهواء الفاسد وغيره فهو رخصة لكن مباشرة الحمية لاجل الخلاص من الموت سفه وعبث لا يشك فى حرمتها عوام المسلمين فضلا عن خواصهم قالوا فى بعض الامراض سراية الى ما يجاوره باذن الله تعالى كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ان من القرف التلف ". تفسير : والقرف بالتحريك مداناة المرضى واما قوله عليه السلام "حديث : لا عدوى" تفسير : فانما هو نفى للتعدى طبعا كما هو اعتقاد اهل الجاهلية حيث كانوا يرون التأثير من طبيعة المرض لا نفى للسراية مطلقا والتسبب واجب للعوام والمبتدئين فى السلوك والتوكل افضل للمتوسطين واما الكاملون فليس يمكن حصر احوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان: قال فى المنثوى شعر : درحذر شوريدن شوروشر ست روتو كل كن توكل بهترست باقضا نبجه مزن اى تند وتيز تانكيردهم قضا باتوستيز مرده بايد بود بيش حكم حق تانيايد زحم از رب الفلق تفسير : روى ان جالينوس دفع الى اصحابه قرصين مثل البنادق وقال اجعلوا احدهما بعد موتى فوق الحديد الذى يعمل عليه الحدادون والآخر فى حب مملوء من الماء ثم اكسروا الحب ففعلوا كما اوصى فذاب الحديد فى الارض ولم يجدوا منه شيأ وانجمد الماء وقام بلا وعاء قال الحكماء اراد بذلك انى وان قدرت الى اذابة اصلب الاجساد واقامة الماء الذى من طبعه السيلان ما وجدت للموت دواء ولذا قال بعضهم شعر : ألا يا ايها المغرور تب من غير تأخير فان الموت قد يأتى ولو صيرتقارونا بسل مات ارسطاليس بقراط بافلاج وافلاطون ببرسام وجالينوس مبطونا تفسير : قال الشافعى رحمه الله انفس ما يداوى به الطاعون التسبيح ووجهه بان الذكر يرفع العقوبة والعذاب قال تعالى {أية : فلولا أنه كان من المسبحين} تفسير : [الصافات: 143] وكذا كثرة الصلاة على النبى المحترم صلى الله تعالى عليه وسلم لكن مثل هذا انما يكون مؤثرا اذا اقترن بالشرائط الظاهرة والباطنة اذ ليس كل ذكر وصلاة شفيعا عند الحضرة الآلهية: قال المنثوى شعر : كرندارى تودم خوش دردعا رودعا ميخواه از اخوان صفا هركرا دل باك ازاعتدال آن دعايش ميرود تا ذوالجلال آن دعا بينحودان خودديكرست آن دعا ازونيست كفت داورست آن دعا حق ميكند جون اوفناست آن دعا وآن اجابت ازخداست هين بجواين قوم را اى مبتلا هين غنيمت دارشان بيش ازبلا

الطوسي

تفسير : معنى قوله: فبدل الذين ظلموا: غيروا. وقوله: {الذين ظلموا} معناه: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله. وقوله: {غير الذي قيل لهم} يعني بذلك بدلوا قولا غير الذي امروا أن يقولوه. فقالوا بخلافه. فذلك هو التبديل والتغيير. وكان تبديلهم بالقول: انهم امروا ان يقولوا: حطة، وان يدخلوا الباب سجداً. وطؤطىء لهم الباب ليدخلوه كذلك فدخلوه يزحفون على اسائهم فقالوا: حطة في شعيره مشتهرين. وقوله: {فأنزلنا على الذين ظلموا} يعني: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله في تبديلهم بالقول والفعل {رجزاً}: اللغة: والرجز في لغة اهل الحجاز: العذاب. وفي لغة غيرهم: الرجس، لأن الرجس الشر. ومنه قوله (ع) في الطاعون: إنه رجس عذّب به بعض الامم وهو قول ابن عباس، وقتادة. وقال ابو عبيدة: الرجز. والرجس لغتان مثل الردع، والسدع والبزاق والبساق. وقال ابو العالية: هو الغضب. وقال ابو زيد: هو الطاعون، فقيل انه مات منهم في ساعة واحدة اربعة وعشرون الفاً من كبرائهم وشيوخهم وبقي الابناء وانتقل العلم والعبادة اليهم. وقوله: {من السماء} قال قوم: يعني ما فضاه الله عليهم من السماء. وقال آخرون: أراد بذلك المبالغة في علوه بالقهر. وقوله {يفسقون} مضمومة السين عليه جميع القراه وهو اشهر اللغات. وقد حكي في بعض اللغات بكسر السين

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قيل: الرِجْز - بكسر الراء -: العذاب في لغة أهل الحجاز، وهو غير الرجس. لأنّ الرجس: النتن. وقال الزجّاج: "إنّ الرِّجز والرجس معناهما واحد". والظاهر أنّ الرجز قد يجيء بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ}تفسير : [الأعراف:134]. يعني: العقوبة. وكذا قوله: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ}. وهو نجاسة معنويّة. كما أنَّ التوبة طهارة قلبيّة. والرجْس في الأصل ما يعاف عنه. والمعنى خالَفوا الأمر وبدّلوا ما أمروا به من التوبة والاستغفار، فلم يفعلوا ولم يقولوا قولاً دالاًّ على التوبة طلباً لما اشتهوا من أغراض الدنيا ودواعي النفس والهوى. فقالوا غير ذلك، فاستحقّوا العذاب. فأنزلنا عليهم العقوبة من السماء بظلمهم وفِسقهم. ومن هاهنا علم أنّ المأمور به لم يكن لفظاً بعينه، وهو لفظ "الحطّة" فجاؤوا بلفظ آخر، وذلك لأنّه لو فُرض أنّهم جاؤوا بلفظ آخر يفيد هذا المعنى مستقلاًّ بمعنى ما أُمروا به لم يستحقّوا المؤاخذة والعذاب، ولم يكونوا ظالمين بوضع لفظ في غير موضعه. كما لو قالوا مكان لفظ "حطّة": "نستغفرُك ونتوبُ إليك" أو: "اللَّهم اغفر لنا ذنوبَنا واعفُ عنّا سيّئاتِنا" وما يجري مجراه. واختُلف في ذلك الغير، فقيل: إنّهم قالوا بالسريانية: "هطا شمقاتا". في تفسير مولانا الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام): إنّهم دخلوها مستقبليها بأستاهم وقالوا: "هيطا شمقاتا" أي حنطة حمراء نتقوّتها أحب إلينا من هذا الفعل وهذا الأمر. وقيل: قالوا: "حنطة" تجاهُلاً واستهزاء. وقيل: كانوا قد أُمروا أن يدخلوا الباب سجّداً، وقد صغّر لهم الباب توطئة لذلك، فدخلوه راجعين على أستاهم، فخالَفوا في القول والدخول جميعاً. وهمٌ ومن الناس من يحتجّ بهذه الآية على وجوب التوقيف في الأدعية الواردة، وعدم تبديلها بلفظ آخر. والجواب: إنّهم إنّما استحقّوا العذاب لتبديلهم القول إلى قول آخر مضادّ له في المعنى، فمَن بدّل لفظاً بلفظ آخر مع بقاء المعنى، لم يظهر من هذه الآية استحقاقه للذمّ. فصل واعلم أنّ هاهنا سؤالات: الأول: لِمَ قال في سورة البقرة: {إِذْ قُلْنَا} وقال في الأعراف: {أية : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ}تفسير : ؟ [الأعراف:161]. الثاني: لِمَ قال هاهنا: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ} وفي الأعراف: {أية : ٱسْكُنُواْ}تفسير : ؟ [الأعراف:161] الثالث: لِمَ قال هاهنا: {فَكُلُواْ} بالفاء، وفي الأعراف: {وَكُلُوا} بالواو؟ والرابع: لِمَ قال هاهنا: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} وفي الأغراف: {أية : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ}تفسير : ؟ [الأعراف:161] والخامس: لِمَ ذكر قوله: {رَغَداً} هاهنا، وحذَفه في الأعراف؟ السادس: لِمَ ذكر هاهنا: {أية : وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ} تفسير : [البقرة:58] وفي الأعراف قدم المؤخر؟ السابع: لِمَ قال هاهنا: {أية : وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [البقرة:58] مع الواو. وفي الأعراف بدونها؟ الثامن: قال في الأعراف: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً} وهاهنا بدون لفظ {مِنْهُمْ} فما الفائدة في هذه الزيادة؟ التاسع: لِمَ قال هاهنا: {فَأَنزَلْنَا} عليكم {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} وفي الأعراف: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ}تفسير : ؟ [الأعراف:162] العاشر: لِمَ قال هاهنا: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} وفي الأعراف: {أية : بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}تفسير : ؟ [الأعراف:162] والجواب عن الأوّل: إنّ الله تعالى صرّح في أوّل القرآن بأنّ قائل هذا القول هو الله إزالة للإبهام. ولأنّه ذكر في أوّل الكلام: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:40] فالمناسب بهذا المقام أن يقول: {أية : وَإِذْ قُلْنَا} تفسير : [البقرة:58] وأمّا في الأعراف فلا يبقى إبهام هناك بعد التصريح المقدّم. وعن الثاني: إنّ الدخول مقدّم على السكون ولا بدّ منه، فذكر "الدخول" في السورة المتقدّمة و "السكون" في المتأخّرة. وعن الثالث: إنّ كل فعْل عطفَ على شيء وكان الفعل بمنزلة الجزاء، وذلك الشيء بمنزلة الشرط عطف بالفاء دون الواو، وأمّا إذا لم يكن مشروطاً به فعُطف بالواو. ولمّا كان الأكل منها هاهنا قبل الدخول فيها، مشروطاً بحدوثه، وبعده غير مشروط بحدوثه - بل بالكون فيها - لا جرم للإشعار بالمعنيين تارة عطف بالفاء، وتارةً بالواو. كما في قوله تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا} تفسير : [البقرة:35] فإنّه عطف في البقرة بالواو، وفي الأعراف بالفاء. فإنّ "اسكُن" قد يقال لمن لم يدخل داراً فيراد منه الدخول، ويقال لمن دخل فيراد منه اللزوم والبقاء. وعن الرابع: انّ الخطايا جمع الكثرة - دون الخطيئات لأنّها جمع السلامة - ففي البقرة لما أضاف القول إلى نفسه قرن به ما يناسب جودَه وكرمَه. وعن الخامس: مثل ما ذكرناه. وعن السادس: إنّ الواو للجمع المطلق، والمخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين، والمذنب لا بدّ وأن يكون اشتغاله بحطّ الذنب مقدّماً على اشتغاله بالعبادة، لأنّ التخلية مقدّمة على التحلية، فلا جرم كلَّف المذنبين أن يقولوا أوّلاً: "حطّة" ثمّ يدخلوا الباب سجّداً. وأمّا غير المذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة ساجداً لله أوّلاً، ويقول "حطّة" ثانياً. فلمّا احتمل كون أولئك المخاطبين على هذين النوعين، لا جرم ذكرَ حكم كل منهما في سورة أخرى. وعن السابع: إنّ هاهنا أمران التوبة والعبادة - أعني مفادي لفظتي السجدة والحطّة - وذكر بأزائهما جزاءان: المغفرة والزيادة. فقوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} بأزاء التوبة التي هي الحطّة. وقوله: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} بأزاء العبادة التي هي السجدة. فتركُ الواو يفيد كون كل واحد من الجزاءين متوزّعاً على واحد من الشرطين كما في الأعراف، وإيرادها يفيد كون المجموع جزاءً واحداً لمجموع الفعلين. وعن الثامن: إنّ في الأعراف لمّا وقع في أول القصّة ما يدلّ على التخصيص والتبعيض، حيث قال: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف:159]. فعُلم أنَّ منهم مَن هو على هذه الصفة. فلما عدّ صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم قال في آخر القصّة: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} تفسير : [الأعراف:159] فذكر لفظ "مِن" التبعيض. كما ذكره في أوّل القصّة، ليكون الآخر مطابقاً للأوّل، فيكون الهادون من أمّة موسى (عليه السلام) غير الظالمين منهم. وهاهنا لم يذكر في الآيات السابقة ما يدلّ على التخصيص، ولم يذكر إلاّ الأُمّة الجائرة، فلا حاجة إلى هذا التبعيض. وعن التاسع: إنّ الإنزال يفيد حدوثه في أوّل الأمر دفعة، والارسال يفيد الدوام والاستمرار، ويشير إلى الاستيلاء عليهم والسلطنة الموجبة لاستئصالهم بالآخرة.

الجنابذي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} اى لم يسجدوا كما أمروا ولا قالوا ما أمروا بل دخلوا الباب بأستاههم وقالوا بدل حطّةٍ: حنطة حمراء نتقوّتها أحبّ الينا من هذا الفعل وهذا القول، او قالوا حنطة فى شعير. وروى أنّه كان خلافهم انّهم لمّا بلغوا الباب رأوا باباً مرتفعاً وقالوا: ما بالنا نحتاج ان نركع عند الدّخول هيهنا ظنّنا أنّه باب متطأ من لا بدّ من الرّكوع فيه وهذا باب مرتفع والى متى يسخر بنا هؤلاء يعنون موسى ثمّ يوشع بن نون ويسجدوننا فى الاباطيل وجعلوا أستاههم نحو الباب وقالوا بدل قولهم حطّة: ما معناه حنطة حمراء فذلك تبديلهم {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وضع الظّاهر موضع المضمر وتكرار الموصول لتمكين قبح الظّلم فى قلوب المستمعين والاشعار بسببيّته للزّجر كما انّ تعليق التّبديل على الموصول كان للاشعار بسببيّته لتبديل قول النّبىّ (ص) الّذى هو قول الله والمقصود التّعريض بأمّة محمّد (ص) وظلمهم لاهل البيت (ع) وتبديلهم قول النّبىّ (ص) ونسب الى الباقر (ع) أنّه قال: نزل جبرئيل (ع) بهذه الآية فبدّل الّذين ظلموا آل محمّد (ص) حقّهم غير الّذى قيل لهم فأنزلنا على الّذين ظلموا آل محمّد (ع) وهذا باعتبار المعرّض به والمقصود من الآية {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} الرّجز بالكسر وبالضّم بمعنى العذاب او النّجاسة او مطلق ما يعاف عنه كالرّجس {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} يخرجون من امر الله وطاعته ذكر انّ الرّجز الّذى أصابهم انّه مات منهم فى بعض يوم بالطّاعون مائة وعشرون ألفاً وهم الّذين كانوا فى علم الله أنّهم لا يؤمنون ولا يتوبون ولم ينزّل على من علم أنّه يتوب او يخرج من صلبه ذرّيّة طيّبة.

اطفيش

تفسير : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا}: منهم أنفسهم بالمعصية فيما أمروا ولبسوا كلهم ظالمين. {قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ}: فنطقوا بألفاظ تقارب ألفاظ ما أمروا به معنى ولفظاً، أو معنى فقط استهزاء إذ كان المعنى مخالفاً، وفعلوا فعلا يشبه ما أمروا به وليس به استهزاء، روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على استاههم، يعنى مقاعدهم، وقالوا: حبة فى شعيرة يعنى حبة بر مع حبة شعير، كمن يطلب البر والشعير، وإنما قالوا ذلك استهزاء، وفى رواية لهما حبة فى شعرة يعنون فى شعيرة أو يعنون حبة بر مربوطة فى الشعرة التي تنبت على الحيوان، وروى الحاكم حنطة فى شعيرة، قال الكلبى: لما فصلت بنو إسرائيل من أرض التيه ودخلوا وكانوا بجبال أريحاء من الأردن قيل لهم ادخلوا القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا، فكانت بنو إسرائيل قد خطئوا خطيئة فأحب الله أن يستنقذهم منها إن تابوا، فقيل لهم: إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا وقولوا حطة تحط عنكم خطاياكم، وسنزيد المحسنين الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحساناً إلى إحسانهم، فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به، وأما الذين ظلموا فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم فقالوا: (حطا سمقاتا بالسريانية) أى حنطة حمراء استهزاء وتبديلا، من كان محساً زيد فى إحسانهِ ومن كان خاطئاً غفرت له خطيئته، وقيل: لم يقولوا ذلك استهزاء بل رغبوا فى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا، وذكر بعضهم ازدحموا على أوراكهم خلافاً لأمر الله سبحانه، وعن الحسن: رفع لهم باب فأمروا أن يسجدوا لله ويضعوا جباههم ويقولوا حطة، فدخلوا وقد حرفوا وجوههم ولم يسجدوا على الجبهة، وقيل: طوطى لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فلم يخفضوها ودخلوا متزحفين على أوراكهم، وقيل: قالوا بالنبطية (حطا سمقاتا) أى حنطة حمراء. وروى فى الحديث أنهم قالوا حبة شعيرة، ويروى عن ابن مسعود أنهم أمروا بالجود وأن يقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم ويقولون حنطة حبة حمراء فى شعيرة، وروى أنهم دخلوا من قبل أدبارهم القهقراء، وقيل قالوا حنطة حمراء فى شفرة، وقيل شعيرة. وحكى الطبرى أنهم قالوا: (هطى سمقاتا ازبه) أى حنطة حمراء. وعن مجاهد: طوطى لهم الباب ليسجدوا فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم وقالوا حنطة، وقيل قالوا: (هطانا سمقاتا) أى حنطة حمراء، وقيل أيضاً عن مجاهد: رفع لهم جبل ليسجدوا عند دخول الباب لما أبوا فسجدوا بشق وجهوههم ناظرين إليه بالعين الأخرى، فترى صلاة اليهود إلى اليوم كذلك. {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}: بترك السجود عند الدخول، وترك قول الحطة وهم هؤلاء الذين بدلوا قولا غير الذى قيل لهم، ومقتضى الظاهر أن (فأنزلنا عليهم) ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم مرة ثانية وصف الظلم مبالغة فى تقبيح شأنهم، وليشعر بأن إنزال الرجز عليهم إنما هو لظلمهم إشعاراً زيد على الإشعار الذى أشعرته الفاء السببية، وذلك لأن تعليق الحكم بالموصول يؤذن بعلية صلته، لأن الجملة صلته بمنزلة الوصف، وتعليق الحكم بالوصف يؤذن بعليته، وقد صرح بأن ذلك الظلم هو السبب بقوله: {بما كانوا يفسقون} فإن هذا الفسق هو ذلك الظلم أو وضع الظاهر موضع المضمر ليكون أدل على أجسامهم التى عرضوها للهلاك بترك ما أمروا به أو لذلك كله، وعبر فى الأعراف بالضمير إذ قال: {فأرسلنا عليهم}. {رِجْزاً}: عذاباً بلغ فى شدته أنهُ يستقذر كما تستقذر الأخباث، وقرئ بضم الراء وهو لغة فيه. {مِنَ السَّمَاءِ}: متعلق بأنزلنا على أن العذاب غير الطاعون، وأما على أنهُ الطاعون فمتعلق بمحذوف نعت لزجر أى مقدراً من السماء، وقد يعلق بأنزلنا بأن يكون أنزل أسبابه من السماء، ولو كان بأيدى الجن، قال ابن زيد: الرجز الطاعون أذهب الله به من الذين ظلموا سبعين ألفاً فى ساعة. وعن ابن عباس أمات الله عز وجل به منهم فى ساعة واحدة نيفاً وعشرين ألفاً، وفسر النيف بأربعة آلاف فى رواية، هكذا مات به فى ساعة أربعة وعشرين ألفاً. قال الربيع عن أبى عبيدة قال سعد بن أبى وقاص لأسامة بن زيد: ما سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول فى الطاعون. قال سمعته يقول: "حديث : الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً" تفسير : وروى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال عبد الرحمن ابن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا سمعتم بالطاعون فى أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه". تفسير : وذكرت أحاديث من ذلك فى تحفة الحب فى أصل الطب. {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: ما مصدرية أى بسبب كونهم يفسقون أى يخرجون عن الطاعة.

اطفيش

تفسير : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} بالقول الذى قيل لهم منهم {قَوْلاَ غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} أى جعلوا قولا مكانه، كقولك بدل بخوفه أمنا، أو صبروا القول الذى أمروا به قولا آخر، وبدلوا فعلا إذ لم يدخلوا سجداً، بل يزحفون على أستارهم، وقالوا حبة فى شعرة، أو فى شعيرة، أو حنطة فى شعيرة، أو حطا سمقاتا أى حنطة حمراء، ولعمل بعضاً قال كذا، وبعضاً قال كذا، وذلك استهزاء {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} بتبديل القول والفعل لسبب التبديل، ومقتضى الظاهر فبدلوا قولا، فأنزلنا علهيم، الكن أعاد ذكر ظلمهم للمبالغة فى تقبيح شأنهم وللتصريح بموجب العذاب {رِجْزاً} طاعوناً أو صاعقة أو ظلمة أو ثلجا، أول الطاعون فى بنى إسرائيل {مِّنَ السَّمَاءِ} ولو كان الطاعون من الجن لأن قضاءه من الله، وبأسباب سماوية، فقال لذلك من السماء، مع أنه أرضى {بِمَا كَانُوا} بكونهم {يَفْسُقَونَ} يظلمون الظلم المذكور، وهو خروج عن السجود، وقول حطة، وسماه فى الأعراف ظلماً، أو أراد بالفسق مطلق معصيتهم، ومات بهذا الرجز فى هذه القرية التى أمروا بدخولها فى ساعة سبعون ألفاً أو أربعة وعشرون ألفاً.

الالوسي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} أي بدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولاً غيره {فَبَدَّلَ} يتعدى لمفعولين أحدهما: بنفسه والآخر: بالياء، ويدخل على المتروك ـ فالذمّ متوجه ـ وجوّز أبو البقاء أن يكون ـ بدل ـ محمولاً على المعنى، أي: فقال {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً} الخ، والقول بأن (غير) منصوب بنزع الخافض، كأنه قيل: فغيروا قولاً بغيره غير مرضي من القول، وصرح سبحانه ـ بالمغايرة ـ مع استحالة تحقق ـ التبديل ـ بدونها تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على ـ المغايرة ـ من كل وجه؛ وظاهر الآية انقسام من هناك إلى ـ ظالمين ـ وغير ـ ظالمين ـ وأن ـ الظالمين ـ هم ـ الذين بدلوا ـ وإن كان ـ المبدل ـ الكل كان وضع ذلك من وضع الظاهر موضع الضمير ـ للإشعار بالعلة ـ واختلف في ـ القول الذي بدلوه ـ ففي "الصحيحين" أنهم قالوا: حبة في شعيرة، وروى الحاكم {حنطة} بدل {حِطَّةٌ} وفي «المعالم» إنهم قالوا بلسانهم ـ حطة سمقاثا ـ أي حنطة حمراء، قالوا ذلك استهزاء منهم بما قيل لهم، والروايات في ذلك كثيرة، وإذا صحت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين، والقول بأنه لم يكن منهم ـ تبديل ـ ومعنى ـ فبدلوا لم يفعلوا ما أمروا به، لا أنهم أتوا ببدل له ـ غير مسلم ـ وإن قاله أبو مسلم ـ وظاهر الآية، والأحاديث تكذبه. / {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم، وإشعاراً بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها، أو وضعهم غير المأمور به موضعاً سبباً لإنزال ـ الرجز ـ وهو العذاب ـ وتكسر راؤه وتضم ـ والضم لغة بني الصعدات ـ وبه قرأ ابن محيصن ـ والمراد به هنا ـ كما روى عن ابن عباس ـ ظلمة وموت، يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفاً، وقال وهب: طاعون غدوا به أربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك، وقال ابن جبير: ثلج هلك به منهم سبعون ألفاً ـ فإن فسر بالثلج ـ كان كونه {مّنَ ٱلسَّمَاء} ظاهراً ـ وإن بغيره ـ فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء أو مبالغة في علوّه بالقهر والاستيلاء، وذكر بعض المحققين أن الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة لرجزاً و {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} متعلق به لنيابته عن العامل علة له، وكلمة (ما) مصدرية، والمعنى: أنزلنا على الذين ظلموا لظلمهم عذاباً مقدراً بسبب كونهم مستمرين على ـ الفسق ـ في الزمان الماضي، وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفاً لغواً متعلقاً بأنزلنا لظهوره على سائر الأقوال، ولئلا يحتاج في تعليل ـ الإنزال بالفسق ـ بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن الفسق ـ عين ـ الظلم ـ وكرر للتأكيد، أو أن ـ الظلم أعم ـ والفسق ـ لا بد أن يكون من الكبائر، فبعد وصفهم ـ بالظلم ـ وصفوا ـ بالفسق ـ للإيذان بكونه من الكبائر، فإن الأول: بضاعة العاجز. والثاني: لا يدفع ركاكة التعليل، وما قيل: إنه تعليل ـ للظلم ـ فيكون إنزال العذاب مسبباً عن ـ الظلم ـ المسبب عن ـ الفسق ـ ليس بشيء، إذ ـ ظلمهم ـ المذكور سابقاً، الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة، وقد احتج بعض الناس بقوله تعالى: {فَبَدَّلَ} الخ وترتب العذاب على التبديل، على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله بلفظ آخر، وقال قول: يجوز ذلك إذا كانت الكلمة الثانية تسد الأولى، وعلى هذا جرى الخلاف ـ كما في "البحر" ـ في قراءة القرآن بالمعنى ورواية الحديث به، وجرى في تكبيرة الإحرام، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك، والبحث مفصل في محله. هذا وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات. الأول: قال هنا: {أية : وَإِذْ قُلْنَا }تفسير : [البقرة: 58] لما قدم ذكر النعم؛ فلا بد من ذكر المنعم، وهناك {أية : وَإِذْ قِيلَ } تفسير : [الأعراف: 161] إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به. الثاني: قال هنا: {ادْخِلُواْ} وهناك {ٱسْكُنُواْ} لأن الدخول مقدم، ولذا قدم وضعاً المقدم طبعاً. الثالث: قال هنا: {خَطَـٰيَـٰكُمْ} ـ بجمع الكثرة ـ لما أضاف ذلك القول إلى نفسه، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة، وهناك {خَطِيئَـٰتِكُمْ} ـ بجمع القلة ـ إذ لم يصرح بالفاعل. الرابع: قال هنا: {رَغَدًا} دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا، فناسب ذكر الإنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك. الخامس: قال هنا: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ} وهناك بالعكس، لأن ـ الواو ـ لمطلق الجمع، وأيضاً المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين، والبعض الآخر ما كانوا كذلك، فالمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب مقدماً على اشتغاله بالعبادة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا: (حطة) ثم ـ يدخلوا ـ وأما الذي لا يكون مذنباً، فالأولى به أن يشتغل أولاً: بالعبادة ثم يذكر التوبة. ثانياً: للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أن ـ يدخلوا ثم يقولوا ـ فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين، لا جرم/ ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى. السادس: قال هنا: {وَسَنَزِيدُ} ـ بالواو ـ وهناك بدونه، إذ جعل هنا ـ المغفرة ـ مع الزيادة جزاءاً واحداً لمجموع الفعلين، وأما هناك فالمغفرة جزاء قول (حطة) والزيادة جزاء الدخول فترك (الواو) يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الشرطين. السابع: قال هناك: {أية : ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } تفسير : [الأعراف: 162] وهنا لم يذكر (منهم) لأن أول القصة هناك مبني على التخصيص بـ {مِنْ} حيث قال: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ }تفسير : [الأعراف: 159] فخص في آخر الكلام ليطابق أوله؛ ولما لم يذكر في الآيات التي قبل {فَبَدَّلَ} هنا تمييزاً وتخصيصاً لم يذكر في آخر القصة ذلك. الثامن: قال هنا: {فَأَنزَلْنَا} وهناك {أية : فَأَرْسَلْنَا } تفسير : [الأعراف: 162] لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم، وذلك يكون بالآخرة. التاسع: قال هنا: {أية : فَكُلُواْ } تفسير : [البقرة: 58] ـ بالفاء ـ وهناك ـ بالواو ـ لما مر في {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } تفسير : [البقرة: 35] وهو أن كل فعل عطف عليه شيء ـ وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزاء ـ عطف الثاني على الأول ـ بالفاء ـ دون ـ الواو ـ فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة: {فَكُلُواْ} ولما لم يتعلق ـ الأكل بالسكون ـ في الأعراف [161] قيل: {وَكُلُواْ}. العاشر: قال هنا: {يَفْسُقُونَ} وهناك {أية : يَظْلِمُونَ }تفسير : [الأعراف: 162] لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلماً اكتفى بلفظ ـ الظلم ـ هناك انتهى. ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر، أما في الأول والثاني والثامن والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف نزولاً ـ كما أنها متقدمة عليها ترتيباً ـ وليس كذلك، فإن سورة البقرة كلها مدنية، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ}تفسير : إلى قوله تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ } تفسير : [الأعراف: 163-171] وقوله تعالى: {أية : ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [الأعراف: 161] داخل في الآيات المكية، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة. وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق ـ الأكل بالسكون ـ لأنهم إذا سكنوا القرية، تتسبب سكناهم ـ للأكل ـ منها كما ذكر الزمخشري، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، فحينئذ لا فرق بين {كُلُواْ} و {فَكُلُواْ} فلا يتم الجواب، وأما الثالث فلأنه تعالى ـ وإن قال في الأعراف [161] {أية : وَإِذْ قِيلَ }تفسير : ـ لكنه قال في السورتين: {أية : نَّغْفِرْ لَكُمْ } تفسير : [البقرة: 58، الأعراف: 161] وأضاف ـ الغفران ـ إلى نفسه، فبحكم تلك اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين ـ جمع الكثرة ـ بل لا شك أن رعاية {نَّغْفِرْ لَكُمْ} أولى من رعاية {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} لتعلق ـ الغفران بالخطايا ـ كما لا يخفى على العارف بالمزايا. وأما الرابع فلأنه تعالى ـ وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى ـ لكنه مسند إليه في نفس الأمر، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين. وأما الخامس فلأن القصة واحدة، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق ـ فعلى مقتضى ما ذكر ـ ينبغي أن يذكر {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} مقدماً في السورتين. وأما السادس فلأن القصة واحدة، وأن ـ الواو ـ لمطلق الجمع، وقوله تعالى: {نَّغْفِرْ} في مقابلة {قُولُواْ} سواء قدم أو أخر، وقوله تعالى: {أية : وَسَنَزِيدُ } تفسير : [البقرة: 58] في مقابلة {أية : وَٱدْخُلُواْ } تفسير : [الأعراف: 161] سواء ذكر ـ الواو ـ أو ترك، وأما السابع فلأنه تعالى قد ذكر هنا قبل {أية : فَبَدَّلَ }تفسير : [البقرة: 59] ما يدل على التخصيص والتمييز، حيث قال سبحانه: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ }تفسير : [البقرة: 57] الخ بكافات الخطاب وصيغته ـ فاللائق حينئذ ـ أن يذكر لفظ (منهم) أيضاً، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حكاها ـ ما ذكره الزمخشري ـ من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله تعالى: {أية : ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ }تفسير : [الأعراف: 161] وقوله: {أية : وَكُلُواْ }تفسير : [الأعراف: 161] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواء قدموا (الحطة) على ـ دخول الباب ـ أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهما، وترك ذكر ـ الرغد ـ لا يناقض/ إثباته، وقوله تعالى: {أية : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 161] موعد بشيئين ـ بالغفران والزيادة، وطرح ـ الواو ـ لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: ماذا بعد الغفران؟ فقيل له: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وكذلك زيادة {مِنْهُمْ} زيادة بيان و {أية : فَأَرْسَلْنَا }تفسير : [الأعراف: 162] و {أية : أَنزَلْنَا } تفسير : [البقرة: 57] و {أية : يَظْلِمُونَ }تفسير : [ الأعراف: 162] و {أية : يَفْسُقُونَ } تفسير : [البقرة: 59] من دار واحد، انتهى. وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو. ومن باب الإشارة في الآيات: {وَإِذْ قُلْتُمْ} لموسى القلب {لَن نُّؤْمِنَ} الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان ـ {أية : فَأَخَذَتْكُمُ }تفسير : [البقرة: 55] صاعقة الموت ـ الذي هو الفناء في التجلي الذاتي ـ وأنتم تراقبون أو تشاهدون ـ {أية : ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم }تفسير : [البقرة: 56] بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله عز وجل، ـ {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ} غمام تجلي الصفات ـ لكونها حجب الذات المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ} من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس، كالتوكل والرضا وسلوى الحكم والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمة، والنفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها، فتسلون بذلك (السلوى) وتنسون من لذائذ الدنيا كل ما يشتهى {كُلُواْ} أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات التي رزقتموها حسب استعدادكم، وأعطيتموها على ما وعد لكم {وَمَا ظَلَمُونَا} أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم بصفات أنفسهم، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ} ناقصين حقوق {أَنْفُسَهُمْ} بحرمانها وخسرانها، وهذا هو الخسران المبين. {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أي المحل المقدس الذي هو مقام المشاهدة {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} الذي هو الرضا بالقضاء، فهو باب الله تعالى الأعظم {سُجَّدًا} منحنين خاضعين لما يرد عليكم من التجليات، واطلبوا أن يحط الله تعالى عنكم ذنوب صفاتكم وأخلاقكم وأفعالكم، فإن فعلتم ذلك {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} «حديث : فمن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً. ومن تقرب إليّ ذراعاً، تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» {أية : وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ }تفسير : [البقرة: 58] أي المشاهدين «حديث : ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»تفسير : وهل ذلك إلا الكشف التام عن الذات الأقدس. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ابتغاءاً للحظوظ الفانية والشهوات الدنية. {أية : فَأَنزَلْنَا } تفسير : [البقرة: 59] على الظالمين خاصة، عذاباً وظلمة وضيقاً في سجن الطبيعة، وإسراً في وثاق التمني، وقيد الهوى، وحرماناً، وذلاً بمحبة الماديات السفلية، والإعراض عن هاتيك التجليات العلية، وذلك من جهة قهر سماء الروح، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى ـ كما ورد في الأثر ـ «حديث : إستفت قلبك وإن أفتاك المفتون» تفسير : إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء. وهذا هو البلاء العظيم، والخطب الجسيم:شعر : من كان يرغب في السلامة فليكن أبداً من الحدق المراض عياذه لا تخدعنك بالفتور فإنه نظر يضر بقلبك استلذاذه إياك من طمع المنى فعزيزه كذليله، وغنيه شحاذه

الواحدي

تفسير : {فبدَّل الذين ظلموا قولاً} منهم {غير الذي قيل لهم} أَيْ: غيَّروا تلك الكلمة التي أُمروا بها، وقالوا: حنطةٌ {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً} ظلمةً وطاعوناً، فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً جزاءً لفسقهم بتبديل ما أُمروا به من الكلمة. {وإذ استسقى موسى لقومه} في التِّيه {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} وكان حجراً خفيفاً مربَّعاً مثل رأس الرَّجل {فانفجرت} أيْ: فضربَ، فانفجرت، يعني: فانشقَّت {منه اثنتا عشرة عيناً} فكان يأتي كلُّ سبط عينَهم التي كانوا يشربون منها، فذلك قوله تعالى: {قد علم كلُّ أناسٍ مشربهم} وقلنا لهم: {كلوا} من المنِّ والسَّلوى {واشربوا} من الماء، فهذا كلُّه {من رزق الله} {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أَيْ: لا تسعوا فيها بالفساد، فَمَلُّوا ذلك العيش، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر.

د. أسعد حومد

تفسير : (59) - فَلَمْ يَدْخُلِ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم البَلَدَ خَاشِعِينَ سُجَّداً للهِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، بَلْ دَخَلُوهُ زَاحِفِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ (أَيْ أَدْبَارِهِمْ) وَبَدَّلُوا قَوْلَ اللهِ اسْتِهْزاءً وَتَمَرُّداً، فَقَالُوا (حِنْطَةٌ) بَدَلَ (حِطَّةٍ)، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ. الفِسْقُ - الخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ. بَدَّلَ قَوْلاً غَيْرَ الذِي قِيلَ لَهُ - جَاءَ بِذلِكَ القَوْلِ مَكَانَ القَوْلِ الأوَّلِ. رِجْزاً - عَذَاباً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الله سبحانه وتعالى يشرح لنا في هذه الآية الكريمة كيف أن اليهود قوم معصية برغم نعم الله عليهم .. فلو أن الله سبحانه وتعالى كلفهم تكليفا لم يستطيعوه؛ لأنه شاق عليهم فربما كان لهم عذرهم .. ولكن الله تبارك وتعالى لا يكلف إلا بما هو في طاقة الإنسان أو أقل منها .. فيقول جل جلاله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]. والله تبارك وتعالى لم يكلف بني إسرائيل بأن يدخلوا هذه القرية التي يقال: إنها القدس ويقال إنها قرية في فلسطين أو قرية في الأردن .. إلا بناء على طلبهم هم. فهم الذين طلبوا من موسى أن يدعو الله لهم أن يدخلوا وادياً فيه زرع .. ليأكلوا مما تنتج الأرض ويطمئنوا على طعامهم .. لأنهم يخافون أن يأتي يوم .. لا ينزل عليهم المن والسلوى من السماء .. فلما استجاب الله لدعواهم وقال لهم ادخلوا الباب خاشعين. وقولوا يا رب حط عنا ذنوبنا .. بدل بنو إسرائيل القول فبدلاً من أن يقولوا حطة قالوا حنطة .. وبدلوا طريقة الدخول فبدلاً من أن يدخلوا ساجدين دخلوا على ظهورهم زاحفين، وكان هذا رغبة في المخالفة .. فأصابهم الله بعذاب من السماء بما كانوا يفسقون .. أي يبتعدون عن منهج الله ولا يطبقونه. رغبة في المخالفة وإصراراً على العناد.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} فقالوا: حِنطة حبَّة حمراء فِيها شَعيرةٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} والرِّجزُ: العَذابُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 18 : 122 - قال سفين، قال ابن مسعود، من التبديل. [الآية 59].

همام الصنعاني

تفسير : 51- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {رِجْزاً} [الآية: 59]، قال: عذاباً.