٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين، وعن بعضهم بفتح الشين، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل، وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا، فقد قال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } تفسير : [الأنبياء: 8] وقال: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } تفسير : [الأنبياء: 30] بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من النعم، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام، وههنا مسائل: المسألة الأولى: جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه فقال: بل هو كلام مفرد بذاته، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه، ويدل عليه وجهان. أحدهما: أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر، الثاني: ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معداً لذلك فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه. المسألة الثانية: اختلفوا في العصا، فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقداراً يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه. واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها. المسألة الثالثة: اللام في «الحجر» إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً، وقيل أهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به، فقال له جبريل: يقول الله تعالى: ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته، وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن: لم يأمروه أن يضرب حجراً بعينه. قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة، وروي أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجراً في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً. فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، واختلفوا في صفة الحجر فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان. والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى. المسألة الرابعة؛ الفاء في قوله: {فَٱنفَجَرَتْ } متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت. بقي هنا سؤالات: السؤال الأول: هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف؟ الجواب: لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل: إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثاً، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره: فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] من أن المراد فضرب فانفلق. السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر ههنا: {فَٱنفَجَرَتْ } وفي الأعراف: {أية : فَٱنبَجَسَتْ } تفسير : [الأعراف: 16] وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلاً. الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: الفجر الشق في الأصل، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص، فلا يتناقضان، وثانيها: لعله انبجس أولاً، ثم انفجر ثانياً، وكذا العيون: يظهر الماء منها قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه. وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيراً ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلاً. السؤال الثالث: كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير؟ الجواب: هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره، فإن سلم فقد زال السؤال، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيضاً فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم، وقالوا: إنه يصح الكون والفساد عليها، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا: (الهواء) إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء، فقالوا: تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية، فلم يكن مستبعداً أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم. فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك. أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجداً لأفعاله لا جرم قلنا لهم: لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما. وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى، فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقاً. السؤال الرابع: أتقولون إن ذلك الماء كان مستكناً في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء؟ والجواب: أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم إلا على سبيل التداخل وهو محال. أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها. واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا. السؤال الخامس: معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام؟ الجواب: كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة فكان ذلك أقوى. السؤال السادس: ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً؟ والجواب: أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين. السؤال السابع: من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز؟ والجواب: من وجوه: أحدها: أن نفس ظهور الماء معجز، وثانيها: خروج الماء العظيم من الحجر الصغير، وثالثها: خروج الماء بقدر حاجتهم، ورابعها: خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا، وخامسها: انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى. أما قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } فنقول: إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم. أما قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رّزْقِ ٱللَّهِ } ففيه حذف، والمعنى: فقلنا لهم أو قال لهم موسى: كلوا واشربوا، وإنما قال: كلوا لوجهين، أحدهما: لما تقدم من ذكر المن والسلوى، فكأنه قال: كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء. والثاني: أن الأغذية لا تكون إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب. واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، قالوا: لأن أقل درجات قوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } الإباحة، وهذا يقتضي كون الرزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً وإنه غير جائز. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأرْضِ مُفْسِدِينَ } فالعثي أشد الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه، فكأنه تعالى قال: إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} كُسرت الذال لالتقاء الساكنين. والسين سين السؤال؛ مثل: ٱستعلم وٱستخبر وٱستنصر، ونحو ذلك؛ أي طلب وسأل السَّقْيَ لقومه. والعرب تقول: سقيته وأسقيته، لغتان بمعنًى؛ قال:شعر : سقى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هِلال تفسير : وقيل: سقيتُه من سقي الشَّفَة، وأسقيته دَلَلْته على الماء. الثانية: الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذِّلة مع التوبة النَّصوح. وقد "حديث : ٱستسقى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم: «فخرج إلى المصلَّى متواضعاً متذلّلاً متخشعاً مترسِّلاً متضرّعاً»" تفسير : وحسبك به! فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد؛ فأنَّى نُسْقَى! لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ٱبن عمر: «حديث : ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمْطَرُوا»تفسير : الحديث. وسيأتي بكماله إن شاء الله. الثالثة: سُنّة الاستسقاء الخروج إلى المصلَّى ـ على الصفة التي ذكرنا ـ والخطبة والصلاة؛ وبهذا قال جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سُنّته صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير. وٱحتج بحديث أنس: الصحيح، أخرجه البخاريّ ومسلم. ولا حجة له فيه؛ فإن ذلك كان دعاء عُجِّلت إجابته فٱكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سُنّة؛ ولما قصد البيان بيّن بفعله، حسب "حديث : ما رواه عبد اللَّه بن زيد المازنيّ قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحوّل رداءه ثم صلى ركعتين»"تفسير : رواه مسلم. وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة «هود» إن شاء الله. الرابعة: قوله تعالى: {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} العصا: معروف، وهو ٱسم مقصور مؤنّث وألفه منقلبة عن واو؛ قال:شعر : على عَصَوَيْهَا سابِرِيُّ مُشَبْرَقُ تفسير : والجمع عُصِيّ وعِصِيّ، وهو فعول، وإنما كُسرت العين لما بعدها من الكسرة؛ وأعْصٍ أيضاً مثله؛ مثل زَمَنٍ وأزْمُنٍ. وفي المثل: «العَصَا من العُصَيّة» أي بعض الأمر من بعض. وقولهم: «أَلْقَى عصاه» أي أقام وترك الأسفار؛ وهو مَثَل. قال:شعر : فألقتْ عصاها وٱستقرّ بها النَّوَى كما قَرّ عَيْناً بالإياب المسافِرُ تفسير : وفي التنزيل: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا}تفسير : [طه: 17 ـ 18]. وهناك يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى. قال الفرّاء: أوّل لحن سُمع بالعراق هذه عصاتي. وقد يعبّر بالعصا عن الاجتماع والافتراق؛ ومنه يقال في الخوارج: قد شَقُّوا عصا المسلمين؛ أي ٱجتماعهم وٱئتلافهم. وٱنشقّت العصا؛ أي وقع الخلاف؛ قال الشاعر:شعر : إذا كانت الهَيْجاءُ وٱنشقّتِ العصا فحسْبُكَ والضّحاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدٌ تفسير : أي يكفيك ويكفي الضحاك. وقولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك؛ يراد به الأدب. والله أعلم. والحجر معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار، وفي الكثير حِجار وحجارة؛ والحجارة نادر. وهو كقولنا: جَمَل وجِمَالة، وذَكَر وذِكَارة؛ كذا قال ٱبن فارس والجوهري. قلت: وفي القرآنِ {أية : فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} تفسير : [البقرة:74]. {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ}تفسير : [البقرة: 74]. {أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً} تفسير : [الإسراء: 50] {أية : تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ}تفسير : [الفيل: 4]. {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} تفسير : [الحجر: 74] فكيف يكون نادراً، إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فصيح. والله أعلم. قوله تعالى: {فَٱنفَجَرَتْ} في الكلام حذف؛ تقديره فضرب فٱنفجرت. وقد كان تعالى قادراً على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب؛ لكن أراد أن يربط المسبّبات بالأسباب حكمةً منه للعباد في وصولهم إلى المراد؛ وليرتّب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد. والانفجار: الانشقاق؛ ومنه ٱنشق الفجر. وٱنفجر الماء ٱنفجاراً: ٱنفتح. والفُجْرة: موضع تفجّر الماء. والانبجاس أضيق من الانفجار؛ لأنه يكن ٱنبجاساً ثم يصير ٱنفجاراً. وقيل: ٱنبجس وتبجّس وتفجّر وتفتّق، بمعنًى واحد؛ حكاه الهَرَوِيّ وغيره. الخامسة: قوله تعالى: {ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} «اثنتا» في موضع رفع بـ «ـانفجرت» وعلامة الرفع فيها الألف. وأُعربت دون نظائرها لأن التثنية معرَبة أبداً لصحة معناها. «عَيْناً» نُصب على البيان. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى «عَشِرة» بكسر الشين؛ وهي لغة بني تميم، وهذا من لغتهم نادر؛ لأن سبيلهم التخفيف. ولغة أهل الحجاز «عشْرة» وسبيلهم التثقيل. قال جميعه النحاس. والعَيْن من الأسماء المشتركة؛ يقال: عَيْنُ الماء، وعَيْنُ الإنسان، وعينُ الرُّكْبة، وعين الشمس. والعَيْن: سحابة تُقبل من ناحية القِبلة. والعين: مطر يدوم خمساً أو سِتًّا لا يقلع. وبلد قليل العَيْن: أي قليل الناس. وما بها عين، محرّكة الياء. والعين: الثقب في المزادة. والعَيْنُ من الماء مُشَبّهة بالعين من الحيوان؛ لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان. وقيل: لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه، شُبّهت به عين الماء؛ لأنها أشرف ما في الأرض. السادسة: لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجراً؛ قيل: مربّعاً طُوِريًّا (من الطور) على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جُوالق ويُرحل به؛ فإذا نزلوا وُضع في وسط محلّتهم. وذُكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى؛ وهذا أعظم في الآية والإعجاز. وقيل: إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أيّ حجر شاء؛ وهذا أبلغ في الإعجاز. وقيل: إن الله تعالى أمره أن يضرب حجراً بعينه بيّنه لموسى عليه السلام؛ ولذلك ذكر بلفظ التعريف. قال سعيد بن جُبير: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل، وفرّ بثوبه حتى بَرّأه الله مما رماه به قومه. قال ٱبن عطية: ولا خلاف أنه كان حجراً منفصلاً مربّعاً، تطّرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفّت العيون. قلت: ما أوتى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وٱنفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة؛ فإنَّا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار؛ ومعجزة نبيّنا عليه السلام لم تكن لنبيّ قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم، يخرج الماء من بين لحم ودم! روى الأئمة الثِّقات والفقهاء الأثبات "حديث : عن عبد اللَّه قال: «كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء فأتيَ بتَوْر فأدخل يده فيه؛ فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه ويقول: «حيّ على الطّهور»"تفسير : . قال الأعمش: فحدّثني سالم بن أبي الجَعْد قال قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وخمسمائة. لفظ النسائي. السابعة: قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} يعني أن لكل سِبْط منهم عيناً قد عرفها لا يشرب من غيرها. والمَشْرَب: موضع الشرب. وقيل: المشروب. والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذُرّية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام؛ وكان لكل سِبْط عَيْنٌ من تلك العيون لا يتعدّاها. قال عطاء: كان للحَجَر أربعة أوجه، يخرج من كل وجه ثلاث أعين، لكل سِبط عَين لا يخالطهم سواهم. وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم. قال عطاء: كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق أوّلاً ثم يسيل. الثامنة: قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} في الكلام حذف تقديره وقلنا لهم كلوا المنّ والسلوى، وٱشربوا الماء المتفجّر من الحجر المنفصل. {وَلاَ تَعْثَوْاْ} أي لا تفسدوا. والعيث: شدّة الفساد؛ نهاهم عن ذلك. يقال: عَثِي يَعْثَى عُثِيًّا، وعثا يَعْثُو عُثُوًّا، وعاث يَعِيث عَيْثاً وعُيُوثاً ومَعَاثاً؛ والأوّل لغة القرآن. ويقال: عَثّ يَعُثّ في المضاعف: أفسد؛ ومنه العُثّة، وهي السُّوسة التي تَلْحَس الصّوف. و {مُفْسِدِينَ} حال؛ وتكرر المعنى تأكيداً لاختلاف اللفظ. وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها، والتقدّم في المعاصي والنهي عنها.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } لما عطشوا في التيه. {فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } اللام فيه للعهد على ما روي أنه كان حجراً طورياً حمله معه، وكانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين، تسيل كل عين في جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً، أو حجراً أهبطه آدم من الجنة، ووقع إلى شعيب عليه السلام فأعطاه لموسى مع العصا، أو الحجر الذي فر بثوبه لما وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله به عما رموه به من الأدرة، فأشار إليه جبريل عليه السلام بحمله، أو للجنس وهذا أظهر في الحجة. قيل لم يأمره بأن يضرب حجراً بعينه، ولكن لما قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها؟ حمل حجراً في مخلاته، وكان يضربه بعصاه إذا نزل فينفجر، ويضربه بها إذا ارتحل فييبس، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله إليه لا تقرع الحجر وكلمه يطعك لعلهم يعتبرون. وقيل كان الحجر من رخام وكان ذراعاً في ذراع، والعصا عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام من آس الجنة ولها شعبتان تتقدان في الظلمة. {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } متعلق بمحذوف تقديره: فإن ضربت فقد انفجرت، أو فضرب فانفجرت، كما مر في قوله تعالى: {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ }تفسير : [البقرة: 54] وقرىء عَشَرة بكسر الشين وفتحها وهما لغتان فيه. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط. {مَّشْرَبَهُمْ } عينهم التي يشربون منها. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } على تقدير القول: {مِن رّزْقِ ٱللَّهِ } يريد به ما رزقهم الله من المن والسلوى وماء العيون. وقيل الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت به. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحاً راجحاً كقتل الخضر عليه السلام الغلام وخرقه السفينة، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حساً، ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر عن الخل ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى عليه السلام حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر معكم، وتفجيري الماء لكم منه من اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولاكد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها. وقد بسطه المفسرون في كلامهم كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى عليه السلام، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، لا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول، وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون الطويل. وقال عطية العوفي: وجعل لهم حجراً مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلاً وضعوه، فضربه موسى عليه السلام بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فإذا ساروا حملوه على ثور، فاستمسك الماء. وقال عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه: كان لبني إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون، ويضربه موسى بالعصا، وقال قتادة: كان حجراً طورياً من الطور، يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا، ضربه موسى بعصاه، وقال الزمخشري: وقيل: كان من الرخام، وكان ذراعاً في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان، وقيل: كان من الجنة، طوله عشرة أذرع، على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار، قال: وقيل: أهبطه آدم من الجنة، فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر؛ فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال: وهذا أظهر في المعجزة، وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس، فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا، لعلهم يقرون، والله أعلم، وقال يحيى بن النضر: قلت لجويبر: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر، فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً، فينضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين، وقال الضحاك: قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه، شق لهم من الحجر أنهاراً، وقال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصار منه اثنتا عشرة عيناً من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها، وقال مجاهد نحو قول ابن عباس، وهذه القصة شبيهة بالقصة التي في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص على رسوله صلى الله عليه وسلم ما فعل بهم. وأما في هذه السورة - وهي البقرة - فهي مدنية، فلهذا كان الخطاب فيها متوجهاً إليهم. وأخبر هناك بقوله: {أية : فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}تفسير : [الأعراف: 160] وهو أول الانفجار، وأخبر ههنا بماآل إليه الحال آخراً، وهو الانفجار، فناسب ذكر الانفجار ههنا، وذاك هناك، والله أعلم، وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها الزمخشري في تفسيره، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ } أي طلب السُّقيا {لِقَوْمِهِ } وقد عطشوا في التيه {فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } وهو الذي فرّ بثوبه خفيف مربَّع كرأس الرجل رخام أو كِذَّان فضربه {فَٱنفَجَرَتْ } انشقت وسالت {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } بعدد الأسباط {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } سبطٍ منهم {مَّشْرَبَهُمْ } موضع شربهم فلا يَشْرَكُهُم فيه غيرهم. وقلنا لهم {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رّزْقِ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } حال مؤكدة لعاملها من (عَثِىَ) بكسر المثلثة أفسد.
الشوكاني
تفسير : الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس المطر. ومعناه في اللغة: طلب السقيا. وفي الشرع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفته من الصلاة والدعاء. والحجر يحتمل أن يكون حجراً معيناً، فتكون اللام للعهد، ويحتمل أن لا يكون معيناً، فتكون للجنس، وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة. وقوله: {فَٱنفَجَرَتْ } الفاء مترتبة على محذوف، تقديره: فضرب، فانفجرت، والانفجار: الانشقاق: وانفجر الماء انفجاراً: تفتح، والفجرة: موضع تفتح الماء. قال ابن عطية: ولا خلاف أنه كان حجراً مربعاً يخرج من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفت. والمشرب: موضع الشرب، وقيل هو: المشروب نفسه، وفيه دليل على أنه يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم غيرهم. قيل: كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط: ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب. وقوله: {كُلُواْ } أي: قلنا لهم كلوا المنّ والسلوى، واشربوا الماء المتفجر من الحجر، وعثا يعثي عثيا، وعثا يعثو عثواً، وعاث يعيث عيثاً، لغات بمعنى أفسد. وقوله: {مُفْسِدِينَ } حال مؤكدة. قال في القاموس: عثي كرمي، وسعى ورضي، عيْثا، وعُيُوثاً، وعَيثاناً، وعثَا يَعْثُو عُثُواً: أفسد: وقال في الكشاف: "العثي: أشدّ الفساد. فقيل لهم: لا تمادوا في الفساد في حال فسادكم؛ لأنهم كانوا متمادين فيه". انتهى. قوله: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } تضجُّر منهم بما صاروا فيه من النعمة، والرزق الطيب، والعيش المستلذ، ونزوع إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش:شعر : إنَّ الشَقيَّ بالشَقَاءِ مُولعٌ لا يَمْلِكُ الردَّ لَهُ إذا أتى تفسير : ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقاً إلى ما كانوا فيه، ونظراً لما صاروا إليه من العيشة الرافهة، بل هو: باب من تعنتهم، وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم، وهِجّيِراهم في غالب ما قصّ علينا من أخبارهم. وقال الحسن البصري: إنهم كانوا أهل كراث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم، أي: أصلهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم، فقالوا: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } والمراد بالطعام الواحد: هو: المنّ والسلوى، وهما، وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعاماً واحد. وقيل: لتكررهما في كل يوم، وعدم وجود غيرهما معهما، ولا تبدلة بهما. و"من" في قوله: {مِمَّا تُنبِتُ } تخرج. قال الأخفش زائدة، وخالفه سيبويه، لكونها لا تزاد في الكلام الموجب. قال النحاس: وإنما دعا الأخفش إلى هذا؛ لأنه لم يجد مفعولاً ليخرج فأراد أن يجعل "ما" مفعولاً. والأولى أن يكون المفعول محذوفاً دل عليه سياق الكلام، أي: تخرج لنا مأكولاً. وقوله: {مِن بَقْلِهَا } بدل من "ما" بإعادة الحرف. والبقل: كل نبات ليس له ساق، والشجر: ما له ساق. قال في الكشاف: "البقل: ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع، والكرفس، والكراث، وأشباهها". انتهى. والقثاء بكسر القاف، وفتحها. والأولى قراءة الجمهور، والثانية قراءة يحيى بن وثاب، وطلحة بن مُصَرَّف، وهو معروف. والفوم: قيل هو: الثوم، وقد قرأه ابن مسعود بالثاء. وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وقيل: الفوم: الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين، كما قال القرطبـي. وقد رجح هذا ابن النحاس. وقال الجوهري: الثوم الحنطة، وممن قال بهذا الزجاج، والأخفش، وأنشد:شعر : قَدْ كُنْتُ أحْسبني كَأغْنَى وَاحِد تَركَ المدينةَ عَنْ زِراعةِ فُومِ تفسير : وقال بالقول الأوّل الكسائي، والنضر بن شميل، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:شعر : كَانَت مَنَازِلُهم إذ ذَاكَ ظَاهِرة فِيهَا الفَرَادِيسُ والفُومَاتُ والبْصَلُ تفسير : أي الثوم، وقال حسان:شعر : وأنتم أُناسٌ لِئَامُ الأصُولِ طَعَامكم الفْوُمُ وَالْحوَقلُ تفسير : يعني الثوم والبصل، وقيل: الفوم: السنبلة. وقيل الحمص. وقيل: الفوم: كل حبّ يخبز. والعدس والبصل معروفان. والاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر و{َأَدْنَى } قال الزجاج: إنه مأخوذ من الدنوّ. أي: القرب، والمراد: أتضعون هذه الأشياء التي هي دون موضع المنّ والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ، والوصول من عند الله بغير واسطة أحد من خلقه، والحلّ الذي لا تطرقه الشبهة، وعدم الكلفة بالسعي له، والتعب في تحصيله. وقوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } أي: انزلوا، وقد تقدّم معنى الهبوط. وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر. وقيل: إن الأمر للتعجيز؛ لأنهم كانوا في التيه، فهو مثل قوله تعالى: {أية : كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } تفسير : [الإسراء: 50]، وصرف مصر هنا مع اجتماع العلمية، والتأنيث؛ لأنه ثلاثي ساكن الوسط، وهو: يجوز صرفه مع حصول السببين، وبه قال الأخفش والكسائي. وقال الخليل، وسيبويه: إن ذلك لا يجوز، وقالا: إنه لا علمية هنا؛ لأنه أراد مصراً من الأمصار، ولم يرد المدينة المعروفة، وهو خلاف الظاهر. وقرأ الحسن، وأبان بن تغلب، وطلحة بن مصرف بترك التنوين، وهو كذلك في مصحف أبيّ، وابن مسعود. ومعنى ضرب الذلة، والمسكنة إلزامهم بذلك، والقضاء به عليهم قضاء مستمراً لا يفارقهم، ولا ينفصل عنهم، مع دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم اشتمال القباب على من فيها، ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً:شعر : ضرَبَت عَلَيْكَ العَنكَبوتُ بِوزَنها وَقَضى عَلَيْكَ بِه الكِتابُ المُنزلُ تفسير : وهو ضرب من الهجاء بليغ، كما أنه إذا استعمل في المديح كان في منزلة رفيعة، ومنه قول الشاعر:شعر : إنَّ المُروءةَ والشَجَاعَة والنَدَى في قُبةٍ ضُرِبتْ على ابن الحَشرجِ تفسير : وهذا الخبر الذي أخبرنا الله به هو معلوم في جميع الأزمنة، فإن اليهود أقمأهم الله أذلّ الفرق، وأشدّهم مسكنة، وأكثرهم تصاغراً، لم ينتظم لهم جمع، ولا خفقت على رءوسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية، بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغ في الكثرة أيّ مبلغ فهو متظاهر بالفقر مُتَرَدٍّ بأثواب المسكنة ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ماله، إما بحق كتوفير ما عليه من الجزية، أو بباطل كما يفعله كثير من الظلمة من التجرؤ على الله بظلم من لا يستطيع الدفع عن نفسه. ومعنى {باءوا} رجعوا، يقال باء بكذا، أي: رجع به، وباء إلى المباءة، أي: رجع إلى المنزل، والبواء: الرجوع، ويقال: هم في هذا الأمر بواء، أي: سواء: يرجعون فيه إلى معنى واحد، وباء فلان بفلان: إذا كان حقيقاً بأن يقبل به لمساواته له، ومنه قول الشاعر:شعر : ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي محاربنا لا يبوأ الدم بالدم تفسير : والمراد في الآية: أنهم رجعوا بغضب من الله، أو صاروا أحقاء بغضبه. وقد تقدم تفسير الغضب، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدم من حديث الذلة وما بعده بسبب كفرهم بالله، وقتلهم لأنبيائه بغير حق يحق عليهم اتباعه والعمل به، ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال: إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد: نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر. ويمكن أن يقال: أنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لم يعارضوهم في مال ولا جاه، بل أرشدوهم إلى مصالح الدين. والدنيا، كما كان من شعيا وزكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم، وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون، وتكرير الإشارة لقصد التأكيد، وتعظيم الأمر عليهم، وتهويله، ومجموع ما بعد الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما بعده. وقيل: يجوز أن تكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل، فيكون ما بعدها سبباً للسبب وهو بعيد جداً. والاعتداء تجاوز الحدّ في كل شيء. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } قال ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصار فيها اثنتا عشرة عيناً من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ومجاهد وابن أبي حاتم عن جويبر نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأرْضِ } قال: لا تسعوا في الأرض فساداً. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: يعني: لا تمشوا بالمعاصي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: لا تسيروا في الأرض مفسدين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } قال: المنّ والسلوى، واستبدلوا به البقل، وما حكى معه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَفُومِهَا } قال: الخبز، وفي لفظ: البر، وفي لفظ: الحنطة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الفوم: الثوم. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن مسعود؛ أنه قرأ: «وثومها» وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه قال: قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود هذا أحدها: «من بقلها وقثائها وثومها». وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ } قال: أردأ. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } قال مصراً من الأمصار. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية: أنه مصر فرعون. وأخرج نحوه ابن أبي داود، وابن الأنباري عن الأعمش. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } قال: هم أصحاب الجزية. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن؛ قال: ضربت عليهم الذلة، والمسكنة أي: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال: المسكنة الفاقة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } قال: استحقوا الغضب من الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وَبَاءوا } قال: انقلبوا. وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبيّ، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} تقديره: وإذ استسقانا موسى لقومه، والاستسقاء: طلب السَّقْيِ، والعربُ تقول: سَقَيْتُهُ، وأسقيتُه، فقيل: إنهما لغتان ومعناهما واحد، وقيل بل سقيته من سَقْيِ الشَّفةِ، وأسْقَيْتُهُ: دللته على الماء. {فَقُلْنَا اضْرِب بعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَا}: وفي الكلام محذوف، وتقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. والانفجارُ: الانشقاق، والأنبجاسُ أضيق منه، لأنه يكون انبجاساً ثم يصير انفجاراً. والعين من الأسماء المشتركة: فالعين من الماء مُشَبَّهَةٌ بالعين من الحيوان، لخروج الماء منها، كخروج الدمع من عين الحيوان. فأمر موسى عند استسقائه، أن يضرب بعصاه حجراً مُرَبَّعاً طُورِيّاً (من الطور)، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، من كل جانب ثلاثةُ أعينٍ. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} يعني أن لكلِّ سبطٍ منهم عيناً، قد عرفها لا يشرب من غيرها، فإذا ارتحلوا انقطع ماؤه، وحُمِلَ في الجوالق، وكان بقدر الرأس. {وَلاَ تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تطغوا، وهذا قول ابن زيد. والثاني: معناه لا تسعوا في الأرض مفسدين، وهو قول ابن عباس، وأبي العالية الرياحي. والعيثُ: شدة الفساد، ومنه قول رؤبة: شعر : وَعَاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ مُصَدِّقٌ أو فَاجِرٌ مُناكِثُ
ابن عبد السلام
تفسير : {اسْتَسْقَى} طلب السقيا، سقيته وأسقيته، أو سقيته بسقى شفته، وأسقيته دللته على الماء. {فَانفَجَرَتْ} الانفجار: الانشقاق، والانبجاس أضيق منه. {عَيْناً} شبهت بعين الحيوان، لخروج الماء منها كما يخرج الدمع. {كُلُّ أُنَاسٍ} لكل سبط عين عرفها لا يشرب من غيرها. {تَعْثَوْاْ} تطغوا، أو تسعوا "العيث": شدة الفساد..
النسفي
تفسير : {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } موضع إذ نصب كأنه قيل: واذكروا إذا استسقى أي استدعي أن يسقي قومه. {فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر. واللام للعهد والإشارة إلى حجـر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر إثنا عشر ميلاً، أو للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وهذا أظهر في الحجـة وأبين في القدرة. {فَٱنفَجَرَتْ } الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أي سالت بكثرة، أو فإن ضربت فقد انفجرت وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ. {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } على عدد الأسباط وقرىء بكسر الشين وفتحها وهما لغتان، وعيناً تمييز. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط {مَّشْرَبَهُمْ } عينهم التي يشربون منها. وقلنا لهم {كُلُواْ } من المن والسلوى. {وَٱشْرَبُواْ } من ماء العيون. {مِن رّزْقِ ٱللَّهِ } أي الكل مما رزقكم الله. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ } لا تفسدوا فيها. والعيث أشد الفساد {مُفْسِدِينَ } حال مؤكدة أي لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } هو ما رزقوا في التيه من المن والسلوى. وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها يقال لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف. أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترف وكانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ } سله وقل له أخرج لنا {يُخْرِجْ لَنَا } يظهر لنا ويوجد {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا } هو ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايب البقول كالنعناع والكرفس والكراث ونحوهما مما يأكل الناس. {وَقِثَّآئِهَا } يعني الخيار {وَفُومِهَا } هو الحنطة أو الثوم لقراءة ابن مسعود و«ثومها» {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ } أقرب منزلة وأدون مقداراً والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار {بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ } أرفع وأجل. {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } من الأمصار أي انحدروا إليه من التيه. وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ، أو مصر فرعون. وإنما صرفه من وجود السببين وهما التأنيث والتعريف لإرادة البلد، أو لسكون وسطه كنوح ولوط وفيهما العجمة والتعريف {فَإِنَّ لَكُم } فيها {مَّا سَأَلْتُمْ } أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في التيه. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } أي الهوان والفقر يعني جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه. فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة وفقر إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. «عليهم الذلة»: حمزة وعلي وكذا كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة وبكسر الهاء والميم: أبو عمرو. وبكسر الهاء وضم الميم: غيرهم. {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } من قولك «باء فلان بفلان» إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له. أي صاروا أحقاء بغضبه. وعن الكسائي حفوا {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب. {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ } بالهمزة: نافع وكذا بابه. أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء. وقد قتلت اليهود شعياء وزكريا ويحيـى صلوات الله عليهم. والنبي من النبإ لأنه يخبر عن الله تعالى «فعيل» بمعنى «مفِعل» أو بمعنى «مفعَل». أو من نبا أي ارتفع، والنبوة المكان المرتفع. {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } عندهم أيضاً فإنهم لو أنصفوا لم يذكروا شيئاً يستحقون به القتل عندهم في التوراة. وهو في محل النصب على الحال من الضمير في «يقتلون» أي يقتلونهم مبطلين {ذٰلِكَ } تكرار للإشارة. {بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. وقيل: هو اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتلهم الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ...} أخذ منه الإمام المازري جواز استسقاء المخصب للمجدب لأن موسى عليه الصلاة والسلام لم ينله من الاحتياج وقد استسقى لهم. ورده ابن عرفة بأنه نبي مرسل إليهم وهو معهم فليس مثل هذا. قوله تعالى: {فَٱنفَجَرَتْ...} أجاز الزمخشري أن تكون الفاء جواب شرط مقدر أي فإن ضربت فقد (انفجرت). ورده أبو حيان بأن الشرط لا يحذف، وإن سلم (فيلزمه) فساد المعنى والتركيب لأن الشرط وجوابه مستقبلان "وانفجرت" ماض لفظا ومعنى (إذ لا تدخل الفاء على الماضي إلا إذا كان دعاء أو ماضيا لفظا ومعنى) ولأنه المفهوم من الآية. (وأجاب المختصر) بأنّ "اضرب" أمر مُضَمَّنٌ معنى الشرط فليس فيه حذف، ومنع فساد المعنى والتركيب بأنه كقوله تعالى: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} تفسير : قال فجوابه محذوف أي فإن كذبوك فاصبر لأنه كذبت رسل من قبلك. وإن ضربت فسّر أو لم ينكر ونحوه، فإنه قد انفجرت، أي أردنا وحكمنا أنها انفجرت. قال ابن عرفة: وقد يقال إن يكذبوك (فعل) ماضٍ وعبر عنه بالمستقبل لأجل (التصديق) فهو حكاية مستقبل مضى، أي كان مستقبلا فصار ماضيا، ولا سيما أنهم حين نزول الآية كان التكذيب قد وقع منهم لأنها ليست من أول ما نزل وكذلك قوله تعالى: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} تفسير : قالوا: أنزلت في غزوة بدر، وقد كان ذلك واقعا قبلها. ويمكن أن يكون معنى (تلك) الآية وأن يدوموا على تكذيبك ولا يزال الشرط مستقبلا، وقول الصفاقسي: أنَّ "اضرب" مضمن معنى الشرط. قال الزمخشري: جعل الفاء جواب الشرط (مقدر) لأنها جواب شرط مفهوم من الأمر فلم يتوارد على محل واحد.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: عامة القراء {اثنتا عشرة} بسكون الشين للتخفيف {عليهم الذلة} بضم الهاء والميم: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وكذلك كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة، وافق سهل إذا كانت قبل الياء فتحة فقط. وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم. {النبيين} وبابه بالهمزة: نافع إلا في موضعين في الأحزاب {أية : إن وهبت نفسها للنبي}تفسير : [الأحزاب: 5] و{أية : بيوت النبي}تفسير : [الأحزاب: 53] إلا فروي إسماعيل وقالون عنه بغير همزة. الوقوف: {الحجر} (ط) الحق المحذوف أي فضرب فانفجرت {عيناً} (ط) {مشربهم} (ط) {مفسدين} (ه) {وبصلها} (ط) {هو خير} (ط) {سألتم} (ط) لأن قوله {وضربت} ابتداء إخبار عما يؤل إليه حالهم {من الله} (ط) {بغير الحق} (ط) {يعتدون} (ه). التفسير: جمهور المفسرين سوى أبي مسلم، على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، عطشوا فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر، أما العصا فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار. وقيل: كانت من الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة. وأما الحجر فاللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا. وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ورماه بنو إسرائيل بالأدرة ففرّ به، فقال له جبريل: يقول الله تعالى: ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر. وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة. ثم إنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟ فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه، وأما الصنف والشكل فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل: له أربعة أوجه كما مر، وهذا إذا لم يعتبر الفوقاني ومقابله. وأما الضرب فقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله تعالى إليه: لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون. والفاء في قوله {فانفجرت} فاء فصيحة كما سبق في {أية : فتاب عليكم}تفسير : [البقرة: 54] وفي هذا الحذف دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به. والانفجار والانبجاس واحد ومعناه خروج الماء بسعة وكثرة. وأصل الفجر الشق ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بمخالفتهم. وقيل: الانبجاس خروج الماء قليلاً، ووجه بأن الفجر في الأصل هو الشق، والبجس الشق الضيق فلا يتناقضان كما لا يتناقض المطلق والمقيد والعام والخاص، أو لعله انبجس أوّلاً ثم انفجر ثانياً وكذا العيون تظهر الماء قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه، أو لعل حاجتهم تشتد تارة فينفجر وتضعف أخرى فينبجس. {قد علم كل أناس} أي كل سبط {مشربهم} كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول معين حسماً لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين. وهذا أيضاً من تمام النعمة عليهم، وإنما فقد العاطف لأن قوله {قد علم} بيان وتفصيل لما أجمل في قوله {اثنتا عشرة} كأنه قيل: هذا المجموع مشاع بينهم أو مقسوم فقيل قد علم {كلوا} على إرادة القول أي وقلنا أي قال لهم موسى كلوا من المن والسلوى الذي رزقناكم بلا تعب ولا نصب، واشربوا من هذا الماء. وقيل: إن الأغذية لا تنبت إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنما أعطاهم المأكول والمشروب. والعثو أشد الفساد، و {مفسدين} قيل: نصب على الحال المؤكدة وهو ضعيف، فإن من شرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية. وقيل: حال منتقلة ومعناه النهي عن التمادي في حالة الإفساد، إما مطلقاً أو مقيداً بأنه إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع. ويرد على هذا القول أن الإفساد منهي عنه مطلقاً، وهذا التفسير يقتضي أن يكون المنهي عنه هو التمادي في الإفساد لا نفس الإفساد. والصحيح أن يقال: إن المنصوبات في نحو قوله عز من قائل {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} {أية : ثم وليتم مدبرين}تفسير : [التوبة: 25] وفي نحو قولهم "تعال جائياً وقم قائماً" من الصفات القائمة مقام المصدر نحو "أقاعداً وقد سار الركب" بقي في الآية بحث، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من الحجر الصغير؟ والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث أيّ فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة، وأما عند طالب الأسباب والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولي مشتركة عندهم. وجوّز وانقلاب صور بعضها إلى بعض، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له، ومثل هذا ما رواه أنس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم. قال قتادة قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة. بل معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد، قال أهل الإشارة: الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى وقومه، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله إلا الله. ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عيناً من ماء الحكمة بعدد حروف لا إله إلا الله، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة، وخمس باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه. قوله سبحانه {وإذ قلتم يا موسى} الآية. زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله تعالى إليه خصوصاً إذا كان نعمة وعفواً وصفواً، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر. ولهذا أنكره موسى عليهم {قال أتستبدلون}. وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن قوله {كلوا واشربوا} عند إنزال المن والسلوى، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب. ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفاً. ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم البلاد. وأيضاً المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم، فيصح أن يكون التبديل مطلوباً للعقلاء، ولهذا أجابهم الله تعالى إلى ما سألوا، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك، اللهم إلا أن يكون من قبيل {أية : ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} تفسير : [الشورى: 20] وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها. قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه، ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه. ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر. والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب البقول التي يأكلها الناس عادة. والقثاء الخيار، والفوم الثوم، ويدل عليه قراءة عبد الله {وثومها} وهو بالعدس والبصل أوفق. وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية، ويقال: هو الحنطة. ومنه قولهم "فوّموا لنا" أي اختبزوا. قال الفراء: هي لغة قديمة {الذي هو أدنى} أي أقرب منزلة وأدون مقداراً كقولهم في ضده "هو بعيد المحل وبعيد الهمة" يعنون الرفعة والعلو {اهبطوا مصراً} أي انحدروا إليه من التيه. يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج. وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر فرسخاً في ثمانية. ومصر إما مصر فرعون، والتنوين فيه في القراءات المعتبرة مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في نوح ولوط، وفيهما العلمية والعجمية. وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلداً أيّ بلد كان لتحدوا فيه هذه الأشياء. ولما ذكر الله سبحانه صنوف نعمه على بني إسرائيل إجمالاً ثم تفصيلاً، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي الأبصار وتحذيراً للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلصق به. فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. وهذا من جملة الأخبار عن الغيب الدال على كون القرآن وحياً نازلاً من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم. هذا حالهم في الدنيا، وأما حالهم في العقبى فذلك قوله {وباؤا بغضب من الله} من قولك "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه {ذلك} الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن، بل وبالتوراة لأن الكفر به مستلزم للكفر بها، وقتلهم الأنبياء، وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيباً وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق القتل. فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقاً لشبهة عنت له، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً. ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل في القحة، أو كرر للتأكيد نحو {أية : ومن يدع مع الله الهاً آخر لا برهان له به} تفسير : [المؤمنون: 117] ومحال أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان. والنبيء بالهمزة "فعيل" بمعنى فاعل من نبأ بالتخفيف أي أخبر لأنه نبأ عن الله تعالى. قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك. وقيل: أصله من نبأت من أرض إلى أرض أي خرجت منها إلى أخرى. وهذا المعنى أراد الأعرابي بقوله "يا نبيء الله" أي يا من خرج من مكة إلى المدينة. فأنكر عليه صلى الله عليه وسلم الهمزة. وقيل: النبي بالإدغام من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض، أي أنه صلى الله عليه وسلم شرف على سائر الخلق "فعيل" بمعنى "مفعول"، والجمع أنبياء. وعلى الأول إنما جمع على أنبياء لأن الهمز لما أبدل وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة {ذلك بما عصوا} تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول كقول السيد لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها "هذا بما عصيتني وخالفت أمري. هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي" ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر والقتل على معنى انهمكوا في العصيان والاعتداء حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو تكون الباء بمعنى "مع" أي ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا سائر أنواع المعاصي، واعتدوا حدود الله في كل شيء. وقيل: هو اعتداؤهم في السبت. واعلم أنه سبحانه لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب ذلك أولاً بما فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه، ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم وذلك في نهاية الترتيب. وقيل: الأول إشارة إلى متقدميهم، والثاني إشارة إلى من كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنه تعالى بيَّن سبب ما نزل بالفريقين من البلاء والمحنة ليظهر للخلائق أن ذلك على قانون العدالة وقضية الحكمة. فإن قيل: لم قيل ههنا {ويقتلون النبيين بغير الحق} وفي "آل عمران" {أية : ويقتلون الأَنبياءَ بغير حق} تفسير : [آل عمران: 21] منكراً؟ قلت: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ما في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق" تفسير : فالحق المعرف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.
ابن عادل
تفسير : كسرت الذّال من "إذ" لالتقاء الساكنين، والسين للطلب على وجه الدعاء أي: سأل لهم السُّقْيَا، وألف "اسْتَسْقَى" منقلبة عن ياء؛ لأنه من "السَّقْي"، وتقدَّم معنى "اسْتَفْعَلَ"، ويقال: "سَقَيْتُه" و "أَسْقَيْتُهُ"، بِمَعْنًى؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 521ـ سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى نُمَيْراً وَالقَبَائِلَ مِنْ هِلاَلِ تفسير : وقيل: "سقيته": أعطيته ما يشرب، "وأسقيته": جعلت ذلك له يتناوله كيف شاء. و "الإسْقاء" أبلغ من "السَّقْي" على هذا. وقيل: أسقيته: دَلَلْتُه على الماء، وسيأتي عند قوله: {أية : نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} تفسير : [النحل:66] وسقى وأسقى متعدّيان لمفعولين، قال تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان:21] وقال: {أية : وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}تفسير : [المرسلات:27]. و "لِقَوْمِهِ" متعلّق بالفعل، واللام للعلّة، أي: لأجل، أو تكون للبيان لما كان المراد به الدعاء كالتي في قولهم: "سُقْياً لَكَ" فتتعلّق بمحذوف كنظيرتها. قوله: {ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} الإدغام ـ هنا ـ واجبٌ؛ لأنه متى اجتمع مثلان في كلمتين؛ أو كلمة أوّلهما ساكن وجب الإدغام نحو: اضرب بكراً، وألف "عصاك" منقلبة عن واو؛ لقولهم في النّسب: عَصَوِيٌّ، وفي التثنية عَصَوَان؛ قال: [الطويل] شعر : 522ـ................... عَلَى عَصَوَيْهَا سَابِريٌّ مُشَبْرَقُ تفسير : والجمع: "عُصِيّ" "وَعِصِيّ" بضم العين وكسرها إتباعاً، و "أَعْصٍ" مثل: "زَمَنٍ" "وأَزْمُن"، والأصل: "عُصُوُو" و"أَعْصُو"، فأعلّ. وعَصَوْتُه بالعَصَا، وعَصَيْتُه بالسيف. و "ألقى عَصَاه" يعبر به عن بلوغ المنزل، قال: [الطويل] شعر : 523ـ فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإيَابِ المُسَافِرُ تفسير : وانشقت العَصَا بين القوم، أي: وقع الخلاف؛ قال: [الطويل] شعر : 524ـ إذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ العَصَا فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ تفسير : قال الفَرَّاء: "أوّل لحن سمع بـ "العراق" هذه عَصَاتي"، يعني: بالتاء. وفي [المثل]: "العَصَا من العُصَيَّة" أي: بَعْضُ الأمر من بَعْضٍ. و "الحَجَر" مفعول. و "أل" فيه للعَهْدِ. وقيل: للجنس، وهو معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد "أَحْجَار" وفي التكثير: "حِجَارٌ وحِجَارَةٌ". و "الحِجَارة" نادر، وهو كقولنا: "جَمَل وجِمَالة"، و "ذَكَر وذِكَارة" قاله ابن فارس والجَوْهري. وكيف يكون نادراً وفي القرآن: {أية : فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ}تفسير : [البقرة:27]، {أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً}تفسير : [الإسراء:50]، {أية : تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ}تفسير : [الفيل:4]، {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً}تفسير : [هود:82]. قوله: {فَٱنفَجَرَتْ} "الفاء" عاطفة على محذوف لا بُدّ من تقديره: فضرب فانفجرت. قال ابن عصفور: إن هذه "الفاء" الموجودة هي الداخلة على ذلك الفعل المحذوف، والفاء الداخلة على "انْفَجَرَتْ" محذوفة، وكأنه يقول: حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، وحذفت "الفاء" الثانية لدلالة الأولى عليها. ولا حاجة إلى ذلك، بل يقال: حذفت الفاء، وما عطفته قبلها. وجعلها الزمخشري جواب شرط [مقدر] قال: [أو] فإن ضربت فقد انفجرت، قال: "وهي على هذا فاء فَصِيحة لا تقع إلا في كلام بليغ". وكأنه يريد تفسير المعنى لا الإعراب. و "الانْفِجَار": الانشقاق والتفتُّح، ومنه: الفَجْر لانشقاقه بالضَّوء. وفي "الأعراف": {أية : فَٱنبَجَسَتْ}تفسير : [الأعراف:160] فقيل: هما بمعنى. وقيل: "الانْبِجَاس" أضيق؛ لأنه يكون أولاً والانفجار ثانياً. وقيل: انبجس وتبجّس وتفجّر وتفتّق بمعنًى وَاحِدٍ. قوله: {ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} فاعل "انْفَجَرَتْ"، والألف علامة الرفع؛ لأنه محمول على المُثَنّى، وليس بمثنى حقيقة، إذ لا واحد له من لفظه، وكذلك مذكره "اثنان"، ولا يضاف إلى تمييز، لاستغنائه بذكر المعدود "مثنى" تقول: "رجلان وامرأتان" ولا تقول: "اثنا رَجُل، ولا اثنتا امرأة" إلا ما جاء نادراً فلا يقاس عليه، قال: [الرجز] شعر : 525ـ كَأَنَّ خُصْيَيْهِ مِنَ التَّدَلْدُلِ ظَرْفُ عَجُوزٍ فِيهِ ثِنْتَا حَنْظَلِ تفسير : و "ثنتان" مثل "اثنتين"، وحكم اثنين واثنتين في العدد المركب أن يُعْرَبا بخلاف سائر أخواتهما، قالوا: لأنه حذف معهما ما يحذف في المعرب عند الإضافة، وهي النون، فأشبها المعرب فأعربا كالمثنى بالألف رفعاً والباء نصباً وجرًّا. وأما "عَشْرة" فمبني لتنزله منزلة تاء التأنيث، ولها أحكام كثيرة. و "عَيْناً" تمييز. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى: "عَشِرَة" بكسر الشين، وهي لغة تميم. قال النحَّاس: "وهذا عجيب فإن لغة تميم "عشرة" بالكسر، وسبيلهم التخفيف، ولغة "عَشْرة" بالسكون، وسبيلهم التثقيل". وقرأ الأعمش: "عَشَرَة" بالفتح. و "العَيْن": اسم مشترك بين عَيْنِ الإنسان، وعَيْنِ الماء، وعين الرَّكيّة، وعَيْنِ الشمس، وعَيْنِ الذهب، وعين الميزان. والعين: سحابة تقبل من ناحية القبلة. والعين: المَطَر الدائم ستًّا أو خمساً. والعين: الثقب في المَزَادة، وبلد قليل العين، أي: قليل النَّاس. [وبها عين، محركة الياء]. فإن قيل: إذا كانت العين لفظاً مشتركاً بين حقائق، فكيف وقعت هنا تمييزاً؟ فالجواب: أن قوله: "وَإذِ اسْتَسْقَى"، وقوله: "فَانْفَجَرَتْ"، وقوله: "مَشْرَبَهُمْ" دليل على إرادة عين الماء، فاللفظ مع القرينة مميز، والعَيْن من الماء شبيهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها، كخروج الدَّمع من عين الحيوان. وقيل: لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبّهت به عين الماء؛ لأنها أشرف ما في الأرض. قوله: {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ}تفسير : [الأعراف:160] قد تقدّم الكلام على أنّ "أناس" أصل "النّاس". وقال الزمخشري في سورة "الأعراف": "إنه اسم جمع غير تكسير"، ثم قال: "ويجوز أن يكون الأصل الكسر، والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما أبدلت في سُكَارى" من الفتحة وسيأتي البحث معه إن شاء الله تعالى. قوله: {مَّشْرَبَهُمْ} مفعول لـ "علم" بمعنى "عرف"، و "المَشْرَب" ـ هنا ـ موضع الشُّرْب؛ لأنه روي أنه كان لكل سِبْطٍ عَيْنٌ من اثنتي عشرة عيناً، لا يشاركه فيها سبط غيره. وقيل: هو نفس المشروب، فيكون مصدراً واقعاً موقع المفعول به، وضمير الجمع في قوله: "مشربهم" يعود على معنى "كُلُّ أُنَاسٍ". فصل في بيان أن الاستسقاء كان في التِّيه قال جمهور المفسرين: هذا الاستسقاء كان في التِّيْهِ؛ لأن الله ـ تعالى ـ لما ظَلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المَنّ والسَّلْوَى، وجعل ثيابهم بحيث لا تَبْلَى، ولا تَتَّسِخ خافوا العَطَش، فأعطاهم الله الماء من ذلك الحَجَرِ، وأنكر أبو مسلم ذلك وقال: بل هو كلام مفرد بِذَاتِهِ، ومعنى الاسْتِسْقَاء طلب السُّقْيَا من المطر على عادة الناس إذا [أقحطوا]، ويكون ما فعله الله من تَفْجِيرِ الحجر بالماء فوق الإجابة بالسُّقيا، [وإنزال الغيث]. [وقال ابن الخطيب:] وليس في الآية ما يدلّ على أحد القولين، وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التِّيْهِ؛ لأن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النَّادر، وأيضاً روي أنهم كانوا يحملون الحَجَر معهم؛ لأنه صار معدًّا لذلك، [فكما كان] المَنّ والسّلوى ينزلا من كل غَدَاة، فكذلك الماء يتفجّر لهم في كل وقت، وذلك لا يليق إلا بأيّامهم في التِّيْهِ. فصل في جنس الشجرة اختلفوا في العَصَا، فقال الحسن: كانت عَصَا أخذها من بعض الأشجار وقيل: كانت من آسِ الجَنّة طولها عشرة أَذْرُع على طول موسى، ولها شُعْبَتَان تَتَّقِدَان في الظلمة، واسمه عليق، وكان آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ حمله معه من الجَنّة إلى الأرض، فتوارثه صَاغراً عن كَابِرٍ حتى وصل إلى شُعَيْب ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأعطاه لموسى عليه الصلاة والسلام. والذي ينبغي أن يقال: إنها كانت بمقدار يصحّ أن يتوكّأ عليها، وأن تنقلب حَيَّةً عظيمة، وما زاد على ذلك لا دليل عليه. قال ابن الخطيب: "والسُّكوت عن هذه المباحث واجب؛ لأنه ليس فيها نَصّ متواتر، ولا يتعلّق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظَّن المستفاد من أخبار الآحاد". فصل في المراد بالحجر إن قلنا: الألف واللام في "الحَجَرِ" للعَهْد، فالإشارة إلى حَجَرٍ معلوم، روي أنه حجر طُوري مربّع قدر رأس الشَّاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، ينبع من كل وَجْه ثلاثة أعين لكل سِبْط عين تسيل في جدول إلى ذلك السّبط فإذا نزلوا وضع في وسط محلّتهم. وقيل: بل كانوا يجدونه في كل مَرْحَلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا من [أعظم] الإعجاز. وقال سعيد بن جُبَيْرٍ: هو الحَجَرُ الذي وضع عليه موسى ثَوْبَهُ حين اغتسل، فضربه حتى بَرَّأَهُ الله مما رموه به من الأُدْرَة، فقال له جبريل: فيقول الله ـ تعالى ـ لك: أرفع هذا الحَجَرَ، فإن لي فيه قدرة، ولك فيه مُعْجزة، فحمله في مخْلاَتِهِ. قال أبو روق: كان من [الكدّان]، وقيل: من الرُّخَام. [فإن قلت]: الألف واللام للجنس، فمعناه: [اضرب] أي حجر كان. قال الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال: وهذا أظهر في الحُجّة. وروي أنه كان يضربه ضربةً واحدة، فيظهر فيه اثنتا عشر عيناً كل عين مثل ثَدْي المرأة فيعرق، وهو الانْبِجَاس، ثم ينفجر بالأنهار. قال عطاء: ثم يضربه ضربةً واحدة فَيَيْبَسُ. وقال عبد العزيز بن يحيى الكتاني: كان يضربه اثنتا عشرة ضربةً لكل عين ضربة. قال القرطبي: ما أوتي نبينا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ من نَبْعِ الماء وانفجاره من بين أصابعه أعظم في المُعْجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار، ومعجزة نبينا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ يخرج الماء من بين لَحْمِ ودَمٍ! وروى الأئمة الثقات عن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماءً فأتي بِتَوْرٍ فأدخل يده فيه، فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، ويقول: "حديث : حي على الطّهور ". تفسير : قال الأعمش: حدثني سالم بن أبي الجَعْد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وخمسمائة. لفظ النَّسَائي. فصل في وجوه الإعجاز في انفجار الحجر والحكمة في جَعْلِ الماء اثنتي عشرة عيناً قطع التنازع والتَّشَاجر بينهم، وهذا الانفجار يدلّ على الإعجاز من وجوه. أحدها: أن نفس ظهور الماء معجزة. وثانيها: خروج الماء العطيم من الحجر الصغير. وثالثها: خروج الماء بِقَدْر حاجتهم. ورابعها: خروج الماء عند الضَّرْب بالعصا. وخامسها: خروج الماء بالضَّرب بعصا معينة. وسادسها: انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه لا يمكن تحصيلها إلا بِقُدْرَةٍ تامة في كل الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات. قوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} هاتان الجملتان في محلّ نصب بقول مضمر تقديره: وقلنا لهم: كلوا واشربوا. وقد تقدّم تصريف "كُلْ" وما حذف منه. قوله: {مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} هذه من باب الإعمال؛ لأن كلّ واحد من الفعلين يصحّ تسلّطه عليه، وهو من باب إعمال الثاني للحذف من الأول. والتقدير: كلوا منه. و "مِنْ" يجوز أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون للتبعيض، ويجوز أن يكون مفعول الأكل محذوفاً، وكذلك مفعول الشرب؛ للدلالة [عليهما]، والتقدير: كلوا المَنّ والسَّلوى لتقدمهما في قوله: {أية : وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ}تفسير : [البقرة:57]، واشربوا ماء العيون المتفجّرة. وعلى هذا فالجار والمجرور يحتمل تعلّقه بالفعل قبله، ويحتمل أن يكون حالاً من ذلك المفعول المحذوف، فيتعلّق بمحذوفة. وقيل: المراد بالرِّزْقِ الماء وحده، ونسب الأكل إليه لما كان سبباً في نَمَاءِ ما يؤكل وحَيَاته، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. والمُرَاد بالرزق المرزوق، وهو يحتمل أن يكون من باب "ذِبْح ورِعْي"، وأن يكون من باب "درهم ضرب الأمير" وقد تقدم بيانه. فإن قيل: قوله: {مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} يفهم منه أن ثَمَّ رزقاً ليس لله، وذلك باطل. فالجواب: من [وجوه]: [أحدها: أن هذا مفهوم لقب؛ فلا يدل]. الثاني: أن هذا رِزْقٌ لم تعمل فيه أيديهم بِحَرْثٍ ولا غيره، فهو خالص أرسله الله إليهم. الثالث: أن إضافته إلى الله ـ تعالى ـ إضافة تشريف لكونه أشرف ما يؤكل، وما يشرب؛ لأنه تسبّب عن معجزٍ خارقٍ للعادة. فصل في كلام المعتزلة واحتجّت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال قالوا: لأن أقل درجات قوله: كلوا واشربوا الإباحة، فهذا يقتضي كون الرزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً، وإنه غير جائز. قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. أصل "تعثوا": "تَعْثَيُوا"، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف الأول منهما وهو الياء، أو لما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً فالتقى ساكنان، فحذفت الألف، وبقيت الفتحة تدل عليها. وهذا أولى، فوزنه "تفعون". و "العِثِيّ" و "العَيْث": أشد الفساد وهما متقاربان. وقال بعضهم: "إلا أنّ العَيْثَ أكثر ما يقال فيما يدرك حسّه، والعِثِيّ فيما يدرك حكماً، يقال: عَثِيَ يَعْثَى عِثِيًّا، وهي لغة القرآن، وَعَثَا يَعْثُو عُثُوًّا، وعَاثَ يَعيثُ عَيْثاً". وليس "عاث" مقلوباً من "عَثِيَ" كـ "جَبَذَ وجَذَبَ" لتفاوت معنييهما كما تقدم. ويحتمل ذلك، ثم اختصّ كل واحد بنوع، ويقال: عَثِي ـ يَعْثَى ـ عِثِيًّا ـ ومَعَاثاً، وليس "عَثِيَ" أصله "عَثِوَ" فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، كـ "رضي" من الرِّضْوَان، لثبوت العِثِيِّ، وإن تَوَهَّم بعضهم ذلك. ويقال: عَثَّ يَعُثُّ مضافاً أي: فسد، قال ابن الرِّقَاع: [الكامل] شعر : 526ـ لَوْلاَ الحَيَاءُ وَأَنَّ رَأْسِيَ قَدْ عَثَا فِيهِ المَشِيبُ لَزُرتُ أُمَّ القَاسِمِ تفسير : ومنه: العُثَّة: [سوسة] تفسد الصُّوف. وأما "عَتَا" بالتاء المُثَنّاة من فوق فهو قريب من معناه، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. و "مُفْسِدِينَ" حال من فاعل "تَعْثُوا" وهي حال مؤكدة؛ لأن معناها قد فهم من عاملها، و حسن ذلك اختلاف اللفظين، ومثله: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}تفسير : [التوبة:25]، هكذا قالوا. ويحتمل أن تكون حالاً مبينة؛ لأن الفساد أعم، والمعنى أخص، ولهذا قال الزمخشري: فقيل لهم لا تَتَمَادَوْا في الفساد في حال فسادكم؛ لأنهم كانوا متمادين فيه. فغاير بينهما كما ترى. و "في الأرض" يحتمل أن يتعلّق بـ "تعثوا" وهو الظاهر، وأن يتعلّق بـ "مفسدين". والمراد بالأرض: عموم الأرض [لا] أرض التِّيْهِ. والمراد بالفساد ـ هاهنا ـ هو قوله في سورة طه: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [طه:81].
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها والتمتع بمنافعها وختمه بتعذيبهم بما يميت أو يحرق وتبين من ذلك كله أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في قصة البقرة وأنها لا منفعة فيها اتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد ويحيي الأجساد فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم نفعه وأنقذهم من الموت تبعة ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة الصانع وعلمه جمعاً لهم بذلك بين نعمتي الدين والدنيا فقال تعالى {وإذ استسقى} أي طلب السقيا. قال الحرالي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما يحصل به الري من السقي والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالاً أو مقالاً؛ قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : اللهم اسق عبادك! ثم قال: وأحي بلدك الميت " تفسير : انتهى. {موسى لقومه} أي لما خافوا الموت من العطش {فقلنا} أي بما لنا من العظمة حين خفيت عنهم {اضرب} قال الحرالي: من الضرب وهو وقع الشيء على الشيء بقوة {بعصاك} والعصا كأنها ما يكف به العاصي، وهو من ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب العصي، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى. {الحجر} أي جنسه فضرب حجراً {فانفجرت} وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق لاجتماعهما في الخروج عن محيط، هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت. قال الحرالي: الانفجار انبعاث وحي من شيء موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى. ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة، ولما لم يكن {منه} أي الحجر الذي ضربه {اثنتا عشرة عيناً} لكل سبط عين، والعين قال الحرالي هو باد نام قيم يبدو به غيره، فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين، يقال إن العين مطر أيام لا يقلع وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو به الموزونات عين، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين، وما تنال به الأعيان من الحواس عين، والركية وهي بئر السقيا عين، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول: الركبة - بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركيّة - بالياء المشددة - كذا قال، وقد ذكر أهل اللغة عين الرُكبة؛ وعدّ في القاموس المعاني التي لهذا اللفظ نحو أربعين، منها نقرة الركبة أي بالموحدة، ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة. ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم معروفة أو ملبسة قال {قد علم كل أناس} أي منهم. قال الحرالي: وهو اسم جمع من الأنس - بالضم، كالناس اسم جمع من النوس، قال: فلم يسمهم باسم من أسماء الدين لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمّين بها من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع {مشربهم} مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان فيها نقمة ورحمة؛ وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنياً في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، وتمليك الماء من أعظم التمكين، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - انتهى. يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صلى الله عليه وسلم من الماء من بين أصابعه، ودون ما نبع بوضع أصحابه سهماً من سهامه في بئر الحديبية وقد كانت لا ماء فيها، ونحو ذلك كثير. ولما كان السياق للامتنان وكان الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال زيادة على ما في الأعراف ممتناً عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير القول لأنه معلوم تقديره {كلوا واشربوا من رزق الله} أي الذي رزقكموه من له الكمال كله من غير كد ولا نصب. قال الحرالي: لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم الله الذي هو غيب {ولا تعثوا} من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء، إن العثو إفساد أهل القوى بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى. {في الأرض} أي عامة، لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة. واتباع ما معناه الفساد قوله {مفسدين} دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فساداً قاصدين به الفساد، فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد، لكن قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون صلاحاً في المعنى، كما فعل الخضر عليه السلام في السفينة والغلام، وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا كذلك، سيأتي له في سورة هود عليه السلام إن شاء الله تعالى مزيد بيان. قال الحرالي: وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم، لأن في كل نهي إشعاراً بمخالفته، إلا ما شاء الله، وفي كل أمر إشعاراً بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء إجباره فيه طبعاً عن أمره، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم فكيف بالمؤمنين منهم فكيف بالأنبياء منهم - انتهى. ولما امتنّ عليهم بهذه النعمة العظمة من أكل المن والسلوى وشرب هذا الماء الرباني بين أنهم كفروها بالتضجر منها وطلب غيرها وبالتيه كان قريباً منها بل كما أن هذه في غاية العلو كان مطلوبهم في غاية الدناءة والسفول فقال تعالى {وإذ قلتم} أي بعد هذه النعم كلها {يا موسى} منادين له باسمه من غير تعظيم {لن نصبر} أي طويلاً {على طعام} قال الحرالي: الطعام ما يقوت المتطعم ويصير جزاء منه {فلينظر الإنسان إلى طعامه *} [عبس: 24] الآية - انتهى. {واحد} أي لا يتبدل وإن كان متعدداً وإن كان شريفاً لا تعب فيه {فادع لنا} قال الحرالي: من الدعاء وهو نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل وافتقار وهو في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه حاجة من الآمر لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقضيه - انتهى. {ربك} مضيفين لهذا الاسم إليه دون أنفسكم مع كثرة تجليه لكم بهذا الوصف الناظر إلى الإحسان {يخرج لنا} أي وإن كنت أنت غير ملتفت إلى ذلك {مما تنبت} من الإنبات وهو التغذية والتنمية - قاله الحرالي. {الأرض} ثم بينوا ما أرادوا بقولهم {من بقلها} أي خضرها. قال الحرالي: البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة فما يصلح معها من نجم الأرض فهو بقل - انتهى. {وقثائها وفومها} أي الحنطة. وقال الحرالي: يقال هو الحب الذي يخبز - انتهى. {وعدسها وبصلها} فكأنه قيل إن هذا العجب منهم فما قال؟ فقيل قال {قال} منكراً عليهم {أتستبدلون} أي أتأخذون {الذي هو أدنى} أي منزلة {بالذي هو خير} أي بدله. فالباء داخلة هنا على المتروك وهذه المادة أعني الباء والدال المهملة واللام بهذا الترتيب لها استعمالات كثيرة يختلف معناها معها فيشكل فهمها بسبب ذلك، فإنه قد يذكر معها المتقابلان فقط، وقد يذكر معها غيرها، وقد لا يكون كذلك، وقد يكون ذلك مع التبدل والاستبدال مصحوباً أحدهما بالباء، وقد لا يكون كذلك، وقد يذكران مع التبديل والإبدال، وتارة تكون الباء داخلة على المتروك، وتارة على المأخوذ، وقد يعدي الفعل بنفسه إلى المفعولين، وتارة يقتصر به على مفعول واحد؛ ولبعض الاستعمالات معنى غير معنى الآخر وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في سورة سبأ فكأنه قيل: فهل أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل: نعم، قال {اهبطوا مصراً} أي من الأمصار، قال الحرالي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا الذي يجمع هذه المطالب التي طلبوها لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها، ومنه سميت مصر لجماع أمر ما في الدنيا فيها وغرابة سقياها، وإن وافق ذلك ما يقال إنها سميت مصر باسم رجل فالوفاق في حكمه الله، لأن كل دقيق وجليل فيها جارٍ بعلم الله وحكمته حيث كانت من وراء حجاب يخفيها أو ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى. {فإن لكم} أي فيه {ما سألتم} وينقطع عنكم المن والسلوى، والسؤال قال الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به الكفاية، قال: وذكر تعالى أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته لا في المفاوز التي تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيراً ما تنخرق العدة لأولياء هذه الأمة في المفاوز وقل ما تنخرق في الأمصار والقرى، لما في هذه الآية مضمونة، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون في ذلك من روح رزق الله عن كلمته دون كلفة حكمته. ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السلام ما كان من نبأهم مع يوشع عليه السلام بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى عليه السلام ما كان منهم بعد يوشع عليه السلام إلى آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن المظاهرة لنبيهم إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم عليهم السلام، وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها على الآخرة إيثاراً للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفاً إن شاء الله تعالى - انتهى. ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف عليه قوله {وضربت عليهم الذلة} ملازمة لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما يحيط البيت المضروب على الإنسان به، وهي اسم من الذل وهو صغار في النفس عن قهر وغلبة. قال الحرالي: وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة غايتها في الظهور ما عطف عليها كأن الخطاب يفهم فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل حالهم فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم من شاء الله ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى. {والمسكنة} أي كذلك مناسبة لخساسة ما سألوه. قال الحرالي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة سكوناً وانكفاف حراك - انتهى. {وباؤوا} أي رجعوا وكانوا أحقاء {بغضب} من باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له. قال الحرالي: معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى. {من الله} الملك الأعظم لجرأتهم على هذا المقام الأعظم مرة بعد مرة وكرة إثر كرة. قال الحرالي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم من مثل أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام والمتشابه بالأعلى من الطيب والأطيب المأخوذ عفواً واقتناعاً - انتهى. ثم ذكر سبب هذا وقال الحرالي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم ذكر فعلهم - انتهى. فقال {ذلك} أي الأمر العظيم الذي حل بهم من الغضب وما معه، ويجوز أن يرجع إلى اهتمامهم بأمر معاشهم وعنايتهم بأحوال شهواتهم على هذا النحو الأخس الأدنى {بأنهم} أي بسبب أنهم {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يكفرون} أي مجددين مستمرين {بآيات الله} أي يسترون إذعانهم وتصديقهم بسبب آيات الله الذي له جميع العظمة كتماناً عمن لا يعلم الآيات وتلبيساً، وكان تجديد ذلك والإصرار عليه ديدناً لهم وخلقاً قائماً بهم. قال الحرالي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من الكفر بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب والكفر بآيات الله كفر بشهادة { أية : والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * } تفسير : [البلد: 19] انتهى. {ويقتلون النبيين} أي كان ذلك جبلة لهم وطبعاً. قال الحرالي: وهذا جمع نبيء وهو من النبأ وهو الإخبار عن غيب عجز عنه المخبر به من حيث أخبر - انتهى. ولما كان النبي معصوماً ديناً ودنيا قال {بغير الحق} أي الكامل تنبيهاً على أن قتله لا يقع إلا كذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون ثم شبهة كظن التنبؤ فالذم على الإقدام على إراقة الدم بدون الوضوح التام وفاقاً لنهي. { أية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } تفسير : [الإسراء: 33] فهو أخف مما في آل عمران. ثم علل هذه الجرأة فقال {ذلك} أي الأمر الكبير من الكفر والقتل الذي هو من أعظم الكفر {بما عصوا} وهو من العصيان. قال الحرالي: وهو مخالفة الأمر - انتهى. {وكانوا} أي جبلة وغريزة {يعتدون} أي يتجاوزون الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه ومرن فاجترأ على العظائم. قال الحرالي: وهو أي الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد، فيما يفسح فيه إلى حد لا عذر لمجاوزه من حيث فسح له سعة ما فسح وحُدّ له ما حُدّ - انتهى. وقد جاء نظم هذه الآيات من قصصهم على غير ترتيبها في الوجود، وفي التوراة لما ذكرت من هذه المناسبات العظيمة والله أعلم شرح أمرها من التوراة قال في آخر السفر الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود الآن في هذا القرن التاسع فيما قرأته في نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك وعليها آثار قراءتهم لها وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم قابلتها بالمعنى كما مضى مع شخص منهم وكان هو القارىء ما نصه: وهذه مظاعن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون عليهما السلام وكتب موسى مخارجهم ومراحلهم عن قول الرب ظعنوا من رَعَمْسِيس - وفي نسخة: من عين شمس - في خمسة عشر يوماً من الشهر الأول من غد الفِصح - وفي نسخة: بعد الفصح بيوم - والمراد بالشهر الأول عندهم نيسان وهو شهر الفريك، وخرج بنو إسرائيل بقوة عظيمة تجاه جميع أهل مصر كانوا مشاغيل بدفن الأبكار الذين قتلهم الرب، وبما انتقم الرب من آلهتهم، فظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وفي نسخة: عين شمس - ونزلوا ساحوت وارتحلوا من ساحوت ونزلوا آثمْ - وفي نسخة: آثام - التي في أقاصى المفازة وظعنوا من آثام ونزلوا في فوهة الخندق الذي في جبال بَعَلصَفُون ونزلوا بإزاء مغدول - وفي نسخة: مجدول - وارتحلوا من فوهة الخندق وجازوا في وسط البحر إلى القفر - وفي نسخة: بين البحر والقفر - وساروا مسيرة ثلاثة أيام في برية اثام ونزلوا مرراً - وفي نسخة: المُرَيرة - وأتوا آليم وفي نسخة: ونزلوا في المراير وارتحلوا من المراير وصاروا إلى آليم - وكان في آليم اثنتا عشرة عيناً من ماء وسبعون نخلة ونزلوا هناك على الماء، وارتحلوا من آليم ونزلوا ساحل بحر سوف - وفي نسخة: على البحر الأحمر - وظعنوا من شاطىء بحر سوف - وفي نسخة: من البحر الأحمر - وفي أخرى: بحر القلزم - ونزلوا برية سينين وارتحلوا من قفر سينين ونزلوا ذِفقاً وظعنوا من ذِقفاً ونزلوا آلوش وارتحلوا من آلوش ونزلوا رفيدين - وفي نسخة: رفيديم - ولم يكن هناك ماء يشرب الشعب وظعنوا من رفيدين - وفي نسخة: رفيديم - فنزلوا برية - وفي نسخة: قفر سيناء - وظعنوا من قفر سيناء ونزلوا الموضع المعروف بقبور الشهوة وارتحلوا من مقبرة الشهوة - وفي نسخة: قفر قبور الشهوة - فنزلوا حصروث وظعنوا من حصروث فنزلوا رثما - وفي نسخة: الرامة - وارتحلوا من رثما - وفي نسخة: الرامة - فنزلوا رِمُون فيرص. وقال في السفر الثاني عند ذكر الإنعام عليهم باستنقاذهم من أيدي القبط بتلك الآيات العظيمة التي ستشرح إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف فقال موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من ههنا بيد منيعة فلا يؤكل الخمير في هذا اليوم وهو ذا أنتم خارجون في شهر الفقاخ - وفي نسخة: الفريك - فإذا أدخلكم الرب إلى أرض الكنعانيين والحيثانيين والأمورانيين والجاوانيين واليابسانيين والفرزانيين كالذي أقسم لآبائكم أن يعطيكم الأرض التي تغل السمن والعسل، تعملون هذا العمل في هذا الشهر، كلوا الفطير سبعة أيام ولا يوجدن الخمير عندكم؛ وتعلمون أبناءكم في ذلك اليوم وتقولون لهم إن الله فعل بنا هذا الفعل إذ أخرجنا من أرض مصر، وليكن ذلك آية على يدك وعلامة بين عينيك لتكون سنة الرب وشريعته على لسانك لأن الرب أخرجك من مصر بيد عزيزة منيعة واحتفظ بهذا وهذه الوصية من سنة إلى سنة في وقته، وإذا أدخلك الرب إلى أرض الكنعانيين التي أقسم لك ولآبائك أن يعطيكها فميز كل ذكر بفتح الرحم للرب وكل ذكر من البهائم التي تكون لك يفتح الرحم يكون خاصة للرب تفتديه بحمل، فإن لم تفتده فاذبحه، وتفتدي كل بكر ذكر من أولادك، فإذا سألك ابنك غداً وقال لك: ما هذا العمل؟ فقل: إن الرب أخرجنا من أرض مصر من العبودية والرق بيد منيعة عزيزة، لأن فرعون قسا وفظَّ وأبى أن يرسلنا، فقتل الرب جميع أبكار أرض مصر من بكر البشر إلى بكر البهائم، فمن أجل ذلك أذبح للرب كل ذكر بفتح الرحم وأفتدي جميع أبكار ولدي، فيكون ذلك علامة على يدك وذكراً بين عينيك، لأن الرب أخرجك من مصر بيد منيعة عزيزة. فلما أرسل فرعون الشعب وانطلقوا لم يرسلهم الله تعالى في طريق أرض فلسطين، لأنه كان قريباً ولأن الله قال: لعل الشعب إذا ما عاينوا القتال أن يخافوا ويرهبوا فيرجعوا إلى مصر، فساس الله الشعب في طريق برية بحر سوف، وخرج بنو إسرائيل من أرض مصر وهم متسلحون، وحمل موسى عليه السلام عظام يوسف عليه السلام معه، لأنه أقسم على بني إسرائيل بأيمان وقال: إن الله سيذكركم فأصعدوا عظامي معكم من ههنا، فظعنوا من ساحوت ونزلوا آثام التي في أقطار البرية، وكان الرب يسير أمامهم بالنهار في عمود السحاب ليسكنهم في الطريق وبالليل في عمود نار ليضيء لهم وكان يسير أمامهم بالليل والنهار، ولم يكن عمود الغمام يزول بالنهار وعمود النار بالليل من بين يدي الشعب، وكلم الرب موسى وقال له: قل لآل إسرائيل أن يرجعوا فينزلوا على شاطىء الخندق وما بين مغرول والبحر أمام بعلصفون، انزلوا هناك إزاء البحر حتى يقول فرعون إن بني إسرائيل غرباء في الأرض، فيظن أنهم قد تاهوا في القفر وأن البر قد انغلق عليهم؛ وقال الرب لموسى: أنا أقسي قلب فرعون فيسير في طلبكم فأمجد بفرعون وجميع جنوده، فيعلم أهل مصر أني أنا الرب، ففعلوا كذلك؛ فأسف فرعون وعبيده لإرسال الشعب وندموا، فألجم خيله وسار في جميع شعبه وظعن في ستمائة ألف راكب مختارة وجميع مواكب المصريين أيضاً والرجال - وفي نسخة: والقواد - على جميعها، فسار المصريون في طلبهم فرهقوهم وهم حلول على المهرقان، فقرب فرعون ورفع بنو إسرائيل أبصارهم فرأوا المصريين وهم في طلبهم فخافوا خوفاً شديداً، فصلى بنو إسرائيل بين يدي الرب وقالوا لموسى: ألقلة القبور بمصر أخرجتنا لنموت في البرية؟ لم فعلت بنا هذا الفعل وأخرجتنا من مصر؟ أليس هكذا كنا نقول لك ونحن بمصر: دعنا نتعبد للمصريين كان خيراً لنا أن نتعبد للمصريين من الموت في هذا القفر؟ فقال موسى للشعب: لا خوف عليكم! انتظروا فأبصروا خلاص الرب إياكم في هذا اليوم، لأنكم عاينتم المصريين يومنا هذا، لا تعودون أن تعاينوهم أيضاً إلى الأبد، والرب يجاهد عنكم إذ أنتم في هدوء وطمأنينة؛ فصلى موسى بين يدي الرب فقال: مُر بني إسرائيل أن يظعنوا وأنت فارفع عصاك واضرب ماء البحر، فيسير آل إسرائيل في البحر في اليبس، وها أنا ذا أقسي قلوب المصريين وأغلظها ليتبعوهم، فأمجد بفرعون وبجميع جنوده وبمواكبه وفرسانه، فيعلم أهل مصر أني أنا الرب إذا مجدت بفرعون وبجميع جنوده، فظعن ملك الله الذي كان يسير أمام عسكر بني إسرائيل فصار على ساقتهم، فاحتمل السحاب الذي كان أمامهم فوقف خلفهم ودخل بين عسكر المصريين ومحلة بني إسرائيل، وكان السحاب والحِنْدِس تلك الليلة بأسرها وكان الضياء والنور لبني إسرائيل تلك الليلة كلها، فلم يقدروا على الدنو إليهم تلك الليلة. فرفع موسى يده على البحر فزجر الرب البحر بريح سموم - وفي نسخة: قَبول عاصف - أليل أجمع، فصير ماء البحر في اليبس، وانقسم الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر في اليبس، فصارت المياه كالسور بين ميامنهم ومياسرهم، فسار المصريون فدخلوا في طلبهم فصار خيل فرعون وجميع مواكبه في البحر، فلما كان عند حريم الغداة تراءى الرب لعسكر المصريين في عمود نار ومزنة غمامة، فأرجف عسكر المصريين وأفتنه وربط مواكبهم وحبسها وجعلوهم يُعنقون بالسير عليها، فقال المصريون: سيروا بنا لنهرب بين يدي آل إسرائيل، لأن الرب حارب عنهم بمصر، فقال الرب لموسى: ابسط يدك على المهرقان فتؤول المياه على المصريين فتطفح على مواكبهم وفرسانهم، فرفع يده على البحر، فرجع البحر عند وقت الغداة إلى موضعه والمصريون جعلوا يهربون إزاءه، فعذب الرب المصريين في البحر وأكذبهم، فجرت المياه وطفت على المواكب والفرسان وعلى جميع جنود فرعون الذين دخلوا في البحر في طلبهم، ولم ينج منهم واحد، فخلص آل إسرائيل في ذلك اليوم من أيدي المصريين، فنظر بنو إسرائيل إلى المصريين موتى على شاطىء المهرقان، وعاين آل إسرائيل النقمة العظيمة التي أنزلها الله بالمصريين، وخاف الشعب الرب وآمنوا به وصدقوا قول موسى عبده، حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح وقالوا: نسبح الرب ذا الجلال الذي تعالى على المواكب وغرق فرسانها في البحر المنيع، والمحمود الرب الأزلي، فكان لي منجياً، هذا إلهنا فلنحمده ولنمجده، إله آبائنا فلنعظمه ولنجله، الرب ذو الملاحم، جبار اسمه، لأنه قذف بمواكب فرعون وجنوده في البحر وغرق جبابرة في بحر سوف وغطتهم الأمواج وهبطوا في القعر فرسبوا مثل الجنادل، يمينك يا رب بهية بالقوة، يمينك يا رب أهلكت أعداءك بعظم عزك، كبت شانئك أرسلت غضبك فأحرقهم كالسهم بريح وجهك، وأمرك جمدت المياه ووقف جريها كأنه الأطواد، ورسب الأغمار في قعر البحر كالرصاص في الماء المنيع؛ فمن مثلك ومن يفعل كأفعالك أيها البهي في قدسه المرهوب المحمود مظهر العجائب، سُسْتَ بنعمتك هذا الشعب الذي خلّصت، فبلغ ذلك الشعوب فارتجفوا وقلقوا وغشي الخوف والرعب سكان فلسطين، عند ذلك ذعر أشراف ادوم وغشى الرعدة والارتعاش رجال مؤاب وانكسر جميع سكان كنعان فانهزموا فلينزل بهم الخوف والقلق والرجفة بعظمة ذراعك، يغرقون كالجنادل حتى يجوز شعبك الذي خلّصت، تقبل بهم فتقدسهم في جبل ميرانك، الرب يملك إلى أبد الآبدين؛ وظعن موسى ببني إسرائيل من بحر سوف، فخرجوا حتى انتهوا إلى برية أسود، ثم ساروا في البرية مسيرة ثلاثة أيام فلم يجدوا هناك ماء، ثم انتهوا إلى مورّث فلم يقدروا على أن يشربوا ماء مورث، لأنه كان مُرّاً فتذمر الشعب على موسى وقالوا له: ما الذي نشرب الآن؟ فصلى موسى بين يدي الرب، فأظهر الرب له عوداً فألقاه في الماء، فعذب الماء هناك، علمه السنن والأحكام، فأتوا حتى انتهوا إلى آليم وكان هناك اثنتا عشرة عيناً من ماء وسبعون نخلة فنزلوا هناك على الماء، ثم ظعنوا من آليم فأتوا برية سينين التي بين آليم وسينين في خمسة عشر من الشهر الثاني من الزمان الذي خرجوا من مصر، فتذمر جميع جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون وقالوا لهما: قد كنا نحب أن نتوفى في أرض مصر إذ كنا جلوساً بين أيدينا مراجل اللحم وكبار الخبز ونفضل فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتقتلا جماعة بني إسرائيل بالجوع! فقال الرب لموسى: ها أنا ذا مهبط لكم الخبز من السماء فليخرج الشعب فليلتقطوا طعام يوم بيوم لكي أمتحنهم هل يسيرون بوصاياي وسنني ويحفظونها أم لا، فإذا كان اليوم السادس فليعدوا فضلاً على ما يأتون به وليكن ذلك ضعف ما يلتقطون في كل يوم، فقال موسى وهارون لجميع بني إسرائيل عند الأصيل: تعلمون أن الرب أخرجكم من أرض مصر وبالغداة تعاينون مجد الرب، لأن تذمركم بلغ الرب، ونحن فمن نحن إذ تتذمرون علينا، وقال لهم موسى: إن الرب قد أعطاكم لحماً عند الأصيل لتأكلوا ورزقكم خبزاً بالغداة لتشبعوا، لأنه قد بلغ الرب تذمركم الذي تراطنون عليه، ونحن فمن نحن وليس إنما تتذمرون علينا بل على الرب، وقال لهارون: مر جميع جماعة بني إسرائيل أن يدنوا فيقفوا بين يدي الرب، فلما قال هارون ذلك لجميع جماعة بني إسرائيل التفتوا فإذا مجد الرب قد اعتلن في السحاب وقال الرب لموسى: قد بلغني تذمر بني إسرائيل فقل: عند مغارب الشمس تأكلون اللحم وبالغداة شرقاً تشبعون من الخبز فتعلمون أني أنا الرب إلهكم، فلما كان عند الأصيل صعدت السُماني فتغشت العسكر، وكان بالغداة ضبابة تقطر المن فأحاطت بالعسكر، فارتفعت الضبابة فإذا على وجه الأرض دقيق يتقشر وكان شبه صفائح الجليد على الأرض، فقال موسى: هذا الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا، وهذا قول الرب الذي أمر به ليلتقط المرء منه على قدر قوته مكيالاً لكل نفس على عدد رؤوسكم ليأخذ المرء لكل من كان في خيمته، فصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى والتقطوا، فمنهم من أخذ كثيراً ومنهم من تناول قليلاً وكالوا ذلك، فلم يفضل الذي أخذ الكثير والذي أخذ القليل لم يعدمه، فقال لهم موسى: لا تبقين منه للغد شيئاً، فلم يطيعوا موسى فأفضل رهط منهم للغد، فدب فيه الدود وأنتن، فغضب موسى، فجعلوا يلتقطونه في كل غداة كل امرىء على قدر قوته، وكان إذا حميت عليه الشمس يميع، فلما كان اليوم السادس التقطوا من الخبز ضعفي ما كانوا يتناولون كل رجل مكيالين، فأتى جميع أشياخ الجماعة فأخبروا موسى، فقال لهم: هكذا قال الرب، إن السبت راحة ودعة وغداً يوم قدس الرب؛ وقال في موضع آخر: لا تعملوا فيه عملاً بل يكون سبتاً للرب في جميع مساكنكم، وكل ما أردتم أن تختبزوه فاخبزوه واطبخوا ما أردتم طبخه واحتفظوا بما تفضلون بارداً للغد، فأبقوا منه للغد كما أمر موسى، فلم ينتن ولم يدب فيه الدود فقال لهم موسى: كلوه يومكم هذا، لأن اليوم يوم سبت للرب ولستم تقدرون عليه اليوم في الحقل، كونوا تلتقطونه ستة أيام واليوم السابع هو سبت لا يؤخذ فيه، فلما كان اليوم السابع خرج رهط من الشعب ليلتقطوا فلم يجدوا فقال الرب لموسى: حتى متى يأبوا أن يقبلوا وصاياي وسنني، فاستراح الشعب في اليوم السابع، فسماه بنو إسرائيل المن وهو كحبة الكزبرة وطعمه كشهد العسل. وقال في السفر الرابع: والمن كان يشبه حبة الكزبرة وكان منظره أبيض كالمها، وكان الشعب يترددون ويلتقطونه ويطحنونه في الرحى ويهرسونه في المهراس ويطبخونه في القدور ويصيرون منه مليلاً ويصيّر طعمه مثل طعم الخبز الذي يعجن دقيقه بالزيت. رجع إلى الثاني قال: فأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة ولم يزالوا يأكلون المن حتى انتهوا إلى أقطار الأرض ذات السكنى وحتى انتهوا إلى أقطار أرض كنعان، وكان ذلك المكيال عشر جريب أي عشر ويبة، وإن جماعة بني إسرائيل ظعنوا من برية سينين في مظاعنهم كما أمر الرب فوردوا رفيدين ولم يكن للشعب ماء يشربون، فضج الشعب على موسى وقالوا له: أعطنا ماء لنشرب، فقال: ما بالكم تضجون وكم تجربون الرب؟ واشتد عطش الشعب هناك فتذمّروا على موسى وقالوا له: لم أصعدتنا من أرض مصر لتقتلنا وأبناءنا ومواشينا بالعطش؟ فصلى موسى أمام الرب وقال: ما أصنع بهذا الشعب؟ إنهم كادوا أن يرجموني، فقال الرب لموسى: جُز قدام الشعب وانطلق ببعض أشياخ بني إسرائيل والعصا التي ضربت بها البحر ففلقته، خذها بيدك وانطلق وها أنا ذا واقفاً بين يديك على حجر الظِرّان بَحوْرِيب فاضرب عند ذلك الظران فيخرج الماء ويشرب الشعب، فصنع موسى هذا الصنيع بين أشياخ بني إسرائيل، فسمى ذلك الموضع التجريب والتذمر، لأن بني إسرائيل تنازعوا واصطخبوا ولأنهم جربوا الله وقالوا: هل الله بيننا أم لا؟ ولما كان في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من مصر انتهوا إلى برية سيناء إذ ظعنوا من رفيدين فأتوا برية سيناء وحل هناك إسرائيل قبالة الجبل، فصعد موسى إلى الجبل فدعاه الله من الجبل وقال: هكذا قل لآل يعقوب: قد رأيتم ما صنعت بالمصريين وحملتكم كأنكم على أجنحة النسور وأقبلت بكم إليّ، فإن أنتم الآن أطعتم قولي وحفظتم عهدي فأنتم أحبّ إليّ من جميع شعوب الأرض، فأتى موسى فدعا بأشياخ الشعب فقص عليهم جميع هذه الآيات التي أمره بها الرب، فأجاب الشعب كلهم جميعاً وقالوا: نحن فاعلون جميع ما أمرنا به الرب، فرد موسى جواب الشعب على الرب فقال الرب لموسى: ها أنا ذا مناجيك في سحابة مظلمة لكي يسمع الشعب كلامي إذا كلمتك فيقبلوا كلامك ويصدقوك إلى الأبد، فقال الرب لموسى: انطلق إلى الشعب وطهرهم اليوم وغداً وليبيضوا ثيابهم ويرحضوها وليستعدوا في اليوم الثالث فناشد الشعب وتقدم إليهم وقل لهم: احذروا أن تصعدوا إلى الجبل ولا تقربوا إلى حافاته، ومن دنا من الجبل فليقتل ولا تصيبه أيدي الناس بل يرجم رجماً ويقذف به إلى أسفل به بهيمة كان أو إنساناً، فإذا صمتت أصوات القرون فأنتم في حل من الصعود إلى الجبل، فهبط موسى من الجبل إلى الشعب فطهر الشعب وبيضوا ثيابهم، وقال موسى للشعب: كونوا مستعدين في اليوم الثالث، لا تقتربن إلى امرأة، فلما كان في اليوم الثالث باكروا غلساً، فإذا هم بأصوات قرون وبروق وإذا هم أيضاً بسحابة عظيمة قد حلت على الجبل، فاشتد صوت القرن جداً واشتد فزع من كان في العسكر، وأخرج موسى الشعب إلى لقاء الرب من العسكر فقاموا في حافات الجبل وكان جبل سيناء يخرج منه القُتار والدخان، لأن الرب هبط عليه بالنار وارتفع غباره كغبار الأتون وتزلزل الجبل زلزلة شديدة واشتد صوت القرن، ودعا الرب موسى إلى رأس الجبل، فصعد موسى وقال له الرب: انزل فأنشد بني إسرائيل وإنذرهم أن لا يتزحزحوا عند النظر بين يدي الرب فيهلك منهم كثير، وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح ويسمعون أصوات القرون ويرون الدخان يخرج من الجبل. فرأى ذلك الشعب ففزعوا ووقفوا من بعيد وقالوا لموسى: كلمنا أنت حتى نسمع ولا يكلمنا الله لكيلا نموت، فقال موسى: لا خوف عليكم، لأن الله إنما كلمكم ليمتحنكم ويجربكم لكي تخافوه وترهبوه ولا تخطئوا ولا تأثموا، فوقف الشعب من بعيد ودنا موسى من الضباب التي اعتلن الله فيها، وقال الرب لموسى: هكذا قل لآل إسرائيل: قد رأيتم وعلمتم أني كلمتكم من السماء، لا تتخذوا معي آلهة من ذهب ولا تعملوا لكم آلهة من فضة، ثم قال: ها أنا ذا مرسل إليك الملك بين يديك ليحفظك في سفرك ويوردك البلد الذي أتقنت - وفي نسخة: الذي هيأته - فاحذره واسمع منه، لأن اسمي حالُّ عليه، فإن أنت قبلت قوله وأطعت أمره وعملت بكل ما يأمرك به أبغض مبغضيك ويسير ملكي أمامك فيدخلك على الأمورانيين - وذكر بعدهم خمس فرق - فأقتلهم وأبيدهم وأرسل الرعب والخوف والجزع بين يديك وأبيد جميع الشعوب الذين تسير إليهم ولا أبيدهم في سنة واحدة لكي لا تخرب الأرض بل رويداً رويداً حتى تعتز - وفي نسخة: تكثر - فتصير ذا بطش فترث الأرض واجعل تخومك من بحر سوف إلى فلسطين ومن البرية حتى النهر - وفسره في موضع آخر بالفرات - وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل أنت وهارون وناذاب وآبِيهُوا وسبعون رجلاً من أشياخ بني إسرائيل ويسجدون من بعيد، ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون ولا يصعد الشعب معه. فجاء موسى وقص على الشعب جميع عهود الرب وجميع أحكامه، فنادى الشعب كلهم بصوت عال وقالوا: نحن نفعل ما أمرنا الرب، وكتب موسى جميع كلام الرب، وغداً باكراً فبنى مذبحاً في حافة الجبل ونصب اثنتي عشرة نصبة لأسباط بني إسرائيل - ثم ذكر ذبائح وقرابين وغير ذلك ثم قال: ثم أخذ سفر العهد فتلاه على الشعب، فقالوا: نحن سامعون فاعلون ما أمرنا به الرب، فتناول موسى ذلك الدم - يعني دم القربان - فرشه على الشعب وقال: هذا دم العهد الذي عاهدكم في جميع هذه الأقاويل، وصعد موسى ومن ذكر معه ثم تركهم في مكان من الجبل ثم قال لهم امكثوا ههنا، فصعد موسى إلى الجبل وتغشاه السحاب وحل مجد الله على جبل سيناء وستره السحاب ستة أيام، ودعا الرب موسى في اليوم السابع من جوف السحاب ونظر إلى مجد الرب مثل نار تتوقد في رأس الجبل أمام جميع بني إسرائيل، فدخل موسى في جوف السحاب وصعد إلى الجبل فمكث موسى في الجبل أربعين يوماً نهاراً وأربعين ليلة، وكلم الرب موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: فليخصوا لي تزكية أموالهم، وخذ ذلك من كل رجل بلغ أشده - ثم ذكر الأموال التي تزكى إلى أن قال: ويتخذون لي مظهراً حتى أحل بينهم كل شيء أريكه شبه القبة وجميع متاعها كذلك فليصنعوه - ثم قال: واعمل على المثال الذي أريكه في الجبل وليتخذوا تابوتاً من خشب الشمشاد طوله ذراعان ونصف وسمكه ذراع ونصف، وصفّحه بصفائح الذهب الإبريز من داخله ومن خارجه، واتخذ له طوقاً من ذهب يحيط به، وضع له أربع حلقات من ذهب وسمرها في أربع زوايا التابوت حلقتين في شق واحد وحلقتين في الجانب الآخر، واتخذ أصطاراً من خشب الشمشاد وصفحها بالذهب، وصير الأصطار في الحلق في جانبي التابوت ليحل بها، وليكن الأصطار في حلق التابوت ولا ينزع منها، وتضع الشهادة التي أعطيك في التابوت، وسمي هذا تابوت الشهادة، واتخذ كروبين أي شخصين من ذهب اتخذهما مفرعين مصبوبين فيكونا على جانبي التطهير وتكون أجنحة الكروبين مبسوطة تظل من فوق فتظل بأكنافها على التطهير، وليكن وجه كل واحد منهما إزاء صاحبه وليكن وجها الكروبين من فوق التطهير؛ وقال: واتخذ داراً للقبة من مهب الجنوب واستمر يصف له عمل هذه القبة وأعمدتها وستورها وآلاتها وخدمها وما يقرّب فيها ومحل ضربها من العسكر وعلى أيّ كيفية في نحو خمس عشرة ورقة وسماها قبة الزمان، ثم أمره تعالى في آخر هذا السفر الثاني بأشياء مما يتصل بأمتعها وسرادقاتها وغير ذلك في أزيد من عشر ورقات كما سيأتي؛ وقال في تضاعيف ذلك: وتصير الشهادة التي أعطيك في التابوت وأواعدك إلى هنالك وأكلمك فوق التطهير من بين الكروبين الذين فوق تابوت الشهادة بجميع ما آمرك في بني إسرائيل وقال: ويتخذوا هذا القربان دائماً في كل حين في أحقابكم على باب قبة الزمان قدام الرب. وأواعدكم إلى هناك لأكلمكم وأواعد بني إسرائيل إلى هناك فأتقدس بكرامتي وأحل بين بني إسرائيل فيعلمون أني أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض مصر، ثم قال: فليؤد المرء منهم الزكاة عن نفسه إذا عددتهم لكيلا ينزل بهم الوباء، ثم ذكر له تفاصيل ما يؤدى وأن الزكاة على الغني والمسكين، وكلم الرب موسى وقال له: اعلم أني قد انتخبت بَصَلْيال بن أُورِي بن حُور من سبط يهودا وأسبغت عليه روح الله وملأته من الحكمة والعلم في كل علم ليعلم الصناعات في عمل آنية الذهب والفضة والنحاس وفي رندجة الحجارة ونظمها وكمالها وفي تجارة الخشب ليعمل كل عمل وقد ضممت إليه آلْيهبَ بن اخسَمَخ من سبط دان وأحللت الحكمة والفهم في قلوب ذوي الحكمة والعقل ليعملوا جميع ما أمرتك به من عمل قبة الأمد وتابوت الشهادة والتطهير الذي فوقها وجميع متاع قبة المائدة وجميع متاعها والمنارة وجميع آنيتها ومذبح البخور ومذبح القرابين وجميع آنيتهما والسطل وأسفله ولباس النضائد ولباس القدس لهارون الكاهن يعني الإمام وكسوة بنيه ليكهنوا ودهن المسح وبخور الطيب للقدس فليعملوا جميع ما أمرتك به - إلى أن قال: ودفع إلى موسى: لما فرغ من كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة لوحي حجارة مكتوب عليهما بيد الله، فرأى الشعب أن موسى قد أبطأ عن النزول من الجبل فاجتمع الشعب يعني وقالوا: نتخذ لنا آلهة تسير أمامنا، لأن الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض مصر لا علم لنا ما صار من أمره - فذكر اتخاذهم العجل وأنهم ذبحوا له الذبائح وجلسوا يأكلون ويشربون وقاموا يلعبون ويتسافهون وأن هارون عليه السلام ذُعر من ذلك وفزع. وإنما لم أسُق نص التوراة عن هذا بلفظه لأن في أول عبارته ما رأيته غضاً بالنسبة إلى مقام هارون عليه السلام وحاشاه مما يوهم نقصاً فجوزت أن يكون مما بدلوه ثم تأملت ما رواه النسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون فوجدته ليس بعيداً من تأويله وقد ذكرت محل الحاجة منه في سورة طه والله الموفق؛ ثم قال فقال الرب لموسى: اهبط من ههنا لأن شعبك الذين أخرجتهم من أرض مصر أفسدوا سيرتهم وصدوا وشيكاً عن الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه فاتخذوا لهم عجلاً مفترغاً وسجدوا له بين يديه وذبحوا له الذبائح وقالوا: هذا إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من أرض مصر، وقال الرب لموسى: إني قد رأيت هذا الشعب قاسية قلوبهم فدعني الآن فيشتد غضبي عليهم فأقتلهم وأبيدهم وأصيرك إلى شعب عظيم، فصلى موسى بين يدي الإله وقال: كلا يا رب! لا يشتد غضبك على شعبك الذين أخرجتم من مصر بقوتك المنيعة وبذراعك العلية الرفيعة ولا يقول أهل مصر: إنك إنما أخرجتهم لهلاكهم لتقتلهم بين الجبال وتستأصل شأفتهم وتبيد خضراءهم عن جديد الأرض يا رب ليسكن غضبك ورجزك واغفر ذنب شعبك اذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب عبيدك والأيمان التي أقسمت بها لهم وقلت: إني مكثر نسلكم مثل نجوم السماء وجميع الأرض التي وعدت بها نسلهم أن تعطيهموها فيرثوها إلى الأبد؛ فعفا الرب عن شعبه ولم ينزل بهم الشر، فنزل موسى وهبط من الجبل ولَوحا الشهادة في يده لَوْحان كتب عليهما في الوجهين جميعاً واللوحان من عمل الله جل ثناؤه وخط الله مكتوب عليهما، فلما دنا من العسكر نظر العجل والصنوج فاشتد غضب موسى فرمى باللوحين منْ يده فكسرهما في سفح الجبل، ثم أخذ العجل الذي اتخذوه فأحرقه بالنار وسحله بالمبرد حتى صيره مثل التراب ونثر سحالته على وجه الماء، فوقف موسى على الباب قبة الزمان وقال: من كان من حزب الله فليقل إليّ، فانحاز إليه بنو لاوى بأجمعهم فقال لهم موسى: هكذا يقول الرب إله إسرائيل ليتقلد المرء منكم سيفه وجوزوا من باب إلى باب وجولوا العسكر وليقتل المرء منكم أخاه وصاحبه وقرابته، فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى، فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو من ثلاثة آلاف رجل فقال لهم موسى: كفوا أيديكم يومكم هذا من الحمية للرب لتحل عليكم البركة يومنا هذا، فلما كان الغد من ذلك اليوم قال موسى للشعب: أنتم خطئتم وارتكبتم هذه الخطيئة العظيمة! فأما الآن فإني أصعد إلى الرب لعله أن يغفر لكم ذنوبكم وإثمكم، فرجع موسى إلى الرب وقال: أطلب إليك بالتضرع اللهم ربي حقاً لقد أخطأ هذا الشعب وارتكب إثماً عظيماً واتخذوا آلهة من ذهب، فالآن إن أنت غفرت خطاياهم وإلا فامحني من سفرك الذي كتبت، فقال الرب: أنا أمحو من سفري من أخطأ وأذنب، فأما الآن فانطلق بهذا الشعب إلى الموضع الذي أقول لك وهذا ملاكي ينطلق أمامك إلى الأرض التي تغل السمن والعسل، لأني لا أصعد معكم؛ لأنهم شعب قاسية رقابهم ولعل غضبي أن يشتد عليهم فأقتلهم في الطريق، فسمع الشعب هذا القول الفظيع فحزنوا، فلم يتسلح المرء منهم بسلاحه، فأخذ موسى خيمته فنصبها خارجاً من العسكر وأبعدها من المحلة وسماها قبة الزمان، وكان من سأل الرب أمراً يخرج إلى قبة الزمان، وكان إذا خرج موسى إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته ينظرون إلى موسى من خلفه حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل موسى إلى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة ويكلم موسى، وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفاً على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته، وكلم الرب موسى مواجهة كما يكلم المرء أخاه وصاحبه، وكان يرجع إلى العسكر وكان خادمه يشوع بن نون الغلام لم يكن يفارق القبة، وقال موسى للرب: أنت يا رب أمرتني أن أصعد بهذا الشعب ولم تطلعني على من ترسل معي وقلت: إني قد أطلعتك على جميع خلائقي ومجدي وظفرت أيضاً مني برحمة ورأفة، فالآن إن كنت قد ظفرت منك برحمة ورأفة فأرني طريقك حتى أعرفك، فقال الرب لموسى: سر أمامي فأواعدك وأريحك، فقال له: إن أنت لم تصعد بيننا فلا تصعدنا من ههنا، فبماذا يعرف أني قد ظفرت منك برحمة ورأقة أنا وشعبك إلا إذا سرت بيننا فنكون أنا وشعبك منفصلين معروفين من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض، فقال الرب لموسى: إني فاعل ما سألت، لأنك ظفرت مني برحمة ورأقة، وأصير اسمك معروفاً شهيراً إلى الأبد، فقال له: أرني مجدك، فقال: أنا أجيز جميع مجدي وكرامتي بين يديك ويذكر اسم الرب أمامك وأتحنن على من أردت التحنن عليه وأرحم من أردت أرحم، وقال: إنك لا تقدر على النظر إلى وجهي، لأنه لا يراني بشري فيحيا، وقال الرب لموسى: انقر لوحي حجارة مثل اللوحين الأولين اللذين كسرتهما وكن مستعداً بالغداة واصعد باكراً إلى الجبل جبل سيناء وقف هنالك على رأس الجبل، ولا يصعدن أحد معك، ولا يرى أحد في جميع الجبل، ولا ترتعي الغنم والبقر قبالة ذلك الجبل، فنقر موسى لوحين آخرين من حجارة مثل الأولين وغداً باكراً فصعد إلى طور سيناء كما أمره الرب وأخذ اللوحين في يده فنزل استعلان الرب أمامه، فقال موسى: يا رب! اللهم ربي الرؤوف الرحيم الطويل الأناة والمهل الكبير نعمته وقسطه حافظ النعمة والعدل إلى ألف حقب وتغفر الذنوب والإثم والخطايا، فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجداً وقال: إن ظفرت يا رب منك برحمة ورأفة فليسلك الرب الآن بيننا. لأن هذا الشعب هو شعب قاسية رقابهم، واغفر ذنوبنا وخطايانا وخبث نياتنا؛ فقال له: ها أنا ذا أعهد عهداً أمام جميع الشعب وأظهر عجائب لم أظهر مثلها في الأرض كلها وفي جميع الشعوب فيرى ذلك جميع هذا الشعب الذي أنت فيه فعل الرب الذي أمرك به أنه مخوف مرهوب، احتفظ بما آمرك به في هذا اليوم، ها أنا ذا أقبل وأبيد من بين يديك من الكنعانيين - وسمى من تقدم، وكرر النهي عن السجود لغيره سبحانه، وأوصى بأشياء منها الفطير فقال: واحتفظ بعيد الفطير سبعة أيام كما أمرتك في أوان شهر الفقاج - وفي نسخة: الفريك - لأنك إنما خرجت من مصر في شهر الفقاج، ثم قال: فمكث هناك عند الرب أربعين يوماً ولياليها لم يأكل طعاماً ولم يشرب شراباً، وكتب الله على لوحي الحجارة كلام العهد وهو العشر الآيات، فلما هبط موسى من جبل سيناء كان لوحا الشهادة في يده ولم يعلم موسى أن بشرة وجهه قد جللت بالبهاء إذ كلمه الله فنظر هارون وجميع بني إسرائيل إلى وجه موسى ففزعوا أن يقتربوا إليه، فدعاهم فأتاه هارون وجميع عظماء الجماعة وكلمهم موسى، فلما فرغ من كلامه لهم بسط على وجهه جلباباً وكان إذا دخل إلى الرب ليكلمه يسفر عن وجهه حتى يخرج، وكان يخرج فيأمر بني إسرائيل بما يؤمر به، وقال لهم: إن الرب أمر أن تعمل عملك ستة أيام واليوم السابع يكون مخصوصاً مقدساً، السبت يوم راحة قدس الرب، ومن عمل فيه عملاً فليقتل، ولا تشعلوا النار في جميع مساكنكم يوم السبت، ثم أمرهم تعالى بالزكاة من الذهب والفضة والنحاس والقز والجلود وغير ذلك وبأشياء يزيدونها في قبة الزمان في أكثر من عشر ورقات، وقال في آخر ذلك: وقال الرب لموسى: أنصب قبة الزمان في أول يوم من الشهر الأول؛ وصير تابوت الشهادة هنالك، وأسبل الجلال على التابوت - إلى أن قال: وادن بهارون وبنيه إلى باب قبة الأمد واغسلهم بالماء، والبس هارون لباس القدس وامسحه فليكهن لي، وادن بنيه وألبسهم السراويل وامسحهم كما مسحت هارون أخاك فليكهنوا لي، وليكن لهم مسحهم للكهنوت إلى الأبد لأحقابهم، فصنع موسى كما أمره الله، فلما كان أول يوم من الشهر الأول من السنة الثانية نصب القبة يوم الأحد وضرب أوتادها وركب ألواحها وزرفن عوابرها وركز أعمدتها وستر الستر على القبة وجللها من فوقها كما أمر الرب، وتناول الشهادة فوضعها في التابوت، وصير الدهوق في التابوت، ووضع التطهير على التابوت من فوق، وأدخل التابوت إلى القبة، وأخذ حجاب وجه الباب فجلل تابوت الشهادة كما أمر الرب، ونصب المنارة عند حافات القبة مما يلي مهب الشمال خارجاً من الحجاب، ونضّد عليها صفوف الخبز بين يدي الرب كما أمر الرب موسى، ونصب المنارة إزاء المائدة في حافات القبة مما يلي مهب الجنوب، ودلوا مصابيحها قدام الرب كما أمر الرب موسى، ونصب مذبح الذهب في قبة الزمان خارجاً من الحجاب، وبخر عليه بخور الطيب كما أمر الرب، وأسبل الستر على باب القبة، ونصب مذبح القرابين على الباب، وقرب عليه القرابين كما أمر الرب، ووضع السطل بين قبة الزمان والمذبح وسكب عليه ماء الغسل، وكان هارون وبنوه يغسلون أيديهم وأقدامهم إذا أرادوا الدخول إلى قبة الزمان، وكانوا إذا دنوا من المذبح يغسلون أيضاً كما أمر الرب موسى، ونصب داراً تحيط بالقبة والمذبح، وأسبل الستر على باب الدار، وكمل موسى عملها؛ وتغشت السحابة قبة الزمان وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته، ولم يقدر موسى على الدخول إلى قبة الزمان، لأن السحاب حلت عليها. وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته. فكان إذا ارتفع السحاب عن القبة كان بنو إسرائيل يظعنون في جميع مظاعنهم، وإن لم ترتفع الغمامة لم يظعنوا إلي اليوم الذي ترتفع فيه، لأن سحاب الرب كان يغشى القبة بالنهار وكانت النار تضيء عليها بالليل وتزهر وتنير أمام جميع بني إسرائيل في جميع مظاعنهم. وقال في أول السفر الرابع: أمر الله بإحصاء بني إسرائيل فكانوا من أبناء عشرين سنة إلى ما فوقها، من خرج منهم للحرب في الأجناد ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين دون سبط لاوى، فإنهم لحفظ قبة الزمان وخدمتها، وتكون منازلهم حولها محدقة بها، وهم من ابن شهر إلى ما فوقه اثنان وعشرون ألفاً، ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: إذا أتى على الرجل من اللاويين خمسة وعشرون سنة يتقوى على أن يعمل العمل في قبة الزمان، فإذا أتت عليه خمسون سنة يخرج من العمل ولا يعمل عملاً في قبة الآمد، وكان ينزل بنو إسرائيل حول بني لاوى بإنزال الله تعالى لهم، كلّ له محل من القبة على الاستدارة، وكان ينزل من مشارقها موسى وهارون وبنوه ليحفظوا حفاظ القدس والقرابين على بني إسرائيل ومن دنا من قبة الزمان وأعمالها من الغرباء يؤمر بقتله، فقد علم من هذا ومما قبله من أن كلاًّ يصلي على باب خيمته أن قبلتهم وهم في التيه قبة الزمان، وفي اليوم الذي نصب فيه الخباء أي في قبة الزمان تغشت سحابة من عند الرب قبة الزمان وحجاب باب الشهادة وكانوا يرون في الخباء عند المساء ناراً تتوقد إلى الصباح، كذلك كان يكون في الخباء دائماً وكانت تغشاه سحابة بالنهار وتُرى فيه نار بالليل، فإذا ارتفعت السحابة عن القبة ارتحل بنو إسرائيل من مواضعهم وحيث ما نزلت السحابة هناك كان ينزل بنو إسرائيل، وإنما كان ارتحال بني إسرائيل عن قول الرب وبأمره، فربما مكثت السحابة على القبة من المساء حتى الصباح وترتفع بعد الصبح فيرتحلون، وربما مكثت الليل والنهار وربما مكثت أياماً وأشهراً وربما مكثت سنة، وكلم الرب موسى وقال له: اتخذ قرنين من قضة يكونان عند حضور الجماعة وارتحال العسكر يهتف بهما الكهنة، فتحشد إليك جماعة بني إسرائيل أجمعون إلى باب قبة الزمان، وإن نفخ في واحد اجتمع إليك القواد ورؤساء الألوف، ولما كان في السنة الثانية في عشر خلون من الشهر الثاني ارتفعت السحابة عن قبة الشهادة، وارتحل بنو إسرائيل من برية سيناء. ونزلت السحابة في قفر فاران، ثم قال: وارتحلوا من عند جبل الرب مسيرة ثلاثة أيام، فأما تابوت عهد الرب فظعن قبلهم مسيرة يوم ليهيء منزلاً، وكانت تظلهم سحابة من قبل الرب إذا ارتحلوا لئلا تؤذيهم حرارة الشمس، فلما ارتحل حاملوا التابوت قال موسى: انهض إلينا يا رب لينكسر شانئك ويبيد أعداؤك من بين يديك، وإذا نزل حملة التابوت قال: أقبل يا رب إليّ ألوف بني إسرائيل، فتذمر الشعب وساء الرب ذلك وغضب وسمع توشوشهم فاشتد غضبه عليهم واشتعلت فيهم نار من قبل الرب، فأحرقت الذي في أطراف العسكر وحوله، وضج الشعب على موسى فصلى موسى أمام الرب وخمدت النار، ودعا اسم ذلك الموضع الاحتراق، لأن نار الرب اشتعلت فيهم وأحرقتهم هناك، واشتهى الخلط الذين كانوا فيهم من الشعوب شهوة وأقبلوا على بني إسرائيل وقالوا: ليت أنا وجدنا من يطعمنا لحماً! ذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر وأكلنا القثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم والآن أنفسنا قرمة - أي يابسة - لا تقدر على شيء نأكله ما خلا هذا المن الذي قدام أعيننا، وسمع موسى الشعب يبكون في قبائلهم، كل إنسان على باب خيمته، واشتد غضب الرب، وشق ذلك على موسى أيضاً، ثم قال من أين أقدر أعطي هذه الأمة كلها لحماً؟ إنها تبكي عليّ وتقول: أعطنا لحماً، لست أقدر أحتمل هذه الأمة كلها وحدي، لأنها أقوى مني، إن كان فعلك هذا بي فاقتلني قتلاً إن وافيت منك رحمة ولا أعاين شراً ولا أرى سوء. فقال الرب لموسى: اجمع سبعين شيخاً من أشياخ بني إسرائيل الذين تعلم أنهم رؤساء الشعب وكتّابه وانطلق بهم إلى قبّة الزمان فإني أنزل إليك وأكلمك هناك وأنقص من عطية الروح التي عليك وأصيره عليهم ليحملوا أثقل هذا الشعب ولا يتركوك وحدك، ثم قال موسى للشعب: تهيؤوا غداً لتأكلوا لحماً، لأنكم بكيتم أمام الرب وقلتم: ليت من يطعمنا لحماً! وإن الموت بأرض مصر خير لنا، فسيعطيكم الرب لحماً وليس إنما تأكلون منه يوماً أو يومين بل تأكلون منه شهراً حتى يخرج من أنوفكم وتصيبكم منه تخمة، وجمع سبعين شيخاً من مشايخ الشعب وأقامهم حول الخباء، ونزل الرب سبحانه وكلمه وأخذ من الروح الذي عليه وصيره على السبعين، ودخل موسى العسكر هو وأشياخ بني إسرائيل، وهبت ريح من قبل الرب وأصعدت السلوى من البحور وألقته على العسكر ومسيرة يوم يمنة ويسرة حول العسكر وكان مرتفعاً من الأرض نحو ذراعين، وجمعوا ونشروا حول العسكر ليكون لهم قديداً، فبينا اللحم بين أسنانهم قبل أن ينقلع اشتد غضب الرب عليهم وضرب الشعب ضربة عظيمة جداً ودعا اسم ذلك الموضع قبور الشهوة، وارتحل الشعب من قبور الشهوة فأتوا حصروث ونزلوها، وذكر أنهم مكثوا هنالك سبعة أيام ثم قال: ثم ارتحل الشعب من حصروث ونزلوا مفازة فاران وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوماً يُحسبون الأرض التي أعطى بني إسرائيل - فذكر إرسال النقباء الاثني عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المائدة ثم قال: ورجعوا إلى موسى بعد أربعين يوماً، فأتوا موسى وهارون وجماعة بني إسرائيل إلى برية فاران إلى رقيم - انتهى شرح ما أشير إليه في هذه السورة من قصص بني إسرائيل من التوراة. ولما بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى عليه السلام كما مر ويأتي عن نصوص التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفراً في قلوبهم فمردوا على العصيان والتجرّؤ على مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب، وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم، وإعلام بأن المتقين المستجاب لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل قالوا: اهدنا، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل نبه على أن من عمل ضد عملهم فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ربهم فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد الذلة والمسكنة فقال تعالى {إن الذين آمنوا} أو يقال إنه سبحانه لما علّل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل: فما لمن أطاع؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم، أو يقال إنّه لما أخبر تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة وكان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا وكانت عادته سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعداً أو عيداً عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاماً، اعلموا أن باب التوبة مفتوح والرب كريم على وجه عام. وقال الحرالي: لما أنهى الحق تعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضاً في مقابلة ذلك الإقبال الأول وكانوا هم أول أهل كتاب أشعر تعالى بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعاً لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - انتهى. فقيل {إن الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بما دعا إليهم محمد صلى الله عليه وسلم {والذين هادوا} أي ادعوا أنهم على دين موسى عليه السلام. قال الحرالي: وهو من الهود وهو رجوع بالباطن وثبات فيه - انتهى. وقال أبو عمر وابن العلاء لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات والأرض تحركتا حين آتى الله عزّ وجلّ التوراة لموسى عليه السلام {والنصارى} المدعين أنهم تبعوا المسيح عليه السلام. قال الحرالي: جمع نصران فإن كان من النصرة فهو فعلان. ولما كانت هذه السورة في استعطاف بني إسرائيل ترغيباً وترهيباً قرن هنا بين فريقيهم، ولما كانت ملة الصابئة جامعة لما تفرق من أصول أديان أهل الشرك تلاهم بهم مريداً كل مشرك فقال {والصابئين} المنكرين للرسالة في الصورة البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب، قال الحرالي: بالهمز من صبأ يصبأ صبأ وبغير همز من صبا يصبوا صبواً، تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام معنى هو عود إلى حال صغر بعد كبر - انتهى. {من آمن} أي منهم بدوامه على الإيمان إن كان آمن قبل ذلك، ودخوله في الإيمان إن كان كافراً فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز {بالله} أي لذاته {واليوم الآخر} الذي الإيمان به متضمن للإيمان بجميع الصفات من العلم والقدرة وغيرهما وحاثّ على كل خير وصادّ عن كل ضير {وعمل صالحاً} أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه في الأعمال الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح. قال الحرالي: وهو العمل المراعى من الخلل، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: والعمل ما دبر بالعلم - انتهى. ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل واحد بما له والجمع أدل على إرادة العموم وأقطع للتعنت أفرد أولاً وجمع هنا فقال {فلهم أجرهم} الذي وعدوه على تلك الأعمال المشروطة بالإيمان، وهو في الأصل جعل العامل على عمله، كائناً "عند ربهم" فهو محفوظ لا يخشى عليه نسيان ولا يتوجه إليه تلف {ولا خوف عليهم} من آتٍ يستعلي عليهم من جميع الجهات {ولا هم يحزنون *} على شيء فات بل هم في أعظم السرور بما لهم من العز والجدة ضد ما للمعتدين من الذل والمسكنة، وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن عداهم، وربما أمروا بقتل النساء أيضاً، فربما ظنّ من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل. قال في التوراة في قصة مدين: وقتلوا كل ذكر فيها، ثم قال: وغضب موسى فقال لهم: لماذا أبقيتم على الإناث؟ وهن كنّ عشرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - يعني بما أفضى إلى الزنا، ثم قال: وقال الرب لموسى: كلّم بني إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما لعل بعضه أصرح منه وقد ذكر منه في سورة المائدة، وفي وضعها أيضاً في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم: { أية : ليس علينا في الأميين سبيل } تفسير : [آل عمران: 75] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو الإيمان والاستقامة وذلك موجود في نص التوراة في غير موضع، وفيها تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة، وسيأتي بعض ذلك عند قوله: { أية : لا تعبدون إلاّ الله } تفسير : [البقرة: 83] الآية، بل وفيها ما يقتضي المنع من مال المخالف في الدين فإنه قال في وسط السفر الثاني: وإذا لقيت ثور عدوك أو حماره وعليه حمولة فارددها إليه، وإذا رأيت حمار عدوك جاثماً تحت حمله فهممت أن لا توازره فوازره وساعده، ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فإنه لما ذكر تعالى للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم أمره ترغيباً بإبهامه ونسبته إلى حضرة الرب المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن تلاه بأنهم لم يؤمنوا بعد رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور وعلموا أنه دافنهم إن عصوا، فكان قبوله من أعظم النعم عليهم، لأن حقه الرد، لأنه كالإيمان عند رؤية البأس لا إيمان بالغيب، ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة الشريفة إلى حضرات الشيطان فأكرموا المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس أكباداً وأكثرهم جرأة وعناداً لا يرعوون لرهبة ولا يثبتون لرغبة فقال تعالى {وإذ} وأخصر من هذا أن يقال إنه لما قرر سبحانه قوله للعالم العامل المذعن كائناً من كان تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة للعلم وما له سبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه فقال وإذ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ {أخذنا} بما لنا من العظمة {ميثاقكم} بالسمع والطاعة من الوثيقة وهي تثنية العهد تأكيداً كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي. {ورفعنا} ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة عاماً لهم بحيث إنه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان نزع الجار فقال {وفوقكم الطور} ترهيباً لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، وقلنا لكم وهو مظل فوقكم {وخذوا ما آتيناكم} من الكتاب للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة للكون في حضرتي "بقوة" أي بجد واجتهاد، والقوة باطن القدرة، من القوى وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي. {واذكروا ما فيه} من التمسك به وللانتقال عنه عند مجيء الناسخ المنعوت فيه ذكراً يكون بالقلب فكراً وباللسان ذكراً {لعلكم تتقون *} أي لتكونوا على رجاء من أن تتقوا موجبات السخط. ولما كان التقدير: فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد به خوفاً من أن يدفنكم بالجبل عطف عليه وأشار إلى أنه من حقه البعد عن تركه بأداة البعد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وإذ استسقى موسى لقومه...} الآية. قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وإذ استسقى موسى لقومه...} الآية. قال: كان هذا في البرية حيث خشوا الظمأ استسقى موسى فأمر بحجر أن يضربه، وكان حجرا طورانياً من الطور يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم} قال: لكل سبط منهم عين معلومة يستفيد ماءها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: انفجر لهم الحجر بضربة موسى اثنتي عشرة عينا، كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر أنه سئل في قوله {قد علم كل أناس مشربهم} قال: كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً، فينتضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا تعثوا في الأرض} قال: لا تسعوا. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} قال: لا تسعوا في الأرض فساداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {ولا تعثوا} قال: يعني ولا تمشوا بالمعاصي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} قال: لا تسيروا في الأرض مفسدين. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: استسقى موسى لقومه فقال: اشربوا يا حمير: فقال الله تعالى له: لا تسمّ عبادي حميراً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [الآية: 60]. قيل: فيه مشرب كل أحد حيث أنزله رائده، فمن كان رائده نفسه فمشربه الدنيا، ومن كان رائده قلبه فمشربه الآخرة، ومن كان رائده سره فمشربه الجنة، ومن كان رائده روحه فمشربه السلسبيل، ومن كان رائده ربه فمشربه فى الحضرة على المشاهدة حيث يقول: { أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } تفسير : [الإنسان: 21] به عن كل ما سواه.
القشيري
تفسير : إن الذي قدر على إخراج الماء من الصخرة الصمَّاء كان قادراً على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه، وإيصال محل الاستغاثة إليه، وليكون على موسى عليه السلام - أيضاً في نقل الحجر - مع نفسه شغل، ولتكليفه أن يضرب بالعصا مقاساةُ نوعٍ من معالجةِ ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه. ثم أراد الحق سبحانه أن يكون كل قوم جارياً على سُنَّةٍ، ملازماً لحَدّه، غير مُزَاحِمٍ لصاحبه فأفرد لكل سبطة علامةً يعرفون بها مشربهم، فهؤلاء لا يَرِدُون مشرب الآخرين، والآخرون لا يَرِدُون مشرب الأولين. وحين كفاهم ما طلبوا أمرَهُم بالشكر، وحِفْظِ الأمرِ، وتَرْكِ اختيار الوِزر، فقال: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. والمناهل مختلفة، والمشارب متفاوتة، وكلٌّ يَرِدَ مَشْرَبه فمشربٌ عَذْبٌ فُرات، ومشربٌ مِلْح أُجاج، ومشربٌ صافِ زلال، ومشرب رتق أوشال. وسائقُ كلِّ قوم يقودهم، ورائد كُلِّ طائفة يسوقهم؛ فالنفوس تَرِدُ مناهل المنى والشهوات، والقلوب ترد مشارب التقوى والطاعات، والأرواح ترد مناهل الكشف والمشاهدات، والأسرار ترد مناهل الحقائق بالاختطاف عن الكون والمرسومات، ثم عن الإحساس والصفات ثم بالاستهلاك في حقيقة الوجود والذات.
البقلي
تفسير : {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} الارواح الخاصة مشارب العارف في بحار الذات والصفات يعرف كلّ واحدٍ منها مَوْرِدَها من الحق سبحانه وتعالى ومشربها بالتفاوت فبعضها في مقام الحيرة وبعضُها في مقام امنة وبعضها في مقام الوصلة وبعضها في مقام الفناء وبعضها في مقام البقاء وبعضها في مقام الجلال والجمال وبعضها في صرف الجبروت وبعهضا في عالم الملكوت وبعضها في مشاهدة القدس وبعضها في رياض الانس على حد مقامتها وتفاوتِ سَيْرِها وقيل فيه شرب كل احدٍ حيث انزله رائده فمن كان رائده نفسه فمشربه الدنيا ومن كان رائده قلبه فمشربه الاخرة ومن كان رائده لا سِرَّه فمشربه في الخضرة على المشاهدة حيث يقول وَسَقهم ربُّهم شراباً طهوراً طهّرهم به عَنْ كل ما سِوَاه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ استسقى موسى لقومه} نعمة اخرى كفروها اى اذكروا ايضا يا بنى اسرائيل اذ سأل موسى السقيا {لقومه} لاجل قومه وكان ذلك فى التيه حين استولى عليهم العطش الشديد فاستغاثوا بموسى فدعا ربه ان يسقيهم {فقلنا} له بالوحى ان {اضرب بعصاك} وكانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع على طور موسى ولها شعبتان تتقدان فى الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثها الانبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى {الحجر} اللام اما للعهد والاشارة الى معلوم فقد روى انه كان حجرا طوريا حمله معه وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل له اربعة اوجه فى كل وجه ثلاث اعين او هو الحجر الذى فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى مما رموه به من الادرة فاشار اليه جبريل ان ارفعه فان لله فيه قدرة ولك فيه معجزة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كان بنوا اسرائيل ينظر بعضهم الى سوءة بعض وكان موسى يغتسل وحده فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فجمع موسى باثره يقول ثوبى يا حجر حتى نظرت بنو اسرائيل الى سوءة موسى فقالوا والله ما بموسى ادرة ". تفسير : وهى بالضم نفخة بالخصية واما للجنس اى اضرب الشىء الذى يقال له الحجر وهو الاظهر فى الحجة اى ابين على القدرة فان اخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر اى حجر كان ادل على ثبوت نبوة موسى عليه السلام من اخراجه من حجر معهود معين لاحتمال ان يذهب الوهم الى تلك الخاصية فى ذلك الحجر المعين كخاصية جذب الحديد فى حجر المغناطيس {فانفجرت} اى فضرب فالفاء متعلقة بمحذوف والانفجار الانسكاب والانبجاس الترشح والرش فالرش اول ثم الانسكاب {منه} اى من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عينا} ماء عذبا على عدد الاسباط لكل سبط عين وكان يضربه بعصاه اذا نزل فيتفجر ويضربه اذا ارتحل فييبس {قد علم كل اناس} اي كل سبط من الاسباط الاثنى عشر {مشربهم} اى عينهم الخاصة بهم او موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره فى شربه والمشرب المصدر والمكان والحكمة فى ذلك ان الاسباط كانت بينهم عصبية ومباهاة وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر وكل سبط اراد تكثير نفسه فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة ليستقوا منها ويسقوا دوابهم لكيلا يقع بينهم جدال ومخاصمة وكان ينبع من كل وجه من الحجر ثلاث اعين تسيل كل عين فى جدول الى سبط وكانوا ستمائة الف وسعة المعسكر اثنى عشر ميلا ثم ان الله تعالى قد كان قادرا على تفجير الماء وفلق البحر من غير ضرب لكن اراد ان يربط المسببات بالاسباب حكمة منه للعباد فى وصولهم الى المراد وليترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم فى المعاد ومن انكر امثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره فى عجائب صنعه فانه لما امكن ان يكون من الاحجار ما يحلق الشعر ويمقر الخل ويجذب الحديد لم يمتنع ان يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الارض او لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك. قال القرطبى فى تفسيره ما ورد من انفجار الماء ونبعه من يد نبينا صلى الله عليه وسلم وبين اصابعه اعظم فى المعجزة فانا نشاهد الماء يتفجر من الاحجار آناء الليل واطراف النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبى قبل اذ لم يخرج الماء من لحم ودم {كلوا} علىارادة القول اى قلنا لهم او قيل لهم كلوا {واشربوا من رزق الله} هو ما رزقهم من المن والسلوى والماء فالاكل يتعلق بالاولين والشرب بالثالث وانما لم يقل من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى فقلنا ايذنا بان الامر بالاكل والشرب لم يكن بطريق الخطاب بل بواسطة موسى عليه السلام {ولا تعثوا فى الارض} العثى اشد الفساد فقيل لهم لا تتمادوا فى الفساد حال كونهم {مفسدين} فالمراد بهذه الحال تعريفهم بانهم على الفساد لا تقييد العامل والا لكان مفهومه مفيدا معنى تمادوا فى الفساد فيكون التقييد للعامل بالخاص. ودلت الآية على فضيلة امة محمد صلى الله عليه وسلم فان بنى اسرائيل احتاجوا الى الماء فرجعوا الى موسى ليسأل واحتاجوا الى البقل والقثاء وسائر المأكولات ففعلوا ذلك وهذه الامة اطلق لهم ان يسألوا الله كلما احتاجوه قال تعالى {أية : وسئلوا الله من فضله} تفسير : [النساء: 32]. وقال {أية : أدعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60]. وفيها بشارة عظيمة وسأل موسى ربه الماء لقومه بقولهم وسأل عيسى ربه المائدة بقولهم وسأل نبينا عليه الصلاة والسلام المغفرة لنا بامر الله تعالى قال {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين} تفسير : [محمد: 19]. فلما اجاب الله لهما فيما سألاه بطلب القوم فلأن يجيب نبينا فيما سأله بامره اولى. وافادت الآية ايضا اباحة الخروج الى الاستسقاء وهو انما يكون اذا دام انقطاع المطر مع الحاجة اليه فالحكم حينئذ اظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة وقد استسقى نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فخرج الى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا. وروى عن جندبة ان اعرابيا دخل عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وقال يا رسول الله هلكت الكراع والمواشى واجدبت الارض فادع الله ان يسقينا فرفع يديه ودعا قال انس رضى الله عنه والسماء كانها زجاجة ليس بها قزعة فنشأت سحابة ومطرت الى الجمعة القابلة: قال فى المثنوى شعر : تافرود آيد بلا بى دافعى جون نباشد ازتضرع شافعى تاسقاهم ربهم آيد خطاب تشنه باش الله اعلم بالصواب تفسير : وعدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه كما قال الشيخ المحقق ابن الفارض قدس سره شعر : ويحسن اظهار التجلد للعدى ويقبح غير العجز عند الاحبة تفسير : وفي الحديث "حديث : لن تخلوا الارض من اربعين رجلا مثل خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام فبهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم احد الا ابدل الله مكانه آخر". شعر : كرندارى تودم خوش دردعا رودعا ميخواه ازاخوان صفا تفسير : وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال "حديث : ما عام بامطر من عام ولكنه اذا عمل قوم بالمعاصى حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى ". تفسير : قال الشيخ الشهير بافتاده ترقى الطالب برعاية السنن وذكر انه استسقى الناس مرارا فى زمن الحجاج فلم ينزل لهم قطرة فقيل لهم لودعا شخص لم يترك سنة العصر وسنة الاولى من العشاء لحصل المقصود والا لا يحصل وان دعوتم اربعين مرة فتفقدوا فلم يجدوا شخصا على الصفة المذكورة فرجع الحجاج الى نفسه فوجدها على ما ذكر فدعا فنزل مطر عظيم فى هذا الحين وحصل المقصود وهذا ببركة رعاية سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع انه مشهور بالظلم ولا بد فى الاستسقاء من تقديم التوبة والصدقة والصوم وان يجعل صلحاء الناس وسيلة وشفيعا فى ذلك ويستسقى للدواب العطاش والانعام السائمة والاطفال الضعيفة فلعلهم يسقون ببركتها وليكن الداعى ربه على يقين الاجابة لان رد الدعاء اما لعجز فى اجابته او لعدم كرم فى المدعو او لعدم علم المدعو بدعاء الداعى وهذه الاشياء منتفية عن الله تعالى فانه كريم عالم قادر لا مانع له من الاجابة وهو اقرب الى المؤمنين منهم يسمع دعاءهم ويقبل تضرعهم والدعاء مهما كان اعم كان الى الاجابة اقرب فانه لا بد ان يكون فى المسلمين من يستحق الاجابة فاذا اجاب الله دعاء البعض فهوا كرم من ان يرد الباقى وفى الحديث "حديث : ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها" قالوا يا رسول الله ومن لنا بتلك الالسنة قال "يدعو بعضكم لبعض لانك ماعصيت بلسانه وهو ماعصى بلسانك ". تفسير : وفى تفسير الفاتحة للفنارى ان استقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه اذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه اذ ذاك. روى ان فرعون قبل دعوى الآلهية امر ان يكتب على باب داره بسم الله فلما لم يؤمن بموسى قال آلهى انى ادعوه ولا ارى فيه خيرا قال لعلك تريد اهلاكه انت تنظر الى كفره وانا الى ما كتبه على بابه فمن كتبه على سويداء قلبه ستين سنة اولى بالرحمة فاذا كان حال من كتبه على باب داره هكذا فكيف حال من نقشه على باب قلبه يستجاب دعاؤه لا محالة واول شرائط الاجابة اصلاح الباطن باللقمة الطيبة وآخرها الاخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى. والاشارة فى تحقيق الآية ان الروح الانسانى وصفاته فى عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقى ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا اله الا الله ولها شعبتان من النفى والاثبات تتقدان نورا عند الاستيلاء ظلمات صفات النفس وقد حملت من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذى كالحجارة او اشد قسوة فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة لان كلمة لا اله الا الله اثنا عشر حرفا من كل حرف عين قد علم كل سبط من اسباط الصفات الانسانية وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس ولكل واحد منهم مشرب من عين حرف من حروف الكلمة قد علم مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمشرب عذب فرات ومشرب ملح اجاج فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات والقلوب تشرب من مشارب التقى والطاعات والارواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات والاسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلى الصفات عن ساقى وسقاهم ربهم شراب الاضمحلال فى حقيقة الذات كلوا واشربوا كل واحد من رزق الله بامره ورضاه ولا تعثوا فى الارض مفسدين بترك الامر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وايثار الآخرة على الاولى واختيارهما على المولى كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {استسقى}: طلب السقي، و"الـ" في {الحجر} للعهد، وهو الحجر الذي فرَّ بثوبه، أو حجر خفيف مربع مثل رأس الرجل، أُمر أن يحمله معه، فكان يضعه في مخلاته، فإذا احتاج الماء ضربه، قيل: كان من رخام، وقيل: كان كذَّان، كان فيه اثنتا عشرة حفرة، تنبع من كل حفرة عين ماء عذب، على عدد الأسباط، فإذا أراد حمله ضربه فجفّ الماء منه، وقيل: للجنس، فكان يضرب أيَّ حجر وجد، فتنفجر منه عيوناً، ثم تسير كل عين في جدول إلى سبط، فقالوا: إن أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها عطشنا، فأوحى إليه: أن كلِّمْهُ يَطِعْك لعلهم يعتبرون. و {فَانْفَجَرَتْ} معطوف على محذوف؛ أي: فضرب فانفجرت، والعُثو: أشد الفساد، عَثَا يعثَوا عثواً، وعثى يعثِي عثِياً، وعاث يعيث عيثاً، و {مفسدين}: حال مؤكدة لعاملها، أو مقيدة، إن قلنا: إن العثو أعم من الفساد، لصدقه على القصاص، فإنه عثر غير فساد. انظر البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين عطشتم في التيه، فطلبتم من موسى السقي، فاستسقى لكم، {فقلنا} له: {اضرب بعصاك} التي أخذتها من شعيب عليه السلام، وكانت من آس الجنة، وورثت عن آدم عليه السلام، فيها عشرة أذرع، فضرب {فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} على عدد أسباطكم، فكل عين تجري إلى سبط {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَّشْرَبَهُمْ} مُعَيناً، لا يعدو أحد على أحد، فقلنا لهم: {كُلُوا} من المن والسلوى، {واشربوا} من الماء الذي رزقناكم، ولا تطغوا بالنعم فتفسدا في الأرض بالمعاصي والذنوب، فيكون ذلك كفراً مستوجباً للسلب بعد العطاء، رُوِيَ أنهم كانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الأرواح إذا تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأشرقت عليها الأنوار والأسرار، وكمل تطهيرها، وتمت تصفيتها، كان صاحبها آية من آيات الله، وحجة من حجج الله، إذا ضرب بعصا همته القلوب القاسية أو الأنفس الأبية، لانت وانفجرت بالعلوم القدسية، كل واحد بما يليق به، فمنها من تنبع بالعلوم الوهبية، ومنها من تنبع بالعلوم الرسمية، ومنها من تنبع بالكرامات وخوارق العادات، ومنها من تنبع منها المكاشفات والاطلاعات، قد علم كل أناس مشربهم، على حسب ما سبق لهم، فيقول الحق تعالى لهم: كلوا من ثمرات ما اجتنيتم من العلوم والمعارف التي أوليناكم، واشربوا من مناهل المنازل التي فيها أقمناكم، أو كلوا من ثمرات المعرفة ما تتقوى به معانيكم، واشربوا من خمر الحبيب ما تغيبوا به عن وجودكم، ولا تتعدوا أطواركم من القيام بوظائف العبودية، ومعرفة عظمة الربوبية، فتكونوا لسلب ما أولاكم متعرضين، ولعقوبته مستحقين، عائذاً بالله من السلب بعد العطاء. آمين.
الطوسي
تفسير : قوله: {وإذ} متعلق بكلام محذوف. ويجوز ان يكون ذلك ما تقدم ذكره في الآيات المتقدمة من ضروب نعم الله على بني اسرائيل فكأنه قال: واذكروا إذ استسقى موسى لقومه: أي ساله إن يسقي قومه ماء تقول: سقيته من سقى السقة، واسقيته: دللته على الماء فنزل منزلة سؤال ذلك. والمعنى الذي سال موسى اذا كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى فما نزل. وكذلك قوله {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} من ماء فاستغنى بدلالة الظاهر على المنزول منه، لأن معنى الكلام: قلنا اضرب بعصاك الحجر فضربه فانفجرت منه. فترك ذكر الخبر غير ضرب موسى الحجر اذا كان فيما ذكره دلالة على المراد. وكذلك قوله: {قد علم كل أناس مشربهم} فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه. والانفجار، والانشقاق. والانبجاس أضيق منه فيكون أولا انبجاسا، ثم يصير انفجاراً والعين من الاسماء المشتركة العين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان بخروج الماء منها، كخروج الدمع من عين الحيوان وقد بينا ان اناسا لا واحد له من لفظه فيما مضى وإن الانسان لو جمع على لفظه لقيل اناسين واناسيه وقوم موسى هم بنو اسرائيل الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات. وانما استسقى لهم ربهم الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه شكراً اليه الظما فامروا بحجر طوراني من الطور. فضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين معلومة ماؤها لهم. وروي عن ابن عباس انه قال: ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وروي انه كان مثل شكل الرأس. وامر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاثة عيون، ولا يرتحلون مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم في ذلك المكان الذي كان بينهم في المنزل الاول. وقيل إنهم كانوا ينقلونه معهم في الجوالق اذا احتاجوا إلى الماء. ضربه موسى بالعصى فيه ففجر منه الماء وقال قوم: بانه امر بان يضرب أي حجر شاء لا حجراً بعينه. والاول أظهر لأن فيه لام التعريف. والشين ساكنة في اثنتا عشرة عند جميع القراء. وكان يجوز كسرها في اللغة ولم يقرأ به احد. والكسر لغة ربيعة، وتميم والاسكان: لغة اهل الحجاز واسد فاذا صغرت اثنتا عشرة قلت ثني عشرة واذا صغرت ثنى قلت ثنتي عشرة. وروى فتحها محمد عن الأعمش. وهو غلط إلا إذا قيل عشرة مفرد فانه بفتح الشين. فاما ما زاد على ذلك فالشين ساكنة، أو مكسورة إلا قولهم أحد عشر إذا بنيا معاً. ونصب عيناً على التمييز. وعند الكوفيين على التفسير ولا ينبغي الوقف على احد الاسمين المجعولين اسماً واحداً، دون الآخر: كقولك احد عشر، واثنا عشر، وما اشبه ذلك ولذلك يكره الوقف على العدد الأخير قبل ان يميزه، ويفسره وكذلك قوله: {أية : خير ثواباً وخير مرداً} تفسير : {أية : ملء الأرض ذهباً} تفسير : {أية : عدل ذلك صياماً}تفسير : {أية : خير حافظاً} تفسير : "واحسن ثواباً" واشباه ذلك ومن آيات الله العجيبة انفجار العيون من الحجر الصلد بعدد قبائل اسرائيل على وجه يعرف كل فرقة منهم شرب نفسه، فلا ينازعه فيه غيره. وذلك من الأمور الظاهرة. على أن فاعل ذلك هو الله تعالى وان ذلك لا يتم فيه حيلة محتال ولا كيد كائد. ومن استبعد ذلك من الملحدين فالوجه ان يتشاغل معه في الكلام في اثبات الصانع، وحدوث الصنعة، واثبات صفاته وما يجوز عليه، وما لا يجوز فاذا ثبت ذلك سهل الكلام في ذلك. ومتى شك في ذلك؛ أو في شيء منه، كان الكلام معه في هذا الفرع ضربا من العناء لا وجه للتشاغل به. وقوله ها هنا: {فانفجرت} لا ينافي قوله في الاعراف: {فانبجست} لأن الانبجاس: هو الانفجار إلا أنه قليل وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون أوله ما ينبجس، كان قليلا، ثم صار كثيراً، حتى صار انفجاراً وقوله: {كلوا واشربوا من رزق الله} يعني من النعم التي عددها عليهم من المن والسلوى وغير ذلك وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي لا تطغوا ولا تسعوا في الأرض فسادا. واصل العثا: شدة الفساد. يقال منه: عثا فلان في الارض إلى عاثية يعثأ. والجماعة يعثون. وفيه لغتان أخريتان: احدهما ـ يعثو عثوا. ومن قرأ بهذه اللغة ينبغي أن يضم الثاء، ولم يقرأ به احد. واللغة الاولى: لغة اهل الحجاز. وقال بنو تميم: عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا. بمعنى واحد قال رؤبة بن العجاج: شعر : وعاث فينا مستحل عائث مصدق أو تاجر مقاعث تفسير : يعني بقوله: عاث فينا: افسد فينا. وقيل: يعثو أصله العيث. فقدموا بعض الحروف، واخروا بعضها. يقال: عثا يعثو. وعاث يعيث وهو الفساد. قال ابن اذينة الثقفي: وانما قال: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} وإن كان العيث لا يكون إلا فسادا، لأنه يجوز أن يكون فعلا ظاهره الفساد، وباطنه المصلحة: كخرق موسى السفينة، فبين ذلك العيث الذي هو الفساد ظاهراً وباطناً.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الاستسقاء: طلب السُّقيا. ويقال: "سَقَيتُه وأسقَيتُه" بمعنى. وقيل: أسقيتُه: دللتُه على الماء. وعَصا وعَصَوان وثلاث أعصٍ. وجمعه عِصِيّ - بكسر العين والصاد، وتشديد الياء -. والانفِجار: الانشقاق. والانبِجاس أضيَق منه. والعَيْن: من الأسماء المشتركة، ويمكن أن يكون استعمالها في بعض المعاني على سبيل المجاز والتشبيه. فالعَين في الحيوان مشبّهة بالعين في الماء في خروج الدمع منها كخروج الماء. وبالعين في الشمس في خروج الشعاع منها. والأُنَاس جمع لا واحد له من لفظه. {وَلاَ تَعْثَوْاْ} أي: لا تفسدوا ولا تطغوا. وقرئ: اثنتا عشرة - بكسر الشين وبفتحها - وهما لغتان، أولاهما لغة أهل الحجاز. لكن القرّاء السبعة بأجمعهم على إسكان الشين لأنّه أخفّ. والمعنى: أذكروا نعمة أخرى أنعمها الله عليكم مضافة إلى النعم السابقة. وهي النعمة التاسعة منه تعالى على بني إسرائيل، جامعة للنشأتين. أمّا الدنيا فلشدّة حاجتهم إلى الماء عند الظمإ في التيه، وأمّا الآخرة فلكونها من أظهر الدلائل على وجود صانع، عليم، حكيم، رؤوف، رحيم، وعلى صدْق نبيِّهم موسى (عليه السلام). {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ} أي: سأل الله أن يسقي قومَه ماء، وذلك في الحال التي تاهوا في التيه، فشكوا إلى الله الظمأ، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك الحجَر، وهو عصاه المعروف، وكان من آس الجنّة دفعه إليه شعيب، وكان آدم (عليه السلام) حمله من الجنّة معه إلى الأرض، وكان طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتّقدان في الظلمة نوراً، وبه ضرَب البحر فانفلَق، وهو الذي صار ثُعباناً. واللام في الحجَر إمّا للعهد والإشارة إلى حجَر معلوم، إذ رُوي أنّه حجَرٌ طوريٌّ حملَه معه، وكان مربّعاً له أربعة أوجه تنبع من كل ثلاثة أعين، لكلّ سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط، وكانوا ستّمائة ألف، وسعة المعسكر إثني عشر ميلاً. وكانوا لا يرتحلون مَنقَلة إلاّ وجدوا ذلك الحجَر منهم بالمكان الذي كان به منهم في المنزل الأوّل. وقيل: أهبطه آدم (عليه السلام) من الجنّة، فتوارثوه حتى وقَع إلى شُعيب (عليه السلام)، فدفَعه إلى موسى (عليه السلام) مع العصا. وقيل: هو الحجَر الذي وضع عليه ثوبَه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففرَّ به فقال جبرائيل: يقول الله تعالى: "حديث : ارفَع هذا الحجَر، فإنّ لي فيه قُدرة، ولك فيه معجزة" تفسير : فحمَله في مخلاته. وإمّا للجنس أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجَر. وعن الحسن: لم يؤمر أن يَضربَ حجَراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجَّة، وأبيَن في القُدرة. وروي أنّهم قالوا: "كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة" فحمَل حجَراً في مخْلاته، فحيث ما نزلوا ألقاه. وقيل: كان يضربه بعصاه فيتفجّر، ويضربه بها، فييبس. فقالوا: لو فقد موسى عصاه مُتْنا عطَشاً. فأوحى الله إليه: "لا تقرَع الحجارة وكلِّمها تعطك". واختلفوا في صفته. فقيل: كان من رخام. وكان ذراعاً في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقوله: {فَٱنفَجَرَتْ} الفاء متعلّقة بمحذوف. أي: فضرب فانفجرت. أو: فإن ضربت فقد انفجرت. كما في قوله: {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:54] وهي على هذا التقدير فاء فصيحة. ولا منافاة بين قوله: {فَٱنفَجَرَتْ} هنا، وبين قوله: {أية : فَٱنبَجَسَتْ} تفسير : [الأعراف:160] في سورة الأعراف. لأنّ الانبجاس هو ضرب من الانفجار، إلاّ أنّه أقلّ. وقيل: إنّه لا يمتنع أن يكون أول ما يضرب عليه العصا كان ينبجس الماءُ، ثمّ يكثر حتّى يصير انفجاراً. وقيل: كان ينبجس عند الحاجة، وينفجر عند الحاجة. وقيل: كان ينبجس عند الحمل وينفجر عند الوضع. وقوله: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} أي: علِم كلّ سبط وكلّ فريق منهم موضع شُربهم. وإنّما علموا ذلك؛ لأنّه كان بأزاء كلّ عين جدول لسبط من الأسباط. ولا يبعد كون كلّ جدول منقسماً إلى جداول صغار حسب تعدّد الطوائف والفِرق الداخلة تحت كلّ سبط. وكون كلّ إنسان مأموراً بأن لا يشرب إلاّ من جدول معيّن، لئلاّ يقع بينهم التشاحّ والتنازع. وأمّا إضافة المشرب إليهم فإنّه لمّا كان الماء مباحَ الأصل، وقد عُيِّن لكلّ سبط وطائفة ما ظهر من الشقّ الذي يليه، والجدول الذي يخصّه صار ذلك كالمُلك. فصحّت الإضافة إليهم. وقوله تعالى: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} على إرادة القول. أي: قلنا لهم، أو قال موسى لهم. وفي الكلام حذفٌ. أي: "كُلوا مِن المَنِّ والسَّلوى واشربوا مِن ماء العيون". أو المراد: "كُلوا ما يتكوّن من الماء من الأغذية، وما ينبت من الأرض من جهة سَقي الماء" فإنّه لما أنعم الله عليهم بإخراج العيون، وجري المياه، فقد أنعم عليهم بالمآكل الحاصلة منها. وهذه الآية حجّة للمعتزلة على أنّ الرزق هو الحلال، لأنّ الأمر بالأكل من الرزق وقَع من الله. وهذا الأمر إن لم يكن للوجوب، فلا أقلّ للإجابة. فلو تحقّق رزقٌ حرامٌ، لزم كونه مباحاً وحراماً. وهذا غير جائز. وقوله: {لاَ تَعْثَوا} أي: لا تتمادوا ولا تعتدوا حال إفسادكم. لأنّ العثي ليس إلاّ الفساد. فصل في البحث العقليّ للقائل أن يقول: كيف ينفجر ذلك الماء الكثير من ذلك الحجر الصغير؟ والجواب: انّ الله قادرٌ على جميع الممكنات، وذلك من آيات الله الباهرة. والأعاجيب الظاهرة، الدالّة على صدق أنبيائه ورسله (عليهم السلام)، لكونها معجزة لهم لوقوعها عند سؤالهم. فيظهر منها أشدّ ظهور أنّه هو المنشئ للأشياء، الفاعل لِما يشاء. الذي يتذلّل له الصعاب، ويتسبّب له الأسباب، فلا عجَب من ظهور أمور غريبة في بعض الأزمنة، دالّة على بدائع صُنعه، وغرائب حكمته، وصدق أنبيائه. ومثل هذا الأمر الغريب بل أغرب وأعجب منه قد وقَع من نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء، فوضع يده في ميضاة، ففار الماء بين أصابعه حتّى استكفوا. وإنّما قلنا هذه المعجزةُ أعظَم غرابة من معجزة موسى (عليه السلام)، لأنّ نبوع الماء من الحجَر معهودٌ في الجملة بخلاف نبوعه من الأصابع. فمن أنكَر أمثال ذلك من الملاحدة، والدهريّة الذين ما عرفوا الصانع العالِم بالكلّيات والجزئيّات، {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الأنعام:91] فالكلام معهم إنّما يكون في أصل إثبات الصانع، وعلْمه، وقدرته، وشمول علمه لجميع المعلومات، وسَعة قدرته لجميع المقدورات، ولا معنى للتشاغل معهم في الفروع بعد ما خالَفوا في الأُصول. بقي الكلام في إمكان هذا الأمر، إذ المحال لا يكون مقدوراً، لأنّه لا شيئيّة ولا ذات له حتّى يكون مقدوراً. فنقول: هاهنا أربعة شقوق: أحدها: وجود ذلك الماء العظيم مع عظمه في باطن الحجَر. والثاني: وجوده فيه مع تداخل أجزائه بعضُها في بعض. والثالث: تكوّنه فيه شيئاً فشيئاً وخروجه منه على التدريج. والرابع: تكوّنه لا من أسباب طبيعيّة ومدد جسمانيّ، بل من أسباب نفسانيّة وتصوّرات وهميّة. والشقّان الأوليان باطلان، والأخيران جائزان. أمّا بطلان الشقّ الأول - وهو كون ذلك الماء مع عِظَمه مستكِنّاً في ذلك الحجَر، ثم ظهَر خارجاً عنه - فلأنّ الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم، لاستلزامه أن لا يكون الكلّ أعظم من جزئه. وهو محال. وأمّا بطلان كونه موجوداً فيه على نحو التداخل فللدلائل الدالة على استحالة التداخل، سيَّما على وجه التضاعف. وأمّا إمكان الشقّ الثالث فلأنّ مادّة العناصر قابلة لأن يتكوّن منها الصور الغير المتناهية على التعاقب، فيجوز أن يستحيل بعض أجزاء الحجَر ماء، أو ينقلب الهواء المجاور له إلى الماء بعد نفوذه إليه من المسامات الضيِّقة، كما يجتمع قطرات الماء على الطاس المكبوب على الجَمْد، بسبب انقلاب الهواء إليه، بحيث كلّما زيل عن ظهْر الإناء ينزل ويجري بدله لأجل برودة الإناء. وأمّا إمكان الشقّ الرابع فلِما بيِّن في موضعه، من تأثيرات النفوس القويّة في مادّة الكائنات بتصويرها أيّة صورة أرادوا، لا من أسباب طبيعية واستعداد مادي، بل بمجرّد إنشاء اختراعيّ، يبرز من مكمَن الغيب إلى عالَم الشهادة - كما بيِّن وحقِّق في مسائل النبوّات -. ومَن اعتبر أحوال نفسه، وبدنه، هانَ عليه دفْع هذا الاستبعاد، فإنّ مِن شأن مادّة بدننا، وعالَمنا الصغير، أن يحدث ويتكون فيها الحوادث الكونيّة من وجهين: أحدهما: على مجرى الأمور الطبيعيّة، فيتكوّن فيه أمر من قِبَل أسباب على نحو الإعداد في مادّة قبل مادّة. وثانيهما: على سياق آخر غير مجرى الطبيعة، بل من جهة فاعليّة وتصوير نفسانيّ تؤثّر في مادّة البدن. كالغضب الشديد. وهو هيئة نفسانيّة تؤثّر في تسخين البدن وتحليل الرطوبات، وربما يحرق الأخلاط. وكالخوف فإنّه برودة في الأعضاء وربما تبطل بسببه الحرارة الغريزيّة، وكالشهوة فإنّها تحدث ريحاً وماءً، لا عن امتلاء طبيعيّ وانتفاخ طبيعيّ. فعلَى هذا قياس نفس العالَم الكبير عند بدنه. فإن قلت: كيف يكون الشقّ الأوّل وهو وجود الجسم العظيم في المكان الصغير ممتنعاً غير مقدور، وقد روى محمد بن علي بن بابويه القمّي - ره - في كتاب التوحيد بسنده المتّصل: أنّه جاء رجُل إلى الرضا (عليه السلام) فقال: "هل يقدر ربُّك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟" قال: "نعم. وفي أصغر من البيضة. قد جعلها كلّها في عينك، وهي أقلّ من البيضة. لأنّك إذا فتحتَها عايَنْتَ السماءَ والأرضَ وما بينهما، ولو شاء لأعمال عنها". وروى أيضاً محمد بن يعقوب الكليني - ره - حديثاً آخر مثله عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عند سؤال عبد الله الديصاني عن ذلك. قلت: لا منافاة بين ما ذكرنا وبين المرويّ عنهما (عليهما السلام)، فإنّ كون الأجسام في المشاعِر والمرائي نحو آخر من الوجود، والذي حكَمنا بامتناعه هو وجود العظيم في الصغير في نشأة. فإنّ وجود الأجسام المرئيّة في آلة النفس وجود إدراكيّ يختصّ ظهورها به للمدرك لها دون غيره، بخلاف وجود الأجسام في موادّها الكونيّة. وتحقيق هذا المقام يفتقر إلى تحقيق معرفة النفس وأحوالها، وكيفيّة علم النفس بالأشياء الخارجة عن ذاتها. ومَن أمعَن في كيفيّة الإبصار - سيّما على الوجه الذي حقّقناه موافقاً للشواهد السمعيّة من الكتاب والسنّة، ومحقّقاً لمسألة المعاد، وحشر الأجساد - لقضى آخر العجَب من ظهور قدرة الله وعجائب صنعه عليه، وسيأتي ذكره عند كلامنا في تفسير آيات المعاد. والذي يدلّ على صحة ما حمَلنا الرواية المذكورة عليه ما رواه ابن بابويه أيضاً في الكتاب المذكور مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) "هل يقدر ربُّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة؟" فقال (عليه السلام): "إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون". فهذا الحديث صريح في أنّ الذي سأله ذلك القائل ممتنع بالذات غير مقدور ولا كائن. فلو لم يكن معنى الرواية الأولى ما أوّلناها إليه لكان بين الروايتين تدافع، وجلَّت أحاديث أئمّتنا (عليهم السلام) أن يكون بعضها يناقض بعضاً، لعصمتِهم عن الخطإ. وروي أيضاً فيه مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: "أيقدر الله أن يُدخل الأرض في بيضة ولا يصغر الأرض ولا يكبر البيضة؟" فقال له: "ويلك. إن الله لا يوصف بالعجْز. ومن أقدر ممّن يلطّف الأرض ويعظّم البيضة". فدلّت هذه الرواية على أنّ دخولَ العظيم في الصغير في نشأة الدنيا لا يمكن إلاّ بأن يصغّر العظيم بالتكاثُف، ويعظّم الصغير بالتخلخُل، وأنّ تصغير الأرض إلى حدّ يكون مقدارها أقل من البيضة، أو تعظيم البيضة إلى حدّ يكون مقداره أكبر من الأرض. غاية القدرة. تنوير فيه تنبيه ليس للمتفلسف أن يمنع تكوّنَ الماء من ذلك الحجَر في مقدار من الزمان متعاقباً، بعد ما يرى أنّ الأرض لها مقدارٌ معيَّن ممسوح بمساحة معلومة العدد بالذراعات، والذي يتكوّن من الأرض على التعاقب من أفراد الإنسان، وغيره من الحيوانات، والنباتات، لا يمكن حصرُها وعدّها، سيّما على مذهبه من قِدَم العالَم، وتسَرمد الأنواع المتوالدة، وعدم تناهي أفرادها في الجانبين. فلا نسبة لما يتكوّن من الحجَر إلى الحجَر في جنب ما يتكوّن من الأرض إلى الأرض. فإن قال قائلٌ: إنّ ما يتكوّن من الأرض من المواليد الثلاثة، فإنّها تعود جثّتها وأجسادُها إليها إذا استحالت تراباً، فلا ينقص مقدارها. قلنا: وهاهنا أيضاً مثل ما ذكرت على طريق الأولى. تتمة: ذكر في التفسير الكبير وجوه دلالة ذلك الانفجار على الإعجاز: أحدها: نفس ظهور الماء من الصمّاء. وثانيها: خروج الماء العظيم من الحجَر الصغير. وثالثها: خروجه بقدْر حاجتهم. ورابعها: خروجه عند ضرْب العصا. وخامسها: انقطاعه عند الاستغناء. فالكلّ من أعظم الدلائل على قدرة الله وحكمته وتصديق رسله (عليهم السلام).
الجنابذي
تفسير : {وَ} اذكروا {إِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} لم يقل لكم بالخطاب كما أتى بخطاب الحاضرين من بنى اسرائيل فى السّابق واللاّحق تجديداً للاسلوب واشعاراً بأنّ استسقاء موسى كان لبنى اسرائيل من حيث كونهم قومه وموافقين له متضرّعين اليه مستحقّين لطلب الرّحمة لهم وليس الحاضرون مثالاً لهم من هذه الجهة حتّى يخاطبوا من هذه الحيثيّة فانّهم لما عطشوا فى التّيه التجأوا الى موسى وتضرّعوا عليه واستسلموا لأمره فاستسقى لهم {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} وكان ذلك الحجر حجراً مخصوصاً فضربه بها داعياً بمحمّد (ص) وآله الطّيّبين (ع) نسب الى الباقر (ع) انّه قال نزلت ثلاثة احجار من الجنّة؛ مقام ابراهيم (ع)، وحجر بنى اسرائيل، والحجر الاسود. وعنه اذا خرج القائم من مكّة ينادى مناديه: الا لا يحملنّ أحدٌ طعاماً ولا شراباً وحمل معه حجر موسى بن عمران وهو وقر بعيرٍ ولا ينزل منزلاً الاّ انفجرت منه عيونٌ؛ فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمأن روى، ورويت دوابّهم حتّى ينزلوا النّجف من ظهر الكوفة {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} من الاسباط الاثنى عشر من اولاد يعقوب {مَّشْرَبَهُمْ} ولا يزاحمون الآخرين فى مشربهم، وكأنّ مشرب كلٍّ كان معلوماً مميّزاً عن مشارب الآخرين قائلين لهم {كُلُواْ} من المنّ والسّلوى، او كانت العيون تنبع بما فيه غذاؤهم وشرابهم كما أشار اليه الخبر السّابق {وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} حال مؤكّدة فانّ العثو بمعنى الافساد.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. كان هذا وهم في البرية، فاشتكوا إلى موسى الظمأ فسقوا من جبل الطور، أي: من حجر كان موسى عليه السلام يحمله معه؛ فكانوا إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم، أي: لكل سبط منهم عين مستفيض ماؤها. وقال الحسن: كانت عصا اعترضها من الشجر. قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. قال بعض المفسرين: ولا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الحسن: لا تكونوا في الأرض مفسدين. قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا. قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} يعني بالذي هو خير، المنَّ والسلوى. قال بعض المفسرين: لما أنزل الله عليهم المن والسلوى في التيه ملّوه، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر، فقال الله: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير. كان قد ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسلوى فطلبوا الذي هو أدنى مما هم فيه. والفوم الحَبُّ الذي يختبزه الناس. قوله: {اهْبِطُوا مِصْراً} يعني مصراً من الأمصار. وتفسير الكلبي: اهبطوا مصرَ، بغير ألف، يعني مصر بعينها {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} إن رجعتم إلى مصر، فكرهوا ذلك. وهي عند الحسن مصرُ هذه. قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} يعني بالذلة الجزية يستذلون بها. {وَالْمَسْكَنَةُ} ينبئك اليهودي أنه مسكين. {وَبَآءوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} يعني استوجبوا غضباً من الله. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ} يقول: بدين الله. وقال بعضهم: كَانَ خُرُوجُهُمْ إِلَى مصر هذه بأمر الله {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ}: أى طلب السقيا لهم لما عطشوا وسألوه من أين يشربون أو سألوه أن يدعو لهم بالسقى. {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ}: هى من آس الجنة بهمزة فألف فسين مهملة، وهو شجر يسمى المرسين وعن ابن عباس: هى من العوسج من الجنة، ويطلق الآس على الشجر مطلقاً، ولتلك العصى شعبان يتقدان فى الظلمة نوراً وكانت على طول موسى عشرة أذرع، واسمها عليق، وقيل بنعة حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى قبل، وكانت تحمل على حمار إذا لم يحملها موسى فإن حملها فهى خفيفة عليه. وقال الحسن: هى عصى قطعها من شجرة ويجب إدغام (باء اضرب فى باء بعصاك) ولو كانت من كلمتين بسكون الأول، إلا أن وقف على الأول أو وصل بنية الوقف، ولا يدغم نافع من ذلك إلا ما كان ساكناً بخلاف أبى عمرو فإنهُ لم يدغم من المثلين فى كلمة إلا فى موضعين {مناسككم} فى هذه السورة و{سلككم} فى المدثر، وأظهر ما عداهما: كجباههم، ووجوههم، وبشرككم وأتجادلوننا وأتعداننى، وأما المثلان من الكلمتين فإنه يدغم أولهما سواء كان.......... [هنا سقطت صفحتان من الأصل]. ثوبه ليغتسل وذلك أن بنى إسرائيل آذوه بقولهم إن بيضتيه منتفختان فأراد غسلا فوضع ثوبه على حجر ففجر الحجر بالثوب فتبعه يقول: ثوبى حجر أى دع ثوبى يا حجر فرآه سالماً مما قالوه فأشار إليه جبريل بحَمْله، وقال إن الله يأمرك أن ترفع هذا الحجر له فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فوضعه فى مخلاة فلما سألوه السقيا قيل {اضرب بعصاك الحجر} فكان يضربه كلما نزلوا فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً لكل سبط عين، وإذا أراد الارتحال تيبس، وقيل كما مر يضربه فيتيبس، وقيل هو حجر حمله من جبل الطور مربع، تنبع من كل وجه ثلاث أعين تسيل كل عين فى جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا، وقيل هو حجر أهبطه آدم من الجنة فتوارثه الأنبياء حتى وقع إلى شعيب فأعطاه له مع العصى، وقيل إنه حجر من رخام وقيل من الكذان وهى الحجارة اللينة، قال ابن عباس: كان حجراً خفيفاً مربعاً قدر رأس الرجل، وقيل طوله ذراع وعرضه ذراع، وروى أنه من جبل الطور على قدر رأس الشاة يلقى فى كسر جولق ويرحل به، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه فى كل مرحلة فى منزلته من المرحلة الأولى وهذا أعظم آية لهم. {فَانْفَجَرَتْ}: أى فضربه بها فانفجرت، أى نبعت أو سالت، والجملة عطفت على محذوف، ويجوز أن يكون جواب شرط محذوف، أى فإن ضربته انفجرت، فالفاء الداخلة على انفجرت هى التى فى قولنا فإن ضربته، أو هى الرابطة وجدت فى الجواب، ولو صلح شرطاً لتدل على الشرط المحذوف، وقيل التقدير: فإن ضربته فقد انفجرت، وبالأول قال ابن هشام وهو المشهور. والثالث ضعيف وفيه مبالغة فى وجود الانفجار، أى إن حصل الضرب فلا بد من أنه قد حصل الانفجار، ومثل هذا الكلام مما يقال بعد الحصول وقبله، وهكذا ظهر لى فى توجيه هذا الوجه. وقال ابن هشام أى فضرب فانفجرت. وزعم ابن عصفور أن الفاء فى انفجرت هى فاء فضرب، وإن فاء فانفجرت حذفت ليكون على المحذوف دليل ببقاء بعضه وليس بشىء، لأن لفظ الفاءين واحد فكيف يحصل الدليل، وجوز الزمخشرى ومن تبعه أن تكون فاء الجواب أى فإن ضربت فقد انفجرت، ويرده أن ذلك يقتضى تقديم الانفجار على الضرب، مثل {أية : إِنْ يَسْرِقْ فقد سَرَقَ أخٌ له من قَبْل} تفسير : إلا إن قيل فقد حكمنا بترتيب الانفجار على ضرب.. انتهى. {اثْنَتَا عَشرَةَ}: بسكون الشين وقرئ بكسرها وبفتحها وذلك ثلاث لغات فى عشرة بالتاء ركب أو أفرد. {عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}: أى عرف كل قوم موضع شربهم من تلك العيون ولكون علم بمعنى عرف تعدى لواحد، وإنما كان بمعنى عرف لأن المعنى معرفة نفس المشرب والمشرب اسم مكان وهو العين، أى عرف كل سبط عينهم التى يشربون منها لا يشاركهم فيها غيرهم، والسبط فى بنى إسرائيل كالقبيلة فى العرب وأناس اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل من معناه كرجل وامرأة. {كُلُوا}: مفعول لقول محذوف معطوف على القول الأول وهو قوله: {فقلنا اضرب} أى وقلنا كلوا. {وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ}: مما رزقكم الله من المن والسلوى وماء العيون، وقيل أراد بالرزق ماء العيون، لأن الماء يشرب وما ينبت منه يؤكل من الزرع والثمار، ويرده أن مأكولهم فى التيه المن والسلوى فقط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها" تفسير : رواه مسلم والترمذى والنسائى. {وَلاَ تَعْثَواْ}: لا تفسدوا. {فِى الأَرْضِ}: أرض التيه وغيرها إذا خرجتم منها. {مُفْسِدِينَ}: حال مؤكدة لعاملها كما قال ابن مالك وابن هشام وغيرهما فإن العثو والإفساد بمعنى واحد وهما هنا المعصية، والماضى عثى بكسر الثاء مثل رضى وياؤه عن واو، وقيل العثى أشد الفساد، فالإفساد أعم منه والحال مؤكدة، لأن معنى العام موجود فى الخاص مع زيادة فى الخاص، والعيث كالعثى لكنه غالب فى المخسأة، وقد يجعل مفسدين حالا باعتبار أن العثى قد يكون فى الفساد، ولو كان الغالب كونه فيه فيقال قيده بالإفساد احترازاً من العثى الذى هو غير فساد كمقابلة الظالم المعتدى بفعله، وكما يتضمن صلاحاً راجحاً كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة، فإن ذلك غير منهى عنه فى الجملة، وفى الحجر معجزة عظيمة إذا كان ينفجر منه الماء الكثير وهو صغير، ولكن انفجار الماء من بين أصابع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم، لأن انفجار الماء من اللحم والدم غير معتاد ولا سيما أنه انفجر من بين أصابعه، وروى منه الجم الغفير، ومن أنكر مثل هذه المعجزات فلغاية جهلة بالله تعالى وقلة تدبره فى عجائب صنعه، فهذا حجر المغنطيس مشاهد يجذب الحديد فما دعاء أن يستحيل أن يخلق الله حجراً يسخره يجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة البرد، وكذا فى الأصابع وذلك مجازات مع ذلك الجاهل، وإلا فالله سبحانه وتعالى خلق الماء فى الحجر وبين الأصابع بلا جذب من الأرض ولا يجذب الهواء وتصيره ماء وهو أعظم فى الحجة، قال فى المواهب، وأما نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم هو أشرف المياه فقال القرطبى قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه صلى الله عليه وسلم فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة، ووردت من طريق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعى المستفاد من التواتر المعنوى، ولم نسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم. حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزنى أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أبلغ فى المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصى فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم، وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود، فأما حديث أنس ففى الصحيحين قال: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع يده فى ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، تفسير : وفى لفظ للبخارى كانوا ثمانين رجلا، وفى لفظ له حديث : فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال فقلنا لأنس كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة، تفسير : وقوله حتى توضئوا من عند آخرهم. قال الكرمانى: حتى للتدريج ومن للبيان، أى توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى فى لأن عند ولو كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضى أن تكون لمطلق الظرفية فكأنه قال: الذين هم فى آخرهم، وقال التيمى: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الأخير، وقال النووى: من هنا بمعنى إلى وهى لغة وتعقبه الكرمانى بأنها شاذة، وبأن إلى لا تدخل على عند، وبأنه يلزم عليه وعلى ما قال التيمى ألا يدخل الأخير، لكن لا يمنع من دخول من بمعنى إلى على عند ألا تدخل عليها ويجوز أن يقال على توجيه النووى عند زائدة قاله فى فتح البارى، وروى هذا الحديث عن أنس بن شاهين ولفظه قال:حديث : كنت مع النبى محمد صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك فقال المسلمون: يا رسول الله عطشت دوابنا وإبلنا، فقال: "هل من فضلة ماء" فجاء رجل من شن بشئ فقال: "هاتوا صحفة" فصب الماء ثم وضع راحته فى الماء قال: فرأيتها تتخلل عيوناً بين أصابعه، قال فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا، فقال: "اكتفيتم؟". فقالوا: نعم اكتفينا يا رسول الله فرفع يده فارتفع الماء. تفسير : وأخرج البيهقى عن أنس أيضاً قال: حديث : خرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى قبا. فأتى من بعض بيوتهم بقدح صغير فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: "هلموا إلى الشراب" قال أنس: بصر عينى ينبع الماء من بين أصابعه، فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعاً، تفسير : وأما حديث جابر ففى الصحيحين قال: حديث : عطش الناس يوم الحديبية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه فقال: "ما لكم" فقالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فجعل يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: ولو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة،تفسير : وقوله يفور أى يغلى ويظهر متدفقاً، وفى رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه فى حديث مسلم الطويل فى ذكر غزوة بواط قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا جابر نادى الوضوء" تفسير : وذكر الحديث يطوله، حديث : وأنه لم يجد إلا قطرة فى عزلاء شجب فأتى به النبى صلى الله عليه وسلم فغمره وتكلم بشئ لا أدرى ما هو، فقال: "ناد بحفنة الركب" فأتيت بها ووضعتها بين يديه، وذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم بسط يده فى الجفنة وفرق أصابعهُ، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بالاستقاء فاستقو حتى رووا، فقلت هل بقى من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهى ملآن والجهش ميل الإنسان إلى الآخر فى صورة الباكى، والغرلاء الجلدة التى تكون فى فم القربة، والشجب أعواد تعلق فيها،تفسير : وروى حديث جابر أحد بن حنبل فى مسنده بلفظ: حديث : اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه العطش فدعا بعض فصب فيه شيئاً من الماء، ووضوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده فقال: "استقوا" فاستقى الناس فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه،تفسير : وفى لفظ له من حديثه أيضاً قال:حديث : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه فى الإناء، ثم قال: "بسم الله" ثم قال: "أسبغوا الوضوء" قال جابر: فو الذى ابتلانى ببصرى لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فما رفعها حتى توضئوا أجمعين تفسير : ورواه أيضاً البيهقى فى الدلائل قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوضع يده فى تور من ماء بين يديه قال فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال: "خذوا باسم الله" فشربنا فوسعنا وكفانا ولو كنا مائة ألف. قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفاً وخمسمائة، تفسير : وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضاً، وقال أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. وأخرجه أيضاً عن جابر أحمد من طريق نبيج العثرى عنه وفيه: حديث : فجاءَ رجل بإداوة فيها شئ من ماء ليس فى القوم ماء غيره فصبه رسول الله صلى الله عليه فى قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح فقال: "على رسلكم" فوضع كفه فى القدح ثم قال: "أسبغوا الوضوء" قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه،تفسير : وأما حديث ابن مسعود ففى الصحيح من رواية علقمة: حديث : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا من معه فضل ماء" فأتى بماء فصبه فى إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم. تفسير : وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائى وهى فى نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر، وكفه صلى الله عليه وسلم فى الإناء فيراه الرائى نابعاً من بين أصابعه، وظاهر كلام القرطبى أنه نبع من نفس اللحم الكائن فى الأصبع وبه صرح النووى فى شرح مسلم ويؤيده قول جابر، فرأيت الماءَ يخرج من بين أصابعه. وفى رواية: فرأيت الماءَ ينبع من بين أصابعه وهذا هو الصحيح، وكلاهما معجزة له صلى الله عليه وسلم. وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدباً مع الله تعالى، إذا هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل، وقد انفرق القمر لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما انفرق البحر لموسى، فموسى تصرف عليه السلام فى عالم الأرض، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تصرف فى عالم السماء، والفرق بينهما واضح. قال ابن المنير جد الدمامينى شارح المغنى عن أبى حبيب: إن بين السماء والأرض بحراً يسمى المكفوف يكون بحر الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط فيكون قد انفرق لنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فجاوزه وهو أعظم من البحر الذى انفرق لموسى عليه السلام، وقد حن إليه الجذع صلى الله عليه وسلم كما كانت العصى لموسى حية، وقد روى أن أبا جهل أراد أن يرميه بالحجر فرأى على كتفه ـ عليه السلام ـ ثعبانين فانصرف مرعوباً، وأعطى أنه كان نوراً مبيناً واضحاً لا يشك فيه منتقلا فى الأصلاب من لدن آدم ـ عليه السلام ـ إلى أبيه يتبين فى وجوههم كاليد البيضاء لموسى، وصلى معه العشاء قتادة ابن النعمان فى ليلة مظلمة مطيرة عرجوناً وقال: "حديث : انطلق به فإنه سيضئ لك من بين يديك عشراً، ومن خلفك عشراً، وإذا دخلت بيتك فسترى سواداً فاضربه حتى يخرج" تفسير : فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم. وأخرجه البيهقى وصححه الحاكم عن أنس قال عباد بن بشر وأسيد بن حضير قال: حديث : كانا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى حاجة حتى ذهب من الليل ساعة وهى ليلة شديدة الظلمة ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا فى ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد فى ضوء عصاه حتى بلغ هديه.تفسير : ورواه البخارى بنحوه فى الصحيح، وأخرج فى تاريخه والبيهقى وأبو نعيم عن حمزة الأسلمى قال: حديث : كنا مع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى سفر فتفرقنا فى ليلة ظلماء فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعى لتنير لظهر الإبل وما يركب. وأرسل رجلا إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وجعل بإذن الله فى وجهه نوراً يكون معجزة له صلى الله عليه وسلم فقال أخاف أن يقولوا. مثله فيتحول بإذن الله إلى عصاه تفسير : وذلك أيضاً كعصا موسى فإنه كان يستصبح بها إذا أراد، وكانت مناجاة سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لربه سبحانه وتعالى فوق السماء السابعة، ولا بأس بالقول بأن إسراءه فى تلك الليلة بجسده، وإنما المحرم ادعاء رؤية البارى سبحانه وما يؤديه إلى تشبيه، ومناجاة موسى على جبل الطور. والفرق واضح، والله در القائل: شعر : وكل معجزة للرسل قد ســـــلفت وافـــــــى بأعجب منها عند إظهار فمالعصا حية تسعى بأعجب من شكوى البعير ولا من مشى أشجار ولا انفجار معين الماء من حجر أشـــــــد من سلسل من كفه جارى
اطفيش
تفسير : {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} طلب لهم موسى من الله السقيا حين عطشوا فى التيه، طلبوا الطعام فأعطوا المن والسلوى، والماء فاستسقى لهم موسى، فأعطوه، واشتكوا الحر فأظلهم الله بالغمام، ذكر الله عز وجل كل واحد على حدة فى معرض أمر مستقل موجب للتذكر، استأنف لذلك ذكر أبعد فضل عن قصة التيه مبالغة في بيان أن السقي نعمة عظيمة، ولو ذكر عقب قصة التيه، ولو مع إذ هذه لكان ربما يتوهم أن الكل نعمة واحدة، وقال أبو مسلم: ليس هذا فى التيه. {فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ} الذى فر بثوبك لتتبعه من مغسلك عاريا ليرى بنو إسرائيل أنه ما بك أدرة، كانوا يغتسلون عراة، وموسى فى خلوة، فاتهموه بانتفاخ بيضته، وهو ذراع فى ذراع، له أربعة أوجه، وقيل كرأس الرجل من رخام، وقيل خفيف، ومن قال سدس اعتبر ما يلى الأرض وما يلى السماء، لأنه لا انفجار منهما أوحى الله إليه مع جبريل أن يجعله إذ احتاجوا ماء ضربه، فسال، وإذا اكتفوا ضربه فأمسك وهذا معجزة أخرى إذ كان فعل واحد، وهو الضرب، سبباً للماء وكفه، وكلما ضرب خلق الله الماء وكل ما ضرب آل أو جمع الله المياه الكثيرة فى الحجر الصغير وخلق فيها خفة {فَانْفَجَرَتْ} فضربه بعصاه فانفجرت، وقال وهب ما هو حَجر بل يَضرب بها أى حجر أراد فيسيل ماء، فيضرب أقرب حجر إليه ولو صغيراً، وقيل حجر كان عند وصل مع العصا إلى شعيب، فأعطاهما موسى، وقيل حجر خفيف من قعر البحر يشبه رأسى الآدمى يجعله فى مخلابه، ويقال حجر مربع يخرج من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين، وكان من رأس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى لها شعبتان تتقدان فى الظلمة نوراً حيثما كان، وأمامهم فى التيه فلهم عمود من نور ليلا، حملها معه آدم من الجنة وتوارثها الأنبياء إلى شعيب، فأعطاها موسى، والانفجار السيلان بوسع بعد انشقاق، وهو الانبجاس فى السورة الأخرى أو هو الرشخ بقليل، والانفجار بعده بوسع. {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}، وقيل خرج آدم بها، وبالحجر من الجنة فتوراثهما الأنبياء كذلك إلى موسى، لكل سبط عين، وهم اثنا عشر سِبطا، وكان ليعقوب اثنا عشر ولداً لكل ولد ذرية هى سبط {قَدْ عَلِمَ} عرف {كُلُّ أُنَاسِ} أى قوم هم سبط {مَّشْرَبَهُمْ} موضع شربهم من الاثنتى عشرة، لا يشاركون غيرهم، ولا يشاركهم غيرهم من كل وجه من وجوه الحجر الأربعة، ثلاثة أعين كل واحدة تسيل فى جدول، وسعتهم اثنا عشر فرسخا أو ميلا، وهو أولى، وعددهم كما مر ستمائة ألف، والجملة نعت اثنتا عشرة والرابط محذوف أى مشربهم منها، أو مستأنفة، أو حال بتقدير الرابط العائد إلى صاحب الحال، أى منها، كما فى النعت والمسوغ لمجىء الحال من النكرة تخصيصها بالتمييز قلنا لهم {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللهِ} المن والسلوى، وماء العيون أضيف لله لأنه بلا عمل منهم، وقدم الأكل لأنه العمدة، وبه قوام الجسد، والاحتياج إلى الماء حاصل عنه، ولأنه مركب للطعام، والرزق بمعنى المرزوق، وهو الطعام يحمله الماء إلى العروق، ولا دليل للمعتزلة فى الآية على أن الحرام غير رزق، فإنه يؤاخذ عليه متعمده، وكذا جاهله إذا كان مما يدرك بالعلم، وليس فى الآية سوى أنه أمرهم بالأكل والشرب من ذلك، واتفق أنه حلال والله عالم بأنه حلال، وإن أريد بالرزق العموم فالحلال قيد من خارج، لا من لفظ الرزق {وَلاَ تَعْثَوْا} تفسدوا {فِي الأَرْضِ} أرض التيه وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليه، وما يخرجون إليه إذا أخرجهم الله منه {مُفْسِدِينَ} تأكيد فى المعنى لتعثوا، باعتبار النهى أى نهيتهم نهياً شديداً عن الإفساد، وإن جعلنا للعثى بمعنى الاعتداء المطلق أو بالشرك والإفساد بالمعاصى فلا تأكيد.
الخليلي
تفسير : لا تزال الآيات متساوقة في مساق تعداد النعم التي لقيها بنو اسرائيل وهم في أمسّ الحاجة إليها، فتفجير الماء من حجر صلد، بضربة من موسى بعصاه، وجريانه متوزعا في جداول بعدد الأسباط يُعد أكثر من نعمة، فتيسير الماء بغير عناء نعمة لا يقدر قدرها لأنه من الأشياء التي تشتد إليها ضرورة النفس وتتوقف عليها سلامة الحياة، والنعمة يزداد قدرها بمسيس الحاجة إليها وما أحوجهم في الصحراء التي كانوا فيها إلى الماء، وكونه بطريقة خارقة للعادة تطمئن بها النفس ويقوي بها الإِيمان نعمة ثانية، وانقسامه إلى جداول بعدد الأسباط حتى لا يزدحموا عليه فيتنازعوا نعمة ثالثة. وأكثر المفسرين على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، وعليه فالمذكور في هذه الآية متأخر زمنا عما ذُكر في الآية التي قبلها، فترتبا ذكرا بحسب ترتبهما زمنا، وذهب بعضهم إلى خلافه، وهم الذين يطبقون ما سرده القرآن من أحداث أهل الكتاب على التواريخ المتداولة بين أهل الكتاب أنفسهم وذلك أنهم حملوا القصة المشار إليها في الآية على ما يتداوله اليهود من أنهم لما نزلوا في رفيد يم، بعدما خرجوا من برية سين، وقبل وصولهم الى برية سيناء في الشهر الثالث من خروجهم عطشوا ولم يكن بالموضع ماء، فتذمروا على موسى، وقالوا أتصعدنا من مصر لنموت وأولادنا ومواشينا عطشا، فأمره الله أن يضرب بعضاه صخرة هناك في حوريب، فضرب فانفجر منها الماء. وفي بعض نصوص التوراة ما يدل على أن هذه الحادثة كانت بعد خروجهم من برية سيناء، وحلولهم في رقادين. وهذا الاضطراب يبعدنا عن الثقة بنقولهم والاستناد إلى تواريخهم. وذكر الإِمام محمد عبده أن كثيرا من أعداء الاسلام وجهوا إلى القرآن العظيم سهام انتقادهم بسبب عدم ترتب ذكره للأحداث بحسب ترتبها في الوقوع، ورد عليهم بما حاصله: أن القرآن ليس كتابا تاريخيا معنيا بسرد الوقائع مترتبة بحسب أزمنة وقوعها، وإنما الغاية من ذكره لها بعث العبر وإثارة العظات ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من جهتها، لذلك كان إيراده للقصص بالأسلوب الأبلغ في التذكير والأدعى إلى التأثير مع عدم الالتفات إلى أزمنتها. ونسب إلى بعض الباحثين في تأريخ هذا العهد ترجيحهم لهذا الاسلوب في التقديم والتأخير، وأنهم يقولون بأنا أياما ستأتي يستحيل فيها ترتيب الحوادث والقصص بحسب تواريخها لطول الزمن وكثرة النقل مع حاجة الناس الى معرفة سير الماضين، وما لها من النتائج والآثار في حال الحاضرين، ولا طريق إلى ذلك إلا النظر في أسباب ونتائج الأحداث من غير تفصيل ولا تحديد لجزئيات الوقائع بالتأريخ، فإن مراعاة ترتيبها لا يتوقف عليه الاعتبار بها وإنما هو من الزينة في وضع التأليف ولربما شغل الذهن عما تجب ملاحظته منها. وعدّ الأستاذ الإِمام هذا الأسلوب ضربا من ضروب الإِصلاح العلمي سبق إليه القرآن، وأيده سير الاجتماع في الإِنسان. وجوز الأستاذ كون أرض التيه هي الأرض الممتدة على ساحل البحر الأحمر من بيداء فلسطين مما يلي حدود مصر، وفيها كان الاستسقاء بلا خلاف. وذكر الله تعالى أن هذا الاستسقاء من موسى لأجلهم مع أنه كان بينهم يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من السقيا تنبيها على أنه لم يستسق إلا لطلبهم وإلحاحهم، وإلا مضى في السبيل الذي أمره الله بسلوكه غير لاوٍ على شيء من حاجات الدنيا توكلا على الله وثقة بأنه سبحانه سيهيء له ما يحتاج إليه من ضرورات الحياة ما دام مقبلا عليه ومتبعا لسبيله، وهذه هي ثقة النبيين، وهذا إيمان المرسلين، فإنهم لا يهمهم إلا امتثال أمر الله واتباع مراشده. واختلفوا في الحجر الذي أمره الله أن يضربه بعصاه؛ قيل: هو ما شاء من الأحجار، وقيل: هو الحجر الذي مشى بثوبه - حسبما قيل - وقيل: هو حجر آخر خاص حجمه كرأس الشاة يحملونه معهم إذا ارتحلوا، ويضعونه بينهم إذا نزلوا، فإذا احتاجوا الى السقي ضربه موسى بعصاه فتفجرت منه العيون، وإذا رووا واكتفوا ضربه كذلك فانقطع منه الجري، وقد تقدم أنه جاء في التوراة بأنه صخرة في حوريب، وهي بقعة بطور سيناء -؛ وعلى الأول فالتعريف للجنس، ويرجحه أن الجنس أسبق من غيره في التعارض، وهو كذلك أدخل في الإِعجاز، فإن ضرب أي حجر كان أدل على القدرة وأدعى إلى الاستغراب من ضرب حجر بعينه وعلى الثاني فالتعريف للعهد وهو ذهني لعدم سبق ذكر للمعهود. والانفجار هو الانصداع ويُعبر عنه بالانبجاس كما في سورة الأعراف، وفرق بعضهم بينهما بأن الانبجاس أول خروج الماء والانفجار اتساعه وكثرته، وعلى التفريق فلا تضاد بين العبارتين لوقوع الأمرين في القصة. والعين هي منبع الماء وتُجمع على عيون قياساً وعلى أعين سماعاً. وأنكر بعض الطبعيين صحة هذه القصة لمخالفتها ما استقرت عليه عادة الأشياء بحسب طبائعها المألوفة، وهو جهل عظيم بقدرة الخالق الذي طبع الكون بحسب نواميسه المألوفة وهو القادر على خرق تلك النواميس وإحالة تلك الطبائع إذا ما أراد ذلك، على أنَّ أفراد الجنس الواحد تكون لها طبائع شتى مختلفة باختلاف ما جعل الله فيها من الخاصية فطبائع الأحجار ليست واحدة فمن الأحجار ما هو حالق للشعر لا يكاد يدنو منه حتى يحلقه، ومنها ما هو مغناطيسي إذا قُرب من الحديد جذبه إليه فما المانع عقلا من أن يودع الله هذا الحجر خاصية اجتذاب الماء من جوف الأرض حتى يتفجر منه عيونا أو ارتشاف الهواء الندي من الكرة الأثيرية وتكييفه حتى يخرج منه سلسبيلا عذبا. وتعدد العيون إلى اثني عشر عينا للحكمة التي أشرت إليها في أول تفسير الآية، وهي أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا، فلو جرت لهم عين واحدة فحسب أدى ذلك إلى التسابق إليها والتقاتل عليها حرصا من كل طائفة أن تكون هي السابقة في الورد، أما وقد تعددت العيون بعدد الأسباط وعرف كل سبط - وعُبِّر عنه بأناس - مشربه فلا داعي إلى الشقاق لعدم الإِحتكاك بين الأسباط واتساع الموارد واختصاص كل سبط بمورده، والتلاحم الأخوي بين أفراد السبط الواحد يرفع عنهم الخلاف والنزاع في الورد. والأمر بالأكل والشرب للإِباحة المصحوبة بالامتنان، ورزق الله مما أنزله عليهم من المن والسلوى، وفجِّره لهم من الماء؛ وأضيف الرزق إلى اسم الجلالة، ولم يضف إلى الضمير ليوافق "قلنا" للتنبيه بأن هذا الخطاب وجه إليهم بلسان موسى عليه السلام. و"تعثوا" كترضوا، ماضية عثى كرضى، ومضارعه يعثى كيرضى، وقياس مصدره عثاً على وزن فعل - بالتحريك - غير أن هذا المقيس لم ينقل عن العرب، وإنما المنقول عنهم عُثىُّ - بكسر العين وضمها وتشديد الياء - وعثيان - بالتحريك - هذه هي لغة أهل الحجاز، وعليها أجمع القراء، أما عند غيرهم فهو عثا يعثو عُثوا، نحو سما يسمو سُموا، وأصله مطلق الإِفراط، وغُلِّب على الإِفراط في الفساد، وقيل وهو أشد الفساد، وقيل مطلقه، وعلى الأول فالحال مبينة، وعلى الأخيرين مؤكدة، وحمله الزمخشري على التمادي، وعليه فإن المنهي عنه استمرارهم في الفساد الذي هم واقعون فيه، ويستنتج - على هذا الوجه، وعلى بعض الوجوه السابقة - من هذا النهي أنهم كانوا موغلين في الغي، منهمكين في الفساد - كما هو واضح مما وُصفوا به في الآيات السابقة وغيرها - فنهو عن الاستمرار في هذا الغي، والتمادي في هذا الفساد في معرض الامتنان عليهم بما هم في أشد الحاجة إليه من الطعام والشراب اللذين ساقهما الله إليهم من غير عناء ولا تكلف ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة والامتثال، فإن من شأن المأمور أن يبادر إلى طاعة الآمر، ويتحرى مرضاته عندما يشعر بسوابغ نعمه تحيط به من كل جانب في حال هو فيها أشد ما يكون حاجة إليها، ولكن بني اسرائيل - بما ران عليهم من الضلالة وتراكم على نفوسهم من الهوى - تعفنت فطرهم وخبت عقولهم فلم تزدهم المواعظ إلا بعدا عن الحق ولم يزدهم التذكير إلا ظلما وعتوا. وبهذا الذي قررته يندفع ما قد يخطر ببالكم من التساؤل؛ لماذا نهو عن أشد الفساد والإِفراط فيه، أو عن التمادي عليه مع وجوب اجتناب الفساد قليله وكثيره وعدم الوقوع فيه رأسا؟ ولعل من فسر العثى بمطلق الفساد نظر إلى الاشتقاق الكبير الذي يجمع بين عثى وعاث مع أن عاث بمعنى أفسد. والأرض المقصودة هنا هي أرض التيه، لأن شكر النعمة ينعكس أثره الإِيجابي على الأرض التي يحلها الشاكر لما يصدر عنه من خير وصلاح، وكذلك كفرها ينعكس أثره السلبي على موضع حلول الكافر لما يقع منه من شر وفساد، ويجوز أن يراد بالأرض الكرة الأرضية بجميع أجزائها لأن تمادي الناس على الضلالة، وتواطؤهم على الفساد يسكبان الشر الوبيل عليها جميعا: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الروم: 41]، وهو معهود عندما تنتشر المعصية ولا تجد مقاومة من أحد.
الالوسي
تفسير : {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها ـ وكان ذلك في التيه لما عطشوا ـ ففي/ بعض الآثار أنهم قالوا فيه: من لنا بحر الشمس ـ فظلل عليهم الغمام ـ وقالوا: من لنا بالطعام ـ فأنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى ـ وقالوا: من لنا بالماء ـ فأمر موسى بضرب الحجر ـ وتغير الترتيب لقصد إبراز كل من الأمور المعدودة في معرض أمر مستقل واجب التذكير والتذكر، ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن الكل أمر واحد ـ أمر بذكره ـ والاستسقاء ـ طلب ـ السقيا ـ عند عدم الماء أو قلته. قيل: ومفعول ـ استسقى ـ محذوف أي ـ ربه ـ أو ـ ماء ـ وقد تعدى هذا الفعل في الفصيح إلى ـ المستسقى ـ منه تارة ـ وإلى ـ المستسقي أخرى ـ كما في قوله تعالى: {أية : إِذْ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ }تفسير : [الأعراف: 160] وقوله:شعر : وأبيض ـ يستسقى ـ الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل تفسير : وتعديته إليهما مثل أن تقول: ـ استسقى زيد ربه الماء ـ لم نجدها في شيء من كلام العرب ـ واللام ـ متعلقة بالفعل، وهي سببية أي لأجل قومه. {فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} أي فأجبناه {فَقُلْنَا} الخ ـ والعصا ـ مؤنث والألف منقلبة عن ـ واو ـ بدليل عصوان وعصوته ـ أي ضربته بالعصا ـ ويجمع على أفعل شذوذاً وعلى فعول قياساً، فيقال: أعصٍ وعصى، وتتبع حركة ـ العين ـ حركة ـ الصاد ـ و (الحجر) هو هذا الجسم المعروف، وجمعه أحجار وحجار، وقالوا: حجارة، واشتقوا منه فقالوا: استحجر الطين، والاشتقاق من الأعيان قليل جداً. والمراد بهذه (العصا) المسؤول عنها في قوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 17] والمشهور أنها من آس الجنة ـ طولها عشرة أذرع طول موسى عليه السلام ـ لها شعبتان تتقدان في الظلمة، توارثها صاغر عن كابر حتى وصلت إلى شعيب ومنه إلى موسى عليهما السلام؛ وقيل: رفعها له ملك في طريق مدين، وفي المراد من (الحجر) خلاف، فقال الحسن: لم يكن حجراً معيناً، بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء، وهذا أبلغ في الإعجاز وأبين في القدرة، وقال وهب: كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر، وعلى هذا ـ اللام ـ فيه للجنس، وقيل: للعهد، وهو حجر معين حمله معه من الطور مكعب له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن تسقيهم، وكانوا ستمائة ألف ما عدا دوابهم، وسعة المعسكر إثنا عشر ميلاً، وقيل: حجر كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب فدفع إلى موسى، وقيل: هو الحجر الذي فر بثوبه، والقصة معروفة. وقيل: حجر أخذ من قعر البحر خفيف يشبه رأس الآدمي كان يضعه في مخلاته، فإذا احتاج للماء ضربه. والروايات في ذلك كثيرة، وظاهر أكثرها التعارض، ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمر ديني، والأسلم تفويض علمه إلى الله تعالى. {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} عطف على مقدر، أي فضرب فانفلق، ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار، ولو كان ينفجر دون ضرب لما كان للأمر فائدة، وبعضهم يسمي هذه ـ الفاء ـ الفصيحة ويقدر شرطاً أي فإن ضربت فقد انفجرت وفي «المغني»: إن هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار على الضرب، إلا أن يقال: المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك، وقال بعض المتأخرين: لا حذف، بل ـ الفاء ـ للعطف وإن مقدرة بعد ـ الفاء ـ كما هو القياس، بعد الأمر عند قصد السببية، والتركيب من قبيل ـ زرني فأكرمك ـ أي {ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} فإن انفجرت فليكن منك الضرب فالانفجار ـ ولا يخفى ما في كل/ حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في الأول: إنه غير لائق بجلالة شأن النظم الكريم. ـ والثاني: أدهى وأمر ـ. والانفجار انصداع شيء من شيء، ومنه الفجر والفجور، وجاء هنا {ٱنفَجَرَتْ} وفي الأعراف [160] {أية : فَٱنبَجَسَتْ }تفسير : فقيل: هما سواء. وقيل: بينهما فرق وهو أن الانبجاس أول خروج الماء، والانفجار اتساعه وكثرته، أو الانبجاس خروجه من الصلب، والآخر خروجه من اللين، والظاهر استعمالهما بمعنى واحد ـ وعلى فرض المغايرة ـ لا تعارض لاختلاف الأحوال، و (من) لابتداء الغاية، والضمير عائد على ـ الحجر المضروب ـ وعوده إلى الضرب، و (من) سببية مما لا ينبغي الإقدام عليه، والتاء في إثنتا للتأنيث ويقال: ثنتا إلا أن التاء فيها على ما في «البحر» للإلحاق، وهذا نظير أنبت ونبت ولامها محذوفة، وهي ياء لأنها من ثنيت. وقرأ مجاهد وجماعة ـ ورواه السعدي عن أبـي عمرو ـ عشرة بكسر الشين وهي لغة بني تميم، وقرأ الفضل الأنصاري بفتحها قال ابن عطية: وهي لغة ضعيفة، ونص بعضها النحاة على الشذوذ، ويفهم من بعض المتأخرين إن هذه اللغات في المركب لا في عشرة وحدها، وعبارات القوم لا تساعده، و ـ العين ـ منبع الماء وجمع على أعين شذوذاً وعيون قياساً، وقالوا في أشراف الناس: أعيان، وجاء ذلك في الباصرة قليلاً كما في قوله:شعر : أعياناً لها ومآقيا تفسير : وهو منصوب على التمييز، وإفراده في مثل هذا الموضع لازم، وأجاز الفراء أن يكون جمعاً. وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثني عشر سبطاً وكان بينهم تضاغن وتنافس فأجرى الله تعالى لكل سبط عيناً يردها لا يشركه فيها أحد من السبط الآخر دفعاً لإثارة الشحناء، ويشير إلى حكمة الانقسام، قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} وهي جملة مستأنفة مفهمة على أن كل سبط منهم قد صار له مشرب يعرفه فلا يتعدى لمشرب غيره، و (أناس) جمع لا واحد له من لفظه، وما ذكر من شذوذ إثبات همزته إنما هو مع الألف واللام، وأما بدونها فشائع صحيح، و (عَلِمَ) هنا متعدية لواحد أجريت مجرى عرف ـ ووجد ذلك بكثرة ـ و ـ المشرب ـ إما اسم مكان أي محل الشرب، أو مصدر ميمي بمعنى الشرب، وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء، وحمله على المكان أولى عند أبـي حيان، وإضافة المشرب إليهم لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص به صار كأنه ملك لهم وأعاد الضمير في مشربهم على معنى {كُلٌّ} ولا يجوز أن يعود على لفظها لأن ـ كُلاً ـ متى أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المعنى كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ }تفسير : [الإسراء: 71] وقوله:شعر : وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل تفسير : ونص على المشرب تنبيهاً على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة وإن كان سرد الكلام يقتضي ـ قد علم كل أناس عينهم ـ وفي الكلام حذف أي منها لأن {قَدْ عَلِمَ} صفة ـ لاثنتا عشرة عيناً ـ فلا بد من رابط، وإنما وصفها به لأنه معجزة أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداول يتميز بها مشرب كل من مشرب آخر، ويحتمل أن تكون الجملة حالية لا صفة لقوله تعالى: {ٱثْنَتَا عَشْرَةَ} لئلا يحتاج إلى تقدير العائد وليفيد مقارنة العلم بالمشارب للانفجار، والمشرب حينئذٍ العين. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رّزْقِ ٱللَّهِ} على إرادة القول، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه، و (من) لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض، وفي ذكر الرزق مضافاً تعظيم للمنة، وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف، وفي هذا التفات إذ تقدم {فَقُلْنَا ٱضْرِب} ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا، ولو جعل الإضمار قبل {كُلُواْ} مسنداً إلى موسى ـ أي وقال موسى: كلوا واشربوا ـ لا يكون فيه ذلك، و ـ الرزق ـ هنا بمعنى المرزوق وهو الطعام المتقدم من المنّ والسلوى، والمشروب من ماء/ العيون، وقيل: المراد به الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [البقرة: 61] و {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ }تفسير : [البقرة: 61] ويلزم عليه أيضاً الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤول إلى ـ كلوا واشربوا ـ من الماء، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته، والأكل بإرادة ما هو سبب عنه، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله، وقول بعض المتأخرين إن رزق الله ـ عبارة عن الماء، وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يروي العطشان يشبع الجوعان فهو طعام وشراب ـ بعيد غاية البعد، وأقرب منه أن لا يكون {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمراً مرتباً على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم الله تعالى، وعدم الإفساد بإضلال الخلق، وجمع عرض الدنيا ويكون فصله عما سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور. واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة فاقتضى أن يكون الرزق مباحاً فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحاً وحراماً، وأنه غير جائز، والجواب أن الرزق هنا ليس بعام إذا أريد المنّ والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية معين مّا من أنواع الرزق حلية جميع الرزق وعلى تسليم العموم يلتزم التبعيض. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} لما أمروا بالأكل والشرب من رزق الله تعالى ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان ولا مقدار كان ذلك إنعاماً وإحساناً جزيلاً إليهم، واستدعى ذلك التبسط في المأكل والمشرب نهاهم عما يمكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم بالكفران، و ـ العثي ـ عند بعض المحققين مجاوزة الحد مطلقاً فساداً كان أو لا فهو كالاعتداء، ثم غلب في الفساد، و(مفسدين) على هذا حال غير مؤكدة وهو الأصل فيها كما يدل عليه تعريفها، وذكر أبو البقاء أن ـ العُثِيّ ـ الفساد والحال مؤكدة، وفيه أن مجىء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف مذهب الجمهور. وذهب الزمخشري أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم، والمقصد النهي عما كانوا عليه من التمادي في الفساد وهو من أسلوب {أية : لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} تفسير : [آل عمران: 130] وإلا فالفساد أيضاً منكر منهي عنه، وفيه أنه تكلف مستغنى عنه بما ذكرنا، والمراد من (الأرض) عند الجمهور أرض التيه. ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادهم، وجوز أن يريد الأرضين كلها، و (أل) لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات، وذلك انتقام يعم الأرضين. هذا ثم إن ظاهر القرآن لا يدل على تكرر هذا الاستسقاء ولا الضرب ولا الانفجار فيحتمل أن يكون ذلك متكرراً، ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة والواحدة هي المتحققة. والحكايات في هذا الأمر كثيرة وأكثرها لا صحة له، وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة وقال: كيف يعقل خروج الماء العظيم الكثير من الحجر الصغير، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات فقد ترك النظر على طريقتهم إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجذب الحديد والحجر الحلاق يحلق الشعر والحجر الباغض للخل ينفر منه، وذلك كله من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكراً عندهم فليس يمتنع أن يخلق في حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض، ويكون خلق تلك القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى عليه السلام على ما ورد أنه كان بعد ذلك يأمره، فينفجر ولا ينافيه انفصاله عن الأرض كما وهم، ويحتمل أيضاً أن يقلب الله تعالى ـ بواسطة قوة أودعها في الحجر ـ الهواء/ ماء بإزالة اليبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فيها. والله تعالى على كل شيء قدير. وحظ العارف من الآية أن يعرف الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو مستسق ربه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا ـ لا إله إلا الله ـ ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس، وقد حملت من حضرة العزة على حجر القلب الذي هو كالحجارة أو أشد قسوة {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} من مياه الحكمة لأن كلمة ـ لا إله إلا الله ـ اثنتا عشرة حرفاً فانفجر من كل حرف عين قد عَلِمَ كل سبط من أسباط صفات الإنسان. وهي اثنا عشر سبطاً من الحواس الظاهرة والباطنة، واثنان من القلب والنفس، ولكل واحد منهم مشرب من عين جرت من حرف من حروف الكلمة، و (قد عَلِمَ) مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمن مشرب عذب فرات. ومشرب ملح أجاج، والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي {أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }تفسير : [الإنسان: 21] للاضمحلال في حقيقة الذات {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رّزْقِ ٱللَّهِ} بأمره ورضاه {وَلاَ تَعْثَوْاْ} في هذا القالب {مُفْسِدِينَ} بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على العقبـى وتقديمهما على المولى.
ابن عاشور
تفسير : تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي الري من العطش، وتلك نعمة كبرى أشد من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب. وكون السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلاً لهم. وكون العيون اثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا. وقوله: {وإذ} متعلق بـــ{اذكروا} وقد أشارت الآية إلى حادثة معروفة عند اليهود وذلك أنهم لما نزلوا في «رفيديم» قبل الوصول إلى برية سينا وبعد خروجهم من برية سين في حدود الشهر الثالث من الخروج عطشوا ولم يكن بالموضع ماء فتذمروا على موسى وقالوا أتصعدنا من مصر لنموت وأولادنا ومواشينا عطشاً فدعا موسى ربه فأمره الله أن يضرب بعصاه صخرة هناك في «حوريب» فضرب فانفجر منها الماء. ولم تذكر التوراة أن العيون اثنتا عشرة عيناً وذلك التقسيم من الرفق بهم لئلا يتزاحموا مع كثرتهم فيهلكوا فهذا مما بينه الله في القرآن. فقوله: {استسقى موسى} صريح في أن طالب السقي هو موسى وحده، سأله من الله تعالى ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده، كذلك كان استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر لما قال له الأعرابي «هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا» والحديث في «الصحيحين». وقوله: {لقومه} مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش وذلك لأنه خرج في تلك الرحلة موقناً أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة فلذلك وقاه الله أن يصيبه جوع أو عطش وكلل وكذلك شأن الأنبياء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وصال الصوم: «حديث : إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»تفسير : . قال ابن عرفة في «تفسيره» أخذ المازري من هذه الآية جواز استسقاء المخصب للمجدب لأن موسى عليه السلام لم ينله ما نالهم من العطش ورده ابن عرفة بأنه رسولهم وهو معهم اهـ. وهو رد متمكن إذ ليس المراد باستسقاء المخصب للمجدب الأشخاص وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم ينلهم الجدب لأهل بلد مجدبين والمسألة التي أشار إليها المازري مختلف فيها عندنا واختار اللخمي جواز استسقاء المخصب للمجدب لأنه من التعاون على البر ولأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وقال المازري فيه نظر لأن السلف لم يفعلوه. وعصا موسى هي التي ألقاها في مجلس فرعون فتلقفت ثعابين السحرة وهي التي كانت في يد موسى حين كلمه الله في برية سينا قبل دخوله مصر وقد رويت في شأنها أخبار لا يصح منها شيء فقيل إنها كانت من شجر آس الجنة أهبطها آدم معه فورثها موسى ولو كان هذا صحيحاً لعده موسى في أوصافها حين قال: {أية : هي عصاي}تفسير : [طه: 18] إلخ فإنه أكبر أوصافها. والعصا بالقصر أبداً ومن قال عصاه بالهاء فقد لحن، وعن الفراء أن أول لحن ظهر بالعراق قولهم عصاتي. و(أل) في (الحجر) لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت، أو للعهد مشيراً إلى حجر عرفه موسى بوحي من الله وهوحجر صخر في جبل حوريب الذي كلم الله منه موسى كما ورد في سفر الخروج وقد وردت فيه أخبار ضعيفة. والفاء في قوله: {فانفجرت} قالوا هي فاء الفصيحة ومعنى فاء الفصيحة أنها الفاء العاطفة إذ لم يصلح المذكور بعدها لأن يكون معطوفاً على المذكور قبلها فيتعين تقدير معطوف آخر بينهما يكون ما بعد الفاء معطوفاً عليه وهذه طريقة السكاكي فيها وهي المثلى. وقيل: إنها التي تدل على محذوف قبلها فإن كان شرطاً فالفاء فاء الجواب وإن كان مفرداً فالفاء عاطفة ويشملها اسم فاء الفصيحة وهذه طريقة الجمهور على الوجهين فتسميتها بالفصيحة لأنها أفصحت عن محذوف، والتقدير في مثل هذا فضرب فانفجرت وفي مثل قول عباس بن الأحنف:شعر : قالوا خراسانُ أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا تفسير : أي إن كان القفول بعد الوصول إلى خراسان فقد جئنا خراسان أي فلنقفل فقد جئنا. وعندي أن الفاء لا تعد فاء فصيحة إلا إذا لم يستقم عطف ما بعدها على ما قبلها فإذا استقام فهي الفاء العاطفة والحذف إيجاز وتقدير المحذوف لبيان المعنى وذلك لأن الانفجار مترتب على قوله تعالى لموسى: {اضرب بعصاك الحجر} لظهور أن موسى ليس ممن يشك في امتثاله بل ولظهور أن كل سائل أمراً إذا قيل له افعل كذا أن يعلم أن ما أمر به هو الذي فيه جوابه كما يقول لك التلميذ ما حكم كذا؟ فتقول افتح كتاب «الرسالة» في باب كذا، ومنه قوله تعالى الآتي: {أية : اهبطوا مصراً}تفسير : [البقرة: 61] وأما تقدير الشرط هنا أي فإن ضربت فقد انفجرت إلخ فغير بيّن، ومن العجب ذكره في «الكشاف». وقوله: {قد علم كل أناس مشربهم} قال العكبري وأبو حيان: إنه استئناف، وهما يريدان الاستئناف البياني ولذلك فصل، كأن سائلاً سأل عن سبب انقسام الانفجار إلى اثنتي عشرة عيناً فقيل قد علم كل سبط مشربهم، والأظهر عندي أنه حال جردت عن الواو لأنه خطاب لمن يعقلون القصة فلا معنى لتقدير سؤال. والمراد بالأناس كل ناس سبط من الأسباط. وقوله: {كلوا واشربوا من رزق الله} مقول قول محذوف. وقد جمع بين الأكل والشرب وإن كان الحديث على السقي لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقيل هنالك: {أية : كلوا من طيبات ما رزقناكم}تفسير : [البقرة: 57] فلما شفع ذلك بالماء اجتمع المنتان. وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} من جملة ما قيل لهم ووجه النهي عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في الفساد قال تعالى: {أية : كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 6، 7]. {ولا تعثوا} مضارع عثي كرضي، وهذه لغة أهل الحجاز وهي الفصحى فقوله: {ولا تعثوا} بوزن لا ترضوا ومصدره عند أهل اللغة يقتضي أن يكون بوزن رضي ولم أر من صرح به وذكر له في «اللسان» مصادر العُثيّ والعِثيّ بضم العين وكسرها مع كسر الثاء فيهما وتشديد الياء فيهما، والعَثَيان بفتحتين وفي لغة غير أهل الحجاز عثا يعثو مثل سما يسمو ولم يقرأ أحد من القراء: {ولا تعثوا} بضم الثاء. وهو أشد الفساد وقيل: هو الفساد مطلقاً وعلى الوجهين يكون {مفسدين} حالاً مؤكدة لعاملها. وفي «الكشاف» جعل معنى {لا تعثوا} لا تتمادوا في فسادكم فجعل المنهي عنه هو الدوام على الفعل وكأنه يأبى صحة الحال المؤكدة للجملة الفعلية فحاول المغايرة بين {لا تعثوا} وبين {مفسدين} تجنباً للتأكيد وذلك هو مذهب الجمهور لكن كثيراً من المحققين خالف ذلك، واختار ابن مالك التفصيل فإن كان معنى الحال هومعنى العامل جعلها شبيهة بالمؤكدة لصاحبها كما هنا وخص المؤكدة لمضمون الجملة الواقعة بعد الاسمية نحو زيد أبوك عطوفاً وقول سالم بن دارة اليربوعي:شعر : أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي وهل بدارة يا للناس من عار
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 60- واذكروا - يا بنى إسرائيل - يوم طلب نبيكم موسى السقيا لكم من ربه حين اشتد بكم العطش فى التيه، فرحمناكم وقلنا لموسى: اضرب بعصاك الحجر. فانفجر الماء من اثنتى عشرة عيناً، فصار لكل جماعة عين - وكانوا اثنتى عشرة جماعة - فعرفت كل قبيلة مكان شربها، وقلنا لكم: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء المتفجر ودعوا ما أنتم عليه، ولا تسرفوا فى الإفساد فى الأرض بل امتنعوا عن المعاصى. 61- واذكروا - أيها اليهود - أيضاً يوم سيطر البطر على أسلافكم، ولم يؤدوا لنعمة الله حقها فقالوا لموسى: إننا لن نصبر على طعام واحد (وهو المن والسلوى) فادع لنا ربك كى يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقولها وقثائها وعدسها وثومها وبصلها، فتعجب موسى من ذلك، وأنكره عليهم فقال لهم: أتفضلون هذه الأصناف على ما هو أفضل وأحسن، وهو المن والسلوى؟.. فانزلوا إذن من سيناء وادخلوا مدينة من المدن فإنكم ستجدون فيها ما تريدون، وبسبب ذلك البطر والعناد أحاطت بهؤلاء اليهود المذلة والفقر والخنوع، واستحقوا غضب الله عليهم لما ألفوه من العناد والعصيان، وما جروا عليه من الكفر بآيات الله وبقتلهم الأنبياء مخالفين بذلك الحق الثابت المقرر، وقد جرأهم على ذلك - الكفر وهذا القتل - ما رُكِّب فى نفوسهم من التمرد والعدوان ومجاوزة الحد فى المعاصى. 62- إن الذين آمنوا من الأنبياء من قبل، واليهود والنصارى، ومن يقدسون الكواكب والملائكة، من آمن برسالة محمد بعد بعثته، ووحَّد الله تعالى وآمن بالبعث والحساب يوم القيامة، وعمل الأعمال الصالحة فى دنياه، فهؤلاء لهم ثوابهم المحفوظ عند ربهم، ولا يلحقهم خوف من عقاب. ولا ينالهم حزن على فوات ثواب، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: استسقى: طلب لهم من الله تعالى السقيا أي الماء للشرب وغيره. بعصاك الحجر: عصا موسى التي كانت معه منذ خرج من بلاد مدين. وهل هي من شجر الجنة هبط بها آدم كذا قيل والله أعلم. والحجر هو حجر مربع الشكل من نوع الكذَّان رخو كالمدر. وهل هو الذي فر بثوب موسى في حادثة معروفة كذا قيل أو هو حجر من سائر الأحجار؟ الله أعلم. فانفجرت: الإنفجار: الإنفلاق فانفجرت: انفلقت من العصا العيون. مشربهم: موضع شربهم. رزق الله: ما رزق الله به العباد من سائر الأغذية. ولا تعثوا: العَثَيّ والعِثِيّ: أكبر الفساد وفعله عِثي كرضي يعثي كيرضي وعثا يعثو كعدا يعدو. مفسدين: الإفساد: العمل بغير طاعة الله ورسوله في كل مجالات الحياة. البقل: وجمعه البقول سائر أنواع الخضر كالجزر والخردل والبطاطس ونحوها. القثاء: الخيار والقته ونحوهما. الفُوم: الفوم: الحِنطة وقيل الثوم لذكر البصل بعده. اتستبدلون: الاستبدال ترك شيء وأخذ آخر بدلا عنه. أدنى: أقل صلاحاً وخيريه ومنافع كاستبدال المن والسلوى بالفوم والبقل. مصراً: مدينة من المدن قيل لهم هذا وهم في التيه كالتعجيز لهم والتحدي لأنهم نكلوا عن قتال الجبارين فاصيبوا بالتيه وحرموا خيرات مدينة القدس وفلسطين. ضربت عليهم الذلة: أحاطت بهم ولازمتهم الذلة وهي الصغار والاحتقار. والمسكنة: والمسكنة وهي الفقر والمهانة. باءوا بغضب: رجعوا من طول عملهم وكثرة كسبهم بغضب الله وسخطه عليهم وبئس ما رجعوا به. ذلك بأنهم: ذلك إشارة إلى ما أصابهم. من الذلة والمسكنة والغضب وبأنهم أي بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وعصيانهم، فالباء سببية. الاعتداء: مجاوزة الحق إلى الباطل، والمعروف إلى المنكر. والعدل إلى الظلم. معنى الآيتين: يُذكّر الله تعالى اليهود المعاصرين لنزول القرآن بالمدينة النبوية بأياديه في أسلافهم وأيامه عز وجل فيهم وفي الآية الأولى رقم [60] ذكرهم بأنهم لما عطشوا في التيه استسقى موسى ربه فسقاهم بأمر خارق للعادة ليكون لهم ذلك آية ليلزموا الإيمان والطاعة وهو أن يضرب موسى عليه السلام بعصاه الحجر فيتفجر الماء منه من اثني عشر موضعاً كل موضع يمثل عيناً يشرب منها سبط من أسباطهم الاثني عشر حتى لا يتزاحموا فيتضرروا أكرمهم الله بهذه النعمة، ونهاهم عن الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي. وفي الآية الثانية [61] ذكرهم بسوء أخلاق كانت في سلفهم منها عدم الصبر، والتعنت وسوء التدبير والجهالة بالخير، والرعونة وغيرها. وهذا ظاهر في قولهم يا موسى بدل يا نبي الله أو رسول الله لن نصبر على طعام واحد. وقولهم أدع لنا ربك بدل ادع الله تعالى لنا أو ادع لنا ربنا عز وجل. وفي مللهم اللحم والعسل وطلبهم الفوم والبصل بدلا عنهما وفي قول موسى عليه السلام أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ما يقرر ذلك كما ذكرهم بالعاقبة المرة التي كانت لهم نتيجة كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، واعتدائهم وعصيانهم، وهي أن ضرب الله تعالى عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم. كل هذا وغيره مما ذكَّر الله تعالى اليهود به في كتابه من أجل أن يذكروا فيتعظوا ويشكروا فيؤمنوا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويدخلوا في دينه فيكملوا ويسعدوا بعد أن ينجوا مما حاق بهم من الذلة والمسكنة والغضب في الدنيا، ومن عذاب النار يوم القيامة. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- استحسان الوعظ والتذكير بنعم الله تعالى ونقمه في الناس. 2- مطالبة ذي النعمة بشكرها، وذلك بطاعة الله تعالى بفعل أوامره. وترك نواهيه. 3- ذم الأخلاق السيئة والتنديد بأهلها للعظة والإعتبار. 4- التنديد بكبائر الذنوب كالكفر وقتل النفس بغير الحق لا سيما قتل الأنبياء أو خلفائهم وهم العلماء الآمرون بالعدل في الأمة.
القطان
تفسير : عثا يعثو عثوا, وعثيا: أفسد أشد الافساد. وكذلك عَثيَ يعثى.... واذكروا يوم طلب موسى من ربه السقيا لكم حين اشتد بكم العطش في التيه. فقلنا له اضرب بعصاك حجراً من أحجار الأرض. ويرى المفسرون أن في ذلك اشارة الى حفر الأرض لا مجرد الضرب بالعصا. فضربه، فنبع الماء منفجرا في اثني عشر مسرباً، على عدد أسباط بني اسرائيل، وتعين لكل سبط منهم مشربٌ خاص حتى لا يقع بينهم نزاع وخصام. وقال لهم الله تعالى على لسان نبيه: الآن كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من هذا الماء العذب وأنتم في هذه الصحراء المجدبة، ولا تنشروا الفساد في الارض.
د. أسعد حومد
تفسير : (60) - وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا امْتَنَّهُ عَلَى أَسْلاَفِهِمْ إِذْ اسْتَجَابَ لِدَعْوَةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ، حِينَ اسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ المَاءَ وَهُمْ عِطَاشٌ فِي صَحْرَاءِ التِّيهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِليهِ أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ حَجَراً مِنْ أَحْجَارِ الصَّحْرَاءِ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيْنٌ، عَرَفَها وَأَخَذَ يَشْرَبُ مِنْهَا، مَنْعاً لِلتَّزَاحُمِ والتَّنَافُسِ بَيْنَهُمْ عَلَى وُرُودِ المَاءِ. فَصَارَ بَنُو إِسرائِيلَ يَأْكُلُونَ مِنَ المَنِّ وَالسَّلْوَى وَيَشْرَبُونَ مِنَ المَاءِ. وَأَمَرَهُمُ اللهُ أَنْ لاَ يُقَابِلُوا هذِهِ النِّعَمَ بِالجُحُودِ وَالعِصْيَانِ وَالإِسْرَافِ في الإِفسادِ. السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ. اسْتَسْقَى - طَلَبَ السُّقْيا عِنْدَ عَدَمِ تَوَفُّرِ المَاءِ. العُثِيُّ - مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِي كُلِّ شَيءٍ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الفَسَادِ. فَانْفَجَرَتْ - فَانْشَقَّتْ وَسَالَتْ بِكَثْرَةٍ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} السين فيه: سين المسألة، مثل استعلم واستخبر ونحوهما، أي سأل السّقيا لقومه وذلك أنّهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب، فاستسقى لهم موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} وكان من آس الجنّة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان متّقدتان في الظلمة نوراً واسمه غليق، وكان آدم عليه السلام حمله معه من الجنة الى الأرض فتوارثته الأصاغر عن الأكابر حتى وصل الى شعيب فأعطاه لموسى. {ٱلْحَجَرَ} واختلفوا فيه، فقال وهب بن منبّه: كان موسى صلى الله عليه وسلم يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجّر منها لكلّ سبط عين وكانوا اثني عشر سبطاً، ثمّ يسيل في كلّ عين جدول الى السبط الذي أمر سقيهم، ثمّ أنّهم قالوا: إن فقد موسى عصاه، فأوحى الله تعالى الى موسى لا تقرعنّ الحجارة ولكن كلّمها تطعك لعلّهم يعتبرون. فقالوا: كيف بنا لو أفضينا الى الرّمل والى الأرض التي ليست فيها حجارة، فحمل موسى معه حجراً فحيث نزلوا ألقاه. وقال الآخرون: كان حجراً مخصوصاً بعينه، والدليل عليه قوله تعالى: {ٱلْحَجَرَ} فأدخل الألف واللام للتعريف مثل قولك: رأيت الرجل، ثم اختلفوا فيه ما هو. فقال ابن عباس: كان حجراً خفيفاً مربعاً مثل رأس الرجل أُمر أن يحمله وكان يضعه في مخلاته فإذا إحتاجوا الى الماء وضعه وضربه بعصاه. وفي بعض الكتب: إنّها كانت رخاماً. وقال أبو روق: كان الحجر من الكدان وكان فيه اثنا عشرة حفرة ينبع من كلّ حفرة عين ماء عذب فرات فيأخذوه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء وكان يستسقي كل يوم ستمائة ألف. وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة ففرّ الحجر بثوبه ومرّ به على ملأ من بني إسرائيل حتى ظهر إنه ليس بأَدِر، فلما وقف الحجر أتاه جبرئيل فقال لموسى: إن الله يقول إرفع هذا الحجر فانّ فيه قدرة، فلك فيه معجزة، وقد ذكره الله تعالى في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} تفسير : [الأحزاب: 69]. فحمله موسى ووضعه في مخلاته فكان إذا احتاج الى الماء ضربه بالعصا، وهو ما روي عن أبي هريرة إنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم الى سوأة بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ إنه آدر قال: فذهب مرّة يغتسل فوضع موسى ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه قال: فجمع موسى في أثره يقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظر بنو إسرائيل الى سوأة موسى فقالوا والله ما بموسى من بأس قال فقام الحجر بعد ما نظر إليه وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً ". تفسير : فقال أبو هريرة: وقد رأينا بالحجر ندباً ستة أو سبعة أثر ضرب موسى. وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: كانت ضربة موسى اثني عشرة ضربة، وظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة، ثم انفجر بالأنهار المطرّدة وهو قوله: {فَٱنفَجَرَتْ}. وفي الآية اضمار واختصار تقديرها: ضرب فانفجرت أي سالت، وأصل الانفجار: الانشقاق والانتشار، ومنه فجر النهار. {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} قرأ العامة بسكون الشيّن على التخفيف، وقرأ العباس بن الفضل الأنصاري بفتح الشين على الأصل، وقرأ أبو [.....] بكسر الشين. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} موضع شربهم ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل، المخرج. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء؛ فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: يُقال: عثى يعثي عثياً، وعثا يعثو عثواً، وعاث يعث عيثاً وعيوثاً [بثلاث لغات] وهو شدة الفساد. قال ابن الرّقاع: شعر : لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا فيه المشيب لزرتُ أمّ القاسم تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} الآية، وذلك أنهم ملّوا المنّ والسلوى وسئموها. قال الحسن: كانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عاداتهم عليه، فقالوا: لن نصبر على طعام واحد وكفّوا عن المنّ والسلوى، وإنما قالوا (واحد) وهما اثنان؛ لأن العرب تعبّر عن اثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الاثنين كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22]، وإنما يخرجان من المالح منهما دون العذب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المنّ والسلوى فيصير طعاماً واحداً فيأكلونه. {فَٱدْعُ} فسأل وادعِ. {لَنَا} لأجلنا. {رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا} قراءة العامة بكسر القاف. وقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي: وقثائها بضم القاف، وهي لغة تميم. {وَفُومِهَا}: قال ابن عباس: الفوم: الخبز، تقول العرب: فوّموا لنا، أي اختبزوا لنا. عطاء وأبو مالك: هو الحنطة وهي لغة قديمة، قال الشاعر: شعر : قد كنت أحسبني كأغنى واحد نزل المدينة عن زراعة فوم تفسير : [.....]: هو الحبوب كلّها. الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج: هو الثوم، وأنشد المعرّج لحسّان: شعر : وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل تفسير : يعني الثوم والبصل؛ فالعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول للصمغ العرفط: مغاثير ومغافير، وللقبر جدف وجدث، ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبد الله: وثومها. {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} عن الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بالعدس فإنّه مبارك مقدّس وإنه يُرقق القلب ويُكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبياً آخرهم عيسى عليه السلام ". تفسير : فقال لهم موسى عند ذلك: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} وفي مصحف أُبيّ: أتبدلون. {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} أخس وأردى. حكى الفراء عن زهير العرقي: إنه قرأ (أدناء) بالهمزة، والعامة على ترك الهمزة، وقال بعض النحاة: هو أدون فقدّمت النون وحوّلت الواو ياء كقولهم: أولى من الويل. {بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} أشرف وأفضل، ومعناه: أتتركون الذي هو خير وتريدون الذي هو شر، ويجوز أن يكون هذا الخير والشر منصرفين إلى أجناس الطعام وأنواعه، ويجوز أن يكونا منصرفين إلى اختيار الله لهم، واختيارهم لأنفسهم. { ٱهْبِطُواْ مِصْراً} يعني فإن أبيتم إلاّ ذلك فاهبطوا مصراً من الأمصار، ولو أراد مصر بعينها لقال: (مصر) ولم يصرفه كقوله {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [يوسف: 99] وهذا معنى قول قتادة. الضحاك: هي مصر موسى وفرعون. وقال الأعمش: هي مصر التي عليها صالح بن علي ودليل هذا القول: قراءة الحسن وطلحة: (مصر) بغير تنوين جعلاها معرفة، وكذلك هو في مصحف عبدالله وأُبيّ بغير ألف، وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها. قال الشاعر: شعر : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا تفسير : {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} من نبات الأرض. {وَضُرِبَتْ} جُعلت. {عَلَيْهِمُ} وألزموا. {ٱلذِّلَّةُ} الذل والهوان. قالوا: بالجزية، يدل عليه قوله: {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29] وقال [.....]: هو الكستيبنج وزنة اليهودية. {وَٱلْمَسْكَنَةُ} يعني ذي الفقر. [فتراهم] كأنّهم فقراء وأن كانوا مياسير، وقيل: المذلة وفقر القلب فلا يرى في أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود، والمسكنة مفعلة من السكون، ومنه سُميّ الفقير مسكيناً لسكونه وقلّة حركاته. يُقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي أفقر. {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي رجعوا في قول الكسائي وغيره. أبو روق: استحقوا والباء صلة. أبو عبيدة: احتملوا وأقرّوا به، ومنه الدعاء المأثور: (أبوء بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت)، وغضب الله عليهم: ذمّهُ لهم وتوعّده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل والفرقان. {وَيَقْتُلُونَ} قراءة العامة بالتخفيف من القتل، وقرأ السّلمي بالتشديد من التقتيل. {ٱلنَّبِيِّينَ} القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرّد نافع بهمز النبيين، [ومدّه] فمن همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي أنباءاً، ونبّأ ينبيء تنبئة بمعنى واحد، فقال الله عزّ وجلّ: {أية : فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} تفسير : [التحريم: 3] ومن حذف الهمز فله وجهان: أحدهما: إنه أراد الهمز فحذفه طلباً للخفّة لكثرة استعمالها، والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرّفيع مأخوذ من النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع. قال الشاعر: شعر : إنّ جنبي عن الفراش لناب كتجافي الأسرّ فوق الظراب تفسير : وفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمّي الرسول نبياً، وإنما دقائق الحصا لأنّه طريق إلى الهدى، ومنه قول الشاعر: شعر : لاصبح رتما دقاق الحصى مكان النبي من الكاثب تفسير : ومعنى الآية: ويقتلون النبيّين. {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء، وفي الخبر: إنّ اليهود قتلوا سبعين نبياً من أوّل النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من] آخر النهار [في ذلك اليوم]. { ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} يعني اليهود، واختلف العلماء في سبب تسميتهم به. فقال بعضهم: سمّوا بذلك لأنهم هادوا أي تابوا من عبادة العجل، كقوله أخباراً عنهم: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156]. وأنشد أبو عبيدة: شعر : إنّي امرؤ من مدحه هائد تفسير : أي تائب. وقال بعضهم: لأنّهم هادوا أي مالوا عن الإسلام وعن دين موسى. يُقال: هاد يهود هوداً: إذا مال. قال امرؤ القيس: شعر : قد علمت سلمى وجاراتها أنّي من الناس لها هائد تفسير : أي إليها مائل. وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنّهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة، ويقولون: إنّ السموات والأرض تحرّكت حين أتى الله موسى التوراة. وقرأ أبو السمّاك العدوي واسمه قعنب: هادَوا بفتح الدال من المهاداة، أي مال بعضهم الى بعض في دينهم. {وَٱلنَّصَارَىٰ} واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري: سمّوا نصارى لأنّ الحواريّين قالوا: نحن أنصار الله. مقاتل: لأنّهم تولوا قرية يُقال لها: ناصرة، فنُسبوا إليها. وقال الخليل بن أحمد: النصارى: جمع نصران، كقولهم: ندمان وندامى. وأنشد: شعر : تراه إذا دار العشيّ محنّفاً ويضحى لربّه وهو نصران شامس تفسير : فنسبت فيه ياء النسبة كقولهم لذي اللحية: لحياني، ورقابي لذي الرقبة. فقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع نصري كما يُقال: بعير حبري، وإبل حبارى، وإنما سمّوا نصارى لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى وأمّه. {وَٱلصَّابِئِينَ} قرأ أهل المدينة بترك الهمزة من الصّابئين والصّابئون الصّابين والصّابون في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالهمز وهو الأصل، يُقال: صبا يصبوا صبوءاً، إذا مال وخرج من دين إلى دين. قال الفرّاء: يُقال لكل من أحدث ديناً: قد صبأ وأصبأ بمعنى واحد، وأصله الميل، وأنشد: شعر : إذا أصبأت هوادي الخيل عنّا حسبت بنحرها شرق البعير تفسير : واختلفوا في الصّابئين من هم: قال عمر: هم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وبه قال السدي. وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحة نسائهم. وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشّام بين اليهود والمجوس لا دين لهم. وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب، وهو رأي أبي حنيفة. وقال قتادة ومقاتل: هم قوم يقرّون بالله عزّ وجلّ، ويعبدون الملائكة، ويقرأون الزبور ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئاً. الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى، يحلقون أوساط رؤوسهم ويُحبّون ذاكرهم. عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر. {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} اختلفوا في حكم الآية ومعناها، ولهم فيها طريقان: أحدهما: إنّه أراد بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} على التحقيق وعقد التصديق، ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين من هم؟ فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّروا ولم يصبئوا، وانتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: هم طلاّب الدين، منهم: حبيب النجّار، وقيس بن ساعدة، وزيد بن عمرو ابن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السّندي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ويحيى الراهب، ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه، ومنهم من لم يدركه. وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية. وقيل: المؤمنون من هذ الأُمة. {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} يعني الذين كانوا على دين موسى عليه السلام ولم يبدّلوا ولم يغيّروا. {وَٱلنَّصَارَىٰ}: الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك. قالوا: وهذان اسمان لزماهم زمن موسى وعيسى (عليهما السلام)، حيث كانوا على الحق فبقي الاسم عليهم كما بقي الإسلام على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم والصابئين زمن استقامتهم من آمن منهم أي مات منهم وهو مؤمن؛ لأنّ حقيقة الإيمان المؤاخاة. قال: ويجوز أن تكّون الواو فيه مضمراً: أي ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة. والطريق الآخر: إنّ المذكورين في أول الآية بالإيمان إنّما هو على طريق المجاز والتسّمية دون الحكم والحقيقة، ثمّ اختلفوا فيه: فقال بعضهم: إنّ الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب المتقدمة ولم يؤمنوا بك ولا بكتابك. وقال آخرون: يعني به المنافقين أراد: إنّ الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [النساء: 136]، والذين هادوا: أي اعتقدوا اليهودية وهي الدين المبدّل بعد موسى عليه السلام، والنصارى: هم الذين اعتقدوا النصرانية والدّين المبدّل بعد عيسى، والصابئين: يعني أصناف الكفّار من آمن بالله من جملة الأصناف المذكورين في الآية. وفيه اختصار وإضمار تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر؛ لأنّ لفظ (من) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. قال الله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} تفسير : [الأنعام: 25] {أية : وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 43] {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 42]. قال {أية : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [الأحزاب: 31]، وقال الفرزدق في التشبيه: شعر : تعال فإن عاهدتني لا تخونني تكن مثل من ناديت يصطحبان تفسير : {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيما قدّموا. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلّفوا، وقيل: لا خوف عليهم بالخلود في النار، ولا يحزنون بقطيعه الملك الجبّار، ولا خوف عليهم من الكبائر وإنّي أغفرها، ولا هم يحزنون على الصغائر فأنّي أكفّرها. وقيل: لا خوف عليهم فيما تعاطوا من الإجرام، ولا هم يحزنون على ما اقترفوا من الآثام لما سبق لهم من الإسلام الآثام.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومعناها: اذكر إذا استسقى موسى لقومه .. وهذه وردت كما بينا في عدة آيات في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [الأعراف: 141]. وقول سبحانه: {أية : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ..} تفسير : [البقرة: 51]. وقوله جل جلاله: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ..} تفسير : [البقرة: 55]. وقلنا إن هذه كلها نعم امتن الله بها على بني إسرائيل وهو سبحانه وتعالى يذكرهم بها. إما مباشرة وإما على لسان موسى عليه السلام. والحق يريد أن يذكر بني إسرائيل حينما تاهوا في الصحراء أنه أظلهم بالغمام .. وسقاهم حين طلبوا السقيا .. ولقد وصلت ندرة الماء عند بني إسرائيل لدرجة أنهم لم يجدوا ما يشربونه .. لأن الإنسان يبدأ الجفاف عنده لعدم وجود ماء يسقي به زرعه .. ثم يقل الماء فلا يجد ما يسقي به أنعامه .. ثم يقل الماء فلا يجد ما يشربه .. وهذا هو قمة الجفاف أو الجدب. وموسى عليه السلام طلب السقيا من الله تبارك وتعالى .. ولا تطلب السقيا من الله إلا إذا كانت الأسباب قد نفدت .. وانتهت آخر نقطة من الماء عندهم؛ فالماء مصدر الحياة ينزله الله من السماء .. وينزله نقياً طاهراً صالحاً للشرب والري والزرع وسقيا الأنعام. والحق سبحانه وتعالى جعل ثلاثة أرباع الأرض ماء والربع يابساً .. حتى تكون مساحة سطح الماء المعرضة للتبخّر بواسطة أشعة الشمس كبيرة جداً فتسهل عملية البخر؛ فإنك إذا جئت بكوب ماء وتركته في حجرة مغلقة لمدة يومين أو ثلاثة. ثم عدت تجده ناقصاً قيراطاً أو قيراطين. ولكن إذا أمسكت ما في الكوب من ماء وألقيته على أرض الحجرة .. فإنه يجف قبل أن تغادرها لماذا؟ .. لأن مساحة سطح الماء هنا كبيرة، ولذلك يتم البخر بسرعة ولا يستغرق وقتاً. هذه هي النظرية نفسها التي تتم في الكون. الله تبارك وتعالى جعل سطح الماء ثلاثة أرباع الأرض ليتم البخر في سرعة وسهولة .. فيتكون السحاب وينزل المطر نأخذ منه ما نحتاج إليه، والباقي يكون ينابيع في الأرض، مصداقاً لقوله تبارك وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الزمر: 21]. هذه الينابيع تذهب إلى أماكن لا يصلها المطر. ليشرب منها الناس مِمّا نُسميه الآبار أو المياه الجوفية .. وتشرب منها أنعامهم .. فإذا حدث جفاف يخرج الناس رجالاً ونساء وصبياناً وشيوخاً. يتضرعون إلى الله ليمطرهم بالماء .. ونحن إذا توسلنا بأطفالنا الرضع وبالضعفاء يمطرنا الله. وبعض الناس يقولون إن المطر ينزل بقوانين علمية ثابتة .. يصعد البخار من البحار ويصبح سحاباً في طبقات الجو العليا ثم ينزل مطراً .. تلك هي القوانين الثابتة لنزوله. وأن السحاب لا بد أن يكون ارتفاعه عدد كذا من الأمتار .. ليصل إلى برودة الجو التي تجعله ينزل مطراً. ولابد أن يكون السحاب ملقحاً .. نقول أن هذا كله مرتبط بمتغيرات. فالريح تهب أو لا تهب. وتحمل السحاب إلى منطقة عالية باردة ولا تحمله وغير ذلك. إذن فكل ثابت محمول على متغير .. قد تعرف أنت القوانين الثابتة، ولكن القوانين المتغيرة لا يمكن أن تتنبأ بما ستفعل ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} تفسير : [الجن: 16]. إذن فعوامل سقوط المطر لا تخضع لقوانين ثابتة. ولكن المتغير هو العامل الحاسم. ليسوق السحاب إلى المناطق الباردة وإلى الارتفاع المطلوب، ولابد أن نتنبه إلى أن هناك قوانين ثابتة في الكون وقوانين تتغير، وأن القانون المتغير هو الذي يحدث التغيير. وقوله تعالى: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} [البقرة: 60] .. تدل على أن هناك مُستسقى بفتح القاف وأن هناك مستسقي بكسر القاف .. مستسقِي بكسر القاف أي ضارع إلى الله لينزل المطر .. أما المستسقَى بفتح القاف فهو الله سبحانه وتعالى الذي ينزل المطر. إن هذا الموقف خاص بالله تبارك وتعالى فلا توجد مخازن للمياه وليس هناك ماء في الأرض .. من أنهار أو آبار أو عيون ولا ملجأ إلا الله .. فلابد من التوسل لله تبارك وتعالى: "عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيُسقون" بعض الناس يقولون هذا دليل على أن الميت لا يستعان به .. بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وإنما توسل بعم رسول الله .. نقول وبمن توسل عمر؟.. أتوسل بالعباس أم بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ .. توسل بالرسول، وبذلك أخذنا الحجة أن الوسيلة ليست مقصورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وإنما تتعدى إلى أقاربه. وهنا يأتي سؤال لماذا نقل الأمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عم الرسول؟ .. نقول لأن رسول الله قد انتقل ولا ينتفع الآن بالماء .. ولكن عمه العباس هو الحي الذي ينتفع بالماء .. لذلك كان التوسل بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن منطقيا أن يتوسلوا برسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ميت ولا يحتاج إلى الماء .. والذين أرادوا أن يأخذوا التوسل بذوي الجاه .. نقول لهم أن الحديث ضدكم وليس معكم .. لأنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لابد أن نتحدث كيف أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن قابل بنو إسرائيل النعمة بالجحود والنكران فكيف يسقيهم؟ .. نقول إنها النبوة الرحيمة التي كانت السبب في تنزل الرحمة تلو الرحمة على بني إسرائيل .. وكان طمع موسى في رحمة الله بلا حدود .. ولذلك فإن الدعوات كانت تتوالى من موسى عليه السلام لقومه .. وكانت الاستجابة من الله تأتي. كان من المفروض لاستكمال المعنى أن يقال وإذا استسقى موسى ربه لقومه فقال يا رب اسقهم .. ولكن هذه لم تأت حذفت وجاء بعدها الإجابة: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} [البقرة: 60] .. إذن قوله يا رب اسق قومي واستجابة الله له محذوفة لأنها مفهومة .. ولذلك جاء القرآن باللفتات الأساسية وترك اللفتات المفهومة لذكاء الناس .. تماماً كما جاء في سورة النمل: الهدهد ذهب ورأى ملكة بلقيس وعرشها. وعاد إلى سليمان وأخبره. فطلب سليمان من الهدهد أن يلقي إلى ملكة سبأ وقومها كتاباً وقال: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 28-29]. فسليمان أمر الهدهد أن يلقي كتاباً إلى بلقيس وقومها، والآية التي بعدها جاءت بقوله تعالى: قالت {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29] كل التفاصيل حذفت من أن الهدهد أخذ الكتاب وطار إلى ملكة سبأ وألقى الكتاب أمام عرشها .. والتقطت بلقيس ملكة سبأ الكتاب وقرأته، ودعت قومها وبدأت تروي إليهم قصة الكتاب .. كل هذا حُذف لأنه مفهوم. قال موسى: يا رب اسق قومي .. والله سبحانه وتعالى قال له: إن أردت الماء لقومك .. كل هذا محذوف .. وتأتي الآية الكريمة: {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} [البقرة: 60]. {ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} [البقرة: 60] لنا معها وقفة .. الإنسان حين يستسقي الله .. يطلب منه أن ينزل عليه مطراً من السماء، والحق تبارك وتعالى كان قادراً على أن ينزل على بني إسرائيل مطراً من السماء. ولكن الله جل جلاله أراد المعجزة .. فقال سأمدكم بماء ولكن من جنس ما منعكم الماء وهو الحجر الموجود تحت أرجلكم .. لن أعطيكم ماء من السماء .. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُرِي بني إسرائيل مدى الإعجاز .. فأعطاهم الماء من الحجر الذي تحت أرجلهم. ولكن مَنْ الذي يتأثر بالضرب: الحجر أم العصا؟ .. العصا هي التي تتأثر وتتحطم والحجر لا يحدث فيه شيء .. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد بضربة واحدة من العصا أن ينفلق الحجر .. ولذلك يقول الشاعر: شعر : أيا هـازئاً من صـنوف القـدرْ بنفســك تـعنف لا بالقــدرْ ويا ضـارباً صخـرةً بالعصـا ضربْتَ العصا أم ضربْتَ الحجرْ تفسير : إن انفجار الماء من ضربة العصا دليل على أن العصا أشارت فقط إلى الصخرة فتفجر منها الماء .. وحتى لو كانت العصا من حديد .. هل تكون قادرة على أن تجعل الماء ينبع من الحجر؟ فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه كان من الممكن أن ينزل الماء من السماء .. ولكن الله أرادها نعمة مركبة .. ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي الماء من الحجر الصلب .. وأن نبع الماء من متعلقات "كن". هنا لابد أن ننظر إلى تعنت بني إسرائيل قالوا لموسى هب أننا في مكان لا حجر فيه. من أين ينبع الماء؟ .. لابد أن نأخذ معنا الحجر حتى إذا عطشنا نضرب الحجر بالعصا .. ونسوا أن هناك ما يتم بالأسباب وما يتم بكلمة "كن"، ولذلك تجد مثلاً كبار الأطباء يحتارون في علاج مريض .. ثم يشفى على يد طبيب ناشىء حديث التخرج .. هل هذا الطبيب الناشىء يعرف أكثر من أساتذته الذين علموه؟ .. الجواب طبعاً لا. إن التلميذ لا يتفوق على أستاذه الذي علمه فليس العلاج بالأسباب وحدها ولكن بقدرة المسبب .. ولذلك جاء موعد الشفاء على يد هذا الطبيب الناشىء، فكشف الله له الداء وألهمه الدواء. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} [البقرة: 60] لماذا اثنتا عشرة عيناً. لأن اليهود كانوا يعيشون حياة انعزال. كل مجموعة منهم كانت تسمى "سبطاً" لها شيخ مثل شيخ القبيلة .. والحق تبارك وتعالى يقول: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] أي كل سبط أو مجموعة ذهبت لمشرب .. نبعت العيون من الحجر وامتدت متشعبة إلى الأسباط جميعاً كل في مكانه .. فإذا ما أخذوا حاجتهم ضرب موسى الحجر فيجف. ولذلك نعرف أن الحجر كان يعطيهم الماء على قدر الحاجة وكانت الجهة السفلى من الحجر الملامسة للأرض .. والجهة العليا التي ضرب عليها بالعصا لم ينبع منهما شيء، أما باقي الجهات الأربع فقد نبع منها كل منها ثلاثة ينابيع. وهناك شيء في اللغة يسمونه اللفظ المشترك .. وهو الذي يستخدم في معانٍ متعددة .. فإذا قلت سقى القوم دوابهم من العين .. العين هنا عين الماء، وإذا قلت أرسل الأمير عيونه في المدينة يعني أرسل جنوده .. وإذا قلت اشتريته بعين أي بذهب .. وإذا قلت نظر إليَّ بعينه شذراً أي ببصره .. إذن كلمة عين تستخدم في أشياء متعددة، ومعناها هنا عين الماء الجارية. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] أي أن كل سبط عرف مكانه الذي يلزمه .. حتى لا يضيع من كل منهم الماء .. ولكن الإنسان حينما يكون مضطراً يلتزم بما يطلبه الله منه ويكون ملتزماً بالأداء، فإذا فرج الله كربه وعادت إليه النعمة يعود إلى طغيانه .. ولذلك يقول الحق جل جلاله فيها: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60] أي لا يكون شكركم على النعمة بالإفساد في الأرض .. واقرأ قوله تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} تفسير : [سبأ: 15-16]. هنا نرى أن أهل سبأ رزقهم الله فأعرضوا عن شكره .. كانوا يتيهون بالسد الذي يحفظ لهم مياه الأمطار، ويمدهم بما يحتاجون إليه منها طوال العام، وأخذوا يتفاخرون بعلمهم ونسوا الله الذي علمهم .. فكان هذا السد هو النكبة أو الكارثة التي أهلكت زرعهم .. كذلك حدث لبني إسرائيل، قيل لهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]. فأفسدوا في الأرض ونسوا نعمة الله فنزل بهم العذاب.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تعدّد النعم على بني إِسرائيل، وهذه إِحدى النعم العظيمة عليهم حين كانوا في التيه، وعطشوا عطشاً شديداً كادوا يهلكون معه، فدعا موسى ربه أن يغيثهم فأوحى الله إِليه أن يضرب بعصاه الحجر، فتفجرت منه عيون بقدر قبائلهم، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة فجرى لكل منهم جدول خاص، يأخذون منه حاجتهم لا يشاركهم فيه غيرهم، وكان موضوع السقيا آية باهرة ومعجزة ظاهرة لسيدنا موسى عليه السلام ومع ذلك كفروا وجحدوا. اللغَة: {ٱسْتَسْقَىٰ} طلب السقيا لقومه لأن السين والتاء للطلب مثل: استنصر واستخبر قال أبو حيان: الاستسقاء: طلب الماء عند عدمه أو قلته، ومفعوله محذوف أي استسقى موسى ربّه. {فَٱنفَجَرَتْ} الانفجار: الإِنشقاق ومنه سمي الفجر لانشقاق ضوئه، وانفجر وانبجس بمعنى واحد قال تعالى {أية : فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ} تفسير : [الأعراف: 160]، {مَّشْرَبَهُمْ} جهة وموضع الشرب {تَعْثَوْاْ} العيث: شدة الفساد، قال: عَثِيَ يعثَى: وعثَا يعثو إِذا أفسد فهو عاثٍ، قال الطبري: معناه تطغوا وأصله شدة الإِفساد {فُومِهَا} الفوم: الثوم وقيل: الحنطة {أَتَسْتَبْدِلُونَ} الاستبدال: ترك شيء لآخر وأخذ غيره مكانه {أَدْنَىٰ} أخسَّ وأحقر يقال رجل دنيء إِذا كان يتتبع الخسائس {ٱلذِّلَّةُ} الذل والهوان والحقارة {وَٱلْمَسْكَنَةُ} الفاقة والخشوع مأخوذة من السكون لأن المسكين قليل الحركة لما به من الفقر {بَآءُو} رجعوا وانصرفوا قال الرازي: ولا يقال باء إِلا بشرّ {يَعْتَدُونَ} الإِعتداء: تجاوز الحد في كل شيء واشتهر في الظلم والمعاصي. التفسِير: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} أي اضرب أيّ حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه {فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً بقدر قبائلهم {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} أي قلنا لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كدّ منكم ولا تعب، بل هو من خالص إِنعام الله {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المنّ والسلوى {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} أي على نوع واحدٍ من الطعام وهو المنُّ والسلوى {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} أي ادع الله أن يرزقنا غير ذلك الطعام فقد سئمنا المنَّ والسلوى وكرهناه ونريد ما تخرجه الأرض من الحبوب والبقول {مِن بَقْلِهَا} من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث {وَقِثَّآئِهَا} يعني القتَّة التي تشبه الخيار {وَفُومِهَا} أي الثوم {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} أي العدس والبصل المعروفان {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} أي قال لهم موسى منكراً عليهم: ويحكم أتستبدلون الخسيس بالنفيس! وتفضلون البصل والبقل والثوم على المنّ والسلوى؟ {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} أي ادخلوا مصراً من الأمصار وبلداً من البلدان أيّاً كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء.. ثم قال تعالى منبهاً على ضلالهم وفسادهم وبغيهم وعدوانهم {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من الله {ذَلِكَ} أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي بسبب كفرهم بآيات الله جحوداً واستكباراً، وقتلهم رسل الله ظلماً وعدواناً {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي بسبب عصيانهم وطغيانهم وتمردهم عَلى أحكام الله ثمَّ دعا تعالى أصحاب الملل والنحل "المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين" إِلى الإِيمان الصادق وإِخلاص العمل لله وساقه بصيغة الخبر فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} المؤمنون أتباع محمد {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} اليهود أتباع موسى {وَٱلنَّصَارَىٰ} أتباع عيسى {وَٱلصَّابِئِينَ} قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي من آمن من هذه الطوائف إِيماناً صادقاً فصدَّق بالله، وأيقن بالآخرة {وَعَمِلَ صَالِحاً} أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي لهم ثوابهم عند الله لا يضيع منه مثقال ذرة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. البَلاَغَة: أولاً: في إِضافة الرزق إِلى الله تعالى {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} تعظيمٌ للمنَّة والإِنعام وإِيماء إِلى أنه رزقٌ حاصلٌ من غير تعب ولا مشقة. ثانياً: في التصريح بذكر الأرض {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} مبالغةٌ في تقبيح الفساد وقوله {مُفْسِدِينَ} حالٌ مؤكدة ووجه فصاحة هذا الأسلوب أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الأمر أو النهي لا يحوم حوله لبسٌ أو شك، ومن مظاهر هذه العناية التوكيد فقوله {مُفْسِدِينَ} يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيداً من أن يُغفل عنه أو يُنسى. ثالثاً: قوله تعالى {مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} المنبت الحقيقي هو الله سبحانه ففيه مجاز يسمى (المجاز العقلي) وعلاقته السببية لأن الأرض لما كانت سبباً للنبات أُسند إِليها. رابعاً: قوله {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} كناية عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبَّة بمن ضربت عليه كما قال الشاعر: شعر : إِن السماحة والمروءة والندى في قبَّة ضربت على ابن الحشرج تفسير : خامساً: تقييد قتل الأنبياء بقوله {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} مع أن قتلهم لا يكون بحق البتَّة إِنما هو لزيادة التشنيع بقبح عدوانه. الفوَائِد: الأولى: حكى المفسرون أقوالاً كثيرة في الحجر الذي ضربه موسى فجرت منه العيون ما هو؟ وكيف وصفه؟ وقد ضربنا صفحاً عن هذه الأقوال والذي يكفي في فهم معنى الآية أن واقعة انفجار الماء إِنما كان على وجه "المعجزة" وأن الحجر الذي ضربه موسى كان من الصخر الأصم الذي ليس من شأنه الانفجار بالماء، وهنا تكون المعجزة أوضح، والبرهان أسطع قال الحسن البصري: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة. الثانية: فإِن قيل ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً؟ والجواب: أن قوم موسى كانوا كثيرين وكانوا في الصحراء، والناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع، فأكمل الله هذه النعمة بأن عيّن لكل سبط منهم ماءً معيناً على عددهم لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر والله أعلم. الثالثة: ذهب بعض المفسرين إِلى أن المراد بالفوم في قوله {وَفُومِهَا} الحنطة والأرجح أن المراد به الثوم بدليل قراءة ابن مسعود {وثومها} وبدليل اقتران البصل بعده قال الفخر الرازي: الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة، واستدل القرطبي على ذلك بقول حسان: شعر : وأنتم أُناسٌ لئامُ الأصول طعامكم الفوم والحوقل تفسير : يعني الثوم والبصل.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} معناهُ لا تَفسُدوا فيها. ويقالُ: عاثَ في الأرضِ وعَثا إِذا أَفسدَ.
الأندلسي
تفسير : {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ} طلب السقيا وهذا هو الانعام التاسع ومفعول استسقى محذوف أي ربه كما قال: إذ استسقاه قومه أي طلبوا منه السقيا فعداه إلى المستسقى منه وجاء معدي إلى المستسقي. قال الشاعر: شعر : "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه" تفسير : فاحتمل أن يكون المحذوف ماء والاستسقاء يدل على فقدهم الماء أو قلته بحيث لا يكفيهم وثم محذوف أي إذا عطشوا. {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} أي فامتثل الأمر فضرب وفي هذا دليل على قدرة الصانع وإثبات نبوة موسى عليه السلام إذ هو خارق عظيم والاضافة في بعصاك إشعار بأنها التي كان يلازمها، ولعلها التي سأله الله تعالى عنها في قوله: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ}تفسير : [طه: 17]. والظاهر أن ألْ في الحجر للعهد قيل كان حجراً معيناً حمله معه من الطور. وقيل: ألْ للجنس فأي حجر ضرب. وفي وصفه ومن أي شيء كان أقوال مضطربة. {فَٱنفَجَرَتْ} معطوف على ذلك المحذوف أي فضربت فانفجرت ودعوى إن فاء فانفجرت هي فاء فضرب فحذف ضرب لدلالة فائه عليه وحذفت فاء. فانفجرت لدلالة انفجرت عليها تخرص على العرب بغير دليل. (وزعم) الزمخشري أن الفاء ليست للعطف بل هي جواب شرط محذوف، كأنه قال: فإِن ضربت فقد انفجرت كما ذكرنا في قوله: {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 54]، وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلاّ في كلام فصيح. انتهى. كلامه. وتقدم ردنا عليه ذلك في قوله: {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 54]. ورددنا عليه هنا في الكتاب الكبير في تقديره بعد الفاء قد أي فقد تاب عليكم فقد انفجرت، والظاهر أن معنى انفجرت وانبجست واحد إذ هي قصة واحدة. وقيل: الانفجار اتساع الماء وكثرته وانبجاسه رشحه وأول خروجه ومن في. منه لابتداء الغاية والضمير عائد على الحجر وفيه من الاعجاز ظهور الماء من حجر لا اتصال له بالأرض فتكون مادته منها وخروجه كثيراً من حجر صغير وبقدر حاجتهم وعند الضرب بالعصا وانقطاعه عند الاستغناء عنه وعدد عيونه على عدد الاسباط. وقرىء عشرة بسكون الشين وكسرها وفتحها. و{ٱثْنَتَا} معرب. و{عَشْرَةَ} مبني في موضع خفص بالاضافة. {عَيْناً} تمييز لازم الافراد وأجاز الفراء في مثل هذا جمعه. {قَدْ عَلِمَ} أي عرف. {كُلُّ أُنَاسٍ} أي من قومه الذين استسقى لهم. {مَّشْرَبَهُمْ} أي العين الذي هو مشرب أي مكان شربه فلا يتعداه إلى عين غيرها والاضافة في مشربهم تدل على التخصيص وأعاد الضمير على معنى كل لا على لفظه فلا يجوز مشربه، والمعنى: مشربهم من تلك الأعين. وذكر المشرب تنبيه على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أمر إباحة. {مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} من للابتداء أو للتبعيض ولما كان من غير تعب أضيف إلى الله ويتعلق من بقوله: {وَٱشْرَبُواْ}، على أعمال الثاني. والرزق المرزوق وهو المن والسلوى والمشروب من ماء العيون ولما كان قد تهيأ لهم المأكول والمشروب من غير تعب نهوا عن الفساد إذ كان ذلك مما ما قد يدعو إلى الفساد. كما قال الشاعر: شعر : ان الشباب والفراغ والجدَةْ مفسدة للمرء أي مفسدَهْ. تفسير : والعثي أشد الفساد. ويقال: عثا يعثو وعثى يعثى عثياً فهو مما لامه ياء وواو. "ومفسدين" حال مؤكدة. ولما سئموا من أكل طعام واحد مالوا إلى أكل ما كانوا ألفوه من اختلاف المأكل، قالوا: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} وسألوه أن يدعو الله لهم إذ كان سؤال النبي أقرب للإِجابة ولما كان ما يأكلونه لا يتبدل وصفوه بأنه طعام واحد ومتعلق الدعاء محذوف أي بأن يخرج لنا كذا ولفظة "ربك" تدل على الاختصاص به لما كان فيه من المناجاة وإنزال التوراة عليه. {مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} من تبعيضية. {مِن بَقْلِهَا} بدل أعيد معه الجار وأسند الانبات إلى الأرض مجازاً لما كان الله جعل فيها قابلية الإِنبات، والبدل من التبعيض تبعيض. وفي البحران المهدوي وابن عطية وأبا البقاء قالوا: إن من في من بقلها لبيان الجنس، والبقل النعناع والكرفس والكراث وأشباهها. والقثاء معروف، وقرىء - بكسر القاف وضمها. والفوم: الثوم وقراءة عبد الله وثومها - بالثاء - فاحتمل أن يكون مما أبدلت ثاؤه فاء واحتمل أن يكون مادة أخرى. والهمزة في {أَتَسْتَبْدِلُونَ} للإِنكار أي أتعتاضون واستفعل هنا للطلب أي أتطلبون تبديل الذي هو أدنى والمنصوب هو الحاصل والذي تدخل عليه الباء هو الزائل. وأدنى أفعل تفضيل من الدنو أي أقرب. قيل: أو من الدون وهو الرديء فقلب أو أصله أدنأ فسهلت همزته بإِبدالها ألفاً من الدناءة، وقد قرىء بالهمز فلم يقيد الأدنوية والخيرية إذ معلوم ثبوت الخيرية لما كانوا فيه، وثبوت الأدنوية لما سألوه، والضمير في: قال لموسى، أي فدعا فأجابه الله تعالى لما دعاه فقال: أي موسى بإِذن الله أو الله تعالى. {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} وقرىء بالتنوين أي من الأمصار وبغير تنوين بدليل أنهم سكنوا الشام بعد التيه وبغير تنوين على أنها مصر المعروفة دار فرعون. {فَإِنَّ لَكُمْ} أي فيها. {مَّا سَأَلْتُمْ} وقرىء سألتم بكسر السين وهو من تداخل اللغتين أي من البقول والحبوب. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} أي الزموا ذلك من قولهم ضرب الأمير البعث على الجيش، فالذلة بما الزموا من الجزية وإظهار الزيّ المخالف لزيّ المسلمين، والمسكنة: الخشوع والتطامن والفقر والشج، ولم تكن الجزية مضروبة عليهم من أول أمرهم فيكون من الاخبار بالغيب إذ كان ذلك في ملة الرسول عليه الصلاة والسلام ضربت عليهم الجزية. وقيل: الذلة كونهم ذليلين في أنفسهم ليس فيهم من الشهامة ما يقاتلون بها من عاداهم ألا ترى إلى قولهم: اذهب أنت وربك فقاتلا. وقوله: {أية : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 246]. {وَبَآءُو بِغَضَبٍ} ارجعوا فالباء للحال أو استحقوا فالباء صلة زائدة أو نزلوا وتمكنوا فالباء ظرفية. والغضب هنا ما حل بهم من البلاء والنقم. {مِّنَ ٱللَّهِ} متعلق بباء أو بمحذوف في موضع الصفة وبكونه. {مِّنَ ٱللَّهِ} فيه تعظيم للغضب. {ذَلِكَ} إشارة إلى الضرب والمباءة وهو مبتدأ خبره "بأنهم" أي كائن بكفرهم والباء للسبب. {كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي في حالهم السابقة. و{بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي التي أظهرها على يد أنبيائه موسى وغيره ممن سبق كالمعجزات التسع والتوراة. {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} يحيى وشعيا وزكريا، وقرىء بتاء الخطاب فيكون التفاتًا وبالتشديد مع الياء دلالة على التكثير. فقيل: قتلوا ثلثمائة، وقيل: سبعين. {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} ليس احتراز بل لا يقع قتل بني إلا بغير الحق فهو قيد لازم، نحو: دعوت الله سميعاً وجاء شنيعاً عليهم أي لم يدّعوا وجهاً في القتل. {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ} تأكيد للجملة قبله أو الحامل على الكفر والقتل هو سوء عصيانهم واعتدائهم إذ المعاصي بريد الكفر قابل الضرب والمباءة بالكفر والقتل وقابل الكفر والقتل بالعصيان والاعتداء، وألْ في النبيين للعهد في من قتلوا أو للجنس وفي بغير الحق كذلك أي الحق الذي من شأنه أن يقع القتل أو لتعريف الماهية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : استسقى، أي: طلب لهم ماء يشربون منه. { فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } إما حجر مخصوص معلوم عنده، وإما اسم جنس، { فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } منهم { مَشْرَبَهُمْ } أي: محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين، فلا يزاحم بعضهم بعضا، بل يشربونه متهنئين لا متكدرين، ولهذا قال: { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } أي: الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب، { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ } أي: تخربوا على وجه الإفساد.
همام الصنعاني
تفسير : 54- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [الآية: 60]، قال: كانوا اثني عشر سبطاً لكل سبط عين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):