Verse. 68 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قُلْتُمْ يٰمُوْسٰى لَنْ نَّصْبِرَ عَلٰي طَعَامٍ وَّاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِـمَّا تُنْۢبِتُ الْاَرْضُ مِنْۢ بَقْلِہَا وَقِثَّـاۗىِٕہَا وَفُوْمِہَا وَعَدَسِہَا وَ بَصَلِہَا۝۰ۭ قَالَ اَتَسْتَبْدِلُوْنَ الَّذِىْ ھُوَاَدْنٰى بِالَّذِىْ ھُوَ خَيْرٌ۝۰ۭ اِھْبِطُوْا مِصْرًا فَاِنَّ لَكُمْ مَّا سَاَلْتُمْ۝۰ۭ وَضُرِبَتْ عَلَيْہِمُ الذِّلَّۃُ وَالْمَسْكَنَۃُ۝۰ۤ وَبَاۗءُوْ بِغَضَبٍ مِّنَ اؘ۝۰ۭ ذٰلِكَ بِاَنَّھُمْ كَانُوْا يَكْفُرُوْنَ بِاٰيٰتِ اللہِ وَيَقْتُلُوْنَ النَّـبِيّٖنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ۝۰ۭ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوْا يَعْتَدُوْنَ۝۶۱ۧ
Waith qultum ya moosa lan nasbira AAala taAAamin wahidin faodAAu lana rabbaka yukhrij lana mimma tunbitu alardu min baqliha waqiththaiha wafoomiha waAAadasiha wabasaliha qala atastabdiloona allathee huwa adna biallathee huwa khayrun ihbitoo misran fainna lakum ma saaltum waduribat AAalayhimu alththillatu waalmaskanatu wabaoo bighadabin mina Allahi thalika biannahum kanoo yakfuroona biayati Allahi wayaqtuloona alnnabiyyeena bighayri alhaqqi thalika bima AAasaw wakanoo yaAAtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قلتم يا موسى لن نصبر على طعام» أي نوع منه «واحد» وهو المن والسلوى «فادع لنا ربَّك يُخرج لنا» شيئاً «مما تنبت الأرض من» للبيان «بقلها وقثائها وفومها» حنطتها «وعدسها وبصلها قال» لهم موسى «أتستبدلون الذي هو أدنى» أخس «بالذي هو خير» أشرف أي أتأخذونه بدله، والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا الله تعالى فقال تعالى «اهبطوا» انزلوا «مصراً» من الأمصار «فإن لكم» فيه «ما سألتم» من النبات «وضُربت» جعلت «عليهم الذلة» الذل والهوان «والمسكنة» أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة لهم، وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته «وباءُوا» رجعوا «بغضب من الله ذلك» أي الضرب والغضب «بأنهم» أي بسبب أنهم «كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين» كزكريا ويحيى «بغير الحق» أي ظلماً «ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» يتجاوزون الحد في المعاصي وكرره للتأكيد.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء، تنبت بضم التاء وكسر التاء، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء، تنبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ } معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية. واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض: الأول: أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره، الثاني: لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً. الثالث: لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة. الرابع: أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال: إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } تفسير : [الشورى: 20] لأنا نقول هذا خلاف الظاهر، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه. الأول: أن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية، الثاني: أن قول موسى عليه السلام: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ } استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على كونه معصية. الثالث: أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه، والجواب عن الأول: أنه ليس تحت قولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط، بل اشتهوا شيئاً آخر، ولأن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ } إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع، وعن الثاني: أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة، وعن الثالث: بقريب من ذلك، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه: إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ } هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً، وإذا كان كذلك فقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَاءو بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ }، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك. المسألة الثانية: قوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال: إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه. المسألة الثالثة: القراءة المعروفة: {وَقِثَّائِهَا } بكسر القاف، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة: {وَفُومِهَا } بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن عباس قالوا: وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة، وعنه أيضاً أن الفوم هو الخبز وهو أيضاً المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب: فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضاً عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه. الأول: أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها. الثاني: أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ } لأن الحنطة أشرف الأطعمة. الثالث: أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة. المسألة الرابعة: القراءة المعروفة: {أَتَسْتَبْدِلُونَ } وفي حرف أبي بن كعب: (أتبدلون) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي: (أدنأ) بالهمزة من الدناءة. واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه، لكنه قد أجابهم إليه بقوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ }، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقين خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب، فيكون الأول أولى. فإن قيل: كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفواً صفواً لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا: هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك. المسألة الخامسة: القراءة المعروفة: {ٱهْبِطُواْ } بكسر الباء وقرىء بضم الباء، القراءة المشهورة: {مِصْرًا } بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله: {أية : وَنُوحاً هَدَيْنَا وَلُوطاً } تفسير : [الأنعام: 84، 86] وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } بغير تنوين كقوله: {أَدْخِلُواْ مِصْرًا } واختلف المفسرون في قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن: الألف في مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال: المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط، وقال آخرون: المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولاً أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين: لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } تفسير : [المائدة: 21] والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه. الأول: أن قوله تعالى: {ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ } إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى. والثاني: أن قوله: {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } يقتضي دوام كونهم فيه. والثالث: أن قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس. الرابع: أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلاْرْضِ } تفسير : [المائدة:26] فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها. فإن قيل: هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول: فلأن قوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما الثاني: فهو كقوله: {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث: وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران. الأول: المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به: ارتد على عقبه. والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. الثاني: أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط. قلنا: ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل، وأيضاً فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب، وذلك لا يليق بالأنبياء. قوله: لا نسلم أن المراد من قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا } لا ترجعوا. قلنا: الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة، ثم قال بعده: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ } تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. قوله: أن يخصص ذلك النهي بوقت معين، قلنا: التخصيص خلاف الظاهر، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين. الأول: أنا إن قرأنا: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } بغير تنوين كان لا محالة علماً لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علماً وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول: إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضاً ما تقدم بعينه، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } يقتضي التخيير كما إذ قال: أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا. الوجه الثاني: أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم، قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } إلى قوله: {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [الشعراء: 57 ـ 59] ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف. فإن قيل: الرجل قد يكون مالكاً للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه آخر، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإن داره وإن كانت مملوكة له لكنه يحرم عليه دخولها، فلم لا يجوز أن يقال: إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا: أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين. قوله: هذه القراءة تقتضي التخيير، قلنا: نعم لكنا نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل. أما الوجه الثاني: فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ولكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمناه من الدلالة. أما قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم حتى مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا } فأما من يقول المراد به الجزية خاصة على ما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } تفسير : [التوبة: 29] فقوله بعيد لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول الأمر. أما قوله تعالى: {وَٱلْمَسْكَنَةُ } فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة، فهذا الجنس يجوز أن يكون كالعقوبة، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. أما قوله تعالى: {وَبَاءو} ففيه وجوه. أحدها: البوء الرجوع، فقوله: {باءو} أي رجعوا وانصرفوا بذلك ولا يقال باء إلا بشر. وثانيها: البوء التسوية. فقوله: {باءو} أي استوى عليهم غضب الله. قال الزجاج. وثالثها: باؤ أي استحقوا، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } تفسير : [المائدة: 29] أي تستحق الإثمين جميعاً. وأما غضب الله فهو إرادة الانتقام. أما قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } فهو علة لما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة عليهم وإلحاق الغضب بهم. قالت المعتزلة: لو كان الكفر حصل فيهم بخلق الله تعالى كما حصلت الذلة والمسكنة فيهم بخلقه لما كان جعل أحدهما جزاء الثاني أولى من العكس، وجوابه المعارضة بالعلم والداعي، وأما حقيقة الكفر فقد تقدم القول فيها. أما قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } فالمعنى أنهم يستحقون ما تقدم لأجل هذه الأفعال أيضاً وفيه سؤالات. السؤال الأول: أن قوله تعالى: {يَكْفُرُونَ } دخل تحته قتل الأنبياء فلم أعاد ذكره مرة أخرى؟ الجواب: المذكور ههنا الكفر بآيات الله، وذلك هو الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء. السؤال الثاني: لم قال: {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه؟ الجواب من وجهين: الأول: أن الإتيان بالباطل قد يكون حقاً لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة وقعت في قلبه وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم بل كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه. وثانيها: أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } تفسير : [المؤمنون: 117] ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان. وثالثها: أن الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا: أليس أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال: القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق. وأما قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ } فهو تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول وهو بمنزلة أن يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها: هذا بما عصيتني وخالفت أمري، هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي، هذا بكذا فيعد عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتاً. أما قوله تعالى: {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } فالمراد منه الظلم: أي تجاوزوا الحق إلى الباطل. واعلم أنه تعالى لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولاً بما فعلوه في حق الله تعالى وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم ثم ربع بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم، وذلك في نهاية حسن الترتيب. فإن قيل: قال ههنا: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } ذكر الحق بالألف واللام معرفة، وقال في آل عمران: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } تفسير : [آل عمران: 21] نكرة، وكذلك في هذه السورة: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلاْنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ لَيْسُواْ سَوَاء } تفسير : [آل عمران: 112، 113] فما الفرق؟ الجواب: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، قال عليه السلام، حديث : «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى معانٍ ثلاث، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق»،تفسير : فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} كان هذا القول منهم في الِّتيه حين مَلُّوا المنّ والسَّلْوَى، وتذكّروا عيشهم الأوّل بمصر. قال الحسن: كانوا نَتَانَى أهل كُرّاث وأبصال وأعداس، فنزعوا إلى عِكْرهم عِكرِ السّوء، وٱشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا: لن نصبر على طعام واحد. وكَنوا عن المنّ والسلوى بطعام واحد وهما ٱثنان لأنهم يأكلون أحدهما بالآخر؛ فلذلك قالوا: طعام واحد. وقيل: لتكرارهما في كل يوم غذاء؛ كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة: هو على أمر واحد؛ لملازمته لذلك. وقيل: المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض؛ لاستغناء كل واحد منّا بنفسه. وكذلك كانوا؛ فهم أوّل من ٱتخذ العبيد والخَدَم. قوله تعالى: {عَلَىٰ طَعَامٍ} الطعام يُطلق على ما يُطعم ويُشرب؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249] وقال: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} تفسير : [المائدة: 93] أي ما شربوه من الخمر، على ما يأتي بيانه. وإن كان السلوى العسل ـ كما حكى المؤرِّج ـ فهو مشروب أيضاً. وربما خُصّ بالطعام البُرُّ والتمرُ، كما في حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: «حديث : كنا نُخرج صدقةَ الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير»تفسير : ؛ الحديث. والعرف جارٍ بأن القائل: ذهبت إلى سوق الطعام، فليس يفهم منه إلا موضع بيعه دون غيره مما يؤكل أو يُشرب. والطَّعْم (بالفتح): هو ما يؤدّيه الذوق؛ يقال: طعمهْ مرّ. والطَّعْم أيضاً: ما يشتهى منه؛ يقال: ليس له طعم. وما فلان بذي طعم: إذا كان غثًّا. والطُّعم (بالضم): الطعام؛ قال أبو خِراش:شعر : أرُدّ شُجاعَ البطن لو تعلمينه وأُوثِرُ غيري من عِيَالِكِ بالطُّعْمِ وأغتبِق الماء القَرَاحَ فانتهي إذا الزادُ أمسى للمُزَلَّج ذا طَعْمِ تفسير : أراد بالأوّل الطعام، وبالثاني ما يُشتهى منه. وقد طَعِم يَطْعَمُ فهو طاعم إذا أكل وذاق؛ ومنه قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّه مِنِّي» أي من لم يذقه. وقال: «فَإذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُوا» أي أكلتم. "حديث : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم: «إنها طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْم»"تفسير : . وٱستطعمني فلان الحديث إذا أراد أن تحدّثه. وفي الحديث: «حديث : إذا ٱستطعمكم الإمامُ فأطعموه»تفسير : . يقول: إذا ٱستفتح فٱفتحوا عليه. وفلان ما يَطْعَم النوم إلا قائماً. وقال الشاعر:شعر : نَعاماً بوَجْرَةَ صُفر الخدو د ما تَطْعَم النومَ إلا صِياماً تفسير : قوله تعالى: {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} لغة بني عامر «فٱدعِ» بكسر العين لالتقاء الساكنين؛ يُجرون المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف. و «يُخْرِجْ» مجزوم على معنى سَلْه وقل له: أَخْرِجْ، يُخْرِج. وقيل: هو على معنى الدعاء على تقدير حذف اللام، وضعّفه الزجاج. و «مِن»، في قوله «مِمّا» زائدة في قول الأخفش، وغير زائدة في قول سيبويه؛ لأن الكلام موجب. قال النحاس: وإنما دعا الأخفش إلى هذا لأنه لم يجد مفعولاً لـ «ـيُخرِج» فأراد أن يجعل «ما» مفعولاً. والأوْلى أن يكون المفعول محذوفاً دلّ عليه سائر الكلام؛ التقدير: يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولاً. فـ«من» الأولى على هذا للتبعيض، والثانية للتخصيص. و {مِن بَقْلِهَا} بدل من «ما» بإعادة الحرف. {وَقِثَّآئِهَا} عطف عليه، وكذا ما بعده؛ فٱعلمه. والبَقْلُ معروف، وهو كل نبات ليس له ساق. والشجر: ما له ساق. والقِثّاء أيضاً معروف، وقد تُضمّ قافه، وهي قراءة يحيىٰ بن وَثّاب وطلحة بن مُصَرِّف، لغتان والكسر أكثر. وقيل في جمع قِثّاء: قَثَائِيّ؛ مثلُ عِلْبَاء وعَلاَبِيّ؛ إلا أن قثاء من ذوات الواو؛ تقول: أقثأتُ القوم؛ أي أطعمتهم ذلك. وفَثَأَت القِدْرَ سكّنت غليانها بالماء؛ قال الجَعْدِيّ:شعر : تَفُور علينا قِدْرُهم فنُدِيمُهَا ونَفْثَؤُها عنّا إذا حَمْيُهَا غلا تفسير : وفثأتُ الرجل إذا كسرتَه عنك بقول أو غيره وسكّنت غضبه. وعدا حتى أفثأ؛ أي أعْيَا وٱنبهر. وأفثأ الحَرُّ أي سكن وفتَر. ومن أمثالهم في اليسير من البِرّ قولهم: إنّ الرَّثِيئة تفثأ في الغضب». وأصله أن رجلاً كان غَضِب على قوم وكان مع غضبه جائعاً، فسَقَوْه رَثِيئة فسكن غضبه وكفّ عنهم. الرثيئة: اللبن المحلوب على الحامض ليَخْثُر. رَثَأْت اللبن رَثْأً إذا حلبته على حامض فخُثر؛ والاسم الرَّثيئة. وٱرتثأ اللبن خثر.] وروى ٱبن ماجه حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير حدّثنا يونس بن بُكير حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «كانت أمّي تعالجني للسِّمْنة، تريد أن تُدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ٱستقام لها ذلك حتى أكلت القِثّاء بالرُّطَب فسَمِنتُ كأحسنِ سِمْنة». وهذا إسناد صحيح. قوله تعالى: {وَفُومِهَا} اختلف في الفُوم، فقيل: هو الثُّوم، لأنه المشاكل للبصل. رواه جُوَيْبِر عن الضحاك. والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا: مغافير ومغاثير. وجَدَثٌ وجَدَفٌ؛ للقبر. وقرأ ٱبن مسعود «ثومها» بالثاء المثلثة؛ وروي ذلك عن ٱبن عباس. وقال أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرةً فيها الفَرَادِيْسُ والفُومان والبَصلُ تفسير : الفراديس: واحدها فرديس. وكَرْمُ مَفْرَدس، أي معرّش، وقال حسّان:شعر : وأنتم أناسٌ لئامُ الأصول طعامُكُم الفُومُ والحَوْقَلُ تفسير : يعني الثّوم والبصل؛ وهو قول الكسائي والنّضر بن شُمَيل. وقيل: الفُوم الحنطة؛ روي عن ٱبن عباس أيضاً وأكثر المفسرين؛ وٱختاره النحاس، قال: وهو أوْلى، ومن قال به أعلى، وأسانيده صحاح؛ وليس جُوَيْبر بنظير لرُوايته؛ وإن كان الكسائي والفراء قد ٱختارا القول الأوّل، لإبدال العرب الفاء من الثاء؛ والإبدال لا يقاس عليه؛ وليس ذلك بكثير في كلام العرب. وأنشد ٱبن عباس لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة، قول أحَيْحَة بن الجُلاَح:شعر : قد كنتُ أغنَى الناسِ شخصاً واجداً ورَدَ المدينةَ عن زراعة فُومِ تفسير : وقال أبو إسحاق الزجاج: وكيف يطلب القوم طعاماً لا بُرّ فيه، والبرّ أصل الغذاء! وقال الجوهري أبو نصر: الفوم الحنطة. وأنشد الأخفش:شعر : قد كنت أحسبني كأغنى واجد نزل المدينة عن زراعة فُومِ تفسير : وقال ٱبن دُرَيد: الفُومة السُّنْبلة؛ وأنشد:شعر : وقال رَبِيئهم لمّا أتانا بِكَفّهِ فومةٌ أو فُومتان تفسير : والهاء في «كَفّه» غير مشبعة. وقال بعضهم: الفُوم: الحِمَّص؛ لغةٌ شاميّة. وبائعه فاميّ، مغيَّر عن فُوميّ؛ لأنهم قد يغيّرون في النسب؛ كما قالوا: سُهْلِيّ ودُهْرِيّ. ويقال: فَوِّموا لنا؛ أي ٱختبزوا. قال الفرّاء: هي لغة قديمة. وقال عطاء وقتادة: الفُوم كل حب يُخْتَبز. مسألة: ٱختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول. فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك؛ للأحاديث الثابتة في ذلك. وذهبت طائفة من أهل الظاهر ـ القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضاً ـ إلى المنع، وقالوا: كل ما مَنَع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به. وٱحتجّوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمّاها خبيثة؛ والله عز وجل قد وصف نبيّه عليه السلام بأنه يحرّم الخبائث. ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر: «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ ببَدْر فيه خَضِرات من بقول فوجد لها ريحاً؛ قال: فأخْبِر بما فيها من البقول؛ فقال: «قرّبوها» ـ إلى بعض أصحابه كان معه ـ فلما رآه كره أكلها، قال: «كُلْ فإنِّي أُناجِيَ مَن لا تُناجِي»"تفسير : . أخرجه مسلم وأبو داود. فهذا بَيِّنٌ في الخصوص له والإباحة لغيره. وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي أيوب: «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب، فصنع للنبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً فيه ثُوم، فلما رُدّ إليه سأل عن موضع أصابع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقيل له: لم يأكل. ففزِع وصعِد إليه فقال: أحرامٌ هو؟ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا ولكني أكْرَهُه». قال: فإني أكره ما تكره أو ما كرهت، قال: وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُؤْتَى (يعني يأتيه الوحي)»تفسير : . فهذا نصّ على عدم التحريم. وكذلك ما رواه أبو سعيد الخُدْرِيّ "حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أكلوا الثّوم زمنَ خَيْبَر وفتحها: «أيها الناس إنه ليس لي تحريمُ ما أحلّ الله ولكنها شجرة أكره ريحها»»تفسير : . فهذه الأحاديث تُشعر بأن الحكم خاصّ به، إذ هو المخصوص بمناجاة المَلَك. لكن قد علمنا هذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم حيث قال: «حديث : من أكل من هذه البقلةِ الثوم ـ وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكُرّاث ـ فلا يَقْرَبَنّ مسجدنا فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم»تفسير : . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طُول: «حديث : إنكم أيها الناس، تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم. ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأُخْرِج إلى البَقيع، فمن أكلهما فَلْيُمِتْهُمَا طبخاً»تفسير : . خرّجه مسلم. قوله تعالى: {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} العدس معروف. والعَدَسَةُ: بثْرَةٌ تخرج بالإنسان، وربما قتلت. وعَدَسْ: زَجْرٌ للبغال؛ قال:شعر : عَدَسْ ما لِعبّادٍ عليكِ إمارةٌ نَجوْتِ وهذا تحملين طَلِيق تفسير : والعَدْس: شدّة الوطء، والكَدْح أيضاً؛ يقال: عَدَسه. وعَدَس في الأرض: ذهب فيها. وعَدَستْ إليه المنيّة أي سارت؛ قال الكُمَيْت:شعر : أُكَلّفها هَوْلَ الظلامِ ولم أزَلْ أخا الليلِ مَعْدوساً إليّ وعادِسَا تفسير : أي يُسار إليّ بالليل. وعَدَسْ: لغة في حَدَس؛ قاله الجوهري. ويؤثَرُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث عليّ أنه قال: «حديث : عليكم بالعدس فإنه مبارَك مقدّس وإنه يَرِقّ القلب ويكثر الدَّمعة فإنه بارك فيه سبعون نبيًّا آخرهم عيسى ابن مريم»تفسير : ؛ ذكره الثعلبي وغيره. وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوماً خبزاً بزيت، ويوماً بلحم، ويوماً بعدس. قال الحَلِيميّ: والعدس والزيت طعام الصالحين؛ ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم عليه السلام في مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية. وهو مما يخفّف البدن فيخِفّ للعبادة، ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم. والحِنْطة من جملة الحبوب وهي الفُوم على الصحيح، والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة، كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم عليه السلام؛ فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين عليهما السلام فضيلة. وقد روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يَشْبع هو وأهله من خُبْزِ بُرًّ ثلاثة أيام متتابعة منذ قِدم المدينة إلى أن توفاه الله عزّ وجلّ».تفسير : قوله تعالى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} الاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر؛ ومنه البدل، وقد تقدّم. و «أدْنَى» مأخوذ ـ عند الزجاج ـ من الدُّنُوّ أي القُرْب في القيمة؛ من قولهم: ثَوْبٌ مقارِب؛ أي قليل الثمن. وقال عليّ بن سليمان: هو مهموز من الدنيء البيّن الدناءة بمعنى الأخس، إلا أنه خفّف همزته. وقيل: هو مأخوذ من الدُّون أي الأحط؛ فأصله أَدْوَن، أفْعَل، قُلِب فجاء أفْلَع؛ وحُوّلت الواو ألفاً لتطرُّفها. وقُرىء في الشّواذّ «أدنأ». ومعنى الآية: أتستبدلون البَقْل والقِثّاء والفُومَ والعَدَس والبَصل الذي هو أدنى بالمنّ والسَّلْوَى الذي هو خير. وٱختُلِف في الوجوه التي توجب فضل المنّ والسّلْوَى على الشيء الذي طلبوه وهي خمسة: الأوّل: أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المنّ والسلوى كانا أفضل؛ قاله الزجاج. الثاني: لمّا كان المنّ والسلوى طعاماً منّ الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في ٱستدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذُخْرٌ في الآخرة، والذي طلبوه عارٍ من هذه الخصائل، كان أدنى في هذا الوجه. الثالث: لمّا كان ما منّ الله به عليهم أطيب وألذّ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة. الرابع: لمّا كان ما أُعْطُوا لا كُلْفةَ فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، كان أدنى. الخامس: لمّا كان ما ينزل عليهم لا مِرْيةَ في حِلّه وخُلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخلّلها البيوع والغصوب وتدخلها الشُّبه، كانت أدنى من هذا الوجه. مسألة: في هذه الآية دليلٌ على جواز أكل الطّيبات والمطاعم المستلذّات، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحبّ الحَلْوى والعَسَل، ويشرب الماء البارد العَذْب؛ وسيأتي هذا المعنى في «المائدة» و «النحل» إن شاء الله مستوفىً. قوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} تقدّم معنى الهبوط؛ وهذا أمر معناه التعجيز؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 50]. لأنهم كانوا في التِّيه وهذا عقوبة لهم. وقيل: إنهم أعطوا ما طلبوه. و «مِصْراً» بالتنوين منكَّراً قراءة الجمهور، وهو خطّ المصحف. قال مجاهد وغيره: فمن صَرَفها أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن. وروى عكرمة عن ٱبن عباس في قوله: «ٱهْبِطُوا مِصْراً» قال: مِصْراً من هذه الأمصار. وقالت طائفة ممن صَرَفها أيضاً: أراد مِصْرَ فرعون بعينها. استدلّ الأوّلون بما ٱقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التِّيه. وٱستدلّ الآخرون بما في القرآن من أن الله أوْرث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها. قال الأخفش والكسائي: لخفّتها وشبهها بِهنْد ودَعْد؛ وأنشد:شعر : لم تَتَلَفّعْ بفضل مِئزرها دَعْدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ تفسير : فجمع بين اللغتين. وسيبويه والخليل والفرّاء لا يجيزون هذا؛ لأنك لو سَمّيت ٱمرأة بزيد لم تصرف. وقال غير الأخفش: أراد المكان فَصرف. وقرأ الحسن وأَبَان بن تَغْلِب وطلحة: «مِصْرَ» بترك الصرف. وكذلك هي في مصحف أُبيّ بن كعب وقراءة ٱبن مسعود. وقالوا: هي مصر فرعون. قال أشهب قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون؛ ذكره ٱبن عطية. والمِصر أصله في اللغة الحدّ. ومِصر الدّار: حدودها. قال ٱبن فارس ويقال: إن أهل هَجَر يكتبون في شروطهم «ٱشترى فلان الدار بِمُصُورها» أي حدودها؛ قال عَدِيّ:شعر : وجاعلُ الشمسِ مصراً لا خفاءَ به بين النهار وبين الليل قد فَصلاَ تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} «ما» نصب بإن. وقرأ ٱبن وثَّاب والنَّخَعِي «سألتم» بكسر السين؛ يقال: سألت وسلت بغير همز. وهو من ذوات الواو، بدليل قولهم: يتساولان. ومعنى {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} أي أُلزِموهما وقُضِيَ عليهم بهما؛ مأخوذ من ضرب القباب، قال الفرزدق في جَرِير:شعر : ضربتْ عليك العنكبوتُ بنَسْجها وقَضَى عليك به الكتابُ الْمُنْزَلُ تفسير : وضرب الحاكم على اليد؛ أي حمل وألزم. والذَّلّة: الذُّلّ والصَّغار. والمسكنة: الفقر. فلا يوجد يهوديّ وإن كان غَنِياً خالياً من زِي الفقر وخضوعه ومهانته. وقيل: الذلة فرض الجِزْية؛ عن الحسن وقتادة. والمسكنة الخضوع، وهي مأخوذة من السكون؛ أي قلّل الفقر حركته؛ قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: الذِّلة الصِّغار. والمسكنة مصدر المسكين. وروى الضّحاك بن مُزاحم عن ٱبن عباس: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} قال: هم أصحاب القَبَالات. قوله تعالى: {وَبَآءُوا} أي ٱنقلبوا ورجعوا؛ أي لزمهم ذلك. ومنه قوله عليه السلام في دعائه ومناجاته: «حديث : أَبُوءُ بنعمتك عليّ» تفسير : أي أُقِرّ بها وأُلزمها نفسي. وأصله في اللغة الرجوع؛ يقال باء بكذا، أي رجع به. وباء إلى المَبَاءة ـ وهي المنزل ـ أي رجع. والبواء: الرجوع بالقَوَد. وهم في هذا الأمر بَوَاء؛ أي سواء، يرجعون فيه إلى معنىً واحد. وقال الشاعر:شعر : ألاَ تَنْتَهِي عنّا ملوكٌ وتَتّقي محارِمَنا لا يَبْؤُؤُ الدّمُ بالدّمِ تفسير : أي لا يرجع الدّم بالدم في القَوَد. وقال:شعر : فآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبايَا وأُبْنَا بالملوكِ مُصَفَّدِينَا تفسير : أي رجعوا ورجعنا. وقد تقدّم معنى الغضب في الفاتحة. قوله تعالى: {ذَلِكَ} «ذلك» تعليل. {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي يكذّبون {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي بكتابه ومعجزات أنبيائه؛ كعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم السلام. {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} معطوف على «يكفرون». ورُوِيَ عن الحسن «يُقَتِّلون» وعنه أيضاً كالجماعة. وقرأ نافع «النَّبِيئين» بالهمز حيث وقع في القرآن إلا في موضعين: في سورة الأحزاب: {أية : إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ}تفسير : [الأحزاب: 50]. {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ}تفسير : [الأحزاب: 53] فإنه قرأ بلا مدّ ولا همز. وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين. وتَرَك الهمزَ في جميع ذلك الباقون. فأمّا من همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر؛ وٱسم فاعله مُنْبِىء. ويجمع نبيء أنبياء، وقد جاء في جمع نبيّ نُبآء؛ قال العباس بن مِرْدَاس السُّلَمي يمدح النبيّ صلى الله عليه وسلم:شعر : يا خَاتَم النُّبَآءِ إنك مُرْسَلٌ بالحق كلُّ هُدَى السبيلِ هُدَاكَا تفسير : هذا معنى قراءة الهمز. وٱختلف القائلون بترك الهمز؛ فمنهم من ٱشتق ٱشتقاق من همز، ثم سهّل الهمز. ومنهم من قال: هو مشتق من نَبَا يَنْبُو إذا ظهر. فالنبيّ من النبوة وهو الارتفاع؛ فمنزلة النبيّ رفيعة. والنبيّ بترك الهمز أيضاً الطريق، فسُمِّيَ الرسول نَبِياًّ لاهتداء الخلق به كالطريق؛ قال الشاعر:شعر : لأصبح رَتْماً دُقاق الحَصَى مكانَ النَّبِيّ من الكاثِبِ تفسير : رتَمْت الشيء: كسرته؛ يقال: رتم أنفه ورثمه، بالتاء والثاء جميعاً. والرتم أيضاً المرتوم أي المكسور. والكاثب ٱسم جبل. فالأنبياء لنا كالسُّبُل في الأرض. ويروى "حديث : أن رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا نبيء الله؛ وهمز. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لستُ بنبيء الله ـ وهمز ـ ولكني نبيّ الله» ولم يهمز"تفسير : . قال أبو عليّ: ضُعِّف سند هذا الحديث؛ ومما يقوّي ضعفه أنه عليه السلام قد أنشده المادح:شعر : يا خاتَمَ النُّبَآء... تفسير : ولم يُؤْثَر في ذلك إنكار قوله تعالى: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تعظيم للشُّنْعة والذّنب الذي أتوه. فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يُقتلوا بالحق؛ ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون به. قيل له: ليس كذلك؛ وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظُلم وليس بحق؛ فكان هذا تعظيماً للشُّنعة عليهم؛ ومعلوم أنه لا يُقتل نبيّ بحق، ولكن يُقتل على الحق؛ فصرّح قوله: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} عن شُنعة الذنب ووضوحه؛ ولم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم؛ كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بُخذلان لهم. قال ٱبن عباس والحسن: لم يُقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلُّ مَن أمر بقتال نُصِر. قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} «ذلك» ردّ على الأوّل وتأكيد للإشارة إليه. والباء في «بما» باء السبب. قال الأخفش: أي بعصيانهم. والعصيان: خلاف الطاعة. وٱعتصتِ النّواةُ إذا ٱشتدّت. والاعتداء: تجاوز الحدّ في كل شيء؛ وعُرِف في الظلم والمعاصي.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } يريدون به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى. وبوحدته أنه لا يختلف ولا يتبدل، كقولهم طعام مائدة الأمير واحد يريدون أنه لا تتغير ألوانه وبذلك أجمعوا أو ضرب واحد، لأنهما طعام أهل التلذذ وهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم واشتهوا ما ألفوه. {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ } سله لنا بدعائك إياه {يُخْرِجْ لَنَا } يظهر ويوجد، وجزمه بأنه جواب فادع فإن دعوته سبب الإجابة. {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} من الإِسناد المجازي، وإقامة القابل مقام الفاعل، ومن للتبعيض. {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } تفسير وبيان وقع موقع الحال، وقيل بدل بإعادة الجار. والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايبه التي تؤكل، والفوم الحنطة ويقال للخبز ومنه فوموا لنا، وقيل الثوم وقرىء قُثَّائها بالضم، وهو لغة فيه. {قَالَ } أي الله، أو موسى عليه السلام. {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ } أقرب منزلة وأدون قدراً. وأصل الدنو القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة، فقيل بعيد المحل بعيد الهمة، وقرىء «أدنأ» من الدناءة. {بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} يريد به المن والسلوى فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي. {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } انحدروا إليه من التيه، يقال هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج منه، وقرىء بالضم والمصر البلد العظيم وأصله الحد بين الشيئين، وقيل أراد به العلم، وإنما صرفه لسكون وسطه أو على تأويل البلد، ويؤيده أنه غير منون في مصحف ابن مسعود. وقيل أصله مصراتم فعرب. {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } أحيطت بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين على الحائط، مجازاة لهم على كفران النعمة. واليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين، إما على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم. {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } رجعوا به، أو صاروا أحقاء بغضبه، من باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً بأن يقتل به، وأصل البوء المساواة. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب. {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيرِ ٱلْحَقّ} بسبب كفرهم بالمعجزات، التي من جملتها ما عد عليهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر. أو بالكتب المنزلة: كالإنجيل، والفرقان، وآية الرجم والتي فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة، وقتلهم الأنبياء فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق عندهم، إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم، وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه بقوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي: جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات، وقتل النبيين. فإن صغار الذنوب سبب يؤدي إلى ارتكاب كبارها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها. وقيل كرر الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر، والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله تعالى. وقيل الإشارة إلى الكفر والقتل، والباء بمعنى مع وإنما جوزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين فصاعداً على تأويل ما ذكر، أو تقدم للإختصار، ونظيره في الضمير قول رؤبة يصف بقرة:شعر : فِيها خُطُوطٌ مِنْ سَوادٍ وَبَلَق كأنهُ في الْجِلِد تَوْلِيعُ البَهقْ تفسير : والذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة، ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاماً طيباً نافعاً هنيئاً سهلاً، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة، من البقول ونحوها مما سألتم. قال الحسن البصري: فبطروا ذلك، فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوماً أهل أعداس وبصل وبقول وفوم، فقالوا: {يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} وإنما قالوا: على طعام واحد، وهم يأكلون المن والسلوى؛ لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم، فهو مأكل واحد: فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم، فقد اختلف السلف في معناه، فوقع في قراءة ابن مسعود: وثومها، بالثاء، وكذا فسره مجاهد، في رواية ليث بن أبي سليم عنه، بالثوم. وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري عن يونس، عن الحسن، في قوله: {وَفُومِهَا} قال: قال ابن عباس: الثوم، قال: وفي اللغة القديمة: فوموا لنا بمعنى اختبزوا، قال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحاً، فإنه من الحروف المبدلة؛ كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير، وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاء، والثاء فاء؛ لتقارب مخرجيهما، والله أعلم. وقال آخرون: الفوم: الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب قراءة، حدثني نافع بن أبي نعيم أن ابن عباس سُئل عن قول الله: {وَفُومِهَا} مافومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح، وهو يقول:شعر : قد كنتُ أَغْنَى الناس شَخْصاً واحداً وَرَدَ المدينةَ عن زراعةِ فومِ تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجهني، حدثنا عيسى بن يونس، عن رشيد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَفُومِهَا} قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم، وكذا قال علي بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس وعكرمة عن ابن عباس: إن الفوم الحنطة، وقال سفيان الثوري عن ابن جريج عن مجاهد وعطاء: {وَفُومِهَا} قالا: وخبزها، وقال هشيم عن يونس عن الحسين وحصين عن أبي مالك: {وَفُومِهَا} قال: الحنطة، وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، فالله أعلم. وقال الجوهري: الفوم: الحنطة، وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة، وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة: أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم: هو الحمص، لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فامي، مغير عن فومي، قال البخاري: وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم، وقوله تعالى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ} فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة، مع ما هم فيه من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا} هكذا هو منون مصروف، مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف. وقال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك؛ لإجماع المصاحف على ذلك. وقال ابن عباس: {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا} قال: مصر من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان عن عكرمة عنه قال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك، وقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود {واهبطوا مصر} من غير إجراء، يعني من غير صرف، ثم روي عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع وعن الأعمش أيضاً. قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد: مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضاً. ويكون ذلك من باب الإتباع لكتابة المصحف كما في قوله تعالى:{أية : كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ}تفسير : [الإنسان: 15 - 16] ثم توقف في المراد ما هو؟ أمصر فرعون، أم مصر من الأمصار؟ وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد: مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأن موسى عليه السلام يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولهذا قال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} أي: ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر، ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه، والله أعلم. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} يقول تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} أي: وضعت عليهم، وألزموا بها شرعاً وقدراً، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء مستكينون. قال الضحاك، عن ابن عباس: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} قال: هم أصحاب القبالات، يعني: الجزية. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال الضحاك: وضربت عليه الذلة، قال: الذل. وقال الحسن: أذلهم الله، فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة، وإن المجوس لتجبيهم الجزية، وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة: الفاقة، وقال عطية العوفي: الخراج، وقال الضحاك: الجزية، وقوله تعالى: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله، وقال سعيد بن جبير: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يقول: استوجبوا سخطاً، وقال ابن جرير: يعني بقوله: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} انصرفوا ورجعوا، ولا يقال: باء إلا موصولاً، إما بخير، وإما بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءاً وبواء، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ}تفسير : [المائدة: 29] يعني: تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط. وقوله تعالى: { ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم من الذلة، بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكبر بطر الحق وغمط الناس»تفسير : وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، فأدركته من آخر حديثه وهو يقول: يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحداً من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما،أليس ذلك هو البغي؟ فقال: «حديث : لا، ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر، أو قال: سفه الحق وغمط الناس»تفسير : يعني: رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم، ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلاً في الدنيا موصولاً بذل الآخرة جزاء وفاقاً، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله، يعني ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبياً، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين»تفسير : وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ } أي نوع منه {وٰحِدٍ } وهو المنّ والسلوى {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا } شيئاً {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ مِن } للبيان {بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا } حنطتها {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ } لهم موسى {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ } أخسُّ {بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ } أشرف؟أي أتأخذونه بدله؟، والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا الله تعالى فقال تعالى: {ٱهْبِطُواْ } انزلوا {مِصْرًا } من الأمصار {فَإِنَّ لَكُم } فيه {مَّا سَأَلْتُمْ } من النبات {وَضُرِبَتْ } جعلت {عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } الذل والهوان {وَٱلْمَسْكَنَةُ } أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكَّته {وبَآءُو} رجعوا { بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ ذٰلِكَ } أي الضرب والغضب {بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم {كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ } كزكريا ويحيى {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي ظلما {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } يتجاوزون الحدّ في المعاصي وكرره للتأكيد.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَفُومِهَا} فيه ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه الحنطة، وهو قول ابن عباسٍ، وقتادة، والسدي، وأنشد ابن عباسٍ مَنْ سأله عن الفوم، وأنه الحُنْطة قَوْلَ أُحيحة بن الجُلاح: شعر : قَدْ كُنْتُ أَغْنَىَ النَّاسِ شَخْصاً وَاحِداً وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومٍ تفسير : والثاني: أنَّه الخُبز، وهو قول مجاهد، وابن زيد، وعطاء. والثالث: أنه الثومُ بالثاء، وذلك صريح في قراءة ابن مسعود، وهو قول الربيع بن أنس والكسائي. قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْراً}: قرأ عامةُ القُرّاءِ بالتنوين، وقرأ بعضهم بغير تنوين، وهي كذلك، وقراءة ابن مسعود بغير ألف. وفي المصر الذي عناه قولان: أحدهما: أنه أراد أيَّ مِصْرٍ، أرادوا من غير تعيين؛ لأنَّ ما سألوا من البقل والقثَّاء والفوم، لا يكون إلا في الأمصار، وهذا قول قتادة، والسدي ومجاهد، وابن زيد. والثاني: أنه أراد مصر فرعون، الذي خرجوا منه، وهذا قول الحسن، وأبي العالية والربيع. واختلف في اشتقاق المِصْرِ، فمنهم من قال: إنه مشتق من القطع، لانقطاعه بالعمارة، ومنهم من قال: إنه مشتق من الفصل بينه وبين غيره، قال عدي بن زيد: شعر : وَجَاعِلُ الشَّمْسِ مِصْراً لاَ خَفَاءَ بِهِ بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلاَ تفسير : وفي قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} تأويلان: أحدهما: أنَّه من الذِّلَّة والصغار. والثاني: أنَّه فَرَضَ الجِزْيَةَ عليهم، وهذا قول الحسن وقتادة. وفي "المسكنة" تأويلان: أحدهما: أنها الفاقة، وهو قول أبي العالية. والثاني: أنه الفقر، وهو قول السدي. وفي قوله تعالى: {وَباءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ} ثلاثة تأويلات: أحدها: وهو قول أبي العباس المَبِّرد: أن أصل ذلك: المنزلة، ومعناه أنهم نزلوا بمنزلة غضب الله، ورُوي: أن رجلاً جاء برجلٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا قاتل أخي، قال "حديث : فَهُوَ بَوَاءٌ بِهِ" تفسير : أي أنه مقتول، فيصير في منزلته، وتقول ليلى الأخيليَّةُ: شعر : فَإِنْ يَكُنِ الْقَتْلَى بَوَاءً فَإِنَّكُمْ فَتىً مَا قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ تفسير : والثاني: وهو قول أبي إسحاق الزجّاج: أن أصل ذلك التسوية، ومعناه: أنهم تساووا بغضب من الله، ومنه ما يروى عن عبادة بن الصامت قال: "جعل الله الأنفال إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فقسمها بينهم على بَوَاءٍ"، أي على سواء بينهم في القسم. والثالث: وهو قول الكسائي، أن معناه أنهم رجعوا بغضب من الله، قال: البواء: الرجوع، إلا أنه لا يكون رجوعاً إلا بشيء: إمَّا بشرٍّ، وإِمَّا بخيرٍ. وفي قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} قولان: أحدهما: أن الله عز وجل؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره، وليس ذلك بخذلان لهم، كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته. والثاني: وهو قول الحسن، أن الله عز وجل، ما أمر نبيّاً بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ، وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء. و"الأنبياء" جمعُ "نبيٍّ" وقد جاء في جمع "نبيٍّ": "نُبَّاء"، قال العباس ابن مرداس السُّلمي، يمدح النبيَّ صلى الله عليه وسلم: شعر : يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا تفسير : وهو غير مهموز في قراءة الجمهور إلا نافعاً، فإنه قرأ الأنبياء، والنبيئين بالهمز. وفيما أُخذ منه اسمُ النبيِّ، ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى: {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى} تفسير : [النجم: 36]. والثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، قال القطامي: شعر : لَمَّا وَرَدْنَا نبِيَاً وَاسْتَتَبَّ لَنَا مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ تفسير : فَسُمِّيَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم نبيّاً، لأنه الطريق إليه. والثالث: أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة.

ابن عطية

تفسير : كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى، وتذكروا عيشهم الأول بمصر، وكنى عن المن والسلوى {بطعام واحد}، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد، ولتكرارهما سواء أبداً قيل لهما {طعام واحد}، ولغة بني عامر "فادعِ" بكسر العين. و {يخرج}: جزم بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء، وبنفس الأمر على مذهب أبي عمر الجرمي والمفعول على مذهب سيبويه مضمر تقديره مأكولاً مما تنبت الأرض، وقال الأخفش: "من" في قوله: {مما} زائدة "وما" مفعولة، وأبى سيبويه أن تكون "من" ملغاة في غير النفي، كقولهم: ما رأيت من أحد، و {من} في قوله: {من بقلها} لبيان الجنس، و {بقلها} بدل بإعادة الحرف، والبقل كل ما تنبته الأرض من النجم، والقثاء جمع قثأة. وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب: "قُثائها"، بضم القاف. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: "الفوم الحنطة". وقال مجاهد: "الفوم الخبز". وقال عطاء وقتادة: "الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز كالحنطة والفول والعدس ونحوه". وقال الضحاك: "الفوم الثوم"، وهي قراءة عبد الله بن مسعود بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا، مغاثير ومغافير، وجدث وجدف، ووقعوا في عاثور شر، وعافور شر، على أن البدل لا يقاس عليه، والأول أصح: أنها الحنطة، وأنشد ابن عباس قول أحيحة بن الجلاح: [الطويل] شعر : قد كنت أغنى الناس شخصاً واجداً ورد المدينة عن زراعة فوم تفسير : يعني حنطة. قال ابن دريد: "الفوم الزرع أو الحنطة"، وأزد السراة يسمون السنبل فوماً"، والاستبدال طلب وضع الشيء موضع الآخر، و {أدنى} مأخوذ عند أبي إسحاق الزجاج من الدنو أي القرب في القيمة. وقال علي بن سليمان: "هو مهموز من الدنيء البين الدناءة، بمعنى الأخس، إلا أنه خففت همزته". وقال غيره: "هو مأخوذ من الدون أي الأحط، فأصله أدون أفعل، قلب فجاء أفلع، وقلبت الواو ألفاً لتطرفها". وقرأ زهير للكسائي: "أدنأ"، ومعنى الآية: أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل التي هي أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير؟ والوجه الذي يوجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه، يحتمل أن يكون تفاضلها في القيمة، لأن هذه البقول لا خطر لها، وهذا قول الزجاج، ويحتمل أن يفضل المن والسلوى لأنه الطعام الذي من الله به وأمرهم بأكله، وفي استدامة أمر الله تعالى وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوا عارٍ من هذه الخصال، فكأن أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في الطيب واللذة به، فالبقول لا محالة أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في حسن الغذاء ونفعه، فالمن والسلوى خير لا محالة في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل من جهة أنه لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوا لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، فهو {أدنى} في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في أنه لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، فهي {أدنى} في هذا الوجه. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويترتب الفضل للمن والسلوى بهذه الوجوه كلها، وفي الكلام حذف، تقديره: فدعا موسى ربه فأجابه، فقال لهم: {اهبطوا}، وتقدم ذكر معنى الهبوط، وكأن القادم على قطر منصب عليه، فهو من نحو الهبوط، وجمهور الناس يقرؤون "مصراً" بالتنوين وهو خط المصحف، إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي الله عنه. وقال مجاهد وغيره ممن صرفها: "أراد مصراً من الأمصار غير معين"، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه. وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها. وقال الأخفش: "لخفتها وشبهها بهند ودعد" وسيبويه لا يجيز هذا. وقال غير الأخفش: "أراد المكان فصرف". وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما: "اهبطوا مصر" بترك الصرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب وقالوا: "هي مصر فرعون". قال الأعمش: "هي مصر التي عليها صالح بن علي". وقال أشهب: "قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون". وقوله تعالى: {فإن لكم ما سألتم} يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم. وقرأ النخغي وابن وثاب "سِألتم" بكسر السين وهي لغة، {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} معناه ألزموها وقضي عليهم بها، كما يقال ضرب الأمير البعث، وكما قالت العرب ضربة لازب، أي إلزام ملزوم أو لازم، فينضاف المصدر إلى المفعول بالمعنى، وكما يقال ضرب الحاكم على اليد، أي حجر وألزم؛ ومنه ضرب الدهر ضرباته، أي ألزم إلزاماته، و {الذلة} فعلة من الذل كأنها الهيئة والحال، {والمسكنة} من المسكين، قال الزجاج: "هي مأخوذة من السكون وهي هنا: زي الفقر وخضوعه، وإن وجد يهودي غني فلا يخلو من زي الفقر ومهانته". قال الحسن وقتادة: "المسكنة الخراج أي الجزية". وقال أبو العالية: "المسكنة الفاقة والحاجة". {وباؤوا بغضب من الله} معناه: مروا متحملين له، تقول: بؤت بكذا إذا تحملته، ومنه قول مهلهل ليحيى بن الحارث بن عباد: "بؤ بشسع نعل كليب". والغضب بمعنى الإرادة صفة ذات، وبمعنى إظهاره على العبد بالمعاقبة صفة فعل، والإشارة بذلك إلى ضرب الذلة وما بعده، والباء في {بأنهم} باء السبب. وقال المهدوي: "إن الباء بمعنى اللام" والمعنى: لأنهم، والآيات هنا تحتمل أن يراد بها التسع وغيرها مما يخرق العادة، وهو علامة لصدق الآية به، ويحتمل أن يراد آيات التوراة التي هي كآيات القرآن. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "وتقتلون" بالتاء على الرجوع إلى خطابهم، وروي عنه أيضاً بالياء. وقرأ نافع: بهمز "النبيئين"، وكذلك حيث وقع في القرآن، إلا في موضعين: في سورة الأحزاب: {أية : أن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي} تفسير : [الأحزاب: 50] بلا مد ولا همز، {أية : ولا تدخلوا بيوت النبي إلا} تفسير : [الأحزاب: 53]، وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وترك الهمز في جميع ذلك الباقون، فأما من همز فهو عنده من "أنبأ" إذا أخبر، واسم فاعله منبىء فقيل نبيء، بمعنى منبىء، كما قيل: سميع بمعنى مسمع، واستدلوا بما جاء من جمعه على نبآء. قال الشاعر: [الطويل] شعر : يا خاتم النبآء إنك مرسل بالحقّ كلّ هدى الإله هداكا تفسير : فهذا كما يجمع فعيل في الصحيح "كظريف" وظرفاء وشبهه. قال أبو علي: "زعم سيبويه أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة نبوته نبيئة سوء، وكلهم يقولون تنبأ مسيلمة، فاتفاقهم على ذلك دليل على أن اللام همزة"، واختلف القائلون بترك الهمز في نبيء، فمنهم من اشتق النبي من همز ثم سهل الهمز، ومنهم من قال: هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر، فالنبي الطريق الظاهر، وكان النبي من عند الله طريق الهدى والنجاة، وقال الشاعر: [البسيط]. شعر : لما وردنا نبياً واستتبّ بنا مسحنفر كخطوط السيح منسحل تفسير : واستدلوا بأن الأغلب في جمع أنبياء كفعيل في المعتل، نحو ولي وأولياء وصفي وأصفياء، وحكى الزهراوي أنه يقول نبوء إذا ظهر فهو نبيء، والطريق الظاهر نبيء بالهمز، وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا نبيء الله، وهمز، فقال له النبي صلى عليه السلام: لست بنبيء الله، وهمز، ولكني نبيّ الله، ولم يهمز. قال أبو علي: "ضعف سند هذا الحديث، ومما يقوي ضعفه أنه صلى الله عليه وسلم، قد أنشده المادح يا خاتم النبآء ولم يؤثر في ذلك إنكار، والجمع كالواحد". وقوله تعالى: {بغير الحق} تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق، ولكن من حيث قد يتخيل متخيل لذلك وجهاً، فصرح قوله: {بغير الحق} عن شنعة الذنب ووضوحه، ولم يجترم قط نبي ما يوجب قتله، وإنما أتاح الله تعالى من أتاح منهم. وسلط عليه، كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، قال ابن عباس وغيره: "لم يقتل قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر". وقوله تعالى: {ذلك} رد على الأول وتاكيد للإشارة إليه، والباء في {بما} باء السبب، و {يعتقدون} معناه: يتجاوزون الحدود، والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء، وعرفه في الظلم والمعاصي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَفُومِهَا} الحنطة، أو الخبز، أو الثوم. {مِصْراً} مبهماً، أو مصر فرعون، والمصر من القطع لانقطاعه بالعمارة، أو من الفصل، قال: شعر : وجاعل الشمس مصراً لاخفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا تفسير : {الذِّلَّةُ} الصغار، أو ضرب الجزية. {وَالْمَسْكَنَةُ} الفقر، أو الفاقة. {وَبَآءُو} نزلوا من المنزلة، قال رجل للرسول صلى الله عليه وسلم: هذا قاتل أخي [قال]: فهو بواء به: أي ينزل منزلته في القتل، أو أصله التسوية أي تساووا في الغضب: عبادة بن الصامت: جعل الله ـ تعالى ـ الأنفال إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقسمها بينهم على بواء: أي سواءَ، أو رجعوا. والبواء الرجوع لا يكون إلا بشر أو خير. {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ} مكنهم من قتل الأنبياء ـ صلوات الله تعالى عليهم وسلامه ـ ليرفع درجاتهم، أو كل نبي أمره بالحرب نصره، ولم يمكن من قتله قاله الحسن: والنبي من النبأ، وهو الخبر لإنبائه عن الله ـ تعالى ـ أو من النبوة المكان المرتفع، لارتفاع منزلته، أو من النبي وهو الطريق، لأنه طريق إلى الله ـ تعالى ـ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} وذلك أنهم سئموا من المن والسلوى وملوه، فاشتهوا عليه غيره لأن المواظبة على الطعام الواحد تكون سبباً لنقصان الشهوة. فإن قلت: هما طعامان فما بالهم قالوا على طعام واحد. قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل عدة ألوان يداوم عليها في كل يوم لا يبدلها كانت بمنزلة الطعام الواحد {فادع لنا ربك} أي فاسأل لنا ربك {يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها} قال ابن عباس: الفوم الخبز وقيل هو الحنطة، وقيل هو الثوم {وعدسها وبصلها} إنما طلبوا هذا الأنواع لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة {قال} يعني موسى {أتستبدلون الذي هو أدنى} أي الذي هو أخس وأردأ وهو الذي طلبوه {بالذي هو خير} يعني بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما هم فيه {اهبطوا مصراً} يعني إن أبيتم إلا ذلك، فأتوا مصراً من الأمصار، وقيل: بل هو مصر البلد الذي كانوا فيه ودخول التنوين عليه كدخوله على نوح ولوط، والقول هو الأول {فإن لكم ما سألتم} يعني من نبات الأرض {وضربت عليهم الذلة} أي جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان وقيل: الذلة الجزية وزي اليهودية وفيه بعد لأنه لم تكن ضربت عليهم الجزية بعد {والمسكنة} أي الفقر والفاقة وسمي الفقير مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير كأنهم فقراء فلا ترى أحداً من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود {وباؤوا} أي رجعوا ولا يقال باء إلا بشر {بغضب من الله} وغضب الله إرادة الانتقام ممن عصاه {ذلك} أي الغضب {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} أي بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم التي في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن {ويقتلون النبيين} النبي معناه المخبر من أنبأ ينبئ وقيل هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهو المكان المرتفع {بغير الحق} أي بغير جرم. فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق فما فائدة ذكره. قلت: ذكره وصفاً للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وهو ما أمر الله به وتارة بغير الحق وهو قتل العدوان فهو كقوله: {أية : قال رب احكم بالحق}تفسير : [الأَنبياء: 112] فالحق وصف للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى حق وجور. يروى أن اليهود قتلت سبعين نبياً في أول النهار، وقامت إلى سوق بقلها في آخره وقتلوا زكريا ويحيى وشعياء وغيرهم من الأنبياء {ذلك بما عصوا} أي ذلك القتل والكفر بما عصوا أمري {وكانوا يعتدون} أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ...} الإقبال بالخطاب تأكيد لما تضمنه الكلام من المدح والإكرام أو الذم والتوبيخ. (قوله). {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} (أنظر ما فيه) من الجفاء والغلظة والجهل لقولهم: "لَن نَّصْبِرَ" ولقولهم "رَبَّكَ" ولم يقولوا "رَبَّنَا" وجعلوه واحدا إما من جهة أنه كله (خبز) (أو) إدام للخبز، وليس فيه خبز بوجه، وإما من (أجل) تكرر كل يوم بعينه من غير أن يتبدل. قوله تعالى: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا...}. قيل/ لابن عرفة: هل هذا ترق بدأوا بالبقل ثم بالفوم وهو القمح؟ فقال: (بعيد) لقوله "وبصلها" فهو في هذا تدلٍّ. قوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ...}. قال ابن عرفة: كان الشيخ أبو عبد الله بن سلام يقول: إن هؤلاء لم يطلبوا ذلك بدلا من طعامهم بل زيادة عليه لقولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ولم يقولوا: لن نحب هذا الطعام فكيف أنكر عليهم استبداله؟ قال: وتقدم الجواب عنه بأنهم إذا أكلوا من الطّعام الذي طلبوه فإنه ينقص أكلهم من الطّعام الأول بقدر ما أكلوا من هذا فقد حصلت لهم (المبادلة) في ذلك المقدار فمن كان يأكل رطلا من المنّ والسلوى قبل ذلك يصير الآن يأكل (منه) نصف رطل أو أقل. نعم إنهم (يجتمعون) في ملك واحد. وحَوْز واحد ولا يجتمع ذلك في (بطن) واحد إلاّ على الصفة التي ذكرنا. قيل لابن عرفة: قد (لا) يأكل الإنسان من (الخبز) والإدام، والخبز أكثر(مما) يأكل من كل (واحد) منها على انفراده؟ فقال: وكذلك (أيضا) يأكل من العسل إذا (عقد) وصنع (خبيصا أو نحوه) كثيرا. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأنهم طلبوا النقلة من ذلك الموضع (إلى موضع ينبت فيه البقل والقثاء والفوم وما قام الدليل على أن ذلك الموضع) المنتقل إليه ينزل عليهم فيه المن والسلوى وكأنهم طلبوا الاستبدال. فقال (ابن عرفة): هذا صحيح لو كان (هذا) من كلامهم لأن {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} من كلام موسى عليه السلام عن الله تعالى، فالذم إنما هو على طلبهم الاستبدال وطلب (الاستبدال) ليس من كلامهم. ((بل (من) دلالة الحال والأمر العادي)) فهو لازم قولهم، لأن تلك الأرض لم تجر العادة بإنباتها تلك الأشياء (فطلبهم تلك الأشياء) يستلزم طلبهم النقلة منها إلى أرض تُنبِتُها ولا ينزل فيه المن والسلوى. والذم إنما هو على سؤالهم. قيل لابن عرفة: هذا كله على تسليم السؤال، ولنا أن نمنعه ونقول: إن سؤالهم ليس بنصّ في أنهم طلبوا الزيادة بل (هو) ظاهر في ذلك فقط؟ والجواب (أنهم لهم) نص في طلبهم الاستبدال وإنما عبّروا عنه بلفظة محتملة احتمالا مرجوحا، وربما ينافيه. ومعنى كلامهم: لن نصبر على هذا الطعام لأنه طعام واحد بل نرجع إلى أطعمتنا المعتادة المتعودة. فقال ابن عرفة: هذا هو الحق والله أعلم. قوله تعالى: {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ...}. سماه "أَدْنَى" لكونه يأتيهم بعد تكليف ومشقة، والمنّ والسلوى ينزل عليهم بلا كلفة، (أو) أنه حلال محض أو بأنه ألذّ وأطيب، أو أنه الذي أمرهم الله به ففي أكله الشكر عليه نعمة وأجر. قلت لشيخنا ابن عرفة: مساق الآية يقتضي أنه فيه دناءة قليلة مع أنه خير كله؟ فقال: لا يريد الذي هو أدنى من طعامكم (هذا، بل يريد الذي هو أدنى) بالإطلاق فليس في المن والسلوى دناءة. قال القرطبي: يؤخذ من الآية تفضيل المستلذات الدنيوية، وأنها مباحة راجحة ليس فيها مرجوحية بوجه لأجل وصفها بالخير. (فرده) ابن عرفة بأنه يلزم من ذلك رجحانها، فلعل وصفها بالخير لأجل أنها تنال بلا مشقة ولا تكلف. قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ...}. (قال ابن عرفة): المسكنة إن كانت من أقسام الفقر فهي مغايرة (للذلة)، وإن لم تكن من أقسامه فيكون المسكين هو الذي يسأل، والذلة مسكنة من غير سؤال، وضرب الذلة عليهم مطلق يصدق بصورة إما في عصر من الأعصار وهو زمن بعثة نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن (وكذا) تعمّ الذلة اليهود في كل بلد، أو يكون في بعض البلاد، أو في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام وما بعده إلى الآن وسجل عليهم بوصف الغضب، وكونه من الله تعالى فهو أشد عليهم. قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ...}. قال ابن عرفة: ذمّهم على قبح ما صدر منهم في (قوتهم) العلمية والعملية، و (جمع) الأنبياء مبالغة في كثرة قتلهم، وكذلك جمع الضمير في "يقتلون"، أو يكون حقيقة. وقد قال الإمام مالك رضي الله عنه في جامع العتيبية: بلغني أنه مات في مسجد (الخيف) كذا كذا كذا نبي ماتوا كلهم بالقمل والجوع. (قال ابن رشد): لزهدهم في الدنيا أو لآن الله تعالى يبتلي عباده المؤمنين بالإذاية ليصبروا (فيه) فيعظم أجرهم عند الله. قال ابن عطية: من همز النبيء فهو عنده من (الإنباء) إذا أخبر. قال (ابن عرفة): معناه كونه يخبر الناس بأنه يوحى إليه على الجملة. والرسول يبلغهم الأحكام والشرائع ويدعوهم إلى الإيمان. قوله تعالى: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ...}. ما الفائدة فيه مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك؟ وأجاب الزمخشري بأنه الحق باعتبار الدّعوى، كما إذا تخاصم رجلان فكل واحد منهما يزعم أنه على الحق ولدعواه مرجح، (وهم يقتلون) ولا يستندون في (قتلهم) إلى شبهة بوجه، وهم بحيث لو سئلوا عن موجب ذلك لم يستحضروا له سببا. وفي سورة آل عمران {أية : بِغَيْرِ حَقٍّ} تفسير : فهو مطلق وهذا (معرف) بالعهد أي بغير الحق المعهود في الدعاوى لا الحق الثابت في نفس الأمر لأن قتل النّبيئين لا يكون إلاّ بغير ذلك الحق. قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ...}. و/ إن كانت الإشارة إلى المشار إليه أولا فهو من التعليل بعلتين فأكثر (فيجيء) فيه تعداد (العلل، والعلل) الشرعية يصحّ تعدّدها مطلقا، وكذلك العقلية (تتعدد) لكن بالنوع لا بالشخص، وإن كانت الإشارة إلى العلة الأولى فيكون من تعليل المعصية بمعصية أخرى. فإن قلت: إذا كانتا علتين فهلا عطف بالواو ولم (يكرر) سم الإشارة بكأن يقال: وبما عصوا؟ فالجواب: أنه إشارة إلى أن كل واحدة منهما علة مستقلة يحسن التعليل بها. فإن قلت: لم أُكّدت الأولى دون الثانية بأن؟ قلنا: (الغرابة) القتل، وعدم تكرره بخلاف المعصية والاعتداء فإنّه يكثر تكرره، ويتجدّد شيئا فشيئا، ونفي (أكثريته) لا يدعيه أحد. قال الطيبي: على أن القتل والاعتداء علتان (تكون) الأولى للمصاحبة بمعنى مع، والثانية للسبب. وفيه (تقديم) وتأخير، أي ذلك بكفرهم (وعصيانهم) مع قتلهم النبيئين بغير الحق. قال ابن عرفة: الصواب إنما للسبب مطلقا ولا يحتاج إلى تقديم ولا (إلى) تأخير.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ...} الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلْوَىٰ، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ؛ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير. * ت *: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ. انتهى. {وَأَدْنَى}: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ. مأخوذٌ من الدَّنِيءِ البيِّنِ الدناءةِ؛ بمعنى: الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنَىٰ بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ. وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم؛ بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ؛ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، وٱستدلُّوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ»: وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنَىٰ: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، وٱستعبادُكُم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم. انتهى. وقوله تعالَىٰ: {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} يقتضي أنه وَكَلَهُمْ إِلى أنفسهم، و{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} معناه: ٱلْزَمُوهَا؛ كما قالت العربُ: ضَرْبَةُ لاَزِبٍ، {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ}: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ. انتهى. وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } الأشارة بـــ {ذَٰلِكَ} إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالَىٰ: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تعظيمٌ للشنعة، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ؛ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب. و {يَعْتَدُونَ}: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ. وقوله تعالَىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ...} الآية. اختلف في المراد بـ {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} في هذه الآية. فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقًّا بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ} يكون فيهم بمعنَىٰ مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمَّداً صلى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمَّداً صلى الله عليه وسلم، {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك؛ لقولهم: {أية : هُدْنَـا إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف:156]، أي: تبنا، {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} لفظةٌ مشتقَّة من النَّصْرِ. قال: * ص *: {وَٱلصَّـٰبِئِينَ}: قرأ الأكثر بالهمز؛ صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ؛ ومنه: [الهزج] شعر : إِلَىٰ هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي تفسير : انتهى. قال: * ع *: والصَّابِىءُ؛ في اللغة: من خرج من دين إلى دين. وأما المشار إليهم في قوله تعالَىٰ: {وَٱلصَّـٰبِئِينَ} فقال السديُّ: هم فرقة من أهل الكتاب، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم، وقال ابنُ جْرَيْج: هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ. وقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ...} الآية: {ٱلطُّور}: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسَىٰ عليه السلام قاله ابنُ عبَّاس، وقال مجاهدٌ وغيره: {ٱلطُّور}: اسمٌ لكلِّ جبلٍ، وقصص هذه الآية أنَّ موسَىٰ عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالَىٰ بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، وٱلْتَزِمُوهَا، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فٱقتلعَتْ جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا؛ توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم علَىٰ شِقٍّ؛ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل؛ خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم علَىٰ شِقٍّ واحدٍ. قال: * ع *: والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين. وَ {بِقُوَّةٍ}: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ وٱجتهادٍ. وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ}، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه. وقوله تعالَىٰ: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم...} الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ؛ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ؛ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يُؤْمِنُ.

ابن عادل

تفسير : "لن نَصْبِرَ" ناصب منصوب، والجملة في محلّ نصب بالقول، وتقدم الكلام على "لن". قوله: {طَعَامٍ وَاحِدٍ}، وإنما كان طعامين هما: المَنّ والسَّلْوَى؛ لأن المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، فأريد بالوحدة نفي التبديل لا الاختلاف، أو لأنهما ضرب واحد؛ لأنهما من طعام أهل التلذُّذ والترف، ونحن أهل زِرَاعات لا نريد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة، أو لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر، أو لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المَنّ والسّلوى، فيصير طعاماً واحداً. وقيل: لأن العرب تعبّر عن الاثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الواحد، كقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن:22]، وإنما يخرجان من المِلْحِ دون العَذْب. قال ابن الخطيب: ليس المراد أنه واحد في النوع، بل إنه واحد في المَنْهَجِ، كما يقال: إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغيّر عن نهجه. وقيل: كنوا بذلك عن الغنى، فكأنهم قالوا: لن نرضى أن نكون كلنا مشتركين في شيء واحد فلا يخدم بعضنا بعضاً، وكذلك كانوا أول من اتخذ الخدم والعبيد. و "الطعام": اسم لكل ما يطعم من مأكول ومشروب، ومنه: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ}تفسير : [البقرة:249]، وقد يختص ببعض المأكولات كاختصاصه بالبُرّ والتَّمْرِ في حديث الصَّدقة، أو صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير. والطَّعم ـ بفتح الطاء ـ المصدر أو ما يشتهى من الطعام ـ أو ما يؤديه الذوق، تقول: طَعْمُهُ حُلْو وطَعْمُهُ مُرّ، وبضمها الشيء المطعوم كالأُكْلِ والأَكْل؛ قال أبو خِرَاشٍ: [الطويل] شعر : 527ـ أَرُدُّ شُجَاعَ البَطْنِ لَوْ تَعْلَمِينَهُ وأُوثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بالطُّعْمِ وأَغْتَبِقُ المَاءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي إذَا الزَّادُ أَمْسَى للْمُزَلَّجِ ذَا طَعْمِ تفسير : أراد بالأول المطعوم، وبالثاني ما يُشْتَهَى منه، وقد يعبَّر به عن الإعطاء؛ قال عليه السلام: "حديث : إِذا اسْتَطْعَمَكُمُ الإمام فَأَطْعِمُوُه"تفسير : أي: إذا استفتح، فافتحوا عليه، وفلان ما يَطْعَمُ النومَ إلاَّ قائماً؛ قال: [المتقارب] شعر : 528ـ نَعَاماً بِوَجْرَةَ صُفْرَ الْخُدُو دِمَا تَطْعَمُ النَّوْمَ إِلاَّ صيَامَا تفسير : قوله: "فادع" اللّغة الفصيحة "ادْعُ". بضم العين من "دَعَا يدعو". ولغة بني عامر "فَادْعِ" بكسر العين قال أبو البقاء: "لالتقاء السَّاكنَيْنِ؛ يُجْرُونَ المعتلَّ مُجْرَى الصَّحيح، ولا يراعون المحذُوفَ" يعني أن العَيْنَ ساكنةٌ، لأجل الأمر، والدَّالُ قبلها ساكنةٌ، فكسرت العين، وفيه نظرٌ، لأن القاعدة في هذا ونحوه أن يُكْسَر الأوَّل من الساكنين، لا الثاني، فيجوزُ أنْ يكُون من لُغتِهِمْ "دَعَا يَدْعِي" مثل "رَمَى يَرْمِي"، والدُّعَاء هنا السُّؤال، ويكون هنا بمعنَى التَّسْمية؛ كقوله: [الطويل] شعر : 529ـ دَعَتْنِي أَخَاها أُمُّ عَمْرٍو... .................. تفسير : وقد تقدم، و "لنا" متعلّق به، واللام للعلة. قوله: "يُخْرِجْ" مجزوم في جواب الأمر. وقال بعضهم: مجزوم بلام الأمر مقدرة، أي "ليخرج"، وضعفه الزجاج وسيأتي الكلام على حذف لام الأمر إن شاء الله تعالى. والقراءة المشهورة "يُخْرِجْ" بضم "الياء" وكسر "الراء"، و "تُنْبِت" بضم "التاء" وكسر "الباء" وقرأ زيد بن علي "يَخْرُج" بفتح "الياء" وضم "الراء" و "تَنْبُت" بفتح "التاء" وضم "الباء". قوله: {مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} مفعول "يخرج" محذوف عن سيبويه تقديره: مأكولاً مما، أو شيئاً ممّا تنبت الأرض. والجار يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله، ويكون "مِنْ" لابتداء الغاية، وأن تكون صفةً لذلك المفعول المحذوف، فيتعلّق بمضمر، أي: مأكولاً كائناً مما تنبته الأرض. و "مِنْ" للتبعيض، ومذهب الأخفش: أن "من" زائدة في المفعول، والتقدير: يخرج ما تُنْبِتُهُ الأرض؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً. قال النَّحاس: وإنما دعى الحسن إلى زيادتها؛ لأنه لم يجد مفعولاً لـ "يخرج" فأراد أن يجعل "ما" مفعولاً و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، أي من الذي تُنْبته، أو من شيء تُنْبته، ولا يجوز جعلها مصدريّة؛ لأن المفعول المحذوف لا يُوصَف بالإنبات؛ لأن الإنبات مصدر، [والمُخْرج] جوهر، وكذلك على مذهب الأخفش؛ لأن المخرج جوهر لا إنبات. قوله: "مِنْ بَقْلِهَا" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلاً من "ما" بإعادة العامل، و "من معناها: بيان الجِنْس. والثاني: أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المحذوف العائد على "ما" أي: مما تُنْبته الأرض في حال كونه من بقلها، و "من" أيضاً للبيان. و "البَقْل": كل ما تنبته الأرض من النَّجم، أي: ما لا سَاقَ له، وجمعه "بُقُول". و "القِثَّاء" معروف، الواحدة: قِثَّاءة، فهو من باب قَمْح وقَمْحة، وفيها لغتان: المشهورة كسر القاف، وهي قراءة العامة، وقرأ يحيى بن وَثّاب، وطلحة بن مصرّف، والأشهب العُقَيْلِيُّ بضم القاف وهي لغة "تميم". و "القِثَّاء" مُفْرَدُهُ وَجَمْعُهُ ممدود، تقول: "قِثَّاء" و "قِثَّاءة" وَ "دِبَّاءَ" وَ "دِبَّاءة"، وَ "دَاء" وَ "دَوَاء" والهمزة أصلٌ بنفسها في قولهم: "أَقْثَأَتِ الأرض"، أي: كثر قِثَّاؤها. ووزنها "فِعَّال"، ويقال في جمعها: "قَثَائِي"، مثل: "عِلْبَاء" و "عَلاَبِي". قال بعضهم: إلا أن "قِثَّاء" من ذوات الواو، تقول "أَقْثَأْتُ القَوْمَ"، أي: أطمعتهم ذلك، وَقَثأْتُ القِدْرَ سَكَّنْتُ غليانَهَا بالماء. قال الجعدي: [الطويل] شعر : 530ـ تَفُورُ عَلَيْنَا قِدْرُهُمْ فَنُدِيمُهَا وَنَقْثَؤُهَا عَنَّا إِذَا حَمْيُهَا غَلاَ تفسير : وهذا وهم فاحش؛ لأنه لما جعلها من ذوات الواو كيف يستدلّ عليه بقولهم: "أَقْثأت القوم" بالهمز، بل كان ينبغي أن يقال: "أَقْثَيْتُ" والأصل "أَقْثوْتُ" لكن لما وقعت الواو في بناء الأربعة قلبت ياء، كـ "أَغْزَيْتُ" من الغَزْوِ، ولكان ينبغي أن يقال: "قَثَوْتُ القِدْرَ" بالواو، ولقال الشاعر: [نَقْثُوهَا] بالواو. وَ "الْمَقْثَأة" و "الْمَقْثُؤَة" - بفتح الثاء وضمها: موضع "القِثَّاء". و "الفُوم": الثُوم وروي عن علقمة وابن مسعود أنه قرأ: "وثُومها"، وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما ـ وفي مصحف عبد الله. والفاء تبدل من الثاء كما قالوا: "جدث وجدف" و "عَاثُور وعَافُور" و "مَغَافير ومَغَاثير"، ولكنه غير قياس. وعن ابن عباس الفُوم: الخُبْز، تقول العرب: "فَوِّمُوا لنا: أي: اخْتَبزُوا". وقال ابن عباس أيضاً وعطاء أبو مالك: هو الحِنْطَة وهي لغة قديمة، وأنشد ابن عباس لمن سأله عن "الفُومِ": [الكامل] شعر : 531ـ قَدْ كُنْتَ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ [نَزَلَ] الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ تفسير : وقال ابن دُرَيْدٍ" "الفُومَةُ السُّنْبُلَةُ"، وأنْشَد: [الوافر] شعر : 532ـ وَقَالَ رَبيئُهُمْ أَتَانَا بِكَفِّهِ فُومَةٌ أَوُ فُومَتَانِ تفسير : وقال القتيبي: "هو الحبوبُ كلها". قال الكلبي والنضر بن شُمَيْل والكسَائي والمؤرج: الصّحيح أنه الثُّوم، لقراءة ابن عباس، ولكونه في مُصْحِف عبد الله بن مسعود وثُومها؛ ولأنه لو كان المراد الحِنْطة لما جاز أن يقال لهم: أَتَسْتَبِْدِلُون الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأن الحِنْطة أشرف الأطعمة، ولأنَّ الثوم أوفق للعَدَس والبَصَل من الحِنْطة وأنشد المؤرج لحسان: [المتقارب] شعر : 533ـ وَأَنْتُمْ أُنَاسٌ لِئَامُ الأُصُولِ طَعَامُكُمُ الْفُومُ وَالْحَوْقَلُ تفسير : يعني: الثوم والبصل؛ وأنشد النضر لأمية بن أبي الصَّلْت: [البسيط] شعر : 534ـ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ ظاهِرَةً فِيْها الْفَرَادِيسُ وَالْفُومَانُ وَالْبَصَلُ تفسير : الفَرَادِيس: واحدها فِرْدِيسٌ. وَكَوْمٌ مُفَرْدَسٌ، أي: مُعَرَّش. وقال بعضهم: "الفُوم: الحِمَّص لغة شامِيّة". قوله: "وَعَدَسِهَا" العَدَس معروف، والعَدَسَة: بَثْرَةٌ تخرج بالإنسان، وربما قَتَلَتْ وعَدَسْ زجر للبِغَال؛ قال: [الطويل] شعر : 535ـ عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليْكِ إِمَارَةٌ نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ تفسير : والعدس: شدة الوَطْء، والكَدْح أيضاً، يقال: عدسه. وعدس في الأرض ذهب فيها، وعدست إليه المَنِيّة أي: سارت؛ قال الكميت: [الطويل] شعر : 536ـ أُكَلِّفُهَا هَوْلَ الظَّلاَمِ وَلَمْ أَزَلْ أَخَا اللَّيْلِ مَعْدُوساً إِلَيَّ وَعَادِسَا تفسير : أي: يسار إليّ بالليل. وعدس لغة في حدس، قاله الجوهري. وعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بالعَدَسِ فإنه مُبَارك مُقَدّس، وإنه يرقق القَلْب ويكثر الدَّمْعَة فإنه بارك فيه سبعون نبياً آخرهم عِيْسَى ابن مريم ". تفسير : اختلف العلماء في أكل البصل والثّوم [والكراث] وما له رائحة كريهة من البُقُول. فذهب الجمهور إلى الإبَاحَةِ، للأحاديث الثابتة في ذلك. وذهبت طائفة من أهل الظاهر ـ القائلين بوجوب صلاة الفرض في الجَمَاعة إلى المَنْعِ؛ لأن النبي ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ سمّاها خبيثةً. وقال تعالى: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰئِثَ}تفسير : [الأعراف:157]. والصحيح الأول؛ "حديث : لقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لبعض أصحابه: كُلْ فإنِّي أُنَاجي من لا تُنَاجي ". تفسير : فصل في لفظ أدنى قوله: "أَتَسْتَبْدِلُون"؛ وفي مصحف أُبي "أَتُبَدِّلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى"، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ـ وهو الظاهر ـ قول الزجاج أن أصله: "أَدْنَوُ" من الدنو، وهو القرب، فقلبت الواو ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدُّنُوِّ في ذلك فيه وجهان: أحدهما: أنه أقرب لقلّة قيمته وخَسَاسته. والثاني: أنه أقرب لكم؛ لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير، فإنه بالصبر عليه يحصل نفعه في الآخرة. والثاني: قول علي بن سليمان الأَخْفَش أن أصله: "أَدْنَأُ" مَهْمُوزاً من دَنَأَ ـ يَدْنَأُ ـ دَنَاءَة، وهي الشيء الخَسِيْس، إلا أنه خفّف همزته؛ كقوله: [الكامل] شعر : 537ـ..................... فَارْعَيْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ الْمَرْتَعُ تفسير : ويدل عليه قراءة زهير [القرقبي] الكسائي: "أدنأ" بالهمز. الثالث: أن أصله: أَدْوَن من الشيء الدّون، أي: الرَّدِيء، فقلب بأن أخرت العين إلى موضع اللام، فصار: أَدْنُوُ، فأعلّ كما تقدم. ووزنه "أفلع"، وقد تقدم معنى الاستبدال. و "أدنى" خبر عن "هو"، والجملة صلة وعائد، وكذلك: "هو خير" صلة وعائد أيضاً. فصل في معنى الآية ومعنى الآية: أتستبدلون البقل والقثّاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمَنّ والسَّلوى الذي هو خير؟ من وجوه: الأول: أنّ البقول لا خطر لها بالنسبة إلى المَنّ والسلوى، لأنهما طعام مَنّ الله به عليهم، وأمرهم بأكله، فكان في استدامته شكر نعمة الله، وذلك أَجْر وذُخْر في الآخرة، والذي طلبوه عَارٍ من هذه الخصال، فكان أدنى. وأيضاً لما كان المَنَّ والسَّلوى ألذّ من الذي سألوه، وأطيب كان أدنى، وأيضاً لما كان ما أعطوه لا كُلْفة فيه، ولا تعب، وكان الذي طلبوه لا يجيء إلا بالحَرْثِ والتعب كان [أيضاً] أدنى. وأيضاً لما كان ما ينزل عليهم لا مِرْيَة في حلّة وخُلُوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخلّلها البيوع والغُضُوب وتدخلها الشُّبه، كانت أدنى من هذا الوجه. وأفرد في قوله: {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} وإن كان ما طلبوه أنواعاً حملاً على قوله: "ما" في قوله: {مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ}، أو على الطعام المفهوم من قوله: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ}. قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} القراءة المعروفة "اهْبِطُوا" بكسر الباء، وقرىء بضمها. و "مصراً" قرأ الجمهور منوناً، وهو خطّ المصحف. فقيل: إنهم أمروا بهبوط مِصْرٍ من الأمصار فلذلك صرف. وقيل: أمروا بِمْصرٍ بعينه، وإنما صرف لخفّته، لسكون وسطه كـ "هِنْد ودَعْد"؛ وأنشد: [المنسرح] شعر : 538ـ لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا دَعْدٌ وَلَمْ تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ_@ تفسير : فجمع بين الأمرين. أو صرفه ذهاباً به إلى المكان. وقرأ الحسن: "مِصْرَ" بغير تنوين، وقال: الألف زائدة من الكاتب، وكذلك في بعض مصاحف عُثْمان، ومصحف أُبيّ، وابن مَسْعُود، كأنهم عَنَوْا مكاناً بعينه، وهو بلد فرعون وهو مروي عن أبي العالية. وقال الزمخشري: "إنه معرّب من لسان العَجَمِ، فإن أصله مِصْرائيم، فعرب"، وعلى هذا إذا قيل بأنه علم لمكان بعينه، فلا ينبغي أن يصرف ألبتة لانضمام العُجْمة إليه، فهو نظير "ماه وَجور وحِمْص"، ولذلك أجمع الجمهور على منعه في قوله: {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ}تفسير : [يوسف:99]. والمِصْر في أصل اللغة: الحَدّ الفاصل بين الشيئين، وحكي عن أهل "هَجَر" أنهم إذا كتبوا بيع دار قالوا: "اشترى فلانٌ الدَّارَ بِمُصُورِهَا" أي: حُدُودها؛ وأنشد: [البسيط] شعر : 539ـ وَجَاعِلُ الشَّمْسِ مِصْراً لا خَفَاءَ بِهِ بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلاَ تفسير : قوله: {مَّا سَأَلْتُمْ} "ما" في محلّ نصب اسماً لـ "إن"، والخبر في "لكم"، و "ما" بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: الَّذي سألتموه. قال أبو البَقَاء: "ويضعف أن تكون نكرة موصوفة". يعني: أنَّ الذي سألوه شيءٌ معيَّنٌ، فلا يحسُنُ أن يُجَابُوا بشيء مُبهَمٍ. وقرىء: "سِلْتُمْ" مثل: بِعْتُمْ، وهي مأخوذةٌ من "سَالَ" بالألف، قال حَسَّان رضي الله عنه: [البسيط] شعر : 540ـ سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحِشَةً ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ تفسير : وهل هذه الألف منقلبة عن ياء أو واو لقولهم: يَتَساوَلاَنِ، أو عن همزة؟ ثلاثة أقوال يأتي بيانها في سورة "المعارج" إن شاء الله تعالى. فصل في بيان أنه هل عصوا بذلك السؤال أكثر المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية. قال ابن الخطيب: وعندنا ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله: "كلوا واشربوا" عند إنزال المَنّ والسّلوى ليس بإيجاب، بل هو إباحةٌ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} معصية؛ لأن من أُبيح له ضرب من الطعام فحسنٌ منه أن يسأل غير ذلك، إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أن سؤال موسى أقرب إلى الإجابة جاز لهم أن يسألوه ذلك، ولم يكن فيه معصية. واعلم أن سؤال النَّوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض منها: أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنةً مَلّوه، فاشْتَهَوْا غيره. ومنها: لعلّهم ما تعودوا ذلك النوع، وإما تعودوا سائر الأنواع، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رَغْبته فيما لم يَعْتَدْهُ وإن كان شريفاً. ومنها: لعلهم ملوا البقاء في التِّيْه، فسألوه هذه الأطعمة التي لا توجد إلاَّ في البلاد، وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس الأطعمة. ومنها: أن المُوَاظبة على نوع واحد سببٌ لنقصان الشهوة، وضعف الهَضْم، وقلّة الرغبة والاستكثار من الأنواع بضد ذلك، فثبت أن تبديل طعام بغيره يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وليس في القرآن ما يدلّ على منعهم، فثبت أن هذا القَدْرَ لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} كالإجابة لما طلبوا، ولو كانوا عاصين في ذلك السُّؤال لكانت الإجابة إليه معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال: إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}تفسير : [الشورى:20] لأن هذا خلاف الظاهر. واحتجوا على أن ذلك السؤال معصية بوجوه: الأول: قولهم: لن نصبر على طعامٍ واحدٍ يدلّ على أنهم كرهوا إنزال المَنّ والسلوى، فتلك الكراهة معصية. الثاني: أن قول موسى عليه الصلاة والسلام: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدلّ على كونه معصية. الثالث: أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصف ما سألوه بأنه أدنى، ما كانوا عليه بأنه خير، وذلك يدلّ على ما قلناه. والجواب عن الأول: أن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} ليس فيه دليل على أنهم كرهوه، بل اشتهوا شيئاً آخر؛ لأن قولهم: لن نصبر إشارةٌ إلى المستقبل؛ لأن "لن" لنفي المستقبل، فلا يدلّ على أنهم سخطوا الواقع. وعن الثاني: بأن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا، وقد يكون لما فيه من تَفْويت الأنفع في الآخرة. وعن الثالث: بأن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث إن الانتفاع به حاضر متيقّن، ومن حيث إنه حصل بِلاَ كَدّ ولا تَعَبٍ، فكما يقال ذلك في الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه: إنه أدنى من حيث إنه لا يتيقّن من حيث لا يوصل إليه إلا بالكَدّ، فلا يمتنع أن يكون مراده ـ عليه الصلاة والسلام ـ هذا المعنى، أو بعضه، فثبت أن ذلك السؤال لم يكن معصيةً، بل كان سؤالاً مباحاً، وإذا كان كذلك فقوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ}، لا يجوز أن يكون لما تقدم؛ بل لما ذكره الله ـ تعالى ـ بعد ذلك وهو قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَٰتِ ٱللَّهِ} إلى آخره. فهذا هو الموجب للغَضَبِ والعقاب لا كونهم سألوه ذلك. فصل في المراد بـ "مصر" قال قوم: المراد من "مصر" البلد الذي كانوا فيه مع فرعون؛ لقوله تعالى: {أية : ادْخُلُواْ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ}تفسير : [المائدة:21] فأوجب دخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول غيرها، وأيضاً قوله: {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} يقتضي دوامهم فيه؛ وقوله: {أية : وَلاَ تَرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ}تفسير : [المائدة:21] صريح في المَنْعِ من الرجوع عن بيت المقدس، وأيضاً فإنه ـ تعالى، بعد الأمر بدخول الأرض المقدّسة، قال: {أية : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [المائدة:26]. فلما بيّن تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المُدّة، فعند زوال تلك المُدّة يجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مِصْر سواها. فإن قيل: هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول: فلأن قوله: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةََ}تفسير : [المائدة:21] أمر ندب فلعلّهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة، مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، وأما قوله: {كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} فذلك يدل على دوام تلك الأرض المقدسة. وأما قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} فلا نسلّم أنّ معناه: ولا ترجعوا إلى مصر، بل يحتمل أن يكون معناه: ولا تعصوا فيما أمرتكم؛ لأن العرب تقول لمن عصى الأمر: أرتَدّ على عقبه، فالمراد من هذا العصيان كونهم أنكروا أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. ويحتمل أن يكون ذلك النهي مخصوصاً بِوَقْتٍ معين. والجواب: أنه ثبت في الأصول أن ظاهر الأمر للوجوب، وإن سلّمنا أنه للندب، ولكن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب، وهو لا يليق بالأنبياء. وأما قوله: لا نسلّم أن المراد من قوله: "ولا ترتدوا": ولا ترجعوا. قلنا: الدليل عليه أن أمره بدخول الأرض المقدّسة، ثم قوله بعده: {وَلاَ تَرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} يتبادر إلى الفَهْم أن النهي يرجع إلى ما تعلّق به ذلك الأمر. وقوله: "تخصيص النهي بوقت معين". قلنا: التخصيص خلاف الظاهر. قال أبو مسلم الأصفهاني: يجوز أن يكون المراد "مِصْر فرعون" لوجهين: الأول: من قرأ "مِصْرَ" بغير تنوين كان عَلَماً للبلد المُعَيّن، وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سواها، فحمل اللفظ عليه، ولأن اللفظ إذا دَارَ بين كونه علماً، وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى. ومن قرأه منوناً فإما أن تجعله اسم عَلَم، وتقول: إنما نون لسكون وسطه، فيكون القريب أيضاً ما تقدم، وإن جعلناه اسم جنس فقوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} يقتضي التخيير، كما إذا قال: أَعْتِقْ رَقَبَةً. الوجه الثاني: أن الله ـ تعالى ـ ورث بن إسرائيل أرض "مصر" لقوله: {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ}تفسير : [الشعراء:59] وإذا موروثةً لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها. فإن قيل: قد يكون الرجل مالكاً للدَّار وإن كان ممنوعاً من دخولها كمن أوجب على نفسه اعتكافَ أيام في المسجد، فإنه يحرم عليه دخول دَارِهِ، وإن كانت مملوكةً له، فلم لا يجوز أن يقال: إن الله ـ تعالى ـ وَرَّثهم "مصر" بمعنى الولاية، والتصرف فيها، ثم إنه ـ تعالى ـ حرم عليهم دخولها بإيجابه عليهم سُكْنى الأرض المقدسة؟ قلنا: الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل. وأجاب الفرق الأول عن حجّتي أبي مسلم. أما قوله "إن القراءة المشهورة بالتنوين يقتضي التخيير". قلنا: نعم، لكنا نخصّص العموم في حقّ هذه البلدة المعينة بما ذكرنا من الدليل. وأما الثاني: فإنّا لا ننازع في أن الملك لمطلق التصرف لكن قد يترك هذه الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمنا من الدّلائل. قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} أي: جُعِلَتِ الذِّلَّة محيطً بهم، مشتملةً عليهم؛ كمن يكون في القُبَّة المَضْرُوبَةِ؛ قال الفرزدقُ لجرير: [الكامل] شعر : 541ـ ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا وقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ تفسير : أو ألصقت بهم حتى لزمتهم كما يضرب الطِّين على الحائط فيلزمه. ومن قال: إنها الجزية فبعيد؛ لأن الجزية لم تكن مضروبةً حينئذ. وقال بعضهم: هذا من باب المُعْجِزَات؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أخبر عن ضرب الذِّلّة والمَسْكَنة عليهم، ووقع الأمر كذلك، فكان معجزة. و "الذِّلّة": الصَّغَار. والذُّلّ بالضم: ما كان عن قَهْرٍ، وبالكسر: ما كان بعد شماس من غير قهر. قاله الراغب. و "المَسْكَنَةُ": مَفْعَلَة من السُّكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض، لما به من الفَقْرِ، و "المسكين: مُفْعِيْل منه، إلاّ أن هذه الميم قد ثبتت في اشتقاق هذه الكلمة، قالوا: تمسكن يتمسكن فهو متمسكن، وذلك كما تثبت ميم "تَمْنَدل وتَمَدْرَعَ" من "النَّدْلِ" و "الدَّرعِ" وذلك لا يدلّ على أصالتها؛ لأن الاشتقاق قضى عليها بالزِّيَادة. وقال الراغب: قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ}: فالميم في ذلك زائدة في أصحّ القولين. وإيراد هذا الخلاف يؤذن بأن النون زائدة، وأنه من "مسك" و "ضربت" مبني للمفعول و "الذّلة" قائم مقام الفاعل. قوله: {وَبَآءُو} ألف "بَاءَ بكذا" منقلبة عن واو؛ لقولهم: "بَاءَ ـ يَبُوءُ" مثل: "قَالَ ـ يَقُولُ" قال عليه الصَّلاة والسَّلام: "أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ"، والمصدر: "البَوَاء". وبَاءَ معناه: رَجَع؛ وأنشد بعضهم هذا: [الوافر] شعر : 542ـ فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا وأُبْنَا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدينَا تفسير : وهذا وَهَمٌ؛ لأن هذا البيت من مادة: "آبَ ـ يَئوب" فمادته من همزة، وواو، وبَاءٍ، و "بَاءَ" مادته من باء، وواو، وهمزة، وادعاء القلب يه بعيدٌ؛ لأنه لم يُعْهَد تقدُّم العين واللام معاً على الفاء في مقلوب، وهذا من ذاك. والبَوَاء: الرجوع بالقَوَدِ، وهُمْ في هذا الأمر بَوَاءٌ، أي: سَوَاء؛ قال: [الطويل] شعر : 543ـ أَلاَ تَنْتَهي عَنَّا [مُلُوكٌ] وتَتَّقِي مَحَارِمَنَا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ تفسير : أي: لا يرجعُ الدم بالدم في القَوَدِ. وبَاءَ بكذا: أقرَّ أيضاً، ومنه الحديث المتقدِّم أي: أُقِرُّ بها، وأُلْزِمُهَا نَفْسِي، وقال: [الكامل] شعر : 544ـ أَنْكَرْتُ بَاطِلَها وَبُؤْتُ بِحَقِّهَا ....................... تفسير : وقال الراغب: "أصل البَواء مُسَاوَاةٌ الأَجْزَاءِ في المكان خلاف النَّبْوَة الذي هو مُنَافاة الأجزاء". وقوله: "وَبَاءوا بِغَضَبٍ" أي: حلُّوا مَبْوَأً ومعه غَضَب، واستعمال "بَاءَ" تنبيه على أن مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله فكيف بغيره من الأمكنة، وذلك نحو: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [آل عمران:21]. ثم قال: وقول من قال: بؤت بحقها، أي: أقررت فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ. وقولهم: "حَيّاك الله وبَيّاك" أصله: بَوّأك، وإنما غير للمُشَاكلة، قاله خلف الأحمر. وقيل: باءوا: استحقوا، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}تفسير : [المائدة:29] أي: تستحق الإثم جمعياً، ومن قال: إنه الرجوع فلا يقال: باء إلا بِشَرّ. قوله: "بغضب" في موضع الحال من فاعل "باءوا" أي: رجعوا مغضوباً عليهم، وليس مفعولاً به كـ "مررت بزيد". وقال الزمخشري: هو من قولك: باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمُسَاواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه. وعلى هذا التفسير ينبغي كون الباء للحال. قوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} الظاهر أنه في محلّ جر صفة بـ "غضب"، فيتعلّق بمحذوف، أي: بغضب كائن من الله. و "من" لابتداء الغاية مجازاً. وقيل: هو متعلّق بالفعل نفسه أي: رجعوا من الله بِغَضَبٍ. وليس بقوي. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ}. "ذلك" مبتدأ أشير به إلى ما تقدّم من ضرب الذِّلّة والمسكنة [والخلافة] بالغضب. و "بأنهم" الخبر، والباء للسببية، أي: ذلك مستحقّ بسبب كفرهم. وقال المهدوي: الباء بمعنى اللام أي: لأنهم، ولا حاجة إلى هذا، فإن باء السببية تفيد التَّعليل بنفسها. و "يكفرون" في محلّ نصب خبراً لـ "كان"، و "كان" وما في حَيّزها في حل رفع خبراً للمبتدأ كما تقدم. قوله: {بِآيَٰتِ ٱللَّهِ} متعلّق بـ"يكفرون" والباء للتعدية. قوله: {وَيَقْتُلُونَ} في محلّ نصب عطفاً على خبر "كان"، وقرىء: "تقتلون" بالخطاب التفاتاً إلى الخطاب الأول بعد الغيبة. و "يُقَتَّلونُ" بالتشديد للتكثير. قوله: {ٱلنَّبِيِّينَ} مفعول به جمع "نبي". والقراءة على ترك الهمزة في النُّبوة، وما تصرف منها، ونافع المدني على الهمز في الجميع إلاّ موضعين: في سورة "الأحزاب": {أية : لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ}تفسير : [الأحزاب:50]، {أية : بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ}تفسير : [الأحزاب:53]، فإن قالون حكى عنه في الوَصْلِ كالجماعة وسيأتي. وما من همز فإنه جعله مشتقاً من "النبأ" وهو الخبر، فالنَّبِيُّ "فعيل" بمعنى "فاعل" أي: مُنَبِّىءٌ عن الله برسالته، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول"، أي: أنه مُنَبَّأٌ من الله بأوامره ونواهيه، واستدلُّوا على ذلك بجمعه على"نُبَآء" كـ "ظَرِيف وظُرَفَاء" قال العَبَّاسُ بنُ مِرْدَاسٍ: [الكامل] شعر : 545ـ يا خَاتَمَ النُّبَآءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ بِالحَقِّ كُلُّ هُدَى الإلَهِ هُدَاكَا تفسير : فظهور الهمزتين يدلُّ على كونه من "النَّبَأ"، واستضعف بعض النحويين هذه القراءة، قال أبو علي: "قال سيبويه": بلغنا أن قوماً من أهل التحقيق يحققون "نبيئاً وبريئة" قال: وهو رَدِيء، وإنما استردأه؛ لأن الغالب في استعماله التخفيف. وقال أبو عبيدة الجمهور الأعظم من القراء والعَوَامّ على إسقاط الهمز من النَّبِي والأَنْبِيَاء، وكذلك أكثر العرب مع حديث رويناه، فذكر أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا نَبِيءَ الله" فهمز، فقال: "لَسْتُ بِنَبِيءِ الله" ـ فهمز ـ ولَكِنِّي نَبِيُّ اللَّهِ، ولم يهمز، فأنكر عليه الهمز. قال: وقال لي أبو عبيدة: العرب تبدل الهمزة في ثلاثة أحرف: "النبيّ والبَرية والخَابِية" وأصلهن الهَمْز. قال أبو عبيدة: ومنها حرف رابع: "الذُّرِّيَّة" من ذَرأَ ـ يَذْرَأ، ويدلّ عل أن الأصل الهمز قال سيبويه: [إنهم] كلّهم يقولون: تنبأ مُسَيْلمة فيهمزون. وبهذا لا ينبغي أن ترد به قراءة هذا الإمام الكبير، أما الحديث فقد ضعفوه. قال ابن عطية: ومما يقوي ضعفه أنه لما أنشده العَبَّاس: [الكامل] شعر : 546ـ يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ............. ...................... تفسير : لم ينكره، ولا فرق بين الجمع والواحد، ولكن هذا الحديث قد ذكره الحاكم في "المستدرك"، وقال: هو صحيح على شرط الشَّيخين، ولم يخرجاه. فإذا كان كذلك فليلتمس للحديث تخريجٌ يكون جواباً عن قراءة نافع، على أنّ القَطْعِيّ لا يُعَارَضُ بالظني، وإنما يذكر زيادة فائدة. والجواب عن الحديث: أنّ أبا زيد حكى: نَبَأْتُ من أرض كذا إلى أرض كذا، أي: خرجت منها إليها فقوله: "يا نبيء الله" بالهمز يوهم يا طَرِيدَ الله الذي أخرجه من بلده إلى غيره، فَنَهَاه عن ذلك لإيهامه ما ذكرنا، لا لسبب يتعلّق بالقراءة. ونظر ذلك نهيه المؤمنين عن قولهم: {أية : رَاعِنَا}تفسير : [البقرة:104] لما وجدت اليهود بذلك طريقاً إلى السَّب به في لغتهم، أو يكون حضًّا منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ على تَحَرِّي أفصح اللغات في القرآن وغيره، وأما من لم يهمز، فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: أنه من المهموز، ولكن [خفف]، وهذا أولى ليُوافق القراءتين، ولظهور الهمز في قولهم: تنبأ مسيلمة، وقوله: "يا خاتم النُّبَآء....". والثاني: أنه أصل آخر بنفسه مشتقّ من "نَبَا ـ يَنْبُو": إذا ظهر وارتفع، ولا شَكّ أن رتبة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ مرتفعة، ومنزلته ظاهرة بخلاف غيره من الخَلْقِ، والأصل: "نبيو وأنبواء"، فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء كـ "ميت" في "ميوت"، وانكسر ما قبل الواو في الجمع فقلبت ياء، فصار: أنبياء. والواو في "النبوة" بدل من الهمزة على الأول، وأصل بنفسها على الثّاني، فهو "فعيل" بمعنى "فاعل"، أي: ظاهر مرتفع، أو بمعنى مفعول أي: رفعه الله على خَلْقِهِ، أو يكون مأخوذاً من النبي الذي هو الطريق، وذلك أن النبي طريق الله إلى خلقه، به يتوصّلون إلى معرفة خالقهم؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 547ـ لَمَّا وَرَدْنَ نُبَيًّا وَاسْتَتَبَّ بِنَا مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَحِلُ تفسير : وقال الشاعر: [المتقارب] شعر : 548 - لأَصْبَحَ رَتْماً دُقَاقَ الحَصَى مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الكَاثِبِ تفسير : "الرَّتْم" ـ بالتاء المثناة والمثلثة جميعاً: الكسر. و "الكَاثِب" بالمثلثة: اسم جَبَل، وقالوا في تحقير نُبُوّة مسيلمة: نَبِيئة. وقالوا: جمعه أنبياء قياس مُطّرد في "فعيل" المعتل نحو: "وَلِيّ وأولياء، وصَفِيّ وأصفياء". وأما قَالُون فإنما ترك الهمز في الموضعين المذكورين لمَدْرَكٍ آخر، هو أنه من أصله في اجتماع الهمزتين من كلمتين إذا كانتا مكسورتين أن تسهل الأولى، إلا أن يقع قبلها حرف مدّ، فتبدل وتدغم، فلزمه أن يفعل هنا ما فعل في: {أية : بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ}تفسير : [يوسف:53] من الإبدال والإدغام، إلاّ أنه روي عنه خلاف في: {بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ} ولم يُرْو عنه [هنا] خلافٌ كأنه التزم البدل لكثرة الاستعمال في هذه اللَّفظة وبابها، ففي التحقيق لم يترك همزة "النَّبيّ"، بل همزه ولما همزه أدّاه قياس تخفيفه إلى ذلك، ويدلّ على هذا الاعتبار أنه إنما يَفْعَل ذلك حيث يَصِل، أمّا إذا وقف فإنه يهمزه في الموضعين، لزوال السَّبب المذكور، فهو تارك للهمز لفظاً آتٍ به تقديراً. فإن قيل: قوله: "يَكْفُرُونَ" دخل تحته قتل الأنبياء، فَلِمَ أعاد ذكره؟ فالجواب: إن المذكور هنا هو الكفر بآيات الله، وهو الجهل والجَحْد بآياته، فلا يدخل تحته قتل الأنبياء. قوله: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} في محلّ نصب على الحال من فاعل "يقتلون" تقديره: يقتلونهم مبطلين، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف تقديره: قتلاً كائناً بغير الحَقِّ، فيتعلّق بمحذوف. قال الزمخشري: قتل الأنبياء لا يكون إلاَّ بغير الحَقّ، فما فائدة ذكره؟ وأجاب: بأن معناه أنهم قتلوهم بغير الحَقّ عندهم؛ لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض حتى يقتلوا، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقّون به القتل عندهم. وقيل: إنما خرج وصفهم بذلك مخرج الصّفة لقتلهم بأنه ظلم في حقهم لاحقٌ، وهو أبلغ في الشناعة والتعظيم لذنوبهم. وقيل: هذا التكرير للتأكيد، كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}تفسير : [المؤمنون:117]، ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني بُرْهَان. وقيل: إن الله ـ تعالى ـ [لو ذمّهم على مجرد القتل قالوا: أليس أنّ الله يقتلهم، فكأنه تعالى قال: القَتْلُ الصادر من الله ـ تعالى ـ] قَتْلٌ بحقِّ، ومن غير الله قَتْلٌ بغير حق. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّي بين الكافرين [وقتل] الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في منازلهم كمن يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بِخُذْلان لهم. قال ابن عباس والحسن رضي الله عنهم: لم يقتل قَطّ نبي من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر. فصل في أوجه ورود لفظ الحق وقد ورد "الحَقّ" على أحد عشر وجهاً: الأول: بمعنى "الجَزْم" لقوله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}تفسير : [آل عمران:112] أي: بغير جَزْمٍ كهذه الآية. الثاني: بمعنى "الصّفة" قال تعالى: {أية : ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [البقرة:71] أي: بالصفة التي نعرفها. الثالث: بمعنى "الصّدق" قال تعالى: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}تفسير : [الروم:47]، ومثله: {أية : ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [مريم:34] أي: قول الصدق. الرابع: بمعنى: "وجب" قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي}تفسير : [السجدة:13] أي: وجب، ومثله: {أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}تفسير : [غافر:6] أي: وجبت. الخامس: بمعنى: "الولد" قال تعالى: {أية : بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الحجر:55] أي: بالولد. السادس: الحقّ: الحُجّة قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [يونس:76] أي: جاءتهم الحجّة، وهي اليَدُ والعَصَاة. السابع: بمعنى "القَضَاء" قال تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنبياء:112] أي: اقض، ومثله: {أية : وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}تفسير : [النور:49]. الثامن: بمعنى: "التوحيد" قال تعالى: {أية : بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الصافات:37] أي بالتوحيد. التاسع: الحَقّ: الإسلام قال تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}تفسير : [الإسراء:81] أي: جاء الإسلام، وذهب الكفر، ومثله: {أية : أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ}تفسير : [يونس:35] أي: إلى الإسلام، ومثله: {أية : إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [النمل:79]. العاشر: بمعنى القرآن، قال تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ}تفسير : [ق:5] أي: بالقرآن. الحادي عشر: الحَقّ: هو الله تعالى، قال تعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [المؤمنون:71] أي: في إيجاد الولد، ومثله: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [العصر:3] أي: بالله. قوله: "ذَلِكَ بِمَا عَصَوا" مثل ما تقدم. وفي تكرير اسم الإشاره قولان: أحدهما: أنه مُشَار به إلى ما أشير بالأول إليه على سبيل التأكيد. والثاني: ما قاله الزمخشري: وهو أن يشار به إلى الكُفْرِ، وقَتْلِ الأنبياء، على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم، واعتدائهم؛ لأنهم انهمكوا فيها. و "ما" مصدرية، و "الباء" للسببية، أي بسبب عصيانهم، فلا محلّ لـ "عصوا" لوقوعه صلةً، وأصل "عَصَوْا": "عَصَيُوا" تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فالتقى ساكنان [الياء] والواو، فحذفت الياء لكونها أوّل السّاكنين، وبقيت الفتحة تدلّ عليها، فوزنه "فَعَوْا". وأصل "العصيان": الشدة. واعتصمت النَّوَاة: إذا اشتدت. قوله: {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} المراد منه الظُّلم، أو تجاوز الحَقّ إلى الباطل. وأصل "الاعتداء": المُجَاوزة من "عَدَا" ـ "يَعْدُو"، فهو "افْتِعَال" منه، ولم يذكر متعلّق العصيان والاعتداء، ليعم كل ما يُعْصى ويعتدى فيه. وأصل "يَعْتَدُون": "يَعْتَدِيُون"، ففعل به ما فعل بـ {أية : تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة:21] من الحذف والإعلال، وقد تقدم، فوزنه: "يَفْتَعُون". والواو من "عصوا" واجبة الإدغام في الواو بعدها، لانفتاح ما قبلها، وليس فيها [مدٌّ] يمنع من الإدغام، ومثله: {أية : فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ}تفسير : [آل عمران:20] وهذا بخلاف ما إذا انضم ما قبل الواو، فإن المَدّ يقوم مقام الحاجز بين المثلين: فيجب الإظهار، نحو: {أية : ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ}تفسير : [البقرة:25] ومثله: {أية : ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ}تفسير : [الناس:5]. فإن قيل: ما الفرق بين ذكره "الحَقّ" هاهنا معرفاً، وبين ذكره في "آل عمران" منكراً في قوله {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}تفسير : [آل عمران:112]؟ والجواب: أن الحَقّ المعلوم الذي يوجب القتل فيما بين الناس هو قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يَحِلّ دَمُ امرىءٍ مسلم إلا بإحْدَى ثَلاَثٍ، كُفْر بعد [إيمان]، وزِنًى بعد [إحْصَان]، وقَتْل نفس بغير حق ".

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد‏}‏ قال‏:‏ المن والسلوى، استبدلوا به البقل وما ذكر معه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قالوا‏:‏ ملوا طعامهم في البرية وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، فقالوا ‏ {‏ادع لنا ربك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ‏{‏وفومها‏} ‏ قال‏:‏ الخبز‏.‏ وفي لفظ‏:‏ البر‏.‏ وفي لفظ‏:‏ الحنطة بلسان بني هاشم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير من طرق عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى ‏{‏وفومها‏}‏ قال‏:‏ الحنطة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت أحيحة بن الجلاح وهو يقول‏:‏ شعر : قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً ورد المدينة عن زراعة فوم تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء في قوله ‏ {‏وفومها‏}‏ قالا‏:‏ الخبز‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وأبي مالك في قوله {‏وفومها‏} ‏قالا‏:‏ الخبز‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وأبي مالك في قوله ‏{‏وفومها‏} ‏قالا‏:‏ الحنطة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ الفوم الثوم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال‏:‏ الفوم الثوم - وفي بعض القراءة وثومها‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن ابن مسعود‏:‏ أنه قرأ وثومها‏.‏ وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس قال‏:‏ قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود هذا أحدها ‏ {‏من بقلها وقثائها وثومها‏}‏‏ .‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏وفومها‏}‏ قال‏:‏ الفوم الحنطة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت أبا محجن الثقفي وهو يقول‏: شعر : قد كنت أحسبني كأغنى واحد قدم المدينة عن زراعة فوم تفسير : قال‏:‏ يا ابن الأزرق ومن قرأها على قراءة ابن مسعود فهو هذا المنتن قال أمية ابن أبي الصلت‏: شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومات والبصل تفسير : وقال أمية ابن أبي الصلت أيضاً‏:‏ شعر : أنفي الدياس من القوم الصحيح كما أنفي من الأرض صوب الوابل البرد تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏أتسبدلون الذي هو أدنى‏}‏ قال‏:‏ أردأ‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏اهبطوا مصراً‏} ‏ قال‏:‏ مصراً من الأمصار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏اهبطوا مصراً‏} ‏ يقول‏:‏ مصراً من الأمصار‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏ {‏اهبطوا مصراً‏} ‏ قال‏:‏ يعني به مصر فرعون‏.‏ وأخرج ابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش أنه كان يقرأ ‏{‏اهبطوا مصر‏}‏ بلا تنوين، ويقول‏:‏ هي مصر التي عليها صالح بن علي‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وضربت عليهم الذلة والمسكنة‏} ‏ قال‏:‏ هم أصحاب الجزية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن ‏ {‏وضربت عليهم الذلة والمسكنة‏} ‏ قال‏:‏ يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون‏. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏ {‏والمسكنة‏} ‏ قال‏:‏ الفاقة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏{‏وباؤوا بغضب من الله‏} ‏ قال‏:‏ استحقوا الغضب من الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏وباؤوا‏} ‏ قال‏:‏ انقلبوا‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقتلون النبيين‏}‏ ‏.‏ أخرج أبو داود الطيالسي وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار‏.‏ وأخرج أحمد عن ابن مسعود‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين‏ ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي ذر قال ‏"‏حديث : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا نبيء الله‏.‏ قال‏:‏ لست بنبيء الله ولكنني نبي الله" تفسير : قال الذهبي‏:‏ منكر لم يصح. وأخرج ابن عدي عن حمران بن أعين ‏"حديث : ‏أن رجلا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليك يا نبيء الله‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: لست بنبيء الله ولكنني نبي الله‏‏ ". تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال ‏"‏ما همز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة من بعدهم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ} تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم وكُفرانهم لنعمة الله عز وجل وإخلادِهم إلى ما كانوا فيه من الدناءة والخساسةِ، وإسنادُ القول المحكّى إلى أخلاقهم وتوجيهُ التوبـيخ إليهم لما بـينهم من الاتحاد {يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ} لعلهم لم يريدوا بذلك جمعَ ما طلبوا مع ما كان لهم من النعمة ولا زوالَها وحصولَ ما طلبوا مكانها إذ يأباه التعرضُ للوحدة بل أرادوا أن يكون هذا تارةً وذاك أخرى. رُوي أنهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة العتيدة لوحدتها النوعية وإطرادها وتاقت أنفسُهم إلى الشقاء {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} أي سله لأجلنا بدعائك إياه والفاء لسببـية عدمِ الصبر للدعاء، والتعرضُ لعنوان الربوبـية لتمهيد مبادي الإجابة {يُخْرِجْ لَنَا} أي يُظهِرْ لنا ويوجِدْ والجزم لجواب الأمر {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأرْضُ} إسناد مجازيٌّ بإقامَةِ القابلِ مُقامَ الفاعل ومن تبعيضيةٌ والتي في قوله تعالى: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} بـيانية واقعةٌ موقعَ الحال أي كائناً من بقلها الخ وقيل: بدلٌ بإعادة الجارِّ، والبقلُ ما تنبتُ الأرضُ من الخُضَر والمراد به أطايبُه التي تؤكلُ كالنَّعناع والكُرفُس والكُرَّاث وأشباهِها، والفومُ الحِنطةُ وقيل: الثوم وقرىء قُثائها بضم القاف وهو لغة فيه {قَالَ} أي الله تعالى أو موسى عليه السلام إنكاراً عليهم وهو استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قال لهم فقيل قال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} أي أتأخُذون لأنفسِكم وتختارون {ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ} أي أقربُ منزلةً وأدون قدراً سهلُ المنال وهينُ الحصول لعدم كونه مرغوباً فيه وكونه تافهاً مرذولاً قليلَ القيمة، وأصلُ الدنوّ القُرب في المكان فاستعير للخِسة كما استعير البُعدُ للشرف والرفعة، فقيل: بعيدُ المحل وبعيدُ الهمة وقرىء أدنأُ من الدناءة وقد حملت المشهورة على أن ألفها مبدلة من الهمزة {بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ} أي بمقابلة ما هو خيرٌ فإن الباء تصحب الذاهبَ الزائلَ دون الآتي الحاصل كما في التبدل والتبديل في مثل قوله عز وجل: {أية : وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ} تفسير : [البقرة، الآية 108] وقوله: {أية : وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ} تفسير : [سبأ، الآية 16] وليس فيه ما يدل قطعاً على أنهم أرادوا زوالَ المنِّ والسلوى بالمرة، وحصولُ ما طلبوا مكانه لتحقق الاستبدال فيما مر من صورة المناوبة {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا} أُمروا به بـياناً لدناءة مطلَبِهم أو إسعافاً لمرامهم أي انحدروا إليه من التّيه يقال: هبَط الواديَ وقرىء بضم الباء، والمِصرُ البلدُ العظيم وأصله الحدُّ بـين الشيئين، وقيل: أريد به العلُم وإنما صُرف لسكون وسَطِه أو لتأويله بالبلد دون المدينة، ويؤيده أنه في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه غيرُ منون، وقيل: أصلُه مِصْرايـيم فعرب {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} تعليلٌ للأمر بالهبوط أي فإن لكم فيه ما سألتموه، ولعل التعبـيرَ عن الأشياء المسؤولة بما للاستهجان بذكرها كأنه قيل: فإنه كثيرٌ فيه مبتذلٌ يناله كلُّ أحد بغير مشقة {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} أي جعلتا محيطتين بهم إحاطةَ القُبة بمن ضربت عليه أو ألصِقتا بهم وجعلتا ضربةَ لازبٍ لا تنفكان عنهم مجازاةً لهم على كُفرانهم، مِنْ ضَرْبِ الطينِ على الحائط بطريق الاستعارة بالكناية، واليهودُ في غالب الأمر أذلاءُ مساكينُ إما على الحقيقة، وإما لخوف أن تضاعَفَ جزيتُهم {وَبَاءوا} أي رجعوا، {بِغَضَبٍ} عظيم وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف هو صفةٌ لغضبٍ مؤكِّدٌ لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافيةِ أي بغضب كائنٍ من الله تعالى أو صاروا أحقاءَ به، من قولهم باءَ فلانٌ بفلان أي صار حقيقاً بأن يُقتلَ بمقابلته، ومنه قول من قال: بُؤْ بشِسْعِ نعلِ كُلَيبٍ، وأصل البَوْء المساواة {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما سلف من ضرب الذِلة والمسكنةِ والبَوْءِ بالغضب العظيم {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {كَانُواْ يَكْفُرُونَ} على الاستمرار {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الباهرة التي هي المعجزاتُ الساطعةُ الظاهرة على يدي موسى عليه السلام مما عُد وما لم يُعَدَّ {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} كشَعْيا وزكريا ويحيـىٰ عليهم السلام، وفائدةُ التقيـيد مع أن قتل الأنبـياءِ يستحيل أن يكون بحق الإيذانُ بأن ذلك عندهم أيضاً بغير الحق إذ لم يكن أحد معتقداً بحقية قتلِ أحدٍ منهم عليهم السلام وإنما حملهم على ذلك حبُّ الدنيا واتباعُ الهوى والغلوُّ في العصيان والاعتداءُ كما يفصح عنه قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي جرَّهم العصيانُ والتمادي في العُدوان إلى ما ذُكر من الكفر وقتلِ الأنبـياءِ عليهم السلام فإن صِغارَ الذنوب إذا دُووِمَ عليها أدتْ إلى كبارها كما أن مداومةَ صغارِ الطاعات مؤديةٌ إلى تحرّي كبارِها، وقيل: كُرِّرت الإشارةُ للدلالة على أن ما لَحِقَهم كما أنه بسبب الكفر والقتلِ فهو بسببِ ارتكابِهم المعاصيَ واعتدائهم حدودَ الله تعالى وقيل: الإشارةُ إلى الكفر والقتل، والباء بمعنى مع ويجوز الإشارة إلى المتعدِّد بالمفرد بتأويل ما ذُكر أو تقدم كما في قول رؤبة بنِ العجاج: [الرجز] شعر : فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق كأنه في الجِلد توليعُ البَهَقْ تفسير : أي كان ما ذُكر والذي حسَّن ذلك في المضْمَرات والمبهمات أن تثنيتها وجمعَها ليسا على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الذين

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ...} [الآية: 61]. قيل: الناس فيه رجلان: رجلٌ أزيل عنه تدبيره مستريح فى ميدان الرضا راضٍ بأحكام القضاء فيه ساء أم سر فهو فى الزيادة أبدًا، وآخر رُدَّ إلى تدبيره واختياره فلا يزال تتخبط فى تدبيره واختياره إلى أن يهلك. قوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ}. معناه: أتعارضون حسن اختيارى لكم فى الأزل بمخالفة الدعاء والسؤال {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} تفسير : [ق: 29]. قال الواسطى فى هذه الآية: ما يتولاه من المن السلوى من غير كلفة لهم، فتبع القوم شهوة نفوسهم وما يليق بطبائعهم لما رجع إلى القثاء والطين عند ذكرهم.

القشيري

تفسير : لم يرضَوْا بحسن اختياره لهم، ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يَهُمُّهُم من كفاية مأكولهم وملبوسهم، فنزلوا في التحير إلى ما جرت عليه عاداتهم من أكل الخسيس من الطعام، والرضا بالدون من الحال، فردَّهم إلى مقاساة الهوان، وربطهم بإدامة الخذلان، حتى سفكوا دماء الأنبياء وهتكوا حرمة الأمر بِقِلَّة الاستحياء، وتَرْكِ الاروعاء، فعاقبهم على قبيح فعالهم، وردَّهم إلى ما اختاره لأنفسهم من خسائس أحوالهم، وحين لم تنجح فيهم النصيحة، أدركتهم النقمة والفضيحة. ويقال كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم مُشَتَّتِي القصود؛ لم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد، ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام - لمَّا رأوا قَوماً يعبدون الصنم - يا موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم إله، وهكذا صفة أرباب التفرقة. والصبر مع الواحد شديد، قال تعالى: {أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً}تفسير : [الإسراء: 46].

البقلي

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} لم يصبروا على اكل طعام الروحانيين لانهم اهل الطباع وايضاً ابلاهم الله بالنعمة كما ابلاهم بالنقمة وايضاً لمّا عَصَوا الله تعالى اخَذَ عنهم لذة ذلك الطعام ولم يصببوا على فقد اللذة وايضاً من لم يشكر الله في نعمائه غيرها عليه حتى لم يصبر على بلائه وقيل الناس فيه رجلان رَجُلُ ازيل عنه تدبيره فهو مستريحُ في ميادين الرضا راضٍ باحكام القَضَاء فيه ساء اوسُر فهو في الزيادة ابداً واخررد الى تدبيره واختياره ولا يزال يتخبط في تدبيره واختياره الى ان يُهْلِك قوله {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} اي تستبدلون طعام اهل القرية بطعام اهل الشهوة وقيل معناه اتعارضون حُسن اختيارى لكم في الازل بمخالفة السُّوال والدُّعاء وما يبدّل القول لدى وقال الواسِطىُّ في هذه الآية ما يتولاه من المنَّ والسّلوى من غير كلفةٍ لهم فتتبع القومُ شهوة نفوسهم وما يليق بطباعهم لَمّا رَجَعَ الى الغناء والضر عند ذكرهم {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} ضَرَبَ الله عليهم ذلة الطغيان قبل وجود الاكوان وقهرهم بلطمة المسكنة فى تعبُّد الشيطان وايضاً البس الله قلوبهم حبّ الدّنيا فقراو سخطا والبس سرائهم بغض الاخوة وخوفاً ومقتاً وقيل الذلة والشُحّ والمسكنة الحرصُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قلتم} تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى اسرائيل وكفرانهم لنعمة الله عز وجل خاطبهم تنزيلا لهم مكان آبائهم لما بينهم من الاتحاد وكان هذا القول منهم فى التيه حين سئموا من اكل المن والسلوى لكونهما غير مبدلين والانسان اذا داوم شيأ واحدا سئمه وتذكروا عيشهم الاول بمصر لانهم كانوا اهل فلاحة فنزعوا الى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم الى ما جرت عليه عادتهم فقالوا {يا موسى لن نصبر على طعام واحد} الطعام ما يتغذى به وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان لانهم كانوا يأكلون احدهما بالآخر فيصيران طعاما واحدا او اريد بالواحد نفى التبدل والاختلاف ولو كان على مائدة الرجل الوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل لا يأكل فلان الا طعاما واحدا. وفى تفسير البغوى والعرب تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : [الرحمن: 22]. وانما يخرج من الملح دون العذب وقيل لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا اغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد بنفسه وكان فيهم اول من اتخذ العبيد والخدم {فادع لنا ربك} اى سله لاجلنا بدعائك اياه والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء {يخرج لنا} اى يظهر لنا ويوجد شيأ فالمفعول محذوف والجزم لجواب الامر فان دعوته سبب الاجابة اى ان تدع لنا ربك يخرج لنا {مما تنبت الارض} اسناد مجازى باقامة القابل وهو الارض مقام الفاعل وهو الله تعالى ومن تبعيضية وما موصولة {من بقلها} من بيانية واقعة موقع الحال من الضمير اى ما تنبته كائنا من بقلها والبقل ما تنبت الارض من الخضر والمراد اصناف البقول التى تأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث واشباهها {وقثائها} اخو القثد وهى شيء يشبه الخيار {وفومها} وهو الحنطة لان ذكر العدس يدل على انه المراد لانه من جنسه وقيل هو الثوم لان ذكر البصل يدل على انه هو المراد فانه من جنسه * قال ابن التمجيد فى حواشيه وحمله على الثوم اوفق من الحنطة لاقتران ذكره بالبصل والعدس فان العدس يطبخ بالثوم والبصل {وعدسها} حب معروف يستوى كيله ووزنه {وبصلها} بقل معروف تطيب به القدور {قال} استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله لهم او موسى عليه السلام فقيل قال انكارا عليهم {أتستبدلون} اى أتأخذون لانفسكم وتختارون {الذى هو ادنى} اى اقرب منزلة وأدون قدرا {بالذى هو خير} اى بمقابلة ما هو خير فان الباء تصحب الزائل دون الآتى الحاصل وخيرية المن والسلوى فى اللذاذة وسقوط المشقة وغير ذلك ولا كذلك الفوم والعدس والبصل وامثالها. قال بعضهم الحنطة وان كانت اعلى من المن والسلوى لكن خساستها ههنا بالنسبة الى قيمتها وليس فى الآية ما يدل قطعها على انهم ارادوا زوال المن والسلوى وحصول ما طلبوا مكانه لتحقق الاستبدال فى صورة المناوبة لانهم أرادوا بقولهم لن نصبر على طعام واحد ان يكون هذا تارة وذاك اخرى {اهبطوا} اى انحدروا وانزلوا من التيه ان كنتم تريدون هذه الاشياء {مصرا} من الامصار لانكم فى البرية فلا يوجد فيها ما تطلبون وانما يوجد ذلك فى الامصار فالمراد ليس مصر فرعون لقوله تعالى {أية : يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم} تفسير : [المائدة: 21]. واذا وجب عليهم دخول تلك الارض فكيف يجوز دخول مصر فرعون وهو الاظهر والمصر البلد العظيم من مصر الشىء يمصره اى قطعه سمى به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة وقد تسمى القرية مصرا كما تسمى المصر قرية وهو ينصرف ولا ينصرف فصرف ههنا لان المراد غير معين وقيل اريد به مصر فرعون وانما صرف لسكون وسطه كهند ودعد ونوح او لتأويله بالبلد دون المدينة فلم يوجد فيه غير العلمية {فان لكم ما سألتم} تعليل للامر بالهبوط اى فان لكم فيه ما سألتموه من بقول الارض {وضربت عليهم الذلة} اى الذل والهوان {والمسكنة} اى الفقر يسمى الفقير مسكينا لان الفقر اسكنه واقعده عن الحركة اى جعلتا محيطتين بهم احاطة القبة بمن ضربت عليه او الصقتا بهم وجعلتا ضربة لازب لا تنفكان عنهم مجازاة لهم على كفرانهم كما يضرب الطين على الحائط فهو استعارة بالكناية فترى اليهود وان كانوا مياسير كأنهم فقراء {وباؤوا} اى رجعوا {بغضب} عظيم كائن {من الله} اى استحقوه ولزمهم ذلك ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ابوء بنعمتك على ". تفسير : اى اقر بها والزمها نفسى وغضب الله تعالى ذمه اياهم فى الدنيا وعقوبتهم فى الآخرة {ذلك} اى ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم {بانهم} اى بسبب ان اليهود {كانوا يكفرون} على الاستمرار {بآيات الله} الباهرة التى هى المعجزات الساطعة الظاهرة على يدى موسى عليه السلام مما عد او لم يعد وكذبوا بالقرآن ومحمد عليه السلام وانكروا صفته فى التوراة وكفروا بعيسى والانجيل {ويقتلون النبيين بغير الحق} كشعيب وزكريا ويحيى عليهم السلام وفائدة التقييد مع ان قتل الانبياء يستحيل ان يكون بحق الايذان بان ذلك عندهم ايضا بغير الحق اذ لم يكن احد معتقدا بحقية قتل احدهم عليهم السلام * فان قيل كيف جاز ان يخلى بين الكافرين وقتل الانبياء. قيل ذلك كرامة لهم وزيادة فى منازلهم كمثل من يقتل فى سبيل الله من المؤمنين وليس ذلك بخذلان لهم. قال ابن عباس والحسن رضى الله عنهم لم يقتل قط من الانبياء الا من لم يؤمر بقتال وكل من امر بقتال نصر فظهر ان لا تعارض بين قوله تعالى {ويقتلون النبيين بغير الحق} وقوله {أية : إنا لننصر رسلنا} تفسير : [غافر: 51]. وقوله تعالى {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون} تفسير : [الصافات: 171-172]. مع انه يجوز ان يراد به النصرة بالحجة وبيان الحق وكل منهم بهذا المعنى منصور. روى انهم قتلوا فى يوم واحد سبعين نبيا: قال فى المثنوى شعر : جون سفيهانراست اين كار وكيا لازم آمد يقتلون الانبيا انبيارا كفته قوم راه كم از سفه انا تطيرنا بكم تفسير : {ذلك} اى ما ذكر من الكفر بالآيات العظام وقتل الانبياء عليهم السلام {بما عصوا وكانوا يعتدون} يتجاوزون امرى ويرتكبون محارمى اى جربهم العصيان والتمادى فى العدوان الى المشار اليه فان صغار الذنوب اذا دووم عليها ادت الى كبارها كما ان مداومة صغار الطاعات مؤدية الى تحرى كبارها وسقم القلب بالغفلة عن الله تعالى منعهم عن ادراك لذاذة الايمان وحلاوته لان المحموم ربما وجد طعم السكر مرا فالغفلة سم للقلوب مهلك فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله نفرتك عن الطعام المسموم. واعلم ان لله مرادا وللعبد مرادا وما اراد الله خير فقوله اهبطوا اى عن سماء التفويض وحسن التدبير منالكم الى ارض التدبير والاختيار منكم لانفسكم موصوفين بالذلة والمسكنة لاختياركم مع الله وتدبيركم لانفسكم مع تدبير الله ولو ان هذه الامة هى الكائنة فى التيه لما قالت مقال بنى اسرائيل لشفوف انوارهم ونفوذ اسرارهم قال تعالى {أية : وكذلك جعلناكم امة وسطا} تفسير : [البقرة: 143] اى عدلا خيارا. وفى التأويلات كما ان بنى اسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء وقالوا لموسى من خساسة طبعهم ما قالوا كذلك نفس الانسان من دناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها ربها الواحد من واردات الغيب كما كان يصبر نفس النبى عليه السلام ويقول "حديث : لست كأحدكم فانى ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ". تفسير : بل يقول لموسى القلب فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض البشرية من بقل الشهوات الحيوانية وقثاء اللذات الجسمانية قال أتستبدلون الفانى بالباقى اهبطوا مصر القالب السفلى من مقامات الروح العلوى فان لكم ما سألتم من المطالب الدنيئة وضربت عليهم الذلة والمسكنة كالبهائم والانعام بل هم اضل لانهم باؤوا بغضب من الله ذلك بانهم كانوا يكفرون بالواردات الغيبية والمكاشفات الروحانية بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق اى يبطلون ما يفتح الله لهم من انباء الغيب فى مقام الانبياء وينكرون اسرارهم ذلك يعنى حصول هذه المقامات منهم بما عصوا ربهم فى نقض العهود ببذل المجهود فى طاعة المعبود وكانوا يعتدون من طلب الحق فى مطالبة ما سواه انتهى باختصار. ثم ان فى الآية الكريمة دليلا على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات وكان النبى عليه السلام يحب الحلوى والعسل ويشرب الماء البارد العذب والعدس والزيت طعام الصالحين. وفى الحديث "حديث : عليكم بالعدس فانه مبارك مقدس وانه يرقق القلب ويكثر الدمعة فانه بارك فيه سبعون نبيا اخرهم عيسى ابن مريم ". تفسير : وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ويوما بعدس ويوما بلحم ولو لم يكن فيه فضيلة الا ان ضيافة ابراهيم عليه السلام فى مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يجفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم والحنطة واكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة مباح وفى الحديث "حديث : من اكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا ادم ". تفسير : والمراد بالملائكة الحاضرون مواضع العبادات لا الملازمون للانسان فى جميع الاوقات ومعنى تأذيهم من هذه الروائح وانه مخصوص بها او عام لكل الروائح الخبيثة مما يفوض علمه الى الشارع وهذا التعليل يدل على انه لا يدخل المسجد وان كان خاليا من الانسان لانه محل الملائكة قال عليه السلام "حديث : ان كنتم لا بد لكم من اكلها فاميتوها طبخا ". تفسير : وقاس قوم على المساجد سائر مجامع الناس وعلى اكل الثوم ما معه رائحة كريهة كالبخر وغيره وانما كره النبى صلى الله عليه وسلم اكل البصل ونحوه لما انه يأتيه الوحى ويناجى الله تعالى ولكن رخص للسائر ويقال كان اخر ما اكله النبى صلى الله عليه وسلم البصل ايذانا لامته باباحته والعزيمة ان يقتدى الرجل فى اقواله وافعاله واحواله برسول الله صلى الله عليه وسلم: قال المولى الجامى شعر : يا نبى الله السلام عليك انما الفوز والفلاح لديك كر نرفتم طريق سنت تو هستم از عاصيان امت تو مانده ام زير بار عصيان بست افتم از باى اكرنكيرى دست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: المراد بالطعام الواحد: هو المنّ والسلوى. ووحَّده لأنه لا يختلف ولا يتبدل، كقولهم: طعام مائدة الأمير واحد، والبقل: جميع الخضر، كالنجم والكرنب والكراث وغير ذلك. والقثاء: جمع قثاءة، وهي الخيار والفقوس والبطيخ وغير ذلك من الفواكه التي تستنبت، والفوم قيل: الحنطة، والأصح أنه الثوم. قال الشاعر: شعر : أنتُم أُناسٌ لِئامُ الأُصولِ طعامُكُم الفومُ والحَوقَلُ تفسير : أراد: الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول: معافير ومعاثير، وتقول للقبر: جدث وجدف. والعدس: معلوم، روى عليّ - كرّم الله وجهه - عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : عليكم بالعدس، فإنه مبارك مقدس، وإنه يرقق القلب، ويكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبيّاً، آخرهم عيسى ابن مريم ". تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا أيضاً حين {قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامِ وَاحِدٍ} حين مللتم من العسل واللحم، وملتم إلى عَكَرِكُمْ السوء، أي: مألوفكم وشهواتكم السيئة، لأنهم كانوا فلاحين، فقلتم: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ}، أي: من جنس ما ينبت الله فيها من البل والقثاء والعدس والفوم والبصل، قال موسى عليه السلام: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} وأخس من الثوم والبصل وغيرها، {بالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} من اللحم والعسل، {اهْبِطُوا} إلى مصر من الأمصار، تجدوا ما تشتهون، إذ لا يوجد ذلك إلا في القرى والأمصار، أو {اهْبِطُوا مِصْراً} التي كنتم فيها أذلاء مستبعدين، تجدوا حظوظكم وشهواتكم؛ لأن الحظوظ والشهوات منوطة بالذل والهوان، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}، أي: ألزموها لزوم الدرهم المضروب لضربه ونقشه، فالذلة: ضرب الجزية، والمسكنة: فقر النفس وإن كان موسراً. وإنما ضُربت عليهم الذلة والمسكنة لأنهم لم يرضوا بتدبير الحق، ولم يقنعوا برزقه، فكل مَن لم يقنع بقسمته وسئم من اتحاد رزقه، خيف عليه من ضرب الذل والمسكنة، وانقلبوا أيضاً {بِغَضَبٍ منَ اللَّهِ} حيث نقضوا العهود، وتعدوا الحدود، فكفروا وطغوا وقتلوا الأنبياء بغير حق، وسبب ذلك: تمردهم في العصيان، فإن المعاصي تجر بعضها إلى البعض حتى تنتهي إلى الكفر، والعياذ بالله من سخطه وعضبه. الإشارة: كل مَن لم يقنع بالقسمة الأزلية، ولم يقم حيث أقامته القدرة الإلهية، بل جنح إلى حظوظه وهواه، وحرص على تحصيل أغراضه ومناه، قيل له: أتستبدل تدبيرك - الذي هو أدنى - بتدبير الحق - الذي هو خير -؟ أتترك تدبير الحكيم العليم، الرؤوف الرحيم، إلى تدبير عقلك الضعيف الجاهل الخسيس اللئيم؟! فعسى أن تدبر شيئاً يكون لك فإذا هو عليك. وعسى أن تأتيك المسار من حيث تعتقد المضار، وتأتيك المضار من حيث ترتجي المسار. ولله درّ القائل: شعر : وكَم رُمْتُ أَمْراً خِرْتَ لي في انْصِرَافِهِ، فَلاَ زلْتَ لي مِني أبَرَّ وأَرْحَمَا عَزَمْتُ عَلَى ألاّ أُحِسَّ بِخَاطِرٍ عَلى القلْبِ إلاَّ كُنْتَ أَنْتَ المُقَدَّمَا وألا تَرَانِي عِنْدَ مَا قَدْ نَهيْتَني؛ لِكَونَك في قَلْبِي كَبيراً مُعَظَّمَا تفسير : يا مَن لم يقنع بتدبير مولاه، ومال إلى نيل حظه وهواه، اهبط إلى أرض الحظوظ والشهوات تجد فيها ما ألفته نفسك من عوائدك السيئات. يا مَن أخلدت نفسه إلى الهوى ومتابعة الشيطان، كيف تستبدل العز الدائم بالذل والهوان؟! وأنشدوا: شعر : لاَ تَتْبعِ النفسَ في هَواهَا إنَّ اتِّباعَ الهَوَا هَوَانُ تفسير : قال في التنوير: فائدة: اعلم أن بني إسرائل لما دخلوا التيه، ورُزقوا المنّ والسلوى، واختار الله لهم ذلك رزقاً، رزقهم إياه، يبرز عن عين المنّة، من غير تعب منهم ولا نصب، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود، العادة، والغيبة عن شهود تدبير الله، غلى طلب ما كانوا يعتادونه، فقالوا: {ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض} الآية. {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضرب عليهم الذلّة والمسكنة وباءوا بغضب من الله}، وذلك لأنهم تركوا ما اختار الله لهم، مائلين لما اختاروا لأنفسهم، فقيل لهم عن طريق التوبيخ: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}؟ فظاهر التفسير: أتستبدلون الفوم والعدس والبصل بالمنّ والسلوى؟ وليس النوعان سواء في اللذة ولا في سقط المشقة وسر الاعتبار، أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد الله تعالى لكم؟ {أتستبدلون الذي هو أدنى} وهو ما أردتموه، {بالذي خير}، وهو ما أراده الله لكم؟ {اهبطوا مصراً} فإن ما اشتهيتموه لا يليق إلا أن يكون في الأمصار، وفي سر الخطاب: اهبطوا عن سماء التفويض وحسن التبدير منا لكم، إلى أرضي التدبير والاختيار منكم لأنفسكم، موصوفين بالذل والمسكنة؛ لاختياركم مع اختيار الله، وتدبيركم لأنفسكم مع تدبير الله. هـ المراد منه. ولما ذَكَّرَهُمْ الحق تعالى بالنعمة، ووبَّخَهم على ارتكاب الآثام، رغَّبهم في الإسلام.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ اهل المدينة: النبيئين ـ بالهمز ـ الباقون بغير همزة. وترك الهمزة هو الاختيار. اللغة: واختلفوا في اشتقاقه. فقال بعضهم: من انبائك الامر: كأنه انبأ عن الله وأخبر عنه. فترك الهمز ذلك لكثرة ما يجزي. وقال الكسائي: النبي: الطريق يراد به أنه علم وطريق إلى الحق. واصله من النبوة والنجوة: المكان المرتفع. ومن قال: هو مشتق من الانباء، قال: جاء فعيل بمعنى مفعل: كما قال: سميع بمعنى مسمع. كذلك قالوا: نبيء بمعنى منبأ، وبصير بمعنى مبصر. وابدل مكان الهمزة من النبيء الياء، فقالوا: نبيّ هذا ويجمع النبي انبياء. وانما جمعوه كذلك، لانهم ألحقوا النبي بابدال الهمزة منه ياء. فالنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو وذلك كقولهم: ولي واولياء. ووصي واوصياء. ودعي وادعياء. ولو جمعوه على اصله، والواحد بني ليعتل اليها، لأن فعيلا تجمع فعلاء: كقولهم: سفيه وسفهاء وفقيه وفقهاء. وشريك وشركاء. وقد سمع من العرب: النبآء. وذلك في لغة من همز النبي. ومن قول العباس بن مرداس السلمي في وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) ومدحه: شعر : يا خاتم النبآء انك مرسل بالخير كل هدى السبيل هداكا تفسير : فجمع على أن واحدهم نبيء ـ مهموز ـ وقد قال بعضهم: النبي والنبوة غير مهموزين، لأنهما مأخوذان من النبوه. وهي مثل النجاة. وهما مأخوذان من المكان المرتفع. وكل يقول: إن اصل النبي: الطريق قال القطامي: شعر : لما وردن نبيا واستتب بها مسحنفر كخطوط السيْح منسحل تفسير : قالوا: وسمي الطريق نبياً، لأنه ظاهر مبين من النبوة قال ابو علي الفارسي: قال ابو زيد: نبأت من ارض إلى أرض، وانا انبأ نباء ونبوء: إذا خرجت منها إلى أخرى. وليس اشتقاق النبي من هذا ـ وان كان من لفظه ـ ولكنه من النبأ الذي هو الخبر. كأنه المخبر عن الله. فان قلت: لم لا يكون من النباوة ومما انشده ابو عثمان. قال: انشدني ابن كيسان: شعر : محض الضريبة في البيت الذي وضعت فيه النباوة حلواً غير ممذوق تفسير : او يجوز فيه الأمرين؟ فتقول: إنه يجوز أن يكون من النباوة ومن النبأ كما أجيز في عضة أن يكون من الواو: كقوله وعضوات. ومن الهاء كقوله: شعر : لها بعضاه الأرض تهرير تفسير : قال: وليس ذلك كالعضة، لأن سيبويه زعم أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة بنبؤته نبيئة سوء. وكلهم يقولون: تنبأ مسيلمة. ولو كان يحتمل الامرين جميعاً، لما اجتمعوا على انبياء ولا على النبيئه. فان قيل: فلم لا لا يستدل بقولهم: انبياء؟ قيل ما ذكرته لا يدل على تجويز الأمرين، لأن (انبياء) انما جاز، لأن البدل لما الزم في نبيء، صار في لزوم البدل له: كقولهم عيد واعياد. فكما أن عيد لا يدل على أنه من الياء لكونه من عود الشيء. كذلك لا يدل انبياء على انه من النباوة، ولكن لما لزم البدل، جعل بمنزلة تقي واتقياء، وصفي واصفياء. فلما لزم، صار كالبرية، والخلية، ونحو ذلك، مما لزم الهمزة فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، لما دل على أنه من الهمزة، وأنه لا يعترض عليه شيء وصار قول من حقق الهمزة في الشيء، كرد الشيء إلى الأصل المرفوع استعماله: نحو وذر وودع. فمن ثم كان التخفيف فيه الأكثر. فاما ما روي في الحديث: من أن بعضهم قال: يا نبيء الله، فقال: حديث : لست بنبيء الله ولكني نبي اللهتفسير : قال: ابو علي: اظن أن من اهل البقل من ضعف اسناده. ومما يقوي تضعيفه أن من مدح النبي "صلى الله عليه وسلم" فقال: يا خاتم النبآء لم يؤثر فيه انكار عليه. ولو كان في واحدة نكير، لكان في الجميع مثله، ثم بينا فيما مضى: أن الصبر كف النفس، وحبسها عن الشيء. المعنى: فاذا ثبت ذلك. فكأنه قال: واذكروا إذ قلتم: يا معشر بني اسرائيل، لن نطيق حبس انفسنا على طعام واحد. وذلك الطعام هو ما اخبر الله عز وجل إذ أطعمهم في تيههم وهو السلوى في قول اهل التفسير وفي قول ابن منبه: الخبز النقي مع اللحم قيل: ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض: من البقل، والقثأ، وما سماه الله مع ذلك وذكر انه سألوه لموسى وكان سبب مسألتهم ذلك ما رواه قتادة. قال: كان القوم في البرية. وقد ظلل عليهم الغمام، وانزل عليهم المن والسلوى. فملوا ذلك وذكروا عينا كانت لهم بمصر فسألوا ذلك موسى. فقال الله تعالى: اهبطوا مصرا فان لكم ما سئلتم. وانما قال مما تنبت الارض، لأن (من) تدخل للتبعيض. ولو لم تدخل ها هنا لكانت المسألة تدخل على جميع ما تنبته الارض. فاتوا بـ (من) التي نابت مناب البعض حيث قامت مقامه، وفي الناس من قال: إن من ها هنا زائدة وانها تجري مجرى قولهم: ما جاءني من احد والصحيح: الاول، لأن من لا تزاد في الايجاب. وانما تزاد في النفي، ولان من المعلوم انهم ما ارادوا جميع ما تنبته الارض وجرى ذلك مجرى قول القائل: أصبت اليوم من الطعام عند فلان. يريد أصبت شيئاً منه. وقوله {يخرج} جزم جواب الأمر. اللغة: والبقل، والقثاء معروفان. وفي القثاء لغتان: ضم القاف، وكسرها. والكسر اجود. وهي لغة القرآن. وانما ذكر الله تعالى هذه الالفاظ وان لم تكن لائقة بفصاحة القرآن على وجه الحكاية عنهم. واما القوم فقال ابن عباس وابو جعفر الباقر (ع) وقتادة والسدي: انه الحنطة. وانشد ابن عباس: قول احيحه ابن الحلاج: شعر : قد كنت اغنى الناس شخصاً وافدا ورد المدينة عن زراعة قوم تفسير : وقال الفراء: والجبائي والازهري: هو الحنطة والخبز: تقول العرب: فوّموا بالتشديد اي اخبزوا لنا. وقال قوم: في الحبوب التي تخبز وهو ماثور. وقال ابن مجاهد وعطا وابن زيد: انه الخبز في قراءة ابن مسعود. وهو قول الربيع بن انس والكسائي انه الثوم. وابدل الثاء فاء كما قالوا: جدث وجدف واثافي واثاثي. قال: الفراء: وهذا اشبه بما بعده من ذكر البصل. قال امية بن ابي الصلت: شعر : فوق شرى مثل الجوابي عليها قطع كالوذيل في نفي فوم تفسير : وقال ايضاً: شعر : كانت منازلهم اذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل تفسير : قال الزجاج. وهذا بعيد، لانه لا يعرف الثوم بمعنى الفوم، لان القوم لا يجوز ان يطلبوا الثوم ولا يطلبون الخبز الذي هو الاصل. وايضا. فلا خلاف أن الفوم: هو الطعام، وان كان كل حب يخبز منه يقال: له فوم. وقوله: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} المعنى: قيل فيه قولان: احدهما ـ الذي هو ادنى الطعامين بدلا من اجودهما. والثاني ـ الذي تتبدلون في زراعته وصناعته بما اعطاكم الله عفوا من المن والسلوى. وقرا بعضهم: ادنى مهموزا. وقال بعض المفسرين: لولا الرواية لكان هو الوجه لانه من قولك: رجل دنيء من الدناءة. وما كنت دنيئاً ولكنك دنئت اي خسست واذا قرىء بلا همز فمعناه: القرب. وليس هذا موضعه، ولكنه موضع الخساسة. ولو كان ما سألوه أقرب اليهم، لما سألوه، ولا التمسوه. ويجوز أن يجعل ادنى واقرب بمعنى: ادون: كما تقول هذا شيء مقارب اى دون. وحكى الأزهري عن ابي زيد (الداني) بلا همز: الخسيس. والدنيء بالهمز: ـ الماجن. وقوله: {اهبطوا مصراً} تقديره: فدعى موسى فاستجبنا له، فقلنا لهم: اهبطوا مصرا. وقد تم الكلام، لأن الله اجابهم بقوله: {فإن لكم ما سألتم. وضربت..} ثم استأنف حكم الذين اعتدوا في السبت، ومن قتل الانبياء فقال: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة}. القراءة: ونون جميع القراء {مصراً}. وقرأ بعضهم بغير تنوين. وهي قراءة ابن مسعود. بغير الف. وقال قتادة، والسدي، ومجاهد، وابن زيد: لانه اراد مصراً من غير تعيين لأن ما سألوه من البقل والقثاء لا يكون إلا في الامصار، وقال الحسن وابو العالية، والربيع: إنه اراد مصر فرعون الذي خرجوا منه، وقال ابو مسلم محمد بن بحر: اراد بيت المقدس لقوله {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}. اللغة: وروي ذلك عن ابن زيد. واما اشتقاق مصر فقال بعضهم هو من القطع لانقطاعه بالعمارة. ومنهم من قال هو مشتق من الفصل بينه وبين غيره. قال عدي ابن زيد: شعر : وجاعل الشمس مصراً لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا تفسير : ومن نون أراد مصراً من الامصار غير معين. ويجوز أيضاً أن يريد مصراً بعينه الذي خرجوا منه. وإنما نون إتباعاً للمصحف، لأن في المصحف بألف: كما قرأ: {أية : قواريراً قواريراً} تفسير : منوناً اتباعاً لخط المصحف. ومن لم ينون اراد مصر بعينها لا غير. وكل ذلك محتمل. وقوله: {ضربت عليهم الذلة والمسكنة} استئناف كلام. بما فعل الله بهم. يعني بالذين اعتدوا في السبت، وقتلوا الانبياء. ومعنى {ضربت}: أي فرضت ووضعت عليهم الذلة، والزموها من قول القائل: ضرب الامام الجزية على اهل الذمة. وضرب فلان على عبده الخراج. وضرب الأمير على الجيش البعث. يريد بجميع ذلك ألزم ذلك. وبه قال الحسن، وقتادة. وقيل: معنى {ضربت عليهم}: أي حلوا بمنزلة الذل والمسكنة. مأخوذ من (ضرب القباب). قال الفرزدق في جرير: شعر : ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل تفسير : وأما {الذلة}: فقال الحسن وقتادة، وغيره: {أية : يعطو الجزية عن يدٍ وهم صاغرون}تفسير : [والذلة] مشتق من قولهم: ذل فلان يذل ذلا وذلة. واما المسكنة: فهي مصدر التسكين. يقال: ما فيهم أسكن من فلان. وما كان سكيناً، ولكن تمسكن تمسكناً. ومنهم من يقول: تسكن تسكنا. والمسكنة ها هنا مسكنة الفاقة والحاجة: وهي خشوعها وذلها. تقول: ما في بني فلان اسكن من فلان: أي افقر منه. وهو قول ابي العالية والسدي. وقال ابن زيد: المعني يهود بني اسرائيل. أبدلهم الله تعالى بالعز ذلاً، وبالنعمة بؤساً، وبالرضا عنهم غضبا، جزاء منه بما كفروا بآياته، وقتلهم انبياءه ورسله اعتداء وظلماً. وقوله: {وباءوا بغضب من الله}: أي انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: باء إلا موصولا: إما بخير واما بشر. واكثر ما يستعمل في الشر. كذا. قال الكسائي. ويقال: باء بدينه يبوء به بوء. ومنه قوله تعالى: {أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} يعني ترجع. بما قد صار عليك دوني. فمعنى الكلام: ارجعوا منصرفين متحملين غضب الله. وروي أن رجلا جاء برجل إلى النبي "صلى الله عليه وسلم"، فقال: هذا قاتل أخي، وهو بواء به: أي مقتوله به. ومنه قول ليلى الأخيلية: شعر : فان تكن القتلى بواء فانكم فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر تفسير : وقال الزجاج: أصل ذلك التسوية. ومعنى ذلك أنهم تساووا بغضب من الله ومنه ما روي عن عبادة بن الصامت. قال: جعل الله تعالى الأنفال إلى نبيه، فقسمها بينهم على بواء أي: على سواء بينهم في القسم. ومنه قول الشاعر: شعر : فيقتل خيراً بامرىء لم يكن به بواء ولكن لا نكايل بالدم تفسير : والأصل: الرجوع. على ما ذكرناه. وقال قوم: هو الاعتراف، ومعناه: انهم اعترفوا بما يوجب عليهم غضب الله. ومنه قول الشاعر: شعر : إني ابوء بعثرتي وخطيئتي ربي وهل إلا إليك المهرب تفسير : وأما الغضب. قال قوم: ما حل بهم من البلاء والنقمة في دار الدنيا بدلا من الرخاء والنعمة. وقال آخرون: هو ما بينا لهم في الآخرة من العقاب على معاصيهم. وقوله: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} إشارة إلى ما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة، وإحلال غضبه بهم، لأنه يشتمل على جميع ذلك ومعنى {بأنهم} أي لأجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، فعلنا بهم ما فعلنا من انواع العذاب. وقوله: {يقتلون النبيين بغير الحق} لا يدل على أنه قد يصح أن يقتلوهم بحق، لأن هذا خرج مخرج الصفة لقتلهم. وانه لا يكون إلا ظلماً بغير حق: كما قال: {أية : ومن يدع مع الله إله آخر لا برهان له به} تفسير : وكما قال: {أية : رب احكم بالحق}. تفسير : وكما قال الشاعر: شعر : على لاحب لا يهتدي بمناره تفسير : ومعناه ليس هناك منار يهتدى به. ومثله كثير. وقوله: {ذلك بما عصوا} إشارة إلى ما انزل الله من الذلة والمسكنة بما عصوا من قتلهم الانبياء وعدوهم في السبت وغير ذلك. وقيل معناه: نقض العهد. وكانوا يعتقدون في قتل الانبياء. انه روي انهم كانوا اذا قتلوا النبي في أول النهار قامت سوق بقتلهم في آخره. وانما خلى الله بين الكافرين، وقتل الانبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لم ينالوه بغيره وليس ذلك بخذلان لهم كما فعل بالمؤمن من أهل طاعته. وقال الحسن: ان الله تعالى ما امر نبياً بالحرب الا نصره. فلم يقتل: وانما خلى بينه وبين قتل من لم يؤمر بالقتال من الانبياء. والذي نقوله: إن النبي ان كان لم يؤد الشرع، لا يجوز أن يمكن الله من قتله، لانه لو مكن فقتل لادى إلى ان تزاح علل المكلفين فيما لهم من الالطاف، والمصالح فاذا أدوا الشرع، جاز حينئذ أن يخلي بينهم، وبين من قتلهم، لانه لا يجب المنع منه وروى ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: اختلف بنو اسرائيل بعد موسى بخمسمائة سنة، حتى كثر منهم أولاد السبايا واختلفوا بعد موسى بماتي سنة والاعتداء تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما تجاوز اليه فمعنى الكلام فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما عصوا امري وتجاوزوا حده إلى ما نهيتهم عنه

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قرأ أهلُ المدينة النبيئين بالهمزة، والباقون بغير الهمزة. والطَّعام: ما يتغذّى به. والطُّعْم - بضم الطاء -: الأكل. والطَّعم من الكيفيات المحسوسة بحاسَّة الذوق، والمراد من تلك الكيفيّات المسمّاة بالمحسوسات هي الموجودة في الخارج. وأمّا التي وُجدت منها في المشاعِر من صوَرها المطابقة لها، فهي بحسب ذلك الوجود الصوري ليست عندنا داخلة في هذا الجنس بل في جنس الكيفيّات النفسانيّة كالشهوة والغضب، والإرادة والكراهة، والعلْم والجهْل. وفي ذلك سرّ المعاد وحشر الأجساد، فإنّ لهذه الموجودات وأشكالها ومقاديرها، وألوانها، وطعومها، وروائحها، وأصواتها، وجوداً في عالَم النفس، غير هذا الوجود المادّي، الدنيوي، الدائر الفاسد. والدُّعاء أصله النداء. ويستعمل في قول القائل لمن فوقه: "إفعَل كذا". والإنبات: إخراج النبات، لكنّ الله لا يباشِر هذا الفعل الدنيّ إلاّ باستخدام بعض الملائكة الأرضيّة، بعد استخدامه للملائكة السماويّة. والبَقْل: ما يَنبت في الربيع من الخُضراوات التي ليس لها ساق. يقال: "بَقَلت الأرضُ" و "أبقلت" وهما لغتان فصيحتان. و "القِثَّاء" فيها لغتان: ضم القاف وكسرها. والثاني أجود لأنّه لغة القرآن. وقرئ في الشواذّ بالضم. والفُوم: الحِنطة عن ابن عباس، وقتادة، والسدّي. وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) وقال الفرّاء، والأزهري: هو الحِنطة والخبْز. قال العرب: "فُوموا لنا" أي: اختبزوا لنا. وقال قوم: هو الحبوب التي تُخبز. وقال الكسائي: هو الثوم. أُبدل "ثاؤه" "فاءً". قال الفرّاء: هذا أشبه بما ذكره بعده من البصَل. وقال الزجّاج: وهذا بعيد، لأنّه لا يعرف "الثوم" بمعنى "الفوم". قال الطبرسي - ره - "وهو ضعيف. لأنّه قد روي في الشواذّ عن ابن مسعود وابن عباس: وثومها". وفيه نظر. لأنّ الذي روي من قراءة "ثومها" بدل "فومها" لا يدلّ على كونهما مترادفين قطعاً. وقوله: {أَدْنَىٰ} أي أقرب وأدون. فيكون من الدنوّ، ويجوز أن يكون من الدناءة بمعنى الخسَّة. والمِصْر: البلد العظيم. وأصله الحدّ بين الشيئين، وقد يراد به العَلَم. وتنوينه وصرفه لسكون الوسط. أو على تأويل البلَد. وقيل: أصله: مصيرائيم باليائين فعرِّب. و {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} أي: فُرضت، ووُضعت وألزموها، كما في قولهم: ضَرب الإمامُ الجزيةَ على أهل الذمّة، وضرَب الأميرُ على الرعيّة الخراجَ. و "المَسْكَنَة" مصدر المِسكين، وهي الفاقَة والحاجة. {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: انصرفوا ورجعوا. أو استووا. من قولك: "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته. أي صاروا أحقّاء بغضبه. و "بَاءَ" لا يُستَعمل إلاّ في الشرّ. والنبي من "النبأ" بمعنى الخبر، أو من "نبأ" بمعنى ارتفع، أو منقول من "النبي" بمعنى الطريق. والكلّ مناسب لمعناه العرفي. وهو إنسانٌ مبعوث من الله إلى عباده. فالنبي (صلّى الله عليه وآله) مخبر عن الله، مرتفع عنده. وهو طريق إلى وصول الحق ورضوانه. والمعنى: وإذ قال أسلافُكم: يا بني إسرائيل بعد ما أنعَم عليهم من النّعم والإحسان التي منها المَنُّ والسَّلوى وهما من الأطعمة اللَّذيذة، قالوا من سوء الاختيار وكفْران النعمة: يا موسى لن نصبِر على طعام واحد - أي ما رزقوا في التيه - وهما وإن كانا اثنين، لكن وحدتهما عبارة عن عدم تبدّلهما، واختلافهما كقولهم: "مائدة الأمير واحدة" أي: لا تختلف ألوانها، وإن كانت ألوانها كثيرة. ولذلك سئِموا. أو المراد أنّهما ضرب واحد، فإنّهما معاً من طعام أهل التلذّذ والمترفين. ونحن قوم فلاّحون أهل زراعة، ولا نريد إلاّ ما ألِفناه. {فَٱدْعُ لَنَا} أي: فاسأل ربّك لأجلنا {يُخْرِجْ} أي: يوجِد ويُظهر، مما تنبته الأرض من الخُضروات. فقال تعالى أو قال موسى (عليه السلام): {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ} أقرب منزلة وأدون قدراً: وأسهل وجوداً، بالذي هو خير منه وأعلى قدراً، وأعزّ وجوداً؟ يريد: أتستدعون الأدوَن بدلاً من الأفضل: اهبطوا مصراً من الأمصار. وقُرئ بضمّ الباء أي: انحدروا إليه من التيه. يقال: "هبط الوادي" إذا نزل و "هبَط منه" إذا خرَج. وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين، وهي إثنى عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ. ويحتمل أن يراد به العَلَم، وإنّما وقع منصرفاً مع اجتماع السببين - التعريف والتأنيث - لسكون وسطه. كقوله: نوحاً ولوطاً وفيهما العُجمة والتعريف. فإن أُريد به البلد فما فيه إلاّ سبب واحد. وفي مصحَف عبد الله، وقرأ به الأعمش: "إهبطوا مصر" بغير تنوين. كقوله: {وَادْخُلُوا مِصْرَ}. واختلفوا في قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} فرُوي عن ابن مسعود وأُبيّ بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن: "ألف" في مصراً زيادةٌ من الكاتب. فحينئذٍ تكون معرفة. فيجب أن يحمل على ما هو المخصّص بهذا الاسم، وهو البلد المعروف الذي كان فيه فرعون. وأمّا الذين قرؤوا بالتنوين فقد اختلفوا. فمنهم من قال: البلَد الذي كان فيه فرعون، وانصرافه لما مرّ وقال الآخرون: أيّ بلد كان. فإنّ الذي سألتُم من هذه الأُمور يوجَد في الأمصار. إشارة قربُ أحوال القوم من الحيوانات قد تقرّر أنّ الغذاء شبيه بالمغتذي، ومن هاهنا أيضاً يعلم مع القرائن الآخرة كعبادتهم العِجل، وكونهم أربعين سنَة في الصحراء، وكون أبدانهم قابلة لأن يُقرض منها أجزاؤها بالمقاريض من غير أن يجرح لضخامة أبدانهم، وكون أثوابهم كالجلود كانت تزيد بزيادة قدّهم، وغير ذلك - أنّ أقوام بني إسرائيل كانت خارجة في المزاج عن عرض المزاج الإنساني الذي نشأ في ما بعد زمانهم، وكانت طبائعهم قريبة الشبه من طبائع الأنعام، وأغذيتهم كأغذيتها مما تنبت الأرض من قُشور الأغذية، وكثافتها، ونخالتها، كالعلَف والتّبْن، لا من لبُوبها ولطافتها كالحبوب، والأدهان، والدُّسومات، والحلاوات، التي يختصّ بالتغذّي بها الإنسان دون غيره من الحيوان. ويؤيّد ما ذكرنا قوله تعالى في تشبيههم بالحمار: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة:5]. فصل واختلف في سؤالهم هذا: هل كان معصية؟ فقيل: لم يكن معصية، لأنّ الأوّل كان مباحاً، فسألوا تبديله بمباح آخر. وقيل: بل كان معصية لأنّهم لم يرضوا بما اختاره الله لهم، ولذلك ذمّهم. وهذا أوجه. وربما رُجِّح الأوّل بأنّه لو كان السؤال معصية لكانت الإجابة إليه معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء (عليهم السلام). والجواب: لا نسلّم أنّ موسى (عليه السلام) دعا ربه لإجابة مسؤولهم عنه. بل لمّا أبوا شيئاً اختار الله لهم أعطاهم عاجلَ ما سألوا، كما في قوله: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [الشورى:20]. ثمّ اختلف في الأمر في قوله: {اهْبِطُوا} للوجوب، أو للندب، أو للتخيير؟ والظاهر أنّه للتخيير والإباحة. يعني: إذا لم تصبروا على ما هو خير لكم اهبطوا مصراً فإنّ ما سألتم يوجَد في الأمصار. أمّا قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} أي: صارت محيطة بهم، مشتملة عليهم، كالقبّة المضروبة على جماعة. أو لزمتهم ضربة لازم، كما يضرب الطين على الحائط، فيلزمه. ولأجل هذا يكون اليهود أذلاّء صاغرين، أهل مسكنة وخسّة. إمّا في الحقيقة، وإمّا لتفاقرهم، وتصاغرهم خيفَة أن يضاعَف عليهم الجزية. ومن العلماء مَن عدَّ هذا من معجزات نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله)، لأنّه أخبَر من ضرب الذلّة والمسكنة عليهم، ووقع الأمر على طِبْق ما أخبره، فكان هذا إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً. وأمّا الاستدلال بهذه الآية على فضيلة الأغنياء على الفقراء، - لأنّه تعالى ذمَّهم على الفقر - فغير موجّه، لأنّ المراد به خسّة الذات، وفقْر القلب، وهَوانُ النفس. لأنّ كثيراً ما يوجد في اليهود ميَاسير ومتموّلين، ولكن لا يوجد يهوديٌّ غنيُّ القلب، مترفّع النفس. قال النبي (صلّى الله عليه وآله): "حديث : الغِنى غِنى النفس ". تفسير : وقوله: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: رجَعَوا منصرفين متحمّلين غضب الله، قد نزَل بهم العذابُ، ووجبَ عليهم الغضبُ، وحلَّ بهم السخطُ، لكونهم أحقّاء بذلك، فبدّل الله اليهود بالعزّ ذلاًّ، وبالنعمة بُؤساً، وبالرضاء عنهم غضباً عليهم جزاءً بما كفروا بآياته، وقتلوا أنبياءه (عليهم السلام). وكُفرهم بآيات الله عبارة عن جحودهم حُجَج الله وبيّناته، وإنكارهم لما رأوا من الدلائل الباهرة، والشواهد الظاهرة. وقيل أراد بـ "آيات الله" ما في التوراة، والإنجيل، والقرآن. وقيل: آيات الله صفة محمّد (صلّى الله عليه وآله). وقوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: بغير جُرم، كزكريّا، ويحيى، وغيرهما. فصل في هذه الآية سؤالات: أحدها: لِمَ وقع تقييد القتل بكونه بغير الحقّ، وقتْل النبي لا يكون إلاّ بغير الحقّ؟ والجواب من وجهين: الأوّل: انّ هذا خرَج مخرَج الصفة اللازمة إشعاراً باللزوم، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ} تفسير : [المؤمنون:117]. ومعناه: أنّ ذلك لا يمكن أن يكون عليه برهان. وأمثاله كثيرةٌ في كلام العرب. والثاني: إنّ الإتيان بالباطل، قد يكون الآتي به اعتقده حقّاً لشبهة وقعت له في قلبِه، وقد يأتي به مع علْمه بكونه باطِلاً. ولا شك أنّ هذا القِسْم أقبح. وثانيها: قوله: {يَكْفُرُونَ} داخل تحته قتل الأنبياء، فلِمَ أعاد كرّة أخرى؟ والجواب: إنّ الكفْر بآيات الله معناه هو الجهل بها، والجحود والإنكار لها، فلا يدخل تحته قتل الأنبياء. وثالثها: كيف يجوز التخلية بين الكفّار وقتْل الأنبياء؟ والجواب: إنّما جاز ذلك لينال أنبياء الله من رفيع الدرجات، وسني المقامات، ما لا ينالونه بغير القتْل، وليس ذلك بخذلان لهم. كما أنّ التخلية بين المؤمنين والأولياء وبين قاتليهم ليست بخذلان لهم. ورابعها: إنّ الحق وقَع معرّفاً في هذه الآية وبغير التعريف في آل عمران وهو قوله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} تفسير : [آل عمران:21]. والجواب: إنّ الحقّ المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، كما في قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : لا يحلّ دم امرئٍ مسلم إلاّ بإحدى معان ثلاثة: كفْر بعد إيمان. وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حقّ"تفسير : . فالحقّ المذكور بلام التعريف إشارة إلى هذا. وأمّا الحقّ المنكر غيره. ففيه تأكيد. أي: لم يكن هناك حقٌّ، لا هذا المعروف بين المسلمين ولا غيره أصلاً. فصل وأمّا قوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي: ذلك الغضب، وضرب الذلّة والمسكنة، لأجْل عصيانهم واعتدائهم في السبْت. وقيل: المراد اعتداؤهم في قتْل الأنبياء، فهو تأكيد لتكرير الشيء بغير لفظه الأوّل، وهو كقول الرجُل لعبده - وقد احتمل منه ذنوباً سابقة فعاقَبه عند آخرها -: "هذا بما عصَيتني، وهذا بما خالفتَ أمري، وهذا بما تجرأت عليّ وهذا بكذا" فيعدّ عليه ذنوبَه المختلفة، أو يعدّ عليه ذنوبَه بألفاظ مختلفة تبكيتاً. ومعنى الاعتداء هاهنا: الظلم، والتجاوز عن الحقّ إلى الباطل. نكتة: واعلم أنّ درجات المعصية متفاوتة، أقواها الكفْر بالله وبعده الكفر برسله وأنبيائه، وبعدهما الظلم من أحد على نفسه، وبعدها الظلم على غيره. فاعلم أنّه لما ذكر سبحانه إنزال العقوبة بهم، بيَّن سبب ذلك فبدأ أوّلاً بما فعَلوه في حقّ الله، وهو جهلهم بآياته، وكفرانهم لنِعمه. ثمّ ثنّاه بما يتلوه في العِظَم وهو قتْل الأنبياء. ثمّ ثلَّثه بما كان يصدر منهم من المعاصي التي تخصّهم. ثمّ ربّع ذلك بما يصدر منهم من المعاصي المتعدّية إلى الغير مثل الاعتداء في السبت وغيره وذلك في غاية حُسن الترتيب.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ} واذكروا اتى بالخطاب لمجانسة الحاضرين للماضين فى الانكار والكفران {يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} يعنى قال اسلافكم فى التّيه لن نصبر على المنّ والسّلوى ولا بدّ لنا من غذاءٍ آخر معهما {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا} البقل ما يؤكل من نبات الارض خضراً مثل الكرّاث والنّعناع والكرفس ونحوها ويطلق على مطلق نبات اخضرّت به الارض {وَقِثَّآئِهَا} بالمد وتشديد الثّاء وكسر القاف وقد يضمّ الخيار، وبعضهم يطلق القثّاء على نوع شبه الخيار {وَفُومِهَا} الحنطة او الخبز او مطلق الحبوب المأكولة وقيل الثّوم وقرء بالثّاء {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} قال الله تعالى او موسى (ع) {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} وادون مرتبة من المنّ والسّلوى {بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} فانّهما ألّذ وأقوى وألطف {ٱهْبِطُواْ} من هذه التّيه {مِصْراً} من الامصار او المراد المصر العلمىّ وصرفه لسكون اوسطه {فَإِنَّ لَكُمْ} فيها {مَّا سَأَلْتُمْ} من البقول والقثّاء والفوم وغيرها {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} الهوان شبّه الذّلّة المضروبة عليهم بالقبّة لاحاطتها بهم من جميع الجوانب او بالطّين المضروب الملصق على الجدار ثمّ استعمل الضّرب فيها {وَٱلْمَسْكَنَةُ} هى اسوء من الفقر وهذا عذابهم فى الحياة الدّنيا وذلك انّه ما ينفكّ اليهود عن الحرص والطّمع وهما أعظم أسباب الذّلّة والحاجة وهم فى الظّاهر أسوأُ حالاً من النّصارى {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} رجعوا عن مقام السّؤال متلبّسين بغضبٍ عظيمٍ من الله، او صاروا أحقّاء بغضبٍ من الله فى الآخرة {ذَلِكَ} المذكور من ضرب الذّلّة والمسكنة والرّجوع بالغضب يا أمّة محمّد (ص) فانّه للتّعريض بهم {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ} تخلّل كانوا للاشارة الى انّ الكفر صار سجيّة لهم وكذا قتل الانبياء {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} صغيرها وكبريها فى العالم الصّغير والكبير، والآيات الكبرى هم الانبياء (ص) والاولياء (ع) {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} المخبرين من الله سواء كانوا انبياء او خلفاءهم او النّبيّين المخصوصين الّذين هم غير الاوصياء {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} لمحض البيان فانّه لا يقتل نبىٌّ بالحقّ {ذٰلِكَ} الكفر بالآيات والقتل {بِمَا عَصَواْ} الله وخلفائه {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} على الخلفاء او يتجاوزون أمر الله، وتخلّل كانوا للاشارة الى تمكّنهم فى الاعتداء والمقصود انّ العصيان صار سبباً للاعتداء والتّمكّن فيه، والتّمكّن فى الاعتداء صار سبباً للكفر والقتل، وهما صارا سبباً للذّلّة والمسكنة والغضب؛ فاحذروا يا امّة محمّد (ص) من مقارفة صغار الذّنوب حتّى لا تؤدّى الى أكبرها والى العقوبة بالذّلّة والمسكنة فى الدّنيا والغضب فى الآخرة، او بكلٍّ منها فيهما ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال:حديث : يا عباد الله فاحذروا الانهماك فى المعاصى والتّهاون بها فانّ المعاصى يستولى بها الخذلان على صاحبها حتّى توقعه فيما هو أعظم منهاتفسير : ؛ فلا يزال يعصى ويتهاون ويخذل ويوقع فيما هو أعظم ممّا جنى حتّى توقعه فى ردّ ولاية وصىّ رسول الله (ع) ودفع نبوّة نبىّ الله (ص)، ولا يزال ايضاً بذلك حتّى توقعه فى دفع توحيد الله والالحاد فى دين الله، وعن الصّادق (ع) انّه قال: والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلاً باعتداء ومعصيةٍ وبهذا المضمون أخبار كثيرة.

الأعقم

تفسير : {يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها} البقل المعروف. {وفومها} قيل: الحنطة، وقيل: الثوم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود وثومها. {تستبدلون الذي هو أدنى} أدون منزلة، وأدون قدراً. {اهبطوا مصراً} قيل: هي مصر المعروفة، وقيل: انها مصر من أمصار الشام. {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} جُعلت الذلة محطية بهم، مشتملة عليهم، والمسكنة هي الفقرُ. {إن الذين آمنوا} بألسنتهم وهم المنافقون. {والذين هادوا} وهم اليهود وسموا بذلك لأنهم يهودون اي يتحركون اذا قرأوا التوراة، وقيل: نُسبوا الى يهود بن يعقوب. {والنصارى} قيل: سموا بذلك لأن الحواريين قالوا: نحن أنصار الله، وقيل: نُسِبوا الى بلدهم قرية يقال لها ناصِرَة. {والصابئين} وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدُوا الملائكة. {من آمن بالله} من هؤلاءِ. {وعمل صالحاً} ايماناً خالصاً ودخل في ملةِ الإسلام. {فلهم أجرهم} الآية، {وإذ أخذنا ميثاقكم} بالعمل على ما في التوراة. {ورفعنا فوقكم الطور} وهو الجبل وذلك ان الله تعالى أنزل التوراة على موسى فأمر قومه بالعمل بها فقالوا: يا موسى تكليفها شديد وأبوا، فأمر الله تعالى جبرائيل فقطع جبلاً على قدر معسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة. وعن ابن عباس أمر الله جبلاً فقطع من أصله حتى قام على رؤوسهم حتى كأنه ظلة فلما رأوا ذلك قبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعنا، روي ذلك في الثعلبي. {خذوا ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} اي بجدّ وعزيمةٍ. {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} لأن ناساً منهم اعتدَوَا فيه أي جاوزوا ما حُدَّ لهم، وذلك ان الله تعالى ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر الا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت كما قال تعالى: {أية : تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم} تفسير : [الأعراف: 163] فاتخذوا حياضاً عند البحر وكان الحيتان يدخلها يوم السبت فيصطادوها يوم الاحد فذلك اعتداءهم. {فقلنا لهم كونوا قردة} قيل: صاروا قردة لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا، وقيل: عاشوا وصار لهم أولاد ونسل، وقيل: الخاسئون هم الذين لا يتكلمون، وقيل: الخاسئ المتباعد بطرد، قيل: قرية السبت ايلة، وقيل: الطبريَّة وكانوا سبعين ألفاً. {فجعلناها} يعني المسخة. {نكالا} عبرةً. {لما بين يديها} لما قبلها. {وما خلفها} وما بعدها من الأمم والقرون، وقيل: عقوبة منكلة لما بين يديها يعني لأجل ما يقدمها من ذنوبهم. {وموعظة للمتقين} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}: على نوع واحد من الطعام ولو تكرر فإن من دوام على أطعمة متعددة يملها فهم قد داوموا على المن والسلوى وملوهما، فالمداومة على المن مداومة على طعام واحد، والمداومة على السلوى مداومة على طعام واحد، مع أنهم يجمعون كل يوم بينهما. هكذا ظهر لى فى تفسير الآية، وطعام نكرة فى سياق النفى تعم فعمت طعامين، ويقرب مما ذكرته قول صاحب الكشاف: أنهُ أراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عديدة يداول عليها كل يوم لا يبدلها، قيل لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً يراد بالواحد نفى التبدل والاختلاف، قال: ويجوز أن يريدوا: أنهما ضرب واحد يعنى المن والسلوى لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه. {فَادْعُ لَنا رَبَّك يُخرِجْ لنَا}: طعاماً. {مِمّا تُنْبِتُ الأَرْضُ}: متعلق بمحذوف نعت لمفعول يخرج المقدر، أى يخرج لنا طعاماً ثابتاً مما تنبت الأرض. {مِنْ بَقْلِهَا}: بيان لما متعلق بمحذوف حال منها فمن الأولى للتبعيض والثانية للبيان، وأسند الإنبات إلى الأرض مجازاً عقليا من الإسناد إلى الظرف القابل لفعل الفاعل الحقيقى، وهو الله ـ عز وجل ـ فإن الإنبات فعل الله يوقعه فى الأرض، أو من الإسناد إلى الآلة، فإن النبات يكون بالأرض، وجزم يخرج فى جواب ادع، لأن الإخراج مسبب عن الدعاء، فلو قرن بالفاء لنصب، ويجوز أن يكون من بقلها بدل بعض من قوله مما، والبقل ما أنبتت الأرض من الخضر، والمراد طائبة التى تؤكل كالذى يقال له بالبربرية ستميت والدلاع والكراث، وهو ما نسميه تفارة والكرفس واللفت والجزر. {وَقِثَّآئِهَا}: هو الذى إذا طاب وأدرك كان بطيخاً وقرئ بضم القاف وهو فيه. {وَفُومِهَا}: ثومها وهو شبيه بالبصل أنتن منه وأصغر، فإنهُ يسمى الثوم ويسمى الفوم، قال الضحاك: الفوم الثوم، وقرأ عبدالله بن مسعود: وثومها وكذا فى مصحفه، وكذا روى عن ابن عباس أن الفوم هو الثوم ويناسبه ذكر البصل والعدس بعده، ولا مانع من أن يقال الفاء بدل من الثاء كقولهم فى ثم فم وفى جدث جدف. وفى رواية عن ابن عباس الفوم الخبز، وعنه الحنطة وهو المنسوب لجمهور المفسرين. قال قتادة: الفوم الحبوب التى يمكن أن تخبز وإن قلت كيف صح لمن قال إنهُ الخبز أن يقولوا يخرج لنا من الأرض خبزاً قلت المراد يخرج لنا حبوباً تكون خبزاً بعد علاجها، كما أنهُ لا يخرج الحبوب ولا القثاء ولا العدس ولا البصل من الأرض مرة، بل بتدريج حتى تكون كما اقتضت حكمته، ولو شاء لفعل، ويقال: فوَّموا أى أكلوا الفوم الذى هو الخبز أو عملوا الخبز. وفوِّموا أى كلوه أو اعملوه. {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}: كانوا قوماً فلاحين أهل زراعات فمالوا إلى ما اعتادوه من الأشياء المتفاوتة واشتهوه كالبقول والحبوب، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر وملوا ما كانوا فيهِ من النعمة وتعرضوا لزوالها. ويحتمل أن يكون طلبهم للبقل والقثاء والفوم والعدس كناية عن طلب الخروج من التيه إلى القرى، لأن ذلك فيها موجود فغرضهم القرى لا هذه الأطعمة والوجه الأول أصح، لأن هو الظاهر المتبادر من الآية طلبوا هذه الأطعمة لأنها تقوى شهوة الطعام، ولأنهم قد اعتادوها وملو ما هم فيه من الطعام الواحد، وكأنهم قالوا ذلك على تمام أربعين سنة أو على قرب تمامها بدليل جواب موسى لهم اهبطوا مصراً إذ أجابهم بالخروج. {قَالَ}: قال موسى أو الله. {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى}: لذته قليلة من نسبة إلى غيره، والهمزة للتوبيخ وإنكار كون استبدالهم صواباً والسين والتاء للطلب، وأدنى اسم تفضيل من دنا يدنوا، بمعنى قرب قرباً حسيا فى المكان، استعير لما قرب قرباً معنويا وهو ما لذته قليلة بالنسبة، كما استعير البعد فى الشرف المعنوى فيقال ذلك مشاراً به للقريب حسا الشريف، وفلان بعيد الهمة بعيد المحل، وأصل ذلك أن الشئ الردئ لا يصان ولا يمنع من تناول الأيدى، ويلقى حيث أمكن، والشريف يصان ويجعل حيث لا ينال هذا ما ظهر لى وهو ـ إن شاء الله ـ أحسن من أن يقال مأخوذ من الدون مقلوب أدون بمعنى أحط. ومن قول الأخفش: أصلهُ أدناء بالهمزة بعد النون خففت بقلبها ألفاً من الأناءة بمعنى الخسة. ويقوى قول الأخفش قراءة زهير القرقبى: أدنأ بالهمزة بعد النون لكن الأصل عدم ادعاء القلب. {بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ}: أفضل فى اللذة والنفع وعدم التعب والعلاج، والأدنى هو البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل، والخير المن والسلوى. أى أتأخذون الأدنى بدل الأشرف؟ وخير اسم تفضيل وأدنى بمعنى دنى وخير بمعنى فاضل، فهما خارجان عن معنى التفضيل طلبوا ذلك فأبوا أن يرجعوا عنه، فدعا موسى الله، فقال الله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ}: فيهِ. {مَا سَأَلْتُمْ}: مما تنبت الأرض، أو قال موسى ذلك بأمر الله وافق سؤالهم ذلك، أو أن الخروج من التيه ودعاء موسى لا ينافى ذلك، لأنه لا مانع من أن يدعو فى ما قد ضمنه الله لهُ وحان أجله، بل الدعاء فيه أفضل، لأنه تذكر للنعمة وشكر لها، وكذا سؤالهم لا يمنع منه أنهم قد علموا بأن الأجل قد حان، ومن لم يعلم وسأل ذلك فلا إشكال عليه، ومعنى اهبطوا انزلوا، يقال هبط الوادى إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج، فمصراً مفعولاً به أو منصوباً على التشبيه بالمفعول به، أو منصوب على نزع الخافض أى إلى مصر أو فى مصر أى انحدروا إليه من التيه، قيل بلاد التيه ما بين المقدس إلى قنسرين اثنى عشر فرسخاً طولا وثمانية عرضاً وقرئ بضم باء اهبطوا، والمراد بقوله مصراً مصر من الأمصار، أىّ مصر أرادوا. قال مجاهد وغيره أراد مصراً من الأمصار غير معين، ويدل له ما فى القرآن من أمرهم بدخول القرية وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه، ويدل له التنوين أيضاً فإنه أليق بعموم المصر، وهو قراءة الجمهور وهو البلد العظيم. وأصله الحد بين الشيئين، وقال الحسن والكلبى: هو مصر هذه أعنى مصر النيل أعنى التى مرساها من البحر المالح الإسكندرية ومن النيل بلاق، وتسلمى الآن القاهرة وهى مصر يوسف وفرعون، وهى التى خرجوا منها أى ارجعوا إلى البلد الذى كان فيه عذابكم واستعبادكم وأسركم، فإن لكم فيه ما سألتم. قال الكلبى: فكرهوا وهذا يدل أنهم سألوا ذلك قبل أوان قرب الخروج فلم يخرجوا حتى تمت أربعون سنة، وعبارة الشيخ هود. وقال بعضهم: كأن خروجهم إلى مصر هذه بأمر الله.. انتهت. وإن قلت كيف صح أن يقال هو مصر هذه مع أنه منون؟ قلت: لما سكن وسطه جاز صرفه لخفته بالسكون فخرج عن ثقل الفعل فصرف، ولو وجدت فيه علتا المنع من الصرف وهما التأنيث والعلمية، ووجه تأنيثه أنه علم على البلدة العظيمة أو القرية العظيمة أو البقعة أو الأصل الصرف، فرجع إليه بأدنى سبب وهو الخفة فخفته بالسكون عادلت إحدى العلتين الموجبتين لثقله المانع من تنوينه، فكأنه قد زالت إحداهما فقبل الصرف والعلم المؤنث الثلاثى الساكن الوسط المجرد من التاء مشهور بجواز الصرف وعدمه، كهند، بل أوجب بعضهم صرفه إذا كان علماً على بلدة، لأن اسم البلد لا يطلق على غيره فى الغالب، فلم يكثر استعماله فلم يحتج إلى تخفيف بمنع الصرف، ويجوز أن يقال صرف لكونه بمعنى البلد أو مصر مخصوص من الأمصار، فلم يوجد التأنيث فبقيت علة واحدة، وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش مصر بغير تنوين، وكذا فى مصحف ابن مسعود وهو ما يدل على أن المراد مصر فرعون المخصوص، واستدل له أيضاً بما فى القرآن من أن الله تعالى أورث بنى إسرائيل ديار آل فرعون. وقال الطبرى: الأظهر أنهم لم يرجعوا إليها مذ خرجوا منها، وجمهور القراء يقرءون بتنوين مصر، وجمهور النحاة على اختيار منع الصرف فى الثلاثى العلم المؤنث الساكن الوسط، وقيل المراد مصراييم بألف وياءين بعده وهو عجمى، فعرب بحذف الألف واليائين، فإنما صرف لكونه بعد الحذف ثلاثياً ساكن الوسط، فلم تؤثر فيه العجمة وكونه علماً على المصر المخصوص المذكور. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ}: أى جعلت لازمة لهم لا تفارقهم كما يضرب الطين بالحائط فيلزمه ويلتزق به، وكلزوم الدرهم المضروب لسكته، أو أحيطت بهم كإحاطة القبة بمن ضربت عليه، فيجوز أن تكون الذلة مشبهة فى إحاطتها بهم بالقبة من بناء أو جلد أو نحوهما تشبيهاً مكنياً عنه دل عليه لازم المشبه به وهو الضرب عليهم، أو شبهها بالطين فى الالتزاق كذلك، وعلى الوجهين ضربت استعارة تبعية تحقيقية تصريحية استعيرت لإثبات الذلة عليهم. {الذُّلَّةُ}: الذل والهوان، وقيل الجزية وهو تفسير بالمسبب واللازم، ويبحث بأنه لا جزية عليهم يومئذ، ويجاب بأنهم استوجبوها على أنفسهم بمعاصيهم من يومئذ، وقد أخذها عنهم من كان قبل هذه الأمة ولا بعد فى ذلك كما ضربت عليهم المسكنة من يومئذ، ولكما ازدادوا معصية ازدادوا ذلا. {وَالْمَسْكَنَةُ}: كونهم مساكين قليلى المال أو عادميه تحقيقاً أو تنزيلا لأنفسهم منزلة من لا مال له، ولا كثر ما لهم، يظهرون ذلك لئلا يزاد عليهم فى الجزية أو المسكنة أثر قلة المال أو عدمه من السكون يظهرون ذلك، ولو كان لهم مال عظيم وغالب أمرهم إظهار ذلك ولو لم يكن بهم. وأما الذل فهم أذلاء كلهم تحقيقاً فيما يظهر. وقال القاضى: غالب أمرهم أيضاً الذل تحقيقاً أو تكلفاً كالمسكنة، ولا مانع من أن يراد بالذلة ذل القلب فقط، وبالمسكنة سكون الجوارح والألسنة الناشئ عن الذل لا سكون قلة الماء أو عدمه، وإنما ضربت عليهم الذلة والمسكنة جزاء على كفرانهم النعمة، ولا ترى أحداً من أهل المال أذل ولا أحرص على المال من اليهود، وكان الكسائى يقف على الذلة والمسكنة ونحو ذلك مما خفتم بهاء التأنيث وما شابهها فى اللفظ بإمالة الفتحة قبلها نحو الكسرة، إلا إن سبقها حرف من حروف قض خص ضغط خاجعاً الحاقة وقبضة والصاخة وخصاصة وموعظة والبالغة وبسطة والنطيحة والصلاة والزكاة والحياة والنجاة، أو سبقها راء مفتوح ما قبلها كبررة وعمارة وعورة، وفصل الساكن كلا فصل، أو مضموم كالعمرة والسورة، أو همزة مفتوح ما قبلها كامرأة وبراءة والنشأة أو هاء ولم يقع منها إلا لفظ سفاهة أو كاف مضموم ما قبلها نحو التهلكة والشوكة، فإن ابن مجاهد وأصحابه يخلصون الفتح فى ذلك وهم يقرون بقراءة الكسائى والنص عن الكسائى فى استثناء ذلك معدوم، قال أبو عمرو الدانى: وبإطلاق الكسائى فى ذلك قرأت على أبى الفتح عن قراءَته، وكذلك حدثنا محمد بن على قال حدثنا ابن الأنبارى، قال حدثنا إدريس عن خلف عن الكسائى إلا ما كان قبل الهاء فيه ألف فلا تجوز الإمالة فيه، ووقف الباقون بالفتح. {وَبَاءُو}: رجعوا. {بِغَضَبٍ مِنَ الله}: أو صاروا أحقاء به، فإن أصل باء بكذا ساواه يقال: باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً بأن يقتل به إذا كان كفواً له ومساوياً ولا يستعمل باء وحده بل موصولا بشر. وقال الطبرى: بل بشر أو بخير، وغضب الله إرادته الانتقام ممن عصاه ولم تكتب الألف بعد واو (باءو). قال فى مورد الظماء: شعر : وزيد بعد واو جمع كاعدلوا واسعوا ووا وكاشفوا ومن ساوا لكن من باء وتبوء ووا ووا إسقاطها وبعد واو من سعوا فى سباء ومثلها إن فاواء عتو عتوا وكذاك جاءوا وبعد واو الفرد أيضاً ثبتت وبعد أن يعفو مع ذو حذفت تفسير : {ذلك}: المذكور من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب وإنما يشار لغير المفرد بإشارة المفرد بالتأويل بالمذكور ونحوه اختصاراً، وكذا فى الضمير قال رؤبة: شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنهُ فى الجلد توليع البهق تفسير : والأصل أن يقول كأنها أى الخطوط أو كأنهما أى السواد والبلق، ومعنى التوليع اختلاف الألوان، ومعنى البهق بياض وسواد فى الجلد، وذلك لأن تثنية الضمير والإشارة والموصول وجمعهن وتأنيثهن ليست على الحقيقة، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال أردت كأنه ذلك ويلك. {بِأَنَّهُم}: بسبب أنهم. {كَانُوا يَكْفُرون بآيَاتِ الله}: المعجزات التى أنزلها على موسى كفلق البحر، وإظلال الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر فبعضهم لم يؤمن بها وبعضهم لم يشكرها، وكل من ذلك كفر الأول شرك والثانى فسق ونفاق، ويحتمل أن يكون المراد بآيات الله التوراة وذلك كله كلام شأن إسلام اليهود الذين فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب التيه ومن يليهم شنع بهم على الذين فى زمانه، لأنهم على طريقهم فى الكفر ولا يشكل على هذا وصفهم بقتل الأنبياء، فإنهم قتلوا الأنبياء قبل موسى كما قتلوهم بعده، وهو سبب تسليط فرعون عليهم، ويجوز أن يكون المراد بآيات الله التوراة والزبور والإنجيل، على أن المراد بالهاء فى قوله: {وضربت عليهم} اليهود السالفة الفاعلة لذلك مطلقاً ولا يجوز أن يكون المراد اليهود السالفة والذين في زمانه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون المراد بآيات الله القرآن، ونعت محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة وآية الرجم والتوراة والإنجيل، لأن من فى زمانه لم يقتلوا الأنبياء، اللهم إلا أن يقال وصفهم بقتل الأنبياء، لأنهم على طريقة سلفهم القاتلين لهم فى الكفر والعناد، كما امتن عليهم بما أنعم على أسلافهم. {وَيقْتُلون}: وقرأ على ويقتلون بتشديد التاء. {النَّبِيِّين}: بالهمز عند نافع، وقرأ الباقون بياء مشددة بلا همز، وبعدها ياء الجمع وترك قالون الجمع فى النبئ إن أراد النبى وبيوت النبى إلا أن فقط فى الأصل بلا تشديد وذلك على أصله فى الهمزتين المكسورتين بحذف أولاهما. {بِغَيْرِ الحقّ}: بغير حق من الله ولا عندهم إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم، ولو اعتقاداً فاسداً، وإنما قتلوهم ركوناً إلى الدنيا وحبا لها واتباعاً للهوى، إذ خالف الحق الذين يأتون به أهواهم وحسداً ولم يفعل نبى قط ما يبيح قتله، وإنما سلط الله عليهم الجبابرة بالقتل كرامة لهم وزيادة فى منازلهم فيجمعوا يبن النبوة والشهادة كما يقتل المؤمنون من هذه الأمة وغيرها فى الجهاد. روى أنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم، ويروى أنهم قتلوا سبعين نبياً فى أول النهار وقاموا إلى سوق البقل فى آخره، ولا ينافى قتل الأنبياء إخبار الله تعالى بأنه ناصر لرسله لأن الرسول أخص من النبى، ولأن النصر بإظهار الحجج وإفحام الكفرة لا بالعصمة من القتل، بل قتلهم هو نفس النصر إذا فحموا كل الإفحام حتى إنهم لم يجدوا ما يستترون به إلا القتل، ولأن العبرة بالغالب وغالب الأنبياء والرسل غير مقتولين، ولأن المخبر بأنهم مقتولون غير الذين يقال إنهم لم يقتلوا ولا محل للمنافاة. {ذَلِكَ}: المذكور من الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء. {بما عَصَوْا}: الباء سببية وما مصدرية، أى بسبب عصيانهم. {وكَانُوا يَعْتَدُون}: وبسبب كونهم يعتدون أى يبالغون فى المعاصى، وذلك أن صغار الذنوب تجر كبارها، وكذلك كبارها تجر أكابرها، والذنب مطلقاً يجر مثله وما دونه وما فوقه، لأن الذنب يطفئ من نور العقل فبقدر ما يطفئ منه يتعامى صاحبه، فيقع فى الكبير والصغير كالأعمش يقع فى الحفرة والبئر، وذلك عكس الطاعات، وإنما فسرت الاعتداء بالمبالغة فى المعاصى، لأنه فى اللغة مجاوزة الحد والله ـ عز وجل ـ قد حذرنا عن الصغير والكبير والأكبر، فالصغير والكبير داخلان فى عصوا، والأكبر داخل فى يعتدون، وكانوا يعتدون معطوف على عصوا، ولك أن تقول الاعتداء هنا أيضاً مطلق مجاوزة الحد، فيكون الوقوع فى الصغيرة اعتداء، فتدخل المعاصى الصغار والكبار والأكابر فى قوله: {عصوا} فيبقى قوله: {وكانوا يعتدون} توكيداً لقوله: {عصوا} ويجوز كون الباء للمصاحبة، أى ذلك المذكور من الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء مع عصيانهم، وكونهم يعتدون، ويجوز على الوجهين فى الباء أن تكون إشارة إلى المذكور من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب، ويجوز على الوجهين فى الباء والإشارة أن يكون المراد بالاعتداء اعتداءهم فى السبت.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ} فى التيه {يَٰمُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} المن والسلوى، سماها واحداً باعتبار أنهما طعام لكل يوم لا ينقص أحدهما ولا يزاد عليهما، ولا يبدلان هما أو أحدهما، أو باعتبار أنهما جمعهما الاستلذاذ الشديد {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ} ما نأكله فإنا سئمنا المن والسلوى، أى بعض ما تنبته الأرض، وبينه بقوله {مِنْ بَقْلِهَا} إلخ إلى هو بقلها أو بعض بقلها، وهو ما تنبته الأرض ولا ساق له، والمراد ما يؤكل منه، يكون حارّاً وبارداً، أو رطباً ويابساً {وَقِثَّائِهَا} ما يكون بطيخاً إذا أينع، والخيار كلاهما بارد رطب {وَفُومِهَا} برها بل كان ما يخبر قوم، أو ثومها، وهو حار يابس، وعليه فهو لغة، أو أبدلت التاء المثلثة فاء كحذف فى جدث، وفم فى ثم وهو مسموع لا مقيس {وَعَدَسِهَا} بارد يابس {وَبَصَلِهَا} وهو حار رطب، وإن طبخ كان بارداً رطباً. {قَالَ} موسى، أو لله {أَتَسْتَبْدِلُونَ} إنكار لأن يليق ذلك شرعاً أو عقلا، وتوبيخ {الَّذِي هُوَ أَدْنَى} أقرب وحسوداً وتحصيلا لقلة قيمته أو أدنأ بالهمزة كما قرىء بها فليت ألفا من الدناءة وهو الخمسة، أو أدون، أى دون كذا فى الرتبة، أخرت الواو، وقلبت ألفا، والأدنى على الأوجه البقل، والقثاء، والفوم، والعدس والبصل، وأفردهم بالذكر باعتبار أنهن كواحد إذ هو نوع خالف المن والسلوى، وبدل منهما {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} أفضل، وهو المن والسلوى، أفردهما لما مرّ والذى يظهر لى أنه تعالى، ما عاب عليهم هذا الاستبدال إلا أنه خلق فيهم عدم سآمتهم للمن والسلوى، وإلا عقد خلق الله فى الطباع سآمة الإنسان ما دام عليه من طعام مثلا، ولا سيما أنه لا يخلط به غيره، ولا سيما مع طول المدة، فما ذكر عنهم من السآمة غير ثابت عنهم، أو ادعوها مع عدمها، واستمروا على طلب البدل، فقال الله جل جلاله على لسان موسى عليه السلام بعد دعائه لله فاسألو {اهْبِطُوا مِصْراً} إن قدرتم على الخروج من التيه، وليسوا بقادرين، فالأمر لتعجز، كقوله تعالى: "أية : كونوا حجارة" تفسير : [الإسراء: 50] أو للإطلاق بعد الحصر، على أن يكون ذلك عند قرب مرت موسى عليه السلام، وقرب الخروج من التيه، أو على أن موسى لم يمت فيه، بل خرج معهم، وببعد أن يكون قائل" أتستبدلون" الله على لسان يوشع، حين نبىء فى التيه عند حضور الخروج. والمراد مصراً من الأمصار، أو القاهرة أو اعمالها، وعلى الأخيرين نوّن مع أنه علم القاهرة أو أعمالها، لأنه ثلاثى ساكن الوسط كهند، أو بتأويل البلد، أو المحل، ويدل لهما قراءة عدم التنوين، ومعنى هبوط مصر نزوله، أو الهبوط دناءة الرتبة، فإن طعام التيه أفضل من طعام مصر، أو حسّى بأن تكون أرض المصر الذى يخرجون إليها أسفل من أرض التيه {فَإِنَّ لَكُمْ} فى المصر {مَّا سَأَلْتُمْ} من البقل وما بعده إلا أنه إذا فسرنا القوم بالثوم كان الكل بقلا، وجنسه، وكلامهم إنما على الطعام، فالمناسب أنه البر، وما يخبر طعاما، لكن أفضله البر، وذكر أولا ما يؤكل بلا علاج نار، وذكر بعدها ما يعالج بها مع تقديم الأشرف فالأشرف {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ} جعلت على فروعهم لفعلهم مثل أفعال آبائهم، ورضاهم عنهم، ولا سيما بعد ذهابهم إلى قتل عيسى عليه السلام، جملاً تشبيهاً بنقش الدراهم فى لزوم الأثر واستمراره، نفى ضرب استعارة تحقيقية تبعية {الذِّلّة} ضعف القلب والخوف مما يخاف منه، أو هى الجزية أخبر الله جل جلاله، أنها ستكون عليهما إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فهذه معجزة وإن لم يقل هذا، مما لم يوح به قب القرآن، مواضع أيضاً أنى قضيت عليهم أنها ستكون {وَالْمَسْكَنَةُ} أثر الفقر الظاهر على البدن ولو كانوا أغنياء، ولا يوجد يهودي غنى النفس {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} رجعوا أو احتملوا، أو استحقوا أم أقروا أو لازموا حال كونهم ملابسين لغضب الله، وهو قضاؤه الأزلى عليهم بالشقوة وتوابعها، أو هو ذمة إياهم فى الدنيا وعقابه فى الآخرة {ذَٰلِكَ} المذكور من الغضب، وضرب الذلة والمسكنة، وصيغة البعد لبعد ما قبل البوء بغضب، أو لبعد ذلك عن منصب من أكرمه الله بنعم الدين والدينا: وأنزل عليه كتاباً لفظاعتها، أو لبعدهم عنها {بِأَنَّهُمْ} أى سبب ذلك أنهم {كَانُوا يَكْفُرُونَ} يؤوَّل المصدر من كان أى بكونهم يكفرون، وكثير يأتون به من خبرها، مثل أن يقال هنا بكفرهم، وكأنهم يقولون، لا تدل على الحدث، والتحقيق أنها تدل عليه {بِأَيَٰتِ اللهِ} التى أنزلت فى التوراة مما يكرهونه، والتى فى الإنجيل مطلقا، لكفرهم بعيسى عليه السلام، أو بما خالف منه التوراة، وبما أنزل من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه، وذلك قبل أهل عصره صلى الله عليه وسلم كراهة لأن تخرج النبوءة من ولد هارون عليه السلام، وقد أنكروا الرجم أيضاً قبله صلى الله عليه وسلم {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} مجموع ذلك لمن بعد موسى، وأما فى زمانه فلا إلا الذلة، روى أنهم قتلوا بعده سبعين نبيّاً أول النهار، ولم يشغلهم ذلك حتى إنه قام سوق البقل آخر النهار، وقتلوا زكريا وشعياء، وعملوا فى قتل عيسى، وأما قوله تعالى: "أية : إِنا لننصر رسلنا والذين آمنوا" تفسير : [غافر: 51] فإنما هو بالحجة وبأخذ الثأر بعد، فذلك لا يختلف، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، أن الله عز وجل قادر أن يقتل بكل نبى سبعين ألفاً كما كان بعد قتل يحيى، وبكل خليفة خمسة وثلاثين ألفا، والمراد بالنبيين ما شمل الرسل، لقوله تعالى: "أية : أفكلما جاءكم رسول..." تفسير : [البقرة: 87] الآية {بِغَيْرِ الْحَقِّ} عندهم، فإنهم يقتلونهم تشبيهاً وحبّاً للدنيا، ولا يعتقدون أن قتلهم حق، فليس المراد أنه قد يكون قتل الأنبياء حقا، إذ لا يفعلون موجب قتل، ولا يبيح الله دمهم بلا موجب، ووجه آخر، أن المراد بيان الواقع، كالصفة الكاشفة تأكيداً لذمهم وفضيحة، أو يعتبر أنه لو شاء الله لأباحه كما أباح لملك الموت، وكما أمر إبراهيم بذبح إسماعيل، وقيل: قتلوا فى بيت المقدس فى يوم واحدة ثلاثمائة نبى {ذَٰلِكَ} المذكور البعيد من الغضب وضرب الذلة والمسكنة، كرر للتأكيد، أو ذلك المذكرو من الكفر وقتل الأنبياء {بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا} بعصيانهم وكونهم {يَعْتَدُونَ} ينهمكون فى المعاصى، ولا تنس أن المعصية توجب العقاب بالإيقاع فى مصعية أعظم منها، وذلك بعصيان منهم فى قتلهم لا باعتقاد حل.

الخليلي

تفسير : الآية تضع أمامنا صورة من صور التعنت الإِسرائيلي، وضربا من ضروب الانحراف الفكري والسلوكي عند اليهود، فبعد أن أطلقهم الله من قيود الذل وأغلال الهوان الذي كابدوه ردحا من الزمن في ظل الحكم الفرعوني الرهيب، ونقلهم إلى فسيح الحرية ومشارف العز اشتقات نفوسهم المأفونة الى حيث كانوا، مؤثرين التمرغ في أوحال الهوان والانغماس في حمأة الذل مرة أخرى على ما هم فيه من بحبوحة الخير، ورفعة القدر، ونعمة الحرية، وفي هذا يقول الزمخشري: "كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم، فأجموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء". وأصل هذا الكلام مروي عن قتادة؛ ورده الأستاذ الإِمام بأنه لو كان الحامل لهم على ذلك هو تمكن العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونو يألفون نزعوا الى ما كانوا قد عودوه من قبل, لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما عد الله هذا القول في أخطائهم، لأن السآمة من تناول طعام واحد قد يكون من لوازم الطباع البشرية إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة، ولا يعد ما هو من منازع الطباع حراما إذا لم يسقط ذلك في محظور. ثم قال: وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ...} الخ كل ذلك يدل على أن ما عُدد من أفاعيلهم مع تظافر الآيات بين أيديهم، وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة، واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا". قال: "والذي يقطع عليهم الفهم من الآية أن النزق قد استولى على طباعهم، وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم الله له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه، ومع كثرة ما شاهدوا من آيات الله القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم، بل كانوا على ريب منه، وكانوا يظنون أن موسى عليه السلام خدعهم في إخراجهم من مصر وجاء بهم إلى البرية ليهلكهم فلذلك دأبوا على إعناته والإِكثار من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة، فما ذكره الله عنهم في هذه الآية على حد قولهم: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} ويرشد إلى ما فيه من الإِعنات قولهم: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} فقد عبَّر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأت لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده، فكأنهم قالوا: اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد، فإن كانت لك منزلة عند الله كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن مع أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا، وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام، ولكنه نزق وبطر - كما بينا - وطلب للخلاص مما يخشونه على أنفسهم، ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخبارهم". ويتبين لكم من هذا التحرير أنهم كانوا عصاة متمردين بهذا السؤال، وهو رأي الجمهور، ويدل على صحته استنكار موسى عليه السلام لسؤالهم، ووصفه لهم باختيار الأدنى على الذي هو خير، وذلك في قوله: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ}، ويؤيده ما ذكر عقب ذلك أنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، وما هو إلا عقوبة هذا التعنت وضريبة هذه المكابرة، كما يؤيده ما اختتمت به الآية من تقرير كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير الحق، وما كانوا عليه من العصيان والإِعتداء. وذهب الفخر الرازي إلى أنهم لم يعصوا قط بهذا السؤال، وعلل ذلك بأشياء: أولها: أنهم ما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره. ثانيها: أنهم ربما كانوا في أصل خلقتهم غير متعودين على ذلك النوع، وإنما تعودوا سائر الأنواع، ورغبة الإِنسان فيما اعتاده في أصل تربيته وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده إن كان شريفا. ثالثها: أنهم ربما لم يقصدوا بسؤالهم هذا نفس الأطعمة التي سألوها ولكنهم ملُّوا البقاء في التيه فطلبوا ما لا يوجد فيه لقصد خروجهم منه إلى البلاد التي بها ما سألوه. رابعها، أن إدمان الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة، والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الإِلتذاذ. وأكد الفخر ما ذهب إليه بأن القوم أجيبوا بما حكاه الله في قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}، ولو سألوا معصية لما أجيبوا إليها، لأن الإِجابة إليها معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء. وتكلف الرد على أدلة الجمهور بسفسطات لا أجد داعيا إلى ذكرها. وذهب أبو حيان مذهب الفخر، وأورد معاني كلامه من غير أن يعزوه إليه. وهذا يتنافى مع ما قرره في خاتمة تفسير الآية الكريمة من أنهم تبرموا من الرزق الذي امتن به عليهم فلجوا في طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم، وأنهم وُبِّخوا على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس....الخ. وتوسط ابن عشاور بين المذهبين، إذ اعتبر المحكي عنهم دالا على سوء اختيارهم في شهواتهم - والاختيار دليل عقبل اللبيب وإن كان يختار مباحا - مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم، إذ قالوا: {لَن نَّصْبِرَ} فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم للكراهية، وأتوا بما دل عليه (لن) في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن، فإن لن تدخل على استغراق النفي لأزمنة فعل نصبر من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد، وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال، يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين، فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم، وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم، ولم يِرُ هم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديبا وتوبيخا. ثم قال: "والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم، وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية، فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف، ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات، على أسبابها، وذلك من نواميس نظام العالم، وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي". ومن أمعن في ألفاظ الآية وما توحيه من ملابسات هذا القول الصادر منهم يدرك أنه ناشئ عن تعنتهم في الكفر، وإمعانهم في الصدود، وإغماضهم أبصارهم عن آيات الله الداعية إلى الإِيمان، فاستخفافهم بالنعمة جَليُّ في مقولتهم هذه، وكفى بذلك معصية؛ كيف وقد يسرها الله تعالى لهم بطريقة غير عادية هي أدعى إلى الإِيمان والشكر؟ ولا نسلِّم أن ما عوقبوا به من ضرب الذلة والمسكنة عليهم لا يتعدى أن يكون من الأمور العادية المترتبة على مخالفة نظام الحياة فحسب بدليل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}، وما إنزال المن والسلوى عليهم وهم في التيه إلا من تلك الآيات التي كفروا بها إذ لم يقدروها حق قدرها، فلم يعتبروا بها، بل بقو في عمامهم يترددون وفي ضلالتهم يعمهون، وفي شكهم يغدون ويروحون، وليس أدل على شكهم من هذا الطلب ونحوه، وكفى به إثما مبينا. ولم أجد دليلا على ما قاله الإِمام ابن عاشور بأن الله لم يرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد أن كان منهم هذا السؤال، وما ذكره من القصة المشار إليها بالآية في التوراة دال على استمرار إرسال السلوى عليهم. والطعام بمعنى المطعوم كالعطاء بمعنى المعطي، وقد أرادوا بوحدته عدم تبدله بين يوم وآخر، وهو معهود في التعبير العربي، فإن العرب تقول فيمن لا تتبدل أجناس طعامه الذي يطعمه في كل يوم "فلان يأكل من طعام واحد"، ولو كانت أجناسا متعددة وألوانا مختلفة، فلا إشكال في قولهم هذا مع كونهم يتغذون بجنسين من الطعام هما المنُّ والسَّلوى، وقد أرادوا أن يستبدلوا بهما ما كان مألوفهم من قبل من نباتات الأرض، وبينوه بقولهم: {مِن بَقْلِهَا....} الخ. والبقل يصدق على ما يأكله الناس والأنعام من الزروع، ومرادهم به أطائبه كالكرسف والنعناع، والقثاء معروف، وفسَّره الخليل بالخيار؛ والفوم قيل هو الثوم - بالفوقية المثلثة - وهو مروي عن ابن عباس أخرجه عنه ابن أبي حاتم، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس، وعُضد بأن العرب تعاقب بين الفاء والثاء نحو قولهم: مغافير ومغاثير، وجدف وجدث، وعافور وعاثور، وأثافي وأثاثي، وبقول أمية: شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل تفسير : وقول حسان: شعر : وأنتم اناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل تفسير : أي الثوم والبصل، كما عُضد بقراءة ابن مسعود "وثومها" - بالمثلثة - وبه قال الكسائي والفراء والنضر بن شُميل وهو موافق لما في التوراة وأنسب بذكر البصل والعدس. وقيل: هو الخبر، أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي لفظ انه البر أو الحنطة، ومثل هذا الخلاف في الرواية لفظي فحسب، فإن الحنطة والبر مُتحد معناهما وهما أصل للخبر، وتفسير الفوم بالخبز أخرجه ابن جرير عن عطاء، ومجاهد وابن زيد، وأخرج عن أبي مالك والسُّدِّى أنه الحنطة، وعن قتادة والحسن أنه الحب الذي يختبزه الناس، ومن شواهد هذا الباب ما يحكى عن العرب من قولهم "فوِّموا لنا" أي اخبزوا، وقول الشاعر: شعر : قد كنت أحسبني كأغنى واحد ورد المدينة عن زراعة فوم تفسير : وفسر ابن دريد الفومة بالسنبلة، وأنشد: شعر : وقال ربيئهم لما أتانا بكفه فومة أو فومتان تفسير : وهو لا يختلف عما قبله لاحتواء السنبلة على الحنطة، وفسر بعضهم الفوم بالحمص، وهي لغة شامية، وزعم الزجاج أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الفوم الحنطة، وهو مردود بما سبق نقله عن بعض أئمة اللغة من خلاف قوله. ولا يشكل قول من فسره بالخبز مع قولهم: {مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} لأن أصل الخبز - وهو الحنطة أو غيرها من الحبوب - مما تنبت الأرض. والعدس والبصل معروفان. وفاعل "قال" ضمير عائد إلى موسى لأن التخاطب بينه وبينهم، وقيل: يعود إلى الله، والأول الظاهر لما سبق، وإن كان الجواب موحىً من الله إليه. والأصل في الاستبدال أن تأخذ شيئا مكان شيء تعطيه، ومن المعتاد أن لا يكون ذلك إلا ونفس المستبدل فيما تأخذ أرغب وفيما تعطي أزهد، ثم أُطلق في مُطلق التلبس بشيء وترك غيره كاستبدال التائب التقوى بالفجور والطاعة بالعصيان، ومثله أن يأخذ المقاتل سلاحا ويدع غيره، ولا يصاغ فعل من مادته إلا مزيدا، كأبدل، وبدَّل، واستبدل، فكأنه أميت فعله المجرد، والتبدل والاستبدال مترادفان كالتكبر والاستكبار. وبما أن مدلول البدل ومشتقاته يتعلق بأمرين كانت الأفعال الناشئة عن هذا الأصل تتعدى إلى مفعولين، تارة بنصبهما معا وتارة بنصب أحدهما وجر الآخر بحرف يتعلق بالفعل، وفصل الإِمام ابن عاشور هذا الاختلاف في الاستعمال باختلاف المعاني المقصودة حيث قال: "فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 48] كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي يخلفه، نحو قوله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]، {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ}، وقولهم: أبدلت الحلقة خاتما، وإذا تعدت إلى مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو المأخود والمجرور هو المبذول، نحو قوله هنا: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ}، وقوله: {أية : وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 108]، وقوله في سورة النساء: {أية : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ}، تفسير : وقد يجر المعمول الثاني بمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص: شعر : بُدِّلت من مرد الشباب ملاءة خلقاً وبئس مثوبة المعتاض تفسير : وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويُعَدَّى إلى آخذ العوض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين ويُنبّه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو من كذا وبعد كذا، كقوله تعالى: {أية : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} تفسير : [النور: 55] التقدير ليبدلنّ خوفهم أمنا، هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال. قال: "ووقع في الكشاف عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ} تفسير : [النساء: 2] ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عُدِّى إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ، وكان المنصوب هو المتروك والمعطى، فقرره القطب في شرحه بما ظاهره أن بدَّل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفا لتبدل واستبدل، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المفعول الثاني بالباء، أحدهما يوافق استعمال تبدل، والآخر بعكسه، والأظهر عندي أنه لا فرق بين بدّل وتبدل واستبدل، وأن كلام الكشاف مشكل، وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة، ولا في كلامه نفسه في كتاب الأساس". ولم أرَ في كلام الكشاف الذي أشار إليه ما ذكره من الإِشكال فإنه لم يومِ إلى التفرقة بين بدَّل وتبدل في الاستعمال الذي حرره الإِمام ابن عاشور، وإنما أومى إلى ما بينهما من الفرق في المعنى تعقيبا على ما نقله عن السدي في تفسير تبدل الخبيث بالطيب بأنه جعل شاة مهزولة مكان سمينة، فأتبعه صاحب الكشاف قوله: "وهذا ليس بتبدُّل وإنما هو تبديل". ومراده به أنه تبديل لمال اليتيم بوضع شيء مكان شيء، ولا يُستنتج منه ما قاله التفتزاني كما هو واضح لمن تأمل. و"أدنى" أَفْعَلُ تفضيل من الدنوِّ وهو القرب، ويراد به قِلة القيمة أو عدمها، لأن ما لا قيمة له مبتذل عادة، يمكن لأي يد أن تتناوله، بخلاف ما ارتفعت قيمته، فإنه يحفظ بعيدا عن تناول الأيدي ورؤية الأبصار، ومن ثم استُعمل الدنو والبعد في ضعة القدر وعلوه، وحقارة الهمة وعظمتها، وقيل: من الدناءة بمعنى الرداءة والحقارة؛ وعليه فأصله أدنأ بالهمز فخفف بإبدال الهمزة ألفا وعُضد بقراءة زهير الفرقبي (أدنأ) بالهمز، وهي من شواذ القراءات، وتوهم بعض أنها قراءة للكسائي، ومنشأ هذا الوهم أن زهير المذكور يقال له زهير الكسائي، فأثبت ذلك البعض واوا بين اسمه ونسبه ظانا انها قراءته وقراءة الكسائي القارئ المشهور. أفاد ذلك أبو حيان. وقيل أصله أدون من الدون بمعنى القرب فقدمت النون وأخرت عنها الواو وأبدلت ألفا لتطرفها وانفتاح ما قبلها؛ وفي هذا القول والذي قبله تكلف واضح وخروج عن الجادة لغير داع. ومهما قيل في أصل كلمة أدنى، فإن المراد (بالذي هو أدنى) ما طلبوه، والمراد (بالذي هو خير) ما كانوا أوتوه. ولفظ (خير) للتفضيل، والخيرية المقصودة إما ان تكون باعتبار قيمة المن والسلوى، فإن البقول التي طلبوها لا تسوى شيئا بجانبهما، وإما لكونهما ساقهما إليهم نعمة خالصة، ففي أكلهما استدامة لشكر الله بجانب كونه امتثالا لأمره، بهذا يحصل لهم من الأجر والثواب بسببهما ما لا يحصل بغيرهما؛ وإما لخلوصهما من العناء والتعب، بخلاف ما طلبوه فإنه يستدعي الحرث والسقي والإِصلاح والحصاد، وما كان خاليا من العناء فهو خير مما توقف عليه؛ وإما لأن الطبع أميل إلى ما كان ألذ وأطيب من المطاعم وغيرها، والبون شاسع في ذلك بين ما أوتوه وما سألوه، وإما لخلوص المن والسلوى من شوائب الحُرَمِ والشُّبَه، بخلاف تلك البقول لضرورة زرعها، والزرع يتوقف على البذر والأرض، وهما مما تدخله الحُرَمُ والشُّبه، لإِمكان غصبهما أو سرق البذر أو مرورهما بعقود غير جائزة شرعا، ولا يخفى فضل ما تيقنت حليته على ما احتمل الشبهة والحرام، وإما لأن المن والسلوى أعظم نفعا وأجدى غذاء للأبدان؛ وقد عد أبو حيان في بحره هذه الاعتبارات أقوالا، وأرى كونها وجوها أقرب لعدم تعارضها، وإن أوردها المفسرون متفرقة، وأراها جميعا مقصودة بالخيرية. والاستفهام للإِنكار، والأمر بهبوط مصر تابع له، فمصدرهما واحد وهو موسى عليه السلام، خلافا لأبي حيان القائل بتقدير محذوف بينهما، أي فدعا موسى ربه قال: {ٱهْبِطُواْ}. والتعبير بالهبوط لأن القادم إلى بلد كمن ينصب عليه. والمصر البلد، وأصله الحدُّ بين الأرضين، ويحكى عن أهل هجر أنهم كانوا يكتبون "اشتري الدار بمصورها" أي بحدودها، ومنه قول الشاعر: شعر : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا تفسير : وقيل هو مأخوذ من مصرت الشاة إذا حلبت كل ما في ضرعها، وسمى به القطر المعروف، وأكثر أهل التفسير على أن المراد به هنا أي مصر من الأمصار، واستدلوا له بصرفه، ولو أريد به القطر المعروف لمنع الصرف كما مُنع في قوله تعالى: {أية : تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} تفسير : [يوسن: 87]، وقوله: {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ} تفسير : [يوسف: 99]، وعليه فالمراد من أمرهم بهبوط مصر أن ما طلبوه لا يحتاج إلى دعاء فإن الله يسره لعباده في الأمصار، وما عليهم إن ابتغوه إلا أن ينزلو مصرا من هذه الأمصار فيجدوا فيه طلبتهم. وقيل: هو القطر المعروف، وهو الذي حكاه أشهب عن مالك، وعُضد أن في قراءة ابن مسعود مصر بدون تنوين وأنه في مصحف أبيٍّ بدون ألف، وأصحاب هذا القول يحملون قراءة الجمهور على تنكير اللفظ وتعريف المعنى، كما يقول القائل: إإتني برجل، ومراده رجل بعينه، واضطربت هنا الأفهام فأرباب القول الأول رأوا أنه لا يمكن أن يكون المراد القطر المصري لعدم ثبوت عودة بني إسرائيل إلى مصر من التيه، والآخرون عارضوهم بما في القرآن من توريث بني إسرائيل أموال فرعون وآله، وأدى هذا الاضطراب بالبعض إلى القول بأن المراد بمصر القرية المقدسة التي أمروا بدخولها، ومؤداه أنكم إن كنتم لا تصبرون على ما ترزقونه في هذا التيه فإنكم أنتم الذين أوقعتم أنفسكم فيه بالتلكؤ عن الجهاد، والتعنت على أمر الله، فما عليكم وأنتم تريدون الخلاص منه إلى أن تأتوا الأمر من طريقه، فتهبطوا إلى المصر الذي أمرتم فيه بمقاومة الجبارين فتكونوا أهلا لما وعدكم الله به من الاستخلاف، وتجدوا هناك كل ما سألتم. ومنشأ هذا كله جعل الأمر بالهبوط أمرا شرعيا، أي أمر إباحة وهو يتعارض مع ما سبقه من الإِنكار عليهم أن يستبدلوا الأدنى بالذي هو خير، ومن العجب العجيب أن يستدل مستدل بما في القرآن من توريث بني اسرائيل أموال فرعون وآله على خروجهم من التيه إلى مصر غافلا عما يكتنف هذا الأمر بالهبوط قبله وبعده من الإِنكار والوعيد. والصحيح أن الأمر بالهبوط هنا ليس أمرا تشريعيا وإنما هو أمر تعجيزي على حد قوله عز وجل: {أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 50]، وقد أريد به تبكيتهم على نزوعهم إلى مضارب هوانهم ومواطن ذلهم، حيث كانوا يتململون تحت نير القهر، ووطأة العذاب من فرعون وآله، وعليه فمصر هي البلد المعروف ولا إشكال في صرفه لجواز صرف الأعلام الثلاثية المسكنة الوسط لخفتها في النطق وإن استحقت منع الصرف لوجود سببيه، كنوح ولوط، ودعد وهند، ومجيؤه في القرآن غير مصروف تارة لا يمنع صرفه تارة أخرى لأنه من باب التفنن. أما ما قاله أبو حيان من أن لمصر حكما آخر غير حكم نوح ولوط، ودعد وهند، لأن فيها سببين من أسباب منع الصرف، وفيه ثلاثة أسباب وهي التأنيث والعلمية والعجمة؛ فهو مردود من وجهين: أولهما: أن جواز صرف تلك الأسماء مع وجود السببين المانعين منه إنما هو لمجرد الخفة في النطق التي يشاركها فيها مصر لأنها ناشئة عن تسكين الوسط. ثانيهما: أن عجمة مصر التي ادعاها غير مسلَّمة وقد سبق بيان اشتقاقه من الألفاظ العربية وهذا الاشتقاق أورده أبو حيان نفسه. وليس قوله: {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} تعليلا للأمر ولا جوابا له لاستلزام ذلك الترغيب فيه مع اقتضاء المقام خلافه كما هو واضح من كون الأمر تعجيزيا. ولا التفات في قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} على الصحيح وإن خرج الكلام من الخطاب إلى الغيبة لأن المقصودين في الحديث الخطابي الذين تمردوا على أوامر الله ورسوله موسى فحبسوا في التيه لامتناعهم عن مقاتلة الجبارين ودُؤوبهم على العنت، وقد مُثِّلوا في ذريتهم الذين كانوا بالمدينة عند نزول الوحي فخوطبوا من خلالهم والمقصودين بالحديث المسوق مساق الغيبة جميع فئاتهم العاتين عن أمر الله والمناوئين لأنبيائهم في جميع العصور، ويندرج فيهم الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم. ويتجه لي أن العطف في قوله: {وَضُرِبَتْ...} الخ هو من باب عطف القصة على القصة، ذلك لأن الله حكى قصتهم مع موسى مبتدئا بتنجيتهم من فرعون وآله مقررا ما حصل منهم من كفر وجدل واستخفاف وعصيان، ثم أتبع ذلك تبيان عاقبة أمرهم ونتيجة فعلهم، وهو ما لزمهم من الذلة والمسكنة وما انقلبوا إليه من غضب الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينافي ما ذكرته من قبل من الاستدلال بهذا المعطوف على عدم إقرارهم على ما سألوه من إبدال عيشهم بما كانوا آلفيه من قبل لأن ذلك السؤال هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأسباب المذكورة التي أدت بهم إلى هذه العاقبة الوخيمة والنتيجة السيئة، ولأن قرن الأخبار بهذه العاقبة مع جواب موسى لهم موح بأن لسؤالهم أثرا في حصول هذه العاقبة لهم. والضرب الإِلزام والقضاء، ويرجع أصله إلى وقع جسم على جسم، كضرب اليد بالأرض، ومثله الضرب بالسيف أو العصى، واستُعمل في معان تقتضي شدة اللصوق كالضرب في الأرض بمعنى السير فيها، وضرب القبة والبيت بمعنى شدهما ووثقهما من الأرض، وضرب الطين بالجدار إذا ألصق به، ومنه ضرب لازب، ومادته تدل على الشدة، ويراد بضرب الذلة والمسكنة عليهم إلصاقهما بهم كما يلتصق الطين بالجدار أو إحاطتهم بهما كما تحيط الخيمة بالموضع الذي ضربت فيه، ومن حيث إن حروف الضرب تشي بالشدة، كان اختيار هذا اللفظ على غيره في الإِخبار عما لحقهم من الذل والهوان أعمق في الدلالة على المعنى وأكثر تناسبا مع المقام. والذلة هوان النفس وصغارها، وهو خلق نفساني دنيء يدفع بصاحبه إلى الاستخذاء والاستكانة للمتسلط الذي يستذله بقهره ويستعبده بجبروته. والمسكنة ما يظهر من أثر هذا الخلق على البدن من السكون والانزواء اللذين يشيان بالرضى بما يلحق النفس من إذلال المستعبد الجبار وسمى الفقر مسكنة، لأن من شأنه أن يقلل حركة صاحبه؛ وهاتان الصفتان من أسباب خور العزيمة ودنو وتلاشي القوة فلذلك كانتا مكروهتين للمسلم لأنهما لا تليقان بمكانته التي اختاره الله لها، والأمانة التي حمله إياها، {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8]. واليهود من أشد الناس مسكنة وذلة، وقد سلط الله عليهم الأمم، وكتب عليهم الهوان، بعدما أنعم عليهم بالملك والنبوة، فبدلوا نعمة الله كفرا، وجاهروا بمعصيته، ولم يتناهوا عن منكر فعلوه، فقد أغارت عليهم المجوس مرتين ذاقوا فيهما مُرَّ العذاب، فقد قُتِّل رجالهم، وسبيت نساؤهم، واسترقت ذريتهم، ثم وقعوا بعد ذلك تحت نير الحكم الروماني الذي لا يرحم فصُب عليهم العذاب صبا، واستمروا يرزحون تحت وطأة الذل في كل العهود الغابرة حتى جاء العهد النازي القاسي فملأ بهم الأفران، وجعل جثثهم مختبرا لكل تجربة في العذاب، وإنما ابتلى الله بهم عباده المسلمين لتفريطهم في دينهم، واستوائهم معهم في معصية الله، والإِعراض عما أنزل من الهدى، وهكذا يسلط الله من يشاء على من يشاء تأديبا لتكون في ذلك ذكرى لأولي الألباب. وحمل كثير من المفسرين - أو أكثرهم - الذلة على الجزية التي فرضها الله عليهم في الإِسلام، وهو تفسير بعيد لتنوع بلائهم وتلون ذلهم في جميع العصور المتعاقبة منذ أن بدأ عقاب الله يحيق بهم، ولم تكن الجزية مضروبة عليهم في جميع الأزمان. والبوء بمعنى الرجوع كالأوب، والمراد ببوئهم بغضب من الله انقلابهم إليه، وقد سبق معنى الغضب. وكفرهم بآيات الله هو كفرهم بما أنزل، وبما أجري على أيدي أنبيائه من المعجزات، كمعجزات موسى عليه السلام الشاهدة على صدق نبوته، وهم قد كفروا بالتوراة إذ حرفوها، ودروا كثيرا مما احتوت عليه من الأحكام، وطمسوا ما فيها من بشائر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، إلا ما فاتهم، بقى متلوا إلى اليوم. وقتلهم النبيين كان بسبب أمرهم إياهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهو مما ثبت في كتبهم، فقد قتلوا أشعيا بن أموص بنشره على جذع شجرة في عهد الملك منسي سنة (700) قبل الميلاد، وأرمياء الذي رموه بالحجارة حتى مات لأنه وبخهم على منكراتهم، وكان ذلك في أواسط القرن السابع قبل الميلاد، وفي عهد المسيح عليه السلام قتلوا زكريا ويحيى سلام الله عليهما إرضاء لشهواتهم، وهموا بقتل المسيح نفسه لولا أن الله سبحانه حفظه، كما هموا بقتل نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأشكل على بعض المفسرين تمكنهم من قتل النبين مع قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير : [الصافات: 171-172]، وأجاب بعضهم عن هذا الإِشكال بأن الآية نصت على نصر المرسلين، ولم تنص على نصر النبيين، فكانوا لا يُمكَّنون من قتل من كان نبيا رسولا لوعد الله للرسل بالنصر، وإنما يتمكنون أحيانا من قتل من كان نبيا ولم يكن رسولا. وهذا الجواب مردود لأمرين: أولهما: ثوبت النص على قتلهم الرسل في قوله تعالى: {أية : أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} تفسير : [البقرة: 87]. ثانيهما: أنهم قتلوا من قتلوا من النبيين بسبب دعوتهم إلى الحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وفي هذا ما يدل على أنهم كانوا متحملين برسالة ومؤدين لها على أن الله عز وجل ذكر زكريا ويحيى في ضمن جماعة من الأنبياء، ثم قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} تفسير : [الأنعام: 89]، وقال في يحيى: {أية : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 39]، وقال فيه: {أية : يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 12]، وفي هذا ما يدل على أنهما كانا نبيين مرسلين. وإنما يدفع ما ذكروه من الإِشكال حمل النصر الذي وعد الله به المرسلين على نصر دعوتهم بالحجة والبرهان، وكون العاقبة لها، أو أن هذا وعد خاص بالمرسلين الذين فرض عليهم القتال فإنهم ينصرون لا محالة. والنبي فَعيل من النبأ، واختلف في أصله، فقيل فاعل، وقيل: مفعول، وعلى الأول فهو بمعنى منبئ أي مبلِّغ عن الله تعالى، وعلى الثاني فهو منبأ لأن الملك هو الذي ينبئه عن الله، ويدل على هذا الاشتقاق تصرف مادته نحو قولهم تنبأ مسيلمة، فالهمز أصله وإنما خُففت بإبدالها ياء فأدغمت الياء في الياء، ويعضده قراءة نافع بهمز النبيين، والنبيِّ، والأنبياء، والنبوة، إلا أن قالون - وهو أحد رواييه - أبدل وأدغم في موضعين من سورة الأحزاب: {أية : إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ} تفسير : [الأحزاب: 50]، {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 53]، وقد راعى في الموضعين ثقل اجتماع همزة النبئ والتي تليها فخفف بالإِبدال والإِدغام. وقيل: إنه مشتق من النَّبوة وهي الرفعة، وعليه فلا همز في أصله ويحتمل كذلك كونه بمعنى فاعل ومعنى مفعول لأنه رافع لمن استجاب له من دركات الضلال إلى ذروة الهدى، ومرفوع القدر عند الله وعند الذين آمنوا. واختلف في الفرق بينه وبين الرسول، ولدقة الفروق قال من قال بعدم التفرقة، وعليه فهما وصفان لموصوف، فكل نبي رسول، وكل رسول نبي، وهذا القول يتفق مع اعتباره بمعنى فاعل على كلا القولين في أصل اشتقاقه لاستلزام إنبائه عن الله أن يكون مرسلا إلى من أنبأه، وكذا استلزام إرساله إلى من رفعه من دركات الضلال والشك إلى ذروة الهدى واليقين. والمشهور أن بينهما عموما وخصوصا، فكل رسول نبي ولا عكس لأن النبي من أُنبئ عن الله، سواء أُمر بالتبليغ أم لم يؤمر، والرسول من أُنبئ وأُمر بالتبليغ. ولا يكون قتل النبيين حقا، فالنص على أنهم قتلوهم بغير الحق ليس للتقييد ولكن لتأكيد المذمة. وترجع الإِشارة الثانية عند أكثر المفسرين إلى ما رجعت إليه الأولى، وإنما أعيدت للتأكيد، ومعنى ذلك أن ضرب الذلة والمسكنة عليهم بسبب كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغير الحق، وبسبب معصيتهم واعتدائهم، والصحيح أن لها مرجعا غير مرجع سابقتها، فالأولى تشير إلى ضرب الذلة والمسكنة عليهم، والثانية تشير إلى الكفر بآيات الله وتقتيل النبيين بغير الحق، فإن ذلك ناشئ عن معصيتهم لله واعتدائهم حدوده، وهذا كما يقال: "المعاصي بريد الكفر"، فإن من شأن المعصية إذا استخف بها صاحبها وأصر عليها أن تجر إليه نظائرها، فإن النفس إذا انفلتت من حبال التقوى، وخرجت من حظيرة خوف الله لم تكد تقف عند حد من حدود العصيان فتستخف بما كانت تستعظمه، وتستصغر ما كانت تستكبره، وذلك ما يعنيه قول الله تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14]، فإن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ذكر المعصية وأثرها في القلب، وأن من تاب منها صقل قلبه، ومن استمر عليها ازداد أثرها حتى يغطي على القلب، ثم قال: (فذلكم الران) وتلا الآية، وكفى بهذا داعيا إلى مراقبة القلب ومحاسبة النفس في جميع الأوقات، وفي كل الأحوال، فرب معصية لا يرفع لها العبد شأنا ولا يحسب لها حسابا تهوي به الى الضلال البعيد، وتردي به في العذاب الأليم والعياذ بالله، ولذلك كان ذوو البصائر لا يفتأون يراقبون النفس ويحاسبونها حتى على المباح فضلا عن السيئات. وتعميم صفة القتل عليهم لأنهم بين قاتل ومقر وموال للقتلة.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ} الظاهر أنه داخل في تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ} الخ مع استحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم في التيه من غير كدّ وتعب حيث سألوا بـ {لَن نَّصْبِرَ} فإنه يدل على كراهيتهم إياه إذ الصبر حبس النفس في المضيق، ولذا أنكر عليه بقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} الخ، فالآية في الأسلوب مثل قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } تفسير : [البقرة: 55] الخ، حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا، ثم أفاض عليهم نعمة الحياة، قال مولانا السيالكوتي: ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازي ـ لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم، لأن الإجابة إلى المعصية معصية ـ وهي غير جائزة على الأنبياء ـ وإن قوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ }تفسير : [البقرة: 60] أمر إباحة لا إيجاب، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية، ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين (المنّ والسلوى) اللذين رزقوهما في التيه، إما باعتبار كونه على نهج واحد كما يقال: طعام مائدة الأمير واحد ـ ولو كان ألواناً شتى ـ بمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب الأوقات، أو باعتبار كونه ضرباً واحداً لأن المنّ والسلوى من طعام أهل التلذذ والسرف، وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه، وقيل: إنهم كانوا يطبخونهما معاً فيصير طعاماً واحداً، والقول بأن هذا القول كان قبل نزول السلوى نازل من القول، وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى لأن المنّ كان شراباً، أو شيئاً يتحلون به، فلم يعدوه طعاماً آخر، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنين كما عبر بالاثنين عن الواحد في نحو {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرَحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما ـ وهو الملح دون العذب ـ. {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} أي سله لأجلنا ـ بدعائك إياه ـ بأن يخرج لنا كذا وكذا ـ والفاء ـ لسببية عدم الصبر للدعاء، ولغة بني عامر {فَٱدْعُ} ـ بكسر العين ـ جعلوا ـ دعا من ذوات الياء ـ كرمى، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من دعاء غيرهم، على أن دعاء الغير للغير مطلقاً أقرب إليها ـ فما ظنك بدعاء الأنبياء لأممهم؟ ـ حديث : ولهذا قال صلى الله عليه وسلم/ لعمر رضي الله تعالى عنه: «أشركنا في دعائك»تفسير : وفي الأثر: «ادعوني بألسنة لم تعصوني فيها» وحملت على ألسنة الغير، والتعرض لعنوان الربوبية لتمهيد مبادىء الإجابة، وقالوا: (ربك) ولم يقولوا: ربنا، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا: ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك. {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلارْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} المراد ـ بالإخراج ـ المعنى المجازي اللازم للمعنى الحقيقي، وهو الإظهار بطريق الإيجاد ـ لا بطريق إزالة الخفاء ـ والحمل على المعنى الحقيق يقتضي مخرجاً عنه، وما يصلح له هٰهنا هو (الأرض) وبتقديره يصير الكلام سخيفاً، و {يُخرجْ} مجزوم لأنه جواب الأمر، وجزمه ـ بلام الطلب ـ محذوفة لا يجوز عند البصريين، و (من) الأولى تبعيضية أي مأكولاً بعض ما (تنبت) وادعى الأخفش زيادتها ـ وليس بشيء ـ و (ما) موصولة والعائد محذوف، أي تنبته، وجعلها مصدرية لم يجوّزه أبو البقاء ـ لأن المقدر جوهر ـ ونسبة ـ الإنبات ـ إلى (الأرض) مجاز من باب النسبة إلى القابل. وقد أودع الله تعالى في الطبقة الطينية من الأرض ـ أو فيها ـ قوة قابلة لذلك، وكون القوة القابلة مودعة في الحب دون التراب ربما يفضي إلى القول بقدم الحب بالنوع، و (من) الثانية بيانية، فالظرف مستقر واقع موقع الحال، أي كائناً من بقلها. وقال أبو حيان: تبعيضية واقعة موقع البدل من كلمة (ما) فالظرف لغو متعلق بـ (يُخرجْ) وعلى التقديرين ـ كما قال السيالكوتي ـ: يفيد أن المطلوب إخراج بعض هؤلاء، ولو جعل بياناً لما أفاده (من) التبعيضية ـ كما قاله المولى عصام الدين ـ لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة، وأوهمَ أن المطلوب إخراج جميع هؤلاء لعدم العهد. ـ والبقل ـ جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والأنعام، والمراد به هنا أطاييب البقول التي يأكلها الناس ـ والقثاء ـ هو هذا المعروف، وقال الخليل: هو الخيار، وقرأ يحيـى بن وثاب وغيره ـ بضم القاف ـ وهو لغة ـ والفوم ـ الحنطة ـ وعليه أكثر الناس ـ حتى قال الزجاج: لا خلاف عند أهل اللغة أن ـ الفوم ـ الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم ـ الفوم ـ وقال الكسائي وجماعة: هو الثوم، وقد أبدلت ـ ثاؤه فاء ـ كما في ـ جدث وجدف ـ وهو بالبصل والعدس أوفق ـ وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ـ ونفس شيخنا ـ عليه الرحمة ـ إليه تميل، والقول بأنه الخبز يبعده الإنبات من الأرض وذكره مع البقل وغيره. وما في «المعالم» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن ـ الفوم ـ الخبز يمكن توجيهه بأن معناه إنه يقال عليه، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أولاً ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ـ وهو البقل ـ إذ منه ما هو بارد رطب ـ كالهندبا ـ ومنه ما هو حار يابس ـ كالكرفس والسذاب ـ ومنه ما هو حار وفيه رطوبة، كالنعناع وثانياً: ما هو بارد رطب ـ وهو القثاء ـ وثالثاً: ما هو حار يابس ـ وهو الثوم ـ ورابعاً: ما هو بارد يابس ـ وهو العدس ـ وخامساً: ما هو حار رطب ـ وهو البصل ـ وإذا طبخ صار بارداً رطباً عند بعضهم، أو يقال: إنه ذكر أولاً ما يؤكل من غير علاج نار، وذكر بعده ما يعالج به مع ما ينبغي فيه ذلك ويقبله. {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ} استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل قال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} الخ، والقائل إما الله تعالى على لسان موسى عليه السلام، ويرجحه كون المقام مقام تعداد النعم، أو موسى نفسه ـ وهو الأنسب بسياق النظم ـ والاستفهام للإنكار، والاستبدال الاعتياض. / فإن قلت كونهم لا يصبرون على طعام واحد أفهم طلب ضم ذلك إليه ـ لا استبداله به ـ أجيب بأن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ} يدل على كراهتهم ذلك الطعام؛ وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها، وقيل: إنهم طلبوا ذلك، وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع عنهم المنّ والسلوى فلا يجتمعان، وقيل: الاستبدال في المعدة ـ وهو كما ترى ـ. وقرأ أبـيّ: ـ أتبدلون ـ وهو مجاز، لأن التبديل ليس لهم ـ إنما ذلك إلى الله تعالى ـ لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين، وكان المعنى أتسألون تبديل الذي الخ، و {ٱلَّذِى} مفعول {تَسْتَبْدِلُونَ} وهو الحاصل؛ و {ٱلَّذِى} دخلت عليه الباء هو الزائل، وهو {أَدْنَىٰ} صلة {ٱلَّذِى} وهو هنا واجب الإثبات ـ عند البصريين ـ إذ لا طول، و {أَدْنَىٰ} إما من الدنو أو مقلوب من الدون، وهو على الثاني ظاهر، وعلى الأول مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد للشرف، فقيل: بعيد المحل [و] بعيد الهمة، ويحتمل أن يكون مهموزاً من الدناءة، وأبدلت فيه ـ الهمزة ألفاً ـ ويؤيده قراءة زهير والكسائي {أدنأ} بالهمزة، وأريد بالذي هو خير المنّ والسلوى ومعنى خيرية هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته، والنفع الجليل في تناوله، وعدم الكلفة في تحصيله، وخلوّه عن الشبهة في حله. {ٱهْبِطُواْ مِصْرًا} جملة محكية بالقول كالأولى، وإنما لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكي لأن الأولى خبر معنى، وهذه ليست كذلك، ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الاستبدال، هذا إذا جعل الجملتان من كلام الله تعالى أو كلام موسى، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من الله تعالى، فوجه الفصل ظاهر، والوقف على (خير) كاف على الأول: وتام على الثاني: والهبوط يجوز أن يكون مكانياً بأن يكون التيه أرفع من المصر، وأن يكون رتبياً، وهو الأنسب بالمقام، وقرىء {ٱهْبِطُواْ} بضم الهمزة والباء ـ والمصر ـ البلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين، قال:شعر : وجاعل الشمس (مصراً) لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا تفسير : وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود، وأخذه من مصرت الشاة أمصرها ـ إذا حلبت كل شيء في ضرعها ـ بعيد، وحكي عن أشهب أنه قال: قال لي مالك: هي مصر قريتك مسكن فرعون ـ فهو إذاً عَلَمٌ ـ وأسماء المواضع قد تعتبر من حيث المكانية فتذَكر، وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث، فهو ـ إن جعل علماً ـ فإما باعتبار كونه بلدة، فالصرف مع العلمية، والتأنيث لسكون الوسط، وإما باعتبار كونه ـ بلداً ـ فالصرف على بابه، إذ الفرعية الواحدة لا تكفي في منعه، ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: أنه في مصحف ابن مسعود (مصر) بلا ـ ألف بعد الراء ـ ويبعده أن الظاهر من التنوين التنكير، وأن قوله تعالى: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ }تفسير : [المائدة: 21] يعني الشام التي كتب الله تعالى لكم للوجوب ـ كما يدل عليه عطف النهي ـ وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى، وأن يكون الأمر بالهبوط مقصوراً على بلاد التيه ـ وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين ـ ومن الناس من جعل (مصر) معرب ـ مصرائيم ـ كإسرائيل اسم لأحد أولاد نوح عليه السلام ـ وهو أول من اختطها ـ فسميت باسمه، وإنما جاز الصرف حينئذٍ لعدم الاعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فافهم وتدبر. {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} تعليل للأمر بالهبوط، وفي «البحر» أنها جواب للأمر ـ وكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة ـ وفي ذلك محذوفان فإن ما يربط الجملة بما قبلها، والضمير العائد على {مَا} والتقدير: فإن لكم فيها ما سألتموه/، والتعبير عن الأشياء المسؤولة بـ (ما) للاستهجان بذكرها، وقرأ النخعي ويحيـى: {سِأَلْتُمْ} بكسر السين. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} أي جعل ذلك محيطاً بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين، و (ضربت) استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم، وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين، وذلك بما ضرب عليهم من الجزية التي يؤدونها عن يَد وهم صاغرون، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ذلك مما تراه في اليهود اليوم، وهذا الضرب مجازاة لهم على كفران تلك النعمة، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها، وإنما أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أن ذلك راجع إلى جميع اليهود، وشامل للمخاطبين، بقوله تعالى: {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة فليس من قبيل الالتفات على ما وهم. {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ} أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبـى؛ أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما ـ أو رجعوا بغضب ـ أي صار عليهم، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه، أو صاروا أحقاء به، أو استحقوا العذاب بسببه ـ وهو بعيد ـ وأصل ـ البواء ـ بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم استعمل في كل مساواة فيقال: هو بواء فلان أي كفؤه، ومنه بؤ ـ لشسع نعل كليب ـ وحديث: «حديث : فليتبوأ مقعده من النار»تفسير : وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخيم. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} أشار بذلك إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم، وإنما بَعّدهُ لبعد بعضه حتى لو كان إشارة إلى البوء لم يكن على لفظ البعيد، أو للإشارة إلى أنهم أدركتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب، أو للإيماء إلى بعدها في الفظاعة، والباء للسببية وهي داخلة على المصدر المؤل ولم يعبر به، وعبر بما عبر تنبيهاً على تجدد الكفر والقتل منهم حيناً بعد حين واستمرارهم عليهما فيما مضى، أو لاستحضار قبيح صنعهم، و (الآيات) إما المعجزات مطلقاً أو التسع التي أتى بها موسى عليه السلام، أو ما جاء به من التسع وغيرها، أو آيات الكتب المتلوة مطلقاً، أو التوراة أو آيات منها كالآيات التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التي فيها الرجم أو القرآن، وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم، وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظم كل عظيم، وأردفه بقتلهم النبيين لأنه كالمنشأ له، وأتى بالنبيين الظاهر في القلة دون الأنبياء الظاهر في الكثرة إذ الفرق بين الجمعين إذا كانا نكرتين وأما إذا دخلت عليهما (أل) فيتساويان ـ كما في «البحر» ـ فلا يرد أنهم قتلوا ثلثمائة نبـي في أول النهار، وأقاموا سوقهم في آخره. وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقداً حقية قتل أحد منهم عليهم السلام، وإنما حملهم عليه حب الدنيا، واتباع الهوى والغلو في العصيان، والاعتداء فاللام في الحق على هذا للعهد، وقيل: الأظهر أنها للجنس، والمراد بغير حق أصلاً إذ لام الجنس المبهم كالنكرة، ويؤيده ما في آل عمران [21] {أية : بِغَيْرِ حَقّ }تفسير : فيفيد أنه لم يكن حقاً باعتقادهم أيضاً، ويمكن أن يكون فائدة التقييد إظهار معايب صنيعهم فإنه قتل النبـي ثم جماعة منهم ثم كونه بغير الحق، وهذا أوفق بما هو الظاهر من كون المنهي القتل بغير الحق في نفس الأمر/ سواء كان حقاً عند القاتل أو لا إلا أن الاقتصار على القتل بغير الحق عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل، والقول: بأنه يمكن أن يقال ـ لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحداً بغير حق لا يقتص، ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيداً لما هو الحكم الشرعي ـ بعيد كما لا يخفى، قال بعض المتأخرين: هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي ـ أي بلا حق، أما إذا كان بمعناه ـ أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل ـ فالتقييد مفيد لأن قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته، وقريب من هذا ما قاله القفال من إنهم كانوا يقولون: إنهم كاذبون وأن معجزاتهم تمويهات ويقتلونهم بهذا السبب، وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق بزعمهم، ولعل ذلك غالب أحوالهم وإلا فشعياء، ويحيـى وزكريا عليهم السلام لم يقتلوا لذلك، وإنما قتل شعياء لأن ملكاً من بني إسرائيل لما مات مرج أمر بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، وقتل بعضهم بعضاً فنهاهم عليه السلام فبغوا عليه وقتلوه، ويحيـى عليه السلام إنما قتل لقصة تلك الامرأة لعنها الله تعالى، وكذلك زكريا لأنه لما قتل ابنه انطلق هارباً فأرسل الملك في طلبه غضباً لما حصل لامرأته من قتل ابنه فوجد في جوف شجرة ففلقوا الشجرة معه فلقتين طولاً بمنشار. ثم الظاهر أن الجار والمجرور مما تنازع فيه الكفر والقتل، وفي «البحر» أنه متعلق بما عنده، وزعم بعض الملحدين ـ أن بين هذه الآية ـ وما أشبهها، وقوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }تفسير : [غافر: 51] تناقضاً ـ وأجيب بأن المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم الرسل ورد بأن قوله تعالى: {أية : أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ }تفسير : [البقرة: 78] إلى قوله سبحانه: {أية : ففَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } تفسير : [البقرة: 78] يدل على أن المقتول رسل أيضاً، وأجاب بعضهم بأن المراد النصرة بغلبة الحجة أو الأخذ بالثأر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبـي سبعين ألفاً، وبكل خليفة خمساً وثلاثين ألفاً ولا يخفى ما فيه، فالأحسن أن المراد بالرسل المأمورون بالقتال ـ كما أجاب به بعض المحققين ـ لأن أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا يليق بحكمة العزيز الحكيم. وقرأ علي رضي الله تعالى عنه: (يقتلون) بالتشديد، والحسن في رواية عنه (وتقتلون) بالتاء فيكون ذلك من الالتفات، وقرأ نافع بهمز النبيين وكذا النبـي والنبوة، واستشكل بما روي أن رجلاً قال للنبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا نبـىء الله ـ بالهمزة ـ فقال: لست بنبـىء الله ـ يعني مهموزاً ـ ولكن نبـي الله»تفسير : بغير همزة فأنكر عليه ذلك. ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه عليه الصلاة والسلام على أنه استشكل أيضاً جمع النبـي على نبيين وهو فعيل بمعنى مفعول، وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم وأجيب عن الأول بأن أبا زيد حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها فمنع لوهم أن معناه يا طريد الله تعالى فنهاه عن ذلك لإيهامه، ولا يلزم من صحة استعمال الله تعالى له في حق نبيه صلى الله عليه وسلم ـ الذي برأه من كل نقص ـ جوازه من البشر، وقيل: إن النهي كان خاصاً في صدر الإسلام حيث دسائس اليهود كانت فاشية وهذا كما نهى عن قول: {أية : رٰعِنَا }تفسير : [البقرة: 104] إلى قول: {أية : ٱنظُرْنَا }تفسير : [البقرة: 104] وعن الثاني بأنه ليس بمتفق عليه إذ قيل: إنه بمعنى فاعل ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصلي، ولم يلاحظ فيه هذا إذ يطلقه عليه من لا يعرف ذلك، فصح جمعه باعتبار المعنى الغالب عليه فتدبر. {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} إشارة إلى الكفر والقتل الواقعين سبباً لما تقدم، وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدد للتأويل بالمذكور، ونحوه مما هو مفرد لفظاً متعدد معنى، وقد يجري مثل ذلك في الضمير حملاً عليه، والباء للسببية، وما بعدها سبب للسبب، والمعنى: إن الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى، وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم واعتدائهم ومجاوزتهم الحدود، والذنب يجر الذنب، وأكد الأول لأنه مظنة الاستبعاد بخلاف مطلق العصيان، وقيل: الباء بمعنى مع؛ وقيل: الإشارة بذلك إلى ما أشير إليه بالأول، وترك العاطف للدلالة/ على أن كل واحد منهما مستقل في استحقاق الضرب فكيف إذا اجتمعا. وضعف هذا الوجه بأن التكرار خلاف الأصل مع فوات معنى لطيف حصل بالأول وسابقه بأنه لا يظهر حينئذٍ ـ لإيراد كلمة ذلك ـ فائدة إذ الظاهر {بِمَا عَصَواْ} الخ ويفوت أيضاً ما يفوت. وحظ العارف من هذه الآيات الاعتبار بحال هؤلاء الذين لم يرضوا بالقضاء ولم يشكروا على النعماء ولم يصبروا على البلواء كيف ضرب عليهم ذل الطغيان قبل وجود الأكوان، وقهرهم بلطمة المسكنة في بيداء الخذلان وألبس قلوبهم حب الدنيا وأهبطهم من الدرجة العليا. ومن باب الإشارة: الطعام الواحد هو الغذاء الروحاني من الحكمة والمعرفة، وما تنبته الأرض هو الشهوات الخبيثة واللذات الخسيسة والتفكهات الباردة الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن الموجبة للذلة لمن ذاقها والمسكنة لمن لاكها والهلاك لمن ابتلعها، وسبب طلب ذلك الاحتجاب عن آيات الله تعالى وتجلياته وتسويد القلوب بدرن الذنوب، وقطع وريدها بقطع واردها، والذي يجر إلى هذا الغفلة عن المحبوب، والاعتياض بالأغيار عن ذلك المطلوب نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية.

ابن عاشور

تفسير : هي معطوفة على الجمل قبلها بأسلوب واحد، وإسناد القول إلى ضمير المخاطبين جار على ما تقدم في نظائره وما تضمنته الجمل قبلها هو من تعداد النعم عليهم محضة أو مخلوطة بسوء شكرهم وبترتب النعمة على ذلك الصنيع بالعفو ونحوه كما تقدم، فالظاهر أن يكون مضمون هذه الجملة نعمة أيضاً. وللمفسرين حيرة في الإشارة إليها فيؤخذ من كلام الفخر أن قوله تعالى: {اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم} هو كالإجابة لما طلبوه يعني والإجابة إنعام ولو كان معلقاً على دخول قرية من القرى، ولا يخفى أنه بعيد جداً لأن إعطاءهم ما سألوه لم يثبت وقوعه. ويؤخذ من كلام المفسرين الذي صدر الفخر بنقله ووجهه عبد الحكيم أن سؤالهم تعويض المن والسلوى بالبقل ونحوه معصية لما فيه من كراهة النعمة التي أنعم الله بها عليهم إذ عبروا عن تناولها بالصبر ـــ والصبر هو حمل النفس على الأمر المكروه ـــ ويدل لذلك أنه أنكر عليهم بقوله: {أتستبدلون الذي هو أدنى} فيكون محل النعمة هو الصفح عن هذا الذنب والتنازع معهم إلى الإجابة بقوله: {اهبطوا} ولا يخفى أن هذا بعيد إذ ليس في قوله {اهبطوا} إنعام عليهم ولا في سؤالهم ما يدل على أنهم عصوا لأن طلب الانتقال من نعمة لغيرها لغرض معروف لا يعد معصية كما بينه الفخر. فالذي عندي في تفسير الآية أنها انتقال من تعداد النعم المعقبة بنعم أخرى إلى بيان سوى اختيارهم في شهواتهم والاختيار دليل عقل اللبيب، وإن كان يختار مباحاً، مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم إذ قالوا: {لن نصبر} فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم الكراهية وأتوا بما دل عليه (لن) في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن فإن (لن) تدل على استغراق النفي لأزمنة فعل {نصبر} من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم ولم يُرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال لهم: {اهبطوا مصراً} فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديباً وتوبيخاً. قال الشيخ ابن عطاء الله رحمه الله: من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان في هذا إساءة لعوقبت فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد يقام مقام البعد من حيث لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد، والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات على أسبابها وذلك من نواميس نظام العالم وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي وبهذا زالت الحيرة واندفع كل إشكال وانتظم سلك الكلام. وقد أشارت الآية إلى قصة ذكرتها التوراة مجملة منتثرة وهي أنهم لما ارتحلوا من برية سينا من «حوريب» ونزلوا في برية «فاران» في آخر الشهر الثاني من السنة الثانية من الخروج سائرين إلى جهات «حبرون» فقالوا: تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصرمجاناً (أي يصطادونه بأنفسهم) والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم وقد يبست نفوسنا فلا ترى إلا هذا المن فبكَوا فغضب الله عليهم وسأله موسى العفو فعفا عنهم وأرسل عليهم السلوى فادخروا منها طعام شهر كامل. والتعبير بلن المفيدة لتأبيد النفي في اللغة العربية لأداء معنى كلامهم المحكي هنا في شدة الضجر وبلوغ الكراهية منهم حدها الذي لا طاقة عنده، فإن التأبيد يفيد استغراق النفي في جميع أجزاء الأبد أولها وآخرها فلن في نفي الأفعال مثل لا التبرئة في نفي النكرات. ووصفوا الطعام بواحد وإن كان هو شيئين المن والسلوى لأن المراد أنه متكرر كل يوم. وجملة {يخرج لنا} إلى آخرها هي مضمون ما طلبوا منه أن يدعو به فهي في معنى مقول قول محذوف كأنه قيل قل لربك يخرج لنا ومقتضى الظاهر أن يقال أن يخرج لنا فعدل عن ذلك إلى الإتيان بفعل مجزوم في صورة جواب طلبهم إيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه حتى كأنَّ إخراج ما تنبت الأرض يحصل بمجرد دعاء موسى ربه، وهذا أسلوب تكرر في القرآن مثل قوله: {أية : قل لعباديَ الذين آمنوا يقيموا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 31]. و{أية : قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}تفسير : [الإسراء: 53] وهوكثير فهو بمنزلة شرط وجزاء كأن قيل إن تدعُ ربك بأن يخرجَ لنا يخرجْ لنا، وهذا بتنزيل سبب السبب منزلة السبب فجزم الفعل المطلوب في جواب الأمر بطلبه لله للدلالة على تحقق وقوعه لثقتهم بإجابة الله تعالى دعوة موسى، وفيه تحريض على إيجاد ما علق عليه الجواب كأنه أمر في مكنته فإذا لم يفعل فقد شح عليهم بما فيه نفعهم. والإخراج: الإبراز من الأرض، و (من) الأولى تبعيضية والثانية بيانية أو الثانية أيضاً تبعيضية لأنهم لا يطلبون جميع البقل بل بعضه، وفيه تسهيل على المسؤول ويكون قوله: {من بقلها} حالاً من (ما) أو هو بدل من (ما تنبت) بإعادة حرف الجر، وعن الحسن: كانوا قوماً فلاَّحة فنزعوا إلى عكرهم. وقد اختلف في الفُوم فقيل: هو الثُوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاءً شائع في كلام العرب كما قالوا: جدث وجدف وثَلَغ وفَلغ، وهذا هو الأظهر والموافق لما عد معه ولما في التوراة. وقيل الفوم الحنطة وأنشد الزجاج لأحيحة بن الجلاح:شعر : قد كنتُ أغنى الناس شخصاً واحداً وردَ المدينَة من مزارع فوم تفسير : (يريد مزارع الحنطة) وقيل الفوم الحِمَّص بلغة أهل الشام. وقوله: {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} هو من كلام موسى وقيل من كلام الله وهو توبيخ شديد لأنه جرده عن المقنعات وعن الزجر، واقتصر على الاستفهام المقصود منه التعجب فالتوبيخُ. وفي الاستبدال للخير بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم. وقوله: {أتستبدلون} السين والتاء فيه لتأكيد الحدث وليس للطلب فهو كقوله: {أية : واستغنى الله}تفسير : [التغابن: 6] وقولهم استجاب بمعنى أجاب، واستكبر بمعنى تكبر، ومنه قوله تعالى: {أية : كان شره مستطيراً} تفسير : في سورة الإنسان (7). وفعل استبدل مشتق من البدل بالتحريك مثل شبَه، ويقال بكسر الباء وسكون الدال مثل شِبْه ويقال بَدِيل مثل شَبيه وقد سمع في مشتقاته استبدل وأبْدَل وبَدَّل وتَبَدَّل وكلها أفعال مزيدة ولم يسمع منه فعل مجرد وكأنهم استغنوا بهذه المزيدة عن المجرد، وظاهر كلام صاحب الكشاف} في سورة النساء (2) عند قوله تعالى: {أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} تفسير : أن استبدل هو أصلها وأكثرها وأن تبدل محمول عليه لقوله والتفعل بمعنى الاستفعال غزير ومنه التعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار. وجميع أفعال مادة البدل تدل على جعل شيء مكان شيء آخر من الذوات أو الصفات أوعن تعويض شيء بشيء آخر من الذوات أو الصفات. ولما كان هذا معنى الحدث المصوغ منه الفعل اقتضت هذه الأفعال تعدية إلى متعلقين إما على وجه المفعولية فيهما معاً مثل تعلق فعل الجَعل، وإما على وجه المفعولية في أحدهما والجر للآخر مثل متعلقي أفعال التعويض كاشترى وهذا هو الاستعمال الكثير، فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض}تفسير : [إبراهيم: 48] كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي يخلُفه نحو قوله تعالى: {أية : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ}تفسير : [الفرقان: 70] {يوم تبدل الأرض غير الأرض} وقولهم أبدلت الحَلْقة خاتَما، وإذ تعدت إلى مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو المأخوذ والمجرور هو المبذول نحو قوله هنا: {أية : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}تفسير : - وقوله - {أية : ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل}تفسير : [البقرة: 108] وقوله في سورة النساء {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}، وقد يجر المعمول الثاني بِمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص:شعر : بُدِّلْتُ من مُرد الشباب ملاءة خَلَقا وبئس مثُوبة المقتاض تفسير : وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويعدى إلى آخذ العوض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين وينبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو مِن كذا، وبعد كذا، كقوله تعالى: {أية : وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً}تفسير : [النور: 55] التقدير ليبدلن خوفهم أمناً هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال. ووقع في «الكشاف» عند قوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عدي إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ وكان المنصوب هو المتروك والمعطى فقرره القطب في «شرحه» بما ظاهره أن بَدَّل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفاً لتبدل واستبدل، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المعمول الثاني بالباء أحدهما يوافق استعمال تبدل والآخر بعكسه، والأظهر عندي أن لا فرق بين بدل وتبدل واستبدل وأن كلام «الكشاف» مُشكل وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة ولا في كلامه نفسه في كتاب «الأساس». فالأمر في قوله: {اهبطوا} للإباحة المشوبة بالتوبيخ أي إن كان هذا همكم فاهبطوا بقرينة قوله: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} فالمعنى اهبطوا مصراً من الأمصار يعني وفيه إعراض عن طلبهم إذ ليس حولهم يومئذ بلد قريب يستطيعون وصوله. وقيل: أراد اهبطوا مصرَ أي بلدَ مصرَ بلدَ القبطِ أي ارجعوا إلى مصر التي خرجتم منها والأمر لمجرد التوبيخ إذ لا يمكنهم الرجوع إلى مصر. واعلم أن مصر على هذا المعنى يجوز منعه من الصرف على تأويله بالبقعة فيكون فيه العلمية والتأنيث، ويجوز صرفه على تأويله بالمكان أو لأنه مؤنث ثلاثي ساكن الوسط مثل هِنْد فهو في قراءة ابن مسعود بدون تنوين وأنه في مصحف أبيّ بن كعب بدون ألف وأنه ثبت بدون ألف في بعض مصاحف عثمان قاله ابن عطية، وذكَر أن أشهب قال قال لي مالك: هي عندي مصر قريتُك مسكنُ فرعون اهـ. ويكون قول موسى لهم: {اهبطوا مصراً} أمراً قصد منه التهديد على تذكُّرهم أيام ذلهم وعنائهم وتمنيهم الرجوع لتلك المعيشة، كأنه يقول لهم ارجعوا إلى ما كنتم فيه إذ لم تقدُروا قدر الفضائل النفسية ونعمة الحرية والاستقلال. وربما كان قوله: {اهبطوا} دون لنهبط مؤذناً بذلك لأنه لا يريد إدخال نفسه في هذا الأمر وهذا يذكر بقول أبي الطيب:شعر : فإن كان أعجبكم عامُكم فعودوا إلى حِمْص في القابل تفسير : وقوله: {فإن لكم ما سألتم} الظاهر أن الفاء للتعقيب عطفت جملة {إن لكم ما سألتم} على جملة {اهبطوا} للدلالة على حصول سؤلهم بمجرد هبوطهم مصر أو ليست مفيدة للتعليل إذ ليس الأمر بالهبوط بمحتاج إلى التعليل بمثل مضمون هذه الجملة لظهور المقصود من قوله: {اهبطوا مصراً} ولأنه ليس بمقام ترغيب في هذا الهبوط حتى يشجع المأمور بتعليل الأمر والظاهر أن عدم إرادة التعليل هو الداعي إلى ذكر فاء التعقيب لأنه لو أريد التعليل لكانت إن مغنية غناء الفاء على ما صرح به الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» في الفصل الخامس والفصل الحادي عشر من فصول شتى في النظم إذ يقول: واعلم أن من شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه أي الذي في قول بشار:شعر : بكرا صاحبيَّ قبل الهجير بكراً فالنجاح في التبكير تفسير : أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلاً وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً فأنت ترى الكلام بها مستأنفاً غير مستأنف مقطوعاً موصولاً معاً ــــ وقال ــــ إنك ترى الجملة إذا دخلت إن ترتبط بما قبلها وتأتلف معه حتى كأن الكلامين أفرغا إفراغاً واحداً حتى إذا أسقطت إن رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه حتى تجيء بالفاء فتقول مثلاً:شعر : بكرا صاحبيَّ قبل الهجير إن ذاك النجاحَ في التبكير تفسير : ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة وهذا الضرب كثير في التنزيل جداً من ذلك قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم}تفسير : [الحج: 1] وقوله: {يا بني أقم الصلاة} إلى قوله: {أية : إن ذلك من عزم الأمور}تفسير : [لقمان: 17] وقال: {أية : وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم}تفسير : (التوبة 103) إلخ. فظاهر كلام الشيخ أن وجود إن في الجملة المقصود منها التعليل والربط مغن عن الإتيان بالفاء، وأن الإتيان بالفاء حينئذ لا يناسب الكلام البليغ إذ هو كالجمع بين العوض والمعوض عنه فإذا وجدنا الفاء مع إن علمنا أن الفاء لمجرد العطف وإن لإرادة التعليل والربط بين الجملتين المتعاطفتين بأكثر من معنى التعقيب. ويستخلص من ذلك أن مواقع التعليل هي التي يكون فيها معناه بين مضمون الجملتين كالأمثلة التي ذكرها. وجعل أبو حيان في «البحر المحيط» جملة {فإن لكم ما سألتم} جواباً للأمر زعم أن الأمر كما يجاب بالفعل يجاب بالجملة الاسمية ولا يخفى أن كلا المعنيين ضعيف ههنا لعدم قصد الترغيب في هذا الهبوط حتى يعلل أو يعلق، وإنما هو كلام غضب كما تقدم. واقتران الجملة بإن المؤكدة لتنزيلهم منزلة من يشك لبعد عهدهم بما سألوه حتى يشكون هل يجدونه من شدة شوقهم، والمحب بسوء الظن مُغرى. عطف على الجمل المتقدمة بالواو وبدون إعادة إذ، فأما عطفه فلأن هاته الجملة لها مزيد الارتباط بالجمل قبلها إذ كانت في معنى النتيجة والأثر لمدلول الجمل قبلها من قوله: {أية : وإذ نجيناكم من آل فرعون}تفسير : [البقرة: 49] فإن مضمون تلك الجمل ذكر ما منَّ الله تعالى به عليهم من نعمة تحريرهم من استعباد القبط إياهم وسوقهم إلى الأرض التي وعدهم فتضمن ذلك نعمتي التحرير والتمكين في الأرض وهو جعل الشجاعة طوع يدهم لو فعلوا فلم يقدروا قدر ذلك وتمنوا العود إلى المعيشة في مصر إذ قالوا {لن نصبر على طعام واحد} كما فصلناه لكم هنالك مما حكته التوراة وتقاعسوا عن دخول القرية وجبنوا عن لقاء العدو كما أشارت له الآية الماضية وفصلته آية المائدة فلا جرم إذ لم يشكروا النعمة ولم يقدروها أن تنتزع منهم ويسلبوها ويعوضوا عنها بضدها وهو الذلة المقابلة للشجاعة إذ لم يثقوا بنصر الله إياهم والمسكنة وهي العبودية فتكون الآية مسوقة مساق المجازاة للكلام السابق فهذا وجه العطف. وأما كونه بالواو دون الفاء فليكون خبراً مقصوداً بذاته وليس متفرعاً على قول موسى لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} لأنهم لم يشكروا النعمة فإن شكر النعمة هو إظهار آثارها المقصودة منها كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم وتثقيف الأذهان بنعمة العلم فكل من لم يشكر النعمة فهو جدير بأن تسلب عنه ويعوض بضدها قال تعالى: {أية : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل}تفسير : [سبأ: 16] الآية، ولو عطف بغير الواو لكان ذكره تبعاً لذكر سببه فلم يكن له من الاستقلال ما ينبه البال. فالضمير في قوله: {وضربت عليهم... وباءوا} إلخ عائدة إلى جميع بني إسرائيل لا إلى خصوص الذين أبوا دخول القرية والذين قالوا: {لن نصبر على طعام واحد} بدليل قوله {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق} فإن الذين قتلوا النبيئين هم أبناء الذين أبوا دخول القرية وقالوا: {لن نصبر} فالإتيان بضمير الغيبة هنا جار على مقتضى الظاهر لأنهم غير المخاطبين فليس هو من الالتفات إذ ليس قوله: {وضربت عليهم الذلة} إلخ من بقية جواب موسى إياهم لما علمت من شموله للمتحدث عنهم الآبين دخول القرية ولغيرهم ممن أتى بعدهم فقد جاء ضمير الغيبة على أصله، أما شموله للمخاطبين فإنما هو بطريقة التعريض وهو لزوم توارث الأبناء أخلاق الآباء وشمائلهم كما قررناه في وجه الخطابات الماضية من قوله: {أية : وإذ فرقنا بكم البحر}تفسير : [البقرة: 50] الآيات ويؤيده التعليل الآتي بقوله: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون} المشعر بأن كل من اتصف بذلك فهو جدير بأن يثبت له من الحكم مثل ما ثبت للآخر. والضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة، يقال ضرب بعصا وبيده وبالسيف وضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق. فمنه ضرب في الأرض: سار طويلاً، وضرب قبة وبيتاً في موضع كذا بمعنى شدها ووثقها من الأرض. قال عبدة بن الطبيب:شعر : إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجرة تفسير : وقال زياد الأعجم:شعر : في قبة ضربت على ابن الحشرج تفسير : وضربَ الطين على الحائط ألصقه، وقد تقدم ما لجميع هذه المعاني عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها}تفسير : [البقرة: 26]. فقوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} استعارة مكنية إذ شبهت الذلة والمسكنة في الإحاطة بهم واللزوم بالبيت أو القبة يضربها الساكن ليلزمها وذكر الضرب تخييل لأنه ليس له شبيه في علائق المشبه. ويجوز أن يكون ضربت استعارة تبعية وليس ثمة مكنية بأن شبه لزوم الذلة لهم ولصوقها بلصوق الطين بالحائط، ومعنى التبعية أن المنظور إليه في التشبيه هو الحدث والوصف لا الذات بمعنى أن جريان الاستعارة في الفعل ليس بعنوان كونه تابعاً لفاعل كما في التخييلية بل بعنوان كونه حدثاً وهو معنى قولهم أجريت في الفعل تبعاً لجريانها في المصدر وبه يظهر الفرق بين جعل ضربت تخييلاً وجعله تبعية وهي طريقة في الآية سلكها الطيبي في {شرح الكشاف} وخالفه التفتزاني وجعل الضرب استعارة تبعية بمعنى الإحاطة والشمول سواء كان المشبه به القبة أو الطين، وهما احتمالان مقصودان في هذا المقام يشعر بهما البلغاء. ثم إن قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة} ليس هو من باب قول زياد الأعجم:شعر : إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج تفسير : لأن القبة في الآية مشبه بها وليست بموجودة والقبة في البيت يمكن أن تكون حقيقة فالآية استعارة وتصريح والبيت حقيقة وكناية كما نبه عليه الطيبي وجعل التفتزاني الآية على الاحتمالين في الاستعارة كناية عن كون اليهود أذلاء متصاغرين وهي نكت لا تتزاحم. والذلة الصغار وهي بكسر الذال لا غير وهي ضد العزة ولذلك قابل بينهما السموأل أو الحارثي في قوله:شعر : وما ضَرَّنا أنا قَليل وجارُنا عَزِيز وجارُ الأكثرين ذَليل تفسير : والمسكنة الفقر مشتقة من السكون لأن الفقر يقلل حركة صاحبه. وتطلق على الضعف ومنه المسكين للفقير. ومعنى لزوم الذلة والمسكنة لليهود أنهم فقدوا البأس والشجاعة وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة مع وفرة ما أنعم الله عليهم فإنهم لما سئموها صارت لديهم كالعدم ولذلك صار الحرص لهم سجية باقية في أعقابهم. والبوء الرجوع وهو هنا مستعار لانقلاب الحالة مما يرضى الله إلى غضبه. استئناف بياني أثاره ما شنع به حالهم من لزوم الذلة والمسكنة لهم والإشارة إلى ما تقدم من قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب}. وأفرد اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالمذكور وهو أولى بجواز الإفراد من إفراد الضمير في قول رؤبة:شعر : فِيها خطوط من سَواد وَبَلقْ كأنَّه في الجِلْدِ توليع البَهَق تفسير : قال أبو عبيدة لرؤبة: إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبياض فقل كأنهما فقال رؤبة: «أردت كأن ذلك ويلك» وإنما كان ما في الآية أولى بالإفراد لأن الذلة والمسكنة والغضب مما لا يشاهد فلا يشار إلى ذاتها ولكن يشار إلى مضمون الكلام وهو شيء واحد أي مذكور ومقول ومن هذا قوله تعالى: {أية : ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم}تفسير : [آل عمران: 58] أي ذلك القصص السابق. ومنه قوله تعالى: {أية : عوان بين ذلك}تفسير : [البقرة: 68] وسيأتي. وقال صاحب «الكشاف» «والذي حسن ذلك أن أسماء الإشارة ليست تثنيتها وجمعها وتأنيثها على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع» اهـ قيل أراد به أن جمع أسماء الإشارة وتثنيتها لم يكن بزيادة علامات بل كان بألفاظ خاصة بتلك الأحوال فلذلك كان استعمال بعضها في معنى بعض أسهل إذا كان على تأويل، وهو قليل الجدوى لأن المدار على التأويل والمجاز سواء كان في استعمال لفظ في معنى آخر أو في استعمال صيغة في معنى أخرى فلا حسن يخص هذه الألفاظ فيما يظهر فلعله أراد أن ذا موضوع لجنس ما يشار إليه. والذي موضوع لجنس ما عرف بصلة فهو صالح للإطلاق على الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وإن ما يقع من أسماء الإشارة والموصولات للمثنى نحو ذان وللجمع نحو أولئك، إنما هو اسم بمعنى المثنى والمجموع لا أنه تثنية مفرد، وجمع مفرد، فذا يشار به للمثنى والمجموع ولا عكس فلذلك حسن استعمال المفرد منها للدلالة على المتعدد. والباء في قوله: {بأنهم كانوا يكفرون} سببية أي إن كفرهم وما معه كان سبباً لعقابهم في الدنيا بالذلة والمسكنة وفي الآخرة بغضب الله وفيه تحذير من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه. وقوله: {ويقتلون النبيئين بغير الحق} خاص بأجيال اليهود الذين اجترموا هذه الجريمة العظيمة سواء في ذلك من باشر القتل وأمر به ومن سكت عنه ولم ينصر الأنبياء. وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء ابن أموص الذي كان حياً في منتصف القرن الثامن قبل المسيح، قتله الملك منسى ملك اليهود سنة 700 قبل المسيح نشر نشراً على جذع شجرة. وأرمياء النبيء الذي كان حياً في أواسط القرن السابع قبل المسيح وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه وفي ذلك خلاف. وزكرياء الأخير أبا يحيى قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هيرودس على يحيى. وقوله: {بغير الحق} أي بدون وجه معتبر في شريعتهم فإن فيها: {أية : أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}تفسير : [المائدة: 32] فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال، وإنما قال (الأنبياء) لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ قال تعالى: {أية : إنا لننصر رسلنا}تفسير : [غافر: 51] وقال: {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافياً لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه. وقوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريراً للإشارة لزيادة تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ولغضب الله تعالى عليهم، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن عن العطف مثل قوله تعالى: {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}تفسير : [الأعراف: 179]. ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات الله وقتلهم النبيئين فيكون (ذلك) إشارة إلى سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة (ذلك) هو سبب السبب تنبيهاً على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من أصغرها إلى أكبرها. والباء على الوجهين سببية على أصل معناها. ولا حاجة إلى جعل إحدى الباءين بمعنى مع على تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريراً للأول أخذاً من كلام «الكشاف» الذي احتفل به الطيبي فأطال في تقريره وتفنين توجيهه فإن فيه من التكلف ما ينبو عنه نظم القرآن. وكان الذي دعا إلى فرض هذا الوجه هوخلو الكلام عن عاطف يعطف {بما عصوا} على {بأنهم كانوا يكفرون} إذا كانت الإشارة لمجرد التكرير. ولقد نبهناك آنفاً إلى دفع هذا بأن التكرير يغني غناء العطف.

الواحدي

تفسير : فقالوا: {يا موسى لن نصبر على طعام واحد} يعني: المنَّ الذي كانوا يأكلونه والسَّلوى، فكانا طعاماً واحداً {فادع لنا ربك} سله وقل له: أَخرِجْ {يُخرجْ لنا مما تنبت الأرض من بقلها} وهو كلُّ نباتٍ لا يبقى له ساقٌ {وقثائها} وهو نوعٌ من الخضروات {وفومها} وهو الحنطة، فقال لهم موسى عليه السَّلام: {أتستبدلون الذي هو أدنى} أَيْ: أخسُّ وأوضع {بالذي هو خيرٌ} أَي: أرفع وأجلُّ؟ فدعا موسى عليه السَّلام فاستجبنا له وقلنا لهم: {اهبطوا مصراً} : أنزلوا بلدةً من البلدان {فإنَّ [لكم ما سألتم} أَيْ: فإنَّ] الذي سألتم لا يكون إلاَّ في القرى والأمصار {وضُربت عليهم} أَيْ: على اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم {الذلَّة} يعني: الجزيةَ وزيَّ اليهوديَّة، ومعنى ضرب الذِّلة: إلزامهم إيَّاها إلزاماً لا يبرح {والمسكنة} زي الفقر وأثر البؤس {وباؤوا} احتملوا وانصرفوا {بغضب من الله ذلك} أَيْ: ذلك الضَّرب والغضب {بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله} التي أُنزلت على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {ويقتلون النَّبيين} أَيْ: يتولَّون أولئك الذين فعلوا ذلك {بغير حق} أَيْ: قتلاً بغير حقٍّ، يعني: بالظُّلم {ذلك} الكفر والقتل بشؤم ركوبهم المعاصي وتجاوزهم أمر الله تعالى. {إن الذين آمنوا} أَيْ: بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك {والذين هادوا} دخلوا في دين اليهوديَّة {والنصارى والصابئين} الخارجين من دين إلى دين، وهم قومٌ يعبدون النُّجوم {مَنْ آمن} من هؤلاء {بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً} بالإيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام؛ لأنَّ الدليل قد قام أنَّ مَنْ لم يؤمن به لا يكون عمله صالحاً {فلهم أجرهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}. {وإذ أخذنا ميثاقكم} بالطَّاعة لله تعالى والإيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام في حال رفع الطُّور فوقكم، يعني: الجبل، وذلك لأنَّهم أبوا قبول شريعة التَّوراة، فأمر الله سبحانه جبلاً فانقلع من اصله حتى قام على رؤوسهم، فقبلوا خوفاً من أن يُرضخوا على رؤوسهم بالجبل، وقلنا لكم: {خذوا ما آتيناكم} اعملوا بما أُمرتم به {بقوَّةٍ} بجدٍّ ومواظبةٍ على طاعة الله عزَّ وجلَّ {واذكروا ما فيه} من الثَّواب والعقاب {لعلكم تتقون}.

القطان

تفسير : الصبر: حبس النفس عن الشيء. البقل من النبات: ما نبت من البذور. القثاء: الفقوس. الفوم: الثوم. الأدنى: الدون الأخس. الهبوط الى المكان: النزول اليه والحلول به. المصر: البلد العظيم. المسكنة: الفقر. باؤا بغضب: استحقوا الغضب. واذكروا أيها اليهود أفعال أسلافكم يوم سيطر عليهم البطر حيث كانوا في صحراء مجدبة لا شيء فيها فأنعم الله عليهم بالماء والمن والسلوى والغمام يظللهم، وكان قد أخرجهم من ديار الذل والاضطهاد ـ ومع كل هذا فإنهم يتضجّرون فيقولون لنبيهم: اننا لا نطيق قََصر طعامنا على صنف واحد هو المن والسلوى. فاسأل ربك أن يخرج لنا مما تنبت الأرض من الخضر والبقول الحبوب. اذ ذاك تعجّب موسى من ذلك وأنكروه عليهم فقال لهم أتفضّلون هذه الأصناف على ما هو أفضل وأحسن! اذن اتركوا سيناء وادخلوا مدينة من المدن فانكم ستجدون فيها ما تريدون. لكنهم جبنوا عن ذلك. ومن ثم دهمهم الفقر والخنوع والذلة، واستحقوا غضب الله عليهم جزاء الكفر والعناد والعصيان. القراءات قرىء: "اهبُطوا" بضم الباء وهو جائز لغة. ويقول ابن جرير الطبري: اهبطوا مصرا"، بالألف والتنوين هي القراءة التي لا يجوز غيرها لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، واتفاق قراءة القراء على ذلك. وقد جاء في مصحف ابن مسعود "مصر" بدون تنوين. وهذا لا يعتمد لأن الصحابة أجمعوا على مصحف عثمان وتركوا ما عداه. والفرق في معنى القراءتين واضح.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَامُوسَىٰ} {وَاحِدٍ} {وَقِثَّآئِهَا} {وَبَآءُو} {بِآيَاتِ} {ٱلنَّبِيِّينَ} (61) - يُذَكِّر اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، بَنِي إِسْرَائِيلَ بِضَجَرِهِمْ مِنَ الرِّزْقِ الكَرِيمِ الذِي مَنَّ بِهِ عَلَيهِمْ إَذْ أَنْزَلَ عَلَيهِم المَنَّ وَالسَّلْوَى، وَفَجَّرَ لَهُمُ المَاءَ، فَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أن يَدعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِمَّا تُنْبِتُ الأَرضُ مِنَ الثُّومِ والبَصَلِ وَالبقُولِ والعَدَسِ، وَمَا ألِفُوا العَيْشَ عَلَيهِ حِينَما كَانُوا فِي مِصْرَ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى مُقَرِّعاً وَمُوَبِّخاً، وَمُسْتَنْكِراً سُؤَالَهُم الأَطْعِمَةَ الدَّنِيئَةَ مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ العَيْشِ الرَّغِيدِ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذِي هُوَ أَدْنَى (العَدَسَ وَالبَصَلَ والثُّومَ وَالفومَ ..) بِالذِي هُوَ خَيْرٌ (المَنُّ وَالسَّلْوَى)؟. ثُمَّ قَالَ لَهُم ادْخُلُوا مِصْراً مِنَ الأَمْصَارِ (أَي ادْخُلُوا أَيَّ بَلَدٍ مِنَ البُلْدَانِ) فَإِنَّكُمْ وَاجِدُونَ فِيهِ مَا سَأَلْتُمْ، وَهُوَ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ فِيهِ. وَقَدْ عَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالى عَلَى كُفْرَانِهِمْ تِلْكَ النِّعَمَ بِأَنْ ضَرَبَ عَلَيهِم الذِّلَّةَ التِي يَهُونُ مَعَها عَلَى النُّفُوسِ قَبُولُ الضَّيْمِ وَالاسْتِكَانَةِ، فَأَصْبَحَ يَسْتَذِلُّهُمْ كُلُّ مَنْ رَآهُمْ، فَلاَ مُنْقِذَ لَهُمْ، وَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ غَضَبَ اللهِ. وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ مَا قَضَى اللهُ بِهِ عَلَيهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالمَسْكَنَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرونَ بِآيَاتِ اللهِ، وَوَصَلَ بِهِمْ كُفرهُمْ إِلى حَدِّ قَتْلِ أَنْبِياءِ اللهِ ظُلْماً وَعُدْواناً، فَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ إِثْماً. ثُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوا اللهَ وَارْتَكَبُوا مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَتَجَاوَزُوا الحُدُودَ التِي أَبَاحَهَا اللهُ. الاسْتِبدَالُ - طَلَبُ شَيءٍ بَدَلاً مِنْ شَيءٍ. ضُرِبَتْ عَلَيهِ - أَحَاطَتْ بِهِمْ كَمَا تُحِيطُ الخَيْمَةُ بِمَنْ تُضْرَبُ عَلَيهِ. بَاؤُوا بِغَضَبٍ - اسْتَحَقُّوا الغَضَبَ أَوْ رَجَعُوا بِهِ. المَسْكَنَةُ - الفَقْرُ، أَيْ فَقْرُ النُّفُوسِ وَشُحُّهَا. الاعْتِدَاءُ - تَجَاوُزُ الحُدُودِ. الفُومُ - الحِنْطَةُ أَوِ الثُّومُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية الكريمة أيضاً من آيات التذكير بنعم الله سبحانه وتعالى على موسى وعلى بني إسرائيل .. وكنا قد تعرضنا لمعنى طعام واحد عند ذكر المن والسلوى .. وقلنا إن تكرار نزول المن والسلوى كل يوم جعل الطعام لوناً واحداً .. وكلمة واحد هي أول العدد .. فإذا إنضم إليه مثله يصير اثنين .. وإذا إنضم إليه مثله يصبح ثلاثة .. إذن فأصل العدد هو الواحد .. والواحد يدل على وحدة الفرد ولا يدل على وحدانية .. فإذا قلنا الله واحد فإن ذلك يعني أنه ليس كمثله أحد .. ولكنه لا يعني أنه ليس مكوناً من أجزاء .. فأنت لست واحداً ولست أحداً لأنك مكون من أجزاء - كما أن هناك مَنْ يشبهونك .. والشمس في مجموعتنا واحدة ولكنها ليست أحداً لأنها مكونة من أجزاء وتتفاعل .. والله سبحانه وتعالى واحد ليس كمثله شيء .. وأحد ليس مكوناً من أجزاء .. ولذلك من أسمائه الحسنى الواحد الأحد .. ولا نقول أن الاسم مكرر فهذه تعني الفردية، وهذه تنفي التجزئة. وقوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} [البقرة: 61] .. نلاحظ هنا أن الطعام وُصف بأنه واحد رغم أنه مكون من صنفين هما المن والسلوى .. ولكنه واحد لرتابة نزوله .. الطعام كان يأتيهم من السماء، ولكن تعنتهم مع الله جعلهم لا يصبرون عليه فقالوا ما يدرينا لعله لا يأتي .. نريد طعاماً نزرعه بأيدينا ويكون طوال الوقت أمام عيوننا .. وكأن هذه المعجزات كلها ليست كافية .. لتعطيهم الثقة في استمرار رزق الله .. إنهم يريدون أن يروا .. ألم يقولوا لموسى: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153].. ماذا طلبوا؟ .. قالوا: {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 61] .. {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: 61] أي اطلب من الله، ولأن الدعاء لون من الطلب فإنك حين تتوجه إلى الله طالباً أن يعطيك .. فإنك تدعو بذلة الداعي أمام عزة المدعو .. والطلب إن كان من أدنى إلى أعلى قيل دعاء .. ومن مساوٍ إلى مساوٍ قيل طلب .. ومن أعلى إلى أدنى قيل أمر. لقد طلب بنو إسرائيل من موسى أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يخرج لهم أطعمة مما تنبت الأرض، وعددوا ألوان الأطعمة المطلوبة .. وقالوا: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61] .. ولكنها كلها أصناف تدل على أن مَنْ يأكلها هم من صنف العبيد .. والمعروف أن آل فرعون استعبدوا بني إسرائيل، ويبدو أن بني إسرائيل أحبوا حياة العبودية واستطعموها. الحق تبارك وتعالى كان يريد أن يرفع قدرهم فنزل عليهم المن والسلوى، ولكنهم فضلوا طعام العبيد .. والبقل ليس مقصوداً به البقول فحسب، ولكنه كل نبات لا ساق له مثل: الخس والفجل والكرات والجرجير .. والقثاء هو القتة صنف من الخيار .. والفوم هو القمح أو الثوم. والعدس والبصل معروفان .. والله سبحانه وتعالى قبل أن يجيبهم أراد أن يؤنبهم: فقال {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]. عندما نسمع كلمة استبدال فاعلم أن الباء تدخل على المتروك .. تقول اشتريت الثوب بدرهم .. يكون معنى ذلك أنك أخذت الثوب وتركت الدرهم. قوله تعالى: {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] .. أي أنهم تركوا الذي هو خير وهو المن والسلوى .. وأخذوا الذي هو أدنى .. والدنو هنا لا يعني الدناءة .. لأن ما تنتجه الأرض من نعم الله لا يمكن أن يوصف بالدناءة، ولكن الله تبارك وتعالى يخلق بالأسباب ويخلق بالأمر المباشر .. ما يخلقه الله بالأمر المباشر منه بكلمة "كن" .. يكون خيراً مما جاء بالأسباب .. لأن الخلق المباشر لا صفة لك فيه .. عطاء خالص من الله .. أما الخالق بالأسباب فقد يكون لك دور فيه .. كأن تحرث الأرض أو تبذر البذور .. ما جاء خالصاً من الله بدون أسبابك يقترب من عطاء الآخرة التي يعطي الله فيها بلا أسباب ولكن بكلمة "كن"، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه: 131]. فالله تبارك وتعالى يصف رزق الدنيا بأنه فتنة .. ويصف رزق الآخرة بأنه خير منه .. مع أن رزق الدنيا والآخرة، وكل رزق في هذا الوجود حتى الرزق الحرام هو من الله جل جلاله .. فلا رازق إلا الله ولكن الذي يجعل الرزق حراماً هو استعجال الناس عليه فيأخذونه بطريق حرام .. ولو صبروا لجاءهم حلالاً. نقول إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق .. ولكنه سمى رزقاً فتنة وسمى رزقاً خيراً .. منه .. ذلك أن الرزق من الله بدون أسباب أعلى وأفضل منزلة من الرزق الذي يتم بالأسباب. إذن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] .. يكون المعنى أتستبدلون الذي هو رزق مباشر من الله تبارك وتعالى .. وهو المن والسلوى يأتيكم "بكن" قريب من رزق الآخرة بما هو أقل منه درجة وهو رزق الأسباب في الدنيا .. ولم يجب بنو إسرائيل على هذا التأنيب .. وقال لهم الحق سبحانه وتعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] .. ولا يقال لهم ذلك إلا لأنهم أصروا على الطلب برغم أن الحق جل جلاله بين لهم أن ما ينزله إليهم خير مما يطلبونه. نلاحظ هنا أن مصر جاءت منوّنةً .. ولكن كلمة مصر حين ترد في القرآن الكريم لا ترد منونة .. ومن شرف مصر أنها ذكرت أكثر من مرة في القرآن الكريم .. نلاحظ أن مصر حينما يقصد بها وادي النيل لا تأتي أبداً منونة وإقرأ قوله تعالى: {أية : تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ..} تفسير : [يونس: 87]. وقوله جل جلاله: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ ..} تفسير : [الزخرف: 51]. وقوله سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ..} تفسير : [يوسف: 21]. وقوله تبارك وتعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 99]. كلمة مصر ذكرت في الآيات الأربع السابقة بغير تنوين .. ولكن في الآية التي نحن بصددها: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} بالتنوين .. هل مصر هذه هي مصر الواردة في الآيات المشار إليها؟ .. نقول لا .. لأن الشيء الممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث .. إذا كان لبقعة أو مكان .. مرة تلحظ أنه بقعة فيبقى مؤنثاً، ومرة تلحظ أنه مكان فيكون مذكراً .. فإن كان بقعةً فهو علم ممنوع من الصرف، وإن كان مكاناً تكون فيه علمية وليس فيه تأنيث .. ومرة تكون هناك علمية وأهمية ولكن الله صرفها في القرآن الكريم .. كلمات: نوح ولوط وشعيب ومحمد وهود. كل هذه الأسماء كان مفروضاً أن تمنع من الصرف ولكنها صرفت .. فقيل في القرآن الكريم نوحاً ولوط وشعيباً ومحمداً وهوداً .. إذن فهل من الممكن أن تكون مصر التي جاءت في قوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] هي مصر التي عاشوا فيها وسط حكم فرعون .. قوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} [البقرة: 61] من الممكن أن يكون المعنى أي مصر من الأمصار .. ومن الممكن أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون .. وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مُفْتٍ وأمير وقاض .. وهي مأخوذة من الاقتطاع .. لأنه مكان يقطع امتداد الأرض الخلاء .. ولكن الثابت في القرآن الكريم .. أن مصر التي لم تنون هي علم على مصر التي نعيش فيها .. أما مصراً التي خضعت للتنوين فهي تعني كل وادٍ فيه زرع. وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] .. الذلة هي المشقة التي تؤدي إلى الانكسار، ويمكن أن ترفع عنك بأن تكون في حمى غيرك فيعزك بأن يقول إنك في حماه .. والله سبحانه وتعالى يقول عن بني إسرائيل: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 112]. حبل من الله كما حدث عندما عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وعاشوا في حمى العهد .. إذن بحبل من الله أي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين به .. وبحبل من الناس أي في حماية دولة قوية كالولايات المتحدة الأمريكية .. إذا عاهدتهم عزوا وإن تركتهم ذلوا. وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} [البقرة: 61] ضربت أي طبعت طبعة قوية بضربة قوية تجعل الكتابة بارزة على النقود، ولذلك يقال ضربت في مصر .. أي أعدت بضربة قوية أذلتهم وبقيت بارزة لا يستطيعون محوها .. أما المسكنة فهي انكسار في الهيئة. أهل الكتاب كانوا يدفعون الجزية والجزية كانت تؤخذ من الأغنياء .. وكانوا يلبسون الملابس القذرة، ويقفون في موقف الذل والخزي حتى لا يدفعوا الجزية. وقوله تعالى: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [البقرة: 61] .. أي غضب الله عليهم بذنوبهم وعصيانهم، حتى أصبح الغضب - من كثرة عصيانهم - كأنه سمة من سماتهم لماذا؟: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [البقرة: 61] أي أنهم كانوا يكفرون بالنعم ولا يشكرون .. ويكفرون بالآيات ويشترون بها ثمناً قليلاً، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتلون أنبياء الله بغير حق. الأنبياء غير الرسل .. والأنبياء أسوة سلوكية ولكنهم لا يأتون بمنهج جديد .. أما الرسل فهم أنبياء بأنهم أسوة سلوكية ورسل لأنهم جاءوا بمنهج جديد، ولذلك كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والله سبحانه وتعالى يعصم أنبياءه ورسله من الخطيئة، ولكنه يعصم رسله من القتل فلا يقدر عليهم أعداؤهم .. فمجيء الأنبياء ضرورة .. لأنهم نماذج سلوكية تسهل على الناس التزامهم بالمنهج، وبنو إسرائيل بعث الله لهم أنبياء ليقتدوا بهم فقتلوهم .. لماذا؟ .. لأنهم فضحوا كذبهم وفسقهم وعدم التزامهم بالمنهج، ولذلك تجد الكافر والعاصي وغير الملتزم يغار ويكره الملتزم بمنهج الله .. ويحاول إزالته عن طريقه ولو بالقتل .. إذن فغضب الله عليهم من عصيانهم واعتدائهم على الأنبياء وما ارتكبوه من آثام.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} فالفُومُ الحِنطةُ. وواحدُهَا فُومةٌ، ويقالُ: الفُومُ: هو الثّومُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} فالذِّلةُ: الصِّغارُ وإِعطاءُ الجِّزيةِ والمَسْكَنةُ: الفَقرُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أَي احتملوهُ. وبَاءُوا بهِ: معناهُ أَقرُّوا بهِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكروا أيضاً {إِذْ قُلْتُمْ} لموسى في التيه بعد إنزال المنّ والسلوى وانفجار العيون محولاً خالياً عن الإخلاص والمحبة، ناشئاً عن محض الفساد والغفلة وكفران النعمة: {يَٰمُوسَىٰ} على طريق سوء الأدب معه {لَن نَّصْبِرَ} معك في التيه {عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} وهذا غير ملائم لمزاجنا وطباعنا {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} الذي ادعيت تربيته لنا {يُخْرِجْ} يظهر ويهيئ {لَنَا} غذائنا {مِمَّا} من جنس ما {تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} التي هي معظم عنصرنا سواء كان {مِن بَقْلِهَا} خضرواتها التي يأكلها الناس للتفكه والتلذذ بحرافتها وحموضتها ومرارتها الملائمة لمزاجه {وَقِثَّآئِهَا} التي يتفكه بها لتبريد المزاج {وَفُومِهَا} حنطتها التي يتقوت بها لشدة ملاءمتها مزاجه، لذلك ما أزل الشيطان أباناً آدم إلا بتناولها {وَعَدَسِهَا} المعد لهضم الغذاء {وَبَصَلِهَا} التي تشتهيها النفوس المنتفرة عن الحلاوة والدسومة. فلما سمع موسى منهم ما قالوا آيس وقنط من صلاحهم وإصلاحهم {قَالَ} في جوابهم موبخاً لهم ومقرعاً: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} أيها الناكبون عن طريق الحق، المائلون إلى الهوى {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} المخرج من الأدنى {بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} وأعلى، المنزل من الأعلى، وأنا أستحي من الله سؤال ما سألتم {ٱهْبِطُواْ} انزلوا {مِصْراً} أرض العمالقة وديار الفراعنة {فَإِنَّ لَكُمْ} فيه {مَّا سَأَلْتُمْ} بالكد والفلاحة {وَ} بعدما ذلوا نفوسهم بطلب الأشياء الدنية الخسيسة {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ} أعلمت وختمت عليهم {ٱلذِّلَّةُ} لخباثة نفوسهم وقساوة قلوبهم وتمكن النفاق في جبلتهم؛ لذلك ما ترى يهودياً إلا ذليلاً في نفسه خبيثاً في معاشه {وَ} ضربت عليهم أيضاً {ٱلْمَسْكَنَةُ} المذمومة المتفرعة على الذلة المتفرعة على الدناءة والخباثة {وَ} بعما ضربت عليهم الذلة {بَآءُو} صاروا مقارنين {بِغَضَبٍ} نازل {مِّنَ ٱللَّهِ} المطلع على ضمائرهم وسرائرهم {ذَلِكَ} السبب الموجب لنزول الغضب {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ} لخبث طبيعتهم وشدة نفاقهم وضغينتهم {يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} النازلة عليهم عطاء وامتنانً {وَ} مع ذلك لا يقنعون بكفران النعم بل {يَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} المنبئين لهم عن قبح صنيعهم {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} الذي ظهر عندهم من الخبائث الموجبة للقتل بل {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ} عصياناً فاحشاً {وَّكَانُواْ} في ذلك العصيان {يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] يتجاوزون حدود الله عناداً واستكباراً. ولما بالغوا في الإعراض عن الله والتجاوز عن حدوده وكفران نعمه، وصاروا من إفراطهم مظنة ألاَّ يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح، تقاعد موسى - صلوات الله عليه - عن تبليغهم، وآيس عن اهتدائهم بالمرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: واذكروا، إذ قلتم لموسى، على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها، { لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } أي: جنس من الطعام، وإن كان كما تقدم أنواعا، لكنها لا تتغير، { فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا } أي: نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه، { وَقِثَّائِهَا } وهو الخيار { وَفُومِهَا } أي: ثومها، والعدس والبصل معروف، قال لهم موسى { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى } وهو الأطعمة المذكورة، { بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } وهو المن والسلوى، فهذا غير لائق بكم، فإن هذه الأطعمة التي طلبتم، أي مصر هبطتموه وجدتموها، وأما طعامكم الذي من الله به عليكم، فهو خير الأطعمة وأشرفها، فكيف تطلبون به بدلا؟ ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه، جازاهم من جنس عملهم فقال: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } التي تشاهد على ظاهر أبدانهم { وَالْمَسْكَنَةُ } بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة، ولا لهم همم عالية، بل أنفسهم أنفس مهينة، وهممهم أردأ الهمم، { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا، إلا أن رجعوا بسخطه عليهم، فبئست الغنيمة غنيمتهم، وبئست الحالة حالتهم. { ذَلِكَ } الذي استحقوا به غضبه { بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالات على الحق الموضحة لهم، فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم، وبما كانوا { يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } . وقوله: { بِغَيْرِ الْحَقِّ } زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم. { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا } بأن ارتكبوا معاصي الله { وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } على عباد الله، فإن المعاصي يجر بعضها بعضا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير، ثم ينشأ عنه الذنب الكبير، ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك، فنسأل الله العافية من كل بلاء. واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة، منها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم، ما يبين به لكل أحد [منهم] أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق، ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟". ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، لأنها نعم تشملهم وتعمهم. ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم، مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع. لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع. ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 19 : 87 - سفين عن بن جريج عن عطآء في قول الله عز وجل {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا} قال، فومها الخبز. [الآية 61].

النسائي

تفسير : قوله تعالى:{ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} [61] 81- أنا عبد الرحمن بن عُبيد الله، عن عُبيد الله، عن عبد الكريم الجَزَري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: حديث : لئن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة أَتَيْته حتى أَطُّأَ على عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو فعل أخذته الملائكة عيانا، وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا، ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُبَاهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا ".

همام الصنعاني

تفسير : 60- عبد الرزّاق، قال معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ}: [الآية: 61]، قال: ملُّوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا: {فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا} الآية. 61- قال معمر، وقال قتادة، الفوم: الخبز. 62- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ}: [الآية: 61]، قالا: يُعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.