Verse. 69 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَالَّذِيْنَ ھَادُوْا وَالنَّصٰرٰى وَالصّٰبِـــِٕيْنَ مَنْ اٰمَنَ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَھُمْ اَجْرُھُمْ عِنْدَ رَبِّہِمْ۝۰ۚ۠ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْہِمْ وَلَا ھُمْ يَحْزَنُوْنَ۝۶۲
Inna allatheena amanoo waallatheena hadoo waalnnasara waalssabieena man amana biAllahi waalyawmi alakhiri waAAamila salihan falahum ajruhum AAinda rabbihim wala khawfun AAalayhim wala hum yahzanoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا» بالأنبياء من قبل «والذين هادوا» هم اليهود «والنصارى والصابئين» طائفة من اليهود أو النصارى «من آمن» منهم «بالله واليوم الآخر» في زمن نبينا «وعمل صالحاً» بشريعته «فلهم أجرهم» أي ثواب أعمالهم «عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» رُوعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها.

62

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن القراءة المشهورة: {هَادُواْ } بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد بفتح الدال وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين والصابئون بالهمزة فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري والصابين بياء ساكنة من غير همز، والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة، وعن العمري يجعل الهمزة فيهما، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة، فأما ترك الهمزة فيحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه، والآخر: قلب الهمزة فنقول: الصابيين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى معنى التفسير أقرب لأن أهل العلم قالوا: هو الخارج من دين إلى دين، واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاماً فههنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالاً على أنه سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال: {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } تفسير : [النجم: 31] فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } واختلف المفسرون في المراد منه، وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } غير المراد منه في قوله تعالى: {أية : مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } ونظيره في الإشكال قوله تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ } تفسير : [النساء: 136] فلأجل هذا الإشكال ذكروا وجوهاً، أحدها: وهو قول ابن عباس. المراد الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ساعدة، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه السلام بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم، وثانيها: أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري، وثالثها: المراد من قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله تعالى: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } فقد اختلفوا في اشتقاقه على وجوه. أحدها: إنما سموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا: {أية : إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 156] أي تبنا ورجعنا، وهو عن ابن عباس. وثانيها: سموا به لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب، فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها. وثالثها: قال أبو عمرو بن العلاء: سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة، وأما النصارى ففي اشتقاق هذا الاسم وجوه. أحدها: أن القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة فنسبوا إليها وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج، وثانيها: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً. وثالثها: لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى الله، قال صاحب الكشاف: النصارى جمع نصران يقال رجل نصران، وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح. أما قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰبِئِينَ } فهو من صبأ إذا خرج من دينه إلى دين آخر، وكذلك كانت العرب يسمون النبي عليه السلام صابئاً لأنه أظهر ديناً بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها. وصبأنا به إذا خرجنا به، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال، أحدها: قال مجاهد والحسن: هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وثانيها: قال قتاد: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. وقال أيضاً: الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن: الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمجوس وهم يعبدون النار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنصارى. وثالثها: وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان. الأول: أن خالق العالم هو الله سبحانه، إلا أنه سبحانه أمربتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم. والثاني: أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله سبحانه، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم ومبطلاً لقولهم، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته ألبتة، واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب. أما قوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ } فليس المراد العندية المكانية، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم. وأما قوله تعالى: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فقيل: أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب، وهذا أصح لأن قوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } عام في النفي، وكذلك: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن العظيم. فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئُونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱالآخِرِ وعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يحزنون} تفسير : [المائدة: 69] وفي سورة الحج: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كل شىء شهيد } تفسير : [الحج: 17] فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع «الصابئين» في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟ والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال سُفيان: المراد المنافقون. كأنه قال: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم؛ فلذلك قَرَنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بيّن حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم. الثانية: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} معناه صاروا يهوداً؛ نُسِبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام؛ فقلبت العرب الذال دالاً؛ لأن الأعجمية إذا عُرِّبت غُيّرت عن لفظها. وقيل: سُمُّوا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. هاد: تاب. والهائد: التائب؛ قال الشاعر:شعر : إني ٱمرؤ من حُبّه هائِدُ تفسير : أي تائب. وفي التنزيل: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] أي تُبْنَا. وهاد القوم يهودون هَوْداً وهيادة إذا تابوا. وقال ٱبن عرفة: {هُدْنَـآ إِلَيْكَ} أي سكنّا إلى أمرك. والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ}. وقرأ أبو السَّمّال: «هادَوْا» بفتح الدال. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلنَّصَارَىٰ} جمع، واحده نَصْرَانيّ. وقيل: نَصْرَان بإسقاط الياء؛ وهذا قول سيبويه. والأنثى نصرانة؛ كندمان وندمانة. وهو نكرة يعرّف بالألف واللام؛ قال الشاعر:شعر : صدّتْ كما صدّ عما لا يَحِلّ له ساقِي نَصَارَى قُبيل الفِصْحِ صُوّامِ تفسير : فوصفه بالنكرة. وقال الخليل: واحد النصارى نَصْريّ؛ كَمْهرِيّ ومهَارَى. وأنشد سيبويه شاهداً على قوله:شعر : تراه إذا دار العِشَا مُتَحَنِّفاً ويُضْحى لديه وهو نَصْرانُ شامِس تفسير : وأنشد:شعر : فكلتاهما خَرّتْ وأسجد رأسُها كما أسجدتْ نَصرانةٌ لم تَحَنَّفِ تفسير : يقال: أسجد إذا مال. ولكن لا يستعمل نَصران ونَصرانة إلا بياءي النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصرانيّ وٱمرأة نصرانية. ونَصْره: جعله نَصرانيًّا. وفي الحديث: «حديث : فأبواه يُهَوّدانِهِ أو يُنْصِّرَانِهِ»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يَهُوديّ ولا نَصرانيّ ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»تفسير : . وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها؛ وقياسه النصرانيون. ثم قيل: سُمُّوا بذلك لقرية تسمّى «ناصِرة» كان ينزلها عيسى عليه السلام فنُسِب إليها فقيل: عيسى الناصريّ؛ فلما نُسب أصحابه إليه قيل النصارى؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. وقال الجوهري: ونصران قرية بالشام يُنسب إليها النصارى، ويقال ناصرة. وقيل: سُمُّوا بذلك لنُصرة بعضهم بعضاً؛ قال الشاعر:شعر : لما رأيتُ نَبَطاً أنصاراً شَمَّرت عن ركبتيَ الإزارا كنتُ لهم من النصارى جارا تفسير : وقيل: سُمُّوا بذلك لقوله: {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 52 والصف: 14]. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلصَّابِئِينَ} جمع صابىء، وقيل: صابٍ؛ ولذلك ٱختلفوا في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعاً. فمن همزه جعله من صَبأتِ النّجوم إذا طلعت، وَصَبَأتْ ثَنِيّةُ الغلامِ إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال. فالصابىء في اللغة: من خرج ومال من دين إلى دين؛ ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب. الخامسة: لا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاحُ نسائهم وأكلُ طعامهم ـ على ما يأتي بيانه في المائدة ـ وضَرْبُ الجِزْية عليهم؛ على ما يأتي في سورة «براءة» إن شاء الله. وٱخْتُلف في الصابئين؛ فقال السُّدّي: هم فرقة من أهل الكتاب، وقاله إسحٰق بن رَاهَوَيْه. قال ٱبن المنذر وقال إسحٰق: لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل: هم قوم يُشْبه دينُهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهبّ الجنوب؛ يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام. وقال مجاهد والحسن وٱبن أبي نَجِيح: هم قوم تركّب دينهم بين اليهودية والمجوسيّة، لا تؤكل ذبائحهم. ٱبن عباس: ولا تنكح نساؤهم. وقال الحسن أيضاً وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلّون إلى القِبلة ويقرأون الزّبور ويصلّون الخمس؛ رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة. والذي تحصّل من مذهبهم ـ فيما ذكره بعض علمائنا ـ أنهم مُوَحّدون معتقِدون تأثير النجوم وأنها فعالة؛ لهذا أفتى أبو سعيد الإصْطَخْرِيّ القادرَ بالله بكفرهم حين سأله عنهم. السادسة: قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ} أي صدّق. و «مَن» في قوله: «مَنْ آمَنَ» في موضع نصب بدل من {ٱلَّذِينَ}. والفاء في قوله «فَلَهُمْ» داخلة بسبب الإبهام الذي في «مَن». و {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} ٱبتداء وخبر في موضع خبر إنّ. ويحسن أن يكون {مَنْ} في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط. و {آمَنَ} في موضع جزم بالشرط، والفاء الجواب. و «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» خبر «من»، والجملة كلها خبر {إِنَّ}؛ والعائد على {ٱلَّذِينَ} محذوف؛ تقديره من آمن منهم بالله. وفي الإيمان بالله واليوم الآخر ٱندراج الإيمان بالرسل والكتب والبعث. السابعة: إن قال قائل: لِم جُمِع الضمير في قوله تعالى: «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» و «آمن» لفظ مفرد ليس بجمع، وإنما كان يستقيم لو قال: له أجره. فالجواب أنّ «مَن» يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفرداً ومثنىً ومجموعاً؛ قال الله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 42] على المعنى. وقال: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} تفسير : [الأنعام: 25 ومحمد: 16] على اللفظ. وقال الشاعر:شعر : ألِمّا بسَلْمَى عنكما إنْ عَرَضْتُمَا وقُولاَ لها عُوجِي على مَن تَخَلّفُوا تفسير : وقال الفرزدق:شعر : تعالَ فإنْ عاهدتَني لا تخونني نكن مثلَ مَن يا ذئبُ يصطحبانِ تفسير : فحمل على المعنى، ولو حمل على اللفظ لقال: يصطحب، وتخلّف. وقال تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} تفسير : [النساء: 13] فحمل على اللفظ. ثم قال: {خَالِدِينَ} فحمل على المعنى؛ ولو راعى اللفظ لقال: خالداً فيها. وإذا جرى ما بعد «مَن» على اللفظ فجائز أن يخالف به بعدُ على المعنى كما في هذه الآية. وإذا جرى ما بعدها على المعنى لم يجز أن يخالف به بعدُ على اللفظ؛ لأن الإلباس يدخل في الكلام. وقد مضى الكلام في قوله تعالى: {خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. والحمد لله. الثامنة: رُوِيَ عن ٱبن عباس أن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} الآية. منسوخ بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85] الآية. وقال غيره: ليست بمنسوخة. وهي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبيّ عليه السلام.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بألسنتهم، يريد به المتدينين بدين محمد صلى الله عليه وسلم المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخراطهم في سلك الكفرة{وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } تهودوا، يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية، ويهود: إما عربي من هاد إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه السلام {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ } جمع نصران كندامى وندمان، والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة فسموا باسمها، أو من اسمها. {وَٱلصَّـٰبِئِينَ } قوم بين النصارى والمجوس. وقيل أصل دينهم دين نوح عليه السلام. وقيل هم عبدة الملائكة. وقيل عبدة الكواكب، وهو إن كان عربياً فمن صبأ إذا خرج. وقرأ نافع وحده بالياء إما لأنه خفف الهمزة وأبدلها ياء، أو لأنه من صبأ إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان إلى دينهم، أو من الحق إلى الباطل. {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد، عاملاً بمقتضى شرعه. وقيل من آمن من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً، ودخل في الإسلام دخولاً صادقاً: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } الذي وعد لهم على إيمانهم وعملهم. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. و {مِنْ } مبتدأ خبره {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } والجملة خبر إن، أو بدل من اسم إن وخبرها {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط، وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن من حيث إنها لا تدخل الشرطية، ورد بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ }تفسير : [البروج: 10].

ابن كثير

تفسير : لما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه، وانتهك المحارم، وما أحل بهم من النكال، نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة، وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كل من اتبع الرسول النبي الأمي، فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه؛ كما قال تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}تفسير : [فصلت: 30] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمر بن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} إلى آخر الآية، وقال السدي: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاَْخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلون ويصومون، ويؤمنون لك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا سلمان هم من أهل النار»تفسير : ، فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى، فلما جاء كان من تمسك بالتوارة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها، ولم يتبع عيسى، كان هالكاً، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإِنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمناً مقبولاً منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمداً صلى الله عليه وسلم منهم، ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكاً. قال ابن أبي حاتم، وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا، قلت: وهذا لا ينافي ما روي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية قال: فأنزل الله بعد ذلك: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 85] فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملاً إلا ما كان موافقاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا يتحاكمون إلى التوارة في زمانهم. واليهود من الهوادة، وهي المودة، أو التهود، وهي التوبة؛ كقول موسى عليه السلام: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 156] أي: تبنا، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض، وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوارة، فلما بعث عيسى صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، سموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم أنصار أيضاً، كما قال عيسى عليه السلام: {أية : مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ}تفسير : [الصف: 14] وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضاً يقال لها ناصرة، قاله قتادة وابن جريج، وروي عن ابن عباس أيضاً، والله أعلم. والنصارى جمع نصران، كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة نصرانة، وقال الشاعر:شعر : نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ تفسير : فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم خاتماً للنبيين، ورسولاً إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً. وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية، والغيوب الآتية. وأما الصابئون، فقد اختلف فيهم، فقال سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، و ليس لهم دين، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي وأبو الشعثاء، جابر بن زيد، والضحاك وإسحاق بن راهويه: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحم ومناكحتهم، وقال هشيم، عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتبة، فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟ وقال عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة، ويصلون الخمس، قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية، قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة، وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور ويصلون للقبلة، وكذا قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوماً، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. وسئل وهب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفراً، وقال عبد الله بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني في قول: لا إله إلا الله، وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن نجيح، أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون، ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها فاعلة، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم. واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها، قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم، ومبطلاً لقولهم. وأظهر الأقوال، والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: إنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه، ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابىء، أي إنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذلك. وقال بعض العلماء: الصابئون: الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالأنبياء من قبل {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } هم اليهود {وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِئِينَ } طائفة من اليهود أو النصارى {مَنْ ءَامَنَ } منهم {بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } في زمن نبينا {وَعَمِلَ صَٰلِحَاً } بشريعته {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } أي ثواب أعمالهم {عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } روعي في ضمير( آمن) و(عمل) لفظ (من) وفيما بعده معناها.

الشوكاني

تفسير : قيل: إن المراد بالذين آمنوا: المنافقون، بدلالة جعلهم مقترنين باليهود، والنصارى، والصابئين، أي: آمنوا في الظاهر، والأولى أن يقال إن المراد الذين صدّقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شيء واحد، وهو: أن من آمن منهم بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحاً استحق ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ذلك فاته الخير كله، والأجر دِقُّه وجِِلَّه. والمراد بالإيمان هاهنا هو: ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لما سأله جبريل عن الإيمان فقال: «حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشرّه» تفسير : ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا بالقرآن، فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مسلماً مؤمناً، ولم يبق يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً.p>> وقوله: {هَادُواْ } معناه صاروا يهوداً، قيل هو: نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة، فقلبتها العرب دالاً مهملة، وقيل معنى هادوا: تابوا لتوبتهم عن عبادة العجل، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ }تفسير : [الأعراف: 156] أي تبنا. وقيل إن معناه السكون، والموادعة. وقال في الكشاف: إن معناه: دخل في اليهودية. والنصارى: قال سيبويه: مفرده نصران ونصرانة كندمان وندمانة، وأنشد شاهداً على ذلك قول الشاعر:شعر : تراه إذا زار العِشَا مُتَخَفَّفاً ويُضْحي لديه وهو نَصرانُ شامِس تفسير : p>> وقال الآخر:شعر : فكلتاهما خَرَّت وأسْجَدَ رأسها كَمَا سَجَدَت نصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ تفسير : p>> قال: ولكن لا يستعمل إلا بياء النسب، فيقال: رجل نصراني وامرأة نصرانية. وقال الخليل: واحد النصارى نصري، وقال الجوهري: ونصران قرية بالشام تنسب إليها النصارى، ويقال ناصرة، وعلى هذا، فالياء للنسب. وقال في الكشاف: إن الياء للمبالغة كالتي في أحمري، سموا بذلك؛ لأنهم نصروا المسيح. والصابيئن: جمع صابيء. وقيل: صاب. وقد اختلف فيه القراء، فهمزوه جميعاً إلا نافعاً، فمن همزه جعله من صبأت النجوم: إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام: إذا خرجت. ومن لم يهمزه جعله من صبا يصبو: إذا مال. والصابىء في اللغة: من خرج، ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ، وسموا هذه الفرقة صابئة؛ لأنها خرجت من دين اليهود، والنصارى، وعبدوا الملائكة. وقوله: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } في موضع نصب بدلاً من الذين آمنوا وما بعده، وقد تقدم معنى الإيمان، ويكون خبر إن قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } ويجوز أن يكون قوله: «من آمن بالله» في محل رفع على أنه مبتدأ خبره قوله: «فلهم أجرهم» وهما جميعاً خبر إن، والعائد مقدّر في الجملة الأولى، أي: من آمن منهم، ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقد تقدم تفسير قوله تعالى: {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }تفسير : (البقرة: 38) p>> وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سلمان قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم، وعبادتهم، فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } الآية. وأخرج الواحدي عن مجاهد نحو ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في ذكر السبب بنحو ما سبق، وحكى قصة طويلة. وأخرج أبو داود في الناسخ، والمنسوخ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } قال: فأنزل الله بعد هذا {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلاْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 85]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال: إنما سميت اليهود؛ لأنهم قالوا {أية : إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 156]. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: نحن أعلم من أين سميت اليهود باليهودية من كلمة موسى عليه السلام {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } ولِمَ تسمت النصارى بالنصرانية؟ من كلمة عيسى عليه السلام: {أية : كُونُواْ أَنصَـٰرَ ٱللَّهِ }تفسير : [الصف: 17] وأخرج أبو الشيخ نحوه. وأخرج ابن جرير عن قتادة: إنما تسموا نصارى بقرية يقال لها ناصرة. وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن جرير، عن ابن عباس قال: إنما سميت النصارى؛ لأن قرية عيسى كانت تسمى ناصرة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: الصابئون: فرقة بين اليهود. والنصارى، والمجوس، ليس لهم دين. وأخرج عبد الرزاق، عنه قال: قال ابن عباس، فذكر نحوه. وقد روى في تفسير الصابئين غير هذا.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: صدقوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم. {وَالَّذِينَ هَادُوا} هم اليهود، وفي تسميتهم بذلك، ثلاثة أقاويل: أحدها: نُسِبُوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب، فقلبت العربُ الذال دالاً، لأن الأعجمية إذا عُرِّبت، غيرت من لفظها. والثاني: أنه مأخوذ من قولهم: هَادَ القومُ يَهُودُون هَوْدَةً وهِيَادةً، إذا تابوا، قال زهير: شعر : سِوَى مَرْبَعٍ لَمْ تَأْتِ فِيهِ مَخَافَةً وَلاَ رَهَقاً مِنْ عَابِدٍ مُتَهَوِّدِ تفسير : يعني من عابد تائب، فسموا يهوداً لتوبتهم من عبادة العجل. والثالث: أنهم سُمُّوا يهوداً، من أجل قولهم: إِنَّا هُدْنا إليك، وهذا قول ابن جُرَيج. و{والنصارى}، جمع وواحده "نصرانيٌّ"، وقيل: "نصران" بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه، وقال الخليل بن أحمد: واحده نصْرِي، والأول هو المستعمل. وفي تسميتهم بذلك، ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى "ناصرة"، كان ينزلها عيسى عليه السلام، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر: شعر : لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا تفسير : والثالث: أنهم سُمُّوا بذلك، لقوله: {مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ}. {والصابئين}، جمع، واحده: صابئ، واخْتُلِفَ في همزِهِ، فهمزه الجمهور إلا نافعاً. واخْتُلِف في المأخوذ منه هذا الاسم، على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مأخوذ من الطُّلُوعِ والظُّهُورٍ، من قولهم: صبأ نابُ البعير، إذا طلع، وهذا قول الخليل. والثاني: أن الصابِئ: الخارج من شيء إلى شيءٍ، فسُمِّي الصابئون بهذا الاسم، لخروجهم من اليهودية والنصرانية، وهذا قول ابن زيدٍ. والثالث: أنه مأخوذ من قولهم: صبا يصبو، إذا مال إلى الشيء وأحبه، وهذا قول نافع؛ ولذلك لم يهمز. وَاخْتُلِفِ فيهم: فقال مجاهد، والحسن، وابن أبي نجيحٍ: الصابئون بين اليهود والمجوس، وقال قتادة: الصابئون قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القِبْلة، [ويقرأون الزبور ويصلون الخميس] وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب، وقال الخليل: هم قوم شبيه دينهم بدين النصارى، إلا أن قبلتهم نَحْوَ مهب الجنوب حيال منتصف النهار، يزعمون أنهم على دين نوح. وفي قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قولان: أحدهما: أنها نزلت في سلمان الفارسيِّ وأصحابه النصارى الذين كان قد تنصَّر على أيديهم، قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد أخبروه بأنه سيبعث، وأنهم مؤمنون به إن أدركوه، وهذا قول السدي. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإْسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]، وهو قول ابن عباس. فإن قيل: فَلِمَ قال: {وَعَمِلَ صَالِحاً} على التوحيد، ثم قال: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} على الجمع؟ قيل: لأن اللفظ "مَنْ" لفظ الواحد، ومعناه الجمع، فمرةً يجمع على اللفظ، ومرةً يجمع على المعنى، قال الشاعر: شعر : أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُمَا وَقُولاَ: لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا

ابن عطية

تفسير : اختلف المتأولون في المراد بـ {الذين آمنوا} في هذه الآية، فقال سفيان الثوري: هم المنافقون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: {إن الذين آمنوا} في ظاهر أمرهم، وقرنهم باليهود {والنصارى والصابئين}، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله {من آمن} في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان. وقالت فرقة: {الذين آمنوا} هم المؤمنون حقاً بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله {من آمن بالله} يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، {والذين هادوا} كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام، {والنصارى} كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، {والصابئين} كذلك، قال: إنها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، وذكر له الطبري قصة طويلة، وحكاها أيضاً ابن إسحاق، مقتضاها أنه صحب عباداً من النصارى فقال له آخرهم إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فأمن به، ورأى منهم عبادة عظيمة، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ذكر له خبرهم، وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية. وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام، وقرر الله بها أن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر فله أجره، ثم نسخ ما قرر من ذلك بقوله تعالى {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} تفسير : [آل عمران: 85] وردت الشرائع: كلها إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. {والذين هادوا} هم اليهود، وسموا بذلك لقولهم {أية : إنا هدنا إليك} تفسير : [الأعراف: 156] أي تبنا، فاسمهم على هذا من هاد يهود، قال الشاعر: [السريع] شعر : إني امرؤ من مدحتي هائد تفسير : أي تائب: وقيل: نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب، فلما عرب الاسم لحقه التغيير، كما تغير العرب في بعض ما عربت من لغة غيرها، وحكى الزهراوي التهويد النطق في سكون ووقار ولين، وأنشد: شعر : وخود من اللائي تسمعن بالضحى قريض الردافى بالغناء المهود تفسير : قال: ومن هذا سميت اليهود، وقرأ أبو السمال "هادَوا" بفتح الدال. {والنصارى} لفظة مشتقة من النصر، إما لأن قريتهم تسمى ناصرة، ويقال نصريا ويقال نصرتا، وإما لأنهم تناصروا، وإما لقول عيسى عليه السلام {أية : من أنصاري إلى الله} تفسير : [آل عمران: 152، الصف: 4] قال سيبويه: واحدهم نصران ونصرانة كندمان وندمانة وندامى، وأنشد: [أبو الأخرز الحماني]: [الطويل] شعر : فكلتاهما خرت وأسجدَ رأسُها كما سَجَدتْ نصْرانةٌ لم تَحَنّفِ تفسير : وأنشد الطبري: [الطويل] شعر : يظل إذا دار العشيُّ محنّفاً ويضحي لديها وهو نَصْرانُ شامسُ تفسير : قال سيبويه: إلا أنه لا يستعمل في الكلام إلاّ بياء نسب، قال الخليل، واحد {النصارى} نصريّ كمهريّ ومهارى. والصابىء في اللغة من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبا، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيهاً بالصابئين في الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا الله، وطائفة همزته وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت، قال أبو علي: يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابىء التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابىء على القوم تارك لأرضه ومتنقل إلى سواها، وبالهمزة قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال، أو يجعله على قلب الهمزة ياء، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر. وأما المشار إليهم في قوله تعالى: {والصابئين} فقال السدي: هم فرقة من أهل الكتاب، وقال مجاهد: هم قوم لا دين لهم، ليسوا بيهود ولا نصارى، وقال ابن أبي نجيح: هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم، وقال ابن زيد: هم قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا بجزيرة الموصل، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويصلون الخمس ويقرؤون الزبور، رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة. و {من} في قوله {من آمن بالله} في موضع نصب بدل من {الذين}، والفاء في قولهم {فلهم} داخله بسبب الإبهام الذي في {من} و {لهم أجرهم} ابتداء وخبر في موضع خبر {إن}، ويحتمل ويحسن أن تكون {من} في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والفاء في قوله {فلهم} موطئة أن تكون الجملة جوابها، و {لهم أجرهم} خبر {من}، والجملة كلها خبر {إن}، والعائد على {الذين} محذوف لا بد من تقديره، وتقديره "من آمن منهم بالله". وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب، ومنه يتفهم، لأن البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه تبارك وتعالى، وجمع الضمير في قوله تعالى {لهم أجرهم} بعد أن وحد في {آمن} لأن {من} تقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يخرج ما بعدها مفرداً على لفظها، أو مثنى أو مجموعاً على معناها، كما قال عز وجل {أية : ومنهم من يستمعون إليك} تفسير : [يونس:42] فجمع على المعنى، وكقوله {أية : ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات} تفسير : [النساء: 13] ثم قال {أية : خالدين فيها} تفسير : [النساء:13] فجمع على المعنى، وقال الفرزدق: [الطويل] شعر : تعشَّ فإن عاهدتني لا تخونني نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطحبانِ تفسير : فثنى على المعنى، وإذا جرى ما بعد {من} على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى، وإذا جرى ما بعدها على المعنى فلم يستعمل أن يخالف به بعد على اللفظ، لأن الإلباس يدخل في الكلام. وقرأ الحسن "ولا خوف" نصب على التبرية، وأما الرفع فعلى الابتداء، وقد تقدم القول في مثل هذه الآية. وقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم}، {إذ} معطوفة على التي قبلها، والميثاق مفعال من وثق يثق، مثل ميزان من وزن يزن، و {الطور} اسم الجبل الذي نوجي موسى عليه، قاله ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم: {الطور} اسم لكل جبل، ويستدل على ذلك بقول العجاج: [الرجز] شعر : دانى جناحيه من الطور فمرْ تقضّيَ البازي إذا البازي كسرْ تفسير : وقال ابن عباس أيضاً: {الطور} كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله على أن اللفظة عربية، وقال أبو العالية ومجاهد: هي سريانية اسم لكل جبل. وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله تعالى بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا إلا أن يكلّمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا، ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا، فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين، طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم، وأضرم ناراً بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، وغرقكم البحر وأحرقتكم النار، فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، وقال الطبري رحمه الله عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، وكانت سجدتهم على شق، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفاً، فلما رحمهم الله قالوا لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها، فأمروا سجودهم على شق واحد. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لأنهم آمنوا كرهاً وقلوبهم غير مطمئنة، وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية، وقصدت أصحه الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين. وقوله تعالى: {خذوا ما آتيناكم بقوة} في الكلام حذف تقديره: وقلنا خذوا، و {آتيناكم} معناه أعطيناكم، و {بقوة}: قال ابن عباس: معناه بجد واجتهاد، وقيل: بكثرة درس، وقال ابن زيد: معناه بتصديق وتحقيق، وقال الربيع. معناه بطاعة الله. {واذكروا ما فيه} أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه وتضيعوه، والضمير عائد على {ما آتيناكم} ويعني التوراة، وتقدير صلة {ما}: واذكروا ما استقر فيه، و {لعلكم تتقون} ترج في حق البشر. وقوله تعالى: {ثم توليتم من بعد ذلك} الآية. تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً، و {فضل الله} رفع بالابتداء، والخبر مضمر عند سيبويه لا يجوز إظهاره للاستغناء عنه، تقديره فلولا فضل الله عليكم تدارككم، {ورحمته} عطف على فضل، قال قتادة: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا على أن المخاطب بقوله: {عليكم} لفظاً ومعنى من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أن المراد بالمعنى من سلف، و {لكنتم} جواب {لولا}، {ومن الخاسرين} خبر "كان". والخسران النقصان، وتوليهم من بعد ذلك، إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد قال ذلك قوم، وعليه يتجه قول قتادة: إن الفضل الإسلام، والرحمة القرآن، ويتجه أيضاً أن يراد بالفضل والرحمة إدراكهم مدة محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَادُواْ} من هاد يهود هودا وهيادة إذا تاب. أو من قولهم {أية : هُدْنَآ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 156] أو نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ فعربته العرب بالدال. {وَالنَّصَارَى} جمع نصراني، أو نصرانِ عند سيبويه وعند الخليل نصري. لنصرة بعضهم لبعض، أو لقوله تعالى: {أية : مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 52] أو كان يقال لعيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ الناصري لنزوله الناصرة فنُسب إليه النصارى. {وَالصَّابِئِينَ} جمع صابىء، من الطلوع والظهور، صبأ ناب البعير: طلع، أو من الخروج من شيء إلى آخر، لخروجهم من اليهودية إلى النصرانية، أو من صبا يصبو إذا مال إلى شيء وأحبه على قراءة نافع بغير الهمز، ثم هم قوم بين اليهود والمجوس، أو قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرؤون الزبور، أو دينهم شبيه بدين النصارى، قبلتهم نحو مهب الجنوب حيال منتصف النهار، يزعمون أنهم على دين نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ {مَنْ ءَامَنَ} نزلت في سلمان، والذين نَصَّروه وأخبروه بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم أو هي منسوخة بقوله تعالى {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ} تفسير : [آل عمران: 85] والمراد بالنسخ التخصيص.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون. {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } تهودوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد والجمع هود. {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ } جـمع نصران كندمان وندامى يقال رجل نصران وامرأة نصرانة. والياء في نصراني للمبالغة كالتي في «أحمري» سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح. {وَٱلصَّـٰبِئِينَ } الخارجين من دين مشهور إلى غيره من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة. وقيل: هم يقرؤون الزبور. {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً {وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } ثوابهم {عِندَ رَبِّهِمْ } في الآخرة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ومحل «من آمن» الرفع إن جعلته مبتدأ خبره فلهم أجرهم، والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إن والمعطوف عليه. فخبر إن في الوجه الأول الجملة كما هي، وفي الثاني «فلهم» والفاء لتضمن «من» معنى الشرط. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ } بقبول ما في التوراة. {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ } أي الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى قبلوا وقلنا لكم. {خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَـٰكُم } من الكتاب أي التوراة {بِقُوَّةٍ } بجدٍ وعزيمة {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } رجاء منكم أن تكونوا متقين. {ثمّ تولّيتم} ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به. {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } من بعد القبول {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتأخير العذاب عنكم أو بتوفيقكم للتوبة. {لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } الهالكين في العذاب. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ } هو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. وقد اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حد لهم فيه من التجـرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد فكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم. {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ } بتكويننا إياكم {قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } خبر كان أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغاروالطرد. يعني المسخة {نَكَـٰلاً } عبرة تنكل من اعتبر بها أن تمنعه. {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } لما قبلها. {وَمَا خَلْفَهَا } وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين. {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متقٍ سمعها. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } أي واذكروا إذ قال موسى، وهو معطوف على نعمتي في قوله {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] كأنه قال: اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى. وكذلك هذا في الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي، واذكروا وقت إنجائنا إياكم، واذكروا وقت فرقنا، واذكروا نعمتي، واذكروا وقت استسقاء موسى ربه لقومه. والظروف التي تأتي إلى قوله {أية : وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ } تفسير : [البقرة: 124]. {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن } أي بأن {تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } قال المفسرون: أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى «وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها». وذلك أن رجلاً موسراً اسمه «عاميل» قتله بنو عمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بديته فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله. {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. «هزأً» بسكون الزاي والهمزة: حمزة، وبضمتين والواو: حفص. غيرهما بالتثقيل والهمزة. {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ } العياذ واللياذ من وادٍ واحد. {أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه، وفيه تعريض بهم أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} يعني اليهود سموا بذلك لقولهم: "إنا هدنا إليك" أي ملنا إليك وقيل: هادوا أي تابوا عن عبادة العجل وقيل إنهم مالوا عن دين الإسلام ودين موسى عليه السلام {والنصارى} سموا بذلك لقول الحواريين نحن "أنصار الله" وقيل: لاعتزائهم إلى قرية يقال لها ناصرة وكان المسيح ينزلها {والصابئين} أصله من صبأ إذا خرج من دين إلى دين آخر سموا بذلك لخروجهم من الدين قال عمر وابن عباس: هم قوم من أهل الكتاب قال عمر ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم وقيل: هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم وقيل: هم قوم يقرون بالله ويقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كل دين شيئاً، والأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب وذلك أنهم يعتقدون أن الله تعالى خلق هذا العالم وجعل الكواكب مدبرة له فيجب على البشر عبادتها وتعظيمها، وأنها هي التي تقرب إلى الله تعالى. ولما ذكر هذه الوظائف قال {من آمن بالله واليوم الآخر} فإن قلت: كيف قال في أول الآية إن الذين آمنوا وقال في آخرها من آمن بالله فما فائدة التعميم أولاً ثم التخصيص آخراً قلت: اختلف العلماء في حكم الآية فلهم فيه طريقان أحدهما أنه أراد أن الذين آمنوا على التحقيق ثم اختلفوا فيهم فقيل هم الذين آمنوا في زمن الفطرة وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وبحيرا الراهب وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ومنهم من لم يدركه فكأنه تعالى قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وبمحمد صلى الله عليه وسلم فلهم أجرهم عند ربهم، وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة والذين هادوا يعني الذين كانوا على دين موسى ولم يبدلوا والنصارى الذين كانوا على دين عيسى ولم يغيروا والصابئين يعني في زمن استقامة أمرهم من آمن منهم ومات وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان تكون بالوفاة. وأما الطريقة الثانية فقالوا؛ إن المذكورين بالإيمان في أول الآية إنما هو على طريق المجاز دون الحقيقة وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم واليهود والنصارى والصابئون، فكأنه تعالى قال هؤلاء المطلوبون كل من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمناً عند الله، وقيل: إن المراد من قوله إن الذين آمنوا يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم في الحقيقة حين الماضي، ثبتوا على ذلك المستقبل وهو المراد من قوله تعالى: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً} أي في إيمانه {فلهم أجرهم عند ربهم} أي جزاء أعمالهم {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي في الآخرة. قوله عز وجل: {وإذ أخذنا ميثاقكم} أي عهدكم يا معشر اليهود {ورفعنا فوقكم الطور} يعني الجبل العظيم قال ابن عباس: أمر الله جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم وسبب ذلك أن الله تعالى لما أنزل التوراة على موسى، وأمرهم أن يعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها لما فيها من الآصار يعني الأثقال والتكاليف الشاقة أمر الله تعالى جبريل عليه السلام، أن يقلع جبلاً على قدر عسكرهم وكان قدره فرسخاً في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم قدر قامة كالظلة وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما في التوراة وإلا أرسلت هذا الجبل عليكم {خذوا} أي قلنا لهم خذوا {ما آتيناكم} أي ما أعطيناكم {بقوة} أي بجد واجتهاد {واذكروا ما فيه} أي ادرسوا ما فيه {لعلكم تتقون} أي لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى وإلا رضت رؤوسكم بهذا الجبل فلما رأوا ذلك نازلاً بهم قبلوا وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصار ذلك سنة في سجود اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع عنا العذاب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ...} بدل من {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} و (مَا) عطف عليه فجيء فيه استعمال اللفظ (الواحد) في حقيقته ومجازه، لأن المؤمنين (حصّلوا) الإيمان، فقوله: {مَنْ ءَامَنَ} مجاز في حقهم، عبّر به المداومة على الإيمان (وإيمان اليهود والنصارى والصّابئين إن شاء فهو حقيقة. ويمكن أن يراد بالجميع المداومة على الإيمان)، لأن النصارى إذا داموا على الإيمان بملة نبيهم يؤمنون (بمحمد) صلى الله عليه وسلم لأن (من) ملة نبيهم عليه السلام الإيمان بملة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يؤمنوا به فلم يؤمنوا بملّتهم (قط) انتهى. قوله تعالى: {وَعَمِلَ صَالِحاً...}. قال (ابن عرفة): أي فيمن لم (تخترمه) المنية. قوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ...}. هذا ثواب (تفضلى) سماه أجرا إشعارا بتأكده حتى كأنه واجب كأجرة الأجير على عمله. قوله تعالى: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. عبر عن الخوف بالاسم، وعن الحزن بالفعل، لأن الخوف يتعلق بالمستقبل، والحزن بالماضي، وتذكر الإنسان للأمر المستقبل وتألمه منه وخوفه أشد من تألمه من الماضي يعرض له التناسي إذا بعد أمره، والمستقبل يشتدّ (الخوف) منه متى قرب أمره، ويتزايد أمره ويتأكد ثبوته في النفس، ففي كل واحد منهما على ما هو عليه. فإن قلت: هلا كان بالفعل لأنّه (يتجدد زيادة)؟ قلنا: التجديد تأكيد لثبوت الخوف (في النفس)، وليس هو (أمرا) مغايرا للأول.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {النصارى} بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء. وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله {سكارى} و {أسارى} و {يوارى} و {أوارى} كلها بإمالة ما قبل الألف {والصابئين} بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة. الوقوف: {عند ربهم} (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين. و {يحزنون} (ه) {الطور} (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا {تتقون} (ه) {من بعد ذلك} (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه {الخاسرين} (ه) {خاسئين} (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء {المتقين} (ه). التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته سبحانه من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال {إن الذين آمنوا}. واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية {من آمن}. يدل على أن المراد من قوله {آمنوا} شيء آخر، كقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا آمِنوا} تفسير : [النساء: 136]. فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بعيسى عليه السلام مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري. كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بالله واليوم الآخر وبمحمد صلى الله عليه وسلم فلهم أجرهم. وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا. وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي. وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر. واشتقاق اليهود قيل من قولهم {أية : إنا هدنا إليك} تفسير : [الأعراف: 156] أي تبنا ورجعنا. عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب. وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة. واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج. وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً. وقيل: لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى الله. واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر. وكانت العرب يسمون النبي صلى الله عليه وسلم صابئاً لأنه صلى الله عليه وسلم أظهر ديناً على خلاف أديانهم. عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات. وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله سبحانه إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء. والثاني أنه سبحانه خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله سبحانه. وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام، فبين الله تعالى أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله تعالى. ومحل {من آمن} رفع على أنه مبتدأ خبره {فلهم أجرهم} والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن". والمعطوفات عليه. وخبر "أن" {فلهم أجرهم} والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط. قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك. وقوله سبحانه {وإذا أخذنا ميثاقكم} مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم. وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق. وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه تعالى ألزم الناس متابعة الأنبياء. والمراد ههنا هو هذا العهد. وإنما قال {ميثاقكم} ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله {أية : يخرجكم طفلاً} تفسير : [غافر: 67] أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم. ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر. والواو في {ورفعنا} إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور. قيل: الجبل مطلقاً. وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين. وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد. {خذوا} على إرادة القول أي وقلنا خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوّة} بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية {واذكروا ما فيه} احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟ {لعلكم تتقون} رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا {ثم توليتم} معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به. ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير {من بعد ذلك} أي من بعد القبول والالتزام. قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم. ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب، وجحودهم لحقه صلى الله عليه وسلم وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم {لكنتم من الخاسرين} أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم. فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله. ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله {ثم توليتم من بعد ذلك} ويكون قوله {فلولا فضل الله} رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم. قوله عز من قائل {ولقد علمتم} اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد. لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد". ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله. عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً. فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك. فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا. قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك. والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله. وقوله {كونوا} المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} تفسير : [النحل: 40] {وقردة خاسئين} خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد. عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله {أية : كمثل الحمار يحمل أسفاراً} تفسير : [الجمعة: 5] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً. واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً. وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات. وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة. وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا {فجعلناها} أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة {نكالاً} عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية. والنكول عن اليمين الامتناع عنها. ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها. ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم {وموعظة للمتقين} لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل {هدى للمتقين} أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً. وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

ابن عادل

تفسير : قال ابن عباس: والمراد بـ "الذين آمنوا" هم الذين آمنوا قبل [مبعث] محمد بعيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع البراءة عن أباطيل اليهود مثل قَسّ بن سَاعِدة، وبحيرى الراهب، وحبيب النَّجَّار، وزيد بن عمرو بن نُفَيل، وَورقَة بن نَوْفَل وسلمان الفَارِسي، وأبو ذر الغفاري، وخَطَر بن مَالِك، ووَفْد النجاشي، فكأنه قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد، والذين كانوا على الأديان الباطلة كلّ من آمن منهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بالله واليوم الآخر ومحمد، فلهم أجرهم. وقال سفيان الثوري: المراد من قوله: "الذين آمنوا" هم المنافقون؛ لأنهم يؤمنون باللِّسَان دون القَلْبِ، ثم اليهود والنصارى والصَّابئون، فكأنه قال: هؤلاء المُبطلون كل من آمن منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم أجرهم. وقال المتكلمون: المراد أنَّ الذين آمنوا بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله: "من آمَنَ بالله" يقتضي المستقبل، فكأنه قال: إن الذين آمنوا في الماضي، وثبتوا عليه في المستقبل. و "هَادُوا" في ألفه قولان: أحدهما: أنه من واو، والأصل "هَادَ ـ يَهُود" أي: تاب؛ قال الشاعر [السريع] شعر : 549ـ................ إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ تفسير : أي: تائب، منه سمي اليَهُود، لأنهم تابوا عن عبادة العِجْلِ، وقالوا: {أية : إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف:156] أي: تُبْنَا ورجعنا. [قاله] ابن عباس. وقيل: هو من التهويد، وهو النطق في سكون ووَقَارٍ؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 550ـ وَخُودٌ مِنَ اللاَّئِي تَسَمَّعْنَ بِالضُّحَى قَرِيضَ الرُّدَافَى بِالغِنَاءِ المُهَوِّدِ تفسير : وقيل: من "الهَوَادَة"، وهي الخضوع. الثاني: أنها من ياء، والأصل: "هَادَ ـ يَهِيد"، أي: تَحَرَّك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء. وقيل: سموا يهوداً نسبة ليَهُوذَا ـ بالذال المعجمة ـ وهو ابن يَعْقُوب عليه الصلاة والسلام، فغيَّرته العرب بالدّال المهملة، جرياً على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يَهُودِيّ، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يَهُود. وكل جمع منسوب إلى جنس، فهو بإسقاط ياء النسب؛ كقولهم في "زِنْجِيّ": زَنْجٌ، وفي "رُومِيّ": رُوم أيضاً. وهيادا: إذا دخل في اليهودية، وتهوَّد إذا [نسبه إليهم] وهوّد إذا دعا إلى اليهودية. والنَّصَارى جمع واحده "نَصْرَان"، و "نَصْرَانة" كـ: "نَدْمَان ونَدمانة ونَدَامَى"، قاله سيبويه؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 551ـ فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا كَمَا أَسْجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : فأبواه يُهَوِّدَانِهِ ". تفسير : وقرأ أبو السمال ومجاهد: "هادَوْا" بفتح الدال، وإسكان الواو كأنهما من المفاعلة، والأصل: هادَيُوا فأعلّ كنظائره. وقيل: سُمُّوا يهوداً لميلهم عن دين الإسلام، وعن دين موسى، فعلى هذا إنما سموا يهوداً بعد أنبيائهم. وقال ابن الأعرابي: يقال: هَادَ: إذا رجع من خير إلى شَرّ، ومن شَرّ إلى خير، وسمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم، نقله النووي في "التهذيب" عن الوَاحِدِيّ. وأنشد الطبري على "نَصْران" [قول الشاعر]: [الطويل] شعر : 552ـ يَظَلُّ إِذَا دَارَ العِشَا مُتَحَنِّفاً وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ تفسير : قال سيبويه: إلا أنه لم يستعمل في الكلام إلا بياء النَّسَب. وقال الخليل: "واحد النصارى نَصْرِيّ، كمَهْرِيٍّ ومَهَارَى". وقال الزمخشريُّ: الياء في "نَصْرانِيّ" للمبالغة كالتي في "أًحْمَرِيّ" و"نَصَارَى" نكرةٌ، ولذلك دخلت عليه آل، ووصف بالنكرة في قول الشاعر: [البسيط] شعر : 553ـ صَدَّتْ كَمَا صَدَّ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُ سَاقِي نَصَارَى قُبَيْلَ الفِصْحِ صُوَّامِ تفسير : وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النَّصَارنيون. وسموا بذلك نسبة إلى قرية يقال لها: "نَاصِرة" كان ينزلها عيسى عليه الصلاة والسلام، قاله ابن عباس، وقَتَادة، وابن جُرَيْج. فنسب عيسى إليها، فقيل: عيسى الناصري، فلما نسب أصحابه إليه قيل: النَّصَارَى. قال الجوهري: و "نَصْران" قرية بـ "الشَّام" ينسب إليها النصارَى. أو لأنهم كانوا يتناصرون؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 554 - لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتي الإِزَارَا كُنْتُ لَهُمْ من النَّصَارَى جَارَا تفسير : وقيل: لأن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال للحواريين: {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران:52]. و "الصَّابئين" الجمهور على همزة، وقرأه نافع وشيبة والزهري بياء ساكنة غير مهموزة، وعن أبي جعفر بياءين خَالِصَتَيْنِ بدل الهمزة، فمن همزه جعله من صَبَأَ نابُ البعير أي: خرج، وصبأت النجوم: طلعت. وقال أبو علي: صَبَأْتُ على القوم إذا طَرَأْتُ عليهم. فالصَّابىء: التَّارك لدينه، كالصَّابىء الطارىء على القوم، فإنه تارك لأرضه، ومنتقل عنها. ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مأخوذاً من المهموز فَأَبْدَلَ من الهمزة حرف علّة إما ياء أو واواً، فصار من باب المنقوص مثل: "قاضٍ أو غازٍ"، والأصل: صاب، ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلاَّ في الشعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقاً. الثَّاني: أنه من باب "صَبَا.. يَصْبُو" إذا مال، ولذلك كانت العرب يسمون النبي صلى الله عليه وسلم صابئاً؛ لأنه أظهر ديناً خلاف أديانهم، فالصَّابي كالغازي أصله: "صَابِوُا" فأعلّ كإعلال غازٍ، وأسند أبو عبيد إلى ابن عباس: "ما الصَّابون إنا هي الصابئون، والخَاطُون إنما هي الخاطئون". فقد اجتمع في قراءة نافع همز "النبيين"، وترك همز "الصابئين". [وقد عُلم أنّ العكس فيهما أفصح]. فصل في تفسير الصابئين [وللمفسرين في تفسير "الصَّابئين" أقوال]: فقال مُجَاهد والحسن: هم طائفة بين اليَهُود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. وقال السّدي: هم فرقة من أهل الكتاب [وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن المنذر]: وقال إسْحَاق: لا بأس بذبائح الصابئين؛ لأنهم طائفة من أهل الكتاب. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم، ومناكحة نسائهم. وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النَّصَارى، إلاَّ أن قبلتهم نحو مهبّ الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه الصَّلاة والسَّلام. [نقله] القرطبي. وقال قَتَادَةُ: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. وقال أيضاً: الأديان خمسة أربعة للشَّيطان، وواحد للرحمن، وهم: الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمَجُوس يعبدون النَّار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنَّصَارى، وقال: قبيلة نحو "الشام" بين اليهود والنَّصَارى، والمجوس لا دين لهم، وكان مجاهد لا يراهم من أهل الكِتَابِ، وهو منقول عن أبي حنيفة. وقال قتادة ومُقَاتل: هم قوم يقرون بالله عز وجل، ويعبدون الملائكة، ويقرون بالزَّبُور، ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كلّ دين شيئاً. وقال [الكلبي]: "هم قوم بين اليهود والنَّصارى يحلقون أوساط رؤوسهم، ويجبُّون مذاكيرهم". وقال عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا. وقيل: هم الكلدانيون الذين جاءهم إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ رادًّا عليهم ومبطلاً لقولهم، وكانوا يعبدون الكواكب. قال ابن الخطيب: وهو الأقرب، ثم لهم قولان: أحدهما: أنَّ الله خلق هذا العالم، وأمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قِبْلَةَ الصلاة، والدعاء والتعظيم. والثاني: أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق الأفلاك والكواكب، وجعل الكواكب مدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر، والصحة والمرض، فيجب على البشر تعظيمها؛ لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم. قوله: {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} آمن: صدق. و "من" في قوله: "مَنْ آمَنَ" في موضع نصب بدل من "الَّذِينَ آمَنُوا". والفاء في قوله: "فَلَهُمْ" داخلة بسبب الإبهام الذي في "مَنْ". وقيل: في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، و "آمن" في موضع جزم بالشرط، و "الفاء" جواب و "لَهُمْ أَجْرُهُمْ" خبر "من" والجملة كلها خبر "إن"، والعائد على "الذين" محذوف تقديره: من آمن منهم بالله، وحمل الضمير على لفظ "مَنْ" فأفرد، وعلى المعنى في قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} فجمع؛ كقوله: [الطويل] شعر : 555ـ أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا وقُولاَ لَهَا: عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا تفسير : وقال الفرزدق: [الطويل] شعر : 556 - تَعَالَ فإنْ عَاهَدْتَنِي لاَ تَخْونُنِي نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ تفسير : [فراعى المعنى] وقد تقدم تحقيق ذلك [عند] قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا}تفسير : [البقرة:8] والأجر في الأصل مصدر يقال: أجره الله يَأْجُرُه أَجْراً، وقد يعبر به عن نفس الشيء المُجَازَى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين. والمراد بهذه العِنْدِيَّةِ أن أجرهم متيقّن جارٍ مجرى الحاصل عندهم. قوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فقيل: أراد زوال الخوف [عنهم] في الدنيا. وقيل: الآخرة وهو أصح؛ لأنه عامّ في النفي، وكذا قوله: "وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"، وهذه لا تحصل في الدنيا؛ لأنّ المكلف في الدنيا لا ينفك من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا، أو في أمور الآخرة، فكأنه ـ سبحانه ـ وعَدَهُمْ في الآخرة بالأجر، ثم بين صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً من الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً؛ لأنهم لو جوّزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الخوف العظيم. فإن قيل: فما الحكمة في قوله تعالى هاهنا: "الصَّابِئين" منصوبة، وفي "المائدة": {أية : وَٱلصَّابِئُونَ}تفسير : [المائدة:69] مرفوعة. وقال في الحج: {أية : وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ}تفسير : [الحج:17] فقدم "الصَّابئين" على "النصارى" في آية، وأخَّر "الصَّائبين" في الأخرى، فهل في ذلك حكمة ظاهرة. قال ابن الخَطِيب: إن أدركنا تلك الحكم فقد فُزْنَا بالكمال، وإن عجزنا أحلنا القصور على أفهامنا لا على كلام الحكيم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي عمر العدني في سنده وابن أبي حاتم عن سلمان قال‏:‏ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت ‏ {‏إن الذين آمنوا والذين هادوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج الواحدي عن مجاهد قال‏:‏ لما قص سلمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة أصحابه قال‏:‏ هم في النار. قال سلمان‏:‏ فأظلمت علي الأرض، فنزلت ‏ {‏إن الذين آمنوا والذين هادوا‏}‏ إلى قوله ‏ {‏يحزنون‏} ‏ قال‏:‏ فكأنما كشف عني جبل‏.‏ وأخرج ابن جرير واللفظ له وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان سلمان رجلاً من جند نيسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخياً لا يقضي واحد منهما أمر دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعاً، فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباءة، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي فسألاه ما هذا‏؟‏ فقال‏:‏ الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما، فنزلا إليه فقال لهما‏:‏ هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته، فيه أن لا تسرق ولا تزني ولا تأخذ أموال الناس بالباطل، فقص عليهما ما فيه وهو الإِنجيل الذي أنزل الله على عيسى، فوقع في قلوبهما وتابا فاسلما، وقال لهما‏:‏ إن ذبيحة قومكما عليكما حرام. فلم يزالا معه وكذلك يتعلمان منه حتى كان عيد للملك، فجمع طعاماً ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك رسولاً فدعاه إلى ضيعته ليأكل مع الناس، فأبى الفتى وقال‏:‏ إني عنك مشغول فكل أنت وأصحابك، فلما أكثر عليه من الرسل أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم، فبعث الملك إلى ابنه ودعاه وقال‏:‏ ما أمرك هذا‏؟‏ قال‏:‏ إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار ليس تحل ذبائحكم‏.‏ فقال له الملك‏:‏ من أمرك بهذا‏؟‏ فأخبره أن الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب فقال‏:‏ ماذا يقول ابني‏؟‏ قال‏:‏ صدق ابنك‏.‏ قال له‏:‏ لولا الدم فينا عظيم لقتلتك ولكن اخرج من أرضنا، فأجله أجلاً فقال سلمان‏:‏ فقمنا نبكي عليه‏.‏ فقال لهما‏:‏ إن كنتما صادقين فإنا في بيعة في الموصل، ستين رجلا نعبد الله فأتونا فيها، فخرج الراهب وبقي سلمان وابن الملك، فجعل سلمان يقول لابن الملك‏:‏ انطلق بنا‏.‏ وابن الملك يقول‏:‏ نعم‏.‏ وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز، فلما أبطأ على سلمان خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه وهو رب البيعة، فكان أهل تلك البيعة أفضل مرتبة من الرهبان، فكان سلمان معه يجتهد في العبادة ويتعب نفسه، فقال له سلمان‏:‏ أرأيت الذي تأمرني به هو أفضل أو الذي أصنع‏؟‏ قال‏:‏ بل الذي تصنع‏.‏ قال‏:‏ فخلّ عني‏.‏ ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال أتعلم أن هذه البيعة لي وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أخرج منها هؤلاء لفعلت ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من ههنا، فإن شئت أن تقيم هنا فأقم وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق‏.‏ فقال له سلمان‏:‏ أي البيعتين أفضل أهلاً‏؟‏ قال‏:‏ هذه‏.‏ قال سلمان‏:‏ فأنا أكون في هذه فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة بسلمان يتعبد معهم‏.‏ ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس فدعا سلمان فقال‏:‏ إني أريد أن آتي بيت المقدس، فإن شئت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فاقم‏.‏ قال له سلمان‏:‏ أيهما أفضل، أنطلق معك أو أقيم‏؟‏ قال‏:‏ لا بل تنطلق‏.‏ فانطلق معه فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى، فلما رآهما نادى يا سيد الرهبان ارحمني رحمك الله، فلم يكلمه ولم ينظر إليه، وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، وقال الشيخ لسلمان‏:‏ أخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء الأرض‏.‏ فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوماً حزيناً فقال له الشيخ ما لك يا سلمان قال‏:‏ إن الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء والأتباع‏.‏ فقال له الشيخ‏:‏ لا تحزن فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعاً منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه ولا أراني أدركه، وأما أنت فشاب فلعلك أن تدركه، وهو يخرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه‏.‏ قال له سلمان‏:‏ فأخبرني عن علامته بشيء‏.‏ قال‏:‏ نعم، وهو مختوم في ظهره بخاتم النبوة وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد فناداهما فقال‏:‏ يا سيد الرهبان ارحمني رحمك الله فعطف إليه حماره فأخذ بيده فرفعه فضرب به الأرض ودعا له، وقال‏:‏ قم بإذن الله‏.‏ فقام صحيحاً يشتد‏.‏ فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه، وسار الراهب فغيب عن سلمان ولا يعلم سلمان‏.‏ ثم إن سلمان فزع بطلب الراهب، فلقيه رجلان من العرب من كلب، فسألهما هل رأيتما الراهب‏؟‏ فأناخ أحدهما راحلته قال‏:‏ نعم ‏[‏‏ ‏]‏ راعي الصرمة هذا، فحمله فانطلق به إلى المدينة قال سلمان‏:‏ فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط، فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم، هذا يوماً وهذا يوماً، وكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ فبينما هو يوماً يرعى إذ أتاه صاحبه بعقبة فقال له‏:‏ أشعرت أنه قد قدم المدينة اليوم رجل يزعم أنه نبي‏؟‏‏!‏ فقال له سلمان‏:‏ أقم في الغنم حتى آتيك‏.‏ فهبط سلمان إلى المدينة فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه، ثم انطلق فاشترى بدينار ببعضه شاة فشواها وببعضه خبزاً، ثم أتاه به فقال‏: ماهذه‏؟ قال سلمان‏:‏ هذه صدقة‏.‏ قال‏: لا حاجة لي بها فأخرجها فليأكلها المسلمون‏.‏ ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزاً ولحماً، ثم أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذه هدية‏.‏ قال‏: فاقعد فكل‏.‏ فقعد فأكلا منها جميعا‏.‏ فبينما هو يحدثه إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم، فقال‏:‏ كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "يا سلمان هم من أهل النار" فاشتد ذلك على سلمان وقد كان قال له سلمان‏:‏ لو أدركوك صدقوك واتبعوك‏.‏ فأنزل الله هذه الآية ‏ {‏إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر‏}‏ ‏".‏تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال ‏"‏حديث : سأل سلمان الفارسي النبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى، وما رأى من أعمالهم، قال‏: لم يموتوا على الإسلام‏. قال سلمان‏:‏ فأظلمت عليَّ الأرض وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية ‏{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا‏} ‏ فدعا سلمان فقال‏: نزلت هذه الآية في أصحابك،ثم قال‏:‏ من مات على دين عيسى قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع بي ولم يؤمن فقد هلك‏‏ ". تفسير : وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ قال‏:‏ فأنزل الله بعد هذا ‏{‏ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‏}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي عن علي قال‏:‏ إنما سميت اليهود لأنهم قالوا‏:‏ إنا هدنا إليك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود باليهودية، بكلمة موسى عليه السلام إنا هدنا إليك، ولم تسمت النصارى بالنصرانية، من كلمة عيسى عليه السلام كونوا أنصار الله‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال‏:‏ نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود باليهودية، والنصارى بالنصرانية، إنما تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى إنا هدنا إليك، فلما مات قالوا هذه الكلمة كانت تعجبه فتسموا اليهود، وإنما تسمت النصارى بالنصرانية لكلمة قالها عيسى من أنصاري إلى الله‏؟‏ قال الحواريون‏:‏ نحن أنصار الله فتسموا بالنصرانية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ إنما سموا نصارى بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم، فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به‏.‏ وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ إنما سميت النصارى لأن قرية عيسى كانت تسمى ناصرة‏.‏ وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ الصابئون قوم بين اليهود والمجوس والنصارى ليس لهم دين‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، هم قوم من المشركين لا كتاب لهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال‏:‏ سئل ابن عباس عن الصابئين‏؟‏ فقال‏:‏ هم قوم بين اليهود والنصارى والمجوس، لا تحل ذبائحهم ولا مناكحهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الصابئون منزله بين النصرانية والمجوسية‏.‏ ولفظ ابن أبي حاتم‏:‏ منزلة بين اليهود والنصارى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ ذهبت الصابئون إلى اليهود فقالوا‏:‏ ما أمركم‏؟‏ قالوا‏:‏ نبينا موسى جاءنا بكذا وكذا ونهانا عن كذا وكذا، وهذه التوراة فمن تابعنا دخل الجنة، ثم أتوا النصارى فقالوا في عيسى ما قالت اليهود في موسى، وقالوا هذا الإِنجيل فمن تابعنا دخل الجنة، فقالت الصابئون هؤلاء يقولون نحن ومن اتبعنا في الجنة، واليهود يقولون نحن ومن اتبعنا في الجنة، فنحن به لا ندين، فسماهم الله الصابئين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور‏.‏ وأخرج وكيع عن السدي قال: الصابئون طائفة من أهل الكتاب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ الصابئون قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرأون الزبور‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال‏:‏ الصابىء‏:‏ الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الزناد قال‏:‏ الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى يؤمنون بالنبيين كلهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ يقولون الصابئون‏:‏ وما الصابئون‏ الصابئون ويقولون‏:‏ الخاطئون وما الخاطئون الخاطئون‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي بألسنتهم فقط وهم المنافقون بقرينة انتظامِهم في سِلك الكفرة، والتعبـيرُ عنهم بذلك دون عُنوانِ النفاقِ للتصريح بأن تلك المرتبةَ وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تُجديهم نفعاً أصلاً ولا تُنْقِذُهم من ورطة الكفر قطعاً {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي تهوَّدوا من هادَ إذا دخَل في اليهودية، ويهودُ إما عربـي من هاد إذا تاب سُموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخُصوا به لما كانت توبتُهم توبةً هائلة، وإما معرَّبُ يهوذا كأنهم سُمّوا باسم أكبرِ أولادِ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} جمع نَصرانٍ كندامَى جمعُ ندمانٍ يقال: رجلٌ نصرانٌ وامرأة نصرانةٌ والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمريّ سُموا بذلك لأنهم نَصَروا المسيحَ عليه السلام أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نَصرانُ فسُمّوا باسمها أو نُسبوا إليها والياء للنسبة، وقال الخليل واحدُ النصارى نَصري كمَهْري ومَهارىٰ {وَٱلصَّـٰبِئِينَ} هم قومٌ بـين النصارى والمجوس وقيل: أصلُ دينهم دينُ نوح عليه السلام وقيل: هم عبدةُ الملائكة وقيل: عبدةُ الكواكب فهو إن كان عربـياً فمن صَبأ إذا خرج من دين إلى آخرَ وقرىء بالياء، إما للتخفيف، وإما لأنه من صَبَا إذا مال لما أنهم مالوا من سائر الأديان إلى ما هم فيه، أو من الحق إلى الباطل {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي من أحدث من هذه الطوائفِ إيماناً خالصاً بالمبدأ والمَعاد على الوجه اللائق {وَعَمِلَ} عملاً {صَـٰلِحاً} حسبما يقتضيه الإيمانُ بما ذكر {فَلَهُمْ} بقابلة ذلك {أَجْرَهُمْ} الموعودُ لهم {عِندَ رَبّهِمْ} أي مالك أمرِهم ومُبلّغُهم إلى كمالهم اللائقِ، فمَنْ إما في محل الرفع على الابتداء خبرُه جملةُ فلهم أجرُهم والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرط كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البروج، الآية 10] الآية، وجُمع الضمائرُ الثلاثة باعتبار معنى الموصول كما أن إفرادَ ما في الصلة باعتبار لفظِه والجملةُ كما هي خبرُ إن والعائدُ إلى اسمها محذوفٌ أي من آمن منهم الخ، وإما في محل النصبِ على البدلية من اسمِ (إن) وما عُطف عليه وخبرُها فلهم أجرهم و(عند) متعلِّق بما تعلّق به لهم من معنى الثبوت، وفي إضافته إلى الرب المضافِ إلى ضميرهم مزيدُ لُطفٍ بهم وإيذانٌ بأن أجرَهم مُتَيقَّنُ الثبوت مأمونٌ من الفَوات. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} عطف على جملة فلهم أجرُهم أي لا خوف عليهم حين يخاف الكفارُ العقاب {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} حين يحزن المقصِّرون على تضيـيع العُمر وتفويتِ الثواب، والمرادُ بـيانُ دوامِ انتفائهما لا بـيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارعاً لما مر من أن النفيَ وإن دخلَ على نفس المضارِعِ يفيد الدوامَ والاستمرارَ بحسب المقام، هذا وقد قيل: المرادُ بالذين آمنوا المتديّنون بدين الإسلام المُخلِصون منهم والمنافقون، فحينئذ لا بد من تفسير مَنْ آمن بمن اتصف منهم بالإيمان الخالصِ بالمبدأ والمَعاد على الإطلاق، سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المُخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان مَنْ عداهم من المنافقين وسائر الطوائف، وفائدةُ التعميم للمخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ببـيان أن تأخيرَهم في الاتصاف به غيرُ مُخلِّ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين في استحقاق الأجرِ وما يتبعه من الأمن الدائم، وأما ما قيل في تفسيره من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضىٰ شرعِه فمما لا سبـيل إليه أصلاً لأن مقتضىٰ المقام هو الترغيبُ في دين الإسلام، وأما بـيانُ حال من مضىٰ على دين آخرَ قبل انتساخِه فلا ملابسةَ له بالمقام قطعاً بل ربما يُخِلُّ بمقتضاه من حيث دَلالتُه على حقِّيته في زمانه في الجملة، على أن المنافقين والصابئين لا يتسنى في حقهم ما ذكر، أما المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمرُ بـيِّن، وإن كانوا من أهل الكتاب فمن مضىٰ منهم قبل النسخِ ليسوا بمنافقين، وأما الصابئون فليس لهم دينٌ يجوز رعايتُه في وقت من الأوقات ولو سَلِم أنه كان لهم دينٌ سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضىٰ من أهل ذلك الدين قبل خروجِهم منه فليسوا من الصابئين فكيف يُمكِنُ إرجاعُ الضمير الرابطِ بـين اسمِ إن وخبرِها إليهم أو إلى المنافقين، وارتكابُ إرجاعِه إلى مجموع الطوائفِ من حيث هو مجموعٌ لا إلى كل واحدة منها قصداً إلى درج الفريقِ المذكور فيه ضرورةَ أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضىٰ شرعِه قبل نسخِه من مجموع الطوائفِ بحُكم اشتمالِه على اليهود والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين مما يجبُ تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله، على أن المخلصين مع اندراجهم في حيز اسم إنّ ليس لهم في حيز خبرها عينٌ ولا أثر فتأملْ وكن على الحق المبـين.

القشيري

تفسير : اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول، فمن صدَّق الحق سبحانه في آياته، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته، فتبايُن الشرع واختلاف وقوع الاسم غيرُ قادح في استحقاق الرضوان، لذلك قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} ثم قال: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}. أي إذا اتفقوا في المعارف فالكُلُّ لهم حُسْنُ المآب، وجزيلُ الثواب. والمؤمن مَنْ كان في آمان الحق سبحانه، ومَنْ كان في أمانه - سبحانه وتعالى - فَبالحريِّ {أية : أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [آل عمران: 170].

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين آمنوا} بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون بقرينة انتظامهم فى سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بان تلك المرتبة وان عبر عنها بالايمان لا تجديهم نفعا اصلا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا {والذين هادوا} اى تهودوا من هاد اذا دخل فى اليهودية. ويهود اما عربى من هاد اذا تاب سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم توبة هائلة واما معرب يهودا كأنهم سموا باسم اكبر اولاد يعقود عليه السلام ويقال انما سمى اليهود يهودا لانهم اذا جاءهم رسول او نبى هادوا الى ملكهم فدلوه عليه فيقتلونه {والنصارى} جمع نصران كندامى جمع ندمان سمى بذلك لانهم نصروا المسيح عليه السلام او لانهم كانوا معه فى قرية يقال لها ناصرة فسموا باسمها او لاعتزائهم الى نصرة وهى قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام {والصابئين} من صبأ اذا خرج من الدين وهم قوم عدلو عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الكواكب والملائكة فكانوا كعبدة الاصنام وان كانوا يقرأون الزبور لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم حديث : وجاء اعرابى الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال لم يسمى الصابئون صابئين فقال عليه السلام "لانهم اذا جاءهم رسول او نبى اخذوه وعمدوا الى قدر عظيم فأغلوه حتى اذا كان محمى صبوه على رأسه حتى يتفسخ" تفسير : كذا فى روضة العلماء {من} مبتدأ خبره فلهم اجر عظيم والجملة خبران {آمن} من هؤلاء الكفرة {بالله} وبما انزل على جميع النبيين {واليوم الآخر} وهو يوم البعث اى من احدث منهم ايمانا خالصا بالمبدأ والمبدأ والمعاد على الوجه اللائق ودخل فى ملة الاسلام دخولا اصيلا {وعمل} عملا {صالحا} مرضيا عند الله {فلهم} بمقابلة تلك والفاء للسببية {اجرهم} الموعود لهم {عند ربهم} اى مالك امرهم ومبلغهم الى كمالهم اللائق وعند متعلق بما تعلق به لهم من معنى الثبوت اخبر ان هؤلاء اذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بتقديم فعلهم ولا بفعل آبائهم ولا ينقصون من ثوابهم {ولا خوف عليهم} عطف على جملة فلهم اجرهم اى لا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب {ولا هم يحزنون} حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما وتلخيصه من اخلص ايمانه واصلح عمله دخل الجنة. واعلم ان هذا الدين الحق حسنه موجود فى النفوس وانما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد فكل مولود انما يولد فى مبدأ الخلقة واصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها الى غيرها كما قال عليه السلام "حديث : ما من مولود الا وقد يولد على فطرة الاسلام ثم ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" تفسير : قال ابن الملك فى شرح المشارق المراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله تعالى ألست بربكم فلا مخالفة بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام "حديث : ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا" تفسير : والتحقيق ان الله تعالى لما اخرج ذرية آدم من ظهره وقال ألست بربكم آمنوا كلهم لمشاهدتهم الحق بالمعاينة لكن لم ينفع ايمان الاشقياء لكونهم لم يؤمنوا من قبل فاختلط السعيد والشقي ولم يفرق بينهما فى هذا العالم ثم انهم اذا نزلوا فى بطون الامهات تميز السعيد من الشقى لان الكاتب لا ينظر الى عالم الاقرار بل ينظر الى ما فى علم الله تعالى من احوال الممكن من السعادة والشقاوة وغيرهما واذا ولدوا يولدون على فطرة الاسلام وهى فطرة بلى فههنا اربعة مقامات * الاول علم الله وهو البطن المعنوى ويقال له فى اصطلاح الصوفية بطن الام وام الكتاب. والثانى مقام بلى ويقال له مولود معنوى. والثالث بطن الام الصورى. والرابع مولود صورى وهو صورة المولود المعنوى لذلك لا يتميز السعيد من الشقى فيه كما لا يتميز فى عالم ألست والبطن الصورى صورة علم الله لذلك يتميز السعيد من الشقى فيها فظهر لك معنى حديث النبى عليه السلام "حديث : السعيد سعيد فى بطن امه والشقى شقى فى بطن امه ." تفسير : ومعنى الخبر الآخر "حديث : السعيد قد يشقى والشقى قد يسعد ". تفسير : ومعنى الحديث "حديث : كل مولود يولد على فطرة الاسلام"تفسير : كذا حققه الشيخ بالى الصوفيوى قدس سره. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قال شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة فى كتابه المسمى باللائحات البرقيات لاح ببالى ان المراد ببطن الام على مشرب اهل التحقيق هو باطن الغيب المطلق الذاتى الاحدى يعنى السعيد سعيد فى باطن الغيب المطلق ازلا وفى ظاهر الشهادة المطلقة ابدا ولم تتداخل الشقاوة فى واحد منهما اصلا والشقى شقى فى باطن الغيب المطلق ازلاً وفى ظاهر الشهادة المطلقة ابداً ولم تتداخل السعادة فى واحد منها أصلاً الا ان السعيد قد تتداخله الشقاوة والشقى قد تتداخله السعادة فى البرزخ الجامع بينهما فيكون السعيد الشقى سعيدا بالسعادة الذاتية وشقيا بالشقاوة العارضية والشقى السعيد شقيا بالشقاوة الذاتية وسعيدا بالسعادة العارضية والسبق فى الغاية للذاتى دون العارضى ويغلب حكم الذاتى على حكم العارضى ويختم به كما بدئ به ويختم آخر نفس الشقى بالشقاوة العارضية بالسعادة الذاتية وتزول شقاوته العارضية ويدخل فى زمرة السعداء ابدا ويختم آخر نفس السعيد بالسعادة العارضية بالشقاوة الذاتية وتزول سعادته العارضية ويدخل فى زمرة الاشقياء ابدا والى هذا التداخل والعروض البرزخى اشار بقوله السعيد قد يشقى والشقى قد يسعد والتبدل فى العارضى لا فى الذاتى والاعتبار بالذاتى لا العارضى انتهى فمن انشرح قلبه بنور الله فقد آمن بالله لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء واهل البلد فلا خوف عليهم من حجب الانانية ولا هم يحزنون بالاثنينية لانهم الواصلون الى نون الوحدة والهوية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إن}: ناصبة مؤكدة، وخبرها: جملة {مَن آمن} أو {فلهم أجرهم}. و {مَن آمن}: بدل من اسمها، أو محذوف، والموصول: مبتدأ؛ أي: إن الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين هادوا كذلك. و {هادوا}: تهودوا، أي: دخلوا في اليهودية. وسمّوا يهوداً؛ إما نسبة لأبيهم الأكبر (يهوذا بن يعقوب)، أو مِنْ هَادَ، إذَا تَابَ؛ لأنهم تابوا من عبادة العجل. والنصارى: جمع نصران، وسُموا بذلك إما لنصرهم المسيح عليه السلام، أو لسكناهم معه في قرية يقال لها: (نصران)، والصابئون: طائفة من أهل الكتاب، خرجوا عن دين اليهودية وعبدوا الكواكب، يقال: صبا يصبو، إذا مال وخرج من دين إلى دين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا بموسى، والذين آمنوا بعيسى - عليهما السلام -، والذين خرجوا عن دينهم وصبوا، {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ} وتبع محمداً صلى الله عليه وسلم وعمل بشريعته، {فلهم أجرهم عند ربهم} إذا قدموا عليه بالنعيم المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم، {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِم} حين يخاف الكفار، {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} حين يحزن المفرطون والأشرار؛ إذ لا يلحقهم وبال ولا يفوتهم نوال. وبالله التوفيق. الإشارة: إن الذين آمنوا إيماناً لا يختلجه وهم، ولا يطرق ساحته شك ولا ريب، إما عن برهان قاطع، أو عن شهود ساطع، والذين تابوا عن هواجس الخواطر وغفلات الضمائر، والذين نصروا الدين، وشيّدوا منار شريعة المسلمين، والذين صبوا إلى الحبيب، ومالوا عن كل بعيد وقريب، فهؤلاء الذين سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، جمعوا بين تزيين البواطن بأنوار الإيقان، وتزيين الظواهر بأنواع الطاعة والإذعان، فلا جرم أنهم، إذا قدموا على ربهم، أجلَّ منصبهم، وأجزل ثوابهم، وأعلى مقامهم، فأولئك اولياء الله الذين {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. فالمخصوصون بالعناية أربعة: قوم أقامهم الحق تعالى لتنمية الإيمان وتربية الإيقان، إما عن دليل وبرهان - وهم أهل النظر والاعتبار، - وإما عن شهود وعيان - وهم أهل الشهود والاستبصار -، وقوم أقامهم الحق تعالى لتصفية نفوسهم وتزكية أحوالهم بالتوبة، والإقلاع عن كل وصف مذموم، وهم السائرون والطالبون، وقوم أقامهم لنصر الدين وإظهار شريعة المسلمين، إما بتقرير قواعده أو جهاد معانده، وهم العلماء والمجاهدون، وقوم أقامهم لخدمته، وملأ قلوبهم بهيبته، وهم العُباد والزهاد، مالوا عن الشهوات وتأنسوا به في الخلوات، هجرو الأوطان وفارقوا الأحباب والإخوان، صبوا إلى محبة الحبيب وتلذذوا بمناجاة القريب، فهؤلاء المخصوصون بعين العناية، المحفوظون بغاية الرعاية، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. حققنا الله بمقام الجميع بمنّه وكرمه. آمين.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع بترك الهمز من الصابئين، وجميع القراء الباقون يهمزون اما {الذين آمنوا} وهم المصدقون برسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما اتاهم من الحق من عند الله. واما الذين هادوا فهم اليهود. اللغة: ومعنى هادوا: تابوا. يقال: هاد القوم يهودون هودا، وهيادة وقال ابن جريج: إنما سميت اليهود يهودا، لقولهم: انا هدنا اليك. قال أعرابي يؤخذ بقوله: على ما قال ابو عبيدة: فاني من مدحه هائد أي تائب. وقيل: انما سموا يهودا، لانهم نسبوا إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب فعرّبت الذال دالا. وقال زهير: في معنى الرجوع: شعر : سوى مرجع لم يات فيه مخافة ولا رهقا من عابد متهود تفسير : أي تائب فسميت اليهود يهودا، لتوبتهم من عبادة العجل. واصل الهود: الطمانينة. ويخبر به عن لين السير. ومنه الهوادة: وهي السكون. قال الحسين بن علي المغربي انشدني ابو رعاية السلمي، وهو من افصح بدوي أطاف بنا، واغزرهم رواية: شعر : صباغتها من مهنة الحي بالضحى جياد المداري حالك اللون اسودا اذا نفضتة مال طوراً بجيدها وتمثاله طوراً باغيدا فوّدا كما مال قنوا مطعم هجرّية اذا حركت ريح ذرى النخل هودا تفسير : المطعم: النخلة. شبه شعرها باقناء البسر. هوّد تحرك تحريكة لينة قال زهير: شعر : ولا رهقا من عايد متهود تفسير : وليس اسم يهود مشتقا من هذا. والنصارى جمع نصران كقولهم سكران وسكارى. ونشوان ونشاوى. هذا قول سيبويه: قال الشاعر: شعر : تراه اذا كان العثي محنفا يضحي لديه وهو نصران شامس تفسير : وقد سمع في الانثى نصرانة قال الشاعر: شعر : وكلتاهما خرت واسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف تفسير : وقد سمع في جمعهم انصار بمعنى النصارى قال الشاعر: شعر : لما رأيت نبطاً انصارا شمرت عن ركبتي الازارا كنت لهم من النصارى جارا تفسير : والمشهور أن واحد النصارى نصري: مثل بعير مهري ومهارى. وانما سموا نصارى، لنصرة بعضهم بعضا. دليله الآيات التي ذكرناها. وقيل انما سموا بذلك لأنهم نزلوا ارضاً يقال لها: ناصرة. وكان ينزلها عيسى فنسب اليها، فقيل عيسى الناصري، ثم نسب اصحابه اليه فقيل النصارى، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن جريج. وقيل: إنهم سموا بذلك، لقوله: {أية : من أنصاري إلى الله} تفسير : والصابئون جمع صابىء: وهو من انتقل من دينه إلى دين آخر كالمرتد من اهل الاسلام. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر يسمى صابئا قال ابو زيد: صبا فلان في دينه يصبا صبوا اذ كان صابئا وصبأ تاب الصبي يصبوا صبوا: اذا كان طلع. وقال الزجاج: صبأت النجوم: اذا ظهرت. وقال ابو زيد: صبوت اليهم تصبأ صبأ وصبوء: إذا طلعت عليهم، وكان معنى الصابىء التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره: كما قال: ان الصابىء على القوم تارك لأرضه ومنتقل إلى سواها. فالدين الذي فارقوه هو تركهم التوحيد إلى عبادة لنجوم، أو تغطيتها. وقال نافع هو مأخوذ من قولهم: صبا يصبوا اذا مال إلى الشيء، واحبه ولذلك لم يهمز قال الشاعر: شعر : صبوت اياديب وانت كبير تفسير : قال ابو علي الفارسي: هذا ليس بجيد، لأنه قد يصبو الانسان إلى دين فلا يكون منه مدين به مع صبوه اليه فاذا كان هذا هكذا، وكان الصابئون منتقلين من دينهم الذي اخذ عليهم إلى سواه، وجب ان يكون مأخوذاً من صبأت الذي هو الانتقال. ويكون الصابئون على قلب الهمزة، وقلب الهمزة على هذا الحد، لا يجيزه سيبويه إلا في الشعر ويجيزه غيره فهو على قول من اجاز ذلك. وممن اجاز ذلك ابو زيد. وحكي عنه انه قال لسيبويه: سمعت قربت واخطيت قال فكيف تقول في المضارع قلت: اقرأ فقال حسبك أو نحو هذا. قال ابو علي يريد سيبويه ان قريت مع اقرأ لا ينبغي، لأن قريت اقرأ على الهمز وقريت على القلب، فلا يجوز ان تغير بعض الأمثله دون بعض. فدل على ان القائل لذلك غير فصيح، فانه غلط في لغته. وقال قتادة والبلخي: الصابئون قوم معرفون لهم مذهب ينفردون به، من عبادة النجوم. وهم مقرّون بالصانع وبالمعاد وببعض الانبياء. وقال مجاهد والحسن وابن ابي نجيح: الصابئون بين اليهود والمجوس لا دين لهم. وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى إلا ان قبلتهم نحو مهب الجنوب. خيال منصف النهار، ويزعمون انهم على دين نوح. وقال ابن زيد: الصابئون هم اهل دين من الاديان كانو بالجزيرة: جزيرة الموصل، يقولون لا إله إلا الله ولم يؤمنوا برسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فمن اجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي "صلى الله عليه وسلم" واصحابه: هؤلاء الصابئون: يشبهونهم بهم. وقال آخرون: هم طائفة من اهل الكتاب. والفقهاء باجمعهم يجيزون اخذ الجزية منهم. وعندنا لا يجوز ذلك، لانهم ليسو اهل الكتاب. وقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم}. المعنى: تقول: من صدق بالله وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحاً واطاع الله فلهم اجرهم عند ربهم: يعني ثواب عملهم الصالح فان قيل: فاين تمام قوله: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ـ قيل تمامه جملة قوله تعالى: من آمن بالله واليوم الآخر: لأن معناه: من أمن منهم بالله واليوم الآخر، وترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه. ومعنى الكلام: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم. وقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر}. الاعراب: في الناس من قال: هو خبر عن الذين هادوا والنصارى والصابئين: لان الذين آمنوا كانوا مؤمنين فلا معنى حينئذ ان يقول من آمن وهو نفسهم. ومنهم من قال: هو راجع إلى الكل ويكون رجوعه على الذين آمنوا على وجه الثبات على الايمان والاستدامة، وترك التبديل والاستبدال به. وفى الذين هادوا والنصارى والصابئين: استئناف ايمان بالنبي "صلى الله عليه وسلم" وما جاء به. وقوله: {من آمن بالله} فوحد الفعل ثم قال فلهم اجرهم، لان لفظة (من) وان كانت واحدة، فمعناها يكون للواحد والجمع والانثى والذكر. فان ذهب إلى اللفظ وحِّد. وان ذهب إلى المعنى جمع كما قال: {أية : ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} تفسير : فجمع مرة مع الفعل لمعناه ووحد اخرى على اللفظ. قال الشاعر: شعر : ألمّا بسلمى عنكما إن عرضتما وقولا لها: عوجي على من تخلفوا تفسير : فجمع الفعل لانه جعل من بمنزلة الذين وربما كان لاثنين وهو ابعد وما جاء فيه قال الفرزدق: شعر : تعال فان عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان تفسير : قوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} النزول: قال السدي: نزلت في سلمان الفارسي، واصحابه النصارى الذين كان قد تنصر على ايديهم قبل مبعث رسول الله "صلى الله عليه وسلم". وكانوا قد أخبروه بأنه سيبعث، وانهم يؤمنون به إن أدركوه. وروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}. تفسير : وهذا بعيد، لأن النسخ لا يجوز أن يدخل في الخبر الذي يتضمن الوعيد. وانما يجوز دخوله فيما طريقه الأحكام الشرعية التي يجوز تغييرها وقال قوم: إن حكمها ثابت. والمراد بها: ان الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم من المنافقين هم واليهود، والنصارى، والصابئين إذا آمنوا بعد النفاق، واسلموا عند العناد، كان لهم أجرهم عند ربهم: كمن آمن في أول الاسلام من غير نفاق، ولا عناد، لأن قوماً من المسلمين قالوا: إن من أسلم بعد نفاقه، وعناده كان أجره اقل وثوابه انقص. وأخبر الله بهذه الآية أنهم سواء في الأجر والثواب. واولى الأقاويل ما قدمنا ذكره. وهو المحكي عن مجاهد والسدي: ان الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين من آمن من اليهود، والنصارى، والصابئين بالله واليوم الآخر، فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأن هذا اشبه بعموم اللفظ. والنخصيص ليس عليه دليل. وقد استدلت المرجئة بهذه الآية على أن العمل الصالح، ليس من الايمان، لأن الله تعالى أخبرهم عنهم بأنهم آمنوا، ثم عطف على كونهم مؤمنين. أنهم إذا عملوا الصالحات ما حكمها. قالوا: ومن حمل ذلك على التأكيد أو الفضل، فقد ترك الظاهر. وكل شيء يذكرونه مما ذكر بعد دخوله في الأول مما ورد به القرآن: نحو قوله: {أية : فيهما فاكهة ونخل ورمان}. تفسير : ونحو قوله: {أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح}. تفسير : ونحو قوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا}. وقوله: {أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله}.تفسير : قالوا: جميع ذلك مجاز. ولو خلينا والظاهر، لقلنا: إنه ليس بداخل في الأول. فان قالوا: أليس الاقرار، والتصديق من العمل الصالح؟ فلا بد لكم من مثل ما قلناه، قلنا عنه جوابان: احدهما ـ ان العمل لا يطلق الا على افعال الجوارح، لانهم لا يقولون: عملت بقلبي، وانما يقولون: عملت بيدي او برجلي. والثاني ـ ان ذلك مجاز، وتحمل عليه الضرورة. وكلامنا مع الاطلاق. وقوله: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}: يعني لا خوف عليهم مما قدموا عليه من اهوال القيامة. ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا عند معاينتهم ما اعد لهم من الثواب، والنعيم المقيم عنده وقبل: انه لا يحزنون من الموت.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {هَادُواْ} بضم الدال. وقرئ بالفتح. والقراءة المعروفة في {ٱلصَّابِئِينَ} وكذا {ٱلصَّابِئُونَ} بإثبات الهمزة في كلّ القرآن. وعن نافع والزهري بترك الهمزة. وعن أبي جعفر بيائين خالصتين فيهما. وترك الهمزة يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من "صَبا، يَصبُوا" أي: مالَ إلى الشيء. والآخر: قلب الهمزة ياء. واختيار الهمزة أولى، لأنّه قراءة الأكثر، ولأنّه أقرب إلى معنى التفسير، لأنّ أهل العلم قالوا: الصابي هو الخارج من دين إلى دين لم يشرّع له، فمن قرأ بغير الهمزة يحمل على قلب الهمزة. واختُلف في اشتقاق اسم "اليهود". فقيل: هو من "الهود" أي: التوبة لتوبتهم من عبادة العِجل. وقيل: إنّما سمّوا بذلك لانتسابهم إلى "يَهودا" أكبر أولاد يعقوب. وقيل لأنّهم هادُوا - أي: مالوا - عن دين الإسلام. وقيل: لأنّهم يتهوّدون - أي يتحرّكون - عند قراءة التوراة، ويقولون: "إنّ السماوات والأرضَ تحرّكت حين آتى الله موسى (عليه السلام) التوراة". واليهود اسم جمع واحدهم "يهودي"، كالزنج والزنجي. و {ٱلنَّصَارَىٰ} جمع نَصران، كسَكران وسُكارى. ومؤنثه: "نَصرانة" والياء في نصراني للمبالغة. واختلفوا في اشتقاقه. فعن ابن عباس: هو من "ناصرة" قرية كان يسكنها عيسى (عليه السلام). وقيل: إنّما سمّوا بذلك لقوله (عليه السلام): {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:52]. و {ٱلصَّابِئُونَ} جمع الصابي. وهو مَن انتقل مِن دين إلى دين آخر. قال أبو علي قال أبو زيد: صبأ الرجل في دينه يَصبو صبوءاً إذا كان صابئاً. وصَبأ نابُ الصبي، يصبأ صبأ: إذا طلَع. وصبأت عليهم إذا طلعت عليهم، وطرأت مثله. فمعنى الصابي التارك دينه الذي شرّع له إلى دين غيره، كما أنّ الصابئ على القوم تارك لأرضه، ومنتقِل إلى سواها، لأنّهم تركوا دين التوحيد إلى عبادة روحانيّات النجوم، وملائكة السماوات، أو تعظيمها وجعلها وسائل وشفعاء لهم إلى الله. وقال قتادة: وهم قوم معروفون، ولهم مذهب يتفرّدون به، ومن دينهم عبادة النجوم، وهم يقرّون بالصانع وبالمعاد، وببعض الأنبياء. وقال مجاهد والحسن: الصابئون بين اليهود والمجوس لا دين لهم. وقال السدّي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزّبور. وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى، إلاّ أنّ قبلتهم نحو مهبّ الجنوب حَيال منتصف النهار، يزعمون أنّهم على دين نوح (عليه السلام). وعامّة الفقهاء يجيزون أخذ الجِزية منهم، وعند أصحابنا الإماميّة لا يجوز ذلك لأنّهم لا كتاب لهم. المعنى: واعلم أنّ من عادة الله الرحيم بعباده، إذا ذكَر وعيداً عقَّبه بضده، لئلاّ ييئس عباده من رحمته، وإذا ذكَر آية رجاء عقَّبها بآية الخَوف، لئلاّ يأمن عباده من مكر الله. فهاهنا لمّا ذكر أحوال كفَرة أهل الكتاب، وما نزَل بهم من العقوبة، أخبَر بما وعَد للمؤمنين من كل طائفة من الثواب الجزيل والأجر العظيم، دالاًّ على أنّه سبحانه كما يجازي المسيء بإساءته يكافئ المحسِن بإحسانه، كما قال تعالى: {أية : لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : [النجم:31]. فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. واختلفوا في المراد منهم. فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى (عليه السلام)، ثمّ لم يتهوّدوا ولم يتنصّروا ولم يتصبّأوا، وانتظروا خروجَ محمّد (صلّى الله عليه وآله). وقيل: هم طلاّب الدين، منهم: حبيب النجّار، وقسّ بن ساعدة، وزيد ابن عمرو بن نفيل، والبراء الشني، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي (صلّى الله عليه وآله) قبل مبعثه. فمنهم من أدركه وتابَعه، ومنهم من لم يدركه. وقيل: مؤمنوا الأُمَم الماضية. وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة. وقال السدّي: هو سلمان الفارسي وأصحابه النصارى، الذين كانوا قد تنصَّر على أيديهم قبل مبعث الرسول، وكانوا أخبَروه بأنّه سيبعث، وأنّهم يؤمنون به إن أدركوه. وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فإنّ ذلك يقتضي أنّ المراد من الإيمان في أوّل الآية غير المراد به في آخرها ونظير هذا قوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [النساء:136]. والأجود أن يكون معنى الإيمان في الأوّل، الإيمان الظاهري المعروف بين الأُمّة، ومعناه في الثاني هو الإيمان الحقيقي، الذي هو عبارة عن عرفان الله بوحدانيّته، وصفاته الإلهية، وأفعاله المحكمة، وعرفان اليوم الآخر، وحقيقته رجوع الأشياء إليه، وحشر الإنسان إلى الدار الآخرة كلّ ذلك على وجه اليقين والتحقيق. وهذا أمر في غاية العزّة والشرف، وقلَّ من المعروفين بالإيمان من تصوّر هذه الأشياء، تصوُّراً حقيقياً، أو بوجه خاصّ رسمي. والقرآن مشحون بالإشعار بما ذكرناه، كقوله: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف:106]. وقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103]. وقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء:136]. فالإيمان الحقيقي غير الإيمان الظاهري المجازي. فعلى هذا لا حاجة إلى حمل قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} على غير طائفة أهل هذه الملّة الإسلاميّة، بل هذه الأقوال لو ذكرت في قوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} لكان أولى بأن يقال: من الذين هم مؤمنوا بني إسرائيل، ومن الذين هم مؤمنوا قوم عيسى (عليه السلام)، ومن مؤمني جماعة الصابئين، ومِن المؤمن بالله واليوم الآخر، من هؤلاء الطوائف، سواء كانوا في سابق الزمان قبل ظهور الإسلام، أو في عهد الإسلام. ولكن الإيمان بهذا المعنى الحقيقي أمر باطني لا يعرف الموصوف به إلاّ الله وأنبياؤه وأولياؤه (عليهم السلام). ويؤيّد هذا التفسير قول سفيان الثوري، حيث نقل صاحب الكبير عنه: أنه تعالى لما ذكَر في أوّل هذه السورة طريقة المنافقين، ثمّ طريقة اليهود. فالمراد من قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب، وهم المنافقون. فذكَر المنافقين، ثمّ اليهود، والنصارى، والصابئين. فكأنّه تعالى قال: "أولئك المبطِلون كلّ من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من الفائزين عند الله بالأجر العظيم". ومن هاهنا يعلم أنّ المقصود الأصلي من بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، هو الإيمان بالمبدإ والمعاد، مع العمل الصالح، حتّى لو فُرض أحدٌ لم يكن يرى نبيّاً من الأنبياء، ولم يصل إليه خبره، أو كان في أزمنة الفتَرات، وهو مع هذا عالِم بالله واليوم الآخر، عاملٌ بالعمل الصالح، لكان من السعداء الناجين. وروي عن ابن عباس أنّ هذه منسوخة بقوله: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران:85]. وهذا بعيدٌ لأنّ النسخ لا يجوز أن يرد على الخبر الذي هو متضمّن للوعد. وإنّما يجوز دخوله في الأحكام الشرعيّة، التي يجوز تغيُّرها، وتبدّلها، بتغيّر المصلحة، فالأولى أن يُمنع صحّة هذا النقل عن ابن عباس. وذهب بعضُهم إلى أنّ حكم الآية ثابت. والمراد بها: إنّ الذين آمَنوا بأفواهِهم ولم تؤمن قلوبُهم من المنافقين، واليهود، والنصارى، والصابئين إذا آمنوا بعد النفاق، وأسلَموا بعد العناد، كان لهم أجرهم عند ربّهم، كمن آمن في أول استدعائه إلى الإيمان، من غير نفاق، ولا عناد، لأنّ قوماً من المسلمين قالوا: "إنّ من أسلَم بعد نفاقه وعناده كان ثوابُه أنقص، وأجرُه أقلّ" فأخبَر الله بهذه الآية أنّهم سواء في الأجر والثواب. فصل قوله: {بِاللهِ} متعلّق بقوله: {آمَنُواْ} أي: آمَنوا بتوحيد الله، وعلْمه، وقدرته، وسائر صفاته الكماليّة، وصفاته التقديسيّة، وعدله، وحكمته. وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: بيوم القيامة، والبعث، والنشور، والحساب، والكتاب، والجنّة، والنار، وقوله: {عَمِلَ صَالِحاً} أي: عمل ما به يصلح لدخول الجنّة، والقُرب من الله من الطاعات والعبادات. وإنّما لم يذكر ترك المعاصي لأنّ تركها من جملة الأعمال الصالحة. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} أي: جزاؤهم معدّ وموجود لهم. وهذا يدلّ على أنّ الأجر والثواب من النتائج اللازمة، والغايات التابعة، للإيمان والعمل الصالح، كما أنّ الألم والعقاب من لوازم الكفر والمعاصي. وقوله: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} مضى تفسيره. وقيل معناه: لا خوف عليهم فيما قدّموا، ولا هم يحزنون على ما خلّفوا. وقيل: لا خوف عليهم في العُقبى، ولا هم يحزنون على فوات الدنيا. فصل ما هو الإيمان؟ إعلم أنّ هذه الآية دالّة على أنّ الإيمان هو التصديق والاعتقاد بالقلب، لأنّه تعالى قال: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ثمّ عطف عليه بقوله: {وَعَمِلَ صَالِحاً} والعطف يدلّ على المغايرة. ومَن حمَل ذلك على التأكيد، أو الفصل فقد ترك الظاهر بلا حجّة، وكلّ موضع يذكر فيه أمْر ثمّ يذكر فيه ما يدخل تحته فهو محمولٌ على التوسّع والمجاز. مثل قوله تعالى: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن:68]. وقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب:7]. وغيرهما ولو لم يحمل على المجاز لقلنا: إنّه ليس بداخل في الأوّل. واعلم أنّ من اعتبر في الإيمان عمل الأركان، كأنّه رأى أنّ الإيمان من لوازمه غالباً إتيان العمل الصالح، أو أراد بالإيمان الإيمان الظاهري، فمَن ادّعى الإيمان وترك الصلاة والزكاة والحجّ، وغيرها فلا يعدّونه من جملة المؤمنين، لكن الإيمان الحقيقي يمكن أن يتحقّق بدون العمل، كمن استبصر، وتنوّر قلبُه بنور العرفان، وقضى نحبَه مقارناً بإيمانه، فهو مؤمنٌ عند الله حقّاً.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ الّذى هو نفس البيعة العامّة او الحاصل بالبيعة العامّة او الشّبيه بالحالة الحاصلة من البيعة العامّة كما سبق مفصّلاً والحاصل أنّ المراد بالايمان هذا هو معنى الاسلام {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} هاد وتهوّد وسائر متصرّفاتهما من المشتقّات الجعليّة المأخوذة من اليهود بمعنى دخل فى اليهوديّة او انتحلها، ويهود امّا عربىّ من هاد اذا تاب؛ سمّوا به لأنّهم تابوا على يد نبيّهم، او لأنّهم تابوا عن عبادة العجل، وامّا معرّب يهودا أكبر اولاد يعقوب سمّوا باسمه {وَٱلنَّصَارَىٰ} والّذين تنصّروا عدل عن الموصول وصلته لانّ نصر لم يستعمل مأخوذاً من النّصرانيّة ومعناه اللّغوىّ غير مقصود وتنصّروا ان كان من المشتقّات الجعليّة المأخوذة من النّصرانيّة لكنّ الاغلب استعماله فى انتحال النّصرانيّة لا فى الدّخول فيها، والنّصارى جمع النّصران كالسّكارى والسّكران وصف مأخوذ من نصر؛ سمّوا به لأنّهم نصروا عيسى (ع)، او مأخوذ جعلىٌّ من النّاصرة، او من النّصرانة اسم قرية نزلتها مريم وعيسى (ع) بعد رجوعهما من مصر، واجتمع النّصارى فيها، والياء فى النّصرانىّ للمبالغة او للنّسبة على الاخير {وَٱلصَّابِئِينَ} عبدة الكواكب سمّوا به لأنّهم صَبوا اى مالوا الى دين الله او عن دين الله ان قرء بدون الهمزة او لانّهم صِبئوا عن دين الله او صبؤا الى دين الله اى خرجوا ان قرأ بالهمزة وعدل عن الموصول لما ذكر فى النّصارى {مَنْ آمَنَ} منهم {بِٱللَّهِ} بالايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولاية وقبول الدّعوة الباطنة ودخول الايمان فى القلب ودخول الانسان فى دار الايمان وقبول الولاية واحكام القلب او المراد بالايمان معناه اللّغوىّ اى من أذعن بالله او بعلىّ (ع) لانّه مظهره، او المراد بالايمان الاسلام اى من آمن بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة بالله، {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} اى عمل الاعمال المأخوذة عليه فى بيعته على المعنى الاوّل للايمان، او المراد بالعمل الصّالح على المعنيين الأخيرين للايمان البيعة الخاصّة الولاية فانّها اصل الاعمال الصّالحة وبدونها لا يكون عمل صالح اصلاً {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} اى الاجر الّذى ينبغى ان يكون لهم ولا يمكن معرفته الاّ بالاضافة اليهم {عِندَ رَبِّهِمْ} والتّقييد بكونه عند ربّهم تعظيم آخر للاجر والمقصود انّ الاسلام واليهوديّة والنّصرانيّة والصّابئيّة متساوية فى ثبوت الاجر العظيم اذا انتهى كلّ منها الى الولاية وقبول الدّعوة الباطنة ودخول الايمان فى القلب، واذا لم ينته الى الولاية فالعبارة تدلّ بمفهوم المخالفة على ان لا اجر عند ربّهم لشيئٍ منها سواء لم يكن أجر او كان ولكن لم يكن عند ربّهم، وتفصيل هذا الاجمال كما يستفاد من الآيات والاخبار انّ من أنكر الولاية فله عقوبته، ومن لم ينكر ولم يذعن فهو مرجئٌ لأمر الله؛ امّا يعذّبه وامّا يتوب عليه سواء كان المنكر مسلماً او غيره، ومن لم ينكر ولم يذعن ولكن كان فى زمان الرّسول ووقف على البيعة العامّة كان ناجياً ببيعته العامّة مع الرّسول فانّ الله لا يلتهُ من أعماله شيئاً {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى بيان مفصّل لهذه الآية فلا نعيده.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} يعني تهوَّدوا {وَالنَّصَارَى} يعني تنصَّروا. وقال في آية أخرى: (أية : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) تفسير : [المائدة:14] وإنما سمّوا نصارى لأنهم كانوا بقرية تسمى ناصرة، في تفسير بعضهم. {وَالصَّابِئِينَ} هم قوم يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة. وقال مجاهد: قوم بين اليهود والمجوس، لا دين لهم. قوله: {مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني الجنة عند ربهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي في الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي على الدنيا. يعني من آمن بمحمد وعمل بشرائعه. والإِيمان بمحمد أنه رسول الله إيمان بالله. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} والطور الجبل. {خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم} أي ما أعطيناكم {بِقُوَّةٍ} أي بجِدّ. قال بعض المفسّرين: جبل كانوا بأصله. فاقتلع الجبل من أصله فأشرف عليهم به. فقال: لتأخذُنّ أمري أو لأرمينّكم به. وفي تفسير بعضهم: لأرمينّكم به فلأقتلنّكم. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} أي ما في الكتاب، يعني التوراة، أي احفظوا ما فيه [واعملوا به] {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا. ففعلوا.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمنُوا}: أى قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، محمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا على عمومه من غير اعتبار موافقة القلب، ولا عدمها ولا الوفاء بالعمل الصالح ولا عدمه، وإنما اشترط موافقة القلب والعمل الصالح بعد ذلك بقوله: {من آمن..} إلخ. {وَالَّذِينَ هَادُوا}: قبل بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعدها، وهذا على عمومه من غير اعتبار الإيمان به صلى الله عليه وسلم وبعيسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام، ولا عدم الإيمان ولا العمل الصالح ولا عدمه، وكذا فى الصابئين والنصارى، وإنما اشترط الإيمان بهم جميعاً والعمل الصالح بعد ذلك بقوله: من آمن.. إلخ. {والذين هادوا} هم اليهود، ومعنى هادوا كانوا على دين اليهود، وزعم قوم أن الحكم فى هذه الآية نفى الخوف والحزن عمن آمن من اليهود والنصارى والصابئين منسوخ بقوله تعالى: {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً}تفسير : على أن المراد بهم من يتبع أحكام التوراة والإنجيل المخالفة للقرآن، ويجوز أن يكون النسخ لكل مخالف بما خالفه من القرآن على حدة، ولفظ اليهود إما عربى من هَاد يهود إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، أو لقولهم حينئذ: {إنا هدنا إليك} أى تبنا إليك، وقيل إنما قال: {إنما هدنا إليك} أى تبنا، وقيل: إنما قال: {إنا هدنا إليك} موسى، فسموا بذلك لقوله، قال ابن مسعود رضى الله عنهُ: سموا بذلك لقول موسى: {إنا هدنا إليك} وقيل: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين موسى بعده، وفى زمانه إذ بدلوا وغيروا، وقيل لأنهم مالوا عن دينه ودين سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرد هذا القول أن تسميتهم باليهود سابقة قبل زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يحتمل تفسيراً لقوله هادوا أى والذين مالوا عنهما على غير ما ذكرت من المراد بالذين هادوا العموم، وإما غير عربى بل معرب يهوذا بإسقاط ألفه وإهمال ذاله وتسميتهم به، وهو أكبر أولاد يعقوب عليه السلام كما تسمى القبائل باسم أبيها كمضر وكنانة وتميم. {وَالنَّصَارَى}: جمع نصران مثل قولهم فى جمع ندمان ندامى والياء فى نصرانى للمبالغة المزيدة على المبالغة فى نصران، فإن فى نصران مبالغة زيدت عليه ياء النسب لزيادة المبالغة، كما زيدت فى أحمر لنضيل اسم المبالغة فقيل أحمرى، وكما زيدت بزيادة المبالغة فى قوله: شعر : والدهر بالإنسان دوارى تفسير : وسموا نصارى لأنهم نصروا المسيح عليه السلام، أو لقول الحواريين منهم نحن أنصار الله أو لكونهم معه فى قرية يقال لها نصران، فسمى كل واحد باسمها وهو نصران، وما الياء فى نصرانى إلا مزيدة على نصران، وجمع بعد التسمية على نصارى، أو يقال لتلك القرية ناصرة فأخذ لهم اسم من مادة هذا الاسم، ولو اختلف الوزن، وفى الصحاح نصران قرية بالشام وينسب إليها النصارى.. انتهى. وإنما نسبوا إليها لأن المسيح كان ينزلها، ويقال رجل نصران وامرأة نصرانة ونصرانى ونصرانية، قال قائل:شعر : نصرانة لم تحنف تفسير : وهو بعض شطر من بيت الطويل ذكره فى الكشاف غير تام. {وَالصَّابِئِينَ}: قوم ركبوا ديناً من التوراة والإنجيل فهم أهل كتاب، وقال مجاهد وابن جريج: قوم بين اليهود والمجوس فليسوا من أهل الكتاب، وعلى هذا لا تحل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وقيل: قوم بين المجوس والنصارى فليسوا بأهل كتاب. وقول عمر وابن عباس والسدى: إنهم قوم من أهل الكتاب هو فى معنى ما ذكرته أولا من أن دينهم مركب من التوراة والإنجيل، كما عبر بعضهم بأنهم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم، ولكن قال عمر: تحل ذبائحهم ونساؤهم، وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ونساؤهم بعد أن قال إنهم من أهل الكتاب. وعن مجاهد: قوم لا دين لهم، وقد يجمع بين الروايتين عنه بأن من جمع المجوسية إلى اليهودية لا دين له معتبر. وقيل: هم قوم يقرون بالله سبحانهُ ويقرون الزبور ويعبدون الملائكة، ويصلون الصلوات الخمس إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئاً وهو قول الحسن بن أبى الحسن وقتادة: رآهم زياد بن أبى سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة، وقال ابن زيد: هم قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا بجزيرة الموصل، وقيل: قوم يعبدون الكواكب ويعتقدون أنها مدبرة وأنها تقرب إلى الله سبحانه، وقيل: أصل دينهم دين نوح يعنى قائله أنهم زادوا عليه ما ليس منه كعباده الملائكة أو الكواكب ونقصوا مما فيه، وإنما سموا بالصابئين لأنهم صبوا من دين إلى دين أو من سائر الأديان إلى دينهم أو من الحق إلى الباطل، أى مالوا. يقال: صبو يصبوا أى مال. قال الشاعر من الوافر المجز: شعر : وإلى هنا صبا قلبى وهند مثلها تصبى تفسير : أى مال قلبى إليها ومثلها مميل وهو غير مهموز عند نافع وأبى جعفر، وذلك معنى غير مهموز، وقرأ الباقون الصابئين بالهمز بين الباء والياء من صبأ بالهمز إذا خرج، قال الصفا قصى: خرجوا من دين مشهور إلى غيره. قال عياض: الصابئ فى اللغة من خرج من دين إلى دين، قلت: أو سموا لأنهم خرجوا عن سائر الأديان إلى دينهم أو من الحق إلى الباطل، ويجوز تفسير قراءة نافع وأبى جعفر بالخروج بأوجهه المذكورة بأن يكون الأصل عنده الهمز فخففه بالقلب ياء فحذفها لالتقاء الساكنين فبقيت ياء الجمع، وقال بعض أصحابنا ـ رحمهم الله ـ وسقاهم من حوض نبيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: إنهم سموا لأنهم اختاروا مطايب التوراة ومطايب الإنجيل، فقالوا: أصبنا ديناً ووجهه أنهُ اسم فاعل من صاب يصيب فهو صائب، وهو ثلاثى قدمت إلى لام وهو الباءُ الموحدة على العين، فقيل الصابى، كما يقال فى شائك الشاكى. {مَنْ آمَنَ}: منهم. {باللهِ وَالْيَوْمِ الآخر}: فى قلبه مواطئاً للسانه فى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم أو قبله. {وَعَمِلَ صَالِحاً}: العمل الصالح فى جنب من كان قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يعمل ما فرض عليه فى شرعه الذى لم ينسخه كتاب بعده وفى جنب من كان بعد بعثته صلى الله عليه وسلم أن يعمل بما فى القرآن، وما يوحى إليه مؤمناً به صلى الله عليه وسلم، والعمل بكتاب نبى يتضمن الإيمان بذلك النبى، وأيضاً فإن الإيمان بنبى فى القلب عمل صالح أيضاً، فقد دخل الإيمان بالأنبياء فى قوله: {وعمل صالحاً} ولا يشترط لمن لم يبلغهُ خبر نبى أن يعلمه ويؤمن به، ويجوز أن يكون المراد بقولهِ: {الذين آمنوا} المؤمنون من هذه الأمة بالقلب واللسان إيماناً راسخاً يتبعه العمل. وبقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً}، من كان كذلك من اليهود والنصارى والصابئين، فعلى هذا الاحتمال يكون من بدل بعض من {الذين هادوا والنصارى والصابئين} والرابط محذوف أى من آمن منهم بإعادة الهاء إلى الثلاثة فقط، وأما على الوجه الأول فبدل بعض من {الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} والرابط محذوف وتقديره منهم بإعادة الهاء إلى الأربعة، أو مبتدأ ثان والآية على كل حال مخرجة لمن لم يؤمن بقلبه ولمن لم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو بنبى غيره. وقال السدى: المراد بالذين آمنوا طلاب دين سيدنا إبراهيم قبل بعث سيدنا محمد صلى الله عليهما وسلم: كزيد بن عمرو، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبحيرا الراهب، وأبى ذر الغفارى، وسلمان الفارسى، منهم من لم يدرك بعثة، كبعثه صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أدركه كأبى ذر وسلمان وهم صادقون فى إيمانهم، وبالذين هادوا والنصارى والصابئين أصحاب هؤلاء الأديان الباطلة، وبمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من أخلص فى إيمانه منهم بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، فلم يفرق بين أحد من رسله وأنبيائه وآمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعمل صالحاً بشرعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى هذا فالمؤمنون من العرب ومن غير من ذكر مذكورين فى الآية، بل يدخلون فيها بالمعنى، وذكروا فى غيرها وكذا عند من قال: الذين آمنوا هم المؤمنون من سائر الأمم الماضية قبل اليهود والنصارى والصابئين، أو فى زمانهم على شريعة من الله غير منسوخة، وقيل المراد بالذين آمنوا من آن بلسانه فقط، فيكون معنى قوله: {من آمن بالله..} إلخ من ترك اقتصاره على إيمان اللسان فزاد إليه الإيمان بالقلب والوفاء، ومن ترك اليهودية والنصرانية والصابئية فرجع إلى الحق، وقيل المراد بالذين آمنوا المؤمنون به صلى الله عليه وسلم حقاً، وبقوله من آمن بالله. من داوم على الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ومن حدث إيمانه به صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى والصابئين، لكن يلزم الجمع على هذا بين الحقيقة والمجاز، فإن استعمال دوام آمن فى معنى على الإيمان مجاز وفى معنى أحدث الإيمان حقيقة والشافعى يجيز ذلك. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِم}: جزاء إيمانهم وعملهم الصالح الذى وعده الله لهم وهو الجنة، وهذه الجملة جواب من الشرطية التى هى مبتدأ ثان، وجملة الشرط والجواب خبر إن واسمها هو المبتدأ الأول فى الأصل، ولك أن تجعل من موصولة مبتدأ ثانياً، وهذه الجملة خبرها قرنت بالفاء لشبهها باسم الشرط فى العموم والمجموع خبر إن أو موصولة بدلا من اسم إن، والجملة خبر إن قرنت بالفاء لأن اسمها موصول يشبه اسم الشرط كذلك، لأن المراد به الجنس أو خبر لها باعتبار ما أبدل من اسمها وهو من الموصولة وهى أشبه باسم الشرط من الذين، ولعله لم تصح الرواية عن سيبويه بمنع الفاء فى خبر إن الشبيه اسمها باسم الشرط لقوله تعالى: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} تفسير : والذى عندى أن خبر اسم الشرط هو جملة الجواب، واختار التفتزانى أنه جملة الشرط وجملة الجواب، واختار قوم أنه جملة الشرط. قال التفتزانى: وهو غريب، وإذا كان جملة {لهم أجرهم} خبر من، أو خبر إن باعتبار بدل اسمها فقد اعتبر لفظ من فى آمن وعمل، ومعناها فى فلهم أجرهم عند ربهم. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: عند الموت وبعده وفى الآخرة من عقاب حين يخاف الكفار من العقاب. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}: حين يحزن الكفار والمصرون على الكفر، والتقصير وتضييع العمر وتفويت الثواب، وهو حين الموت وبعده والآخرة.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من لدن آدم أو بعدها بالأنبياء الوحى والكتب، كتبّع، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وقيل: المنافقون بإضمار الشرك، وقيل: مؤمنو هذه الأمة، فمنعنى من آمن على هذا القول، والأول من آمن من اليهود والنصارى والصابئين، وأما على غيرهما فالمعنى من تاب من نفاقه ويهوديته ونصرانيته وصابئيته، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ هَادُوا} دخلوا فى اليهودية، من هاد بمعنى تاب من عباد العجل، أو سكن، ومنعه الهوادة، أومعرب يهوذا، بذال معجمة بعدها ألف، عرب إهمال الذال وإسقاط الألف، سمو باسم ولد يعقوب يهوذا، وهو أكبر ولده. ولا يلزم أن يكون هذا الاسم قبل موسى، مع أنهم فى زمانه وما بعده فقط، ولا أن يكونوا كلهم عبدوا العجل، لأن التسمية تحدث ولو بعد زمان من سموا به، ولأن وجه التسمية فى بعض لأفراد كيف {وَالنَّصَٰرَى} جمع نصران، كالندامى، واليا فى نصرانى لمبالغة، كقوله: والدهر بالإنسان دوَّارىّ، أى دوار ورجل أحمرى، أى أحمر، وقيل للوحدة، كزنجى من زنج، ورمى مر روم، وقيل جمع نصرى كمهرى ومهارى. حذفت إحدى ياءيه، وفتحت الراء، وقلبت للياء الباقية ألفا، سموا لأنهم نصروا المسيح، أو لأنهم كانوا معه فى قرية يقال لها نصران عند الجوهرى، أو نصرانية، أو نصرانيا، أو نصرى، أو ناصرة، كان عيسى ينزلها، سموا باسمها، أو باسم من أسسها، كما سميت قسنطينة المغرب والعظمى، باسم من بناها {وَالصَّٰبِئِينَ} طائفة من اليهود، أو من النصارى عبدوا الملائكة والكواكب، أو بين اليهود والمجوس، أو تعبد الكواكب فى الباطن وتنتسب إلى النصارى فى الظاهر. أو لفقوا دينا من التوراة والإنجيل، ولما جاء القرآن أخذوا منه بعضا. كالصلاة إلى الكعبة والوضوء. أقوال. ويدعون أنهم على دين صابىء ابن شيث بن آدم، وقيل: منهم من يعبدون الكواكب الثوابت: وهم صابئة صفد، ومنهم من يعبدون السيارة، وهم صابئة الروم، ومنهم من يفزع إلى الجمادات، ومنهم من يصلى إلى الجنوب، ومنهم من يعبد الملائكة، من صبا يصبو بلا همز، أو صبأ يصبأ بالهمزة، قلبت ياء، وحذفت كما حذفت فى الأول الياء التى هى عن واد {مَنْ آمَنَ} من اليهود والنصارى والصابئين وترك الإشراك بالله {بِاللهِ} ورسله وأنبيائه وكتبه ولم ينكر نبيا أو كتابا {وَالْيَوْمِ الآخِرِ} يوم البعث والجزاء. ولم يذكر المجوس لأنه ليس منهم من لو تبع كتابه لنجا، إذ كتابهم أضاعوه سرعة {وَعَمِلَ صَٰلِحاً} ولم يفرق بين أحد من رسله قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعدها، فآمن به واتبع القرآن، ومن لم يؤمن به، وبالقرآن لم ينتفع بعمله فهو مشرك فى النار، وهو غير متبع للتوراة والإنجيل، بل كافر بهما أيضاً، لأن فيهما الأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم، وكذا من كفر من اليهود والنصارى قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. لا يدخلون فى الآية، كمن قال، عيسى إله، ومريم إله، أو عيسى ابن الله {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} أجرة علمهم للطاعات، وتركهم للمعاصى والمكروهات {عِنْدَ رَبِّهِمْ} حفظه الله لهم لا يضيع، كما يحفظ الشىء، بحضرة الملك فى خزانته {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من العقاب لانتفاعه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على تضييع العمر، وفوت الأجر، والفضل لعدم تضييعهم، وعدم الفوت، والمراد الخوف والحزن الدائمان؛ فإنه الشقى فى الآخرة لا يزول خوفه وحزنه حتى يدخل النار بل يخاف فيها أيضاً، لأنه يخاف فى كل عقاب عقاباً بعده، ويحزن لذلك، ودخل فى الآية أهل الفترة الذين آمنوا وأدركوا البعثة كأبى ذر، وسلمان رضى الله عنهما، أو لم يدركها كقيس بن ساعدة، قيل: وورقة ابن نوفل، وبحيرا الراهب. روى أن سلمان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقول فى أهل دين كنت معهم، وذكر صلاتهم وعبادتهم؟ فقال: هم فى النار، فأظلمت علىّ الأرض، فنزلت: {إنَّ الذِينَ آمنوا..} الآية، فكأنما كشف عنى جبل.

الخليلي

تفسير : للمفسرين في بيان ما يراد بالآية رأيان؛ منهم من ذهب إلى أنها نزلت تبشيرا للصالحين من هذه الأمة وتبيانا لأحوال أسلاف الأمم السابقة المتقيدين برسالات الله تعالى الذين لم يشب إيمانهم كفران، ولم يلحق عملهم انحراف، فقد جمعوا بين رسوخ الإِيمان وصلاح العمل، فهم معدودون في السعداء الفائزين {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، ذلك لأن شموس رسالات الله كانت تطلع على الأرض بالهدى ودين الحق فيستنير بها السالكون الموفقون وكانت جميع هذه الرسالات متفقة في أصولها، متحدة في أهدافها، فقد كانت تدعو إلى عقيدة واحدة، وهي عقيدة التوحيد، وعدم إشراك أحد مع الله، {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]، كما كانت تغرس في النفوس روح الفضيلة والتقوى، وإنما كانت تختلف فيها كيفيات العبادات كما تختلف شرائعها وأحكامها بحسب ما يرى الله من مصلحة للعباد، فمن كان تابعا لرسالة من هذه الرسالات، معتصما بحبلها، متقيدا بحكمها، فهو على هدى من الله حتى تنسخ برسالة غيرها، فإذا مات على ذلك فهو من المبشرين بالفوز والسعادة في هذه الآية وأمثالها، أما من كان من أتباع إحدى هذه الرسالات ثم أدركته رسالة ناسخة لها لم يكن له أن يتردد في إتباع الناسخة، وأن يتشبث بالمنسوخة، لأن أحكام المنسوخة أحكام وقتية محدودة انتهى أمدها بما أتى بعدها، فمن كان من أتباع موسى مثلا وأدركته رسالة عيسى عليه السلام لم يكن له عذر في ترك اتباع عيسى وعدم الإِيمان به، بل يُعد ذلك كفرا بموسى نفسه وبما جاء به لتبشيره بالمسيح عليه السلام، وكذلك من كان من أتباع عيسى وأدركته رسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وجب عليه أن يستجيب لندائها، وأن يستظل بلوائها، وأن يترك ما كان عليه، وإلا كان كافرا بالرسالتين جميعا وبالرسالات السابقة كلها لما فيها من التبشير صلى الله عليه وسلم ولأخذ الله مواثيق الأمم على ألسنة أنبيائهم بأن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم، {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]، فالمذكورون مع الذين آمنوا في الآية على هذا القول - هم الذين كانوا متعبدين بالرسالات السابقة قبل إشراق شمس الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؛ وعليه فالمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه ربما ظن ظان وفكر مفكر - بعدما سمع مما سبق من الآيات من قوارع الوعيد لبني إسرائيل وما سجل عليهم فيها من سفه أحلامهم وضلال سعيهم - أنهم جميعا تشملهم تلك الأوصاف، ويحيق بهم ذلك الوعيد، فلا مفر لأحد منهم من قبضة العذاب، فأراد الله أن يدرأ هذا الوهم وأن يبين عدله فيهم وفي غيرهم، فهم لم يُمقتوا لعنصرهم وإنما مُقت من مقت منهم لضلال معتقده وسوء صنيعه، وأن شأن الله معهم كشأنه مع هذه الأمة وسائر الأمم، فليس بين الله أحد من خلقه نسب، ولا يصل الناس به ويقربهم إليه إلا الإِيمان الخالص والعمل الصالح، فمن جمع بينهما فاز برضوانه وثوابه، ومن فرّط فيهما خسر الدنيا والآخرة، على أن ممن مضى من بني اسرائيل أمة قدرت الله حق قدره فأحسنت عبادته وأقامت دينه خلد الله ثناءها في قوله: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159]. وذهب آخرون إلى أن الآية تبشر الذين يقلعون عن غيهم من أصحاب الديانات المنحرفة، ويتبعون الهدى الذي بُعث به محمد صلوات الله وسلامه عليه بعدما اتضحت لهم حجته وأضاء لهم نوره، وتجلى لهم إعجازه، ولا يفرطون فيما فرض الله عليهم من الإِيمان والعمل، فهم حقيقون بما وعدهم الله به من الجزاء، وعليه فذكر الذين آمنوا للتنويه بالسابقين إلى الإِيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذين كونوا من أنفسهم - مع قلة عددهم وضعف حالهم - أمة مستقلة في عقيدتها وعباداتها وأخلاقها، وللتحريض على اللحاق بهم، والاستبصار بنورهم، ومناسبة الآية بما قبلها - على هذا القول - أن الوعيد الشديد الذي صب فيما قبلها على اليهود صبا قد يلقي بهم في مضايق اليأس من روح الله، والقنوط من رحمته وعفوه لو لم يتبع بما ذُكر هنا من تبشير من آمن منهم وعمل صالحا، وفي هذا دعوة لهم إلى الإِقبال على ما أدبروا عنه من الحق، وتربية لنفوسهم العاتية بالترهيب تارة وبالترغيب أخرى، وفي ذكر الذين آمنوا وغيرهم ممن ذُكر معهم إيناس لوحشتهم وتسكين لروعهم وتحقيق لما ذكرته من قبل من عدل الله بين عباده. وإطلاق لقب الذين آمنوا على هذه الأمة من باب العلمية الغالبة وذلك لجمعها في الإِيمان بين رسالات جميع المرسلين: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} تفسير : [البقرة: 285]، وإلا فهو وصف يصدق عليها وعلى كل الذين آمنوا بما أنزل الله من قبل من الأمم السابقة، وإنما مثل ذلك مثل وصف الإِسلام الذي يصدق على كل من أسلم لله تعالى، وهو بهذا الاعتبار يصدق على جميع أتباع المرسلين، ولذلك وصف الله به النَّبيين الذين يحكمون بالتوراة: {أية : يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} تفسير : [المائدة: 44]، وحكى عن الحواريين قولهم: {أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 52]، وحكى مثله عن أهل الكتاب المتمسكين به وذلك قولهم: {أية : إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} تفسير : [القصص: 53]، وقال في قرية لوط: {أية : فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 36]، ومع ذلك فلفظ المسلمين مع إطلاقه يسبق إلى الذهن أنه ما أريد به إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن الاسلام جاءها على أكمل وجوهه، وأتم نوره، وأوسع أحكامه؛ وتصدير الذين آمنوا في الذكر للحكمة التي أشرت إليها من قبل؛ وبهذا الذي ذكرته ينجلي ما تصوره أكثر المفسرين من الإِشكال في المراد بالذين آمنوا حتى اختلفوا في المراد بهم على أقوال. منها أنهم المنافقون لأنهم آمنوا بألسنتهم وإن لم يدخل الإِيمان في قلوبهم، وهو مروي عن سفيان الثوري، واقتصر عليه صاحب الكشاف وأبو السعود، وعضده بقرينه انتظامهم في سلك الكفرة، وذكر أن التعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عُبِّر عنها بالإِيمان لا تجديهم نفعا أصلا، ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا. وهو قول مرفوض إذ لم يُعهد وصف المنافقين في القرآن بالإِيمان بل نفى الله عنهم الإِيمان بقوله: {أية : وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة: 8]، وقوله: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 14]، وقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. ومنها أنهم الحنيفيون - وهم الذين فارقوا قومهم لما رأوهم عليه من الضلال وآمنوا بالحنيفية الحقة كزيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعده - وبه صدر القطب - رحمه الله - في التيسير وحكى غيره بصيغة قيل، وفي ذلك دليل على أنه مختاره. وهو مردود بأن الحنيفيين منهم من مات قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وهو على الإِيمان الذي هداه الله إليه، ومنهم من أدرك بداية نبوته عليه أفضل الصلاة والسلام فآمن به قبل أن يرسل، وهو ورقة بن نوفل رضي الله عنه، ولم يبق منهم أحد، ولم يبق داع إلى مسلكهم في الإِيمان، بعدما أنزل الله القرآن بالبينات والهدى، واتضحت للناس الحجة وانفتحت لهم أبواب الرشد مع أن ذكر الذين آمنوا في صدر الآية للتنويه بشأنهم والدعوة إلى منهجهم. ومنها أنهم هم الذين نطقوا بالشهادتين لأن ذلك يسمى إيمانا في الظاهر مع غض النظر عن إقرار مضمونها في القلب وتصديقهما بالعمل، واقتصر عليه القطب رضوان الله عليه في الهيميان، وهو كسابقه لأن الإِيمان اللساني وحده لا اعتداد به عند الله حتى يطلق على أصحابه وصف الذين آمنوا. وما ذكرته من أن أتباع النبيين كلهم يصدق عليهم وصف الإِسلام والإِيمان لا ينافي أن تكون لهم ألقاب أخرى. وبما حررته في "الذين آمنوا" ينكشف غيم إشكال آخر تصوره بعض أهل التفسير، وهو تقييد الوعد في آخر الآية بالإِيمان والعمل الصالح مع أن وصف الذين آمنوا نص في إيمانهم، ومقتض لعملهم الصلاح وهذا الإِشكال لا ينشأ على الأقوال الثلاثة التي حكيتها عن المفسرين قبل قليل في المراد بهؤلاء، وقد أدى هذا الإِشكال بمن تصوَّروه إلا الاختلاف في المراد بهذا التقييد، منهم من قال: هو خاص بغير الذين آمنوا وهم الذين هادو والنصارى والصابئون، ومنهم من قال: يراد به في الذين آمنوا الاستمرارية والدوام، وفي غيرهم الإِنشاء من جديد، وإذا أدركتم أن المراد بالذين آمنوا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تتصوروا شيئا من هذا الإِشكال، كيف وقد وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - وهم قاعدة أمته وعلمها - بأكمل الأوصاف ثم قال فيهم: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الفتح: 29]؟ واذا جاز نحو هذا في خير القرون أفلا يجوز في الأمة عموما؟ وتخصيص التقييد ببعض المذكورين دون بعض دعوى لا دليل عليها، وحمله في بعضهم على الاستمرار وفي بعضهم على الإِنشاء حمل للفظ على حقيقته ومجازه في إطلاق واحد. والذين هادوا هم أمة موسى علي السلام، وتسميتهم بذلك مأخوذة من قوله سلام الله عليه: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156]، اعتذارا إلى الله من عبادة قومه للعجل، وعليه فإن هاد بمعنى تاب، ووصفوا بذلك لتوبتهم من عبادتهم العجل، وقيل: من هاد بمعنى مال لأنهم كانكوا يتهادون أي يتمايلون عند تلاوتهم التوراة وهو ضعيف، وقيل سُمَّوا بذلك لدينونتهم باليهودية، ويهود تعريب ليهوذا، وهم اسم لأكبر ولد يعقوب عليه السلام فيما قيل، وسمي به السبط الذي ينحدر من سلالته، ويرى الإِمام ابن عاشور أن إطلاق هذا الإِسم على بني إسرائيل كان بعد موت سليمان عليه السلام عام (975) قبل الميلاد لأن مملكة اسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين، مملكة رحبعام بن سليمان ولم يتبعه إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين وتُلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا، وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه أورشليم، ومملكة ملكها يوربعام بن مناط غلام سليمان، وكان شجاعا نجيبا فملكته بقية الأسباط العشرة عليهم، وجعل مقر مملكته السامرة، وتلقب بملك إسرائيل إلا انه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدو الأوثان، فلأجل ذلك انفصلوا على الجامعة الإِسرائيلة ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفا وخمسين سنة، ثم انقرض على يد ملوك الأشوريين فاستأصلوا الإِسرائيلين الذين بالسامرة وخربوها، ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيدا لهم، وأسكنو بلاد السامرة فريقا من الأشوريين، فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل ملك إلا ملك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناء سليمان عليه السلام، فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يهود أي يهوذا، ودام ملكهم هذا إلى حد سنة (120) قبل الميلاد في زمن الامبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاء الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود، هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط. قال: "ولعل هذا وجه اختيار لفظ {ٱلَّذِينَ هَادُواْ} في الآية دون اليهود للإِشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا، ثم صار اسم اليهود مطلقا على المتدينين بدين التوراة. قال تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : الآية [البقرة: 113] ويقال تهوَّد إذا اتبع شريعة التوراة، وفي الحديث: "حديث : يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"تفسير : ويقال هاد، إذا دان باليهودية، قال تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تفسير : [الأنعام: 146]. والنصارى هم أصحاب الإِنجيل الذي حُمِّلوا، واحدهم نصراني، وأصله نصران كندمان وندامى، وسكران وسكارى وذكر في الكشاف أن ياءه للمبالغة كأحمري، وقيل: أصله ناصري نسبة إلى ناصرة التي نسب إليها المسيح عليه السلام كما جاء في الإِنجيل "يسوع الناصري" فغُيِّر إلى نصراني، وقيل: هو مأخوذ من النصر لقول الحواريين: {أية : نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52]، ونُسب إليه المسيح كما في بعض تسميات أهل الكتاب له، واستدل سيبويه على أن أصل مفرده نصران بدون ياء كندمان بمجيء مؤنثه على نصرانة في قول الشاعر: شعر : "كما سجدت نصرانة لم تَحَنفِ" تفسير : وأنشد بعضهم: شعر : تراه إذا ذر العشى محنفا ويضحى لديه وهو نصران شامس تفسير : والصابئون جمع صابئ من صبأ - بالهمز - إذا ظهر وطلع؛ سُموا بذلك لتميزهم عن سائر أصحاب الديانات بمعتقداتهم وعباداتهم الخاصة بهم، ولذلك كانت العرب تسمي المؤمنين بالصابئة لخروجهم عن دياناتهم؛ وانفرد نافع بقراءة الصابين بحذف الهمزة تخفيفا والأصل الهمز كما علمتم بدليل قراءة الجمهور، وقيل: أصله من صبا يصبو بمعنى مال، سُموا بذلك لميلولتهم عن الديانات إلى ما اختاروه لأنفسهم من الدين؛ والصواب الأول لاشتهار قراءة الهمز، ولأن الطريقة المتبعة تخفيف المهموز لاهمز غير المهموز. وللمفسرين والفقهاء والمؤرخين وسائر الباحثين آراء متعددة في الصابئين، فعن مجاهد قال: الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم، وروي عنه أنهم بين المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وروى ما يقرب منه عن ابن أبي نجيح، وروى عن ابن زيد أنهم أصحاب دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ونبي إلا قول: لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول الله، وألحقهم بعض بالمجوس وهو مروي عن الحسن، ورُوي عن قتادة أنهم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرأون الزبور، ونحوه عن أبي جعفر الرازي، وروي عن زياد أنه أخبر عنهم أنهم يصلون إلى القبلة ويصلون خمس صلوات فأراد أن يضع عنهم الجزية، فأخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة. وروى أبو الزناد عن أبيه أنهم قوم مما يلي العراق وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. وذهبت طائفة من العلماء إلى أنهم من أهل الكتاب، وهو الذي تقتضيه بعض آثار أهل المذهب، وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسُّدى وأبي الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك وإسحاق بن راهويه، وقالوا فيهم: إنهم يقرأون الزبور. ونص أبو حنيفة وإسحاق على جواز مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وهو مما يؤكد كتابيتهم عندهما. وورد في دائرة المعارف الإِسلامية - وهي من وضع المستشرقين - أن اسم الصابئة مشتق من أصل عبري ص ب ع أي غطس، وأن الصابئة تنقسم إلى قسمين: 1) المنديلم والصبوة وهي تمارس شعيرة التعميد أو الغطاس وهم صابئة العراق. 2) صابئة حران وهي فرقة وثنية ربما لم تكن تعرف هذه الشعيرة على الإِطلاق وإنما اصطنعوا هذا الاسم من قبيل الحيطة مبتغين أن ينعموا بالسماحة التي أظهرها القرآن لليهود والنصارى. وذكر الإِمام ابن عاشور أن الأظهر عنده أن أصل كلمة الصابي أو الصابئة أو ما تفرع منها هو لفظ قديم من لغة عربية أو سامية قديمة هي لغة عرب ما بين النهرين من العراق. ونقل عن بعض علماء الإِفرنج زعمه أنهم سُموا صابئة لأن دينهم أتى به قوم من سبأ. وفي بعض آثار أصحابنا أن الصابئين قوم أخذوا ما طاب لهم من التوراة وما طاب لهم من الإنجيل وقالوا قد أصبنا دينا، وظاهر هذا القول أن تسميتهم بالصابئين مأخوذة من قولهم هذا، وعليه ففي حروفه قلب، والأصل صائبون. وروي عن وهب بن منبه أنه سئل عنهم فقال الذي يعرف الله وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا، ويتفق مع هذا الرأي ما ذهب إليه الأستاذ سيد قطب، وهو أنهم قوم من العرب شكوا في عقيدة الجاهلية فبحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها فاهتدوا إلى التوحيد وقالوا إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى ملة إبراهيم، واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة فيهم، فقال عنهم المشركون إنهم صبأوا - أي مالوا عن دين آبائهم - كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك، ومن ثم سُمُّوا الصابئة. وقد كنت أجنح إلى هذا الرأي ترجيحا لأصل المدلول اللغوي للفظ صبأ غير أن وجود طائفة بهذا الاسم معروفة لدى العلماء الذين كتبوا عنهم يرجح أن المقصود به تلك الطائفة، ولست أرى اختلاف الكاتبين عنهم في اصول معتقداتهم وأوصاف عباداتهم إلا ناشئا عن اللبس الحاصل من حالهم بسبب تكتمهم وإخفائهم أصول ديانتهم لئلا تظهر على حقيقتها. ولكتاب المقالات في الأديان والفرق مجال واسع في الحديث عن الصابئين، وتجد مقالاتهم فيها تلتقي تارة وتفترق تارة أخرى، وملخص ما قيل عنهم أنهم قوم يقدسون الروحانيين، ويتعصبون لهم، معتقدين أن للعالم صانعا حكيما مقدسا عن صفات النقص والحدثان، وأن الوصول الى جلاله مستحيل، فلذلك يتقربون إليه بالمتوسطين الذين يعتقدون أنهم مقربون عنده وهم الروحانيون الذين طُهروا تطهيرا، وفُطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يتورعون عن وصفهم بالربوبية والألوهية كما يعتقدون شفاعتهم عند الله وهو رب الأرباب، وبجانب ذلك يعتبرونهم متوسطين في الاختراع وتسيير أحوال الكون لاستمدادهم القوة من الحضرة الإِلهية، ومنهم يفيض ما يفيض منها على الموجودات السفلية ويعتقدون اختصاص كل من الروحانيين بهيكل معين له فلكه الخاص، ويبدو أنهم يتجهون إلى هذه الهياكل في عبادتهم لاعتقادهم حلول الروحانيين بها، وكونهم منها بمثابة الأرواح من الأجساد، ولذلك قال من قال فيهم: إنهم يعبدون الكواكب، وقال آخرون: يعبدون الملائكة: ويعدُّون طهارة النفس وتزكيتها بقدر اقترابها من الطبائع الروحانية وتجردها من آثار القوى الغضبية والشهوانية، لأنها تكون بذلك أكثر انسجاما وتآلفا مع الروحانيين الذين يتقربون إليهم، ونُسب إليهم أنهم يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، وإنما المشهور عن أوائلهم أنهم يدعون عند المعلمين الأوَّلَين للصابئة هما عادمون وهرمز، وهما شيث بن آدم وإدريس عليهما السلام، ولا يعترفون بنبوة غيرهما، وكانت لهم مملكة بالعراق، فلما ظهر عليها الفرس قضوا على مملكتهم ومنعوهم من عباداتهم، ولعل هذا الذي دعا بعض العلماء إلى القول بأنهم من المجوس، وتسلط الروم على صابئة الشام، فلما تنصر قسطنطين امبراطور الروم حملهم بالسيف على التنصر، وهذا الذي جعلهم في حكم النصارى حتى عوملوا معاملتهم في الإِسلام، والنصارى تسميتهم يوحنّا نسبة إلى يوحنا المعمدان، وهو يحيى عليه السلام، وذكر ابن حزم أن دينهم الذي ينتحلونه هو اقدم أديان الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه ما أحدثوا فبعث الله إبراهيم عليه السلام، ولئن كان كذلك فهم كانوا على التوحيد إلى أن شابوه بالمعتقدات الضالة، ومن القائلين من قال: إنهم الكلدانيون الذين بُعث إبراهيم صلى الله وسلم على نبينا وعليه بدعوتهم إلى الهدى ودين الحق. وشُهرت الصابئة بالحرنانية - نسبة إلى حران على غير قياس - ولعل هذه النسبة خاصة بصابئة الشام لكون حران حاضرتهم، ويحتمل أن تكون سرت إلى غيرهم من الصابئين، وذكر ابن تيمية أن معبدا كبيرا كان لهم تحت جامع دمشق قبلته إلى القطب الشمالي، ويرى ابن تيمية أن الصابئين المعنيين في الآية هم الذين اتبعوا ملة ابراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإِنجيل ثم دانوا بالتوراة ثم بالإِنجيل قبل نسخهما وتبديلهما بخلاف المتمجسين منهم والذين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين كالفلاسفة الذين أنكروا المعاد، أو الذين أنكروه وأنكروا حدوث العالم كأرسطو. ويومئ كلامه إلى أن فلاسفة أثينا كانوا من الصابئين وأن أسلافهم كانوا من أهل التوحيد. وعد من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من هؤلاء بالأجر عند ربهم وعدم الخوف والحزن، وفي المراد بقوله: {مَنْ آمَنَ} قولان: قيل أُريد به من التزم بالعقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي المُرسلُ إلى أمته والتزم بما تقتضيه من العمل، وعليه فإن هؤلاء هم الذين درجوا على نهج الرسل السابقين قبل نسخ شرائعهم، وقيل: أُريد به من آمن بالنبي الخاتم - صلوات الله وسلام عليه - عندما بُعث بالملة الخاتمة والشريعة الجامعة، مصدقاً لما أنزل قبله على النبيين - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين - وعليه فالآية نزلت داعية إلى الإِيمان به، - صلوات الله وسلامه عليه - وترك التشبث بشيء من الملل والشرائع السابقة بعدما نسخت بما جاء به - صلوات الله وسلامه عليه - وانما خُصَّ اليهود والنصارى والصابئون بالذكر من بين سائر أصحاب الملل والديانات لأنهم أجدر بالسبق إلى الإِيمان لمعرفتهم بالنبوات وما بقي عندهم من علم الكتاب الذي ينطوي على بشائر جَليّة ببزوغ شمس الرسالة المحمدية الطاوية لظلام الجهل والشك، وذِكرُ الذين آمنوا قبلهم للحكمة التي أومأت إليها من قبل، وهذا القول الأخير أرجح في نفسي مما قبله. والإِيمان بالله يَصْدُق على الإِيمان بذاته وصفاته وأفعاله، ومن أفعاله التي يجب بها الإِيمان: بعثُهُ الرُّسل، وإنزاله الكتب، فيستنتج من هذا دخول أركان الإِيمان الستة التي ورد بها حديث جبريل - عليه السلام - في مدلول الإِيمان بالله وإنما تُلِّي بذكر الإِيمان باليوم الآخر مع أنه من بين هذه الأركان لأهميته، فإنه أقوى العوامل في تقويم المنحرفين وردِّ الشاردين، وذلك أنَّ الإنسان بإيمانه بالخالق العظيم تنبعث في نفسه بواعث على طاعة هذا الخالق الذي أحسن صنعه وصنع كل شيء، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولكن مؤثرات شَتَّى - منها نفسيٌّ ومنها أجنبي - كثيراً ما تقف بهذه البواعث وتصرف النفس عن الشكر إلى الكفران، وعن الطاعة إلى العصيان، وعن الذكر إلى الغفلة، وعن الهدى إلى الضلالة، فتيار الشهوات العارم قد يقضي على كل أثرٍ للضمير في النفس، وعواصف الغرائز الهوجاء قد تطفئ كل جذوة من العقل، إلا انه اذا آمن مع ذلك بالمعاد الذي يحاسب فيه على ما قدم وأخر، وأسرّ وأعلن قوي في نفسه جانب عقله وضميره وأمكنته مقاومة شهواته وغرائزه وتذليلها حتى يقتادها في النهج السويّ، فتكون منا شيء للرحمة والخير والإِحسان، ومن هنا كان المؤمن بالله واليوم الآخر آخذاً من حبل الإِيمان بطرفيه، وهذه هي حكمة اقترانهما وتكررهما في القرآن والسنة وخصوصاً في معرض الأمر أو النهي، وفي مقام الدعوة أو التحذير. والعمل الصالح أثر من آثار الإِيمان لا يمكن انفكاكه عنه كما لا ينفكُّ الظلُّ عن الجسم لأن الإِيمان بالله واليوم الآخر يقتضيان الانقياد لله في حكمه والإِذعان له في أمره، كيف والآمر الناهي هو الله الخالق الكريم الذي منه المبدأ وإليه الرُّجعى، والذي يجزي كل أحدٍ بما عمل: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. والعمل الصالح ما وافق أمر الله ونهيه فيدخل فيه اجتناب المنهيات لأن الخير لا يجتمع مع ضده، والاكتفاء بإجماله في الآية لمعرفة الفئات المذكورة فيها بتفاصيله بما عندهم من علم الكتاب. وإن من الأعمال الصالحة ما لم تختلف فيه الكتب المنزّلة، كإفراد الله بالعبادة، واجتناب كل ما أدّى إلى الإِشراك به أو أدنى منه، وعون الضعفاء وإغاثة الملهوفين ونصرة المظلومين، ومعاملة الناس بالحسنى. والأجر: الجزاء، وسُمِّيَ جزاؤهم أجراً لأنهم أُمروا فامثتلوا وحُمِّلوا فتحمَّلوا، فكانت أعمالهم كأعمال الأجير الذي يطمع في صاحب العمل أن يُوفِّيه أجره، وكونه {عِندَ رَبِّهِمْ} مما يضاعف طمأنينتهم فإنه في مستودع آمن، وقرارٍ مكين، إذ لا يصل إليه مختلس ولا غادر وإنما يوفِّيهم إياه ربُّهم كما وعدهم به. وقد مضى تفسير الخوف والحزن. وذكر جماعة من أهل التفسير لنزول الآية سبباً، وهو أن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - حدث النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أصحابه فقال: حديث : كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك ويشهدون أنك ستبعث فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان هم من أهل النار"تفسير : فشق ذلك على سلمان فنزلت الآية، وهذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لمعارضته ما ثبت عنه بالنصوص القاطعة أنه لا ينطق عن الهوى ولم يكن ليقول على الله ما لا يعلم، إذ هو مبلغ في أخباره عن الله، فلا يمكن أن يقول عن أحد هو من أهل النار، وليس كذلك، والرواية محكية من طريق السُّدِّيّ وهو معروف بنقل الغرائب التي لا تصح عقلا ولا نقلا، هذا بجانب سقوط أكثر من راوٍ في سندها، ولئن صحَّ كون سؤال سلمان سببا لنزولها فقد نزلت قبل أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، وهذا الذي تفيده رواية ابن أبي حاتم عن سلمان ونحوه عن مجاهد عند الواحدي. وروى أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ما يدل على أنه يرى الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]. ولئن صح ذلك عنه، فهو محمول على نسخ التبعد بشرائع الأنبياء السابقين بالشريعة المحمدية الخاتمة، ولا ينافي ذلك ما دلت عليه هذه الآية على أي واحدٍ من التفسيرين السابقين لأنها خبر ولا نسخ في الأخبار.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} لما انجر الكلام إلى ذكر وعيد أهل الكتاب قرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم، وفي المراد بـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هنا أقوال، والمروي عن سفيان الثوري أنهم المؤمنون بألسنتهم، وهم المنافقون بدليل انتظامهم في سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعاً ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعاً، وعن السدي أنهم الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم ـ كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل ـ ومن لحقه ـ كأبـي ذر وبحيرى ـ ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون البعثة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى السدي عن أشياخه أنهم المؤمنون بموسى إلى أن جاء عيسى عليهما السلام فآمنوا به، وقيل: إنهم أصحاب سلمان الذين قَصّ حديثهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «حديث : هم في النار»تفسير : فأظلمت الأرض عليه كما روى مجاهد عنه فنزلت عند ذلك الآية إلى: {يَحْزَنُونَ} قال سلمان: فكأنما كشف عني جبل، وقيل: إنهم المتدينون بدين محمد صلى الله عليه وسلم مخلصين أو منافقين ـ واختاره القاضي ـ وكأن سبب الاختلاف قوله تعالى فيما بعد: {مَنْ ءامَنَ} الخ فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من أحدهما غير المراد من الآخر وأقل الأقوال مؤنة أولها: {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي تهودوا يقال: هاد وتهود إذا دخل في اليهودية، و ـ يهود ـ إما عربـي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، ووجه التخصيص كون توبتهم أشق الأعمال كما مر، وإما معرب يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب عليه السلام، وقرىء {هَادَواْ} بفتح الدال أي مال بعضهم إلى بعض. {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} جمع نصران بمعنى نصراني، وورد ذلك في كلام العرب وإن أنكره البعض كقوله:شعر : تراه إذا دار العشيّ محنفاً ويضحي لديه وهو (نصران) شامس تفسير : ويقال في المؤنث نصران كندمان وندمانة ـ قال سيبويه ـ وأنشد:شعر : كما سجدت نصرانة لم تحنف تفسير : والياء في نصراني عنده للمبالغة كما يقال للأحمر أحمري إشارة إلى أنه عريق في وصفه، وقيل: إنها للفرق بين الواحد والجمع كزنج وزنجي، وروم ورومي، وقيل: النصارى جمع نصرى كمهرى ومهارى حذفت إحدى ياءيه وقلبت الكسرة فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفاً وإلى ذلك ذهب الخليل، وهو اسم لأصحاب عيسى عليه السلام، وسموا بذلك لأنهم/ نصروه، أو لنصر بعضهم لبعض، وقيل: إن عيسى عليه السلام ولد في بيت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ اثني عشر سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة، وقيل: نصرايا، وقيل: نصرى، وقيل: نصرانة، وقيل: نصران ـ وعليه الجوهري ـ فسمي من معه باسمها، أو أخذ لهم اسم منها. (وَالصَّـٰبئينَ) هم قوم مدار مذاهبهم على التعصب للروحانيين واتخاذهم وسائط ولما لم يتيسر لهم التقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها فزعت جماعة منهم إلى هياكلها، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وجماعة نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن أحد شيئاً. فالفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب، والثانية: هم عبدة الأصنام وكل من هاتين الفرقتين أصناف شتى مختلفون في الاعتقادات والتعبدات، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: إنهم ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيـى عليه السلام، وقيل: إنهم يقرون بالله تعالى ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة، وقيل: إلى مهب الجنوب، وقد أخذوا من كل دين شيئاً، وفي جواز مناكحتهم وأكل ذبائحهم كلام للفقهاء يطلب في محله، واختلف في اللفظ فقيل غير عربـي، وقيل عربـي من صبأ ـ بالهمز ـ إذا خرج أو من صبا معتلاً بمعنى مال لخروجهم عن الدين الحق وميلهم إلى الباطل، وقرأ نافع وحده بالياء وذلك إما على الأصل أو الإبدال للتخفيف. {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي أحدث من هذه الطوائف إيماناً بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوات، وبالنشأة الثانية على الوجه اللائق، وأتى ـ بعمل صالح ـ حسبما يقتضيه الإيمان بما ذكر، وهذا مبني على أول الأقوال، والقائلون بآخرها منهم من فسر الآية بمن اتصف من أولئك بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات، والدوام عليه كإيمان المخلصين، أو بطريق إحداثه، وإنشائه كإيمان من عداهم من المنافقين، وسائر الطوائف، وفائدة التعميم للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين، ومنهم من فسرها بمن كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه، فيعم الحكم المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمنافقين الذين تابوا، واليهود والنصارى الذين ماتوا قبل التحريف والنسخ والصابئين الذين ماتوا زمن استقامة أمرهم إن قيل: إن لهم ديناً، وكذا يعم اليهود والصابئين الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وماتوا في زمنه، وكذا من آمن من هؤلاء الفرق بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفائدة ذكر {الذين آمنوا} على هذا مع أن الوعيد السابق كان في اليهود لتسكين حمية اليهود بتسوية المؤمنين بهم في أن كون كل في دينه قبل النسخ: يوجب الأجر وبعده: يوجب الحرمان، كما أن ذكر الصابئين للتنبيه على أنهم مع كونهم أبين المذكورين ضلالاً يتاب عليهم إذا صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم بالطريق الأولى وانفهام قبل النسخ من {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً} إذ لا صلاح في العمل بعده، وهذا هو الموافق لسبب النزول لا سيما على رواية أن سلمان رضي الله تعالى عنه ذكر للنبـي صلى الله عليه وسلم حسن حال الرهبان الذين صحبهم، فقال: «حديث : ماتوا وهم في النار»تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من مات على دين عيسى عليه السلام قبل أن يسمع بـي فهو على خير، ومن سمع ولم يؤمن بـي فقد هلك»تفسير : . والمناسب لعموم اللفظ وعدم صرفه إلى تخصيص {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ} بالكفرة منهم/ وتخصيص {مَنْ ءامَنَ} الخ بالدخول في ملة الإسلام، إلا أنه يرد عليه أنه مستلزم أن يكون للصائبين دين، وقد ذكر غير واحد أنه ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات ففي «الملل والنحل» ((أن الصبوة في مقابلة الحنيفية، ولميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم: الصابئة))، ولو سلم أنه كان لهم دين سماوي ثم خرجوا عنه، فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه ليسوا من الصابئين فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين اسم (إن) وخبرها إليهم ـ على القول المشهور ـ وارتكاب إرجاعه إلى المجموع من حيث هو مجموع قصداً إلى إدراج الفريق المذكور فيهم ضرورة أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع أولئك الطوائف بحكم اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصابئين مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه؟! على أن فيه بعد ما لا يخفى فتدبر. و{من} مبتدأ، وجوّزوا فيها أن تكون موصولة والخبر جملة قوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} ودخلت ـ الفاء ـ لتضمن المبتدأ معنى الشرط كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ }تفسير : [البروج: 10] الآية، وأن تكون شرطية ـ وفي خبرها خلاف ـ هل الشرط، أو الجزاء، أو هما؟ وجملة {مَنْ ءامَنَ} الخ خبر {إن} فإن كانت {مِنْ} موصولة ـ وهو الشائع هنا ـ احتيج إلى تقدير ـ منهم ـ عائداً، وإن كانت شرطية لم يحتج إلى تقديره ـ إذ العموم يغني عنه ـ كأنه قيل: هؤلاء وغيرهم إذا آمنوا {فَلَهُمْ} الخ على ما قالوا في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } تفسير : [الكهف: 30] وجوّز بعضهم أن تكون {مِنْ} بدلاً من اسم {إن} وخبرها {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} واختار أبو حيان أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم {إن} فيصح إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل: إن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة، ومن آمن من الأصناف الثلاثة (فلهم) الخ. وقد حملت الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول، كما أن إفراد ما في الصلة باعتبار لفظه، وفي «البحر» إن هذين الحملين لا يتمان إلا بإعراب {مِنْ} مبتدأ، وأما على إعرابها بدلاً فليس فيها إلا حمل على اللفظ فقط فافهم. ثم المراد من ـ الأجر ـ الثواب الذي وعدوه على الإيمان والعمل الصالح، فإضافته إليهم واختصاصه بهم بمجرد الوعد لا بالاستيجاب ـ كما زعمه الزمخشري رعاية للاعتزال ـ لكن تسميته ـ أجراً ـ لعدم التخلف، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ} المشير إلى أنه لا يضيع لأنه عند لطيف حفيظ، وهو متعلق بما تعلق به {لَهُمْ}، ويحتمل أن يكون حالاً من {أَجْرَهُمْ}. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} عطف على جملة {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} وقد تقدم الكلام على مثلها في آخر قصة آدم عليه السلام فأغنى عن الإعادة هنا.

ابن عاشور

تفسير : توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كل بليغ وهي أن ما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضرب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم، ولما كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله تعالى لم يترك الله تعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم فبين لهم في هاته الآية أن باب الله مفتوح لهم وأن اللجأ إليه أمر هين عليهم وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات، ومن بديع البلاغة أن قرن معهم في ذلك ذكر بقية من الأمم ليكون ذلك تأنيساً لوحشة اليهود من القوارع السابقة في الآيات الماضية وإنصافاً للصالحين منهم، واعترافاً بفضلهم، وتبشيراً لصالحي الأمم من اليهود وغيرهم الذين مضوا مثل الذين كانوا قبل عيسى وامتثلوا لأنبيائهم، ومثل الحواريين، والموجودين في زمن نزول الآية مثل عبد الله بن سَلاَم وصهيب، فقد وفَّت الآية حق الفريقين من الترغيب والبشارة، وراعت المناسبتيْن للآيات المتقدمة مناسبةَ اقتران الترغيب بالترهيب، ومناسبةَ ذكر الضد بعد الكلام على ضده. فمجيء (إنَّ) هنا لمجرد الاهتمام بالخبر وتحقيقِه لدفع توهم أن ما سبق من المذمات شامل لجميع اليهود، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضَلَّت كانوا مثلهم في الضلال، ولقد عجب بعض الأصحاب لما ذكرت لهم أني حين حللت في رومة تبركت بزيارة قبر القديس بطرس توهماً منهم بكون قبره في كنيسة رومة فبيّنت لهم أنه أحد الحواريين أصحاب المسيح عيسى عليه السلام. وابتُدىء بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم ليكونوا في مقدمة ذكر الفاضلين فلا يذكر أهلُ الخير إلا ويذكرون معهم، ومن مراعاة هذا المقصد قوله تعالى في سورة النساء (162) {أية : لكن الراسخون في العلم منهم} تفسير : أي الذين هادوا والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك الآية، ولأنهم القدوة لغيرهم كما قال تعالى: {أية : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا}تفسير : [البقرة: 137] فالمراد من الذين آمنوا في هذه الآية هم المسلمون الذين صدقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهذا لقب للأمة الإسلامية في عرف القرآن. و{الذين هادوا} هم بنو إسرائيل وقد مضى الكلام عليهم وإنما نذكر هنا وجه وصفهم بالذين هادوا، ومعنى (هادوا) كانوا يهوداً أو دانوا بدين اليهود. وأصل اسم يهود منقول في العربية من العبرانية وهو في العبرانية بذال معجمة في آخره وهو علم أحد أسباط إسرائيل، وهذا الاسم أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليمان سنة 975 قبل المسيح فإن مملكة إسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين مملكة رحبعام بننِ سليمان ولم يتبعه إلا سِبط يهوذا وسبط بِنْيَامِين وتُلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه (أورشليم)، ومملكة مَلِكُها يورْبعام بن بناط غلام سليمان وكان شجاعاً نجيباً فملَّكَتْه بقية الأسباط العشرة عليهم وجَعل مقر مملكته السامرة وتلقب بمَلِككِ إسرائيل إلا أنه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدوا الأوثان فلأجل ذلك انفصلوا عن الجامعة الإسرائيلية ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفاً وخمسين سنة ثم انقرض على يد ملوك الآشوريين فاستأصلوا الإسرائيليين الذين بالسامرة وخربوها ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيداً لهم وأسكنوا بلاد السامرة فريقاً من الآشوريين فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل مُلك إلا مُلك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناءُ سليمان عليه السلام فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يَهود أي يَهوذا ودام ملكهم هذا إلى حد سنة 120 قبل المسيح مسيحية في زمن الأمبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاءَ الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط. ولعل هذا وجه اختيار لفظ {الذين هادوا} في الآية دون اليهود للإشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا. ثم صار اسم اليهود مطلقاً على المتدينين بدين التوراة قال تعالى: {أية : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء}تفسير : [البقرة: 113] الآية ويقال تَهوّد إذا اتبع شريعة التوراة وفي الحديث: «حديث : يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانِه أو ينصِّرانه أو يمَجِّسانه»تفسير : . ويقال هاد إذا دان باليهودية قال تعالى: {أية : وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظفر}تفسير : [الأنعام: 146]. وأما ما في سورة الأعراف (156) من قول موسى: {أية : إنَّا هدنا إليك} تفسير : فذلك بمعنى المتاب. وأما النصارى فهو اسم جمع نَصْرى (فتح فسكون) أو ناصري نسبة إلى الناصرة وهي قرية نشأت منها مريم أم المسيح عليهما السلام وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم ولذلك كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري أو النَّصْرى فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى. وأما قوله: {والصابين} فقرأه الجمهور بهمزة بعدَ الموحدة على صيغة جمع صَابىء بهمزة في آخره، وقرأه نافع وحده بياء ساكنة بعد الموحدة المكسورة على أنه جمع صَابٍ منقوصاً فأما على قراءة الجمهور فالصابئون لعله جمع صابىء وصابىء لعله اسم فاعل صَبَأ مهموزاً أي ظهر وطلع، يقال صَبَأ النجم أي طلع وليس هو من صبَا يصبو إذا مال لأن قراءة الهمز تدل على أن ترك تخفيف الهمز في غيرها تخفيف لأن الأصل توافق القراءات في المعنى. وزعم بعض علماء الأفرنج أنهم سموا صابئة لأن دينهم أتى به قوم من سبأ. وأما على قراءة نافع فجعلوها جمع صاب مثل رام على أنه اسم فاعل من صبا يصبو إذا مال قالوا: لأن أهل هذا الدين مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم (ولو قيل لأنهم مالوا عن أديان كثيرة إذ اتخذوا منها دينهم كما ستعرفه لكان أحسن). وقيل إنما خَفَّف نافع همزة (الصابين) فجعلها ياء مثل قراءَته {أية : سَالَ سائل}تفسير : [المعارج: 1]، ومثل هذا التخفيف سماعي لأنه لا موجب لتخفيف الهمز المتحرك بعد حرف متحرك. والأظهر عندي أن أصل كلمة الصابي أو الصابئة أوما تفرع منها هو لفظ قديم من لغة عربية أو سامية قديمة هي لغة عرب ما بين النهرين من العراق وفي «دائرة المعارف الإسلامية» أن اسم الصابئة مأخوذ من أصل عبري هو (ص ۤ بۤ عۤ) أي غطس عرفت به طائفة (المنديا) وهي طائفة يهودية نصرانية في العراق يقومون بالتعميد كالنصارى. ويقال الصابئون بصيغة جمع صابىء والصابئة على أنه وصف لمقدر أي الأمة الصابئة وهم المتدينون بدين الصابئة ولا يعرف لهذا الدّين إلا اسم الصابئة على تقدير مضاف أي دين الصابئة إضافةً إلى وصف أتباعه ويقال دين الصابئة. وهذا الدين دين قديم ظهر في بلاد الكلدان في العراق وانتشر معظم أتباعه فيما بين الخابور ودجلة وفيما بين الخابور والفرات فكانوا في البطائح وكَسْكَر في سواد واسط وفي حَرَّان من بلاد الجزيرة. وكان أهل هذا الدين نَبَطاً في بلاد العراق فلما ظهر الفرس على إقليم العراق أزالوا مملكة الصابئين ومنعوهم من عبادة الأصنام فلم يجسروا بعد على عبادة أوثانهم. وكذلك منع الروم أهلَ الشام والجزيرة من الصابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على التنصر فبطلت عبادة الأوثان منهم من ذلك الوقت وتظاهروا بالنصرانية فلما ظهر الإسلام على بلادهم اعتبروا في جملة النصارى وقد كانت صابئة بلاد كَسْكَر والبَطَائح معتبرين صنفاً من النصارى ينتمون إلى النبي يحيى بن زكرياء ومع ذلك لهم كتب يزعمون أن الله أنزلها على شيث بن آدم ويسمونه (أغاثاديمون)، والنصارى يسمونهم يُوحَنَّاسِية (نسبة إلى يوحنا وهو يحيى). وجامع أصل هذا الدين هو عبادة الكواكب السيارة والقمر وبعض النجوم مثل نجم القطب الشمالي وهم يؤمنون بخالق العالم وأنه واحد حكيم مقدس عن سمات الحوادث غير أنهم قالوا: إن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربين لديه وهي الأرواح المجردات الطاهرة المقدسة وزعموا أن هذه الأرواح ساكنة في الكواكب وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية وتتصل بها بمقدار ما تقترب نفوس البشر من طبيعة الروحانيات فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها ولأجل نزول تلك الروحانيات على النفوس البشرية يتعين تزكية النفس بتطهيرها من آثار القوى الشهوانية والغضبية بقدر الإمكان والإقبال على العبادة بالتضرع إلى الأرواح وبتطهير الجسم والصيام والصدقة والطيب وألزموا أنفسهم فضائل النفس الأربع الأصلية (وهي العفة والعدالة والحكمة والشجاعة) والأخذَ بالفضائل الجزئية (المتشعبة عن الفضائل الأربع وهي الأعمال الصالحة) وتجنب الرذائل الجزئية (وهي أضداد الفضائل وهي الأعمال السيئة). ومن العلماء من يقول إنهم يقولون بعدم الحاجة إلى بعثة الرسل وأنهم يعللون ذلك بأن مدعي الرسالة من البشر فلا يمكن لهم أن يكونوا واسطة بين الناس والخالق. ومن العلماء من ينقل عنهم أنهم يدعون أنهم على دين نوح. وهم يقولون إن المعلِّمَيْن الأولَيْن لدين الصابئة هما أغَاثَاد يمون وهُرمس وهما شيث بن آدم وإدريس، وهم يأخذون من كلام الحكماء ما فيه عون على الكمال فلذلك يكثر في كلامهم المماثلة لأقوال حكماء اليونان وخاصة سولون وأفلاطون وأرسطاطاليس، ولا يبعد عندي أن يكون أولئك الحكماء اقتبسوا بعض الآراء من قدماء الصابئة في العراق فإن ثمة تشابهاً بينهم في عبادة الكواكب وجعلها آلهة وفي إثبات إلاه الآلهة. وقد بنوا هياكل للكواكب لتكون مهابط لأرواح الكواكب وحرصوا على تطهيرها وتطييبها لكي تألفها الروحانيات وقد يجعلون للكواكب تماثيل من الصور يتوخون فيها محاكاة صور الروحانيات بحسب ظنهم. ومن دينهم صلوات ثلاث في كل يوم، وقبلتهم نحو مهب ريح الشمال ويتطهرون قبل الصلاة وقراآتهم ودعواتهم تسمى الزمزمة بزايين كما ورد في ترجمة أبي إسحاق الصابىء. ولهم صيام ثلاثين يوماً في السنة، موزعة على ثلاثة مواقيت من العام. ويجب غسل الجنابة وغسل المرأة الحائض. وتحرم العزوبة، ويجوز للرجل تزوج ما شاء من النساء ولا يتزوج إلا امرأة صابئة على دينه فإذا تزوج غير صابئة أو تزوجت الصابئة غير صابىء خرجا من الدين ولا تقبل منهما توبة. ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويدفنونهم في الأرض. ولهم رئيس للدين يسمونه الكمر ـــ بكاف وميم وراء ـــ. وقد اشتهر هذا الدين في حران من بلاد الجزيرة، ولذلك تعرف الصابئة في كتب العقائد الإسلامية بالحَرْنَانية (بنونين نسبة إلى حرَّان على غير قياس كما في «القاموس»). قال ابن حزم في كتاب «الفِصَل»: كان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث فبعث الله إبراهيم عليه السلام بالحنيفية اهـ. ودين الصابئة كان معروفاً للعرب في الجاهلية، بسبب جوار بلاد الصابئة في العراق والشام لمنازل بعض قبائل العرب مثل ديار بكر وبلاد الأنباط المجاورة لبلاد تغلب وقضاعة. ألا ترى أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفه المشركون بالصابىء، وربما دَعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة الزهرية أمِّ النبي صلى الله عليه وسلم كان أظهر عبادة الكواكب في قومه فزعموا أن النبي ورث ذلك منه وكَذَبُوا. وفي حديث عمران بن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ونفد دماؤهم فابتغوا الماء فلقوا امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها: انطلقي إلى رسول الله فقالت: الذي يقال له الصابىء قالوا: هو الذين تَعنين. وساق حديث تكثير الماء. وكانوا يُسمُّون المسلمين الصُّبَاةَ كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقاً لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمراً فنزل على أمية بمكة وقال لأمية: انظُر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما أبو جهل فقال لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال: سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد أوَيْتم الصُّباةَ. وفي حديث غزوة خالد بن الوليد إلى جذيمة أنه عرض عليهم الإسلام أو السيف فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: صبأنا، الحديث. وقد قيل إن قوماً من تميم عبدوا نجم الدَّبَران، وأن قوماً من لخم وخزاعة عبدوا الشِّعْرى العَبَورَ، وهو من كواكب برج الجوزاء في دائرة السرطان، وأن قوماً من كنانة عبدوا القمر فظن البعض أن هؤلاء كانوا صابئة وأَحسب أنهم تلقفوا عبادة هذه الكواكب عن سوء تحقيق في حقائق دين الصابئة ولم يجزم الزمخشري بأن في العرب صابئة فإنه قال في «الكشاف» في تفسير سورة (37) فصلت في قوله تعالى: {أية : لا تسجُدُوا للشمس ولا للقمر} تفسير : قال: لعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين فنُهوا عن ذلك. وقد اختلف علماء الإسلام في إجراء الأحكام على الصابئة، فعن مجاهد والحسن أنهم طائفة بين اليهود والمجوس، وقال البيضاوي: هم قوم بين النصارى والمجوس فمن العلماء من ألحقهم بأهل الكتاب، ومن العلماء من ألحقهم بالمجوس، وسبب هذا الاضطراب هو اشتباه أحوالهم وتكتمهم في دينهم، وما دخل عليه من التخليط بسبب قهر الأمم التي تغلبت على بلادهم، فالقسم الذي تغلَّب عليهم الفرس اختلط دينهم بالمجوسية، والذين غَلَب عليهم الروم اختل دينهم بالنصرانية. قال ابن شاس في كتاب الجواهر الثمينة}: قال الشيخ أبو الطاهر (يعني ابن بشير التنوخي القيرواني) مَنَعوا ذبائح الصابئة لأنهم بين النصرانية والمجوسية (ولا شك أنه يعني صابئة العراق، الذين كانوا قبل ظهور الإسلام على بلادهم على دين المجوسية). وفي «التوضيح على مختصر ابن الحاجب الفرعي» في باب الذبائح «قال الطرطوشي: لا تؤكل ذبيحة الصابيء وليست بحرام كذبيحة المجوسي» وفيه في باب الصيد «قال مالك لا يؤكل صيد الصابيء ولا ذبيحته». وفي «شرح عبد الباقي على خليل»: «إنَّ أخذ الصابىء بالنصرانية ليس بقوي كما ذكره أبو إسحاق التونسي، وعن مالك لا يتزوج المسلمُ المرأةَ الصائبة». قال الجصاص في تفسير سورة العقود وسورة براءة: روي عن أبي حنيفة أن الصابئة أهل كتاب، وقال أبو يوسف ومحمد ليسوا أهل كتاب. وكان أبوالحسن الكَرخي يقول الصابئة الذين هم بناحية حَرَّانَ يعبدون الكواكب، فليسوا أهل كتاب عندهم جميعاً. قال الجصاص: الصابئة الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين هم بناحية حران، والذين هم بناحية البطائح وكَسْكَر في سواد واسط، وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل كتاب فالذي يغلب على ظني في قول أبي حنيفة أنه شاهدَ قوماً منهم يظهرون أنهم نصارى تقيةً، وهم الذين كانوا بناحية البطائح وكسْكر ويسميهم النصارى يُوحنَّا سِيَّة وهم ينتمون إلى يحيى بن زكرياء، وينتحلون كتباً يزعمون أنها التي أنزلها الله على شيث ويحيى. ومن كان اعتقاده من الصابئين على ما وصفنا وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة أوثان لا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ولا ينتحلون شيئاً من كتب الله فلا خلاف بين الفقهاء في أنهم ليسوا أهل كتاب، وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وأبو يوسف ومحمد قالا: إن الصابئين ليسوا أهل كتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وكذا قول الأوزاعي ومالك بن أنس اهـ. كلامه. ووجه الاقتصار في الآية على ذكر هذه الأديان الثلاثة مع الإسلام دون غيرها من نحو المجوسية والدهريين والزنادقة أن هذا مقام دعوتهم للدخول في الإسلام والمتاب عن أديانهم التي أبطلت لأنهم أرجى لقبول الإسلام من المجوس والدهريين لأنهم يثبتون الإلٰه المتفرد بخلق العالم ويتبعون الفضائل على تفاوت بينهم في ذلك، فلذلك اقتصر عليهم تقريباً لهم من الدخول في الإسلام. ألا ترى أنه ذكر المجوس معهم في قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة}تفسير : [الحج: 17] لأن ذلك مقام تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقوله تعالى: {من آمن} يجوز أن تكون (من) شرطاً في موضع المبتدأ ويكون فلهم أجرهم جواب الشرط، والشرط مع الجواب خبر {إن}، فيكون المعنى إن الذين آمنوا من يؤمن بالله منهم فله أجره وحذف الرابط بين الجملة وبين اسم (إن) لأن (من) الشرطية عامة فكان الرابط العموم الذي شمل المبتدأ أعني اسم (إن) ويكون معنى الكلام على الاستقبال لوقوع الفعل الماضي في حيز الشرط أي من يؤمن منهم بالله ويعمل صالحاً فله أجره ويكون المقصود منه فتح باب الإنابة لهم بعد أن قُرِّعوا بالقوارع السالفة وذكر معهم من الأمم من لم يذكر عنهم كفر لمناسبة ما اقتضته العلة في قوله: {أية : ذلك بأنهم كانوا يكفرون}تفسير : [البقرة: 61] وتذكيراً لليهود بأنهم لا مزية لهم على غيرهم من الأمم حتى لا يتكلوا على الأوهام أنهم أحباء الله وأن ذنوبهم مغفورة. وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أن المؤمنين الخالصين من اليهود وغيرهم ممن سلف مثل النقباء الذين كانوا في المناجاة مع موسى ومثل يوشع بن نوع كالب بن يفنه لهم هذا الحكم وهو أن لهم أجراً عند ربهم لأن إناطة الجزاء بالشرط المشتق مؤذن بالتعليل بل السابقون بفعل ذلك قبل التقييد بهذا الشرط أولى بالحكم فقد قضت الآية حق الفريقين. ويجوز أن تكون (من) موصولة بدلاً من اسم (إن) والفعل الماضي حينئذ باق على المضي لأنه ليس ثمة ما يخلصه للاستقبال ودخلت الفاء في {فلهم أجرهم} إما على أنها تدخل في الخبر نحو قول الشاعر وهو من شواهد «كتاب سيبويه».شعر : وقائلة خوْلان فانكح فتاتهم تفسير : ونحو: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم}تفسير : [البروج: 10] عند غير سيبويه. وإما على أن الموصول عومل معاملة الشرط للإيذان بالتعليل فأدخلت الفاء قرينة على ذلك. ويكون المفاد من الآية حينئذ استثناء صالحي بني إسرائيل من الحكم، بضرب الذلة والمسكنة والغضب من الله ويكون ذكر بقية صالحي الأمم معهم على هذا إشارة إلى أن هذه سنة الله في معاملته خلقه ومجازاته كلاً على فعله. وقد استشكل ذكر {الذين آمنوا} في عداد هؤلاء، وإجراء قوله: {من آمن بالله} عليهم مع أنهم مؤمنون فذكرهم تحصيل للحاصل، فقيل أريد به خصوص المؤمنين بألسنتهم فقط وهم المنافقون. وقيل أراد به الجميع وأراد بمن آمن من دام بالنسبة للمخلصين ومن أخلص بالنسبة للمنافقين. وهما جوابان في غاية البعد. وقيل: يرجع قوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} لخصوص الذين هادوا والنصارى والصابين دون المؤمنين بقرينة المقام لأنهم وصفوا بالذين آمنوا وهو حسن. وعندي أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك، لأن الشرط والصلة تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح. والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلاً فقد بقي عليهم العمل الصالح فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين فقد علم كل أناس مشربهم وترجع كل صفة لمن يفتقر إليها كلاً أو بعضاً. ومعنى {من آمن بالله}. الإيمان الكامل وهو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بقرينة المقام وقرينة قوله: {وعمل صالحاً} إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعي لقوله تعالى: {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17]. وقد عد عدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة المعجزات، القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول المتحدي بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى في ذلك التصديق فذلك المكابر غير مؤمن بالله الإيمان الحق. وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}تفسير : [آل عمران: 85] إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون معنى الآية كمعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين: «أية : ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بي فله أجران»تفسير : . وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظروا فلما عَاندُوا نسخها بقوله: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه} لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر. وقوله تعالى: {فلهم أجرهم عند ربهم} أطلق الأجر على الثواب مجازاً لأنه في مقابلة العمل الصالح والمرادبه نعيم الآخرة، وليس أجراً دنيويَّاً بقرينة المقام وقوله: {عند ربهم} عندية مجازية مستعملة في تحقيق الوعد كما تستعمل في تحقيق الإقرار في قولهم لك عندي كذا. ووجه دلالة عند في نحو هذا على التحقق أن عند دالة على المكان فإذا أطلقت في غير ما من شأنه أن يحل في مكان كانت مستعملة في لازم المكان، وهو وجود ما من شأنه أن يكون في مكان على أن إضافة عند لاسم الرب تعالى مما يزيد الأجر تحققاً لأن المضاف إليه أكرم الكرماء فلا يفوت الأجر الكائن عنده. وإنما جُمع الضمير في قوله: {أجرهم عند ربهم} مراعاة لما صدق (مَنْ)، وأُفرد شرطها أوصلتها مراعاةً للفظها. ومما حسَّن ذلك هنا وجَعَله في الموقع الأعلى من البلاغة أن هذين الوجهين الجائزين عربيةً في معاد الموصولات وأسماء الشروط قد جمع بينهما على وجه أَنْبَأَ على قصد العموم في الموصول أو الشرط فلذلك أتى بالضمير الذي في صلته أو فعله مناسباً للفظه لقصد العموم ثم لما جيء بالضمير مع الخبر أو الجواب جُمِع ليكون عوداً على بدء فيرتبط باسم (إِنَّ) الذي جيء بالموصول أو الشرط بدلاً منه أو خبراً عنه حتى يعلم أن هذا الحكم العام مراد منه ذلك الخاص أوَّلاً، كأنه قيل إن الذين آمنوا إلخ كل من آمن بالله وعمل إلخ فلأُِولئك الذين آمنوا أجرُهم فعُلم أنهم مما شمله العموم على نحوما يذكره المناطقة في طي بعض المقدمات للعلم به، فهو من العام الوارد على سبب خاص. وقوله: {ولا خوف عليهم} قراءة الجميع بالرفع لأن المنفي خوف مخصوص وهو خوف الآخرة. والتعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي وهو {لا خوف عليهم} لإفادة نفي جنس الخوف نفياً قاراً، لدلالة الجملة الاسمية على الدوام والثبات، والتعبير في نفي خوف بالخبر الفعلي وهو {يحزنون} لإفاد تخصيصهم بنفي الحزن في الآخرة أي بخلاف غير المؤمنين. ولما كان الخوف والحزن متلازمين كانت خصوصية كل منهما سارية في الآخر. واعلم أن قوله: {فلهم أجرهم} مقابل لقوله: {أية : وباءوا بغضب من الله}تفسير : [البقرة: 61] ولذلك قرن بعند الدالة على العناية والرضى. وقوله: {ولا خوف عليهم} مقابل {أية : وضربت عليهم الذلة}تفسير : [البقرة: 61] لأن الذلة ضد العزة فالذليل خائف لأنه يخشى العدوان والقتل والغزو، وأما العزيز فهو شجاع لأنه لا يخشى ضراً ويعلم أن ما قدره له فهو كائن قال تعالى: {أية : ولله العزة ولرسوله للمؤمنين}تفسير : [المنافقون: 8] وقوله: {ولا هم يحزنون} مقابل قوله: {والمسكنة} لأن المسكنة تقضي على صاحبها بالحزن وتمني حسن العيش قال تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}تفسير : [النحل: 97] فالخوف المنفي هو الخوف الناشىء عن الذلة والحزن المنفي هو الناشىء عن المسكنة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الذين آمنوا: هم المسلمون آمنوا بالله ووحدوه وآمنوا برسوله واتبعوه. الذين هادوا: هم اليهود سُموا يهوداً لقولهم: إنا هدنا إليك أي تبنا ورجعنا. النصارى: الصليبيون سموا نصارى إما لأنهم يتناصرون أو لنزول مريم بولدها عيسى قرية الناصرة، والواحد نصران أو نصراني وهو الشائع على الألسنة. الصابئون: أمة كانت بالموصل يقولون لا إله إلا الله. ويقرأون الزبور. ليسوا يهودا ولا نصارى واحدهم صابيء، ولذا كانت قريش تقول لمن قال لا إله الا الله صابيء أي مائل عن دين آبائه إلى دين جديد وحّدَ فيه الله تعالى. مناسبة الآية ومعناها: لما كانت الآية في سياق دعوة اليهود إلى الإسلام ناسب أن يعلموا أن النِّسَبَ لا قيمة لها وإنما العبرة بالإِيمان الصحيح والعمل الصالح المزكي للروح البشرية والمطهرة لها فلذا المسلمون واليهود والنصارى والصابئون وغيرهم كالمجوس وسائر أهل الأديان من آمن منهم بالله واليوم الآخر حق الإِيمان وعمل صالحاً مما شرع الله تعالى من عبادات فلا خوف عليهم بعد توبتهم ولا حزن ينتابهم عند موتهم من أجل ما تركوا من الدنيا، إذ الآخرة خير وأبقى. والإِيمان الصحيح لا يتم لأحد إلا بالايمان بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم والعمل الصالح لا يكون إلا بما جاء به النبي الخاتم في كتابه وما أوحى إليه، إذ بشريعته نسخ الله سائر الشرائع قبله وبالنسخ بطل مفعولها فهي لا تزكي النفس ولا تطهرها. والسعادة الأخروية متوقفة على زكاة النفس وطهارتها. هداية الآية: من هداية الآية: 1- العبرة بالحقائق لا بالألفاظ فالمنافق إذا قال هو مؤمن أو مسلم، ولم يؤمن بقلبه ولم يسلم بجوارحه لا تغني النسبة عنه شيئاً، واليهودي والنصراني والصابىء وكل ذي دين نسبته إلى دين قد نسخ وبطل العمل بما فيه فأصبح لا يزكي النفس، هذه النسبة لا تنفعه، وإنما الذي ينفع الإيمان الصحيح والعمل الصالح. 2- أهل الإِيمان الصحيح والإستقامة على شرع الله الحق مبشرون بنفي الخوف عنهم والحزن وإذا انتفى الخوف حصل الأمن وإذا انتفى الحزن حصل السرور والفرح وتلك السعادة.

القطان

تفسير : بعد ان ذكر جرائم اليهود، وبين ما نالهم من غضب الله جزاء ما اقترفوا من الأعمال السيئة والكفر وقتل الأنبياء، والبطر والتمرد ومخالفة الشرائع ـ قرر سبحانه وتعالى في هذه الآية ان كل من آمن به وباليوم الآخر واتبع طريق الهدى من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، وكان موحداً لا يعبد الأصنام، وعمل صالحاً ـ فان له ثواب عمله الصالح. وهؤلاء لا خوف عليهم يوم القيامة. ولا هم يحزنون اسفاً على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وزينتها. ان لهم ما يعدهم الله من نعيم مقيم عنده. وكل هذا قبل البعثة المحمدية. أما بعدها فقد تقرر شكل الايمان الأخير. القراءات: قرأ نافع وحده "الصابين" بالياء بدون همزة. والصابئون قوم يقرون بالله وبالمعاد وبعض الأنبياء، لكنهم يعتقدون بتأثير النجوم والافلاك في الخير والشر وتصريف مقدّرات الانسان. ولذا فهم أقرب الى الشِرك.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {وَٱلنَّصَارَىٰ} {وَٱلصَّابِئِينَ} {آمَنَ} {صَالِحاً} (62) - (هذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بالآية 95 مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ) يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى، أَنَّ أَهْلَ المِلَلِ السَّابِقَةِ لاَ يُضَيِّعُ اللهُ إِيمَانَهُمْ، وَلا يَبْخَسُهُمْ ثَوابَ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَيَسْتمِرُّ ذَلِكَ جَائِزاً حَتَّى ظُهُورِ النَّبِيِّ الذِي يَلي نَبِيَّهُمْ. فَاليَهُودُ الذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لاَ يُبْخَسُونَ ثَوَابَ أَعْمَالِهِم الخَيِّرَةِ حَتَّى بُعِثَ عِيسَى، عَلِيهِ السَّلاَمُ. والنَّصَارَى الذِينَ أَحْسَنُوا العَمَلَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَالمَفْرُوضُ أَنْ يُؤْمِنَ أَتْبَاعُ الدِّينِ السَّابِقِ بِالنَّبِيِّ الجَدِيدِ (الذِينَ عَاصَرُوهُ وَالذِينَ جَاؤُوا بَعْدَهُ). الصَّابِئُونَ - أُناسٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ. وقِيلَ إْنَّ اللَّفْظَةَ تُطْلَقُ أيضاً عَلَى مَنْ يُقَدِّسُونَ المَلائِكَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه .. أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير، ففي سورة المائدة: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ ..} تفسير : [المائدة: 69]. أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى، واختلف الإعْراب فبينما في البقرة و"وَالصَّابِئِينَ" .. وفي المائدة و"وَالصَّابِئُونَ" .. وردت آية أخرى في سورة الحج: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [الحج: 17]. الآيات الثلاث تبدو متشابهة .. إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة .. ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات، وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها .. ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب .. وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] .. أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: {أية : وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} تفسير : [الحج: 17] .. واختلف فيها الخبر .. فقال الله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} تفسير : [الحج: 17]. عندما خلق الله آدم وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى .. واقرأ قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123]. مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده .. وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا .. وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة .. ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم .. فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا .. الآية الكريمة تقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 62] .. أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض، وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض .. كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم .. وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. إذن الذين آمنوا أولاً سواء مع آدم أو مع الرسل .. الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت .. ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة .. فالله تبارك وتعالى يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا .. فمَنْ آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .. فكأن رسالته عليه الصلاة والسلام جاءت لتصفية كل الأديان السابقة .. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام .. فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته .. ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو هود .. وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية .. كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والتصديق بدين الإسلام .. فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض، ويجعلها مركزة في دين واحد .. الذين آمنوا بهذا الدين {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] .. والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن، وهذا إعلان بوحدة دين جديد .. ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة .. أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه .. ولم يؤمنوا بالدين الجديد .. لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة، ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة .. جاء فيها كل مَنْ لم يؤمن بدين محمد عليه الصلاة والسلام .. بما فيهم المجوس والذين أشركوا. والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن .. عمَّنْ تبع ديناً سبق الإسلام وبقي عليه بعد الإسلام .. وهو يظن أن هذا الدين نافعه .. نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ..} تفسير : [آل عمران: 85]. وقوله جل جلاله: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ..} تفسير : [آل عمران: 19]. إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت .. فالذي آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام .. لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة .. والذي لم يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} تفسير : [الحج: 17] .. إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم .. والذين هادوا هم أتباع موسى عليه السلام .. وجاء الاسم من قولهم: "إنا هدنا إليك" - أي عدنا إليك .. والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه السلام .. أو من قول الحواريين نحن أنصار الله في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 52]. أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم .. قال بعضهم هم أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب .. أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان يعاصرهم إلى الدين الجديد .. أو هم جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا لا يقنع العقل .. كيف نعبد هذه الأصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟ .. فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب .. فقالوا عنهم إنهم صبأوا عن دين آبائهم .. أي تركوه وآمنوا بالدين الجديد .. وأياً كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر. إننا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى .. جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة .. وفي سورة المائدة متقدمة ومرفوعة .. نقول هذا الكلام يدخل في قواعد النحو .. الآية تقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 62] .. نحن نعرف أَنَّ (إِنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر .. فالذين مبني لأنه اسم موصول في محل نصب اسم إنَّ: "والذين هادوا" معطوف على الذين آمنوا يكون منصوباً أيضاً .. والنصارى معطوف أيضاً على اسم إنَّ .. والصابئين معطوف أيضاً ومنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. نأتي إلى قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 62] هذه مستقيمة في سورة البقرة إعراباً وترتيباً .. والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة قليلة .. لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى .. ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} [البقرة: 62] .. الذين آمنوا اسم إنَّ والذين هادوا معطوف .. و"الصابئون" كان القياس إعرابياً أن يقال والصابئين .. وبعدها النصارى معطوفة .. ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين النصارى .. وكسر إعرابها بشكل لا يقتضيه الظاهر .. وللعرب أذن مرهفة لغوياً .. فمتى سمع الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إنَّ تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب. حين تولى أبو جعفر المنصور الخلافة .. وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة .. وكان هناك أعرابي يجلس فآذت أُذنيه .. وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك الأعرابي أُذنيه باستغراب .. وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال .. أشهد أنك وليت هذا الأمر بقضاء وقدر .. أي أنك لا تستحق هذا .. هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه .. فإذا جاء لفظ مرفوعاً والمفروض أن يكون منصوباً .. فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له حكمة وعلة .. فما هي العلة؟ الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم .. أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين .. ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا .. فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضاً .. فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة .. فالله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائماً: "آمن وعمل صالحاً" .. لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه .. والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح .. فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ}. قالَ زيدُ بن علي عليهُما السلامُ: معنى هَادُوا: تَابُوا. وهُدنا إِليكَ: تُبنا إِليكَ. والصَّابِئونَ: قومٌ من اليَهودِ والنَّصارى.

الأندلسي

تفسير : {هَادُواْ} هم اليهود هاد يهود تاب وقرىء هادوا بفتح الدال من هادي فاعل من الهداية بمعنى فعل كجاوز وجازى أي هدوا أنفسهم وهم اليهود. {وَٱلنَّصَارَىٰ} جمع نصران كندمان وندامى والألف للتأنيث يدل عليه منع الصرف في قوله {أية : إِنَّا نَصَارَىٰ} تفسير : [المائدة: 14]. وقيل جمع نصري كمهري ومهارى. {وَٱلصَّابِئِينَ} قيل عباد الكواكب القائلون بتدبيرها وقرىء مهموزاً صبأت النجوم طلعت وثنية الغلام خرجت وبغير همز صبا مال. و{مَنْ ءَامَنَ} يدل من المعاطيف الثلاثة التي بعد اسم أن أي أن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة ومن آمن من الأصناف الثلاثة ومن موصولة ودخلت الفاء في خبر أن لأن الذين ضمّن معنى اسم الشرط وهو جائز في كلام العرب ولا مبالاة لمن خالف في ذلك. والأجر الثواب المرتب على العمل من الإِيمان والعمل الصالح أفرد الضمير في أمن وعمل حملاً على لفظ من وجمع في {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} حملاً على المعنى ودعوى ابن عطية أنه إذا حمل على اللفظ ثم على المعنى فلا يجوز أن يعود إلى اللفظ باطلة وقرىء ولا خوف بنصب الفاء. والخطاب في {مِيثَاقَكُمْ} لبني إسرائيل وهو الانعام العاشر وهو العهد عليهم بالاعلام بما تضمنته التوراة وتبيينه وعدم كتمه ولما فيه من إظهار نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. و{ٱلطُّورَ} الجبل الذي ناجى عليه الله تعالى موسى عليه السلام امتنعوا من أخذ التوراة. والتزامها فرفع فوقهم الطور. قيل: مقدار العسكر وصار كالظلة. {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} أي وقلنا خذوا والذي أوتوه الكتاب. {بِقُوَّةٍ} أي بجدّ واجتهاد. وقرىء: ما آتيتكم بقوة وهو التفات: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أمر بحفظه وعدم تناسيه قولاً وعملاً. وقرىء: واذّكروا من الادّكار ويفهم من سياق الكلام أنهم امتثلوا الأمر وعملوا بمقتضاه. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي أعرضتم عن الميثاق والعمل به ورفع الجبل وهذا كله تذكير لليهود. {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بقبول التوبة. {وَرَحْمَتُهُ} بالعفو من الزلة وارتفاع فضل على الابتداء هو مذهب البصريين وعليكم متعلق بفضل والخبر محذوف واجب الحذف على المختار. {لَكُنْتُم} جواب لولا ويكثر دخول اللام عليه إذا كان موجباً وزعم بعض النحويين أنها لا تحذف منه إلا في الشعر. {مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي من الهالكين في الدنيا والآخرة.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى أن منهم ومن أمثالهم من ذوي الأديان والملل من يهدي إلى الحق، ويتوجه إلى طريق مستقيم، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بدين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} انقادوا بدين موسى عليه السلام {وَٱلنَّصَارَىٰ} الذين آمنوا بدين عيسى عليه السلام {وَٱلصَّابِئِينَ} الذين تدينوا بدين نوح عليه السلام {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: أيقن بوحدانية الله، وأقر بربويته، واعترف بأن لا موجد إلا الله الواحد الأحد، ومع ذلك صدق واعترف بيوم الجزاء {وَعَمِلَ} عملاً {صَالِحاً} موافقاً لما أُمر، خالصاً لوجه الله مخلصاً فيه {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} الذي يوفقهم على التوحيد والإخلاص {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من العقاب والعذاب {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] عن سوء المنقلب والمآب. {وَ} اذكروا أيضاً {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} أي: طلبنا منكم العهد الوثيق بأن تتبعوا موسى وتمتثلوا بأوامر كتابه وتجتنبوا عن نواهيه، فامتنعتم عن متابعته واستثقلتم ما في كتابه، فأنجيناكم إليه بأن أمرنا جبريل عليه السلام بقلع الجبل من مكانه {وَ} بعد قلعه {رَفَعْنَا} بتوفيقنا أياه {فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} معلقاً عليكم وقلنا لكم في تلك الحالة: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} من الدين والكتاب {بِقُوَّةٍ} بجد واجتهاد {وَٱذْكُرُواْ} جميع {مَا فِيهِ} على التفصيل لنفوسكم، وإن لم تأخذوا وتذكروا، سقط عليكم الجبل فنستأصلكم فعهدتم خوفاً من سقوطه، وإنما فعلنا ذلك بكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] لكي تحذوا عن قهرنا وانتقامنا. {ثُمَّ} لما أمهلناكم زماناً {تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن العهد {مِّن بَعْدِ} ما أزلنا عنكم {ذٰلِكَ} الخوف وأنتم في جبلتكم ظالمون، مجاوزون عن الحدود والعهود {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} المحيط {عَلَيْكُمْ} بإرادة إيمانكم وإصلاحكم {وَرَحْمَتُهُ} الواسعة الشاملة لكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب {لَكُنْتُم} في أنفسكم {مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، {أية : أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [الزمر: 15].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة، لأن الصابئين، الصحيح أنهم من جملة فرق النصارى، فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة، واليهود والنصارى، والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر، وصدقوا رسلهم، فإن لهم الأجر العظيم والأمن، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر، فهو بضد هذه الحال، فعليه الخوف والحزن. والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف، من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا مضمون أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام، فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم، لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها، ومَنْ رحمته وسعت كل شيء. وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم. ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها، ليتضح الحق، ويزول التوهم والإشكال، فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين. ثم عاد تبارك وتعالى يوبخ بني إسرائيل بما فعل سلفهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 20 : 123 - قال سفين، {وَٱلصَّابِئِينَ} (بين) اليهود والمجوس لا دين لهم - [الآية 62].

همام الصنعاني

تفسير : 59- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {وَٱلصَّابِئِينَ}: [الآية: 62]، قال الصابئون قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين.