Verse. 70 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ اَخَذْنَا مِيْثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّوْرَ۝۰ۭ خُذُوْا مَاۗ اٰتَيْنٰكُمْ بِقُوَّۃٍ وَّاذْكُرُوْا مَا فِيْہِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ۝۶۳
Waith akhathna meethaqakum warafaAAna fawqakumu alttoora khuthoo ma ataynakum biquwwatin waothkuroo ma feehi laAAallakum tattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ أخذنا ميثاقكم» عهدكم بالعمل بما في التوراة «و» قد «رفعنا فوقكم الطور» الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا «خذوا ما آتيناكم بقوة» بجد واجتهاد «واذكروا ما فيه» بالعمل به «لعلكم تتقون» النار أو المعاصي.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم: أما قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ } ففيه بحثان: الأول: اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً، أحدها: ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم، وثانيها: ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم: إن فيها كتاب الله فقالوا: لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم، وهذا هو اختيار أبي مسلم. وثالثها: أن لله ميثاقين، فالأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم، والثاني: أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد. هذا قول ابن عباس وهو ضعيف. الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما قال: (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين، أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: {أية : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [غافر: 67] أي كل واحد منكم. والثاني: أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم. وأما قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فوقكم ٱلطُّورَ } فنظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } تفسير : [الأعراف: 171] وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا } واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال: فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم. الثاني: قيل: إن الطور كل جبل قال العجاج:شعر : داني جناحيه من الطور فمر تقضي البازي إذا البازي كسر تفسير : أما الخليل فقال في كتابه: إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد، وقال ابن عباس: أمر تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم. الثالث: من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول. الرابع: قال بعضهم: إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف. أجاب القاضي بأنه لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف. أما قوله تعالى: {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل، قال الجبائي: هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال: خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال: اكتب بالقلم ولا قلم، وأجاب أصحابنا بأن المراد: خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل. وأما قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه. فإن قيل: هلا حملتموه على نفس الذكر؟ قلنا: لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به. فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي لكي تتقوا، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل، وجوابه ما تقدم. واعلم أن المفهوم من قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } فدل ذلك منهم على القبول والالتزام. أما قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، قال القفال رحمه الله: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله. والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } ففيه بحثان: الأول: ذكر القفال في تفسيره وجهين. الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا. الثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } ثم قيل: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } رجوعاً بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم. البحث الثاني: أن لقائل أن يقول كلمة {لَوْلاَ } تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى. وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة: أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم: لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن: «لولا» تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} هذه الآية تفسّر معنى قوله. تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} تفسير : [الأعراف: 171]. قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فٱستخرجناه من مكانه. قال: وكل شيء قلعته فرمَيْتَ به فقد نتقته. وقيل: نتقناه رفعناه. قال ٱبن الأعرابيّ. الناتقُ الرافعُ، والناتقُ الباسطُ، والناتقُ الفاتقُ. وٱمرأة ناتق ومِنتاق: كثيرة الولد. وقال القُتَبِيّ: أُخذ ذلك مِن نَتْق السِّقَاء، وهو نفضه حتى تُقتلع الزُّبْدة منه. قال وقوله: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}تفسير : [الأعراف: 171] قال: قُلع من أصله. وٱختلف في الطور؛ فقيل: الطور ٱسم للجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره؛ رواه ٱبن جريج عن ٱبن عباس. وروى الضحاك عنه أن الطور ما أنْبتَ من الجبال خاصة دون ما لم ينبِت. وقال مجاهد وقتادة: أي جبل كان. إلا أن مجاهداً قال: هو ٱسم لكل جبل بالسريانية؛ وقاله أبو العالية. وقد مضى الكلام هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معرّبة من غير كلام العرب في مقدمة الكتاب. والحمد لله. وزعم البكري أنه سُمِّيَ بطور بن إسماعيل عليه السلام. والله تعالى أعلم. القول في سبب رفع الطور وذلك أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم: خذوها والتزِموها. فقالوا: لا! إلا أن يكلّمنا الله بها كما كلّمك. فصعِقوا ثم أُحْيُوا. فقال لهم: خذوها. فقالوا لا. فأمر الله الملائكة فٱقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله؛ وكذلك كان عسكرهم؛ فجُعل عليهم مثل الظُّلة، وأُتُوا ببحرِ من خَلْفِهم، ونار من قِبَل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيّعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبةً لله وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أوّل مرة لم يكن عليهم ميثاق. وكان سجودهم على شِقّ؛ لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفاً؛ فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله ورَحِم بها عباده، فأمَرّوا سجودَهم على شِق واحد. قال ٱبن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى ٱخترع وقت سجودهم الإيمان (في قلوبهم) لا أنهم آمنوا كرهاً وقلوبهم غير مطمئنة بذلك. قوله تعالى: {خُذُواْ} أي فقلنا خذوا؛ فحذف. {مَآ آتَيْنَاكُم} أعطيناكم. {بِقُوَّةٍ} أي بِجد وٱجتهاد؛ قاله ٱبن عباس وقتادة والسدّي. وقيل: بنيّةٍ وإخلاص. مجاهد: القوّة العمل بما فيه. وقيل: بقوّة، بكثرة درس. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي تدبّروه وٱحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه ولا تضيّعوه. قلت: هذا هو المقصود من الكُتب، العملُ بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها؛ فإن ذلك نَبْذٌ لها؛ على ما قاله الشعبي وٱبن عُيَيْنة؛ وسيأتي قولهما عند قوله تعالى: {أية : نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [البقرة: 101]. وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنّ مِن شرّ الناس رجلاً فاسقاً يقرأ القرآن لا يَرْعَوِي إلى شيء منه»تفسير : . فبّين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بيّنا. وقال مالك: قد يقرأ القرآنَ مَن لا خير فيه. فما لزم إذاً مَن قبلنا وأُخذ عليهم لازمٌ لنا وواجبٌ علينا. قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} تفسير : [الزمر: 55]. فأُمِرنا باتّباع كتابه والعمل بمقتضاه؛ لكن تركنا ذلك، كما تركت اليهود والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئاً؛ لغلبة الجهل وطلب الرياسة وٱتباع الأهواء. روى الترمذيّ عن جُبَيْر بن نُفَيْر "حديث : عن أبي الدّرداء قال: «كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوانٌ يُختلس فيه العلمُ من الناس حتى لا يقدرِوا منه على شيء». فقال زياد بن لَبِيد الأنصاريّ: كيف يُختلس منا وقد قرأنا القرآن! فوالله لَنقْرَأنه ولنُقرِئنّه نساءنا وأبناءنا. فقال: «ثَكِلَتْك أمُّك يا زياد أن كنتُ لأعُدّك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تُغني عنهم»» تفسير : وذكر الحديث، وسيأتي. وخرّجه النسائي من حديث جُبير بن نُفير أيضاً عن عَوف بن مالك الأشجعيّ من طريق صحيحة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لزياد: «حديث : ثَكِلَتْك أُمُّك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى»تفسير : . وفي المُوَطَأ عن عبد اللَّه بن مسعود قال لإنسان: «حديث : إنك في زمانٍ كثيرٍ فقهاؤه، قليلٍ قُرّاؤه، تُحفظ فيه حدودُ القرآن وتُضَيّع حروفه، قليل مَن يسأل، كثيرٍ مَن يُعطِي، يطيلون الصلاة ويُقْصِرون فيه الخطبة، يبدأون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليلٌ فقهاؤه، كثيرٌ قراؤه، تُحفظ فيه حروف القرآن، وتُضيّع حدوده؛ كثيرٌ من يسأل، قليلٌ من يعطى، يطيلون فيه الخطبة، ويقصِرون الصلاة، يبدأون فيه أهواءهم قبل أعمالهم»تفسير : . وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا. وقد قال يحيى: سألت ٱبن نافع عن قوله: يبدأون أهواءهم قبل أعمالهم؟ قال يقول: يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي ٱفترض عليهم. وتقدّم القول في معنى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فلا معنى لإعادته. وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم؛ ثم ٱستعمل في الإعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات إتساعاً ومجازاً. وقوله: {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد البرهان؛ وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل. وقوله: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} «فضلُ» مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يجوز إظهاره؛ لأن العرب ٱستغنت عن إظهاره؛ إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره جاءوا بأنّ، فإذا جاءوا بها لم يحذفوا الخبر. والتقدير فلولا فضل الله تدارككم. {وَرَحْمَتُهُ} عطف على «فضل» أي لطفه وإمهاله. {لَكُنْتُم} جواب «لولا». {مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} خبر كنتم. والخسران: النقصان؛ وقد تقدّم. وقيل: فضله قبول التوبة، و «رحمته» العفو. والفضل: الزيادة على ما وجب. والإفضال: فعل ما لم يجب. قال ٱبن فارس في المُجْمَل: الفضل الزيادة والخير، والإفضال: الإحسان.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ } باتباع موسى والعمل بالتوراة. {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ } حتى أعطيتم الميثاق، روي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل عليه السلام فقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا. {خُذُواْ } على إرادة القول: {مَا ءاتَيْنَـٰكُم } من الكتاب {بِقُوَّةٍ } بجد وعزيمة. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } ادرسوه ولا تنسوه، أو تفكروا فيه فإنه ذكر بالقلب، أو اعملوا به. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تكونوا متقين. ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف، أي: قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مذكراً بني إسرائيل ما أخد عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق، رفع الجبل فوق رؤوسهم؛ ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وجزم وامتثال، كما قال تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف: 171] فالطور هو الجبل كما فسره به في الأعراف، ونص على ذلك ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن والضحاك والربيع بن أنس وغير واحد، وهذا ظاهر، في رواية عن ابن عباس: الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور، وفي حديث الفتون عن ابن عباس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا. وقال السدي: فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجداً، فسجدوا على شق، ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله، فكشفه عنهم، فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} وقال الحسن في قوله: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ} يعني: التوارة. وقال أبو العالية والربيع بن أنس: بقوة، أي: بطاعة، وقال مجاهد: بقوة: بعمل ما فيه، وقال قتادة: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ} القوة: الجد، وإلا قذفته عليكم، قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا به بقوة، ومعنى قوله: وإلا قذفته عليكم، أي: أسقطته عليكم، يعني: الجبل، وقال أبو العالية والربيع: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} يقول: اقرؤوا ما في التوارة، واعملوا به، وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أي بتوبته عليكم، وإرساله النبيين والمرسلين إليكم {لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ } عهدكم بالعمل بما في التوراة {وَ} قد {رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ } الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لمَّا أبيتم قبولها وقلنا {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ } بجدّ واجتهاد {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } بالعمل به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } النار أو المعاصي.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا } هو في محل نصب بعامل مقدر، هو: اذكروا، كما تقدم غير مرة. وقد تقدّم تفسير الميثاق، والمراد: أنه أخذ سبحانه عليهم الميثاق بأن يعملوا بما شرعه لهم في التوراة، وبما هو أعم من ذلك، أو أخص. والطور: اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وأنزل عليه التوراة فيه. وقيل: هو: اسم لكل جبل بالسريانية. وقد ذكر كثير من المفسرين أن موسى لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح قال لهم: اسم خذوها، والتزموها. فقالوا: لا، إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك. فُصعِقوا، ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، والتزموها، فقالوا: لا، فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين، طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأتُوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم خذوها، وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. p>> قال ابن جرير عن بعض العلماء: لو أخذوها أوّل مرة لم يكن عليهم ميثاق. قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله سبحانه اخترع وقت سجودهم الإيمان، لا أنهم آمنوا كرهاً، وقلوبهم غير مطمئنة. انتهى. وهذا تكلُّف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ارتسم لديه من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره، وكل عاقل يعلم أنه لا سبب من أسباب الإكراه أقوى من هذا، أو أشد منه، ونحن نقول: أكرههم الله على الإيمان، فآمنوا مكرهين، ورفع عنهم العذاب بهذا الإيمان، وهو نظير ما ثبت في شرعنا من رفع السيف عمن تكلم بكلمة الإسلام، والسيف مصلت قد هزَّه حامله على رأسه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذراً عن قتله بأنه قالها تقية، ولم تكن عن قصد صحيح: «حديث : أأنت فتشت عن قلبه» تفسير : وقال:«حديث : لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس»تفسير : وقوله: {خُذُواْ } أي: وقلنا لهم: {خذوا مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } والقوّة: الجدّ والاجتهاد. والمراد بذكر ما فيه أن يكون محفوظاً عندهم ليعملوا به.p>> قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أصل التولي: الإدبار عن الشيء، والإعراض بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً، والمراد هنا: إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم، وقوله: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي: من بعد البرهان لهم، والترهيب بأشد ما يكون، وأعظم ما تجوزه العقول، وتقدر الأفهام، وهو: رفع الجبل فوق رءوسهم كأنه ظلة عليهم. وقوله: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بأن تدارككم بلطفه، ورحمته، حتى أظهرتم التوبة لخسرتم. والفضل: الزيادة. قال ابن فارس في المجمل: الفضل الزيادة، والخير، والإفضال: الإحسان. انتهى. والخسران: النقصان، وقد تقدم تفسيره. p>> والسبت في أصل اللغة: القطع؛ لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل. وقيل: هو: مأخوذ من السبوت، وهو الراحة، والدعة. وقال في الكشاف: "السبت مصدر سبتت اليهود، إذا عظمت يوم السبت". انتهى. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن اليهود افترقت فرقتين: ففرقة اعتدت في السبت: أي: جاوزت ما أمرها الله به من العمل فيه، فصادوا السمك الذي نهاهم الله عن صيده فيه، والفرقة الأخرى انقسمت إلى فرقتين. ففرقة جاهرت بالنهي، واعتزلت، وفرقة لم توافق المعتدين، ولا صادوا معهم، لكنهم جالسوهم، ولم يجاهروهم بالنهي، ولا اعتزلوا عنهم، فمسخهم الله جميعاً، ولم تنج إلا الفرقة الأولى فقط، وهذه من جملة المحن التي امتحن الله بها هؤلاء الذين بالغوا في العجرفة، وعاندوا أنبياءهم، وما زالوا في كل موطن يظهرون من حماقاتهم، وسخف عقولهم، وتعنتهم نوعاً من أنواع التعسف، وشعبة من شعب التكلف، فإن الحيتان كانت في يوم السبت كما وصف الله سبحانه بقوله: {أية : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم } تفسير : [الأعراف: 163] فاحتالوا لصيدها، وحفروا الحفائر، وشقوا الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت، فيصيدونها يوم الأحد، فلم ينتفعوا بهذه الحيلة الباطلة. والخاسىء: المبعد، يقال: خسأته، فخسأ، وخسيء، وانخسأ: أبعدته، فبعد. ومنه قوله تعالى: {أية : يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا }تفسير : [الملك: 4] أي: مبعداً. وقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا }تفسير : [المؤمنون: 108] أي: تباعدوا تباعد سخط، ويكون الخاسىء بمعنى الصاغر. والمراد هنا: كونوا بين المصير إلى أشكال القردة مع كونهم مطرودين صاغرين، فقردة خبر الكون، وخاسئين خبر آخر، وقيل: إنه صفة لقردة، والأوّل أظهر.p>> واختلف في مرجع الضمير في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا } وفي قوله: {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } فقيل: العقوبة. وقيل: الأمة، وقيل: القرية. وقيل: القردة. وقيل الحيتان. والأول أظهر. p>> والنكال: الزجر والعقاب، والنكل: القيد؛ لأنه يمنع صاحبه، ويقال للجام الدابة نكل؛ لأنه يمنعها. والموعظة: مأخوذة من الاتعاظ، والانزجار، والوعظ: التخويف. وقال الخليل: الوعظ التذكير بالخير. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل منه. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس؛ قال: الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت، فليس بطور. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } قال: أي بجدّ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } قال: اقرءوا ما في التوراة، واعملوا به. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قال: لعلكم تنزعون عما أنتم عليه. p>> وأخرج ابن جرير عنه قال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } أي: عرفتم {واعتدوا} يقول: اجترءوا في السبت بصيد السمك، فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش مسيخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وأخرج ابن المنذر عنه قال: القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: انقطع ذلك النسل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو: مثل ضربه الله لهم كقوله: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }تفسير : [الجمعة: 5] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية، قال: أحلت لهم الحيتان، وحرّمت عليهم يوم السبت، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فكان فيهم ثلاثة أصناف، وذكر نحو ما قدّمناه عن المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: صار شباب القوم قردة، والمشيخة صاروا خنازير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {خَـٰسِئِينَ } قال: ذليلين. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {خَـٰسِئِينَ } قال: صاغرين. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد مثله. p>> وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } من القرى {وَمَا خَلْفَهَا } من القرى: {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عنه: {فَجَعَلْنَاهَا } يعني الحيتان {نَكَـٰلاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } من الذنوب التي عملوا قبل وبعد. وأخرج ابن جرير عنه: {فَجَعَلْنَاهَا } قال: جعلنا تلك العقوبة، وهي المسخة {نَكَـٰلاً } عقوبة {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي {وَمَا خَلْفَهَا } يقول: للذين كانوا معهم {وَمَوْعِظَةً } قال: تذكرة، وعبرة للمتقين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {.... وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} وفي الطور ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس. والثاني: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول مجاهد، وقتادة، إلا أن مجاهداً قال: هو اسم كل جبل بالسريانية، وقال قتادة: بل هو اسم عربي، قال العجاج: شعر : داني جناحيه من الطور فمر تقضّي البازي إذا البازيُّ كر تفسير : قال مجاهد: رُفِعَ الجبل فوقهم كالظُّلة، فقيل: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا. وفي قوله تعالى: {خُذُواْ مَا ءَآتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} ثلاثة تأويلات: أحدها: أن القوة الجِدّ والاجتهاد، وهو قول ابن عباس، وقتادة والسدي. والثاني: يعني بطاعة الله تعالى، وهو قول أبي العالية، والربيع بن أنس. والثالث: أنه العمل بما فيه، وهو قول مجاهد.

ابن عبد السلام

تفسير : {الطُّورَ} جبل التكليم، وإنزال التوراة، أو ما أنبت من الجبال دون ما لم ينبت، أو اسم كل جبل بالسرياني، أو بالعربي، قال: شعر : داني جناحيه من الطور فمرَّ تَقضِّيَ البازي إذا البازي كسر تفسير : {بِقُوَّةٍ} بجد واجتهاد، أو بطاعة الله ـ تعالى ـ، أو بالعمل بما فيه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ...} قال ابن عرفة: الواو إما عاطفة، والعامل فيه "اذْكُرُوا" المتقدم أو استئناف (والعامل فيه "اذكروا") مقدر. (والَّذي قرره المفسرون) عند قول الله عز وجلّ: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}. الآية. وقدر الفخر ابن الخطيب وجه مناسبتها لما قبلها (بأنها) نعمة. قال ابن عرفة: الصواب أنها وعظ، لأن قبلها {أية : (إنَّ) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} تفسير : إلى آخره، وهو وعظ ونعمة (لجميع الملل). ولما كانت بنو إسرائيل أقرب الناس إلى الإيمان والاتباع لوجهين: إما لأن ملّتهم أقدم من (ملة) النّصارى، وإما لأنهم كانوا أكثر أهل المدينة، فإيمانهم سبب في إيمان غيرهم وتعنتهم (وفرارهم) سبب في امتناع غيرهم أكّد ذلك بإعادة الوعظ لهم بخصوصيتهم في هذه الآية، ولذلك (كررت) قصّتهم في القرآن (في) غير ما سورة أكثر (مما) تكرر غيرها من القصص. وقوله تعالى: {مِيثَاقَكُمْ} إما أن يريد ميثاق آبائكم، (أو) المراد المخاطبون (الموحدون) (حين) ما أنالوه، والمراد الجميع لأن أخذ الميثاق كان على آبائهم، وعلى من يأتي (بعدهم) من ذريتهم إلى قيام الساعة. وضعف الثاني بقوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ...}. وأجاب ابن عرفة: بأنّ المراد رفعنا فوق آبائكم وفوقكم. قال أبو حيان: حال من الطور. وضعف كونه حالا من الضمير في "رفعنا" لما يلزم عليه من إيهام كون الرافع في مكان. فإن (قلت): الفوقية تستلزم الرفع؟ قلنا: قد يكون إنسان فوق آخر بمقدار قامة فيقال (رفعته) عليه إذا علوت (به) عليه مقدار قامتين. قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا...}. قال ابن عرفة: إما حال، أي أخذنا ميثاقكم في هذه الحالة أو المراد أخذنا عليكم الميثاق فلم تقبلوا، فرفعنا فوقكم الطور. كما قال المفسرون في سبب نزول الآية. قال ابن عطية: خلق الله وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لأنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة. قال ابن عرفة: المذهب لاعتبار الإيمان الجبري، ولذا يجبر الكفار على الإيمان (ويقاتلون عليه) بالسيف، وإنّما (تعتبر) النية (والإرادة) في الثواب والقبول المرتب عليه، وكما قالوا في الزكاة: إنها تؤخذ من أربابها جبرا. قال ابن عطية: الإيمان المتفق عليه الذي لا شبهة فيه ولا ريبة وليس قصده الإيمان المخرج من (عهدة) التكليف. ((قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ...}. ابن عطية: أي (تدبروه) ولا تنسوه، وامتثلوا أوامره (ووعيده) )). قال ابن عرفة: أو اذكروه لغيركم وعلموه له. قيل لابن عرفة: لا يناسب أن (يعلل) هذا بالتّقوى، فإنه قد يكون المعلم غير متَّقٍ (لله)؟ فقال: قد يكون (تذكيره) لغيره سببا في (انزجاره هو)، وتذكيره في نفسه.

ابن عادل

تفسير : هذا هو الإنعام العاشر. والميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة. واختلفوا في ذلك الميثاق. قال الأصَمّ: [ما وعده الله القوم] من الدَّلائل الدَّالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعُهُود؛ لأنها لا تحتمل الخلف والكذب والتبديل بوجه ألبتة. وقال أبو مسلم: هو ما روى عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم أن موسى ـ عليه الصَّلا والسَّلام ـ لما رجع إلى قومه بالألواح، قال لهم: "إن فيها كتاب الله تعالى" فقالوا: لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جَهْرَةً فيقول: هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصَّاعقة، فَمَاتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب الله، فأبوا فرفع الطور وقيل لهم: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، [فأخذوه] فرفع الطور هو الميثاق؛ لأنه آية [باهرة] عجيبةُ تبْهِرُ العقول، وتردّ المكذبَ إلى التصديق، والشَّاكَّ إلى اليقين، وأكدوا ذلك، وعرفوا أنه من قبله ـ تعالى ـ وأظهروا التوبة، وأعطوا العهد والميثاق ألاَّ يعودوا إلى ما كان منهم، وأن يقوموا بالتوراة، فكان هذا عهداً موثقاً. وروي عن عبد الله بن عباس: أن لله مِيثَاقَيْنِ. الأول: حين أخرجهم من صلب آدم، وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أنه ألزم النَّاس متابعة الأنبياء، وهو المراد من هذا العَهْدِ. قال ابن الخَطِيبِ: "وهذا ضعيف". فإن قيل: لهم قال: "ميثاقكم" ولم يقل: "مواثيقكم"؟ قال القَفَّال: لوجهين: أحدهما: أراد به الدلالة على أنّ كلّ واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: {أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}تفسير : [غافر:67] أي: كل واحد منهم أخذ عليه ما أخذ على غيره، فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً. والثاني: أنه لو قال: مواثيقكم لأبهم أن يكون هُنَاك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد. قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} نظيره: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ}تفسير : [الأعراف:171]. و "الواو" في قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ} واو عطف على تفسير ابن عباس، والمعنى: أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قَبُول الكتاب رفعنا عليهم الجبل. وعلى تفسير أبي مسلم ليست واو عطف ولكنها واو الحال، كما يقال: "فعلت ذلك والزمان زمان" فكأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطُّور فوقكم. وفوقكم ظرف مكان ناصبه "رفعنا"، وحكم "فوق" مثل حكم "تحت"، وقد تقدم الكلام عليه. قال أبو البقاء: ويَضْعُفُ أن يكون حالاً من "الطور"؛ لأن التقدير يصير: ورفعنا الطور عالياً، وقد استفيد من "رفعنا". وفي هذا نظر؛ لأن المراد به علو خاص، وهو كونه عالياً عليهم لا مُطْلَقَ العلو حتى يصير: رفعناه عالياً كما قدره. قال: "لأن الجبل لم يكن فوقهم وقت الرفع، وإنما صار فوقهم بالرفع". ولقائل أن يقول: لم لا تكون حالاً مقدرة، وقد قال هو في قوله: {بِقُوَّةٍ} إنها حال مقدرة كما سيأتي. و "الطور" اسم [لكلّ] جبل، وقيل: [لما] أَنْبَتَ منها خاصة دون ما لم ينبت، وهل هو عربي أو سُرْيَانيّ قولان. وقيل: سمي بطور بن إسماعيل عليه الصلاة والسلام؛ وقال العَجَّاج: [الرجز] شعر : 557ـ دَانَى جَنَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرّ تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ تفسير : وقال الخليل: الطُّور اسم جبل معلوم؛ لأن التعريف تقتضي حمله على جبل معهود مسمى بهذا الاسم، وهو جبل المُنَاجاة. وقد يجوز أن ينقله الله إلى حيث هم، فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم. وقال ابن عباس: أمر الله جبلاً من جبال "فلسطين"، فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظُّلة، وبعث ناراً من قبل وجوههم، وأتاهم البحر الملح من خلفهم، وقيل لهم: خذوا ما آتيناكم، أي: اقبلوا ما أعطيناكم وإلاَّ رضختكم بهذا الجبل، وغرقتكم في هذا البحر، وأحرقتكم بهذه النار فلما رأوا أن لا مهرب منه قبلوا ذلك، وسجدوا خوفاً، وجعلوا يلاحظون الجبل، وهم سجود، فصارتْ سُنّة في اليهود لا يسجدون إلاَّ على أنصاف وجوههم. قوله: "خذوا" في محل نصب بقول مضمر، أي: وقلنا لهم: خذوا، وهذا القول مضمر يجوز أن يكون في محل نصب على الحال من فاعل "رفعنا" والتقدير: ورفعنا الطور قائلين لكم خذوا. وقد تقدّم أن خذ محذوف الفاء أن الأصل: اؤخذ، عند قوله: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً}تفسير : [البقرة:35]. قوله: {مَآ آتَيْنَاكُم} مفعول "خذوا"، و "ما" موصولة بمعنى الذي لا نكرة موصوفة، والعائد محذوف أي: ما آتيناكموه. قوله: "بقوة" في محل نَصْبٍ على الحال، وفي صاحبها قولان: أحدهما: إنه فاعل "خذوا" وتكون حالاً مقدرة، والمعنى: خذوا الذي آتيناكموه حال كونكم عازمين على الجدّ في العمل به. والثاني: أنه ذلك العائد المحذوف، والتقدير: خذوا الذي آتيناكموه في حال كونه مشدداً فيه أي: في العمل به، والاجتهاد في معرفته. قوله: "ما فيه" الضمير يعود على "ما آتيناكم" أي: أذكروا ما في الكتاب، واحفظوه وادرسوه، ولا تغفلوا عنه، ولا يحمل على الذكر الذي هو ضدّ النسيان؛ لأنه ليس من فعل العبد، فلا يجوز الأمر به، وفي حرف "أُبَيٍّ" "واذَّكِرُوا" بذال مشددة وكسر الكاف، وفي حرف عبد الله "وتَذَكَّروا مَا فِيهِ" [ومعناه]: اتّعظوا به. قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: لكي تتقوا فتنجوا من الهلاك في الدنيا، والعذاب في العقبى. قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} التولّي تفعل من الوَلْي، وأصله: الإعراض والإدبار عن الشَّيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والمعتقدات اتساعاً ومجازاً وذلك إشارة إلى ما تقدم من رفع الطُّور، وايتاء التوراة. قال القَفَّال رحمه الله: "إنهم بعد قبول التوراة، ورفع الطور تولّوا عن التَّوْراة بأمور كثيرة، فحرّفوا التوراة وتركوا العمل بها، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بها وعصوا أمرهم ولعلّ فيها اختصّ به بعضهم دون البعض، ومنها ما علمه أوائلهم، ومنها ما فعله متأخروهم، ولم يزالوا في التِّيهِ مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى، ويعرضون عنه، ويلقونه بكلّ أذى، ويجاهرون بالمعاصي حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون، وكلّ هذا مذكور في تراجم التوراة، ثم فعل متأخروهم ما لا خَفَاءَ به من تخريب "بيت المقدس"، وكفروا بالمسيح وهمّوا بقتله. والقرآن وإن لم يكن فيه بَيَانُ ما تولوا به عن التوراة، فالجملة معروفة من إخبار الله ـ تعالى ـ عن عِنَادِ أسلافهم، فلا عَجَبَ في إنكارهم ما جاء به محمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ من الكتاب والنبوة". قوله: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} "لولا" هذه حرف امتناع لوجود، والظَّاهر أنها بسيطة. وقال أبو البَقَاءِ: هي مركّبة من "لو"، و "لا"، و "لو" قبل التركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و "لا" للنفي، والامتناع نفي في المعنى، وقد دخل النفي بـ"لا" على أحد امتناعي "لو" والامتناع نفي في المعنى، والنَّفي إذا دخل على النَّفي صار إيجاباً، فمن [ثمَّ] صار معنى "لولا" هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره وهذا تكلُّف ما لا فائدة فيه، وتكون "لولا" أيضاً حرف تحضيض فتختص بالأفعال، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. و "لولا" هذه تختص بالمبتدأ، ولا يجوز أن يليها الأفعال، فإن ورد ما ظَاهِرُهُ ذلك أُوِّل؛ كقوله: [الوافر] شعر : 558ـ وَلَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً لَمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالي تفسير : وتأويله أن الأصل: "ولولا أن تحسبوا" فلما حذفت أن ارتفع الفعل؛ كقوله: [الطويل] شعر : 559ـ أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ..................... تفسير : أي: "أَنْ أَحْضُرَ". والمرفوع بعدها مبتدأ خلافاً للكسائي حيث رفعه بفعل مضمر، وللفراء حيث قال: "مرفوع بنفس لولا". وخبره واجب الحذف للدلالة عليه وسد شيء مسده وهو جوابها والتقدير: ولولا فَضْل الله كائن أو حاصل، ولا يجوز أن يثبت إلا في ضرورة شعر، ولذلك لُحِّنَ المعرِّيُّ في قوله: [الوافر] شعر : 560ـ يُذِيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُلَّ عَضْبٍ فَلَوْلاَ الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لِسَالاَ تفسير : حيث أثبت خبرها بعدها، هكذا أطلقوا، وبعضهم فَصَّل فقال: إن كان خبر ما بعدها كوناً مطلقاً، فالحذف واجب، وعليه جاء التنزيل وأكثر الكلام، وإن كان كوناً مقيداً فلا يخلو إما أن يدلّ عليه دليل أوْ لا، فإن لم يدلَّ عليه دليل، وجب ذكره؛ نحو قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثُوا عَهْدٍ بِكُفْرٍ"تفسير : ، وقول الآخر: [الطويل] شعر : 561ـ فَلَوْلاَ بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا ................... تفسير : وإن دلّ عليه دليل جاز الذِّكر والحذف نحو: "لولا زيد لَغُلِبْنَا" أي: شجاع، وعليه بيت المعرّي المتقدم. وقال أبو البَقَاءِ: ولزم حذف الخبر للعلم به، وطول الكَلاَم، فإن وقعت "أن" بعدها ظهر الخبر كقوله: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}تفسير : [الصافات:143] فالخبر في اللّفظ لـ "أن"، وهذا الَّذِي قاله موهم، ولا تعلّق لخبر "أن" بالخبر المحذوف، ولا يغني عنه ألبتة فهو كغيره سواء، والتقدير: فلولا كونه مسبحاً حَاضِرٌ أو موجودٌ. فأي فائدة في ذكره لهذا؟ [والخبر] يجب حذفه في صور أخرى تأتي مفصّلة إن شاء الله ـ تعالى ـ في مواضعها، وقد تقدم معنى الفضل عند قوله: {أية : فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة:47]. قوله: {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} اللاَّم جواب "لولا"، واعلم أن جوابها إن كان مثبتاً، فالكثير دخول اللام كهذه الآية ونظائرها، ويقلّ حذفها؛ قال: [البسيط] شعر : 562ـ لَوْلاَ الحَيَاءُ وَلَوْلاَ الدِّينُ عِبْتُكُمَا بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إذْ عِبْتُمَا عَوَرِي تفسير : وإن كان منفيًّا فلا يخلو: إما أن يكون حرف النَّفي "ما" أو غيرها، إن كان غيرها فترك اللام واجب نحو: "لولا زيد لم أقم، ولن أقوم"، لئلا يتوالى لامان، وإن كان بـ "ما" فالكثير الحَذْف، ويقلّ الإتيان بها، وهكذا حكم جواب "لو" الامتناعية، وقد تقدم عند قوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}تفسير : [البقرة:20]، ولا محلّ لجوابها من الإعراب. و "من الخاسرينَ" في محلّ نصب خبر "كان"، و "من" للتبعيض. فصل في تفسير فضل الله عليهم ذكر القَفَّال في تفسيره وجهين: الأول: لولا تفضل الله عليكم من إمهالكم، وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين، أي من الهالكين [الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم]، ومنه قوله تعالى: {أية : خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ}تفسير : [الحج:11]. والثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ}، ثم قال: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} رجوعاً بالكلام إلى أوله، أي: لولا لطف الله ـ تعالى ـ بكم برفع الجبل فوقكم لَدُمْتُمْ على ردّكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين ببقائكم على تلك الحالة حتى يتم. فإن قيل: كلمة "لولا" تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره، فهذا يقتضي أن انْتِفَاء الخسران من لوازم حُصُول فضل الله ـ تعالى ـ بحيث حصل الخُسْران وجب أن يحصل هناك لطف الله تعالى. وهذا يقتضي أن الله ـ تعالى ـ لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية، وذلك خلاف قوله المعتزلة. أجاب الكعبي بأنه ـ تعالى ـ سَوّى بين الكُلّ في الفضل، لكن بعضهم انتفع دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم لولا أن أباك [فضّلك] لكنت فقيراً، هذا ضعيف؛ لأن أهل اللّغة نصوا على أن "لولا" تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، وإذا ثبت هذا فكلام الكَعْبِي ساقط.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور‏}‏ فقال‏:‏ جبل نزلوا بأصله فَرُفِعَ فوقهم، فقال‏:‏ لتأخذن أمري أو لأرمينكم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل منه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ الطور الجبل بالسريانية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال‏:‏ النبط يسمون الجبل الطور‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏{‏خذوا ما آتيناكم بقوّة‏}‏ قال‏:‏ بجد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ‏ {‏واذكروا ما فيه‏} ‏ يقول‏:‏ اقرأوا ما في التوراة واعملوا به‏.‏ وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لعلكم تتقون‏}‏ قال‏:‏ لعلكم تنزعون عما أنتم عليه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ} تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت أخْذِنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} عطفٌ على قوله أخذْنا أو حالٌ أي وقد رفعنا فوقَكم الطورَ كأنه ظُلة، رُوي أن موسى عليه السلام لمّا جاءهم بالتوراة فرأَوْا ما فيها من التكاليف الشاقةِ كبُرت عليهم فأبَوْا قَبولها فأُمر جبريلُ عليه السلام فقلَعَ الطورَ فظلله عليهم حتى قبِلوا. {خُذُواْ} على إرادة القول {مَا ءاتَيْنَـٰكُم} من الكتاب {بِقُوَّةٍ} بجدٍّ وعزيمة {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي احفَظوه ولا تنسَوْه أو تفكروا فيه فإنه ذكرٌ بالقلب أو اعملوا به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكي تتقوا المعاصيَ أو لتنجُوا من هلاك الدارين أو رجاءً منكم أن تنتظِموا في سلك المتقين أو طلباً لذلك وقد مر تحقيقُه {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضْتم عن الوفاء بالميثاق {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} من بعد أخذِ ذلك الميثاقِ المؤكد {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بتوفيقكم للتوبة أو بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث يدْعوكم إلى الحق ويهديكم إليه {لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي المفتونين بالانهماكِ في المعاصي والخبْطِ في مهاوي الضلال عند الفترة. وقيل: لولا فضلُه تعالى عليكم بالإمهال وتأخيرِ العذاب لكنتم من الهالكين وهو الأنسبُ بما بعده وكلمةُ (لولا) إما بسيطةٌ أو مركبة من لو الامتناعية وحرف النفي ومعناها امتناعُ الشيءِ لوجود غيرِه كما أن (لو) لامتناعه لامتناعِ غيرِه والاسم الواقعُ بعدها عند سيبويه مبتدأٌ خبرُه محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسدِّ الجواب مسدَّه، والتقديرُ لولا فضلُ الله حاصلٌ، وعند الكوفيـين فاعل فعلٍ محذوف أي لولا ثبَتَ فضلُ الله تعالى عليكم.

القشيري

تفسير : أخذ سبحانه ميثاقَ جميع المُكَلَّفِين، ولكنَّ قوماً أجابوا طوعاً لأنه تعرَّف إليهم فوَحَّدوه وقوماً أجابوه كرهاً لأنه ستر عليهم فجحدوه، ولا حُجَّة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور - وهو الجبل - ولكن عَدِموا نورَ البصيرة، فلا ينفعهم عيانُ البصر. قال الله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}، أي رجعتم إلى العصيان بعد ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان، ولولا حكمه بإمهاله، وحِلْمُه بأفضاله لعَاجَلكُم بالعقوبة، وأحلَّ عليكم عظيمَ المصيبة ولخَسِرَتْ صفقتُكم بالكُلِّيَة.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ اخذنا ميثاقكم} تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى اسرائيل اى اذكروا يا بنى اسرائيل وقت اخذنا لعهد آبائكم بالعمل على ما فى التوراة وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق {ورفعنا فوقكم الطور} كانه ظلة حتى قبلتم واعطيتم الميثاق والطور الجبل بالسريانية وذلك ان موسى عليه السلام جاءهم بالالواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وابوا قبولها فامر جبريل فقلع الطور من اصله ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى ان قبلتم والا القى عليكم فلما رأوا ان لا مهرب لهم منها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود لئلا ينزل عليهم فصارت عادة فى اليهود لا يسجدون الا على انصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الاسلام لان الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز كالمحاربة مع الكفار واما قوله تعالى {أية : لا إكراه فى الدين} تفسير : [البقرة: 256] وامثاله فمنسوخ بالقتال. قال ابن عطية والذى لا يصح سواه ان الله جبرهم وقت سجودهم على الايمان لانهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك {خذوا} على ارادة القول اى فقلنا لهم خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} بجد وعزيمة ومواظبة {واذكروا ما فيه} اى احفظوا ما فى الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه {لعلكم تتقون} رجاء منكم ان يكونوا متقين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لولا} حرف امتناع لوجود، تلزم الدخول على المبتدأ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه، أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان، وقال الكوفيون، فاعل بمحذوف: أي: لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته، و(لكنتم): جوابها. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين {أَخَّدْنَا مِيثَاقَكُمْ} أن تقبلوا تكاليف التوراة، وكانت شاقة عليهم، فلما أبيتم قبولها، قلعنا الطور، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم، كالظلة، وقلنا لكم: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم} من التوراة بجد واجتهاد، {واذكروا ما فيه} من الوعظ والتذكير {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الله، فتفوزون بالخير الكثير، فقبلتم ذلك كرهاً {ثُمَّ تَوّلَّيْتُم} وأعرضتم بعد لك، فسفكتم الدماء، وقتلتم الأنبياء، {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بتوفيقكم للتوبة، {وَرَحْمَتُهُ} بقبولها منكم، فخسرتم الدنيا والآخرة. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} ما جرى للذين {اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ} في زمن داود عليه السلام، وذلك في قرية يقال لها: "أيْلة"، كانت على شاطئ البحر، وقد نُهوا عن الاصطياد يوم السبت، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شُرَّعاً، فتُخْرِج خراطيمها للبر، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر، فحفروا حياضاً، وشرعوا إليها جدوال، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فلمَّا لمْ يُعاقبوا على ذلك أحلُّوا يوم السبت، فانقسمت القرية على ثلاث فرق: قوم نهوا، وقوم سكتوا، وقوم اصطادوا، فمُسِخ من اصطاد قردة وخنازير؛ الشُّبان قردة، والشيوخ خنازير، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا. فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا بهم - {نَكَالاً} وزجراً {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} في زمانها، وما خلفها؛ من يأتي بعدها، {وموعظة}: وتذكيراً {للمتقين} من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ، وأخذوا عنه العهد، حملهم من أعباء التكليف وخرق العائد ما تموت به نفسوهم، وتحيا به قلوبهم، كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، فإذا هموا بالتقصير، ظلل عليهم جبل همته، وأدار عليهم يد حفظه ورعايته، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: (والله لا يكون الشيخ شيخاً حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب). والمراد باليد: الهمة والحفظ، ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف، ويحضّهم على الأخذ بها، والاجتهاد في العمل بها، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم، وترسخ معرفتهم، وتكمل تربيتهم، فحينئذٍ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود العيان. قلت: وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات، فما كانت أفتحها حتى ترتعد نفسي مما فيها، لأنها تعلم أنه ما يُرسل لها إلا ما فيه موتها، فلولا فضل الله علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من الخاسرين، ولقد أخطأت العناية قوماً، فتعدوا حدود الشيوخ، أو خرجوا عن دائرتهم قبل كمال تربيتهم، فمسخت قلوبهم، وانمحت في ديوان الولاية رسومهم، جعل الله ذلك عبرة لغيرهم، وزاجراً لمن حذا حذوهم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، وكفران النعم وحرمان الرضى، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : تقديره: واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم. اللغة: الميثاق: المفعال من الوثيقة، اما بيمين، واما بعهد وغير ذلك من الوثائق. والميثاق الذي اخذه الله هو الذي ذكره في قوله: {أية : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} تفسير : في الآيات التي ذكر بعدها. ويحتمل ان يكون اراد الميثاق الذي اخذ الله على الرسل في قوله: {أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} تفسير : وقوله: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري}تفسير : وقد بينا ان اخذ العهد هو ما نصب لهم من الحجج الواضحة، والبراهين الصحيحة الدالة على توحيده، وعدله، وصدق انبيائه ورسله. وافسدنا ما يقوله اهل الحشو: من استخراج الذرية من ظهر آدم، واخذ العهد عليهم بما لا يحتاج إلى اعادته. وقوله: {ورفعنا فوقكم الطور}. قال مجاهد: الطور هو الجبل. وكذلك هو في اللغة. وقال العجاج: شعر : دانى جناحيه من الطور فمر تقضي البازي اذا البازي كسر تفسير : وقيل: إنه اسم جبل بعينه. ناجى الله عليه موسى بن عمران. ذهب اليه ابن عباس وابن جريج. وقيل: انه من الجبال التي تنبت دون ما لا تنبت. رواه الضحاك عن ابن عباس وقال قتادة {ورفعنا فوقكم الطور} قال: الطور الجبل اقتلعه فرفعه فوقهم. فقال: {خذوا ما آتيناكم بقوة} وقال مجاهد: الطور اسم جبل بالسريانية وقال قتادة: بالعربية. وقال قوم من النحويين: معنى خذوا تقديره ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما اتيناكم يعني التوراة بقوة. اي بجد ويقين، لا شك فيه والا قذفناه عليكم كما تقول: اوجبت عليه قم اي اوجبت عليه فقلت قم. وقال الفراء: اخذ الميثاق: قول بلا حاجة بالكلام إلى اضمار قول. فيكون من كلامين. غير انه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بمعنى القول، أن تكون معه أن كما قال تعالى: {أية : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك} تفسير : قال ويجوز حذف أن ومعنى {ما آتيناكم} أي اعطيناكم لأن الايتاء هو الاعطاء. يعني ما امرناكم به في التوراة. {بقوة}: أي بجد ويقين على ما بيناه. وهو قول ابن عباس وقتادة، والسدي. وقال ابو العالية والربيع بن انس: بطاعة الله وقال مجاهد: إنه العمل بما فيه وحكي عن ابن الجران معناه: القبول: وقال: ابو علي: {بقوة} معناه: بالقدرة التي جعلنا فيكم. وذلك دلالة على ان القدرة قبل الفعل. ومعنى اذكروا ما فيه. قال قوم: احفظوه، لا تنسوه. وقال آخرون: اعملوا بما فيه ولا تتركوه. والمعنى في ذلك ان ما اتيناكم فيه من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب اعتبروا به، واقبلوه وتدبروه، كي اذا فعلتم ذلك تتقوني وتخافوا عذابي بالاصرار على ضلالتكم فتنتهوا إلى طاعتي فتنزعوا عما انتم عليه من المعصية.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : "المِيثاق" مفعال من الوثيقة إمّا بيمين أو بعهد أو غير ذلك من الوثائق كالعقل والفطرة. و "الطُّور" في اللُّغة: الجَبل. وقيل: اسم جبَل بعينه ناجى الله عليه موسى (عليه السلام). وهو المرويُّ عن ابن عباس. وهذا هو الأقرب، لأنّ لام التعريف حمله على معهود عرف كونه مسمّى بهذا الاسم. والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاةُ فوقَه، فقد يجوز أن ينقله الله إلى حيث هم، فجعله فوقَهم وإن كان بعيداً منهم، لأنّ القادر على أن يجعل الجبل فوق الهواء قادر على قلْعِه ونقلِه من موضع بعيد إليهم. وسيجيء إعادة الكلام في تحقيق هذا المرام. وقال ابن عباس: أمَر الله جبلاً من جبال فلسطين، فانقلَع من أصلِه حتّى قام فوقَهم كالظُّلَّة، وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ. والقُوّة هاهنا بمعنى القدرة. وهي في الأصل يقال لمبدإ التغيُّر في شيء آخر من حيث هو آخر. سواء كان فعلاً أو انفعالاً. وقد يقال لما به يمكن أن يصدر عن الشيء فعل أو انفعال وأن لا يصدر. وهي بهذا المعنى يقابل الفعل بمعنى الحصول والتحقّق. وقد يقال لما به يكون الشيء غير متأثّر عن مقاوم، ويقابله الضعف والوهْن. والقوّة الفعليّة إذا كانت مع شعور وإرادة تسمّى قدرة، وهي المراد هنا. واعلم أنَّ أكثر المتكلّمين على أنّه ليست قدرة إلاّ لما من شأنه الطرفين: الفعْل والترْك. وأمّا الفاعل الذي يَدوم فعْله - وإن كان بمشيئته - فهم لا يسمّونه قادراً والحقّ خلافه. فإنّ من فعَل بمشيئة وإرادة يصدق عليه أنّه لو لم يشأ لم يفعل، سواء اتّفق عدم المشيئة، أو لم يتّفق. لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقّف على تحقّق طرفيها. واعلم أنّ القوّة الفعلية قد تكون مبدأ الوجود، وقد تكون مبدأ التغيّر، والإلهيون من الحكماء إنّما يعنون بالفاعل مبدأ الوجود، والطبيعيّون يعنون به مبدأ التحريك. والأحقّ باسم الفاعل مَن يطرد العدم بالكليّة عن الشيء بالكليّة، وما هو إلاّ الواحد الذي بقوّته أخرَج الأشياء من اللَّيس المطلق إلى الأيس. وأبدع الأشياء من غير مِثال. وأمّا الذي جعله الله واسطة للتهيُّؤات والاستعدادات، فالأولى أن لا يسمّى بالفاعل، لكن بالمحرّك والسائق وما يجري مجراهما. المعنى: ثمّ عاد إلى خطاب بني إسرائيل بذكر إنعامه عليهم. وهذا هو الإنعام العاشر من الإنعامات الواقعة عليهم. فقال: اذكروا {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} أي: عهدكم. والمفسّرون اختلفوا في المراد من هذا الميثاق ما هو؟ فذكروا وجوهاً: الأول: ما أُودع في العقول وارتكز في الفِطَر من الدلائل على وجود الصانع، وقدرته، وحكمته، وما نصَب لهم من الحُجج الواضحة، والبراهين الساطعة على ذلك وعلى صدْق الأنبياء والرسل (عليهم السلام). وهذا النوع من الميثاق أقوى المواثيق والعهود، لأنّها لا تحتمل الخُلف، والنقص، والتبدّل، بوجه البتّة. والثاني: إنّ المراد به الذي أخذه الله على النبيّين في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} تفسير : [آل عمران:81] الآية. الثالث: ما روي عن عبد الله بن عوف بن أسلم أنّ موسى (عليه السلام) لمّا رجع من عند ربّه بالألواح قال لهم: "إنّ فيها كتاب الله وحكمته، فخذوها" قالوا: "لن نأخذ بقولك حتّى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي" فأخذتهم الصاعقة فماتوا. ثمّ أحياهم، ثمّ قال لهم بعد ذلك: "خُذوا كتابَ الله" فأبوا. فرفع فوقَهم الطور وقيل لهم: "خذوا الكتاب وإلاّ طرحناه عليكم" فأخذوه. فرفع الطور هو الميثاق. وذلك لكون رفْعه آية باهرة عجيبة توجب الانقياد من التكذيب إلى التصديق. ومن الشكّ إلى اليقين. فأقرّوا لموسى (عليه السلام) لأجله - مضافاً إلى سائر الآيات - بالتصديق، ولله بالعبوديّة والطاعة، وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كانوا من عبادة العِجل، وأن يقوموا بالتوراة. فأخذوا التوراة وسَجدوا لله تعالى ملاحظين إلى الجبَل، فمِن ثمّ يسجد اليهود على أحد شِقّي وجوههم. وهذا هو معنى أخذ الميثاق، لأنّه عهد موثق جعلوه لله. وكان في حال رفْع الجبَل فوقَهم، لأنّ في هذه الحال قيل لهم: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} يعني: التوراة بقوّة، أي: بجدّ ويقين لا شكّ فيه. وهو قول ابن عباس والسدّي. وقريب منه ما روى العيّاشي أنّه سُئل جعفر الصادق (عليه السلام) عن قول الله تعالى: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} أبقوّةٍ الأبدان، أو بقوّة القلوب؟ فقال: بهما جميعاً. وقيل: أخْذه بقوّة هو العمل بما فيه بعزيمة وجِدّ. والرابع: إنّ لله ميثاقين على عباده: الأوّل: حين أخرجَهم من ظهْر آدم (عليه السلام) وأشهدَهم على أنفسهم. الثاني: إنّه ألزم الناس متابعة الأنبياء. والمراد هاهنا هو هذا العهد. وهو قول ابن عباس. وعلى هذا يكون "الواو" في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} للعطف، وعلى تفسير غيره للحال. قال القفّال: إنّما قال: "ميثاقكم" ولم يقل مواثيقكم لأنّه أراد به الدلالة على أنّ شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ من غيره. فلا جرم كان كلّه ميثاقاً واحداً. ولو قيل: "مواثيقكم"، لاشتبه أن يكون هناك مواثيق مختلفة أُخذت عليهم - لا ميثاق واحد -. وقوله: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} الضمير في "فيه" يعود إلى الموصول - يعني التوراة - أي: احفظوا ما في التوراة، وادرسوه من أحكام الحلال والحرام، ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه. فإن قلت: هلاّ حمَلتموه على معنى أصل الذّكْر؟ قلنا: لأنّ الذكْر الذي ضد النسيان هو من فعْل الله ليس بإرادة العبد. فكيف يجوز الأمر به، ولذلك حمَلناه على المذاكرة، والمدارسة، والمحافظة عليه. فصل كيف يمكن رفْع الجبل؟ من المتفلسفة من أنكر إمكان وقوف مثل الجبل ونحوه من الأثقال في الهواء من غير دِعامَة ولا عِماد. وأمّا مثل الصواعق، وذوات الأذناب، وغيرها ممّا فيه حرارة مُصعدة، أو أدخنة غليظة بقوّة حرارتها تقاوِم الهابط من الجوّ، فيمكن وقوفها زماناً في الهواء. وكذا الأرض معلّقة فيما بين الهواء لأنّها متدافعة من جميع الجوانب لتكافؤ ثِقل أطرافها، فوقَفت بطبعها عند المركز. بخلاف وقوف الجبل في الهواء إذ لا سبب له. والجواب من وجهين: أحدهما: إنّ أسباب وقوف الثقيل في الهواء ليست منحصرة فيما ذكَرتم من الدعامة، أو الحراة المصعِدة، أو تدافع الجوانب أو ما يجري مجراهما فإنّ هاهنا أسباباً إلهيّة، سماويّة، أو نفسانيّة، مقتضية لمثل هذه الأفاعيل الغريبة، فإنّ للنفس أن تُصعِّد الجسم الثقيل بمجرد الهمَّة والعزم. ومن هذا القبيل وقوف الطير في جوّ السماء. كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الملك:19]. ومن هذا الباب صُعود الحيوان إلى فوق بقوّة نفسانيّة - لا بدعامة جسمانيّة - ومنه قلْع باب خيبر ورفْعه، فإنّه (عليه السلام) قال: "قلَعتُه بقوّة ملكوتيّة، لا بقوّة جسمانيّة" فإنّ نسبة النفوس القويّة، العالية، إلى غير بدنها من أجسام هذا العالَم، كنسبة سائر النفوس الضعيفة إلى بدنها، فلا جرم أثرت همّة نفس موسى (عليه السلام) بقوّة استفادها من الله في رفْع الجبل فوق قومه. وثانيهما: إنّ للأجرام والأعظام نحوين من الوجود: أحدهما: وجود مادي متعلّق بمادّة واستعداد خاصّ. والآخر: وجود صوريّ متعلّق بالفاعل، غير متعلّق بمادّة قابلة للحركة والفساد. والذي يراه الإنسان في هذا العالَم ويشاهده بحسّه الظاهر على وجهين: أحدهما: الشائع المتعارف الأكثري، وهو أن يأخذ الحسّ البصري صورة ما يراه وينتزعها من مادّته. والآخر: أن ينحدِر إلى حسّه من جهة الباطن - وهذا على سبيل النُّدرة - ومن هذا القبيل رؤية النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه تمثُّل جبرائيل (عليه السلام) لهم بصورة دُحية الكلبي، وهذا باب من المعجزة. وقد يقع لبعض الكهَنة وغيرهم من هذا القبيل رؤية بعض الأجسام بأسباب باطنيّة. ولهذا قد يصعب الفرق بين المعجزة والكهانة على النفوس العاميّة. ومن وقَف على حكاية الجوهري رأى عجباً من هذا الباب، حيث خرج بالعجين من بيته إلى الخبّاز ليطبخ له الخُبزَ في الفُرن، وكانت عليه جنابة، فجاء إلى شطّ النيل ليغتسل، فرأى - وهو في الماء - مثل ما يراه النائم، كأنّه تزوّج في بغداد، وأقام مع المرأة ستّ سنين، وأولدَها أولاداً. ثمّ ردّ إلى حاله - وهو في الماء - ففرغ من غسله، وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن وأخذ الخُبز وجاء إلى بيته وأخبر أهلَه بما أبصره. فلمّا كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنّه تزوّجها في تلك الحالة تسأل عن داره، فلما اجتمعت به عرفها، وعرف الأولاد وما أنكرَهم. وقيل لها: متى تزوّج؟ فقالت: "منذ ستّ سنين، وهؤلاء أولاده مني". فخرج في الحسّ ما رآه في الباطن أوّلاً. وهذه إحدى المسائل الستّة التي أوردها ذو النون المصري، التي تُحيلها العقولٌ المتفلسفة، والحكايات في هذا الباب كثيرة ذكرها يؤدّي إلى الإطناب. فعلى هذا لم يبق شكّ في جواز رفع جبل طور فوق بني إسرائيل معجزة لموسى (عليه السلام)، فقد خصّ الله أولياءه بقُوى شريفة، قويّة، نورانيّة، يقوى على مثل هذه الأحكام. فلا ينكره إلاّ جاهل بما ينبغي للجناب الإلهي من الاقتدار. وفي معراج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كفاية في هذا المقام مع خَرقه للأفلاك، ونفوذه في مسافاتها البعيدة، التي قطعَها في الزمان القليل. كما سنوضح لك في تفسير سورة الإسراء إن شاء الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} اى على أيدى أنبيائكم او خلفائهم، والمراد بالميثاق هو العهد المأخوذ فى البيعة العامّة او الخاصّة، والاضافة للعهد اى الميثاق المأخوذ بنبوّة محمّد (ص) وولاية علىٍّ (ع) او الميثاق المأخوذ بالتّوحيد والنّبوّة والاقرار بما جاء به نبيّهم ومنه نبوّة محمّدٍ (ص) وولاية علىٍّ (ع) وان يؤدّوه الى اخلافهم ولذا ورد تفسير الميثاق بهما امّا لكونهما مذكورين فى البيعة او لكون الاقرار بنبوّة كلّ نبىٍّ وولاية كلّ ولىٍّ اقراراً بنبوّة محمّد (ص) وولايته علىّ (ع) لكون نبوّة الانبياء وولاية الاولياء رقائق لنبوّة محمّدٍ (ص) وولاية علىٍّ (ع) والرّقيقة جزئيّة من الحقيقة كما انّها كلّ بالنّسبة اليها والاقرار بالجزئىّ اقرار بالكلىّ كما انّ الاقرار بالكلّ اقرار بالجزء {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} اى الجبل امر الله جبرئيل ان يقلع من جبل فلسطين قطعة على قدر معسكر بنى اسرائيل فقلعها ورفعها فوق رؤسهم قائلين على لسان نبيّنا {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم} من الاحكام مطلقة او من الاحكام الّتى آتيناكم فى الميثاق بحسب القالب او القلب او من التّوراة او من نبوّة محمّدٍ (ص) وولاية علىٍّ (ع) {بِقُوَّةٍ} من قلوبكم وابدانكم. قيل: قال لهم موسى: امّا ان تأخذوا بما أمرتم وامّا ان ألقى عليكم هذا الجبل فألجئوا الى قبوله كارهين الاّ من عصمه الله ثمّ لمّا قبلوا سجدوا وعفروا وكثير منهم عفر خديّه لا لارادة الخضوع لله ولكن نظراً الى الجبل هل يقع ام لا {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} اى فى الميثاق من الشّروط او من الاحكام القالبيّة او القلبيّة او من ثواب الموافق وعقاب المخالف، او اذكروا ما فى رفع الطّور ووقوعه، او اذكروا ما فيما آتيناكم من الثّواب والعقاب او الاحكام، ونسب الى الصّادق (ع) انّه قال: واذكروا ما فى تركه من العقوبة {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} اى اذكروا ما أمرناكم لعلّكم تتّقون المخالفة.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثاقَكُم}: العهد الذى عاهدتمونا على العمل بما فى التوراة واتباع موسى، والخطاب لليهود الذين فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بما كان مع أسلافهم كما مر مثله، وكل من أداة معطوفة على الأخرى قبلها أو على الأولى وهو أولى. {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ}: عطف سابق على لاحق فإنه، رفع الطور فوقهم قبل أخذ الميثاق لأنهم إنما أعطوا الميثاق بسبب رفع الطور فوقهم وهو جبل الطور الذى وقعت فيه مناجاة موسى ـ عليه السلام ـ قاله ابن عباس، وقال مجاهد: الطور كل جبل وذلك أنه جاء موسى بالتوراة وألزمهم العمل بها فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة فامتنعوا من قبولها، وقيل قالوا: لا نقبلها إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا، ولعل بعضاً قال لانقبلها، وبعضاً قال لا نقبلها إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، ولما أفاقوا قال لجميعهم: خذوها. فقالوا: لا. فأمر الله تعالى جبريل فرفع جبل المناجاة مقلوعاً من أصله قلعه جبريل، وقيل جبلا من جبال فلسطين بعد أن قلعه من أصله وطوله فرسخ وعرضه فرسخ مقدار عسكرهم، وكان فى طول فرسخ وعرضه، وحمله فوق رءوسهم بينه وبين رءوسهم قامة، وكان كالظلة عليهم، وأخرج الله البحر من ورائهم وأضرم ناراً بين أيديهم. فقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقى عليكم، وقيل: سمعوا كلاماً إن قبلتم ما فى التوراة، وإلا أرسلت الجبل عليكم. وروى أنهُ قيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل وأغرقكم البحر وأحرقتكم النار كما قال: {خُذُو مَا آتَيْنَاكُم}: من التوراة والعمل بأحكامها. {بِقُوَّة}: قال ابن عباس باجتهاد وصبر، وقال ابن زيد بتصديق وتحقيق متعلق بخذوا، والجملة مفعول لقول محذوف هو وعاطفه أى وقلنا: خذوا أو لقول هو حال أى رفعناه قائلين خذوا ما آتيناكم بقوة. {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ}: أى ادرسوه بألسنتكم، فإن الدرس ذكر، واذكروه بقلوبكم بالتفكر فى معانيه فإن التفكر ذكر، واعملوا به فإن العمل بالشئ معاهدة لهُ واستحضار لهُ بالجوارح والقلب، كما أن النطق به استحضار له باللسان، فأخذوا التوراة بالميثاق، وقال الطبرى عن العلماء لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، روى أنه قلع الجبل من أصله فأشرف عليهم به كالظلة، فقيل: لتأخذوا أمرى أو لأرمينكم به فلأقتلنكم، فسجدوا على شق وجوههم مراقبة للجبل خوفاً، وقبلوا التوراة ولما رحمهم الله سبحانه قالوا لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحمنا بها، فكانوا بعد ذلك لا يسجدون إلا على شق الوجه ونصفه ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب. وإن قلت: كيف هذا قبولا منهم للتوراة وتوبة وهم فعلوه كرهاً خوفاً من الجبل؟ قلت: كان أول سجودهم كرهاً وخوفاً من الجبل ثم خلق الله في بقية سجودهم توبة وقبولا من خالص قلوبهم. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لتتقوا المعاصى أو أرجو أن تكونوا متقين لها أو رجاء منكم أن تتقوها أو راجين أن تتقوها أو لعلكم تتقون النار وعذاب الدنيا، لعول على كل حال للتعليل أو للترجى بالنسبة إلى المخلوق، وجملة للترجى بمعنى الأمر أى أرجو أو محاولة بوصف حالا أى راجين، أو بمصدر مفعول لأجله. قال الطبرى: (لعلكم) إذا كان تعليلا لخذوا واذكروا كان على حقيقته، لأنه راجع إليهم، وإذا علق بقلنا المقدر يكون تعليلا بفعل الله، فيجب تأويله بالإرادة على مذهب المعتزلة، لأنها عندهم تابعة للأمر فلا يستلزم وقوع المراد. وعندنا يعنى الشافعية: تابعة للعلم فهى مستلزمة له فلا يجوز أن يتعلق ما ذكر بالقول المحذوف.. انتهى. ومعنى كونها تابعة للأمر أنها تابعة لهُ فى وقوع المأمور به وعدم وقوعه. وعندنا معشر الإباضية الوهبية أنها تابعة للعلم فهى واقعة ولا بد، إذ لا يتخلف علم الله.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ} وثوقكم، كالميعاد بمعنى الوعد، وأفرد الميثاق لأن ما أخذ على كل واحد أخذ على غيره، فكان ميثاقاً واحدا، والمراد عهدهم الإيمان، بالتوراة كلها. والعمل بما فيها، أعطيتم الميثاق على ذلك، ثم أبيتم، وقيل، أخذ الميثاق قبل نزولها على أن يعملوا بما ينزل عليهم فى الكتاب، ولما نزلت التوراة نفضوا لما فيها من الميثاق {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ} حين نقضتم {الطُّورَ} الجبل، وكل جبل طور، وقيل إن كان فيه نبات، وهو عربى أو سريانى معرب، وقيل المراد جبل المناداة، حمل إليهم، اقتلعه جبريل من أصله وحمله فى الهواء بينهم وبينه قدر قامة أحدهم، وهو فرسخ فى فرسخ على قدر عسكرهم، قيل، والنار قدامهم، والبحر المالح خلفهم، فقيل لهم، إن لم تقبلوا رضختكم به. فسجدوا للقبول على أنصاف وجوههم، ناظرين بالعين اليمنى إليه خوفاً، فكان أفضل سجود اليهود بعد ذلك ما كان على الشق الأيسر والنظر باليمنى إلى جهة المساء، قائلين {خُذُوا} اقبلوا {مَآ ءَاتَيْنَٰكُمْ} وهو التوراة {بِقُوَّةٍ} باجتهاد، وقيل، لا يقدر القول هنا، لأن الميثاق قول، ولا دليل فى الآية لمن قال، الاستطاعة قبل الفعل، إذ لا يقال، خذ هذا بقوة إلا والقوة فيه، لأن بهذا المعنى لاننكر صحة تقدمها على الفعل {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} تعاهدوه بالمطالعة والدرس والتفهم لمعانيه والعمل به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} عقاب الله، أو المعاصى، وتقدمت أوجه لعل فى كلام الله، وقس عليها فى جميع القرآن، وليس رفع الجبل فوقهم إجباراً على الدين، فلا يقال، كيف تقبل الطاعة، لأن الإحبار ما فيه سلب الاختيار، بل الآية كمحاربة العدو، إن أسلم رفع عنه السيف، وإن أخذوا زال الجبل، وأما الإكراه فى الدين ففى مخلوق لآخر أن يحبسه حى يؤمن، أو يمنع عنه الطعام حتى يؤمن أو نحو ذلك لا يجوز، ولو فسر لا إكراه فى الدين بالنهى عن القتال حتى يؤمر به، وأما الله فله فعل ما شاء، قيل: ولا يقال: الإيمان بالإجبار يجزى فى الأمم السابقة أو بعضها فتكون منه هذه القصة، لأن هذا مما لا تختلف الشرائع فيه، وقد قال الله تعالى "أية : فلولا كانت قرية آمنت" تفسير : [يونس: 98] الآية. "أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم..." تفسير : [غافر: 85] الآية قلت: الآيتان غير ما فى هذه الآية، لأن هذه الآية جاءت فى القهر على الفعل، والآيتان فيمن أغلق عنه الله باب الفعل بتوجيه الموت إليه، ووجه آخر لا يقبل ما عن إجبار إذا استمرت الكراهة، أما إذا كان بعده الفعل بالاختيار فيقبل كل ما باختيار، فأخذوه بقوة ثم تركوه، كما قال: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم بعدم القبول، وأصله الإعراض بالجسد {مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ} العهد الذى أعطيتم وعملتم به مدة، أو من بعد ذلك العمل المعلوم من المقام، أو من بعد الأخذ بقوة، إذ لم يمتثلوا، بل استمروا على العصيان، لم يقل ثم توليتم، وقيل، بعد رفع الطور فوقكم، وإيتاء التوراة، فطوى عن ذكر امتثالهم {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ} بتوفيقكم للتوبة {عَلَيْكُمْ} الخطاب باعتبار الآباء {وَرَحْمَتُهُ} لكم بالتوبة أو بقبولها قيل، أو الخطاب للأبناء فالفضل والرحمة بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، لو لنفى تاليها، وإذا زيدت لا العافية ثبت ما نفى، هذا قول الكوفيين بتركيب لو من لولا والبصريون على أنها بسيطة {لَكُنْتُمْ مِّنَ الْخَٰسِرِينَ} كمن ذهب رأس ماله أو بعضه، هذا عندى يعين الخطاب للآباء، لأن يهود عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاسرون إلا ما شذ بخلاف من تقدم، ففيهم الخاسر والرابح.

الخليلي

تفسير : كانت الآية السابقة فيضا من أنس اللطف الإِلهي يغشى بالطمأنينة نفوسا زعزعها ما تقدم من قوارع الإِنكار والوعيد، وتبيانا لسببي النجاة من الهلكة، والعصمة من العذاب وهما الإِيمان الراسخ في النفس، وما يترجمه من العمل الصالح وليس في ذلك انقطاع عن الحديث الخاص ببني إسرائيل وتأنيبهم على ما اختاروه من الضلال وكفران النعم التي عُدِّدت في هذا السياق؛ وإن ذكر معهم من ذُكر من أصحاب الديانات الأخرى؛ ومن هنا أخذت الآيات تواصل عرض مساوئهم جامعة بين تهديدهم والامتنان عليهم بالأنعم التي كفروها فانقلبت عليهم نقمة ووبالا. رفع الطور فوق رؤوس بني إسرائيل وفي هاتين الآيتين إيماء إلى قصة ذكرت في سورة الأعراف بعبارة أوضح وبيان أوسع وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 171]، كما أُشير إليها مرة أخرى في هذه السورة في الآية 93، وفيها ما يدل على أنهم وصلوا في التعنت وقسوة القلوب وانطماس البصائر إلى حد لا يكاد يُرجى معه انثناؤهم إلى الهدى. وقد عُني المفسرون بشرح هذه القصة وبيان أسبابها، وهم متفقون - إلا من شذ من المتأخرين - أن الله اقتلع الطور من الأرض ورفعه فوق رؤوس بني إسرائيل تهديدا لهم حتى يذعنوا لما طُلب منهم، واختلفوا في سبب هذه الحادثة، فعن ابن زيد أن موسى عليه السلام عندما جاء بني إسرائيل بالألواح فيها كتاب الله عصت بنو إسرائيل أمره بقبول ما جاءهم به وقالوا من يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى خذوا كتاب الله، فقالوا: لا، قال: أي شيء أصابكم، قالوا: متنا ثم حيينا، قال: خذوا كتاب الله، قالوا: لا، فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطور، قال: خذوا الكتاب، وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق. وعن مجاهد أن ذلك كان عندما أُمروا أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا حطة. ولم أجد أحدا من القدامى ينكر اقتلاع الجبل ورفعه أعلى الرؤوس كالسحاب، وهو بهذا آية كونية خارقة للمألوف عند الناس من أحوال الكون، ووافقهم على ذلك الإِمام محمد عبده مع ما عهد منه من تفسير الآيات الكونية بما يقرب من المألوف. وذكر العلامة السيد رشيد رضا أن هذا هو المتبادر من الآية بمعونة السياق إلا أنه جوز أن يكون المراد بالرفع علو الجبل مع رسوخه في الأرض، لأن كل عال يوصف بأنه مرفوع ومرتفع ولو كان متصلا بالأرض، نحو {أية : وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} تفسير : [الواقعة: 34]، {أية : سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} تفسير : [الغاشية: 13]، وذكر أن النتق المذكور في سورة الأعراف ليس نصا في كونه رُفع في الهواء، لأنه لغة الزعزعة والزلزلة، ثم قال: "وإذا صح هذا التأويل لا يكون منكر ارتفاع الجبل في الهواء مكذبا للقرآن". وهذا الذي جوزه صاحب المنار هو الذي عول عليه الإِمام ابن عاشور مضعفا ما عداه، وهذا نص قوله: "أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجليا خاصا للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب وردعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج، وفي الفصل الخامس من سفر التثنية، فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحاب، ولذلك وُصف في آية الأعراف بقوله: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} (نتقة: زعزعه ونقضه)، حتي يُخيل إليهم أنه يهتز، وهذا نظير قولهم: "استطاره إذا أزعجه فاضطرب، فأعطوا العهد وامتثلوا بجميع ما أمرهم الله تعالى. وقالوا: "كل ما تكلم به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك الى الأبد"، وليس في كتاب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير". وكلامه واضح في أنه التبست عنده قصة بقصة، فجعل القصتين قصة واحدة، وهما اندكاك الطور عندما تجلى له الله بآياته الكبرى، ورفعه فوق بني اسرائيل عندما أُخذ عليهم الميثاق، مع أن اختلاف القصتين بيِّن لمن تدبرهما فآية التجلي ذكرت اندكاك الجبل وآيات الميثاق ذكرت رفعه وشتان بين الأمرين، والاستدلال بما عند أهل الكتاب على مقاصد التنزيل غير سديد بعد ثبوت تحريفهم لما أنزل، ولبسهم الحق بالباطل. ويؤيد قول الجمهور تشبيه الجبل بالظلة - وهي السحابة سميت بذلك لإِظلالها من تحتها - فإن هذا التشبيه لا يتفق مع بقاء الجبل مكانه مستقرا في الأرض كما يؤيده أن الرفع لو أُريد به ما ذكر من علو الجبل لم تكن فائدة من ذكره في هذا السياق، فإن الجبل بحالته الطبيعية ليس مرفوعا في هذه الحالة فحسب ولا على بني إسرائيل فقط، بل ارتفاعه منذ خلق وفوق كل من يأتي تحته، وما ذكر من ظنهم وقوعه بهم ينفي كل لبس في المعنى ويجتث كل شبهة في التأويل لأن الوقوع لغة هو السقوط، والسقوط المخشي إنما هو سقوط ما كان بالجهة العلوية لا بالجهة المحاذية، ومن ناحية أخرى فإن الجبل مع بقائه على حاله متمكن في الأرض بقراره فيها فلا معنى لظنهم - مع ذلك - أنه واقع بهم. والنتق يطلق على الرفع بالجذب الشديد الذي تكون معه زعزعة كنتق الغرب. وأخذ الميثاق هو تكليفهم بمضمون التوراة، وقيل: هو ما دل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ}تفسير : والآية التي بعدها [البقرة: 83-84] والصحيح الأول بدلالة {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} عليه. وكثير من أهل العلم تصوروا إشكالا في القصة حاصلة أن فيما ذكر إكراها على قبول التكليف، والأصل في التكليف أن يكون المكلَّف على حالة يتمكن فيها من القبول والرفض، فإن قبل سعد، وإن رفض شقى، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة: 256]، وقوله: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 99]. واختلفوا في الإِجابة على هذا الإِشكال الذي تصوروه، منهم من قال إن الله خلق في نفوس بني إسرائيل - والجبل مظل فوقهم - الاختيار فاختاروا القبول، ومنهم من قال: إن هذه الحالة لا تعد إكراها إذ لو ظل الجبل كذلك لألفوه كما ألفنا نحن وغيرنا من الناس الأجرام السماوية فوقنا من غير أن نخشى تساقطها علينا، ومنهم من قال بأن عدم الإِكراه في التكليف خاص بهذه الأمة؛ وهي إجابات عارية عن الدليل. وعد ابن عطية الجواب الأول قاطعا حيث قال: اعتباره لا يصح سواه وتعقبه الشوكاني بقوله: "وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قدر ارتسم لديه من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره - قال - وكل عاقل يعلم أنه لا سبب من أسباب الإِكراه أقوى من هذا أو أشد منه، ونحن نقول أكرههم الله على الإِيمان فآمنوا مكرهين، ورفع منهم العذاب بهذا الإِيمان، وهو نظير ما ثبت في شرعنا من رفع السيف عن من تكلم بكلمة الإِسلام والسيف مصلت قد هزه حامله على رأسه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن قتل من تكلم بكلمة الإِسلام معتذرا عن قتله لأنه قالها تقية ولم تكن عن قصد صحيح: "أأنت فتشت عن قلبه"، وقال: "لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس". وبهذا الذي قاله الشوكاني ينجلي غيم الإِشكال. والمراد بالطور الجبل كما في آية الأعراف، وهو عند ابن جرير الطبري اسم عربي لمطلق الجبل، وأنشد قول العجاج: شعر : دانى جناحيه من الطور فمر تقضى البازي إذا البازي كسر تفسير : وقيل سرياني وعليه مجاهد، وقيل: هو خاص بالجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وهو الذي ناجى الله عليه موسى، وقيل: بما أنبت من الجبال دون مالا ينبت، والقولان مرويان عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحكى الإِمام ابن عاشور أنه قيل بأن الطور اسم جنس للجبال في لغة الكنعانيين نقل إلى العربية، ثم قال: فإذا صح ذلك فإطلاقه هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل، كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها فحسبوها علما له فسموه الطور. والأخذ مجاز في التلقي والقبول؛ وما أوتوه هو التوراة أو الشريعة التي تضمنتها، والمؤدى واحد؛ والقوة عبارة عن الإدراك والفهم، والجد والعزم، والتطبيق والعمل، وإلى ذلك يرجع ما قاله المفسرون، كقول ابن أبي نجيح ومجاهد بأنها العمل، وقول أبي العالية إنها الطاعة، وقول قتادة بأنها الجد، والسدى بأنها الجد والاجتهاد، وابن زيد بأنها الصدق والحق، ولا يُعد مثل هذا خلافا كما سبق في المقدمة. وأكثر المفسرين قالوا بأن جملة {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} معمولة لمحذوف تقديره قائلين، ولم يرد ذلك بعضهم لأن الميثاق نفسه قول. وطولبوا بأن يذكروا ما فيه ليرسخ في نفوسهم حتى يتحول الى عقيدة في قلوبهم، وشعور في وجدانهم، ونور في بصائرهم، ومنهج لحياتهم، ذلك لأن الذكر منشأ الطاعة والامتثال، والغفلة سبب المعصية والاستخفاف. والحق أن الذكر أعم من أن يكون باللسان وحدها أو بالقلب وحده، فإن الذكر باللسان سبب لاستقرار المذكور في القلب، والذكر بالقلب هو الذي يترتب عليه ما ذكرته من العزيمة والفهم والتطبيق. وهذا التلقي لما أنزل الله واجب على كل أمة في كل ما أنزل إليها، وأجدر به من كل الأمم أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام التي خصها الله بأكرم رسول، وأعظم كتاب، وأجمع شريعة، فهي جديرة بأن تترجم ما أنزل الله عليها من الهدى والفرقان ترجمة صادقة شاملة بدقة التطبيق وأبلغ المحافظة، وهذا هو الإِيمان الحق بما أنزل الله والقيام التام بحق الكتاب المنزل. أمّا ما عنى به الناس من تلاوة الكتاب بأشجى الأنغام مع المحافظة على تجويد الحروف وإحكام مخارجها، واتقان صفاتها فلا يعد ذلك توقيرا للكتاب مع إهمال أحكامه ونسيان أوامره ونواهيه، ولو كان توقير الكتاب ووفاء حقه بهذا الذي عنوا به فحسب لما كانت قيمته تتجاوز الأغاني والأناشيد التي يحرص أصحابها أن تصل إلى مسامع السامعين وأذواقهم بأشجى الألحان وأحسن الإِيقاع، وكتابا لله أجل من ذلك وعن كل ما يتصورون، وقد أُنزل للتطبيق والعمل لا للتسلي واللهو. و"لعل" تعليلية - كما سبق - مفادها أن اتقاء سخط الله وعذابه مرهون بذكر ما أنزل من كتابه. والأصل في التوالي أن يكون بالأجسام، وذلك بأن يعرض أحد عمن كان مقبلا عليه فيوليه ظهره، واستعمل مجازا في عصيان الأوامر والنواهي بعد بروز حجتها، كما استُعمل في ترك العمل بعد ممارسته، والآية كاشفة لخبث النفوس اليهودية وانطماس بصائرها، فقد كان منهم هذا التولي بعد أن رأوا الآيات الواضحات، والمعجزات الباهرات، وما اختُصوا به من النعم السابغة والآلاء المتلاحقة، فقد بدلو نعمة الله كفرا، ولم يطيعوا له أمرا، فقتلوا النبيين بغير حق، وشوهوا وجه الكتاب الذي أوتوه بالتحريفات الباطلة، والتأويلات الفاسدة، فكثيرا ما أضافوا إليه ما لم يكن منه، وانتزعوا منه ما علموا حقه وصدقه، لا لداع إلا ابتاع الهوى، والحرص على حطام الدنيا، وإيثار الحماقة والجهل، وهذا من ضروب التولي المقصود بالآية. وفضل الله فتحه لهم باب التوبة ورحمته توفيقه للتائبين وقبول توبتهم، وقيل: الفضل هو الإِسلام، والرحمة هي القرآن وهو المروي عن أبي العالية، وعليه فالخطاب لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا وروحا، وقيل: الفضل هو الهدى الذي انطوى عليه القرآن، والرحمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد أرسله الله رحمة للعالمين، وبنو إسرائيل من العالمين الذين أُرسل إليهم، وقد فُتح لهم باب الإِيمان به وعرفوا صدقه مما بقى عندهم من كتابهم غير مبدل، وعدم إيمانهم به إنما كان من تلقاء أنفسهم وإلا فقد وضحت لهم حجته وأشرقت عليهم معجزته، وقد آمن به من أنعم الله عليه بالتوفيق منهم، كعبد الله بن سلام رضي الله عنه. والخسران هو خسران الدنيا باستئصال شأفتهم، وخسران الآخرة بسوء العذاب وفوات ما أعده الله للمتقين في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ} تذكير بنعمة أخرى، لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم، والظاهر من الميثاق هنا العهد، ولم يقل: مواثيقكم، لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره ـ فكان ميثاقاً واحداً ـ ولعله كان بالانقياد لموسى عليه السلام، واختلف في أنه متى كان؟ فقيل: قبل رفع الطور؛ ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ } تفسير : [النساء: 154] الخ، وقيل: كان معه {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} ـ الواو ـ للعطف؛ وقيل: للحال، والطور قيل: جبل من الجبال، وهو سرياني معرب، وقيل: الجبل المعين. وعن أبـي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا؛ وكان على قدر عسكرهم ـ فرسخاً في فرسخ ـ ورفع فوقهم قدر قامة الرجل، واستشكل بأن هذا يجري مجرى الإلجاء/ إلى الإيمان فينافي التكليف، وأجاب الإمام بأنه لا إلجاء لأن الأكثر فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة ـ وقد شاهدوا السمٰوات مرفوعة بلا عماد ـ جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف، وقال العلامة: كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبول اختياري، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان ـ وفيه كما قال السيالكوتي ـ إن الكلام في أنه كيف يصح التكليف بـ {خُذُواْ} الخ مع القسر، وقد تقرر أن مبناه على الاختيار ـ فالحق أنه إكراه ـ لأنه حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختاره ـ لو خلي ونفسه ـ فيكون معدماً للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر باختياره كما فصل في الأصول، وهذا كالمحاربة مع الكفار، وأما قوله: {أية : لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ }تفسير : [البقرة: 256] وقوله سبحانه: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [يونس: 99] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به. {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ} هو على إضمار القول أي قلنا أو قائلين خذوا وقال بعض الكوفيين: لا يحتاج إلى إضماره لأن أخذ الميثاق قول، والمعنى: وإذ أخذنا ميثاقكم بأن تأخذوا ما آتيناكم، ـ وليس بشيء ـ والمراد هنا ـ بالقوة ـ الجد والاجتهاد ـ كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويؤول إلى عدم التكاسل والتغافل، فحينئذ لا تصلح الآية دليلاً لمن ادعى أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لا يقال: خذ هذا بقوة، إلا والقوة حاصلة فيه لأن القوة بهذا المعنى لا تنكر صحة تقدمها على الفعل. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي ادرسوه واخفظوه ولا تنسوه، أو تدبروا معناه، أو اعلموا بما فيه من الأحكام، فالذكر يحتاج أن يراد به الذكر اللساني والقلبـي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما، والمقصود منهما أعني العمل. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى، وقد ذكر هٰهنا أن كلمة ـ لعل ـ متعلقة ـ بخذوا، واذكروا ـ إما مجاز يؤول معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب؛ والمعنى: خذوا واذكروا راجين أن تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعنى التقوى، اللهم إلا باعتبار تكلف أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم، وجوز المعتزلة كونها متعلقة ـ بقلنا ـ المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي: قلنا و ـ اذكروا ـ إرادة أن تتقوا، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم بالمصلحة، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة ـ بخذوا ـ أيضاً على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز، وفيه أن القول المذكور وهو {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم} بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال ـ خذوا ما آتيناكم ـ طالباً منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم.

ابن عاشور

تفسير : تذكير بقصة أخرى أرى الله تعالى أسلافهم فيها بطشه ورحمته فلم يرتدعوا ولم يشكروا وهي أن أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجلياً خاصاً للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب ورعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج وفي الفصل الخامس من سفر التثنية فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحابة، ولذلك وصف في آية الأعراف (171) بقوله: {أية : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة}تفسير : [نتقه: زعزعه ونقضه] حتى يخيل إليهم أنه يهتز وهذا نظير قولهم استطاره إذا أزعجه فاضطرب فأعطوا العهد وامتثلوا لجميع ما أمرهم الله تعالى وقالوا: «كل ما تكلم الله به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد» وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير. وضمائر الخطاب لتحميل الخلف تبعات السلف كيلا يقعوا في مثلها وليستغفروا لأسلافهم عنها. والميثاق في هاته الآية كالعهد في الآيات المتقدمة مراد به الشريعة ووعدهم بالعمل بها وقد سمته كتبهم عهداً كما قدمنا وهو إلى الآن كذلك في كتبهم. وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم والطُّور علم على جبل ببرية سينا، ويقال إن الطور اسم جنس للجبال في لغة الكنعانيين نقل إلى العربية وأنشدوا قول العجاج:شعر : دَانَى جَناحيه من الطورِ فمَرْ تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَر تفسير : فإذا صح ذلك فإطلاقه على هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها فحسبوها علماً له فسموه الطور. وقوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} مقول قول، محذوف تقديره قائلين لهم خذوا، وذلك هو الذي أخذ الميثاق عليه. والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم. والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به كقوله تعالى: {أية : يا يحيى خُذ الكتاب بقوة}تفسير : [مريم: 12]. ويجوز أن يكون الذكر مجازاً عن الامتثال أي اذكروه عند عزمكم على الأعمال حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه، أو المراد بالذكر التفهم بدليل حرف (في) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول. والمراد بما آتاهم ما أوحاه إلى موسى وهو الكلمات العشر التي هي قواعد شريعة التوراة. وجملة {لعلكم تتقون} علة للأمر بقوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه} ولذلك فصلت بدون عطف. والرجاء الذي يقتضيه حرف (لعل) مستعمل في معنى تقريب سبب التقوى بحضهم على الأخذ بقوة، وتعهد التذكر لما فيه، فذلك التقريب والتبيين شبيهٌ برجاء الراجي. ويجوز أن يكون (لعل) قرينة استعارة تمثيل شأن الله حين هيأ لهم أسباب الهداية بحال الراجي تقواهم وعلى هذا محمل موارد كلمة (لعل) في الكلام المسند إلى الله تعالى. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : يأيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] الآية. وقوله: {ثم توليتم من بعد ذلك} إشارة إلى عبادتهم العجل في مدة مناجاة موسى وأن الله تاب عليهم بفضله ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين الهالكين في الدنيا أو فيها وفي الآخرة. ولا حاجة بنا إلى الخوض في مسألة التكليف الإلجائي ومنافاة الإلجاء للتكليف وهي مسألة تكليف المُلْجأ، المذكورة في الأصول لأنها بنيت هنا على أطلال الأخبار المروية في قلع الطور ورفعه فوقهم وقول موسى لهم إما أن تؤمنوا أويقع عليكم الطور، على أنه لو صحت تلك الأخبار لما كان من الإلجاء في شيء إذ ليس نصب الآيات والمعجزات والتخويف من الإلجاء وإنما هو دلالة وبرهان على صدق الرسول وصحة ما جاء به والممتنع في التكليف هو التكليف في حالة الإلجاء لا التخويف لإتمام التكليف، فلا تغفلوا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} أوضحه بقوله: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}تفسير : [الأعراف: 171]. قوله تعالى: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}. لم يبين هنا هذا الذي أتاهم ما هو، ولكنه بين في موضع آخر أنه الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وذلك في قوله: {أية : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 53].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 63- اذكروا حين أخذنا عليكم العهد والميثاق رافعين جبل الطور، وجعلناه بقدرتنا كالظلة فوقكم حتى خفتم وأذعنتم وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم من هدى وإرشاد بجد واجتهاد، واذكروا ما فيه ذكر من يستجيب له ويعمل به كى تصونوا بذلك أنفسكم من العقاب. 64- ثم إنكم أعرضتم بعد ذلك كله، ولولا فضل الله عليكم ورحمته وتأخيره العذاب عنكم لكنتم من الضالين الهالكين. 65- وأنتم بلا ريب قد عرفتم أولئك الذين تجاوزوا الحد منكم فى يوم السبت، بأن صادوا السمك فيه - مع أنه يوم راحة وعيد والعمل محرم فيه - فمسخ الله قلوب المخالفين، وصاروا كالقردة فى نزواتها وشهواتها، وجعلناهم مبعدين من رحمتنا مطرودين كالكلاب ينفر الناس من مجالستهم ويشمئزون من مخالطتهم. 66- وقد جعل الله هذه الحال التى آلوا إليها عبرة وتحذيرا لغيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، جعلها عبرة لمعاصريهم ومن يأتى بعدهم، كما جعلناها موعظة للذين يتقون ربهم، لأنهم هم الذين ينتفعون بنذير العظات والعبر. 67- واذكر - يا محمد - حين قال موسى لقومه وقد قُتل فيهم قتيل لم يعرفوا قاتله: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ليكون ذلك مفتاحاً لمعرفة القاتل، ولكنهم استغربوا أن تكون هناك صلة بين قتل القتيل وذَبح البقرة قائلين: أَتسخر منا يا موسى؟، فرد عليهم قائلاً: إنى أعتصم بتأديب الله لى أن أكون من الجاهلين الذين يستهزئون بعباده.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. الطور: جبل أو هو الجبل الذي ناجى الله تعالى عليه موسى عليه السلام. بقوة: بجد وحزم وعزم توليتم: رجعتم عما التزمتم القيام به من العمل بما في التوراة. اعتدوا في السبت: تجاوزوا الحدَّ فيه حيث حرم عليهم الصيد فيه فصادوا. قردة: القردة جمع قرد حيوان معروف مسخ الله تعالى المعتدين في السبت على نحوه. خاسئين: مبعدين عن الخير ذليلين مهانين. نكالاً: عقوبة شديدة تمنع من رآها أو علمها من فعل ما كانت سبباً فيه. لما بين يديها وما خلفها: لا بين يدي العقوبة من الناس، ولمن يأتي بعدهم. وموعظة للمتقين: يتعظون بها فلا يقدمون على معاصي الله عز وجل. معنى الآيات: يذكر الحق عز وجل اليهود بما كان لأسلافهم من أحداث لعلهم يعتبرون فيذكرهم بحادثة امتناعهم من تحمل العمل بالتوراة وإصرارهم على ذلك حتى رفع الله تعالى فوقهم جبلاً فأصبح كالظلة فوق رؤسهم حينئذ أذعنوا غير أنهم تراجعوا بعد ذلك ولم يفوا بما التزموا به فاستوجبوا الخسران لولا رحمة الله بهم. كما يذكرهم بجريمة كانت لبعض أسلافهم وهي أنه تعالى حرم عليهم الصيد يوم السبت فاحتالت طائفة منهم على الشرع واصطادوا فنكل الله تعالى بهم فمسخهم قردة، وجعلهم عظة وعبرة للمعتبرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق. 2- يجب أخذ أحكام الشرع بحزم، وذكرها وعدم نسيانها أو تناسيها. 3- لا تتم التقوى لعبد إلا إذا أخذ أحكام الشرع بحزم وعزم. 4- حرمة الاحتيال لإِباحة المحرّم وسوء عاقبة المحتالين المعتدين.

القطان

تفسير : الطور: الجبل المعروف. الميثاق: العهد. واذكروا حين أخذنا على أسلافكم العهد بالعمل بتوراة موسى وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بجد ومواظبة على العمل بما فيه، ورفعنا فوقكم الجبل كالمظلَة ـ كل ذلك لعلكم تتقون بايمانكم وعملكم العذابَ والخسران يوم القيامة.. فأعرضتم بعد ذلك كله، فاستحققتم العذاب، ولكن فضل الله عليكم ورحمته أبعده عنكم. ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقَكُمْ} {ءَاتَيْنَٰكُم} (63) - يُذَكِّر اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَخَذَهُ عَلَى أَسْلاَفِهِمْ مِنَ العُهُودِ وَالمَواثِيقِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِأَنْ يَتَّبِعُوا رُسُلَهُ. وَأَخْبَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ عَلَى أَسْلاًفِهِم المِيثَاقَ رَفَعَ جَبَلَ الطُّورِ فَوْقَهُمْ تَرعِيباً لَهُمْ وَتَهْدِيداً، لِيُقِرُّوا بِمَا عُوهِدُوا عَلَيهِ، وَلِيأْخُذُوا بِهِ بِقُوَّةٍ وَحَزْمٍ وَامْتِثَالٍ، كَمَا أَمَرَ اللهُ. وَقالَ لَهُمْ: اذْكُرُوا مَا فِي التَّورَاةِ مِنْ أَحْكَامٍ وَتَعَالِيمَ وَحَثٍّ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَدَارُسِهَا وَالعَمَلِ بِهِا، لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ مِنَ المُتَّقِينَ. مِيثَاقَكُمْ - العَهْدَ عَلَيْكُمْ بِالعَمَلِ بِمَا فِي التَّورَاةِ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} يا معشر اليهود. {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} وهو الجبل بالسريانية في قول بعضهم. وقالوا: ليس من لغة في الدنيا إلاّ وهي في القرآن. وقال أبو عبيدة والحُذّاق من العلماء: لا يجوز أن تكون في القرآن لغة غير لغة العرب؛ لأن الله تعالى قال: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً} تفسير : [يوسف: 2]، [طه: 113]، [الزمر: 28]، [فُصّلت: 3]، [الشورى: 7]، [الزخرف: 3] وقال: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 195] وإنّما هذا وأشباهه وفاق بين اللّغتين. وقد وجدنا الطّور في كلام العرب، وقال جرير: شعر : فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل تفسير : وقال المفسّرون: وذلك أنّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى وأمر قومه بالعمل بأحكامه فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للأضرار والأثقال الّتي فيها، وكانت شريعته ثقيلة فأمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام يضع جبلاً على قدر عسكره وكان فرسخاً في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرّجل. أبو صالح عن ابن عبّاس: أمر الله تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتّى قام على رؤوسهم مثل الظلّة. عطاء عن ابن عبّاس: رفع الله فوق رؤوسهم الطّور وبعث ناراً من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم وقيل لهم: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} أي أعطيناكم. {بِقُوَّةٍ} بجدّ ومواظبة. وفيه إضمار، أي: وقلنا لهم: خذوا. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي احفظوه واعلموه واعملوا به و (في) حرف أولي فاذّكروا بذال مشددة وكسر الالف المشددة و (في) حرف وانه وتذكروا ما فيه ومعناهما اتعظوا به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكي تنجوا من الهلاك في الدّنيا والعذاب في العقبى فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلاّ رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النّار، فلمّا رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا لك وسجدوا خوفاً وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنّة في اليهود لا يسجدون إلاّ على أنصاف وجوههم فلمّا زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم وعصيتم. {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل. {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بتأخير العذاب عنكم. {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} وذلك أنهم كانوا من داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة حرّم الله عليهم صيد السمّك يوم السبت فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلاّ اجتمع هناك حتّى يخرجن خراطيمهنّ من الماء لأمنها، فإذا مضى السبت تفرّقن ولزمن البحر فذلك قوله تعالى: {أية : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} تفسير : [الأعراف: 163] فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تطيق الخروج لبعد عمقها وقلّة الماء فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشّصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زماناً فكثرت أموالهم ولم تنزل عليهم عقوبة، فقست قلوبهم وأصرّوا على الذّنب، وقالوا: ما نرى السّبت إلاّ قد أحلّ لنا، فلمّا فعلوا ذلك صار أهل القرية ـ وكانوا سبعين ألفاً ـ ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الّذين نهوا إثنا عشر ألفاً فلمّا أبى المجرمون قبول نصحهم قال الناهون: والله لا نُساكِنكم في قرية واحدة، فقسّموا القرية بجدار وغيروا بذلك سنتين فلعنهم داود وغضب الله عزّ وجلّ عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم والمجرمون لم يفتحوا أبوابهم ولا خرج منهم أحد فلمّا أبطأوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعاً قردة فمكثوا ثلاثة أيام ثمّ هلكوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيّام ولم يتوالدوا فذلك قوله عزّ وجلّ {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً} أمر تحويل. {خَاسِئِينَ} مطرودين صاغرين بلغة كنانة، قاله مجاهد وقتادة والربيع. قال أبو روق: يعني خرساً لا يتكلّمون، دليله قوله عزّ وجلّ {أية : قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108]. وقيل: مبعدون من كلّ خير. {فَجَعَلْنَاهَا} أي القردة، وقيل: القرية، وقيل: العقوبة. {نَكَالاً} عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة، وأصله من النكل وهو القيد، وجمعه أنكال، ويقال للّجام نكل. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} قال أبو العالية والرّبيع: معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لما بعدهم. قتادة: جعلنا تلك العقوبة جزاءً لما تقدّم من ذنوبهم قبل نهيهم عن الصّيد وما خلفها من العصيان بأخذ الحيتان بعد النّهي. وقيل: لما بين يديها من عقوبة الآخرة وما خلفها من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى يوم قيام السّاعة. وقيل: في الآية تقديم وتأخير؛ وتقديرها: فجعلناها وما خلفها ممّا أعدّ لهم من العذاب في الآخرة نكالاً وجزاءاً لما بين يديها: أي لما تقدّم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السّبت. {وَمَوْعِظَةً} عظة وعبرة. {لِّلْمُتَّقِينَ} للمؤمنين من أُمّة محمّد صلى الله عليه وسلم فلا يفعلون مثل فعلهم. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} الآية: وذلك إنّه وجد قتيل في بني إسرائيل إسمه عاميل ولم يدروا قاتله واختلفوا في قاتله والسبب في قتله فقال عطاء والسّدي: كان في بني اسرائيل رجل كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره فلمّا طال عليه موته قتله ليرثه. وقال بعضهم: وكان تحت عاميل بنت عم له لم يكن لها مثلاً في بني إسرائيل بالحسن والجمال فقتله ابن عمّه لينكحها. وقال ابن الكلبي: قتله ابن أخيه لينكح إبنته فلمّا قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك. وقيل: ألقاه بين قريتين. عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له إثنا عشر باباً لكلّ سبط منهم باب فوجد قتيل على باب سبط. قيل: وجرّ إلى باب سبط آخر فاختصم فيه السبطان. وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثمّ إحتمله فوضعه على باب رجل منهم ثمّ أصبح يطلب بثأره ودمه ويدّعيه عليه. قال: فجاء أولياء القتيل إلى موسى وأتوه بناس وادّعوا عليهم القتل وسألوا القصاص فسألهم موسى عن ذلك فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ووقع بينهم خلاف. وقال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعوا الله ليبيّن لهم ذلك فسأل موسى ربّه فأمرهم بذبح بقرة. فقال لهم موسى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}. {قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} يا موسى أي أتستهزيء بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. وقرأ ابن محيصن: أيّتخذنا بالياء قال: يعنون الله ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]. وفي هذا ثلاثة لغات هزواً: بالتخفيف والهمز ومثله كُفواً وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل. وهزواً وكفواً مثقلان مهموزان وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم. وهزواً وكفواً مثيلان بغير همزة وفي رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء فقال لهم موسى عليه السلام: {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي من المستهزئين بالمؤمنين فلمّا علم القوم إنّ ذبح البقرة عزم من الله عزّ وجلّ سألوه الوصف. {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} ولو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وإنّما كان تشديدهم تقديراً من الله عزّ وجلّ وحكمة، وكان السبب في ذلك على ما ذكره السّدي وغيره. إنّ رجلاً في بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه وبلغ من برّه به إنّ رجلاً أتاه بلؤلؤة فأبتاعها بخمسين ألفاً وكان فيها فضل فقال للبائع أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتّى يستيقظ وأعطيك الثمن. قال: فأيقظ أباك واعطني المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلأف فانتظرني حتّى ينتبه أبي. فقال الرّجل: فأنا أعط عنك عشرة آلاف إنْ أيقظت أباك وعجلت النقد. قال: وأنا أزيدك عشرين ألفاً إنْ انتظرت إنتباه أبي. ففعل ولم يوقظ الرجل أباه فأعقبه برّه بأبيه أن جعل تلك البقرة عنده وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها. قال ابن عبّاس ووهب وغيرهما: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل فأتى بالعجل الى غيضة وقال: اللّهمّ إنّي استودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر ومات الرّجل فسبيت العجلة في الغيضة وصارت عواناً وكانت تهرب من كل مَن رامها. فلمّا كبر الابن كان بارّاً بوالدته وكان اللّيلة يقسّم ثلاثة أثلاث: يصلّي ثلثاً وينام ثلثاً ويجلس عند رأس أمّه ثلثاً فاذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ويأتي به السّوق فيبيعه بما شاء الله ثّم يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثاً، وقالت له أمّه يوماً: إنّ أباك ورّثك عجلة وذهب بها إلى غيضه كذا استودعها الله عز وجل فانطلق اليها فأدعُ اله ابراهيم واسماعيل وإسحاق بأن يردّها عليك، وان من علامتها إنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك إنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تسمى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى وقال: أعزم عليك بآله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه فقبض على عنقها وقادها فتكلمت البقرة بأذن الله وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته إركبني فأنّ ذلك أهون عليك. فقال الفتى، إنّ أُمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذها بعنقها فقالت البقرة: بأله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليَّ أبداً فأنطلق فأنّك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بوالدتك. وسار الفتى فاستقبله عدوّ الله إبليس في صورة راع فقال: أيّها الفتى إنّي رجل من رعاة البقر إشتقت إلى أهلي فأخذت ثوراً من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتّى إذا بلغت شطر الطّريق ذهبت لأقضي حاجتي صعداً وسط الجبل وما قدرت عليه وإنّي أخشى على نفسي الهلاك، فأن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجني من الموت واعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك فلم يفعل الفتى وقال: إذهب فتوكّل على الله فلو علم الله منك اليقين بلغك بلا زاد ولا راحلة فقال إبليس: فأن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها فقال الفتى: إنّ امّي لم تأمرني بهذا فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة ونفرت البقرة هاربة في الفلاة وغاب الرّاعي فدعاها الفتى بأسم آله إبراهيم فرجعت إليه البقرة فقالت أيّها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذي طار إنّه إبليس عدو الله إختلسني أمّا إنّه لو ركبني لما قدرت عليَّ أبداً فلمّا دعوت آله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردّني إليك لبرّك بوالدتك وطاعتك لها. فجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار والقيام باللّيل فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها. قال بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي وكانت ثمن البقرة في ذلك الوقت فانطلق بها الفتى إلى السّوق فبعث الله ملكاً إنساناً خلقه بقدرته ليخبر الفتى كيف برّه بوالدته وكان الله به خبيراً فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير واشترط عليك رضا والدتي. فقال الملك: ستّة دنانير ولا تستأمر أمّك. فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلاّ برضا أمّي فردّها إلى امّه وأخبرها بالثّمن فقالت: ارجع فبعها ستّة على رضاي فإنطلق الفتى بالبقرة إلى السوق وأتى الملك وقال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى: انّها أمرتني أن لا أنقصها من ستة على أن أستأمرها. قال الملك: فأنني أعطيك إثني عشر على أن لا تستأمرها. فأتى الفتى ورجع إلى أمّه واخبرها بذلك قالت: إنّ ذلك الرجل الّذي يأتيك ويعطيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجرّبك فإذا أتاك فقل له أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل ذلك فقال له الملك: إذهب إلى أمّك وقل لها بكم هذه البقرة؟ فأنّ موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل فلا تبيعوها إلاّ بملء مسكها دنانير فأمسكوا البقرة، وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها وأمرهم بها فقالوا يستوصفون ويصف لهم حتّى وصف تلك البقرة بعينها موافاة له على برّه بوالدته فضلاً منه. فضلاً منه ورحمة وذلك قوله عزّ وجلّ {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} أيّ سل وهكذا هو في مصحف عبد الله، سلّ لنّا ربّك يبين لنا ماهي؟ وما سنّها؟ قال موسى: إنّه يُعني إن الله يقول: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} لا كبيرة ولا صغيرة وارتفع البكر والفارض بأضمار هي إذ لا هي فارض ولا هي بكر. مجاهد وأبو عبيدة والأخفش: الفارض الكبيرة المسنّة التي لا تلد يقال له: فرضت ـ تفرض ـ فروضاً. قال الشاعر: شعر : كميت بهيم اللون ليس بفارض ولا بعوان ذات لون مخصف تفسير : وقال الرّاجز: شعر : يا رُبَّ ذي ضغن عليّ فارض له قروء كقروء الحائض تفسير : أيّ حقد قديم، والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد قط. وقال السّدي: البكر: التي لم تلد إلاّ ولداً واحداً وحذف الحاء منها للأختصاص. {عَوَانٌ} نصف بين سنيّن، وقال الأخفش: العوان التي نتجت مراراً وجمعه عون، ويُقال منه: عونت تعويناً. {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال. {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} محل (ما) رفع بالأبتداء و {لَوْنُهَا} خبر، وقرأ الضّحاك {لونها} نصباً كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا}. قال ابن عبّاس: شديد الصفرة وقال عدي بن زيد: شعر : واني لأسقي الشرب صفراً فاقعاً كأن ذكيّ المسك فيها يعبّق تفسير : قتادة وأبو العالية والربيع: صاف. سعيد بن جبير: صفراء اللون والظلف. الحسن: السوداء، والعرب تسمي الأسود أصفر. قال الأعشى: شعر : تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب تفسير : قال القتيبي: غلط من قال الصفراء هاهنا السوداء؛ لأنّ هذا غلط في نعوت البقر. وإنّما هو في نعوت الإبل؛ وذلك أنّ السّوداء من الإبل شربت سوادها صفرة، والآخر إنّه لو اراد السّوداء لما أكده بالفقوع لأنّ الفاقع المبالغ في الصّفرة. كما يُقال: أبيض يفق وأسود حالك وأحمر قاني وأخضر ناضر. {تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ} إليها وتعجبهم من حسنها وصفاء لونها؛ لأنّ العين تُسر وتولع بالنظر إلى الشيء. الحسن قال: من لبس نعلاً صفراء قلّ همّه لأنّ الله يقول: صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} أسائمة أم عاملة. {إِنَّ ٱلبَقَرَ} هذه قراءة العامة، قرأ محمد ذو الشامة الأموي إن الباقر وهو جمع البقر كالجامل لجماعة الجمل وقال الشاعر: شعر : مالي رأيتك بعد عهدك موحشاً خلقاً كحوض الباقر المتهدّم تفسير : قال قطرب: تجمع البقرة بقر، وباقر، وبقير، وبقور، وباقور. فأن قيل: لما قال تشابه والبقر جمع فلم لم يقل تشابهت؟ قيل فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إنّه ذكر لتذكير بلفظ البقر، كقوله {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} تفسير : [القمر: 20]. وقال المبرّد: سُئل سيبويه عن هذه الآية؟ [فقال: ] كل جمع حروفه أقل من حروف واحد فإنّ العرب تُذكّره، واحتج بقول الأعشى: شعر : ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل تفسير : ولم يقل مرتحلون، وقال الزّجاج: معناه إنّ جنس البقر تشابه علينا. {تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وفي تشابه سبع قراءات: تشابه: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد. وقرأ الحسن: تشابه: بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين اراد تَشابهُ. وقرأ الأعرج: تشابه: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء على معنى يتشابه. وقرأ مجاهد: تشبّه، كقراءة الأعرج إلاّ إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل. وفي مصحف أُبي: تشابهت على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر. وقرأ ابن أبي إسحاق: تشابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم: هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلاّ في المضارعة. وقرأ الأعمش: متشابه علينا جعله أسماً. ومعنى الآية: إلتبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه. {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إلى وصفها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأيم الله لئن لم يستبينوا لما تبينت لهم آخر الأبد ". تفسير : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} مذلّلة بالعمل ـ يُقال: رجل ذليل بيّن الذّل، ودابة ذلولة بيّنة الذّل. {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} أي مثلها للزراعة. {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ} بريئة من العيوب، وقال الحسن: مسلّمة القوائم ليس فيها أثر العمل. {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} قال عطاء: لا عيب فيها. قال قتادة: لا بياض فيها أصلاً. مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد. محمّد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها. فلما قال هذا {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} أي بالوصف التام البين. قيل: كانت البقرة التي أحيا بها القتيل لوارثه الذي قتله، وكان أوّل من فتح السؤال عنها رجاء أن لا يجدوها فطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلاّ عند الفتى البار. فاشتروها منه بملء مسكنها ذهباً. وقال السدّي: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهباً. {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} من غلاء ثمنها. وقال محمّد بن كعب: وما كادوا يجدونها بإجتماع أوصافها. {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} يعني عاميل، وهذه الآية أوّل القصّة. {فَٱدَّارَأْتُمْ} فاختلفتم {فِيهَا} قاله ابن عبّاس ومجاهد ومنه قول القائل في رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يُزكي فكان خير شريك لا يداري ولا يُماري. قال الضّحاك: اختصمتم. عبد العزيز بن يحيى: شككتم. الربيع بن أنس: تدافعتم، وأصل الدراء: الدفع يعني ألقى ذلك على هذا وهذا على ذاك؛ فدافع كل واحد عن نفسه كقوله تعالى {أية : وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} تفسير : [الرعد: 22]، وقوله {أية : وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النور: 8]، وأصل قوله [.........] والباء صلة. أبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدُّعاء المأثور [.........] وأصل: فادارأتم فتدارأتم فأُدغمت التاء في الدّال وادخلت الألف ليسلم سكون الحرف الأولي بمثل قوله {أية : ٱثَّاقَلْتُمْ} تفسير : [التوبة: 38]. {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تخفون. {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ} يعني القتيل. {بِبَعْضِهَا} أي ببعض البقرة: فاختلفوا في هذا البعض ما هو؟ فقال ابن عبّاس: اضربوه بالعظم الذي يلي الفخذين وهو المقتل. الضحّاك: بلسانها. قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنّ المراد كان من احياء القتيل كلامه واللسان آلته. سعيد بن جبير: ضربت بذنبها. قال يمان: وهو أولى التأويلات بالصواب لأنّ العصعص أساس البدن الذي ركب عليه الخلق وأنّه أوّل ما يخلق وآخر ما يُبلى. مجاهد: بذنبها. عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن. السّدي: بالبضعة التي بين كتفيها، وقيل: باذنها. ففعلوا ذلك فقام القتيل حيّاً بإذن الله وأوداجها تشخب دماً وقال: قتلني فلان. ثمّ سقط ومات مكانه، وفي الآية اختصار، وتقديرها: فقلنا اضربوه ببعضها فضرب فحيي كقوله تعالى {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] يعني فافطر فعدة، وقوله {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] أي فحلق ففدية. { كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} كما أحيا عاميل بعد موته كذلك يُحيي الله الموتى. {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} دلائل آياته. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقال الواقدي: كل شيء في القرآن فهو بمعنى لكي غير التي في الشعراء: {أية : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 129] فإنه بمعنى: كأنّكم تخلدون فلا تموتون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يمتنُّ الله سبحانه وتعالى مرة أخرى على بني إسرائيل بالنعم التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بجحودهم بها .. ولكننا نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يتكلم عن اليهود .. يتكلم عنهم بالخطاب المباشر .. فهل الذين عاصروا نزول القرآن وهم الذين أخذ الله تبارك وتعالى عليهم الميثاق .. هؤلاء مخاطبون بمراد آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى عليه السلام. نقول إنه كان المطلوب من كل جد أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية الإيمان .. فحين يمتن الله عليهم أنه أهلك أهل فرعون وأنقذهم .. يمتن عليهم لأنه أنقذ آباءهم من التذبيح .. ولولا أنه أنقذهم ما جاء هؤلاء اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهم كانوا مطمورين في ظهور آبائهم .. ولكي ينقذهم الله كان لابد أن تستمر حلقة الحياة متصلة .. فمتى انتهت حياة الأب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته .. الشيء نفسه ينطبق على قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} تفسير : [البقرة: 60] .. امتنان على اليهود المعاصرين لنزول القرآن .. لأنه سبحانه وتعالى لو لم ينقذ آباءهم من الموت عطشاً لماتوا بلا ذرية. إذن كل امتنان على اليهود في عهد موسى هو امتنان على ذريته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والحق سبحانه وتعالى أخذ على اليهود الميثاق القديم، ولولا هذا الميثاق ما آمنوا ولا آمنت ذريتهم. وقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} [البقرة: 63] .. أي أن الله تبارك وتعالى يذكرهم بأنهم بعد أن نجوا وأغرق الله فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى عنه التوراة .. فعبد بنو إسرائيل العجل. وعندما عاد موسى بالتوراة وبالألواح، وجدوا في تعاليمها مشقة عليهم .. وقالوا نحن لا نطيق هذا التكليف وفكروا ألا يلتزموا به وألا يقبلوه. التكليف هو من مكلف هو الله سبحانه وتعالى .. وهم يقولون إن الله كلفهم ما لا يطيقون .. مع أن الله جل جلاله لا يكلف نفساً إلا وسعها .. هذا هو المبدأ الإيماني الذي وضعه الحق جل جلاله .. يظن بعض الناس أن معنى الآية الكريمة: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ..} تفسير : [البقرة: 286]. يظنون أننا نضع أنفسنا حكماً على تكليف الله .. فإن كنا نعتقد أننا نقدر على هذا التكليف نقل هو من الله وإن كنا نعتقد أننا لا نقدر عليه بحكمنا نحن .. نقول الله لم يكلفنا بهذا لأنه فوق طاقتنا .. ولكن الحكم الصحيح هل كلفك الله بهذا الأمر أو لم يكلفك؟ إن كان الله قد كلفك فهو عليم بأن ذلك في وسعك؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها .. ونحن نسمع الآن صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل، وأن ظروف الدنيا وسرعة الحركة فيها وسرعة الأحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض التكاليف .. ربما كان هذا التكليف في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة بسيطة وحركتها بطيئة ومشاكلها محدودة. نقول لمَنْ يردّد هذا الكلام: إن الذي كلفك قديماً هو الله سبحانه وتعالى .. إنه يعلم أن في وسعك أن تؤدي التكليف وقت نزوله، وبعد آلاف السنين من نزوله وحتى قيام الساعة .. والدليل على ذلك أن هناك مَنْ يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل في باب الإحسان، فهناك مَنْ يصلي الفروض وهي التكليف .. وهناك مَنْ يزيد عليها السنن .. وهناك مَنْ يقوم الليل .. فيظل يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالتطوع من جنس ما فرض .. وهناك مَنْ يصوم رمضان ومَنْ يتطوع ويصوم أوائل الشهور العربية .. أو كل اثنين وخميس على مدار العام أو في شهري رجب وشعبان .. وهناك مَنْ يحج مرة ومَنْ يحج مرات .. وهناك من يلتزم بحدود الزكاة ومَنْ يتصدق بأكثر منها. إذن كل التكاليف التي كلفنا الله بها في وسعنا وأقل من وسعنا .. ولا يقال إن العصر قد اختلف، فنحن الذين نعيش هذا العصر .. بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي مشقة، والله سبحانه وتعالى رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم .. تماماً كما يمسك الطبيب المشرط ليزيل صديداً تكوَّن داخل الجسد .. لأن الجسد لا يصح بغير هذا. لذلك عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يصيب بفضله ورحمته بني إسرائيل رغم أنوفهم .. رفع فوقهم جبل الطور الموجود في سيناء .. وقال لهم تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل .. تماماً كما أهلك الله تبارك وتعالى الذين كفروا ورفضوا الإيمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم .. قد يقول البعض إن الله سبحانه وتعالى أرغم اليهود على تكليف وهو القائل: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ..} تفسير : [البقرة: 256]. وقوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} تفسير : [الكهف: 29]. نقول إن الله جل جلاله لم يرغم أحدا على التكليف، ولكنه رحمة منه خيرهم بين التكليف وبين عذاب يصيبهم فيهلكهم .. وهذا العذاب هو أن يُطْبِقَ عليهم جبل الطور .. إذن المسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها تخيير .. وقد خُيِّرَ الذين من قبلهم بين الإيمان والهلاك فلم يصدقوا حتى أصابهم الهلاك .. ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين على الأرض .. وسجودهم دليل على أنهم قبلوا المنهج .. ولكنهم كانوا وهم ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أن يطبق عليهم .. ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه .. بينما الجهة الأخرى تنظر إلى أعلى وكان ذلك خوفاً من أن ينقض الجبل عليهم .. ولو سألت يهودياً لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك: أحمل التوراة ويهتز منتفضاً .. نقول إنهم اهتزوا ساعة أن رفع الله جبل الطور فوقهم .. فكانوا في كل صلاة يأخذون الوضع نفسه، والذين شهدوهم من أولادهم وذريتهم .. اعتقدوا أنها شرط من شروط السجود عندهم .. ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه .. ونظرهم إلى شيء أعلاهم يخافون منه .. أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل الطور لا زالوا باقين عليها حتى الآن. في هذه الآية الكريمة يقول الحق تبارك وتعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} [البقرة: 63] وفي آية أخرى يقول المولى جل جلاله في نفس ما حدث: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 171]. "نتقنا" كأن الجبل وتد في الأرض ونريد أن نخلعه .. فنحركه يميناً ويساراً حتى يمكن أن يخرج من الأرض .. هذه الحركة والزحزحة والجذب هي النتق .. والجبل كالوتد تماماً يحتاج إلى هز وزعزعة وجذب حتى يخرج من مكانه .. وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا المنهج. يقول الحق سبحانه وتعالى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] .. الأخذ عادة مقابل للعطاء .. أنت تأخذ من معطٍ .. والتكليف أخذ من الله حتى تعطي به حركة صلاح في الكون .. إذن كل أخذ لابد أن يأتي منه عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك .. ولكنك لا تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة هي التي تصنع الحضارات. وقوله تعالى: {بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] .. أي لا تأخذوا التكليف بتخاذل .. والإنسان عادة يأخذ بقوة ما هو نافع له .. ولذلك فطبيعة مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين .. لتعطي خيراً كثيراً بقوة وبيقين .. وإذا أخذت منهج الله بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر .. لذلك تجد في القرآن الكريم يسألونك عن كذا .. دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] .. فقد عشقوا التكليف ولم يعد شاقاً على أنفسهم. وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] .. اذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا .. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] أي تطيعون الله وتتقون عقابه وعذابه يوم القيامة.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكرهم تعالى بالنعم الجليلة العظيمة، أردف ذلك ببيان ما حلَّ بهم من نقم، جزاء كفرهم وعصيانهم وتمردهم على أوامر الله، فقد كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا في السبت فمسخهم الله إِلى قردة، وهكذا شأن كل أمةٍ عتت عن أمر ربها وعصت رسله. اللغَة: {مِيثَاقَكُمْ} الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه، والمراد به هنا العمل بأحكام التوراة {ٱلطُّورَ} هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام {بِقُوَّةٍ} بحزمٍ وعزم {تَوَلَّيْتُمْ} التولي: الإِعراض عن الشيء والإِدبار عنه {خَاسِئِينَ} جمع خاسئ وهو الذليل المهين قال أهل اللغة: الخاسئ: الصاغر المبعد المطرود كالكلب إِذا دنا من الناس قيل له: اخسأ أي تباعد وانطرد صاغراً. {نَكَالاً} النكال: العقوبة الشديدة الزاجرة ولا يقال لكل عقوبة نكالٌ حتى تكون زاجرة رادعة. التفسِير: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين أخذنا منكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} أي نتقناه حتى أصبح كالظلة فوقكم وقلنا لكم {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} أي اعملوا بما في التوراة بجدٍّ وعزيمة {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، أو رجاء منكم أن تكونوا من فريق المتقين {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي أعرضتم عن الميثاق بعد أخذه {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي بقبول التوبة {وَرَحْمَتُهُ} بالعفو عن الزلة {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} أي عرفتم ما فعلنا بمن عصى أمرنا حين خالفوا واصطادوا يوم السبت وقد نهيناهم عن ذلك {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشراً مع الذلة والإِهانة {فَجَعَلْنَاهَا} أي المسخة {نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم {وَمَا خَلْفَهَا} أي جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها، وعبرة لمن جاء بعدها ولم يشاهدها {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي عظةً وذكرى لكل عبدٍ صالحٍ متّقٍ لله سبحانه وتعالى. البَلاَغَة: أولاً: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} فيه إِيجاز بالحذف أي قلنا لهم خذوا فهو كما قال الزمخشري على إِرادة القول. ثانياً: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} خرج الأمر عن حقيقته إِلى معنى الإِهانة والتحقير، وقال بعض المفسرين: هذا أمر تسخيرٍ وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إِلى حقيقة القردة. ثالثاً: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} كناية عمن أتى قبلها أو أتى بعدها من الأمم والخلائق، أو عبرة لمن تقدم ومن تأخر. الفوَائِد: الأولى: قال القفال: إِنما قال {مِيثَاقَكُمْ} ولم يقل "مواثيقكم" لأنه أراد ميثاق كل واحدٍ منكم كقوله {أية : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [غافر: 67] أي يخرج كل واحدٍ منكم طفلاً. الثانية: قال بعض أهل اللطائف: كانت نفوس بني إِسرائيل من ظلمات عصيانها تخبط في عشواء حالكة الجلباب، وتخطر من غلوائها وعلوّها في حلتي كبرٍ وإِعجاب، فلما أُمروا بأخذ التوراة ورأوا ما فيها من أثقال ثارت نفوسهم فرفع الله عليهم الجبل فوجدوه أثقل مما كلِّفوه، فهان عليهم حمل التوراة قال الشاعر: شعر : إِلى الله يُدعَى بالبراهينِ من أَبى فإِن لم يُجبْ نادته بيض الصَّوارم تفسير : الثالثة: إِنما خصَّ المتقين بإِضافة الموعظة إِليهم {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} لأنهم هم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير قال تعالى {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 55].

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} [فالطُّورُ] جبلٌ. يجمع طورة وأطْوَاراً. رفعتهُ الملائكةُ. تفسير : وقوله تعالى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} معناهُ بِجِدٍّ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: واذكروا { إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم، برفع الطور فوقهم وقيل لهم: { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ } من التوراة { بِقُوَّةٍ } أي: بجد واجتهاد، وصبر على أوامر الله، { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه، { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } عذاب الله وسخطه، أو لتكونوا من أهل التقوى. فبعد هذا التأكيد البليغ { تَوَلَّيْتُمْ } وأعرضتم، وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات، ولكن { لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .

همام الصنعاني

تفسير : 63- عبد الرزّاق: قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ}: [الآية: 63]، قال: الطور الجبل، اقتلعه الله فرفعه فوقهم. {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ}: [الآية: 63]، والقوة: الجدّ؛ وإلاّ قذفته عليكم. قال: فأقرّوا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.