Verse. 71 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّنْۢ بَعْدِ ذٰلِكَ۝۰ۚ فَلَوْ لَا فَضْلُ اللہِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُہٗ لَكُنْتُمْ مِّنَ الْخٰسِرِيْنَ۝۶۴
Thumma tawallaytum min baAAdi thalika falawla fadlu Allahi AAalaykum warahmatuhu lakuntum mina alkhasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم توليتم» أعرضتم «من بعد ذلك» الميثاق عن الطاعة «فلولا فضل الله عليكم ورحمته» لكم بالتوبة أو تأخير العذاب «لكنتم من الخاسرين» الهالكين.

64

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه. {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتوفيقكم للتوبة، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه. {لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط والضلال في فترة من الرسل. ولو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخل على لا أفاد إثباتاً وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والاسم الواقع بعده عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسده، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } الميثاق عن الطاعة {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } لكم بالتوبة أو تأخير العذاب {لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ } الهالكين.

الخازن

تفسير : {ثم توليتم} أي أعرضتم {من بعد ذلك} أي من بعد ما قبلتم التوراة {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} أي بالإمهال {لكنتم من الخاسرين} أي المغبونين بذهاب الدنيا والعذاب في العقبى. قوله عز وجل: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم} أي جاوزوا الحد {في السبت} يقال: سبت اليهود لأنهم يعظمونه ويقطعون فيه أعمالهم، وأصل السبت القطع. ذكر الإشارة إلى القصة قال العلماء: بالأخبار إنهم كانوا في زمن داود عليه الصلاة والسلام بقرية بأرض أيلة وحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى لا يرى الماء من كثرتها. فإذا مضى السبت تفرقت الحيتان ولزمن قعر البحر فلذلك قوله تعالى: {أية : إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} تفسير : [الأعراف: 163] ثم إن الشيطان وسوس إليهم، وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ولم تنهوا عن أخذها في غيره فعمد رجال منهم فحفروا حياضاً كباراً حول البحر، وشرعوا منه إليها أنهاراً فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فيقبل الموج من البحر بالحيتان إلى تلك الحياض فيقعن فيها ولا يقدرن على الخروج منها لعمقها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وقيل: إنهم كانوا ينصبون الشخوص والحبائل يوم الجمعة، ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زماناً ولم تنزل بهم عقوبة فتجرؤوا على السبت وقالوا ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأخذوا وملحوا وأكلوا وباعوا واشتروا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية ثلاثة أصناف، وكانوا نحو سبعين ألفاً، صنف أمسك عن الصيد ونهى عن الاصطياد، وصنف أمسك ولم ينه وصنف انهمكوا في الذنب وهتكوا الحرمة وكان الصنف الناهون اثني عشر ألفاً، فلما أبى المجرمون قبول نصيحتهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بينهم بجدار فغيروا على ذلك سنين، ثم لعنهم داود وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد، ولم يفتحوا الباب فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الجدار فإذا هم جميع قردة لهم أذناب وهم تتعاوون، وقيل: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاث ولم يتولدوا. قال الله عز وجل: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} أمر تحويل وتكوين، ومعنى خاسئين مبعدين مطرودين؛ وقيل فيه تقديم وتأخير معناه كونوا خاسئين قردة ولهذا لم يقل خاسئات {فجعلناها} يعني عقوبتهم بالمسخ {نكالاً} أي عقوبة وعبرة {لما بين يديها وما خلفها} قيل: معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم وقيل: جعلنا عقوبة قرية أصحاب السبت عبرة لمن بين يديها من القرى التي كانت عامرة في الحال وما خلفها أي. ما يحدث بعدها من القرى ليتعظوا بذلك وقوله عز وجل: {وموعظة للمتقين} أي المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لئلا يفعلوا مثل فعلهم. قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} البقرة واحدة البقر وهي الأنثى وأصلها البقر وهو الشق سميت بذلك لأنها تشق الأرض للحراثة. ذكر الإشارة إلى القصة في ذلك قال علماء السير والأخبار: إنه كان زمن بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى، وألقاه على بابها ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم بالقتل، فجحدوا واشتبه أمر القتيل على موسى عليه الصلاة والسلام. فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ما أشكل عليم، فسأل موسى ربه في ذلك فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ببعضها فقال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة {قالوا أتتخذنا هزواً} أي نحن نسألك أمر القتيل، وأنت تستهزئ بنا وتأمرنا بذبح بقرة وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يعلموا ما وجه الحكمة فيه {قال} يعني موسى {أعوذ بالله} أي أمتنع بالله {أن أكون من الجاهلين} أي المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال فلما علموا أن ذبح البقرة عزم من الله تعالى استوصفوه إياها ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم ولكن شددوا فشدد عليهم وكان في ذلك حكمة الله عز وجل، وذلك أنه كان رجل صالح في بني إسرائيل، وله ابن طفل وله عجلة فأتى بها غيضة وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر ومات ذلك الرجل، وصارت العجلة في الغيضة عواناً وكانت تهرب من الناس، فلما كبر ذلك الطفل، وكان باراً بأمه وكان يقسم ليله ثلاثة أجزاء يصلي ثلثاً وينام ثلثاً، ويجلس عند رأس أمه ثلثاً فإذا أصبح انطلق فيحتطب ويأتي به السوق فيبيعه بما يشاء الله فيتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي أمه ثلثه، فقالت له أمه يوماً: يا بني إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى غيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، فأقبلت البقرة حتى وقفت بين يديه فقبض على قرنها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى، قالت: أيها الفتى البار بأمه اركبني فإنه أهون عليك. فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك فقالت البقرة والله لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبداً فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله لانقلع لبرك بأمك فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له أمه: إنك رجل فقير ولا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع البقرة، فقال: بكم أبيعها قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها الفتى إلى السوق، وبعث الله ملكاً ليرى خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بره بأمه، وهو أعلم فقاله له الملك: بكم هذه البقرة؟ قال بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضى أمي فقاله له الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر أمك فقال له الفتى لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلا برضا أمي. ورجع الفتى إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت له: ارجع فبعها بستة دنانير ولا تبعها إلا برضاي فرجع بها إلى السوق وأتى الملك فقال له: استأمرت أمك فقال الفتى: نعم. إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على رضاها. فقال الملك: إني أعطيتك اثني عشر ديناراً ولا تستأمرها فأبى الفتى ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك فقالت له أمه: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجربك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ففعل فقال له الملك: اذهب إلى أمك فقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبعها إلا بملء مسكها ذهباً والمسك الجلد فأمسكتها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفون البقرة حتى وصفت لهم تلك البقرة بعينها مكافأة بذلك الفتى على بره بأمه فضلاً من الله تعالى ورحمة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم...} ((قال ابن عرفة: "ثُمَّ" إما لبعدها ما بين منزلة (الإيمان والكفر) أو للمهلة حقيقة)). قيل لابن عرفة: الحقيقة متعذرة/ فإن "من" لابتداء الغاية، وليس بين أول أزمنة البعدية وآخر أزمنة (أخْذِ الميثاق) تراخ بوجه؟ قال ابن عرفة: الأولية مقولة بالتشكيك في أزمنة البعدية. قيل لابن عرفة: هذا يرجح أن المراد أخذنا ميثاق آبائكم لأن المخاطبين لما (أسلموا) لم يرتد منهم أحد؟ فقال ابن عرفة: يفهم هذا كما يفْهم في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : لأنه لم يحصل لهم النور فقط، لكن لما كانت أدلته والآثار التي هي سبب فيه سهلة مُتيسرة (قريبة) لفهمهم لا مشقة عليهم (فيها) فصاروا كأنهم حصل لهم الإيمان بالفعل لحصول (أثره) أي شرائطه وأسبابه، (فعدم) إيمانهم كأنه ردّة وخروج من النور إلى الظلمات. قوله تعالى: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ...}. قال ابن عرفة: هذا ليس بتكرار، بل فضل الله راجع إلى قبول التّوبة، (ورحمته) راجعة إلى نفس التوبة، أو أنّ فضل الله راجع إلى الثواب والإنعام، ورحمته أعم من ذلك (تتناول) رفع المؤلم فقط، أو دفعه مع (جلب) الملائم، فهو من عطف الأعم على الأخص.

البقاعي

تفسير : قوله: {ثم توليتم} والتولي قال الأصفهاني: أصله الإعراض عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى. وهو هنا الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي. وذلك لأن النفوس إذا توطنت على أمر الله فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ترجع عنه إلاّ بمنازعة من الهوى شديدة. ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد أدخل الجار فقال: {من بعد ذلك} أي التأكيد العظيم عن الوفاء به {فلولا} أي فتسبب عن توليكم أنه لولا {فضل الله} أي الذي له الجلال والإكرام مستعل {عليكم ورحمته} بالعفو والتوبة والإكرام بالهداية والنصر على الأعداء {ولكنتم من الخاسرين *} بالعقوبة وتأبد الغضب، وأيضاً فلما كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل الصالح عقبت تلك بآية الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق، وهو جميع ما آتاهم في التوراة إيماناً مصحوباً بالقوة، ومما آتاهم صفة عيسى ومحمد عليهما السلام والأمر باتباعهما، فهو مما أخذ عليهم به العهد وقد كفروا به فلم يصح لهم إيمان ولا عمل، لأن التفرقة بين ما أتى منه سبحانه زنذقة. ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا أمراً واحداً من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحداً من العالمين فقال: ولقد وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بحلافة أخرى لهم خذل بها فريقاً منهم حتى غلبهم الخسران فما ضروا إلاّ أنفسهم مقسماً على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره: لقد علمتم جميع ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال و {لقد} أي وعزتي لقد {علمتم الذين اعتدوا} أي تعمدوا العدوان {منكم في السبت} بأن استحلوه وأصل السبت القطع للعمل ونحوه {فقلنا} أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا بما لنا من العظمة. "لهم كونوا" بإرادتنا {قردة خاسئين *} أي صاغرين مطرودين جمع خاسىء من الخسىء وهو طرد بكره واستخباث، وسبب ذلك أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلا السبت، فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل، فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال زمن عفوه عنهم وحمله سبحانه فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر {فجعلناها} أي فتسبب عن قولنا إنهم كانوا قردة كما قلنا، فجعلنا هذه العقوبة {نكالاً} أي قيداً مانعاً {لما بين يديها} من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها {وما خلفها} ممن جاء بعدهم، روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، والنكال إبداء العقوبة لمن يتّعظ بها، واليد ما به تظهر أعيان الأشياء وصورها أعلاها وأدناها، فلذلك ثنيت لأنها يد عليا هي اليمنى ويد دنيا هي اليسرى، والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه فينطمس عن حواس إقباله شهوده - قاله الحرالي. وقال {وموعظة} من الوعظ وهو دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها {للمتقين *} وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور وأن النقم تقع في غيرهم وعظاً لهم. ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم خاصة اتبعه بيان جساوتهم في مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس فقال {وإذ قال موسى لقومه} بني إسرائيل {إن الله} أي الذي له الأمر كله {يأمركم أن تذبحوا بقرة} لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره، وتاؤها ليست للتأنيث الحقيقي بل لأنها واحدة من الجنس فتقع على الذكر والأنثى. ولما كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بيّن فظاظتهم على طريق الاستئناف معظماً لها بقوله حكاية عنهم {قالوا أتتخذنا هزواً} أي مكان هزء ومهزوءاً بنا حين نسألك عن قتيل فتأمرنا بذبح بقرة، فجمعوا إلى ما أشير إليه من إساءتهم سوء الأدب على من ثبتت رسالته بالمعجزة فرد كلامه كفر، فذكرهم بما رأوا منه من العلم بالله المنافي للهزء بأن قال {أعوذ بالله} أي أعتصم بمن لا كفوء له من {أن أكون من الجاهلين *} فإنه لا يستهزىء إلا جاهل، والعوذ اللجاء من متخوَّف لكاف يكفيه، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي. {قالوا} تمادياً في الغلظة {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك فكان تخصيصهم له بالإضافة غاية في الجفاء "يبين" من التبيين وهو اقتطاع الشيء، والمعنى مما يلابسه ويداخله - قاله الحرالي. والمراد المبالغة في البيان بما يفهمه صيغة التفعيل "لنا ما هي" تلك البقرة "قال إنه يقول". ولما كانوا يتعنتون أكد فقال {إنها بقرة لا فارض} أي مسنة فرضت سنها أي قطعتها {ولا بكر} أي فتية صغيرة {عوان} أي نصف وهو خبر مبتدأ محذوف، وبين هذا الخبر بقوله {بين ذلك} أي سني الفارض والبكر {فافعلوا ما تؤمرون *} فإن الاعتراض على من يجب التسليم له كفر فلم يفعلوا بل سألوا بيان اللون بعد بيان السن بأن {قالوا ادع لنا ربك} تمادياً في الجفاء بعدم الاعتراف بالإحسان {يبين لنا ما لونها} بعد بيان سنها، واللون تكيف ظاهر الأشياء في العين - قاله الحرالي. {قال} وأكد لما مضى من تلددهم فقال {إنه يقول} وأكد إشارة إلى مزيد تعنتهم فقال {إنها بقرة صفراء} وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى قوله معبراً باللون {فاقع لونها} أي خالص في صفرته. قال الحرالي: نعت تخليص للون الأصفر بمنزلة قانىء في الأحمر فهي إذن متوسطة اللون بين الأسود والأبيض كما كانت متوسطة السن، {تسر الناظرين *} أي تبهج نفوسهم بأنك إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - قاله وهب {قالوا ادع لنا ربك} المحسن إليك بالإجابة في كل ما سألته {يبين لنا ما هي} ثم عللوا تكريرهم لذلك بقولهم {إن البقر} أي الموصوف بما قدمته {تشابه} أي وقع تشابهه {علينا} وذكر الفعل لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة فإن العرب تذكره نقل عن سيبويه؛ ثم أدركتهم العناية فقالوا {وإنا إن شاء الله} أي الذي له صفات الكمال وأكدوا لما أوجب توقفهم من ظن عنادهم وقدموا التبرك بالمشية لذلك على خبر إن {لمهتدون} أي إلى المراد فتبركوا بما لا تكون بركة إلا به {قال إنه يقول إنها} أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في أمرها {بقرة لا ذلول} من الذل وهو حسن الانقياد - قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله {تثير الأرض} أي يتجدد منها إثارتها بالحرث كل وقت من الإثارة قال الحرالي: وهي إظهار الشيء من الثرى، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس؛ ولما كان الذل وصفاً لازماً عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه، أي ليس الذل وصفاً لازماً لها لا أنها بحيث لا يوجد منها ذل أصلاً، فإنها لو كانت كذلك كانت وحشية لا يقدر عليها أصلاً. ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمراً يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفاً على الوصف لا على تثير لئلا يفسد المعنى فقال واصفاً للبقرة {ولا تسقي الحرث} أي لا يتجدد منها سقيه بالسانية كل وقت، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيهاً على حذفها قبل تثير، فيكون الفعلان المنفيان تفسيراً على سبيل الاستئناف للاذلول، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى، والمراد أنها لم تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول، كل ذلك لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير {مسلّمة} أي من العيوب {لا شية} أي علامة {فيها} تخالف لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها {قالوا الآن} أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي {جئت بالحق} أي الأمر الثابت المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها {فذبحوها} أي فتسبب عما تقدم كله أنهم ذبحوها {وما كادوا} أي قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة {يفعلون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ بالأشق، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل، أو يقال إنه لما كان السبت إنما وجب عليهم وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى {أية : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } تفسير : [النحل: 124] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أيّ بقرة تيسرت، ويجوز أن يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه بها، ومن أحاسن المناسبات أن في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات العجم، ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه بالموت بلحم البقر، ولعل تخصيص لحم البقر بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من خوار العجل الذي عبدوه. وقال الإمام أبو الحسن الحرالي: وفي ذلك تشامّ بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكدّ وعمل الأرض التي معها التعب والذل والتصرف فيما هو من الدنيا توغلاً فيها وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة في شعرة، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان { أية : جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً } تفسير : [الشورى: 11] - انتهى. ولما قسمت القصة شطرين تنبيهاً على النعمتين: نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق، وتنبيهاً على أن لهم بذلك تقريعين: أحدهما بإساءة الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه، ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه الآخر. وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر تدارئهم في القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة - انتهى. فقال تعالى {وإذ} أي واذكروا إذ، وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقال {قتلهم نفساً} فأقبل عليهم بالخطاب توبيخاً لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم راضون بما مضى من أسلافهم وأن من ودّ شيئاً كان من عملته. ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيراً إلى إخفائه بالإدغام {فادارأتم فيها} أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يردّ القتل إلى الآخر فكان لكم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة وإثم الإصرار وإثم الافتراء بالدفع؛ قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريباً. ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي حالهم إذ ذاك {والله} أي والحال أن الذي له الأمر كله {مخرج} بلطيف صنعه وعظيم شأنه {وما كنتم تكتمون *} وفي تقديمه أيضاً زيادة تبكيت لهم بتوقفهم في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه وقال منبهاً بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها {فقلنا} أي بما لنا من العظمة {اضربوه} وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانياً بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال {ببعضها} قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي، يعني والدليل على هذا المحذوف قوله {كذلك} أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة {يحيي الله} أي الذي له صفات الكمال {الموتى} مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد - انتهى. روي أنهم لما ضربوه قام وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأخدا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك؛ وهذه الخارقة كما أَخْبَرَ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم ذراعُ الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية، وجعل هذا التنبيه على البعث في قصصهم، لأنه من أعظم الأدلة عليه، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين وهو قولهم للمشركين: دينكم خير من دين محمد، أو أن هذا تنبيه مقصود به حث العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم لكونهم أهل العلم الأول، فهو ملزِم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب اليهود، وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية {ويريكم آياته} فيما يشهد بصحته {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله تعالى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم توليتم} اى اعرضتم عن الميثاق والوفاء به والدوام عليه {من بعد ذلك} الميثاق المؤكد {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} عطفه بالامهال وتأخير العذاب {لكنتم من الخاسرين} اى من الهالكين ولكن تفضل عليكم حيث رفع الطور فوقكم حتى تبتم فزال الجبل عنكم ولولا ذلك لسقط عليكم والخسران فى الاصل ذهاب رأس المال وهو ههنا هلاك النفس لانها الاصل وقد من الله تعالى على امة محمد صلى الله عليه وسلم حيث فرض عليهم الفرائض واحدة بعد واحدة ولم يفرض عليهم جملة فاذا استقرت الواحدة فى قلوبهم فرض عليهم الاخرى واما بنوا اسرائيل فقد فرض عليهم بدفعة واحدة فشق عليهم ذلك ولذا لم يقبلوا حتى رأوا العذاب ثم ان الله تعالى امر بحفظ الاوامر والعمل وبعدم النسيان والتضييع وقال واذكروا ما فيه وهو المقصود من الكتب الآلهية لان العمدة العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيبها فان ذلك نبذ لها مثاله ان السلطان اذا ارسل منشورا الى واحد من امرائه فى ممالكه وامره فيه ان يبنى له قصرا فى تلك الديار فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به لكنه يقرأ المنشور كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد القصر حاضرا فالظاهر انه يستحق العتاب بل العقاب فالقرآن انما هو مثل ذلك المنشور قد امر الله فيه عبيده ان يعمروا اركان الدين من الصوم والصلاة وغيرهما فمجرد قراءة القرآن بغير عمل لا يفيد قال فى المثنوى شعر : هست قرآن حالهاى انبيا ماهيان بحرباك كبريا وربخوانى ونهء قرآن بذير انبيا واوليارا ديده كير حديث : روى انه عليه السلام شخص ببصره الى السماء يوما ثم قال "هذا اوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شىء" فقال زياد بن لبيد الانصارى كيف يختلس منه وقد قرأنا القران فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وابناءنا فقال صلى الله عليه وسلم "ثكلتك امك يا زياد هذه التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم" تفسير : وفى الموطأ عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لانسان انك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه يحفظ فيه حدود القرآن ويضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطى يطولون الصلاة ويقصرون الخطبة يبدون فيه اعمالهم. قبل اهوائهم وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطى يطولون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه اهواءهم قبل اعمالهم والاشارة فى الآية ان اخذ الميثاق كان عاما كما كان فى عهد ألست بربكم ولكن قوما اجابوه شوقا وقوما اجابوه خوفا ليتحقق ان الامر بيد الله فى كلتا الحالتين يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة فانه لا برهان اظهر من رفع الطور فوقهم عيانا فلما اوبقهم الخذلان لم ينفعهم اظهار البرهان وفى قوله {أية : خذوا ما آتيناكم بقوة} تفسير : [البقرة: 63].ا شارة الى ان اخذ ما يؤتى الله من الاوامر والنواهى والطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن للقوة الانسانية الا بقوة ربانية وتأييد الهى {أية : واذكروا ما فيه} تفسير : [البقرة: 63]. من الرموز والاشارات والدقائق والحقائق {أية : لعلكم تتقون} تفسير : [البقرة: 63] بالله عما سواه {ثم توليتم من بعد ذلك} اى اعرضتم عن طريق الحق واتباع الشريعة باستيلاء قوة الطبيعة بعد اخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاق ابتلاء من الله {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} وهو سبق العناية فى البداية وتوفيق اخذ الميثاق بالقوة فى الوسط وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها فى النهاية {لكنتم من الخاسرين} المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والاولى كما كان حال المصرين منكم والمعتدين.

الطوسي

تفسير : قوله توليتم: اعرضتم ووزنه: تفعلتم من قولهم ولاني فلان دبره: اذا استدبر عنه وجعله خلف ظهره. ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة آمر ومعرض بوجهه. يقال: فلان تولى عن طاعة فلان، ويتولى عن مواصلته وصداقته، ومنه قوله: {أية : فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} تفسير : يعني خالفوا ما وعد الله من قوله:{أية : لئن آتانا الله من فضله لنصّدقن ولنكوننّ من الصالحين} تفسير : ونبذوا ذلك وراء ظهورهم فصار معنى الآية انكم نبذتم العهد الذي اخذناه عليكم بعد اعطائكم المواثيق. وكنى بذلك عن جميع ما تقدم ذكره في الآية، ثم قال: {فلولا فضل الله عليكم} يعني فلولا ان فضل الله عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه اذ رفع فوقكم الطور فاجتهدتم في طاعته، واداء فرائضه، وانعم عليكم بالاسلام، وبرحمته التي رحمكم بها، فتجاوز عن خطيئتكم بمراجعتكم طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين. وهذا وان كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فانما هو خبر عن اسلافهم. فاخرج الخبر مخرج الخبر عنهم. على نحو ما مضى ذكره. وقال قوم: الخطاب في هذه الآية انما اخرج باضافة الفعل إلى المخاطبين والفعل لغيرهم لأن المخاطبين انما كانوا يتولون من كان فعل ذلك من اوائل بني اسرائيل، فصيرهم الله منهم، من اجل ولايتهم لهم. وقال بعضهم: انما قال لهم ذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين. وان الخطاب خرج مخرج الخطاب للاحياء من بني اسرائيل، واهل الكتاب ـ وان كان المعنى في ذلك انما هو خبر عما مضى من اسلافهم ـ ومثل ذلك قول الشاعر: شعر : اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من ان تقري به بدا تفسير : فقال: اذا ما انتسبنا. واذا تقتضي من الفعل مستقبلا. ثم قال: لم تلدني فاخبر عن ماض، لأن الولادة قد مضت لأن السامع فهم معناه ـ والاول اقوى - وقال ابو العالية: فضل الله الاسلام ورحمته القرآن. وقوله: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}. لا يدل على ان الذين خسروا، لم يكن عليهم فضل الله لأن فضل الله شامل لجميع الخلائق، لأن ذلك دليل خطاب. وليس ذلك بصحيح عند الاكثر، والذي يكشف عن ذلك، ان الواحد منا قد يعطي اولاده وعبيده يتفضل على جميعهم ثم يبذره بعضهم ويبقى فقيراً. ويحفظه آخر فيصير غنيا، ويحسن ان يقول للغني منهم لولا فضلي عليك لكنت فقيراً. ولا يدل على انه لا يتفضل على الذي هو فقير. واذا كان كذلك كان تأويل الآية انه لولا اقداري لكم على الايمان وازاحة علتكم فيه حتى فعلتم ايمانكم، لكنتم من الخاسرين. وانما جعل الايمان فضلا فيؤتيه الذين به ينجون ولم يكونوا خاسرين من حيث كان هو الداعي اليه والمقدر عليه، والمرغب اليه. ويحتمل ان يكون المعنى: ولولا فضل الله عليكم بامهاله اياكم بعد توليكم عن طاعته حتى تاب عليكم برجوع بعضكم عن ذلك وتوبته لكنتم من الخاسرين. ويحتمل ان يكون اراد بهذا الفضل في وقت رفع الجبل فوقهم باللطف والتوفيق الذي تابوا عنده حتى زال عنهم العذاب وسقوط الجبل، ولولا فضل الله: لسقط الجبل

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذه الآية من أرجى الآيات، وأقواها دلالة على رحمته، وتجاوزه عن سيّئات عباده العاصين، لأنّ وقوع قوله: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} إلى آخره عقيب ذكر هذه القبائح الشنيعة، والآثام الرديّة كعبادة العِجل، وكُفران النعمة، وجُحود النبوّة، وإنكار المعجزات الجليّة الواضحة، ونقض الميثاق المؤكَّدة من قِبل الله، وغير ذلك من صفات القلوب القاسية المظلمة يدلّ على كمال رأفته وعفوه. قال القفّال: قد يعلم في الجملة أنّهم بعد قبول التوراة ورفْع الطور أعرَضوا عن التوراة، وترَكوا العمل بها، ونزَلوا عنها بأمور كثيرة، فحرّفوا التوراة، وقتلوا الأنبياء، وكفَروا بهم، وعصَوا أمرَهم. ومنها ما عمله أوائلهم. ومنها ما فعله متأخّروهم، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً، يخالفون موسى (عليه السلام)، ويعرضون، ويلقونه بكلّ أذى، ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتّى أنّه خسف الأرض ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون. وكلّ هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرؤون بها. ثمَّ فعَل متأخّروهم ما لا خفاء به حتّى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفَروا بالمسيح وهمُّوا بقتْله. والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولَّوا به عن التوراة، لكن في الجملة معروفة. وذلك إخبار من الله عن عناد أسلافهم، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمّد (صلّى الله عليه وآله) من الكتاب وجُحودهم لحقِّه، وقد ذكر تعالى من أوصافهم ما ذكر. المعنى: و {لَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بعد ما تولَّيتم عن كتابه عقيب تلك الآيات والحُجج {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} في الدنيا والآخرة. ولكن بفضله ورحمته أمهَلكم، وأدامَكم، لترجعوا إلى التوبة، وتعودوا إليه لعلّكم تفلحون. وقيل معناه: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالتوبة بعد إذ نكثْتم الميثاق الذي واثَقتموه، ونبذتُم العهدَ الذي أخذناه عليكم وراء ظهوركم، إذ رفع فوقكم الطور، وأنعم عليكم بالإسلام {وَرَحْمَتُهُ} التي رحمكم بها، فتجاوز عنكم بمراجعتكم إلى طاعة ربّكم {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ}. وقال أبو العالية: فضْل الله الإيمان، ورحمته القرآن، فيكون معناه: لولا إقداري لكم على الإيمان، وإزاحة علّتكم فيه لكنتم من الخاسرين. وقيل معناه: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} في رفع الجبَل فوقكم للتوفيق. واللُّطف الذي تبتُم عنده حتّى زالَ العذاب عنكم، وسقوط الجبل عليكم {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم. ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ}. ثمّ قيل: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} رجوعاً بالكلام إلى أوله. أي: لولا لطف الله بكم في إظهار تلك الآيات من رفْع الجبل وغيره لدُمتم على ردّكم الكتاب ولكنه تفضّل عليكم ورحمكم، فلطَف لكم بذلك حتى تبتُم. فصل الخير من الله والشر ليس إليه قد تقرّر في الأُصول العقليّة أنَّ الخير ذاتيّ له، وهو المعبَّر عنه بالرحمة. والشرور ليست من قبل الله بالذات، بل لأجل قصور بعض الذوات عن قبول الخير والرحمة، وانحرافها عن مسلك الهداية، ولذلك قال تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}. فحينئذٍ لقائل أن يستشكل ويقول: إنّ كلمة "لولا" تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أنّ انتفاء الخسران من لوازم فضْل الله تعالى. فحيث حصَل الخسران وجَب أن لا يحصل هناك لطف الله ورحمته. وهذا يقتضي أنّ الله لم يفعل بالكافر شيئاً من اللطف والرحمة. وهذا يخالف ما حقّقه المحقّقون وما ذهب إليه بعض المتكلّمين من أن لطف الله واجب، واقع في حقّ المؤمن والكافر جميعاً. والجواب المنقول من الكعبي: "إنّه تعالى سوّى بين الكل في الفضل ولكن بعضهم انتفع به دون بعض، فصحّ أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوّى بين أولاده في العطيّة فانتفع بعضهم: "لولا أن أباك فضّلكم لكنت فقيراً" وضعّفه صاحب الكبير بأنّ "أهل اللغة نصّوا على أنّ لولا يفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، وهو يقتضي انتفاءه في نفسه لا عدم الانتفاء به مع ثبوته. فكلام الكعبي ساقط". والذي به ينحلّ الإشكال أن يقال: إنّ الله فعله من قِبَلهِ غير مختلف. فالخير نازل من عنده، والجود مبذول، والرحمة واحدة بالنسبة إلى الخلْق أجمعين لا تبديل لسنّة الله. ولكن الوصول مختلف، لاختلاف الغرائز والفِطَر، لطافة، وكثافة، وسعَة وضيقاً. كالمعلِّم يفيد تعليماً واحداً وتختلف غرائز المتعلّمين في قبول ذلك العلْم، لتفاوت غرائزهم في الذكاء والبلادة، والاستقامة والاعوجاج، والشمس شأنها في التنوير واحد، ومواضع الأرض مختلفة في قبول الضوء. ففعْل الله ولطفه في المؤمن كفعْله ولطْفه في الكافر. لكن قلب المؤمن أبيَض وأجرَد، وقلب الكافر أسوَد وأكدَر. ولفظ الجود، واللطف، والكرم - وما يجري مجراها - قد يراد بها ما عند الفاعل، وقد يُراد بها ما عند القابل، والذي عند الفاعل واحدٌ لا يختلف. والذي عند القوابل مختلفة. فمَن قال: "إنّ لطف الله شامل للمؤمن والكافر" أراد به أنه تعالى لا يمسك من جوده ولطفه على أحد. ولم يرد "أن لطفه واصل حاصل عند الكافر، ومع ذلك لا ينتفع به". لأنّ ذلك محال، كما أن يقال: "إنّ ضوء الشمس موجود في سطح من الأرض، ولكن ليس بمستضيء" أو "أثر حرارة النار موجود في جسم كذا، ولكن ليس بمستسخن". ولا شكّ في بطلانه. فكذا ما نحن فيه. فعلم أنّ الخير مبذول، والرحمة فائضة، واللطف شامل. ألا ترى إلى قوله تعالى مخاطِباً لنبيِّه (صلّى الله عليه وآله): {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص:56]. مع أنّ شأنه الهداية {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [الروم:52]. إنّك لا تُسمع مَن في القبور مع أنّ شأنه الإسماع.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} عن الذّكر او عن الأخذ او عن الميثاق او عن الوفاء بشروط الميثاق {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} الفضل هو الرّسالة والنّبوّة بوجه الرّسالة والرّحمة هى الولاية والنّبوّة بوجه الولاية، ولذا فسّرا فى بعض الآيات بمحمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) لاتّحادهما معهما ولكون النّبىّ والولىّ فى الخلق سبباً لنزول رحمته وبركته عليهم ودفع العذاب عنهم {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} المضيّعين بضاعتكم لكن وجودهما فيكم سبب لتدارك خسرانكم وتوفيق توبتكم وانابتكم، والآيات كما مضى تعريض بالامّة فكأنّها خطاب لهم وتذكير لهم بمخالفتهم وتداركها بوجود محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) فيهم.

الهواري

تفسير : قال: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} فنقضتم الميثاق {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ} بعد نقض الميثاق الأول حين اتخذوا العجل ثم عفا عنهم بالتوبة التي أمرهم أن يقتلوا أنفسهم [بها] {وَرَحْمَتُهُ} إذ لم يعجّل عليكم بالعذاب {لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} أي من المعذَّبِينَ. قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدُوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمان داود بأرض يقال لها أَيْلَة وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، تأتيهم فيها حتى لا يروا الماء. وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر. قال بعض أهل التفسير: وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. قال الكلبي: فإذا جاء السبت لم يمَسّوا منها شيئاً. فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا من الحيتان ليلة السبت ويوم السبت. فأكثروا منها وملَّحوا وباعوا. ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشَروا وقالوا: إنا نرى السبت قد حلَّ وذهبت حرمته، إنما كان يعاقَب به آباؤُنا في زمان موسى، ثم استَنَّ الأبناءُ سنةَ الآباء. وكانوا يخافون العقوبة، ولو أنهم فعلوا لم يضرَّهم شيءٌ. فعملوا بذلك حتى أَثْرَوا منه، وتزوّجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا: يا قوم، إنكم قد انتهتكم حرمة سبتكم، وعصيتم ربّكم، وخالفتم سنة نبيّكم، فانتهوا عن هذا العمل الرديء من قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته. قالوا: فلم تعظوننا إن كنتم علمتم بهذا العمل منذ سنين منا، فما زادنا الله به إلا خيراً، وإن أطعتمونا لتفعلُنَّ كالذي فعلنا. وإنما حرّم هذا على من قبلنا. قالوا لهم: ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله فإنه كأَنْ قد نزل. قالوا: فـ {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}. قال الذين آمنوا: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ}. إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر، وإما أن تهلكوا فننجو من معصيتكم. قال الله: (أية : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) تفسير : [الأعراف: 164-165]، يعني فسق الشرك. فأصبح الذين استحلوا السبت قردة خاسئين. وقال بعضهم: صاروا ثلاث فرق: فرقة اجترأت على المعصية، وفرقة نهت، وفرقة كفّت ولم تصنع ما صنعوا ولم تنههم، فقالوا للذين نهوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. قوله: {قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. والخاسىء الذي لا يتكلم وقال بعضهم: فصاروا قروداً تعاوى لها أذناب بعدما كانت رجالاً ونساءً. وقال الحسن: خاسئين: صاغرين.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ}: أعرضتم عن الطاعة وقبول التوراة والعمل بها، سمى ترك الطاعة والقبول والعمل باسم الإعراض بالجسد عن الشىء، وذلك الاسم هو التولى تشبيها لترك ذلك بعد الدخول فيه بالإعراض بالجسد عن الشىء بعد الإقبال عليه، فاشتق من التولى بمعنى الترك، تولى بمعنى ترك على طريقة الاستعارة التحقيقية التصريحية التبعية. {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: بعد أخذ الميثاق منكم على الطاعة والقبول والعمل. {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}: بالتوفيق للتوبة أو بتأخير العذاب أو بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه يرشدكم للحق، لم يعاجل أسلافكم بالاستئصال ليكون من ذريتهم من يؤمن بالله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: أى لكان أسلافكم من الخاسرين كلهم، أى معذبين فى الدنيا والآخرة، أو هالكين فإن من هلك بعذاب الله وعذب فى الدارين مغبون بدنياه وأخراه، أو الخسارة غبن أو كنتم أنتم خاسرين بالانهماك فى المعاصى، أو بالخبط والضلال فى الفترة، فلما أحيا سلفكم ولم يستأصلهم كان تذكراً لبعضهم وتداركاً، وتوالدوا على ذلك حتى خلقكم وأنعم عليكم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولولا حرف امتناع لوجود يمتنع جوابها لوجود تاليها، والمرفوع بعدها مبتدأ خبره واجب الحذف لقيام الجواب مقامه ودلالة الكلام عليه، وذلك عند سيبويه وذلك مبسوط فى النحو. وقال الكوفيون: فاعل لفعل محذوف. أى لولا ثبت فضل الله عليكم ورحمته.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه وخالفتم، وأصل التولي الإعراض المحسوس ثم استعمل في الإعراض المعنوي كعدم القبول، ويفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه. {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} الفضل التوفيق للتوبة والرحمة قبولها، أو الفضل والرحمة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدراكهم لمدته، فالخطاب على الأول جار على سنن الخطابات السابقة مجازاً باعتبار الأسلاف وعلى الثاني جار على الحقيقة، والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه، والمراد لكنتم مغبونين هالكين بالإنهماك في المعاصي، أو بالخبط في مهاوي الضلال عند الفترة، وكلمة ـ لولا ـ إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية/ وتقدم الكلام عليها، وحرف النفي ـ والاسم الواقع بعدها عند سيبويه ـ مبتدأ خبره محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده، والتقدير ـ ولولا فضل الله ورحمته ـ حاصلان، ولا يجوز أن يكون الجواب خبراً لكونه في الأغلب خالياً عن العائد إلى المبتدأ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل الله تعالى الخ، و {لَكُنتُم} جواب ـ لولا ـ ويكثر دخول اللام على الجواب إذا كان موجباً، وقيل: إنه لازم إلا في الضرورة كقوله:شعر : لولا الحياء ولولا الدين (عبتكما) ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى تفسير : وجاء في كلامهم بعد اللام قد، كقوله:شعر : لولا الأمير ولولا خوف طاعته (لقد) شربت وما أحلى من العسل تفسير : وقد جاء أيضاً حذف اللام وإبقاء قد نحو ـ لولا زيد قد أكرمتك ـ ولم يجيء في القرآن مثبتاً إلا باللام إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى: {أية : وَهَمَّ بِهَا }تفسير : [يوسف: 24] جواب {لَوْلاَ} قدم عليها. هذا ومن باب الإشارة والتأويل في الآية: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ} المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال ـ والصفات {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ} طُور ـ الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها، أو أشار سبحانه ـ بالطور ـ إلى موسى القلب، وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد وقلنا {خُذُواْ} أي اقبلوا {أية : مَا ءاتَيْنَـٰكُم }تفسير : [البقرة: 63] من كتاب العقل الفرقاني بجد، وَعُوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم باقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله تعالى بإمهاله وحكمه بإفضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة.شعر : إلى الله يدعى بالبراهين من أبـى فإن لم يجب نادته بيض الصوارم

الواحدي

تفسير : {ثمَّ توليتم من بعد ذلك} أعرضتم عن أمر الله تعالى وطاعته من بعد أخذ الميثاق {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} بتأخير العذاب عنكم {لكنتم من الخاسرين} الهالكين في العذاب. {ولقد علمتم} عرفتم حال {الذين اعتدوا} جاوزوا ما حُدَّ لهم من ترك الصَّيد في السَّبت {فقلنا لهم كونوا} بتكويننا إيَّاكم {قردةً خاسئين} مطرودين مبعدين. {فجعلناها} أَيْ: تلك العقوبة والمسخة {نكالاً} عبرةً {لما بين يديها} للأمم التي ترى الفرقة الممسوخة {وما خلفها} من الأمم التي تأتي بعدها {وموعظة} عبرةً {للمتقين} للمؤمنين [الذين يتقون] من هذه الأمَّة. {وإذ قال موسى لقومه إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} وذلك أنَّه وُجد قتيلٌ في بني إسرائيل ولم يدروا قاتله، فسألوا موسى عليه السَّلام أن يدعو الله تعالى ليبيِّن لهم ذلك، فسأل موسى ربَّه فأمرهم بذبح بقرةٍ، فقال لهم موسى عليه السَّلام: إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة {قالوا أتتخذنا هزواً} أتستهزىء بنا حين نسألك عن القتيل فتأمرنا بذبح البقرة؟! {قال أعوذ بالله} أمتنع به أن أكون من المستهزئين بالمؤمنين، فلمَّا علموا أنَّ ذلك عزمٌ من الله عزَّ وجلَّ سألوه الوصف، فقالوا: {ادع لنا ربك} أَيْ: سله بدعائك إيَّأه {يبين لنا ما هي} ما تلك البقرة، وكيف هي، وكم سنُّها؟ وهذا تشديدٌ منهم على أنفسهم {قال إنَّه يقولُ: إنها بقرةٌ لا فارضٌ} مُسِنَّةٌ كبيرةٌ {ولا بكرٌ} فتيةٌ صغيرةٌ {عوانٌ} نَصَفٌ بين السِّنَّينِ {فافعلوا ما تؤمرون} [فيه تنبيهٌ على منعهم].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْخَاسِرِينَ} (64) - وَيُقَرِّعُهُمُ اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُم تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَنَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، رَغْمَ جَمِيعِ مَا رَأَوْهُ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَرَغْمَ مَا أَخَذَهُ اللهُ عَلَيهِمْ مِنْ مِيثَاقٍ عَظِيمٍ، فَلَوْلا لُطْفُ اللهِ بِهِمْ، وَإِمْهَالُهُ إِيَّاهُمْ، وَتَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ، وإِرْسَالُهُ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ إِلَيهِمْ، لَكَانُوا مِنَ الخَاسِرِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ ذلِكَ المِيثَاقَ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي المَعَاصِي. الخُسْرَانُ - هُوَ ضِيَاعُ رَأْسِ المَالِ كُلاً أَوْ بَعْضاً. التَّوَلِّي - الرُّجُوعُ إِلى الوَرَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا ينسوه .. وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه .. ماذا فعل اليهود؟ يقول الحق تبارك وتعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} [البقرة: 64] .. أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه .. {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق .. يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك. عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حديث : سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدْخِلُ أحداً الجنةَ عملهُ قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة ). تفسير : فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل .. وكل مَنْ يدخل الجنة فبفضل الله سبحانه وتعالى .. حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا .. يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم: {أية : فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [آل عمران: 170]. فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل الله .. فما بالك بمن هم أقل منهم أجراً .. والله سبحانه وتعالى له فضل على عباده جميعاً .. واقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [البقرة: 243]. أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبة لغفران الذنوب. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني إسرائيل .. ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ميثاقهم ومنهجهم .. لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا والآخرة .. ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف .. فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب .. وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا .. ورحمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين .. مصداقاً لقوله تبارك وتعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان في هذا الكون .. ومع هذه الرحمة وهذا الفضل .. بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعد بعثه .. فتح لهم باباً حتى لا يصبحوا من الخاسرين .. ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى. {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [البقرة: 64]، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64]، المصرِّين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرِّين منكم والمعتدين بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} [البقرة: 65] بالخذلان وتقديم العصيان {فَقُلْنَا لَهُمْ} [البقرة: 65]، قهراً وفراً {كُونُواْ قِرَدَةً} [البقرة: 65] أمراً منا وحكماً جزماً {خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات. {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} [البقرة: 66]، فضيحة وغيره {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. كما قال تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66]، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ}تفسير : [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إتياء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهاراً لسر القدرة بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] إلى قوله: {أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67]، إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"،تفسير : ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : موتوا قبل أن تموتوا"،تفسير : أيضاً إشارة إلى هذا المعنى. {قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} [البقرة: 68]، أن يبين {إِنَّهَا بَقَرَةٌ} [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى بقرة نفس {لاَّ فَارِضٌ} [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزاً عن سلوك الطريق لضعف المشيب وحملاً لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر. {وَلاَ بِكْرٌ} [البقرة: 68]، في سن الشباب فإنه بشهوته سكره {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تبعد الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}تفسير : [الأحقاف: 15]، {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} [البقرة: 68]، فإنكم إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً في الشيب والشباب.