٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولاً ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ } تفسير : [الأعراف: 163] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً، فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا. المسألة الثانية: المقصود من ذكر هذه القصة أمران. الأول: إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي. الثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } تفسير : [النساء: 47]. المسألة الثالثة: الكلام فيه حذف كأنه قال: ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرماً عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ } ثم يحتمل أن يقال: إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط، وأن يقال: إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد. المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. فإن قيل: لما كان الله نهاهم عن الإصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال: {أية : تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم } تفسير : [الأعراف: 163] وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال. قلنا: أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب. أما قوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: (قردة خاسئين) خبر: أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد. المسألة الثانية: قوله تعالى: {كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 4] وكقوله تعالى: {أية : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم؛ {كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } صاروا كذلك أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله: {أية : كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } تفسير : [النساء: 47] ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة. فإن قيل: لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه؟ قلنا: أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم. المسألة الثالثة: المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } تفسير : [الجمعة: 5] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه: كن حماراً. واحتج على امتناعه بأمرين. الأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداماً للإنسان وإيجاداً للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قرداً فهذا يكون إعداماً وإيجاداً لا أنه يكون مسخاً. والثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات. وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سميناً بعد أن كان هزيلاً، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجوداً والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسماً سارياً في البدن أو جزءاً في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً مجرداً على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام. وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جداً، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة. بقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: أنه بعد أن يصير قرداً لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه؟ الجواب: لم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي به يكون الإنسان إنساناً عاقلاً فاهماً كان باقياً إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف والخجالة، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العرضية. السؤال الثاني: أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا؟ الجواب: الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا. المسألة الرابعة: قال أهل اللغة: الخاسىء الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ، أي تباعد وانطرد صاغراً فليس هذا الموضع من مواضعك، قال الله تعالى: {أية : يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } تفسير : [الملك: 4] يحتمل صاغراً ذليلاً ممنوعاً عن معاودة النظر لأنه تعالى قال: {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ }تفسير : [الملك:3، 4]، فكأنه قال: ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطوراً فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطوراً فيرتد إليك طرفك ذليلاً كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائباً صاغراً مطروداً من حيث كان يقصده من أن يعاوده. أما قوله: {فَجَعَلْنَاهَا } فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه. أحدها: قال الفراء: (جعلناها) يعني المسخة التي مسخوها، وثانيها: قال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالاً. وثالثها: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً. رابعها: جعلنا هذه الأمة نكالاً لأن قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ } يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم، أما النكال فقال القفال رحمه الله: إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها، ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما من المنع والحبس، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً } تفسير : [المزمل: 12] وقال الله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تفسير : [النساء: 84] والمعنى: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة، قال القاضي: اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالاً وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله: {فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً } أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم. أما قوله تعالى: {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } ففيه وجوه. أحدها: لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين، وثانيها: أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم، وثالثها: المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن. أما قوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } ففيه وجهان. أحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلاً فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم. وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم. الثاني: أن يكون معنى قوله: {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } أن يعظ المتقون بعضهم بعضاً أي جعلناها نكالاً وليعظ به بعض المتقين بعضاً فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين،والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} «علمتم» معناه عرفتم أعيانهم. وقيل: علمتم أحكامهم. والفرق بينهما أن المعرفة متوجّهة إلى ذات المُسَمَّى. والعلم متوجّه إلى أحوال المسمَّى. فإذا قلت: عرفت زيداً؛ فالمراد شخصه. وإذا قلت: علمت زيداً؛ فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص. فعلى الأوّل يتعدّى الفعل إلى مفعول واحد، وهو قول سيبويه: {عَلِمْتُمُ} بمعنى عرفتم. وعلى الثاني إلى مفعولين. وحكى الأخفش: ولقد علمت زيداً ولم أكن أعلمه. وفي التنزيل: {أية : لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}تفسير : [الأنفال: 60]. كل هذا بمعنى المعرفة؛ فٱعلم. {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} صلة «الذين». والاعتداء. التجاوز، وقد تقدّم. الثانية: روى النَّسائي عن صفوان بن عسّال قال: «حديث : قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ. فقال له صاحبه: لا تقل نبيّ لو سمعك! فإن له أربع أعين. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات؛ فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا تمشُوا ببريء إلى سلطان ولا تَسْحَرُوا ولا تأكلوا الربا ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنة ولا تُوَلُّوا يوم الزّحف وعليكم خاصّةً يهودُ ألاّ تعدوا في السبت». فقبّلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أنك نبيَّ. قال: «فما يمنعكم أن تتبعوني»! قالوا: إن داود دعا بألاّ يزال من ذُرِّيته نبيّ، وإنا نخاف إن ٱتبعناك أن تقتلنا يهود»تفسير : . وخرّجه الترمذيّ وقال: حديث حسن صحيح. وسيأتي لفظه في سورة «سبحان» إن شاء الله تعالى. الثالثة: {فِي ٱلسَّبْتِ} معناه في يوم السبت؛ ويحتمل أن يريد في حكم السبت. والأوّل قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحِيتان على جهة الاستحلال. وروى أشهب عن مالك قال: زعم ٱبن رُومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خَيْطاً ويضع فيه وَهْقَة وألقاها في ذَنَب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وَتِد وتركه كذلك إلى الأحد؛ ثم تطرّق الناس حين رأوا مَن صَنَع لا يُبتلَى، حتى كثر صيد الحوت ومُشِيَ به في الأسواق، وأعلن الفَسَقة بصيده. فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنّهي وٱعتزلت. ويقال: إن الناهين قالوا: لا نساكنكم؛ فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد؛ فقالوا: إنّ للناس لشأنا؛ فعلَوْا على الجدار فنظروا فإذا هم قِردة؛ ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القِردة؛ فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتَشُمّ ثيابه وتبكي؛ فيقول: ألم نَنْهَكم! فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان قِردة، والشيوخ خنازير؛ فما نجا إلا الذين نَهَوْا وهلك سائرهم. وسيأتي في «الأعراف» قول من قال: إنهم كانوا ثلاث فرق. وهو أصح من قول من قال: إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين. والله أعلم. والسَّبْت مأخوذ من السَّبْت وهو القطع؛ فقيل: إن الأشياء فيه سَبَتت وتمّت خِلْقتها. وقيل: هو مأخوذ من السّبُوت الذي هو الراحة والدعة. وٱختلف العلماء في الممسوخ هل يَنْسُل على قولين. قال الزجاج: قال قوم يجوز أن تكون هذه القِردة منهم. وٱختاره القاضي أبو بكر بن العربي. وقال الجمهور: الممسوخ لا يَنْسُل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك؛ والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل؛ لأنه قد أصابهم السّخط والعذاب، فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام. قال ٱبن عباس: لم يعش مَسْخٌ قطّ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. قال ٱبن عطية: وروي. «عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام». قلت: هذا هو الصحيح من القولين. وأما ما ٱحتج به ٱبن العربي وغيره على صحة القول الأوّل من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فُقِدتْ أمَّةٌ من بني إسرائيل لا يُدْرَى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألاَ ترونها إذا وُضِع لها ألبانُ الإبل لم تشربه وإذا وُضِع لها ألبانُ الشاء شربته»تفسير : . رواه أبو هريرة أخرجه مسلم، وبحديث الضَّبّ رواه مسلم أيضاً عن أبي سعيد وجابر؛ قال جابر: «حديث : أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بضبّ فأبى أن يأكل منه؛ وقال:«لا أدري لعله من القرون التي مُسختْ»»تفسير : فمتأوّل على ما يأتي. قال ٱبن العربي: وفي البخاري عن عمرو بن مَيْمُون أنه قال: «رأيت في الجاهلية قِردة قد زَنَت فرجموها فرجمتها معهم» ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في نص الحديث «قد زنت» وسقط هذا اللفظ عند بعضهم. قال ٱبن العربي: فإن قيل: وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خَلفاً عن سلف إلى زمان عمرو؟ قلنا: نعم كذلك كان؛ لأن اليهود غيّروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مُسُوخهم حتى يكون أبلغ في الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيّروه، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يُسِرّون وما يُعلنون، ويُحصي ما يُبدّلون وما يغيّرون، ويُقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون، وينصر نبيّه عليه السلام وهم لا يُنصرون. قلت: هذا كلامه في الأحكام، ولا حجة في شيء منه. وأمّا ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين: حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأَوْديّ في الصحيحين حكايةً من رواية حُصين عنه قال: رأيت في الجاهلية قردة ٱجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها معهم. كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاريّ من كتابه؛ فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها؛ فذكر في كتاب أيام الجاهلية. وليس في رواية النعيميّ عن الفَرَبْرِيّ أصلاً شيء من هذا الخبر في القِردة؛ ولعلها من المُقْحَمات في كتاب البخاري. والذي قال البخاريّ في التاريخ الكبير: قال لي نُعيم بن حمّاد أخبرنا هُشَيم عن أبي بَلْج وحُصين عن عمرو بن مَيمون قال: رأيت في الجاهلية قِردة ٱجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم. وليس فيه «قد زنت». فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاريّ دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يُبال بظنّه الذي ظنّه في الجاهلية. وذكر أبو عمر في الاستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد اللَّه «معدود في كبار التابعين من الكوفيين، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك؛ لأنّ رواته مجهولون. وقد ذكره البخاريّ عن نُعيم عن هُشَيم عن حُصين عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيّ مختصراً قال: رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها ـ يعني القردة ـ فرجمتها معهم. ورواه عباد بن العوّام عن حُصين كما رواه هُشيم مختصراً. وأما القصة بطولها فإنها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حِطّان؛ وليسا ممن يُحتّج بهما. وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلَّف، وإقامة الحدود في البهائم. ولو صح لكانوا من الجن؛ لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما». وأمّا قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة: «حديث : ولا أراها إلا الفأر» تفسير : وفي الضب: «حديث : لا أدري لعله من القرون التي مُسِخت»تفسير : وما كان مثله، فإنما كان ظناً وخوفاً لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما مُسخ، وكان هذا حَدْساً منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يُوحَى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلاً؛ فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوّف، وعلم أن الضبّ والفأر ليسا مما مُسِخ؛ وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير: هي مما مسخ؟ فقال: «حديث : إنّ الله لم يُهلكْ قوماً أو يعذّب قوماً فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك»تفسير : . وهذا نص صريح صحيح رواه عبد اللَّه بن مسعود أخرجه مسلم في كتاب القَدَر. وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم يُنكر؛ فدلّ على صحة ما ذكرنا. وبالله توفيقنا. ورُوِي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مُسِختْ قلوبُهم فقط، ورُدّت أفهامهم كأفهام القِردة. ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم. والله أعلم. قوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً} «قردة» خبر كان. {خَاسِئِينَ} نعت، وإن شئت جعلته خبراً ثانياً لكان، أو حالاً من الضمير في «كونوا». ومعناه مبعَدين. يقال: خَسَأته فَخَسأ وخَسِىء وٱنخسأ؛ أي أبعده فبَعُدَ. وقوله تعالى: {أية : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً}تفسير : [الملك: 4] أي مبعَداً. وقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا} تفسير : [المؤمنون: 108] أي تباعدوا تباعد سخط. قال الكسائي: خَسَأ الرجل خُسُوءاً، وخَسَأته خَسْأً. ويكون الخاسىء بمعنى الصاغر القَمِيء. يقال: قَمُؤَ الرجل قماء وقماءة صار قميئاً، وهو الصاغر الذليل. وأقمأته: صغّرته وذلّلته، فهو قمىء على فعيل.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ } اللام موطئة لقسم، والسبت مصدر قولك سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع أمروا بأن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام، واشتغلوا بالصيد، وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على ساحل يقال لها أيلة، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضاً وشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد. {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } جامعين بين صورة القردة والخسوء: وهو الصغار والطرد، وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم، فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }تفسير : [الجمعه: 5] وقوله: {كُونُواْ } ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه، وإنما المراد به سرعة التكوين، وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم، وقرىء قردة بفتح القاف وكسر الراء، وخاسين بغير همزة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} يا معشر اليهود ما أحل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم؛ من تعظيم السبت، والقيام بأمره إذ كان مشروعاً لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل، أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم، لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم، وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى:{أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 163] القصة بكمالها، وقال السدي: أهل هذه القرية هم أهل أيلة، وكذا قال قتادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله، وبه الثقة، وقوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة. وإنما هو مثل ضربه الله {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}تفسير : [الجمعة: 5] ورواه ابن جرير عن المثنى، عن أبي حذيفة، وعن محمد بن عمر الباهلي، وعن أبي عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به، وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ}تفسير : [المائدة: 60] الآية، وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن المشيخة صاروا خنازير. وقال شيبان النحوي عن قتادة: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} فصار القوم قردة تعاوى، لها أذناب بعد ما كانوا رجالاً ونساء، وقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية {كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم، فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: أي: بلى، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصية، حدثنا محمد بن مسلم، يعني الطائفي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقاً، ثم هلكوا، ما كان للمسخ نسل، وقال الضحاك، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء، وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} قال: يعني أذلة صاغرين، وروي عن مجاهد وقتادة والربيع وأبي مالك نحوه، وقال محمد بن إسحاق عن داود بن أبي الحصين عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم؛ يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت، فعظموه وتركوا ما أمروا به، فلما أبوا إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين، فحرم الله عليهم في السبت الحيتان؛ صيدها وأكلها، وكانوا إذا كان يوم السبت، أقبلت إليهم شرعاً إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت، ذهبن فلم يروا حوتاً صغيراً ولا كبيراً، حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعاً، حتى إذا ذهب السبت، ذهبن، فكانوا كذلك، حتى طال عليهم الأمد، وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم، فأخذ حوتاً سراً يوم السبت، فحزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتداً في الساحل فأوثقه ثم تركه، حتى إذا كان الغد، جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق به فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل، قال: ففعلوا كما فعل، وصنعوا سراً زماناً طويلاً، لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية، وباعوها في الأسواق، فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم اتقوا الله، ونهوهم عما كانوا يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: {أية : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 164] بسخطنا أعمالهم {أية : وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف: 164]، قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم فقدوا الناس، فلم يروهم، قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس شأناً، فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلاً فغلقوها على أنفسهم كما يغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد، قال: قال ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه نجى الذين نهوا عن السوء، لقد أهلك الله الجميع منهم، قال: وهي القرية التي قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} تفسير : [الأعراف: 163] الآية، وروى الضحاك عن ابن عباس نحواً من هذا، وقال السدي في قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} قال: هم أهل أيلة، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئاً، فلم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد، لزمن سفل البحر، فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}تفسير : [الأعراف: 163] فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهراً إلى البحر، فإذا كان يوم السبت، فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فيها، فإذا كان يوم الأحد، جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره روائحه، فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم، إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، قال الفقهاء: لا، ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض: {أية : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} تفسير : [الأعراف: 164] يقول: لمَ تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: {أية : مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف: 164] فلما أبوا، قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون باباً، والمعتدون في السبت باباً، ولعنهم داود عليه السلام، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطؤوا عليهم، تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوافي الأرض، فذلك قول الله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} وذلك حين يقول: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} تفسير : [المائدة: 78] الآية: فهم القردة (قلت): والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة، بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه الله، من أن مسخهم إنما كان معنوياً لا صورياً، بل الصحيح أنه معنوي وصوري، والله أعلم. وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً} قال بعضهم: الضمير في {فَجَعَلْنَـٰهَا} عائد على القردة، وقيل: على الحيتان، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية، حكاها ابن جرير، والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها؛ بسبب اعتدائهم في سبتهم {نَكَـٰلاً} أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها عبرة؛ كما قال الله عن فرعون: {أية : فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 25] وقوله تعالى: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} أي: من القرى، قال ابن عباس: يعني: جعلناها، بما أحللنا بها من العقوبة، عبرة لما حولها من القرى؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلاَْيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }تفسير : [الأحقاف: 27] ومنه قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}تفسير : [الرعد: 41] الآية، على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في المكان؛ كما قال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى، وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: لما بين يديها وما خلفها، قال: من بحضرتها من الناس يومئذٍ. وروي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي: {فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} قال: ما قبلها من الماضين في شأن السبت، وقال أبو العالية والربيع وعطية: وما خلفها: لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكان هؤلاء يقولون: المراد لما بين يديها وما خلفها في الزمان. وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن تكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس، فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به، وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ وهذا لعل أحداً من الناس لا يقوله بعد تصوره، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: {فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والسدي والفراء وابن عطية: لما بين يديها: من ذنوب القوم، وما خلفها: لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى الرازي ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها: من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها. والثاني: المراد بذلك: من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه تعالى، جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه، من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن (قلت): وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها، من بحضرتها من القرى، يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الأحقاف: 27] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ}تفسير : [الرعد: 31] الآية، وقال تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ}تفسير : [الأنبياء: 44] فجعلهم عبرة ونكالاً لمن في زمانهم، وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} وقوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} الذين من بعدهم إلى يوم القيامة، وقال الحسن وقتادة {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها، وقال السدي وعطية العوفي: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم (قلت): المراد بالموعظة ههنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم؛ لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»تفسير : وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ} لام قسم {عَلِمْتُمُ} عرفتم {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ } تجاوزوا الحدّ {مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ } بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم أهل (أيلَةَ) {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِئِينَ} مبعدين فكانوها، وهلكوا بعد ثلاثة أيام.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ في السَّبْتِ} وفي اعتدائهم في السبت قولان: أحدهما: أنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال، وهذا قول الحسن. والثاني: أنهم حبسوها في يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، والسبت هو اليوم المعروف. وفي تسميته بذلك أربعة أقاويل: أحدها: أن السبت هو اسم للقطعة من الدهر فسمي ذلك اليوم به، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنه سُمِّي بذلك لأنه سَبَت خَلْق كل شيء، أي قطع وفرغ منه، وهذا قول أبي عبيدة. والثالث: أنه سُمِّي بذلك، لأن اليهود يَسْبِتُون فيه، أي يقطعون فيه الأعمال. والرابع: أن أصل السبت، الهدوء والسكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُم سُبَاتَا}. فَسُمِّي به اليوم لاستراحة اليهود فيه. وفي قوله عز وجل: {... فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قولان: أحدهما: مُسِخُوا قردةً، فصاروا ـ لأجل اعتدائهم في السبت ـ في صورة القردة المخلوقين من قبل، في الأيام الستة. قال ابن عباس: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب. والثاني: وهو قول مجاهد: أنهم لم يمسخوا قردة، وإنما هو مَثلَ ضربه الله لهم، كما قال تعالى: {أية : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً} تفسير : [الجمعة: 5]. وفي قوله تعالى: {خاسئين} تأويلان: أحدهما: أن الخاسئ المُبْعَد المطرود، ومنه قولهم خسأت الكلب، إذا باعدته وطردته. والثاني: أن معناه أذلاء صاغرون، وهذا قول مجاهد. ورُوي عن ابن عباس: خاسئاً أي ذليلاً. قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} وفي المجعول نكالاً، ستة أقاويل: أحدها: أنها العقوبة. والثاني: أنها الحيتان. والثالث: أنها القرية التي اعتدى أهلها. والرابع: أنهم الأمة الذين اعتدوا، وهم أهل أيلة. والخامس: أنهم الممسوخون قردة. والسادس: أنهم القردة الممسوخ على صورهم. وفي قوله تعالى: {نَكَالاً} ثلاثة تأويلات: أحدها: عقوبة، وهو قول ابن عباس. والثاني: عبرة ينكل بها من رآها. والثالث: أن النكال الاشتهار بالفضيحة. وفي قوله تعالى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} خمسة تأويلات: أحدها: ما بين يديها وما خلفها من القرى، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس. والثاني: ما بين يديها يعني من بعدهم من الأمم، وما خلفها، الذين كانوا معهم باقين، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس. والثالث: ما بين يديها، يعني من دونها، وما خلفها، يعني لمن يأتي بعدهم من الأمم، وهذا قول السدي. والرابع: لما بين يديها من ذنوب القوم،وما خلفها للحيتان التي أصابوها، وهذا قول قتادة. والخامس: ما بين يديها ما مضى من خطاياهم، وما خلفها: خطاياهم التي أُهْلِكُوا بها، وهذا قول مجاهد.
ابن عطية
تفسير : {علمتم} معناه: عرفتم، كما تقول: علمت زيداً بمعنى عرفته، فلا يتعدى العلم إلا إلى مفعول واحد، و {اعتدوا} معناه تجاوزوا الحد، مصرف من الاعتداء، و {في السبت} معناه في يوم السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت، و {السبت} مأخوذ إما: من السبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من السبت وهو: القطع، لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها. وقصة اعتدائهم فيه، أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة، وعرفه فضله، كما أمر به سائر الأنبياء، فذكر موسى عليه السلام ذلك لبني إسرائيل عن الله تعالى وأمرهم بالتشرع فيه، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت، فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية. قاله الحسن بن أبي الحسن. وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء، وذلك إما بالإلهام من الله تعالى، أو بأمر لا يعلل، وإما بأن فهمها معنى الأمنة التي في اليوم مع تكراره حتى فهمت ذلك، ألا ترى أن الله تعالى قد ألهم الدواب معنى الخوف الذي في يوم الجمعة من أمر القيامة، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقاً من الساعة"، وحمام مكة قد فهم الأمنة، إما أنها متصلة بقرب فهمها. وكان أمر بني إسرائيل بأيلة على البحر، فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقوا على ذلك زماناً حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتاً بخزمة، وضرب له وتداً بالساحل، فلما ذهب السبت جاءَ وأخذه، فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع، وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيراً يخرج إليه البحر، فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت، فجاء بعد السبت فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية، وباعوه في الأسواق، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من العقوبة، وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه، فقيل نجت مع الناهين، وقيل هلكت مع العاصين. و {كونوا} لفظة أمر، وهو أمر التكوين، كقوله تعالى لكل شيء: {أية : كن فيكون} تفسير : [النحل: 40 مريم: 35، يس: 82، غافر: 68]، ولم يؤمروا في المصير إلى حال المسخ بشيء يفعلونه ولا لهم فيه تكسب. و {خاسئين} معناه مبعدين أذلاء صاغرين، كما يقال للكلب وللمطرود اخساً. تقول خسأته فخسأ، وموضعه من الإعراب النصب على الحال أو على خبر بعد خبر. وروي في قصصهم أن الله تعالى مسخ العاصين {قردة} بالليل فأصبح الناجون إلى مساجدهم ومجتمعاتهم، فلم يروا أحداً من الهالكين، فقالوا إن للناس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبواب كما كانت مغلقة بالليل، فوجدوهم {قردة} يعرفون الرجل والمرأة، وقيل: إن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية بجدار، تبرياً منهم، فأصبحوا ولم تفتح مدينة الهالكين، فتسوروا عليهم الجدار فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عن أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام؛ ووقع في كتاب مسلم عنه عليه السلام أن أمة من الأمم فقدت، وأراها الفأر، وظاهر هذا أن الممسوخ ينسل، فإن كان أراد هذا فهو ظن منه عليه السلام في أمر لا مدخل له في التبليغ، ثم أوحي إليه بعد ذلك أن الممسوخ لا ينسل، ونظير ما قلناه نزوله عليه السلام على مياه بدر، وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أخبرتكم برأي في أمور الدنيا فإنما أنا بشر ". تفسير : وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردّت أفهامهم كأفهام القردة، والأول أقوى، والضمير في {جعلناها}: يحتمل العود على المسخة والعقوبة، ويحتمل على الأمة التي مسخت، ويحتمل على القردة، ويحتمل على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها، وقيل يعود على الحيتان، وفي هذا القول بعد. والنكال: الزجر بالعقاب، والنكل والأنكال: قيود الحديد، فالنكال عقاب ينكل بسببه غير المعاقب عن أن يفعل مثل ذلك الفعل، قال السدي: ما بين يدي المسخة: ما قبلها من ذنوب القوم، {وما خلفها}: لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، وهذا قول جيد، وقال غيره: "ما بين يديها" أي من حضرها من الناجين، {وما خلفها} أي لمن يجيء بعدها، وقال ابن عباس: {لما بين يديها}: أي من بعدهم من الناس ليحذر ويتقي، {وما خلفها}: لمن بقي منهم عبرة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما أراه يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، لأن دلالة ما بين اليد ليست كما في القول، وقال ابن عباس أيضاً: {لما بين يديها وما خلفها}، أي من القرى، فهذا ترتيب أجرام لا ترتيب في الزمان. {وموعظة} مفعلة من الاتعاظ والازدجار، {وللمتقين} معناه للذين نهوا ونجوا، وقالت فرقة: معناه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يعم كل متق من كل أمة. وقوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه} الآية: {إذ} عطف على ما تقدم، والمراد تذكيرهم بنقض سلفهم للميثاق، وقرأ أبو عمرو "يأمرْكم" بإسكان الراء، وروي عنه اختلاس الحركة، وقد تقدم القول في مثله في "بارئكم". وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه، وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل النهي منهم: أنقتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}، فكان جوابهم أن قالوا: {أتتخذنا هزواً}؟ قرأ الجحدري "أيتخذنا" بالياء، على معنى أيتخذنا الله، وقرأ حمزة: "هزْؤاً" بإسكان الزاي والهمز، وهي لغة، وقرأ عاصم بضم الزاي والهاء والهمز، وقرأ أيضاً: دون همز "هزواً"، حكاه أبو علي، وقرأت طائفة من القراء بضم الهاء والزاء والهمزة بين بين، وروي عن أبي جعفر وشيبة ضم الهاء وتشديد الزاي "هُزّاً"، وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}، {أتتخذنا هزواً}، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله"، وكما قال له الآخر: "اعدل يا محمد"، وكلٌّ محتمل، والله أعلم. وقول موسى عليه السلام: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}، يحتمل معنيين: أحدهما الاستعاذة من الجهل من أن يخبر الله تعالى مستهزئاً، والآخر من الجهل كما جهلوا في قولهم {أتتخذنا هزواً} لمن يخبرهم عن الله تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {اعْتَدَوْاْ} بأخذ الحيتان استحلالاً، أو حبسوها يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد. {السَّبْتِ} من القطع، فهو القطعة من الدهر، أو سبت فيه خلق كل شيء: قطع وفرغ منه، أو تسبت فيه اليهود عن العمل، أو من الهدوء والسكون، لأنهم يستريحون فيه {أية : نَوْمَكُمْ سُبَاتاً }تفسير : [النبأ: 9] والنائم مسبوت. {قِرَدَةً} صاروا في صورها، أو لم يمسخوا بل مثلوا بالقردة، كقوله {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ}تفسير : [الجمعة: 5] قاله مجاهد. {خَاسِئِينَ} مطرودين مبعدين، أو أذلاء.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ...} فرق الفخر في المحصول بين العلم والمعرفة، أن العلم من قسم التصديق والمعرفة من التصور. (فردّ) عليه بقوله: عرفت زيدا أبا من هو؟ وأجيب بأن متعلق العلم تصديق ومتعلق المعرفة تصور. وانظر ما قيدت في سورة الرّحْمَان، انتهى. قوله {فِي ٱلسَّبْتِ}. (قال ابن عطية): والسبت أي في يوم السّبت أو (في) حكم السّبت. قال ابن عرفة: الاعتداء إنما يتعلق بحكم اليوم لا بنفس اليوم فلا بد من (تقرير) لفظ الحكم. ابن عطية: السّبت إمّا من السّبوت وهو الراحة والدعة، وإما بمعنى القطع. قال ابن عرفة: هما راجعان للقطع لأنّ الراحة إما تحصل بقطع الشواغل والمشوشات، أو هما متغايران تغاير العلة والمعلول فالقطع سبب في الراحة. قال ابن عرفة: (واعلم أن) هذا إنذار لهؤلاء الحاضرين أي (أولئك) عوقبوا بالمسخ مع أنهم مؤمنون بموسى، ومعصيتهم إنما هي بالتعدي في السبت (وفيها سوى الكفر) فهؤلاء الكافرون بالرسول الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمعصيتهم أشد. قوله تعالى: {خَاسِئِينَ}. (قيل): حال من فاعل "كُونُواْ" ومنع أبو حيان والطيبي أن يكون حالا من {قِرَدَةً} إذ لو كان حالا منها لقيل: خاسئة. ورده ابن عرفة بجواز: من كانت أمك، ومن كان (أمك)؟ فقد أجازوا تذكير اسم كان مراعاة للفظ (مع أن خبره مؤنث) فلذلك يصح إتيان الحال جمع سلامة بالياء والنون من خاسئة وإن كان جمع ما لا يعقل لكونه خبرا عن مذكر عاقل. قال ابن عطية: وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. قال ابن عرفة: وقول الإمام مالك رضي الله عنه: إن القرد لا يؤكل لأنه مسخ يريد أنه شبيه (بالممسوخ) وعلى صفته. وخرّج مسلم في كتاب (الزهد) والرقائق في صحيحه عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : (فقدت) أمة من بني إسرائيل لا (يدرى) ما فعلت (وإني لأراها) إلا الفأرَ إذا وضع لها ألبان الإبل لا تشربه فإذا وضع لها ألبان الشاء شربتهتفسير : . قلت: وخرجه الإمام البخاري في كتابه. (ابن عطية): ظاهره أن الممسوخ ينسل، فإذا كان أراد هذا فهو ظن منه عليه الصلاة والسلام لا مدخل له في التبليغ ثم أوحي إليه بعده أنه لا ينسل. قلت: (وكذا تأوله ابن رشد في كتاب الجامع الثالث من البيان. ونظير هذا نزوله عليه السلام على مياه بدر، وأمره لهم بترك تذكير النّخل فلم يثمر ذلك العام إلا يسيرا فقال لهم عليه الصّلاة والسلام: "حديث : إذا أخبرتكم برأي من أمور دنياكم فإنما أنا بشر وأنتم أعلم بدنياكم ". تفسير : (قلت): وخرّج مسلم في كتاب الصيد والذبائح "حديث : عن جابر ابن عبد الله قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال: "لا أدري لعله من القرون التي مسخت . تفسير : وخرج أيضا عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: حديث : قال رجل: يا رسول الله إنّا بأرض مضبة فما تأمرنا؟ قال: ذكر لنا أن أمة من بني إسرائيل مسخت تفسير : (فلم يأمر ولم ينه). وفي رواية حديث : غضب الله على (سبط) من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض: فلا أدري لعل هذا منها، (فلست) آكلها ولا أنهى عنها . تفسير : قال ابن عرفة: فإن قلت: يعارض حديث مسلم، أي هذا الحديث لأنه أفاد بأن (الممسوخ) لا يعيش أكثر من ثلاثة (أيام)؟ فيجاب بأن مراده في الضب أنه مثل المسخ. قيل لابن عرفة: (مثل المسخ) كونه شبيها لا يوجب تحريمه؟ فقال: حرمه لأنه مسخت أمة على صفته (فلولا أنه مستقبح مستكره عند الله لما مسخت تلك الأمة على صفته). فقيل له: أو يكون هذا الكلام منه قبل أن يوحى إليه لحديث: أن (الممسوخ) لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام والضبّ (حيوان) يشبه الحرضون إلا أن لونه أسود وسيره غير مسرع يكون في الصحاري. قلت: وخرج مسلم في آخر كتاب القدر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رجل: يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ؟ فقال/ النّبي صلى الله عليه وسلّم: حديث : إن الله عز وجل (لم) يهلك قوما ويعذب قوما فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك . تفسير : (ذكره في باب ضرب الآجال وقسم الأرزاق، انتهى). وهذا إنذار للموجودين (حين) نزول الآية. أي القوم المتقدمون منكم عوقبوا مع أنهم مؤمنون بعيسى عليه السلام، ومعصيتهم إنما كانت في الفروع، وأنتم كافرون فمعصيتكم أشد وعقوبتكم أشد. وجعل ابن التلمساني شارح المعالم صيغة أفعل هنا للتكوين كما قال ابن عطية.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ...} الآية: علمتمْ: معناه: عرفتم، والسَّبْتُ مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع؛ لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه أن اللَّه عز وجلَّ أمر موسَىٰ عليه السلام بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسَىٰ ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلَىٰ يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إِلَىٰ موسَىٰ؛ أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة؛ بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ؛ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن. وقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالَىٰ، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ، مع تكراره؛ كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت، ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زماناً؛ حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ، فربط حوتاً بخزمة، وضرب له وَتِداً بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ، جاء، فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع. وقيل: بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيراً يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قَوْمٌ مثْلَ فعله، وكَثُرَ ذلك؛ حتى صادوه يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ، ولم تَنْهَ، فقيل: نجت مع الناهين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصينَ. وَ {كُونُواْ }: لفظةُ أمر، وهو أمر التكوينِ؛ كقوله تعالَىٰ لكُلِّ شَيْءٍ: {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [يس:82] قال ابن الحاجب... في مختصره الكَبِيرِ المسمَّىٰ بـــ «منتهى الوُصُولِ»: صيغةُ: ٱفْعَلْ، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملاً. الوجوبُ: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ }تفسير : [الإسراء:78] والنَّدْبُ: {أية : فَكَـٰتِبُوهُمْ}تفسير : [النور:33]. والإِرشادُ: {أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } تفسير : [البقرة:282] والإِباحةُ: {أية : فَٱصْطَـٰدُواْ }تفسير : [المائدة:2]. والتأديب: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ». والامتنانُ: {أية : كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام:142]. والإِكرامُ: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } تفسير : [ق:34] والتَّهديد: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تفسير : [فصلت:40] والإِنذار: {أية : تَمَتَّعُواْ }تفسير : [إبراهيم:30] والتسخيرُ: {أية : كُونُواْ قِرَدَةً } تفسير : [الأعراف:166] والإِهانة: {أية : كُونُواْ حِجَارَةً } تفسير : [الإسراء:50] والتَّسويةُ: {أية : فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } تفسير : [الطور:16] والدعاءُ: {أية : ٱغْفِرْ لَنَا } تفسير : [آل عمران:147] والتمنِّي: [الطويل]شعر : ...أَلاَ ٱنْجَلِي..... تفسير : وكمالُ القدرة: {أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [يس:82]. انتهى. وزاد غيره كونها للتعجيزِ، أعني: صيغةَ «ٱفْعَلْ». قال ابن الحاجِبِ: وقد اتفق علَىٰ أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإِباحةَ والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب. انتهى. و {خَـٰسِئِينَ}: معناه: مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ؛ كما يقال للكَلْب، وللمطْرُود: ٱخْسَأْ، وروي في قصصهم؛ أنَّ اللَّه تعالَىٰ مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجُونَ إلى مساجِدِهِمْ، ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحداً من الهالكينَ، فقالوا: إِن للنَّاس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبوابَ لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً يعرفون الرجُلَ والمرأة. وقيل: إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ؛ تَبَرِّياً منهم، فأصبحوا، ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضُهم على بعْضٍ. وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل، ولا تأكل، ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيامٍ، ووقع في كتاب مسْلِمٍ عنه صلى الله عليه وسلم «حديث : أنَّ أُمَّةً من الأُمَمِ فُقِدَتْ، وَأُرَاهَا الفأر»تفسير : ، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظَنٌّ منه صلى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك،؛ أنَّ المسوخ لا تنسل؛ ونظير ما قُلْناه نزولُهُ صلى الله عليه وسلم علَىٰ مياهِ بَدْرٍ وأمره بٱطِّراح تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالَىٰ، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإِنما أنا بشَرٌ مثلُكُم"تفسير : ، والضمير في {جَعَلْنَاهَا} يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية؛ إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال: الزجْرُ بالعقاب، و {لَّمَّا بَيْنَ يَدَيْهَا}. قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القُرَىٰ. {وَمَوْعِظَةً}: من الاتعاظ، والازدجار، و {لِّلْمُتَّقِينَ}: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.
ابن عادل
تفسير : لما عدّد وجوه إنعامه عليهم شرح [إليهم] ما وجه إليهم من التشديدات. و "اللام" في [لقد] جواب قسم محذوف تقديره: واللَّهِ لَقَد، وكذلك نظائرها. قال بعض المتأخرين لها نحو أربعين معنى قال: وجميع أقسام "اللام" التي هي حرف معنى يرجع عند التَّحقيق إلى قسمين: عاملة، وغير عاملة. فالعاملة قسمان: جارّة، وجازمة، وزاد الكوفيون النَّاصبة للفعل. وغير العاملة خمسة أقسام: لام ابتداء، ولام فارقة، ولام الجواب، ولام موطّئة، ولام التعريف عند من جعل حرف التعريف أحادياً. أما الجارة فلها ثلاثون قسماً مذكورة في كتب النحو. وأمّا الجازمة فلام الأمر، والدعاء والالْتِمَاس. وحركة هذه اللام الكسر. ونقل ابن مالك عن الفرّاء أن فتحها لغة، ويجوز إسكانها بعد الواو والفاء، وهو الأكثر. وفي حذف لام الطلب وإبقاء عملها أقوال: وأما اللام ـ [هنا فهي لام "كي"] عند الكوفيين، وعند البصريين لام جَرّ. ولام الجحود نحو: ما كان زيد لِيَذْهَبَ، ولام الصَّيرورة، وتسمى لام التَّعَاقُب، ولام المآل واللام الزائدة كقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}تفسير : [النساء:26] واللام بمعنى الفاء كقوله: {أية : رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}تفسير : [يونس:88] أي: فيضلوا. والكلام على هذه اللاَّمات ليس هذا موضعه، وإنما نبّهنا عليه، فيطلب من مكانه. و "قد" حرف تحقيق وتوقّع، وتفيد في المضارع التقليلَ إلاّ في أفعالِ الله ـ تعالى ـ فإنها للتحقيق، وقد تخرج المضارع إلى المُضِيِّ كقوله: [البسيط] شعر : 563ـ قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ كَأَنَّ أثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ تفسير : وهي أداة مختصّة بالفعل، وتدخل على الماضي والمضارع، وتحدث في الماضي التقريب من الحال. وفي عبارة بعضهم: "قد" حرف يصحب الأفعال، ويُقَرَّب الماضي من الحال، ويحدث تقليلاً في الاستقبال. والحاصل أنها تفيد مع الماضي أحد ثلاثة مَعَانٍ: التوقّع، التقريب، والتحقيق، ومع المضارع أحد أربعة معانٍ: التوقّع، والتقليل، والتكثير، والتحقيق. قال ابن مالك: "والدَّالة على التقليل تصرف المضارع"، وكذلك الدّالة على التكثير. وأما الدالة على التحقيق، فقد تصرفه إلى المُضِيِّ، ولا يلزم فيها ذلك، وهي مع الفعل كجزء منه، فلا يفصل بينهما بغير القسم؛ كقوله: [الطويل] شعر : 564ـ أخَالِدُ قَدْ ـ وَاللّهِ - أَوْطَأْتَ عَشْوَةً وَمَا العَاشِقُ المَظْلُومُ فِينَا بِسَارِقِ تفسير : وإذا دخلت على الماضي، فيشترط أن يكون متصرفاً، وإذا دخلت على المضارع، فيشترط تجرّدهُ من جازم وناصب، وحرف تنفيس، وتكون اسماً بمعنى "حَسْب"؛ نحو: "قَدْنِي دِرْهَمٌ"، أي: حَسْبِي، وتتّصل بها نون الوقاية مع ياء المتكلم غالباً، وقد جمع الشاعر بين الأمرين، قال: [الرجز] شعر : 565ـ قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبْيبَيْنِ قَدِي تفسير : والياء المتّصلة بـ "قدني" في موضع نصب إن كان "قَدْني" اسم فعل، وفي موضع جرّ إن كانت بمعنى "حَسْب". والياء في "قدي" تحتمل أن تكون بمعنى "حسبي"، ولم يأت بنون الوقاية على أحد الوجهين، وتحتمل أن تكون اسم فعل، وحذفت النون للضرورة، وتحتمل أن تكون اسم فعل، والياء للإطلاق. وإن كانت حرفاً جاز حذف الفعل بعدها، كقوله: [الكامل] شعر : 566ـ أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رَكَابَنَا لَمّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قِدِ تفسير : أي: قد زالت. وللقسم وجوابه أحكام تأتي إن شاء الله تعالى [مفصلة]. و "عَلِمْتُم" بمعنى: عرفتم، فيتعدّى لواحد فقط. والفرق بين العِلْمِ والمَعْرفة أن العلم يستدعي معرفة الذات، وما هي عليه من الأحوال نحو: "علمت زَيداً قائماً أو ضاحكاً"، والمعرفة تستدعي معرفة الذَّات. وقيل: لأن المعرفة يسبقها جهل، والعلم قد لا يسبقه جهل، ولذلك لا يجوز إطلاق المعرفة عليه سبحانه وتعالى. و "الَّذِينَ اعْتَدَوا" الموصول وصِلَتُهُ في محصل نصب مفعول به، ولا حاجة إلى حذف مضاف كما قدره بعضهم، أي: أحكام الذين اعتدوا؛ لأن المعنى عرفتم أشخاصهم وأعيانهم. وأصل "اعْتَدَوْا": "اعْتَدَيُوا"، فأعلّ بالحذف، ووزنه "افْتَعَوْا"، وقد عرف تصريفه ومعناه. و "منكم" في محلّ نصب على الحال من الضمير في "اعتدوا"، ويجوز أن يكون من "الذين". أي من المعتدين كائنين منكم. و "من" للتبعيض. و "في السَّبْتِ" متعلّق بـ "اعتدوا"، والمعنى: في حكم السبت. وقال أبو البقاء: وقد قالوا: "اليوم السَّبت"، فجعلوا "اليوم" خبراً عن "السبت"، كما يقال: "اليوم القِتَال"، فعلى ما ذكرنا يكون في الكلام حذف، تقديره: في يوم السَّبْت، فالسّبت في الأصل مصدر "سَبَتَ" أي: قطع العمل. وقال ابن عطية: والسَّبْت: إما مأخوذ من "السُّبُوت" الذي هو الراحة والدَّعَة، وإما من "السَّبْت" وهو القَطْع؛ لأن الأشياء فيه سبتت، وتمت خِلْقَتُهَا. ومنه قولهم: سبت رأسه أي: حلقه. وقال الزمخشري: "والسّبت مصدر [سبتت] اليهود: إذا عظمت يوم السبت". وفيه نظر، فإنّ هذا اللفظ موجود، واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليَهُود ذلك، اللّهم إلا [أن] يريد هذا السبت الخاصَّ المذكور في هذه الآية. والأصل فيه المصدر كما ذكرت، ثم سمي به هذا اليوم من الأسبوع، لاتفاق وقوعه فيه كما تقدم أن خلق الأشياء تَمّ وانقطع، وقد يقال: يوم السبت فيكون مصدراً. وإذا ذكر معه "اليوم"، أو مع ما أشبهه من أسماء الأزمنة مما يتضمّن عملاً وحدثاً جاز نصب "اليوم"، ورفعه، نحو: "اليوم الجمعة"، "اليوم العيد" كما يقال: "اليوم الاجتماع والعَوْد". فإن ذكر مع "الأحد" وأخواته وجب الرفع على المشهور، وتحقيقها مذكور في [كتب] النحو. فصل في قصة عدوانهم بالصيد روي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال: هؤلاء القوم كانوا في زمان دَاوُدَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ بـ "أيلة" على ساحل البحر بين "المدينة" و "الشام" وهو مكان يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السّنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سَبْت يجتمعون هناك حتى يخرجن بخراطيمهن من الماء لأمنها، فإذا مَضَى السَّبت تفرقن، ولزمن قَعْرَ البحر فذلك قوله: {أية : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}تفسير : [الأعراف: 163] فعمد رجال فحفروا حِيَاضاً عند البحر، وشرعوا إليها الجَدَاول، فإذا كانت عشية يوم الجمعة فَتَحُوا تلك الجداول، فكانت الحيتان تدخل إلى الحِيَاض، فلا تطيق الخروج منها لبعد عُمْقِها، وقلّة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وقيل: كانوا ينصبون الحَبَائل والشّصُوص يوم الجمعة، ويخرجونها يوم الأحد، وذلك هو اعتداؤهم، ففعلوا ذلك زماناً واشتغلوا وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العَهْدُ، ولم تنزل عقوبة قَسَتْ قلوبهم [وتجرءوا] على الذنب فاسْتَنّ الأبناء بِسُنَّة الآباء، واتخذوا الأموال، وقالوا: ما نرى السبت إلاّ وقد أحل لنا، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت، ونهوهم عن ذلك فلم ينتهوا، وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان، فما زادنا الله به إلا عِزًّا فقيل لهم: لا تفتروا فربما نزل بكم العَذَابُ، فانقسموا ثلاثة أصناف: صنف أَمْسَكَ وانتهى، وصنف ما أمسك ولم يَنْتَهِ، وصنف انتهكوا الحرمة فلما أبوا قَبُولَ النصح قال الناهون: والله لا ننساكم فقسموا القرية بجدار، ومكثوا على ذلك سنين، فلعنهم داود ـ عليه الصلاة والسلام ـ وغضب الله عز وجل عليهم لإصرارهم على المعصية، فخرج النَّاهون ذات يوم من بابهم، والمجرمون لم يفتحوا بابهم، ولم يخرج منهم أحد فلما أبطئوا تَسَوّروا عليهم الحائط، فإذا هم جميعاً قردة خاسئين. فإن قيل: إذا كانوا قد نهوا عن الاصْطِيَاد يوم السَّبت، فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السَّبت دون سائر الأيام؟ فالجواب: أما على مذهب أهل السُّنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى. وأما على مذهب المعتزلة، فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب. و "قِردَةً خَاسِئِيْنَ" يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكونا خبرين، قال الزَّمخشري: "أي: كونوا جامعين بين القِردَيّة والخسوء". وهذا التقدير منه بناء على أن الخبر لا يتعدّد، فلذلك قدرهما بمعنى خبر واحد من باب: "هذا حُلْو حَامض" وقد تقدّم القول فيه. والثَاني: أن يكون "خاسئين" نعتاً لـ "قردة" قاله أبو البقاء. وفيه نظر من حيث إنّ القردة غير عقلاء، وهذا جمع العقلاء. فإن قيل: المخاطبون عقلاء؟ فالجواب: أنّ ذلك لا يفيد؛ لأن التقدير عندكم حينئذ: كونوا مثل قردة من صفتهم الخُسوء، ولا تعلّق للمخاطبين بذلك، إلا أنه يمكن أن يقال: إنهم مشبَّهُون بالعقلاء كقوله: {أية : لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف:4] و {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت:11]. والثالث: أن يكون حالاً من اسم "كونوا"، والعامل فيه "كونوا"، وهذا عند من يجيز لـ "كان" أن تعمل في الظروف [والأحوال] وفيه خلاف سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى عند قوله: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً}تفسير : [يونس:2]. الرابع: وهو الأجود أن يكون حالاً من الضمير المُسْتكنّ في "قردة"؛ لأنه في معنى المشتق أي: كونوا ممسوخين في هذه الحال. وجمع "فِعْل" على "فِعَلَة" قليل لا يَنْقَاس. ومادة "القرد" تدلّ على اللُّصوق والسكون، تقول: قَرَد بمكان كذا: أي: لصق به وسكن، ومنه: الصُّوف "الْقَرَد" أي: المتداخل، ومنه أيضاً: "القُرَادُ" هذا الحيوان المعروف ويقال: "خسأته فخَسَاً، فالمتعدي والقاصر سواء نحو: زاد وغاض وقيل: خسأته فخسىء وانسخاً، والمصدر "الخسوء" و "الْخَسْء". وقال الكسائي: "خسأت الرجل خسأ، وخسأ هو خسوءاً"، ففرق بين المصدرين. والخسوء: الذّلة والصَّغار والطرد والبعد، ومنه: خسأت الكلب قال مجاهد وقتادة والربيع: وهي لغة "كنانة". وقال أبو روق: يعني خرساً لقوله تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون:108] والمراد من هذا الأمر سرعة التكوين لا نفس الأمر. روي عن مجاهد رضي الله عنه أن الله ـ تعالى ـ مسخ قلوبهم يعني: بالطَّبع والخَتْم، إلا أنه مَسَخَ صورهم لقوله {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}تفسير : [الجمعة:5] وهذا مَجَاز ظاهر [مشهور]. فصل في المقصود من ذكر هذه القصة والمقصود من ذكر هذه القصّة أمران: الأول: إظهار معجزة سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه كالخطاب لليهود الذي كانوا في زمانه، فلما أخبرهم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب، ولم يخالط القوم ـ دلّ على أنه إنما عرفه بالوحي. والثاني: أنه ـ تعالى ـ لما أخبرهم بما عاجل به أصحاب السّبت، فكأنه يقول لهم: لا تتمردوا ولا تغتروا بالإمهال، فينزل بكم ما نزل بهم، ونظيره قوله تعالى {أية : يَٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ}تفسير : [النساء:47] الآية. فإن قيل: إنهم بعد أن صاروا قردةً لا يبقى لهم فَهْم، ولا عَقْل، ولا علم، فلا يعلمون ما نزل بهم من العذاب، ووجود القرديّة غير مؤلم. فالجواب: لم لا يجوز أن يقال: إنّ الذي كان إنساناً عاقلاً فاهماً كان ثابتاً لم يتغير، وإنما تغيرت الصورة فلم يقدر على النّطق والأفعال الإنسانية، لكنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخِلْقة بسبب المعصية، فكانت في نهاية الخوف والخَجَل، وربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء؟. فإن قيل: أولئك القردة بقوا أو هلكوا، فإن بقوا فالقردة الموجودون في زماننا هل يجوز أن يكونوا من نَسْلِهِمْ أم لا؟ فالجواب: الكل جائز، إلاّ أن الرواية عن ابن عباس أنهم مكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا ولم يأكلوا ولم يشربوا، ولم ينسلوا. قال ابن عطية: وروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال "حديث : إن المَمْسوخ لا يَنْسِلُ، ولا يَأْكل، ولا يَشْرَب، ولا يَعِيْش أكثر من ثَلاَثَة أيام"تفسير : . قاله القُرْطبي. وهذا هو الصحيح. واحتج ابن العَرَبيّ وغيره على أن المَمْسُوخَ يَعيش، ويَنسل، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنّ امة من بَنِي إِسْرَائِيْلَ لا يُدْرى ما فعلت ولا أراها إلا الفَأْر ألا ترونها إذا وضع لها أَلْبَان الإِبِلِ لم تَشْرَبْهُ وإذا وضع لها أَلْبَان الشَّاة تشربها ". تفسير : ويقول جابر رضي الله عنه: حديث : أُتِيَ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بِضَبٍّ فأَبى أن يأكل منه وقال: "لا أَدْرى لعلّه من القُرُون التي مُسِحَتْ". تفسير : وروى البخاري عن عمر بن ميمن أنه قال: "رأيت في الجاهلية قردةً قد زَنَتْ فرجموها فرجمتها معهم". قال ابن العربي: فإن قيل: كيف تعرف البَهَائم الشرائع حتى ورثوها خَلْفاً عن خَلْفٍ إلى زمان عمر؟ قلنا: نعم! كان ذلك؛ لأن اليهود غَيَّرُوا الرَّجم، فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم حتى يكون أبلغ في قيام الحُجَّة على ما أنكروا وغيّروه، حتى تشهد عليهم كتبهم، وأَخْبارهم، ومسوخهم، حتى يعلموا أنّ الله يعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون. قال القرطبي: ولا حُجّة في شيء من ذلك، أما حديث الفأر والضَّبّ فكان هذا حَدْساً منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يوحى إليه أنّ الممسوخ لا يعيش ولا يَنْسل. وأما حديث القردة ففي بعض الروايات لم يذكروا فيها أنها زنت إنما ذكر الرَّجم فقط، وإنما أخرجه البخاري دلالة على أن [عمر بن ميمون أدرك الجاهلية، ولم يُبَالِ بظنه الذي ظنه في الجاهلية، وذكر ابن عبد البر أن] عمرو بن ميمون من كبار التابعين من الكوفيين، هو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة. "فَجَعَلْنَاهَا" فعل وفاعل ومفعول. "نَكَالاً" مفعول ثانٍ لـ "جعل" التي بمعنى "صير"، والأول هو الضمير، وفيه أقوال: أحدها: يعود على المَسْخَة. وقيل: على القرية، لأن الكلام يقتضيها كقوله: {أية : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}تفسير : [العاديات:4] أي: بالمكان. وقيل: على العقوبة. وقيل: على الأمة. "النكال": المنع، ومنه: النّكل، والنِّكلْ: اسم للقيد من الحديد، واللِّجَام؛ لأنه يُمنع به، وسمي العقاب نَكَالاً؛ لأنه يُمنْع به غير المعاقب أن يفعل فِعْلَه، ويمنع المعاقب أن يعود إلى فَعله الأول. و "التنكيل": إصابة الغير بالنِّكَال لِيُردَعَ غيره، ونَكَلَ عن كذا يَنْكلُ نُكُولاً: امتنع، وفي الحديث: "حديث : إنّ الله يحب الرُّجُلَ النِّكل"تفسير : أي: القوي على الغرس. "والْمَنْكَل": مَا يُنكَّلُ به الإنسان، قال: [الرجز] شعر : 567ـ فَارْمِ عَلَى أَقْفَائِهِمْ بِمَنْكَلِ تفسير : والمعنى: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء عقوبة رادعة لغيرهم. والضمير في "يَدَيْهَا" و "خلفها" كالضمير في "جَعَلْنَاهَا". قال ابن الخطيب: لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون، لأن مَسْخَهُمْ ذكر في كتب الأولين، فاعتبروا بها، "ما يحضرها من [القرون] والأمم. وما خَلْفَهَا من بعدهم. وقال الحَسَنُ: عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعْلِ، وما بعده. و "مَوْعِظَةً" عطف على "نَكَالاً" وهي "مَفعِلَةٌ"، من الوَعْظ وهو التخويف. وقال الخليل: "التذكير بالخير فيما يرق له القلب". والاسم: "العظة" كـ "العِدَة" و "الزِّنَة" و "لِلْمُتَّقِينَ" متعلّق بـ "موعظة"، واللام للعلّة، وخصّ المتّقين بالذِّكر وإن كانت موعظةً لجميع العالم البَرّ والفاجر؛ لأن المنتفع بها هم المتقون دون غيرهم، ويجوز أن تكون اللام [مقوية]؛ لأن "موعظة" فرع على الفعل في العمل فهو نظير {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [البروج:16] فلا تعلّق لها لزيادتها، ويجوز أن تكون متعلّقة بمحذوف؛ لأنها صفة لـ "موعظة". أي: موعظة كائنة للمتّقين، أي: يعظ المتقون بعضهم بعضاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس {ولقد علمتم} قال: عرفتم، وهذا تحذير لهم من المعصية يقول: احذورا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني اعتدوا يقول: اجترأوا في السبت بصيد السمك فقلنا لهم {كونوا قردة خاسئين} فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقاً، ثم هلكوا ما كان للمسخ نسل. وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس قال: القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: انقطع ذلك النسل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم مثل الحمار يحمل أسفاراً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فكان القوم فيهم ثلاثة أصناف، فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك المعصية ومرن على المعصية، فلما أبوا إلا عتواً عما نهاهم الله عنه {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} وصار القوم قروداً تعاوى لها الذئاب بعد ما كانوا رجالاً ونساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {خاسئين} قال: ذليلين. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {خاسئين} قال: صاغرين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد. مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فجعلناها نكالاً لما بين يديها} من الذنوب {وما خلفها} من القرى {وموعظة للمتقين} الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فجعلناها} يعني الحيتان {نكالاً لما بين يديها وما خلفها} من الذنوب التي عملوا قبل وبعد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فجعلناها} قال: فجعلنا تلك العقوبة وهي المسخة {نكالاً} عقوبة {لما بين يديها} يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي {وما خلفها} يقول: للذين بقوا معهم {وموعظة} تذكرة وعبرة للمتقين. وأخرج عبد بن حميد عن سفيان في قوله {نكالاً لما بين يديها وما خلفها} قال: من الذنوب {وموعظة للمتقين} قال: لأمة محمد عليه السلام.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} أي عرفتم {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ} رُوي أنهم أُمروا بأن يتمحَّضوا يوم السبت للعبادة ويتجرَّدوا لها ويتركوا الصيدَ فاعتدىٰ فيه أناسٌ منهم في زمن داودَ عليه السلام فاشتغلوا بالصيد وكانوا يسكُنون قريةً بساحل البحر يقال لها أَيْلة فإذا كان يومُ السبت لم يبقَ في البحر حوتٌ إلا برزَ وأخرج خُرطومه فإذا مضىٰ تفرقت فحفَروا حِياضاً وشرَعوا إليها الجداولَ وكانت الحيتانُ تدخلُها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فالمعنى وبالله لقد علمتوهم حين فعلوا من قَبـيل جناياتكم ما فعلوا فلم نُمهِلْهم ولم نؤخِّرْ عقوبتَهم بل عجلناها {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} أي جامعين بـين صورةِ القردةِ والخسُوء، وهو الطرد والصَّغار، على أن خاسئين نعتٌ لقِردة وقيل: حال من اسم كونوا عند من يُجيز عملَ كان في الظروفِ والحالِ، وقيل: من الضمير المستكنّ في قِردة لأنه في معنى ممسوخين، وقال مجاهد: ما مُسخت صورُهم ولكن قلوبُهم فمُثلوا بالقِردة كما مُثِّلوا بالحمار في قوله تعالى:{أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة، الآية 5] والمرادُ بالأمر بـيانُ سرعةِ التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراده عز وجل وقرىء قَرِدةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز {فَجَعَلْنَاهَا} أي المَسخةَ والعقوبة {نَكَـٰلاً} عبرةً تُنكّل المعتبِرَ بها أي تمنعُه وتردعُه ومنه النِّكْلُ للقيد {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذُكِرَتْ حالُهم في زبُر الأولين واشتهرت قصصُهم في الآخِرين أو لمعاصريهم ومَنْ بعدهم، أو لِما بحضرتها من القُرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخَّر منها {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ} من قومهم أو لكلِّ مُتقٍ سمِعَها {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} توبـيخ آخرُ لإخلاف بني إسرائيلَ بتذكير بعضِ جناياتٍ صدرت عن أسلافهم أي واذكروا وقت قولِ موسى عليه السلام لأجدادكم {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} وسببه أنه كان في بني إسرائيلَ شيخٌ موسر فقتلَه بنو عمِّه طمعاً في ميراثه فطرَحوه على باب المدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويضرِبوه ببعضها فيَحْيَا فيُخْبِرَهم بقاتله {قَالُواْ} استئنافٌ وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أو لا؟ فقيل: قالوا {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} بضم الزاء وقلب الهمزة واواً وقرىء بالهمزة مع الضم والسكون أي أتجعلنا مكانَ هُزْءٍ أو أهلَ هُزْءٍ أو مهزوءاً بنا أو الهزُوُ نفسه استبعاداً لما قاله واستخفافاً به {قَالَ} استئناف كما سبق {أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} لأن الهُزْؤ في أثناء تبليغ أمر الله سبحانه جهلٌ وسفَهٌ، نفىٰ عنه عليه السلام ما توهموه من قبله على أبلغ وجهٍ وآكَدِه بإخراجه مُخرجَ ما لا مكروهَ وراءَه بالاستعاذة منه استفظاعاً له واستعظاماً لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه عليه السلام بها.
القشيري
تفسير : مسْخُ هذه الأمة حصل على القلوب، فكما أنهم لما تركوا الأمر واستهانوا بما أُلزموا به من الشرع - عجلت عقوبتهم بالخسف والمسخ وغير ذلك من ضروب ما ورد به النَّصُّ، فهذه الأمة مِنْ نَقْضِ العهدِ ورفض الحدِّ عوقبت بمسخ القلوب، وتبديل الأحوال، قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 110] وعقوبات القلوب أنكى من عقوبات النفوس، وفي معناه أنشدوا: شعر : يا سائلي: كيف كنتَ بَعْده؟ لقيتُ ما ساءني وسَرَّه ما زلت أختال في وِصالي حتى أمِنت من الزمانِ مَكره طال عليَّ الصدود حتى لم يُبْقِ مما شَهِدَت ذرَّه
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد علمتم} خطاب لمعاصرى النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود اى وبالله قد عرفتم يا بنى اسرائيل {الذين اعتدوا} اى تجاوزوا الحد ظلما {منكم} من اسلافكم محله نصب على انه حال {فى} يوم {السبت} اى جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. واصل السبت القطع لان اليهود امروا بان يسبتوا فيه اى يقطعوا الاعمال ويشتغلوا بعبادة الله ويسمى النوم سباتا لانه يقطع الحركات الاختيارية وفيه تحذير وتهديد فكانه يقول انكم تعلمون ما اصابهم من العقوبة فاحذروا كيلا يصبكم مثل ما اصابهم. والقصة فيه انهم كانوا فى زمن داود عليه السلام بارض يقال لها ايلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فكان اذا دخل السبت لم يبق حوت فى البحر الا اجتمع هناك اما ابتلاء لاولئك القوم واما لزيارة السمكة التى كان فى بطنها يونس ففى كل سبت يجتمعن لزيارتها ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها واذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شىء منها ثم ان الشيطان وسوس اليهم وقال انما نهيتم عن اخذها يوم السبت فعمد رجال من اهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه اليها الانهار فاذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الانهار فاقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فاذا كان يوم الاحد يصطادونها فاخذوا واكلوا وملحوا وباعوا فكثرت اموالهم ففعلوا ذلك زمانا اربعين سنة او سبعين لم تنزل عليهم عقوبة وكانوا يتخوفون العقوبة فلما لم يعاقبوا استبشروا وتجرأوا على الذنب وقالوا ما نرى السبت الا قد احل لنا ثم استن الابناء سنة الآباء فلو انهم فعلوا ذلك مرة او مرتين لم يضرهم فلما فعلوا ذلك صار اهل القرية وكانوا نحوا من سبعين الفا ثلاثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة وكان الناهون اثنى عشر الفا فنهوهم عن ذلك وقالوا يا قوم انكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم فانتهوا عن هذا العمل قبل ان ينزل بكم البلاء فلم يتعظوا وابوا قبول نصحهم فعاقبهم الله بالمسخ وذلك قوله تعالى {فقلنا لهم} قهرا {كونوا قردة} جمع قرد كالديكة جمع ديك بالفارسية "بوزينه" وهذا امر تحويل لانهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة الى صورة وهو اشارة الى قوله {أية : إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} تفسير : [النحل: 40]. اى لما اردنا ذلك صاروا كما اردنا من غير امتناع ولا لبث {خاسئين} هو وقردة خبران اى كونوا جامعين بين القردية والخسىء وهو الصغار والطرد وذلك ان المجرمين لما ابوا قبول النصح قال الناهون والله لا نساكنكم فى قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وصيروها بذلك ثنتين فلعنهم داود وغضب الله عليهم لاصرارهم على المعصية فمسخوا ليلا فلما اصبح الناهون اتوا ابوابها فاذا هى مغلقة لا يسمع منها صوت ولا يعلو منها دخان فتسوروا الحيطان ودخلوا فرأوهم قد صار الشبان قردة والشيوخ خنازير لها اذناب يتعاوون فعرفت القردة انسابهم من الانس ولم يعرف الانس انسابهم من القردة فجعلت القردة تأتى نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكى فيقول ألم ننهكم عن ذلك فكانوا يشيرون برؤسهم اى نعم والدموع تفيض من اعينهم ودل ذلك على انهم لما مسخوا بقى فيهم الفهم والعقل ثم لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء بل كانت قبلهم قردة وهؤلاء حولوا الى صورتها لقبحها جزاء على قبح اعمالهم وافعالهم وماتوا بعد ثلاثة ايام ولم يتوالدوا والقردة التى فى الدنيا هى نسل قردة كانت قبلهم.
الطوسي
تفسير : المعنى: علمتم أي عرفتم ها هنا. فقوله: علمت اخاك ولم اكن اعلمه: أي عرفته ولم اكن اعرفه كقوله تعالى: {أية : وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} تفسير : يعني لا تعرفونهم الله يعرفهم. والذين نصب، لأنه مفعول به. اعتدوا: أي ظلموا وجاوزوا ما حد لهم، وكانوا امروا ألا يعدوا في السبت، وكانت الحيتان تجتمع، لامنها في السبت فحبسوها في السبت واخذوها في الاحد. واعتدوا في السبت، لأن صيدها هو حبسها. وقال قوم: بل اعتدوا فصادوا يوم السبت وسمي السبت سبتاً لان السبت هو القطعة من الدهر فسمي بذلك اليوم، هذا قول الزجاج وقال ابو عبيدة: سمي بذلك: لأنه سبت خلق فيه كل شيء: اي قطع وقوع. وقال قوم سمي بذلك لأن اليهود يسبتون فيه: اي يقطعون الاعمال. وقال آخرون: سميّ بذلك، لما لهم فيه من الراحة، لان اصل السبت هو السكون والراحة. ومن ذلك قوله: {أية : وجعلنا نومكم سباتاً}، تفسير : وقيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده فسمي به اليوم، لاستراحة اليهود فيه. وقوله: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين}. اخبار عن سرعة فعله ومسخه اياهم. لا أن هناك امراً كما قال للسموات والأرض {أية : ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}. تفسير : ولم يكن هناك قول، وانما اخبر عن تسهل الفعل عليه وتكوينه له بلا مشقة، بلفظ الامر. ومعنى الآية على ما قاله اكثر المفسرين: انه مسخهم قردة في صورة القردة سواء. وحكي عن ابن عباس: انه قال: لم يعش مسخ قط اكثر من ثلاثة ايام. ولم يأكل ولم يشرب. وقال مجاهد: إن ذلك مثل ضربه الله، كما قال: {أية : كمثل الحمار يحمل أسفاراً}. تفسير : ولم يمسخهم قردة. وحكي عنه ايضاً: انه قال مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظاً ولا تقي زجراً. وهذان القولان منافيان لظاهر التأويل: لما عليه اكثر المفسرين من غير ضرورة داعية اليه. وقوله: {خاسئين}: اي مبعدون، لأن الخاسىء هو المبعد المطرود كما يخسأ الكلب. تقول: منه خسأه اخسؤه خسء وخسياً هو يخسو خسواً. يقال: خسأته فخسأ وانخسأ. قال الراجز: شعر : كالكلب ان قلت له اخسا انخسا تفسير : اي إن طردته، انطرد. وقال مجاهد معناه، اذلاء صاغرين. والمعنى قريب. وفي هذه الآيات احتجاج من الله تعالى بنعمه المترادفة واخباراً للرسول عن عناد اسلافهم وكفرهم مرة بعد اخرى مع ظهور الأيات والعلامات، تعزية له "صلى الله عليه وسلم" وتسلية له عندما رأى من جحودهم، وكفرهم وليكون وقوفه على ما وقف عليه من اخبارهم حجة عليهم وتنبيهاً لهم وتحذيراً ان يحل بهم مما حل بمن تقدمهم من آبائهم واسلافهم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {ٱعْتَدَواْ} أي ظلَموا وجاوزوا ما حدَّ لهم. و {ٱلسَّبْتِ} من أيام الأسبوع. قال الزجّاج: السبْت قطعة من الدهر يسمّى به ذلك اليوم. وقال أبو عبيدة: سمّي بذلك لأنّه يوم سُبِت به خلْق كلّ شيء، أي قُطِع وقُرغ. وقال قوم: إنّما سمّي بذلك لأنّ اليهود يسبتون فيه، أي: يقطعون فيه الأعمال. وقال آخرون: سمّي بذلك لما لهم فيه من الراحة. لأنّ أصل السبْت هو السكون والراحة. ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} تفسير : [النبأ:9]. ويقال للنائم "مسبوت" لاستراحته وسكون جسده. والخاسئ: البعيد المطرود: يقال للكلب إذا دنا: "إخسَأ" أي: تباعَد، وانصرفْ صاغراً. والكلام فيه حذف مضاف، كأنّه قال: "ولقد علمتم اعتداء مَن اعتدوا في السَّبت" ليكون المذكور من العقوبة جزاء لاعتدائهم، لأنّ الجزاء يكون للفعل لا للذّات. وحقيقة الاعتداء غير مذكورة هاهنا. والذي يدلّ عليه اللفظ هاهنا أنّه كان أمراً محرّماً فعلُه في السبت. وتفصيله مذكور في قوله تعالى: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} تفسير : [الأعراف:163]. الآية. وعن ابن عبّاس: إنّ هؤلاء القوم كانوا في زمن داود (عليه السلام) بـ "إيلة" على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كلّ أرض في شهر من السَّنة، حتّى لا يرى الماء لكثرتها، وفي ذلك الشهر في كلّ سبْت خاصّة. فحفَروا حياضاً عند البحر، وشرعوا إليها الجدوال، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم في السبْت، ثمّ إنّهم أخذوا السمَك واستغنوا بذلك، وهم خائفون من العقوبة، فلمّا طال العهد عليهم ونشأت الأبناء فعلت بسُنَّة الآباء واتّخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت، ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا: "نحن في هذا العمل منذ زمان، فما زادنا إلاّ خيراً" فقيل لهم: "لا تغترّوا فربما نزَل بكم العذاب والهلاك" فأصبح القوم وهم قِردة خاسئون، فمكثوا كذلك ثلاثة أيّام ثمّ هلكوا. وعن ابن عبّاس أيضاً: وكانوا يتعاوون وبقَوا ثلاثة أيام لم يأكلوا، ولم يشربوا، ولم يتناسلوا، فأهلكَهم الله تعالى، وجاءت ريح فهبَّت بهم، وألقتهم في الماء، ولم يتناسلوا وما مسخ الله أُمّة إلاّ أهلكها. فهذه القِردة ليست من نسل أولئك الممسوخين. وإجماع المسلمين على أنّه ليس في القِردة والخنازير من هو من أولاد آدم، ولو كانت من أولاد الممسوخين لكانت من بني آدم. خلافاً لأهل التناسخ. فإنّهم زعَموا أنّ من الحيوانات كالكلب، والخنزير، والقِردة، ما هو من أولاد الناس الممسوخين. ومنهم من زعَم أنّ جميع الحيوانات نشأت من الإنسان. قالوا: إنّه باب الأبواب. كل نفس تعلَّقت أوّلاً ببدن إنسان، فإن استكملت بالعلم والعمل تجرّدت إلى عالَم الملكوت. وإلاّ انتقلَت إلى بدن حيوان تُناسبه في الخَلق، وتردّدت في الأبدان إلى أن تزول عنها الهيآت، فتنجوا إلى ذلك العالم. والغرض من ذكر هذه القصّة - والله أعلم - أمران: أحدهما: معجزة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لأنّه لم يخالط القوم ولم يقرأ الكتب. فدلّ ذلك على أنّه عرف من الوحي. والثاني: الإنذار والتخويف، لئلا يغترّ أحد بالإمهال والتأخير في إنزال العقوبة. وقوله: {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال صاحب الكشاف: "هما خبران أي: كونوا جامعين بين القردية والخُسؤ. وهو الصَّغار والطَّرد". فصل واعلم أنّ الأمر من الله على ضربين: تشريعيٌّ وهو المعروف، كقوله تعالى: {أية : وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [التوبة:119]. وتكوينيٌّ، كقوله: {كُنْ فَيَكُون}. والمراد هاهنا المعنى الثاني. لأنّهم ما كانوا قادرين على أن يُقلِّبوا أنفسهم على صورة القِردة، فيكون أمراً تكوينيّاً. ومن هذا القبيل كلمة الله قد يكون ألفاظاً، وقد يكون ذواتاً جوهريّة. كقوله: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء:171]. وقد مرّ في المفاتيح تحقيق الكلمة والكلام ممّا لا مزيد عليه. فصل هل الآية تنفي القول ببطلان التناسخ؟ وهاهنا بحث عقلي وهو أنّ التناسخ ممتنع بالبراهين القويّة، كما أوردنا في الكتب الحِكمية. فهاهنا إن كانت النفس باقية والصورة متبدّلة، فهو بعينه التناسخ - وهو محال كما عرفت - وإن كان الشخص الذي كان إنساناً قد عُدم ووُجد شخص من القِردة، فكان إهلاكاً للبعض من الناس وإحداثاً للبعض من القِردة. وقد يدفع الإشكال بما روي عن مجاهد أنّه سبحانه مسَخَ قلوبهم - بمعنى الطبْع والختْم - لا أنّه مسخ صوَرهم، وهو مثل قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة:5]. ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلّم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: "كُنْ حماراً". واحتجّ على امتناعه بأمرين: الأول: إنّ الإنسان هو هذا الهيكل المشاهَد والبُنية المخصوصة المحسوسة: فإذا أبطلَها الله وخلَق في تلك الأجسام تركيب القِرد وشَكله، كان ذلك إعداماً للإنسان وإيجاداً للقِرْد. وكان حاصل المسخ على أنّه تعالى أعدَم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً، وخلَق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام قِرداً. وبالجملة يكون إعداماً وإيجاداً ولا يكون مسخاً. والثاني: لو جاز ذلك لما آمنّا في كلّ ما نراه قِرداً، أو كلْباً، أو خنزيراً، أنّه كان إنساناً عاقلاً. وذلك يُفضي إلى الشكّ في المشاهدات. وكلا الوجهين في غاية السخافة، ولا يُدفع بهما إمكان التناسخ. أمّا الأوّل: فلأنّ الإنسان ليس عبارة عن الهيكل والشكل المحسوس، إذ كثيراً ما يتبدّل الهيكل بالنموّ والذبول، والسمْن والهزال. والشخص بعينه باقٍ لا يتبدّل، والباقي غير الزائل. فالإنسان وراء هذا الهيكل، سواء كان أمراً جسمانياً سارياً في البدن، أو مختصاً بعضو كقلْب، أو دماغ. أو أمراً غير جسماني كما يقوله الفلاسفة. وعلى التقادير فلا امتناع في بقائه مع تبدّل شكله إلى شكل آخر. وأمّا الثاني: فلأنّ القدح في اليقينيّات، والشكّ في المشاهدات، إنّما يلزم لو جُوِّز أن هذا الكلب، أو القِرد بالفعل إنسان عاقلٌ. وأمّا كونه إنساناً في وقت، وقد انسلخ عن الإنسانيّة وصار كلباً أو حيواناً آخر. فهذا لا يوجب الشكَّ في المشاهدات كيف وهذا - أي القول بالنسخ - مذهب جمع كثير من الفضلاء، وينسب إلى أفلاطن وسقراط، والأقدمين. وإن وجّهنا نحن كلامَهم إلى غير ما فهِمه الجمهور منه، من أنّ ذلك بحسب النشأة الآخرة، ودار القيامة والبعث، لا في الدنيا، فإنّ انسلاخ النفس عن بدن طبيعي إلى بدن طبيعيّ آخر منفصل عن الأوّل ممتنع. وأمّا تقلّب القلوب، وتحوّل الباطن بحسب رسوخ الأخلاق، والملكات، من نشأة بشريّة إلى نشأة ملكيّة، أو شيطانيّة، أو سبُعيّة، أو بهيميّة، جائزة عند العرفاء المحقّقين، والحكماء الكاملين. وعليه براهين كثيرة ليس هاهنا موضع بيانها. ومَن لم يعرف حكمة الأقدمين من الحكماء، الذين أنوار حكمتهم مقتبسةٌ من مشكاة النبوّة، حمَل كلامهم في تناسخ الأرواح، وتصوّرها في الآخرة بصور الأبدان، المناسبة لأخلاقها، المكتسبة في هذا العالَم على مذهب التناسخيّة المعروف. وشأنهم أرفع من هذا، بل مذهبهم يوافق مذهب الأنبياء (عليهم السلام) في أنّ النفوس الإنسانية تحشر في الآخرة على صوَر أعمالهم ونيّاتهم، ويحشر الناس على صور مختلفة، وعلى هذا يحمل آيات المسخ والأحاديث الدالّة على ثبوته. ولهذا قيل: "ما من مذهب إلاّ وللتناسخ فيه قدمٌ راسخ". فإذا تقرر ما ذكرناه فنقول: إنّ ما ذكره مجاهد - وإن كان غير مستبعد جدّاً وله وجهٌ حسن - لا ذكَره بعض المفسرين كالإمام الرازي وغيره: "بأنّه مجاز شائع، فإنّ الإنسان إذا أصرّ على جهالة بعد ظهور الآيات، ووضوح البيّنة، فقد يقال في العُرف إنّه حمار وقِرد. وإذا كان هذا المجاز من المَجازات المشهورة لم يكن في المصير إليه محذورٌ البتّة" - بل لما أشرنا إليه من حقيقة المسخ بحسب الباطن والقلب، كما وجَّهنا إليه كلام الأقدمين من الحُكماء. ولكن مع ذلك لا حاجة بنا إلى العُدول إلى ما ذكَره عن الظاهر المتعارَف. وذلك لمعنى لطيف نذكره، وهو أنّ مسخ الصورة وتبدّلها على وجهين: أحدهما: تنتقل النفس من بدن إنسان مثلاً عند موته إلى بدن حيوان آخر حين ولادته، وهو المسخ المعروف عند التناسخيّة وهذا باطل عند المحقّقين. والثاني: أن يتحوّل شخص واحد من صورته إلى صورة حيوان آخر، كما وقع في بني إسرائيل وهذا جائزٌ لا دليل على استحالته. والسبب فيه أنّ الأبدان تابعة للنفوس، والأشكال فائضة عليها من المبدإ بوساطة النفوس. ولهذا ما ترى تغيُّرات البدن عند تغيُّرات النفس، من الشهوة والغضب والخوف والفرح وغيرها، فإذن لا إستبعاد من كون بعض النفوس في شدّة خلْقها الرديّ وتأكّدها بحيث تؤثّر في البدن تأثيراً شديداً يشكّل البدن بشكل يناسب ذلك الخلْق، فيكون مسخ الظاهر تبعاً لمسخ الباطن على وجه الاتّصال. وهذا ممّا كان في أُمّة موسى (عليه السلام)، وسبب هلاك ذلك الممسوخ زوال عقْله، فلا يمكن تدبير بدنه بغذاء يناسبه، فيموت بعد ثلاثة أيّام ونحوها. ودليل استحالة التناسخ لا يجري في هذا النحو من المسْخ المتّصل، بل يجري في المسْخ المنفصل. وإنّما لم يكن هذا المسخ في أُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) لعدم رسوخ صفاتهم الرديّة النفسانيّة على ذلك الحدّ، أو لعدم قبول أبدانهم وأمزجتهم ذلك التحوّل في الشكل لاعتدال مزاجهم. واعلم أنّ مسخ الباطن كثير في هذه الأُمّة، فترى الصوَر صوَر الأناسيّ، والباطن انقلب إلى غير تلك الصوَر من ملك، أو شيطان، أو صورة بهيمة، أو سبُع، وبالجملة صورة حيوان مناسب لما هو باطنه عليه من كلْب، أو خنزير، أو قِرد، أو أسد. وكلّ ذلك يخالف ما فُطر عليه الإنسان في مقام بشريّته الطبيعيّة إما عالٍ أو سافلٍ. ومسخ البواطن قد كثُر في هذا الزمان، كما ظهَر المسخ في الصورة الظاهرة في بني إسرائيل، حين جعلهم الله قِردة وخنازير. كما دلّت عليه هذه الآية وغيرها، ولا يجوز حملها على المجاز. وما ذكرنا من مسخ الباطن في هذه الأُمّة ممّا يشاهده العارف البصير فيرى الصورة الأخرويّة بعين قلبه لذلك الممسوخ في الباطن. ولله في العالَم أعين شاهِدة لمثْل هذه الصور المحجوبة عن أعين الناس، كما نقلَه بعض الفضلاء، عن أستاذه أنّه كان في غلَبة الحال، إذ دخل عليه شخصٌ من عُظماء البلد، فقال لخادمه: "أخرِج هذا الحِمارَ من البيت" فتعجَّب التلميذ، وانفعل منه ذلك الرجل. ثمّ سُئل الأستاذ: "لِمَ قلتَ كذا وهو فلانٌ؟" فقال: "إنّي ما قلتُ إلاّ كما رأيت". ويدلّ على هذا المسخ أيضاً ما ورد في الحديث من قول النبي (صلّى الله عليه وآله) يُخبر عن ربّه في صفة قوم من أمته إنّهم: "إخوان العلانية أعداء السريرة، ألسِنتُهم أحلى من العسَل، وقلوبُهم أمرّ من الصبْر".
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} فلا تعتدوا ايّها اليهود ولا تعتدوا يا امّة محمّد (ص) فتعاقبوا بمثل عقوبتهم {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ} بالامر التّكوينىّ {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} بعيدين من كلّ خير او صاغرين او بمعنىً أعمّ منهما.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ}: والله لقد علمتم يا معشر اليهود. {الَّذِينَ اعْتَدَوْا}: جاوزوا الحد الذى قد حدّه الله ـ عز وجل ـ لهم. {مِنْكُمْ فى السَّبْتِ}: أى فى أمر تعظيم اليوم الذى بعد الجمعة، والسبت التعظيم، يقال: سبتت اليهود إذا عظمت اليوم الذى بعد الجمعة، ومعنى اعتدائهم فى تعظيمه تركهم تعظيمه إذا اصطادوا فيه، وسمى اليوم الذى بعد الجمعة باسم تعظيمه، وأصل السبت القطع، يقال سبت رأسه أى حلقه، والنعال السبتية هى المزالة الشعر، وجعل النوم سباتاً أى قطعاً للاشتغال، فيستريح النائم. فالراحة من لوازم السبوت لا معنى للسبوت خلافاً لبعض، وسمى ذلك اليوم باسم القطع وهو السبت، لأنهم أمروا فيه بقطع أشغال الدنيا، أو لأنه لم يقع الخلق فيه، بل انقطع عنه بتمامه يوم الجمعة، ولا مانع من أن يراد بالسبت نفس اليوم. واعتداؤهم فيه هو اصطيادهم فيه. روى أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة وعرفه فضله، كما أمر به سائر الأنبياء عليهم السلام، فذكر موسى ذلك لبنى إسرائيل عن الله سبحانهُ وأمرهم بالتشرع فيه فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت، فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتى يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبى الحسن، ولا بعد فيه لأن من الحوت ما يحيا فى البر أو أراد أنها تذهب وتنتشر حيث انتشر الماء، ولو انتشر إلى أفنيتهم أو أقدرها الله على ذلك امتحاناً لهم، وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء لأن ألهمها الله تبارك وتعالى أنهم امتحنهم بها، أو ألهمها الله أنها مأمونة لا تصاد يوم السبت، كما ألهم الله سبحانه وتعالى الأمن حمام مكة، وكما ألهم الأمن هذه الطيور الذاهبة إلى الحمرة التى ألفتنا فى بيوتنا المسماة بلغتنا: بُعد بضم الموحدة والعين المهمة، وإسكان الدال المهملة، أو تخرج كذلك لأمر يعلمه الله، وإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان، ولزمن قعر البحر ولا يرى إلا القليل، حتى يكون يوم السبت: قال الكبى: كانوا فى زمان داود بأرض يقال لها أيلة، بمكان من البحر تجتمع فيه الحيتان فى شهر من السنة كهيئة العيد، تأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم فى غير ذلك الشهر كل يوم سبت، كما تاتيهم فى ذلك الشهر، فبقوا على ذلك زماناً، وأنا أظن أن الحوت يقل فيما يليهم من البحر ولو فى قعره فى غير السبت، أو تتصعب عن الاصطياد من قعر البحر ولو كثرت امتحاناً، واشتهوا الحوت فعمل رجل يوم السبت فربط حوتاً وضرب له وتداً بالساحل، ولما ذهب السبت جاء فأخذه، فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع، وقيل بل حفر رجل فى غير السبت حفيراً يخرج إليه البحر، فإذا كان يوم السبت ظهر الحوت ودخلهُ، فإذا جزر البحر وبقى الحوت أو يبقى الماء فيه مع الحوت، فإذا ذهب السبت أخذه، ففعل قوم مثل ما فعل وكثر ذلك، ثم صادف ليلة السبت ويوم السبت علانية، وباعوه فى الأسواق فكان هذا من أعظم الاعتداء وكانت فرقة من بنى إسرائيل نهت عن ذلك فنجت من العقوبة، وفرقة لم تنه وقيل نجت وقيل هلكت وذلك فى قرية بالشام وتسمى أيلة، وذلك فى زمان داود عليه السلام. روى أنه إذا جاءت ليلة السبت اجتمع من الحوت فوق الماء ما يغطى الماء ويبقى كذلك إلى غروب يوم السبت، فوسوس لهم الشيطان فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت ولم تنهوا عن أخذها فى غيره، فعمد رجال منهم فحفروا حياضاً كبارا حول البحر وشرعوا إليها الأنهار، فإذا كان عشية يوم الجمعة فتحوا تلك الحياض فيلقى الموج فيها الحوت من البحر، ولا تجد الخروج إذ لا يساوى ماؤها ماء البحر فيأخذوها يوم الأحد، وقيل يلقون حبائلهم يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زماناً ولم تنزل بهم عقوبة، فتجرءوا على السبت، وقالوا ما نرى السبت إلا قد حل لنا، فأخذوا وملحوا وأكلوا وباعوا واستفادوا من ذلك أموالا، وذلك منهم شرك، لأنهم عدّوا ذلك حلالا، وقد حرمه الله، وكان أهل القرية ثلاثة أصناف صنف نهوا، وصنف اعتدوا، وصنف أمسكوا عن الاعتداء والنهى، وعدد جميعهم نحو سبعين ألفاً، والصنف الناهون اثنا عشر ألفاً. وروى أنهم قالوا إن حرمة السبت ذهبت، وإنما عوقب بها آباؤنا فى زمان موسى، ثم استن الأبناء سنة الآباء، وكانوا يخافون العقوبة، ولو أنهم فعلوا لم يضرهم شئ، فأصروا على الاصطياد وداموا واستبشروا، إذ لم تنزل عقوبة فمشى إليهم الصالحون، وقد نهوهم أول ما علموا فقالوا: يا قوم إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم وعصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذا العمل الردئ من قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلا ونقمته، فلم يقبلوا نصحهم كما ذكر الله فى الأعراف، فقال الناهون: والله لا نساكنكم فى قرية، فجعلوا بينهم جداراً وبقوا كذلك سنين، ثم لعنهم داود ـ عليه السلام ـ وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية، فخرج الناهون يوماً من بابهم ولم يخرج أحد من المعتدين ولم يفتحوا الباب، فلما أبطئوا تسوروا عليهم الجدار، فإذا هم قردة لهم أذناب يتعاوون، وقال قتادة: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير، والخنازير مذكورة فى غير هذه الآية والقردة فى هذه الآية كما قال الله عز وجل: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً}: جمع قرد بكسر، فإسكان، وقرئ كونوا قردة بفتح فكسر، ولفظ كونوا ليس أمراً حقيقاً لهم، لأنهم لا يقدرون أن يصيروا قردة ولا غيرها، وإنما هو أمر تحويل وتكوين، والمراد أنهم كانوا قردة بسرعة، وأنهم صاروا كذلك كما أرادهم، كقوله تعالى لشئ كن فيكون. قال أبو زكريا رحمه الله فى كتاب النكاح: وأما قوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} فهو أمر يدل على إهانة المآمور وعجزه، وهو مخاطبة الفعال انتهى. وسمى ابن الحاجب هذا أمر تسخير قال: الأمر للوجوب: {أقم الصلاة} والندب: {فكاتبوهم} والإرشاد: {أية : وأشهدوا إذا تبايعتم}تفسير : والإباحة: {فاصطادوا} والتأديب: (كل مما يليك) والامتنان: {أية : كلوا مما رزقكم الله}تفسير : والإكرام نحو: {ادخلوها بسلام} والتهديد: {اعملوا ما شئتم} والتسخير: {كونوا قردة} والإهانة: {كونوا حجارة} والتسوية {أية : فاصبروا أو لا تصبروا}تفسير : والدعاء: {اغفر لنا} والتمنى: "ألا انجلى" وكمال القدرة: {كن فيكون} انتهى. وزاد بعضهم التعجيز. قال ابن الحاجب: إنهُ صيغة مجاز فيما عدا الوجوب والندب والإباحة والتهديد، ثم الجمهور على أنها حقيقة فى الوجوب انتهى. وذكر أبو زكريا: أن صيغة الأمر فى كتاب الله سبحانهُ وتعالى على وجوه منها إيجاب مثل: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وآمنوا بالله، واعبدوا لله، واتقوا الله. ومنها إباحة نحو: {أية : كلوا مما فى الأرض حلالا}، {أية : وانكحوا ما طاب لكم من النساء} تفسير : ومنها الإطلاق بعد حصر مثل: {أية : فانتشروا فى الأرض} تفسير : ومنها الندب مثل: {أية : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} {أية : وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفاً}تفسير : ، ومنها تهديد مثل:{اعملوا ما شئتم}، {أية : اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} تفسير : ومنها إهانة المأمور وعجزه، وهو مخاطبة الفعال نحو: {كونوا قردة خاسئين}. وروي أن الله عز وجل مسخ المعتدين قردة فى الليل فأصبح الناجون إلى مساجدهم ومجتمعاتهم، فلم يروا منهم أحداً فقالوا إن لهم لشأنا، ففتحوا عليهم الأبواب لما كانت مغلقة بالليل، فوجدوهم قردة يعرفون الرجل والمرأة، ويروى أنهم قردة يتواثب بعضهم على بعض، ولم ينج منهم أحد حتى صغارهم ومجانينهم، وذلك عقوبة عمتهم فى الدنيا، وتبعث الصبيان والمجانين على غير سوء من ذلك، ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. قال القرطبى: اختلف العلماء فى الممسوخ على قولين: أحدهما أنه ينسل وبه قال الزجاج وجماعة. واختاره القاضى أبو بكر بن العربى لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فقدت أمة من بنى إسرائيل لا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفار ولا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاة شربت" تفسير : أخرجه مسلم فى صحيحه، والقول الثانى: أن الممسوخ لا يأكل ولا يشرب ولا ينسل ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، وفيه حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم، واختاره ابن عباس وابن عطية، ويمكن الجمع بأن ذلك ظن لا مدخل له فى التبليغ، وأوحى إليه بعد ذلك أن الممسوخ لا ينسل، كما روى أنه لما نزل على مياه بدر أمرهم بإطراح تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أخبرتكم عن الله فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأى فى أمور الدنيا فإنما أنا بشر مثلكم" تفسير : وقال مجاهد: ما مسخت صورهم لكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقرد كما مثلوا بالحمار فى قوله تعالى: {أية : كمثل الحمار يحمل أسفاراً} تفسير : أى كونوا قردة، رواه الطبرى وقال: إنه مخالف لظاهر القرآن والأحاديث والآثار وإجماع المفسرين. {خَآسِئِينَ}: وقرئ خاسين بإبدال الهمزة ياء، وحذف الياء المبدلة عنها، والمعنى رد بين بعيدين عن الخير إذ طردوا عنه أو ذليلين، وقيل: الخاسئ الذى لا يتكلم، وعن الحسن: صاغرين وهو خبر ثان للكون، لأن الصحيح جواز تعدد الخبر بلا تبعية، وبه قال ابن مالك، ومن منع قدر كونا آخر أى كونوا خاسئين كما يقدر المبتدأ حيث كان الظاهر تعدد الخبر، أو أول الاسمين بواحد كما يؤول حلو حامض بمر، والتقدير كونوا جامعين بين صورة القرد والخسى.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} عرفتم، والمعرفة إدراك نفس الشىء، جسما كان أو عرضا، والعلم إدراكه على صفة كذا، ولا يقل الله عارف أو عرف، أو يعرف بالبناء للفاعل، فقيل، لأن المعرفة تقتضى تقدم الجهل، وقيل لعدم التوفيق، وقد يستعمل، قيل بالجواز، ولم يتقدم جهل تعالى الله {الَّذِينَ اعْتَدَوْا} جاوزوا الحد، وقدر بعضهم مضافا، أى: ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا {مِنْكُمْ} بصيد السمك {فِي السَّبْتِ} وقد بعضهم مضافا، أى فى حكم السبت وهو يوم، أو مصدر أو الخطاب فى منكم وعلمتم لمن فى زمانه صلى الله عليه وسلم من بنى إسرائيل، وهم عارفون بقوم مسخوا فى زمان داود، ولا يشترط العلم بالكنه فى لفظ المعرفة، وقوم داود هم سبعون ألفا، فى أرض أيلة، بفتح الهمزة وإسكان الياء، قرية على الساحل بين المدينة والطور، صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف اصطاد، وهم اثنا عشر ألفا، شرعوا حياضاً ينزل الحوت فيها، ولا يقدر، على الخروج. ويصطادون ما فيها يوم الأحد، فعلوا ذلك زماناً، فقالوا، قد أحل السبت، فكانوا يصطادون فيه جهراً، ويبيعون فى الأسواق، وقد نهى الله عن الاصطياد فى اليوم الذى بعد يوم الجمعة، أمروا بالتجرد للعبادة فى يوم، فاختار موسى الجمعة، وقيل، أمروا بذلك، وخالفوه للسبت، لأنه يوم تم فيه الخلق، فألزمهم الله إياه، والسبت فى الأصل السبوت، وهو الراحة، أو من السبت وهو القطع، قطع الله فيه الخلق وتم، وأيضاً أمر الله اليهود بقطع الأشغال فيه، والتفرغ للعبادة، ولا يبعد تسميته بالسبت فى زمان موسى عليه السلام لذلك، ولو كان تبديل أسماء الأسبوع بما هى عليه الآن واقعاً من العرب بعد عيسى عليه السلام {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةٍ خَٰسِئِينَ} أذلاء خاضعين، ونجا الناهون، والساكتون على الأصح، لأن الساكتين أنكروا بقلوبهم فقط، لوجود من أدى فرض النهى، وأما الممسوخون خنازير فأصحاب المائدة، وقيل، مسخت شبانهم قردة، وشيوخهم خنازير، إلا أنه لم يذكر هنا الخنازير، فهو يتعاوون كالقردة بأذناب كأذنابها، ويعرفون قرابتهم، ويحتكون إليهم، عاشوا ثلاثة أيام، وقيل سبعة، وقيل ثمانية وماتوا ولم يأكلوا ولم يشربوا فى الأيام الثلاثة، وقد كان قبلهم القردة والخنازير، والممسوخ لانسل له، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم، ولأمر للتسخير، إذ لا طاقة لهم أن يتحولوا قردة، ولا يؤمر بما لا يطاق، ولكنه مجاز عن تكوينهم قردة أو تمثيل بأمر من يطاع فوراً، فهو أمر إيجاد لا أمر إيجاب، كقوله تعالى "أية : كن فيكون" تفسير : [يس: 82] وجمع السلامة لكونهم عقلاء قبل المسخ، بل وبعده، فإنهم يعرفون قرابتهم، ويحتكون إليهم، فيقولون لهم: ألم ننهكم فيجيبون برءوسهم، بلى، وتدمع عيونهم بكاء، وإنما بدلت الصورة لا العقل إلى ما قيل، الجمع بذلك تشبيه بالعقلاء، وهم بعد المسخ مكلفون عند مجاهد، وقيل لا. {فَجَعَلْنَٰهَا} أى المسخة المعلومة، أو للعقوبة أو اللقربة، أو كينونتهم قردة {نَكَـٰلاً} ردعا ومنعاً عن أن يصطاد مثلهم يوم السبت الحوت، وعن أن يخالف أمر الله مطلقاً ولو بغير الصيد، أو نكالاً اسم للجام الحديد أو للقيد شبه العقوبة به فى المنع {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} فى زمانها من الناس، وذكرهم بما إشارة للأنواع من الناس، أو ما عبارة عن القرى الحاضرة لها، والمراد أهلها، وكذا فى قوله {وَمَا خَلْفَهَا} من الناس إلى يوم القيامة، والآية مقوية لتفسير خلفهم فى الآيات غير هذه بما بعد، لأن هذه لا يصلح فيها من مضى، إذ لا تكون المسخة نكالا لمن مات قبلها {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} منهم أو من غيرهم، وقيل: من هذه الأمة عن أن يقصروا ولغيرهم، وخصهم لأنهم المنتفعون، أو لأن المراد بالموعظة حصول أثرها، كقوله تعالى" أية : إنما تنذر من اتبع الذكر" تفسير : [يس: 11] أى يحصل أثر إنذارك، قلت، قوله: فجعلناها نكالا... إلخ رد لقول مجاهد، أنهم لم يمسخوا صورة ولكن قلوباً، ومثلوا بقردة إذ تحويل قلوبهم لا يظهر لكل أحد حتى يكون رادعاً وموعظة، ولو ظهر لم يتبين فبحه لجمهور الناس، بخلاف مسخ صورهم فإنه يظهر قبحها للموحد والمشرك والمطيع والعاصى.
الخليلي
تفسير : هذه من القصص التي تصور لنا التعنت الإِسرائيلي البغيض وما وصلوا إليه من الاستخفاف بأحكام الله، ذكرت هنا وفي سورة الأعراف، وهي هناك أبين عبارة وأوضح دلالة، وذلك قوله تعالى: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 163]، وقد خرجت عن اسلوب التذكير بالقصص السابقة التي قرنت بإذ المشيرة إلى زمن القصة مع اشعارهم بتحقق وقوعها ولم أجد من المفسرين من أشار إلى سبب هذه المخالفة في الأسلوب ما عدا الإِمام ابن عاشور الذي عد ذلك من وجوه إعجاز القرآن، وخلاصة ما قاله: أن هذه القصة تختلف عن سابقاتها لأن تلك ضمنتها كتب التوراة كسائر القصص المحكية بإذ، أما هذه فهي غير مسطورة في الأسفار القديمة، وإنما كانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم، ذلك لأنها وقعت في زمن داود عليه السلام فأطلع الله تعالى عليها نبيه صلى الله عليه وسلم بعبارة تؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى، إذ قال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} فاسند الأمر فيها لعلمهم. وخلاصتها أن اليهود امروا بتعظيم يوم السبت والتفرغ فيه للعبادة بترك الأعمال الدنيوية كلها، وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أمروا بتعظيم الجمعة فعدلوا عنها إلى السبت، وعليه فإن الله تركهم وما اختاروه فكان ترك العمل في السبت مشروعا لهم، ومن بيت الأعمال التي فرض عليهم ترك صيد الحيتان، وكانوا في قرية على ضفَّة البحر وذكر ابن عاشور أنها أيلة بفتح الهمزة وبتاء التأنيث في آخره - وهي بلدة على خليج صغير من البحر الأحمر في أطراف مشارف الشام، وتعرف اليوم بالعقبة، وهي غير إيلياء التي هي بيت المقدس - فابتلاهم الله لسابق فسوقهم بأن كانت الحيتان تدنو من الساحل في السبت حتى تشرع خراطيمها إليه وتخفى في سائر الأيام لغوصها في عمق البحار، فصبروا على ذلك برهة، ثم أخذت طائفة منهم تتحايل على اصطيادها، فحفرت حفرا بالساحل وشقت إليها جداول من البحر فإذا مد البحر رمى بمائة وحيتانه في تلك الحفر فتبقى لها الحيتان مع الجزر غير قادرة على العود إلى البحر فإذا كان يوم الأحد أخذوها من تلك الحفر فأكلوها وباعوها في الأسواق. ومنهم من كان يغرز خشبة بالساحل يشد إليها حيتانا يربطها بخيوط يوم السبت ثم يرسلها في البحر ويعود إليها يوم الأحد فيأخذها، وعندما رأوا إمهال الله إياهم اجترأوا فأخذوا يصيدون يوم السبت جهرة ويبيعون في الأسواق، فانقسم غير هذه الطائفة من بني إسرائيل إلى طائفتين، طائفة جاهرت بالإِنكار، وأخرى ساكتة عاذلة للمنكرين بدعوى أن الطائفة المنتهكة حقت عليها كلمة العذاب، فلا تجدي فيها الموعظة، وذلك ما حكاه الله في قوله: {أية : وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 164]. وهذا التحايل نظير تحايلهم على شحوم الإِبل والبقر التي حرمها الله عليهم فأخذوها وجمدوها وباعوها وأكلو أثمانها، وقد لعنهم الله على ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا شاهدا على عظم جرم المتحايلين على الله باستحلال ما حرّم أو إسقاط ما أوجب كالذين يتحايلون على الربا بمختلف الذرائع، أو يتحايلون على إسقاط الزكاة بتمليك الغير ونحوه، أولا يدري أولئك أنهم يخادعون الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء: {أية : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} تفسير : [البقرة: 9]، وما أحمق وأضل من سولت له نفسه مثل هذا الخداع غير مكترث بما يترتب عليه من شر المآل في الدنيا والآخرة، ولعمري إن من يجترئ على حرمات الله باتباع هذه المسالك الملتوية لا تقف به قدمه حتى يأتي الحرام الصريح جهرا، كما انتهى الأمر ببني إسرائيل الذي تحايلوا على الصيد في السبت ثم لم يلبثوا حتى صادوا علنا وباعوا في الأسواق. والأصل في الاعتداء تجاوز حد السير مأخوذ من العدو وتعورف على إطلاقه في مجازه الحدود التي سنها الشرع أو العرف، ولذا أطلق على العسف والظلم وعدم المبالاة بحقوق الغير لما في ذلك من الانطلاق من القيود الدينية والاجتماعية، وهو شرعا مخالفة أوامر الله ونواهيه بترك ما أوجب أو ارتكاب ما حرم لأنها بمثابة الحدود لما يؤتى وما يترك. والسبت هو اليوم المعروف، وأصله القطع، سُمي بذلك لأن الله سبت فيه خلق كل شيء إذ فرغ من خلق السماوات والأرض يوم الجمعة - على ما قيل - واشتق مه سبت اليهودي إذا عظم يوم السبت، وقيل تسمية اليوم به مأخوذة من سبت بمعنى عظم، وعُضد هذا القول بأن العرب كانت تسمى أيام الأسبوع بغير هذه الأسماء المعهودة وإنما نشأت هذه الأسماء بعدما شاعت المصطلحات الدينية عندهم، ويحتمل أن يكون في الآية اسما لليوم أو مصدرا، وعلى الأول فاعتداؤهم في حكم السبت، وعلى الثاني في نفس السبت - وهو التعظيم - لعدم وفائهم به. وأُجمل الاعتداء هنا، وفُصِّل في الأعراف كما سبق، وأجملت عقوبته هناك بقوله: {أية : وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} تفسير : [الأعراف: 165]، وفصلت هنا بقوله: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. وليس أمره بأن يكونوا قردة أمر تشريع بل أمر تكوين لعدم قدرتهم عليه وإنما هو على حد قوله: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. واختُلف في تحولهم إلى قردة، هل كان صوريا بأن تحولت أجسادهم إلى أجساد القردة، أو كان معنويا بأن اتصفوا بصفاتها، والأول هو قول الجمهور، والثاني قول مجاهد، فقد أخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر انه قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة، كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة: 5]، واعتمد على هذا القول الإِمام محمد عبده والسيد رشيد رضا، وذهب ابن عاشور إلى احتمال الأمرين قائلا: "والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين، والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني، والثاني أقرب للتأريخ إذ لم ينقل مسخ في كتب تأريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين". ولم يستبعد الفخر قول مجاهد ولكنه مال إلى قول الجمهور. ويقوي مذهب الجمهور قوله سبحانه: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66]، فإن ذلك أنسب بالمسخ الصوري، فهو أردع عن المعصية لما فيه من وضوح سوء العاقبة وأوعظ للنفوس. أما ما قاله الإِمام محمد عبده، من أنه لا يتم كون تلك العقوبة نكالا للمتقدمين والمتأخرين، وموعظة للمتقين إلا إذا كانت جارية على السنة المطردة في تربية الأمم وتهذيب الطباع وذلك ما هو معروف لأهل البصائر، ومشهور عند عرفاء الأوائل والأواخر، فيتعقب بأن العقوبة كلما كانت أغرب وأبعد عن المألوف كانت ألبغ أثرا في النفوس وأزجر للناس عن الاسترسال في العصيان. وعدم ذكر القصة في كتب تاريخ العبرانيين لا يوحي بعدم وقوعها، فإن السكوت عن الشيء لا يدل على عدمه. ومسخ الأجساد لا ينافي مسخ القلوب، فالظاهر أن الله جمع لهم بين العقوبتين، تحول أجسامهم إلى ما يشبه أجسام القردة وتحجر قلوبهم بخروجها عما فُطرت عليه قلوب الناس، وهو معنى قول ابن كثير، "بل الصحيح أنه معنوي صوري". ومما تجدر الإِشارة إليه أن هؤلاء الممسوخين هلكوا من غير عقب لئلا يظن ظان أن ما يوجد من القردة من أعقابهم، فإن القائلين بمسخ الأجساد اتفقوا - إلا من شذ - أنه لا يكون نسل للممسوخ، ولا تمتد به حياة أكثر من ثلاثة أيام، وهو مقتضى ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن القردة والخنازير أهي مما مسخ فقال: "حديث : إن الله تعالى لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ". تفسير : ولا عبرة بقول من قال بجواز أن تكون هذه القردة منهم وإن انتصر له ابن العربي بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإِبل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت"تفسير : وبما رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بضَبّّ فأبى أن يأكل منه وقال: "لا أدري لعله من القرون التي مُسخت"تفسير : فإن غاية ما في الحديثين أن ذلك مجرد ظن كان منه صلى الله عليه وسلم بدليل قوله في الحديث الأول "حديث : ولا أُراها" تفسير : وقوله: في الحديث الثاني: "حديث : لا أدري"تفسير : ثم تبين له صلى الله عليه وسلم بالوحي الذي أوحاه الله إليه أن المسيخ لا يكون له نسل فجزم به في حديث ابن مسعود وظنه صلى الله عليه وسلم لا يعارض قطعهُ. والخاسئ الذليل المبعد، وفائدة وصفهم بالخسوء دفع توهم أن مسخهم كان لدرء عقوبة الآخرة عنهم. و"ها" من قوله: {فَجَعَلْنَاهَا} ضمير عائد إلى القردة، وقيل: إلى المسخة أو العقوبة المفهومة من المقام، وقيل: إلى القرية وقيل: إلى الحيتان. وما عدا القول الأول ضعيف لعدم سبق ذكر لشيء من ذلك. وأصل النكال المنع - ومنه النِّكل للقيد لمنعه المقيد من الانطلاق - سمي به العقاب لمنعه العاصي من العودة إلى المعصية وغير العاصي من الوقوع فيها. واختلف كذلك في ضمير يديها وخلفها، وفي المعنى المراد بهما، قيل هو عائد إلى القردة، والمراد (بما بين يديها) من حضرهم و(بما خلفها) من يأتي بعدهم، ولا إشكال في استعمال ما للعاقل، وهو أصح ما قيل، وقيل: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} من سبقهم من الأمم و {وَمَا خَلْفَهَا} من يأتي بعدهم، واستشكله أبن كثير لتعذر أن تكون هذه الحادثة التي حلت بهم عبرة لمن سبقهم، إذ كيف يعلمونها؟ ولا إشكال في ذلك من هذه الناحية لاحتمال أن تكون مذكورة في زبر الأولين، وقد أورد ذلك ابن كثير نفسه وإنما يستبعد هذا التأويل لمعارضته ما تدل عليه الفاء من قوله: {فَجَعَلْنَاهَا} من الترتيب، فلا يكون الجعل سابقا على الحادثة، وقيل: الضمير فيهما عائد إلى القرية، والمراد ببين يديها ما قرب منها من القرى، وبما خلفها ما بعد وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورجحه ابن كثير، وضعفه واضح إذ لم يسبق للقرية ذكر، ولم تدل عليها قرينة، وقيل: هو للعقوبة أو المسخة، والمراد ببين يديها تلك الذنوب التي قارفوها، وبما خلفها ما أشبهها من الذنوب بعدها، وضعف هذا من وجهين: أولهما: عدم تقدم ذكر العقوبة أو المسخة باسمها الصريح حتى يرد اليها الضمير. ثانيهما: أن هذه العقوبة لم تكن نكالا لتلك الذنوب عينها لأنها قد قورفت فهي واقعة فعلا. والموعظة ما دعا إلى الاعتبار وبعث على الاستعبار من كلمات نافعة أو أحداث رادعة وأصلها بالقول المرقق للقلوب الباعث على الخير، الزاجر عن ضده، ثم أطلقت على كل ما أثر في النفس هذا الأثر كالمنايا وسائر الأحداث: شعر : ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع الأعمار تفسير : وتخصيص الموعظة بالمتقين لأنهم هم المستفيدون منها بتأثرهم بها.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ} اللام واقعة في جواب قسم مقدر، و ـ عَلِمَ ـ عنا كعرف فلذلك تعدت إلى واحد، وظاهر هذا أنهم علموا أعيان المعتدين، وقدر بعضهم مضافاً أي اعتداء الذين، وقيل: أحكامهم، و {مّنكُمْ} في موضع الحال، و (السبت) اسم لليوم المعروف وهو مأخوذ من السبت الذي هو القطع لأنه سبت فيه خلق كل شيء وعمله، وقيل: من السبات وهو الراحة والدعة. والمراد به هنا اليوم والكلام على حذف مضاف أي في حكم السبت لأن الاعتداء والتجاوز لم يقع في اليوم بل وقع في حكمه بناء على ما حكي أن موسى عليه السلام أراد أن يجعل يوماً خالصاً للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا: نجعله يوم السبت لأن الله تعالى لم يخلق فيه شيئاً فأوحى الله تعالى إليه أن دعهم وما اختاروا ثم امتحنهم فيه فأمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلما كان زمن داود عليه السلام ـ اعتدوا ـ وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة. وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا برز هناك وأخرج خرطومه وإذا مضى تفرقت فحفروا حياضاً وأشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت بالموج فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة الماء فيصطادونها يوم الأحد، وروي أنهم فعلوا ذلك زماناً فلم ينزل عليهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: قد أحل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه علانية وباعوا في الأسواق، وعلى هذا يصح جعل اليوم ظرفاً للاعتداء، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف، وقيل: المراد بالسبت هنا مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وليس بمعنى اليوم فحينئذ لا حاجة إلى تقدير مضاف إذ يؤول المعنى إلى أنهم اعتدوا في التعظيم وهتكوا الحرمة الواجبة عليهم. وقد ذكر بعضهم أن تسمية العرب للأيام بهذه الأسماء المشهورة حدثت بعد عيسى عليه السلام وأن أسماءها قبل غير ذلك وهي التي في قوله:شعر : / أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن أفته فمونس أو عروبة أو شبار تفسير : واستدل بهذه الآية على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا ـ وإلى ذلك ذهب الإمام مالك ـ فلا تجوز عنده بحال، قال الكواشي: وجوزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل، وأجابوا عن التمسك بالآية بأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهي عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها ولا يخفى ما في هذا الجواب، وتحقيقه في «كتب الفقه». {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} القردة جمع قرد وهو معروف ويجمع فعل الاسم قياساً على فعول، وقليلاً على فعلة، والخسوء الصغار والذلة ويكون متعدياً ولازماً، ومنه قولهم للكلب: اخسأ وقيل: الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بَعُدَ، وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير الخسوء كالإبعاد؛ فقيل: هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد، وإلا لكان الخاسىء بمعنى الطارد، والتحقيق أنه معتبر في المفهوم إلا أنه بالمعنى المبني للمفعول، وكذلك الإبعاد فالخاسىء الصاغر المبعد المطرود، وظاهر القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة، وعلى ذلك جمهور المفسرين ـ وهو الصحيح ـ وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا في اليوم الثامن، واختار أبو بكر بن العربـي أنهم عاشوا ـ وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم ـ ويرده ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ «حديث : إن الله تعالى لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك» تفسير : وروى ابن جرير عن مجاهد «أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل وعظاً ولا تعي زجراً» فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله:شعر : إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن (حجراً) من يابس الصخر جلمداً تفسير : و {كُونُواْ} على الأول: ليس بأمر حقيقة، لأن صيرورتهم ما ذكر ليس فيه تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم، بل المراد منه سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير امتناع ولا لبث. وعلى الثاني: يكون الأمر مجازاً عن التخلية والترك والخذلان ـ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اصنع ما شئت»تفسير : وقد قرره العلامة في تفسير قوله تعالى: {أية : لِيَكْفُرُواْ بِمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } تفسير : [العنكبوت: 66] والمنصوبان خبران للفعل الناقص، ويجوز أن يكون (خاسئين) حالا من الاسم، ويجوز أن يكون صفة لقردة والمراد وصفهم بالصغار عند الله تعالى دفعاً لتوهم أن يجعل مسخهم وتعجيل عذابهم في الدنيا لدفع ذنوبهم ورفع درجاتهم. واعترض أنه لو كان صفة لها لوجب أن يقول: خاسئة لامتناع الجمع ـ بالواو ـ والنون في غير ذوي العلم، وأجيب بأن ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في {أية : سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 120] أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء، أو بأن المسخ إنما كان بتبدل الصورة فقط، وحقيقتهم سالمة على ما روي أن الواحد منهم كان يأتيه الشخص من أقاربه الذين نهوهم، فيقول له: ألم أنهك؟ فيقول: بلى ثم تسيل دموعه على خده ـ ولم يتعرض في الآية بمسخ شيء منهم خنازير ـ وروى عن قتادة أن الشباب صاروا قردة والشيوخ صاروا ـ خنازير ـ وما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم، وقرىء {قردة} ـ بفتح القاف وكسر الراء ـ و {خاسين} بغير همز.
ابن عاشور
تفسير : هذه من جملة الأخبار التي ذكرها الله تعالى تذكيراً لليهود بما أتاه سلفهم من الاستخفاف بأوامر الله تعالى وبما عرض في خلال ذلك من الزواجر والرحمة والتوبة، وإنما خالف في حكاية هاته القصة أسلوب حكاية ما تقدمها وما تلاها من ذِكر {أية : إذ}تفسير : [البقرة: 63] المؤذنة بزمن القصة والمشعرة بتحقق وقوعها إلى قوله هنا: {ولقد علمتم} لمعنى بديع هو من وجوه إعجاز القرآن وذلك أن هذه القصة المشار إليها بهذه الآية ليست من القصص التي تضمنتها كتب التوراة مثل القصص الأخرى المأتي في حكايتها بكلمة (إذ) لأنها متواترة عندهم بل هذه القصة وقعت في زمن داود عليه السلام، فكانت غير مسطورة في الأسفار القديمة وكانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عليها وتلك معجزة غيبية وأوحى إليه في لفظها ما يؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى فأسند الأمر فيها لعلمهم إذ قال: {ولقد علمتم}. والاعتداء وزنه افتعال من العدو وهو تجاوز حد السير والحد والغاية. وغلب إطلاق الاعتداء على مخالفة الحق وظلم الناس والمراد هنا اعتداء الأمر الشرعي لأن الأمر الشرعي يشبَّه بالحد في أنه يؤخذ بما شمله ولا يؤخذ بما وراءه والاعتداء الواقع منهم هو اعتداء أمر الله تعالى إياهم من عهد موسى بأن يحافظوا على حكم السبت وعدم الاكتساب فيه ليتفرغوا فيه للعبادة بقلب خالص من الشغل بالدنيا، فكانت طائفة من سكان أَيلة على البحر رأوا تكاثر الحيتان يوم السبت بالشاطىء لأنها إذا لم تر سفن الصيادين وشباكهم أمنت فتقدمت إلى الشاطىء تفتح أفواهها في الماء لابتلاع ما يكون على الشواطىء من آثار الطعام ومن صغير الحيتان وغيرها فقالوا لو حفرنا لها حياضاً وشرعنا إليها جداول يوم الجمعة فتمسك الحياض الحوت إلى يوم الأحد فنصطادها وفعلوا ذلك فغضب الله تعالى عليهم لهذا الحرص على الرزق أو لأنهم يشغلون بالهم يوم السبت بالفكر فيما تحصّل لهم أو لأنهم تحيلوا على اعتياض العمل في السبت، وهذا الذي أحسبه لما اقترن به من الاستخفاف واعتقادهم أنهم علموا ما لم تهتد إليه شريعتهم فعاقبهم الله تعالى بماذكره هنا. فقوله: {في السبت} يجوز أن تكون (في) للظرفية. والسبت مصدر سَبَتَ اليهودي من باب ضرب ونصر بمعنى احترم السبت وعظمه. والمعنى اعتدوا في حال تعظيم السبت أو في زمن تعظيم السبت. ويجوز أن تكون (في) للعلة أي اعتدوا اعتداء لأجل ما أوجبه احترام السبت من قطع العمل. ولعل تحريم الصيد فيه ليكون أمناً للدواب. ويجوز أن تكون (في) ظرفية والسبت بمعنى اليوم وإنما جعل الاعتداء فيه مع أن الحفر في يوم الجمعة لأن أثره الذي ترتب عليه العصيان وهو دخول الحيتان للحياض يقع في يوم السبت. وقوله: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} كونوا أمر تكوين والقردة ـــ بكسر القاف وفتح الراء ـــ جمع قرد وتكوينهم قردة يحتمل أن يكون بتصيير أجسامهم أجسام قردة مع بقاء الإدراك الإنساني وهذا قول جمهور العلماء والمفسرين، ويحتمل أن يكون بتصيير عقولهم كعقول القردة مع بقاء الهيكل الإنساني، وهذا قول مجاهد والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني والثاني أقرب للتاريخ إذ لم ينقل مسخ في كتب تاريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين والكل معجزة للشريعة أو لداود ولذلك قال الفخر: ليس قول مجاهد ببعيد جداً لكنه خلاف الظاهر من الآية وليس الآية صريحة في المسخ. ومعنى كونهم قردة أنهم لما لم يتلقوا الشريعة بفهم مقاصدها ومعانيها وأخذوا بصورة الألفاظ فقد أشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات فلم يتميزوا عن العجماوات إلا بالشكل الإنساني وهذه القردة تشاركهم في هذا الشبه وهذا معنى قول مجاهد هو مسخ قلوب لا مسخ ذوات. ثم إن القائلين بوقوع المسخ في الأجسام اتفقوا أو كادوا على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وأنه لا يتناسل وروى ذلك ابن مسعود عن النبيء صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» أنه قال: «حديث : لم يهلك الله قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً»تفسير : وهو صريح في الباب ومن العلماء من جوز تناسل الممسوخ وزعموا أن الفيل والقرد والضب والخنزير من الأمم الممسوخة وقد كانت العرب تعتقد ذلك في الضب قال أحد بني سليم وقد جاء لزوجه بضب فأبت أن تأكله:شعر : قالت وكنت رجلاً فطيناً هذا لعمر الله إسرائينا تفسير : حتى قال بعض الفقهاء بحرمة أكل الفيل ونحوه بناء على احتمال أن أصله نسل آدمي قال ابن الحاجب «وأما ما يذكر أنه ممسوخ كالفيل والقرد والضب ففي المذهب الجواز لعموم الآية والتحريم لما يذكر» أي لعموم آية المأكولات، وصحح صاحب «التوضيح» عن مالك الجواز وقد روى مسلم في أحاديث متفرقة من آخر «صحيحه» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أُراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته» تفسير : اهـ. وقد تأوله ابن عطية وابن رشد في «البيان» وغير واحد من العلماء بأن هذا قاله النبيء صلى الله عليه وسلم عن اجتهاد قبل أن يوقفه الله على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولا يتناسل كما هو صريح حديث ابن مسعود، قلت: يؤيد هذا أنه قال عن اجتهاد قوله: «ولا أُراها». ولا شك أن هاته الأنواع من الحيوان موجودة قبل المسخ وأن المسخ إليها دليل على وجودها ومعرفة الناس بها. وهذا الأمر التكويني كان لأجل العقوبة على ما اجترأوا من الاستخفاف بالأمر الإلٰهي حتى تحيلوا عليه وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة، على الله تعالى، ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل بقوله تعالى في قصة أيوب: {أية : وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث}تفسير : [ص: 44] لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبيء لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله، وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى فلا فوات للحكمة في ذلك، ومسألة الحيل الشرعية لعلنا نتعرض لها في سورة ص وفيها تمحيص. وقوله: {فجعلناها نكالاً} عاد فيه الضمير على العقوبة المستفادة من قوله: {فقنا لهم كونوا قردة}. والنكال بفتح النون العقاب الشديد الذي يردع المعاقب عن العود للجناية ويردع غيره عن ارتكاب مثلها، وهو مشتق من نكل إذا امتنع ويقال نكّل به تنكيلاً ونكالاً معنى عاقبه بما يمنعه من العود. والمراد بما بين يديها وما خلفها ما قارنها من معاصيهم وما سبق يعني أن تلك الفعلة كانت آخر ما فعلوه فنزلت العقوبة عندها ولما بين يديها من الأمم القريبة منها ولما خلفها من الأمم البعيدة. والموعظة ما به الوعظ وهو الترهيب من الشر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ}. أجمل قصتهم هنا وفصلها في سورة الأعراف في قوله: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} تفسير : [الأعراف: 163] الآيات.
القطان
تفسير : الاعتداء: تجاوز الحد في كل شيء. القرد: الحيوان المعروف. الخاسىء: المبعد المطرود من رحمة الله، الذليل. النكال: العقوبة، نكل تنكيلا ونكالا. الموعظة: التذكرة، وعظ يعظ وعظا وموعظة. من تشريع موسى لليهود ان لا يعملوا يوم السبت، أي يوم الراحة والعبادة، لكن اليهود كما هو معهود بهم لا يثبتون على عهد ولا يطيعون الا أهواءهم. هنا يذكّر الله اليهود الذين على زمن النبي وفي كل زمان ويقول لهم: لقد علمتم بلا ريب خبر أسلافكم الذين تجاوزوا الحد في السبت بأن صادوا السمك فيه، وهو يوم راحة وعيد العملُ فيه محرم، لذلك مسخناهم وصيّرناهم مبعدين عن الخير أذلاّء صاغرين، مطرودين كالكلاب الخاسئين. والمسخ كما يقول الطبري عن مجاهد مسخٌ مجازي، أي: انه ما مُسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم، فلا تقبل وعظاً، ولا تعي زجراً. وهذا ما أكده ابن كثير حيث قال: الصحيح ان المسخ معنوي كما قال مجاهد. {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} اي فجعلنا هذه العقوبة عبرة رادعة للمخالفين.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَاسِئِينَ} (65) - ويُذَكِّرهُمُ اللهُ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ القَرْيَةِ التِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ. وَكَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَخَذَ عَلَيهِم المِيثَاقَ بِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ يَومِ السَّبْتِ، والقِيَامِ فِيهِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ، فَخَرَقُوا حُرْمَةَ السَّبْتِ بِاحْتِيالِهِمْ عَلَى صَيْدِ الحِيتَانِ، إِذْ كَانُوا يَنْصُبُونَ لَهَا الشِّبَاكَ والحَبَائِلَ قَبْلَ دُخُولِ السَّبْتِ، وَفي ظَنِّهِمْ أَنَّ مِثْلَ هذَا التَّحَايلِ يُمْكِنُ أَنْ يَجُوزَ عَلَى اللهِ فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ عِقَاباً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللهِ. وَتَجَاوُزِهِمْ حُدُودَ مَا أَمَرَ. وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ إِنَّ اللهَ لَمْ يَمْسَخْ صُورَهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ حَقِيقَةً، وَإِنِّمَا مَسَخَ قُلُوبَهُمْ فَجَعَلَهَا كَقُلُوبِ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ فِي شَهَوَاتِهَا بَعِيدِينَ عَنِ الفَضَائِلِ الإِنْسَانِيَّةِ يَأْتُونَ المُنْكَرَاتِ جِهَاراً وَعِياناً بِلاَ حَيَاءٍ وَلاَ خَجَلٍ. (وَيَرَى الإِمَامُ مُحَمَّدٌ عَبْدُه أَنَّ سُنَّةَ اللهِ في خَلْقِهِ لَمْ تَجْرِ بِمَسْخِ كُلِّ عَاصٍ، وَبِإْخْرَاجِهِ عَنْ نَوْعِ الإِنْسَانِ، وَالعِبْرَةُ الكُبْرَى تَكْمُنُ فِي العِلْمِ بِأَنَّ مَنْ يَفْسُقُ عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَيَتَنَكَّبُ الصِّرَاطَ الذِي شَرَعَهُ، يَنْزِلُ بِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الإِنْسَانِ إِلَى مَرْتَبَةِ العَجْمَاوَاتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود فتركوه .. أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل عليها .. والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا .. وهو لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم الجد .. أو نفضل أمرا على أمر .. ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلاً قول الحق تبارك وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 9-10]. هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا .. وكلاهما من منهج الله .. فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة .. ولا أن تترك عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة .. إذا نودي للصلاة فإلى المسجد .. وإذا قضيت الصلاة فإلى السعي للرزق .. وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالاسم وهما يوم الجمعة والسبت .. بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في القرآن بالاسم .. وهي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس .. الجمعة هي عيد المسلمين الذي شرع فيه اجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة .. ونلاحظ أن يوم الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد .. فأيام الأسبوع نسبت إلى الأعداد فيما عدا الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلى واحد والاثنين منسوب إلى اثنين .. والثلاثاء منسوب إلى ثلاثة والأربعاء منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى خمسة.. كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب .. لماذا؟ لأنه اليوم الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده .. فسماه الله تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيداً .. والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، اجتماع نعمة الله في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم .. فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم .. والسبت .. الباء والتاء تفيد معنى القطع .. وسبت ويسبت سبتاً إذا انقطع عمله .. ونلاحظ أن خلق السماوات والأرض تم في ستة أيام مصداقاً لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} تفسير : [الحديد: 4]. وكان تمام الخلق يوم الجمعة .. وفي اليوم السابع وهو يوم السبت .. كان كل شيء قد استقر وفرغ من خلق الكون .. ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتاً .. لأن فيه سكون الحركة بعد تمام الخلق .. فلما أراد اليهود يوماً للراحة أعطاهم الله يوم السبت وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو امتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك .. وكان الابتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها .. وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح الماء تسعى إليهم لتفتنهم .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 163]. وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت .. فإذا جاء صباح الأحد اختفت بعيداً وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيداً لهم لا يفعلون فيه أي شيء .. ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان .. صنعوا شيئاً اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم .. وفي الوقت نفسه يحصلون على الأسماك .. هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة .. ولأنها عميقة لا يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه .. وكان هذا تحايلاً منهم على مخالفة أمر الله .. والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من أوامره. ويقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] .. وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة .. يعلمها الأجداد للآباء والآباء للأحفاد .. وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولذلك عندما سمع: "ولقد علمتم" أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة .. وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها .. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} [البقرة: 65] .. المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت .. هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت .. ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك .. وكانوا في ذلك أغبياء .. وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت .. ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ .. وقوله تعالى: "اعتدوا" أي تجاوزوا حدود الله المرسومة لهم .. وعادة حين يحرم الله شيئاً يأتي بعد التحريم قوله تعالى: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 187]. لأنه يريد أن يمنعك من الإغراء .. حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب .. ولكن بني إسرائيل اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون .. وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله بأنهم طائعون مع أنهم عاصون .. وصدر حكم الله عليهم: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]. وعادة أنك لا تأمر إنساناً أمراً إلا إذا كان في قدرته أن يفعله .. الأمر هنا أن يكونوا قردة .. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة .. إنه أمر في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟ نقول إن الآمر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة .. وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريّاً ولم يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم بإرادتهم قردة .. ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا .. وهذا يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار .. ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم .. لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك لازماً .. ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئاً كانوا قردة. ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يدرون .. فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من الإنسان .. لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا .. وقال بعض العلماء إن الإنسان إذا مسخ فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا .. ولماذا لم يتناسلوا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:{أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..} تفسير : [الأنعام: 164]. ولو أنهم تناسلوا .. لتحمل الأبناء وزر آبائهم .. وهذا مرفوض عند الله .. إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون .. ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم. قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة .. فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم إنه لم يكن كل اليهود عاصين .. ولكن كان منهم أقلية هي التي عصت ومسخت .. وبقيت الأكثرية ليصل نسلها إلينا اليوم .. وقد قال علماء آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 60]. إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت .. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة .. ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير .. فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك ازداد غضب الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلى بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟ نقول علينا أولاً أن ننظر إلى البهيمية التي نقلهم الله إليها .. نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائماً .. وإن عورته لها لون مميز عن جسده .. وأنه لا يتأدب إلا بالعصا .. واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور .. وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خُلُق .. والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود .. وعبدة الطاغوت .. الطاغوت هو كل إنسان تجاوز الحد في البغي والظلم .. وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك. إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية .. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية .. فكأنهم مسخوا خلقة ومسخوا أخلاقاً.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} معناهُ كونوا قِردةً باعدينَ من الخيرِ. ويقالُ: قد خسَأتُهُ عني أَي قد بَاعدْتُهُ عني وصَغَّرتُهُ.
الأندلسي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} علم هنا تعدي إلى واحد أي عرفتم أعيانهم واعتداؤهم فيه أنه حرم عليهم العمل فيه وصيد الحيتان فيه فكان يكثر ظهورها فيه وتذهب بعد ذهابه فتحيلوا في صيده بنوع من الحيل كحفر حفيرة أو ربط الحوت بخرمة فإِذا مضى السبت أخذوه ثم كثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية وباعوه في الأسواق. ومنكم: في موضع الحال أي كائنين منكم. وفي السبت: متعلق باعتدوا أي في العمل يوم السبت بالاصطياد منه. {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً} أمر يدل على سرعة الكون بهذا الوصف وكأنهم ممتثلون ذلك وإلا فليسوا بقادرين على ذلك والظاهر صيرورتهم قردة حقيقة وقد جاء في الحديث أن أمة مسخت ولا ينكر ذلك من قدرة الله تعالى ألا ترى إلى انقلاب عصا موسى حية ثم عودها عصا. والقرد حيوان معروف. وفعل الاسم القياس فيه فعول نحو قرود وجمعه على فعلة لا ينقاس نحو قردة وحسلة في جمع قرد وحسل والخسؤ الصغار والطرد وفعله خسأ يجيىء متعدياً ولازماً. {فَجَعَلْنَاهَا} أي الكينونة قردة. {نَكَالاً} عبرة. واصل النكال: المنع. والنكل: القيد. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي لمن قرب منها. {وَمَا خَلْفَهَا} أي من جاء بعدهم. {وَمَوْعِظَةً} أي إذكاراً. {لِّلْمُتَّقِينَ} لأن الذين ينتفعون بالموعظة إنما هم المتقون.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا تكونون من الخاسرين الناقضين للعهود، وأنتم قوم شأنكم هذا {وَ} الله {لَقَدْ عَلِمْتُمُ} وخفظتم قصة {مِنْكُمْ فِي} تجاوزوا عن العهد {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ} زمن داود عليه السلام واصطياد يوم {ٱلسَّبْتِ} ذلك أنهم سكنوا على شاطئ البحر بقرية، يقال لها: أيلة، وكان معاشهم من صيد البحر فأرسل الله عليهم داود عليه السلام، فدعاهم فآمنوا له، وعهد الله معهم على لسان داود بألاَّ يصطادوا في يوم السبت، بل تعينوها وتخصصوها للتوجه والتعبد، فقبلوا العهد وكانت حيتان البحر بعد العهد يحضرون في يوم السبت على شاطئ البحر ويخرجن خراطيمهن من الماء، ولما مضى عليها زمان احتالوا لصيدها بأن حفروا حياضاً وأخاديد على شاطئ البحر وأحدثوا جداول منه إليها، فلما كان يوم السبت يفتحون الجداول ويرسلون الماء في الحياض واجتمعت الحيتان فيها، وفي يوم الأحدا يصطادونها منها، ونقضوا عهد الله بهذه الحيلة، قال الله تعالى: لما أمهلناهم زماناً ظنوا أنهم خادعوا ثم انتقمنا منهم {فَقُلْنَا لَهُمْ} إذا أفسدتم لوازم الإنسانية؛ أي: العهود والتكاليف أفسدنا أيضاً إنسانيتكم {كُونُواْ} صيروا في الساعة {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] مهانين مبتذلين، فسمخوا عن لوازم الإنسانية من العلم والإرادة والمعرفة والإيمان، ولحقوا بالبهائم بل صاروا أسوأ حالاً منها. {فَجَعَلْنَاهَا} أي: قصة مسخهم وشأنهم {نَكَالاً} عبرة {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} من الحاضرين المشاهدين حالهم وقصتهم {وَمَا خَلْفَهَا} ممن يوجد بعد من المذكرين السامعين قصتهم وتاريخهم {وَمَوْعِظَةً} وتذكيراً {لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] الذين يحفظون نفوسهم دائماً عن أمثالها. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين من سوء معاملة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام وقبح صنيعهم معه، ومجادلتهم بما جاء به من عند الله جهلاً وعناداً ليتنبهوا ويتفطنوا على أن الإيمان بنبي يوجب الانقياد والإطاعة له، وترك المراء والمجدالة معه والمحبة والإخلاص معه، وتفويض الأمور إليه وهو إلى الله؛ ليتم سر الربوبية والعبودية والنبوة والرسالة والتشريع والتكاليف والتوسل والتقرب والوصول، وذلك {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} حين حدثت الفتنة العظيمة بينهم وهي: إنه كان فيهم رجل من صناديدهم له أموال وضياع وعقار كثيرة، وله ابن واحد وبنوا أعمام كثيرة، فطمعوا في أمواله فقتلوا ابنه ليرثوه، وطرحوه على الباب، فأصبحوا صائحين فزعين يطالبون القاتل، فأراد الله تفضيحهم وتشهيرهم، فأمر موسى بأن قال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فلما سمعوا قوله استبعدوه وتحيروا في أمرهم ومن غاية استبعادهم {قَالُوۤاْ} على طريق المعاتبة: {أَ} تعتقد أنت يا موسى الداعي للخلق إلى الحق {تَتَّخِذُنَا هُزُواً} أي: تأخذنا باستهزاء وسخرية ونحن محل استهزائك مع أنه لا يلي بك وبنا {قَالَ} موسى مستبعداً ومستعيذاً: {أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] المستهزئين بالناس، بل ما أتبع إلا ما يوحى إلي. فلما سمعوا استبراءه واستعاذته خافوا من الابتلاء فأوجس كلامهم خيفة في نفسه، لكونهم خائنين، واشتغلوا بتدبير الدفع، وشاوروا وأقر رأيهم على أن نووا في نفوسهم تلك البقرة المخصوصة المعلمة المعلومة عندهم بالشخص، وبعد ذلك سألوه عن تعيينه بأن {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} أكبير أم صغير؟ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ} كبير في السن {وَلاَ بِكْرٌ} صغير فيه بل {عَوَانٌ} متوسط {بَيْنَ ذٰلِكَ} الصغر والكبر استكمل النمو ولا تميل إلى الذبول، وإذا تحققتم {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} [البقرة: 68]. ثم لما ازداد خوفهم من الفضيحة بنزول الوحي متعاقبة زادوا في الاستفسار عن التعيين مكابرة وعناداً وتسويفاً حيث {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} من الألوان المتعارفة المشهورة حتى نذبحها {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ} أصيل في الصفرة كأنه وضع اسم الصفرة بإزائها أولاً {لَّوْنُهَا} كلون ذهب {تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ} [البقرة: 69] والسرور عبارة عن الانبساط والانتعاش الحاصل للقلب عند الفراعنة عن جميع الشواغل، وفي تلك الحالة يتعجب عن كل ذرة بل عن نفسه، ويؤدي تعجبه إلى التحير، فإذا تحير غرق في بحر لا ساحل له ولا قعر، أدركنا يا دليل المتحيرين. ثم لما جزموا الإلجاء وقطعوا النظر عن الخلاص، كابروا وعنادوا أيضاً مبالغين فيها حيث {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} أي: ما هويتها وهيئتها الشخصية المعينة، وقل: {إِنَّ ٱلبَقَرَ} المأمور به {تَشَابَهَ عَلَيْنَا} واستوصفناه منك وصفتها بالصفات المشتركة العامة {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} تعيينه وتشخيصه لنا {لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70] بذبحها. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} عجف مهزول بسبب أنها {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} تقلبها للزراعة {وَلاَ} ذلول بسبب ذلتها إنها {تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} بالدلو والسقاية بل {مُسَلَّمَةٌ} من صغرها عن أمثال هذه المذلات {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} لا علامة في أعضائها من ضرب العود والسوط وغيرها، بل تأكل وتمشي هوناً بلا مصرف ومراع، ولما بالغوا في الاستفسار إلى أن بلغوا ما نووا في نفوسهم ألزموا وأفحموا و{قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} الثابت الكائن في الواقع وفي نيتنا واعتقادنا. حكي أن شيخاً صالحاً من صلحائهم كانت له هذه العجلة المتصفة بهذه الصفات، فذهب بها إلى "أيلة" فأودعها عند الله وقال: اللهم إني استودعتها عندك لولدي حتى يكبر، ثم مات الشيخ وكانت تلك البقرة في حمى الله وحفظه حتى كبر الولد وحدثت تلك الفتنة فيما بينهم، فأمر الله بذبح تلك البقرة على سبيل الإلجاء، فاشتروها بملء مسكها ذهباً {فَذَبَحُوهَا} ملجئين مكرهين {وَ} لولا إلجاؤها إياهم وإكراهنا لهم {مَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] لخوف الفضيحة وغلاء الثمن.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولقد تقرر عندكم حالة { الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ } وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله: {أية : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } تفسير : الآيات. فأوجب لهم هذا الذنب العظيم، أن غضب الله عليهم وجعلهم { قِرَدَةً خَاسِئِينَ } حقيرين ذليلين. وجعل الله هذه العقوبة { نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } أي: لمن حضرها من الأمم، وبلغه خبرها، ممن هو في وقتهم. { وَمَا خَلْفَهَا } أي: من بعدهم، فتقوم على العباد حجة الله، وليرتدعوا عن معاصيه، ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات.
همام الصنعاني
تفسير : 64- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والكلبي، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ}: [الآية: 65]، قالا: نهوا عن صيد الحيتان في يوم السبت، فكانت تشْرع إليهم يوم السبت، بُلوا بذلك، فصطادوها، فجعلهم الله قدرة خاسئين. 65- عبد الرزّاق: قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَاسِئِينَ}: [الآية: 65]، قال: صاغرين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):