Verse. 73 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَجَــعَلْنٰھَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْہَا وَمَا خَلْفَہَا وَمَوْعِظَۃً لِّلْمُتَّقِيْنَ۝۶۶
FajaAAalnaha nakalan lima bayna yadayha wama khalfaha wamawAAithatan lilmuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فجعلناها» أي تلك العقوبة «نكالاً» عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما عملوا «لما بين يديها وما خلفها» أي للأمم التي في زمانها وبعدها «وموعظة للمتقين» الله وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بخلاف غيرهم.

66

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} نصب على المفعول الثاني. وفي المجعول نكالاً أقاويل؛ قيل: العقوبة. وقيل: القرية؛ إذ معنى الكلام يقتضيها. وقيل: الأمّة التي مُسِخت. وقيل: الحِيتان؛ وفيه بُعْدٌ. والنّكال: الزجر والعقاب. والنِّكْل والأنكال: القيود. وسُمِّيت القيود أنكالاً لأنها يُنْكل بها؛ أي يمنع. ويقال للجام الثقيل: نَكْل ونِكْل؛ لأن الدابة تُمنع به. ونَكَل عن الأمر يَنْكُل، ونَكِل يَنْكَل إذا ٱمتنع. والتّنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تُنَكِّل مَن وراءهم؛ أي تُجَبِّنهم. وقال الأزهري: النكال العقوبة. ٱبن دُرَيْد: والمَنْكَل: الشيء الذي يُنَكّل بالإنسان؛ قال: شعر : فٱرمِ على أقفائهم بمَنْكَل تفسير : قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} قال ٱبن عباس والسُّدّي: لِمَا بين يدي المَسْخة ما قبلها من ذنوب القوم. {وَمَا خَلْفَهَا} لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. قال الفرّاء: جُعلت المسخة نكالاً لما مضى من الذنوب؛ ولمَا يُعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم. قال ٱبن عطية: وهذا قول جيّد، والضميران للعقوبة. وروى الحكم عن مجاهد عن ٱبن عباس: لمن حضر معهم ولمن يأتي بعدهم. وٱختاره النحاس؛ قال: وهو أشبه بالمعنى، والله أعلم. وعن ٱبن عباس أيضاً: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} من القُرَى. وقال قتادة: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} من ذنوبهم، «وما خلفها» من صيد الحيتان. قوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} عطف على نكال، ووَزْنُهَا مَفْعِلة من الاتعاظ والانزجار. والوعظ: التخويف. والعِظَة الاسم. قال الخليل: الوَعْظ التّذكير بالخير فيما يَرِقّ له القلب. قال الماوَرْدِيّ: وخصّ المتقين وإن كانت موعظة للعالمين لتفرّدهم بها عن الكافرين المعاندين. قال ابن عطية: واللفظ يعمّ كل مُتّقٍ من كل أمّة. وقال الزجاج: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهكوا مِن حُرَم الله جلّ وعَزّ ما نهاهم عنه، فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ ٱنتهكوا حُرَم الله في سَبْتهم.

البيضاوي

تفسير : {فَجَعَلْنَاهَا } أي المسخة، أو العقوبة. {نَكَـٰلاً } عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه. ومنه النكل للقيد. {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين، واشتهرت قصتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها، أو لأهل تلك القرية وما حواليها، أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها. {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } من قومهم، أو لكل متق سمعها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَجَعَلْنَٰهَا } أي تلك العقوبة {نَكَٰلاً } عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما عملوا {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } أي الأمم التي في زمانها و بعدها {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } الله وخَصُّوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَجَعَلْنَاهَا} العقوبة، أو القرية، أو الأمة، أو الحيتان، أو القردة الممسوخ على صورهم. {نَكَالاً} عقوبة، أو عبرة يَنْكُل بها من رآها، أو النكال الاشتهار بالفضيحة. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} من القرى، أو ما بين يديها من يأتي بعدهم، وما خلفها الذين عاصروهم. أو ما بين يديها من الذنوب، وما خلفها عبرة لمن يأتي بعدهم. أو ما بين يديها ذنوبهم، وما خلفها للحيتان التي أصابوها، أو ما بين يديها ما مضى من ذنوبهم، وما خلفها ذنوبهم التي أُهلكوا بها.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا...} ابن عطية: المراد إما جعلنا العقوبة أو المسخة أو الأمة الممسوخة أو القردة أو القرية، وقيل: أو الحيتان وفيه بُعْدٌ. قوله تعالى: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا...}. ابن عطية: عن السدي قيل: لما قبلها من ذنوب القوم وما بعدها من يذنب بعد ذلك (مثل تلك الذنوب). وقيل: لما بين يديها أي لما قبلها من الأمم، وما خلفها أي لما بعدها من الأمم، لأن (مسختهم) ذكرت في كتب من تقدمهم من الأمم، وعلموا بها فاعتبروا وانزجروا.

القشيري

تفسير : هكذا مَنْ مُنِيَ بالهجران، ووُسِمَ بالخذلان؛ صارت أحوالُه عِبْرة، وتجرَّع - مِنْ مُلاحَظته لحاله - عليه الحسرة، وصار المسكين - بعد عِزِّه لكلِّ خسيسٍ سُخْرَة. هكذا آثار سُخْطِ الملوك وإعراض السادة عن الأصاغر: شعر : وقد أحدق الصبيان بي وتَجمعوا عليَّ وأشلوا بالكلاب ورائيا

اسماعيل حقي

تفسير : {فجعلناها} اى صيرنا مسخة تلك الامة وعقوبتها {نكالا} اى عبرة تنكل من اعتبر بها اى تمنعه من ان يقدم على مثل صنيعهم {لما بين يديها وما خلفها} اى لما قبلها وما بعدها من الامم والقرون لان مسختهم ذكرت فى كتب الاولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين فاستعير ما بين يديها للزمام الماضى وما خلفها للمستقبل {وموعظة} اى تذكرة {للمتقين} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحى قومهم او لكل متق سمعها فاللام للاستغراق العرفى على التقديرين: قال السعدى شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بينداندر بند بند كيراز مصائب دكران تانكيرند ديكران زتو بند تفسير : واعلم ان هذا البلاء والخسران جزاء من لم يعرف قدر الاحسان ومن يكافى المنعم بالكفران يرد من عزة الوصال الى ذل الهجران وكان عقوبة الامم بالخسف والمسخ على الاجساد وعقوبة هذه الامة على القلوب وعقوبات القلوب اشد من عقوبات النفوس قال الله تعالى {أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} تفسير : [الأنعام: 110]الآية. هكذا حال من لم يتأدب فى خدمة الملوك وينخرط فى اثناء السلوك ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرمة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم علامة المسخ مثل الخنزير ان يأكل العذرات ومن اكل الحرام فقلبه ممسوخ. ويقال علامة مسخ القلب ثلاثة اشياء لا يجد حلاوة الطاعة ولا يخاف من المعصية ولا يعتبر بموت احد بل يصير ارغب فى الدنيا كل يوم كذا فى زهرة الرياض وروى عن عوف بن عبد الله انه قال كان اهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن اصلح ما بينه وبين الله اصلح الله ما بينه وبين الناس ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته. قال محمد بن على الترمذى صلاح اربعة اصناف فى اربعة مواطن صلاح الصبيان فى الكتاب وصلاح القطاع فى السجن وصلاح النساء فى البيوت وصلاح الكهول فى المساجد.

الطوسي

تفسير : المعنى: الضمير في قوله: {فجعلناها} يحتمل ان يكون راجعاً إلى العقوبة او القردة فكأنه قال: جعلنا القردة، اي ما حل بها من التشويه وتغيير الخلقة، دلالة على ان من تقدمهم او تأخر عنهم. فمن فعل مثل فعلهم يستحق من العقاب مثل الذي نزل بهم نكالاً لهم جميعاً وموعظة للمتقين: اي تحذيراً وتنبيهاً، لكيلا يواقعوا من المعاصي ما واقع أولئك فيستحقوا ما استحقوا ـ نعوذ بالله من سخطه ـ ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الحيتان. ويحتمل ان تكون راجعة إلى القرية التي اعتدوا اهلها فيها. ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الامة الذين اعتدوا وهم اهل ايلة: قرية على شاطىء البحر. وروي ذلك عن ابي جعفر "ع". وقوله: {نكالا} قال ابن عباس: عقوبة. وقال غيره: ينكل بها من يراها. وقيل: انها شهرة، لأن النكال: الاشتهار بالفضيحة، ذكر ذلك الجبائي. وليس بمعروف. والنكال الارهاب للغير واصله المنع، لانه مأخوذ من النكل وهو القيد، وهو ايضاً اللجام وكلاهما مانع. وقوله: {لما بين يديها وما خلفها}. روي عن عكرمة عن ابن عباس: انه اراد ما بين يديها وما خلفها من القرى. وروي عن الضحاك عن ابن عباس انه: اراد ما بين يديها يعني: من بعدهم من الامم. وما خلفها الذين كانوا معهم باقين. وقال السدي {ما بين يديها}: من ذنوبها {وما خلفها} يعني: عبرة لمن يأتي بعدهم من الامم. وقال قتادة {لما بين يديها} ذنوبها {وما خلفها}: عبرة لمن يأتي خلفهم: بعدهم من الامم وقال قتادة لما بين يديها ذنوب القوم وما خلفها الحيتان التي اصابوها وقال مجاهد: ما بين يديها ما مضى من خطاياهم. وما خلفها من خطاياهم: التي اهلكوا بها {وموعظة للمتقين}. خص المتقين بها ـ وان كانت موعظة لغيرهم ـ، لانتفاع المتقين بها دون الكافرين. كما قلناه في غيره. كقوله: {هدىً للمتقين}. واصل النكال العقوبة تقول: نكل فلان ينكل تنكلا ونكالا قال عدي بن زيد: شعر : لا يسخط المليك ما يصنع العبـ ـد ولا في نكاله تنكير تفسير : واقوى التأويلات ما رواه الضحاك عن ابن عباس: من انها كناية عن العقوبة والمسخة التي مسخها القوم، لان في ذلك اشارة إلى العقوبة التي حلت بالقوم ـ وان كانت باقي الاقوال ايضاً جائزة.

الجنابذي

تفسير : {فَجَعَلْنَاهَا} اى المسخة او العقوبة الّتى أخزيناهم بها او الامّة الممسوخة كما فى الخبر {نَكَالاً} زجرة وعبرة مانعة عن الاعتداء والمخالفة {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} للامم الماضية فانّ الامّة الممسوخة الحاضرة بتوجّههم الى الآخرة ووجود الامم الماضية فى الآخرة وعالم المثال متوجّهون الى الامم الماضية وهم بين أيديهم، وكونها عبرة لهم باعتبار أخبار أنبيائهم عن الامم الآتية واعتدائهم؛ وعلى هذا فقوله تعالى {وَمَا خَلْفَهَا} عبارة عن الامم الحاضرة فى زمان الممسوخة والامم الآتية فانّ الممسوخة بتوجّههم فطرة الى الآخرة مستدبرون عن الدّنيا ومن فيها ومن سيقع فيها وان كانوا متوجّهين الى الدّنيا اختياراً، او المراد بما بين يديها الامم الحاضرة فى زمان المسخ والامم الآتية فانّ الحاضرة حاضرة بين أيديهم والآتية باعتبار مرور الممسوخة اعلى الزّمان واستقبالهم عليها كأنّها حاضرة بين أيديهم فقوله تعالى: وما خلفها؛ عبارة عن الأمم الماضية، او المراد بما بين يديها الحاضرون فى زمان الممسوخة وبما خلفها الآتون؛ او المراد القرى القريبة والبعيدة، او المراد بالنّكال العقوبة الّتى هى معناه حقيقة؛ والمعنى جعلناها عقوبة لمعصيتهم الحاضرة والماضية {وَمَوْعِظَةً} تذكيراً وتنبيهاً على العواقب او عبرة او نصحاً او حثّاً على التّقوى والطّاعات او تخويفاً عن المعاصى والاغترار بالدّنيا {لِّلْمُتَّقِينَ} فانّ غيرهم لا يتنبّهون ولا يتّعظون فلا ينتفعون فلا ينظر اليهم. وتأتي قصّة المعتدين فى السّبت ومضى فى اوّل السّورة تحقيق معنى التّقوى {وَ} اذكروا يا بنى اسرائيل او يا أمّة محمّد (ص) او ذكّر بنى اسرائيل او أمتّك قصّة القتيل واحياءه على يد موسى (ع) حتّى تعلموا انّ ما قاله موسى (ع) حقّ وانّ اخباره بنبوّة محمّد (ص) وولاية علىٍّ (ع) ليس ممّا لا يكترث به.

الهواري

تفسير : قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} الذين بعدهم.

اطفيش

تفسير : {فَجَعَلْنَاهَا}: أى المسخة المدلول عليها (بكونوا قردة) إلى العقوبة أو الأمة التى مسخت أو القردة أو القرية، لأن معنى الكلام يقتضيها أو أو الكينونة المدلول عليها بكونوا. {نَكَالاً}: زجراً وتخويفاً بالعقاب، كما يقال: نكل الخصم عن اليمين إذا أهابه وتركه، أو عبرة تنكل المعتبر أى تمنعه من ارتكاب ما نهى عنه، ومنه سمى القيد نكالا. {لما بين يديها}: لما قبلها من الأمم السابقة لهؤلاء الممسوخين، لأنه سبحانه وتعالى أنزل فى كتب من قبلهم أنهم سيسمخ قوم من بنى إسرائيل بسبب اعتدائهم بصيد حرم عليهم، فيتعظ من علم بذلك قبلهم. {وَمَا خَلْفَها}: ما بعدها من الأمم، لأن قصتهم مشهورة فيتعظ بها من تبلغه، وقال السدى: ما بين يديها ما بين يدى المسخة وما قبلها من ذنوبهم، وما خلفها ما بذنب من الذنوب بعدهم مثل ذنبهم، وقيل لما بين يديها من الأمم التى فى زمانها وما خلفها ما يجئ من الأمم بعد، وقيل: ما بين يديها من حضرها من الناجين، وما خلفها من يجئ بعدها، وقال ابن عباس: ما بين يديها من القرى الحاضرة فى زمانها، وما خلفها ما يحدث من القرى بعدها، وقيل: ما بين يديها ما قرب من القرى، وما خلفها ما بعد عنها من القرى، وما بين يديها أهل تلك القرية، وما خلفها ما حواليها أو مابين يديها من فى زمانهم وما خلفهم من يجئ بعدهم، وفى بعض ذلك وقوع ما موضع من تحقيراً لمن يذنب من حيث الذنب قبيح، ولو كان يتوب، أو تحقيراً لهؤلاء الممسوخين أن يذكر اسم العاقل فى قصتهم، وبين فى بعض تلك الأوجه للزمان، وفى بعض للمكان، وإن قلت كيف صح تفسير ما بين يديها بما سبقها مع قوله: {فجعلناها} بالفاء؟ قلت: هى للترتيب الذكرى أو بمعنى الواو. {وَمَوْعِظَةً}: زجراً. {لِلْمُتَّقِينَ}: الذين نجوا من أهل القرية، وقالت فرقة: امة محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون على العموم بمعنى كل متق من كل أمة، وخص المتقين لأنهم المنتفعون بها والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً} أي كينونتهم/ وصيرورتهم قردة أو المسخة أو العقوبة، أو الآية المدلول عليها بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } تفسير : [البقرة: 65] وقيل: الضمير للقرية، وقيل: للحيتان ـ والنكال ـ واحد ـ الأنكال ـ وهي القيود ـ ونكل به ـ فعل به ما يعتبر به غيره، فيمتنع عن مثله {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} أي لمعاصريهم ومن خلفهم ـ وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره ـ وروي عنه أيضاً (لما) بحضرتها من القرى ـ أي أهلها وما تباعد هٰنها ـ أو للآتين والماضين ـ وهو المختار عند جماعة ـ فكل من ظرفي المكان مستعار للزمان، و (ما) أقيمت مقام ـ من ـ إما تحقيراً لهم في مقام العظمة والكبرياء ـ أو لاعتبار الوصف ـ فإن ما يعبر بها عن العقلاء تعظيماً ـ إذا أريد الوصف ـ كقوله: «سبحان ما سخركن» وصحح كونها نكالاً للماضين أنها ذكرت في زبر الأولين ـ فاعتبروا بها ـ وصحت ـ الفاء ـ لأن جعل ذلك (نكالاً) للفريقين إنما يتحقق بعد القول والمسخ، أو لأن ـ الفاء ـ إنما تدل على ترتب جعل العقوبة (نكالا) على القول وتسببه عنه ـ سواء كان على نفسه أو على الإخبار به ـ فلا ينافي حصول الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة، وقيل: ـ اللام ـ لام الأجل و (ما) على حقيقتها ـ والنكال ـ بمعنى العقوبة لا ـ العبرة ـ والمراد بما {بَيْنَ يَدَيْهَا} ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك، وبـ {مَا خَلْفَهَا} ما بعدها، والقول بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يستدعي بقاءهم مكلفين بعد المسخ ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد، وحمل الذنوب التي بعد المسخة ـ على السيآت الباقية آثارها ـ ليس بشيء كما لا يخفى، وقول أبـي العالية ـ إن المراد بـ {مَا بَيْنَ يَدَيْهَا} ما مضى من الذنوب، وبـ {مَا خَلْفَهَا} من يأتي بعد، والمعنى فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم؛ وعبرة لمن بعدهم ـ منحط من القول جداً لمزيد ما فيه من تفكيك النظم والتكلف. {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ} الموعظة ما يذكر مما يلين القلب ـ ثواباً كان أو عقاباً ـ والمراد بالمتقين ما يعم كل متق من كل أمة ـ وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وقيل: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: منهم، ويحتمل أنهم اتعظوا بذلك وخافوا عن ارتكاب خلاف ما أمروا به، ويحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضاً بهذه الواقعة. وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس لعبادته وجعلهم بحيث لو أهملوا وتركوا وخلوا بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وانهمكوا في اللذات الجسمانية والغواشي الظلمانية لضروراتهم لهم واعتيادهم من الطفولية عليها.شعر : والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم تفسير : فوضع الله تعالى العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة ارتكاب الشهوات، وجعل يوماً من أيام الأسبوع مخصوصاً للاجتماع على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية، فوضع السبت لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسبت آخر الأسبوع، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول العوالم، ويوم الأحد أول الأسبوع، والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمع، ـ والختم ـ فهو أوفق بهم وأليق بحالهم ـ فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلاً ـ زال نور استعداده، وطفىء مصباح فؤاده، ومسخ كما مسخ أصحاب السبت، ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال استعداده، وتمكن في طباعه، وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا أطلق عليه اسم/ ذلك الحيوان حتى كأن صار طباعه طباعه، ونفسه نفسه، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكمية، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية:شعر : هي النفس إن تهمل تلازم خساسة وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج

د. أسعد حومد

تفسير : {فَجَعَلْنَاهَا} {نَكَالاً} فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ العُقُوبَةَ نَكَالاً لَهُمْ، وَعِبْرَةً لِغَيرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ المَقْصُودَ بِضَمِيرِ (فَجَعَلْنَاهَا) هُوَ القَرْيَةُ أَيْ فَجَعَلَ اللهُ العُقُوبَةَ التِي أَنْزَلَهَا بِهذِهِ القَرْيَةِ عِبْرَةً لِمَا حَوْلَهَا مِنَ القُرَى. وَكَانَتْ هذِهِ العُقُوبَةُ عِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذِينَ سَيَأْتُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لِيَتَّقُوا نَقْمَةَ اللهِ، وَلْيَحْذَرُوا مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُهَا، إِذا اعْتَدَوْا وَتَجَاوَزُوا حُدُودَ شَرْعِ اللهِ. نَكَالاً - أَيْ ينْكُلُ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا وَيَمْتَنِعُ عَنْ إِتْيَانِ مِثْلِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الله تبارك وتعالى أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والأخلاقية لليهود: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [البقرة: 66] أي ما معها: {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66] أي ما بعدها: "والنكال" هو العقوبة الشديدة .. والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم أولاً .. هذا هو المبدأ الإسلامي والمبدأ القانوني .. فرجال القانون يقولون لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص .. قبل أن تعاقب لابد أن تقول إنّ هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا .. وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقاً للعقوبة .. وما دام هذا هو الموقف فلابد من تشريع. والتشريع ليس معناه أن الله شرع العقوبة .. ولكن معناه محاولة منع الجريمة بالتخويف حتى لا يفعلها أحد .. فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة .. لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها .. وهذا الزجر يسمى نكولاً ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه. إذن قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} [البقرة: 66] .. أي جعلناهم زجراً وعقابا قوياً .. حتى لا يعود أحد من بني إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة: {نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [البقرة: 66] .. أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي لكيلا يقتربوا من هذه المعصية أبداً .. وتكون لهم موعظة لا ينسونها: {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66] يعني جعلناها تتوارثها الأجيال من بني إسرائيل جيلاً بعد جيل .. كما بيّنا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد في المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] .. أي موعظة لكل الناس الذين سيبلغهم الله تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به .. حتى يقوا أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي سيكون فيه ألوان أشد كثيراً من هذا العذاب .. على أننا لابد أن نلفت الانتباه إلى أن مبدأ "إنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص" هو مبدأ إلهي .. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. أي يأتي الرسول أولاً ليجرم هذه الأفعال .. فإن ارتكبها أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة .. ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى وعدله .. فلا يوجد في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، [قال: نا إِبراهيم، قال]: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله عز وجل: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [الآية: 66] يعني لما مضى من خطاياهم {وَمَا خَلْفَهَا} [الآية: 66]، يعني التي أُهلكوا بها. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: لو أَنهم إِذ قال لهم موسى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [الآية 67] ما كانت لأَجزأَت عنهم، فَقَالُوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} [الآية: 68]. / 3و / فادَّعوا دمه عندهم، فضرب بفخذ البقرة، فقام حياً. (وقال) قتلني فلان ثم عاد في ميتته، فقال الله: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [الآية: 72] يعني تغيبون.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ. معنى لِما بينَ يَدَيهَا: هو السّورُ. التي عملوا فِيها المعاصي فِي صيدِهم السَّمكَ. ومعنى ما خَلَفَها لِمنْ كَانَ بعدهم مِنْ بَني إِسرائيل أَنْ لا يعملوا فيها بمثلِ أَعمالِ صَيادي السَّمكِ. والموعظةُ للمتقين: لأمةِ محمدٍ (ص) أَنْ لا يُلحِدوا فِي حَرمِ الله تعالى.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 21 : 119 - قال سفين في قوله {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} قال، لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم). [الآية 66].

همام الصنعاني

تفسير : 66- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً}: [الآية: 66]، قال: لِمَا بين يديها من ذنوبهم، وما خلفها من الحتيان، وموعظة للمتقين بعدهم. 67- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبن سيرين، عن عبيدة السلماني أن رجلاً من بني إسرائيل كان له ذو قرابة هو وارثه قتله، ليرثه، ثم ذهب به فألقاهُ إلى باب قومٍ آخرين، ثم أصبح، يطالب بدمه، فهموا أن يتقتتلوا حتى لبست الطائفتان السلاح، فقال رجل: أتقتتلون وفيكم نبي الله موسى فكف بعضهم عن بعض.