Verse. 74 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قَالَ مُوْسٰى لِقَوْمِہٖۗ اِنَّ اللہَ يَاْمُرُكُمْ اَنْ تَذْبَحُوْا بَقَرَۃً۝۰ۭ قَالُوْۗا اَتَتَّخِذُنَا ھُزُوًا۝۰ۭ قَالَ اَعُوْذُ بِاللہِ اَنْ اَكُوْنَ مِنَ الْجٰہِلِيْنَ۝۶۷
Waith qala moosa liqawmihi inna Allaha yamurukum an tathbahoo baqaratan qaloo atattakhithuna huzuwan qala aAAoothu biAllahi an akoona mina aljahileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قال موسى لقومه» وقد قُتل لهم قتيل لا يُدرى قاتله وسألوه أن يدعو الله أن يبينه لهم فدعاه «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً» مهزوءاً بنا حيث تجيبنا بمثل ذلك «قال أعوذ» أمتنع «بالله أن أكون من الجاهلين» المستهزئين.

67

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات. روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض. المسألة الثانية: أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير. المسألة الثالثة: القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم، وقال منكروا العموم: إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة. يمكن تقسيمه إلى قسمين، فإنه يصح أن يقال: اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت، فإذن المفهوم من قولك «اذبح» معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله: اذبحوا بقرة، أي بقرة شئتم، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله: اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله: اذبحوا بقرة معينة نقضاً، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول. الثاني: أن قوله تعالى: {اذبحوا بَقَرَةٌ } كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد، فإذن قوله: اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ، الثالث: أن قوله تعالى: {بَقَرَةٌ } لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال: رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم. والجواب: أن هذا مصادرة على المطلوب الأول، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله: اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت، وهذا هو عين المتنازع فيه. فهذا هو الكلام في هذه المسألة. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في أن قوله تعالى: {اذبحوا بَقَرَةٌ } هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا: إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة، وقال المانعون منه: هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا ههنا. واحتج الفريق الأول بوجوه. الأول: قوله تعالى: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } و {مَا لَوْنُهَا } وقول الله تعالى: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ، إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأرْضَ } منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة. الثاني: أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك، والأول هو المطلوب، والثاني: يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك، ولما أجمع المسلمون / على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم. فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال: إنها كنايات عن القصة والشأن، وهذه طريقة مشهورة عند العرب؟ قلنا: هذا باطل لوجوه. أحدها: أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد، لأنه لا فائدة في قوله: {بَقَرَةٌ صَفْرَاء } بل لا بد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذا المحذور. وثانيها: أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل. وثالثها: أن الضمير في قوله: {مَا لَوْنُهَا وَمَا هِىَ } لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء } عائداً إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقاً للسؤال. الثالث: أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة، فلما سكتوا ههنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين. واحتج الفريق الثاني بوجوه. أحدها: أن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت، وذلك يقتضي العموم، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفاً جديداً، وثانيها: لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه، فلما عنفهم الله تعالى في قوله: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ }، وفي قوله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة معينة. الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. ورابعها: أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز، والجواب: عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة، أي بقرة كانت، وعن الثاني: أن قوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه، وعن الثالث: أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى، وعن الرابع: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع. واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت، فلا بد وأن نقول: التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول: أي بقرة كانت، وثانياً: أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث. ثم اختلف القائلون بهذا المذهب، منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع، ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلا بد من كونه تكليفاً بعد تكليف، وذلك يدل على أن الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، وله أيضاً تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً. أما قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء: {هُزُواً } بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤاً وكفء وقرأ حفص: (هزواً) بالضمتين والواو وكذلك كفواً. المسألة الثانية: قال القفال قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً} استفهام على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال: كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى: {أية : فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً } تفسير : [المؤمنون: 110] قال صاحب «الكشاف»: (أتتخذنا هزؤاً) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء. المسألة الثالثة: القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى: اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حياً فلا جرم، وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حياً بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء. المسألة الرابعة: قال بعضهم: إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام: أتتخذنا هزؤاً لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر. ومن الناس من قال: إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين. الأول: أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة، وذلك لايوجب الكفر. الثاني: أن معنى قوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً} أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء. أما قوله تعالى: { قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } ففيه وجوه. أحدها: أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازاً هذا هو الوجه الأقوى. وثانيها: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء. وثالثها: قال بعضهم: إن نفس الهزء قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللغة: إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم. واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى: {أية : قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 14 ـ 15]. واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة: السؤال الأول: ما حكى الله تعالى عنهم أنهم: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } فأجاب موسى عليه السلام بقوله: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ } واعلم أن في الآية أبحاثاً: الأول: أنا إذا قلنا إن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام. أما على قول من يقول: إنه في أصل اللغة للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار؟ وفيه وجوه. أحدها: أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً تعجبوا من أمر تلك البقرة، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام. وثانيها: لعل القوم أرادوا بقرة، أي بقرة كانت، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، لما وقعت المنازعة فيه، رجعوا عند ذلك إلى موسى. وثالثها: أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلباً لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة. البحث الثاني: أن سؤال «ما هي» طلب لتعريف الماهية والحقيقة، لأن «ما» سؤال، و «هي» إشارة إلى الحقيقة، فما هي لا بد وأن يكون طلباً للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقاً لهذا السؤال: والجواب عنه: أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم: ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جواباً عن هذا السؤال. البحث الثالث: قال صاحب «الكشاف»: الفارض المسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر: الفتية والعوان النصف، قال القاضي: أما البكر، فقيل: إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد، وقيل: إنها التي ولدت مرة واحدة، قال المفضل بن سلمة (الضبي): إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطناً واحداً. قال القفال: البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال: بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل، وقال بعضهم: العوان التي ولدت بطناً بعد بطن. وحرب عوان: إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وحاجة عوان: إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة. البحث الرابع: احتج العلماء بقوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وههنا سؤالان: الأول: لفظة «بين» تقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟ الجواب: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. السؤال الثاني: كيف جاز أن يشار بلفظه: (ذلك) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر؟ الجواب: جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام. أما قوله تعالى: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ } ففيه تأويلان: الأول: فافعلوا ما تؤمرون به من قولك: أمرتك الخير. والثاني: أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير. واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال. ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها: {صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا }، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر، وههنا سؤالان: الأول: «فاقع» ههنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء؟ الجواب: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك: صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. السؤال الثاني: فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟ الجواب: الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده وجنون مجنون. وعن وهب: إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. أما قوله تعالى: {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ } فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها، قال الحسن: الصفراء ههنا بمعنى السوداء، لأن العرب تسمي الأسود أصفر، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان: {أية : كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ } تفسير : [المرسلات: 33] أي سود، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة، فلم يكن حقيقة فيه، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع، إنما يقال: أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً»تفسير : ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23]، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة. أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة. المسألة الثالثة: احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله: {إِن شَاء ٱللَّهُ } من وجهين: الأول: أن دخول كلمة «أن» عليه يقتضي الحدوث. والثاني: وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية. ولنرجع إلى التفسير، فأما قوله تعالى: {يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ } ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا: ما هو طلب بيان الحقيقة، والمذكور ههنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال؟ وقد تقدم جوابه. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح، وقرىء تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و (قرىء) تشابهت ومتشابهة ومتشابه. أما قوله تعالى: {وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } ففيه وجوه ذكرها القفال. أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها. وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها. وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث. ورابعها: إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأرْضَ } وقوله: {لاَّ ذَلُولٌ } صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث و «لا» الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية، وجملة القول أن الذلول بالعمل لا بد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص. أما قوله تعالى: {مُّسَلَّمَةٌ } ففيه وجوه. أحدها: من العيوب مطلقاً. وثانيها: من آثار العمل المذكور. وثالثها: مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس. ورابعها: مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله: {لاشية فيها } تكراراً غير مفيد، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله: {مُّسَلَّمَةٌ } إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر: أما قوله تعالى: {لاشية فيها } فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله: {لاشية فيها } روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون، والوشي خلط لون بلون. ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا: {الآن جئت بالحق } أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل، قال القاضي: قوله تعالى: {الآن جئت بالحق} كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً. أما قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وههنا بحث: وهو أن النحويين ذكروا «لكاد» تفسيرين. الأول: قالوا: إن نفيه إثبات وإثباته نفي. فقولنا: كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا: ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله. والثاني: وهو اختيار الشيخ عبد القاهر (الجرجاني) النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية. وههنا أبحاث: البحث الأول: روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. البحث الثاني: روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر، قال: فتلوت الآية عليه فقال: الذبح والنحر سواء، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحاً والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي. البحث الثالث: اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة، وعلى كلا الوجهين، فالاحجام عن المأمور به غير جائز، أما الأول: فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقاً. وأما الثاني: وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف، فإن القود إذا كان واجباً عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سبباً للتثاقل في هذا الفعل. البحث الرابع: احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب. قال القاضي: إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجباً وأيضاً فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر. وأقول: حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول: إنه ينافي الوجوب أيضاً فلعله فهم الوجوب ههنا بسبب آخر سوى الأمر، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعاً إلا على وجه الوجوب. والجواب: أن المذكور مجرد قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم. البحث الخامس: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، قالوا: لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور. أما قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا } فاعلم أن وقوع ذلك القتل لا بد وأن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح. أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لا بد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفساً من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، وذلك مستقيم. فإن قيل: هب أنه لا خلل في هذا النظم، ولكن النظم الآخر كان مستحسناً فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع. أما قوله تعالى: {فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا } ففيه وجوه. أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدافعه ويزاحمه. وثانيها: «أدارأتم» ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره. وثالثها: دفع بعضكم بعضاً عن البراءة والتهمة، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع. فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه، قال القفال: والكناية في (فيها) للنفس، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله: {قُتِلْتُمْ } يدل على المصدر. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل. فإن قيل: كيف أعمل «مخرج» وهو في معنى المضي؟ قلنا: قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله: {أية : بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } تفسير : [الكهف: 18] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما «ادارأتم، فقلنا» ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال: لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه. المسألة الثانية: الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه. المسألة الثالثة: تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» تفسير : وكذلك المعصية. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: «قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم». المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله: {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة. أما قوله تعالى: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } للتعقيب، وذلك يدل على أن قوله: {ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } حصل عقيب قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً }. المسألة الثانية: الهاء في قوله تعالى: {ٱضْرِبُوهُ } ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله: {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }. المسألة الثالثة: يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين، بل على التخير بينها وبين غيرها وههنا سؤالان: السؤال الأول: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء؟ الجواب: الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان. السؤال الثاني: هلا أمر بذبح غير البقرة، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو؟ والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: {ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير. واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه. المسألة الخامسة: في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } وعليه هو كقوله تعالى: {أية : ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ } تفسير : [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً: وقتلاً. أما قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت. والثاني: أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم؟ فيه وجهان. الأول: قال الأصم: إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر. قال القاضي: وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت، ثم قال: {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } فجمع {ٱلْمَوْتَىٰ } ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال: دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته. الثاني: قال القفال: ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل: إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } إلى قوله: {أية : لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } تفسير : [البقرة: 26] فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً، ثم قال لهم: {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة. المسألة الثانية: من الناس من استدل بقوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً. أما قوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } فلقائل أن يقول: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟ والجواب: أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات. العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً. وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ففيه بحثان: الأول: أن كلمة «لعل» قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }. الثاني: أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلاً امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لا بد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص، حتى لا ينكروا البعث، هذا آخر الكلام في تفسير الآية. واعلم أن كثيراً من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟ قالوا: لا. لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلاً في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلاً. قال القاضي: لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا؟ وبتقدير أن يكون وارثاً له فهل حرم الميراث أم لا؟ وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملاً ولا مفصلاً، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف. واعلم أن الذي قاله القاضي حق، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول: اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمداً كان أو خطأ أو كان مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، وعند أبي حنيفة رحمه الله، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه، وكذا القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب، وقال عثمان البتي: قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث، وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي. واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس للقاتل من الميراث شيء» تفسير : إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، ثم ههنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصاً سبب آخر، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جداً على القوي جداً. أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به. واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروماً عن الميراث بأنا لا نعلم خلافاً أن من وجب له القود على إنسان فقتله قوداً أنه لا يحرم من الميراث، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} حُكي عن أبي عمرو أنه قرأ «يَأْمُرْكُمْ» بالسكون، وحذف الضمة من الراء لثقلها. قال أبو العباس المبرد: لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب، وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة. {أَنْ تَذْبَحُواْ} في موضع نصب بـ «ـيأمركم»؛ أي بأن تذبحوا. {بَقَرَةً} نصب بـ «ـتذبحوا». وقد تقدّم معنى الذبح، فلا معنى لإعادته. الثانية: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} مقدّم في التلاوة، وقوله: «قَتَلْتُمْ نَفْساً» مقدّم في المعنى على جميع ما ٱبتدأ به من شأن البقرة. ويجوز أن يكون قوله: «قتلتم» في النزول مقدّماً، والأمر بالذبح مؤخراً. ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها؛ فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأُمروا أن يضربوه ببعضها؛ ويكون «وإذ قتلتم» مقدّماً في المعنى على القول الأوّل حسب ما ذكرنا، لأن الواو لا توجب الترتيب. ونظيره في التنزيل في قصة نوح بعد ذكر الطُّوفان وٱنقضائه في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} إلى قوله: {أية : إِلاَّ قَلِيلٌ}تفسير : [هود: 40]. فذكر إهلاكَ من هلك منهم ثم عطف عليه بقوله: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} تفسير : [هود: 41]. فذكر الركوب متأخراً في الخطاب؛ ومعلومٌ أن ركوبهم كان قبل الهلاك. وكذلك قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً}تفسير : [الكهف: 1]. وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قَيِّماً ولم يجعل له عوجا؛ ومثله في القرآن كثير. الثالثة: لا خلاف بين العلماء أن الذّبح أوْلى في الغنم، والنحر أوْلى في الإبل، والتخيّر في البقر. وقيل: الذبح أوْلى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقُرب المنحرَ من المذبح. قال ٱبن المنذر: لا أعلم أحداً حَرّم أكل ما نُحر مما يُذبح، أو ذُبح مما يُنحر. وكره مالك ذلك. وقد يكره المرء الشيء ولا يحرّمه. وسيأتي في سورة «المائدة» أحكام الذبح والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} مستوفىً إن شاء الله تعالى. قال الماوردي: وإنما أمروا ـ والله أعلم ـ بذبح بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهوّن عندهم ما كان يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته. وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة، وليس بعلة في جواب السائل؛ ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حيّ، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. الرابعة: قوله تعالى: {بَقَرَةً} البقرة ٱسم للأنثى، والثَّور ٱسم للذكر؛ مثل ناقة وجمل، وٱمرأة ورجل. وقيل: البقرة واحد البقر؛ الأنثى والذكر سواء. وأصله من قولك: بقَرَ بطنه؛ أي شقه؛ فالبقرة تشقّ الأرض بالحرث وتثيره. ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن علي زين العابدين؛ لأنه بَقَر العلم وعرف أصله، أي شقّه. والبَقِيرة: ثوب يُشقّ فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّين. وفي حديث ٱبن عباس في شأن الهُدهد «فبقر الأرض». قال شَمِر: بَقَر نَظَر موضع الماء، فرأى الماء تحت الأرض. قال الأزهريّ: البقر ٱسم للجنس وجمعه باقر. ٱبن عرفة: يقال بقير وباقر وبَيْقور. وقرأ عكرمة وٱبن يَعمر «إن الباقر». والثَّور: واحد الثيران. والثّور: السيّد من الرجال. والثّور القطعة من الأقِطِ. والثّور: الطُّحْلُب. وثَوْر: جبل. وثَوْر: قبيلة من العرب. وفي الحديث: «حديث : ووقت العشاء ما لم يغب ثَور الشّفق» تفسير : . يعني ٱنتشاره؛ يقال: ثار يثور ثوراً وثوراناً إذا ٱنتشر في الأفق. وفي الحديث: «حديث : من أراد العلم فَلْيُثَوِّر القرآن»تفسير : . قال شَمِر: تثوير القرآن قراءته ومفاتشة العلماء به. قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} هذا جواب منهم لموسى عليه السلام لما قال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} وذلك أنهم وجدوا قتيلاً بين أظهرهم ـ قيل: ٱسمه عاميل ـ وٱشتبه أمر قاتله عليهم، ووقع بينهم خلاف؛ فقالوا: نقتتل ورسول الله بين أظهرنا؛ فأتَوْه وسألوه البيان ـ وذلك قبل نزول القَسَامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ـ فسأل موسى عليه السلام ربه فأمرهم بذبح بقرة؛ فلما سمعوا ذلك من موسى وليس في ظاهره جواب عما سألوه عنه وٱحتكموا فيه عنده؛ قالوا: أتتخذنا هزؤاً؟ والهزء: اللّعب والسُّخرية؛ وقد تقدّم. وقرأ الجحدَرِي «أيتخذنا» بالياء؛ أي قال ذلك بعضهم لبعض فأجابهم موسى عليه السلام بقوله: {أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل؛ فاستعاذ منه عليه السلام؛ لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء. والجهل نقيض العلم. فٱستعاذ من الجهل، كما جهلوا في قولهم: أتتخذنا هزؤاً؛ لمن يخبرهم عن الله تعالى، وظاهر هذا القول يدلّ على فساد ٱعتقاد مَن قاله. ولا يصحّ إيمان مَن قال لنبيٍّ قد ظهرت معجزته، ـ وقال: إن الله يأمرك بكذا ـ: أتتّخذنا هُزُؤاً؟ ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية؛ على نحو ما قال القائل للنبيّ صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حُنَين: إن هذه لَقِسمةٌ ما أريد بها وجه الله. وكما قال له الآخر: اعدل يا محمد. وفي هذا كلّه أدلّ دليل على قبح الجهل، وأنه مفسد للدّين. قوله تعالى: {هُزُواً} مفعول ثان، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو والهمزة. وجَعَلَها حَفْص واواً مفتوحة، لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري على البدل؛ كقوله: «السفهاء ولكن». ويجوز حذف الضمة من الزاي كما تحذفها من عَضُد، فتقول: هزْؤاً، كما قرأ أهل الكوفة؛ وكذلك: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفْؤاً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]. وحكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن كل ٱسم على ثلاثة أحرف أوّله مضموم ففيه لغتان: التخفيف والتثقيل؛ نحو العسر واليسر والهزء. ومثله ما كان من الجمع على فُعْل ككُتُب وكُتْب، ورُسُل ورُسْل، وعُوُن وعُوْن. وأما قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} تفسير : [الزخرف: 15] فليس مثل هزء وكفء؛ لأنه على فُعْل من الأصل. على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. مسألة: في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحقّ للوعيد. وليس المُزاح من الاستهزاء بسبيل؛ ألاَ ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: وقد بلغنا أن رجلاً تقدّم إلى عبيد اللَّه بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد الله فقال: جُبّتُك هذه من صوف نعجة أو صوف كَبْش؟ فقال له: لا تجهل أيها القاضي! فقال له عبيد الله: وأين وجدت المزاح جهلا! فتلاَ عليه هذه الآية؛ فأعرض عنه عبيد اللَّه؛ لأنه رآه جاهلاً لا يعرف المزح من الاستهزاء، وليس أحدهما من الآخر بسبيل.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } أول هذه القصة قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا }تفسير : [البقرة: 72] وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلالها بنوع آخر من مساويهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال. وقصته: أنه كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعاً في ميراثه، وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله. {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أي مكان هزؤ، أو أهله ومهزوءاً بنا، أو الهزؤ نفسه لفرط الاستهزاء استبعاداً لما قاله واستخفافاً به، وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع بالسكون، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واواً. {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } لأن الهزؤ في مثل ذلك جهل وسفه، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذه استفظاعاً له.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم. ذكر بسط القصة قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله، ثم احتمله ليلاً، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض. فقال ذوو الرأي منهم والنهي: علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى عليه السلام، فذكروا ذلك له، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال: فلو لم يعترضوا، لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام: فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا - لابن أخيه - ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً، فلم يورث قاتل بعد. ورواه ابن جرير من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة بنحو من ذلك، والله أعلم. ورواه عبد بن حميد في تفسيره: أنبأنا يزيد بن هارون به. ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره، عن أبي جعفر، هو الرازي، عن هشام بن حسان به، وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية في قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنياً، ولم يكن له ولد، وكان له قريب، وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى عليه السلام، فقال له: إن قريبي قتل، وإني إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحداً يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله، قال: فنادى موسى في الناس، فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا يبينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى عليه السلام، فقال له: أنت نبي الله، فسل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه، فأوحى الله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فعجبوا من ذلك، فقالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا لاَّ فَارِضٌ} يعني: لا هرمة {وَلاَ بِكْرٌ} يعني: ولا صغيرة {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي: نَصَف بين البكر والهرمة {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} أي: صاف لونها {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} أي: تعجب الناظرين {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} أي: لم يذللها العمل {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ} يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، يعني: ولا تعمل في الحرث {مُسَلَّمَةٌ} يعني مسلمة من العيوب {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} يقول: لا بياض فيها {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة، استعرضوا بقرة من البقر، فذبحوها، لكانت إياها، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، ولولا أن القوم استثنوا، فقالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون، لما هدوا إليها أبداً، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز، وعندها يتامى، وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى، فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألت أضعاف ثمنها، فقال موسى: إن الله قد خفف عليكم، فشددتم على أنفسكم، فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى عليه السلام أن يأخذوا عظماً منها، فيضربوا القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتاً كما كان، فأخذ قاتله، وهو الذي كان أتى موسى عليه السلام، فشكا إليه، فقتله الله على أسوأ عمله. وقال محمد بن جرير: حدثني محمد بن سعيد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله في شأن البقرة، وذلك أن شيخاً من بني إسرائيل على عهد موسى عليه السلام كان مكثراً من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم، أتاهم الشيطان، فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين، فأيتهما كانت أقرب إليه، غرمت الدية، وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها، فلما أصبح أهل المدينة، جاء بنو أخي الشيخ فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا، قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلاً، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، وإنهم عمدوا إلى موسى عليه السلام، فلما أتوه، قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولاً على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبرائيل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى عليه السلام، فقال: قل لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فتضربوه ببعضها. وقال السدي: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال، فكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته، فأتاه الفتى، وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أن أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني، فخرج العم مع الفتى ليلاً، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي، فأدوا إليّ ديته، فجعل يبكي، ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعماه فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب القضية، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكن نستحي أن نعير به، فذلك حين يقول تعالى: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَٰرَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} فقال لهم موسى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال ابن عباس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم، فقالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} والفارض: الهرمة التي لا تولد، والبكر: التي لم تلد إلا ولداً واحداً، والعوان: النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} قال: نقي لونها {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} قال: تعجب الناظرين {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} من بياض ولا سواد ولا حمرة {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} فطلبوها، فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلاً مرّ به معه لؤلؤ يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يستقيظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفاً، قال الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبداً، وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه اثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشراً، فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك، فانطلقوا به إلى موسى عليه السلام، فقالوا: يا نبي الله إنا وجدناها عند هذا، وأبى أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمناً، فقال له موسى: أعطهم بقرتك، فقال: يا رسول الله أنا أحق بمالي، فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهباً، فأبى، فأضعفوه له حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهباً، فباعهم إياها، وأخذ ثمنها، فذبحوها، قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله فآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه. وقال سنيد: حدثنا حجاج، هو ابن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض -، قالوا: إن سبطاً من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة، فاعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحداً منهم خارجاً إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم يرَ شيئاً فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف رئيس المدينة فنظر، فلم يرَ شيئاً ففتح الباب، فلما رأى القتيل رد الباب، فناداه أخو المقتول وأصحابه: هيهات، قتلتموه ثم تردون الباب، وكان موسى لما رأى القتل كثيراً في بني إسرائيل كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى، فذكروا له شأنهم، قالوا: يا موسى إن هؤلاء قتلوا قتيلاً، ثم ردوا الباب، قال أهل المدينة: يا رسول الله قد عرفت اعتزالنا الشرور، وبنينا مدينة كما رأيت نعتزل شرور الناس، والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا تصدق ولا تكذب، فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } وقد قُتل لهم قتيل لا يُدرى قاتله وسألوه أن يدعوَ الله أن يُبَيِّنَهُ لهم فدعاه {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } مهزوءا بنا حيث تجيبنا بمثل ذلك؟{قَالَ أَعُوذُ } أمتنع {بِٱللَّهِ } من {أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ } المستهزئين.

الشوكاني

تفسير : قيل: إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدّم في التلاوة، ومؤخر في المعنى، على قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا }تفسير : [البقرة: 72] ويجوز أن يكون قوله: {قتلتم} مقدّماً في النزول، ويكون الأمر بالذبح مؤخراً، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمر بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأمروا أن يضربوه ببعضها هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب، وقد تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع، من دون ترتيب، ولامعية، وسيأتي في قصة القتل تمام الكلام، والبقرة اسم للأنثى، ويقال للذكر ثور، وقيل إنها تطلق عليهما، وأصله من البقر، وهو: الشق؛ لأنها تشق الأرض بالحرث، قال الأزهري: البقر اسم جنس، وجمعه باقر، وقد قرأ عكرمة، ويحيى بن يعمر: {إن * ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } وقوله: {هُزُواً } الهزو هنا: اللعب والسخرية. وقد تقدم تفسيره. وإنما يفعل ذلك أهل الجهل؛ لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله العقلاء، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة بالله سبحانه من الجهل. p>> وقوله: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ } هذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله به، ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة، لأجزأهم ذبح بقرة من عُرْض البقر، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم كما سيأتي بيانه. والفارض: المسنة، ومعناه في اللغة: الواسع. قال في الكشاف: وكأنها سميت فارضاً؛ لأنها فرضت سنها أي: قطعتها وبلغت آخرها. انتهى. ويقال للشيء القديم: فارض، ومنه قول الراجز:شعر : يَا ربَّ ذِي ضغن عَليَّ فَارِضٍ لَهُ قُرُو كَقُرُو الحَائِض تفسير : أي قدي. وقيل: الفارض: التي قد ولدت بطوناً كثيرة فيتسع جوفها، والبكر: الصغيرة التي لم تحمل، وتطلق في إناث البهائم وبني آدم على ما لم يفتحله الفحل، وتطلق أيضاً على الأوّل من الأولاد، ومنه قول الراجز:شعر : يَا بَكْر بَكرين وَيَا صُلْبَ الكْبِد أصْبَحْت مِني كَذِراعٍ من عَضُدْ تفسير : p>> والعوان: المتوسطة بين سني الفارض والبكر، وهي التي قد ولدت بطناً، أو بطنين؛ ويقال: هي التي قد ولدت مرة بعد مرة، والإشارة بقوله: {بَيْنَ ذٰلِكَ } إلى الفارض، والبكر، وهما: وإن كانتا مؤنثتين، فقد أشير إليهما بما هو للمذكر على تأويل المذكور، كأنه قال: بين ذلك المذكور. وجاز دخول بين المقتضية لشيئين؛ لأن المذكور متعدد. وقوله: {فَٱفْعَلُواْ } تجديد للأمر وتأكيد له، وزجر لهم عن التعنت، فلم ينفعهم ذلك، ولا نجع فيهم، بل رجعوا إلى طبيعتهم، وعادوا إلى مكرهم، واستمرّوا على عادتهم المألوفة، فقالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ }.p>> واللون: واحد الألوان، وجمهور المفسرين على أنها كانت جميعها صفراء. قال بعضهم: حتى قرنها، وظلفها. وقال الحسن. وسعيد بن جبير: إنها كانت صفراء القرن. والظلف فقط، وهو: خلاف الظاهر. والمراد بالصفرة هنا الصفرة المعروفة. وروى عن الحسن أن صفراء معناه سوداء، وهذا من بدع التفاسير ومنكراتها، وليت شعري كيف يصدق على اللون الأسود الذي هو: أقبح الألوان أنه يسرّ الناظرين، وكيف يصح وصفه بالفقوع الذي يعلم كل من يعرف لغة العرب أنه لا يجزي على الأسود بوجه من الوجوه، فإنهم يقولون في وصف الأسود: حالك، وحلكوك، ودجوجى وغربيب. قال الكسائي: يقال: فقع لونها يفقع فقوعاً: إذا خلصت صفرته. وقال في الكشاف: "الفقوع أشدّ ما يكون من الصفرة وأنصعه". ومعنى {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ }: تدخل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجاباً بها، واستحساناً للونها. قال وهب: كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها. p>> ثم لم ينزعوا عن غوايتهم، ولا ارعووا من سفههم وجهلهم، بل عادوا إلى تعنتهم فقال: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } أي: أن جنس البقر يتشابه عليهم لكثرة ما يتصف منها بالعوان الصفراء الفاقعة، ووعدوا من أنفسهم بالاهتداء إلى ما دلهم عليه، والامتثال لما أمروا به. p>> والذلول: التي لم يذللها العمل، أي: هي غير مذللة بالعمل، ولا ريضة به. وقوله: {تُثِيرُ } في موضع رفع على الصفة لبقرة، أي: هي بقرة لا ذلول مثيرة، وكذلك قوله: {وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ } في محل رفع؛ لأنه وصف لها، أيّ ليست من النواضح التي يُسْنَى عليها لسقي الزروع، وحرف النفي الآخر توكيد للأوّل، أي هي: بقرة غير مذللة بالحرث، ولا بالنضح، ولهذا قال الحسن: كانت البقرة وحشية. وقال قوم: إن قوله: {تثير} فعل مستأنف، والمعنى: إيجاب الحرث لها، والنضح بها. والأوّل أرجح؛ لأنها لو كانت مثيرة ساقية، لكانت مذللة ريضة، وقد نفى الله ذلك عنها. p>> وقوله: {مُّسَلَّمَةٌ } مرتفع على أنه من أوصاف البقرة، ويجوز أن يكون مرتفعاً على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي: مسلمة. والجملة في محل رفع على أنها صفة، والمسلَّمة: هي التي لا عيب فيها. وقيل: مسلمة من العمل، وهو ضعيف؛ لأن الله سبحانه قد نفى ذلك عنها، والتأسيس خير من التأكيد، والإفادة أولى من الإعادة. والشية أصلها: وشِيَة حذفت الواو كما حذفت من يشي، وأصله يوشى، ونظيره الزنة، والعدة، والصلة، وهي مأخوذة من وشي الثوب: إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشى في وجهه، وقوائمه سواد. والمراد أن هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في جسمها لمعة من لون آخر. فلما سمعوا هذه الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب، ولا يخالج سامعها شك، ولا تحتمل الشركة بوجه من الوجوه، أقصروا من غوايتهم، وانتبهوا من رقدتهم، وعرفوا بمقدار ما أوقعهم فيه تعنتهم من التضييق عليهم {قَالُواْ ٱلئَـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ } أي: أوضحت لنا الوصف، وبينت لنا الحقيقة التي يجب الوقوف عندها، فحصلوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات {فَذَبَحُوهَا } وامتثلوا الأمر الذي كان يسراً، فعسروه، وكان واسعاً فضيقوه {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } ما أمروا به؛ لما وقع منهم من التثبط، والتعنت، وعدم المبادرة. فكان ذلك مظنة للاستبعاد، ومحلا للمجىء بعبارة مشعرة بالتثبط الكائن منهم. وقيل: إنهم ما كادوا يفعلون؛ لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف، وقيل: لارتفاع ثمنها. وقيل: لخوف انكشاف أمر المقتول، والأوّل أرجح. وقد استدل جماعة من المفسرين والأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل إمكان الفعل. وليس ذلك عندي بصحيح لوجهين: الأوّل: أن هذه الأوصاف المزيدة بسبب تكرر السؤال هي من باب التقييد للمأمور به، لا من باب النسخ، وبين البابين بَوْن بعيد كما هو مقرر في علم الأصول. الثاني: أنا لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه، فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأوّل أن يعمدوا إلى بقرة من عُرْض البقر فيذبحونها، ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان، والصفراء، ولا دليل يدل على أن هذه المحاورة بينهم، وبين موسى عليه السلام واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عليها، ويديرون الرأي بينهم في أمرها، ثم يوردونها، وأقلّ الأحوال الاحتمال القادح في الاستدلال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عبيدة السلماني؛ قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلاً، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدّعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذو الرأي منهم: علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى، فذكروا ذلك له، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } الآية، قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا، فشدّد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً، فذبحوها فضربوه ببعضها، فقام فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً، ولم يورّث قاتل بعده. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب: «من عاش بعد الموت» عن ابن عباس؛ أن القتيل وجد بين قريتين؛ وأن البقرة كانت لرجل كان يبرّ أباه، فاشتروها بوزنها ذهباً. وأخرج ابن جرير، عنه، نحواً من ذلك، ولم يذكر ما تقدم في البقرة. وقد روى في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة. وأخرج البزار، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأهم، أو لأجزأت عنهم»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا أن بني إسرائيل قالوا: {وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا، فشدّد الله عليهم»تفسير : وأخرج نحوه الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة؛ يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه ابن جرير، عن ابن جريج يرفعه. وأخرجه ابن جرير، عن قتادة يرفعه أيضاً، وهذه الثلاثة مرسلة. وأخرج نحوه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس؛ قال: الفارض الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف. وأخرج نحوه عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } قال: بين الصغيرة، والكبيرة، وهي أقوى ما يكون، وأحسنه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا } قال: شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله: {صَفْرَاء } قال: صفراء الظلف {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا } قال: صافي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا } أي: صاف {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ } أي: تعجب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: {صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا } قال: سوداء شديدة السواد. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {لاَّ ذَلُولٌ } أي: لم يذلها العمل {تُثِيرُ ٱلأرْضَ } يعني ليست بذلول، فتثير الأرض {وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ } يقول: ولا تعمل في الحرث {مُّسَلَّمَةٌ } قال: من العيوب. وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. وقال: {لأشية فِيهَا } لا بياض فيها ولا سواد. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس {مُّسَلَّمَةٌ } لا عوار فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: {قَالُواْ ٱلئَـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ } قالوا: الآن بينت لنا {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لغلاء ثمنها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنًَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} وكان السبب في أمر موسى لقومه بذلك، ما ذكره المفسرون: أن رجلاً من بني إسرائيل كان غنياً، ولم يكن له ولد، وكان له قريب يرثه، فاستبطأ موته، فقتله سراً وألقاه في موضع الأسباط، وادعى قتله على أحدهم، فاحتكموا إلى موسى، فقال: من عنده من ذلك علم؟ فقالوا: أنت نبي الله، وأنت أعلم منا، فقال: إن الله عز وجل يأمركم أن تذبحوا بقرة، فلما سمعوا ذلك وليس في ظاهره جواب عما سألوا عنه {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} والهزء: اللعب والسخرية. قال الراجز: شعر : قَدْ هَزِئَتْ مَنِّيَ أُمُّ طَيْسَلَة قَالَتْ أَرَاهُ مُعْدِماً لاَ شَيْءَ لَه تفسير : {قَالَ: أعُوذُ بِاللهِ أنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ} لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء، جهل، فاستعاذ منه موسى، لأنها صفة تنتفي مع الأنبياء، وإنما أمر ـ والله أعلم ـ بذبح البقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته. والقبرة اسم للأنثى، والثور للذكر، مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل، فيكون تأنيثه بغير لفظه. واسم البقرة مأخوذ من الشق من قولهم بقر بطنه إذا شقه، لأنها تشق الأرض في الحرث.

ابن عبد السلام

تفسير : {هُزُواً} اللعب والسخرية، قالوه استبعاداً لما بين السؤال والجواب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً...} قال ابن عرفة: هذا الأمر (على الوجوب) على تقدير عدم العفو من أولياء القتيل لأن ما يتوصّل (إلى الواجب) إلاّ به فهو واجب. قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً...} هذا على سبيل الغفلة والذهول من غير تأمل، (وإن) قالوه بعد تأمل فهو كفر، لأن نسبة الاستهزاء إلى النبي كفر. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} تفسير : من مجاز المقابلة كـَ {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ}، تفسير : لا أنه حقيقة، وقُرِىء "يَتَّخِذُنَا" بياء الغيبة، فإن كان فاعله عائدا على الله تعالى فهو أشد في الكفر والتعنت، وإن كان عائدا على موسى عليه السلام فهو أخف من (اقترانه) (بتاء) الخطاب لأنهم حينئذ (يكون) قالوا ذلك بعضهم لبعض في (حالة) غيبة موسى عنهم، ولم يباشروه بهذه المقالة. قوله تعالى: {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}. من باب نفي الشيء بنفي لازمه، لأن الاستهزاء ملزوم للجهل فينتفي الأمران: الاستهزاء والجهل، وجميع ما هو من لوازم الجهل، ولو نفي الاستهزاء وحده لما نفي الجهل ولا ما (عد) من لوازمه. قيل لابن عرفة: قد يكون الاستهزاء مع العلم؟ فقال: من غير (النبي أما من النبي المعصوم) فَلاَ، والاستعاذة بالله فيها إقرار بالتوحيد ونسبة كل الأمور إليه عز وجلّ. قلت: ونظير الآية قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يأمركم} بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء. {هزؤا} ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل. وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً {جئت} وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت {فأدارأتم} بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، {عما يعملون} بالياء التحتانية: ابن كثير. الوقوف: {بقرة} (ط) {هزواً} (ط) {الجاهلين} (ه) نصف الجزء {ما هي} (ط) {ولا بكر} (ط) لأن التقدير هي عوان {بين ذلك} (ط) على تقدير قد تبين لكم {فافعلوا ما تؤمرون} (ه) {ما لونها} (ط) {صفراء} (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة {الناظرين} (ه) {ما هي} (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال {علينا} (ط) {لمهتدون} (ه) {الحرث} (ج) لأن قوله {مسلمة} صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة {لا شية فيها} (ط) {جئت بالحق} (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها {فذبحوها} (ط) {يفعلون} (ه) {فادارأتم فيها} (ط) {يكتمون} (ه) ج للآية والفاء بعدها {ببعضها} (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم {كذلك يحيي الله الموتى} {تعقلون} (ه) {قسوة} (ط) {الأنهار} (ط) {الماء} (ط) {خشية الله} (ط) لتفصيل دلائل القدرة {تعملون} (ه). التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام، فاجتهد موسى في تعرف القاتل. فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة. فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم. وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى عليه السلام أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً. واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح. والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله {وما كادوا يفعلون} ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال. وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام. ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث. ثم اختلف القائلون بهذا المذهب. منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها. ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال. وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب. ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له. {أتتخذنا هزواً} استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء. ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة. واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر. وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء {من الجاهلين} إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد. وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم. ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام. أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة. فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال. قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات. فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟ فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص. فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من". الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها. والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان. والعوان النصف قال: شعر : نواعم بين أبكار وعون. تفسير : وقد غونت وقال: شعر : فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا تفسير : وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد. وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام {ما تؤمرون} مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به. بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون. والفقوع أشد ما يكون من الصفرة. يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع. والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع. وعن علي عليه السلام: من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله {سر الناظرين} وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله تعالى {أية : جمالات صفر} تفسير : [المرسلات: 33] {إن البقر تشابه علينا} لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير {وإنا إن شاء الله لمهتدون} عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" تفسير : وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل {لا ذلول} صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث. "لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث. تقول: رجل صبور وامرأة صبور {مسلمة} سلمها الله تعالى من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان. وعلى هذا يكون {لا شية فيها} كالبيان. والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" {الآن} اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي {جئت بالحق} أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف {فذبحوها} والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر. والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل. والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق. ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب {وما كادوا يفعلون} استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم {وإذ قتلتم نفساً} خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم {فادارأتم فيها} فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه. وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم {والله مخرج} مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل. وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله {أية : وكلبهم باسط ذراعيه} تفسير : [الكهف: 18] فلهذا صح عمل اسم الفاعل. وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات. وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس "تفسير : وكذلك المعصية والضمير في {اضربوه} عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة {قتلتم} أو {ما كنتم تكتمون} واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى. روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس للقاتل من الميراث شيء"تفسير : والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي. ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ. وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه. وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله. ومحل {كذلك} نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء. وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين. وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" {ويريكم آياته} دلائله على أنه قادر على كل شيء. فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى عليه السلام آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة. ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات. وفي قوله {كذلك} دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في {ذلك الكتاب} {لعلكم تعقلون} تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك. فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟ قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟ قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في {ببعضها} إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى. قوله {ثم قست قلوبكم} الآية. خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات. ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة. وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة. فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة. فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً. وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم. وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز. ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض. ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً. وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل. ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" {لما يهبط} للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه تعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء {وما الله بغافل عما تعملون} وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة {أية : فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً}تفسير : [مريم: 84] ووصفه تعالى بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم}تفسير : [البقرة: 255]. التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا. شعر : اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي تفسير : مت بالإرادة تحيا بالطبيعة. وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة {ما هي إنها بقرة} نفس تصلح للذبح بسيف الصدق {لا فارض} في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد {ولا بكر} في سن شرخ الشباب يستهويه سكره {عوان بين ذلك} لقوله {أية : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة} تفسير : [الأحقاف: 15]. {بقرة صفراء} إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات {فاقع لونها} يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين. {لا ذلول تثير الأرض} لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها {ولا تسقي} حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق {مسلمة} من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله {وما كادوا يفعلون} بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه. {وإذ قتلتم نفساً} يعني القلب {فادّارأتم} فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة {فقلنا اضربوه ببعضها} ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله تعالى وقال {أية : إن النفس لأمارة بالسوء} تفسير : [يوسف: 53] {وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم. والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه. فإراءة الآيات للخواص {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} تفسير : [فصلت: 53] {أية : ويريكم آياته لعلكم تعقلون}تفسير : [البقرة: 73] لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف {أية : لولا أن رأى برهان ربه}تفسير : [يوسف: 24] سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها. والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ...} الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة علَىٰ ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله؛ ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه؛ ليأخذ ديته، ويلطِّخهم بدمه. وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه؛ حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء؛ حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النُّهَىٰ، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إِلَىٰ موسَىٰ عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالَىٰ إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فَيَحْيَـــىٰ ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}، فكان جوابهم أنْ {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوْمَ أحدٌ عن بعض أقوال النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسَىٰ عليه السلام: {أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالَىٰ مستهزئاً. والآخر: من الجهل؛ كما جهلوا في قولهم. وقوله تعالَىٰ: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ...} الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فٱستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم؛ قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره. والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر؛ من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة. قال: * م *: قال الجَوْهَرِيُّ: والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عُونٌ. انتهى. * ت *: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز] شعر : مَعْنَىٰ «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ تفسير : وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه. وقوله: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه. قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: {صَفْرَاءُ}؛ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ»: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا } أي: صافٍ لونُها. انتهى. والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة؛ كما خُصَّ أحمرُ بِقَانِىء، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية. وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : لَوْلاَ مَا ٱسْتَثْنَوْا، مَا ٱهْتَدَوْا إِلَيْهَا أَبَداً» تفسير : وقوله: {لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ}، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، و {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، و {مُسَلَّمَةٌ}: بناء مبالغة من السلامة؛ قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب، وقال مجاهد: معناه: من الشِّيَاتِ والألوانِ، وقيل: من العمل. و {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}، أي: لا خلاف في لونها؛ هي صفراء كلُّها؛ قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة؛ يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أَبْقَعُ، وثَوْرٌ أَشْيَهُ؛ كل ذلك بمعنى البلقة. وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة علَىٰ ما روي؛ أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد ٱستودَعَ اللَّه عِجْلَةً لكَ، فٱذْهَبْ، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه؛ حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فٱشتطَّ عليهم، فَأَتَوْا به موسَىٰ عليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه. فٱشتروْهَا منه بِوَزْنِهَا مرَّةً؛ قاله عَبِيدة السَّلْمَانِيُّ،... وقيل: بوزنها مرتَيْنِ. وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملْء جلْدها دنانير. و {ٱلئَـٰنَ}: مبنيٌّ على الفتح، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضِي والمستقبلِ، و {جِئْتَ بِٱلْحَقِّ}: معناه؛ عند من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ. وقوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البَقَرة، وقيل: كان ذلك خوف الفَضيحة في أمر القاتل. و {ٱدَّارَءْتُمْ}: معناه: تدافَعْتُم قتْلَ القتيل، و {فِيهَا}، أي: في النَّفْس. وقوله تعالى: {ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}: آية من اللَّه تعالَىٰ علَىٰ يدَيْ موسَىٰ عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فَيَحْيَـــىٰ ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره؛ لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً. وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ يُحْيِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ...} الآيةَ: في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حُكِيَ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم؛ ليعتبر به إلى يوم القيامة. وذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصِرِي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله: {ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}، وروي أن هذا القتيل لما حَيِـــيَ، وأخبر بقاتله، عاد ميتاً كما كان.

ابن عادل

تفسير : في مناسبة هذه القصة لما قبلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ـ تعالى ـ لما عدد النعم المتقدمة على بني إسرائيل كإنزال المَنّ والسَّلْوَى، ورفع الطُّور، وغير ذلك ـ ذكر بعده هذه النعم التي بها بيّن البريء من غيره وذلك من أعظم النعم. الثّاني: أنه ـ تعالى ـ لما حكى عنهم التَّشْديدات والتعنُّت كقوله: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً}تفسير : [النساء:153] وقولهم: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ}تفسير : [البقرة:61]، وغير ذلك من التعنُّت ذكر بعده تعنتاً آخر، وهو تعنتهم في صفة البقرة. الثالث: ذكرها معجزة للنبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه أخبر بهذه القصّة من غير تعلّم وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. هذه الآية متأخرة في المعنى دون التلاوة عن قوله: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً}تفسير : [البقرة:72] وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. والجمهور على ضم الرَّاء في "يَأْمُرُكم"؛ لأنه مضارع معرب مُجَرّد عن ناصب وجازم، وروي عن أبي عمرو سكونها سكوناً محضاً، واختلاس الحركة، وذلك لتوالي الحركات، لأن الراء حرف تكرير، فكأنها حرفان، وحركتها حركتان. وقيل: شبَّهها بـ "عَضْد" فَسُكِّن أوسطه إجراء للمنفصل مجرى المتصل، وهذا كما تقدم في قراءة {أية : بَارِئِكُمْ}تفسير : [البقرة:54] وقد تقدم ذكر من استضعفها من النُّحَاة، وتقدّم ذكر الأجوبة عنه. ويجوز إبدال همزة "يَأمُرُكمْ" ألفاً، وهذا مطرد. و "يأمركم" هذه الجُمْلة في محلّ رفع خبر لـ "إن"، و "إن" وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولاً بالقول، والقول وما في حيّزه في محلّ جرّ بإضافة الظرف إليه، والظرف معمول لفعل محذوف أي: اذكر. قوله: {أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} أن وما حيّزها مفعول ثانٍ لـ "يأمركم"، فموضعها يجوز أن يكون نصباً، وأن يكون جرًّا على ما مضى من الخلاف، لأن الأصل على إسقاط حرف الجر أي بأن تَذْبَحُوا، يجوز أن يوافق الخليل هنا على أن موضعها نصب؛ لأن هذا الفعل يجوز حذف الباء معه، ولو لم تكن الباء في "أن" نحو: "أمرتك الخير". و "البقرة" واحدة البقر، تقع على الذّكر والأنثى نحو: "حَمَامة"، والصِّفة تميز الذّكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصّة من هذا الجنس مقابل الثور، نحو: نَاقَة وجَمَل، وأَتَان وحِمَار. وسمي هذا الجنس بذلك، لأنه يَبْقُر الأرض، أي: يشقّها بالحرث، ومنه: بَقَرَ بطنه، والباقر أبو جعفر، لشقِّه العلم، والجمع "بَقَر وَبَاقِر وَبَيْقُور وَبَقِير". و "البَقِيرة": ثوب يشقّ فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّين. فصل في قصة القتيل روي عن ابن عباس وسائر المفسرين: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له ليرثه، وقيل: لينكح زوجته، وقيل: إن ابن أخيه قتله ليتزوج ابنته، وكان امتنع من تزويجها له، فقتله ثم رماه في مجمع الطريق، ثم شكا ذلك إلى موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فاجتهد موسى في أن يعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا: قل لربك "بَيِّنْه" فأوحى الله إليه أن يأمرهم بأن يذبحوا بقرة [فعجبوا] من ذلك، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعينت لم يجدوها بذلك النَّعت إِلاَّ عند إنسان معيّن ولم يبعها إلاَّ بأضعاف ثمنها فاشتروها وذبحوها، وأمرهم موسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أن يأخذوا عُضْواً منها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا فأحيا الله القتيل، وسمى لهم قاتلهم، وهو الذي ابتدأ بالشّكاية فقتلوه [فوراً]. قوله: "أَتتَّخِذُنَا هُزواً" المفعول الثاني لـ "أتتخذنا" هو "هُزواً"، وفي وقوع "هزواً" مفعولاً ثانياً ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على حَذْف مضاف، أي: ذوي هزء. الثاني: أنه مصدر واقع موقع المفعول به، أي مهزوءاً بنا. الثالث: أنهم جعلوا نفس الهزء مُبَالغة. وهذا أولى. وقال الزمخشري: وبدأ بـ "أَتَجْعَلُنَا" مكان هُزْءٍ، وهو قريب من هذا. وفي "هزواً" ستّ قراءات، المشهور منها ثلاث: "هُزُؤًا" بضمتين مع الهمز، و "هُزْءًا" بسكون الزَّاي مع الهمز وصلاً، وهي قراءة حمزة رحمه الله، فإذا وقف أبدلها واواً، وليس قياس تخفيفها، وإنما قياسه إلقاء حركتها على الساكن قبلها. وإنما اتبع رسْمَ المصحف، فإنها رسمت فيه "واو"، ولذلك لم يُبْدِلها في "جزءاً" واواً وقفاً لأنها لم تُرْسَم فيه واواً كما سيأتي، وقراءته أصلها الضم كقراءة الجماعة إلاّ أنه خُفِّفَ كقولهم في عنق: عُنْق. وقيل: بل هي أصل بنفسها ليست مخففةً من ضم. حكى مكّي عن الأخفش عن عيسى بن عمر: "كل اسم ثلاثي أوله مضموم يجوز فيه لغتان: التخفيف والتثقيل". و "هُزُواً" بضمتين مع الواو وصلاً ووقفاً، وهي قراءة حفص عن عاصم، كأنه أبدل الهمزة واواً تخفيفاً، وهو قياس مطرد في كل همزة مفتوحة مضموم ما قبلها نحو: جُوَن في جُؤَن، وحكم [كُفْواً] في قوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص:4] حكم "هزواً" في جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً. و "هُزاً" بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها، وهو أيضاً قياس مطرد. و "هُزْواً" بسكون العين مع الواو. و "هُزًّا" بتشديد الزاي من غير همزة، ويروى عن أبي جعفر [وتقدم معنى "الهزء" في أول سورة]. وقال الثعلبي في تفسيره: قرىء: "هُزُؤًّا" و "كُفُؤًّا" مثقلات ومهموزات، وهي قراءة أبي عمرو وأهل "الشام" و "الحجاز" واختار الكسائي، وأبو عبيد، وأبو حاتم "هُزُوًّا" و "كُفُوًّا" مثقلات بغير همز قال: وكلّها لغات صحيحة فصيحة معناها: الاستهزاء. فصل في الباعث على تعجبهم القوم إنما قالوا ذلك؛ لأنهم لما طلبوا من موسى ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ تعيين القاتل، فقال موسى عليه الصّلاة والسلام: اذبحوا بقرة فلم يفرقوا، وبين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه ـ عليه الصَّلاَة والسَّلاَم ـ يُدَاعبهم؛ لأنه من المحتمل أن يكون ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أمرهم بذبح البقرة، ولم يعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة، وضربوا القتيل ببعضها يصير حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بيّن لهم كيفية الحال إلاّ أنهم تعجّبوا من [أن] القتيل كيف يصير حيًّا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة، وظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء. نقل القرطبي عن المَاوَرْدَيّ قال: "وإنما أمروا ـ والله أعلم ـ بذبح بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العِجْل ليُهَوِّن عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته". وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة، وليس بعلّة في جواب السَّائل، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حَيّ، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. فصل في بيان هل كفر قوم موسى بسؤالهم ذلك؟ قال بعضهم: إن أولئك الأقوام كفروا بقولهم لموسى عليه الصلاة والسلام: أتتخذنا هزوًا، لأنهم إن قالوا لموسى ذلك لأنهم شكّوا في قدرة الله ـ تعالى ـ على إحياء الميت فهو كفر، وإن شكّوا في ذلك أن الذي أمرهم به موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ هل هو بأمر الله، فقد جَوّزوا الخيانة على موسى ـ عليه الصَّلاة والسِّلام ـ في الوحي، وذلك أيضاً كفر، ومن الناس من [قال]: إنه لا يوجب الكفر لوجهين: الأول: أن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ يداعبهم مُدَاعبة حقّه، وذلك لا يوجب الكفر. والثاني: أن معنى قوله: "أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً" أي: ما أعجب هذا الجواب، كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء. قوله: "أَعُوذُ بِاللَّهِ" تقدم إعرابه في الاستعاذة. وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى، كأنه قال لا أهزأ مستعيذاً بالله من ذلك فإن الهازىء جاهل، فلم يستعذ موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الشَّيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السَّبب الموجب له، كما يقول: أعوذ باللَّه من عدم العَقْل؛ وغلبة الهَوَى، والحاصل أنه أطلق اسم السّبب على المسبب مجازاً. ويحتمل أن يكون المراد "أعوذ باللَّه أن أَكُونَ من الجَاهِلِين" بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد، والوعيد العظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقْدَامي على الاستهزاء. وقال بعضهم: إن نفس الهزوّ قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللُّغة أن الجَهْل ضدّ الحلم، كما قال بعضهم: إنه ضدّ العلم. قوله: "أَنْ أَكُونَ" أي من أن أكون، فيجيء فيه الخلاف المعروف. و "مِنَ الْجَاهِلِيْنَ" خبرها، وهو أبلغ من قولك: أن أكون جاهلاً. فإن المعنى أنْ انتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل. قوله: "قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ" فـ"يبيّن" مجزوم على جواب الأمر كقوله: {أية : فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا}تفسير : [البقرة:61]. قوله: "مَا هِيَ"، "ما" استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، تقديره: أي شيء هي؟ وما [الاستفهامية] يطلب بها شرح الاسم تارة، نحو: ما العَنْقَاء؟ وماهية المسمى أخرى، نحو: ما الحركة؟. وقال السكاكي: "يسأل بـ "ما" عن الجنس، تقول: ما عندك؟ أي: أيّ أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه "كتاب" ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيد؟ وجوابه: "كريم"، وهذا هو المراد في الآية. و "هي" ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبراً لـ "ما" والجملة في محلّ نصب بـ "يبيّن"؛ لأنه معلّق عن الجملة بعده، وجاز ذلك، لأنه شبيه بأفعال القلوب. قوله: "لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ" لا "نافية"، و "فارض" صفة لـ "بقرة". واعترض بـ "لا" بين الصفة والموصوف، نحو: "مررت برجل لا طويل ولا قصير". وأجاز أبو البقاء: أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي: لا هي فَارِضٌ. وقوله: "ولا بِكْر" مثل ما تقدّم. وتكررت "لا" لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أَو حال وجب تكريرها تقول: "زيد لا قائم ولا قاعد"، و "مررت به لا ضحاكاً ولا باكياً". ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافاً للمبرِّد وابن كَيْسَان؛ فمن ذلك: [الطويل] شعر : 568ـ وَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقُتَ لِغَيْرنا حَيَاتُكَ لاَ نَفْعٌ ومَوْتُكَ فَاجِعُ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 569ـ قَهَرْتُ الْعِدَا لاَ مُسْتَعِيناً بِعُصْبَةٍ وَلَكِنْ بَأَنْواعِ الْخَدائِعِ وَالمَكْرِ تفسير : فلم يكررها في الخبر، ولا في الحال. و "الفارض": المُسِنّة الهَرِمَة، قال الزمخشريُّ: كأنها سميْت بذلك؛ لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي: قَطَعَتْهَا وبلغت آخرها؛ قال: [الطويل] شعر : 570ـ لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فَارِضاً تُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ تفسير : ويقال لكل ما قَدُمَ: فارض؛ قال [الرجز] شعر : 571ـ شَيَّبَ أَصْدَاعِيْ فَرَأْسِي أَبْيَضُ مَحَامِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ تفسير : أي: كبار قدماء. وقال آخر: [الرجز] شعر : 572ـ يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِ لَهُ قُرُوءٌ كَقُروءِ الْحَائِضِ تفسير : وقال الرَّاغب: سميت فارضاً؛ لأنها تقطعه الأرض، والْفَرْضُ في الأصل القطع، وقيل: لأنها تحمل الأعمال الشاقة. وقيل: لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، قال: فعلى هذا تكون الفارض اسماً إسلاميّاً. وقيل: "الفَارِضُ": التي ولدت بطوناً كثيرة فيتسّع جوفها لذلك؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، نقله القرطبي عن بعض المتأخرين. ويقال: فَرَضَتْ ـ تَفْرِضُ ـ بالفتح ـ فُرُوضاً. وقيل: فَرُضَتْ ـ بالضم ـ أيضاً. وقال المفضَّل بن سَلَمَةَ: الفارض: المُسِنَّة. و "البِكْر": ما لم تحمل. وقيل: ما ولَدَتْ بطناً واحداً، وذلك الولد بِكْرٌ أيضاً. قال: الرجز] شعر : 573ـ يَا بِكْرَ بَكْرَين وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْ أَصْبَحْتَ مِنِّي كِذِرَاع مِنْ عَضُدْ تفسير : و "البِكْر" من الحيوان: من لم يطرقه فحل، و "البَكْر" ـ بالفتح ـ الْفَتِيُّ من الإِبِل، والبَكَارة ـ بالفتح ـ المصدر. وقال المفضَّل بن سلمة: البِكْر: الشابة. قال القفال - رحمه الله تعالى ـ: اشتقاق البكر يدل على الأول، ومنه الباكورة لأول الثمرة، ومنه: بُكْرَة النهار، ويقال: بكرت عليه البارحة، إذا جاء في أول الليل. والأظهر أنها هي التي لم تلد؛ لأن المعروف من اسم البكر من إناث بني آدم: ما لم يَنْزُ عليها الفحل. قوله: عَوَانٌ صفة لـ "بقرة"، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي: هي عَوانٌ كما تقدم في {لاَّ فَارِضٌ}[البقرة:68] والعوان: النَّصَف، وهو التوسُّط بين الشيئين، وذلك أقوى ما يكون وأحسنه؛ قال: [الوافر] شعر : 574ـ.................. نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارِ وَعُون تفسير : وقال الشاعر يصف فرساً: [الطويل] شعر : 575ـ كُمَيْتِ بَهِيمِ اللَّونِ لَيْسَ بِفَارِضٍ وَلاَ بِعَوانٍ ذَاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ تفسير : "فرس أخصف" إذا ارتفعَ الْبَلَق من بطنه إلى جنبه، ويقال للنخلة الطويلة: عوان، وهي فيما زعموا لغة عَانِيَة، حكاه القرطبي. وقيل: هي التي ولدت مرة بعد أخرى منه "الحرب العوان" أي التي جاءت بعد حرب أخرى؛ قال زهير: [الطويل] شعر : 576ـ إِذَا لَحِقَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌ ضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاسَ أَنْيَابُهَا عُصْلُ تفسير : والعُوْن ـ بسكون الواو ـ الجمع، وقد بضم ضرورة كقوله: [السريع] شعر : 577ـ....................... .... في الأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ تفسير : بضم الواو. ونظيره في الصحيح "قَذال وقُذُل" و "حِمَار وحُمُر". قوله: "بين ذلك" صفة لـ "عوان" [فهي] في محلّ رفع، ويتعلق بمحذوف، أي: كائن بين ذلك، و "بين" إنما تضاف لشيئين فصاعداً، وجاز أن تضاف ـ هنا ـ إلى مفرد؛ لأنه يشار به إلى المُثَنَّى والمجموع؛ كقوله: [الرمل] شعر : 578ـ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ تفسير : كأنه قيل: بين ما ذكر من الفارض والبكر. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو لإشارة المذكر؟ قلت: لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم، وقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: [الرجز] شعر : 579ـ فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَولِيعُ الْبَهَقْ تفسير : إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبَلَق فقل: كأنهما، فقال: أردتُ: ذَاكَ وذَلِكَ. والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها، وجمعها، وتأنيثها ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء "الذي" بمعنى الجمع واحتج بعض العلماء بقوله: "عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ" على جواز الاجتهاد، واستعمال غلبة النَّص في الأحكام، إذ لا يعلم أنها بين الفَارِض والبِكْر إلا من طريق الاجتهاد. قوله: {مَا تُؤْمَرونَ} "ما" موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف تقديره: تؤمرون به، فحذفت الباء، وهو حذف مطرد، فاتصل الضمير فحذفت "الهاء"، وليس هو نظير: {أية : كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}تفسير : [التوبة:69] فإن الحذف ـ هناك ـ غير مقيس. ويضعف أن تكون "ما" نكرة موصوفة. قال أبو البقاء: لأن المعنى على العموم، وهو بـ "الذي" أشبه، ويجوز أن تكون مصدرية أي: أمركم بمعنى مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر كـ "ضَرْب الأمير" قاله الزمخشري. و "تؤمرون" مبني للمفعول، و "الواو" قائم مقام الفاعل، ولا محلّ لهذه الجملة لوقوعها صلة. فصل في الغاية من وصف البقرة والمقصود كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصَّغيرة تكون ناقصة؛ لأنها لم تصل إلى حالة الكمال، والمُسِنّة صارت ناقصةً؛ لتجاوزها حَدّ الكمال، والمتوسط هو الذي يكون في حال الكمال. قاله الثعلبي. قوله: {مَا لَوْنُهَا} كقوله: "مَا هِيَ". وقرأ الضحاك: "لونها" بالنصب. وقال أبو البقاء: لو قرىء: "لَوْنهَا" بالنصب لكان له وَجْهٌ، وهو أن تكون "ما" زائدة كهي في قوله {أية : أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ}تفسير : [القصص:28] ويكون التقدير: يبين لنا لَوْنَهَا وهذا تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت، وهذا يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ويدل على أن الأمر على الفور؛ لأنه ـ تعالى ـ ذمهم على التأخير بقوله: {أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [البقرة:71]. واستدل بعضهم على أن الأمر على التراخي؛ لأنه ـ تعالى ـ لم يعنفهم على التأخير والمُرَاجعة في الخطاب، قاله القرطبي عن ابن خُوَيْزِمَنْداد. قال الثعلبي: وقرأ الضحاك: "لونَهَا" بالنصب. وأما "ما هي" فابتداء وخبر لا غَيْرُ، إذ لا يمكن جعل "ما" زائدة؛ لأن "هي" لا يصح أن يكون مفعول "يبين" يعني: أنها بصيغة الرفع، وهذا ليس من مواضع زيادة "ما" فلا حاجة إلى هذا. واللَّوْن عبارة عن الحُمْرة والسَّوَاد ونحوهما، واللَّوْن ـ أيضاً - النَّوْع، وهو الدَّقَل نوع من النخل. قال الأَخْفَشُ: "هو جماعة واحدها لِينَة" وفلان يَتَلَوَّنُ، أي: لا يثبتُ على حال؛ قال الشاعر: [الرمل] شعر : 580ـ كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنْ غَيْرُ هَذَا بِكَ أَجْمَلْ تفسير : و "صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا" يجوز أن يكون "فاقع" صفة، و "لونها" فاعل به، وأن يكون خبراً مقدماً و "لونها" مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ذكرهما أبو البقاء. وفي الوجه الأول نظر، وذلك أن بعضهم ذكر أن هذه التوابع للألوان لا تعمل عمل الأفعال. فإن قيل: يكون العمل لـ "صفراء" لا لـ "فاقع" كما تقول: "مررت برجل أبيض ناصع لونه" فـ "لونه" مرفوع بـ "أبيض" لا بـ "ناصع". فالجواب: أن ذلك ـ هاهنا ـ ممنوع من جهة أخرى، وهو أن "صفراء" مؤنّث اللفظ، ولو كان رافعاً لـ "لَوْنُها" لقيل: أصفر لونها، كما تقول: مررت بامرأة أصفر لونها، ولا يجوز: صفراء لونها؛ لأن الصفة كالفعل، إلاَّ أن يقال: إنه لما أضيف إلى مؤنث اكتسب منه التأنيث، فعومل معاملته كما سيأتي. ويجوز أن يكون "لونها" مبتدأ و "تَسُرُّ" خبره، وإنما أنث الفعل لاكتسابه بالإضافة معنى التأنيث؛ كقوله: [الطويل] شعر : 581ـ مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّياحِ النَّوَاسِمِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 582ـ وَتَشْرَقُ [بَالقَوْلِ] الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّم تفسير : أنّث فعل المَرِّ والصَّدْرِ لما أضيفا لمؤنث، وقرىء: {أية : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ}تفسير : [يوسف:10]. وقيل: لأن المراد باللَّون هنا الصُّفرة، وهي مؤنّثة، فحمل على المعنى في ذلك، ويقال: أصفر فاقع، وأبيض ناصع، ويَقِقٌ ولَهِقٌ ولِهَاقٌ، وأخضر ناضر، وأحمر قانىء، وأسود حالك وحائك وَحُلْكُوك، ودَجُوجِيٌّ وغِرْبِيبٌ، وبَهِيم. وقيل: "البهيم الخالص من كل لون". وبهذا يظهر أن "صفراء" على بابها من اللون المعروف لا سَوْدَاء كما قاله بعضهم: فإن الفُقُوع من صفة الأصفر خاصّة، وأيضاً فإنه مجاز بعيد، ولا يستعمل ذلك إلا في الإبل لِقُرْبِ سوادها من الصّفرة، كقوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ}تفسير : [المرسلات:33] وقال [الخفيف] شعر : 583ـ تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وتِلْكَ رِكَابِي هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ تفسير : فإن قيل: هلاّ قيل: صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذلك اللون؟ فالجواب: فائدته التأكيد؛ لأن اللون اسم للهَيْئَةِ، وهي الصّفرة، فكأنه قال: شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جدّ جدّه. وعن وهب: إذا نظرت إليها خُيِّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جِلْدِهَا، فمعنى قوله: "تَسُرُّ النَّاظِرِينَ" أي: يعجبهم حسنها وصَفَاءُ لونها، لأن العين تسر بالنظر إلى الشيء الحسن. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من لبس نعلاً صفراء قلّ همه؛ لأن الله تعالى يقول: {صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ}. قال الكسائي؛ يقال: فَقَع لونها يَفْقَعُ فُقُوعاً، إذا خَلَصَت صفرته، والإفْقَاع: سوء الحال، وفَوَاقِعُ الدهر: بَوَائِقُه، وفَقَّع بأصابعه: إذا صوَّت، ومنه حديث أبن عباس: "نَهَى عن التَّفقيع في الصلاة"، وهي الفرقعة، هي غَمْزُ الأصابع حتى تُنْقِض، قاله القرطبي. واختلفوا هل كانت جميعها صفراء حتى قُرونها وأظلافها، أو الصفرة المعتادة؟ قولان. وفي قوله: "فاقع" لطيفة، وهي أنه وصفها باسم الفاعل الذي هو نعت للدوام والاستمرار. يعني: في الماضي والمستقبل. وفي قوله: "تَسُرُّ" لطيفةٌ، وهي أنه أتى بصيغة المضارع وهو يقتضي التجدُّد والحدوث، بخلاف الماضي. وفي قوله: "النَّاظرين" آية لطيفة، وهي أنه أتى بصيغة الجمع المُحَلّى بالألف واللام، ليعمّ كلّ ناظر منفردين ومجتمعين. وقيل: المراد بالنظر نظر البصر للمرء والمرأة أو المراد به النظر بعين اليقين، وهو التفكر في المخلوقات. قوله: {تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ} جملة في محل رفع صفة لـ "بقرة" أيضاً، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون خبراً عن "لونها" بالتأويلين المذكورين. و "السرور" لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه، ومنه [السرير] الذي يُجْلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك. قوله: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ} تقرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد، ليزدادوا بياناً لوصفها، وفي مصحف عبد الله: "سل لنا ربك يبين لنا ما هي؟ وما صفتها". قوله: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} البَقَر: اسم إن، وهو اسم جنس كما تقدم. وقرأ محمد ذو الشامة الأموي: "إنّ البَاقِرَ" وهو جمع البَقَر كـ "الجَامِل" جماعة الجَمَل؛ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 584ـ مَا لِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشاً خَلِقاً كَحَوْضِ البَاقِرِ المُتَهَدِّمِ تفسير : قال قطرب: "يقال لجمع البقرة: بَقَر وبَاقِر وبَاقُور وبَيْقُور". وقال الأَصْمَعِيّ: "الباقر" جمع باقرة، قال: ويجمع بقر على بَاقُورة، حكاه النّحاس. قال القرطبي: والباقر والبقر والبيقور والبقير لُغَات بمعنى واحد والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في "تشابه". و "تشابه" جملة فعلية في محلّ رفع خبر لـ "إن"، وقرىء: "تَشَّابَهُ" مشدَّداً ومخفَّفاً، وهو مضارع الأصل: "تَتَشَابَهُ" بتاءين، فَأُدْغِمَ تارةً، وحذف منه أخرَى، وكلا الوجهين مقيس. وقرىء أيضاً: "يَشَّابَهُ" بالياء من تحت، [وأصله: يَتَشَابَهُ فأدغم أيضاً، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان؛ لأن فاعله اسم جنس] وفيه لغتان: التذكيرُ والتأنيثُ، قال تعالى: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:7] فَأَنَّث، و{أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر:20] فذكر، وقيل: ذكر الفعل لتذكير لفظ "البقرة"؛ كقوله: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}. وقال المبرِّد: سئل سِيبَوَيْهِ عن هذه الآية، فقال: "كل جمع حروفه أقل من حروف وَاحِدِه، فإن العرب تذكره"؛ واحتج بقول الأعشى: [البسيط] شعر : 585ـ وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ [وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أيُّهَا الرَّجُلُ] تفسير : ولم يقل: "مرتحلون". وفي "تشابه" قراءات: "تَشَابَهَ" بتخفيف الشين وفتح الباء والهاء، وهي قراءة العامة. و "تَتَشَابَه" بتاءين على الأصل. و "تَشَّبَّه" بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل: تَتَشَبَّهُ. و "تَشَابَهَتْ" على وزن "تَفَاعلت" وهو في مصحف أُبَيّ كذلك أَنّثه لتأنيث البقرة. و "مُتَشَابِهَة" و "مُتَشَبِّهة" على اسم الفاعل من تشابه وتشبّه. وقرىء: "تَشَبَّهَ" ماضياً. وقرأ ابن أبي إسحاق: "تَشَّابَهَتْ" بتشديد الشين، قال أبو حاتم: هذا غلط، لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلاّ في المضارع.. وهو معذور في ذلك. وقرىء: "تَشَّابَهَ" كذلك، إلا أنه بطرح تاء التأنيث، ووجهها على إشكالها أن يكون الأصل: إن البقرة تشابهت، فالتاء الأولى من البقرة و [التاء] الثانية من الفعل، فلما اجتمع مثلان أدغم نحو: الشجرة تمايلت، إلاّ أنه يُشكِل أيضاً في تَشَّابَه من غير تاء؛ لأنه كان يجب ثبوت علامة التأنيث. وجوابه: أنه مثل: [المتقارب] شعر : 586ـ................... وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا تفسير : مع أن ابن كيسان لا يلتزم ذلك في السّعَةِ. وقرأ الحسن: "تَشَابَهُ" بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشين أراد: تتشابه. وقرأ الأعرج: "تَشَّابَهُ" بفتح التاء وتشديد الشين وضمّ الهاء على معنى: تتشابه. وقرأ مجاهد: "تَشَّبَّه" كقراءة الأعرج، إلا أنه بغير ألف. ومعنى الآية: [التلبيس] والتشبه. قيل: إنما قالوا: "إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا" أي: اشتبه أمره علينا، فلا نهتدي إليه؛ لأن وجوه البقر [تتشابه] يريد: أنها يشبه بعضها بعضاً، ووجوه البقر تتشابه. قوله: {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} هذا شرط جوابه محذوف لدلالة "إنْ"، ما في حيّزها عليه، والتقدير: إن شاء الله هِدَايتنا للبقرة، اهتدينا، ولكنهم أخرجوه في جملة اسمية مؤكدة بحرفي تأكيد مبالغة في طلب الهِدَاية، واعترضوا بالشرط تيمُّناً بمشيئة الله تعالى. و "المهتدون" اللام: لام الابتداء داخلة على خبر "إن". وقال أبو البقاء: جواب الشرط "إن" وما عملت فيه عند سيبويه. وجاز ذلك لما كان الشرط متوسطاً، وخبر "إنَّ" هو جواب الشرط في المعنى، وقد وقع بعده، فصار التقدير: إن شاء الله هدايتنا اهتدينا. وهذا الذي قاله لا يجوز، فإنه متى وقع جواب الشرط ما لا يصلح أن يكون شرطاً وجب اقترانه بالفَاءِ، وهذه الجملة لا تصلح أن تقع شرطاً، فلو كانت جواباً لزمتها الفاء، ولا تحذف إلا ضرورة، ولا جائز أن يريد أبو البقاء أنه دالّ على الجواب، وسماه جواباً مجازاً؛ لأنه جعل ذلك مذهباً للمبرد مقابلاً لمذهب سيبويه فقال: وقال المبرد: والجواب محذوف دلت عليه الجملة؛ لأن الشرط معترض، فالنية به التأخير، فيصير كقولك: أنت ظالم إن فعلت. وهذا الذي نقله عن المبرد هو المنقول عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه قريبٌ مما نقل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوز تقديم جواب الشَّرْط عليه، وقد ردّ عليهم البصريون بقول العرب: "أنت ظالم إن فعلت". إذ لو كان جواباً لوجب اقترانه بالفاء لما ذكرت ذلك. وأصل "مُهْتَدُون": "مُهْتَدِيُون"، فأعلّ بالحذف، وهو واضح. فصل في الاستثناء بالمشيئة قال الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَبَداً ". تفسير : واعلم أن التلفّظ بهذه الكلمة مندوب إليه في كلّ عمل يراد تحصيله، قاله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الكهف:23، 24]. وفيه استعانة بالله وتفويض الأمور إليه، والاعتراف بقدرته. فصل في الإرادة الكونية احتج أهل السُّنة بهذه الآية على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى. وعند المعتزلة أن الله ـ تعالى ـ لما أمرهم بذلك، فقد أراد اهتداءهم لا مَحَالَة، وحينئذ لا يبقى لقولهم: "إنْ شاء الله" فائدة. قال ابن الخطيب: أما على قول أصحابنا، فإن الله ـ تعالى ـ قد يأمر بما لا يريد، فحينئذ يبقى لقولهم: "إن شاء الله" فائدة. فصل في مذهب المعتزلة في المشيئة احتج المعتزلة بهذه الآية على أن مشيئة الله ـ تعالى ـ محدثة من وجهين: الأول: أن دخول حرف "إن" يقتضي الحدوث. الثاني: أنه ـ تعالى ـ علّق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزليًّا وجب ألاّ تكون مشيئة الاهتداء أزلية. فصل في تقدير المشيئة ذكر القفال في تقدير هذه المشيئة وجوهاً: أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيل أوصافها المميزة لها عن غيرها. وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيَّانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها. وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى، أي: في استقصائنا في السّؤال عن أوصاف البقر، أي إنّا لسنا على ضلالة فيما نفعل من هذا البحث. ورابعها: إنا بمشيئة الله نَهْتَدِي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما تمتاز به عن غيرها. قال القرطبي: وفي هذا الاستثناء إنابةٌ وانقياد، ودليل نَدَم على عدم موافقة الأمر. وتقدير الكلام: وإنما لمهتدون إن شاء الله. فقدم على ذكر الاهتداء اهتماماً به. قوله: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} المشهور "ذَلُولٌ" بالرفع على أنها صفة لـ "بقرة"، وتوسطت "لا" للنفي كما تقدم في " لاَ فَارِض"، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: لا هي ذلول، والجملة من هذا المبتدأ أو الخبر في [محل] رفع صفة لـ"بقرة". وقرىء: "لاَ ذَلُولَ" بفتح اللام على أنها "لا" التي للتَّبرئة والخبر محذوف تقديره: لا ذلولَ ثَمَّ أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه القراءة، ولذلك قال الأخفس: "لا ذلول نعت، ولا يجوز نصبه". و "الذَّلُول": التي ذُلِّلَت بالعمل، يقال: بقرة ذَلُول بَيِّنَةُ الذِّل ـ بكسر الذال، ورجل ذَلِيل: بين الذُّل ـ بضمّها، وقدم عند قوله: {أية : ٱلذِّلَّةُ}تفسير : [البقرة:61]. [قوله]: {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} في هذه الجملة أقوال كثيرة: أظهرها: أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في "ذلول" تقديره: لا تُذَلُّ حال إثارتها. وقال ابن عطية: وهي عند قوم جملة في موضع الصفة لـ "بقرة" أي: لا ذلولٌ مثيرة. وقال أيضاً: "ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال؛ لأنها نكرة". أما قوله: في موضع الصفة فإنه يلزم منه أن البقرة كانت مثيرة للأرض، وهذا لم يقل به الجمهور، بل قال به بعضهم، وسيأتي إن شاء الله. وأما قوله: لا يجوز أن تكون حالاً يعني من"بقرة"؛ لأنها نكرة. فالجواب: أنَّا لا نسلم أنها حال من "بقرة"، بل من الضمير في "ذلول" كما تقدم، أو تقول: بل هي حال من النكرة؛ لأن النكرة قد وصفت وتخصصت بقوله: "لا ذَلُول"، وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقاً. وقيل: إنها مستأنفة، [واستئنافها على وجهين: أحدهما: أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي تثير. والثاني: أنها مستأنفة] بنفسها من غير تقدير مبتدأ، بل تكون جملة فعلية ابْتُدِىءَ بها لمجرد الإخبار بذلك. وقد منع من القول باستئنافها جماعة منهم الأَخْفَشُ عليّ بن سليمان، وعلل ذلك بوجهين: أحدهما: أن بعده: "وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ" فلو كان مستأنفاً لما صحّ دخول "لا" بينه وبين "الواو". والثّاني: إنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله ـ تعالى ـ نفى عنها ذلك بقوله: "لا ذَلُول" وهذا المعنى هو الذي منع أن يكون "تُثِير" صفة بـ "بقرة"؛ لأن اللازم مشترك، ولذلك قال أبو البقاء: ويجوز على قول مَنْ أثبت هذا الوجه ـ [يعني: كونه تثير الأرض ولا تسقي ـ أن تكون "تثير" في موضع رفع صفة لـ "بقرة". وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني]، فإن إثارة الأرض عبارة عن مَرَحِهَا ونَشَاطِهَا؛ كما قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 587ـ يُهِيلُ ويُذْرِي تُرْبَهُ وَيُثِيرُهُ إِثَارَةَ نَبَّاثِ الهَوَاجِرِ مُخْمِسِ تفسير : أي: تثير الأرض مرحاً ونشاطاً لا حَرْثاً وعملاً. وقال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، ثم قال: وهو بعيد عن الصّحة لوجهين: أحدهما: أنه عطف عليه قوله: "وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ"، فنفى المعطوف، فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك؛ لأنه في المعنى واحد، ألا ترى أنك لا تقول: مررت برجل قائم ولا قاعد، بل تقول: لا قاعد بغير واو، كذلك يجب أن يكون هذا. وذكر الوجه الثاني لما تقدم، وأجاز أيضاً أن يكون "تثير" في محلّ رفع صفة لـ "ذلول"، وقد تقدم خلاف هل يوصف الوصف أم لا؟ فهذه ستة أوجه تلخيصها: أنها حال من الضمير في "ذَلُول"، أو من "بقرة"، أو صفة لـ "بقرة"، أو لـ "ذلول"، أو مستأنفة بإضمار مبتدأ، أو دونه. قوله: {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} الكلام فيه هذه كالكلام فيما قبلها من كونها صفة لـ "بقرة"، أو خبر لمبتدأ محذوف. وقال الزمخشري: و "لا" الأولى للنفي يعني الدَّاخلة على "ذلول". والثانية مزيدة لتأكيد الأولى؛ لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي، على أن الفعلين صفتان لـ "ذَلُول"، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. وقرىء: "تُسْقى" بضم التاء من "أَسْقى". وإثارة الأرض: تحريكها وبَحْثُهَا، ومنه: {أية : وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ}تفسير : [الروم:9] أي: بالحَرْث والزراعة، وفي الحديث: "حديث : أَثِيرُوا القُرْآ نَ فَإنَّهُ عِلْمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ". تفسير : وفي رواية: "حديث : مَنْ أَرَادَ العِلْمَ فَلْيُثوِّرِ القُرْآن ". تفسير : وجملة القول أن البقرة لا يكون بها نَقْص، فإن الذلول بالعمل لكونها تثير الأرض، وتسقي الحرث لابد وأن يظهر بها النقص. قال القرطبي: قال الحسن: وكانت تلك البقرة وَحْشِية، ولهذا وصفها الله ـ تعالى ـ بأنها لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث. وقال: الوقف ـ هاهنا ـ حسن. و "مُسَلَّمة" قيل: من العيوب مطلقاً. وقيل: من آثار العمل المذكور. وقيل: مسلمة من الشّبه التي هي خلاف لونها، أي: خلصت صُفْرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: "لاَ شِيَةَ فِيهَا" يصير تكراراً. و "شِيَة": مصدر وَشَيْتُ الثوب أَشِيه وَشْياً وَشِيَةً، حذفت فاؤها؛ لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع، ثم حمل باقي الباب عليه، ووزنها "عِلَةٌ" ومثلها: "صِلَةٌ وعِدَةٌ وَزِنَة". وهي عبارة عن اللُّمْعَة المخالفة للون، ومنه: ثوب مَوْشِيٌّ: أي: منسوج بلونين فأكثر، وثور مَوْشِيٌّ القَوَائِمِ، أي: أَبْلَقُهَا؛ قال: [البسيط] شعر : 588ـ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ تفسير : ومنه: الواشي ـ للنَّمَّام؛ لأنه يَشِي حديثه، أي يزينه ويخلطه بالكذب. وقال بعضهم: ولا يقال له وَاشٍ حتى يغير كلامه ويزينه. ويقال: ثور أَشْيَهُ، وفرس أَبْلَقُ، وكَبْش أخْرَجُ، وتَيْس أَبْرَق، وغُراب أَبْقَع، كل ذلك بمعنى البلقة. و "شية" اسم "لا"، و "فيها" خبرها. فصل في ضبط الحيوان بالصفة دلت هذه الآيات على ضَبْطِ الحيوان بالصفة، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السَّلَمُ فيه، وكذلك كل ما ضبط بالصفة. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لاَ تَصِفُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا"تفسير : . فجعل عليه الصلاة والسلام الصّفة تقدم مقام الرؤية. قوله: {ٱلآنَ جِئْتَ} الآن منصوب بـ "جئت"، وهي ظَرْف للزّمان يقتضي الحال، ويخلص المضارع له عند جمهور النّحاة. وقال بعضهم: هذا هو الغالب، وقد جاء حيث لا يمكن أن يكون للحال، كقوله: {أية : فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ}تفسير : [الجن:9] {أية : فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ}تفسير : [البقرة:187] فلو كان يقتضي الحال لما جاء مع فعل الشرط والأمر اللذين هما نصّ في الاستقبال، وعبر عنه هذا القائل بعبارة تُوافق مذهبه وهي: "الآن" لوقت حصر جميعه أو بعضه يريد بقوله: "أو بعضه" نحو: "فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ"، وهو مبني. واختلف في علّة بنائه: فقال الزَّجَّاج: لأنه تضمن معنى الإشارة؛ لأن معنى أفعل الآن، أي: هذا الوقت. وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لَفْظ واحد، من حيث إنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمع ولا يصغّر. وقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف، وهو الألف واللام كـ "أمس"، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه، ولم يُعْهَد مُعرفٌ بـ "أل" إلا معرباً، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في "الذي والّتي" وبابهما، ويعزى هذا للفارسي، وهو مردود بأن التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه. وهو لازم للنظر فيه، ولا يتصرف غالباً، وقد وقع مبتدأ في قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : فَهُوَ يَهْوِي في قَعْرِهَا الآنَ حِينَ انْتَهَى ". تفسير : فـ "الآن" مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدم، و "حين" خبره، بُنِيَ لإضافته إلى غير متمكِّن، ومجروراً في قوله: شعر : 589ـ أَإِلَى الآنِ لاَ يَبِينُ ارْعِوَاءٌ ..................... تفسير : وادعى بعضهم إعرابه مستدلاًّ بقوله: [الطويل] شعر : 590ـ كَأَنَّهُمَا مِلآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا وَقَدْ مَرَّ لِلدَّارَيْنِ مِنَ بَعْدِنَا عَصْرُ تفسير : يريد: "مِنَ الآنِ" فجره بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر، وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماضي، وأن أصله "آنَ" بمعنى: "حان" فدخلت عليه "أل" زائدة، واسْتُصْحِب بناؤه على الفَتْح، وجعله مثل قولهم "ما رأيته من شب إلى دُبَّ". وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : وأنْهَاكُمْ عَنْ قِيلٍ وَقَال ". تفسير : ورد عليه بأن "أل" لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره. وعنه قول آخر أن أصله "أوان" فحذفت الألف، ثم قلبت الواو ألفاً، فعلى هذا ألفه عن واو. وأدخله الرَّاغب في باب "أين"، فتكون ألفه عن "ياء". والصواب الأول. وقرىء: قالوا: ألآن بتحقيق الهمزة من غير نَقْل، وهي قراءة الجمهور. و "قَالُ: لأنَ" بنقل حركة الهمزة على اللام قبلها، وحذف الهمزة، وهو قياس مطّرد، وبه قرأ نافع وحمزة باختلاف عنه. و "قَالُوا: لآنَ" بثبوت "الواو" من "قالوا"؛ لأنها إنما حذفت لالتقاء الساكنين، وقد تحركت "اللام" لنقل حركة "الهمزة" إليها، واعتدوا بذلك كما قالوا في الأحمر "مَحْمَر". وسيأتي تحقيق هذا ـ إن شاء الله تعالى ـ في {أية : عَاداً ٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم:50] ويحكى وجه رابع "قَالُوا: آلآنَ" بقطع همزة الوصل، وهو بعيد، و "بِالحَق" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون باء التَّعدية كالهمزة كأنه قيل: "أَجَأْتَ الحق"، أي: ذكرته. الثاني: أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل "جئت" أي: جئت ملتبساً بالحق، أو "ومعك الحق". فصل في تحقيق أنهم لم يكفروا قال القاضي: قولهم: "الآن جِئْتَ بِالْحَقِّ" كفر من قِبَلِهم لا محالة؛ لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقّة. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً. قوله: "فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ" أي: فذبحوا البقرة. و "كَادُوا" كاد واسمها وخبرها، والكثير في خبرها تجرده من "أن". وشذ قوله: [الرجز] شعر : 591ـ قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ الْبِلَى أَنْ يَمْصَحَا تفسير : وهي عكس "عسى" وذكروا لـ "كاد" تفسيرين: أحدهما: قالوا: نفيها إثبات وإثباتها نفي، فقوله: كاد يفعل كذا، معناه: قرب من أن يفعل، لكنه ما فعله. والثاني: قال عبد القاهر النحوي: إن "كاد" لمقاربة الفعل، فقوله: "كاد يفعل" [معناه] قرب من فعله. وقوله: "ما كاد يفعل" معناه: ما قرب منه. وللأولين أن يحتجوا بهذه الآية؛ لأن قوله: "ومَا كَادُوا" معناه ما قاربوا الفعل، ونفى المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كانت "كاد" للمقاربة لزم وقوع التناقض في الآية، وقد تقدم الكلام على كاد عند قوله: {أية : يَكَادُ ٱلْبَرْقُ}تفسير : [البقرة:20]. فصل في النسخ بالأشقّ روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: لو ذبحوا أيّة بقرة أرادوا لأجزأت عنهم؛ لكنه شددوا على أنفسهم، فشدد الله ـ تعالى ـ عليهم، فعلى هذا نقول: التكاليف متغيرة فكلفوا في الأول أية بقرة كانت، فلما لم يفعلوا كلفوا بأن تكون لا فارضاً ولا بكراً، قيل: عَوَان، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كُلِّفوا أن تكون مع ذلك لا ذَلُول تثير الأرض ولا تسقي الحرث؛ لأنه قد ثبت أنه لا يجوز تأخير البيان، فلا بد من كونه تكليفاً بعد تكليف وذلك يدلّ على نسخ الأسهل بالأشقّ على جواز النسخ قبل الفعل، وعلى وقوع النسخ في شرع موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعلى أن الزيادة على النص نسخ، وعلى حسن التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً، وعلى أن الأمر للوجوب والفور؛ لأنه ـ تعالى ـ ذمَّ التثاقل فيه، والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، ولم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر. قال القاضي: إنما وجب؛ لأن فيه إزالة شرّ وفتنة، فأمر تعالى بذبح البقرة، لكي يظهر القاتل، فيزول الشَّر والفتنة، فلما كانت المصلحة في هذا الفعل صار واجباً. وقال بعضهم: إما أمروا بذبح بقرة معيّنة في نفسها، فلذلك حسن موقع سؤالهم لأن المأمور به إذا كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام، وعلى القول الأول لا بُدّ من بيان ما الذي حملهم على [هذا] الاستفسار؟ فقيل: إن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما أمرهم بذبح بقرة وأن يضربوا القتيل ببعضها فيصير حيًّا تعجبوا من ذلك، وظنوا أنّ تلك البقرة التي لها هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة فلا جرم استقصوا في السؤال عنها كَعَصا موسى المخصوصة من بين سائر العصِيّ بتلك الخواص، إلاّ أن القوم أخطئوا في ذلك؛ لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصة للبقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله ـ تعالى ـ على يد موسى عليه الصلاة والسلام. وقيل: لعلّ القوم أرادوا أَيَّ بقرة كانت إلاّ أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى شبهة في نفوسهم وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا عند ذلك إلى موسى عليه الصلاة والسلام. قال القُشيريّ في تفسيره: قيل: إن أوّل من راجع موسى ـ عليه الصَّلاة والسلام ـ في البحث عن البقرة القاتل خوف أن يفتضح، وقد وجدت تلك البقرة عند الشّاب. وقيل: إن الخطاب الأول للعموم، إلاَّ أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلباً لمزيد البيان، وإزالة سائر الاحتمالات إلاّ أن المصلحة تغيرت، واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة. وقيل: كان سؤالهم تقديراً من الله ـ عز وجلّ ـ وحكمة، ومصلحة لصاحب البقرة، فإنه يروى أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ولد بارّ، وكان له عجلة فأتى بها غَيْضَة وقال: اللّهم إن استودعتكها لابْنِي حتى يكبر، ثم مات الأب فشبّت، وكانت من أحسن البقر [وأتمّها] وهي البقرة التي وصفها الله لهم فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير. ذكر مكي: أن هذه البقرة نزلت من السماء، ولم تكن من بقر الأرض قاله القرطبي. وزاد الماوردي: ثم فرق ثمنها على بني إسرائيل، فأصاب كل فقير دينارين، وروي أنهم طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. فصل في سبب تثاقلهم اختلفوا في السبب الذي كان لأجله "ما كادوا يفعلون"، فقيل: لأجل غلاء ثمنها، وقيل: لخوف الشهوة والفضيحة، وعلى كلا القولين فالإحْجَام عن المأمور به غير جائز. أما الأول فلأن ذبح البقرة ما كان يتمّ إلا بالثمن الكثير فوجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إلاّ أن يدل دليل على خلافه. وأما خوف الفضيحة فلا يدفع التكليف، فإن القَوَدَ إذا وجب عليه لزمه تسليم النفس من وليّ الدم إذا طالب، وربما لزمه التعويض ليزول الشر والفتنة، وإنما لزمه ذلك لتزول التّهمة عن القوم الذين طرحوا القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم إليه، فيلزمهم أزالتها، فكيف يجوز جعله سبباً للتَّثَاقُلِ في هذا الفعل. قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}. أعلم أن وقوع ذلك القتل كان متقدماً على الأمر بالذبح، فأما الإخبار عن وقع ذلك القتل، وعن ضرب القتيل ببعض البقرة، فلا يجب أن يكون متقدماً في التلاوة في الأول؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب؛ لأنه تارة يتقدّم ذكر السبب على الحكم، وتارة على العكس، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم الله ـ تعالى ـ بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذا قتلتم نفساً من قبل، واختلفتم وتنازعتم، فإني أظهر لكم القاتل الذي [سترتموه] بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة. وذلك مستقيم والواو لا تقتضي الترتيب. قال القرطبي: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [هود:40] إلى قوله: "إِلاّ قَلِيْلٌ" فذكر أهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه بقول: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَٰهَآ}تفسير : [هود:41] فذكر الركوب متأخراً، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك، ومثله في القرآن كثير، قال تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً}تفسير : [الكهف:1، 2] أي: أنزل على عبده الكتاب قَيِّماً ولم يجعل له عوجاً فإن قيل [هب أنه] لا خلل في هذا النظم [ولكن النظم] الآخر كان مستحسناً، فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بالذبح على ذلك القتل؛ لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من تثنية التفريع. فصل في نسبة القتل إلى جميعهم "فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا" فعل وفاعل، والفاء للسببية؛ لأن التَّدَارُؤَ كان مسبباً عن القتل، ونَسَبَ القتل إلى الجميع، وإن لم يصدر إلا من واحد أو اثنين كما قيل؛ لأنه وُجِد فيهم وهو مجاز شائع. وأصل "ادّارأتم": تدارأتم تَفَاعلتم من الدَّرْء هو الدّفع، فاجتمعت "التاء" مع "الدال" وهي مُقارِبتها، فأريد الإدغام فقلبت التاء دالاً، وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها فبقي "ادارأتم"، والأصل ادْدَارأتم فأدغم، وهذا مطرد في كل فعل على "تفاعل" أو "تفعّل" فاؤه دال نحو: "تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّنَ وأدَّيَنَ" أو طاء، أو ظاء، أو صاداً، أو ضاداً نحو: "تطاير واطَّايَر" وتطير واطّير [وتظاهر واظَّاهر، وتطهر واطَّهَّر، والمصدر على التفاعل أو التفعّل نحو: تَدَارُؤ وتَطَهُّر] نظراً إلى الأصل. وهذا أصل نافع في جميع الأبواب. معنى "ادرأتم": اختلفتم واختصمتم في شأنها. وقيل: [تدافعتم] أي كل واحد ينفي القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره. والكناية في قوله: "فيها" للنفس. وقال القفال: ويحتمل إلى القتلة؛ لأن قوله: "قتلتم" يدل على المصدر. قوله: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} الله رفع بالابتداء و "مخرج" خبره، و "ما" موصولة منصوبة المحل باسم الفاعل. فإن قيل: اسم الفاعل لا يعمل بمعنى الماضي إلا محلّى بالألف واللام، فالجواب: أن هذه حكاية حال ماضية، واسم الفاعل فيها غير ماض وهذا كقوله تعالى: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}تفسير : [الكهف:18]. والكسائي يُعْمِله مطلقاً، ويستدل بهذا ونحوه. و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية، فلا بد من عائد، تقديره: مخرج الذي كنتم تكتمونه، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موضع المفعول به، أي: مخرج مكتومكم وهذه الجملة لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما: "فَادَّارَأْتُمْ" وقوله: "فَقُلْنَا: اضْرِبُوهُ" قاله الزمخشري. والضمير في: فاضربوه" يعود على "النفس" لتأويلها بمعنى الشخص والإنسان، أو على القتيل المدلول عليه بقوله: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} والجملة من "اضربوه" في محلّ نصب بالقول. وفي الكلام محذوف والتقدير: قلنا: اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي، إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله: {يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} عليه، فهو كقوله: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ}تفسير : [البقرة:60] أي: فضرب فانفجرت [وقوله: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ}تفسير : [البقرة:184] أي: فأفطر فعدّة] وقوله: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ}تفسير : [البقرة:196] أي: فحلق ففدية. فصل في بيان المضروب به اختلفوا في البعض الذي ضربوا القتيل به. فقيل: اللِّسَان، لأنه آلة الكلام قاله الضحاك والحسين بن الفَضْل. وقال سعيد بن جُبَير: بعجب ذنبها قاله يمان بن رئاب وهو أولى؛ لأنه أساس البدن الذي ركب عليه الخلق، وهو أول ما يخلق وآخر ما يبلى. وقال مجاهد: بذنبها. وقال عكرمة والكَلْبي: بفخذها الأيمن. وقال السّدّي: بالبَضْعة التي بين كتفيها. وقيل: بأذنها. وقال ابن عباس: بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل الأذن [وهو المقتل]. والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة؛ لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين الأمر، والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العُهْدة. وليس في القرآن ما يدل على تعيين ذلك البعض، فإن ورد فيه خبر صحيح قُبِلَ، وإلا وجب السكوت عنه. فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله ـ تعالى ـ قادر على أن يحييه ابتداء؟ فالجواب: أن الفائدة فيه لتكون الحُجّة أوكد، وعن الحيلة أبعد، فقد يجوز في العقل للملحد أن يوهمهم أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ إنما أحياه بضرب من السِّحر أو من الحيلة، فلما حيي بالضرب بقطعة من البقرة المذبوحة فانتفت الشبّهة. فإن قيل: هلا أمر بذبح غير البقرة؟ فالجواب: أن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيها. ثم ذكروا فيها فوائد: أحدها: التقريب بِالقَرَابِيْن التي كانت العادة بها جارية، ولأن هذا القُرْبَان كان عندهم أعظم القرابين، ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكُلْفة في تحصيل هذه البقرة. قيل: على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. قوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} "كذلك" في محلّ نصب؛ لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء، فيتعلّق بمحذوف، أي: إحياء كائناً كذلك الإحياء، أو لأنه حال من المصدر المعروف، أي: ويريكم الإراءة حال كونها مُشْبِهَةً ذلك الإحياء، وقد تقدم أنه مذهب سيبويه. و "الموتى" جمع مَيِّت، وفي هذه الإشارة وجهان: أحدهما: أنها إشارة إلى نفس ذلك الميت. والثاني: أنها احتجاج على صحّة الإعادة. قال الأصم: إنه على المشركين؛ لأنه إن ظهر لهم بالتَّوَاتر [أن هذا الإحياء قد كان على هذه الوجه علموا صحّة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر]، فإنه داعية إلى التفكُّر. وقال القَفّال: ظاهره يدلّ على أن الله ـ تعالى ـ قال هذا لبني إسرائيل أي: إحياء الله الموتى يكون مثل هذا الذي شاهدتم؛ لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلاَّ أنهم لم يؤمنوا به إلاَّ من طريق الاستدلال، ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم، وانتفت عنهم الشّبهة، فأحيا الله القتيلَ عياناً، ثم قال لهم: كذلك يحيي الله المَوْتَى، أي: كما أحياها في الدُّنيا يحييها في الآخرة من غير احتياج إلى مادّة ومثال وآلة التي لا يخلو منها المستدل. قوله: "وَيُريكُمْ آيَاتِهِ" الرؤيا ـ هنا ـ بَصَرية، فالهمزة للتعدية أكسبت الفعل مفعولاً ثانياً وهو "آياته"، والمعنى: يجعلكم مُبْصرين آياته. و "كم" هو المفعول الأول، وأصل "يريكم": يُأَرْإِيكم، فحذفت همزة "أفعل" في المضارعة لما تقدم في {أية : يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة:3] وبابه، [فبقي يُرْئيكم]، فنقلت حركة الهمزة على "الراء"، وحذفت "الهمزة" تخفيفاً، وهو نقل لازم في مادة "رأى" وبابه دون غيره مما عينه همزة نحو: "نأى ـ ينأى" ولا يجوز عدم النقل في "رأى" وبابه إلا ضرورة كقوله: [الوافر] شعر : 592ـ أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرْأَيَاهُ كِلاَنَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ تفسير : فصل في نظم الآية [لقائل أن يقول]: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟ فالجواب: أنها تدلّ على وجود الصانع القادر على المقدورات العالم بكلّ المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام - وعلى براءة من لم يقتل، وعلى تعيين القاتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لَمَّا دلت على [هذه] المدلولات الكبيرة لا جرم جرت مجرى الآيات. قوله: "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" تقدم تفسير العَقْل. قال الواقديّ: كل ما في القرآن من قوله: "لَعَلَّكُمْ" فهو بمعنى "لكن" إلاّ التي في الشعراء: {أية : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}تفسير : [الشعراء:129] فإنه بمعنى [لعلكم] تخلدون فلا تموتون. فإن قيل: القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم، وإذا كانوا عقلاء امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً [فالجواب أنه] لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها، بل لا بد من التأويل، وهو أن يكون المراد: لعلكم تعلمون على [قلة] عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا ينكروا المبعث فصل في توريث القاتل ذكر كثير من المتقدمين أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟ قالوا: لا؛ لأنه روي عن عَبِيْدَةَ السَّلْمَاني أن الرجل القاتل في هذه [الواقعة] حرم الميراث لكونه قاتلاً. قال القاضي: "لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية؛ لأنه ليس في ظاهر الآية أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا؟ وبتقدير أن يكون وارثاً فهل حرم الميراث أم لا؟ وليس يجب إذ روي عن عبيدة أن القاتل حرم الميراث لكونه قاتلاً، أي: بعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدلّ عليه لا مجملاً ولا مفصلاً، وإذا كان كذلك لم يثبت أن شرعهم كشرعنا، وأنه [لا] يلزم الاقتداء لهم. واستدل مالك بهذه الآية على صحّة القول بالقَسَامَةِ بقول المقتول: حقّي عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وغيره؛ لأن قول القتيل: دمي عند فلان، أو فلان قتلني خبر يحتمل الصدق والكذب، ودم المدعى عليه معصوم غير مباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاحتمال، وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة فأخبر تعالى أنه يحييه، وذكره يتضمن الإخبار بقاتله خبر ما لا يدخله الاحتمال. قال ابن العربي: المعجزة إنما كانت في إحيائه، فلما صار حيًّا صار كلامه كسائر كلام الناس.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن ابن عباس قال‏:‏ كانت مدينتان في بني إسرائيل‏.‏ وأحداهما حصينة ولها أبواب، والأخرى خربة‏.‏ فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمسوا أغلقوا أبوابها، فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة فنظروا هل حدث فيما حولها حادث، فأصبحوا يوماً فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم، فأقبل أهل المدينة الخربة فقالوا‏:‏ قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب يبكي عليه ويقول‏:‏ قتلتم عمي‏.‏ قالوا‏:‏ والله ما فتحنا مدينتنا منذ أغلقناها، وما لدينا من دم صاحبكم هذا‏!‏ فأتوا موسى، فأوحى الله إلى موسى ‏{‏إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة‏} إلى قوله {‏فذبحوها وما كادوا يفعلون} . قال‏:‏ وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له، وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سلعة له عنده فأعطاه بها ثمناً، فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب والمفتاح مع أبيه، فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت فقال‏:‏ أيقظه‏.‏ قال ابنه‏:‏ إنه نائم وأنا أكره أن أروّعه من نومته‏.‏ فانصرفا فأعطاه ضعف ما أعطاه على أن يوقظه فأبى، فذهب طالب السلعة‏.‏ فاستيقظ الشيخ فقال له ابنه‏:‏ يا أبت والله لقد جاء ههنا رجل يطلب سلعة كذا، فأعطى بها من الثمن كذا وكذا، فكرهت أن أروعك من نومك فلامه الشيخ، فعوّضه الله من بره بوالده أن نتجت من بقر تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل، فأتوه فقالوا له‏:‏ بعناها فقال‏:‏ لا‏.‏ قالوا‏:‏ إذن نأخذ منك‏.‏ فأتوا موسى فقال‏:‏ اذهبوا فارضوه من سلعته‏.‏ قالوا‏:‏ حكمك‏؟‏ قال‏:‏ حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان وتضعوا ذهباً صامتاً في الكفة الأخرى، فإذا مال الذهب أخذته ففعلوا، وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ، واجتمع أهل المدينتين فذبحوها، فضرب ببضعة من لحمها القبر، فقام الشيخ ينفض رأسه يقول‏:‏ قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أخذ مالي ومات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني قال‏:‏ كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم‏:‏ علام يقتل بعضكم بعضاً وهذا رسول الله فيكم‏؟‏ فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال ‏ {‏إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏} ‏ قال‏:‏ فلو لم يعترضوا لاجزأت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال‏:‏ والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا‏:‏ من قتلك‏؟‏ فقال‏:‏ هذا لابن أخيه ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً ولم يورث قاتل بعد‏. ‏وأخرج عبد الرزاق عن عبيدة قال‏:‏ أوّل ما قضي أنه لا يرث القاتل في صاحب بني إسرائيل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال‏:‏ أوّل ما منع القاتل الميراث لكان صاحب البقرة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ إن شيخاً من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثراً من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته فقالوا‏:‏ ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وأنه لما تطاول عليهم أن لا يموت أتاهم الشيطان فقال‏:‏ هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته، وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذ قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك عمدوا إليه فقتلوه، ثم طرحوه على باب المدينة التي ليسوا بها، فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا‏:‏ عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمنَّ لنا ديته‏.‏ قال‏:‏ أهل المدينة نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلاً، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، فعمدوا إلى موسى، فجاءه جبريل فقال‏:‏ قل لهم ‏ {‏إن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة‏} ‏ فتضربوه ببعضها‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة قال‏:‏ كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر باباً، لكل سبط منهم باب يدخلون منه ويخرجون، فوجد قتيل على باب سبط من الأسباط قتل على باب سبط وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم فيه أهل السبطين‏.‏ فقال هؤلاء‏:‏ أنتم قتلتم هذا، وقال الآخرون‏:‏ بل أنتم قتلتموه، ثم جررتموه إلينا‏.‏ فاختصموا إلى موسى فقال ‏{إ‏ن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ‏ {‏قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك‏} ‏ قال‏:‏ فذهبوا يطلبونها فكأنها تعذرت عليهم، فرجعوا إلى موسى فقالوا {‏ادع لنا ربك يبين لنا ما هي‏.‏‏.‏‏.‏ وإنا إن شاء الله لمهتدون‏} ولولا أنهم قالوا إن شاء الله ما وجدوها ‏ {‏قال‏:‏ إنه يقول إنها بقرة لا ذلول‏}‏ ألا وإنما كانت البقرة يومئذ بثلاثة دنانير، ولو أنهم أخذوا أدنى بقرهم فذبحوها كفتهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم‏.‏ فذهبوا يطلبونها فيجدون هذه الصفة عند رجل فقالوا‏:‏ تبيعنا هذه البقرة‏؟‏ قال‏:‏ أبيعها‏.‏ قالوا‏:‏ بكم تبيعها‏؟‏ قال‏:‏ بمائة دينار‏.‏ فقالوا‏:‏ إنها بقرة بثلاثة دنانير‏!‏ فابوا أن يأخذوها، فرجعوا إلى موسى فقالوا‏:‏ وجدناها عند رجل فقال لا أنقصكم عن مائة دينار، وإنها بقرة بثلاثة دنانير. قال‏:‏ هو أعلم هو صاحبها، إن شاء باع وإن شاء لم يبع، فرجعوا إلى الرجل فقالوا‏:‏ قد أخذناها بمائة دينار‏.‏ فقال‏:‏ لا أنقصها عن مائتي دينار‏.‏ فقالوا، سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قد بعتنا بمائة دينار ورضيت فقد أخذناها‏.‏ قال‏:‏ ليس أنقصها من مائتي دينار‏.‏ فتركوها ورجعوا إلى موسى فقالوا له‏:‏ قد أعطاناها بمائة دينار، فلما رجعنا إليه قال‏:‏ لا أنقصها من مائتي دينار‏.‏ قال‏:‏ هو أعلم إن شاء باعها وإن شاء لم يبعها، فعادوا إليه فقالوا‏:‏ قد أخذناها بمائتي دينار‏.‏ فقال‏:‏ لا أنقصها من أربعمائة دينار‏.‏ قالوا‏:‏ قد كنت أعطيتناها بمائتي دينار فقد أخذناها‏!‏ فقال‏:‏ ليس أنقصها من أربعمائة دينار، فتركوها وعادوا إلى موسى فقالوا‏:‏ قد أعطيناه مائتي دينار، فأبى أن يأخذها وقال‏:‏ لا أنقصها من أربعمائة دينار‏.‏ فقال‏:‏ هو أعلم هو صاحبها إن شاء باع وإن شاء لم يبع، فرجعوا إليه فقالوا‏:‏ قد أخذناها بأربعمائة دينار فقال‏:‏ لا أنقصها من ثمانمائة دينار‏.‏ فلم يزالوا يعودون إلى موسى ويعودون عليه، فكلما عادوا إليه أضعف عليه الثمن حتى قال‏:‏ ليس أبيعها إلا بملء مسكها، فأخذوها فذبحوها فقال‏:‏ اضربوه ببعضها، فضربوه بفخذها فعاش‏.‏ فقال‏:‏ قتلني فلان‏. فإذا هو رجل كان له عم، وكان لعمه مال كثير، وكان له ابنة فقال‏:‏ أقتل عمي هذا وأرث ماله وأتزوج ابنته، فقتل عمه فلم يرث شيئاً ولم يورث قاتل منذ ذلك شيئاً، قال موسى‏:‏ إن لهذه البقرة لشأنا ادعوا إليَّ صاحبها، فدعوه فقال‏:‏ أخبرني عن هذه البقرة وعن شأنها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ كنت رجلاً أبيع في السوق وأشتري، فسامني رجل بضاعة عندي فبعته إياها، وكنت قد أشرفت منها على فضل كبير، فذهبت لآتيه بما قد بعته، فوجدت المفتاح تحت رأس والدتي، فكرهت أن أوقظها من نومها، ورجعت إلى الرجل فقلت‏:‏ ليس بيني وبينك بيع، فذهب ثم رجعت فنتجت لي هذه البقرة، فألقى الله عليها مني محبة فلم يكن عندي شيء أحب إليَّ منها، فقيل له إنما أصبت هذا ببرّ والدتك‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}. كان الواجب عليهم استقبال الأمر بالاعتناق ولكنهم تعللوا ببقاء الأشكال توهماً بأن يكون لهم (...) تُفضِي بالإخلاد إلى الاعتدال عن عهدة الإلزام فتضاعفت عليهم المشقة وحل بهم ما حَذِرُوه من الافتضاح. فصل: ولما قال: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي ليست بِفَتيَّةٍ ولا مُسِنَّة بل هي بين السِّنَّيْنِ. حصلت الإشارة أن الذي يصلح لهذه الطريقة مَنْ لا يستهويه نَزَقُ الشباب وسُكْره، ولم يُعَطِّلْه عجزُ المشيب وضعفُه، بل هو صاحٍ استفاق عن سُكْرِه، وبقيت له - بَعْدُ - نضارةٌ من عمره. قوله جلّ ذكره: {صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ * قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}. كما كان يأخذ لونها الأبصار فالإشارة منها أن من كان من أهل القصة يستغرق شاهدُه القُلوبَ لِمَا أُلبس من رداء الجبروت، وأقيم به من شاهد الغيب حتى أن من لاحَظَه تناسى أحوال البشرية واستولى عليه ذكر الحق، كذا في الخبر المنقول: "حديث : أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر الله" تفسير : (...)

البقلي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} البقرة هى النفس الطَّاغِيةُ الامارة بالسؤ المهيجة السجية المذمومة التي تثبت الطباع في مزارع الهوى مرهم بقتلها عن الحيوة الفانيّة حتى وصلوا الى الحيوة الباقية وادركوا بمخالفَتَها دَرَجة احياء الموتى ومطالعة الغيوب وتفرس القلوب.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قال موسى لقومه} توبيخ آخر لاخلاف بنى اسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من اسلافهم اى واذكروا قول موسى عليه السلام لاجدادكم {ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة} هى الانثى من نوع الثور او واحد البقر ذكرا كان او انثى من البقر وهو الشق سميت به لانها تبقر الارض اى تشقها للحراثة وسببه انه كان فى بنى اسرائيل شيخ موسر فقتله بنوا عمه طمعا في ميراثه فطرحوه على باب المدينة او حملوه الى قرية اخرى والقوه بفنائها ثم جاؤا يطالبون بديته وجاؤا بناس يدعون عليهم القتل فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه امر القتيل على موسى وكان ذلك قبل نزول القسامة فى التوراة فسألوا موسى ان يدعو الله ليبين لهم بدعائه فامرهم الله ان يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيى فيخبرهم بقاتله {قالوا} كأنه قيل فماذا صنعوا هل سارعوا الى الامتثال او لا فقيل قالوا {أتتخذنا هزوا} اى أتجعلنا مكان هزء وسخرية وتستهزئ بنا نسألك عن امر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ولا جامع بينهما قال بعض العلماء كان ذلك هفوة منهم وجهالة فما انقادوا للطاعة وذبحها {قال} موسى وهو استئناف كما سبق {اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين} لان الهزؤ فى اثناء تبليغ امر الله جهل وسفه ودل ان الاستهزاء بامر الدين كبيرة وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه وان ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء. قال امير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه لا بأس بفكاهة يخرج بها الانسان من حد العبوس. روى انه قدم رجل الى عبيدالله بن الحسين وهو قاضى الكوفة فمازحه عبيدالله فقال جبتك هذه من صوف نعجة او من صوف كبش فقال أتجهل ايها القاضى فقال له عبيدالله واين وجدت المزاح جهلا فتلا هذه الآية فاعرض عنه عبيدالله لانه رأه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء ثم ان القوم علموا ان ذبح البقرة عزم من الله وجد فاستوصفوها كما يأتى ولو أنهم عمدوا الى ادنى بقرة فذبحوها لاجزأت عنهم ولكنهم شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة. والقصة انه كان فى بنى اسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة اتى بها الى غيضة وقال اللهم انى استودعك هذه العجلة لابنى حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة فى الغيضة عوانا اى نصفا بين المسنة والشابة وكانت تهرب من كل من رأها فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسم الليل ثلاثة اثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس امه ثلثا فاذا اصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتى به الى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلثه فقالت له امه يوما ان اباك قد ورثك عجلة استودعها الله فى غيضة كذا فانطلق وادع آله ابراهيم واسماعيل واسحق ان يردها عليك وعلامتها انك اذا نظرت اليها يخيل اليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تلك البقرة تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها لان صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين فاتى الفتى الغيضة فرأها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة باذن الله وقالت ايها الفتى البار لوالدته اركبنى فان ذلك اهون عليك فقال الفتى ان امى لم تأمرنى بذلك ولكن قالت خذ بعنقها فقالت البقرة بآله بنى اسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر على ابدا فانطلق فانك ان امرت الجبل ان ينقلع من اصله وينطلق معك لفعل لبرك بامك فسار الفتى بها الى امه فقالت له انك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة قال بكم ابيعها قالت بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتى وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها الى السوق فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بامه وكان الله به خبيرا فقال له الملك بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتى فقال الملك لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى لو اعطيتنى وزنها ذهبا لم آخذه الا برضى امى فردها الى امه واخبرها بالثمن فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضى منى فانطلق بها الى السوق فاتى الملك فقال استأمرت امك فقال الفتى انها امرتنى ان لا انقصها من ستة على ان استأمرها فقال الملك انى اعطيك اثنى عشرة على ان لا تستأمرها فابى الفتى ورجع الى امه واخبرها بذلك فقالت ان الذي يأتيك ملك فى صورة آدمى ليختبرك فاذا اتى فقل له أتأمر ان نبيع هذه البقرة ام لا ففعل فقال له الملك اذهب الى امك وقل لها امسكى هذه البقرة فان موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل فى بنى اسرائيل فلا تبيعوها الا بملئ مسكها دنانير فامسكوها وقدر الله تعالى على بنى اسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافاة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة والوجه فى تعيين البقرة دون غيرها من البهائم انهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب اليهم ذلك كما قال تعالى {أية : وأُشربوا فى قلوبهم العجل} تفسير : [البقرة: 93]. ثم تابوا وعادوا الى طاعة الله وعبادته فاراد الله تعالى ان يمتحنهم بذبح ما حبب اليهم ليظهر منهم حقيقة التوبة وانقلاع ما كان منهم فى قلوبهم وقيل كان افضل قرابينهم حينئذ البقر فامروا بذبح البقرة ليجعل التقرب لهم بما هو افضل عندهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: فرضت البقرة، تفرض فروضاً، إذا أسنت. البكر: الصغير التي لم تلد، العوان: المتوسطة بين المسنة والصغيرة، والفاقع: الناصع الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، أي: شديد السواد، وأصل شية: وِشْيَة، كعدة، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء، والوشي: الرقم. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين {قال موسى لقومه} لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله، وذلك أن رجلاً فقيراً من بني إسرائيل قتل قريباً له كان موسراً ليرثه، ثم رماه في قرية أخرى، ثم ذهب يطلب دمه، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}، وأبهم الأمر عليهم، {قَالُوا أَتَتَّخِذُونَا هُزُواً} أي: مهزوءاً بنا، حيث نسألك عن بيان القائل وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}؛ إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. فلما رأوا جدَّه {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لنَا مَا هِيَ}، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ} أي: كبيرة، {ولا بكر} أي: ولا صغير {عَوَانٌ} متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}، فإن الله يُبين لكم القاتل، {يَقِولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءٌ فَاقِعٌ لوْنُهَا} ناصع صفرتها {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} لسمنها وبهجة لونها، {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ}، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ {قَالَ إِنَّهُ} تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولاً، أي: مذللة بالعمل لا {تُثِيرُ} أي: تقلب {الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ} بالسانية. {مُسَلَّمَةٌ} من العيوب كلها، {لاَّ شِيَةَ فيهَا} أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة. فلما تبين لهم الأمر {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة، فاشتروها منه بملء جلدها ذهباً، أو بوزنها، {فذبحوها}، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دماً، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم ".

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر: هزواً مثقلا، وكذلك كفوا مثقلة. وقرأ آخر مخففاً. وعاصم يثقلهن ويخففهن. وحمزة يخففهن ثلاثهن. الاعراب واللغة: قوله: {وإذ} معطوفة على قوله واذكروا نعمتي التي انعمت عليكم: واذكروا اذ قال موسى لقومه. واهل الحجاز يثقلون هذه الكلمات. وبنو أسد وتميم وعامة قيس يخففونهن ومن لا يحصى ممن تجاوزهم يقولون عن مكان أن اذا كانت الهمزة مفتوحة: يجعلونها عيناً ويقولون اشهد عن رسول الله فاذا كسروها رجعوا إلى لغة اهل الحجاز إلى الهمزة. المعنى: وهذه الآية فيها توبيخ للمخاطبين من بني اسرائيل في نقض اوائلهم الميثاق والذي اخذه الله عليهم بالطاعة لانبيائه. فقال: واذكروا ايضاً من نكثهم ميثاقي اذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم ان تذبحو بقرة قالوا اتتخذنا هزواً. والهزء والسخرية واللعب نظائر. قال الراجز: شعر : قد هزئت مني ام طيلسة قالت اراه معدماً لا شيء له تفسير : اي سخرت ولعبت ولا يجوز أن يقع من انبياء الله عز وجل فيما يؤدونه هزواً ولا لعب. وظنوا في امره اياهم عن الله: بذبح ـ البقرة ـ عند نذرائهم في القتيل ـ انه هازىء لاعب ولم يكن لهم ذلك. وحذفت الفاء من قوله: أتتخذنا هزواً ـ وهو جواب ـ للاستغناء ما قبله من الكلام عنه وحسن السكوت على قوله إن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فجاز لذلك اسقاط الفاء من قوله. فقالوا كما حسن اسقاطها في قوله: {أية : فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا} تفسير : ولم يقل فقالوا. ولو قيل بالفاء لكان حسناً. ولو كان ذلك على كلمة واحدة لم تسقط منه الفاء ألا ترى انك اذا قلت: قمت ففعلت، لم يجز اسقاط الفاء لانها عطف لا استفهام يوقف عليه. فقال موسى حينئذ: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين. يعني السفهاء الذين يردون على الله الكذب والباطل. وكان السبب في امر موسى لقومه بذبح البقرة ما ذكره المفسرون أن رجلا من بني اسرائيل كان غنياً ولم يكن له ولد وكان له قريب يرثه قيل انه اخوه وقيل انه ابن اخيه وقيل ابن عمه واستبطأ موته فقتله سراً والفاه في موضع بعض الاسباط وادّعى قتله على احدهم فاحتكموا إلى موسى فسأل من عنده من ذلك علم فقال انت نبي الله وانت اعلم منا فقال ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فلما سمعوا ذلك منه وليس في ظاهره جواب عما سألوا عنه قالوا اتتخذنا هزواً قال اعوذ بالله أن اكون من الجاهلين لان الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل. وقال بعضهم وانما امروا بذبح البقرة دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عليهم ما كانوا يرونه من تعظيمهم وليعلم باجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته والبقرة اسم الانثى. والثور للذكر: مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل، فيكون تأنيثه بغير لفظه. والبقرة: مشتق من الشق: يقولون: بقر بطنه: إذا شقه، لأنها تشق الأرض في الحرث.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} لاحياء المقتول وإخباره بقاتله {أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فتضربوا ببعضها هذا المقتول. وقصّته أنّه كان فى بنى اسرائيل امراةٌ حسناء ذات شرفٍ وحسبٍ ونسبٍ كثر خُطّابها وكان لها بنو أعمام ثلاثة فرضيت بأفضلهم فاشتدّ حسدا بنى عمّه الآخرين فعمدا اليه فدعُّوه وقتلاه وحملاه الى محلّة مشتملة على اكثر قبيلة من بنى اسرائيل فألقياه فيها ليلاً فلمّا أصبحوا وجدوا قتيلاً وعرفوه فجاء ابنا عمّه القاتلان ومزقا على أنفسهما واستعديا عليهم فأحضرهم موسى (ع) وسألهم فأنكروا قتله وقاتله فالزم موسى (ع) اماثل القبيلة ان يحلف خمسون منهم بالله القوىّ الشّديد آله بنى اسرائيل مفضّل محمّدٍ (ص) وآله الطّيّبين على البرايا اجمعين انّا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً فان حلفوا غرموا دية المقتول وان نكلوا نصّوا على القاتل او اقرّ القاتل فيقاد منه، فان لم يحلفوا حبسوا فى مجلسٍ ضنكٍ الى ان يحلفوا او يقرّوا او يشهدوا على القاتل، فقالوا: يا نبىّ الله اما وَقَت ايماننا اموالنا ولا اموالنا ايماننا؟ - قال: لا؛ هذا حكم الله، فقالوا: يا نبىّ الله عزمٌ ثقيلٌ ولا جناية لنا وأيمانٌ غليظة ولا حقّ فى رقابنا، فادع الله عزّ وجلّ ان يبيّن لنا القاتل وينكشف الامر لذوى الالباب وينزّل به ما يستحقّه فقال موسى: انّ الله قد حكم بذلك وليس لى ان اقترح عليه غير ما حكم به بل علينا ان نسلم حكمه وهمّ بأن يحكم عليهم بذلك فأوحى الله تعالى اليه ان أجبهم وسلنى ان أبيّن لهم القاتل فانّى اريد ان أوسع بئجابتهم الرّزق على رجلٍ من خيار أمّتك دينه الصّلاة على محمّد (ص) وآله الطّيّبين (ع) ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمّد (ص) وآله (ع) ونسب الى الصّادق (ع) انّ الرّجل كان له سلعةٌ وجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته فى تلك الحال تحت رأس أبيه وهو نائم فكره ان ينبّهه وينغّص عليه نومه فانصرف القوم ولم يشتروا سلعته فلمّا انتبه ابوه قال: يا بنىّ ما صنعت فى سلعتك؟ - قال: هى قائمة لم أبعها لانّ المفتاح كان تحت رأسك فكرهت ان أزعجك من رقدتك وانغّص عليك نومك قال له ابوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضاً عمّا فاتك من ربح سلعتك وشكر الله تعالى للابن ما فعل بأبيه فأمر الله جلّ جلاله موسى (ع) ان يأمر بنى اسرائيل بذبح تلك البقرة بعينها ليظهر قاتل ذلك الرّجل الصّالح فلمّا اجتمع بنو اسرائيل الى موسى (ع) وسألوه، قال: {انّ الله يأمركم ان تذبحوا بقرة} ليحيى ذلك القتيل تعجّبوا و {قَالُوۤاْ} يا موسى {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} فانّ الاستهزاء من صفات الجاهل ونسبة امرٍ الى الله لم يكن منسوباً اليه ليست من وصف العاقل.

الأعقم

تفسير : {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} الآية، قال الثعلبي: وذلك أنه وجِد قتيل من بني اسرائيل اسمه عاميل ولم يدروا من قتله واختلفوا في سبب قتله، قيل: كان رجلاً كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وقيل: كان لعاميل هذا ابنة يضرب بها المثل في بني اسرائيل في الحسن والجمال فقتل ابن عمها أباها لينكحها، وقيل: قتله ابن أخيه لينكح ابنتَه فلما قتل حملوه من قرية الى قرية أخرى وألقوه هناك، وقيل: بل بين قريتين فسألوا موسى عن ذلك فسأل ربه وأمرهم بذبح بقرة فقال لهم موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} قالوا: يا موسى أتهزأ بنا سألناك عن القتيل وتأمرنا بذبح بقرة؟! وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لو اعترضوا أدنى بقرة لكفتهم ولكن شدَّدُوا فشدَّد الله عليهم" تفسير : والاستقصاءُ شؤمٌ. قال جار الله: السبب في البقرة ان كان في بني اسرائيل شيخٌ فقتلوه بنو اخيه ليرثوه فطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بدمه فأمرهم الله تعالى على لسان موسى أن يذبحوا بقرة، قيل: أقاموا يطلبون البقرة أربعين سنة وأراد الله ما أراد من غلاء هذه البقرة عليهم لأن رجلاً صالحاً خلفها لولده فبارك الله فيها حتى استغنى اليتيم، وقيل: وجدوا البقرة مع رجل كان باراً بوالدته، وقيل: مع رجل كان باراً بوالديه، وقيل: اشتروا البقرة بملء مسكها ذهباً. {لا فارض} الفارض المسنَّة وسميت فارضاً لأنها فرضت أي بلغت. {ولا بكر} البكر: الفتيَّة {عوان} العوان: النصف. {فاقع} هي أشد ما يكون من الصفرة. {لا ذلول} يعني بقرة غير ذلول لم تكن تحرث ولا لشيء. {مسلّمة} سلّمها الله تعالى من العيوب. {لا شيّة فيها} اي لا لمعة فيها من لون اخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنَها وظِلفها. {قالوا الآن جئت بالحق} أي بحقيقة وصف البقرة. {فذبحوها} اي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف فذبحوها. {وما كادوا يفعلون} قيل لغلاء ثمنها لأن صاحبها قال: لا يبيعها إلا بملء مسكها ذهباً، وقيل: لوزنها، وقيل: ما كادوا يفعلون لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، وقيل: لخشية العار. {وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها} فاختلفتم واختصمتم، وهو ما تقدم ذكره. {اضربوه ببعضها} اي ببعض البقرة، واختلفوا، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنَى، وقيل: الاذن، وقيل: غير ذلك. وروي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله تعالى وأوداجه، تشخبُ دماً، وقال: قتلني أبناء أخي فلان وفلان ثم سقط ميتاً كما كان فقتلوهما به ولم يورَّث قاتل من ذلك اليوم. {ويريكم آياته} على انه قادر على كل شيء. {ثم قست قلوبكم} استعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلب ورقته {من بعد ذلك} أشار الى إحياء ذلك القتيل أو الى جميع ما تقدم من الآيات. {فهي كالحجارة} أي فهي في قسوتها مثل الحجارة. {أو أشد قسوة.. وان من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء} فينبع منه الماء. {وإن منها لما يهبط} يتردى من أعلى الجبل، والخشية في الحجارة مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}.... إلى قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: قتل رجل ابن عمه فألقاه بين قريتين، فأعطوه ديتين فأبى أن يأخذ. فأتوا موسى فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها فشدّدوا فشدّد الله عليهم. ولو أنهم اعترضوا البقر أول ما أمروا لأجزاهم ذلك، حتى أمروا ببقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها، صفراء لا فارض ولا بكر، عوان. الفارض الكبيرة، والبكر الصغيرة، والعوان وسط بين ذلك. لا تثير الأرض ولا يُسنى عليها. فطلبوها أربعين سنة فوجدوها عند رجل بار بوالديه، والبقرة عليها باب مغلق، فبلغ ثمنها ملء مسكها دنانير. فذبحت، فضرب المقتول ببعضها فقام، فأخبر بقاتله، ثم مات. وقال بعضهم: هو قتيل كان في بني إسرائيل من عظمائهم، فتفاقم به الشر فأوحى الله إلى موسى أن اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها فإنه يحيا ويخبر بقاتله. ففعلوا فأحياه الله، فدل على قاتله ثم مات. وذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها، وأن وليه الذي كان يطلب دمه هو الذي قتله من أجل ميراث كان بينهم، فلم يورث بعده قاتل. وقال الكلبي: عمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عمهما، أخي أبيهما، فقتلاه، وكان عقيماً، فأرادا أن يرثاه. وكانت لهما ابنة عم شابة مثلاً في بني إسرائيل، فخافا أن ينكحها ابن عمهما، فلذلك قتلاهُ. قوله: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} ذكروا عن الحسن قال: الفارض الهرِمة، والبكر الصغيرة والعوان بين ذلك. وقال بعضهم: العوان النصف بين الصغيرة والكبيرة. قال: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}. {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} عن الحسن قال: صافية الصّفرة. قال: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}. قال بعضهم تعجب الناظرين. {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ}. ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إنما أُمِر القوم بأدنى البقر، ولكنهم لما شدّدوا شدّد الله عليهم، والذي نفسي بيده لو لم يستثنوا ما بُيِّنَت لهم إلى آخر الأبد . تفسير : قوله: {قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} أي: صعبة لا ذلول {تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ}. ذكروا عن ابن عباس قال: لا ذلول: لا يُحرث عليها ولا تسقي الحرث، أي: لا يُسقى عليها. ذكر بعض المفسرين أنه قال: شدَّدوا فشُدِّدَ عليهم، فكلِّفوها وحشية. قوله: {مُسَلَّمَةٌ}. قال: سليمة من العيوب. قال الحسن: مسلّمة القوائم والجسد، ليس فيها أثر رجل ولا يد للعمل. قوله: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي: لا بياض فيها. وتفسير مجاهد: لا سواد فيها ولا بياض. قوله: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي الآن بيّنتَ. قال الله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تذبَحُوا بَقَرَةً}: إنما أمرهم الله بذبحها أن قتلوا نفساً فتدافعوا فى شأنها، فأول القصة هو قوله عز وجل: {أية : وإذا قتلتم نفساً فادَّارأتم فيها} تفسير : وإنما قدم عليه قوله عز وعلا: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا...} إلخ. لأن الغرض بذكر هذه القصة وما تقدم قبلها ذكر مساوئ بنى إسرائيل والزجر عنها، وتوبيخ بينهم عن فعل أمثالها واتباع سننهم، فقدم ذلك لاشتماله على مساوئ ومنها نسبتهم الاستهزاء إلى رسول الله موسى عليه السلام مع بعده عن الاستهزاء بالرسالة وتكليم الله، ومع وصفه بالحدة عندهم، ومنها نسبتهم إياه إلى كون استهزائه متحصلاً بكذبه على الله تعالى، والكاذب على الله منافق ـ حاشاه ـ ومنها الاستقصاء فى السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال، فلو قدم ذكر القتل على ذكر دبح البقرة والأمر به لكان الكلام قصة واحدة، وكان ذكر المساوئ المذكورة تبعاً لا مسوقاً لها الكلام بالذات، بخلاف ما إذا قدم ذكرهن ثم زادهم تقريعاً على قتل النفس المحرمة على كيفية التلاوة، وإن قلت: لو قدم ذكر القتل وذكر إذ بأن قال: {أية : وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون}.تفسير : {وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم..} إلى أخره لأفاد ما أفادت كيفية التلاوة، قلت: لا تفيد هذه العبارة ما أفادت التلاوة لأنه إذا قدم ذكر القتل أولا كان ما يذكر بعد مستبقاً له، فيكون كأنهُ قصة واحدة، ولو ذكر بإذ وقد دل عود الضمير فى آخر الكلام فى قوله: {فقلنا اضربوه ببعضها} إلى البقرة فى أوله فى قومه: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} على أن القصة واحدة، ولو سيقت مساق قصتين متعددتين فيما يرجع إلى الزجر والتقريع، والبقرة واحدة البقر ذكراً أو أنثى، لأنه مما يفوق بينه وبين جمعه بالتاء فيه لا فى جمعه، وقيل إنه للأنثى لا غير، وللذكر ثور وليس كذلك، بل الفرق بين الذكر والأنثى بغير التاء كالإشارة، ويؤنث الفعل للذكر والأنثى، قال المبرد: إذا أردت الفرق قلت هذا بقرة للذكر وهذه بقرة للأنثى، ويدل هذا على جواز إسقاط تاء فعل الذكر نحو قام بقرة، وسميت بقرة لأنها تشق الأرض للحرث، ومن ذلك قيل لمحمد بن على زيد العابدين ابن الحسين الباقر لأنه بقر العلم أى شقهُ ودخل فيهِ مدخلا عظيما. والآية دلت على أن الأصل فى البقرة الذبح. {قَالُوا}: لموسى. {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً}: لا شك أن الذات ليست نفس الهمزة، لأنه عرض ومعنى لا جسم فإما أن يبالغوا فى الاستخفاف بأمره إياهم بذبح البقرة وفى استبعاد عزمه على ذلك الأمر حتى تخيل لهم أن موسى ـ عليه السلام ـ بالغ فى الاستهزاء بهم حتى جعلهم نفس الهزء، وإما أن يقدر مضاف أى مكان هزء أو أهل هزء، وإما أن يأوَّل باسم مفعول، أى مهزوء بنا، وإنما قالوا له ذلك لأنهم سألوه فى أمر المقتول فأجابهم بالأمر بذبح البقرة، وقد بعد ما بين الأمرين ولم يعلموا وجه الحكمة، وظاهر قولهم هذا فساد عقيدتهم، لأن من سلمت عقيدته لا يصف رسول الله بالكذب على الله سبحانه ولا بالهزء الذى هو كذب مطلقاً، ألا ترى أنهُ بلغهم عن الله فأجابوه بأنه يهزأ بهم، ولو قال اليوم أحد مثل ذلك فى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء لحكمنا بكفره، وقيل إنهم قالوا ذلك مع ثبات الإيمان فيهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، ولفظ هزءاً هو بضم الزاء وبالهمز عند الجمهور وهو المشهور عن نافع، وروى إسماعيل عنه سكون الزاء وبعدها همزة، وبه قرأ حمزة وقرأ عاصم فى رواية حفص عنه ضم الزاء وقلب الهمزة واواً، وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة واواً إتباعاً لخط المصحف، وتقدير الضمة الحرف الساكن قبلها، وهكذا القراءة لمن ذكر فى كفؤا ومذهب حمزة وهشام الوقف على الهمزة الساكنة والمتحركة فى الطرف بالتسهيل يصلان بتحقيقها، وإذا سهلا المضموم ما قبلها أبدلاها واواً فى حال تحريكها وسكونها نحو لولو، ولم تأت فى القرآن ساكنة، وإذا سهلا المكسور ما قبلها أبدلاها فى الحالين ياء نحو قوله عز وجل: {وهيئ لنا} و{نبئ عبادى} و{من شاطئ} وإذا سهلا المفتوح ما قبلها أبدلاها فى الحالين ألفاً نحو قوله عز وجل: {إن يشأ} ويدرى وبدا والملا والروم والإشمام ممتنعان فى الحرف المبدل من الهمز، لكونه ساكناً محضاً، فإذا سكن ما قبل الهمزة وسهلاها ألقيا حركتها على ذلك الساكن وأسقطاها، إن ذلك الساكن أصلياً غير ألف، نحو قوله: المرء ودفء والخبؤ وشئ ويضئ، فإن كان الساكن زيداً للمد، وكان ياءاً أو واواً أبدلا الهمزة مع الياء ومع الواو واواً وأدغما ما قبلها فيها نحو قوله (برئ) و (النسئ) و{ثلاثة قروء} والروم والإشمام جائزان فى الحرف المتحرك بحركة الهمزة، وفى المبدل منها غير الألف إن انضما والروم إن انكسرا، والإسكان إن انفتحا كالهمزة سواء، وإن كان الساكن ألفاً سواء كانت مبدلة من حرف أصلى أو كانت زائدة أبدلت الهمزة بعدها ألفاً بأى حركة تحركت ثم حذفت إحدى الألفين للساكن، وإن شئت زدت فى المد والتمكين لنفصل بذلك بينهما ولم نحذف، وذلك الأوجه، وبه ورد النص عن حمزة من طريق خلف وغيره، وذلك نحو قوله عز وجل: {والسماء} وإذا جاء ومن ماء وعلى سواء، ومنه الماء والسفهاء وشهداء. {قَالَ أَعُوذُ بِالله}: امتنع بالله. {أَنْ أَكُونَ}: من أن أكون. {مِنَ الْجَاهِلِينَ}: أى من الفاعلين ما لا يجوز وهو هنا الكذب على الله بأن يقول إن الله يأمركم بذبحها وهو تعالى لم يأمرهم حاشاه، فإن الجهل كما يطلق على عدم العلم يطلق على فعل ما لا يجوز، ولو علم الفاعل أنهُ لا يجوز، ولك أن تقول يشبه من فعل ما لا يجوز مع علمه بمن فعله ولم يعلم، والاستهزاء على الوجهين من الجهل، فيجوز أن يكون المعنى أعوذ بالله من أن أكون من المستهزئين بالمؤمنين، أو من الذين لم يعرفوا حقوق المؤمنين، وإنما صح أن يسميهم مؤمنين مع أن نسبتهم الكذب على الله إلى الرسول شرك من حيث إن ذلك منهم إنكار لنبوته ورسالته، لأنهُ لم يعلم بحالهم هذه حين قال إن الله يأمركم أى كيف استهزأ بكم وأنتم عندى بحسب ظاهركم مؤمنين حينئذ، وكيف أجهل حقوقكم مع أن الاستهزاء بالكذب على الله محرم مطلقاً أو ذلك منهم غلظ طبع وجفاء لا شرك، فيخاطبهم بمؤمنين بمعنى موحدين، أو المعنى امتنع بالله من أن أكون لا أعلم الجواب على وفق السؤال، ِأو من أن أكون جاهلا لما حرم الله ولما أوجب الله من أمر الديانة كما جهلوا، فنسبوه للاستهزاء ومقتضى الظاهر أن يقول لست مستهزئا أو لم أتخذكم هزؤاً أو نحو ذلك، وعدل عن ذلك إلى نفى أن يكون من الجاهلين كناية عن نفى ما قالوا، والكناية أبلغ من التصريح لأن فيها إثبات الشىء أو نفيه ببرهان، كأنهُ قال: إنما يكذب على الله من كان من زمرة الجاهلين، وأنا لست منهم كما علمتم من أحوالى، فكيف أكذب عليه والكذب عليه كفر نفاق وفسوق وهو عظيم، ولعظمة أكد النفى بالاستعاذة استقباحاً له جداً، ولما نفى الجهالة عن نفسه واستعاذ بالله منها علموا أن قوله جد وعزم، فأجابوه بما قال الله عز وجل عنهم إذ قال:{قالوا ادْعُ...}

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله، اسمه عاميل، وسألوا موسى أن يدعو الله أن يبينه لهم، والقتيل ذو مال، قتله بنو عمه، وقيل ابنا عمه اثنان، وقيل، أخوه، وقيل، ابن أخيه، وهم فقراء ليرثوه، وحملوه إلى باب قرية، وألقوه فيه، فطلبوا آثاره، وادعوا القتل على رجال جاءوا بهم إلى موسى عليه السلام، وروى أنه قتله قريب له ليتزوج زوجه، وقيل، ليتزوج بنته، وقد أبى، ذكر الله تعالى قصتهم، ذما لهم بالتعاصى، أو برفع التشاجر بينهم، وبيانا لمعجزة من معجزات موسى عليه ا لسلام {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} أول القصة هو قوله تعالى "أية : وَإِذْ قَتلتم نفساً" تفسير : [البقرة: 72] ولكن أخره ليتصل توبيخهم على عيوبهم بالعيوب المتقدمة. إذ وبخهم على قولهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم: {أتتخذنا هزواً} وليس من شأنه أن يعبث معهم بذبح البقرة، وينسب الأمر لله يذبحها مع أنه لم يأمرهم، وما قال عن الله إلا الحق، ووبخهم على تعنتهم فى البقرة ما هى، ما لونها، وما هى بعد لونها مع أنهم لو ذبحوا بقرة ما لكفى إذ لم يؤمروا بمعينة، ولو كان الأمر الغائب المفضى عند الله يؤول إلى معينة لا محيد عنها، وكذا لو عمدوا إلى بقرة عوان ما بعد سؤالهم الثانى لكفى ذبحها، ولو عمدوا إلى عوان صفراء لاشية فيها بعد سؤالهم الثالث لكفى {فَقَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أتتخذ أمرنا هزؤاً، أو أتتخذنا ذوى هزء، أو موضع هزء، أو مهزوءاً بنا أو نفس الهزء مبالغة لبعد ما بين ذبح البقرة وأمر القتيل، ولو عقلوا لامتثلوا فتظهر لهم الحكمة، أن يضرب ببعضها فيحيا مع أنهم لم يجربوا منه العبث قط، ونسبتهم الهزء إليه شرك، لأنهم لم ينسبوه إليه على وجه مزاح جائز، بل على وجه الكذب عن الله، لأنه نسب الأمر بالذبح إلى الله، وإن جعلوا محط الاستهزاء، أن الله لا يقدر على إحياء الميت فأشد كفراً، ويحتمل أن ذلك من غلظ الطبع والجفا لا إشراك، أو الاستفهام استرشاد لا إنكار {قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ} من أن أكون {مِنَ الْجَاهِلِينَ} أى فى سلك من اتصفوا بالجهل، لبرهان على جهلهم، فذلك أبلغ من أن يقول، أن أكون جاهلاً، واختار الأبلغ، لأنه أليق بما وصفوه به، فإنه من يكذب على الله، ويقول، أمر بكذا ولم يأمر به من أهل الجهل البين، كظلمة الليل، والجهل عدم العلم، أو اعتقاد الشىء على خلاف ما هو به، أو فعل الشىء بخلاف ما حقه أن يفعل، وهذا الأخير هو المراد هنا، ولما علموا أن ذلك أمر من الله عز وجل لقوله {أعوذ بالله} إلخ قالوا ما ذكر الله عنهم بقوله: {قَالُوا ادْعُ لَنَا} اللام للنفع أو للتعديل {رَبَّكَ يُبَيِّنُ لَّنَا مَا هِيَ} أى ما وصفها معها، فإن ما سؤال عن الوصف هنا، فكأنه قيل، ما سنها، فأجيب عليه، وعن الجنس أو الحقيقة، وليس مراداً هنا، إذ لا يسألون عن جنس البقرة أو حقيقتها لعلمهم بها، ومن السؤال عن الوصف نحو ما عمرو؛ تريد، أخياط أم حداد، أو، أمسنّ أم شاب، وما زيد، أفاضل أم كريم، والكثير فى ما الجنس أو الحقيقة نحو ما العنقاء، وما الحركة {قَالَ} أى موسى {إِنَّهُ} أى الله {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ} هى {فَارِضٌ وَلاَ} هى {بِكْرٌ} أو لا صلة بين النعت والمنعوت، أو منزلة مع ما بعدها منزلة اسم، فظهر الإعراب فيما بعد، كقوله تعالى "أية : لو كان فيهما ءَالِهَة إلا الله" تفسير : [الأنبياء: 22] أى غير فارض وغير بكر، وغير الله، ولم يقرنها بالتاء، لأنهما لا يطلقان على المذكر، فهما كحائض، لا يطلق إلا على المؤنث، ويقال فى غير البقرة جمل أو غيره بكر، والمؤنث بكرة بالتاء، والغرض القطع أى لم تقطع أسنانها لكبرها بالانكسار، أو باستفراغ سنيها المعتبرة فى الإنسان كالثنى والجذع، والرباع، أو انقطاع ولادتها، والبكر الشابة الصغيرة بحيث لا تلد، وقيل: التى ولدت ولداً واحداً {عَوَانٌ} نصَف {بَيْنَ ذَلِكَ} بين ما ذكر من الفارض والبكر، وقيل: ولدت مرة أو مرتين {فَافْعَلُوا مَا تُؤمَرُونَ} به من ذبحها علَى هذا الوصف بلا توقف، وطلب استفسار، فتكلفوا سؤالا هم فى غنى عنه، وهذا من كلام الله، أو من كلام موسى عليه السلام.

الخليلي

تفسير : هذه القصة من الأحداث الواقعة في عهد موسى عليه السلام، ذكرت بعد سابقتها مع تقدمها عليها بقرون، لأن القرآن الكريم لا يراعي في ذكره الأحداث تسلسل وقوعها وإنما يأتي بها للعبرة والذكرى كما سبق، ويلحظ اختلاف هذه القصة عن سوابقها في العرض، فقد تميزت عنها ببيان وتفصيل لم يكونا للقصص المتقدمة، وهذا لأن سائر هذه القصص جاءت مفصلة في القرآن المكي فاكتفى بالإِشارة إليها هنا عرضا للتنبيه والذكرى وإقامة الحجة على بني اسرائيل المعاصرين للوحي الذين كانوا مقصودين بهذا الخطاب بينما لم يكن ذكر لهذه القصة في غير هذا الموضع، فكانت جديرة بهذا البيان. وهي كسائر القصص المذكورة ترسم صورة في مخايل قرائها وسامعيها للنفوس الإِسرائيلية وما اعتادته من العنت والإِلحاح وعدم الاقتناع والوثوق بأقوال الرسل، وما ينشأ عنه ذلك من تبلد الأذهان وزيغ الأفكار وخبث الطوية وجفاء الطبع. ولعل بعض الذين في قلوبهم مرض حاولوا الطعن والتشكيك في القرآن، لذكره هذه القصة مع خلو التوراة منها، وكفى ردا عليهم أن القرآن أعظم حجة وأنصع برهانا من كل كتاب، فإن الله تكفل بحفظه من كل عابث ومحرف، ولم يكن هذا الصون والرعاية للتوراة ولا لغيره من الكتب السابقة، فكم فيها من تحريف وتبديل وزيادة ونقص؟ فغير بعيد أن تكون من ضمن ما انتزعته الأيدي المحرفة من التوراة على أن الإِمامين محمد عبده وابن عاشور لم يستبعدا أن يكون في التوراة ما يشير إليها وهو ما في سفر التشريع الثاني (تثنية) الإِصحاح الحادي والعشرين أنه إذا وُجد قتيل في الأرض التي أعطاها الرب لإِسرائيل واقعا في الحقل لا يُعلم من قتله يخرج الشيوخ والقضاة ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل، فما كان منها أقرب إلى موضعه يأخذ شيوخها عجلة من البقر لم يحرث عليها، ويأتون واديا دائم السيلان لم يحرث فيه ولم يزرع فيكسرون عنق العجلة في الوادي، ثم يتقدم الكهنة من بني لاوي، ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجل صارخين بقولهم: أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر، اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب، ولا تجعل دم بريء في وسط شعبك إسرائيل، فيغفر لهم الدم. وبداية هذه القصة قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} وإنما قدم اللاحق فيها على السابق رعاية للمقام، فإن ما ذكر من قبل كان نداء على بني إسرائيل بضلال الفكر وسوء التصرف في مواجهة ما يأمرهم به موسى عن الله عز وجل وما يجريه الله على يديه من آيات بينات تنادي بأنه رسول من الله لا ينطق إلا بوحيه ولا يتصرف إلا بأمره، وفي طي ذلك تذكير بآلاء الله الداعية إلى شكره بطاعة أمره والاستجابة لرسوله، وما ذكر هنا لا يختلف عن هذا السياق فهو من ناحية خبر عن تعنتهم على نبيهم وإصرارهم على مخالفة أمره حتى فيما هم فيه أحوج ما يكونون إلى الطاعة والامتثال لدرء الفتن عنهم، ومن ناحية أخرى هو تذكير بالنعمة السابغة، وهي وجود المخلص لهم من شر أحاط بهم، فقد روي أن الحادثة المشار إليها - وهي وجود قتيل بين ظهرانيهم لا يعرفون قاتله - دفعت بأسباطهم الى الفرقة والشقاق، فكان كل سبط يدفع التهمة عن أفراده ويقذف بها في صدر سبط آخر حتى كادوا يتداخلون بالسلاح لولا أن قيض الله من أولي الفطنة منهم من ردهم إلى الاحتكام إلى موسى عليه السلام. هذا هو رأي جمهور المفسرين في ترتيب القصة، وخالفهم فيه ابن عاشور قائلا: "لا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضي إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منها بقوله (وإذ) مع بقاء الترتيب على أن المذام قد تعرف بحكايتها، والتنبيه عليها بنحو قوله: {أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} - وقوله -: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}. قال: "فالذي يظهر لي أنهما قصتان أشارت الأولى إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة - إلى أن قال - وكانت القصة الثانية منه عليهم بآية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسوله بينّها الله لهم ليزدادوا إيمانا، ولذلك خُتم بقوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وأتبعت بقوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ}. وهذا التوجيه يفهم من قول القرطبي: "ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل فأمروا أن يضربوه ببعضها". والظاهر أن الأمر بذبح البقرة لم يكن إلا إثر القتل - كما قال الجمهور - لأن استنكارهم إياه بقولهم: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} وتقصيهم في السؤال عن أوصافها كان - حسبما يتبادر - بسبب استغرابهم من مواجهة موسى عليه السلام شكواهم بهذا الأمر الذي لم تستسغه أفهامهم. واسم البقرة صادق على الذكر والأنثى من أفراد البقر خلافا لمن خصه بالأنثى كاختصاص الثور بالذكر. وذكر المفسرون خلافا واسعا في هذه القصة ويجمع ما ذكروه أن القاتل كان قريبا للمقتول فطمع أن يرثه لأنه كان ثريا، ومنهم من أضاف إلى ذلك أن المقتول كانت عنده امرأة حسناء فطمع أن ينكحها من بعده، وقيل كانت له ابنة فخطبها إليه فرفض تزويجها منه. وقولهم: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} جوابا لموسى وهو يبلغهم أمر الله دليل على أنهم خلعوا ربقة الإِيمان من أعناقهم، إذ ما كان لأمة مؤمنة ولا جماعة مؤمنة أن تقابل نبيها بمثل هذا الجواب الجافي ولو صدر ذلك مما سبق إيمانه لكان في عداد المرتدين، وقيل: لا يُعد هذا ارتدادا منهم ولم يكونوا بهذا القول مكذبين لرسول الله موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وإنما ذلك مما تفرزه طبيعتهم الجافية، كقول أحد المنافقين عندما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله". والبقرة التي أُمروا بذبحها لم تكن مقيدة بما وصفت به بعد من الأوصاف، فلو قاموا إلى أي بقرة فذبحوها لبلغوا المطلوب وحصل لهم الامتثال، ولكنهم شددوا فشُدد عليهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأهم أو لأجزأت عنهم"تفسير : أخرجه البزار من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج عنه ابن أبي حاتم وابن مردويه مرفوعا: "لو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم"، وروي ذلك مرسلا بأسانيد مختلفة، ورواه ابن جرير موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما، وفي هذا ما يدل على أن التنطع في الدين والغلو في التنقيب عما لم يشرع فيه من مكروهات الله تعالى المؤدية إلى التشديد على خلقه، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال"تفسير : وفي حديث آخر "حديث : إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم لأنبيائهم واختلافهم عليهم"تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يغضب من كثرة الأسئلة ويطلب من الناس أن يتركوه ما تركهم، وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "حديث : إن من أشد الناس إثماً رجلاً سأل عما لم يحرم فحرم لأجل مسألته ". تفسير : وقيل هي معينة محدودة بأوصافها وإن لم تذكر أولا، ونحن لا ننازع في تعينها في علم الله سبحانه، ولكن ذلك لا يقتضي تعينها بموجب التشريع الذي خوطبوا به أولا، فلو أنهم قاموا إلى أي بقرة فذبحوها كانوا ممتثلين ويدل على عدم التعين في الحكم الأول والثاني أن موسى عليه السلام كان يستعجلهم امتثال الأمر بقوله: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} رغبة منه في مبادرتهم إلى الطاعة وخوفا من أن يفضي بهم تعنتهم في المسألة إلى الإِرهاق في التكليف. واستدل الفخر للقول بتعينها بأن الضمائر المتكررة في قوله: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ} عائدة إلى نفس البقرة التي أمروا بذبحا لأنها جاءت ردا على سؤالهم بقولهم: "ما هي"، و"ما لونها"؛ وليس في ذلك من دليل لأنهم مأمورون بذبح بقرة في الجملة ومطالبون بأن يسارعوا إلى امتثال هذا الأمر، والأوصاف التي جاءت من بعد ما هي إلا كتخصيص للعمومات المتعبد بها بعد امكان امتثالها، وقد صرح الأصوليون بجواز تخصيص العام بعد العمل بعمومه، وهذا يعني أن التعبد أولا كان بالعموم ثم بخصوصه، ولما كانوا متعبدين بذبح بقرة من جنس البقر - ولكل فرد من هذا الجنس أوصاف يتميز بها - وأخذوا يسألون عن أوصافها ويبالغون في ذلك أعيد الضمير في الجواب الكاشف للأوصاف إلى البقرة التي أمروا بذبحها من غير لوزم بأن تكون البقرة التي خوطبوا بذبحها أولا محددة بهذه الأوصاف. وتقدم في قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بيان الهزء، وهو بضم أوله وإسكان الزاي والهمز، وبهذا قرأ حمزة من السبعة وخلف في مختاره من سائر العشرة واسماعيل والقزاز عن عبد الوارث والمفضل، وتتبع الزاي الهاء في الضم، وبذلك قرأ الجمهور، غير أن حفصا خفف الهمزة بإبدالها واوا، والآخرون أثبتوها. وهو هنا مصدر بمعنى المفعول أي مهزوءا بنا، وذلك للمبالغة كأنهم اعتبروا أمره لهم بذبح البقرة كجعلهم نفس الهزء لكثرة الاستهزاء بهم حسبما اعتقدوا، وأجيز أن يكون على حذف مضاف اي مكان هزء أو ذوي هزء، وإجابتهم هذه لنبيهم على ما أبلغهم إياه من أمر الله دليل على سوء معتقدهم في أنبيائهم حيث أجازوا عليهم الكذب على الله في مقام التبليغ عنه، وهو اعتقاد لا يجامع الإِيمان إذ هو كفر صراح، وإن اعتذر لهم من اعتذر بأن ذلك جرى على ما اعتادوه من فضاضة القول الناشئ عن جفاء الطبع، وأن سببه ما رأوه بأنظارهم القاصرة من التباين بين طلبهم من موسى تعيين القاتل ورده عليهم بأن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة، أو أنهم حسبوا هذا الرد دعابة منه عليه السلام لهم، أو أن في الكلام محذوفا تقديره الله أمرك أن تتخذنا هزوا، أو أنهم قصدوا بالاستفهام الاسترشاد لا الإِنكار والعناد. وهذه المعاذير لا تغني فتيلا، ولا داعي إلى أن أشغل الوقت ببيان زيفها. وجوابه لهم بقوله: {أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} يقتضي أن الاستهزاء ليس من شأن العقلاء العالمين وإنما هو من شأن السفهاء الجاهلين فكيف يصدر من نبي مرسل في مقام الدعوة إلى الحق وتبليغ أمر الله، وهو وإن أسند الى الله في قوله: {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} فليس هو على حقيقته وإنما أريد مجازاتهم على استهزائهم كما سبق، واستعاذته عليه السلام من كونه من الجاهلين في هذا المقام مشعرة بأن الجهل لا ينحصر في عدم المعرفة بالشيء أصلا وهو من شأنه أن يعرف، وفي اعتقاده بخلاف ما هو عليه بل يطلق الجهل على الإِتيان بالشيء بخلاف ما كان ينبغي إتيانه، لأنه مما لا يصدر عادة إلا من الجاهلين به وصدوره من العارفين به يلحقهم بمصاف الجاهلين، إذ لا تعد الخبرة بالإِتقان مع عدمه شيئا. ومراده عليه السلام بالجاهلين هنا الجاهلون بأمر الله الذين يهرفون بما لا يعرفون، فيأتون بالهزل في مقام الجد ويلبسون الحق بالباطل، أو الجاهلون بجواب ما سأل عنه بنو إسرائيل من شأن القتيل الذي لم يعلم قاتله، ذلك لأنهم لم تمتد أنظارهم القاصرة إلى بعد خطابه، ولم تصل أفهامهم إلى حقيقة مراده. وبعد هذا الجواب الجاد انتبهوا إلى أن الأمر بعيد عن الهزل وأدق من أن تدركه مشاعرهم الغليظة، فاستسلموا مع شيء من العناد يتمثل في هذا التقصي في طلب كشف أوصاف البقرة التي أمروا بذبحها، {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ}، وليس الاستفهام بما هنا عن الماهية، وإنما هو عن أوصافها ذلك لأن ما يستفهم بها عن الصفة كما يستفهم بها عن الماهية، فلو تحدث متحدث عن حاتم فسأله سائل: ما حاتم؟ كان جوابه: كريم، وكذا لو سأل أحد عن الأحنف وهو يعلم أنه من جنس البشر بقوله: ما الأحنف؟ فجوابه: حليم، ولكل شيء أوصاف متعددة يجوز السؤال عن كل منها بـ "ما"، وقد علم الله الوصف الذي هم قاصدوه بهذا الاستفهام الذي منشؤه حيرتهم، من كون معرفة قاتل ميتهم تكون بإماتة حي من جنس البقر، إذ لا علاقة بين الأمرين حسبما يبدو قبل الإِطلاع على سر أمر الله، وتتضاعف هذه الحيرة إن كانوا سمعوا من موسى عليه السلام أن بذلك يتم احياء الميت المقتول بضربه بجزء من البقرة المذبوحة، فإن تصور حياة ميت بضربه بجزء من ميت آخر لا يكون مع الالتفات إلى طبيعة تأثير الأسباب في مسبباتها، وإنما يحصل ممن آمن إيمانا مطلقا برب الوجود الذي يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من المسببات من غير تقيد بسنة مألوفة ونواميس معروفة، وقد كان استفهامهم عن السن فأجيبوا بقوله: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}. والفارض ما تعدى سن القوة والفتوة إلى سن الضعف والشيخوخة، وقد يطلق على القديم ولو كان أمرا معنويا كقول الشاعر: شعر : ورب ذي ضغن عليَّ فارض له قروء كقروء الحائض تفسير : وأصله الفرض بمعنى القطع لأن المسنة قطعت غالبا العمر المعتاد؛ والبكر الفتيُّ، ويطلق على الذكر والأنثى وهو مأخوذ من البكرة بمعنى الغدو لأن البكر في أول مراحل العمر ودخول "لا" على الوصفين لنفيهما وإثبات وصف آخر بينهما، وهو المصرح به بقوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي نَصف متوسطة بين الفتوة والهرم، ويطلق العوان على النصف من النساء والحيوان، ومنه المثل "العوان لا تعلم الخِمرة"، ومن حيث كون هذه المرحلة متميزة بالقوة أطلق هذا الوصف على ما هو شديد الوطأة كقولهم "حرب عوان". وفسر أهل التفسير الفارض بالهرمة التي لا تلد لكبرها، والبكر بالصغيرة التي لم تصل إلى حد الولادة، وخالفهم السُّدي في البكر فقال - فيما أخرجه ابن جرير عنه - إنها التي لم تلد إلا مرة واحدة، وما قالوه أنسب بالمعروف في الاستعمال فإن المتداول لغة وعرفا أن البكر من الإِناث ما لم يفتحله الفحل سواء في الآدميات أو البهائم. وفسروا العوان بالتي ولدت مرة أو مرتين. والظاهر أنّ وصف العوان ينطبق على كل والدة إلى أن تصل إلى حد ما لا يلد للكبر، لأن هذه المرحلة متوسة بين البكارة والهرم. وبين للتوسط بين شيئين فصاعدا وإنما أضيفت هنا إلى اسم الإِشارة الذي للمفرد المذكر لأن الوصفين المذكورين من قبل - وهما الفارض والبكر - بانقضاء ذكرهما كانا كالشيء الواحد المعبَّر عنه بما تقدم أو ما ذكر فلذلك جازت الإِشارة إليهم بصيغة المفرد المذكر كما جاز عود الضمير المفرد المذكر إلى شيئين تقضي ذكرهما وذلك نحو قول الراجز: شعر : فيها خطوط من سواد ويقق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : وعندما قيل له إن أردت الخطوط فقل كأنها، وإن أردت السواد واليقق فقل كأنهما، قال: أردت كأن ذلك ويحك. وفي قول موسى عليه السلام لهم إثر ذلك {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} استحثاث لهم على الامتثال وإشفاق عليهم مما يترتب على ترددهم من العقوبة بتغليظ التكليف الذي كانوا بمنأى عنه أول الأمر وإنما طرأ عليهم تأديبا لهم على تعنتهم في المسألة، ولكن أنى لهم ذلك، وقد عودوا أنفسهم الاستخفاف بأمر الله والتنطع على رسله حتى فسدت فطرتهم وانطمست بصيرتهم فصار ذلك جزاء من جبلتهم، فلذا أعادوا السؤال ثانية بما حكاه الله عنهم هنا في قوله: (قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك يبين لنا ما لونها) وما لِلَّون وما كُلفوا به لولا عدم تَهَيئهم لاستقبال أمر الله كما يجب ومحاولتهم التهرب منه بهذه المناقشات الفارغة التي لا تثمر إلا ضياع الوقت وسوء الطبع والتعود على التمرد والبعد عن الطاعة غير أنهم عوقبوا بجزاء من جنس ما سألوه، فكان هذا الجواب: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ} فرض عليهم لون خاص في تلك البقرة وهو الصفرة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاوزه إلى اشتراط فقوع اللون وهو أبلغ ما تكون فيه الصفرة فإن الفاقع للأصفر كالحالك والداكن للأسود، والقاني للأحمر واليقق للأبيض، يراد به الخلوص والنصاعة بحيث لا يشوبه لون آخر، وروي عن الحسن البصري أن المراد بالصفراء هنا شدة السواد واستدل بعضهم لقوله بقول الشاعر: شعر : تلك خيلي منها وتلك ركابي هي صفر أولادها كالزبيب تفسير : وهو قول لا يعتد به لمخالفته الوضع والاستعمال، فإن العرب خصصت لكل لون من الألوان باسم مشهور لا يشبه بغيره، ويؤكد أن الصفرة هنا على حقيقتها تأكيدها بالفقوع، وقوله: {تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ}، فإن اللون الأصفر في البقر ونحوها أقرب إلى كونه مصدر الإِعجاب والأنس من اللون الأسود، ولا دليل في البيت لما ادعوه فإن العرب إنما تشبه بما كان أكثر اشتهارا وانتشارا عندها، وقد اشتهر في أوساطهم الزبيب الأصفر كالطائفي دون الأسود، ولو سُلِّم ما تّوهموه من أن المشبه به الزبيب الأسود لم تكن في ذك أيضا حجة لأن الصفرة لا تفارق ألوان الإِبل ولو غلبها السواد بخلاف البقر السود، وبجانب هذه الرواية النادرة عن الحسن نجد ابن جرير الذي رواها عنه روى عنه وعن سعيد ابن جبير أيضا أنها كانت بقرة خالصة الصفرة حتى أن قرونها وأظلافها كانت صفراء، وهو مخالف للمعهود في البقر، ولعلهما - إن صحت الرواية بذلك عنهما - استظهرا ذلك من قوله "فاقع"، وهو غير ظاهر فإنما يستفاد منه خلوص صفرة الجلد دون غيره كما لو وصف واصف أحدا - وهو في سن الشباب - بأنه أبيض يقق لم يفد ذلك إلا خلوص البياض في ما اعتيد فيه دون غيره، كالشعر وأحداق العينين والشفتين واللسان، وكذا لو سمعت واصفا يصف شيئا بلون من الألوان لم يسبق إلى ذهنك إلا شمول ذلك اللون للأجزاء التي اعتيد فيها دون غيرها. ووصفها بأنها تسر الناظرين لأن وجود بقرة بهذه الأوصاف كلها مما يعز عادة، والنفس أبهج بغير المألوف منها بالمألوف. والسرور لذة نفسية تنبعث بالإِحسان بالمحبوب إلى النفس سواء كان هذا الإِحساس منشؤه إدراك الحواس الخمس، أو تذكر محبوب مضى، أو انتظار محبوب آت، وتكون بالشيء الحسي كرؤية الجمال، والمعنوي كانتصار صديق على عدو. ولم يقنعوا بهذا البيان فأردفوا السؤالين السابقين بسؤال ثالث هو من حيث الصيغة لا يختلف عن الأول: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ}، غير أنه له مضمون آخر غير المضمون السابق، وهو حال البقرة من حيثية التعامل معها هل هي مذللة أو مدللة، وقد أحسوا - وهم يوجهون هذا السؤال إلى موسى عليه السلام بما يتفاعل في نفسه من الأسى والحسرة على هذا التقصي في البحث فاعتذروا إليه بقولهم: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وأردفوه قولهم: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} لينشط في دعائه ربه بأن يبين لهم ما يطلبون ولينجلي عن قلبه غيم السآمة من مراجعتهم المتتابعة برجائه امتثالهم الذي أخذت تظهر تباشيره وتزحف طلائعه لا سيما أنهم جاءوا بما لم يعهد منهم من قبل من لطف القول، وحسن الوعد، ورعاية جانب مشيئة الله سبحانه فيما هم طامعون فيه من الهداية. وقد علم الله ماذا يعنون بمسألتهم فأجابهم بما يشفي غليلهم وهو أن تلك البقرة من النوع المدلل من الحيوان فهي ليست ذلولا، والذلول ما لان وانقاد من الذِّل - بالكسر - بمعنى الانقياد وعدم العتو، يقال ذَل الثور والفرس ونحوهما لصاحبه ذِلا إذا لان له، أما الذُّل - بالضم - فهو بمعنى الهوان، كقولهم: ذَل الرجل بعد عزته ذُلا إذا هان، وهذا الوصف يقتضي عتوها لعدم ترويضها بالعمل كالبقر العوامل، وبيّن ذلك في قوله: {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ}، فهو وصف لذلول داخل في حيز النفي. والمراد بإثارة الأرض قلبها لأجل الحرث، ولا يكون إلا ببقرة مذللة، وروي عن الحسن أنها كانت بقرة وحشية، فلهذا وصفها بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لم تعد للحرث ولا للسَّني، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن جملة {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} خارجة عن حيز النفي وصفت بها البقرة المطلوبة، وعليه فالوقف على ذلول، ومحمل هذا التفسير على أنها كانت حارثة غير ساقية، وهو مردود لوجهين: أولهما: أن الجملة المعطوفة عليها منفية ولا تجتمع جملتان أولاهما مثبتة وثانيتهما منفية بـ لا مع عطف المنفية على المثبتة بالواو إلا إذا كان في نفي الثانية تأكيد لإِثبات الأولى نحو محمد يقوم ولا ينام، وما هنا بخلاف ذلك. ثانيهما: أن الله قد نفى عنها الذل، وفي إثبات إثارتها للأرض إثبات لهذا النفي. وذهب بعض المفسرين إلى جواز كونها تثير الأرض مرحا ونشاطا بقروها وأظلافها، لا لأجل تهيئتها للحرث، وهو رأي سائغ ولكن القول الأول أنسب بنسق الكلام وأسبق إلى احتلال الأفهام. والحرث هنا بمعنى المحروث كالزرع بمعنى المزروع، ومعناهما واحد. وصفها بأنها "مسلَّمة" لتبرئتها من العيوب التي تكون في جنسها، وقيل: إن أهلها سلموها من الخدمة والاستعمال، وقيل: مسلمة من شائب الحرام، فلا غصب فيها ولا سرقة، وقيل: مسلمة من الشيات، وعليه فقوله: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} بيان لـ "مسلمة"، وعلى ما سبق صفة أخرى لبقرة، والشية مصدر وشى، كعدة وعظة، وبمعناه الوشى وهو خلط اللون بألوان أخرى، ولذلك سُمي به التطريز لأن من عادته أن يجمع بين ألوان مختلفة، ومفاده خلوص صفرة تلك البقرة بحيث لم تُشب بأي لون من الألوان الأخرى، وهو مما يندر جدا، ولذلك قال من قال إنها لم تكن من بقر الدنيا بل أنزلها الله من السماء، وقد أجاد الألوسي في وصفه هذا القول بأنه هابط في تخوم الأرض، وقيل: كانت بقرة وحشية، وهو - مع بعده - أقرب مما قبله. وتتابع التأكيد بإن في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} وما بعده من خطاب موسى لهم المحي هنا قاض عليهم بالغباوة البالغة والعناد المتناهي، إذ لو كانوا أولي فطنة وانقياد لكانوا في غنى عن مثل هذا الخطاب المتكرر المقترن في كل مرة بآل التأكيد الذي لا يخاطب مثله إلا من استحكم فيه الغباء، واستبد به التعنت. واختيار البقرة للذبح في هذه القضية دون غيرها من سائر الحيوان - مع أن الله تعالى قادر على بعث ميتهم بما يشاؤه من الأسباب وبدون أي سبب - إما لتمحيص إيمانهم وابتلاء عزيمتهم فإن البقر عنصر مقدس بمقتضى عقيدة الكفر التي اعتنقوها حينما عبدوا العجل، فكان في ذبحهم لها تحقيق لتوبتهم مما كانوا فيه، وإما لكشف ما بهم من غباوة تثير استغراب من يسمع قصتهم ويقارن بين حاليهم؛ فموسى عليه السلام رسول من الله لا يتكلم إلا بوحيه، ولا يدعو إلا إلى هديه، وقد أبلغهم عن الله عز وجل أنه يأمرهم بذبح بقرة، وقد كان الواجب يقتضيهم أن لايترددوا في امتثال الأمر، إذ لم يأمرهم إلا بمعقول شرعا، ومقبول وضعا، فإن ذبح البقر أمر معهود بين الناس غير أنهم ما كان منهم إلا سوء الظن بالقائل والتعنت في الأمر بينما هم - عندما أمرهم السامري بعبادة العجل - لم يتعنتوا عليه ولم يسيئوا به الظن، بل اندفعوا إلى ما أراده منهم، متجاهلين للأوامر الشرعية ومتعامين عن البراهين العقلية، القاضية بضلال ما كانوا يعملون. وبعد أن انسدت في وجوههم الأبواب بما ووجهوا به من جواب عن كل مسألة جاءوا بها: {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ}، ومفهوم قولهم هذا أن ما جاء به من قبل لم يكن حقا، ولذلك حكم عليهم قتادة أنهم كفروا به، ولم يرد ذلك غيره وإنما حملوه على ما اعتيد منهم من سوء القول الناشئ عن جفاء الطبع، وهؤلاء اختلفوا في المقصود بالحق؛ منهم من حمله على الحقيقة، أي الآن جئت بالحقيقة الناصعة، ويقرب منه قول من قال إنه بمعنى القول المطابق للواقع، وفسره بعضهم بمعنى الأمر المقضي أو اللازم، وذلك أنهم لم يجدوا مناصا عنه بعد هذه المعاذير التي جاءوا بها في صورة الإِستفهام عن حقيقة ما طولبوا به. وجوز الإِمام ابن عاشور أن تكون الآية حكت معنى ما عبر عنه اليهود لموسى بلفظ هو في لغتهم محتمل للوجهين، فحكى بما يرادفه من العربية تنبيها على قلة اهتمامهم بانتقاء الألفاظ النزيهة في مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم كما كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم "راعنا" فنُهِّينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا}. قال: "وهم لقلة جدارتهم بفهم الشرائع قد توهموا أن في الأمر بذبح البقرة دون بيان صفاتها تقصيرا كأنهم ظنوا الأمر بالذبح كالأمر بالشراء، فجعلوا يستوصفونها بجميع الصفات، واستكملوا موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض الناس في الكسب للبقر، ظنا منهم أن في علم النبي بهذه الأغراض الدنيوية كمالا فيه، فلذا مدحوه بعد البيان بقولهم: {ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ}، كما يقول الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال: الآن أصبت الجواب، ولعلهم كانوا لا يفرقون بين الوصف الطردي وغيره في التشريع، فليحذر المسلمون أن يقعوا في فهم الدين على شيء مما قوع فيه أولئك وذموا لأجله". وقد هيأ الله لهم البقرة الجامعة لما ذكر من الأوصاف: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}، وقد كان تيسيرها لهم فضلا من الله ورحمة، إذ اجتماع هذه الأوصاف جميعها في بقرة واحدة من الندرة بمكان، وقد بالغ المفسرون في تحديد ثمنها الذي بذلوه فيها، وجاءوا في ذلك بأقوال شتى حتى قال من قال منهم اشتروها بملء مسكها - جلدها - ذهبا، وقال بعضهم بوزنها من الذهب، وقال آخرون: بأضعاف ذلك، وهي جميعا أقوال لم تعززها أدلة لعدم ثبوت شيء من ذلك عن المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، ومثل هذا لا يوصل إليه إلا بالتوقيف، ولعلهم تلقفوا هذه الأقوال من أهل الكتاب، ويشهد له ما ساقوه من قصة طويلة عن البقرة وصاحبها الذي اشتريت منه، ليس إلى ذكرها من داع، ومهما يكن فإن ندرة هذا الوصف في البقر داع إلى أن يكون لها ثمن يتجاوز أثمان البقر المعتادة خصوصا عندما يعلم صاحبها ضرورتهم إليها فيشح بها عليهم استغلالا لحاجتهم، وما أوقعهم في ذلك إلا هذا العنت الطويل، وإثارة التساؤلات التي كانوا في غنى عنها لو أنهم سارعوا إلى الطاعة والامتثال، وكل ما ذكرته يستفاد من قوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} فإنه دليل على منتهى إبائهم ومبلغ عنادهم. وكاد من أفعال المقاربة، ولعلماء البلاغة والإِعراب فيما إذا جاءت منفية أو مثبتة بحوث واسعة ومداولات مشهورة، فكثير منهم قالوا هي معاكسة لسائر الأفعال فإثباتها نفي ونفيها إثبات، واعتبروا الآية دليلا على صحة ما قالوه، فهي هنا مُثبتة للفعل مع اقترانها بالنفي بخلافها في قوله تعالى: {أية : يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} تفسير : [البقرة: 20]، وقوله: {أية : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} تفسير : [النور: 43]، فإن خطف الأبصار والذهاب بها لا يكونان بالبرق وسناه، وذهب آخرون إلى إجرائها على الأصل المتبع في الإِثبات والنفي، وحملوا قوله تعالى: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}، وقوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} على ثبوت المقاربة التي هي مدلول كاد، وحملوا النفي في هذه الآية على سابق حالهم عندما كانوا لا يفتأون يوجهون إلى موسى عليه السلام أسئلتهم الممعنة في التعنت والإِعراض هروبا الامتثال، وإصرارا على العصيان، وإنما طرأ الذبح بعد هذه الحال المؤيسة لكل ناظر في أمرهم من قبولهم لما صلب إليهم من الحق، وبين هذين الرأيين آراء أخرى لا داعي إلى ذكرها. والتعبير بـ (يفعلون) بدلا من (يذبحون) في خاتمة هذه الآية لتجنيب القرآن التكرار الممقوت الذي لا يتلاءم مع بلاغة الكلام المعتاد فكيف بكلامٍ لا يصل إلى شأوه بيان ولا يقدر على مثله لسان، ومؤدى العبارتين واحد.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقاً كان مشتملاً على ذكر المساوي أيضاً من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك، وقد يقال: هو على نمط ما تقدم، لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين، وأخروية لكونه معجزة لموسى عليه السلام. وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال: إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولاً ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية ـ وليس بالبعيد ـ. وأول القصة: قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 72] الخ، وكان الظاهر أن يقال ـ قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله ـ إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال، وترك المصارعة إلى الامتثال، ولو أجري على النظم لكانت قصة واحدة، ولذهبت تثنية التقريع، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد، وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى ـ بذبح البقرة ـ ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها ـ لكن المشهور خلافه ـ والقصة أنه عمد أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما ـ أخي أبيهما ـ فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا، ويخبر بقاتله، وقيل: كان القاتل أخا القتيل، وقيل: ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه، وقيل: إنه كان ـ تحت رجل يقال له عاميل ـ بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان، وقرأ الجمهور (يأمركم) بضم الراء، وعن أبـي عمرو السكون والاختلاس ـ وإبدال الهمزة ألفاً، و {أَن تَذْبَحُواْ} من موضع المفعول الثاني ليأمر، وهو على إسقاط حرف الجر ـ أي بأن تذبحوا. {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الإمتثال أم لا؟ فأجيب بذلك، والاتخاذ كالتصيير، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و {هُزُواً} مفعوله الثاني ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف ـ كمكان، أو أهل ـ أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } تفسير : [المائدة: 96] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء بضربها، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعاداً لما قاله واستخفافاً به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به، ولا يأبـى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة، ومن هنا قال بعضهم: إن إجابتهم نبيهم ـ حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك ـ دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له/ إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب، فهم قد كفروا بموسى عليه السلام. ومن الناس من قال: كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء، فأجابوا بما أجابوا، وقيل: استفهموا على سبيل الاسترشاد ـ لا على وجه الانكار والعناد ـ وقرأ عاصم وابن محيصن {يتخذنا} ـ بالياء ـ على أن الضمير لله تعالى. وقرأ حمزة وإسمٰعيل عن نافع {هزأ} بالإسكان، وحفص عن عاصم ـ بالضم وقلب الهمزة واواً ـ، والباقون ـ بالضم والهمزة ـ والكل لغات فيه. {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} أي من أن أعد في عدادهم، ((و ـ الجهل ـ كما قال الراغب ـ له معان، عدم العلم، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل ـ سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً)) ـ وهذا الأخير هو المراد هنا، وقد نفاه عليه السلام عن نفسه قصداً إلى نفي ملزومه الذي رمي به ـ وهو الاستهزاء على طريق الكناية ـ وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعاً له، إذ ـ الهزء ـ في مقام الإرشاد كاد يكون كفراً وما يجري مجراه، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكم مثل: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] سائغ شائع ـ وفرق بين المقامين ـ وذكر بعضهم أن الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى: {أية : وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ }تفسير : [المؤمنون: 97] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك، والأول أولى ـ وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام ـ والفرق بين ـ الهزء والمزح ـ ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياناً كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات في المسألة والإلحاح فيها إما للتفصي من الامتثال وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لاقصد إليه. قيل: إن أول هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى: {أية : وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها}تفسير : [البقرة: 72] الآيات وإن قول موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ناشىء عن قتل النفس المذكورة، وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم في تلقي التشريع وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤاً والإعنات في المسألة فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم، هكذا ذكر صاحب «الكشاف» والموجهون لكلامه، ولا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضي إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما بقوله: {وإذ} مع بقاء الترتيب، على أن المذام قد تعرف بحكايتها والتنبيه عليها بنحو قوله: {أية : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : - وقوله -: {أية : وما كادوا يفعلون}تفسير : [البقرة: 71]. فالذي يظهر لي أنهما قصتان أشارت الأولى وهي المحكية هنا إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة وهذه هي القصة التي أشارت إليها التوراة في السفر الرابع وهو سفر التشريع الثاني (تثنية) في الإصحاج 21 أنه «إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل يخرج شيوخها ويخرجون عجلة من البقر لم يحرث عليها ولم تنجُر بالنير فيأتون بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع ويقطعون عنقها هنالك ويتقدم الكهنة من بني لاوى فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة في الوادي ويقولون لم تسفك أيدينا هذا الدم ولم تبصر أعيننا سافكه فيغفر لهم الدم» اهـ. هكذا ذكرت القصة بإجمال أضاع المقصود وأبهم الغرض من هذا الذبح أهو إضاعة ذلك الدم باطلاً أم هو عند تعذر معرفة المتهم بالقتل؟ وكيفما كان فهذه بقرة مشروعة عند كل قتل نفس جُهل قاتلها وهي المشار إليها هنا، ثم كان ما حدث من قتل القتيل الذي قتله أبناء عمه وجاءوا مظهرين المطالبة بدمه وكانت تلك النازلة نزلت في يوم ذبح البقرة فأمرهم الله بأن يضربوا القتيل ببعض تلك البقرة التي شأنها أن تذبح عند جهل قاتل نفس. وبذلك يظهر وجه ذكرهما قصتين وقد أجمل القرآن ذكر القصتين لأن موضع التذكير والعبرة منهما هو ما حدث في خلالهما لا تفصيل الوقائع فكانت القصة الأولى تشريعاً سيق ذكره لما قارنه من تلقيهم الأمر بكثرة السؤال الدال على ضعف الفهم للشريعة وعلى تطلب أشياء لا ينبغي أن يظن اهتمام التشريع بها، وكانت القصة الثانية منة عليهم بآية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسولهم بينها الله لهم ليزدادوا إيماناً ولذلك ختمت بقوله: {أية : ويريكم آياته لعلكم تعقلون}تفسير : [البقرة: 73] وأتبعت بقوله: {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك}تفسير : [البقرة: 74]. والتأكيد في قوله: {إن الله يأمركم} حكاية لما عبر به موسى من الاهتمام بهذا الخبر الذي لو وقع في العربية لوقع مؤكداً بإنَّ. وقولهم: {تتخذنا هزؤاً} استفهام حقيقي لظنهم أن الأمر بذبح بقرة للاستبراء من دم قتيل كاللعب و{تتخذنا} بمعنى تجعلنا وسيأتي بيان أصل فعل اتخذ عند قوله تعالى: {أية : أتتخذ أصناماً آلهة} تفسير : في سورة الأنعام (74). والهزؤ بضم الهمزة والزاي وبسكون الزاي مصدر هزأ به هزءاً وهو هنا مصدر بمعنى المفعول كالصيد والخلق. وقرأ الجمهور (هزؤًا) بضمتين وهمز بعد الزاي وصلاً ووقفاً، وقرأ حمزة بسكون الزاي وبالهمز وصلاً، ووقف عليه بتخفيف الهمز واواً وقد رسمت في المصحف واواً، وقرأ حفص بضم الزاي وتخفيف الهمز واواً في الوصل والوقف. وقول موسى: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تبرؤٌ وتنزه عن الهزء لأنه لا يليق بالعقلاء الأفاضل فإنه أخص من المزح لأن في الهزؤِ مزحاً مع استخفاف واحتقار للمزوح معه على أن المزح لا يليق في المجامع العامة والخطابة، على أنه لا يليق بمقام الرسول ولذا تبرأ منه موسى بأنه نفى أن يكون من الجاهلين كناية عن نفي المزح بنفي ملزومه، وبالغ في التنزه بقوله {أعوذ بالله} أي منه لأن العياذ بالله أبلغ كلمات النفي فإن المرء لا يعوذ بالله إلا إذا أراد التغلب على أمر عظيم لا يغلبه إلا الله تعالى. وصيغة {أن أكون من الجاهلين} أبلغ في انتفاء الجهالة من أن لو قال أعوذ بالله أن أجهل كما سيأتي في سورة الأنعام (56) عند قوله: {أية : وما أنا من المهتدين}تفسير : . والجهل ضد العلم وضد الحلم وقد ورد لهما في كلام العرب، فمن الأول قول عمرو بن كلثوم:شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : ومن الثاني قول الحماسي:شعر : فليس سواء عالم وجهول تفسير : وقول النابغة:شعر : وليس جاهل شيء مثل من علما

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: البقرة: واحدة البقر والذكر ثور والأنثى بقرة. الذبح: قطع الودجين والمارن. الهزؤ: السخرية واللعب. الجاهل: الذي يقول أو يفعل مالا ينبغي قوله أو فعله. الفارض: المسنة، والبكر الصغيرة التي لم تلد بعد. والعوان: النّصَفُ وسط بين المسنة والصغيرة. فاقع: يقال: أصفر فاقع شديدة الصفرة كأحمر قانىء وأبيض ناصع. الذلول: الرّيّضة التي زالت صعوبتها فاصبحت سهلة منقادة. تثير الأرض: تقلبها بالمحراث فيثور غبارها بمعنى أنها لم تستعمل في الحرث ولا في سقاية الزرع أي لم يُسن عليها، وذلك لصغرها. مسلّمة: سليمة من العيوب كالعور والعرج. لا شية فيها: الشية العلامة أي لا يوجد فيها لون غير لونها من سواد أو بياض. معنى الآيات: واذكر يا رسولنا لهؤلاء اليهود عيباً آخر من عيوب أسلافهم الذين يَعْتزُّونَ بهم وهو سوء سلوكهم مع أنبيائهم فيكون توبيخاً لهم لعلهم يرجعون عن غيهم فيؤمنوا بك وبما جئت به من الهدى ودين الحق. اذكر لهم قصة الرجل الذي قتله ابن أخيه استعجالا لإِرثه ثم ألقاه تعمية في حي غير الحي الذي هو منه، ولما اختلفوا فى القاتل قالوا نذهب الى موسى يدعو لنا ربه ليبين لنا من هو القاتل فجاءوه فقال لهم أن الله تعالى يأمركم أن تذبحوا بقرة من أجل أن يضربوا القتيل بجزء منها فينطق مبيناً من قتله فلما قال لهم ذلك قالوا أتتخذنا هزؤاً فوصفوا نبي الله بالسخرية واللعب وهذا ذنب قبيح وما زالوا يسألونه عن البقرة ويتشددون حتى شدد الله تعالى عليهم الأمر الذي كادوا معه لا يذبحون مع أنهم لو تناولوا بقرة من عرض الشارع وذبحوها لكفتهم. ولكن شددوا فشدد الله عليهم فعثروا على البقرة المطلوبة بعد جهد جهيد وغالى فيها صاحبها فباعها منهم بملء جلدها ذهباً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما كان عليه قوم موسى من بني إسرائيل من العجرفة وسوء الأخلاق ليتجنب مثلها المسلمون. 2- حرمة الإعتراض على الشارع ووجوب تسليم أمره أو نهيه ولو لم تعرف فائدة الأمر والنهي وعلتها. 3- الندب إلى الأخذ بالمتيسر وكراهة التشدد في الأمور. 4- بيان فائدة الاستثناء بقول إن شاء الله، إذ لو لم يقل اليهود إن شاء الله لمهتدون ما كانوا ليهتدوا إلى معرفة البقرة المطلوبة. 5- ينبغي تحاشي الكلمات التي قد يفهم منها انتقاص الأنبياء مثل قولهم الآن جئت بالحق، إذ مفهومه أنه ما جاءهم بالحق إلا في هذه المرة من عدة مرات سبقت!!

القطان

تفسير : الهزؤ: السخرية. فارض: كبيرة انقطعت ولادتها. بكر: صغيرة لم يركبها الفحل. عوان: نَصَف بين الكبيرة والصغيرة. فاقع: ناصع شديد الصفرة. الذلول: المدرب الذي عُوّد على العمل. تثير الارض: تقلبها وتهيئها للزراعة. مسلمة: خالية من العيوب. لا شية فيها: لونها واحد ليس فيها ألوان مختلفة. والشية: العلامة. ادّارأتم: اختصمتم، وتدافعتم بأن قال بعضكم أنتم القتَلة وقال الآخرون بل أنتم. في هذه الآية يقص علينا تعالى موضوعاً يبين فيه تعنت اليهود، ومما حكتهم واستهزاءهم بأوامر الله، وتعجيزهم لنبيهم، وتنطعهم بالدين. وأصل القصة ان جريمة قتل وقعت في بني إسرائيل ولم يعرف القاتل. فأتوا الى موسى يطلبون حكمه فيها فقال لهم: ان الله تعالى يأمركم ان تذبحوا بقرة ليكون ذلك مفتاحاً لمعرفة القاتل. فقالوا: أتسخر منا يا موسى! فقال: أعوذ بالله ان أكون من الجاهلين. وهنا بدأ تعنتهم اذ قالوا: اطلب لنا من ربك ان يبين لنا لون هذه البقرة. فأجابهم موسى: ان الله تعالى يقول انها بقرة صفراء لونها فاقع تسر الناظرين لصفاء لونها ووضوحه. ثم لجّوا في سؤالهم فقالوا: ادعُ لنا ربك يبين شأن هذه البقرة، لأن البقر كثير وقد تشابه علينا. فقال لهم ان الله يقول انها بقرة لم تذلل بالعمل في حرث الارض وقلبها للزراعة، ولم تعمل في سقي الارض، وهي مسلَّمة بريئة من العيوب ليس فيها أية علامة أو لون آخر. فقالوا: الآن جئت بالبيان الواضح، وأخذوا يبحثون عن البقرة التي بهذه الصفات. ووجدوها عند أيتام فقراء فاشتروها بأضعاف ثمنها ثم ذبحوها، وما كادوا يفعلون ذلك لكثرة أسئلتهم وطول لجاجهم. ثم يأتي الى القصد الاول من ذبح البقرة. وهي قوله: قتل بعضكم نفساً فود كل منكم ان يدفع عن نفسه التهمة، وتخاصمتم في ذلك، والله يعلم الحقيقة وهو كاشفها ومظهرها مع أنكم تكتمونها. فقلنا على لسان موسى: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة، فلما فعلتم أحيا الله القتيل وذكر اسم قاتله ثم سقط ميتا.. وتلك معجزة من الله لنبيه موسى، والله على كل شيء قدير. جمع المفسرين مجمعون على أن ضرب القتيل كان بجزء من البقرة وإن اختلفوا في تعيين ذلك الجزء. ومعرفة هذا الجزء لا تنقص ولا تزيد في قدر المعجزة، وانما هي علم لا يفيد أحدا. وقد خالف المرحوم عبد الوهاب النجار في تفسير "اضربوه ببعضها" في كتابه قصص الأنبياء ص 259ـ262 وقال: المراد بعض أجزاء القتيل. يعني ان يضرب المتهم بجزء من جسم القتيل، هذا ما نفهم من كلامه وهو يقول: ان قصة ذبح البقرة منفصلة عن قصة القتل. وكل واحدة على حدة. أما المراد بذبح البقرة فهو أن بني إسرائيل كانوا مع المصريين الذين يقدسون البقر. وكانت فيهم بقية من هذا التقديس بدليل أنهم عبدوا تمثال العجل، فكان لا بد لاقتلاع هذه البقية من نفوسهم تكليفهم ذبح البقرة، فكان لذلك الأمرُ بالذبح، وكان لذلك المجادلة والتلكؤ منهم، فذبحوها وما كادوا يقومون بالذبح. والرأي هنا أقرب الى التعليل المنطقي لا مجرد التفسير. ويريكم آياته وهي الإحياء وما اشتمل عليه من الأمور البديعة من ترتيب الحياة على الضرب بعضو ميت، وإخبارُ الميت بقاتله مما ترتب عليه الفصل في الخصومة وازالة أسباب الفتن والعداوة لعلكم تفقهون أسباب الشريعة وفائدة الخضوع لها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْجَاهِلِينَ} (67) - كَانَ فِي بَني إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، وَكَانَ وَارِثَهُ الَوحِيدَ ابْنُ أَخِيهِ، فَاسْتَعْجَلَ ابْنُ الأَخِ المِيرَاثَ. وَقَتَلَ عَمَّهُ، ثُمَّ حَمَلَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى بَابِ رَجُل مِنْهُمْ. وَادَّعَى عَلَى صَاحِبِ البَيْتِ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، وَتَسَلَّحَ النَّاسُ، وَتَثَاوَرُوا حَتَّى كَادَ الشَّرُّ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ. فَدَعَاهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ فِيهِمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلى مُوسَى يَسْأَلُونَهُ الرَّأْيَ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. فَقَالُوا لَهُ: أَتَسْخَرُ مِنَّا، وَتَتَّخِذُنا مَوْضِعاً لِلْهٌزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ؟ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ الذِينَ يَسْخَرُونَ مِنَ النَّاسِ، أَوْ يَأْمُرُونَ بِشَيءٍ لاَ فَائِدَةَ مِنْهُ. الهُزْءُ - السُّخْرِيَةُ. عَاذَ - اعْتَصَمَ وَلاَذَ. الجَهْلُ - فِعْلُ مَا لاَ يَنْبَغِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تعرضنا إلى هذه الآية الكريمة في بداية سورة البقرة .. لأن السورة سميت بهذا الاسم .. ونلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى أتى بحرف: "وإذ" .. يعني واذكروا: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] .. ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة .. ولابد أن نقرأ الآيات إلى آخر القصة لنعرف السبب في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 72-73]. والمفروض في كل الأمور أن الأمر تسبقه علته .. ولكن هذه عظمة القرآن الكريم .. لأن السؤال عن العلة أولاً معناه أن الأمر صادر من مساو لك .. فإذا قال لك إنسان افعل كذا .. تسأله لماذا حتى أطيع الأمر وأنفذه .. إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته .. ولكن الأمر من غير المساوي .. كأمر الأب لابنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده .. مثل هذا الأمر لا يسأل عن علته قبل تنفيذه .. لأن الذي أصدره أحكم من الذي صدر إليه الأمر .. ولو أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته أولاً .. فيكون قد فعل الأمر بعلته. فكأنه قد فعله من أجل العلة .. ومن هنا يزول الإيمان .. ويستوي أن يكون الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن .. ويكون تنفيذ الأمر بلا ثواب من الله.. إن الإيمان يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله طائعاً .. عرف علته أو لم يعرف .. ويقوم بتنفيذه لأنه صادر من الله .. ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله .. وكل تكليف يأتي .. علة حدوثه هي الإيمان بالله .. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يبدأ كل تكليف بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" .. أي يا من آمنت بالله ربا وإلهاً وخالقاً .. خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك. في هذه الآيات التي نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك .. فجاء بالأمر بذبح البقرة أولاً .. وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة .. وأنت حين تعبد الله فكل ما تفعله هو طاعة لله سبحانه وتعالى .. سواء عرفت العلة أو لم تعرفها، فأنت تؤدي الصلاة لأن الله تبارك وتعالى أمرك بأن تصلي .. فلو أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للاستيقاظ المبكر .. أو أنها حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب ولا أجر .. إن أردت الرياضة فاذهب إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون الرياضة على أصولها .. وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك .. وإن أردت عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن الله فرضها .. وكذلك كل العبادات الأخرى.. الصوم ليس شعوراً بإحساس الجائع .. ولا هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عبادة .. إن لم تصم تنفيذاً لأمر الله بالصوم فلا ثواب لك .. وإن جعلت للصيام أي سبب إلا العبادة فإنه صيام لا يقبله الله .. والله أغنى الشركاء عن الشرك .. فمن أشرك معه أحداً ترك الله عمله لمن أشركه .. وكذلك كل العبادات. هذا هو المفهوم الإيماني الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل .. ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أولاً .. بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن السبب .. وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في إيماننا بحقيقة ما حدث .. وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] .. أعطى الله تبارك وتعالى الأمر أولاً ليختبر قوة إيمان بني إسرائيل .. ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل .. ولكنهم بدلاً من أن يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} [البقرة: 67] .. كلمة قوم تطلق على الرجال فقط .. ولذلك يقول القرآن الكريم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. إذن قوم هم الرجال .. لأنهم يقومون على شئون أسرهم ونسائهم .. ولذلك يقول الشاعر العربي: شعر : وما أدري ولست أخال أدري أَقَوْمٌ آل حصنٍ أم نساءُ تفسير : فالقوامة للرجال .. والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها .. والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون .. والمفروض أن المرأة سكن لزوجها وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال .. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} [البقرة: 67] .. الأمر طلب فعل .. وإذا كان الآمر أعلى من المأمور نسميه أمراً .. وإذا كان مساوياً له نسميه التماساً .. وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء .. على أننا لابد أن نلتفت إلى قوله تعالى على لسان زكريا: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ..} تفسير : [آل عمران: 38]. هل هذا أمر من زكريا؟ طبعاً لا .. لأنه دعاء والدعاء رجاء من الأدنى إلى الأعلى .. قوله تعالى: {ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} [البقرة: 67] .. لو أن إنساناً يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة .. أهذه تحتاج إلى إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي جهد .. فما دام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة .. فكل ما عليهم هو التنفيذ .. ولكن انظر إلى الغباء حتى في السؤال .. إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لإبطال التكليف .. لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا .. أي أنهم استنكروا أن يكلفهم الله تبارك وتعالى بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد .. فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم .. كأنهم يرون أن المسألة صعبة على الله سبحانه وتعالى .. لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة .. وعندما سمع موسى كلامهم ذهل .. فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله تبارك وتعالى .. أينقل نبي الله لهم أمراً من أوامر الله جل جلاله على سبيل الهزل؟ هنا عرف موسى أن هؤلاء اليهود هم جاهلون .. جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم .. وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله سبحانه وتعالى .. فاتجه إلى السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين .. الذين يأتيهم اليسر فيريدونه عسراً. ويأتيهم السهل فيريدونه صعباً .. ويطلبون من الله أن يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعباً وشاقاً.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى بعض قبائح اليهود وجرائمهم، من نقض المواثيق، واعتدائهم في السبت، وتمردهم على الله عز وجل في تطبيق شريعته المنزلة، أعقبه بذكر نوعٍ آخر من مساوئهم ألا وهو مخالفتهم للأنبياء وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لامتثال الأوامر التي يوحيها الله إِليهم، ثم كثرة اللجاج والعناد للرسل صلوات الله عليهم، وجفاؤهم في مخاطبة نبيّهم الكريم موسى عليه السلام، إلى آخر ما هنالك من قبائح ومساوئ. اللغَة: {هُزُواً} الهزؤ: السخرية بضم الزاي وقلب الهمزة واواً {هُزُواً} مثل {أية : كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4] والمعنى على حذف مضاف أي أأتخذنا موضع هزؤٍ، أو يحمل المصدر على معنى اسم المفعول أي أتجعلنا مهزوءاً بنا {فَارِضٌ} الفارض: الهرمة المسنة التى كبرت وطعنت فى السن كذا فى لسان العرب قال الشاعر: شعر : لعمري لقد أعطيتَ ضيفكَ فارضاً تُساق إِليه ما تقوم على رجل ولم تعطه بكراً فيرضى سمينةً فكيف تُجازى بالمودة والفضل؟ تفسير : {عَوَانٌ} وسط ليست بمسنَّة ولا صغيرة، وقيل هي التي ولدت بطناً أو بطنيْنِ، {فَاقِـعٌ} الفقوع: شدة الصفرة يقال: أصفر فاقع أي شديد الصفرة كما يقال: أحمر قانٍ أي شديد الحمرة قال الطبري: وهو نظير النصوع في البياض {ذَلُولٌ} أي مذلّلة للعمل يقال: دابة ذلول أي ريّضة زالت صعوبتها فقوله {لاَّ ذَلُولٌ} أي لم تذلّل لإِثارة الأرض أي لحرثها {مُسَلَّمَةٌ} من السلامة أي خالصة ومبرأة من العيوب {شِيَةَ} الشِّية: اللمعة المخالفة لبقية اللون الأصلي قال الطبري: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي لا بياض ولا سواد يخالف لونها {فَٱدَّارَأْتُمْ} أي تدافعتم واختلفتم وتنازعتم وأصلها تدارأتم أدغمت التاء في الدال، وأُتي بهمزة الوصل ليتوصل بها إِلى النطق بالساكن فصار ادّارأتم، ومعنى الدرء: الدفع لأن كلاً من الفريقين كان يدرأ على الآخر أي يدفع وفي الحديث "حديث : ادرءوا الحدود بالشبهات" تفسير : {قَسَتْ} القسوة: الصلابة ونقيضها الرقة {يَشَّقَّقُ} التشقق: التصدع بطولٍ أو عرض {يَهْبِطُ} الهبوط: النزول من أعلى إِلى أسفل. "معجزة إحياء الميت وقصة البقرة" ذكر القصة: روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: "كان رجل من بني إِسرائيل عقيماً لا يولد له وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنُّهى: علام يقتل بعضنا بعضاً وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى عليه السلام فذكروا ذلك له فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} قال: ولو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدَّد الله عليهم حتى انتهوا إِلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فاشتروها بملء جلدها ذهباً فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ قال: هذا وأشار على ابن أخيه ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً فلم يورث قاتل بعد" وفي رواية "فأخذوا الغلام فقتلوه". التفسِير: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قال لكم نبيكم موسى إِن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة {قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} أي فكان جوابكم الوقح لنبيكم أن قلتم: أتهزأ بنا يا موسى {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي ألتجئ إِلى الله أن أكون في زمرة المستهزئين الجاهلين {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} أي ما هي هذه البقرة وأي شيء صفتها؟ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} أي لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم يلقحها الفحل {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي وسط بين الكبيرة والصغيرة {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشدّدوا فيشدّد الله عليكم {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} أي ما هو لونها أبيض أم أسود أم غير ذلك؟ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ} أي إِنها بقرة صفراء شديدة الصفرة، حسن منظرها تسر كل من رآها. {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} أعادوا السؤال عن حال البقرة بعد أن عرفوا سنها ولونها ليزدادوا بياناً لوصفها، ثم اعتذروا بأن البقر الموصوف بكونه عواناً وبالصفرة الفاقعة كثيرٌ {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} أي سنهتدي إِلى معرفتها إِن شاء الله، ولو لم يقولوا ذلك لم يهتدوا إِليها أَبداً كما ثبت في الحديث {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} أي ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض، ولا لسقاية الزرع {مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي سليمة من العيوب ليس فيها لونٌ آخر يخالف لونها فهي صفراء كلها {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} أي الآن بينتها لنا بياناً شافياً لا غموض فيه ولا لبس قال تعالى إِخباراً عنهم {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة ثم أخبر تعالى عن سبب أمرهم بذبح البقرة، وعما شهدوه من آيات الله الباهرة، فقال {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قتلتم نفساً {فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} أي تخاصمتم وتدافعتم بشأنها، وأصبح كل فريق يدفع التهمة عن نفسه وينسبها لغيره {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أي مظهر ما تخفونه {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} أي اضربوا القتيل بشيء من البقرة يحيا ويخبركم عن قاتله {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي كما أحيا هذا القتيل أمام أبصاركم يحي الموتى من قبورهم {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي يريكم دلائل قدرته لتتفكروا وتتدبروا وتعلموا أن الله على كل شيء قدير. ثم أخبر تعالى عن جفائهم وقسوة قلوبهم فقال {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} أي صلبت قلوبكم يا معشر اليهود فلا يؤثر فيها وعظٌ ولا تذكير {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد رؤية المعجزات الباهرة {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أي بعضها كالحجارة وبعضها أشد قسوة من الحجارة كالحديد {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} أي تتدفق منها الأنهار الغزيرة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} أي من الحجارة ما يتصدع إِشفاقاً من عظمة الله فينبع منه الماء {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي ومنها ما يتفتّت ويتردّى من رءوس الجبال من خشية الله، فالحجارة تلين وتخشع وقلوبكم يا معشر اليهود لا تتأثر ولا تلين {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي أنه تعالى رقيب على أعمالهم لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم عليها يوم القيامة، وفي هذا وعيد وتهديد. البَلاَغَة: أولاً: قوله تعالى {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} من إِيجاز القرآن أن حذف من صدر هذه الجملة جملتين مفهومتين من نظم الكلام والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة وحصلوها، فلما اهتدوا إِليها ذبحوها وهذا من الإِيجاز بالحذف. ثانياً: قوله تعالى {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} هذه الجملة اعتراضية بين قوله {فَٱدَّارَأْتُمْ} وقوله {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ} والجملة المعترضة بين ما شأنهما الاتصال تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسناً، وفائدة الاعتراض هنا إِشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي لا محالة. ثالثاً: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} وصف القلوب بالصلابة والغلظ يراد منه نبُوُّها عن الاعتبار، وعدم تأثرها بالمواعظ ففيه استعارة تصريحية قال أبو السعود: القسوة عبارة عن الغلظ والجفاء والصلابة كما في الحجر استعيرت لِنُبُوِّ قلوبهم عن التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور. رابعاً: {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} فيه تشبيه يسمى (مرسلاً مجملاً) لأن أداة الشبه مذكورة ووجه الشبه محذوف. خامساً: {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} أي ماء الأنهار، والعرب يطلقون اسم المحل كالنهر على الحال فيه كالماء والقرينة ظاهرة لأن التفجر إِنما يكون للماء ويسمى هذا مجازاً مرسلاً. الفوَائِد: الفائدة الأولى: نبه قوله تعالى {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} على أن الاستهزاء بأمرٍ من أمور الدين جهل كبير، وقد منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها في مقام المزح والهزل، وقالوا إِنما أنزل القرآن للتدبر والخشوع لا للتسلي والتفكه والمزاح. الثانية: الخطاب في قوله {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وقد جرى على الأسلوب المعروف في مخاطبة الأقوام، إِذ ينسب إِلى الخلف ما فعل السلف إِذا كانوا سائرين على نهجهم، راضين بفعلهم، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين. الثالثة: هذه الواقعة واقعة (قتل النفس) جرت قبل أمرهم بذبح البقرة، وإن وردت في الذكر بعده، والسرُّ في ذلك التشويقُ إِلى معرفة السبب في ذبح البقرة، والتكرير في التقريع والتوبيخ قال العلامة أبو السعود: وإِنما غُيِّر الترتيب لتكرير التوبيخ وتثنية التقريع، فإِن كل واحدٍ من قتل النفس المحرمة، والاستهزاء بموسى عليه السلام والافتيات على أمره جناية عظيمة جديرة بأن تنعى عليهم. الرابعة: ذكر تعالى إِحياء الموتى في هذه السورة الكريمة في خمسة مواضع: أ - في قوله {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} تفسير : [البقرة: 56] ب - وفي هذه القصة {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} ج - وفي قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف {أية : فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 243] د - وفي قصة عزير {أية : فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} تفسير : [البقرة: 259] هـ وفي قصة إبراهيم {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة: 260]. الخامسة: {أوْ} في قوله تعالى {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} بمعنى "بَلْ" أي بل أشد قسوة كقوله تعالى {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] وقال بعضهم: هي للترديد، أو التخيير فمن عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى كالحديد، ومن لم يعرفها شبهها بالحجارة أو قال: هي أقسى من الحجارة. السادسة: ذهب بعض المفسرين إِلى أن الخشية هنا حقيقية، وأن الله تعالى جعل لهذه الأحجار خشية بقدرها كقوله تعالى {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44] وقال آخرون: بل هو من باب المجاز كقول القائل: قال الحائط للمسمار لم تشقني؟ قال: سل من يدقني والله أعلم؟

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} وجد قتيل في بني إسرائيل وجهلوا قاتله فاختلفوا فيه فأمرهم الله بذبح بقرة فتعنتوا فيها مرة بعد مرة وقرىء يأمركم بإِخلاص ضمة الراء واختلاسها وبإِسكانها، والبقرة الأنثى من البقر وقد تطلق على الذكر. وكان المأمور بذبحه بقرة إذ كانوا ممن يعظم البقر حتى عملوا عجلاً وعبوده. وقرىء {أَتَتَّخِذُنَا} بتاء الخطاب أي يا موسى، وبالياء أي الله. {هُزُواً} أي ذوي هزء استغربوا لما سألوا موسى عن تعيين القاتل فأجابهم بهذا على ما هم عليه من سوء عقيدتهم في أنبيائهم وتكذيبهم لهم ولو وفقوا لكان الجواب منهم امتثال الأمر. {قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي ممن يخبر عن الله بأمر لم يأمر به ولما استعاذ موسى بالله تعالى علموا أن ما أخبرهم به هو عزيمة من الله بما أمرهم به من ذبح بقرة: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} ففي الحديث لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم. وما هي: مبتدأ وخبر في موضع مفعول يبين وهي معلقة لأن التبيين إعلام في المعنى وما هي ليس سؤالاً عن الماهية إنما هو سؤال عن الوصف ولذلك جاء الجواب بالوصف فكأنهم قالوا ما صفتها وكما علموا ما لموسى عند الله من الخصوصية قالوا ربك. {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} وصفة للبقرة وإذا وصفت النكرة بما دخل عليه لا كررت وكذا الخبر والحال إلا ما ندر. والفارض المسن التي انقطعت ولادتها في الكبر يقال فرضت وفرضت بفتح الراء وضمّها يفرض فروضاً. والبكر الصغيرة التي لا تلد من الصغر. قيل: أو ولدت ولداً واحداً. والعوان النصف وهي التي ولدت مرة بعد مرة. يقال: عونت المرأة. و{عَوَانٌ} تفسير لما تضمنه الوصفان. {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بين الفروض والبكارة وافرد ذلك إذ قد يشار به للمفرد والمثنى والمجموع بصيغة واحدة. فيقال: كيف ذلك الرجال يا رجال، وكذا كان الخطاب قد تكون مفردة للمفرد والمثنى والمجموع من المذكر والمؤنث أو حذف معطوف كما حذف في قوله: فما كان بين الخير إذ بين تقتضي شيئين أو أشياء. {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} أمر بامتثال ما أمروا به فلم يفعلوا وتعنتوا في السؤال فسألوا عن لونها. والصفرة هنا المعهودة لا السواد تقول العرب أصفر فاقع وأبيض ناصع ويقق وأسود حالك وأحمر قاني وأخضر ناضر فهذه التوابع تدل على شدة الوصف كأنه قيل أصفر شديد الصفرة ومن غريب ما وقع في لغة الترك انهم إذا أرادوا المبالغة في وصف اللون ركبوا من الحرف الأول مع الباء الساكنة ما يدل على الوصف بشدة ذلك اللون يقولون في أسود قرا فإِذا أرادوا شدة السواد قالوا قبقرا، وكذا صرى الأصفر يقولون صبصرا، وقزل الأحمر يقولون قبقزل، وكذا باقي الألوان والوصف بفاقع ونحوه مما يدل على شدة اللون يطابق ما قبله فتقول سوداء حالكة وصفراء فاقعة، وهنا رفع الظاهر المذكر فلذلك لم تلحق التاء. و{تَسُرُّ} صفة أيضاً أي تبهج. {ٱلنَّاظِرِينَ} بحسنها شكلاً ولوناً وسناً فالوصف بالسرور ناشىء عن تقدم الأوصاف التي نشأ عنها السرور. ثم لم يكتفوا بهذا البيان وتعنتوا على عادتهم في السؤال وعللوا الحامل لهم على تكرار السؤال بقولهم: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} إذ موجود كثير مما تشابه ما تقدم ذكره في الوصف واللون. وقرىء تشابه على تذكير البقر وتشابه مضارعاً على تأنيثه وحذف التاء وتشابه على التأنيث وإدغام التاء في الشين والأصل تتشابه وشبّه مضارع تشبه حذفت منه التاء وتشبه ماضياً ويتشابه مضارعاً وتشابهت وتشابهت ومتشبه ومتشابه. {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إلى تعيين البقرة المأمور بذبحها وجواب الشرط محذوف، أي إن شاء الله اهتدينا دل عليه بمهتدون. وقيل: الشرط الذي حذف جوابه للدليل كقولك أنت ظالم إن فعلت لكن الشرط توسط بين اسم إن وخبرها ليحصل توافق رؤوس الآي وجاؤوا بالشرط على سبيل الأدب مع الله تعالى إذ أخبروا بثبوت الهداية. {لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} صفة للبقرة وتثير صفة لذلول داخلة تحت النفي والمقصود نفي إثارتها الأرض. {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} نفي معادل لقوله: لا ذلول. والمعنى انها لم تذلل بالعمل في حرث ولا سقي. وما ذهب إليه الزمخشري من جعل لا في ولا تسقي الحرث زائدة للتوكيد، وان المعنى تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قال: لا ذلول مثيرة وساقية. ليس بشيء لأنه يلزم منه الوصف بلا غير مكررة والتقابل منفي. وقلنا: إنه لا يكون إلا في الشعر. وقال ابن عطية: لا يجوز أن تكون هذه الجملة، يعني: تثير في موضع الحال لأنها من نكرة. "انتهى". والنكرة ان عني بقرة فقد وصفت، والحال من النكرة الموصوفة جائز جوازاً حسناً وإن عني من لا ذلول، فالحال من النكرة غير الموصوفة فيبعد على قول الجمهور ممن لم يحصّل مذهب سيبويه. وقد نص سيبويه على جواز ذلك وقاسه وقيل: تثير: حال من الضمير المستكن في ذلول، أي لا تدل في حال إثارتها. وقرىء: لا ذلول بفتح اللام، أي لا ذلول هناك. وتثير قيل: صفة لاسم لا منفية من حيث المعنى ولذلك عطف عليه جملة منفية وهي ولا تسقي الحرث والذي نختاره في هذه القراءة أن يكون تثير وتسقي خبراً للاذلول اعتراض بين بقرة وصفتها التي هي "مسملّة" وانتفاء الاثارة والسقي من حيث المعنى لا من حيث الوصف "مسلمة" أي من العيوب. {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي لا لون فيها يخالف الصفرة لا بياض ولا سواد ولا غير ذلك لأن الشيء قد يوصف بلون لكونه غالباً فيه ويكون في بعضه لون يخالفه لكنه لقلته لا يعبأ به وقالوا ثوب اشية للذي فيه بلقة وليس مأخوذاً من الوشي لاختلاف المادتين. {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} أي الواضح لنا. أي نطقت به لأنه كان غائباً فجاء. وقرىء: قالوا الآن بسكون اللام وبنقل حركة الهمزة للام وحذفها مع حذف واو قالوا: ومع إثباتها. والآن ظرف للوقت الحاضر وناصبه جئت بالحق متعلق بجئت أي نطقت بالحق أو للتعدية أي أجأت الحق الذي لم يبق معه إشكال. {فَذَبَحُوهَا} قبله محذوف أي فطلبوها وحصلوها وفي كيفية تحصيلها أقوال تظافرت أقوال المفسرين على اشترائها من الشاب الباربابويه. {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كني عن الذبح بالفعل لقلق تكرار يذبحون واختلف زمان نفي الكدودة وزمان الذبح أي وما قاربوا ذبحها قبل ذلك أي وقع الذبح بعد أن انتفت مقاربته أي تعسروا في ذبحها ثم ذبحوها بعد ذلك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى، حين قتلتم قتيلا وادارأتم فيه، أي: تدافعتم واختلفتم في قاتله، حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد - لولا تبيين الله لكم - يحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل: اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره، وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض، فقالوا: { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } فقال نبي الله: { أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل، استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه، فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه، والرحمة لعباده. فلما قال لهم موسى ذلك، علموا أن ذلك صدق فقالوا: { ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } . أي: ما سنها؟ { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ } أي: كبيرة { وَلا بِكْرٌ } أي: صغيرة { عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ } واتركوا التشديد والتعنت. { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا } أي: شديد { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } من حسنها. { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } . { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا } فلم نهتد إلى ما تريد { وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } . { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ } أي: مذللة بالعمل، { تُثِيرُ الأرْضَ } بالحراثة { وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ } أي: ليست بساقية، { مُسَلَّمَةٌ } من العيوب أو من العمل { لا شِيَةَ فِيهَا } أي: لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم. { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } أي: بالبيان الواضح، وهذا من جهلهم، وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة، فلو أنهم اعترضوا أي: بقرة لحصل المقصود، ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم، ولو لم يقولوا "إن شاء الله "لم يهتدوا أيضا إليها، { فَذَبَحُوهَا } أي: البقرة التي وصفت بتلك الصفات، { وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } بسبب التعنت الذي جرى منهم. فلما ذبحوها، قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها، أي: بعضو منها، إما معين، أو أي عضو منها، فليس في تعيينه فائدة، فضربوه ببعضها فأحياه الله، وأخرج ما كانوا يكتمون، فأخبر بقاتله، وكان في إحيائه وهم يشاهدون ما يدل على إحياء الله الموتى، { لعلكم تعقلون } فتنزجرون عن ما يضركم. { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } أي: اشتدت وغلظت، فلم تؤثر فيها الموعظة، { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأن ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها { كَالْحِجَارَةِ } التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار، ذاب بخلاف الأحجار. وقوله: { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار، وليست "أو "بمعنى "بل "ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال: { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } فبهذه الأمور فضلت قلوبكم. ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال: { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها، وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه. واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله، قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". تفسير : والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" تفسير : فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق.