Verse. 75 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَّنَا مَا ہِىَ۝۰ۭ قَالَ اِنَّہٗ يَقُوْلُ اِنَّہَا بَقَرَۃٌ لَّا فَارِضٌ وَّلَا بِكْرٌ۝۰ۭ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذٰلِكَ۝۰ۭ فَافْعَلُوْا مَا تُـؤْمَرُوْنَ۝۶۸
Qaloo odAAu lana rabbaka yubayyin lana ma hiya qala innahu yaqoolu innaha baqaratun la faridun wala bikrun AAawanun bayna thalika faifAAaloo ma tumaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

فلما علموا أنه عزم «قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا ما هي» أي ما سنها «قال» موسى «إنه» أي الله «يقول إنها بقرة لا فارضٌ» مسنة «ولا بكرٌ» صغيرة «عوانٌ» نصف «بين ذلك» المذكور من السنين «فافعلوا ما تؤمرون» به من ذبحها.

68

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} هذا تعنيت منهم وقلّة طواعية؛ ولو ٱمتثلوا الأمر وذبحوا أيّ بقرة كانت لحصل المقصود، لكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم؛ قاله ٱبن عباس وأبو العالية وغيرهما. ونحو ذلك روى الحسن البصريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ولغة بني عامر «ٱدِع» وقد تقدم. و {يُبَيِّنَ} مجزوم على جواب الأمر. {مَا هِيَ} ابتداء وخبر. وماهِيّة الشيء: حقيقته وذاته التي هو عليها. قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل؛ لأنه لما أمر ببقرة ٱقتضى أيّ بقرة كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأوّل بغيره؛ كما لو قال: في ثلاثين من الإبل بنتُ مَخَاض، ثم نَسَخه بٱبنة لَبُون أو حِقة. وكذلك ها هنا لما عيّن الصفة صار ذلك نسخاً للحكم المتقدّم. والفارض: المُسِنّة. وقد فَرَضَت تَفْرِض فروضاً؛ أي أسَنَّت. ويقال للشيء القديم فارض؛ قال الراجز:شعر : شَيّبَ أصداغِي فرأسِي أبيضُ مَحاملٌ فيها رجال فُرّضُ تفسير : يعني هَرْمَي؛ قال آخر:شعر : لَعَمرُك قد أعطيتَ جارك فارضاً تُساق إليه ما تقوم على رِجْلِ تفسير : أي قديماً؛ وقال آخر:شعر : يا رُبّ ذي ضِغْن عليّ فارِض له قُروء كقُروء الحائِض تفسير : أي قديم. و {لاَّ فَارِضٌ} رفع على الصفة لبقرة. {وَلاَ بِكْرٌ} عطف. وقيل: {لاَّ فَارِضٌ} خبر مبتدأ مضمر؛ أي لا هي فارض وكذا «لا ذلول»، وكذلك «لاَ تَسْقِي الْحَرْثَ» وكذلك «مُسَلَّمَةٌ» فٱعلمه. وقيل: الفارض التي قد ولدت بطوناً كثيرة فيتّسع جَوْفها لذلك؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع؛ قاله بعض المتأخرين. والبِكر: الصغيرة التي لم تحمل. وحكى القُتَبِيّ أنها التي ولدت. والبكر: الأوّل من الأولاد؛ قال:شعر : يا بِكْرِ بِكْرَينِ ويا خِلْبَ الكَبِدْ أصبحتَ مِنّي كذراع مِن عَضُدْ تفسير : والبِكْرُ أيضاً في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يَفْتَحِلْه الفحل؛ وهي مكسورة الباء. وبفتحها الفَتِيّ من الإبل. والعَوَان: النَّصَف التي قد ولدت بطناً أو بطنين؛ وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل؛ قال الشاعر يصف فرساً:شعر : كُمَيْت بَهِيم اللّوْنِ ليس بفارضٍ ولا بِعَوان ذاتِ لَوْن مُخَصّفِ تفسير : فرس أَخْصَف: إذا ٱرتفع البَلَق من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد: العَوَان من البقر هي التي قد ولدت مَرّة بعد مَرّة. وحكاه أهل اللغة. ويقال: إن العَوَان النّخلةُ الطويلة؛ وهي فيما زعموا لغة يمانية. وحَرْبٌ عَوَانٌ: إذا كان قبلها حَرْب بِكرٌ؛ قال زُهير:شعر : إذا لَقِحتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرّةٌ ضَروسٌ تُهِرّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ تفسير : أي لا هي صغيرة ولا هي مُسِنّة؛ أي هو عَوان، وجمعها «عُوْنٌ» بضم العين وسكون الواو؛ وسُمع «عُوُن» بضم الواو كرُسُل. وقد تقدم. وحكى الفَرّاء من العوان عَونَت تَعْويناً. قوله تعالى: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت فما تركوه. وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء؛ وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفَوْر؛ وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضاً. ويدلّ على صحة ذلك أنه تعالى ٱستقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمِروا به فقال: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}. وقيل: لا، بل على التراخي؛ لأنه لم يَعنِّفهم على التأخير والمراجعة في الخطاب. قاله ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد.

البيضاوي

تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ} أي ما حالها وصفتها، وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن {مَا } يسأل به عن الجنس غالباً، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } لا مسنة ولا فتية، يقال فرضت البقرة فروضاً من الفرض وهو القطع، كأنها فرضت سنها، وتركيب البكر للأولية ومن البكرة والباكورة. {عَوَانٌ} نصف. قال: نواعِمُ بينَ أبْكارٍ وَعُونُ. {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بين ما ذكر من الفارض والبكر ولذلك أضيف إليه بين، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد، وعود هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة، ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم، ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص والحق جوازهما، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه عليه الصلاة والسلام «لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم». وتقريعهم بالتمادي وزجرهم على المراجعة بقوله: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ } أي ما تؤمرونه، بمعنى تؤمرون به من قولهم: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به، أو أمركم بمعنى مأموركم.

ابن كثير

تفسير : أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم، ضيق الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد، ولكنهم شددوا فشدد عليهم فقالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِىَ} أي: ما هذه البقرة، وأي شيء صفتها؟ قال ابن جرير، حدثنا أبو كريب، حدثنا عَثَّام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم - إسناد صحيح - وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد، وقال ابن جريج: قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم، قال ابن جريج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا، شدد الله عليهم، وايم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد»تفسير : قال: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} أي: لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي ومجاهد وعكرمة وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس أيضاً، وقال الضحاك عن ابن عباس: عوان بين ذلك، يقول: نصف بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما تكون، وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك، وقال السدي: العوان: النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها، وقال هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية، وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لا بسها، وذلك قوله تعالى: {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} وكذا قال مجاهد ووهب ابن منبه: كانت صفراء، وعن ابن عمر: كانت صفراء الظلف، وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء عن الحسن في قوله تعالى: {بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} قال: سوداء شديدة السواد، وهذا غريب، والصحيح الأول، ولهذا أكد صفرتها بأنه {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} وقال عطية العوفي: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} تكاد تسود من صفرتها، وقال سعيد بن جبير: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} قال: صافية اللون. وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسدي والحسن وقتادة نحوه، وقال شريك عن معمر عن ابن عمر: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} قال: صاف، وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} تكاد تسود من صفرتها، وقال سعيد بن جبير: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} صافية اللون، وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسدي والحسن وقتادة نحوه، وقال شريك عن معمر عن ابن عمر: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض، وقال السدي {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} أي: تعجب الناظرين، وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس. وقال وهب ابن منبه: إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. وفي التوارة: إنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا} أي: لكثرتها، فميز لنا هذه البقرة، وصفها، وحلها لنا {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} إذا بينتها لنا {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} إليها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي ابن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا أن بني إسرائيل قالوا: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها، لأجزأت عنهم، ولكن شددوا، فشدد الله عليهم»تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي، والله أعلم، {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ} أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في الساقية، بل هي مكرمة، حسنة صبيحة {مُسَلَّمَةٌ} صحيحة لا عيب فيه {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي: ليس فيها لون غير لونها، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: مسلمة، يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: مسلمة من الشية، وقال عطاء الخراساني: مسلمة القوائم والخلق، لا شية فيها، قال مجاهد: لا بياض ولا سواد، وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض، وقال عطاء الخراساني: لا شية فيها، قال: لونها واحد بهيم، وروي عن عطية العوفي ووهب بن منبه وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، وقال السدي: لا شية فيها من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال: {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} أي: يعمل عليها بالحراثة، لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} قال قتادة: الآن بينت لنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك والله قد جاءهم الحق {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} قال الضحاك، عن ابن عباس: كادوا أن لا يفعلوا ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها. وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: فذبحوها وما كادوا يفعلون؛ لكثرة ثمنها، وفي هذا نظر، لأن كثرة الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس، وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك، وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة عن عكرمة، قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير، وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضاً، وقال ابن جرير، وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه، ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا أن يفعلوا ذلك؛ لغلاء ثمنها، وللفضيحة، وفي هذا نظر، بل الصواب، والله أعلم، ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق. (مسألة) استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت، أو تم تقييدها بعد الإطلاق، على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور من العلماء سلفاً وخلفاً؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها»تفسير : وكما وصف النبي صلى الله عليه وسلم إبل الدية في قتل الخطأ، وشبه العمد، بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله، وحكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : فلما علموا أنه عَزْمٌ {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } أي ما سنها {قَالَ } موسى {إنَّهُ } أي الله {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ } مُسِنَّة {وَلاَ بِكْرٌ } صغيرة {عَوَانٌ } نَصَفٌ {بَيْنَ ذٰلِكَ } المذكور من السنين {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ } به من ذبحها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} رَوَى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اعْتَرَضُوا بقرة، فَذَبَحُوها، لأَجْزَأَتْ عَنْهُم، وَلكِنَّهُم، شَدًّدوا، فَشَدَّد الله عليهم". تفسير : {قَالَ: إِنَّه يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} في الفارض تأويلان: أحدهما: أنها الكبيرة الهَرِمَة، وهو قول الجمهور. قال الراجز:ـ شعر : شيب أصداغي فرأسي أبْيضُ محامل فيها رجال فرض تفسير : يعني بقوله: فُرّض، أي هرمى. والثاني: أنّ الفارض التي قد ولدت بطوناً كثيرة، فيتسع لذلك جوفها، لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، وهذا قول بعض المتأخرين، واستشهد بقول الراجز: شعر : يا رُبَّ ذي ضغن عليّ فارض له قروء كقروء الحائض تفسير : والبكر: الصغيرة التي لم تحمل، والبكر من إناث البهائم، وبني آدم، ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، فأما البَكْر بفتح الباء، فهو الفتي من الإبل. وقوله تعالى: {عَوانٌ بَيْنَ ذلكَ} والعوان النَّصَفُ التي قد ولدت بطناً أو بطنين، {بين ذلك} يعني بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، قال الشاعر: شعر : فرحن عليه بين بِكرٍ عزيزة وبين عَوانٍ كالغمامة ناصِفِ تفسير : قوله تعالى: {... قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ} حُكِيَ عن الحسن البصري، أن المراد بقوله صفراء، أي سوداء شديدة السواد، كما تقول العرب: ناقة صفراء أي سوداء، ومنه قول الشاعر: شعر : تلك خيلي منه وتلك ركابي هُنّ صفر أولادها كالزبيب تفسير : وقال الراجز: شعر : وصفرٍ ليست بمصفرّة ولكنّ سوداءَ مثل الخُمُر تفسير : وقال سائر المفسرين: إنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة، وهو أصح، لأنه الظاهر، ولأنه قال: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} والفاقع من صفات الصفرة، وليس يوصف السواد بذلك، وإنما يقال: أسود حالكٌ، وأحمر قانٍ، وأبيضُ ناصعٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقعٌ. ثم فيما أُرِيدَ بالصفرة قولان: أحدهما: صفراء القرن والظلف، وهو قول سعيد بن جبير. والثاني: صفراء اللون كله، وهذا قول مجاهد. وفي قوله تعالى: {فاقع لونها} ثلاثة تأويلات: أحدها: الشديدة الصفرة، وهذا قول ابن عباس، والحسن. والثاني: الخالص الصفرة، وهذا قول قطرب. والثالث: الصافي، وهذا قول أبي العالية، وقتادة. {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: تعجب الناظرين بصفرتها، فتعجب بالسرور، وهو ما يتأثر به القلب، والفرح ما فرحت به العين، ويحتمل قوله: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} وجهين: أحدهما: بحسن لونها فتكون.... لصفرتها. والثاني: حسن سمتها، وصفت بذلك، ليكون ذلك زيادة شرط في صفتها، غير ما تقدم من ذكر صفرتها، فتصير البقرة على الوجه الأول، ذات وصف واحد، وعلى الوجه الثاني، ذات وصفين. قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} فسألوا سؤالاً ثالثاً، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان الثاني، فروى ابن جريج، عن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُمِرُوا بِأَدْنَى بَقَرةٍ وَلَكِنَّهُم لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم شَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِم، وَأيمُ اللهِ لَو أَنَّهُم لَمْ يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَتْ لَهُم آخرُ الأَبَدِ" تفسير : يعني أنهم لو لم يقولوا: {وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} ما اهتدوا إليها أبداً. قوله عز وجل: {قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرةٌ لاَّ ذَلُولٌ} يعني لم يذللها العمل. {تُثِيرُ الأَرْضَ} والإثارة تفريق الشيء، أي ليست مما يثير الأرض للزرع، ولا يسقى عليها الزرع. [وقيل يثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقى]. وليس هذا الوجه بشيء، بل نفي عنها جميع ذلك. {مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيها} وفي ذلك أربعة تأويلات: أحدها: مُسَلَّمَةٌ من العيوب، وهذا قول قتادة، وأبي العالية. والثاني: مُسَلَّمَةٌ من العمل. والثالث: مُسَلَّمَةٌ من غصب وسرقة، فتكون حلالاً. والرابع: مُسَلَّمَةٌ من..... . وفي {شِيَةَ} ثلاثة أوجه: أحدها: ليس فيها علامة خاصة، حكاه السدي. والثاني: أنه ليس فيها لون، يخالف لونها من سواد أو بياض. والثالث: أنه الوضَح وهو الجمع بين ألوان من سواد وبياض. وأصله من وشي الثوب، وهو تحسين عيوبه بألوان مختلفة، ومنه قيل للساعي بالرجل عند السلطان واشٍ، لأنه يحسّن كذبه عنده، حتى يقبله منه. {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ} فيه تأويلان: أحدهما: الآن بَيّنْت الحق، وهو قول قتادة. والثاني: معناه أنه حين بيّنها لهم، قالوا هذه بقرة فلان، الآن جئت بالحق فيها، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. وفي قوله تعالى: {فَذَبَحُوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} تأويلان: أحدهما: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها، لأنهم اشتروها على ما حَكَى ابن عباس، ومحمد بن كعب: بملء مَسْكها ذهباً من مال المقتول. وقيل بوزنها عشر مرات. والثاني: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا خوفاً من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل، وهذا قول وهب، وقال عكرمة: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير. وقيل: كانت البقرة وحشية.

ابن عطية

تفسير : هذا تعنت منهم وقلة طواعية، ولو امتثلوا الأمر فاستعرضوا بقرة فذبحوها لقضوا ما أمروا به، ولكن شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ولغة بني عامر "ادعِ" بكسر العين، و {ما} استفهام رفع بالابتداء، وهي خبره، ورفع {فارض} على النعت للبقرة على مذهب الأخفش، أو على خبر ابتداء مضمر تقديره لا هي فارض، والفارض المسنة الهرمة التي لا تلد، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم، تقول فرضت تفرض بفتح العين في الماضي، فروضاً، ويقال فرضت بضم العين، ويقال لكل ما قدم وطال أمده فارض، وقال الشاعر [العجاج]: [الرجز] شعر : يا رب ذي ضغن عليَّ فارض له قروء كقروء الحائض تفسير : والبكر من البقر التي لم تلد من الصغر، وحكى ابن قتيبة أنها التي ولدت ولداً واحداً، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى، والعوان التي قد ولدت مرة بعد مرة، قاله مجاهد، وحكاه أهل اللغة، ومنه قول العرب: العوان لا تعلم الخمرة. وحرب عوان: قد قوتل فيها مرتين فما زاد، ورفعت {عوان} على خبر ابتداء مضمر، تقديره هي عوان، وجمعها عون بسكون الواو، وسمع عون بتحريكها بالضم. و {بين}، بابها أن تضاف إلى اثنتين، وأضيفت هنا إلى {ذلك}، إذ ذلك يشار به إلى المجملات، فذلك عند سيبويه منزلة ما ذكر، فهي إشارة إلى مفرد على بابه، وقد ذكر اثنان فجاءت أيضاً {بين} على بابها. وقوله: {فافعلوا ما تؤمرون} تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت، فما تركوه، و {ما} رفع بالابتداء، و {لونها} خبره، وقال ابن زيد وجمهور الناس في قوله {صفراء}، إنها كانت كلها صفراء، قال مكي رحمه الله عن بعضهم: حتى القرن والظلف، وقال الحسن ابن أبي الحسن وسعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف فقط، وقال الحسن أيضاً: {صفراء} معناه سوداء، وهذا شاذ لا يستعمل مجازاً إلا في الإبل، وبه فسر قول الأعشى ميمون بن قيس: [الخفيف] شعر : تلك خيلي منه وتلك ركابي هنَّ صفرٌ أولادُها كالزبيب تفسير : والفقوع: نعت مختص بالصفرة، كما خص أحمر بقانىء، وأسود بحالك، وأبيض بناصع، وأخضر بناضر، و {لونها} فاعل بـ {فاقع}. و {تسر الناظرين} قال وهب بن منبه: كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، فمعناه تعجب الناظرين، ولهذا قال ابن عباس وغيره: الصفرة تسر النفس، وحض ابن عباس على لباس النعال الصفر، حكاه عنه النقاش، وحكي نهي ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود، لأنها تهمّ، وقال أبو العالية والسدي: {تسر الناظرين} معناه في سمنها ومنظرها كله، وسألوه بعد هذا كله عما هي سؤال متحيرين قد أحسوا بمقت المعصية، و {البقر} جمع بقرة، وتجمع أيضاً على باقر، وبه قرأ ابن يعمر وعكرمة، وتجمع على بقير وبيقور، ولم يقرأ بهما فيما علمت، وقرأ السبعة: "تشابه" فعل ماض، وقرأ الحسن "تشّابهُ" بشد الشين وضم الهاء، أصله تتشابه، وهي قراءة يحيى بن يعمر، فأدغم، وقرأ أيضاً "تَشَابهُ" بتخفيف الشين على حذف التاء الثانية، وقرأ ابن مسعود "يَشابهُ" بالياء وإدغام التاء، وحكى المهدي عن المعيطي "يشَّبَّهُ" بتشديد الشين والباء دون ألف، وحكى أبو عمرو الداني قراءة "متشبه" اسم فاعل من تَشَبَّه، وحكي أيضاً "يتشابهُ". وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد ودليل ندم وحرص على موافقة الأمر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبداً" تفسير : ، والضمير في {إنا}، هو اسم {إن}، و{مهتدون} الخبر، واللام للتأكيد، والاستثناء اعتراض، قدم على ذكر الاهتداء، تهمماً به.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَقَرَةً} من البَقْرِ وهو الشق، لأنها تشق الأرض، والذكر: ثور. {فَارِضٌ} ولدت بطوناً كثيرة فاتسع جوفها، لأن الفارض في اللغة: الواسع، أو الكبيرة الهرمة عند الجمهور. {بِكْرٌ} صغيرة لم تحمل، البكر من البهائم والناس: ما لم يفتحله الفحل، والبكر بفتح الباء: فتى الإبل. {عَوَانٌ} النَّصَف، قد ولدت بطناً أو بطنين.

النسفي

{تفسير : قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } سؤال عن حالها وصفتها لأنهم كانوا عالمين بماهيتها، لأن «ما» وإن كانت سؤالاً عن الجنس، و «كيف» عن الوصف ولكن قد تقع «ما» موقع «كيف»، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشان، و«ما هي» خبر ومبتدأ. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ } مسنة، وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها. وارتفع «فارض» لأنه صفة لـ «بقرة»، وقوله: {وَلاَ بِكْرٌ } فتية عطف عليه. {عَوَانٌ } نصف. {بَيْنَ ذٰلِكَ } بين الفارض والبكر، ولم يقل بين ذينك مع أن «بين» يقتضي شيئين فصاعداً لأنه أراد بين هذا المذكور، وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : إن أردت الخطوط فقل كأنها. وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك. {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ } أي تؤمرونه بمعنى تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير. {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } موضع «ما» رفع لأن معناه الاستفهام تقديره: ادع لنا ربك يبين لنا أي شيء لونها. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا } الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه يقال في التوكيد أصفر فاقع، وهو توكيد لصفراء وليس خبراً عن اللون إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل، ولا فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها، وفي ذكر اللون فائدة التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك جـد جده {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ } لحسنها. والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. عن علي رضي الله عنه: من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى: «تسر الناظرين»، {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها، وعن النبي عليه السلام «حديث : لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم» تفسير : والاستقصاء شؤم {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا {وَإِنَّا إِن شَاءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } إلى البقرة المراد ذبحها أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل، و«إن شاء الله» اعتراض بين اسم «إن» وخبرها. وفي الحديث«حديث : لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد»تفسير : أي لو لم يقولوا إن شاء الله {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } لا ذلول صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ } ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروق، و «لا» الأولى نافية والثانية مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى لا ذلول تثير الأرض أي تقلبها للزراعة وتسقي الحرث على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية {مُّسَلَّمَةٌ } عن العيوب وآثار العمل. {لاَّ شِيَةَ فِيهَا } لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر وشاه وشياً وشية إذا خلط بلونه لون آخر. {قَالُواْ ٱلئَـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ } أي بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال في أمرها، «جئت» وبابه بغير همز: أبو عمرو {فَذَبَحُوهَا } فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل، روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر وكان براً بوالديه. فشبت البقرة وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة، وهذا البيان من قبيل تقييد المطلق فكان نسخاً والنسخ قبل الفعل جائز وكذا قبل التمكن منه عندنا خلافاً للمعتزلة. {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } بتقدير «واذكروا»، خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم. {فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا } فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفع، أو تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فيدفع المطروح عليه الطارح، أو لأن الطرح في نفسه دفع، وأصاله تدارأتم ثم أرادوا التخفيف فقلبوا التاء دالاً لتصير من جنس الدال التي هي فاء الكلمة ليمكن الإدغام، ثم سكنوا الدال إذ شرط الإدغام أن يكون الأول ساكناً وزيدت همزة الوصل لأنه لا يمكن الابتداء بالساكن، «فاداراتم» بغير همز: أبو عمر. {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً، وأعمل مخرج على حكاية ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ، وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي ما سنها {قال} يعني موسى {إنه يقول} يعني الله عز وجل: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} أي لا كبيرة ولا صغيرة والفارض المسنة التي لم تلد، والبكر الفتية التي لم تلد {عوان} أي نصف {بين ذلك} أي بين السنين {فافعلوا ما تؤمرون} أي من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها} قال ابن عباس شديد الصفرة وقيل: لونها صاف وقيل الصفراء السوداء والأول أصح لأنه يقال أصفر فاقع وأسود حالك {تسر الناظرين} أي يعجبهم حسنها وصفاء لونها {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي سائمة أو عاملة {إن البقر تشابه علينا} أي التبس واشتبه أمرها علينا {وإنا إن شاء الله لمهتدون} أي إلى وصفها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وايم الله لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الدهر" تفسير : {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول} أي ليست مذللة بالعمل {تثير الأرض} أي تقلبها للزراعة {ولا تسقي الحرث} أي ليست بسنانية والسانية هي التي تستسقي الماء من البئر لسقي الأرض {مسلمة} أي بريئة من العيوب {لا شية فيها} أي لا لون فيها غير لونها {قالوا الآن جئت بالحق} أي بالبيان التام الذي لا إشكال فيه فطلبوها فلم يجدوا بقرة بكمال وصفها، إلا بقرة ذلك الفتى فاشتروها منه بملء مسكها ذهباً {فذبحوها وما كادوا يفعلون} أي وما قاربوا أن يفعلوا ما أمروا به، قيل لغلاء ثمنها وقيل: لخوف الفضيحة وقيل: لعزة وجودها بهذه الأوصاف جميعاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ...} قال الطيبي: إنما يسأل بـ "ما" عن جنس الشيء أو نوعه فكأنهم اعتقدوا أنها خارجة عن جنس البقرة إذ لم يعهد في البقرة إحياء الموتى. قال ابن عرفة: هو مثل قول المنطقيين: الجنس هو المقول على كثيرين ((مختلفين بالحقيقة، في جواب ما هو؟ و (النّوع) المقول على كثيرين متفقين في الحقيقة)) في جواب ما هو؟ وكقول ابن مالك في أول المصباح: إن السؤال بما هو؟ يكون عن حقيقة الشيء. وأورد الفخر هنا سؤالا قال: إن السؤال بـ "ما" (إنما) هو عن الحقيقة فكيف سألوا عن الصفة؟ قال ابن عرفة: وجوابه ظاهر على مذهبه (لأنه) قال في تأليفه في المنطق كالآيات البينات والمحصول (وغيرهما): (إن) الأمر اللازم العرضي حكمه كحكم الذاتي مثلا الألوان (فصحّ) السؤال (هنا) بما هي؟ لأن الصفة هناك كالذاتي وأما عندنا فنقول السؤال عن الذات بصفتها، أو السؤال عن حقيقة تلك الصفة (فهو) سؤال عن الحقيقة. قوله تعالى: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرُونَ}. قال ابن عرفة: اختلف الأصوليون في لفظ الأمر هل هو أبلغ من صيغة افعل أو لا؟ فقيل: أنّ أمرتك بالقيام أبلغ من قم، لأن صيغة افعل، قد تكون للإباحة (كما في قوله جل ذكره {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} تفسير : وللوجوب بخلاف الأمر، فإن لفظ أمرتك لا يكون للإباحة). وقيل: إن قم أبلغ، واستدلوا بهذه الآية. فلولا أنه أبلغ لما احتيج إلى قوله {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرُونَ} وإلا (كان يلزم) عليه تأكيد الأقوى (بالأضعف)؟ والجواب بأن القرينة هنا أفادت أن صيغة افعل للوجوب، فهو من تأكيد الأقوى بالقوي. واحتجّ بها بعض الأصوليين على (صحة) تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقال الآخرون: بل هو تأخير إلى وقت الحاجة. ((أو يجاب) بقول ابن عباس رضي الله عنه (إنهم) إنما أمروا بذبح بقرة (على الإطلاق)، فلو بادروا وذبحوا من غير سؤال لحصل لهم الغرض، ولكن شددوا فشدد (الله) عليهم.

السيوطي

تفسير : أخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏"حديث : إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزاهم ذلك أو لأجزأت عنهم‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لولا أن بني إسرائيل قالوا ‏{‏وإنا إن شاء الله لمهتدون‏}‏ ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم‏‏ ". تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : فقال لو أن بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا ولولا أنهم قالوا ‏{إنا إن شاء الله لمهتدون‏}‏ ما وجدوها‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم، ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏"حديث : ‏إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما بينت لهم‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ لو أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك‏} ‏ قال‏:‏ الفارض الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏لا فارض‏}‏ قال‏:‏ الكبيرة الهرمة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول‏؟: شعر : لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضاً تساق إليه ما تقوم على رجل تفسير : قال‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏صفراء فاقع لونها‏}‏ قال: الفاقع الصافي اللون من الصفرة قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول‏؟: شعر : سدماً قليلاً عهده بانيسه من بين اصفر فاقع ودفان تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الفارض الكبيرة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير‏.‏ أنه كان يستحب أن يسكت على بكر، ثم يقول‏:‏ عوان بين ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏عوان بين ذلك‏} ‏ قال‏:‏ بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما يكون وأحسنه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏صفراء فاقع لونها‏}‏ قال‏:‏ شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله ‏{‏صفراء‏} ‏قال‏:‏ صفراء الظلف {‏فاقع لونها‏} ‏قال‏:‏ صافي‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏فاقع لونها‏}‏ قال‏:‏ صاف لونها ‏{‏تسر الناظرين‏} ‏ قال‏:‏ تعجب الناظرين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب والديلمي عن ابن عباس قال‏:‏ من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله {‏صفراء فاقع لونها تسر الناظرين‏}‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله {‏صفراء فاقع لونها‏}‏ قال‏:‏ سوداء شديدة السواد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة‏.‏ أنه قرأ ‏{أن الباقر تشابه علينا‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن يحيى عن يعمر‏.‏ أنه قرأ ‏{‏إن الباقر تشابه علينا‏}‏ ‏‏ وقال‏:‏ إن الباقر أكثر من البقر‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال‏:‏ في قراءتنا ‏ {‏إن البقر متشابه علينا‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {‏إنها بقرة لا ذلول‏} أي لم يذله العمل ‏{‏تثير الأرض‏} يعني ليست بذلول فتثير الأرض ‏{‏ولا تسقي الحرث‏}‏ يقول‏:‏ ولا تعمل في الحرث ‏ {‏مسلمة‏} ‏قال‏:‏ من العيوب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {‏لا ذلول تثير الأرض‏}‏ يقول‏:‏ ليست بذلول فتفعل ذلك {‏مسلمة‏}‏ قال‏:‏ من الشبه قال ‏{‏لا شية فيها‏}‏ قال‏:‏ لا بياض ولا سواد‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {‏مسلمة‏} قال‏:‏ لا عوار فيها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عطية ‏{‏لا شية فيها‏} ‏ قال‏:‏ لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏لا ذلول‏} ‏ يعني صنفة يقول‏:‏ لم يذلها العمل ‏{‏مسلمة‏} ‏ قال‏:‏ من العيوب {‏لا شية فيها‏}‏ قال‏:‏ لا بياض فيها ‏ {‏قالوا الآن جئت بالحق‏} ‏ قالوا‏:‏ الآن بينت لنا ‏ {‏فذبحوها وما كادوا يفعلون‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله ‏{‏فذبحوها وما كادوا يفعلون‏}‏ لغلاء ثمنها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس‏.‏ أن أصحاب البقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة، حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه، فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه بعضو منها، فقام تشخب اوداجه دماً، فقالوا له‏:‏ من قتلك‏؟‏ قال‏:‏ قتلني فلان‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ الذبح والنحر في البقر سواء، لأن الله يقول ‏ {‏فذبحوها‏}‏ ‏.‏ وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال‏:‏ كان لبني إسرائيل وأنتم لكم النحر، ثم قرأ ‏ {‏فذبحوها‏} ‏ ‏{أية : ‏فصل لربك وانحر‏}‏ تفسير : [‏الكوثر: 2]‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ} استئناف كما مر كأنه قيل: فماذا قالوا بعد ذلك؟ فقيل: توجهوا إلى الامتثال وقالوا {ٱدْعُ لَنَا} أي لأجلنا {رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ} ما مبتدأ وهي خبرُه والجملةُ في حيز النصب يبـين أي يبـين لنا جوابَ هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لِما قرَعَ أسماعَهم ما لم يعهدوه من بقرةٍ ميتةٍ يُضرب ببعضها ميتٌ فيحيا، فإن (ما) وإن شاعت في طلب مفهومِ الاسمِ والحقيقة كما في ما الشارحةِ والحقيقية لكنها قد يُطلب بها الصفةُ والحالُ، تقول: ما زيد؟ فيقال: طبـيبٌ أو عالم وقيل: كان حقُه أن يُستفهَم بأيِّ لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حالة مغايرة لما عليه الجنس أخرجوه عن الحقيقة فجعلوه جنساً على حياله {قَالَ} أي موسى عليه السلام بعد ما دعا ربَّه عز وجل بالبـيان وأتاه الوحْيُ {إِنَّهُ} تعالى {يَقُولُ إِنَّهَا} أي البقرةُ المأمورُ بذبحها {بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} أي لا مُسنة ولا فتية يقال: فرَضَت البقرةُ فروضاً أي أسنت من الفرْض بمعنى القطع كأنها قطعَتْ سنها وبلغت آخرَها، وتركيبُ البكر للأولية ومنه البَكرة والباكورة {عَوَانٌ} أي نصَفٌ لا محلٌ ولا ضَرْع قال: شعر : طِوالٌ مثلُ أعناقِ الهوادي نواعمْ بـين أبكارٍ وعُونِ تفسير : {بَيْنَ ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبِكْر ولذلك أضيف إليه (بـين) لاختصاصه بالإضافة إلى المتعدد {فَٱفْعَلُواْ} أمرٌ من جهة موسى عليه السلام متفرِّع على ما قبله من بـيان صفةِ المأمور به {مَا تُؤْمَرونَ} أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمَرون به كما في قوله: [البسيط] شعر : أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أمِرْتَ بهِ [فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشبِ] تفسير : فإن حذفَ الجار قد شاع في هذا الفعل حتى لَحِق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين، وهذا الأمرُ منه عليه السلام لحثِّهم على الامتثال وزجرِهم عن المراجعة ومع ذلك لم يقتنعوا به. وقوله تعالى: {قَالُواْ} استئنافٌ كما مر كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد هذا البـيان الشافي والأمرِ المكرَّرِ؟ فقيل: قالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} حتى يتبـين لنا البقرةُ المأمور بها {قَالَ} أي موسى عليه السلام بعد المناجاةِ إلى الله تعالى ومجىءِ البـيان {إِنَّهُ} تعالى {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا} إسنادُ البـيان في كل مرةٍ إلى الله عز وجل لإظهار كمالِ المساعدةِ في إجابة مسؤولهم بقولهم (يبـينْ لنا) وصيغةُ الاستقبال لاستحضارِ الصورة، والفُقوعُ نصوعُ الصُّفرةِ وخلوصُها، ولذلك يؤكَّد به ويقال: أصفرُ فاقعٌ كما يقال: أسودُ حالكٌ وأحمرُ قانىء، وفي إسناده إلى اللون مع كونِه من أحوال المُلوَّنِ لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيدٍ كأنه قيل: صفراءُ شديدُ الصُفرةِ صُفرتها كما في جَدّ جِدّه. وعن الحسن رضي الله عنه: سوداءُ شديدةُ السواد، وبه فُسّر قوله تعالى: {أية : جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ} تفسير : [المرسلات، الآية 33] قيل: ولعل التعبـير عن السواد بالصُّفرة لما أنها من مقدماته وإما لأن سَواد الإبل يعلوه صُفْرةٌ ويأباه وصفُها بقوله تعالى: {تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ} كما يأباه وصفُها بفقوع اللون. والسرورُ لذةٌ في القلب عند حصول نفعٍ أو توقُّعِه من السر، عن علي رضي الله عنه: من لبِسَ نعلاً صفراءَ قل همُّه.

البقلي

تفسير : {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} اي نفس لبست بذات صبوة فيا لفتور ولا بذات عزّة في النفود ولكنها ذا شوكةٍ وصول في شباب الغفلة والشهوة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} كأنه قيل فماذا قال قوم موسى بعد ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا يا موسى {ادع لنا} سل لاجلنا {ربك يبين لنا} اى يوضح ويعرف {ما هى} ما مبتدأ وهى خبره والجملة فى حيز النصب بيبين اى يبين لنا جواب هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما قرع اسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى فما ههنا سؤال عن الحال والصفة تقول ما زيد فيقال طبيب او عالم اى ما ما سنها وما صفتها من الصغر والكبر {قال} اى موسى عليه السلام بعد ما دعا ربه بالبيان واتاه الوحى {انه} اى الله تعالى {يقول انها} اى البقرة المأمور بذبحها {بقرة لا} هى {فارض} اى مسنة من الفرض وهو القطع كانها قطعت سنها وبلغت آخره {ولا بكر} اى فتية صغيرة ولم يؤنث البكر والفارض لانهما كالحائض فى الاختصاص بالانثى {عوان} اى نصف {بين ذلك} المذكور من الفارض والبكر {فافعلوا} امر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به {ما تؤمرون} اى ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به من ذبح البقرة وحذف الجار قد شاع فى هذا الفعل حتى لحق بالافعال المتعدية الى مفعولين.

الطوسي

تفسير : الفارض: الكبيرة المسنة. وبه قال الجمهور. يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضاً. وفرضت تفرض فراضة: إذا أسنت. قال الشاعر: شعر : لعمري لقد اعطيت جازك فارضا تساق إليه ما تقوم على رجل تفسير : وقيل: إن الفارض: التي قد ولدت بطونا كثيرة. فيتسع لذلك جوفها، لأن معنى الفارض، في اللغة الواسع. وهو قول بعض المتأخرين. واستشهد بقول الراجز: شعر : يا رُبّ ذي ضِغْنٍ عليَّ فارض له قروءٌ كقروء الحائض تفسير : ومنه قول الراجز: شعر : هدلاء كالوطب تجاه الماخض له زجاج ولهاة فارض تفسير : ويقال لحية فارض: إذا كانت عظيمة. قال الشاعر: شعر : شيب اصداغي فرأسي ابيض محامل فيها رجال فرّض تفسير : أي ذو أسنان: وقال الجبائي: الفارض: التي لم تلد بطونا كثيرة، فيتسع لذلك بطنها. قال الرماني وهذا غلط لا يعرف. والبكر: الصغيرة التي لم تحمل. والبكر من اناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل. ـ مكسورة الباء ـ والبكر: ـ بفتح الباء ـ الفتي من الابل والعوان: النصف التي قد ولدت بطناً أو بطنين قال الفراء: يقال من العوان: عوّنت المرأة تعويناً ـ بالفتح والتشديد ـ وعونت: إذا بلغت ثلاثين سنة. وقال أبو عبيدة: إنما قال: {عوان بين ذلك} ولم يقل بينهما، لأنه أخرجه على لفظة واحدة، على معنى هذا الكلام الذي ذكرناه. قال رؤبة في صفة العير: شعر : فيه خطوط من سواد وبلق كأنها في الجلد توليع البهق تفسير : قال ابو عبيدة: إن أردت الخطوط، فقل: كأنها، وان اردت السواد والبلق، فقل: كانهما. فقال: كان ذلك وذاك. قال الفراء: إنما يصح ان يكنى عن الاثنين بقولهم ذاك في الفعلين خاصة. ولا يجوز في الاسمين. ألا ترى، انهم يقولون: اقبالك وادبارك يشق علي، لأنهما مشتقان من فعل. ولم يقولوا: أخوك وابوك يزورني حتى تقول: يزوراني. وقال الزجاج تقول: ظننت زيداً قائماً فيقول القائل ظننت ذلك وذاك. قال الشاعر في صفة العوان: شعر : خرجن عليه بين بكر عويرة وبين عوان بالعمامة ناصف تفسير : بين ذلك يعني بين الكبيرة والصغيرة. هو اقوى ما يكون من البقر واحسنه قال الاخطل: شعر : وما بمكة من شمطٍ محفِّلة وما بيثرب من عون وابكار تفسير : ويقال بقرة عوان، وبقر عون. قال الاخفش: لا فارض، ولا بكر. ارتفع ولم ينتصب كما ينتصب النفي لأن هذه صفة في معنى البقرة والنفي المنصوب، لا يكون صفة من صفتها. انما هو اسم مبتدأ وخبره مضمر. وهذا مثل قولك: عبد الله لا قائم ولا قاعد. أدخلت لا للنفي وتركت الاعراب على حاله، لو لم يكن فيه لا، ثم قال: {عوان} فوقع على الابتداء. كأنه قال: هي عوان. ويقال ايضاً: عوانة. قال الاعشى: شعر : بكميت عرفاء محمرة مخف عربها عوانة اوفاق

الجنابذي

تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ} ما وصفها فانّ ما هى كما هو سؤالٌ عن حقيقة الشيء ومهيّته يكون سؤالاً عن صفة الشّيئ ومميّزاته العرضيّة {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ} اى لا مسنّة ولغلبة الاسميّة عليه لم يأت بتاء التّأنيث {وَلاَ بِكْرٌ} لا صغيرة {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} المذكور من الفارض والبكر {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} ولا تكثروا السّؤال عنها حتّى يشدّد عليكم.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا}: لموسى. {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هى}: الذى فى كتب المعانى والبيان أن ما يسأل بها على الجنس غالباً، تقول ما فى ذلك الذى ظهر إنسان أم فرس أم جمل.. ونحو ذلك، وها هنا أمروا ببقرة فقد علموا الجنس، ومع علمهم به سألوا بما، وكان الأنسب لهم أن يسألوا بكيف أو بأى، لأن كيف يسأل بها عن الحال، وأى يسأل بها فى طلب التمييز من الجملة، فيحتمل أن تكون ما هنا سئل بها فى طلب التمييز كأى، أو سئل بها عن الحال ككيف على غير الغالب، كأنهم قالوا: بيِّن لنا أى فرد هى من أفراد البقر، أو كيف هى فى الكبر والصغر. وإن قلت: قوله: {لا فارض ولا بكر} يناسب قولك كيف هى فى الكبر والصغر، ولا يناسب قولك أى فرد هى من أفراد البقر، قلت: يناسب أيضاً قولك: أى فرد هى من أفراد البقر بوجه هو مجازاته تعالى لهم على مقتضى استقصائهم فى السؤال تشديداً عليهم، كما شددوا على أنفسهم، وذلك أن قوله: {لا فارض ولا بكر} لا يقنع من يطلب تعيين الفرد، فيحتاجون بعد إلى السؤال، وهذا كما تقول لغلامك: اشتر لى من رجل بقلا، فلو مشى إلى رجل ما واشترى عنه لكفى، لكنه قال: من هو ذلك الرجل الذى تأمرنى به فتابعته على سؤاله؟ فقلت له: رجل قصير كوسج. فقال لك فى أى موضع هو؟ فقلت له: فى رحبة كذا. فقال: من هو؟ قلت: هو الذى بين دكان فلان ودكان فلان. فلو قلت بعد سؤاله الأول: الذى هو بين الدكانين لكفى، ولكنك طاولته لما تطاول، ويحتمل أن ينزلوا البقرة منزلة ما لم يعرفوه من أى جنس فسألوا بما، وذلك أنهم قد علموا من حزم موسى واستعاذته من الجهالة أن ميتهم يتبين قاتله بالبقرة التى أمرهم بها، لكنهم استعظموا بقرة يتبين بها قاتل ميت ويحيا بها ميت، فكأنها لمكانها من الغرابة لم يعرفوها من أى جنس. {قَالَ}: موسى. {إِنَّهُ}: أى الله سبحانه وتعالى. {يَقُولُ إِنَّها}: أى البقرة التى أمركم بذبحها. {بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ}: لا فارض بمنزلة المضاف والمضاف إليه، والمضاف نعت بقرة، كأنه قيل بقرة غير فارض وغير بكر، ونزلت لا ومدخولها منزلة اسم فكان الإعراب فى آخر الجزء الثانى وهو فارض، فمجموع: {لا فارض} نعت بقرة كما جعل: إلا الله نعت لا إله ووجه آخر كوفى أن تكون لا اسم انتقل إعرابه لما بعده لمجيئه على صورة الحرف، ووجه آخر أن تكون لا داخلة على مبتدأ محذوف، والجملة مقول لنعت محذوف، أى بقرة مقول فيها لا هى فارض ولا هى بكر، ولولا ذكر (عوان) بعد لقلنا لا عاطفة على محذوف نعت، أى بقرة أوسط لا فارض ولا بكر، ويحتمل هذا الوجه أيضاً على جعل ذكر عوان توكيداً له فى المعنى، وعوان خبر لمحذوف، وإن جعلنا عوان نعتا لبقرة كانت لا عاطفة على بقرة، والفارض: الكبير السن، يقال: فرضت البقرة فروضاً من الفرض بمعنى القطع، كأنها قطعت أسنان فمها أو قطعت أعوامها، أو قطعت الولادة أو قطعت قوتها. قال خفاف بن ندبة: شعر : لعمرى لقد أعطيت ضيعك فارضاً تساق إليه ما تقوم على رجل تفسير : والبكر: الشابة من البقر التى لم تلد من الصغر، ومادة البكر للأول كما يقال لأول النهار البكرة، وكما يقال للثمرة الجديدة أول أوانها باكورة، كثمرة وحبة عنب وتين. {عَوَانٌ}: أى نصف بفتح النون والصاد لا هرمة ولا صغيرة، قال الطرماح: شعر : طوال مشل أعناق الهوادى نواعم بين أبكار وعون تفسير : والمشل بفتح الميم والشين وتشديد اللام ما يستر الثوب من العنق، من شللته فى الثوب أرخيته عليه، وإضافة الأعناق للهوادى بيانية، فإن الهوادى الأعناق، ويجوز أن يريد بالهوادى ما يلى الرأس من العنق، والناعمة اللينة وهو خبر لمحذوف، أى هى عوان، والجملة نعت لبقرة أو نعت عوان، وعلى هذا فلا عاطفة على بقرة، وفيه تقديم العطف على النعت وهو غير الأكثر والتقدير بقرة عوان لا فارض ولا بكر، كقولك هذا رجل قائم لا قاعد ولا متكئ. {بَيْنَ ذَلِكَ}: المذكور من الفارض والبكر ولوقوع الإشارة إلى شيئين صحت إضافة بين إليها كقول امرئ القيس: شعر : بسقط اللوى بين الدخول فحومل تفسير : أى بين أماكن الدخول، لما اشتمل الدخول على أماكن صحت إضافة بين إليها، واستغنى عن حومل وقول الشاعر: شعر : وكلا ذلك وجه قبل تفسير : لما أشار لشيئين صحت إضافة كلا إليه، والذى يتبادر من عود الضمير إلى البقرة فى قوله: {قال إنه يقول إنها} والوصف بأنها {لا فارض ولا بكر} بل {عوان} يدل على أنها معينة، والأمر كذلك عند الله قطعا، وهى بقرة معلومة عنده فى الأزل لا تختل ولا يقع غيرها موقعها، ومن قال: إنها عند الله غير معينة فقد جهل، ووصف الله بجهلها حتى وقعت، وذلك كفر وإنما خاطبهم بها مبهمة لأنه قد علم أنهم سيطلبون بيانها، وإنما عوتبوا مع ذلك على طلب البيان، لأن طلبهم البيان إنما جاء من قسوة قلوبهم وغلظهم وتباطئهم فى الامتثال لا من حيث إنها معينة لا يكفى غيرها لأنهم لا يعلمون أنها معينة حين قال: {إن اله يأمركم أن تذبحوا بقرة} وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز بدليل هذه الآية إذا لم يترتب فساد على تأخيره وعلم أنهُ لا يصدر الامتثال من المخاطب قبل البيان، أو علم أنه يصدر على مقتضى البيان الذى سيبين، أو لم يصف الوقت والحاجة، هذا ما عندى، ومنع بعضهم تأخير البيان عن وقت الخطاب، وزعم بعض قومنا أن المراد بقرة غير مخصوصة عند الله تعالى ثم انقلب مخصوصة بسؤالهم، وقائل: هذا وصف الله تعالى عن كل نقص بالجل وتبديل القضاء، وذلك كفروا ما يترتب على زعمه من النسخ قبل الفعل فغير ضائر إذ لا مانع عند التحقيق من النسخ قبل الفعل، والمنسوخ على زعمه كونهم مخبرين فى البقر أيما بقرة ذبحوا، فقد امتثلوا والناسخ ما دل على تعيين البقرة فى هذه الآيات، وإذا حققت أن الله سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها ولا أول لعلمه، وآمنت بالقضاء والقدر، وحققت أنهُ عليم بكل شئ كما أخبرنا عن نفسه، سهل عليك حمل ظاهر اللفظ على أنها عنده معينة، وإنما خاطبهم بها مبهمة لعلمه أنهم سيطلبون بيانها ولم تفتر بظاهر اللفظ. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو ذبحوا أى بقرة أرادوا لأجزتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" تفسير : فهو كسائر كلامه وكلام الرسل فيما قضى قضى الله خلافه أنهُ لو كان كذا لكان كذا، مثل أن يقال لو تاب إبليس لدخل الجنة، مع العلم أنهُ لا يتوب ولا يدخلها لقضاء الله عليهِ الشقوة، وكذلك قضى الله أن يسألوا فلا بد من وقوع السؤال عليهم، ومن ذبح البقرة المعينة عنده لا غيرها، ولكن يقال مثل ذلك من قولهم: لو كان كذا لكان كذا مجازاة لظاهر الخطاب مع قطع النظر عن الغيب، أو عما كان غيباً ثم ظهر، فلا دليل فى الحديث على أنها غير معينة. والحديث رواه ابن عباس وغيره وفى قوله: {عوان بين ذلك} توكيدان لقوله: {لا فارض ولا بكر} فى المعنى إذا لم تكن لا فارضاً ولا بكراً فهى عوان، وهى بينهما. وفى ذلك تقريع لهم كما لو قلت لعبدك: اشتر كذا من رجل ثم رأيته لم يفهمه وقد أفصحت له أو رأيته يطلب بياناً فقلت له: اشتره من حيوان ذكر منتصب القامة ناطق وزاد لهم تقريعاً بقوله: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}: فإنهُ بمنزلة قولك دعوا السؤال واشرعوا فى الامتثال. ما موصول اسمى والرابط محذوف. أى ما تأمرونه إذ قد يصل أمر بنفسه إلى المفعول على تقدير معنى الباء كما ذكرت فى قوله:شعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت بهِ تفسير : أو ما تؤمرون به فحذف الرابط شذوذاً، لأن الموصول لم يجرر بمثل ما جره، ولم يتخذ المتعلق أو موصول حرف فالفعل مؤل بمصدر، والمصدر بمعنى اسم مفعول، أى فافعلوا أمركم، أى مأموركم، والمراد بقوله: {ما تؤمرون} ذبحها.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ} أي سل لأجلنا ربك ـ الذي عوّدك ما عوّدك ـ يظهر لنا ما حالها وصفتها، فالسؤال في الحقيقة عن الصفة، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان ـ ولا ثالث لهما ـ لتستعمل {مَا} فيه، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل ـ وإلا فلمكان التعجب ـ وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة، والجواب على الأول: بيان. وعلى الثاني: نسخ وتشديد، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب. وكان مقتضى الظاهر على الأول: أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتياً. وعلى الثاني: كيف؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال، و {مَا} وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور، وهو إما مجاز أو اشتراك ـ كما صرح به في «المفتاح» ـ والغالب السؤال بها عن الجنس، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجهول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه ـ وهو إحياء الميت بضرب بعضه ـ منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلاً، وعن الصفة حقيقة. وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور، والقول إنه يمكن أن يجعل {مَا هِىَ} على حذف مضاف ـ أي ما حالها؟ ـ فيكون سؤالاً عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية ـ على بعده ـ خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز. و {مَا} استفهامية خبر مقدم لـِ {هِىَ} والجملة في موضع نصب بيبين لأنه معلق عنها، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب، والمعنى: يبين لنا جواب هذا السؤال. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل ـ فرضت ـ بفتح الراء وضمها ـ ويقال لكل ما قدم/ وطال أمره فارض ومنه قوله:شعر : يا رُبَّ ذي ضِعْن عَلَيَّ (فَارِضِ) له قُروء كقروء الحائضِ تفسير : وكأن المسنة سميت ـ فارضا ـ لأنها ـ فرضت ـ سنها أي قطعتها وبلغت آخرها، و ـ البكر اسم للصغيرة، وزاد بعضهم ـ التي لم تلد من الصغر ـ وقال ابن قتيبة: هي التي ولدت ولداً واحداً، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال، وقيل: هي التي لم تحمل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى ـ والبكر ـ بفتح الباء ـ الفتيّ من الإبل، والأنثى ـ بكرة ـ وأصله من التقدم في الزمان، ومنه ـ البكرة والباكورة ـ والاسمان صفة بقرة ولم يؤت ـ بالتاء ـ لأنهما اسمان لما ذكر، واعترضت {لا} بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافاً للمبرد وابن كيسان كقوله:شعر : قهرت العدا (لا مستعينا) بعصبة ولكن بأنواع الخدائع والمكر تفسير : ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي فارض ولا بكر فقد أبعد، إذ الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أيضاً أن لا حذف، وذكر (يقول) للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه. {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطناً أو بطنين، وقيل: مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله:شعر : طوال مثل أعناق الهوادي نواعم بين أبكار (وعون) تفسير : ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر، وفائدة هذا بعد {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} نفي أن تكون عجلاً أو جنيناً، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة (بين) إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي ـ الفارض والبكر ـ فيكون نظير قوله:شعر : فما كان بين الخير لو جاء سالماً أبو حجر (إلا ليال) قلائل تفسير : حيث أراد بين الخير وباغيه تكلف مستغنى عنه بما ذكر. واختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان وارتضاه بعض المحققين مدعياً أنه أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا: بقرة عوان (لا فارض ولا بكر) وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى، ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول: يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها، والثاني: يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء، وقيل: إنها لا فارض ولا بكر فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق. والقول: ـ بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة باعتقادهم فعينت تشديداً عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة ـ ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما اعتقدوها، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من يجوز/ التكليف بالمحال وليس بلازم إذ لا دليل على أن الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك ومن الناس من أنكروا ذلك وادعوا أن المراد بها بقرة من نوع البقر بلا تعيين وكان يحصل الامتثال لو ذبحوا أي بقرة كانت إلا أنها انقلبت مخصوصة بسؤالهم ـ وإليه ذهب جماعة من أهل التفسير ـ وتمسكوا بظاهر اللفظ فإنه مطلق فيترك على إطلاقه مع ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم، وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» عن عكرمة مرفوعاً مرسلاً وبأنه لو كانت معينة لما عنفهم على التمادي وزجرهم عن المراجعة إلى السؤال، واللازم حينئذ النسخ قبل الفعل بناءاً على مذهب من يقول الزيادة على الكتاب نسخ كجماهير الحنفية القائلين بأن الأمر المطلق يتضمن التخيير وهو حكم شرعي والتقييد يرفعه وهو جائز بل واقع كما في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج، والممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق لأنه بداء وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وليس بلازم ـ على ما قيل ـ على أنه قيل: يمكن أن يقال: ليس ذلك بنسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقاً فهو امتثال للأمر الأولي فلا يكون نسخاً. واعترض على كون التخيير حكماً شرعياً الخ بالمنع مستنداً بأن الأمر المطلق إنما يدل على إيجاب ماهية من حيث هي بلا شرط لكن لما تتحقق إلا في ضمن فرد معين جاء التخيير عقلاً من غير دلالة النص عليه وإيجاب الشيء لا يقتضي إيجاب مقدمته العقلية إذ المراد بالوجوب الوجوب الشرعي، ومن الجائز أن يعاقب المكلف على ترك ما يشمله مقدمة عقلية ولا يعاقب على ترك المقدمة، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهياته ـ وفيه تأمل ـ وذكر بعض المحققين أن تحقيق هذا المقام أنه إن كان المراد بالبقرة المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ التمكن من الاعتقاد وهو حاصل بلا ريب، وإن كان البقرة المعينة فلا يجوز النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حينئذ لأنه إنما حصل بعد الاستفسار فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي فتدبر. {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} أي من ذبح البقرة ولا تكرروا السؤال ولا تتعنتوا، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن تكون من قول موسى عليه السلام حرضهم على امتثال ما أمروا به شفقة منه عليهم، و {مَا} موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به، وقد شاع حذف الجار في هذا الفعل حتى لحق بالمتعدي إلى مفعولين فالمحذوف من أول الأمر هو المنصوب، وأجاز بعضهم أن تكون {مَا} مصدرية أي ـ فافعلوا أمركم ـ ويكون المصدر بمعنى المفعول كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }تفسير : [الصافات: 96] على أحد الوجهين، وفيه بعد لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر.

ابن عاشور

تفسير : جيء في مراجعتهم لنبيهم بالطريقة المألوفة في حكاية المحاورات، وهي طريقة حذف العاطف بين أفعال القول وقد بيناها لكم في قصة خلق آدم. ومعنى {ادع لنا} يحتمل أن يراد منه الدعاء الذي هو طلب بخضوع وحرص على إجابة المطلوب فيكون في الكلام رغبتهم في حصول البيان لتحصيل المنفعة المرجوة من ذبح بقرة مستوفية للصفات المطلوبة في القرابين المختلفة المقاصد، بنوه على ما ألفوه من الأمم عبدة الأوثان من اشتراط صفات وشروط في القرابين المقربة تختلف باختلاف المقصود من الذبيحة، ويحتمل أنهم أرادوا مطلق السؤال فعبروا عنه بالدعاء لأنه طلب من الأدنى إلى الأعلى، ويحتمل أنهم أرادوا من الدعاء النداء الجهير بناء على وهمهم أن الله بعيد المكان، فسائله يجهر بصوته، وقد نهي المسلمون عن الجهر بالدعاء في صدر الإسلام. واللام في قوله {لنا} لام الأجل أي ادع عنا، وجزم {يبين} في جواب {ادع} لتنزيل المسبب منزلة السبب، أي إن تدعه يسمع فيبين وقد تقدم. وقوله: {ما هي} حكى سؤالهم بما يُدل عليه بالسؤال بـــ(ما) في كلام العرب وهو السؤال عن الصفة لأن (ما) يسأل بها عن الصفة، كما يقول من يسمع الناس يذكرون حاتماً أو الأحنف وقد علم أنهما رجلان ولم يعلم صفتيهما ما حاتم؟ أو ما الأحنف؟ فيقال: كريم أو حليم. وليس (ما) موضوعة للسؤال عن الجنس كما توهمه بعض الواقفين على كلام «الكشاف» فتكلفوا لتوجيهه حيث إن جنس البقرة معلوم بأنهم نزلوا هاته البقرة المأمور بذبحها منزلة فرد من جنس غير معلوم لغرابة حكمة الأمر بذبحها وظنوا أن الموقع هنا للسؤال بـ(أي) أو (كيف) وهو وهم نبه عليه التفتزاني في «شرح الكشاف» واعتضد له بكلام «المفتاح» إذ جعل الجنس والصفة قسمين للسؤال بما. والحق أن المقام هنا للسؤال بما لأن أيًّا إنما يسأل بها عن مميز الشيء عن أفراد من نوعه التبستْ به وعلامة ذلك ذكر المضاف إليه مع أي نحو: {أية : أي الفريقين خير}تفسير : [مريم: 73] وأي البقرتين أعجبتك وليس لنا هنا بقرات معينات يراد تمييز إحداها. وقوله: {قال إنه يقول إنها بقرة} أكد مقول موسى ومقول الله تعالى بإن لمحاكاة ما اشتمل عليه كلام موسى من الاهتمام بحكاية قول الله تعالى فأكده بإن، وما اشتمل عليه مدلول كلام الله تعالى لموسى من تحقيق إرادته ذلك تنزيلاً لهم منزلة المنكرين لما بدا من تعنتهم وتنصلهم، ويجوز أن يكون التأكيد الذي في كلام موسى لتنزيلهم منزلة أن يكون الله قال لموسى ذلك جرياً على اتهامهم السابق في قولهم: {أية : أتتخذنا هزؤاً}تفسير : [البقرة: 67] جواباً عن قوله: {إن الله يأمركم}. ووقع قوله: {لا فارض ولا بكر} موقع الصفة لبقرة وأقحم فيه حرف (لا) لكون الصفة بنفي وصف ثم بنفي آخر على معنى إثبات وصف واسطة بين الوصفين المنفيين فلما جيء بحرف (لا) أجري الإعراب على ما بعده لأن (لا) غيرعاملة شيئاً فيعتبر ما قبل لا على عمله فيما بعدها سواء كان وصفاً كما هنا وقوله تعالى: {أية : زيتونة لا شرقية ولا غربية}تفسير : [النور: 35] وقول جويرية أو حويرثة بن بدر الرامي:شعر : وقد أدركْتني والحوادثُ جمة أسنة قوم لا ضعاف ولا عُزْلِ تفسير : أو حالاً كقول الشاعر وهو من شواهد النحو:شعر : قهرْتَ العِدَا لا مستعيناً بعُصبة ولكنْ بأنواع الخدائع والمكر تفسير : أو مضافاً كقول النابغة:شعر : وشيمة لا وَان لا وَاهِن القُوى وجَدَ إذا خَاب المُفيدونَ صَاعِدِ تفسير : أو خبر مبتدأ كما وقع في حديث أم زرع قول الأولى: «لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل» على رواية الرفع ـــ أي هو أي الزوج ـــ لا سهل ولا سمين. وجمهور النحاة أن لا هذه يجب تكريرها في الخبر والنعت والحال أي بأن يكون الخبر ونحوه شيئين فأكثر فإن لم يكن كذلك لم يجز إدخال (لا) في الخبر ونحوه وجعلوا بيت جويرية أو حويرثة ضرورة وخالف فيه المبرد. وليست (لا) في مثل هذا بعاملة عمل ليس ولا عمل إن، وذكر النحاة لهذا الاستعمال في أحد هذين البابين لمجرد المناسبة. واعلم أن نفي وصفين بحرف (لا) قد يستعمل في إفادة إثبات وصف ثالث هو وسط بين حالي ذينك الوصفين مثل ما في هذه الآية بدليل قوله: {عوان بين ذلك} ومثل قوله تعالى: {أية : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء}تفسير : [النساء: 143] وقد يستعمل في إرادة مجرد نفي ذينك الوصفين لأنهما مما يطلب في الغرض الواردين فيه ولا يقصد إثبات وصف آخر وسط بينهما وهو الغالب كقوله تعالى: {أية : في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم}تفسير : [الواقعة: 42 ـــ 44]. والفارض المسنة لأنها فرضت سنها أي قطعتها، والفرض القطع ويقال للقديم فارض. والبكر الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار لأن البكر في أول السنوات عمرها والعوان هي المتوسطة السن. وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلاً للشدة في قول النابغة:شعر : ومن يتَربّص الحَدَثَانَ تنزل بمَولاه عوان غيرُ بِكر تفسير : أي مصيبة عوان أي عظيمة. ووصفوا الحرب الشديدة فقالوا: حرب عوان. وقوله: {بين ذلك} أي بين هذين السنين، فالإشارة للمذكور المتعدد. ولهذا صحت إضافة بين لاسم الإشارة كما تضاف للضمير الدال على متعدد وإن كان كلمة واحدة في نحو بينها. وإفراد اسم الإشارة على التأويل بالمذكور كما تقدم قريباً عند قوله تعالى: {أية : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله}تفسير : [البقرة: 61]. وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضاً بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالاً لإعادة السؤال. فإن قلت: هم سألوا عن صفة غيرمعينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن؟ ومن أين علم من سؤالهم الآتي بـــ{ما هي} أيضاً أنهم سألوا عن تدربها على الخدمة؟ قلت: يحتمل أن يكون {ما هي} اختصاراً لسؤالهم المشتمل على البيان وهذا الاختصار من إبداع القرآن اكتفاء بما يدل عليه الجواب، ويحتمل أن يكون ما حكى في القرآن مرادف سؤالهم فيكون جواب موسى عليه السلام بذلك لعلمه بأن أول ما تتعلق به أغراض الناس في معرفة أحوال الدواب هو السن فهو أهم صفات الدابة ولما سألوه عن اللون ثم سألوا السؤال الثاني المبهم علم أنه لم يبق من الصفات التي تختلف فيها مقاصد الناس من الدواب غير حالة الكرامة أي عدم الخدمة لأن ذلك أمر ضعيف إذ قد تخدم الدابة النفيسة ثم يكرمها من يكتسبها بعد ذلك فتزول آثار الخدمة وشعثها. وقوله: {فافعلوا ما تؤمرون} الفاء للفصيحة وموقعها هنا موقع قطع العذر مع الحث على الامتثال كما هي في قول عباس بن الأحنف:شعر : قالوا خراسانُ أقْصَى ما يُراد بنا ثم القُفُولُ فقد جئْنا خُرَاسَانا تفسير : أي فقد حصل ما تعللتم به من طول السفر. والمعنى فبادروا إلى ما أمرتم به وهو ذبح البقرة، و(ما) موصولة والعائد محذوف بعد حذف جاره على طريقة التوسع لأنهم يقولون أمرتك الخير، فتوسلوا بحذف الجار إلى حذف الضمير. وفي حث موسى إياهم على المبادرة بذبح البقرة بعدما كلفوا به من اختيارها عواناً دليل على أنهم مأمورون بذبح بقرة مّا غير مراد منها صفة مقيدة لأنه لما أمرهم بالمبادرة بالذبح حينئذ علمنا وعلموا أن ما كلفوا به بعد ذلك من طلب أن تكون صفراء فاقعة وأن تكون سالمة من آثار الخدمة ليس مما أراده الله تعالى عند تكليفهم أول الأمر وهو الحق، إذ كيف تكون تلك الأوصاف مرادة مع أنها أوصاف طردية لا أثر لها في حكمة الأمر بالذبح لأنه سواء كان أمراً بذبحها للصدقة أو للقربان أو للرش على النجس أو للقسامة فليس لشيء من هاته الصفات مناسبة للحكم، وبذلك يعلم أن أمرهم بهاته الصفات كلها هو تشريع طارىء قصد منه تأديبهم على سؤالهم فإن كان سؤالهم للمطل والتنصل فطلب تلك الصفات المشقة عليهم تأديب على سوء الخلق والتذرع للعصيان، وإن كان سؤالاً ناشئاً عن ظنهم أن الاهتمام بهاته البقرة يقتضي أن يراد منها صفات نادرة كما هو ظاهر قولهم بعد: {أية : وإنا إن شاء الله لمهتدون}تفسير : [البقرة: 70] فتكليفهم بهاته الصفات العسير وجودها مجتمعة تأديب علمي على سوء فهمهم في التشريع كما يؤدَّب طالب العلم إذا سأل سؤالاً لايليق برتبته في العلم. وقد قال عمر لأبي عبيدة في واقعة الفرار من الطاعون «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة». ومن ضروب التأديب الحمل على عمل شاق، وقد أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه عباساً رضي الله عنه على الحرص حين حمل من خمس مال المغنم أكثر من حاجته فلم يستطع أن يقله فقال له: مر أحداً رفعه لي فقال: لا آمر أحداً فقال له: ارفعه أنت لي فقال: لا، حتى جعل العباس يحثو من المال ويرجعه لصبرته إلى أن استطاع أن يحمل ما بقي فذهب والنبي صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره تعجباً من حرصه كما في «صحيح البخاري». ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم، وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوءِ تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملاً وشكراً وفهماً بدليل قوله تعالى آخر الآيات: {أية : وما كادوا يفعلون}تفسير : [البقرة: 71] مع ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات، على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين، وتسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ}. لم يبين مقصودهم بقولهم ما هي، إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقولهم في الموضع الأول ما هي أي: ما سنها؟ بدليل قوله: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} الآية، وأن مرادهم بقولهم ما هي في الموضع الآخر: هل هي عاملة أو لا؟ وهل فيها عيب أو لا؟ وهل فيها وشي مخالف للونها أو لا؟ بدليل قوله: {أية : قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 71].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 68- هنا قالوا لموسى - مترددين فى أمر البقرة: اطلب لنا من ربك أن يبين لنا صفة تلك البقرة، فقال لهم: إن الله أخبرنى بأنها ليست كبيرة وليست صغيرة، بل هى وسط بين الكبر والصغر، فنفذوا ما أمركم الله به. 69- ولكنهم استمروا فى ترددهم فقالوا: اطلب لنا من ربك أن يبين لنا لون هذه البقرة، فأجابهم موسى: بأن الله يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصفرة مع صفاء، تُعْجِبُ الناظر إليها لصفاء لونها ووضوحه. 70- ثم لجوا فى أسئلتهم فقالوا: ادع لنا ربك يبين لنا شأن هذه البقرة، لأن البقر تشابه علينا، وسنهتدى إليها بمشيئة الله. 71- فقال لهم: إن الله يقول إنها بقرة لم تذلل بالعمل فى حرث الأرض وقلبها للزراعة، ولا فى سقى الأرض المهيأة للزراعة أو ما فيها من نبات، وهى بريئة من العيوب، سالمة من الآفات، لا لون فيها يخالف سائر جسدها، فقالوا له: الآن جئت بالبيان الواضح، وبحثوا عن البقرة المتصفة بهذه الأوصاف فذبحوها، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لكثرة أسئلتهم وطول لجاجهم. 72- واذكروا يوم قتلتم نفسا وتخاصمتم وتدافعتم الجريمة، فاتَّهم بعضكم بعضا بقتلها، والله يعلم الحقيقة وهو كاشفها ومظهرها مع كتمانكم لها.

د. أسعد حومد

تفسير : (68) - وَفِي هذِهِ الآيَةِ وَالآيَاتِ التَّالِيَاتِ يُبيِّنُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَدَى تَعَنُّتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِرَسُولِهِمْ، فَضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ. قَالُوا لَهُ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ هذِهِ البَقَرَةُ، وَأيُّ شَيءٍ وَصْفُها؟ فَقَالَ لَهمْ مُوسَى، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرةٌ لا مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ انْقَطَعَتْ وِلاَدَتُها (فَارِضٌ)، وَلاَ صَغِيرَةٌ لَمْ يَلْحَقْها الفَحْلُ بَعْدُ، وَإِنَّما هِيَ نَصَفٌ بَيْنَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ (عَوانٌ)، فَهذِهِ تَكُونُ أَحْسَنَ الدَّوَابِّ وَأَقْوَاهَا، فَاذْبَحُوها وَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمُ اللهُ. الفَارِضُ - المُسِنَّةُ التِي انْقَطَعَتْ وِلاَدَتُها. البِكْرُ - الصَّغِيرَةُ التِي لَمْ تَحْمِلْ بَعْدُ. العَوَانُ - النَّصَفُ أَيْ لَيْسَتْ بِالصَّغِيرَةِ وَلا الكَبِيرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم .. لم يقولوا ادع لنا ربنا .. بل قالوا ادع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده .. ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات .. حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]. ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة .. يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله تبارك وتعالى .. فبدلاً من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالاً آخر .. فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم .. ثم يقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل .. بأن يعطيهم أوصافاً لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط .. فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.. نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل .. يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} [البقرة: 68] .. سؤال لا معنى له ولا محل .. لأن الله تبارك وتعالى قال لهم إنها بقرة .. ولم يقل مثلاً إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال .. فجاء الحق تبارك وتعالى يقول لهم: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} [البقرة: 68] .. الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة .. ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيراً وأساساً هي للبن وللإنجاب .. وما دامت قد تعرضت للحمل كثيراً يكون مكان اللبن فيها في اتساع .. أي أن بطنها يزداد اتساعاً مع كل حمل جديد .. وعندما يكون بطن البقرة واسعاً يعرف أنها مسنة وولدت كثيراً وصارت فارضاً. وكلمة "بكر" لها معانٍ متعددة أنه لم يطأها فحل .. ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة .. ومنها أنها ولدت مراراً ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن. وقوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} [البقرة: 68] .. يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها .. الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: {فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} [البقرة: 68] .. يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة .. ولكنهم لم يسكنوا إنهم يريدون أن يحاوروا.. ولذلك غيروا صيغة السؤال.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: الفارضُ: الكبيرةُ المُسنَّةُ. والجمعُ الفَوارِضُ. والبِكْرُ: الصَّغيرةُ. وَعَوانٌ: لا صغيرةٌ ولا كبيرةٌ. والجمعُ العُونُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 22 : 124 - قال سفين في قوله جل وعز {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} فارض مسنة، وبكر (صغيرة، و) عوان التي قد ولدت بطناً أو بطنين. قال، بين ذلك. [الآية 68].

همام الصنعاني

تفسير : ثم انطلقوا إلى موسى؛ فذكروا له شأنهم، فأوحى اللهُ إليه: أنْ يَذْبَحوا بقرة، فذبحوها فلو لم يعترضوا لأجرأت عنهم، فسألوا وشددوا فشدد الله عليهم، فقالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ}: [الآية: 68]، قال: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}: الآية: 68].