٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
152
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أردفه بالوعد فقال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إنما قال: {وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } مع أن التفريق يقتضي شيئين فصاعداً إلاّ أن أحداً لفظ يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويدل عليه وجهان: الأول: صحة الاستثناء. والثاني: قوله تعالى: {أية : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [الأحزاب: 32]. إذا عرفت هذا فتقدير الآية: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة. المسألة الثانية: تمسك أصحابنا بهذه الآية في إثبات العفو وعدم الاحباط فقالوا: إنه تعالى وعد من آمن بالله ورسله بأن يؤتيهم أجورهم، والمفهوم منه يؤتيهم أجورهم على ذلك الإيمان، وإلاّ لم تصلح هذه الآية لأن تكون ترغيباً في الإيمان، وذلك يوجب القطع بعدم الإحباط والقطع بالعفو وبالإخراج من النار بعد الإدخال فيها. المسألة الثالثة: قرأ عاصم في رواية حفص {يُؤْتِيهِمْ } بالياء والضمير راجع إلى اسم الله، والباقون بالنون، وذلك أولى لوجهين: أحدهما: أنه أفخم. والثاني: أنه مشاكل لقوله {أية : وَأَعْتَدْنَا } تفسير : [الأحزاب: 31]. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } معناه أن إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتحقيقه لا كونه متأخراً. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } والمراد أنه وعدهم بالثواب ثم أخبرهم بعد ذلك بأنه يتجاوز عن سيئاتهم ويعفو عنها ويغفرها.
القرطبي
تفسير : يعني به النبيّ صلى الله عليه وسلم وأُمّته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } كلهم {وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ } بالنون والياء {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } ثواب أعمالهم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لأوليائه {رَّحِيماً } بأهل طاعته.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر الله تعالى أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون حقاً، عقب ذلك بذكر المؤمنين بالله ورسله جميعاً. وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام ليصرح بوعد هؤلاء كما صرح بوعيد أولئك، فبين الفرق بين المنزلتين، وقرأ بعض السبعة "سوف يؤتيهم" بالياء أي يؤتيهم الله، وقرأ الأكثر "سوف نؤتيهم" بالنون منهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو، واختلف المتأولون في كيفية سؤال أهل الكتاب لمحمد عليه السلام أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، فقال السدي: قالت اليهود: يا محمد إن كنت صادقاً فجيء بكتاب من السماء كما جاء موسى بكتاب، وقال محمد بن كعب القرظي: قد جاء موسى بألواح فيها التوراة فجيء أنت بألواح فيها كتابك، وقال قتادة: بل سألوه أن يأتي بكتاب خاص لليهود، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد، وقال ابن جريج: قالت اليهود: يا محمد لن نتابعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان وإلى فلان أنك رسول الله. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: فقول ابن جريج يقتضي أن سؤالهم كان على نحو سؤال عبد الله بن أبي أمية المخزومي القرشي، ثم قال تعالى {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} على جهة التسلية لمحمد عليه السلام، وعرض الأسوة، وفي الكلام متروك يدل عليه المذكور، تقديره: فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشططهم فإنها عادتهم، {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك}, وقرأ جمهور الناس "أكبر" بالباء المنقوطة بواحدة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "أكثر" بالثاء المثلثة، وجمهور المتأولين على أن {جهرة} معمول لـ {أرنا} ، أي: حتى نراه جهاراً أي عياناً رؤية منكشفة بينة، وروي عن ابن عباس أنه كان يرى أن {جهرة} معمول لـ {قالوا} ، أي قالوا جهرة منهم وتصريحاً {أرنا الله}. قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالاً عقلاً، لكنه محال من جهة الشرع، إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا يرى في هذه الحياة الدنيا، والرؤية في الآخرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المتواتر، وهي جائزة عقلاً دون تحديد ولا تكييف ولا تحيز، كما هو تعالى معلوم لا كالمعلومات كذاك هو مرئي لا كالمرئيات، هذه حجة أهل السنة وقولهم، ولقد حدثني أبي رضي الله عنه عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول عند تدريس هذه المسألة: مثال العلم بالله حلق لحا المعتزلة في إنكارهم الرؤية، والجملة التي قالت {أرنا الله جهرة} هي التي مضت مع موسى لحضور المناجاة، وقد تقدم قصصها في سورة البقرة، وقرأ جمهور الناس "فأخذتهم الصاعقة" وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي "الصعقة" والمعنى يتقارب، إذ ذلك كله عبارة عن الوقع الشديد من الصوت يصيب الإنسان بشدته وهو له خمود وركود حواس، و {ظلمهم} هو تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه. وقوله تعالى: قد كان من أمرهم أن اتخذوا العجل، وذلك أن اتخاذ العجل كان عند أمر المضي للمناجاة، فلم يكن الذين صعقوا ممن اتخذوا العجل، لكن الذين اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات في أمر إجازة البحر وأمر العصا وغرق فرعون وغير ذلك، وقوله تعالى: {فعفونا عن ذلك} يعني بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم، ثم وقع العفو عن الباقين منهم، و "السلطان" الحجة.
الخازن
تفسير : {والذين آمنوا بالله ورسله} يعني والذين صدقوا بوحدانية الله ونبوة جميع أنبيائه وأن جميع ما جاؤوا به من عند الله حق وصدق {ولم يفرقوا بين أحد منهم} يعني من الرسل بل آمنوا بجميعهم وهم المؤمنون {أولئك} يعني من هذه صفتهم {سوف يؤتيهم أجورهم} يعني جزاء إيمانهم بالله وبجميع كتبه ورسله {وكان الله غفوراً رحيماً} يعني أنه تعالى لما وعدهم بالثواب أخبرهم أنه يتجاوز عن سيئاتهم ويغفرها لهم ويرحمهم فهو كالترغيب لليهود والنصارى في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا آمنوا غفر لهم ما كان منهم في حال الكفر. قوله تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} يعني يسألك يا محمد أهل الكتاب، وهم اليهود وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة واحدة من السماء كما أتى موسى بالتوراة وقيل: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً مختصاً بهم وقيل سألوه أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان ليشهدا لك بأنك رسول الله وكان هذا السؤال من اليهود سؤال تعنت واقتراح لا سؤال استرشاد وانقياد والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، ولأن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد تقدمت وظهرت فكان طلب الزيادة من باب التعنت. وقوله تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} يعني أعظم من الذي سألوك يا محمد ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ وتقريع لليهود حيث سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت والمعنى لا تعظمن عليك يا محمد مسألتهم ذلك فإنهم من فرط جهلهم واجترائهم على الله لو أتيتهم بكتاب من السماء لما آمنوا بك وإنما أسند السؤال إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإن وجد هذا السؤال من آبائهم الذين كانوا في أيام موسى عليه السلام لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت {فقالوا} يعني أسلاف هؤلاء اليهود {أرنا الله جهرة} يعني عياناً. والمعنى أرناه نره جهرة وذلك أن سبعين من بني إسرائيل خرجوا مع موسى عليه الصلاة والسلام إلى الجبل فقالوا ذلك وقد تقدمت القصة في سورة البقرة {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} يعني بسبب ظلمهم وسؤالهم الرؤية {ثم اتخذوا العجل} يعني إلهاً وهم الذين خلفهم موسى مع أخيه هارون حين خرج إلى ميقات ربه {من بعد ما جاءتهم البينات} يعني الدلالات الواضحات الدالة على صدق موسى وهي: العصا واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات الباهرة {فعفونا عن ذلك} يعني عن ذلك الذنب العظيم فلم نستأصل عبدة العجل. والمقصود من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى أن هؤلاء الذين يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء إنما يطلبونه عناداً ولجاجاً فإني قد أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى وآتيته من المعجزات الباهرات والآيات البينات ما فيه كفاية ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وعبدوا العجل وكل ذلك يدل على جهلهم وأنهم مجبولون على اللجاج والعناد. وفي قوله فعفونا عن ذلك استدعاء إلى التوبة. والمعنى أن أولئك الذين أجرموا لما تابوا عفونا عنهم فتوبوا أنتم نعف عنكم {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} يعني حجة واضحة تدل على صدقه وهي المعجزات الباهرات التي أعطاها الله عز وجل لموسى عليه السلام قوله عز وجل: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} يعني ورفعنا فوقهم الجبل المسمى بالطور بسبب أخذ ميثاقهم وذلك أن بني إسرائيل امتنعوا من قبول التوراة والعمل بما فيها فرفع الله فوقهم الطور حتى أظلهم ليخافوا فلا ينقضوا العهد والميثاق {وقلنا لهم} يعني والطور يظلهم {ادخلوا الباب سجداً} فخالفوا ودخلوا وهم يزحفون على أستاههم {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} يعني وقلنا لهم لا تجاوزوا في يوم السبت إلى ما لا يحل لكم فيه. وذلك أنهم نهوا أن يصطادوا السمك في يوم السبت فاعتدوا واصطادوا فيه، وقيل المراد به النهي عن العمل والكسب في يوم السبت {وأخذنا منهم ميثاقاً غلظياً} يعني وأخذنا منهم عهداً مؤكداً شديداً بأن يعملوا بما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم الله عنه ثم إنهم نقضوا ذلك الميثاق وهو قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} يعني فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد والمعنى فبسبب نقضهم ميثاقهم لعناهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا {وكفرهم بآيات الله} يعني وبجحودهم بآيات الله الدالة على صدق أنبيائه {وقتلهم الأنبياء} يعني بعد قيام الحجة والدلالة على صحة نبوتهم {بغير حق} يعني بغير استحقاق لذلك القتل {وقولهم قلوبنا غلف} يعني وبقولهم على قلوبنا أغطية وغشاوة فهي لا تفقه ما تقول جمع أغلف وقيل جمع غلاف يعني قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى ما تدعونا إليه فرد الله عليهم بقوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم} يعني بل ختم الله على قلوبهم بسبب كفرهم {فلا يؤمنون إلا قليلاً} يعني إيمانهم بموسى والتوراة وكفرهم بما سواه من الأنبياء والكتب وقيل لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً وقيل المراد بالقليل هو عبدالله بن سلام وأصحابه والذين آمنوا من اليهود.
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه وتعالى ما أعد لهم بيّن ما أعد لأضدادهم من أهل طاعته بقوله: {والذين ءامنوا بالله} أي الذي له الكمال والجمال {ورسله} ولما جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران، صرح بما أفهمه فقال: {ولم يفرقوا} أي في اعتقادهم {بين أحد منهم} أي لم يجعلوا أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض - كما فعل الأشقياء، والتفرقة تقتضي شيئين فصاعداً، و "أحد" عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، فلذلك صح التعبير به بمعنى: بين اثنين أو جماعة، وكأنه اختير للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن فيه التفرقة فكان الإيمان بالبعض دون البعض كفراً {أولئك} أي العالو الرتبة في رتب السعادة. ولما كان المراد تأكيد وعدهم، وكان المشاهد فيه غالباً التأخر قال: {سوف نؤتيهم} أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه وإن تأخر، فالمراد تحقيقه، لا تحقيق تأخره، ولكنه أتى بالأداة التي هي أكثر حروفاً وأشد تنفيساً، لأن هذا السياق لأهل الإيمان المجرد، الشامل لمن لم يكن له عمل، ولذا أضاف الأجور إليهم، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس وإن طال المدى {أجورهم} أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم. ولما كان الإنسان محل النقصان قال: {وكان الله} أي الذي لا يبلغ الواصفون كنه ما له من صفات الكمال {غفوراً} لما يريد من الزلات {رحيماً *} أي بمن يريد إسعادة بالجنات. ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا من اليهود قالا كذباً: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك، فأنزل الله تعالى موبخاً لهم على هذا الكذب مشيراً إلى كذبهم فيه موهياً لسؤالهم محذراً من غوائله مبيناً لكفرهم بالله ورسله: {يسألك}. ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه على وجه يمكن قبوله، فوجهوا مكايدهم نحوه بهذه الشبهة ونحوها، زيفها سبحانه وتعالى أتم تزييف، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله: {أهل الكتاب} إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح {أن تنزل عليهم} أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم {كتاباً من السماء} ؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد الله تعالى من أهل الإسلام، ظناً منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله: {إنا أوحينا إليك} - الآية كما سيأتي بيانه، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل جملة، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة. ولما كان هذا مما يستعظمه النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له صلى الله عليه وسلم أن عادتهم التعنت، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن، وأنهم على شريعته، وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه من القوارع والعفو فقال: {فقد} أي إن تستعظم ذلك فقد {سألوا} أي آباؤهم، أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم {موسى} لغير داع سوى التعنت {أكبر} أي أعظم {من ذلك} أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك والتأديب معك، ثم بينه بقوله: {فقالوا أرنا الله} أي الملك الأعلى الذي لا شبيه له, وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته {جهرة} أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب وبنائها عليها، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها، وأعظم تثبيتاً للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله: {فأخذتهم} أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة {الصاعقة} أي نار نزلت من السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب إليه - صاعقة، فأهلكتهم {بظلمهم} أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره، لكونه تعنتاً من غير مقتض له أصلاً، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة {ثم} بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة {اتخذوا العجل} أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه. ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال: {من بعد} وأدخل الجار إعلاماً بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد، بل تابوا عنه {ما جاءتهم البينات} أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات {فعفونا} أي على ما لنا من العظمة {عن ذلك} أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم {وآتينا} أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة {موسى سلطاناً} أي تسلطاًَ واستيلاء قاهراً {مبيناً *} أي ظاهراً فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال، وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمداً صلى الله عليه وسلم على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي على الوجه الذي بُـيّن في تفسير قولِه تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }تفسير : [النساء، الآية 136] الآية، {وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخَرين كما فعله الكفرة، ودخولُ {بَيْنَ} على أحد قد مر تحقيقه في سورة البقرة بما لا مزيدَ عليه {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلةِ المذكورةِ {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} الموعودةَ لهم وتصديرُه بسوف لتأكيد الوعدِ والدلالةِ على أنه كائنٌ لا محالةَ وإنْ تراخىٰ، وقرىء نُؤتيهم بنون العظمة {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} لما فرَط منهم {رَّحِيماً} مبالغاً في الرحمة بتضعيف حسناتِهم. {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء} نزلت (في أحبار اليهودِ حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبـياً فأتِنا بكتاب من السماء جملةً كما أتىٰ به موسى عليه الصلاة والسلام) وقيل: كتاباً محرَّراً بخطَ سماويَ على اللوح كما نزلت التوراةُ، أو كتاباً نُعايِنُه حين يَنزِل، أوْ كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسولُ الله، وما كان مقصِدُهم بهذه العظيمة إلا التحكمَ والتعنّتَ. قال الحسنُ: ولو سألوه لكي يتبـيَّنوا الحقَّ لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} جوابُ شرطٍ مقدّر، أي إن استكبرتَ ما سألوه منك فقد سألوا موسى شيئاً أكبرَ منه، وقيل: تعليلٌ للجواب أي فلا تُبالِ بسؤالهم فقد سألوا موسى أكبرَ منه، وهذه المسألةُ وإن صدَرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون وما يذرون أُسنِدت إليهم،والمعنى أن لهم في ذلك عِرْقاً راسخاً وأن ما اقترحوه عليك ليس أولَ جهالاتِهم {فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} أي أرِناه نَرَهُ جهرةً أي عِياناً أو مجاهرين معاينين له، والفاءُ تفسيريةٌ {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} أي النارُ التي جاءتهم من السماء فأهلكتهم، وقرىء الصعقةُ {بِظُلْمِهِمْ} أي بسبب ظلمِهم وهو تعنتُهم وسؤالُهم لما يستحيل في تلك الحالةِ التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناعَ الرؤيةِ مطلقاً {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} أي المعجزاتِ التي أظهرها لفرعون من العصا واليدِ البـيضاءِ وفلْقِ البحر وغيرِها، لا التوراةُ، لأنها لم تنزلْ عليهم بعد {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} ولم نستأصِلْهم وكانوا أحقاءَ به. قيل: هذا استدعاءٌ لهم إلى التوبة كأنه قيل: إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفوَ عنكم. {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} سلطاناً ظاهراً حيث أمرهم بأن يقتُلوا أنفسَهم توبةً عن معصيتهم.
القشيري
تفسير : لما آمنوا بجميع الرسل، وصَدَقُوا في جميع ما أُمِروا به استوجبوا القبول وحسن الجزاء. وتقاصر الإيمان عن بعض الأعيان كتقاصره عن بعض الأزمان، فكما أنه لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع (....) إلى آخر ما له - كذلك لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع من أُمِرَ بالإيمان به؛ إذ جعل ذلك شرط تحقيقه وكماله. فالإشارة في هذا أن من لم يخرج عن عهدة الإلزام بالكلية فليس له من حقيقة الوصل شظية، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحجُّ عرفة"تفسير : فمن قطع المسافة - وإن كان من فج عميق - ثم بقي عن عرفات بأدنى بقية لم يُدْرِك الحج. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم ".
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين احد منهم} بان يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة وانما دخل بين على احد وهو يقتضى متعددا لعمومه من حيث انه وقع فى سياق النفى فهو بمنزلة ولم يفرقوا بين اثنين او بين جماعة {اولئك} المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة {سوف يؤتيهم} اى الله تعالى {اجورهم} الموعودة لهم وسمى الثواب اجرا لان المستحق كالاجرة وسوف لتأكيد الوعد اى الموعود الذى هو الايتاء والدلالة على انه كائن لا محالة وان تأخر {وكان الله غفورا} لما فرط منهم {رحيما} مبالغا فى الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم. والآية الاولى تدل على ان الايمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه انه مؤمن وانما يحصل بحصول شرائطه ونتائجه منه فمن نتائجه ما ذكر فى الآية الثانية من عدم التفريق بين الرسل ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه فمن اخطأه النور عند الرش على الارواح فقد كفر كفرا حقيقيا ولذلك سماهم الله فى الكفر حقا ومن اصابه النور عند ذلك فقد آمن ايمانا حقيقيا ولذلك لا ينفع الاول توسط الايمان كما لا يضر الثانى توسط العصيان: قال السعدى قدس سره شعر : قضا كشتى انجا كه خواهد برد وكر ناخدا جامه بر تن درد تفسير : ـ يحكى ـ انه كان شاب حسن الوجه وله احباب وكانوا فى الاكل والشرب والتنعم والتلذذ فنفدت دراهمهم فاجتمعوا يوما واجمعوا على ان يقطعوا الطريق فخرجوا الى طريق وترقبوا القافلة فلم يمر احد من هذا الطريق الى ثلاثة ايام ورأى الشاب شيخا قال له يا ولدى ليس هذا صنعتك فاستغفر الله تعالى فان طلبتنى فانا اقرأ القرآن فى جامع السيد البخارى ببروسة فاحترق قلب الشاب من تأثير الكلام فقال لرفقائه لو تبعتم رأيى تعالوا نروح الى بروسة ونتجسس عن بعض النجار فنخرج خلفهم فنأخذ اموالهم فقبلوا قوله فلما جاؤا الى بروسة قال لهم تعالوا نصل فى جامع السيد البخارى وندع عنده ليحصل مرادنا فلما جاء الى الجامع ورأى الشيخ هناك يقرأ القرآن سقط على رجله وتاب وبقى عنده سنتين ثم بعد السنتين ارسله هذا الشيخ الى حضرة الشيخ اق شمس الدين فرباه وصار كاملا بعد ان كان مؤمنا ناقصا قاطع الطريق ولذا ينظر الى الخاتمة ولكن حسن العاقبة من سبق العناية فى البداية اللهم اجعلنا من المهديين آمين يا معين. واعلم ان الايمان والتوحيد هو اصل الاصول وهو ان كان لا يزيد ولا ينقص عند الامام الاعظم الا ان نوره يزيد بالطاعات وينقص بالسيآت فينبغى لطالب الحق ان يراعى احكام الشريعة وآداب الطريقة ليتقوى جانب روحانيته فان انوار الطاعات كالاغذية النفيسة للارواح خصوصا نور التوحيد والذكر ولذكر الله اكبر وهو العمدة فى تصفية الباطن وطهارته. قال سيد الطائفة الجنيد قدس سره الادب ادبان فادب السر طهارة القلب وادب العلانية حفظ الجوارح من الذنوب فعليك بترك الشرور والايمان الكامل بالله الغفور حتى تنال الاجر الموفور والسرور فى دار الحضور: قال الصائب شعر : اززاهدان خشك رسايى طمع مدار سيل ضعيف واصل در يانميشود تفسير : فلا بد من العشق فى طريق الحق ليصل الطالب الى السر المطلق ومجرد الامنية منية والسفينة لا تجرى على اليبس كما قالت رابعة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {بين}: من الأمور النسبية، فلا بد أن تدخل على متعدد، تقول؛ جلست بين فلان وفلان، وإنما دخلت هنا على {أحد}؛ لأنه يقتضي متعددًا لعمومه، لانه رفع في سياق النفي. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين آمنوا بالله} وما يجب له من الكمالات، {ورسله} وما يجب لهم كذلك، {ولم يُفرقوا بين أحد منهم} بأن آمنوا بجميعهم، وصدقوا بكل ما جاؤوا به من عند ربهم، {أولئك سوف نؤتيهم أجورهم} الموعودة لهم، بأن نُجِلَّ مقدارهم، ونرفع مقامهم، ونُبوئهم في جنات النعيم. وتصديره بسوف؛ لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر وقته، ولمًا كان العبد لا يخلوا من نقص، رفع الخوف عنهم بقوله: {وكان الله غفورًا} لما فرط منهم {رحيمًا} بهم بتضعيف حسناتهم. الإشارة: والذين صدقوا بأولياء الله، وعظموا جميعهم، واقتبسوا من أنوارهم كلهم، أولئك سوف نؤتيهم أجورهم، بأن أُنعمهم في جنات المعارف في دار الدنيا، فإن ماتوا أسكنَّاهم في الفراذيس العُلَى { أية : في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ }تفسير : [القمر:55]. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : [القراءة والحجة]: قرأ يؤتيهم بالياء حفص الباقون بالنون حجة حفص قوله: {سوف يؤت الله المؤمنين} ومن قرأ نؤتيهم - بالنون - فلقوله: {وآتيناه أجره} وقوله: {أولئك سنؤتيهم أجراً} وغير ذلك من الآي. [المعنى]: لما ذكر الله تعالى حكم من فرق بين الله ورسله، والايمان ببعض دون بعض، وانهم الكافرون، وانه أعد لهم العذاب المهين، اخبر عقيبه عمن آمن بالله ورسله، وصدقهم وأقر بنبوتهم، ولم يفرقوا بين احد منهم، بل آمنوا بجميعهم، فان الله (تعالى) سيؤتيهم أجورهم بمعنى سيعطيهم ثوابهم الذي استحقوا على ايمانهم بالله ورسله، والاقرار بهم، وإنه يعطيهم جزاءهم على ذلك. {وكان الله غفوراً رحيماً} ومعناه يغفر لمن هذه صفته ما سلف له من المعاصي والآثام، ويسيرها عليهم، ويترك العقوبة عليها، فانه لم يزل كان غفوراً رحيما أي متفضلا عليهم بالهداية إلى سبيل الحق موفقاً لهم لما فيه خلاص رقابهم من عقاب النار.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}: أى من رسله، بل آمنوا بجميعهم، والمراد المسلمون، ولا ترد الهاء لله ورسله، لأن لفظ أحد المعنى بعض من كل لا سمى به الله، وانما ساغ أن يقال: بين أحد مع أنها لا تقع الا بين متعدد، لأن لفظ أحد عام لوقوعه فى سياق النفى، كأنه قيل بين جملة من الرسل، وجملة أخرى، أو بين بعض الرسل وبعضهم الآخر. {أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤتِيهِمْ أُجُورَهُمْ}: الموعودة لهم، وأكد ايتاء الأجور بسوف، بمعنى أنه لا بد منه ولو تأخر، كذلك بقول الزمخشرى: أن سوف والسين يؤكدان ما دخلا عليه من محبوب أو مكروه وجهه، فبما أن المضارع موضوع للاستقبال، كما وضع للحال، فاذا دخلت احداهما عليه أفادت توكيد مضمونه، وهو مشكل لأنه على قول بأنه موضوع للحال وللاستقبال فائدة التعيين للاستقبال، وقيل: وضع للحال فقط، ولا يحمل للاستقبال الا لقرينة مثل السين، وسوف نعم قيل موضوع للاستقبال، ولا يكون للحال الا لدليل، وعلى هذا فدخولهما عليه للتوكيد، لكن قد لا نسلم أنهما يؤكدان المضمون، بل يؤكدان الاستقبال نعم كونهما مؤكدين للمضمون المستقبل أفيد. قال ابن هشام: ليست أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده، وتثبيت معناه، وقرأ حفص عن عاصم، وقالون عن يعقوب: يؤتيهم بالمثناة التحتية. {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}: يغفر ذنوبهم، وينعم عليهم بتضعيف الحسنات، وفى ايتاء الأجر والغفران والرحمة للمؤمنين، ترغيب لليهود والنصارى، وروى أن كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ان كنت نبيا صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى. فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ}
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} كلهم، مقابل لقوله، إن الذين يكفرون بالله ورسله {وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ} معنى أحد متعدد، فصحت بين، أى بين جماعة، أو بين اثنين {مِّنْهُمْ} أو بين أحد وأحد منهم، وقد مر، ولا حاجة إليه مع قوله تعالى: {أية : فما منكم من أحد عنه حاجزين} تفسير : [الحاقة: 47] وقوله: {ولم يفرقوا بين أحد منهم} مقابل لقوله: ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا {أَوْلَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيَهِمْ} المشهور أن سوف المضارع للمستقبل الطويل بعد احتماله الحال والاستقبال القريب، وقيل هى لتأكيد مضمون مدخولها المستقبل، وكأنه قيل هو واقع لا محالة ولو تأخر جدا، أو ضد لن يفعل الموضوع للتأكيد، كما قال سيبويه: لن يفعل نفى سوف يفعل، والمضمون هنا هو إيتاء الثواب، كما قال {أُجُورَهُمْ} أى ثواب أعمالهم وإيمانهم {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً} لما صدر من ذنوب التائب وإنما يهلك من لا يتوب {رَّحِيماً} بتضعيف الحسنات إلى أكثر من سبعمائة لحسنة واحدة، وقالت أحبار اليهود: إن كنت صادقاً فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أوتى موسى بالتوراة جملة، وقيل: بكتاب محرر بخط سماوى على ألواح كالتوراة، وقيل: بكتاب نعاين نزوله، وقيل بكتاب إلينا بأعياننا وأسمائنا، وأنك رسول الله فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ} سؤال تعنت، ولو سألوه ليتبين الحق لنزل ما طلبوا كما قاله الحسن {أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ} وليس ذلك ببدع منهم ولا أول جهالتهم، ولا تستعظمه ولا تبال به لأنه قد سبق أكثر من ذلك منهم، كما قال {فَقَدْ سَأَلُوا} أى لأنهم قد سألوا، أو إن استعظمت ذلك وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ كفرهم، والواو لأهل الكتاب كلهم {مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} وهو مجمل بينه بقوله {فَقَالُوا أَرِنَا اللهُ جَهْرَةً} وإنما سأل هذا أوائلهم، لكنهم لما كانوا على مثل هذا السؤال وراضين عنه ومصوبين لأفعالهم وأقوالهم نسب إليهم السؤال، ويجوز رجوع الواو إلى البعض السائلين القائلين فلا مجاز، قال بعض المحققين، إسناد فعل البعض إلى الكل وقع فى نحو ألف موضع من القرآن، ولا أراه يصح، شبه إظهار ما يرى بإظهار الصوت المسموع، فسماه جهرة على الاستعارة، وأصل الجهر فى الصوت، أو أطلق الجهر على مطلق الإظهار، فهو مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد، والمعنى، أرنا الله مجاهرا إلينا، بفتح الهاء، أو أرنا الله مجاهرين له، أو إراءة جهرة، أو أجهر لنا به جهرة كقمت وقوفا فجهرة حال من لفظ الجلالة أو من نا، أو مفعول مطلق خرج سبعون رجلا من بنى إسرائيل مع موسى عليه السلام إلى الجبل فقالوا، أرنا الله جهرا {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} نار من السماء فأهلكتهم، وقيل الموت {بِظُلْمِهِمْ} لظلمهم أنفسهم، ودين الله بطلب ما هو محال فى حق الله، وهو رؤيته، فإنه نقص وشبه بالمخلوق، وما كان نقصا يتنزه الله عنه فى الآخرة كما تنزه عنه فى الدنيا فلا يرى فى الآخرة، وبيان الشبه ولانقص الجهات والحدود والحلول والغلظ والرقة والطول والعرض المستلزمات للون، وقومنا يقولون ظلمهم هو إباؤهم عن الإيمان حتى يروه، وذكر الجهرة مع أن رؤية العين لا تكون إلا جهرة زيادة فى التشنيع عليهم، أو تحرز عن توهم الرؤية بدليل لا بالعين {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} إلهاً، صوروه من الذهب والفضة وجواهر، والترتيب فى الإخبار لا فى الزمان، أن اتخاذهم العجل فى حال سؤال من ذهب مع موسى إلى المناجاة أو قبله أو بعده {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ} على وحدانية الله تعالى {البَيِّنَاتُ} المعجزات من اليد والعصا وفلق البحر، وسائر كل ما يدل على وحدته تعالى بالألوهية، لا التوراة، لأنهم اتخذوا العجل قبل نزولها، ونسب إليهم اتخاذ العجل لأنه فعل آبائهم، وقد رضوا عنه، وفعلوا ما يشبه اتخاذ العجل من البدع {فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ} لم نعاقبهم عليه لتوبتهم، فتوبوا أنتم من كفركم نعف عنكم كما عفونا عن آبائكم {وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً} تسلطاً عليهم، بأن أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذ العجل فأطاعوه، فقتل منهم سبعون ألفاً {مُّبِيناً} ظاهراً.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل الكفرة، ودخول {بَيْنَ} على {أَحَدٍ} قد مرّ الكلام فيه. والموصول مبتدأ خبره جملة قوله: {أُوْلَـٰئِكَ} أي المنعوتون بهذه النعوت الجليلة {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ} أي الله تعالى {أُجُورَهُمْ} الموعودة لهم، فالإضافة للعهد. وزعم بعضهم أن الخبر محذوف أي أضدادهم ومقابلوهم، والاتيان بسوف لتأكيد الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر لا الإخبار بأنه متأخر إلى حين، فعن الزمخشري أن يفعل الذي للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته؛ فإذا دخل عليه سوف أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطي ماليس فيه من أصله فهو في مقابلة لن ومنزلته من يفعل منزلة لن من لا يفعل لأن لا لنفي المستقبل فإذا وضع لن موضعه أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل فإذاً كل واحد من ـ لن وسوف ـ حقيقته التوكيد، ولهذا قال سيبويه: لن يفعل نفي سوف يفعل وكأنه اكتفى سبحانه ببيان ما لهؤلاء المؤمنين عن أن يقال: أولئك هم المؤمنون ـ حقاً ـ مع استفادته مما دل على الضدية، وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة. وقرأ نافع وابن كثير وكثير ـ نؤتيهم ـ بالنون فلا التفات. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} لمن هذه صفتهم ما سلف لهم من المعاصي والآثام {رَّحِيماً} بهم فيضاعف حسناتهم ويزيدهم على ما وعدوا..
القطان
تفسير : أما هؤلاء الذين يعتقدون بالله وبجميع رسله فإن الله سوف يجزل لهم الأجر يوم القيامة، ويهيِّىء لهم الثواب العظيم، والله سبحانه غفور رحيم. قراءات: قرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب "سوف يؤتيهم" بالياء. والباقون: "نؤتيهم" بالنون.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {أُوْلَـٰئِكَ} (152) - وَالذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَآمَنُوا بِجَمِيعِ رُسُلِهِ (وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لأنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ كِتَابٍ أنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ)، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ رَبُّهُمْ أجُورَهُمْ بِحَسَبِ حَالِهِمْ فِي العَمَلِ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَى إيمَانِهِمْ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ. وَاللهُ تَعَالَى غَفُورٌ يَغْفِرُ هَفَوَاتِ مَنْ صَحَّ إيمَانُهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِرَبِّهِ أحَداً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ رُسُلِهِ، وَهُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ يَرْحَمُ مَنْ يُعَامِلُهُ بِالإِحْسَانِ، وَيُضَاعِفُ لَهُ الحَسَنَاتِ، وَيَزِيدُهُ تَفَضُّلاً مِنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويؤكد الحق هنا على أمر واضح: هو: {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} وكلمة "أحد" في اللغة تطلق مرة ويراد بها المفرد، ومرة يراد بها المفردة، ومرة يراد بها المثنى مذكراً أو المثنى مؤنثاً أو جمع الإناث وجمع التذكير. وهكذا تكون "أحد" في هذه الآية تشمل كل الرسل، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [الأحزاب: 32] فكلمة أحد يستوي فيها المذكر والمؤنث والمثنى والمفرد والجمع. وكما قال الحق عن الذين يكفرون بالله ورسله أو يفرقون بين الرسل: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. يقول الحق في هذه الآية عن الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم: {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فكل مقابل قد جاء معه حُكْمُه. ومن بعد ذلك يقول الحق: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ...}
الجيلاني
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ} المتفرد في الوجود {وَ} اعترفوا بظهوره في {رُسُلِهِ} بجميع أوصافه وأسمائه {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} بالإيمان والكفر، بل يؤمنوا بجميعهم على السوية {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء، الموفقون بهذه الكرامة في هذه النشأة {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ} تفضلاً عليهم في النشأة الأخرى {أُجُورَهُمْ} بأضعاف ما استحقوا عليه {وَ} لا تستبعدوا من الله أمثال هذا؛ إذ {كَانَ ٱللَّهُ} الموفق لهم على الهداية {غَفُوراً} لذنوبهم المبعدة عن طريق توحيده {رَّحِيماً} [النساء: 152] لهم، يوصلهم إلى ما عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. هب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} من غاية جهلهم بالله، ونهاية غفلتهم عنه {أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} على مقتضى ما تهوى نفوسهم، وترضى عقولهم، ولا تستكبر منهم هذا {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} وأشد بعداً واستحالةً {فَقَالُوۤاْ} من غاية بعدهم عن الله، ونهاية حجابهم عن مطالعة جماله: {أَرِنَا ٱللَّهَ} الذي تدعونا إليه، وترشدنا نحوه { جَهْرَةً} ظاهرة معاينة كالموجودات الأخر، وما قدروا الله حق قدره، لذلك أرادوا أن يحصروا، ويحيطوا به، مع أنه سبحانه أجلُّ من أن يشار إليه، ويحاط به، ويدرك على ما هو عليه؛ إذ الإشارة والإحاطة والإدراك إنما هو منه وبه وفيه وإليه، ومن هذا شأنه كيف يدرك ويحس؟. ونهاية حال الواصلين إليه أنهم انخلعوا عن هوياتهم الباطلة بالمرة، وفنوا في هويته واضمحلوا، لا إليه إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} النازلة من السماء {بِظُلْمِهِمْ} هذا فهلكوا {ثُمَّ} بعدما تابوا، ورجعوا إلى الله واستشفع لهم موسى صلوات الله عليه {ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} إلهاً، وحصروا الألوهية فيه حين لبَّس عليهم السامري وخادعهم به، مع أن اتخاذهم هذا {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الواضحة، الدالة على توحيد الله وتقديسه من الحصر والإحاطة {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} أيضاً بعدما رجعوا إلينا والتجئوا نحونا متذللين {وَآتَيْنَا} بعد ذلك {مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 153] حجة واضحة، ومعجزرة ملجئة لهم إلى الإيمان. {وَ} ذلك أن {رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} معلقاً {بِمِيثَاقِهِمْ} بسبب أن نأخذ منهم العهد الوثيق، إذ جاءوا به أزلنا عنهم، وإن أبوا أسقطنا عليهم {وَقُلْنَا لَهُمُ} أيضاً بعدما أخذنا الميثاق عنهم على لسان موسى عليه السلام: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} أي: البيت المقدس {سُجَّداً} حال كونكم ساجدين، واضعين جباهكم على تراب المذلة، فدخلوا مسرعين ومزحفين، فنقضوا {وَقُلْنَا لَهُمْ} أيضاً ميثاقاً ومعادة على لسان داود عليه السلام: {لاَ تَعْدُواْ} لا تجاوزوا، ولا تخرجوا عن حدٍّ، ولا سيما {فِي ٱلسَّبْتِ} أي: اصطياد الحيتان فيه، فاحتالوا في اصطيادها، فنقضوا ما عهدوا {وَ} بعدما {أَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 154] أي: مواثيق غلاظ على إرادة الجنس، فنقضوا الكل، وخالفوا الأمر.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : كما أخبر عن الإيمان ونتائجه فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 152]، فكان من نتائج إيمانهم {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} [النساء: 152]؛ أي: من رسله، ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه، كما قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 152]، ومن شرائط الإيمان ما قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 152]، يعني: كان في الأزل غفوراً بإصابة النور أرواح المؤمنين، ولولا ذلك لما آمنوا، رحيماً بهم بإفاضة النور عليهم. ثم أخبر عن الكفر ونتائجه بقوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} [النساء: 153]، والإشارة فيها: إن من نتائج كفرهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم {أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ} [النساء: 153] من نتائج كفرهم، {أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} [النساء: 153] من بعد ما سمعوا كلام الله، {فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وما طلبوا الرؤية على وجه التعظيم أو على وجه التصديق، ولا حملهم عليه شدة الشوق أو ألم الفراق كما كان الفراق، كما كان لموسى عليه السلام حين {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، ولعل ضربة موسى عليه السلام في جواب {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143]، كانت من شؤم القوم، وما كان في أنفسهم من سوء أدب هذا السؤال؛ لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نيتهم فما اتعظوا بحال نيتهم؛ لأنهم كانوا أشقياء، والسعيد من وعظ بغيره حتى ادركتهم الشقاوة الأزلية، {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153] بأن طمعوا في فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها، {ثُمَّ} [النساء: 153]، من نتائج كفرهم {ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} [النساء: 153]، العجل إلهاً وعبدوه، {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} [النساء: 153]، ما نفعتهم البينات والمعجزات أيضاً من نتائج الكفر، من طبع كافراً ولو يرى الله جهرة فإنه لا يؤمن به، ومن طبع مؤمناً عند رشاش النور بإصابته فإنه يؤمن بنبي لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة أو بينة، كما كان الصديق رضي الله عنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ولا المعجزة فقد آمن به، ثم قال تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 153]؛ وهو ظاهر الآيات التسع، وفي الباطن برهاناً من وارد الحق، مظهراً ما تعجز النفس عن تكذيبه، والسلطان المبين الحق الظاهر بحيث لا يحتجب بشيء ولا يحجبه شيء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):