٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
153
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود، فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح. وقيل: طلبوا أن ينزل عليهم كتاباً من السماء إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب التعنت. ثم قال تعالى: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ } وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت. واعلم أن المقصود من الآية بيان ما جبلوا عليه من التعنت، كأنه قيل: إن موسى لما نزل عليه كتاب من السماء لم يكتفوا بذلك القدر، بل طلبوا منه الرؤية على سبيل المعاينة، وهذا يدل على أن طلب هؤلاء لنزول الكتاب عليهم من السماء ليس لأجل الاسترشاد بل لمحض العناد. ثم قال تعالى: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ } وهذه القصة قد فسرناها في سورة البقرة، واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية قد أجبنا عنه هناك. ثم قال تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين، والمراد بالبينات من قوله {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } أمور: أحدها: أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة بينات، فإن الصاعقة وإن كانت شيئاً واحداً إلاّ أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه، وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوّة. وثانيها: أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة وإحياؤهم بعد ما أماتهم. وثالثها: أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان فرعون، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة، والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً، فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة، ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق. ثم قال: {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ } يعني لم نستأصل عبدة العجل {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التنبيه، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم: فأحدها: أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم، وفيه وجوه: الأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين. ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق. الثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين. الثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ }. وثانيها: قوله: {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً } ومضى بيانه في سورة البقرة. وثالثها: قوله {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {لاَ تَعْدُواْ فِى ٱلسَّبْتِ }، فيه وجهان: الأول: لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي: يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان، أي ظلمه وجاوز الحد، ومنه قوله {أية : فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً } تفسير : [الأنعام: 108] الثاني: لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر، والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت، كأنه قال لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق. المسألة الثانية: قرأ نافع {لاَ تَعْدُواْ } ساكنة العين مشددة الدال، وأراد: لا تعتدوا، وحجته قوله {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ } تفسير : [البقرة: 65] فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة، وقيل لهم، ويقولون: إن المد يصير عوضاً عن الحركة، وروى ورش عن نافع {لاَ تَعْدُواْ } بفتح العين وتشديد الدال، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين، والباقون {تَعْدُواْ } بضم الدال وسكون العين حقيقة. المسألة الثالثة: قال القفال: الميثاق الغليظ هو العهد المؤكد غاية التوكيد، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة.
القرطبي
تفسير : سألت اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدّعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة؛ تعنتا له صلى الله عليه وسلم؛ فأعلم الله عز وجل أن آباءهم قد عنتوا موسى عليه السلام بأكبر من هذا {فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي عِياناً؛ وقد تقدّم في «البقرة». و «جهرة» نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة؛ فعوقبوا بالصاعقة لِعظم ما جاءوا به من السؤال والظلم من بعد ما رأُوا من المعجزات. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} في الكلام حذف تقديره: فأحييناهم فلم يبرحوا فٱتخذوا العجل؛ وقد تقدّم في «البقرة» ويأتي ذكره في «طه» إن شاء الله. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي البراهين والدّلالات والمعجزات الظاهرات من اليد والعصا وفَلْق البحر وغيرها بأنه لا معبود إلا الله عز وجل. {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} أي عما كان منهم من التعنت. {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بيّنة وهي الآيات التي جاء بها؛ وسميت سلطاناً لأن من جاء بها قاهر بالحجة، وهي قاهرة للقلوب، بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها.
ابن كثير
تفسير : قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء؛ كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة، قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفاً من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك؛ كما هو مذكور في سورة سبحان {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا} تفسير : [الإسراء: 90] الآيات، ولهذا قال تعالى: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تفسير : [البقرة: 55 ـ 56]. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي: من بعدما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى عليه السلام في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيراً، حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] الآيتين، ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف، وفي سورة طه، بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله عز وجل، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه، أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضاً، ثم أحياهم الله عز وجل، وقال الله تعالى: {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} ثم قال: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ} وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى عليه السلام، ورفع الله على رؤوسهم جبلاً، ثم ألزموا، فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} تفسير : [الأعراف: 171] الآية، {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجداً، وهم يقولون: حطة، أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى ٱلسَّبْتِ} أي: وصيناهم بحفظ السبت، والتزام ما حرم الله عليهم، ما دام مشروعاً لهم {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَـٰقاً غَلِيظاً} أي: شديداً، فخالفوا وعصوا، وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله عز وجل؛ كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} تفسير : [الأعراف: 163] الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء: 101] وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْئَلُكَ } يا محمد {أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ } اليهود {أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰباً مِّنَ ٱلسَّمَاء } جملةً كما أنزل الله على موسى تعنتا فإن استكبرت ذلك {فَقَدْ سَأَلُواْ } أي آباؤهم {مُوسَىٰ أَكْبَرَ } أعظم {مِن ذٰلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً } عياناً {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ } الموت عقاباً لهم {بِظُلْمِهِمْ } حيث تعنتوا في السؤال {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ } إلهاً {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ } المعجزات على وحدانية الله {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ } ولم نستأصلهم {وَءَاتَيْنَا مُوسىٰسُلطَانَاً مُّبيناً} تسلطاً بيناً ظاهراً عليهم حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة فأطاعوه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } هم اليهود سألوه صلى الله عليه وسلم أن يرقى إلى السماء وهم يرونه، فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدّعيه يدل على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى التوراة تعنتاً منهم، أبعدهم الله، فأخبره الله عزّ وجلّ بأنهم قد سألوا موسى سؤالاً أكبر من هذا السؤال، فقالوا: {أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } أي: عياناً، وقد تقدّم معناه في البقرة، وجهرة نعت لمصدر محذوف، أي: رؤية جهرة. وقوله: {فَقَدْ سَأَلُواْ } جواب شرط مقدّر، أي: إن استكبرت هذا السؤال منهم لك، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } هي النار التي نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم، والباء في قوله: {بِظُلْمِهِمْ } للسببية، أي: بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عياناً في هذه الحالة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة. ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة، فقد غلط غلطاً بيناً، ثم لم يكتفوا بهذا السؤال الباطل الذي نشأ منهم بسبب ظلمهم بعد ما رأوا المعجزات، بل ضموا إليه ما هو أقبح منه، وهو عبادة العجل. وفي الكلام حذف والتقدير: فأحييناهم فاتخذوا العجل. والبينات: البراهين، والدلائل، والمعجزات من اليد، والعصا، وفلق البحر وغيرها {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ } أي: عما كان منهم من التعنت، وعبادة العجل، {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} أي: حجة بينة وهي: الآيات التي جاء بها، وسميت سلطاناً؛ لأن من جهر بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه له بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم، فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ } أي: بسبب ميثاقهم ليعطوه؛ لأنه روى أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى، فرفع الله عليهم الطور فقبلوها. وقيل: إن المعنى بسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ منهم، وهو العمل بما في التوراة، وقد تقدّم رفع الجبل في البقرة، وكذلك تفسير دخولهم الباب سجداً: {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى ٱلسَّبْتِ } فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان، وقد تقدّم تفسير ذلك، وقرىء "لا تعتدوا"، وتعدّوا بفتح العين، وتشديد الدال {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } مؤكداً، وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة. وقيل: إنه عهد مؤكداً باليمين، فسمي غليظاً لذلك. قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } ما مزيدة للتوكيد، أو نكرة، ونقضهم بدل منها، والباء متعلقة بمحذوف، والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. وقال الكسائي: هو متعلق بما قبله والمعنى: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } قال: ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة بسببه بما بعده من نقضهم ميثاقهم، وقتلهم الأنبياء وما بعده. وأنكر ذلك ابن جرير الطبري وغيره؛ لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء، ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم بالبهتان. قال المهدوي وغيره: وهذا لا يلزم لأن يجوز أن يخبر عنهم، والمراد آباؤهم، وقال الزجاج: المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم؛ لأنه هذه القصة ممتدة إلى قوله: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } تفسير : [النساء: 160] ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم. وقيل المعنى: فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلاً، والفاء في قوله: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ } مقحمة. قوله: {وَكُفْرِهِم بَـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } معطوف على ما قبله، وكذا قوله: {وَقَتْلِهِمُ }، والمراد بآيات الله كتبهم التي حرّفوها، والمراد بالأنبياء الذين قتلوهم يحـيى، وزكرياء. وغلف جمع أغلف، وهو المغطى بالغلاف، أي: قلوبنا في أغطية، فلا تفقه ما تقول: وقيل: إن غلف جمع غلاف، والمعنى: أن قلوبهم أوعية للعلم، فلا حاجة لهم إلى علم غير ما قد حوته قلوبهم، وهو كقولهم: {أية : قُلُوبَنَا في أَكِنَّةٍ } تفسير : [فصلت: 5] وغرضهم بهذا ردّ حجة الرسل. قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } هذه الجملة اعتراضية، أي: ليس عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفاً بحسب مقصدهم الذي يريدونه، بل بحسب الطبع من الله عليها. والطبع: الختم، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة، وقوله: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: هي مطبوع عليها من الله بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، أو إلا قليلاً منهم كعبد الله بن سلام، ومن أسلم معه منهم، وقوله: {وَبِكُفْرِهِمْ } معطوف على {قولهم}، وإعادة الجار لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفراً بعد كفر. وقيل: إن المراد بهذا الكفر: كفرهم بالمسيح، فحذف لدلالة ما بعده عليه. قوله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً } هو رميها بيوسف النجار، وكان من الصالحين. والبهتان: الكذب المفرط الذي يتعجب منه. قوله: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } معطوف على ما قبله، وهو من جملة جناياتهم وذنوبهم لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه، وافتخروا بقتله، وذكروه بالرسالة استهزاء؛ لأنهم ينكرونها، ولا يعترفون بأنه نبيّ، وما ادّعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته، وإيضاح حقيقته الانجيل، وما فيه هو من تحريف النصارى، أبعدهم الله، فقد كذبوا وصدق الله القائل في كتابه العزيز: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ } والجملة حالية، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه {وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } أي: ألقى شبهه على غيره. وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه، وقتلوا الذين قتلوه، وهم شاكون فيه: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أي: في شأن عيسى، فقال بعضهم: قتلناه، وقال من عاين رفعه إلى السماء ما قتلناه، وقيل: إن الاختلاف بينهم، هو أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لا هوته، وقالت الملكانية: وقع القتل والصلب على المسيح بكماله ناسوته ولاهوته، ولهم من جنس هذا الاختلاف كلام طويل لا أصل له، ولهذا قال الله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكّ مّنْهُ } أي: في تردّد لا يخرج إلى حيز الصحة، ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم متردّدون مرتابون في شكهم يعمهون، وفي جهلهم يتحيرون، و {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ } من زائدة لتوكيد نفي العلم، والاستثناء منقطع، أي: لكنهم يتبعون الظن. وقيل: هو بدل بما قبله. والأوّل أولى. لا يقال إن اتباع الظنّ ينافي الشكّ الذي أخبر الله عنهم بأنهم فيه، لأن المراد هنا بالشك: التردد كما قدمنا، والظنّ نوع منه، وليس المراد به هنا: ترجح أحد الجانبين. قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } أي: قتلاً يقيناً على أنه صفة مصدر محذوف، أو متيقنين على أنه حال، وهذا على أن الضمير في قتلوه لعيسى، وقيل: إنه يعود إلى الظن، والمعنى: ما قتلوا ظنهم يقيناً كقولك قتلته علماً إذا علمته علماً تاماً. قال أبو عبيدة: ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقيناً لقال وما قتلوه فقط. وقيل المعنى: وما قتلوا الذي شبه لهم. وقيل المعنى: بل رفعه الله إليه يقيناً، وهو خطأ؛ لأنه لا يعمل لا بعد بل فيما قبلها. وأجاز ابن الأنباري نصب يقيناً بفعل مضمر هو جواب قسم، ويكون {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } كلاماً مستأنفاً ولا وجه لهذه الأقوال، والضمائر قبل قتلوه وبعده لعيسى، وذكر اليقين هنا لقصد التهكم بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة. قوله: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } ردّ عليهم وإثبات لما هو الصحيح، وقد تقدم ذكر رفعه عليه السلام في آل عمران. قوله: {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، والمعنى: وما من أهل الكتاب أحد إلا والله ليؤمنن به قبل موته، والضمير في به راجع إلى عيسى، والضمير في موته راجع إلى ما دلّ عليه الكلام، وهو لفظ أحد المقدّر، أو الكتابي المدلول عليه بأهل الكتاب، وفيه دليل على أنه لا يموت يهودّي، أو نصرانيّ إلا وقد آمن بالمسيح؛ وقيل: كلا الضميرين لعيسى، والمعنى: أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن به كل كتابيّ في عصره. وقيل: الضمير الأوّل لله؛ وقيل: إلى محمد، وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير، وقال به جماعة من السلف، وهو الظاهر، والمراد الإيمان به عند نزوله في آخر الزمان، كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ } عيسى على أهل الكتاب {شَهِيداً } يشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى النصارى بالغلوّ فيه حتى قالوا هو ابن الله. وقد أخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء } إلى قوله {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، وإنما قالوا جهرة أرنا الله قال: هو مقدم ومؤخر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ } قال: جبل كانوا في أصله فرفعه الله، فجعله فوقهم كأنه ظلة، فقال: لتأخذنّ أمري أو لأرمينكم به، فقالوا نأخذه، فأمسكه الله عنهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً } قال: رموها بالزنا. وأخرج سعيد بن منصور، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال له اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال أنا، فقال: أنت ذاك فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء؛ قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه، فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية؛ وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإِسلام طامساً حتى بعث الله محمداً، فأنزل الله عليه: {فآمنت طائفة من بني إسرائيل} يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى: {وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ } يعني التي كفرت في زمن عيسى {أية : فأيدنا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} تفسير : [الصف: 14] في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين. قال ابن كثير بعد أن ساقه بهذا اللفظ عن ابن أبي حاتم قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وصدق ابن كثير، فهؤلاء كلهم من رجال الصحيح. وأخرجه النسائي، من حديث أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه. وقد رويت قصته عليه السلام من طرق بألفاظ مختلفة، وساقها عبد بن حميد، وابن جرير، عن وهب بن منبه على صفة قريبة مما في الإنجيل، وكذلك ساقها ابن المنذر عنه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } قال: لم يقتلوا ظنهم يقيناً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن جويبر، والسدّي مثله أيضاً. وأخرج الفريابـي وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: {وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال: خروج عيسى ابن مريم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق عنه في الآية قال: قبل موت عيسى. وأخرجا عنه أيضاً قال: قبل موت اليهودي. وأخرج ابن جرير عنه قال: إنه سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث سيؤمنون به. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عنه قال: ليس يهوديّ يموت أبداً حتى يؤمن بعيسى؛ قيل لابن عباس أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال يتكلم به في الهواء؛ فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه. وقد روي نحو هذا عنه من طرق، وقال به جماعة من التابعين، وذهب كثير من التابعين فمن بعدهم إلى أن المراد: قبل موت عيسى، كما روي عن ابن عباس قبل هذا، وقيده كثير منهم بأنه يؤمن به من أدركه عند نزوله إلى الأرض. وقد تواترت الأحاديث بنزول عيسى حسبما، أوضحنا ذلك في مؤلف مستقلّ يتضمن ذكر ما ورد في المنتظر والدجال والمسيح.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنْ السَّمَاءِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن اليهود سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً، كما نزل على موسى الألواح، والتوراة مكتوبة من السماء، وهذا قول السدي، ومحمد بن كعب. والثاني: أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة، تحكماً في طلب الآيات، وهذا قول الحسن، وقتادة. والثالث: أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء بتصديقه، وهذا قول ابن جريج. {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ثم كفروا بعبادة العجل. والثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم، كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم. {فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} فيه قولان: أحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة، أي معاينة. والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول أّرِنا الله، فيكون على التقديم والتأخير، وهذا قول ابن عباس. {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} فيه قولان: أحدهما: بظلمهم لأنفسهم. والثاني: بظلمهم في سؤالهم. قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِم} يعني: بالعهد الذي أخذ عليهم بعد تصديقهم بالتوراة ان يعملوا بما فيها، فخالفوا بعبادة العجل ونقضوه، فرفع الله عليهم الطور، ليتوبوا، وإلاَّ سقط عليهم فتابوا حينئذ. {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} فيه قولان: أحدهما: أنه باب الموضع الذي عبدوا فيه العجل، وهو من أبواب بيت المقدس، وهذا قول قتادة. والثاني: باب حِطَّة فأمروا بدخوله ساجدين لله عز وجل. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ} قرأ ورش عن نافع {تَعَدُّوا} بفتح العين وتشديد الدال، من الاعتداء، وقرأ الباقون بالتخفيف من عَدَوت. وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه، فيكون تعديهم فيه - على تأويل القراءة الثانية- ترك واجباته. {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} وهو ميثاق آخر بعد رفع الطور عليهم، غير الميثاق الأول. وفي قوله تعالى: {غَلِيظاً} قولان: أحدهما: أنه العهد بعد اليمين. والثاني: أن بعض اليمين ميثاق غليظ.
ابن عبد السلام
تفسير : {كِتَابًا مِّنَ السَّمَآءِ} سأله اليهود أن ينزل كتاباً مكتوباً، كما نزلت الألواح على موسى صلى الله عليه وسلم، أو سألوه نزول ذلك عليهم خاصاً تحكماً في طلب الآيات، أو سألوه أن ينزل على طائفة من رؤسائهم كتاباً بتصديقه {جَهْرَةً} معاينة، أو قالوا جهرة أرنا الله، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ. {بِظُلْمِهِمْ} لأنفسهم، أو بظلمهم في سؤالهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لا تعدوا} بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة. {بل طبع} بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة {بل رفعه} مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون {سيؤتيهم} حمزة وخلف وقتيبة. الباقون بالنون {زبوراً} بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح. الوقوف: {بظلمهم} ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد. {عن ذلك} ج لأن التقدير وقد آتينا. {مبيناً} ه {غليظاً} 5 {غلف} ط {قليلاً} ه ص للعطف. {عظيماً} ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم. {رسول الله} ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال. {شبه لهم} ط {منه} ط {الظن} ج لاحتمال الاستئناف والحال {يقيناً} ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع {إليه} ط {حكيماً} ه {قبل موته} ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود. {شهيداً} ه ج للآية ولأن قوله: {فبظلم} راجع إلى / قوله: {فبما نقضهم} {وقولهم} متعلق الكل {حرمنا}. {كثيراً} لا {بالباطل} ط {اليماً} ه {واليوم الآخر} ط {عظيماً} ه {من بعده} ج للعطف من مع تكرار الفعل. {وسليمن} ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر. {زبوراً} ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً. {عليك} ط. {تكليماً} ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح. {الرسل} ط ج {حكيماً} ه {بعلمه} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. {يشهدون} ط {شهيداً} ه {بعيداً} ه {طريقاً} ه لا {أبداً} ط {يسيراً} ه. التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح. وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله. وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل. فإن استكبرت ما سألوه {فقد سألوا} بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم {موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم. وفي قوله: {من بعد ما جاءتهم البينات} وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة. وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم. وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها. وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى عليه السلام قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق {فعفونا عن ذلك} حيث لم نستأصل عبدة العجل {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم. ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه تعالى رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق. ثم قال: {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها {فبما نقضهم} "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: {بل طبع الله عليها} ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه تعالى ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة {فلا يؤمنون إلاّ} إيماناً {قليلاً} وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} فإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون {أية : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} تفسير : [الشعراء:27] أو أنه تعالى جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة. {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه} أي المقتول {لهم} لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه. قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس. وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله تعالى عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه. وقيل: وكلوا بعيسى عليه السلام رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى. وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي. فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟ فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى. وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب {وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره. وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية. فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن. وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة. وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي. ثم قال: {وما قتلوه يقيناً} وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين. واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن {يقيناً} تأكيد لقوله: {وما قتلوه} أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: {بل رفعه الله إليه} وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: {وكان الله عزيزاً حكيماً} على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو. ثم قال: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته} فقوله: {إلاّ ليؤمنن به} جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية. التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: {أية : وما منا إلاّ له مقام معلوم} تفسير : [الصافات:164] والضمير في {به} عائد إلى عيسى، وفي {موته} إلى أحد. عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك. فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه. قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟ قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها. وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟ قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه. قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟ قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به. وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى. وقيل: الضميران في {به} وفي {موته} لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله. روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى. فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز. وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله تعالى يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في {به} يرجع إلى الله تعالى وقيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته. قوله: {فبظلم} التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم {من الذين هادوا} والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: {فبظلم من الذين هادوا} الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: {وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً} أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً. ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} تفسير : [الأنعام:146] الآية وأما في الآخرة فقوله:{وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} واعلم أن في متعلق قوله: {فبما نقضهم} وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / {فبظلم} ومتعلقه {حرمنا} وكذا متعلق المعطوفات بعده. الثاني أن متعلق الكل {حرمنا} وقوله: {فبظلم} بدل من قوله: {فبما نقضهم} قاله الزجاج. ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم. قلت: لو جعل قوله: {وأعتدنا} معطوفاً على {حرمنا} زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا. ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: {لكن الراسخون في العلم منهم} يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة {والمؤمنون} يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار. والراسخون مبتدأ و {يؤمنون} خبره. أما قوله: {والمقيمين الصلاة} ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟ الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة {والمؤتون الزكاة} رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد. فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: {أولئك} إلخ منتظر. والجواب أن الخبر {يؤمنون} ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟ الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: {إنما أنزل إليك} والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال تعالى: {أية : وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة} تفسير : [الأنبياء:73] أو الملائكة لقوله: {أية : وإنا لنحن الصافون} تفسير : [الصافات:165] واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" تفسير : اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان. ثم إنه سبحانه عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: {إنا أوحينا إليك} الآية. فبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: {والنبيين من بعده} ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة. ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: {وآتينا داود زبوراً} يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود عليه السلام. من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور. ثم قال: {ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك} والمعنى أنه تعالى إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل {وكلم الله موسى تكليماً} هذا أيضاً من تتمة الجواب. والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً {رسلاً مبشرين ومنذرين} يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا. ثم ختم الآية بقوله: {وكان الله عزيزاً حكيماً} والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية. واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف. وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع. والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض. وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد. وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة. قوله: {لكن الله يشهد} لا بد له من مستدرك لأن {لكن} لا يبتدأ به. وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: {لكن الله يشهد} بأنه نازل عليه من السماء. الثاني أنه تعالى لما قال: {إنا أوحينا إليك} قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل {لكن الله يشهد} ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك. ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: {أنزله بعلمه} أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس {والملائكة يشهدون} لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه {وكفى بالله شهيداً} وإن لم يشهد غيره {إن الذين كفروا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {وصدوا} غيرهم {عن سبيل الله} بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود {قد ضلوا ضلالاً بعيداً} لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال. {إنّ الذين كفروا وظلموا} محمداً صلى الله عليه وسلم بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم. ومعنى قوله: {ولا ليهديهم طريقاً} أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها. والعامل في {خالدين} معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين. {وكان ذلك على الله يسيراً} لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية. واللام في {الذين} إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة. وحمل المعتزلة قوله: {وظلموا} على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة. التأويل: {أرنا الله جهرة} لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره. فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك. قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات {لكن الراسخون في العلم} هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} أي كل ما أوحينا إليك من سر {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم:10] {ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل} أي ليلة المعراج {ورسلاً لم نقصصهم عليك} [النساء:164] الآن في القرآن مفصلة {أنزله بعلمه} تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون {والملائكة يشهدون} على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة {وكفى بالله شهيداً} على ما جرى. شعر : قد كان ما كان سراً لا أبوح به ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ...} الآية: قال قتادة سَأَلَتِ اليهودُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنْ يأتيهم بكتابٍ مِنْ عند اللَّه خاصٍّ لليهودِ، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم ونحوه عن ابْنِ جُرَيْجٍ، وزاد: «إلَىٰ فلان، وإلَىٰ فلانٍ أَنَّكَ رسُولُ اللَّهِ»، ثم قال سبحانه؛ علَىٰ جهة التسليَةِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ}، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه المذكورُ، تقديره: فلا تُبَالِ، يا محمد، مِنْ سؤالِهِمْ وتَشَطُّطهم؛ فإنها عادتهم، وجمهورُ المتأوِّلين علَىٰ أنَّ {جَهْرَةً} معمولٌ لـ {أَرِنَا}، أيْ: حتى نراه جهاراً، أي: عياناً، وأهلُ السُّنَّة معتقدون أنَّ هؤلاءِ لم يسألوا مُحَالاً عَقْلاً، لكنَّه محالٌ من جهة الشَّرْع؛ إذ قد أخبر تعالَىٰ علَىٰ ألسنَةِ أنبيائه أنَّهُ لاَ يُرَىٰ سبحانه في هذه الدنيا، والرؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثَابِتَةٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالخَبَرِ المُتَواتِرِ، وهي جائزةٌ عقْلاً من غير تحديدٍ، ولا تكييفَ ولا تحيُّز؛ كما هو تعالَىٰ معلومٌ لا كالمعلومات؛ كذلك هو مرئيٌّ، لا كالمرئيَّات سبحانه؛ هذه حُجَّة أهل السنة، وقولُهم، وقد تقدَّم قصص القَوْم في «البقرة»، وظلمهم: هو تعنُّتهم وسؤَالُهم ما لَيْسَ لهم أنْ يسألوه. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ}: «ثُمَّ»: للترتيب في الأخبار، لا في نَفْس الأمرِ، التقديرُ؛ ثم قَدْ كان مِنْ أمْرِهِمْ أَن اتَّخذُوا العِجْلَ، وذلك أنَّ اتخاذَ العِجْلِ كان عند أمْرِ المُضِيِّ إلى المناجاةِ، ولم يكن الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتخذ العِجْلَ، لكنَّ الذين اتَّخذوه كانوا قَدْ جاءتهم البيِّنَاتُ. وقوله سبحانه: {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ}، يعني: بما ٱمْتَحَنَهُمْ به من القَتْل لأنْفُسِهِمْ، ثم وقع العَفْوُ عن الباقِينَ منهم.
ابن عادل
تفسير : وذلك أن كَعْبَ بنَ الأشْرَف، وفنحَاصَ بن عَازُورَاء من اليَهُودِ قالا لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إن كُنْتَ نَبِيّاً فأتِنَا بكِتَابٍ جُمْلةً من السَّماءِ؛ كما أتَى [به] مُوسى – عليه السلام -، فأنزل الله – تعالى -: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. وكان هذا السُّؤال مِنْهُم تَحَكُّماً واقْتِرَاحاً، لا سُؤال انْقِيَادٍ، واللَّه - تعالى - لا يُنَزِّل الآيَاتِ على اقْتِرَاحِ العِبَادِ، والمَقْصُود من الآيَةِ: بيان ما جَبِلوا عليه من التَّعنُّتِ؛ كأنه قِيلَ: إن مُوسَى لمَّا نزلَ عليه كِتَابٌ من السَّمَاءِ، لم يكْتَفُوا بِذلكَ القَدْر، بل طَلَبُوا مِنْهُ الرُّؤيَة على سَبِيلِ المُعَايَنَةِ، فكان طَلَبُ هؤلاءِ الكِتَاب لَيْس لأجْلِ الاسْتِرْشَادِ، بل لمَحْضِ العِنَادِ. قوله: "فَقَدْ سَأَلُوا": في هذه الفاءِ قولان: أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطيَّة: "تقديره: فلا تبال، يا محمَّد، بسؤالِهِم، وتشطيطهم، فإنها عادُتُهمْ، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدَّر، قاله الزمخشريُّ أي: إن استكْبَرْتَ ما سألوه منْكَ، فقد سَألُوا"، و"أكْبَرَ" صفةٌ لمحذوف، أي: سؤالاً أكْبَرَ من ذَلِكَ، والجمهور: "أكبرَ" بالباء الموحدة، والحسن "أكْثَرَ" بالثاء المثلثة. ومعنى "أكْبَر" أي: أعْظَم من ذَلِك، يعني: السَّبْعِين الَّذِين خَرَجَ بِهِمْ [مُوسَى] إلى الجَبَلِ، {فقالُوا: أرِنا اللَّه جَهْرَةً } أي: عِياناً، فقولهم: "أرِنَا" جُمْلَة مفَسِّرة لِكبَرِ السُّؤال، وعِظَمِه. [و"جَهْرَةَ" تقدَّم الكلام عليها، إلا أنه هنا يجوز أن تكون "جَهْرَةً" من صفةِ القوْلِ، أو السؤالِ، أو مِنْ صفةِ السائلين، أي: فقالوا مجاهِرِين، أو: سألوا مجاهرينَ، فيكونُ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، أو على المَصْدر، وقرأ الجمهور "الصَّاعِقَةُ". وقرأ النَّخَعِيُّ: "الصَّعْقَةُ" وقد تقدَّم تحقيقه في البقرة والباء في "بِظُلْمِهِمْ" سببيةٌ، وتتعلَّق بالأخْذ]. قوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} يعنى: إلهاً، {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} وهي الصَّاعِقَة، وسمَّاها بَيِّنَاتٍ - وإن كَانَتْ شَيْئاً وَاحِداً؛ لأنها دالَّةٌ على قُدْرَة الله - تعالى -، وعلى عِلْمهِ وعلى قدمِهِ، وعلى كَوْنهِ مُخَالِفاً للأجْسَامِ والأعْرَاضِ، وعلى صِدْق مُوسَى. وقيل: "البَيِّنَات" إنْزَال الصَّاعِقَةِ وإحْيَاؤُهُم بعد إمَاتَتِهم. وقيل: المُعْجِزَاتُ التي أظْهَرَها لِفِرْعَوْن، وهي العَصَا، واليَدُ البَيْضَاءُ، وفَلْقُ البَحْرِ، وغيرها من المُعْجِزَات القاهرة. ثم قال: {فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ} ولم نَسْتَأصِلْهُم. قيل: هذا اسْتِدْعَاءٌ إلى التَّوْبَة، مَعْنَاه: أن أولئك الَّذِين أجْرَمُوا تَابُوا، فَعَفَوْنَا عَنْهُم، فتُوبوا أنْتُم حتى نَعْفُوا عَنْكُم. وقيل: مَعْنَاه: أن قَوْم مُوسَى - وإن كَانُوا قَدْ بَالَغُوا في اللِّجَاجِ والعِنَادِ، لكنا نَصَرْنَاهُ وقَرَّبْنَاهُ فعَظم أمْرُه وضَعُفَ خَصْمُه، وفيه بِشَارَةٌ للرَّسُول – عليه الصلاة والسلام – على سبيلِ التَّنْبِيهِ والرَّمْزِ، وهو أنَّ هؤلاء الكُفارِ وإن كانوا يُعَانِدُونه – فإنَّه بالآخِرَة يَسْتَوْلي عَلَيْهم ويَقْهَرُهُم. ثم قال [- تعالى -]: {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي: حُجَّة بَيِّنَة، وهي الآيات السَّبْع. قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} [في "فوقهم": وجهان: أظهرهما أنه متعلق بـ "رَفَعْنا"، وأجاز أبو البقاء وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور. و"بميثاقهم" متعلقٌ أيضاً بالرفع، والباءُ للسببية، قالوا: وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: بنقض ميثاقهم]. [و] قال بَعْضُ المفَسِّرين: إنهم امْتَنَعُوا من قُبُول شَرِيعَة التَّوْرَاةِ، ورفع الله الجَبَل فَوْقَهُم حَتَّى قَبِلُوا، والمعنَى: ورفَعْنَا فَوْقَهُم الطُّورَ؛ لأجْلِ أن يُعْطُوا المِيثَاقَ بقُبُول الدِّين. وقال الزمخشريُّ: "بِمِيثَاقِهِمْ: بسبب ميثاقهم؛ ليخافوا فلا ينقضُوه" وظاهر هذه العبارة: أنه لا يُحْتَاجُ إلى حذْفِ مضاف، بَلْ أقول: لا يجُوزُ تقدير هذا المضافِ؛ لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق، فرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ عليهم؛ عقوبةً على فعلِهِمُ النقضَ، والقصةُ تقتضي أنَّهم هَمُّوا بنقضِ الميثاق، فرفعَ اللَّهُ عليهم الطُور، فخافُوا فلم يَنْقُضُوهُ، [وإن كانوا قد نَقَضُوه] بعد ذلك، وقد صَرَّحَ أبو البقاء بأنهم نقضوا الميثاقَ، وأنه تعالى رفع الطُّور عقوبةً لهم فقال: "تقديرُه: بنَقْضِ ميثاقِهِمْ، والمعنى: ورَفَعْنَا فوقَهُمُ الطُّور؛ تخْويفاً لَهُمْ بسبب نقْضِهِم الميثاق"، وفيه ذلك النظرُ المتقدِّم، ولقائلٍ أن يقول: لمَّا هَمُّوا بنقْضه وقاربوه، صحَّ أن يقال: رَفَعْنَا الطُّورَ فوقهم؛ لنقضهم الميثاق، أي: لمقاربتهم نقضَهُ، لأنَّ ما قارب الشيء أعْطِيَ حكمَه؛ فتصِحُّ عبارةُ مَنْ قدَّر مضافاً؛ كأبي البقاء وغيره. وقال بَعْضُ المُفَسِّرين: إنَّهُم أعْطوا المِيثَاقَ على أنهم إن هَمُّوا بالرُّجُوع عن الدِّينِ، فاللَّهُ - تعالى - يُعَذِّبهم بأيِّ أنْواعِ العذابِ، أراد: فَلَمَّا هَمُّوا بَتَرْكِ الدِّينِ، أظَلَّ اللَّهُ الطُّورَ عَلَيْهِم. والميثاق مصدر مضاف لمفعوله، وقد تقدَّم في البقرة الكلام على قوله {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}، و"سُجَّداً" حالٌ من فاعل "ادْخُلُوا". قوله: "لاَ تَعْدُوا" قرأ الجمهور: "تَعْدُوا" بسكون العين، وتخفيف الدال مِنْ عَدَا يَعْدُو، كَغَزَا يَغْزُو، والأصل: "تَعْدُوُوا" بواوين: الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلتِ الضمة على لام الكلمة، فحُذِفَتْ، فالتقى بِحَذْفِها ساكنان، فحُذِفَ الأوَّل، وهو الواو الأولى، وبقيتْ واو الفاعلين، فوزنه: تَفْعُوا ومعناه: لا تعْتَدُوا ولا تَظْلِمُوا باصْطِيَاد الحِيتانِ فيه. قال الوَاحِدِي: يُقال: عَدَا عليه أشَدَّ العَدَاءِ [والعَدْو] والعُدْوَان، أي: ظَلَمَه، وجَاوَز الحَدَّ؛ ومنه قوله: {أية : فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 108] وقيل: {لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} من العَدْوِ بمعْنَى الحُضْرِ، والمُرَادُ به النَّهْي عن العَمَل والكَسْبِ يَوْم السَّبْتِ؛ كأنه قِيل: اسْكُنُوا عَنِ العَمَلِ في هَذَا اليَوْم واقْعُدوا في مَنَازِلِكُم [فأنا الرَزَّاق]. وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع: فرَوَوْا عنه تارةً بسكون العين سكوناً محضاً، وتارةً إخفاء فتحة العين، فأما قراءة نافع، فأصلها: تَعْتَدُوا، ويدلُّ على ذلك إجماعُهُمْ على: {أية : ٱعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} تفسير : [البقرة: 65] كونه من الاعتداء، وهو افتعالٌ من العدوان، فأُريد إدغامُ تاء الافتعال في الدالِ، فنُقِلتْ حركتُها إلى العين، وقُلبت دالاً وأدغمت. وهذه قراءةٌ واضحةٌ، وأما ما يُروَى عن قالون من السكُون المحْضِ، فشيءٌ لا يراه النحْويُّون؛ لأنه جَمْعٌ بين ساكنينِ على غير حَدِّهما، وأمَّا الاختلاسُ فهو قريب للإتيان بحركة ما، وإن كانت خفيَّةً، إلا أنَّ الفتحة ضعيفةٌ في نَفْسِهَا، فلا ينبغي أن تُخْفَى لِتُزادَ ضعفاً؛ ولذلك لم يُجز القراءُ رَوْمَهَا وقْفاً لضعفِها، وقرأ الأعمش: "تَعْتَدُوا" بالأصل الذي أدغَمُه نافع. ثم قال {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} قال القفال: المِيثَاقُ الغَلِيظُ: هو العَهْدُ المؤكَّدُ غَايَة التَّوْكِيدِ. قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ}: في "مَا" هذه وجهان: أحدهما: أنها زائدةٌ بين الجارِّ ومجروره تأكيداً. والثاني: أنها نكرة تامَّة، و"نَقْضِهِمْ" بدلٌ منه، وهذا كما تقدَّم في [قوله] {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 159]. و"نَقْضِ" مصدرٌ مضاف لفاعله، و"مِيثَاقَهُمْ" مفعوله، وفي متعلَّق الباءِ الجارةِ لـ "مَا" هذه وجهان: أحدهما: أنه "حَرَّمْنَا" المتأخِّر في قوله: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا} تفسير : [النساء: 160] وعلى هذا، فيقال: "فَبِظُلْمٍ" متعلِّق بـ "حَرَّمْنَا" أيضاً، فيلزم أن يتعلق حرفاً جَرٍّ متحدانِ لفظاً ومعنًى بعاملٍ واحدٍ؛ وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل، وأجابوا عنه بأن قوله "فَبِظُلْمٍ" بدل من قوله "فبمَا" بإعادة العامل، فيقال: لو كان بدلاً لما دخلَتْ عليه فاءُ العطف؛ لأن البدل تابعٌ بنفسه من غير توسُّطِ حرفِ عطفٍ، وأُجيبَ عنه بأنه لمَّا طالَ الكلام بين البدل والمبدلِ منه، أعادَ الفاءَ للطُّولِ، ذكر ذلك أبو البقاء والزَّجَّاج والزمخشريُّ وأبو بَكْرٍ وغيرهم. ورَدَّه أبو حيان بما معناه أنَّ ذلك لا يجوز لطُول الفصْل بين المبدَلِ والبدل، وبأنَّ المعطوفَ على السببِ سببٌ، فيلزمُ تأخُّرُ بعضِ أجزاءِ السبب الذي للتحريم في الوقتِ عن وقت التحريم؛ فلا يمكنُ أن يكون سبباً أو جزء سببٍ إلا بتأويلٍ بعيدٍ، وذلك أن قولهم: {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلمَسِيحَ} وقولهم على مريم البهتان إنما كان بعد تحْريم الطيبات، قال: "فالأوْلَى أن يكونَ التقدير: لَعَنَّاهُمْ، وقد جاء مصرَّحاً به في قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم". والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، فقدَّره ابنُ عطيَّة: لعنَّاهُمْ وأذْلَلْنَاهُمْ وختمنا على قلُوبهم، قال: "وحَذْفُ جواب مثْلِ هذا الكلام بليغٌ"، وتسميةُ مثل هذا "جَوَاب" غيرُ معروف لغةً وصناعةً، وقدَّره أبو البقاء: "فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ طُبعَ على قُلُوبِهِمْ، أوْ لُعِنُوا، وقيل: تقديرُه: فبما نقضهِمْ لا يُؤمِنُونَ، والفاءُ زائدةٌ". [أي: في قوله تعالى {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}]. انتهى. وهذا الذي أجازه أبو البقاء تَعَرَّضَ له الزمخشريُّ، وردَّه، فقال: "فإن قلْتَ: فهلاَّ زَعَمْتَ أنَّ المحذوفَ الذي تعلَّقَتْ به الباء ما دَلَّ عليه قوله "بَلْ طَبَعَ اللَّهُ، فيكون التقديرُ: فبمَا نقضِهِمْ طَبَعَ اللَّهُ على قُلُوبِهِمْ، بل طَبَعَ الله عَلَيْهَا بكُفْرهِمْ قلت: لم يصحَّ لأن قوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم} ردٌّ وإنكارٌ لقولهم: "قُلوبُنَا غُلْفٌ"، "فكانَ متعلِّقاً به"، قال أبو حيان: "وهو جوابٌ حسنٌ، ويمتنعُ من وجهٍ آخر، وهو أنَّ العطفَ بـ "بَلْ" للإضرابِ، والإضرابُ إبطالٌ، أو انتقالٌ، وفي كتاب الله في الإخبار لا يكون إلا للانتقالِ، ويُسْتفادُ من الجملةِ الثانية ما لا يُسْتفاد من الأولى، والذي قَدَّره الزمخشريُّ لا يَسُوغُ فيه الذي قرَّرناه؛ لأنَّ قوله: فَبِمَا نَقْضِهِم ميثَاقَهُمْ وَكُفْرهِمْ بآياتِ الله وقوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا هو مدلولُ الجمْلة التي صَحبتها "بَلْ"، فأفادت الثانِيَة ما أفَادَتِ الأولَى، ولو قُلْت: مرَّ زَيْد بِعَمْرو، بل مَرَّ زَيْدٍ بعمرٍو، لم يَجُزْ". وقَدَّرَهُ الزمَخْشَرِي: فَعَلْنَا بِهِم ما فَعَلْنَا، وتقدَّم الكَلاَم على الكُفْرِ بآيَاتِ اللَّهِ، وقَتْلِهِم الأنْبِيَاءَ بغَيْرِ حَقٍّ في البَقَرة. وأمَّا قولُهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع غِلاَفٍ، والأصل "غُلُفٌ" بتحريك اللاَّم، وخُفِّفَ كما قِيلَ بالتَّسْكِين؛ ككُتْب وَرُسْل بتَسْكِين التاءِ والسِّين والمَعْنَى على هذا: أنهم قالوا: قُلُوبُنَا غُلْف، أي: أوْعِيَةٌ للعِلْمِ، فلا حَاجَة بِنَا إلى عِلْمٍ سِوَى ما عِنْدَنَا، فكَذَّبُوا الأنْبِيَاء بهَذَا القَوْلِ. وقيل: إن غُلْفاً جَمْع أغْلَف وهو المغَطَّى بالغلافِ، أي: بالغِطَاءِ، والمَعْنَى على هذا: أنَّهمُ قالُوا: قُلُوبُنَا في أغْطِيَةٍ، [فَهي] لا تَفْقَهُ ما تَقُولُون؛ نظيره قولُهُم: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت: 5]. قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا} هذا إضرابٌ عن الكلام المتقدِّم، أي: ليس الأمرُ كما قالوا من قولهم: "قُلُوبُنَا غُلْفٌ"، وأظهرَ القرَّاءُ لامَ بَلْ في "طَبَعَ" إلا الكسائي، فأدغم من غيرِ خلاف، وعن حمزة خلاف، والباء في "بِكُفرهِمْ" يُحتمل أن تكون للسببية، وأن تكون للآلة؛ كالباء في "طَبَعْتُ بالطِّينِ على الْكِيسِ" يعني أنه جعل الكُفْر كالشيء المطْبُوع به، أي: مُغَطِّياً عليها، فيكونُ كالطابع، وقوله: "إِلاَّ قَلِيلاً" يحتملُ النصبَ على نعت مصدر محذوف، أي: إلا إيماناً قليلاً وهو إيمانُهُم بمُوسَى والتَّوراة فقط، وقد تقدم أن الإيمَانَ بالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كُفْرٌ، ويُحْتَمل كَوْنُه نَعْتاً لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أي: زَمَاناً قَلِيلاً، ولا يجُوزُ أن يكُون مَنْصُوباً على الاسْتِثْنَاءِ من فَاعِل "يؤمنُونَ" أي: إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُم فإنَّهُم يُؤمِنُون؛ لأنَّ الضَّمِير في "لاَ يُؤمِنُونَ" عائدٌ على المَطْبُوعِ على قُلُوبهم، ومن طُبعَ على قَلْبِه بالكُفْرِ، فلا يَقَعُ مِنْهُ الإيمانُ. [والجواب أنَّه مِنْ إسنادِ مَا للبعض للكُلِّ، أي: في قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فتأمّل]. وقال البغوي: "إِلاَّ قَلِيلاً" يعني: ممَّن كَذَّب الرُّسُل [لا] من طُبِعَ على قَلْبِهِ؛ لأنَّ من طَبَعَ الله على قَلْبِه، لا يُؤمِنُ أبَداً، وأرَادَ بالقَلِيلِ: عَبْد الله بن سَلاَم وأصْحَابه. قوله: "وبكُفْرهِمْ": فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوفٌ على "مَا" في قوله: "فَبِمَا نَقضهِمْ" فيكونُ متعلِّقاً بما تعلَّق به الأول. الثاني: أنه عطفٌ على "بِكُفرِهِمْ" الذي بعد "طَبَعَ"، وقد أوضح الزمخشريُّ ذلك غايةَ الإيضاح، واعترضَ وأجابَ بأحسنِ جواب، فقال:"فإنْ قلْتَ: علامَ عَطَفَ قوله "وَبكُفْرِهِمْ"؟ قلتُ: الوجهُ أن يُعْطَفَ على "فَبِمَا نَقْضِهمْ"، ويُجْعَلَ قولُه: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} كلاماً يَتْبَع قوله: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} على وجه الاستطراد، ويجوزُ عطفه على ما يليه من قوله "بِكُفْرِهِمْ"، فإن قلت: فما معنى المجيءِ بالكُفْر معطوفاً على ما فيه ذِكْرُهُ؟ سواءٌ عطف على ما قبل الإضْراب، أو على ما بعده، وهو قوله: {وَكُفْرِهِمْ بآيَاتِ الله}، وقوله "بِكُفْرِهمْ"؟ قُلْتُ: قد تكرر منهم الكُفْر؛ لأنهم كفروا بموسَى، ثم بعيسى، ثم بمحمدٍ، فعطف بعض كُفْرِهِمْ على بعض، أو عَطَفَ مجموعَ المعطوفِ على مجموعِ المعطوف عليه؛ كأنه قيل: فبجمْعِهِمْ بين نقضِ الميثاقِ، والكُفْرِ بآيات الله، وقتلِ الأنبياء، وقولهم: قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وجمعهم بين كفرِهمْ وبَهْتِهِمْ مريم وافتخارهم بقتلِ عيسى؛ عاقبناهم، أو بلْ طَبَع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم كذا وكذا". قوله: [{وَبِكُفْرِهِمْ وَقولِهِمْ عَلَى مَرْيم}] "بُهْتَاناً [عظيماً]" في نصب ["بُهْتَاناً"] خمسةُ أوجه: أظهرُها: أنه مفعولٌ به؛ فإنه مُضَمَّنٌ معنى "كَلاَم"؛ نحو: قُلْتُ خُطْبَةٌ وشِعْراً. الثاني: أنه منصوبٌ على نوع المصدر، كقولهم: "قَعَدَ القُرْفُصَاءَ" يعني: أن القول يكون بُهتاناً وغير بهتان. الثالث: أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف، أي: قولاً بُهْتَاناً، وهو قريبٌ من معنى الأول. الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه، أي: بَهَتُوا بُهْتَاناً. الخامس: أنه حال من الضميرِ المجْرور في قولهم، أي: مُبَاهِتينَ، وجازَ مجيءُ الحال من المضاف إليه؛ لأنه فاعلٌ معنًى، والتقديرُ: وبأن قالوا ذلك مباهتين. فصل في المقصود بالبهتان والمراد بالبُهْتَانِ: أنَّهُم رموا مَرْيَم بالزِّنَا، لأنَّهم أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - على خَلْقِ الوَلَدِ من غير أبٍ، ومُنْكِرُ قُدْرَةِ الله على ذلك كَافِرٌ؛ لأنه يَلْزَمُ أن يقُول: كُلُّ ولَدٍ مَسْبُوقٍ بوَالِدٍ لا إلى أوَّل، وذَلِك يُوجِبُ القَوْل بِقِدَم العَالَمِ والدَّهْرِ، والقَدْحُ في وجُود الصَّانِعِ المُخْتَار، فالقَوْمُ أولاً أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - علَى خَلْقِ الوَلَدِ من غَيْر أبٍ، وثانياً: نَسَبُوا مَرْيَم إلى الزِّنَا. فالمراد بقوله: "وَبِكُفْرِهِم" هو إنْكَارُهُم قُدْرَة الله - تعالى -، وبقوله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} نِسْبَتُهُم إيّاهَا إلى الزِّنَا، ولمَّا حَصَل التغَيُّر حسن العَطْف، وإنما صار هذا الطَّعْنُ بُهْتاناً عَظِيماً؛ لأنه ظَهَر عند ولادَةَ عِيسَى - عليه السلام - [من] الكَرَامَاتِ والمُعْجِزَاتِ، ما دَلَّ على بَرَاءَتِها من كُلِّ عَيْبٍ، نحو قوله: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا} تفسير : [مريم: 25] وكلام عيسى – [عليه السلام] – طفْلاً مُنْفصِلاً عن أمِّهِ، فإنَّ كُلَّ ذلك دَلاَئِل قاطِعَةٌ على بَراءة مَرْيَم - [عليها السلام] - من كل رِيبَةٍ، فلا جَرَم وَصَف اللَّهُ - [تعالى] - [طَعْنَ] اليهُود فيها بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. واعلم أنَّه لما وَصَفَ طَعْن اليَهُود في مَرْيم بأنَّه بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، ووصَفَ طَعْن المُنَافِقِين في عَائِشَةَ بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ قال: {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 16]؛ دلَّ ذلك على أنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِين يَطْعَنُون في عَائِشَةَ، بمَنْزِلَة اليَهُودِ الَّذِين يَطْعَنُون في مَرْيم – عليها السلام -. قوله: "وَقَوْلُهُم" عَطْف على "وَكُفْرِهِم"، وكُسِرت "إنَّ" لأنَّها مُبْتَدأ بعد القَوْلِ وفَتْحهَا لُغَة. و"عِيسَى" بدلٌ من "المَسِيح"، أو عطفُ بيان، وكذلك "ابن مَرْيَم"، ويجوز أن يكونَ صفةً أيضاً، وأجاز أبو البقاء في "رَسُول الله" هذه الأوجه الثلاثة، إلا أنَّ البدل بالمشتقات قليلٌ، وقد يُقال: إنَّ "رَسُول الله" جرَى مَجْرَى الجوامدِ، وأجاز فيه أن يَنْتصبَ بإضمار "أعني"، ولا حاجةَ إليه. قوله "شُبِّهَ لَهُمْ": "شُبِّهَ" مبني للمفعول، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مسند للجارِّ بعده؛ كقولك: "خُيِّلَ إليه، ولُبِّسَ علَيْهِ" [كأنَّه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه]. والثاني: أنه مسندٌ لضمير المقْتُول الَّذِي دَلَّ عليه قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا" أي: ولكن شُبِّه لهم من قتلُوه، فإن قيل: لِمَ لا يَجُوز أن يعودَ على المسيحِ؟ فالجوابُ: أن المسيحَ مشبَّه به [لا مشبَّه]. فصل وهذا القَوْل مِنْهُم يَدُلُّ على كُفْرٍ عَظِيمٍ مِنْهُم؛ لأن قَولَهُم، فَعَلْنَا ذَلِك، يدل على رَغْبَتِهِم في قَتْلِهِ [بجدٍّ واجْتِهَادٍ]، وهذا القَدْرُ كُفْر عَظِيمٌ. فإن قِيلَ: اليَهُود كَانُوا كَافِرِين بِعيسَى – عليه السلام – أعداء لَهُ، عَامِدِين لِقَتْلِه، يسَمُّونَهُ السَّاحِرَ ابن السَّاحِرَة؛ والفاعِل ابْنَ الفاعِلة، فكيف قَالُوا: إنّا قَتلْنَا المَسيح [عيسى] ابن مَرْيَم رسُول الله؟. فالجوابُ من وَجْهَيْن: الأول: أنهم قَالُوهُ على وَجْه الاسْتِهْزَاءِ؛ كقول فِرْعَوْن: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27] وقول كُفَّار قُرَيْش لمحمد - عليه السلام -: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6]. الثاني: أنه يجُوزُ أن يَضَعَ الله الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكَانَ ذِكْرِهم القَبِيح في الحِكَايَةِ عَنْهُم؛ رفعاً لعِيسى ابن مَرْيَمِ - عليه السلام - عمَّا كَانُوا يَذْكُرُونَه به. ثم قال - تعالى -: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. واعلم أن اليَهُودَ لمَّا زعموا أنَّهُم قتلوا المسيحَ، كذَّبَهم الله في هَذِه الدَّعْوَى، فقال... الآية. فإن قيل: إذا جَازَ أن يُلقي الله - تعالى - شِبْه إنْسَانٍ على إنْسَانٍ آخر، فهذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَة، فإذا رَأيْنَا زَيْداً فَلَعَلَّهُ لَيْس بِزَيْدٍ، ولَكِنَّه ألْقَى شِبْهَ زيْد عليه، وعِنْد ذلك لا يَبْقَى الطَّلاقُ والنِّكَاحُ والمِلْكُ مَوْثُوقاً بِهِ، وأيضاً يُفْضِي إلى القَدْحِ في التَّوَاتُرِ؛ لأن خَبَر التَّواتُر إنَّما يُفِيد العِلْمَ بِشَرطِ انْتِهائِهِ إلى المَحْسُوسِ، فإذا جَوَّزْنَا حُصُول مِثْل هَذَا الشِّبْهِ في المَحْسُوسَاتِ، يُوَجَّهُ الطَّعْن في التَّوَاترُ، وذلكِ يُوجِبُ القَدْح في جَمِيع الشَّرَائع، ولَيْسَ لمُجِيبٍ أن يُجِيبَ عَنْهُ؛ بأن ذَلِك مُخْتَصٌّ بزمان الأنْبِياء – [عليهم الصلاة والسلام] -؛ لأنا نَقُول: لو صَحَّ ما ذَكَرْتُم، فذلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بالدَّليلِ والبُرْهَانِ، فمن لَمْ يَعْلَمْ ذلك الدَّلِيلَ وذلِك البُرْهَان، وجَبَ ألاَّ يَقْطَع بِشَيءٍ من المَحْسُوسَاتٍ، فَتوَجَّه الطَّعْن في التَّوَاتُر، ووَجَبَ ألاَّ يُعْتَمدُ على شَيءٍ مِنَ الأخْبَارِ المُتَوَاتِرَة. وأيضاً: ففي زَمانِنا إن انْسَدَّتِ المُعْجِزَات، فطَريقُ الكَرَامَاتِ مَفْتُوحٌ، وحينئذٍ يعُود الاحْتِمَال المَذْكُور في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، وبالجُمْلَة فَفَتْحُ هذا الباب يُوجِبُ الطَّعْنَ في التَّواتُر، والطَّعْنُ في التَّوَاتُرِ يوجب الطَّعْنَ في نُبُوَّة [جميع] الأنْبِياء - عليهم الصلاة والسلام -، وإذَا كان هذا يُوجِبُ الطَّعْنَ في الأصُولِ، كان مَرْدُوداً. فالجوابُ: قال كَثِيرٌ من المتَكَلِّمين: إن اليَهُود لمَّا قَصَدُوا قَتْلَه، رفَعَهُ الله إلى السَّمَاءِ، فخَافَ رُؤسَاءُ اليَهُودِ من وُقُوعِ الفِتْنَةِ بَيْن عَوامِّهِم، فأخَذُوا إنْسَاناً وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وألْبَسُوا على النَّاسِ أنَّه هُوَ المَسِيحُ، والنَّاسُ ما كَانُوا يَعْرِفُون المسيح إلا بالاسْمِ؛ لأنه كَانَ قَلِيلَ المُخَالطَةِ للنَّاسِ، وإذا كان اليَهُود هُم الَّذِين ألْبَسُوا على النَّاسِ، زال السُّؤالُ، ولا يُقالُ: إن النَّصَارى يَنْقُلُون عن أسْلافِهِم أنهم شَاهَدُوهُ مَقْتُولاً؛ لأن تَوَاتُرَ النَّصَارى يَنْتَهِي إلى أقْوَام قَلِيلين، لا يبْعُد اتِّفَاقُهُم على الكَذِب، وقيل غَيْر ذلِكَ، وقد تقدَّم بَقِيَّة الكلام على الأسئِلَة الوارِدَة هُنَا عِنْد قوله: {أية : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} تفسير : في سورة آل عمران [الآية: 55]. ثم قال: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} هذا الاختلافُ فيه قولان: الأول: أنَّهم هم النصَارى كُلُّهُم مُتَّفِقُون على أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ، إلا أنهم ثلاث فِرقٍ: نَسْطُورِيَّة، ومَلْكَانِية، ويعقوبية: فالنَّسْطُوريَّة: زعموا أن المَسِيحَ صُلِبَ من جِهَةِ ناسُوتهِ، لا مِنْ جهة لاهُوتِه، وهو قَوْل أكْثَر الحُكَمَاء؛ لأن الإنْسَان لَيْس عِبَارَةٌ عن هذا الهَيْكَل، بل هُوَ إمَّا جِسْمٌ شَرِيفٌ في هذا البَدَنِ، وإمَّا جَوْهَرٌ رَوْحَانِيٌّ مُجَرَّدٌ في ذاتِهِ، وهُو مُدَبِّر لهَذَا البَدَن، والقَتْلُ إنَّما وَرَدَ هلى هذا الهَيْكَل، وأمَّا حَقيقَةُ نَفْس عِيسَى، فالقَتْلُ ما وَرَدَ عَليْهَا، ولا يُقَال: كُلُّ إنْسَانٍ كَذَلِك، فما وَجْه هَذَا التَّخْصِيص؟ لأنَّا نَقُول إن نَفْسَه كَانَت قُدِسيَّةً عُلْوِيَّة سَمَاوِيَّة، شديدة الإشْرَاقِ بالأنْوَارِ الإلهِيَّة، وإذا كانت كَذَلِكَ، لَمْ يَعْظُم تَألُّمُهَا بِسَبَبِ القَتْلِ وتَخْرِيب البدن، ثم إنَّها بعد الانْفِصَالِ عن ظُلْمَةِ البَدَنِ، تَتَخَلَّصُ إلى فُسْحَة السَّمواتِ وأنوار عَالَم الجلالِ، فَتَعْظُم بَهْجَتُهَا وسَعَادَتُها هُنَاكَ، وهذه الأحْوَال غَيْرُ حَاصِلةٍ لكُلِّ النَّاسِ، وإنما حَصَلَت لأشْخَاصٍ قَلِيلِين من مَبْدَإ خَلْق آدَمَ إلى قِيَامِ القِيَامَةِ، فهذا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ. وأما الملْكَانِيَّة فَقَالُوا: القَتْل والصَّلْبُ وصَلاَ إلى اللاَّهُوت بالإحْسَاسِ والشُّعُور، لا بالمُبَاشَرَةِ. وقالت اليعقوبية: القَتْلَ والصَّلْبُ وقعا بالمسيح الذي هو جَوْهرٌ مُتَوَلِّدٌ من جَوْهَرَيْن. فهذا شرح مَذَاهِب النَّصَارَى في هذا البَابِ، وهو المُرَاد من قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ}. والمنزل الثاني: أن المُراد بـ "الَّذِين اخْتَلَفُوا فِيه" اليَهُود، وفيه وجهان: الأوَّل: أنهم لمَّا قَتَلُوا الشَّخْص المُشَبَّه به، كان المُشَبَّهُ قد ألْقِي على وَجْهِه، ولم يُلْقَ على جَسَدِهِ شِبْه جَسَد عِيسَى، فلما قَتَلُوه ونَظَرُوا إلى بَدَنِهِ، قالوا: الوجْهُ وجْهُ عِيسَى والجَسَدُ جسد غَيْرِه. والثاني: قال السُّدِّي: إن اليَهُود حَبَسُوا عِيسى - عليه السلام - مع عَشَرَةٍ من الحَوَارِيِّين في بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْه رَجُلٌ من اليَهُودِ ليُخْرِجَهُ ويَقْتلهُ، فألقى الله شِبْه عِيسَى - عليه السلام - على ذَلِك الرَّجُلِ، ورَفَع عيسى إلى السَّماء، فأخذوا ذلك الرَّجُلَ فَقَتَلُوهُ على أنَّه عيسى - عليه السلام -، ثم قالوا [إن كان هذا عِيسَى فأيْن صَاحِبُنَا، وإن كان صَاحِبُنَا فأيْن عيسى]، فَذَلِكَ اخْتِلافُهُم فِيه. قوله: {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ}: "مِنْهُ" في محلِّ جرِ صفة لـ "شَكٍّ" يتعلَّقُ بمحذوف، ولا يجوز أن تتعلَّق فَضْلةٌ بنفس "شَكٍّ"؛ لأن الشكَّ إنما يتعدَّى بـ "في" لا بـ "مِنْ"، ولا يقال: إنَّ "مِنْ" بمعنى "في"؛ فإن ذلك قولٌ مرجوحٌ، ولا ضرورة لنا به هنا. وقوله: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} يجوز في "مِنْ علمٍ" وجهان: أحدهما: أنه مرفوع بالفاعليَّة، والعاملُ أحد الجارَّيْنِ: إمَّا "لَهُمْ" وإما "به"، وإذا جُعِلَ أحدُهما رافعاً له، تعلَّق الآخرُ بما تعلَّق به الرافِعُ من الاستقرار المقدَّر، و"مِنْ" زائدةٌ لوجودِ شرطي الزيادة. والوجه الثاني: أن يكون "مِنْ علْمٍ" مبتدأ زيدت فيه "مِنْ" أيضاً وفي الخبر احتمالان: أحدهما: أن يكونَ "لَهُم" فيكون: "به": إمَّا حالاً من الضمير المستكنِّ في الخبر، والعاملُ فيها الاستقرارُ المقدَّر، وإمَّا حالاً من "عِلْمٍ"، وإنْ كان نكرةً؛ لتقدُّمها عليه، ولاعتمادِه على نَفْي، فإن قيل: يلزمُ تقدُّمُ حالِ المجرورِ بالحرفِ عليه، وهو ضرورةٌ، لا يجوزُ في سَعة الكَلاَم. فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم ذلك، بل نقل أبو البقاء وغيره؛ أنَّ مذْهَب أكثر البصريين جوازُ ذلك، ولئِنْ سلَّمْنَا أنه لا يجوز إلا ضرورةً، لكن المجرور هنا مجرورٌ بحرف جرٍّ زائدٍ، والزائدُ في حكْم المُطَّرَح، وأمَّا أن يتعلَّق بمحذوفٍ على سبيل البيانِ، أي: أعْني به، ذكره أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه، ولا يجوزُ أن يتعلق بنفس "عِلْم"؛ لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه. والاحتمال الثاني: أن يكون "به" هو الخبر، و"لَهُمْ" متعلق بالاستقرار؛ كما تقدم، ويجوز أن تكون اللام مبيِّنةً مخصَّصة كالتي في قوله: {أية : وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4]. وهذه الجملةُ المنفية تحتمل ثلاثة أوجه: الجرّ على أنها صفةٌ ثانية لـ "شَكٍّ" أي: غير معلوم. الثاني: النصب على الحال من "شَكٍّ"، وجازَ ذلك، وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِه بالوصف بقوله "مِنْه". الثالث: الاستئنافُ، ذكره أبو البقاء، وهو بعيدٌ. قوله: {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} في هذا الاستثناء قولان: أصحهما: ولم يذكر الجمهورُ غيره: أنه منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، [قال شهاب الدين:]، ولم يُقْرأ فيما علمتُ إلا بنصبِ "اتِّباع" على أصل الاستثناء المنقطِعِ، وهي لغةُ الحجاز، ويجوزُ في تميم الإبدالُ من "عِلْم" لفظاً، فيجرُّ، أو على الموضع، فيُرفَعُ؛ لأنه مرفوع المحلِّ؛ كما قدَّمته لك، و"مِنْ" زائدةٌ فيه. والثاني - قال ابن عطية -: أنه متصِلٌ، قال: "إذ العلْمُ والظنُّ يضمهما جنسُ أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظانُّ على طريق التجوُّز: "عِلْمِي في هذا الأمْرِ كَذَا" إنما يريدُ ظَنِّي" انتهى، وهذا غيرُ موافقٍ عليه؛ لأن الظنَّ ما ترجَّحَ فيه أحد الطرفَيْن، واليقينُ ما جُزِم فيه بأحدهما، وعلى تقدير التسليم فاتباعُ الظنِّ ليس من جنس العلم، بل هو غيره، فهو منقطع أيضاً، أي: ولكنَّ اتباع الظنِّ حاصلٌ لهم. ويُمْكِنُ أن يُجَابَ شهاب الدِّين عما رَدَّ به عَلَى ابن عَطِيَّة: بأن العِلْمَ قد يُطْلَقُ على الظَّنِّ، فيكون من جِنْسِهِ؛ كقوله - تعالى - {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 46] وأراد: يَعْلَمُون، وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} تفسير : [يوسف: 110] أي: تَيَقَّنُوا، وقوله: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} تفسير : [الكهف: 53] وإذا كان يَصِحُّ إطلاقُهُ عليه، صار الاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلاً. فصل في دفع شبهة لمنكري القياس احتَجَّ نُفَاةُ القِيَاسِ بهذه الآيَةِ، وقالوا: العَمَلُ بالقياسِ من اتِّبَاع الظَّنِّ، وهو مَذْمُومٌ؛ لأن الله - تعالى - ذكر اتِّبَاعَ الظَّنِّ في مَعْرِضِ الذَّمِّ هَهُنَا، وذَمَّ الكُفَّار في سُورَةِ الأنْعَامِ بقوله: {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} تفسير : [الأنعام: 116] وقال: {أية : إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس: 36] فدَلَّ ذلك على أنَّ اتِّبَاع الظَّنِّ مَذْمُومٌ. والجوابُ: لا نُسَلِّمُ أن العَمَلَ بالقِيَاسِ [من اتِّبَاع الظَّنِّ؛ فإن الدَّلِيلَ القَاطِعَ لمَّا دَلَّ على العَمَلِ بالقِيَاسِ]، كان الحُكْمُ المُسْتَفَاد من القِياسِ مَعْلُوماً لا مَظْنُوناً. قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} الضمير في "قَتَلُوهُ" فيه أقوال: أظهرها: أنه لـ "عيسى"، وعليه جمهور المفسرين. والثاني - وبه قال ابن قتيبة والفراء -: أنه يعودُ على العلم، أي: ما قتلوا العلم يقيناً، على حدِّ قولهم: "قَتَلْتُ العِلْمَ والرأي يقييناً" و "قَتَلتهُ عِلْماً"، ووجْه المجاز فيه: أن القتلَ للشيء يكون عن قَهْرٍ واستعلاءٍ؛ فكأنه قيل: وما كان علْمُهُم علْماً أُحيطَ به، إنما كان عن ظن وتخمين. الثالث – وبه قال ابن عباس والسُّدِّيُّ وطائفة كبيرة -: أنه يعود للظنِّ تقول: "قَتَلْتُ هَذَا عِلْماً وَيَقِيناً"، أي: تحقَّقت، فكأنه قيل: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم وما تحقَّقوه يقيناً، ولا قطعوا الظنَّ باليقين. قوله: "يَقيناً" فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقيناً. الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله؛ كما تقدم مجازه؛ لأنه في معناه، أي: وما تيقَّنوه يقيناً. الثالث: أنه حال من فاعل "قَتَلُوهُ"، أي: وما قتلوه متيقنين لقتله. الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ من لفظه حُذِفَ للدلالة عليه، أي: ما تيقَّنوه يقيناً، ويكون مؤكِّداً لمضمون الجملةِ المنفيَّة قبله، وقدَّر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتاً، فقال: "تقديره: تيقَّنوا ذلك يَقِيناً"، وفيه نظر. الخامس – ويُنْقَل عن أبي بَكْر بن الأنباريِّ -: أنه منصوبٌ بما بعد "بَلْ" من قوله: "رَفَعَهُ الله"، وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً، أي: بَلْ رفعه الله إليه يقيناً، وهذا قد نَصَّ الخليلُ، فمَنْ دونه على منعه، أي: أن "بَلْ" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ فينبغي ألا يَصِحَّ عنه، وقوله: {بَلْ رفَعَهُ الله إِلَيْهِ} رَدٌّ لما ادَّعَوْهُ مِنْ قتله وصلبه، والضمير في "إلَيْه" عائدٌ على "الله" على حَذْفِ مضاف، أي: إلى أسمائه ومحلِّ أمره ونهيه. فصل: إثبات المشبهة للجهة ودفع ذلك احتَجَّ المُشَبِّهَةُ بقوله – تعالى -: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} في إثْبَات الجِهَةِ. والجوابُ: أن المُراد الرَّفْعُ إلى موضعٍ لا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ غير الله - تعالى -؛ كقوله تعالى {أية : وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [آل عمران: 109] وقوله - تعالى -: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [النساء: 100]، وكانت الهِجْرَة في ذلك الوَقْت، إلى المَدِينَةِ. وقال إبراهيمُ: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الصافات: 99]. فصل: دلالة الآية على رفع عيسى عليه السلام دلت [هذه] الآيةُ على رفع عيسى - عليه السلام - إلى السَّمَاءِ، وكذلك قوله: {أية : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [آل عمران: 55]. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}، والمراد بالعِزَّة: كَمَال القُدْرَة، ومن الحِكْمَة: كمال العلم، نَبَّه بهذا على أنَّ رَفْعَ عيسى - عليه السلام - إلى السَّموات وإن [كَانَ] كالمتَعَذِّر على البَشَرِ، لَكِنَّه لا بُدَّ فيه من النِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي؛ كقوله - تعالى -: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1] فإنّ الإسْرَاء وإن كان مُتَعذِّراً بالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَة مُحَمَّدٍ، إلا أنَّه سهل بالنسْبَة إلى قُدْرة الله - تعالى -.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقِّك، فأنزل الله {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} إلى {وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله، من الله إلى فلان أنك رسول الله، وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل الله {يسألك أهل الكتاب...} الآية. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: قالت اليهود: إن كنت صادقاً أنك رسول الله، فآتنا كتاباً مكتوباً من السماء كما جاء به موسى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} أي كتاباً خاصة. وفي قوله {جهرة} أي عياناً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {فقالوا أرنا الله جهرة} قال: إنهم إذا رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله، قال: هو مقدم ومؤخر. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب. أنه قرأ "فأخذتهم الصعقة". وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فأخذتهم الصاعقة} قال: الموت، أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله أن يميتهم ثم بعثهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {رفعنا فوقهم الطور} قال: جبل كانوا في أصله، فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا: نأخذه وأمسكه الله عنهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً} قال: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} قال: أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحلت لهم ما خلا ذلك، وفي قوله {فبما نقضهم} يقول: فبنقضهم ميثاقهم {وقولهم قلوبنا غلف} أي لا نفقة {بل طبع الله عليها} يقول: لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسوله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك. وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا انتهكت الحرمة، وعمل بالمعاصي، واجترئ على الله، بعث الله الطابع فطبع على قلبه، فلا يقبل بعد ذلك شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} قال: رموها بالزنا. وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه حديث : عن علي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له". تفسير : والله تعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [الآية: 153]. قال بعضهم: قوة عظيمة على سماع المخاطبة من كلام الحق. وقيل: أعطى سلطانًا على نفسه فى مخالفتها وهو المبين الظاهر للخلق.
القشيري
تفسير : اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه: أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني عبادة العجل بعدما ظهرت لهم الآيات الباهرة. فأمّا سؤالهم الرؤية فَذُمُّوا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم بإقامة المعجزات، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم، أو على موجب التصديق به، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق، و كل ذلك سوء أدب. الإشارة فيه أيضاً أنْ مَنْ يكتفي بأن يكون العجلُ معبودَه - متى - يسلم له أن يكون الحقُّ مشهودَه؟ ويقال القومُ لم يباشِرْ العرفانُ أسرارَهم فلذلك عكفوا بعقولهم على ما يليق بهم من محدودٍ جوَّزوا أنْ يكون معبودَهم. قوله جلّ ذكره: {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً}. حجةً ظاهرةً، بل تفرداً صَانَه من التمثيل والتعطيل. والسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه. ويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة. ويقال السلطان المبين لهذه الأمة غداً، وهو بقاؤهم في حال لقائهم - قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تضامون في رؤيته"تفسير : - في خبر الرؤية.
البقلي
تفسير : {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} اراد بالسلطان المبين سطوع نور التجلى من وجهه حتى لا يرى احد وجهه الا حارت عيناه من غلبة بهاء الله وعظمته على وجهه واخبر سبحانه عن ذلك النور لقوله والقيت عليك محبة منى قيل فى تفسير الظاهر ملاحة فى عينيه لا يراه احد الا احبه وذلك النور ايضا من نور تجلى الحق الذى ظهر من الشجرة حين سمع خطاب الحق منها وذلك قوله تعالى {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تفسير : وكان موسى من فوقه الى قدمه برهان الله للعالمين وهكذا كل نبى وولى الا ترى الى اليد البيضاء والعصا واعظم البرهان فى وجهه عكس التجلى من جبل الطور على وجهه حتى احتاج بعد ذلك ان يستر وجهه بالبرقع والسلطان المبين ايضا اخباره عن الله بكلام الله مثال بعضهم قوة عظيمة على سماع المخاطبة من كلام الحق وقيل اعطى سلطانا على نفسه فى مخالفتها وهو المبين الظاهر للخلق.
اسماعيل حقي
تفسير : {يسئلك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء} نزلت فى احبار اليهود حين قالوا لرسول الله عليه السلام ان كنت نبيا صادقا فائتنا بكتاب من السماء جملة كما اتى به موسى عليه السلام وقيل كتابا محررا بخط سماوى على الواح كما نزلت التوراة {فقد سألوا موسى اكبر من ذلك} جواب شرط مقدر اى ان استكبرت ما سألوه منك واستعظمت فقد سألوا موسى شيئاً اكبر منه واعظم وهذا السؤال وان صدر عن اسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم فى كل ما يأتون وما يذرون اسند اليهم والمعنى ان لهم فى ذلك عرقا راسخا وان ما اقترحوا عليك ليس باول جهالتهم {فقالوا} الفاء تفسيرية {ارنا الله جهرة} اى ارناه جهرة اى عيانا. والجهر حقيقة فى ظهور الصوت لحاسة السمع ثم استعير لظهور المرئى بحاسة البصر ونصبها على المصدر لان المعاينة نوع من الرؤية وهم النقباء السبعون الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الجبل حين كلمه الله تعالى سألوه ان يروا ربهم رؤية يدركونها بابصارهم فى الدنيا {فاخذتهم الصاعقة} نار جاءت من السماء فاحرقتهم {بظلمهم} اى بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل فى تلك الحال التى كانوا عليها وذلك لا يقتضى امتناع الرؤية مطلقا. وفى التأويلات النجمية {فقالوا ارنا الله جهرة} وما طلبوا الرؤية على موجب التعظيم او على موجب التصديق ولا حملهم عليها شدة الاشتياق او الم الفراق كما كان لموسى عليه السلام حين قال {أية : رب ارنى انظر اليك} تفسير : [الأعراف: 143]. ولعل خرة موسى فى جواب {أية : لن ترانى} تفسير : [الأعراف: 143]. كانت من شؤم القوم وما كان لنفسهم من سوء ادب هذا السؤال لئلا يطمعوا فى مطلوب لم يعطه نبيهم فما اتعظوا بحال نبيهم لانهم كانوا اشقياء والسعيد من وعظ بغيره حتى ادركتهم الشقاوة الازلية {فاخذتهم الصاعقة بظلمهم} بان طمعوا فى فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها ومن طبع كافرا ولو يرى الله جهرة فانه لا يؤمن به ومن طبع مؤمنا عند رشاش النور باصابته فانه يؤمن بنبى لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة او بينة كما كان "حديث : الصديق رضى الله عنه حين قال النبى صلى الله عليه وسلم له "بعثت" فقال صدقت" تفسير : وكما كان حال اويس القرنى فانه لم ير النبى عليه السلام ولا المعجزة وقد آمن به {ثم اتخذوا العجل} اى عبدوه واتخذوه الها {من بعد ما جاءتهم البينات} اى المعجزات التى اظهرت لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر ونحوها لا التوراة لانها لم تنزل عليهم بعد وهذه هى الجناية الثانية التى اقترفهاايضا اوائلهم {فعفونا عن ذلك} اى تجاوزنا عنهم بعد توبتهم مع عظم جنايتهم وجريمتهم ولم نستأصلهم وكانوا احقاء به. قيل هذا استدعاء لهم الى التوبة كأنه قيل ان اولئك الذين اجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا انتم ايضا حتى نعفو عنكم. ودلت الآية على سعة رحمة الله ومغفرته وتمام نعمته ومنته وانه لا جريمة تضيق عنها مغفرة الله وفى هذا منع من القنوط {وآتينا موسى سلطانا مبينا} اى تسلطا واستيلاء ظاهرا عليهم حيث امرهم بان يقتلوا انفسهم توبة عن معصيتهم فاختبأوا بافنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيا له من سلطان مبين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: {لا تعدوا} بالسكون، فماضيه: عدا، ومن قرأ بتشدد الدال، فماضيه اعتَدى، وأصله: لا تعتدوا، فنُقلت حركة التاء إلى العين وأُدغمت التاء في الدال، ومن قرأ بالاختلاس أشار إلى الأصل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يسألك أهل الكتاب}، وهم أحبار اليهود، {أن تنزل عليهم كتابًا من السماء} جملة واحدة، كما نزل التوراة، أو كتابًا بخطَّ سماوي على ألواح كما كانت التوراة، والسائل هو كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ( إن كنت نبيًا فأتنا بكتاب من السماء جملةً، كما أتى به موسى)، قال تعالى في الرد عليهم: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك}؛ وهو رؤية ذات الحقّ ـ تعالى ـ جهرًا حسًا. والمعنى: إن استعظمت ما سألوا منك فقد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك. وهذا السؤال، وإن كان من آبائهم، أُسند إليهم؛ لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم، فما اقترحوا عليكم ليس بأول جهالاتهم وتشغيبهم؛ بل عُرفُهُم راسخٌ في ذلك، فلا تستغرب ما وقع منهم. ثم فسر سؤالهم بقوله: {فقالوا أرنا الله جهرة} أي: عيانًا في الحس، {فأخذتهم الصاعقة}، بأن جاءت نار من السماء فأهلكتهم، فماتوا ثم بُعثوا بدعوة موسى عليه السلام وذلك بسبب ظلمهم. وهو تعنتهم وسؤالهم لما أستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها. وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. وسيأتي في الإشارة تحرير ذلك. {ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} على وحدانيته تعالى. وهذه جناية أخرى اقترفها أيضًا أوائلهم، {فعفونا عن ذلك} حيث تابوا، ولم نعاجلهم بالعقوبة، {وأتينا موسى سلطانًا مبينًا} أي: تسلطًا ظاهرًا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، توبة من اتخاذهم العجل إلهًا، وحجة واضحة على نبوته كالآيات التسع. {ورفعنا فوقهم الطور} حيث امتنعوا من قبول أحكام التوراة، بسبب ميثاقهم الذي أخذناه عليهم، وهو التزام أحكام التوراة، وقلنا لهم على لسان موسى: {ادخلوا الباب سجّدًا} أي: باب بيت المقدس، فدخلوا يزحفون على استاههم عنادًا واستهزاءً، وقلنا لهم: {لا تعدوا في السبت} على لسان داود عليه السلام، فاعتدوا فيه بالاصطياد، فمسخناهم قردةً وخنازير، {وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا} على ذلك كله، فنقضوا جميع ذلك، أو ميثاقًا غليظًا في التوراة؛ لئن أدركوك ليؤمنن بك، وليبينن صفتك للناس، فنقضوا وكتموا. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتراح الآيات وطلب الكرامات من الأولياء، سنة ماضية، لأنهم على قدم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ما يقال لهم إلا ما قيل للأنبياء قبلهم، فلا تكاد تجد أحدًا يصدق بولي حتى تظهر عليه الكرامة، وهو جهل كبير؛ لأن الكرامة قد تظهر على من لم تكمل له استقامة، وقد تكون استدراجًا ومكرًا. وأيُّ كرامة أعظم من العلوم اللدنية والأخلاق النبوية؟ كما قال شيخنا رضي الله عنه. وقد ظهرت الكرامات على المتقدمين ولم ينقطع الإنكار عليهم. واعلم أن طلب الرؤية في الدنيا ليس بممتنع، وإنما عاقب الله بني إسرائيل على طلبها؛ لأنهم طلبوها قبل إبانها، طلبوها من غير اتصاف بشروط حصولها، وهو كمال التهذيب والتطهير من دنس الحس، فمن كمل تهذيبه وتحقق تطهيره حصل له شهود الحق، حتى لو كلف أن يشهد غيره لم يستطع، وذلك حين تستولي البصيرة على البصر، فيشهد البصر ما كانت تشهده البصيرة، وذلك بعد كمال فتحها. ولذلك قال في الحِكَم: "شعاعُ البصيرة يُشهدك قربَ الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق"... الخ كلامه. وهذه المشاهدة لا تحصل إلا لمن اتصل بشيخ التربية، وإلا فلا مطمع فيها. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) يسألك يا محمد اهل الكتاب يعني اليهود أن تنزل عليهم كتاباً من السماء، واختلفوا في الكتاب الذي سأل اليهود محمد (صلى الله عليه وسلم) أن ينزل عليهم من السماء فقال قوم: سألوا ان ينزل كتابا من السماء مكتوبا، كما جاء موسى بني اسرائيل بالتوراة مكتوبة من عند الله في الألواح. ذهب اليه السدي ومحمد بن كعب القرطي، فانزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله: {على مريم بهتاناً عظيماً} وقال اخرون: بل سألوه أن ينزل عليهم كتابا خاصا لهم ذهب اليه قتادة. وقال آخرون: بل يسألون أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا بالامر بتصديقه، واتباعه ذكر ذلك ابن جريج، واختاره الطبري وقال الزجاج: ذلك حين سألوا فقالوا: {لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه} وقال الجبائي: كان سؤالهم على وجه التعنت والافكان فيما أنزله الله من القران دلالة واضحة على نبوته. وقوله: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} فانه توبيخ من الله تعالى، سئل انزال الكتاب عليهم، وتفريع منه لهم بقوله لنبيه (صلى الله عليه وسلم): يا محمد لا يعظمن عليك مسألتهم، إياك ذلك فانهم من جهلهم بالله عز وجل وجرأتهم عليه، واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوه لخالفوا امر الله، كما خالفوا بعد أحياء الله اوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل، واتخذوه آلهاً فعبدوه من دون خالقهم وبارئهم الذي أراهم قدرته، وعظمته وسلطانه بما أراهم، ثم قص من قصتهم وقصة موسى ما قص، فقال: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} يعني سأل اسلاف هؤلاء اليهود موسى (ع) اعظم مما سألوك فقالوا أرنا الله جهرة أي عيانا نعاينه وننظر اليه. وقد بينا معنى الجهرة فيما مضى. وحكي عن ابن عباس أنه قال: فيه تقديم وتأخير، وتقديره إنما قالوا جهرة أرنا الله: وهو الذي اختاره أبو عبيدة. وقال غيره: أراد رؤية بالبصر ظاهرة منكشفة، لان من علم الله فقد رآه. وهواختيار الزجاج لقوله تعالى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وقول ابن عباس يدل على انه كان يذهب إلى استحالة الرؤية عليه تعالى، لان على تأويله بنفس سؤال الرؤيه، اخذتهم الصاعقة دون رؤية مخصوصة على ما يذهب اليه من قال بالرؤية. وقوله: {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} يعني فصعقوا بظلمهم انفسهم عن سؤالهم موسى أن يريهم الله، لان ذلك مما هو مستحيل عليه (تعالى) وفي ذلك دلالة واضحة على استحالة الرؤية عليه (تعالى) واستعظام لتجويزها، لانهم كانوا يكفرون به ويجحدونه ولم ينزل عليهم الصاعقة، فلما سألوا الرؤية أنزلها عليهم. وفي ذلك دلالة على أن اصل كل تشبيه تجويز الرؤية عليه تعالي على قوله ابي على. وقد بينا معنى الصاعقة فيما مضى، فلا نطول باعادته. وقوله: {ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} معناه، ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا من رؤية الله بعد ما احياهم وبعثهم من صعقتهم - العجل الذي كان السامري أضلهم به. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من اجله اتخذوا العجل، وكيف كان أمرهم. وقوله: {من بعد ما جاءتهم البينات} معناه من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى البينات من الله، ومن الدلالات الواضحات بان الرؤية مستحيلة عليه، ومنها اصعاق الله اياهم عند مسألتهم موسى يريدون ان يريهم ربهم جهرة، ثم احياؤه اياهم بعد مماتهم مع غيره من الآيات التي أراهم الله دلالة على ذلك، فقال الله مقبحاً فعلهم، وموضحاً عن جهلهم ونقص عقولهم باقرارهم للعجل بانه الههم، وهم يرونه عياناً، وينظرون اليه، فعكفوا على عبادته مصدقين بالآهيته ثم قال تعالى: {فعفونا عن ذلك} ومعناه عفونا للذين عبدوا العجل عن عبادتهم بعد ان اراهم الله آية على أنهم لا يرون ربهم. وقوله: {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} معناه اعطينا موسى حجة ظاهرة تبين عن صدقه وحقيقة نبوته، وتلك الحجة هي الآيات التي اتاه الله اياها.
اطفيش
تفسير : {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِم كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ}: جملة، وقيل: سألوه أن يأتى بكتاب محرر بخط سماوى ينزل مكتوبا على ألواح كما نزلت التوراة على موسى جملة مكتوبة من السماء فى ألواح، وقيل: سألوه أن ينزل عليهم كتابا يعاينون نزوله حين ينزل، وقيل: سألوه أن ينزل عليهم كتابا يجب عليكم الايمان به اليهم يذكر فيه أن محمدا صلى الله عليه وسلم يجب عليكم بالايمان به، وهذه فى أقوال تفسير الآية، وسواء لهم والقول الأخير لقتادة وابن جريج، زاد ابن جريج أنهم سألوه أن ينزل الله كتابا الى فلان والى فلان يأمر فيه بالايمان بك. {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ}: تعليل لمحذوف، لا تبال بسؤالهم يا محمد تعنتا، لأنهم قد سألوا موسى ما هو أعظم من سؤالهم الذى سألوكه، فهم سفهاء أولاد سفهاء، راضون بسفه آبائهم وتعنتهم، وهم النقباء السبعون، وذلك التعنت عادتهم، ويجوز أن تكون الفاء فى جواب شرط محذوف، أى ان استكبرت سؤالهم فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. {فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً}: لا يخفى أن الجهرة للرؤية لا للاراءة، فنصبه برؤية محذوفة، أى أرنا الله نره جهرة فهو مفعول مطلق لهذا المحذوف يره رؤية جهرة بالاضافة، أى ظهور أو مؤول بعيانا فيكون مفعولا مطلقا بلا تقدير، لأن الرؤية معاينة، ويجوز أن يكون بمعنى معاينا بفتح الياء فيكون حالا من لفظ الجلالة، أو معانيين بكسرها، فيكون حالا من نا، وان جعلنا جهرة اسم مصدر أجهر المتعدى بمعنى أظهر نصب بأرنا على المفعولية المطلقة، أى أرنا الله اجهارا أى أظهره لنا اظهارا أو حالا من لفظ الجلالة، أى مظهرا بفتح الهاء وتقدم الكلام فيه. {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}: اذ سألوا رؤية الله جل وعلا الموجبة لتشبيهه بالخلق، والصاعقة نار لطيفة من السماء، وقالت الأشعرية: الصاعقة انما هى من أجل امتناعهم من الايمان بما وجب ايمانه الا بشرط الرؤية من أجل طلب الرؤية، وهو خلاف ظاهر الآية مع أن الرؤية توجب التحيز، والجهات والتركيب والحلول واللون وغير ذلك من صفات الخلق، ويدل لما قلته قوله تعالى: {أية : لا تدركه الأبصار }تفسير : والأشعرية لما أفحموا قالوا: بلا كيف، وحديث الرؤية ان صح فمعناه يزدادون يقينا بحضور ما وعد الله فى الآخرة، فلا تشكون فى وجود الله وكمال صدقه وقدرته، كما لا تشكون فى البدر. {ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ}: اتخذوه من الذهب والفضة والحلى، أى صاغوه منها ليعيدوه، أو اتخذوه إلهاً، وفاعلوا ذلك هم الباقون بعد مضى موسى الى الطور، ذكر الله بعض مساوىء اليهود، فيصرف كل الى فاعليه وذلك حكم على المجموع وتنسب الى اليهود الذين فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لرضاهم عنهم، وفعل مثل ما يفعلون. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ}: المعجزات كالعصى واليد والطوفان وفرق البحر ونحو ذلك، لا التوراة لأنها نزلت بعد ذلك. {فَعَفوْنَا عَن ذّلِكَ}: المذكور من اتخاذ العجل، فلم نستأصل عباده، بل أمهلناهم ليتوبوا فلا ييأس من كفر بك يا محمد، فليتب الىَّ أقبل توبته فاصبر يا محمد. {وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً}: تسلطا ظاهرا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة من اتخاذ العجل، أو التوراة فانها سلطان مبين أى حجة ظاهرة.
الالوسي
تفسير : {يَسْـئَلُكَ} يا محمد {أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} الذين فرقوا بين الرسل {أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء} فقالوا: إن موسى عليه السلام جاء بالألواح من عند الله تعالى فأتنا بألواح من عنده تعالى فطلبوا أن يكون المنزل جملة، وأن يكون بخط سماوي، وروي ذلك عن محمد بن كعب القرظي والسدي. وعن قتادة أنهم سألوا أن ينزل عليهم كتاباً خاصاً لهم، وقريب منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن جريج قال: إن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى من الله تعالى إلى فلان إنك رسول الله وإلى فلان إنك رسول الله، وما كان مقصدهم بذلك إلا التحكم والتعنت، قال الحسن: ولو / سألوه ذلك استرشاداً لا عناداً لأعطاهم ما سألوا. {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ} عليه السلام شيئاً أو سؤالاً. {أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} المذكور وأعظم، والفاء في جواب شرط مقدر والجواب مؤل ليصح الترتيب أي إن استكبرت هذا وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ عرقهم في الكفر، وقيل: إنها سببية والتقدير لا تبال ولا تستكبر فإنهم قد سألوا موسى عليه السلام ما هو أكبر، وهذه المسألة وإن صدرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا على سيرتهم في كل ما يأتون ويذرون أسند إليهم، وجعله بعض المحققين من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب، وجوز أن يكون من إسناد فعل البعض إلى الكل بناءاً على كمال الاتحاد نحو:شعر : قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي تفسير : فيكون المراد بضمير سألوا جميع أهل الكتاب لصدور السؤال عن بعضهم، وأن يكون المراد بأهل الكتاب أيضاً الجميع فيكون إسناده يسألك إلى أهل الكتاب من ذلك الإسناد، وأن يكون المراد بهم هذا النوع، ويكون المراد بيان قبائح النوع فلا تكلف ولا تجوّز لا في جانب الضمير ولا في المرجع. وأنت تعلم أن إسناد فعل البعض إلى الكل مما ألف في الكتاب العزيز، ووقع في نحو ألف موضع. وقرأ الحسن (أكثر) بالمثلثة. {فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهَ} الذي أرسلك {جَهْرَةً} أي مجاهرين معاينين فهو في موضع الحال من المفعول الأول ـ كما قال أبو البقاء ـ ويحتمل الحالية من المفعول الثاني أي معايناً على صيغة المفعول ولا لبس فيه لاستلزام كل منهما للآخر، فلا يقال: إنه يتعين كونه حالاً من الثاني لقربه منه. وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف هو الرؤية لا الإراءة لأن الجهرة في كتب اللغة صفة للأول لا الثاني؛ فيقال: التقدير: أرنا نره رؤية جهرة، وقيل: يقدر المصدر الموصوف سؤالاً أي سؤالاً جهرة، وقيل: قولاً أي قولاً جهرة، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: إنهم إذا رأوه فقد رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله تعالى فهو مقدم ومؤخر ـ وفيه بعد ـ والفاء تفسيرية. {فَأَخَذَتْهُمُ} أي أهلكتهم لما سألوا وقالوا ما قالوا {ٱلصَّـٰعِقَةُ} وهي نار جاءت من السماء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: الصاعقة: الموت أماتهم الله تعالى قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله تعالى أن يميتهم، ثم بعثهم، وفي ثبوت ذلك تردد. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ـ الصعقة ـ {بِظُلْمِهِمْ} أي بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحالة التي كانوا عليها، وإنكار طلب الكفار للرؤية تعنتاً لا يقتضي امتناعها مطلقاً، واستدل الزمخشري بالآية على الامتناع مطلقاً، وبنى ذلك على كون الظلم المضاف إليهم لم يكن إلا لمجرد أنهم طلبوا الرؤية ثم قال: ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا به ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصواعق، ثم أرعد وأبرق ودعا على مدعي جواز الرؤية بما هو به أحق. وأنت تعلم أن الرجل قد استولى عليه الهوى فغفل عن كون اليهود إنما سألوا تعنتاً ولم يعتبروا المعجز من حيث هو مع أن المعجزات سواسية الأقدام في الدلالة ويكفيهم ذلك ظلماً، والتنظير بسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العجب العجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب. {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} وعبدوه. / {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي المعجزات التي أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر. وغيرها، أو الحجج الواضحة الدالة على ألوهيته تعالى ووحدته لا التوراة لأنها إنما نزلت عليهم بعد الاتخاذ {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} الاتخاذ حين تابوا، وفي هذا على ما قيل: استدعاء لهم إلى التوبة كأنه قيل: إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفو عنكم. {وَءاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} أي تسلطاً ظاهراً عليهم حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم، وهذا على ما قيل: وإن كان قبل العفو فإن الأمر بالقتل كان قبل التوبة لأن قبول القتل كان توبة لهم، لكن الواو لا تقتضي الترتيب، واستظهر أن لا يجعل التسلط ذلك التسلط بل تسلطاً بعد العفو حيث انقادوا له ولم يتمكنوا بعد ذلك من مخالفته.
ابن عاشور
تفسير : لمَّا ذكر معاذير أهل الكتابين في إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أعقبها بذكر شيء من اقتراحهم مجيء المعجزات على وفق مطالبهم. والجملة استئناف ابتدائي. ومجيء المضارع هنا: إمّا لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال حتّى كأنّ السامع يراهم كقوله: {أية : ويَصْنَعُ الفُلْك}تفسير : [هود: 38]، وقوله: {أية : بل عَجِبْتَ وَيَسْخَرُون}تفسير : [الصافات: 12]، وقوله: {أية : الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً}تفسير : [فاطر: 9]. وإمَّا للدلالة على تكرار السؤال وتجدّده المرّة بعد الأخرى بأن يكونوا ألَحّوا في هذا السؤال لِقصد الإعنات، كقول طريف بن تميم العنبري:شعر : بعثوا إليّ عَريفَهم يَتَوَسَّمُ تفسير : أي يكرّر التوسّم. والمقصود على كلا الاحتمالين التعجيب من هذا السؤال، ولذلك قال بعده: {فقد سألوا موسى}. والسَّائلُون هم اليهود، سألوا معجزة مثلَ معجزة موسى بأن ينزل عليه مثل ما أنزلت الألواح فيها الكلمات العشر على موسى، ولم يريدوا جميع التوراة كما توهّمه بعض المفسّرين فإنّ كتاب التوراة لم ينزل دفعة واحدة. فالمراد بأهل الكتاب هنا خصوص اليهود. والكتاب هنا إمَّا اسم للشيء المكتوب كما نزلت ألواح موسى، وإمّا اسم لقطعة ملتئمة من أوراق مكتوبة، فيكونون قد سألوا معجزة تغاير معجزة موسى. والفاء في قوله: {فقد سألوا موسى} فاء الفصيحة دالّة على مقدّر دلّت عليه صيغة المضارع المراد منها التعجيب، أي فلا تعجب من هذا فإنّ ذلك شنشنة قديمة لأسلافهم مع رسولهم إذ سألوه معجزة أعظم من هذا، والاستدلال على حالتهم بحالة أسلافهم من قبيل الاستدلال بأخلاق الأمم والقبائل على أحوال العشائر منهم، وقد تقدّم بيان كثير منه في سورة البقرة. وفي هذا الكلام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة على جراءتهم، وإظهارُ أنّ الرسل لا تجيء بإجابة مقترحات الأمم في طلب المعجزات بل تأتي المعجزات بإرادة الله تعالى عند تحدّي الأنبياء، ولو أجاب الله المقترحين إلى ما يقترحون من المعجزات لجعل رسله بمنزلة المشعوذين وأصحاب الخنقطرات والسيمياء، إذ يتلقّون مقترحات الناس في المحافل والمجامع العامَّة والخاصّة، وهذا ممَّا يحُطّ من مقدار الرسالة. وفي إنجيل متَّى: أنّ قوماً قالوا للمسيح: نريد أن نرى منك آية فقال: «جِيل شِرّير يطلب آية ولا تعطى له آية». وتكرّر ذلك في واقعة أخرى. وقد يُقبل ذلك من المؤمنين، كما حكى الله عن عيسى: {أية : إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن يُنزّل علينا مائدة من السماء قال اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئنّ قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} تفسير : [المائدة: 112، 113] إلى قوله {أية : قال الله إنّي منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنِّي أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين}تفسير : [المائدة: 115]، وقال تعالى: {أية : وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلاّ أن كذّب بها الأوّلون وآتينا ثمودَ الناقةَ مُبصرةً فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلاّ تَخْوِيفاً}تفسير : [الإسراء: 59]. وهم لمّا سألوا موسى أن يريهم الله جهرة ما أرادوا التيمّن بالله، ولا التنعّم بالمشاهدة، ولكنَّهم أرادوا عَجَباً ينظرونه، فلذلك قالوا: {أرِنا الله جهرة}، ولم يقولوا: ليتنا نرى ربّنا. {وجَهْرَة} ضدّ خُفية، أي عَلَناً، فيجوز أن يكون صفة للرؤية المستفادة من (أرنا)، ويجوز أن يكون حالاً من المرفوع في (أرنا): أي حال كونك مجاهراً لنا في رؤيته غير مخف رؤيته. واستطرد هنا ما لحقهم من جرّاء سؤالهم هذه الرؤية وما ترتّب عليه فقال: {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم}، وهو ما حكاه تعالى في سورة البقرة (55) بقوله: {أية : فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون}. تفسير : وكان ذلك إرهاباً لهم وزجراً، ولذلك قال: {بظلمهم}. والظلم هو المحكي في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا الله جهرة، وليس الظلم لمجرّد طلب الرؤية؛ لأنّ موسى قد سأل مثل سؤالهم مرّة أخرى: حكاه الله عنه بقوله: {أية : ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك} تفسير : الآية في سورة الأعراف (143). وبيّن أنّهم لم يردعهم ذلك فاتَّخذوا العجل إلهاً من بعد ما جاءتهم البيّنات الدالّة على وحْدانية الله ونفي الشريك وعطفت جملة اتّخاذهم العجل بحرف (ثمّ) المفيد في عطفه الجمل معنى التراخي الرتبى. فإنّ اتّخاذهم العجل إلهاً أعظم جرماً ممّا حكي قبله، ومع ذلك عفا الله عنهم وآتى موسى سلطاناً مبيناً، أي حجّة واضحة عليهم في تمرّدهم، فصار يزجرهم ويؤنّبهم. ومن سلطانه المبين أن أحرق لهم العجل الذي اتّخذوه إلهاً. ثم ذكر آيات أخرى أظهرها الله لهم وهي: رفع الطور، والأمر بقتال أهل أريحا، ودخولهم بابها سجّداً. والباب يحتمل أنّه باب مدينة أريحا، ويحتمل أنّه باب الممرّ بين الجبال ونحوها، كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : قال رجلان من الذين يخافون} تفسير : سورة العقود ( 23) إلى قوله {أية : ادخلوا عليهم الباب} تفسير : في سورة العقود (23)؛ وتحريم صيد البحر عليهم في السبت. وقد مضى الكلام عليها جميعاً في سورة البقرة. وأخذ الميثاق عليهم: المراد به العهد، ووصفُه بالغليظ. أي القويّ، والغلظ من صفات الأجسام، فاستعير لقوّة المعنى وكنّى به عن توثّق العهد لأنّ الغلظ يستلزم القوّة، والمراد جنس الميثاق الصادق بالعهود الكثيرة التي أخذت عليهم، وقد ذكر أكثرها في آي سورة البقرة، والمقصود من هذا إظهار تأصّلهم في اللجاج والعناد، من عهد أنبيائهم، تسلية للنبي على ما لقي منهم، وتمهيداً لقوله: {أية : فبما نقضهم ميثاقهم}تفسير : [النساء: 155]. وقوله: {لا تعدوا} قرأه نافع في أصحّ الروايات، وهي لورش عنه ولقالون في إحدى روايتيه عنه ـــ بفتح العين وتشديد الدال المضمومة ـــ أصله: لا تعْتدوا، والاعتداء افتعال من العَدوْ، يقال: اعتدى على فلان، أي تجاوز حدّ الحقّ معه، فلمّا كانت التاء قريبة من مخرج الدال ووقعت متحرّكة وقبلها ساكن، تهيّأ إدغامها، فنقلت حركتها إلى العين الساكنة قبلها، وأدغمت في الدال إدغاماً لقصد التخفيف، ولذلك جاز في كلام العرب إظهارها؛ فقالوا: تَعْتَدوا وتَعَدّوا، لأنَّها وقعت قبل الدال، فكانت غير مجذوبة إلى مخرجه، ولو وقعت بعد الدال لوجب إدغامها في نحو أدّان. وقرأ الجمهور، وقالون في إحدى روايتين عنه: «لا تَعْدوا» ـــ بسكون العين وتخفيف الدال ـــ مضارع مجزوم من العدو، وهو العُدوان، كقوله: {أية : إذ يَعْدون في السبت} تفسير : في سورة الأعراف (163)؛ وفي إحدى روايتين عن قالون: باختلاس الفتحة، وقرأه أبو جعفر: بسكون العين وتشديد الدال، وهي رواية عن نافع أيضاً، رواها ابن مجاهد. قال أبُو علي، في الحُجَّة}: وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذ كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول منهما حرف لين، نحو دابَّة، يقولون: المدّ يصير عوضاً عن الحركة، قال: وإذا جاز نحو دُوَيْبَّة مع نقصان المدّ الذي فيه لم يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو: تَعدُوا. لأنّ ما بين حرف اللين وغيره يَسير، أي مع عدم تعذّر النطق به.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} الآية. لم يبين هنا سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلهاً ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 54].
الواحدي
تفسير : {يسألك أهل الكتاب...} الآية. سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يأتيهم بكتابٍ جُمْلَةً من السَّماء، كما أتى به موسى، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} يعني: السَّبعين الذين ذكروا في قوله: {أية : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك...} تفسير : الآية. {ثمَّ اتخذوا العجل} يعني: الذين خلَّفهم موسى مع هارون {من بعد ما جاءتهم البينات} العصا، واليد، وفلق البحر {فعفونا عن ذلك} لم نستأصل عبدة العجل {وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} حجَّةً بيِّنةً قوي بها على مَنْ ناوأه. {ورفعنا فوقهم الطور} حين امتنعوا من قبول شريعة التَّوراة {بميثاقهم} أَيْ: بأخذ ميثاقهم {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} لا تعتدوا باقتناص السَّمك فيه {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} عهداً مؤكَّداً في النبيِّ صلى الله عليه وسلم. {فبما نقضهم ميثاقهم} أَيْ: فبنقضهم، و "ما" زائدةٌ للتَّوكيد، وقوله: {بل طبع اللَّهُ عليها بكفرهم} أَيْ: ختم الله على قلوبهم فلا تعي وَعْظاً، مجازاةً لهم على كفرهم، {فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً} يعني: الذين آمنوا. {وبكفرهم} بالمسيح {وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} حين رموها بالزِّنا. {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابنَ مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أَيْ: ألقي لهم شبه عيسى على غيره حتى ظنُّوه لمَّا رأوه أنَّه المسيح {وإنَّ الذين اختلفوا فيه} أَيْ: في قتله، وذلك أنَّهم لمَّا قتلوا الشَّخص المشَبَّه به كان الشَّبَه أُلقي على وجهه، ولم يُلق على جسده شبهُ جسدِ عيسى، فلمَّا قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، فاختلفوا، فقال بعضهم: هذا عيسى، وقال بعضهم: ليس بعيسى، وهذا معنى قوله: {لفي شك منه} أَيْ: مِنْ قتله {ما لهم به} بعيسى {من علم} قُتِل أو لم يقتل {إلاَّ اتباع الظن} لكنَّهم يتَّبعون الظَّنَّ {وما قتلوه يقيناً} وما قتلوا المسيح على يقين من أنَّه المسيح. {بل رفعه الله إليه} أَيْ: إلى الموضع الذي لا يجري لأحدٍ سوى الله فيه حكمٌ وكان رفعُه إلى ذلك الموضع رفعاً إليه؛ لأنَّه رُفع عن أن يجري عليه حكم أحدٍ من العباد {وكان الله عزيزاً} في اقتداره على نجاة مَنْ يشاء من عباده {حكيماً} في تدبيره في النَّجاة. {وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به} أَيْ: ما مِن أهل الكتاب أحدٌ إلاَّ ليؤمننَّ بعيسى {قبل موته} إذا عاين المَلَك، ولا ينفعه حينئذٍ إيمانه، ولا يموت يهوديٌّ حتى يؤمن بعيسى {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} على أنْ قد بلَّغ الرِّسالة، وأقرَّ بالعبوديَّة على نفسه. {فبظلم من الذين هادوا...} الآية. عاقب الله اليهود على ظلمهم وبغيهم بتحريم اشياء عليهم، وهي ما ذُكر في قوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظُفرٍ...} تفسير : الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 153- يسألك - أيها الرسول - أهل الكتاب من اليهود متعنتين، أن تقيم دليلاً على صدق نبوتك، فتأتيهم بكتاب خاص، ينزل عليهم من السماء بصدق رسالتك، ويدعوهم إلى الإيمان بك وطاعتك، فإن استكثرت ما سألوا فلا تعجل، فقد تعنت أسلافهم فسألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله عيانا فعاقبهم على تعنتهم وظلمهم بصاعقة أهلكتهم ثم اذكر لهؤلاء جرماً أشد وأفظع، وهو أنهم اتخذوا العجل إلهاً لهم من دون خالقهم، بعد ما عاينوا الأدلة التى أظهرها موسى لفرعون وقومه ثم وسعهم عفو الله بعد إنابتهم إليه، وأيد الله موسى بالحُجة الواضحة والكلمة النافذة. 154- ورفع الله الجبل فوق بنى إسرائيل، تهديداً لهم لامتناعهم عن قبول شريعة التوراة، حتى قبلوا، وأخذ عليهم الميثاق، وأمرهم أن يدخلوا القرية خاضعين لله، وألا يتجاوزوا ما أمرهم بالتزامه من العبادة فى يوم السبت، ولا يعتدوا فيه، وقد أخذ عليهم فى كل ذلك عهداً مؤكداً. 155- فغضب الله عليهم، بسبب نقضهم هذا الميثاق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء ظالمين - ولا يكون ذلك إلا ظلماً -، وإصرارهم على الضلال بقولهم: قلوبنا محجوبة عن قبول ما نُدْعَى إليه، وليسوا صادقين فى قولهم، بل طمس الله على قلوبهم بسبب كفرهم، فلا يؤمن منهم إلا قلة من الناس. 156- وغضب الله عليهم بسبب كفرهم وافترائهم على مريم افتراء كبيراً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: جهرة: عيانا نشاهده ونراه بأبصارنا. الصاعقة: صوت حاد ورجفة عنيفة صعقوا بها. بظلمهم: بسبب ظلمهم بطلبهم ما لا ينبغي. اتخذوا العجل: أي إلهاً فعبدوه. فعفونا عن ذلك: أي لم يؤاخذهم به. سلطاناً مبيناً: حجة واضحة وقدرة كاملة قهر بها أعداءه. ورفعنا فوقهم الطور: أي جبل الطور بسيناء. ادخلوا الباب سجداً: أي راكعين متواضعين خاشعين لله شكراً لنعمه عليهم. لا تعدوا: لا تعتدوا أي لا تتجاوزوا ما حد لكم فيه من ترك العمل إلى العمل فيه. ميثاقا غليظا: عهداً مؤكداً بالأَيمان. معنى الآيتين: لما نعى الربّ تعالى عن أهل الكتاب قولهم نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض حيث آمن اليهود بموسى وكفروا بعيسى وآمن النصارى بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما كفر به اليهود أيضاً ذكر تعالى لرسوله أن اليهود إذا سألوك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فلا تعجب من قولهم ولا تحفل به إذ هذه سنتهم وهذا دأبهم، فإنهم قد سألوا موسى قبلك أعظم من هذا فقالوا له أرنا الله جهرة فأغضبوا الله تعالى فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون واتخذوا العجل إلهاً يعبدونه في غياب موسى عليهم، وكان ذلك منهم بعد مشاهداتهم البيّنات حيث فلق الله لهم البحر وأنجاهم وأغرق عدوهم ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم سلطانا مبيناً، ولم يؤثر ذلك في طباعهم هذا ما تضمنته الآية الأولى [153] وهي قوله تعالى {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً}. أما الآية الثانية [154] فقد أخبر تعالى أنه رفع فوقهم الطور تهديداً لهم ووعيداً وذلك لما امتنعوا ان يتعهدوا بالعمل بما في التوراة، فلما رفع الجبل فوقهم خافوا فتعهدوا معطين بذلك ميثاقاً غير أنهم نقضوه كما سيأتي الإخبار بذلك. هذا معنى قوله تعالى {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ}، وقوله تعالى {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً..} كان هذا عندما دخل يوشع بن نون فتى موسى مدينة القدس فاتحاً أوحى الله تعالى إليه أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة خاضعين متطامنين شكراً لله تعالى على نعمة الفتح فبدل أن يطيعوا ويدخلوا الباب راكعين متطامنين دخلوه زحفاً على استاههم مكراً وعناداً والعياذ بالله. وقوله: {.. وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} أي ونهيناهم عن الصيد في السبت فتعدوا نهينا وصادوا عصيانا وتمرداً، وقوله تعالى {.. وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي على أن يعملوا بما شرعنا لهم تحليلاً وتحريما في التوراة، ومع هذا فقد عصوا وتمردوا وفسقوا، إذاً فلا غرابة في سؤالهم إياك على رسالتك وليؤمنوا بك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء. هذا معنى قوله تعالى في الآية [154] {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ.. } أي لا تتجاوزوا ما أحللنا لكم إلى ما حرمنا عليكم {... وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً...}. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- تعنت أهل الكتاب ازاء الدعوة الإِسلامية وكفرهم بها على علم أنها دعوة حق. 2- بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم. 3- نقض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعا لهم لا يفارقهم أبداً ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.
القطان
تفسير : جهرة: عيانا، جهرا. الصاعقة: الشرارة الكهربائية التي تسبق سماع الرعد. البينات: الدلائل الواضحة. في هذه الآية الكريمة وما يليها بيان لتعنُّت اليهود وجدلهم واصرارهم على الكفر، فقد طلبوا الى رسول الله ان يأتيهم بكتاب من السماء {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} يَرَوْنَه ويلمسونه بأيديهم. فقد قالوا: يا محمد، إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتِنا بألواح مكتوبة بخط سماوي يشهد انك رسول الله. ولقد روى الطبري في تفسيره ان اليهود قالوا للنبي: "لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله يكون فيه "من الله تعالى الى فلان.. انك رسول الله، والى فلان.. انك رسول الله، وهكذا، ذكروا أسماء معينة من أحبارهم". وما قصدُهم من ذلك الا التعنت والجدل. ولن يقتنعوا حتى لو انزل الله ذلك الكتاب ولمسوه بأيديهم كما قال تعالى. {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الأنعام:7]. فلا تعجب ايها الرسول من سؤالهم هذا، فقد سألوا موسى فقالوا: أرِنا الله عَياناً، فعاقبهم الله بأن أرسل عليهم صاعقة أهلكتهم. ولم يقِفوا عند هذا الحدّ بل ازدادوا كفراً، فاتخذوا العجل إلَها وعبدوه، وهم عبيد الذهب والمادة، كل هذا رغم ما جاءهم به موسى من الأدلة الواضحة. ومع ذلك فقد عفونا عنهم. لكن العفو لم ينفع معهم ولم يقدّروه، فآتينا موسى سُلطة ظاهرة فأخضعناهم له.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُكَ} {ٱلْكِتَابِ} {كِتَاباً} {ٱلصَّاعِقَةُ} {ٱلْبَيِّنَاتُ} {وَآتَيْنَا} {سُلْطَاناً} (153) - سَأَلَ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالتَّعْجِيزِ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِم كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ مَكْتُوباً بِخَطٍّ سَمَاويٍّ، يَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، كَمَا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى مَكْتُوبَةً. وَسَأَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يُفَجِّرَ لَهُمْ مِنَ الأَرْضِ ينْبُوعاً، وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تَعْجَبْ مِنْ سُؤَالِهِمْ هَذا، فَإِنَّ اليَهُودَ، مِنْ أسْلاَفِهِمْ، قَدْ سَألُوا مُوسَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً وَعَيَاناً، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِإِنْزَالِ الصَّاعِقَةِ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ طُغْيَانِهِمْ، وَبَغْيِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وَلأَنَّهُمْ سَألُوا مُوسَى تَعَنُّتاً، وَبَعْدَ أنْ رَأوا مِنْ آيَاتِ اللهِ البَاهِرَةِ عَلَى يَدِ مُوسَى فِي مِصْرَ، مِنْ إهْلاكِ فِرْعَونَ وَجُنُودِهِ فِي البَحْرِ. ثُمَّ عَبَدُوا العِجْلَ حِينَما كَانَ مُوسَى يُنَاجِي رَبَّهُ، ثُمَّ أعْطَى اللهُ مُوسَى سُلْطَةً ظَاهِرَةً عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَأخْضَعَهُمْ لِسُلْطَانِهِ، مَعَ مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ تَمَرُّدٍ وَعِنَادٍ. فَلَمَّا أمَرَهُمْ بِأنْ يَقْتُلَ البَرِيءُ مِنْهُمُ المُذْنِبَ فَعَلُوا. جَهْرَةً - عِيَاناً بِالبَصَرِ. الصَّاعِقَةُ - نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ أوْ صَيْحَةٌ مِنْها.
الثعلبي
تفسير : {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} الآية، وذلك إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً حقاً فأتنا بكتاب من السماء كما أتى به موسى فأنزل الله عز وجل {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} يعني السبعين الذين خرج بهم موسى(عليه السلام) إلى الجبل {فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} عياناً {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} ولم نستأصلهم {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} الآية. يعني الآيات التسع {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} قتادة: كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل: إيليا، وقيل: أريحا، وقيل: هي لهم قربة. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} أي لاتظلموا باصطيادكم الحيتان فيها {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} يعني العهد الذي أخذ الله عليهم في الصيد {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم كقوله {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 159]، و {أية : عَمَّا قَلِيلٍ} تفسير : [المؤمنون: 40] و {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} تفسير : [ص: 11] أي فبرحمة وعن قليل، وبجند ما هنالك. {وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تقدير الآية، فنقضهم ميثاقهم وكفرهم وقتالهم وقولهم طبع الله على قلوبهم ولعنهم {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} بمعنى من ممن كذب الرسل إلاّ من طبع الله على قلبه وإن من طبع الله على قلبه، فلا يؤمن أبداً، ثم قال تعالى {إِلاَّ قَلِيلاً} يعني عبد الله بن سلام، وقيل معناه: فلا يؤمنون لا قليلاً ولا كثيراً {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} حين رموها بالزنا {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ عيسى(عليه السلام) استقبل رهطاً من اليهود وقالوا: الفاجر بن الفاجرة والفاعل بن الفاعلة، فقذفوه وأُمّه فلما سمع عيسى ذلك دعا عليهم، وقال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك من روح نفخت ولم أُتَّهم من تلقاء نفسي "اللهم فالعن من سبّني وسبَّ أُمّي". فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبوّه وسبّوا أُمّه خنازير، فلما رأى رأس اليهود ما جرى بأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته آنفاً فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى فاجتمعوا عليه وجعلوا يسألونه فقال لهم: كفرتم وان الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته غضباً شديداً وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله تعالى جبرئيل، وأدخله خوخة فيها روزنة في سقفها فصعد به إلى السماء من تلك الروزنة فأمر يهودا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله فلما دخل ططيانوس الخوخة لم ير عيسى بداخلها فظنوا إنه يقاتله فيها وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، فلما خرج ظن إنه عيسى فقتلوه وصلبوه. مقاتل: إن اليهود وكّلوا بعيسى رقيب عليه يدور معه حيثما دار فصعد عيسى الجبل، فجاء الملك فأخذ ضبعيه ورفعه إلى السماء فألقى الله تعالى على الرقيب شبه عيسى، فلما رأوه ظنوا انه عيسى فقتلوه وصلبوه، وكان يقول: أنا لست بعيسى، أنا فلان بن فلان، فلم يصدّقوه فقتلوه. وقال السدّيّ: إنهم حبسوا عيسى مرّتين في بيت فدخل عليهم رجل منهم وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى ورفع عيسى إلى السماء من كوّة في البيت فدخلوا عليه وقتلوه بعيسى. قتاده: ذكر لنا إن نبي الله عيسى بن مريم قال لأصحابه: أيّكم يقذف عليه شبهي فإنّه مقتول فقال رجل من القوم: أنا يا نبيّ الله فشبّه الرجل ومنع الله تعالى عيسى ورفعه إليه فلما رفعه الله إليه كساه الريش وألبسه النور وحطّ عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة يدور حول العرش وكان إنسياً ملكياً سمائياً أرضياً. وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة ثم رفعه الله إليه وهو [أربع] وثلاثين سنة وكانت نبوته [ثلاثة سنين]. قوله تعالى {وَقَوْلِهِمْ} يعني اليهود {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ } فكذبهم الله تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ}. الكلبي: إختلافهم فيه فاليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه. وقالت طائفة من النصارى: بل نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ماقتلوه هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إليه [ونحن ننظر إليه] وقال الذين لمّا قتل ططيانوس: ألم تروا إنه قتل وصلب فهذا إختلافهم وشكهم. قال محمد بن مروان: ويقال أنّ الله وضع في شبه من عيسى على وجه ططيانوس ولم يلق عليه شبه جسده وخلقه، فلما قتلوه نظروا إليه، فقالوا: إن الوجه وجه عيسى وإنّما هو ططيانوس، وقد قيل إن الذي شبَّه لعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي وكان يقال له إيشوع بن مدين. قال السدي: اختلافهم فيه أنهم قالوا إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، قال الله تعالى {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي ما قتلوا عيسى يقيناً {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ}. قال الفراء والقتيبي: والهاء في قوله {إِلَيْهِ} إلى العلم يعني: وما قتلوا العلم يقيناً كما يقال قتلته عِلْماً وقتلته يقيناً للرأي والحديث. وقال المقنع الكندي: شعر : كذلك نخبر عنها الغانيات [....] فلكم يقيناً تفسير : ويؤيد هذا التأويل ما روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وما قتلوه يقيناً يعني ما قتلوه ظنهم يقيناً {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي قوياً بالنقمة من اليهود فسلط عليه طغرى بن اطسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة {حَكِيماً} حكم عليهم (باللعنة والغضب). {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال الأستاذ الإمام: معناه ومامن أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به وتلا قوله تعالى {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] أي ومامنا أحد إلاّ له مقام معلوم. وقوله {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] المعنى: ومامنكم أحد إلاّ واردها. قال الشاعر: شعر : لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب ومبسم تفسير : المعنى: ما في قومها أحد يفضلها، ثمّ حذف. عن قتادة والربيع بن انس وابو مالك وابن زيد: هما راجعتان إلى عيسى، المعنى فإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام، وهو رواية سعيد بن جبير وعطية عن ابن عباس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وروى قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأنبياء إخوة لعلاّت أُمهاتهم شتّى ودينهم واحد وإني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، ويوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فإذا رأيتموه وهو رجل مربوع فلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كان رأسه يقطره وان لم يصبه بلل بين ممصّرتين، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام وتكون السجدة واحدة لله تعالى ويهلك الله في زمانه الرجل الكذاب الدجال يقع الأمنة في الأرض في زمانه حتى ترتع الأُسود مع الإبل، والنمور مع البقرة، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان مع بعضهم بعضاً ثم يلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه وإقرأوا إن شئتم (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته) عيسى بن مريم" تفسير : رددها أبو هريرة ثلاث مرات. عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: الهاء في قوله تعالى (به) راجعتين إلى عيسى ابن مريم إلى الكتابي الذي يؤمن والمعنى وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موته إذا عاين الملك فلا ينفعه حينئذ ايمانه، لأن كل من نزل عليه الموت يعاين نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه وهذه رواية أبي هريرة عن أبي عليّ عن ابن عباس قالوا: لايبقى يهودي ولاصاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى، وإن احترق أو غرق أو تردى أو سلط عليه حيتان أو أكله السبع أو أي ميتة كانت. قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء، فقال: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه. يدل على صحة هذا التأويل، قراءة أُبيّ: قبل موتهم. الكلبي: خرجت من الكوفة حتى أتيت طابت وهي قرية دون واسط فنزلتها فإذا أنا بشهر بن حوشب فتذاكرنا هذه الآية. {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } فقال شهر: خرج العطاء والحجاج يؤمئذ بواسط فأمر بالعطاء فوضع بين يديه فجعل يدعو الرجل فيدفع العطاء بما قال، فدعا باسمي وجئت على فرس لي عجفاء رثّة الهيئة وعليّ ثياب رثّة، فلما رآني الحجاج قال لي: ياشهر مالي أرى ثيابك رثة وفرسك رثة، فقلت: أصلح الله الأمير أما ماذكرت من فرسي فإني قد اشتريتها ولم آل نفسي خيراً، وأما ما تذكر من الثياب فحسب المؤمن من الثياب ما وارى عورته، فقال: لا ولكنك رجل تكره الخز وتعيب من يلبسه، فقلت: إني لا أكره ذلك ولا أعيب على من يلبسه، قال: فدعا بقطعة له خزّ فأعطانيها فصببتها عليه فلما أردت أن أخرج، قال لي: هلم، فرجعت فقال: آية من كتاب الله تعالى ماقرأتها قط إلاّ اختلج في نفسي منها شيء، قلت: أصلح الله الأمير، ما هي؟ فقرأ هذه الآية {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} فإني لأُوتى بالأسير من اليهود والنصارى فآمر بضرب أعناقهم فما أسمعه يتكلّم بشيء، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالت: يا عدوّ الله أتاك عيسى ابن مريم عبداً نبياً فكذبت به، فيقول: إني آمنت به إنه نبي عبد فيؤمن به حين لاينفعه إيمانه، ويؤتى بالنصراني فيقولون له: ياعدو الله أتاك عيسى عبد نبي فقلت: إنه الله وابن الله، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه. قال شهر: فنظر إليّ الحجاج وقال: من حدثك بهذا الحديث؟ فقلت: محمد بن الحنفية، قال: وكان متكئاً فجلس ثم نكث بقضيبه في الأرض ساعة ثم رفع رأسه إليّ وقال: أخذتها من عين صافية أخذتها من معدنها. قال الكلبي: فقلت: يا شهر ما الذي أردت أن تقول: حدثني محمد بن الحنفية وهو يكرهه ويكره ماجاء من قبلهم، قال: أردت أن أُغيظه. وقال بعضهم: الهاء في (به) راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفي (موته) راجعة إلى الكتابي. وهو رواية حماد بن حميد عن عكرمة قال: لايموت اليهودي ولا النصراني حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل الهاء في (به) راجعة إلى الله تعالى، وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل أن يموت عند المعاينة ولاينفعه إيمانه في وقت البأس {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ} عيسى {عَلَيْهِمْ شَهِيداً} بأنّه قد بلّغهم رسالة من ربه وأقرَّ له بالعبودية على نفسه، نظير قوله {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} تفسير : [المائدة: 116] وهو نبي شاهد على أُمّته، قال الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الآية، وقال تعالى {أية : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} تفسير : [النحل: 84].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا خطأ منهم في السؤال، وكان المفروض أن يكون: يسألك أهل الكتاب أن تسأل الله أن ينزل عليهم كتاباً. وقد حاول المشركون في مكة أن يجدوا في القرآن ثغرة فلم يجدوا وهم أمة فصاحة وبلاغة ولسان، واعترفوا بأن القرآن عظيم ولكن الآفة بالنسبة إليهم أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] هم اعترفوا بعظمة القرآن، واعترافهم بعظمة القرآن مع غيظهم من نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم مضطربين فكرياً، لقد اعترفوا بعظمة القرآن بعد أن نظروا إليه.. فمرة قالوا: إنه سحر، ومرة قالوا: إنه من تلقين بعض البشر، وقالوا: إنه شعر، وقالوا: إنه من أساطير الأولين. وكل ذلك رهبة أمام عظمة القرآن. ثم أخيرا قالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}. ولكن ألم يكن هو القرآن نفسه الذي نزل؟ إذن. فالآفة - عندهم - أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك من الحسد: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 54] لأن قولهم لا يتسم أبداً بالموضوعية، بل كل كلامهم بُعْدٌ عن الحق وتخبط. لقد قالوا مرة عن القرآن: إنه سحر، وعندما سألهم الناس: لماذا لم يسحركم القرآن إذن؟ فليس للمسحور إرادة مع الساحر. ولم يجدوا إجابة. وقالوا مرة عن القرآن: إنه شعر، فتعجب منهم القوم لأنهم أمة الشعر، وقد سبق لهم أن علقوا المعلقات على جدار الكعبة، لكنه كلام التخبط. إذن فالمسألة كلها تنحصر في رفضهم الإيمان، فإذا أمسكتهم الحجة من تلابيبهم في شيء، انتقلوا إلى شيء آخر. ويوضح سبحانه: إن كانوا يطلبون كتاباً فالكتاب قد نزل، تماماً كما نزل كتاب من قبل على موسى. وماداموا قد صدقوا نزول الكتاب على موسى، فلماذا لا يصدقون نزول الكتاب على محمد؟ ولا بد أن هناك معنى خاصاً وراء قوله الحق: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. ونعلم أن الكتاب نزل على موسى مكتوباً جملة واحدة، وهم كأهل كتاب يطلبون نزول القرآن بالطريقة نفسها، وعندما ندقق في الآية نجدهم يسألون أن ينزل عليهم الكتاب من السماء؛ وكأنهم يريدون أن يعزلوا رسول الله وأن يكون الكلام مباشرة من الله لهم؛ لذلك يقول الحق في موقع آخر: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الزخرف: 32] الحق - إذن - قسم الأمور في الحياة الدنيا، فكيف يتدخلون في مسألة الوحي وهو من رحمة الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. وهم قد نسبوا التنزيل إلى رسول الله، ورسول الله ما قال إني نزَّلْت، بل قال: "أنزل علي". ويقال في رواية من الروايات أن كعب بن الأشرف والجماعة الذين كانوا حوله أرادوا أن ينزل الوحي على كل واحد منهم بكتاب، فيقول الوحي لكعب: "يا كعب آمن بمحمد". ويًنَزَّلُ إلى كل واحد كتاباً بهذا الشكل الخصوصي. أو أن ينزل الله لهم كتاباً مخصوصاً مع القرآن. وكيف يطلبون ذلك وعندهم التوراة، ويوضح الله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تستكثر منهم يا محمد أن يسألوك كتاباً ينزل عليهم لأنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وطلبهم تنزيل الكتاب، هو طلب لفعل من الله، وقد سبق لهم الغلو أكثر من ذلك عندما قالوا لموسى:{أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً}. وهم بمثل هذا القول تعدوا من فعل الله إلى ذات الحق سبحانه وتعالى، لذلك لا تستكثر عليهم مسألة طلبهم لنزول كتاب إليهم، فقد سألوا موسى وهو رسولهم رؤية الله جهرة: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}. ولحظة أن ترى كلمة "الصاعقة" تفهم أنها شيء يأتي من أعلى، يبدأ بصوت مزعج. وقلنا من قبل أثناء خواطرنا حول آية في سورة البقرة: {أية : يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ} تفسير : [البقرة: 19] أي أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، وهذا دليل على أن صوت الصاعقة مزعج قد يخرق طبلة الأذن، ودليل على أن ازعاج الصاعقة فوق طاقة الانسداد بأصبع واحدة؛ لأن الإنسان ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف الأصبع لا بكل الأصابع. وبلغ من شدة ازعاج الصوت أنهم كلما وضعوا أناملهم في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج. إذن فالصاعفة صوت مزعج يأتي من أعلى، وبعد ذلك ينزل قضاء الله إما بأمر مهلك وإمّا بنار تحرق وإما بريح تدمر {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} والظلم هو أن تجعل حقاً لغير صاحبه؛ ولا تجعل حقاً لغير صاحبه إلا أن تكون قد أخذت حقاً من صاحبه. وسؤالهم هذا لون من الظلم؛ لأن الإدراك للأشياء هو إحاطة المُدْرِك بالمُدْرَك. وحين تدرك شيئاً بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشيء المدَرَك وحيَّزته بالتفصيل، وكذلك اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة، وكذلك الذوق ليحس الإنسان الطعم. إذن فمعنى الإدراك بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشيء المُدْرَك إحاطة شاملة جامعة. فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا الله جهرة، فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الإدراك وهي العين محيطة بالله. وحين يحيط المُدْرِك بالمُدْرَك، يقال قدر عليه. وهل ينقلب القادر الأعلى مقدوراً عليه؟ حاشا لله. وذلك مطلق الظلم ونهايته، فمن الجائز أن يرى الإنسان إنساناً، ولكن لا يستقيم أبدا ولا يصح أن ينقل الإنسان هذه المسألة إلى الله، لماذا؟ لأنه سبحانه القائل: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} تفسير : [الأنعام: 103] ومادام الله إلها قادراً فلن ينقلب إلى مقدور. ونحن إن أعطينا لواحد مسألة ليحلها، فهذا معناه أن فكرة قد قدر عليها. وأما إذا أعطيناه مسألة ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها. إذن فكل شيء يقع تحت دائرة الإدراك، يقول لنا: إن الآلة المدرِكة قد قدرت عليه. والحق سبحانه وتعالى قادر أعلى لا ينقلب مقدوراً لما خلق. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}. وكان يكفي بعد أن أخذتهم الصاعقة أن يتأدبوا ولا يجترئوا على الله، ولكنهم اتخذوا العجل من بعد أن جاوز الحق بهم البحر وعَبره بهم تيسيرا عليهم وتأييداً لهم وأراهم معجزة حقيقية، بعد أن قالوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] فقد كان البحر أمامهم وفرعون من خلفهم ولا مفر من هلاكهم؛ لأن المنطق الطبيعي أن يدركهم فرعون، وآتى الله سيدنا موسى إلهامات الوحي، فقال: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] لقد لجأ موسى إلى القانون الأعلى، قانون الله، فأمره الله أن يضرب بعصاه البحر، ويتفرق البحر وتصير كل فرقة كالطود والجبل العظيم، وبعد أن ساروا في البحر، وأغرق فرعون أمامهم، وأنجاهم سبحانه، لكنهم من بعد ذلك كله يتخذون العجل إلهاً!! هكذا قابلوا جميل الله بالنكران والكفران. {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} والسلطان المبين الذي آتاه الله لموسى عليه السلام هو التسلط والاستيلاء الظاهر عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم، وجاءوا بالسيوف لأن الله قد أعطى سيدنا موسى قوة فلا يخرج أحد عن أمره، والقوة سلطان قاهر. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} معناه عَلانِيةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} معناهُ بكُفرِهِمْ وتَوهمِهِم إِدْرَاكَ الله تَعالى جَهْرَةً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم. وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَّسُولا }. تفسير : وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟ بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب الأحوال مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا }. تفسير : فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به. من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم العجل إلهًا يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم. ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رفع الطور من فوق رءوسهم وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغماض والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري. ومن امتناعهم من دخول أبواب القرية التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل. ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة. وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم فنبذوه وراء ظهورهم. وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق. ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه. وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي. وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه. فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها. وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا [ ص 214 ] به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها. وقوله: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } يحتمل أن الضمير هنا في قوله: { قَبْلَ مَوْتِهِ } يعود إلى أهل الكتاب، فيكون على هذا كل كتابي يحضره الموت ويعاين الأمر حقيقة، فإنه يؤمن بعيسى عليه السلام ولكنه إيمان لا ينفع، إيمان اضطرار، فيكون مضمون هذا التهديد لهم والوعيد، وأن لا يستمروا على هذه الحال التي سيندمون عليها قبل مماتهم، فكيف يكون حالهم يوم حشرهم وقيامهم؟" ويحتمل أن الضمير في قوله: { قَبْلَ مَوْتِهِ } راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار. فإنه تكاثرت الأحاديث الصحيحة في نزوله عليه السلام في آخر هذه الأمة. يقتل الدجال، ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين. ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا، يشهد عليهم بأعمالهم، وهل هي موافقة لشرع الله أم لا؟ وحينئذ لا يشهد إلا ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن وَلِمَا دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، علمنا بذلك، لِعِلْمِنَا بكمال عدالة المسيح عليه السلام وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق وما عداه فهو ضلال وباطل. ثم أخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب كثيرا من الطيبات التي كانت حلالا عليهم، وهذا تحريم عقوبة بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم فمنعهم من كثير من الطيبات التي كانوا بصدد حلها، لكونها طيبة، وأما التحريم الذي على هذه الأمة فإنه تحريم تنزيه لهم عن الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):