Verse. 647 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَرَفَعْنَا فَوْقَھُمُ الطُّوْرَ بِمِيْثَاقِہِمْ وَقُلْنَا لَہُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَّقُلْنَا لَہُمْ لَا تَعْدُوْا فِي السَّبْتِ وَاَخَذْنَا مِنْہُمْ مِّيْثَاقًا غَلِيْظًا۝۱۵۴
WarafaAAna fawqahumu alttoora bimeethaqihim waqulna lahumu odkhuloo albaba sujjadan waqulna lahum la taAAdoo fee alssabti waakhathna minhum meethaqan ghaleethan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ورفعنا فوقهم الطور» الجبل «بميثاقهم» بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فقبلوه «وقلنا لهم» وهو مُظلِّ عليهم «ادخلوا الباب» باب القرية «سجدا» سجود انحناء «وقلنا لهم لا تعدوا» وفي قراءة بفتح العين وتشديد الدال وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي لا تعدوا «في السبت» باصطياد الحيتان فيه «وأخذنا منهم ميثاقا غليظا» على ذلك فنقضوه.

154

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} أي بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ منهم، وهو العمل بما في التوراة؛ وقد تقدّم رفع الجبل ودخولهم الباب في «البقرة». و {سُجَّداً} نصب على الحال. وقرأ ورش وحده {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعَدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} بفتح العين من عَدَا يَعْدو عَدْواً وعُدْواناً وعُدُوّاً وعَدَاءً، أي بٱقتناص الحيتان كما تقدّم في «البقرة». والأصل فيه تعتدوا أدغمت التاء في الدال؛ قال النحاس: ولا يجوز إسكان العين ولا يوصل إلى الجمع بين ساكنين في هذا، والذي يقرأ بها إنما يروم الخطأ. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} يعني العهد الذي أخذ عليهم في التوراة. وقيل: عهد مؤكد باليمين فسمي غليظاً لذلك.

البيضاوي

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ } بسبب ميثاقهم ليقبلوه. {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} على لسان موسى والطور مظل عليهم. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} على لسان داود عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يراد على لسان موسى حين ظلل الجبل عليهم، فإنه شرع السبت ولكن كان الاعتداء فيه والمسخ به في زمن داود عليه الصلاة والسلام، وقرأ ورش عن نافع {لاَ تَعْدُواْ} على أن أصله لا تتعدوا فأدغمت التاء في الدال، وقرأ قالون بإخفاء حركة العين وتشديد الدال والنص عنه بالإسكان. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} على ذلك وهو قولهم سمعنا وأطعنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ } الجبل {بِمِيثَٰقِهِمْ } بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه {وَقُلْنَا لَهُمُ } وهو مُظِلُّ عليهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } باب القرية {سُجَّدًا } سجود انحناء {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ } وفي قراءة بفتح العين وتشديد الدال[تعدّوا] وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي لا تعتدوا {فِى ٱلسَّبْتِ } باصطياد الحيتان فيه {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَٰقاً غَلِيظاً } على ذلك فنقضوه.

ابن عطية

تفسير : {الطور} الجبل اسم جنس، هذا قول، وقيل {الطور}: كل جبل غير منبت، وبالشام جبل قد عرف بالطور ولزمه الاسم وهو طور سيناء، وليس بالمرفوع على بني إسرائيل، لأن رفع الجبل كان فيما يلي فحص التيه من جهة ديار مصر، وهم ناهضون مع موسى عليه السلام، وقد تقدم في سورة البقرة قصص رفع الطور، وقوله {بميثاقهم} أي بسبب ميثاقهم أن يعطوه في أخذ الكتاب بقوة والعمل بما فيه، وقوله تعالى: {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجَّداً} هو باب بيت المقدس المعروف بباب حطة، أمروا أن يتواضعوا شكراً لله تعالى على الفتح الذي منحهم في تلك البلاد، وأن يدخلوا باب المدينة سجَّداً. وهذا نوع من سجدة الشكر التي قد فعلها كثير من العلماء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مالك بن أنس رحمه الله لا يراها. وقوله تعالى {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} أي على الحيتان وفي سائر الأعمال, وهؤلاء كانوا بأيلة من ساحل البحر فأمروا بالسكون عن كل شغل في يوم السبت فلم يفعلوا، بل اصطادوا وتصرفوا، وقد تقدم قصص ذلك، وأخذ الله تعالى منهم "الميثاق الغليظ" هو على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، أي بأنهم يأخذون التوراة بقوة، ويعملون بجميع ما فيها، ويوصلونه إلى أبنائهم ويؤدون الأمانة فيه. وقوله تعالى {فبما نقضهم} الآية، إخبار عن أشياء واقعوها هي في الضد مما أمروا به وذلك أن الميثاق الذي رفع الطور من أجله نقضوه، والإيمان الذي تضمنه {ادخلوا الباب سجداً} إذ ذلك التواضع إنما هو ثمرة الإيمان والإخبات جعلوا بدله كفرهم بآيات الله، وقولهم: حبة في شعرة وحنطة في شعيرة، ونحو ذلك مما هو استخفاف بأمر الله وكفر به، وكذلك أمروا أن لا يعتدوا في السبت، وفي ضمن ذلك الطاعة وسماع الأمر، فجعلوا بدل ذلك الانتهاء إلى انتهاك أعظم حرمة، وهي قتل الأنبياء، وكذلك أخذ "الميثاق الغليظ" منهم تضمن فهمهم بقدر ما التزموه، فجعلوا بدل ذلك تجاهلهم. وقولهم {قلوبنا غلف} أي هي في حجب وغلف، فهي لا تفهم، وأخبر الله تعالى أن ذلك كله عن طبع منه على قلوبهم، وأنهم كذبة فيما يدعونه من قلة الفهم، وقرأ نافع "تعْدّوا" بسكون العين وشد الدال المضمومة، وروى عنه ورش "تعَدّوا" بفتح العين وشد الدال المضمومة, وقرأ الباقون "لا تعْدوا" ساكنة العين خفيفة الدال مضمومة, وقرأ الأعمش والحسن "لا تعتدوا" وقوله تعالى: {فبما} ما زائدة مؤكدة، التقدير فبنقضهم، وحذف جواب هذا الكلام بليغ منهم، متروك مع ذهن السامع، تقديره لعناهم وأذللناهم، وحتمنا على الموافين منهم الخلود في جهنم. ثم قال تعالى: {وبكفرهم} أي في أمر عيسى عليه السلام، وقولهم على مريم بهتاناً، يعني رميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد، وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر و "البهتان": مصدر من قولك بهته إذا قابله بأمر مبهت يحار معه الذهن وهو رمي بباطل.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْبَابَ} باب الموضع الذي عبدوا فيه العجل، وهو باب من أبواب بيت المقدس، أو باب حطة. {لا تَعدَّوا} بارتكاب المحظورات، {لا تَعْدُواْ} الواجب. {مِّيثَاقَاً غَلِيظًا} هو ميثاق آخر غير الميثاق الأول، {غَلِيظاً} العهد بعد اليمين، أو بعض العهد ميثاق غليظ.

النسفي

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ } بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه {وَقُلْنَا لَهُمُ } والطور مطل عليهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً } أي ادخلوا باب إيلياء مطأطئين عند الدخول رؤوسكم {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ } لا تجاوزوا الحد «تَعدّوُا»: ورش «تعدوا» بإسكان العين وتشديد الدال: مدني غير ورش وهما مدغماً «تعتدوا» وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية، وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين {فِى ٱلسَّبْتِ } بأخذ السمك {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } عهداً مؤكداً. {فَبِمَا نَقْضِهِم } أي فبنقضهم و «ما» مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله «حرمنا عليهم طيبات» تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم، وقوله «فبظلم من الذين هادوا» بدل من قوله «فبما نقضهم» {مِيثَـٰقَهُمْ } ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك {وَكُفْرِهِم بَـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي معجزات موسى عليه السلام {وَقَتْلِهِمُ ٱلأنْبِيَاء } كزكريا ويحيـى وغيرهما {بِغَيْرِ حَقٍّ } بغير سبب يستحقون به القتل {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } هو رد وإنكار لقولهم «قلوبنا غلف» {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } كعبد الله بن سلام وأصحابه {وَبِكُفْرِهِمْ } معطوف على «فبما نقضهم» أو على ما يليه من قوله: «بكفرهم». ولما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم عطف بعض كفرهم على بعض: {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً } هو النسبة إلى الزنا {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ } سمي مسيحاً لأن جبريل عليه السلام مسحه بالبركة فهو ممسوح، أو لأنه كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحاً بمعنى الماسح {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } هم لم يعتقدوه رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون }تفسير : [الحجر: 6] ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك. {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } روي أن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير. فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل: كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى. وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون، «وشبه» مسند إلى الجار والمجرور وهو «لهم» كقولك «خيل إليه» كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه. أو مسند إلى ضمير المقتول لدلالة «إنا قتلنا» عليه كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } في عيسى يعني اليهود قالوا: إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، أو اختلف النصارى قالوا: إله وابن إله وثالث ثلاثة {لَفِى شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ } استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم يعني ولكنهم يتبعون الظن. وإنما وصفوا بالشك وهو أن لا يترجح أحد الجانبين، ثم وصفوا بالظن وهو أن يترجح أحدهما، لأن المراد أنهم شاكون مالهم به من علم ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا فذاك. وقيل: وإن الذين اختلفوا فيه أي في قتله لفي شك منه أي من قتله لأنهم كانوا يقولون إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى! {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } أي قتلاً يقيناً، أو ما قتلوه متيقنين، أو ما قتلوه حقاً فيجعل «يقيناً» تأكيداً لقوله «وما قتلوه» أي حق انتفاء قتله حقاً {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } إلى حيث لا حكم فيه لغير الله أو إلى السماء {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } في انتقامه من اليهود {حَكِيماً } فيما دبر من رفعه إليه.

البقاعي

تفسير : ولما بيَّن هذا من عظمته أتبعه أمراً آخر أعظم منه فقال: {ورفعنا} أي بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: {فوقهم الطور} أي الجبل العظيم، ثم ذكر سبب رفعه فقال: {بميثاقهم} أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه. ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته دليلاً على سوء طباعهم فقال: {وقلنا لهم} أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا {ادخلوا الباب} أي الذي لبيت المقدس {سجداً} أي فنقضوا ذلك العهد الوثيق وبدلوا {وقلنا لهم} أي على لسان موسى عليه الصلاة والسلام في كثير من التوراة {لا تعدوا} أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم {في السبت} أي لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال - تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً لأن العالم للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو {وأخذنا منهم} أي في جميع ذلك {ميثاقاً غليظاً *} وإنما جزمت بأن المراد بهذا - والله تعالى أعلم - على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى كرر التأكيد عليهم في التوراة في حفظ السبت، وأوصاهم به، وعهد إليهم فيه ما قل أن عهده في شيء من الفروع غيره، قال بعض المترجمين للتوراة في السفر الثاني في العشر الآيات التي أولها "أنا إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا يكون لك إله غيري" ما نصه: اذكر حفظ يوم السبت وطهره ستة أيام، كد فيها واصنع جميع ما ينبغي لك أن تصنعه، واليوم السابع سبت الله ربك، لا تعملن فيه شيئاً من الأعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ودوابك والساكن في قراك، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وجميع ما فيها، واستراح في اليوم السابع، ولذلك بارك الله اليوم السابع وقدسه، أكرم أباك - إلى آخر ما مر في سورة البقرة؛ ثم عاد العشر الآيات في أوائل السفر الخامس وقال في السبت: احفظوا يوم السبت وظهوره كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام، فاصنعوا ما أردتم أن تصنعوا فيها، فأما يوم السبت فأسبوع ربكم، لا تعملوا فيه عملاً أنتم وبنوكم وعبيدكم وإماؤكم وثيرانكم وحميركم وكل بهائمكم والساكن الذي في قراكم ليستريح عبيدكم - إلى آخر ما في أوائل هذه السورة عند {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} وقال في الثاني بعد ذلك: وقال الرب لموسى: وأنت فأمر بني إسرائيل أن تحفظوا السبوت، لأنها أمارة العهد وعلامة فيما بيني وبينكم لأحقابكم، فتعلموا أني أنا الرب إلهكم مقدسكم، احفظوا يوم السبت فإنه مطهر مخصوص لكم، ومن نقصه وأخذ العمل فيه فليقتل، ومن عمل عملاً فليهلك ذلك الإنسان من شعبه، اعملوا أعمالكم ستة أيام، واليوم السابع فهو يوم سبت قدس للرب، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وما فيها، وهذا في اليوم السابع ودفع إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة، وأبلغ في تأكيد حفظه عليهم في غير ذلك من المواضع، حتى أنه شرع لهم أسباب الأرض ونحوها، فقال في السفر الثاني أيضاً: ازرع أرضك ست سنين, واحمل أثقالها, وفي السنة السابعة ابذرها ودعها فيأكل مسكين شعبك، وما يبقى بعد ذلك يأكله حيوان البر, وكذلك فافعل بكرومك وزيتونك، اعمل عملك في ستة أيام وفي اليوم السابع تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك، وتستريح أمتك وابن أمتك والساكن في قراك، ثم ذكر الأعياد في السفر الثالث، وحرم العمل فيها؛ وقال في بعضها: وكل نفس يعمل عملاً في هذا اليوم تهلك تلك النفس من شعبها، فلا تعملوا فيه عملاً، لأنه سنة جارية لكم إلى الأبد في جميع مساكنكم، فليكن هذا اليوم سبت السبوت؛ ثم أمرهم بعيد المظال سبعة أيام وقال: ليعلم أحقابكم أنني أجلست بني إسرائيل في المظال حيث أخرجتهم من أرض مصر، ثم ذكر بعض القرابين وقال: ويصف هارون الخبز صفين في اليوم السادس وهو يوم الجمعة، ويكون ذلك من عيد بني إسرائيل؛ وكلم الرب موسى وقال له في طور سيناء كلم بني إسرائيل وقل لهم: إذا دخلتم الأرض التي أعطيكم ميراثاً تسبت الأرض سبتاً للرب، ازرعوا مزارعكم ست سنين واكسحوا كرومكم ست سنين، واستغلوا غلاتكم ست سنين، فأما السنة السابعة فلتكن سبت الراحة للأرض، لا تزرعوا مزارعكم، ولا تكسحوا كرومكم، ول تحصدوا ما ينبت في أرضكم في تلك السنة من غير أن يزرع، ولا تقطعوا عنب كرومكم، بل يكون سبت الراحة للأرض لكم ولبنيكم ولإمائكم ولإخوانكم وللسكان الذين يسكنون معكم، وأحصوا سبع مرات سبعاً سبعاً: تسعاً وأربعين سنة، وقدسوا سنة خمسين، وليكن رد الأشياء إلى أربابها، ولا تزرعوا أرضكم في تلك السنة، ولا تحصدوا ما نبت فيها، ولا تقطعوا عشبها لأنها سنة الرد، واتقوا الله لأني أنا الله ربكم، احفظوا وصاياي واعملوا بها، واحفظوا أحكامي واعملوا بها، واسكنوا أرضكم بالسكون والطمأنينة لتغل لكم الأرض غلاتها، وتأكلوا وتشبعوا وتسكنوها مطمئنين، وإن قلتم: من أين نأكل في السنة السابعة التي لا نزرع فيها فلا تهتموا! أنا منزل لكم بركاتي في السادسة، وتغل لكم أرضكم في تلك السنة غلة ثلاث سنين، حتى إذا زرعتم في السنة الثامنة لم تحتاجوا إلى غلتها، لأنكم تأكلون من السنة السادسة إلى التاسعة، وأما الأرض فلا تباع بيعاً صحيحاً أبداً، لن الأرض لي، وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا نسبة الاستراحة إليه سبحانه, هذا مع أنه أكد سبحانه العهود عليهم في التوحيد وحفظ الأحكام في جميع التوراة على نحو ما تراه فيما أنقله منها في هذا الكتاب. فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق، وأكثر من التقدم في حفظ العهد؛ بين أنهم نقضوا، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال: {فبما} مؤكداً بإدخال "ما" {نقضهم ميثاقهم} أي فعلنا بهم بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي، وقد تقدم كثير منه في القرآن، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي "حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا" ويكون من الطيبات العز ورغد العيش، وذلك جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به العناية من إفراده عطف الخاص على العام فقال: {وكفرهم بآيات الله} مما جاءهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء، فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض {وقتلهم الأنبياء} وهو أعظم من مطلق كفرهم، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب. ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة، ومبرئين من كل دنية، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه؛ قال: {بغير حق} أي كبير ولا صغير أصلاً. وهذا الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه، لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقاً وصفة راسخة، بخلاف ما مضى، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال: {وقولهم قلوبنا غلف} أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدةً عن فهم مثل ما يقول الأنبياء، لكونها في أغشية، فهي شديدة الصلابة، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفون بأشهر صفاته، ويترقبون إتبانه، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفاً على ما تقديره: وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان، فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفاً: {بل طبع الله} أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة {عليها} طبعاً عارضاً {بكفرهم} بل إنه خلقها أولاً على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وترك ما تدعو إليه عقولهم، طبع سبحانه وتعالى عليها. فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته، ولذا سبب عنه قوله: {فلا يؤمنون} أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم: طبع الله عليها فهي لا تعي، وتكون "بل" استدراكاً للطبع بالكفر وحده، لأنه ربما انضم إليه، وأن يكون أضرب عن قولهم: إنها في غلف، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام {إلا قليلاً *} من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران.

ابو السعود

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ} أي بسبب ميثاقِهم ليُعطوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبلَ فجاؤا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسبُ بما سيأتي من قوله عز وجل: {أية : وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً}تفسير : [الأحزاب: 9، النساء: 154] {وَقُلْنَا لَهُمُ} على لسان موسى عليه السلام والطورُ يظلِّلهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} قال قتادة: كنا نحدَّث أنه بابٌ من أبواب بـيتِ المقدس، وقيل: هو إيليا، وقيل: هو أريحا، وقيل: هو اسمُ قريةٍ، وقيل: بابُ القُبةِ التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخُلوا بـيتَ المقدسِ في حياة موسى عليه السلام {سُجَّدًا} أي متطامنين خاضعين {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ} أي لا تظلِموا باصطياد الحيتانِ {فِى ٱلسَّبْتِ} وقرىء لا تعتدوا ولا تعَدّوا بفتح العين وتشديد الدال على أن أصله تعتدوا فأدغمت التاءُ في الدال لتقاربهما في المخرج بعد نقل حركتها إلى العين {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ} على الامتثال بما كُلّفوه {مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} مؤكداً وهو العهدُ الذي أخذه الله عليهم في التوراة، قيل: إنهم أعطَوا الميثاقَ على أنهم إن همّوا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذِّبهم بأي أنواع العذاب أراد. {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} ما مزيدةٌ للتأكيد أو نكرةٌ تامةٌ ونقضُهم بدلٌ منها والباءُ متعلقةٌ بفعل محذوفٍ أي فسبب نقضِهم ميثاقَهم ذلك فعلْنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخِ وغيرِهما من العقوبات النازلةِ عليهم أو على أعقابهم. روي أنهم اعتَدَوا في السبت في عهد داودَ عليه السلام فلُعنوا ومُسِخوا قِردةً، وقيل: متعلقةٌ بحَرَّمْنا على أن قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ} تفسير : [النساء: 153] بدل من قوله تعالى: {فَبِمَا} وما عطف عليه فيكون التحريمُ معلّلاً بالكل، ولا يخفى أن قولَهم: إنا قتلنا المسيحَ وقولَهم على مريمَ البهتانُ متأخرٌ عن التحريم ولا مساغ لتعلّقها بما دل عليه قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] لأنه رد لقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155] فيكون من صلة قولِه تعالى: {وَقَوْلِهِمْ} المعطوفِ على المجرور فلا يعمل في جاره {وَكُفْرِهِم بَـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي بالقرآن أو بما في كتابهم {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ} كزكريا ويحيـىٰ عليهما السلام {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمعُ أغلفَ أي هي مغشاةٌ بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم أو هو تخفيفُ غُلُفٌ جمع غِلاف أي هي أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء، وقال الكلبـي: يعنون أن قلوبَنا بحيث لا يصل إليها حديثٌ إلا وعتْه ولو كان في حديثك خيرٌ لوعتْه أيضاً {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} كلامٌ معترِضٌ بـين المعطوفَين جيء به على وجه الاستطرادِ مسارعةً إلى رد زعمِهم الفاسدِ أي ليس كفرُهم وعدمُ وصولِ الحقِّ إلى قلوبهم لكونها غُلفاً بحسب الجِبِلّة بل الأمرُ بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم أو ليست قلوبُهم كما زعموا بل هي مطبوعٌ عليها بسبب كفرِهم {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} منهم كعبد اللَّهِ بن سلام وأضرابِه أو إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به.

القشيري

تفسير : ما زادهم في الظاهر آيةً إلا زادوا في قلوبهم جحداً ونُكْراً، فلم تنفعهم زيادة نصيب الإعلام؛ لمَّا لم تنفتح لشهودها بصائرُ قلوبهم، قال تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101].

اسماعيل حقي

تفسير : {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} الباء سببية متعلقة بالرفع. والمعنى لاجل ان يعطوا الميثاق لقبول الدين ـ روى ـ ان موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم فابوا قبولها فامر جبرائيل عليه السلام بقلع الطور فظلله عليهم حتى قبلوا فرفع عنهم {وقلنا لهم} على لسان موسى والطور مشرف عليهم {ادخلوا الباب} اى باب القرية وهى اريحا على ما روى من انهم دخلوا اريحا فى زمن موسى عليه السلام او باب القبة التى كانوا يصلون اليها فانهم لم يدخلوا بيت المقدس فى حياة موسى {سجدا} اى متطامنين منحنين شكرا على اخراجهم من التيه فدخلوها زحفا وبدلوا ما قيل لهم {وقلنا لهم} على لسان داود {لا تعدوا} اى لا تظلموا باصطياد الحيتان يقال عدا يعدو عدوا واعداء وعدوانا اى ظلم وجاوز الحد والاصل لا تعدووا بواوين الاولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعل صار بالاعلال على وزن لا تفعوا {فى} يوم {السبت} وكان يوم السبت يوم عبادتهم فاعتدى فيه اناس منهم فاشتغلوا بالصيد {واخذنا منهم} على الامتثال بما كلفوه {ميثاقا غليظا} اى عهدا مؤكدا غاية التأكيد وهو قولهم سمعنا واطعنا قيل انهم اعطوا الميثاق على انهم ان هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأى انواع العذاب اراد.

الطوسي

تفسير : [القراءة والحجة]: قرأ أهل المدينة {لا تعدوا} بتسكين العين وتشديد الدال والجمع بين ساكنين بمعنى لا تعتدوا، ثم ادغم التاء في الدال فصارت دالا مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ {يهتدي} بتسكين الهاء - وقووا ذلك بقوله: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} فجاء في هذه القصة افتعلوا وقال: {لا تعتدوا فإن الله لا يحب المعتدين} وقرأ الباقون بتسكين العين - من عدوت في الامر: اذا تجاوزت الحق فيه أعدو عدوانا وعداء وعدواً قال ابو زيد: عدا على اللص: اشد العدو. والعدو والعداء والعدوان اي سرقك وظلمك. وعدت عينه عن ذلك اشد العدو وتعدو وحجتهم قوله: إذ يعدون في السبت في هذه القصة وقوله: فاولئك هم العادون. [المعنى]: معنى قوله: {ورفعنا فوقهم الطور} يعني الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جآءهم به موسى بميثاقهم يعني بما اعطوا الله من الميثاق والعهد، ليعملن بما في التوراة. {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً} يعني باب حطه حين امرهم الله ان يدخلوا فيه سجوداً، فدخلوا على استاههم يزحفون. وقلنا لهم: {لا تعدوا في السبت} اي لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم الى ما حرم عليكم. قال قتادة: امرهم الله ان لا يأكلوا الحيتان يوم السبت، ولا يعرضوا لها. واحل لهم ما عداه. وقوله: {وأخذنا - منهم ميثاقاً غليظاً} يعني عهداً مؤكداً بأنهم يعملون ما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم الله عز وجل عنه. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجداً، وما كان من أمرهم في ذلك. قال ابن عباس: رفع الله فوقهم الجبل، فقيل لهم: إما ان تأخذوا التوراة بما فيها، أو يلقى عليكم الجبل. وقال ابو مسلم: رفع الله الجبل فوقهم ظلالاً لهم من الشمس بميثاقهم أي بعهدهم جزاء لهم على ذلك. والاول قول اكثر المفسرين.

الجنابذي

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} بياناً للسّلطان باىّ معنىً كان {بِمِيثَاقِهِمْ} بسبب تحصيل ميثاقهم {وَقُلْنَا لَهُمُ} على لسان مظهرنا وخليفتنا موسى (ع) {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} يعنى باب حطّة {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} يعنى جعلنا السّبت محترماً لهم ومنعناهم فيه عن بعض ما ابحناه لهم فى غيره كالصّيد {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} على ذلك، ولمّا كان مقصوده تعالى من كلّ قصّة وحكاية ذكر علىّ (ع) والتّرغيب فى الولاية عرّض بذكره بعد هذه الحكاية فكأنّه قال: يا امّة محمّد (ص) قد أخذنا عليكم الميثاق بالولاية فتذكّروا امّة موسى (ع) حتّى لا تصيروا بسبب نقض هذا الميثاق معاقباً مثلهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} أي الجبل {بِمِيثَاقِهِمْ} أي أخذ ميثاقهم على أن يأخذوا ما أمرهم به بقوة، أي بجدّ {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً} قال بعضهم: هو باب حطة. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُّوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيْثَاقاً غَلِيظاً} وقد فسَّرنا تعديهم في السبت في سورة البقرة. قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم {وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا نفقه قولك يا محمد. قال الحسن غُلْف أي: قلف لم تختن لقولك يا محمد. وقال مجاهد: يعني الطبع. قال الله: {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود. قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}. وهو ما قذفوا به مريم. والبهتان العظيم الكذب. وهم اليهود. {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} أي مسح بالبركة {رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي ألقى الله على رجل شبه عيسى فقُتِلَ ذلك الرجلُ. وقال بعضهم: ائتمروا بقتل عيسى وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. ذكروا أن عيسى قال لأصحابه: أيّكم يُلقى عليه شبهي وأنه مقتول؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله. فقُتِل ذلك الرجل ومنع الله نبيَّه ورفعه إليه. وقال مجاهد: صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إياه، ورفع الله عيسى حيّاً. قوله: {وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} كان بعضهم يقول: هم النصارى اختلفوا فيه فصاروا فيه ثلاث فرق. وقال بعضهم: صارت النصارى فيه فرقتين: فمنهم من شهد أنه قتل، ومنهم من زعم أنه لم يقتل. قال الله: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي ما قتلوا ظنهم يقيناً {بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به أنه أتى على يحيى وعيسى في السماء الثانية. قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يقول: قبل موت عيسى إذا نزل عليهم. {وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي يكون عليهم شهيداً يوم القيامة أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه. وبعضهم يقول: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يقول: عند موت أحدهم. وقال مجاهد: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يعني كل صاحب كتاب قبل موت صاحب الكتاب. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي. وإنه نازل لا محالة، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، بين ممصرتين إلى الحمرتين والبياض، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإِسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام. وتقع الأمانة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإِبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيَّاتِ لا يضر بعضهم بعضاً .

اطفيش

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ}: الجبل ومن بيانه. {بِمِيثَاقِهِمْ}: بسبب ميثاقهم، أعنى ليحصوا الميثاق، أعنى ليعطوا الميثاق، واعطاءه وتحصيله وقبوله هن بمعنى واحد، وذلك أن الله أنزل عليهم التوراة ليحكموا بها، والحكم بها شىء ألزمه الله اياهم، توثق به عليهم، فهو من الله عهد وميثاق اليهم. {وَقُلْنَا لَهُمُ}: بعد انزال التوراة، ورجوع موسى اليهم من الميقات، وقيل: عند الأمر بدخول باب القرية والقائل على الأول موسى، وعلى الثانى يوشع، وأسند الله القول الى نفسه، لأنه الموحى الآمر الخالق لقول من قال. {ادْخُلُوا البَابَ}: باب القرية. {سُجَّداً}: قيل لهم ذلك، والطور فوقهم عند الباب على القول الثانى، وسبق الكلام على ذلك فى البقرة. {وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِى السَّبْتِ}: أى لا تعدوا فيه لا تجاوزوا الحد فيه بايقاع الاصطياد فيه، فان الله حرم عليهم الصيد فيه على لسان موسى، فهذا القول الذى قال لهم الله هو على لسان موسى، ولكن الاعتداء والمسخ كان على عهد داود عليه السلام، وقيل: هذا القول على لسان داود، ولعله تكرر وكان على لسانهما. وقيل: المراد النهى عن العمل يوم السبت على لسانهما أو لسان موسى، وأصل تعدوا تعتدوا، أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فى الدال بعد نقل فتحتها الى العين، وتلك قراءة ورش عن نافع، وقرأ عنه قالون باسكان العين وتشديد الدال، وفيه التقاء الساكنين أن تمحض السكون وهو لا يجوز على غير حدهما، ولو قيل ما قيل وان لم يتمحض، بل أخفيت فتحة العين اخفاء فقط فهو قريب من التقائهما لضعف الفتحة، فلا يحسن تخفيفها الى السكون، ولا سيما ما بعدها سكون، والنص عن قالون الاسكان، وقرأ الجمهور باسكان العين وتخفيف الدال من عدا يعدو وهو مجاوزة الحد أيضا، حذفت الواو الأصلية لسكونها قبل واو الجمع الساكنة بعد حذف ضمتها، وقرىء لا تعتدوا بابقاء التاء. {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً}: أن يأتمروا بما أمرناهم به، وينتهوا عما نهيناهم عنه، فلا يعتدوا فى السبت وقالوا سمعنا وأطعنا، ثم نقضوا الميثاق.

اطفيش

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} الجبل، ليس الجبل المعروف بطور سيناء، بل هو جبل كانوا فى أصله معسكرين، وهو فرسخ فى فرسخ {بِمِيثَاقِهِمْ} بسبب ميثاقهم، أى ليحصل به أخذ الميثاق على أن يأخذوا التوراة ويعملوا بها، لو لم يقبلوها لسقط عنهم، وقيل، أخذ عليهم الميثاق أن يعملوا بما فى التوراة فنقضوا بعبادة العجل، ويرده أن العجل قبل نزول التوراة، وقيل، هموا بنقض الميثاق فى شأن العمل بالتوراة، فرفع فوقهم وتركوا النقض {وَقُلْنَا لَهُمُ} على لسان موسى أو لسان يوشع وهو أشهر {ادْخُلُوا البَابَ} باب بيت المقدس، أو أريحاء، وقيل باب إيلياء، وقيل: الباب اسم قرية، وقيل باب القبة التى يصلون إليها فى التيه، لأنهم لم يخرجوا من التيه فى حياة موسى {سُجَّداً} وعن ابن عباس ركعاً، وقيل سجداً، وقيل منحنين، خضوعا لله عز وجل، وشاكرين على الخروج من التيه، وفتح القرية بيت المقدس أو أريحاء، أو تسجدون عند قرب الباب، كذلك قيل، والطور مطلٌّ عليهم إن لم يدخلوا سجداً سقط {وَقَلْنَا لَهُمْ} على لسان داود وعلى لسان موسى، بأن قال لهم عند رفع الجبل على قبول التوراة، أو دخول الباب سجداً ما ذكر الله من قوله {لاَ تَعْدُوا} لا تعتدوا، أبدلت التاء دالا وأدغمت فى الدال {فِى السَّبْتِ} بصيد الحوت فيه، وذلك ظلم للحوت فيه، والنهى عن الصيد فيه، وجعله عيداً لهم فى عهد موسى عليه السلام والتعدى فيه، والمسخ فى زمن داود، ودخول التيه بعد نزول التوراة {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} على العمل بالتوراة وتعظيم السبت أو تحريم صيد الحوت فى السبت والميثاق، أنه إن هموا بالرجوع عن العمل بها أو السبت أو تحريم الصيد أهلكهم الله بأى عذاب شاء، أو الميثاق لقولهم سمعنا وأطعنا.

الالوسي

تفسير : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} وهو ما روي عن قتادة جبل كانوا في أصله فرفعه الله تعالى فجعله فوقهم كأنه ظلة، وكان كمعسكرهم قدر فرسخ في فرسخ وليس هو ـ على ما هو في «البحر» ـ الجبل المعروف بطور سيناء، والظرف متعلق ـ برفعنا ـ وجوز أن يكون حالاً من الطور أي رفعنا الطور كائناً فوقهم {بِمِيثَـٰقِهِمْ} أي بسبب ميثاقهم ليعطوه ـ على ما روي ـ أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع عليهم فقبلوها، أو ليخافوا فلا ينقضوا الميثاق ـ على ما روي ـ أنهم هموا بنقضه فرفع عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض، قيل: وهو الأنسب بقوله تعالى بعد: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً}، وزعم الجبائي أن المراد بنقض ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة فنقضوه بعبادة العجل، وفيه أن التوراة إنما نزلت بعد عبادتهم العجل كما مر آنفاً فلا يتأتى هذا، وقال أبو مسلم: إنما رفع الله تعالى الجبل فوقهم إظلالاً لهم من الشمس جزاءاً لعهدهم وكرامة لهم، ولا يخفى أن هذا خرق لإجماع المفسرين، وليس له مستند أصلاً. {وَقُلْنَا لَهُمُ} على لسان يوشع عليه السلام بعد مضي زمان التيه {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} قال قتادة فيما رواه ابن المنذر وغيره عنه: كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل: هو إيلياء، وقيل: أريحاء، وقيل: هو اسم قرية أو: قلنا لهم على لسان موسى عليه السلام والطور مظل عليهم ادخلوا الباب المذكور إذا خرجتم من التيه، أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها لأنهم لم يخرجوا من التيه في حياته عليه السلام والظاهر عدم القيد {سُجَّدًا} متطامنين خاضعين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ركعاً، وقيل: ساجدين على جباهكم شكراً لله تعالى. {وَقُلْنَا لَهُمُ} على لسان داود عليه السلام {لاَ تَعْدُواْ} أي لا تتجاوزوا ما أبيح لكم، أو لا تظلموا باصطياد الحيتان {فِى ٱلسَّبْتِ} ويحتمل ـ كما قال القاضي [البيضاوي] بيض الله تعالى غرة أحواله ـ أن يراد على لسان موسى عليه السلام حين ظلل الجبل عليهم فإنه شرع السبت لكن كان الاعتداء فيه، والمسخ في زمن داود عليه السلام، وقرأ ورش عن نافع {لاَ تَعْدُواْ} بفتح العين وتشديد الدال، وروي عن قالون تارة سكون العين سكوناً محضاً، وتارة إخفاء فتحة العين، فأما الأول فأصلها ـ تعتدوا ـ لقوله تعالى: {أية : ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ} تفسير : [البقرة: 65] فإنه يدل على أنه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان. فأريد إدغام تائه في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالاً وأدغمت، وأما السكون المحض فشيء لا يراه النحويون لأنه جمع بين ساكنين على غير حدّهما، وأما الإخفاء والاختلاس فهو أخف من ذلك لما أنه قريب من الإتيان بحركة مّا، وقرأ الأعمش ـ تعتدوا ـ / على الأصل، وأصل تعدوا في القراءة المشهورة ـ تعدووا ـ بواوين الأولى واو الكلمة والثانية ضمير الفاعل فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول ـ وهو الواو الأولى ـ وبقي ضمير الفاعل. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} أي عهداً وثيقاً مؤكداً بأن يأتمروا بأوامر الله تعالى وينتهوا عن مناهيه، قيل: هو قولهم: سمعنا وأطعنا وكونه {مّيثَـٰقاً} ظاهر، وكونه {غَلِيظاً} يؤخذ من التعبير بالماضي، أو من عطف الإطاعة على السمع بناءاً على تفسيره بها، وفي أخذ ذلك مما ذكر خفاء لا يخفى، وحكي أنهم بعد أن قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد، فإن صح هذا كانت وكادة الميثاق في غاية الظهور، وزعم بعضهم أن هذا الميثاق هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، وهو المذكور في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم} تفسير : [آل عمران: 81] الآية، وكونه {غَلِيظاً} باعتبار أخذه من كل نبـي نبـي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأخذ كل واحد واحد له من أمته فهو ميثاق مؤكد متكرر، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه السياق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} الآية. لم يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر، فتركوا العدوان في السبت أو لا، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} تفسير : [البقرة: 65] الآية. وقوله: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْت} تفسير : [الأعراف: 163] الآية.

القطان

تفسير : ورفعنا فوقهم جبل الطُّور المعروف كأنه ظُلَّة، مهدِّدين بإسقاطه عليهم، لِيوفوا بعهدهم بعد أن امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة. وقلنا لهم ادخلوا باب القرية خاضعين لله، وأمرناهم ألا يعتدوا يوم السبت فلا يتعاطون فيه عملا. وأخذنا منهم عهداً مؤكداً بذلك، لكنهم نقضوه.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِمِيثَاقِهِمْ} {مِّيثَاقاً} (154) - ثُمَّ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَمَا جَاءَ فِيهَا، فَظَهَرَ مِنْهُمْ إبَاءٌ وَتَمَرُّدٌ عَلَى مُوسَى، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَرَفَعَ اللهُ فَوْقَهُمْ جَبَلَ الطُّورِ، وَهَدَّدَهُمْ بِإسْقَاطِهِ عَلَيْهِمْ، إنْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِأحْكَامِهَا، فَخَافُوا وَقَبِلُوا العَمَلَ بِهَا. ثُمَّ أَمَرَهُمُ اللهُ بِأنْ يَدْخُلُوا بَابَ أَوَّلِ مَدِينَةٍ احْتَلُّوهَا فِي الأرْضِ سُجَّداً للهِ شُكْراً لَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ (أيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا وَذُنُوبَنَا) فَدَخَلُوهُ يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِمْ (أدْبَارِهِمْ) وَهُمْ يَقُولُونَ: (حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ). وَأمَرَهُمُ اللهُ بِأنْ يَلْتَزِمُوا بِأحْكَامِ السَّبْتِ، وَحُرْمَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ، فَاحْتَالُوا فِيهِ لِصَيْدِ الحِيتَانِ، عَنْ طَرِيقِ نَصْبِ الشِّبَاكِ لَهَا قَبْلَ حُلُولِ السَّبْتِ، وَجَمْعِهَا بَعْدَ انْقِضَائِهِ. وَأخَذَ اللهُ مِنْهُمْ عَهْداً مُؤَكَّداً (مِيثَاقاً غَلِيظاً) لَيَأْخُذُنَّ بِأحْكَامِ التَّوْرَاةِ بِقُوَّةٍ، وَلَيُقِيمُنَّ حُدُودَ اللهِ، وَلا يَتَجَاوَزُنَّها، فَخَالَفُوا وَعَصَوْا، وَارْتَكَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ، عَنْ طَرِيقِ الحِيلَةِ وَالخِدَاعِ. لاَ تَعْدُوا - لاَ تَعْتَدُوا بِصَيْدِ الحِيتَانِ. مِيثَاقاً غَلِيظاً - عَهْداً مُؤَكَّداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن اجتراؤهم في البداية كان في طلب رؤية الله جهرة، ثم العملية الثانية وهي اتخاذهم العجل إلها. ويعالج الله هؤلاء بالأوامر الحسية، لذللك نتق الجبل فوقهم: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} تفسير : [الأعراف: 171] مثل هؤلاء لا يرضخون إلا بالآيات المادية، لذلك رفع الله فوقهم الجبل، فإما ان يأخذوا ما آتاهم الله بقوة وينفذوا المطلوب منهم، وإما أن ينطبق عليهم الجبل، وهكذا نرى أن كل اقتناعاتهم نتيجة للأمر المادي، فجاءت كل الأمور إليهم من جهة المادة. {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}. أي أن يدخلوا ساجدين، وهذا إخضاع مادي أيضاً. وكان هذا الباب الذي أمرهم موسى أن يدخلوه ساجدين هو باب قرية أريحا في الشام. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} وسبحانه قال عنهم: {أية : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} تفسير : [الأعراف: 163] وكلمة "السبت" لها اشتقاق لغوي من "سبت" و"يسبت" أي سكن وهدأ. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} تفسير : [الفرقان: 47] أي جعل النوم سكنا لكم وقطعا لأعمالكم وراحة لأبدانكم. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} أي نهاهم الله أن يصطادوا في يوم السبت. ويأتي يوم السبت فتأتيهم الحيتان مغرية تخرج أشرعتها من زعانفها وهي تعوم فوق الماء، أو تظهر على وجه الماء من كل ناحية، وهذا من الابتلاءات. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} أي أن الأيام التي يكون مسموحاً لهم فيها بالصيد لا تأتي لهم الأسماك، ولذلك يحتالون ويصنعون الحظائر الثابتة من السلك ليدخلها السمك يوم السبت ولا يستطيع الخروج منها. لقد احتالوا على أمر الله. هكذا يبين الحق سبحانه وتعالى مراوغة بني إسرائيل. وفعل الله بهم كل ذلك ولكنهم احتالوا وتمردوا ورّدوه، وحين يهادن الحق القوم الذين يدعوهم إلى الإيمان فسبحانه يُقَدر أنه خلقهم ويُقدر الغريزة البشرية التي قد يكون من الصعب أن تلين لأول داع، فهو يدعوها مرة فلا تستقبل، فيعفو. ثم يدعوها مرة فلا تستقبل فيعفو، ثم يدعوها مرة فلا تستقبل فيعفو. وأخذ الله عليهم العهد الوثيق المؤكد بأن يطيعوه ولكنهم عصوا ونقضوا العهد، وبعد ذلك يقول لنا الخبر لنتعلم أن الله لا يمل حتى تملوا أيها البشر. فسبحانه يقول من بعد ذلك: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} معناهُ الجَبلُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن بقية نتائج الكفر بقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ} [النساء: 154] والإشارة فيها لأرباب العناية هداية على هداية تكون على أصحاب الجهالة ضلالة على ضلالة قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ} [النساء: 154]، كانت آية عظيمة من الآيات التي ابتلي بها بنو إسرائيل، وكان من خذلانهم وشؤم كفرانهم أنهم كلما رأوا آية في الظاهر زادوا جحدهم في الباطن، فلم ينفعهم زيادة نصب الإعلام لما لم ينفتح لشهودها بصائر قلوبهم قال الله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101]، فكلما ازداد جحودهم زاد بلاؤهم، فازداد ابتلاؤهم فابتلوا بدخول {ٱلْبَابَ سُجَّداً} [النساء: 154]، فما خرجوا عن عهدته فزاد البلاء والابتلاء فابتلوا بترك اصطياد الحوت، {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} [النساء: 154]، فاعتدوا فيه فزادهم البلاء والابتلاء فابتلوا بالأخذ، {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 154]، فنقضوا العهد وأرادوا الجحد، فلحقهم شؤم المخالفات بترك الموافقات إلى أن جرهم إلى الكفر بالآيات، ثم بشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا الأنبياء بغير حق، ثم بشؤم ذلك تجاسروا حتى ادعوا بشدة التفهم، {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155]، أدعية العلوم رد الله عليهم فقال: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155]؛ أي: ختم قلوبهم [بسبب] كفرهم وسوء معاملاتهم كما قال تعالى: {أية : بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14] محجوبون على العرفان حتى بالغوا في الخذلان وأوقعوا في البهتان كما قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} [النساء: 156]، فقوم تقوَّلوا على مريم فرموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحد في تعظيمها فقالوا: ابنها ابن الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال. ويقال: مريم عليهم السلام كانت ولية الله، فشقي بها فرقتان أهل الإفراط وأهل التفريط، وكذلك كل ولي سبحانه وتعالى، فمنكرهم شقي بترك احترامهم وطلب أذيتهم، والذين يعتقدون فيهم مالا يستوجبون يشقون بزيادة إعظامهم، وعلى هذه الجملة ورج الأكثرون.