٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
155
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في متعلق الباء في قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم } قولان الأول: أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا، لعنادهم وسخطنا عليهم، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن. الثاني: أن متعلق الباء هو قوله {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160] وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله {فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } بدل من قوله {فِمَا نَقْضِهِم }. واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجهان: أحدهما: أن من قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } إلى قوله {فَبِظُلْمٍ } الآيتين بعيد جداً، فجعل أحدهما بدلاً عن الآخر بعيد. الثاني: أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جداً لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة. المسألة الثانية: اتفقوا على أن (ما) في قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } صلة زائدة، والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 159]. المسألة الثالثة: أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور: أولها: نقض الميثاق. وثانيها: كفرهم بآيات الله، والمراد منه كفرهم بالمعجزات، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله. وثالثها: قتلهم الأنبياء بغير حق، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة. ورابعها: قولهم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ } وذكر القفال فيه وجهين: أحدهما: أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا، فكذبوا الأنبياء بهذا القول. والثاني: أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطى بالغلاف أي بالغطاء، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون، نظيره ما حكى الله في قوله {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تفسير : [فصلت: 5]. ثم قال تعالى: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }. فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبيّـن أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها، وهذا يليق بمذهبنا، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية، وهذا يليق بمذهب المعتزلة، إلاّ أن الوجه الأول أولى، وهو المطابق لقوله {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }. ثم قال: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لا يؤمنون إلاّ بموسى والتوراة، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم، وإلاّ فقد بيّنا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِّيثَاقَهُمْ} «فبِما نقضِهِمْ» خفض بالباء و «ما» زائدة مؤكدة كقوله: { أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] وقد تقدّم؛ والباء متعلقة بمحذوف، التقدير: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم؛ عن قتادة وغيره. وحذف هذا لعلم السامع. وقال أبو الحسن عليّ بن حمزة الكسائيّ: هو متعلق بما قبله؛ والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِّيثَاقَهُمْ} قال: ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بيّن من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم. وأنكر ذلك الطبريّ وغيره؛ لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان. قال المهدويّ وغيره: وهذا لا يلزم؛ لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم؛ على ما تقدّم في «البقرة». قال الزجاج: المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرّمنا عليهم طيباتٍ أحلت لهم؛ لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله: { أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } تفسير : [النساء: 160]. ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم. وقيل: المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلاً؛ والفاء مقحمة. و {وَكُفْرِهِم} عطف، وكذا و {قَتْلِهِمُ}. والمراد {بَآيَاتِ ٱللَّهِ} كتبهم التي حرّفوها. و «غُلْفٌ» جمع غِلاف؛ أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا. وقيل: هو جمع أغلف وهو المغطى بالغِلاف؛ أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول؛ وهو كقوله: { أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ } تفسير : [فصلت: 5] وقد تقدّم هذا في «البقرة» وغرضهم بهذا درء حجة الرسل. والطبع الختم؛ وقد تقدّم في «البقرة». {بِكُفْرِهِمْ} أي جزاء لهم على كفرهم؛ كما قال: « أية : بل لعنَهُمُ الله بكُفْرِهِم فلا يُؤْمِنُونَ إلاّ قليلاً » تفسير : [البقرة: 88] أي إلا إيماناً قليلاً أي ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع لهم. ثم كرر «وَبِكُفْرِهِمْ» ليخبر أنهم كفروا كفراً بعد كفر. وقيل: المعنى «وبِكُفْرِهِم» بالمسيح؛ فحذف لدلالة ما بعده عليه، والعامل في «بِكُفْرِهِم» هو العامل في «بِنَقْضِهِم» لأنه معطوف عليه، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «طَبَعَ». والبهتان العظيم رميها بيوسف النجار وكان من الصالحين منهم. والبهتان الكذب المفرِط الذي يتعجب منه وقد تقدّم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
البيضاوي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم، وما مزيدة للتأكيد والياء متعلقة بالفعل المحذوف، ويجوز أن تتعلق بحرمنا عليهم طيبات فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه إلى قوله فبظلم لا بما دل عليه قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا } مثل لا يؤمنون لأنه رد لقولهم قلوبنا غلف فيكون من صلة وقولهم المعطوف على المجرور فلا يعمل في جاره. {وَكُفْرِهِم بَـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } بالقرآن أو بما جاء في كتابهم. {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أوعية للعلوم، أو في أكنة مما تدعونا إليه. {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } فجعلها محجوبة عن العلم، أو خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر في المواعظ. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم كعبد الله بن سلام، أو إيماناً قليلاً إذ لا عبرة به لنقصانه.
ابن كثير
تفسير : وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام، قوله: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعاً غفيراً من الأنبياء عليهم السلام. وقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي: في غطاء، وهذا كقول المشركين: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} تفسير : [فصلت: 5] الآية، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعية للعلم، قد حوته وحصلته، رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة، قال الله تعالى: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول، لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان، { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: أنهم رموها بالزنا، وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد، وهو ظاهر من الآية، أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية، وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض. فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه، وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء؛ كقول المشركين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات التي كان يبرىء بها الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائراً، ثم ينفخ فيه، فيكون طائراً يشاهد طيرانه بإذن الله عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك، حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلاً مشركاً من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلاً يفتن الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب، امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام، وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر نفراً، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ} تفسير : [آل عمران: 55] الآية، فلما رفع، خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب، ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه، وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك؛ لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون، فإنهم ظنوا كما ظن اليهود، أن المصلوب هو المسيح بن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه، وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى: وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي: رأوا شبهه، فظنوه إياه، ولهذا قال: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} يعني بذلك: من ادعى أنه قتله من اليهود، ومن سلمه إليهم من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} أي: منيع الجناب، لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه، {حَكِيمًا} أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، يعني: فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: هو أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه، فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة، كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه، وكذا ذكره غير واحد من السلف، أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى، ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليه، صورهم الله عز وجل كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا، ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم جميعاً، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم، وقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك، وهذا سياق غريب جداً. قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهباً يقول: إن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت، وشق عليه، فدعا الحواريين، وصنع لهم طعاماً، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم، ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك، وتكارهوه، فقال: ألا من رد عليّ الليلة شيئاً مما أصنع، فليس مني، ولا أنا منه، فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم الليلة؛ مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله، أما تصبرون لي ليلة واحدة، تعينوني فيها؟ فقالوا: والله ما ندري مالنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمراً، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب الراعي وتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجدون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرىء المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعاً، ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: ما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبي إلا خير، وإن هذا شبه لهم، فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقدوا الذي باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام تبعهم يقال له يحيى، فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه، فلينذرهم وليدعهم، سياق غريب جداً. ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك، فاصرفها عني. وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دماً، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى عليه السلام. فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين، وكانوا اثني عشر رجلاً: فرطوس، ويعقوبس، ويلاونخس أخو يعقوب، واندراييس، وفيلبس، وابن يلما، ومنتا، وطوماس، ويعقوب بن حلقايا، ونداوسيس، وقتابيا، وليودس زكريا يوطا، قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيهم فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، وكانوا ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى عليه السلام، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى، قال: فلا أدري ما هو من هؤلاء الاثني عشر، أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه، فإن كانوا ثلاثة عشر، فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا، وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانياً فأسلم: أن عيسى حين جاءه من الله إني رافعك إلي، قال: يامعشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى عليه السلام، فدخلوا عليه، فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، وقد رأوهم، فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه، وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون، وفقدوا رجلاً من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهماً على أن يدلهم عليه، ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه، فإني سأقبله، وهو الذي أقبل، فخذوه، فلما دخلوا، وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشك أنه هو، فأكب عليه يقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن ليودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أنه ليودس زكريا يوطا، وهو الذي شبه لهم، فصلبوه، وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، والله أعلم أي ذلك كان. وقال ابن جرير عن مجاهد: صلبوا رجلاً شبه بعيسى، ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء حياً، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم } «ما» زائدة والباء للسببية متعلقة بمحذوف، أي لعناهم بسبب نقضهم {مَّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَئَايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلاْنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ } للنبي صلى الله عليه وسلم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ } لا تعي كلامك {بَلْ طَبَعَ } ختم {ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } فلا تعي وعظاً {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {... وَقَولِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} فيه قولان: أحدهما: أنها محجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق، كالمحجوب في غلافة، وهذا قول بعض البصريين. والثاني: يعني أنها أوعية للعلم وهي لا تفهم احتجاجك ولا تعرف إعجازك، وهذا قول الزجاج، فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضاً، وعلى التأويل الثاني إبطالاً. {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع، وهو قول بعض البصريين. الثاني: ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبداً ولا تطيع مرشداً، وهذا قول الزجاج. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} فيه تأويلان: أحدهما: أن القليل منهم يؤمن بالله. الثاني: لا يؤمنون إلا بقليل، وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم. قوله عز وجل: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ}، أما قولهم: {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} فهو من قول اليهود، أخبر الله به عنهم. أما {رَسُولَ اللهِ} ففيه قولان: أحدهما: أنه من قول اليهود بمعنى رسول الله في زعمه. والثاني: أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم، وتقديره: الذي هو رسولي. {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم كانوا يعرفونه فألقى شبهه على غيره، فظنوه المسيح فقتلوه، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، ووهب، والسدي. والثاني: أنهم ما كانوا يعرفونه بعينه، وإن كان مشهوراً فيهم بالذكر، فارتشى منهم يهودي ثلاثين درهماً، ودلهم على غيره مُوهِماً لهم أنه المسيح، فشُبِّهَ عليهم. والثالث: أنهم كانوا يعرفونه، فخاف رؤساؤهم فتنة عوامِّهم، فإن الله منعهم عنه، فعمدوا إلى غيره، فقتلوه وصلبوه، ومَوَّهُوا على العامة أنه المسيح، ليزول افتتانهم به. {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} فيه قولان: أحدهما: أنهم اختلفوا فيه قبل قتله، فقال بعضهم: هو إله، وقال بعضهم: هو ولد، وقال بعضهم: هو ساحر، فشكوا {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاَع الظَّنِّ} الشك الذي حدث فيهم بالاختلاف. والثاني: ما لهم بحاله من علم - هل كان رسولاً أو غير رسول؟ - إلا اتباع الظن. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقْيناً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وما قتلوا ظنَّهم يقيناً كقول القائل: ما قتلته علماً، وهذا قول ابن عباس، وجويبر. والثاني: وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو المسيح أو غيره، وهذا قول السدي. والثالث: وما قتلوه حقاً، وهو قول الحسن. {بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} فيه قولان: أحدهما: أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد، فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعاً إليه، وهذا قول بعض البصريين. والثاني: أنه رفعه إلى السماء، وهو قول الحسن. قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء، وهذا قول ابن عباس، وأبي مالك، وقتادة، وابن زيد. والثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر. والثالث: إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي، وهذا قول عكرمة. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} يعني المسيح، وفيه قولان: أحدهما: أنه يكون شهيداً بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره. والثاني: يكون شهيداً أنه بلَّغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه، وهذا قول قتادة، وابن جريج.
ابن عبد السلام
تفسير : {غُلْفٌ} أوعية للعلم، ومع ذلك فلا تفهم حجتك ولا إعجازك، أو محجوبة عن فهم دلائل صدقك كالمحجوب في غلافه. {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا} ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها فلا تفهم أبداً، أو جعل عليها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع. {إِلاَّ قَلِيلاً} منهم، أو إلاَّ بقليل وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَبِمَا نَقْضِهِم}: «ما» زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير: فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره: لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه: {وَبِكُفْرِهِمْ}: أيْ: بعيسَىٰ، و {قَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً}، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسَىٰ في المهد؛ و {قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ...} الآية: هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالَىٰ فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ؛ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون؛ فٱجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خَلَفِهِمُ المعاصِرِينَ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ: إنا قَتَلْنَا المسيحَ غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله: {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ}. وقوله تعالى: {رَسُولَ ٱللَّهِ}، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالَىٰ بصفةٍ لعِيسَىٰ، وهي الرسالةُ، علَىٰ جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسَىٰ؛ لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ؛ علَىٰ أنه عيسَىٰ، وعلَىٰ أنَّ عيسَىٰ كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسَىٰ. قال * ص *: و {عِيسَىٰ}: بدلٌ أو عطفُ بيانٍ من {ٱلْمَسِيحُ}، و {رَسُولَ ٱللَّهِ} كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً لـ {عِيسَىٰ}، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني. قُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المَعْنَىٰ. انتهى. ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسَىٰ، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه الجَعَائِلَ، وكان عيسَىٰ قد ٱنضوَىٰ إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه؛ حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسَىٰ، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه؛ حتى دلَّ علَىٰ مكانه، فلما أحَسَّ عيسَىٰ وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسَىٰ فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسَىٰ، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ، وروي أنَّ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَىٰ عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، فألقي عليه شبه عيسَىٰ، وروي أنَّ شَبَهَ عيسَىٰ أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحداً مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحداً مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عِيسَىٰ، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، وٱختلاطِ الأمْرِ. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ...} الآية: يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه؛ لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، ٱضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا علَىٰ صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو. وقولُه تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}، قال ابن عَبَّاس وجماعةٌ: المعنَىٰ: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقيناً، فالضميرُ في «قتلوه» عندهم عائدٌ على الظَّنِّ؛ كما تقُولُ: ما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْماً، قلْتُ: وعبارةُ السُّدِّيِّ: «وما قَتَلُوا أمره يقيناً أنَّ الرجُلَ هو عيسَى». انتهى من «مختصر الطَّبَرِيِّ»، وقال قومٌ: الضميرُ عائدٌ علَىٰ عيسَىٰ، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقيناً ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوَىٰ، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكاً فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ: الكلامُ تامٌّ في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ}، و {يَقِيناً}: مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ}، المعنى: نخبرُكُمْ يقيناً، أو نقصُّ عليكم يقيناً، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقيناً. وقال * ص *: بعد كلام: والظاهرُ أنَّ الضمير في {قَتَلُوهُ} عائدٌ إلَىٰ عيسَىٰ لِتَتَّحِدَ الضمائرُ، و {يَقِيناً}: منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ {قَتَلُوهُ}: أي: مستيقنين أنه عيسَىٰ، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقيناً. انتهى.
القشيري
تفسير : معناه لارتكابهم هذه المناهي، ولاتصافهم بهذه المخازي، أحللناهم منازل الهوان، وأنزلنا بهم من العقوبة فنون الألوان. ويقال لَحِقَهُمْ شؤم المخالفات حالة بعد حالة، لأن من عقوبات المعاصي الخذلان لغيرها من ارتكاب المناهي؛ فَبِنَقْضِهم الميثاق، ثم لم يتوبوا، جرَّهم إلى كفرهم بالآيات، ثم لشؤم كفرهم خذِلُوا حتى قتلوا أنبياءهم - عليهم السلام - بغير حقٍ، ثم لشؤم ذلك تجاسروا حتى ادَّعوا شدةَ التفَهُّم، وقالوا: قلوبنا أوعية العلوم، فَرَدَّ الله عليهم وقال: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فحَجَبَهُمْ عن محلِّ العرفان، فعمهوا في ضلالتهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فبما} ما مزيدة للتأكيد {نقضهم ميثاقهم} اى فبسبب نقضهم ميثاقهم ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم او على اعقابهم فالباء متعلقة بفعل محذوف {وكفرهم بآيات الله} اى بالقرآن او بما فى كتابهم عندهم {وقتلهم الانبياء بغير حق} كزكريا ويحيى عليهما السلام {وقولهم قلوبنا غلف} جمع اغلف اى هى مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل اليها ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ولا تفقه ما يقوله او هو تخفيف غلف بضم الغين واللام جمع غلاف اى هى اوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره {بل طبع الله عليها بكفرهم} كلام معترض بين المعطوفين جيىء به على وجه الاستطراد مسارعة على زعمهم الفاسد اى ليس كفرهم وعدم وصول الحق الى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة بل الامر بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم وليست قلوبهم كما زعموا بل هى مطبوع عليها بسبب كفرهم {فلا يؤمنون الا قليلا} منهم كعبد الله بن سلام واضرابه أو ايمانا قليلا لا يعبأ به لنقصانه وهو ايمانهم ببعض الرسل والكتب دون بعض او بالايمان الغير المعتبر لا يجب ان يسموا مؤمنين فهم كافرون حقا. واعلم ان نقض الميثاق صار سببا لغضب الخلاق فعلى المؤمن ان يراعى احكام عهده وميثاقه ليسلم من البلاء. وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال اقبل علينا رسول الله فقال "حديث : يا معشر المهاجرين خمس خصال اذا ابتليتم بهن واعوذ بالله ان تدركوهن لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها الا فشا فيهم الطاعون والاوجاع التى لم تكن مضت فى اسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا الكيل والميزان الا اخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة اموالهم الا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله الا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما فى ايديهم وما لم يحكم ائمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما انزل الله الا جعل الله بأسهم بينهم ".تفسير : قال فى المثنوى شعر : سوى لطف بى وفايان هين مرو كان بل ويران بودنيكوشنو نقض ميثاق وعهوداز بندكيست حفظ ايمان ووفا كار تقيست جرعه برخاك وفا آنكس كه ريخت كى تواند صيد دولت زوكريخت
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {فبما}: صلة زيدت للتأكيد، و {نقضهم}: مصدر مجرور بالباء، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، أي: بسبب نقضهم فَعَلنا بهم ما فعلنا، أو بقوله: {حرَمنا عليهم}، ويكون {فبظلم} على هذا بدلاً من قوله: {فبما نقضهم}، فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه. والاستثناء في قوله: {إلا اتباع الظن} منقطع؛ إذ العلم يناقض الظن. يقول الحقّ جلّ جلاله: فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا، بسبب نقضهم ميثاقهم، أو بسبب نقضهم وكفرهم {حرمنا عليهم طيبات أُحِلّت لهم}، وبسبب كفرهم أيضًا {بآيات الله}؛ القرآن، أو بما في كتبهم، {وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم غلف} أي: مغلفة لا تفقه ما تقول. قال تعالى في الرد عليهم: {بل طبع الله عليها بكفرهم}، فجعلها محجوبة عن العلم، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ، {فلا يؤمنون إلا قليلاً} منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إيمانًا قليلاً لا عبرة به لنقصانه، {وبكفرهم} أيضًا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم، {وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} أي: نسبتها للزنى وبقولهم: {إن قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} أي بزعمه، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشُّعَرَاء:27]، أو يكون استئنافًا من الله بمدحه، أو وضعًا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله البيضاوي. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم} رُوِي أن رهطًا من اليهود سبوه هو وأمه، فدعا عليهم، فمُسخوا قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فقال لهم: يا معشر اليهود، إن الله يبغضكم، فغضبوا وثاروا ليقتلوه، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خُوجة فيها كُوة في سقفها، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة، فأمر اليهود رجلاً منهم يقال له: طيطانوس، أن يدخل الخوخة ويقتله، فما دخل الخوخة، لم ير عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه، فطنوه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى عليه السلام، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة، فهو معهم في السماء إنسيًا ملكيًا، أرضيًا سماويًا. {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه} فقال بعض اليهود: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ ويقال: إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم، ولم يلق عليه شبه جسده، فلما قتلوه ونظروا إليه، فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} أي: لا علم لهم بقتله، لكن يتبعون الظن فقط. {وما قتلوه} قتلاً {يقينًا} كما زعموا بقولهم: إن قتلنا المسيح، {بل رفعه الله إليه} فهو في السماء الثانية مع يحيى عليه السلام، {وكان الله عزيزًا حكيمًا} أي: قويًا بالنقمة على اليهود، حكيمًا فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقضُ عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله، كحفظ حرمتهم، والوقوف مع أوامرهم، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم، والدنو منهم، والسعي في خدمتهم. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : [المعنى]: المعني في قوله: {بما نقضهم} قولان: احدهما - قال الفراء والزجاج وغيرهما: "إن (ما) زائدة". وتقديره فبنقضهم. والثاني - انها بمعنى شيء. وتقديره فبشيء ونقضهم. بدل منه ومجرور به. مثله قوله: {أية : مثلاً ما بعوضة } تفسير : وفيه القولان. والتقدير فبنقض هؤلاء الذين وصفهم من اهل الكتاب وميثاقهم يعني عهودهم التي عاهدوا الله عليها أن يعملوا بما في التوراة {وكفرهم بآيات الله} يعني جحودهم بايات الله. وهي اعلامه، وادلته التي احتج بها عليهم في صدق انبيائه، ورسله {وقتلهم الأنبياء بغير حق} يعني وقتلهم الانبياء بعد قيام الحجة عليهم بصدقهم بغير حق يعني بغير استحقاق منهم، لكبيرة أتوها ولا خطيئة استوجبوا بها القتل. وقتل الانبياء، وان كان لا يكون إلا بغير حق، فانما اكده بقوله: {بغير حق} ومعناه ما قدمنا القول فيه أنه لا يكون ذلك إلا بغير حق، كما قال: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} والمعنى إن هذا لا يكون عليه برهان. ومثله قول الشاعر: شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : وانما اراد لا منارها هناك يهتدى به. وقد استوفينا ما في ذلك فيما مضى {وقولهم قلوبنا غلف} تقديره يقولون: قلوبنا عليها غشاوة وأغطية لا نفقه ما تقول، ولا نعلق له، فاكذبهم الله في ذلك وقال الفراء والزجاج: معناه قلوبنا أوعية للعلم لا نفقة ما تقول. وقد بينا معنى الغلف فيما مضى. قوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم} والمعنى كذبوا في قولهم قلوبنا غلف ما هي بغلف، ولا عليها اغطية، بل طبع الله عليها بكفرهم. وقد بينا معنى الطبع فيما مضى. وهو أنه السمة والعلامة وسم الله تعالى وعلّم على قلوب قوم من الكفار الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون فيما بعد، وجعل ذلك عقوبة لهم على كفرهم الذي ارتكبوه في الحال تعرفه الملائكة. وقوله: {فلا يؤمنون إلا قليلاً} معناه فلا يصدقون الا تصديقا قليلا. وإنما وصفه بالقلة لانهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به لكن صدقوا ببعض الانبياء، وبعض الكتب وكذبوا بالبعض، فكان تصديقهم بما صدقوا به قليلا، لانهم، وان صدقوا به من وجه، فهم يكذبون به من وجه آخر. ويجوز أن يكون الاستثناء من الذين نفى الله عنهم الايمان فكانه علم انه يؤمن منهم جماعة قليلة فيما بعد، فاستثناهم من جملة من اخبر عنهم انهم لا يؤمنون. وبهذه الجملة قال جماعة المفسرين: قتادة وغيره. واختلفوا في قوله: {فبما نقضهم} هل هو متصل بما قبله من الكلام او منفصل منه، فقال قتادة هو منفصل وقال لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسله وكذبوا بآياته ونقضوا ميثاقه طبع الله على قلوبهم بكفرهم، ولعنهم وقال قوم: بل هو متصل بما قبله. قالوا: معناه فاخذتهم الصاعقة بظلمهم بنقضهم ميثاقهم، وبكفرهم بايات الله، وبقتلهم الأنبياء بغير حق، وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة، فتبع الكلام بعضه بعضا. ومعناه مردود على أوله، وجوابه قوله "فبظلم" من الذين قالوا الزجاج هو بدل من قوله: {فبما نقضهم} واختار الطبري الاول، وأنه منفصل من معنى ما قبله والمعنى. فيما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بايات الله وبكذا وكذا لعناهم، وغضبنا عليهم، فترك ذكر لعناهم لدلالة قوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم} على معنى ذلك من حيث كان من طبع على قلبه، فقد لعن وسخط عليه قال: وانما قلنا ذلك، لأن الذين اخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، الذين قتلوا الانبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا قتلنا عيسى، كانوا بعد موسى بدهر طويل، ومعلوم أن الذين اخذتهم الصاعقة لم تأخذهم عقوبة على رميهم مريم بالبهتان، ولا لقولهم: أنا قتلنا المسيح فبان بذلك أن الذين قالوا هذه المقالة غير الذين عوقبوا بالصاعقة. وقوله: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} معناه وبكفر هؤلاء الذين وصفهم، وقولهم على مريم بهتاناً يعني رميهم لها بالزنا، وهو البهتان وبفريتهم عليها، لانهم رموها وهي بريئة بغير بينة ولا برهان به بل هتوها بباطل القول. وهو قول ابن عباس والسدي والضحاك.
الجنابذي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ} فعلنا بهم ما هو مثل على السنتكم ومشهور بينكم بحيث لا حاجة الى ذكره من مسخهم وعقوباتهم الاُخر {وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ} فتنبّهوا حتّى لا تكفروا بعلىّ (ع) {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} فاحذروا ان تقتلوا عليّاً (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) فانّ شأنهم شأن الانبياء بل أرفع كما حدّثكم به نبيّكم {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} اوعية للعلوم استكباراً وارتضاءً بانفسهم، او فى اكنّةٍ استهزاءً بالانبياء فاحذروا ان تستبدّوا بآرائكم فى مقابلهم {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} اضراب وابطال لما قالوا واثبات لضدّه، يعنى ليس فى قلوبهم علم او ليس قلوبهم فى اكنّة بل طبع الله عليها بكفرهم {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ} ايماناً {قَلِيلاً} وهو الايمان العامّ النّبوىّ (ص) او الاّ قليلاً منهم
اطفيش
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِمِ مِيثَاقَهُمْ}: معطوف الفاء محذوف وبه تعلق الباء أى ففعلنا فيهم ما فعلنا من اللعن والسخط المسخ بسبب نقضهم ميثاقهم، وما صلة بين الجار والمجرور لتأكيد نقضهم، وتسببه فى الفعل بهم، ويجوز أن يكون التقدير فلعناهم بنقضهم، وأجيز أن يتعلق بحرمنا المذكور بعد فيكون حرمنا هو معطوف الفاء، وعلى هذا فيكون بظلم بدلا من قوله: بنقضهم، فتكون الفاء صلة فى قوله: فبظلم، وفى ذلك كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه. وفيه أيضا أن هذه الذنوب العظام انما ينبغى تفريع عقوبة عظيمة كاللعن لا تحريم طيبات أحلت لهم، فيعلق بما نقضهم بمحذوف كما رأيت، ويعلق بظلم بحرمنا بعده، ولو فسرنا هذا الظلم بهذه الذنوب العظام النقض وما بعده، لأنه ذكر حينئذ فالعطف بتحريم طيبات، وقد عاقب أيضا بغير تحريمها، ويضعف تعليقه بلا يؤمنون محذوفا، دل عليه بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا، لأنه يتكرر مع قوله لا يؤمنون، فيتكلف أنه قيد نفى الايمان ثانيا لاستثناء القليل بيانا للنفى الأول العام، ولأنه يعود بل طبع الله عليها الى هذا المحذوف الذى هو لا يؤمنون مع أو المتبادر أنه يعود الى قولهم: قلوبنا غلف بدليل قوله فى البقرة: { أية : وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم }تفسير : واذا علقناه بالمحذوف لم يكن، بل طبع ردا لقولهم: قلوبنا غلف، ولقولهم المعطوف، ومعنى نقضهم اصطيادهم فى السبت والعمل فيه، أو كل ما نهوا عنه وترك ما أمروا به، وعلى هذا الأخير يكون ذكر ما بعده تخصيصا بعد تعميم. {وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ}: بالقرآن والانجيل، وببعض التوراة، أو بآيات الله كلها، لأن الكفر ببعضها كفر بها كلها. {وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقًّ}: بلا موجب قتل ولو عندهم، وأما عند الله فلا يمكن أن يستحق نبى قتلا، وسبق الكلام على ذلك. {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: جمع غلاف بمعنى أنها مشتملة على العلم اشتمال الغلاف على ما غلف عليه، فلا نحتاج الى ما تزيدنا، أو جمع أغلف وهو ما تغطى بغيره بمعنى أنها فى أغطية لا نفهم ما تقول كقوله: {أية : فى أكنة مما تدعونا اليه }تفسير : الآية، ومن الكلام على ذلك. {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}: ختم عليها بكفرهم كما يختم على الشىء بغطائه فكفرهم خاتم عليها كسداد الخابية، ووكاء السقاء، فبعد كفرهم لا يدخلها علم ولا تتدبر وذلك خذلان وهو ترك توفيقهم، وكذا كان كفرهم بخذلان ولا خبر هناك. {فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً}: ايمانا قليلا لكفرهم بأكثر كتب الله، وذلك أنهم كفروا بغير موسى والتوراة، أو زمانا قليلا أو الا قليلا من الناس كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والاستثناء فى هذا الأخير منقطع، لأن المطبوع على قلبه لا يشتمل وآمن، اذ من طبع على قلبه لا يؤمن، ولانقطاعه نصب مع تقدم النفى، ولم يرفع على الابدال والاستثناء على الأولين مفرغ، وان لاحظنا على الأخير فى قوله: لا يؤمنون من لا يؤمن، مع قطع النظر عن كونه مطبوعا عليه بما كان الاستثناء متصلا، لكن الأولى حينئذ الابدال ولم يكن هنا بل نصب على الاستثناء.
اطفيش
تفسير : {فَبِمَا نَقضِهِمْ مِّيثَاقَهُمْ} لعناهم، يقدر لعناهم مؤخراً، كما فى المائدة، فهو أولى من تقدير فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والغضب وضرب الذلة والمسكنة وغير ذلك، مما تسبب فيه نقضهم، وما صلة لتأكيد، وقيل نكرة تامة، ونقض بدل منها، ولو علقنا الباب بحرمنا لزم تعليق حرفى جر لمعنى واحد بعامل واحد وذلك لا يجوز إلا فى العطف والبدل والتوكيد اللفظى، وعطف البيان على القول بجوازه فى الجمل، والجار والمجرور، وذلك أن يظلم متعلق بحرمنا، ودعوى أن فاء فبظلم زائدة فى البدل من قوله: فبما نقضهم ضعيف لطول ما بين البدل والمبدل منه، ولأن الأصل عدم الزيادة، ولا يسيغ زيادتها طول الفصل كما زعم بعض أنها زيدت، فيعلم بزيادتها، أنها ومدخولها بدل من الفاء ومدخولها، ولأن الكفر والنقض وقتل الأنبياء وقولهم قلوبنا غلف ذنوب عظام إنما يناسبها العقاب العظيم لا تحريم بعض المأكولات {وَكُفْرِهِم بِأَيآتِ اللهِ} القرآن والإنجيل والتوراة، وحججه الدالة على وحدانيته {وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} لا يكون قتل نبى حقَّا، ولكن ذكر بغير حق زيادة تشنيع، كأنه قيل، وقتلهم الأنبياء مع أن قتلهم أبداً غير حق، والمراد أنهم علموا أنه غير حق {وَقَوْلِهِمْ} للنبى صلى الله عليه وسلم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} تأبى قبول ما تقول لبطلانه، أو جعلت كذلك خلقة، والمفرد أغلف، كأفلف وقلف، كقوله تعالى: فى أكنة مما تدعونا إليه... الآية، أو أوعية للعلم فلا تحتاج إلى ما تقول إذ ملئت، فالمفرد غلاف ككتاب وكتب بالإسكان من الضم تخفيفا أو جمعاً على حدة {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَليهَا بِكْفْرِهِمْ} حجبها عن العلم، خذلاناً عن أن يوفقها لتدبر فى الآيات لا إجباراً، وإلا لم يذمهم، وهى كالبيت المقفل، والباء سببية، أو للآلة، وقيل: الطبع حقيق كما روى البزار والبيهقى عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصى واجترىء على الله، بعث الله الطابع فطبع على قلب العاصى فلا يعقل بعد ذلك شيئاً" تفسير : {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلآّ قَلِيلاً} أى إلا إيماناً قليلا، لأنهم لم يؤمنوا بكل ما يجب، بل بنبوة موسى ولم يعملوا بها، أو زماناً قليلا ثم يرتدون لا منصوب على الاستثناء من الواو، لأنه يترجح الإبدال لتقدم النفى، وقيل، لأن الواو لمن طبع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه لا يؤمن، قلت: لا مانع من إيمانه ببعض دون بعض، فهو الإيمان القليل، ولا من إيمانه زماناً قليلا ثم يرتد، ولا ينفعهم، فلا يمتنع نصبه على الاستثناء، من الواو، وأيضاً الإسناد فى الآية من إسناد ما للأكثر إلى الكل، ويجوز عود الواو إلى الكفرة بلا قيد الطبع، فيصح الاستثناء منه مع كون الإيمان صحيحاً كإيمان عبد الله بن سلام وأهله.
الالوسي
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ} في الكلام مقدر والجار والمجرور متعلق بمقدر أيضاً، والباء للسببية و (ما) مزيد لتوكيدها، والإشارة إلى أنها سببية قوية، وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام كما يفيده التقديم على العامل إن التزم هنا، وجوز أن تكون ـ ما ـ نكرة تامة، ويكون نقضهم بدلاً منهما أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم، وإن شئت أخرت العامل. واختار أبو حيان عليه الرحمة تقدير لعناهم مؤخراً لوروده مصرحاً به كذلك في قوله تعالى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ} تفسير : [المائدة: 13] وجوز غير واحد تعلق الجار ـ بحرمنا ـ الآتي على أن قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ} تفسير : [النساء: 160] بدل من قوله سبحانه: {فَبِمَا نَقْضِهِم}، وإليه ذهب الزجاج، وتعقبه في «البحر» بأن فيه بعداً لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه، ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سبباً إلا بتأويل بعيد، وبيان ذلك أن قولهم ـ على مريم بهتاناً عظيماً ـ وقولهم {أية : إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ} تفسير : [النساء: 157] متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم، واستحسنه السفاقسي، ثم قال: وقد يتكلف لحله بأن دوام التحريم في كل زمن كابتدائه، وفيه بحث، وجعل العلامة الثاني الفاء في {فَبِظُلْمٍ} على هذا التقدير تكراراً للفاء في {فَبِمَا نَقْضِهِم} عطفاً على {أية : أَخَذْنَا مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 154]، أو جزاء شرط مقدر، واستبعده أيضاً من وجهين: لفظي ومعنوي، وبين الأول بطول الفصل وبكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف العطف، أو الجزاء مع القطع بأن المعمول هو الجار والمجرور فقط، والثاني: بدلالته على أن تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة ومترتب عليه، ثم قال: ولو جعلت الفاء للعطف على {فَبِمَا نَقْضِهِم} كما في قولك: بزيد وبحسنه، أو فبحسنه أو ثم حسنه افتتنت لم يحتج إلى جعله بدلاً، وجوز أبو البقاء وغيره التعلق بمحذوف دل عليه قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} ورد بأن ذلك لا يصلح مفسراً ولا قرينة للمحذوف، أما الأول: فلتعلقه بكلام آخر لأنه رد وإنكار لقولهم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ }، وأما الثاني: فلأنه استطراد يتم الكلام دونه؛ وكونه قرينة لما هو عمدة في الكلام يوجب أن لا يتم دونه. والحاصل أنه لا بد للقرينة من التعلق المعنوي بسابقتها حتى تصلح لذلك، ومنه يعلم أنه لا مورد للنظر بأن الطبعين / متوافقان في العروض، أحدهما بالكفر، والآخر بالنقض، وقيل: هو متعلق بلا يؤمنون، والفاء زائدة، وقيل: بما دل عليه ولا يخفى ردّ ذلك. {وَكُفْرِهِم بَـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي حججه الدالة على صدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام والقرآن، أو ما في كتابهم لتحريفه وإنكاره وعدم العمل به. {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ} كزكريا ويحيى عليهما السلام {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع غلاف بمعنى الظرف، وأصله غلف بضمتين فخفف، أي أوعية للعلم فنحن مستغنون بما فيها عن غيره، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعطاء، وقال الكلبـي: يعنون إن قلوبنا بحيث لا يصل إليها شيء إلا وعته ولو كان في حديثك شيء لوعته أيضاً، ويجوز أن يكون جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية خَلْقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فيكون كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 5]. {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} كلام معترض بين المعطوفين جىء به على وجه الاستطراد مسارعة إلى ردّ زعمهم الفاسد، أي ليس الأمر كما زعمتم من أنها أوعية العلم فإنها مطبوع عليها محجوبة من العلم لم يصل إليها شيء منه كالبيت المقفل المختوم عليه، والباء للسببية، وجوز أن تكون للآلة، ويجوز أن يكون المعنى ليس عدم وصول الحق إلى قلوبكم لكونها في أكنة وحجب خلقية كما زعمتم بل لأن الله تعالى ختم عليها بسبب كفركم الكسبـي، وهذا الطبع بمعنى الخذلان والمنع من التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ عند الكثير وطبع حقيقي عند البعض، وأيد بما أخرجه البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترىء على الله تعالى بعث الله تعالى الطابع فطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئاً»تفسير : وأخرجه البيهقي أيضاً في «الشعب» إلا أنه ضعفه. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً فهو كالتصديق بنبوّة موسى عليه السلام وهو غير مفيد لأن الكفر بالبعض كفر بالكل كما مر، أو صفة لزمان محذوف أي زماناً قليلاً، أو نصب على الاستثناء من ضمير (لا يؤمنون) أي إلا قليلاً منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، ورده السمين بأن الضمير عائد على المطبوع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر لا يقع منه إيمان، وأجيب بأن المراد بما مر الإسناد إلى الكل ما هو للبعض باعتبار الأكثر. وقال عصام الملة: كما يجب استثناء القليل من عدم الإيمان المتفرع على الطبع على قلوبهم يجب استثناء قليل من القلوب من قلوبهم، فكأن المراد بل طبع الله تعالى على أكثرها فليفهم.
ابن عاشور
تفسير : التفريع على قوله: {أية : وأخذنا منهم ميثاقا غليظا}تفسير : [النساء: 154] والباء للسبيبة جَارّة لــ{نقضهم}، و(وما) مزيدة بعد الباء لتوكيد التسبّب. وحرف (ما) المزيد بعد الباء لا يكفّ الباء عن عمل الجرّ وكذلك إذا زيد (ما) بعد (من) وبعد (عن). وأمّا إذا زيد بعد كاف الجرّ وبعد ربّ فإنّه يكفّ الحرف عن عمل الجرّ. ومتعلَّق قوله {بما نقضهم}: يجوز أن يكون محذوفاً، لتذهب نَفْس السامع في مذاهب الهول، وتقديره: فعَلْنا بهم ما فَعَلْنا. ويجوز أن يتعلّق بـ{أية : حرّمْنا عليهم طيّبات أحلّت لهم}تفسير : [النساء: 160]، وما بينهما مستطردات، ويكون قوله: {أية : فبظلم من الذين هَادُوا}تفسير : [النساء: 160] كالفذلكة الجامعة لِجرائمهم المعدودة من قبل. ولا يصلح تعليق المجرور بــ{طَبَعَ} لأنَّه وقع ردّا على قولهم: {قلوبنا غلف}، وهو من جملة المعطوفات الطالبة للتعلّق، لكن يجوز أن يكون «طبع» دليلاً على الجواب المحذوف. وتقدّم تفسير هذه الأحداث المذكورة هنا في مواضعها. وتقدّم المتعلِّق لإفادة الحصر: وهو أن ليس التحريم إلاّ لأجلِ ما صنعوه، فالمعنى: ما حرمنا عليهم طيّبات إلاّ بسبب نقضهم، وأكّد معنى الحصر والسَّبب بما الزائدة، فأفادت الجملة حصراً وتأكيداً. وقوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم} اعتراض بين المعَاطيف. والطبع: إحْكام الغلق بجعل طين ونحوه على سدّ المغلوق بحيث لا ينفذ إليه مستخرِج ما فيه إلاّ بعد إزالة ذلك الشيء المطبوع به، وقد يَسِمُون على ذلك الغلق بسمة تترك رسماً في ذلك المجعول، وتسمّى الآلة الواسمة طابعاً ـــ بفتح الباء ـــ فهو يرادف الخَتْم. ومعنى {بكفرهم} بسببه، فالكفرُ المتزايد يزيد تعاصي القلوب عن تلقّي الإرشاد، وأريد بقوله: {بكفرهم} كفرهم المذكور في قوله: {وكفرهم بآيات الله}. والاستثناء في قوله: {إلا قليلاً} من عموم المفعول المطلق: أي لا يؤمنون إيماناً إلاّ إيماناً قليلا، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه إذ الإيمان لا يقبل القلّة والكثرة، فالقليل من الإيمان عدم، فهو كفر. وتقدّم في قوله: {أية : فقليلاً ما يؤمنون} تفسير : [البقرة: 88]. ويجوز أن يكون قلّة الإيمان كناية عن قلّة أصحابه مثل عبد الله بن سلاَم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فبما نقضهم: الباء سببية أي فبسبب نقضهم ميثاقهم، والنقض: الحل بعد الإِبرام بغير حق: أي بدون موجب لقتلهم، ولا موجب لقتل الأنبياء قط. غلف: جمع اغلف وهو ما عليه غلاف يمنعه من وصول المعرفة والعلم إليه. بهتاناً عظيما: البهتان الكذب الذي يحير من قيل فيه والمراد هنا رميهم لها بالزنى. وما صلبوه: أي لم يصلبوه، والصلب شدة على خشبة وقتله عليها. وإن من أهل الكتاب: أي وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن عند حضور الموت أن عيسى عبد الله ورسوله فما هو ابن زنى ولا ساحر كما يقول اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يقول النصارى. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن اليهود وبيان الجرائم التي كانت سبباً في لعنهم وذلهم، وغضب الله تعالى عليهم، وهذا تعداد تلك الجرائم الواردة في الآيات الثلاث الأولى في هذا السياق وهي [155- 156- 157]. 1- نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بما في التوراة. 2- كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم. 3- قتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة. 4- قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإِسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولا وعملا هذا ما تضمنته الآية الأولى وهي قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ..} (والباء سببية والميم صلة والأصل فبنقضهم أي بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم، {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إيماناً قليلا كإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلا. 5- كفرهم أي بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضا. 6- قولهم على مريم بهتاناً عظيماً حيث رموها بالفاحشة وقالوا عيسى ابن زنى لعنهم الله. 7- قولهم متبجحين متفاخرين أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وهو رسول الله، وأكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله {.. وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ..} أي برجل آخر ظنوه أنه هو فصلبوه وقتلوه، وأما المسيح فقد رفعه الله تعالى إليه وهو عنده في السماء كما قال تعالى في الآية [158] {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي غالباً على أمره حكيما في فعله وتدبيره. وأما قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}، هذا إخبار من الله تعالى بحقيقة أخرى وهي أن الذين طوقوا منزل المسيح وهجموا عليه ليلقوا عليه القبض من أجل أن يقتلوه هؤلاء اختلفوا في هل الرجل الذي ألقي عليه شبه عيسى هو عيسى أو غيره إنهم لم يجزموا أبداً بأن من ألقوا عليه القبض وأخرجوه فصلبوه وقتلوه هو المسيح عليه السلام، ولذا قال تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.. }. أما الآية الأخيرة في هذا السياق [159] فإن الله تعالى أخبر أنه مامن يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو ابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإِيمان لا ينفع صاحبه لأنه حصل عند معاينة الموت قال تعالى {أية : .. وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ..} تفسير : [النساء: 18] هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق الذي جاء به. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان جرائم اليهود. 2- بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى عليه السلام. 3- تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا. 4- الإيمان كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
القطان
تفسير : فسبب نقضهم للميثاق الذي أُخذ عليهم، إذ أحلّوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحلّه من جراء كفرهم بآيات ربهم، وقتلهم الأنبياءَ الذين ارسلناهم، ظلماً وعدوانا، وإصرارهم على الضلال بقولهم: ان قلوبَنا غُلْف لا تعي شيئا ـ ختم الله على قلوبهم وأبقاهم في كفرهم فلا يؤمن منهم الا نفر قليل.
د. أسعد حومد
تفسير : {مِّيثَاقَهُمْ} {بَآيَاتِ} (155) - فَبِسَبَبِ نَقْضِ هَؤُلاَءِ اليَهُودِ لِلْمِيثَاقِ الذِي وَاثَقَهُمُ اللهُ بِهِ، (إذْ أحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ، وَحَرَّمُوا مَا أحَلَّ اللهُ). وَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بآيات الله وَمُعْجِزَاتِهِ الدَّالَّةِ على صِدْقِ أنْبِيَائِهِ، وَبِسَبَبِ قَتْلِهِم الأنْبِيَاءَ ظُلْماً وَعُدْوَاناً وَاجْتِرَاءً عَلَى مَحَارِمِ اللهِ، وَبِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنَا مُغَلَّفَةٌ بِغِطَاءٍ لاَ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ وُصُولُ العِلْمِ وَالهُدى إليها (غُلفٌ) ... فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاعْتِدَاءِ وَالتَّجَاوُزِ عَلَى أوَامِرِ اللهِ وَحُدُودِهِ وَشَرْعِهِ، فَعَلَ اللهُ بِهِمْ مَا فَعَلَ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ لَيْسَتْ مُغَلَّفةً، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَيْهَا بِالكُفْرِ، فَلاَ يَصِلُ إليها إِلاَّ قَلِيلٌ مِنَ الإِيمَانِ (أَوْ إنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاّ قَلِيلُونَ). قُلُوبُنَا غُلْفٌ - مُغَطَّاةٌ بِأغْطِيَةٍ خِلْقِيَّةٍ فَلا تَعِي. طَبَعَ اللهُ عَلَيهَا - خَتَمَ عَلَيْهَا فَحَجَبَهَا عَنِ العِلْمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد نقضوا كل المواثيق والأشياء التي تقدمت. ومعنى الميثاق هو العهد المؤكد الموثق. ونقض الميثاق هو حله، وهذا ما يستوجب ما يهددهم الله به، وكفروا بآيات الله التي أنزلها لتؤيد موسى عليه السلام، وقتلوا أنبياء الله بغير حق. وادعوا - تعليلاً لذلك - أن قلوبهم غلف لا تسمع للدعوى الإيمانية، أي أن قلوبهم مغلفة مغطاة أي جُعل عليها غلافٌ، بحيث لا يخرج منها ما فيها ولا يدخل فيها ما هو خارج عنها. وأرادوا بذلك الاستدراك على الله، فقالوا: قلوبنا لا يخرج منها ضلال ولا يدخل فيها إيمان. وسبق أن تقدم مثل هذا في قول الحق: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 6-7] ونقول: أهي القلوب خُلقت غلفاً.. أي أن القلوب خلقت مختوماً عليها بحيث لا يدخلها هدى ولا يخرج منها ضلال، أم أنتم الذين فعلتم الختم وأنتم الذين صنعتم الغلاف؟ وسبحانه أوضح في آيتي سورة البقرة أنه جل وعلا الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة. فالختم على القلب حتى لا يتعرفوا إلى الدليل؛ لأن القلب محل الأدلة واليقين والعقائد. والختم على الأسماع والأبصار هو الختم على آلات إدراك الدلائل البينات على وجود الحق الأعلى؛ فمقر العقائد مختوم عليه وهو القلب، ومضروب على الآذان وعلى البصر غشاوة، فهل هذا كائن بطبيعة تكوين هؤلاء؟ لا؛ لأنه إذا كان هذا بطبيعة التكوين فلماذا خصَّهم الله بذلك التكوين؟ ولماذا لم يكن الذين اهتدوا مختوماً لا على قلوبهم ولا على أسماعهم ولا على أبصارهم؟ غير أن الواحد منهم يبرر لنفسه وللآخرين انحرافه وإسرافه على نفسه بالقول: "خلقني الله هكذا" وهذا قول مزيف وكاذب؛ لأن صاحبه إنما يكفر أولاً، فلما كفر وانصرف عن الحق تركه الله على حاله؛ لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك، فمن اتخذ مع الله شريكاً فهو للشريك وليس لله. إذن فالختم جاء كنتيجة للكفر. وقدمت آيات سورة البقرة الحيثية: أن الكفر يحدث أولاً، ثم يأتي الختم على القلب والسمع والبصر نتيجة لذلك. وهنا في آية سورة النساء: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}. فالكفر جاء أولاً، وفي ذلك رد على أي إنسان يقول: "إن الله لا يهديني". ولا يلتفت إلى أن الله لا يهدي من كفر به، وكذلك الفاسق أو الظالم، والمثال الأكبر على ذلك إبليس الذي كفر أولاً. وبعد ذلك تركه الله لنفسه واستغنى عنه. ولنا هنا وقفة لفظية مع قوله الحق: {فَبِمَا نَقْضِهِم} لأن الفهم السطحي لأصول الأسلوب قد يتساءل: لماذا جاءت "ما" هنا؟ وبعضهم قال: إن "ما" هنا زائدة. ونقول: إياك أن تقول إن في كلام الله حرفاً زائداً؛ لأن معنى ذلك أن المعنى يتم بغير وجوده ويكون فضولاً وزائدا على الحاجة ولا فائدة فيه، ولكن عليك أن تقول: "أنا لا أفهم لماذا جاء هذا الحرف"، خصوصاً ونحن في هذا العصر نعيش كأمة بلاغتها مصنوعة، ولا نملك اللسان العربي المطبوع. ولولا أننا تعلمنا العربية لما استطعنا أن نتكلمها. أما العربي الفصيح الذي نزل عليه القرآن فقد كان يتكلم اللغة العربية دون أن يجلس إلى معلم، ولم يتلق العلم بأن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب بل تكلم اللغة بطبيعته وملكته. أما نحن فنعيش في زمن مختلف. وطغت علينا العجمة وامتلأت آذاننا باللحن، وصرنا نُعلّم أنفسنا قواعد اللغة العربية حتى نتكلم بأسلوب صحيح. وقد جاءت القواعد في النحو من الاستنباط من السليقة العربية الأولى التي كانت بغير تعليم. واستقرأ العلماء الأساليب العربية فوجدوا أن الفاعل مرفوع والمثنى يُرفع بالألف، وجمع المذكر السالم يُرفع بـ "الواو"؛ وهكذا أخذنا القواعد من الذين لا قواعد لهم بل كانوا يتكلمون بالسليقة وبالطبيعة والملكة. لقد سمع العربي قديماً ساعة نزل القرآن قوله الحق: {فَبِمَا نَقْضِهِم} ولم ينتبه واحد منهم إلى أن شيئاً قد خرج عن الأسلوب الصحيح، ونعلم أن بعضاً من العرب كانوا كافرين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصدقون القرآن، ولو كانت هناك واحدة تخرج عن المألوف في اللغة لصرخوا بها وأعلنوها. ولكن القرآن جاء بالكلام المعجز على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغهم به، موضحاً: جئت بالقرآن معجزة تعجزون عن محاكاته؛ مع أنكم عرب وفصحاء. والمتحدَّى يحاول دائماً أن يتصيد خطأ ما، ولم يقل واحد من العرب إن في القرآن لحناً، وهذا دليل على أن الأسلوب القرآني يتفق مع الملكة العربية. وقوله الحق: {فَبِمَا نَقْضِهِم} هي في الأصل: بنقضهم الميثاق فعلنا بهم ما صاروا إليه، و"ما" جاءت هنا لماذا؟ قال بعض العلماء: إنها "ما" زائدة، وهي زائدة للتأكيد. ونكرر: إياك أن تقول إن في كلام الله حرفاً زائداً، لقد جاءت "ما" هنا لمعنى واضح. والحق في موقع آخر من القرآن يقول: {أية : مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} تفسير : [المائدة: 19] وقالوا: إن أصل العبارة "ما جاءنا بشير"، وإن "مِن" جاءت زائدة حتى يتسق اللفظ. ونقول: لو أن العبارة جاءت كما قالوا لما استقام المعنى، ولإيضاح ذلك أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - عندما يقول واحد: "ما عندي مال" فهذا نفى أن يكون عند القائل مال، ولعل لديه قدراً من المال القليل الذي لا يستأهل أن يسميه مالاً. ولكن إذا قال واحد: "ما عندي من مال" فالمعنى أنه لا يملك المال على إطلاقه أي أنه مفلس تماماً، ولا يملك أي شيء من بداية ما يقال إنه مال. إذن "ما جاءنا بشير" ليست مثل قوله: "ما جاءنا من بشير". فالمعنى أنه لم يأتهم أي رسول بشير أو نذير من بداية ما يقال إنه رسول. إذن فقوله الحق: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي بسبب نقض الميثاق فعلنا بهم كذا. لماذا إذن أثار العلماء هذه الضجة؟ السبب في ذلك هو وجود ما بعد "الباء" وقبل المصدر، أي أنهم نقضوا العهد بكل صورة من صوره، فنقض العهد والميثاق له صور متعددة فـ (ما) هنا استفهامية جاءت للتعجيب أي على أيَّة صورة من صور نقض ونكث العهد لعناهم؟ لعناهم لكثرة ما نقضوا من العهود والمواثيق. والحق قد قال: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 155] ولم يقل: فبما نقضتم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف، طبع الله على قلوبهم. فوجود "بل" يدلنا على أن هناك أمراً أضربنا عنه. فنحن نقول: جاءني زيد بل عمرو. أي أن القائل قد أخطأ، فقال: "جاءني زيد" واستدرك لنفسه فقال: "بل عمرو". وبذلك نفى مجيء زيد وأكد مجيء عمرو. والحق قال: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}. كان المقتضي في الأسلوب العادي أن يقول: "بكفرهم وبقتلهم الأنبياء طبع الله على قلوبهم". ولكن سبحانه لم يقل ذلك لحكمة بالغة. وحتى نعرف تلك الحكمة فلنبحث عن المقابل لـ "طبع الله على قلوبهم"، المقابل هو "فتح الله على قلوبهم بالهدى". وجاء قول الحق معبراً تمام التعبير عن موقفهم : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا}. وهكذا نرى عظمة القرآن الذي يأتي بالمعنى الدقيق ويجب أن نفكر فيه ونتدبر كل كلمة منه. الحق - إذن - يقدم الأسباب لما صنعه بهم بالحيثيات، من نقضهم للميثاق، وكفرهم بآيات الله، وبقتلهم للأنبياء بغير حق؛ لذلك لم يفتح الله عليهم بالهدى، بل طبع الله على قلوبهم بالكفر. فوجود "بل" دليل على أن هناك أمراً قد نفي وأمراً قد تأكد. والأمر الذي نفاه الله عنهم أنه لم يفتح عليهم بالهدى والإيمان، والأمر الذي تأكد أنه سبحانه قد طبع على قلوبهم بالكفر. وفي آية أخرى قال عنهم: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 88] فقلوبهم ليست غلفاً، ولكن هي لعنة الله لهم وإبعاده لهم وطردهم واستغناؤه عنهم؛ لذلك تركهم لأنفسهم فغلبت عليهم الشهوات. ولماذا ذيل الحق الآية بقوله: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}؟ لأن المقصود به عدم إغلاق باب الإيمان على إطلاقه أمام هؤلاء الناس، وهو - كما عرفنا من قبل - "صيانة الاحتمال". فقد يعلن واحد من هؤلاء إيمانه الذي خبأه في نفسه، فكيف يجد الفرصة لذلك إن كان الله قد قال عنهم جميعاً {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}؟ إن الذي يَرْغَبُ في إعلان الإيمان منهم لا يجد الباب مفتوحاً، ولكن عندما يجد الحق قد قال: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} فهو يعلم أن باب الإيمان مفتوح للجميع. وبعد ذلك يقول الحق: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا} معناهُ خَتَمَ عليهَا.
الأندلسي
تفسير : قال ابن عطية: وحذف جواب هذا الكلام بليغ متروك مع ذهن السامع. انتهى تسمية ما يتعلق به المجرور بأنه جواب اصطلاح لم يعهد في علم النحو ولا تساعده اللغة لأنه ليس بجواب. والظاهر في قوله: ويكفرهم، وقولهم: انه معطوف على قوله: فبما نقضهم، وما بعده على أن الزمخشري أجاز أن يكون قوله: وبكفرهم. وقولهم معطوفاً على بكفرهم وتكرر نسبة الكفر إليهم بحسب متعلقاته إذ كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض. قال الزمخشري: أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنه قيل فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا. وقال الزمخشري أيضاً: فإِن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: بل طبع الله عليها، بكفرهم فيكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم بل طبع الله عليها بكفرهم. قلت: لم يصح هذا التقدير لأن قوله: بل طبع الله عليها بكفرهم، ردوا إنكار لقولهم: قلوبنا غلف، فكان متعلقاً به "انتهى". وهو جواب حسن ويمتنع من وجه آخر وهو أن العطف ببل يكون للإِضراب عن الحكم الأول وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول أو الانتقال فاما في كتاب الله تعالى في الاخبار فلا يكون إلا للانتقال ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الأولى، والذي قدره الزمخشري لا يسوغ فيه هذا الذي قدرناه لأن قوله: فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقولهم قلوبنا غلف، بل طبع الله على قلوبهم. هو مدلول الجملة التي صحبتها بل وهو قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}. فأفادت الجملة الثانية ما أفادت الجملة الأولى وهو لا يجوز لو قلت: مر زيد بعمرو بل مر زيد بعمرو لم يجز. وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم وكذا وكذا طبع الله على قلوبهم، وقيل: التقدير فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلاً والفاء مقحمة وما في قوله: فبما، كهي في فبما رحمة، وتقدم الكلام عليها. والبهتان العظيم هو رميها عليها السلام بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى عليه السلام في المهد، وقولهم رسول الله هو على سبيل الاستهزاء منهم. كقول فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. وفي الكلام حذف تقديره وصلبناه ولذلك نفاه في قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} وهذا إخبار منه تعالى بأنهم ما قتلوا عيسى ولا صلبوه. واختلف الرواة في كيفية القتل والصلب وفيمن ألقي الشبه عليه اختلافاً كثيراً. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء وشبه مبني للمفعول، ولهم في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، والذي نعتقده أن المشبه هو الملك الممخرق الذي كان في زمان عيسى عليه السلام لما رفعه الله تعالى إليه وفقدوه أخرج شخصاً وقال لهم: هذا عيسى فقتله وصلبه، قيل: ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على واحد منهم لأن ذلك تطرف إلى السفسطة كما ادعى بعض الجهال في الشيخ القرشي وكان شيخاً مخدوماً انه إذا أراد أن يخلو بامرأته للوطىء برز لها في صورة شاب أمرد حسن الصورة. وحكي لنا عن بعض من كان تولى مشيخة الصوفية بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة أنه تكلم مع بعض العلماء في أنه يكون في الآن الواحد بشكله وصورته في مكان واحد ثم يكون بشكله وصورته في ذلك الآن في مكان آخر وعند هؤلاء المنتمين للتصوف من المكابرات وتجويز المستحيلات والابهامات شيء كثير. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} الضمير قيل: عائد على اليهود. واختلافهم فيه هو قولهم انه ليس برسول وأنه ليس لرشده. والظاهر أنه عائد على النصارى واختلافهم فيه أن بعضهم يقول: قتل وصلب، وبعضهم يقول: قتل ناسوته لا لاهوته، وبعضهم يقول: لم يقتل ولم يصلب. واليقين الذي صح فيه نقل الكافة عن حوابسها أو أن شخصاً صلب واما هل هو عيسى أم لا فليس من علم الحواس. {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} استثناء منقطع إذ اتباع الظن ليس مندرجاً تحت قوله: من علم. وقال ابن عطية: هو استثناء متصل إذ الظن والعلم يضمّهما جنس أنهما من معتقدات اليقين وقد يقول الظان على سبيل التجوز علمي في هذا الأمر أنه كذا وهو يعني ظنه. "انتهى". وليس كما ذكر من أن الظن والعلم يضمهما جنس انهما من معتقدات اليقين لأن الظن ليس من معتقدات اليقين لأن ترجيح أحد الجائزين وما كان ترجيحاً فهو منافي اليقين كما ان اليقين ينافي ترجيح أحد الجائزين وعلى تقدير ان الظن والعلم يضمهما ما ذكر فلا يكون أيضاً استثناء متصلاً لأنه لم يستثن الظن من العلم فليست التلاوة ما لهم به من علم الا اتباع الظن وإنما التلاوة إلا اتباع الظن والاتباع للظن لا يضمه والعلم جنس ما ذكر. والظاهر ان الضمير في: {وَمَا قَتَلُوهُ}، عائد على عيسى. وانتصب يقيناً على أنه مصدر في موضع الحال، أو نعت لمصدر محذوف، أو بمعنى حقاً يكون مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة ومن ذهب إلى أنه معمول لقوله: رفعه، فيكون فيه تقديم وتأخير. فقوله: خطأ لأن ما بعد بل لا يعمل فيما قبلها.
الجيلاني
تفسير : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} فبنقضهم المواثيق الغلاظ والعهود المؤكدة، فعلنا بهم ما فعلنا من الابتلاءات والاختبارات، وتحريم المباحثات وأنواع البليات والأذيات {وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على توحيده، والمنزل على خلَّص عبيده {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ} المعصومين عن الجرائم مطلقاً {بِغَيْرِ حَقٍّ} بلا رخصةٍ شرعيةٍ {وَقَوْلِهِمْ} للأنبياء والرسل حين دعتهم للإيمان عتوّاً واستكباراً: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أوعية مملوءة بالحقائق والمعارف مختومة، لا يسع فيها ما جئتم به، والحال أنهم ليس في قلوبهم ما يتعلق بأمور الدين مقدار خردلةٍ {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا} باسمه المضل، المذل، وختم عليها {بِكُفْرِهِمْ} أي: بسبب كفرهم وشركهم {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} فلا يفقون على الإيمان منهم {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155]. {وَبِكُفْرِهِمْ} أي: بسبب كفرهم وسترهم الحق؛ عناداً ومكابرةً {وَقَوْلِهِمْ} رمياً وافتراءً {عَلَىٰ مَرْيَمَ} المنزهة عن الكدروات مطلقاً {بُهْتَاناً عَظِيماً} [النساء: 156] يتهمونها، ويرمونها بالزنا مع عصمتها وطهارة ذيلها. {وَقَوْلِهِمْ} أيضاً إرجافاً وإسماعاً وتبجحاً: {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} مع كونه {رَسُولَ ٱللَّهِ} وكلمته وروحاً منه {وَ} الحال أنه {مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} لأنه في حمى الله وفوق سمائه {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} رجل منهم؛ أي: ألقى الله شبهه على حارس منهم يحرسه؛ ليظفروا عليه، فرفع المشبه به فبقي المشبه، فقُتل وصُلب، ثم اختلفوا فقالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا، فأين هو عيسى؟ {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} في قتله وصلبه ورفعه إلى السماء {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} ترددٍ وارتيابٍ {مَا لَهُمْ بِهِ} وبأمره {مِنْ عِلْمٍ} تصديقٍ ويقينٍ {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} والظن لا يغني عن الحق شيئاً {وَ} الحق أنه {مَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} النساء: 157] كما زعموا. {بَل} الحق أنه {رَّفَعَهُ ٱللَّهُ} الرقيب عليه، المتولي لحفظه وأمره {إِلَيْهِ} أي: إلى كنفه وجواره؛ إنجازاً لوعده في قوله: {أية : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}تفسير : [آل عمران: 55] {وَكَانَ ٱللَّهُ} القادر على كل ما أراد وشاء {عَزِيزاً} غالباً، مقتدراً على رفعه {حَكِيماً} [النساء: 158] في قتل من شبه له؛ ليرجعوا بها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):