Verse. 649 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَّبِكُفْرِہِمْ وَقَوْلِـہِمْ عَلٰي مَرْيَمَ بُہْتَانًا عَظِيْمًا۝۱۵۶ۙ
Wabikufrihim waqawlihim AAala maryama buhtanan AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وبكفرهم» ثانيا بعيسى وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه «وقولهم على مريم بهتانا عظيما» حيث رموها بالزنا.

156

Tafseer

الرازي

تفسير : وخامسها: قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً }. اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول: كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر، والقدح في وجود الصانع المختار، فالقوم لا شك أنهم أولاً: أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب، وثانياً: نسبوا مريم إلى الزنا، فالمراد بقوله {وَبِكُفْرِهِمْ } هو إنكارهم قدرة الله تعالى، وبقوله {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً } نسبتهم إياها إلى الزنا، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف، وإنما صار هذا الطعن بهتاناً عظيماً لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دلّ على براءتها من كل عيب، نحو قوله {أية : وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } تفسير : [مريم: 25] ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلاً منفصلاً عن أمه، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال: {أية : سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ } تفسير : [النور: 16] وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام.

البيضاوي

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ } بعيسى عليه الصلاة والسلام، وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أسباب الطبع، أو على قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم } ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذاناً بتكرر كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليه الصلاة والسلام. {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً } يعني نسبتها إلى الزنا. {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } أي بزعمهم ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره أن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون وأن يكون استئنافاً من الله سبحانه وتعالى بمدحه، أو وضعاً للذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح. {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } روي (أن رهطاً من اليهود سبوه وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة، فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل (كان رجلاً ينافقه فخرج ليدل عليه، فألقى الله عليه شبهه فأخذ وصلب وقتل) وقيل: (دخل طيطانوس اليهودي بيتاً كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيسى فأخذ وصلب). وأمثال ذلك من الخوارق التي لا تستبعد في زمان النبوة، وإنما ذمهم الله سبحانه وتعالى بما دل عليه الكلام من جراءتهم على الله سبحانه وتعالى، وقصدهم قتل نبيه المؤيد بالمعجزات الباهرة، وتبجحهم به لا بقولهم هذا على حسب حسبانهم، و {شُبّهَ } مسند إلى الجار والمجرور كأنه قيل ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول أو في الأمر على قول من قال: لم يقتل أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس، أو إلى ضمير المقتول لدلالة إنا قتلنا على أن ثم قَتيلاً. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود: إنه كان كاذباً فقتلناه حقاً، وتردد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال من سمع منه أن الله سبحانه وتعالى يرفعني إلى السماء: أنه رفع إلى السماء. وقال قوم: صلب الناسوت وصعد اللاهوت. {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} لفي تردد، والشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد، وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكده بقوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ} استثناء منقطع أي لكنهم يتبعون الظن، ويجوز أن يفسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزماً كان أو غيره فيتصل الاستثناء. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } قتلاً يقيناً كما زعموه بقولهم {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ }، أو متيقنين. وقيل معناه ما علموه يقيناً كقول الشاعر:شعر : كَذَاكَ تُخْبِرُ عَنْهَا العَالِمَاتُ بِهَا وَقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذلِكُمُ يَقِينا ً تفسير : من قولهم قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا أردت أن تبالغ في علمك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ } ثانياً بعيسى وكرّر الباء للفصل بينه وبين ما عُطِفَ عليه {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰناً عَظِيماً } حيث رمَوها بالزنا.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} يعني حين رموها بالزنا وذلك أنهم أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب ومنكر قدرة الله كافر. فالمراد بقوله وبكفرهم هو إنكارهم قدرة الله تعالى والمراد بقولهم على مريم بهتاناً عظيماً هو رميهم إياها بالزنا وإنما سماه بهتاناً عظيماً لأنه قد ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدل على براءتها من ذلك فلهذا السبب وصف الله قول اليهود على مريم بالبهتان العظيم. قوله عز وجل: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} ادعت اليهود أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وصدقتهم النصارى على ذلك فكذبهم الله عز وجل جميعاً وردّ عليهم بقوله: {وما قتلوه وما صلبوه} وفي قول رسول الله قولان: أحدهما أنه من قول اليهود فيكون المعنى أنه رسول الله على زعمه. والقول الثاني أن من قول الله لا على وجه الحكاية عنهم وذلك أن الله تعالى أبدل ذكرهم في عيسى عليه السلام القول القبيح بالقول الحسن رفعاً لدرجته عما كانوا يذكرونه من القول القبيح. وقوله تعالى: {ولكن شبه لهم} يعني ألقى شبه عيسى غيره حتى قتل وصلب. واختلف العلماء في صفة التشبيه الذي شبه على اليهود في أمر عيسى عليه السلام. فروى الطبري بسنده عن وهب بن منبه أنه قال أتى اليهود عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صورهم الله تعالى كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً فقال عيسى لأصحابه من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة فقال رجل منهم أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى وقد صوره الله تعالى على صورة عيسى فأخذوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وظنت النصارى مثل ذلك. ورفع الله عز وجل عيسى عليه السلام من يومه ذلك. وفي رواية أخرى عن وهب أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعني بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين. فقالوا هذا من أصحاب عيسى فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذوا آخر فجحد كذلك فلما أصبح أتى بعض الحواريين إلى اليهود وكان منفاقاً فقال ما تجعلون لي إن أنا دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهماً فدلهم عليه فألقى الله شبه عيسى على ذلك المنافق الذي دل عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. وقال قتادة إن أعداء الله اليهود زعموا أنهم قتلوا عيسى وأصلبوه وذكر لنا أن نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي وله الجنة فإنه مقتول فقال رجل منهم حبسوا عيسى في بيت وجعلوا عليه رقيباً يحفظه فألقى الله شبه عيسى على ذلك الرقيب فأخذ فقتل وصلب فرفع الله عز وجل عيسى في ذلك الوقت. قال الطبري وأولى الأقوال بالصواب ما ذكرنا عن وهب بن منبه من أن شبه عيسى ألقى على جميع من كان مع عيسى في البيت حين أحيط بي وبهم من غير مسألة عيسى إياهم ذلك ولكن ليخزي الله بذلك اليهود وينقذ به نبيه عيسى عليه السلام من كل مكروه أرادوه به من قتل وغيره وليبتلي الله من أراد ابتلاءه من عباده ويحتمل أن يكون ألقى شبهه على بعض أصحابه بعد ما تفرق عنه أصحابه ورفع الله عيسى عليه السلام. وبقي ذلك فأخذ وقتل وصلب وظن أصحابه واليهود أن الذي قتلوه وصلبوه وهو عيسى لما رأوا من شبهه به وخفي أمر عيسى عليهم وكانت حقيقة ذلك الأمر عند الله فلذلك قال تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} {وإن الذين اختلفوا فيه} يعني في قتل عيسى وهم اليهود {لفي شك منه} يعني من قتله وذلك أن اليهود قتلوا ذلك الشخص المشبه بعيسى وكان قد ألقي الشبه على وجه ذلك الشخص دون جسده فلما قتلوه نظروا إلى جسده فوجدوه غير جسد عيسى فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره فهذا هو اختلافهم فيه وقيل: إن اليهود لما حبسوا عيسى وأصحابه في البيت دخل عليه رجل منهم ليخرجه إليهم. فألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل فأخذ وقتل ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء وفقدوا صاحبهم فقالوا: إن كنا قتلنا المسيح فأين صاحبنا؟ وإن كنا قتلنا صاحبنا فأين المسيح عيسى؟ فهذا هو اختلافهم فيه وقيل إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى فبعضهم يقول إن القتل وقع على ناسوت عيسى دون لاهوته وبعضهم يقول وقع القتل عليهما جميعاً وبعضهم يقول رأيناه قتل وبعضهم يقول رأيناه رفع إلى السماء فهذا هو اختلافهم فيه قال الله تعالى: {ما لهم به من علم} يعني أنهم قتلوا من قتلوا على شك منهم فيه ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره {إلاّ اتباع الظن} يعني لكن يتبعون الظن في قتله ظناً منهم أنه عيسى لا عن علم وحقيقة {وما قتلوه يقيناً} قال ابن عباس: يعني لم يقتلوا ظنهم يقيناً فعلى هذا القول تكون الهاء في قتلوه عائدة على الظن. والمعنى مما قتلوا ذلك الظن يقيناً ولم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبه في قتله فهو كقول العرب قتله علماً وقتله يقيناً يعني علمه علماً تاماً. وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستيلاء وغلبة وكمعنى الآية على هذا لم يكن علمهم بقتل عيسى علماً تاماً كاملاً إنما كان ظناً منهم إنهم قتلوه ولم يكن لذلك حقيقة. وقيل إن الهاء في قتلوه عائدة على عيسى والمعنى ما قتلوا المسيح يقيناً كما ادعوا أنهم قتلوه وقيل إن قوله يقيناً يرجع إلى ما بعده تقديره وما قتلوه {بل رفعه الله إليه} يقيناً والمعنى أنهم لم يقتلوا عيسى ولم يصلبوه ولكن الله عز وجل رفعه إليه وطهره من الذين كفروا وخلصه ممن أراده بسوء وقد تقدم كيف كان رفعه في سورة آل عمران بما فيه كفاية. وقوله تعالى: {وكان الله عزيزاً} يعني اقتداره على من يشاء من عباده {حكيماً} يعني في إنجاء عيسى عليه السلام وتخليصه من اليهود. وقيل عزيزاً يعني منيعاً منتقماً من اليهود فسلط عليهم ينطيونس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم مقتله عظيمة حكيماً حكم باللعنة والغضب على اليهود حيث ادعوا هذه الدعوى الكاذبة.

البقاعي

تفسير : ولما بين كفرانهم بقتل الأنبياء بين كفرهم بالبهتان الذي هو سبب القتل، والفتنة أكبر من القتل، فقال معظماً له باعادة العامل: {وبكفرهم} أي المطلق الذي هو سبب اجترائهم على الكفر بنبي معين كموسى عليه الصلاة والسلام، وعلى القذف، ليكون بعض كفرهم معطوفاً على بعض آخر، ولذلك قال: {وقولهم على مريم} أي بعد علمهم بما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وأنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات {بهتاناً عظيماً *} ثم علمهم بما لم ينالوا من قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام، ثم بادعائهم لقتله وصلبه افتخاراً به مع شكهم فيه فقال: {وقولهم إنا قتلنا المسيح} ثم بينه بقوله: {عيسى ابن مريم} ثم تهكموا به بقولهم {رسول الله} أي الذي له أنهى العظمة، فجمعوا بين أنواع من القبائح، منها التشيع بما لم يعطوا، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقاً، وهو الكفر بقتل النبي لكونه نبياً، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل، ولم يكفهم ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن أرسله عزَّ اسمه وجلت عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره, لكونه لم يمنعه منهم على زعمهم {وما} أي والحالة أنهم ما {قتلوه وما صلبوه} وإن كثر قائلو ذلك منهم، وسلمه لهم النصارى {ولكن} لما كان المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم، لا لكونه من معين قال: {شبه لهم} أي فكانوا في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا. ولما أفهم التشبيه الاختلاف، فكان التقدير: فاختلفوا بسبب التشبيه في قتله، فمنهم من قال: قتلناه جازماً، ومنهم من قال: ليس هو المقتول، ومنهم من قال: الظاهر أنه هو، عطف عليه قوله دالاً على شكهم باختلافهم: {وإن الذين اختلفوا فيه} أي في قتله {لفي شك منه} أي تردد مستوى الطرفين، كلهم وإن جزم بعضهم، ثم أكد هذا المعنى بقوله: {ما لهم به} وأغرق في النفي بقوله: {من علم}. ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته، فربما قويت عندهم شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم - لشغفهم بآمالها - ظناً ثم اضمحلت في الحال لكونها لا حقيقة لها، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير؛ قال: {إلا} أي لكن {اتباع الظن} أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك الشك إلى رتبة الظن، وعبر بأداة الاستثناء دون "لكن" الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه من قتله مع كونه في الحقيقة شكاً يكلفون أنفسهم جعله ظناً، ثم يجزمون به، ثم صار عندهم متواتراً قطعياً، فلا أجهل منهم. ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال: {وما قتلوه} أي انتفى قتلهم له انتفاء {يقيناً *} أي انتفاؤه على سبيل القطع، ويجوز أن يكون حالاً من "قتلوه" أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه، والوجه الأول أولى لقوله: {بل رفعه الله} بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة، رفع عيسى عليه الصلاة والسلام {إليه} أي إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب أنه أوحى إليه ابن ثلاثين، ورفع ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثاً وثلاثين سنة {وكان الله} أي الذي له جميع صفات الكمال في كل حال عند قصدهم له وقبله وبعده {عزيزاً} أي يغلب ولا يغلب {حكيماً *} أي إذا فعل شيئاً أتقنه بحيث لا يطمع أحد في نقض شيء منه، وختمُ الآية بما بين الصفتين يدل على أن المراد ما قررته من استهزائهم، وأنه قصد الرد عليهم، أي إنه قد فعل ما يمنع من استهزائكم، فرفعه إليه بعزته وحفظه بحكمته، وسوف ينزله ببالغ قدرته، فيردكم عن أهوائكم، ويسفك دماءكم، ويبيد خضراءكم، وله في رفعه وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار أمثالكم. قصة رفعه عليه الصلاة والسلام من الإنجيل الموجود اليوم بين أظهر النصارى، وهي تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد، والبشارة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون، وأن إخبارهم بقتله وصلبه ليس مستنداً إلا إلى شك - كما قال الله تعالى، وأحسن ما رد على الإنسان بما يعتقده، قال مترجمهم في إنجيل متى: إنه عليه الصلاة والسلام دخل إلى الهيكل في يروشليم - وهي القدس - وجرت بينه وبين الأحبار محاورات كان آخرها أن قال لهم: إني أقول لكم: إنكم لا تروني الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج من الهيكل، فجاء إليه تلاميذه كي يُروه بناء الهيكل، فأجاب وقال لهم: انظروا هذا كله، الحق أقول لكم: إنه لا يترك هنا حجر على حجر إلا نقض، ثم جلس على جبل الزيتون - قال مرقس: قدام الهيكل - فجاء إليه تلاميذه قائلين: قل لنا: متى هذا وما علامة مجيئك وانقضاء الزمان؟ فقال لهم: انظروا لا يضلنكم أحد - قال مرقس ولوقا: فإن كثيراً يأتون باسمي قائلين: إنما هو المسيح، ويضلون كثيراً - فإذا سمعتم بالحروب وأخبار الحروب انظروا لا تقلقوا، فلا بد أن يكون هذا كله، تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويكون خوف عظيم واضطراب وجوع ووباء - قال لوقا: وعلامات عظيمة من السماء - وزلازل في أماكن، وكل هذا أول المخاض - وقال مرقس: وهذه بداية الطلق، انظروا أنتم! إنهم يسلمونكم إلى المجامع والمحافل وتضربون - وقال لوقا: وقبل هذا كله يضعون أيديهم عليكم، ويطردونكم إلى المجامع والسجون وتقامون أمام الملوك والقواد شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولاً أن يكرز بالإنجيل، فإذا قدّموكم وأسلموكم فلا تهتموا بما تقولون ولا ماذا تجيبون، فإنكم تعطون في تلك الساعة الذي تتكلمون به ولستم المتكلمين، لكن روح القدس؛ قال لوقا: فإني معطيكم فماً وحكمة لا يقدر الذين يناصبونكم يقاومونها ولا الجواب عنها، ويسلم الأخ أخاه للموت، والأب ابنه، ويثب الأبناء على آبائهم؛ قال متى: حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغوضين من كل الأمم، وحينئذ يشك كثير، ويسلم بعضكم بعضاً، ويبغض بعضكم بعضاً، ويقوم كثير من المنتهى يخلص، ويكرز بهذه البشارة في الملكوت في جميع المسكونة بشهادة لكل الأمم؛ قال مرقس: فإذا رأيتم فساد الحراب المذكور في دانيال النبي قائماً حيث لا ينبغي - فليفهم القارىء - حينئذ الذين تهودوا يهربون إلى الجليل، والذي فوق السطح لا يقدر أن ينزل إلى بيته ليأخذ شيئاً، والويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام؛ وقال لوقا: وحينئذ الذين في اليهودية يهربون إلى الجبال، والذين في وسطها يفرون خارجاً، والذين في الكورة لا يدخلونها، لأن هذه في أيام الانتقام لكي يتم كل ما هو مكتوب، يكون على الأرض ضر وشدة عظيمة، وسخط على هذا الشعب، ويقعون في فم السيف، ويسبون في كل الأمم. ويكون يروشليم موطىء الأمم حتى يكمل الزمان، وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وتخرج نفوس أناس من الخوف؛ وقال متى: وحينئذ يأتي الانفصال، ثم قال: سيكون ضيق عظيم - قال مرقس: تلك الأيام - لم يكن مثله في أول العالم حتى الآن ولا يكون، ولولا أن تلك الأيام قصرت لم يخلص ذو جسد - وقال مرقس: فلولا أن الرب أقصر تلك الأيام لم يحيى ذو جسد - لكن لأجل المتحببين قصرت تلك الأيام، فإن قال لكم أحد: إن المسيح ها هنا فلا تصدقوا، فسيقوم مسيحو كذب وأنبياء كذبة، ويعطون علامات عظاماً وآيات، ويضلون المختارين إن قدروا، هو ذا قد تقدمت وأخبرتكم، فإن قالوا لكم: إنه في البرية، فلا تخرجوا، أو فيّ المخادع، فلا تصدقوا، وكما أن البرق يخرج من المشرق فيظهر في المغرب، كذلك يكون حضور ابن البشر، لأنه حيث تكون الجثة تجتمع النسور وتلوف بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات ترتج، وحينئذ تظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وتنوح كل قبائل الأرض، وترون ابن الإنسان آتياً في سحاب السماء مع قوات ومجد كثير، ويرسل الملائكة مع صوت الناقور العظيم، ويجمع مختاريه من الأربعة الأزياج من أقصى السماوات - وقال مرقس: من أطراف الأرض إلى أطراف السماء - فمن شجرة التينة - وقال لوقا: ومن كل الأشجار - تعلمون المثل، إذا لانت أغصانها وفرعت أوراقها علمتم أن الصيف قد دنا. كذلك أنتم إذا رأيتم هذا كله علمتم أنه قد قرب على الأبواب، الحق أقول لكم! إن هذا الجيل لا يزول حتى يتم هذا كله، والأرض والسماء تزولان وكلامي لا يزول، لأجل ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد ولا ملائكة السماوات - وقال مرقس: ولا الابن - إلا الأب وحده، وقال لوقا: سأله الفريسيون: متى يأتي ملكوت الله؟ فقال: ليس يأتي ملكوت الله برصد ولا يقولون: هوذا هاهنا أو هناك! ها هو ذا ملكوت الله؛ ثم قال لتلاميذه: ستأتي أيام تشتهون أن تروا يوماً واحداً من أيام ابن الإنسان ولا ترون، فإن قالوا لكم: هوذا هاهنا أو هناك، فلا تذهبوا ولا تسرعوا، لأنه كمثل البرق الذي يضيء في السماء فيضيء تحت السماء، كذلك تكون أيام ابن البشر - انتهى. وكما كان في أيام نوح عليه الصلاة والسلام كذلك يكون استعلاء ابن الإنسان، لأنه كما كنوا قبل أيام الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح إلى السفينة، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان فأدرك جميعهم، كذلك يكون حضور ابن الإنسان؛ وقال لوقا: ومثل ما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون ويغرسون ويبنون إلى اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم، وأمطر من السماء ناراً وكبريتاً، وأهلك جميعهم، كذلك في اليوم الذي يظهر فيه ابن الإنسان، وفي ذلك اليوم من كان في السطح وآلته في البيت لا ينزل كي يأخذها، ومن كان في الحقل أيضاً لا يرجع هكذا إلى ورائه. انظروا إلى امرأة لوط، من أراد أن يحيي نفسها فليهلكها، ومن أهلكها أحياها، أقول لكم: إن في هذه الليلة - وقال متى: حينئذ - يكون اثنان في الحقل، يؤخذ واحد، ويترك الآخر، واثنتان تطحنان على رحى واحدة، تؤخذ الواحدة، وتترك الأخرى، وقال مرقس: فانظروا واسهروا وصلّوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الزمان! اسهروا فإنكم لا تعملون متى يأتي رب البيت ليلاً! يأتي بغتة فيجدكم نياماً، والذي أقول لكم أقوله للجميع، اسهروا! قال لوقا: في كل حين, وتضرعوا لكي تقووا على الهرب في هذه الأمور الكائنة كلها، وتقفوا قدام ابن الإنسان، وقال متى: فاسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم، واعلموا أنه لو علم رب البيت في أي هجعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب، كذلك كونوا مستعدين لأن ابن الإنسان يأتي ساعة لا تظنونها، من ترى هو العبد الأمين الحليم الذي يقيمه سيده على بيته ليعطيهم الطعام في حينه! طوبى لذلك العبد، يأتي سيده فيجده يعمل هكذا، الحق أقول لكم! إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الرديء في قلبه: إن سيدي يبطىء، فيبدأ يأكل ويشرب مع المسكرين فيأتي سيده في يوم لا يظنه وساعة لا يعرفها، فيجعل نصيبه مع المرائين، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. يشبه ملكوت السماوات عشرة عذاراى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس منهن جاهلات، وخمس حليمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن زيتاً، وأما الحليمات فأخذن زيتاً في إناء مع مصابيحهن، فلما أبطأ العريس نعسن كلهن ونمن، وانتصف الليل فُصرِخ: هذا العريس قد أقبل، اخرجن للقائه! حينئذ قام جميع العذارى وزين مصابيحهن، فقال الجاهلات للحليمات: أعطيننا من زيتكن، فإن مصابيحنا قد طفئت! فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن، فاذهبن إلى الباعة وابتعن لكنّ، فلما ذهبن ليبتعن جاء العريس، فالمستعدات ذهبن معه وأُغلِقَ، فجاء بقية العذارا قائلات: يا رب! افتح لنا، فأجاب وقال: الحق أقول لكنّ! إني لا أعرفكن؛ اسهروا الآن فإنكم لا تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة، كمثل إنسان أراد السفر، فدعا عبيداً له فأعطاهم ماله، فأعطى خمس وزنات لواحد، ووزنتين للآخر، وواحداً وزنة، كل منهم على قدر قوته، وسافر للوقت، فمضى الذي أخذ الخمس فاتجر فيها، فربح خمس وزنات أخرى وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح فيهما وزنتين أخريين، وأما الذي أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض ودفن حصة سيده، وبعد زمان كثير جاء سيد هؤلاء فحاسبهم، فجاء الذي أخذ الخمس وزنات فأعطى خمس وزنات أخرى قائلاً: يا رب! خمس وزنات أعطيتني، وهذه خمس وزنات أخرى ربحتها، قال له سيده - قال لوقا-: حبذا أيها العبد الصالح! ألفيت أميناً على القليل، وقال متى: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير أميناً، ادخل إلى فرح سيدك، وجاء الذي أخذ الوزنتين فقال: يا سيد! وزنتين دفعت إليّ, وهذان وزنتان أخريان ربحتهما, فقال له سيده: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك، فجاء الغير مصيب الذي أخذ الوزنة فقال: يا سيد! عرفت أنك إنسان شديد، تحصد ما لم تزرع، وتجمع من حيث لا تبذر، فخفت ومضيت فدفنت مالك في الأرض، هذا مالك، فأجاب سيده وقال: أيها العبد الشرير الكسلان! علمت أنني أحصد من حيث لا أزرع، وأجمع من حيث لا أبذر، كان ينبغي لك أن تجعل حصتي على مائدة، فأنا آتي وآخذه إليّ مع أرباحه، خذوا منه الوزنة، وأعطوها للذي له عشر وزنات، لأن من له يعطي ويزاد، والذي ليس له يؤخذ منه ما معه، والعبد الشرير الغير نافع ألقوه في الظلمة القصياء، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان؛ إذا جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة المقدسين معه، حينئذ يجلس على كرسي مجده،، ويجمع إليه كل الأمم، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله، حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رِثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم، جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وغريباً كنت فآويتموني، وعرياناً فكسوتموني، ومريضاً فعدتموني، ومحبوساً فأتيتم إليّ، حينئذ يجيب الصديقون ويقولون: يا رب! متى رأيناك جائعاً فأطعمناك؟ أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك؟ أو عرياناً فكسوناك؟ أو مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟ فيجيب الملك ويقول: الحق أقول لكم! الذي فعلتموه بأحد هؤلاء الحقيرين فبي فعلتم، حينئذ يقول للذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة المعدّة لإبليس وجنوده، جعت فلم تطعموني - إلى آخره، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم، والصديقون إلى الحياة الأبدية. ولما أكمل يسوع هذا الكلام كله قال لتلاميذه: علمتم أن بعد يومين يكون الفسح - وقال مرقس: وكان الفسح والفطير بعد يومين - واجتمع رؤساء الكيسر والكهنة ومشايخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يقال له قيافاً، فتشاوروا على يسوع ليمسكوه - قال مرقس: بمكر - ويقتلوه، وقالوا: ليس في العيد لئلا يكون شجن؛ وقال مرقس: شغب في الشعب؛ وقال يوحنا: فجمع عظماء الكهنة والفريسيين محفلاً وقالوا: ماذا نصنع إذا كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة، وإن تركناه هكذا فسيؤمن به جميع الناس، وتأتي الروم فتتغلب على أمتنا، وإن واحداً منهم اسمه قيافا كان رئيس الكهنة فقال: إنه خير لنا أن يموت رجل واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة كلها، لأن يسوع كان مزمعاً أن يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد؛ وفي تلك الساعة تشاوروا على قتله، فأما يسوع فلم يكن يمشي بين اليهود علانية، ولكنه انطلق من هناك إلى البرية إلى كورة تسمى مدينة أفريم، وكان يتردد هناك مع تلاميذه، وكان عيد فسح اليهود قد قرب, فصعد كثير من القرى إلى يروشليم قبل الفسح ليطهروا أنفسهم، فطلب اليهود يسوع، وكانوا أمروا إن علم إنسان مكانه أن يدلهم عليه، وإن يسوع قبل ستة أيام من الفسح قصد إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه يسوع، فصنعوا له هناك وليمة، وجعلت مرتا تخدم، وعلم جمع كثير من اليهود فجاؤوا إليه، ولينظروا إلى لعازر الذي أقامه من بين الأموات، وتشاور عظماء الكهنة أن يقتلوا لعازر، لأن كثيراً من اليهود من أجله كانوا يؤمنون بيسوع، وكان الجمع الذي معه يشهد له أنه دعا لعازر من القبر وأقامه، ومن الغد سمعوا أن يسوع يأتي إلى يروشليم، فخرجوا للقائه يصرخون: مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل! ووجد يسوع حماراً فركبه - كما هو مكتوب: لا تخافي يا بنت صيون! هوذا ملكك يأتيك راكباً على جحش - ابن أتان - ثم قال: وقال يسوع: قد قربت الساعة التي يمجد فيها ابن البشر، الحق الحق أقول لكم! إنه حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتَمُتْ بقيت وحدها، وإن هي ماتت أتت بثمار كثيرة، من أحب نفسه فليهلكها، ومن أبغض نفسه في هذا العالم فإنه يحفظها لحياة الأبد، وقال: يا رباه! مجد اسمك، فجاء صوت من السماء: قد مجدتُ وأيضاً أمجد، فسمع الجمع الذي كان واقفاً فقال بعضهم: إنما كان رعداً، وقال آخرون: إن ملاكاً كلمه، قال يسوع: ليس من أجلي كان هذا الصوت، ولكن من أجلكم، وقد حضر الآن دينونة هذا العالم، الآن يلقى رئيس هذا العالم إلى خارج، وأنا إذا ارتفعت من الأرض جبيت إليّ كل واحد، فأجاب الجمع: نحن سمعنا في الناموس أن المسيح يدوم إلى الأبد، فكيف تقول أنت: يرتفع ابن البشر، فقال لهم يسوع: إن النور معكم زماناً يسيراً، فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام، إن الذي يمشي في الظلام ليس يدري أين يتوجه، فما دام لكم النور آمنوا بالنور لتكونوا أبناء النور؛ تكلم يسوع بهذا ثم مضى وتوارى عنهم، وقال: يا بني! أنا معكم زماناً قليلاً، وتطلبوني فلا تجدوني، وكما قلت لليهود: إن الموضع الذي امضي إليه أنا، لستم تقدرون على المضي إليه، قال يوحنا في محاورته ليهود في الهيكل: قال يسوع: أنا أمضى وتطلبوني وتموتون بخطاياكم، وحيث أنا أذهب لستم تقدرون على إتيانه، فقال اليهود: لعله يريد أن يقتل نفسه، فقال لهم: أنتم من أسفل، وأنا من فوق، أنتم من هذا العالم، وأما أنا فلست من هذا العالم، قد أخبرتكم أنكم تموتون بخطاياكم، فقالوا له: أنت من أنت؟ ثم قال: وقالوا له: إن أبانا هو إبراهيم، قال: لو كنتم بني إبراهيم كنتم تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم تريدون قتل إنسان كلمكم بالحق الذي سمعه من الله تعالى، ولم يفعل إبراهيم هذا، أنتم تعملون أعمال أبيكم؟ فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى، فقال لهم: أنتم من أبيكم إبليس، وشهوة أبيكم تهوون إن لم تعملوا ذلك، الذي هو من البدء قتّال الناس ولم يلبث على الحق لأنه ليس فيه حق، وإذا ما تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما هو له، وأما أنا فأتكلم بالحق ولستم تؤمنون بي، من منكم يوبخني على خطيئة - انتهى، وأقول لكم الآن أن يحب بعضكم بعضاً كما أحببتكم، فبهذا يعرف كل أحد أنكم تلاميذي، وقال يسوع: من يؤمن بي ليس من يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني، ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني، أنا جئت نور العالم لكي ينجو كل من يؤمن بي من الظلام، ومن يسمع كلامي ولا يؤمن بي أنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم، بل لأحيي العالم، من جحدني ولم يقبل كلامي فإن له من يدينه، الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الآخر، لأني لم أتكلم من نفسي، لأن الرب الذي أرسلني هو أعطاني الوصية، ثم قال: الحق الحق أقول لكم! من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أعملها، وأفضل منها يصنع، إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد - روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه، لأنهم لم يروه ولم يعرفوه، وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم وهو فيكم، لست أدعكم يتامى لأني سوف أجيئكم عن قليل، من يحبّني يحفظ كلمتي، ومن لا يحبني ليس يحفظ كلامي، الكلمة التي تسمعونها ليست لي، بل للرب الذي أرسلني، كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلت لكم، السلام استودعتكم، سلامي خاصة أعطيكم، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، قد سمعتم أني قلت لكم: إني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني لكنتم تفرحون بمضيّي إلى الرب، لأن الرب أعظم مني، وها قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون، ولست أكلمكم كثيراً لأن أركون العالم يأتي وليس له فيّ شيء، ولكن ليعلم العالم أني أحب الرب، وكما أوصاني الرب كذلك أفعل، أنا هو الكرمة الحقيقية وربي الغارس، كل غصن لا يأتي بثمار ينزعه، والذي يأتي بثمار ينقيه ليأتي بثمار كثيرة، أنتم لتيامن هذا الكلام الذي كلمتكم به اثبتوا فيّ وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يطيق أن يأتي بالثمار من عنده إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم إن لم تثبتوا فيّ، أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان، من ثبت فيّ وأنا فيه يأتي بثمار كثيرة، وبغيري لستم تقدرون تعملون شيئاً، فإن لم يثبت أحد فيّ طرح خارجاً مثل الغصن الذي يجني فيأخذونه ويطرحونه في النار فيحترق، وإن أنتم ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدونه، وبهذا يمجد ربي بأن تأتوا بثمار كثيرة، وأنتم أحبابي إن علمتم كل ما وصيتكم به، إنما وصيتكم بهذا لكي يحب بعضكم بعضاً، فإن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم، لو كنتم من العالم كان العالم يحب من هو منه، لكنكم لستم من العالم، بل اخترتكم من العالم، من أجل هذا يبغضكم العالم، لو لم آت وأكلمهم لم يكن لهم خطيئة، والآن ليس لهم حجة في خطيئتهم، لو لم أعمل أعمالاً لم يعملها أحد لم يكن لهم خطيئة، لتتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم أنهم أبغضوني باطلاً، إذا جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم - روح الحق الذي من الرب بسق - هو يشهد وأنتم تشهدون، لأنكم معي صفوة، كلمتكم بهذا لكيلا تشكون، فإنهم سوف يخرجونكم من مجامعهم، ولم أخبركم بهذا من قبل لأني كنت معكم، والآن فإني منطلق إلى من أرسلني، أقول لكم الحق! إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو موبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقول لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن، وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده, بل يتكلم بكل ما يسمع, ويخبركم بما يأتي، وهو مجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم، قليلاً ولا ترونني، وقليلاً وترونني، قالوا: ما هذا القليل الذي يقول؟ فقال لهم: أفي هذا يراطن بعضكم بعضاً، الحق أقول لكم! إنكم تبكون وتنوحون والعالم يفرح، وأنتم تحزنون لكن حزنكم يؤول إلى فرح، كالمرأة إذا حضر ولادها تحزن لأن قد جاءت ساعتها، فإذا ولدت ابناً لم تذكر الشدة من أجل الفرح، لأنها ولدت إنساناً في العلم؛ تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء وقال: يا رب! قد حضرت الساعة فمجد عبدك ليمجدك عبدك، كما أعطيته السلطان على كل ذي جسد، ليعطي كل من أعطيته حياة الأبد، وهذه هي حياة الأبد أن يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع المسيح، أنا قد مجدتك على الأرض، ذلك العمل الذي أعطيتني لأصنعه قد أكمت، والآن مجدني أنت يا رباه بالمجد الذي عندك، قد أظهرت اسمك للناس، الآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك، وعلموا حقاً أني من عندك أتيت، وآمنوا أنك أرسلتني، وأنا أجيء إليك أيها الرب القدوس! احفظهم باسمك الذي أعطيتني كي يكونوا واحداً كما نحن، إذ كنت معهم في العالم أنا كنت أحفظهم باسمك، ليس أسأل أن تنزعهم من العالم، بل أن نحفظهم من الشرير، لأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من العالم، قدسهم بحقك فإذا كلمتك خاصة هي الحق، كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا أيضاً إلى العالم، ولست أسأل في هؤلاء فقط، بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحداً، كما أنك يا رباه فيّ وأنا فيك ليكونوا أيضاً فيناً واحداً، ليؤمن العالم أنك أرسلتني؛ قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عين عمرة وادي الأرز، وكان هناك بستان، دخله هو وتلاميذه، وكان يهودا الذي أسلمه يعرف ذلك المكان، لأن يسوع كان يجتمع هناك مع تلاميذه كثيراً، وقبل عيد الفسح كان يسوع يعلم أن قد حضرت الساعة التي ينتقل فيها من هذا العالم، فلما حضر العشاء خامر الشيطانُ قلبَ يهودا شمعون الإسخريطي لكي يسلمه، فقام يسوع عن العشاء وترك ثيابه وائتزر وسطه بمنديل، وبدأ يغسل أقدام التلامذة وينشفها بمنديل كان مؤتزراً به، فلما انتهى إلى شمعون الصفا قال له: أنت يا سيدي تغسل لي قدمي؟ فقال يسوع: إن الذي أصنعه لست تعرفه الآن، ولكنك ستعرفه فيما بعده، قال له شمعون الصفا: إنك لست غاسلاً لي قدمي الآن، قال له يسوع: إن أنا لم أغسلهما فليس لك معي نصيب، قال شمعون: يا سيدي! ليس تغسل لي قدمي فقط، بل ويدي ورأسي، قال له يسوع: إن الذي يطهر لا يحتاج إلا إلى غسل قدمي؛ فلما غسل أرجلهم تناول ثيابه واتكأ وقال لهم: تعلمون ما صنعت بكم؟ أنتم تدعونني معلماً ورباً، وما أحسن ما تقولون! فإذا كنت أنا معلمكم وربكم قد غسلت أقدامكم فأنتم أحرى أن يغسل بعضكم أرجل بعض، والحق الحق أقول لكم! ليس عبد أعظم من سيده, ولا رسول أعظم ممن أرسله, وقال: اتلحق والحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني؛ وقال متى: ولما كان يسوع في بيت عنيا في بيت شمعون الأبرص جاءت امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن فأفاضته على رأسه وهو متكىء، حينئذ مضى أحد الاثني عشر - أي الحواريين الذي سيذكرون في المائدة والأنعام بأسمائهم - وهو الذي يقال له يهودا الإسخريطي إلى رؤساء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني حتى أسلمه إليكم؟ فأقاموا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت جعل يطلب فرصة ليسلمه، وفي أول يوم الفطير - قال مرقس: لما ذبحوا الفسح - قال له تلاميذه: أين تريد حتى نستعد لتأكل الفسح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: المعلم يقول: زماني قد اقترب، وعندك أصنع الفسح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفسح، وقال لوقا: وكان في النهار يعلم في الهيكل، ويخرج في الليل ليستريح في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، وكان جميع الشعب يدلجون إليه ليسمعوا منه, وكان لما قرب عيد الفطير المسمى بالفسح تطلّب الكهنة كيف يهلكونه، وكانوا يخافون من الشعب، فدخل الشيطان في يهودا الذي يدعى الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة، فمضى وكلم رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم، ففرحوا ووعدوه، وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم مفرداً عن الجمع، فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح، فأرسل بطرس ويوحنا وقال: امضيا وأعدا لنا الفسح، ثم قال: فانطلقا وأعدا الفسح، ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر تليمذاً، قال: فقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل معكم الفسح، فإني أقول لكم: إني أيضاً لا آكل منه حتى يتم في ملكوت الله؛ وقال متى: وفيما هم يأكلوا قال: الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فحزنوا جداً, وشرع كل واحد منهم يقول: لعلي أنا هو؛ وقال يوحنا: وقال: الحق الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فنظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، وكان واحداً من تلاميذه متكئاً في حضن يسوع، وهو الذي كان يسوع يحبه، فأومأ شمعون الصفا إليه أن يعلمه مَن الذي قال لأجله؛ فوقع ذلك التلميذ على صدر يسوع وقال له: يا سيدي! من هذا؟ فقال يسوع: هو الذي أبلّ خبزاً وأناوله، فبلّ خبزاً ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي، وقال متى: فقال: الذي يجعل يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ وابن الإنسان ماضٍ كما كتب من أجله، الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان، حبذا له لو لم يولد، أجابه يهودا مسلمه وقال: لعلي أنا هو يا معلم! قال: أنت، قال: فسبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون؛ وقال لوقا: فقال لهم: إن ملوك الأمم هم ساداتهم، والمسلطون عليهم يدعون المحسنين إليهم، فأما أنتم فليس كذلك، لكن الكبير منكم يكون كالصغير والمقدم كالخادم، من أكبر؟ المتكىء أم الذي يخدم؟ أليس المتكىء فأما أنا في وسطكم فمثل الخادم، وأنتم الذي صبرتم معي في تجاربي، وأنا أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت، لتأكلوا وتشروبوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كرسيّ، وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى أن قال: ثم خرج كالعادة ومضى إلى جب الزيتون، ومعه أيضاً تلاميذه، فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا التجربة، وانفرد عنهم كرمية حجر وخرَّ على ركبتيه فصلى؛ وقال متى: حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أضرب الراعي، تفرق خراف الرعية، فأجاب بطرس وقال له: لو شك جميعهم لم أشك أنا، قال له يسوع: الحق أقول لك! في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات؛ وقال يوحنا: الحق الحق أقول لكم! لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاثاً، لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي؛ وقال متى: قال له بطرس: لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت؛ وقال مرقس: فتمادى بطرس وقال: يا أبت! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس أنكرك، وهكذا قال جميع التلاميذ، حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية، فقال للتلاميذ: اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك، امكثوا واسهروا معي، وبعد ذلك خرَّ على وجهه يصلي، وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً، قال مرقس: فقال البطرس: يا شمعون! أنت نائم؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا التجارب، أما الروح فمستبشرة، وقال مرقس: فمستعدة، وأما الجسد فضعيف، ومضى أيضاً وصلى، وجاء أيضاً فوجدهم نياماً، لأن عيونهم كانت ثقيلة، فتركهم؛ ومضى أيضاً يصلي، قال لوقا: وظهر له ملاك من السماء ليقويه، وكان يصلي تواتراً، وكان عرفه كعبيط الدم نازلاً على الأرض! وقال متى: حينئذ جاء إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا! قد اقتربت الساعة، وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا الإسخريوطي أحد الاثني عشر، معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة وقال: الذي أقبّله هو هو فأمسكوه، وجاء إلى يسوع وقال له: السلام يا معلم! وقبّله, فقال له يسوع: يا هذا! ألهذا جئت؟ حينئذ جاؤوا فوضعوا أيديهم على يسوع وقبضوا عليه، ثم قال: في تلك الساعة قال يسوع للجموع: كأنكم قد خرجتم إلى لص بالسيوف والعصيّ لتأخذوني، في كل يوم كنت أجلس عندكم أعلِّم في الهيكل فما قبضتم عليّ، وهذا كله كان لتكميل كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقال يوحنا: إن يهودا أخذ جنداً من عند عظماء الكهنة والفريسيين وشرطاً، وجاء إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح، ويسوع كان عارفاً بكل شيء يأتي عليه، فخرج وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري، قال: أنا هون, وكان يهودا واقفاً معهم، فلما قال: أنا هو، رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض، فقال يسوع: إن كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبوا، لتتم الكلمة التي قالها: إن الذي أعطيتني لن يهلك منهم أحد؛ وقال متى: حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، والذين أخذوا يسوع اقتادوه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، وأما بطرس فأتبعه على بُعُد منه إلى دار رئيس الكهنة، ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام، وقال مرقس: وجلس مع الخدام عند النار يصطلي؛ وقال يوحنا: وإن شمعون الصفا والتلميذ الآخر - يعني الذي تقدم أن عيسى كان يحبه - تبعا يسوع، وكان عظيم الكهنة يعرف ذلك التلميذ، فدخل يسوع إلى دار عظيم الكهنة، فأما شمعون فكان واقفاً خارج الباب، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معارف رئيس الكهنة، فقال للبوابة وأدخل شمعون بطرس، فقالت الجارية البوابة لشمعون: أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال لها: لا! وكان العبيد والشرط قياماً يوقدون ناراً ليصطلوا، لأنها كانت ليلة باردة، وقام شمعون معهم أيضاً يصطلي: قال متى: فقال رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن كنت أنت هو المسيح! قال له يسوع: أنت قلت؛ ثم ذكر أنهم أفتوا بقتله وقال: عند ذلك بصقوا في وجهه وستروا وجهه بثوب ولطموا وجهه فوقه قائلين: أيها المسيح! بين لنا مَنْ هو الذي ضربك؟ قال مرقس: وبينما بطرس في أسفل الدار جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له: وأنت أيضاً قد كنت مع يسوع الناصري؛ وقال متى: مع يسوع الجليلي، وقال لوقا: فلما رأته جارية جالساً عند الضوء ميزته فقالت: هذا أيضاً كان معه، فأنكر وقال: ما أعرفه؛ وقال متى: فجحد بين أيديهم أجمعين، وعند خروجه إلى الباب أبصرته جارية أخرى فقالت: وهذا أيضاً كان مع يسوع الناصري، فجحد أيضاً بيمين: إني لست أعرف الرجل، وبعد قليل تقدم الوقوف فقالوا لبطرس: بالحقيقة إنك منهم أنت! لأن كلامك يدل عليك؛ وقال مرقس: وأنت جليلي وكلامك يشبه كلامهم، وقال: حينئذ أقبل بطرس يلعن ويحلف: إني لست أعرف الإنسان، وفي الحال صاح الديك، فذكر بطرس كلمة يسوع: قبل أن يصيح الديك، تجحدني ثلاثاً، فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مُرّا. ولما كان الصبح عملوا كلهم مؤامرة على يسوع حتى يميتوه فربطوه وساقوه إلى بيلاطيس النبطي، ولما أبصر يودس - يعني يهودا الإسخريوطي - أنه قد حكم عليه تندم ورد الثلاثين الفضة على رؤساء الكهنة قائلاً: قد أخطأت إذ أسلمت دماً زكياً، فقالوا: ما علينا! فطرح الفضة في الهيكل ومضى فخنق نفسه، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لن يجوز لنا أن نلقيها في داخل الزكاة، لأنها ثمن دم، فتشاوروا وابتاعوا حقل الفاخوري لدفن الغرباء، لذلك دعي ذلك الحقل حقل الدم إلى اليوم، حينئذ تم قول إرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الدم الذي ثمنه بنوا إسرائيل، وجعلوها في حقل الفاخوري على ما رسم لي؛ وأما يسوع فوقف أمام الوالي، ثم ذكر أن الوالي كان كارهاً لقتله، وأن امرأته أرسلت إليه تقول: إياك ودم ذاك الصديق، فإني توجعت في هذا اليوم كثيراً من أجله في الحلم، وأنه اجتهد بهم ليطلقوه فأبوا إلا صلبه، وصاحوا عليه، وأنه قال لهم: أي شر عمل؟ فازدادوا صياحاً وقالوا: يصلب؛ فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع وقال: إنني بريء من دم هذا الصديق، فقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا، وقال لوقا: وإن بيلاطس قال لرؤساء الكهنة: أنا لم أجد على هذا الإنسان علة - حتى قال: فلما علم أنه من سلطان هيرودس - يعني من الجليل - أرسله إلى هيرودس، لأنه كان في تلك الأيام بيروشليم، وأن هيرودس لما رأى يسوع فرح جداً، لأنه كان يشتهي أن يراه من زمان طويل لما كان يسمع عنه من الأمور الكثيرة، وكان يرجو أن يعاين آية يعملها، وسأله عن كلام كثير ذكره، وذكر أنه لم يجبه، فاحتقره هيرودس وجنده واستهزؤوا به وألبسه ثياباً حمراء، وأرسله إلى بيلاطس وصار بيلاطس وهيرودس صديقين في ذلك اليوم، لأنه كان بينهما عداوة، ثم ذكر أن بيلاطس قال لهم: لم أجد عليه علة آخذة بها، ولا هيرودس أيضاً، وأنهم لم يقبلوا منه ذلك وصاروا يصيحون: اصلبه اصلبه، وقال يوحنا: ثم جلس - يعني بيلاطس - على كرسي في موضع يعرف برصيف الحجارة، وبالعبرانية يسمى جاحلة؛ ثم ذكر جميع نقلة أناجيلهم أنهم صلبوه بين لصّين، وأنهم كانوا يستهزئون به حتى اللصان المصلوبان؛ قال مرقس: فلما كانت الساعة السادسة تفشّت الأرض كلها ظلمة إلى الساعة التاسعة، وأنه صاح بصوت عظيم منه: إلهي! إلهي! لِمَ تركتني! فانشق ستر حجاب الهيكل باثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وكثير من أجساد القدسين النيام قاموا من قبورهم، ودخلوا المدينة فظهروا لكثير، وكان هناك نسوة كثير ينظرن من بعيد، ومن اللاتي تبعن عيسى من الجليل منهم مريم المجدلانية، ومريم أم يعقوب الصغير، وأم يوسا، وأم ابن يزبدي، وقال يوحنا: وكان واقفاً عند صلبه أمه وأخت أمه مريم ابنة إكلاوبا ومريم المجدلية، ثم ذكروا أنه دفن؛ وذكر مرقس أنه كان يوم جمعة؛ وقال يوحنا: وأما اليهود - فلأنه يوم الجمعة - قالوا: هذه الأجساد لا تثبت على صلبها، لأن السبت كان عظيماً، ثم ذكر أنهم أنزلوهم، وأن عيسى دفن؛ وقال متى: إن الملك جاء بعد ثلاث وأقامه، وقال للنسوة: إنه قد قام فأسرعن فقلن لتلاميذه: هوذا سبقكم إلى الجليل، وإن رؤساء اليهود رشوا الجند الذين كانوا يحرسون قبره ليقولوا: إن تلاميذه سرقوه من القبر، فقالوا وشاع ذلك عند اليهود إلى اليوم، فأما الأحد عشر تلميذاً فمضوا إلى الجليل الذي أمروا به، فلما رأوه سجدوا له، وبعضهم شك؛ وقال لوقا: وفيما هم يتكلمون وقف عيسى إلى وسطهم، وقال لهم: السلام عليكم يا هؤلاء! لا تخافوا! فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم ينظرون روحاً، فقال لهم: ما بالكم تضطربون؟ وِلمَ يأتي الإنكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو، جسّوني وانظروا إليّ! الروح ليس له لحم ولا عظم، كما ترون أنه لي، ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين من الفرح والتعجب، وقال لهم: أعندكم هاهنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءاً من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، ثم قال: ثم أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم، وصعد إلى السماء؛ وقال يوحنا: إنه قال لمريم: امضي إلى إخوتي وقولي لهم: إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والهكم؛ وقال متى: فجاء يسوع فكلمتهم فقال: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم. انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة، فقد بان لك أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد، وهو الإسخريوطي، وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه، وأنه إنما وضع يده عليه، ولم يقل بلسانه: إنه هو، وأن الوقت كان ليلاً، وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون في هذه الليلة، وأن تلاميذه كلهم هربوا، فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في أمره، وأن بطرس إنما تبعه من بعيد، وأن الذي دل عليه خنق نفسه، وأن الناقل لأن الملك قال: إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد، وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن بالجهد، وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها لا يضرنا التصديقُ بها، وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه: أعطيت كل سلطان، فأثبت أن المعطي غيره، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه، ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه، كما قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه، فجزموه به - والله أعلم، وقوله: إنك يا رباه فيّ وأنا فيك، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا، ونحوه مما يوهم حلولاً المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحداً منهم لا يريد إلا ما يريد الآخر، ولا يرضى إلا ما يرضاه، فهو من وادي ما في الحديث القدسي "حديث : كنت سمعه الذي يسمع به "تفسير : - إلى آخره، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة، فالمراد الغاية، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصاً لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق.

ابو السعود

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ} أي بعيسى عليه السلام، وهو عطفٌ على {قولهم} وإعادةُ الجارِّ لطول ما بـينهما بالاستطراد، وقد جُوِّز عطفُه على بكفرهم فيكون هو وما عُطف عليه من أسباب الطبعِ، وقيل: هذا المجموعُ معطوفٌ على مجموع ما قبلَه، وتكريرُ ذكر الكفرِ للإيذان بتكرُّر كفرِهم حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً} لا يقادَر قدرُه حيث نسبوها إلى ما هي عنه بألف منزل {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} نظمُ قولِهم هذا في سلك جناياتِهم التي نُعيت عليهم ليس لمجرد كونِه كذباً بل لتضمُّنه لابتهاجهم بقتل النبـيِّ عليه السلام والاستهزاءِ به فإن وصفَهم له عليه السلام بعنوان الرسالةِ إنما هو بطريق التهكّم به عليه السلام كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } تفسير : [الحجر، الآية 6] الخ، ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه القبـيحِ على ما قيل من أن ذلك وُضِع للذكر الجميلِ من جهته تعالى مدحاً له ورفعاً لمحله عليه السلام، وإظهاراً لغاية جَراءتِهم في تصدِّيهم لقتله ونهايةِ وقاحتِهم في افتخارهم بذلك {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} حالٌ أو اعتراض. {وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ} (رُوي أن رهطاً من اليهود سبُّوه عليه السلام وأُمَّه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ فأجمعت اليهودُ على قتله فأخبره الله تعالى بأنه سيرفعه إلى السماء فقال لأصحابه: أيُّكم يرضىٰ بأن يُلقى عليه شبَهي فيُقتلَ ويصْلَبَ ويدخُلَ الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقَى الله تعالى عليه شبَهَه فقتل وصُلب)، وقيل: كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتلَه قال: أنا أدلُّكم عليه فدخل بـيتَ عيسى عليه السلام فرُفعَ عيسى عليه السلام وأُلقي شبَهُه على المنافق فدخلوا عليه وقتلوه وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام. وقيل: إن ططيانوسَ اليهوديَّ دخل بـيتاً كان هو فيه فلم يجده وألقىٰ الله تعالى عليه شبَهه فلما خرج ظُن أنه عيسى عليه السلام فأُخذ وقُتل، وأمثالُ هذه الخوارقِ لا تستبعد في عصر النبوةِ، وقيل: إن اليهودَ لما همّوا بقتله عليه السلام فرفعه الله تعالى إلى السماء خاف رؤساءُ اليهودِ من وقوع الفتنةِ بـين عوامِّهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبّسوا على الناس وأظهروا لهم أنه هو المسيحُ وما كانوا يعرفونه إلا بالاسم لعدم مخالطتِه عليه السلام لهم إلا قليلاً، وشُبّه مسندٌ إلى الجار والمجرور كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبـيهُ بـين عيسى عليه السلام والمقتولِ، أو في الأمر على قول من قال: لم يُقتَلْ أحدٌ ولكنِ أُرجِفَ بقتله فشاع بـين الناسِ، أو إلى ضمير المقتولِ لدِلالة {إِنَّا قَتَلْنَا} [النساء، الآية: 157] على أن ثمَّ مقتولاً. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك الواقعةُ اختلف الناسُ فقال بعضُ اليهودِ: إنه كان كاذباً فقتلناه حتماً، وتردد آخرون فقال بعضُهم: إن كان عيسى فأين صاحبُنا، وقال بعضُهم: الوجهُ وجهُ عيسى والبدنُ بدنُ صاحبِنا، وقال مَنْ سمِع منه عليه السلام إن الله يرفعني إلى السماء: إن رُفع إلى السماء، وقال قوم: صُلب الناسوتُ وصعِدَ اللاهوت (وقد مر) {لَفِى شَكّ مّنْهُ} لفي تردد، والشكُ كما يطلق على ما لم يترجح أحدُ طرفيه يُطلق على مطلق الترددِ وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ} استثناءٌ منقطعٌ أي لكنهم يتبعون الظن، ويجوز أن يفسَّر الشكُ بالجهل والعلمُ بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفسُ جزماً كان أو غيرَه فالاستثناءُ حينئذ متصلٌ {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي قتلاً يقيناً كما زعموا بقولهم: إنا قتلنا المسيحَ، وقيل: معناه وما علموه يقيناً كما في قول من قال: شعر : كذاك تُخبِرُ عنها العالماتُ بها وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يقَناً تفسير : من قولهم: قتلتُ الشيءَ علماً ونحَرتُه علماً إذا تَبالغَ علمُك فيه، وفيه تهكمٌ بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة وقد نُفيَ ذلك عنهم بالكلية.

القشيري

تفسير : مجاوزةُ الحدِّ ضلالٌ، كما أن النقصانَ والتقاصرَ عن الحقِّ ضلالٌ، فقومٌ تَقَوَّلُوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحدَّ في تعظيمها فقالوا: ابنُها ابنُ الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال. ويقال مريم - رضي الله عنها - كانت وليَّةَ الله، فَشَقِيَ بها فرقتان: أهل الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه - سبحانه - فمُنْكِرُهَم يَشْقَى بِتَرْكِ احترامهم، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يَشْقَوْن بالزيادة في إعظامهم، وعلى هذه الجملة دَرَجَ الأكثرون من الأكابر. قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ}. قوله تعالى: {وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} {عَزِيزاً حَكِيماً} قيل أوقع الله شَبَهَهُ على الساعي به فقُتِلَ وصُلِبَ مكانه، وقد قيل: مَنْ حفر بئراً لأخيه وقع فيها. وقيل إن عيسى عليه السلام قال: مَنْ رَضِيَ بأن يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل دوني فله الجنة، فرضي به بعضُ أصحابه، فيقال لمَّا صبر على مقاساة التلف لم يعدِم من الله الخلف، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 30]. ويقال لمَّا صَحَّتْ صحبةُ الرجل مع عيسى - عليه السلام - بِنَفْسِهِ صَحِبَه بروحه، فلمَّا رُفِعَ عيسى - عليه السلام - إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وبكفرهم} عطف على قولهم اى عاقبنا اليهود بسبب كذا وكذا وبسبب كفرهم بعيسى ايضا {وقولهم على مريم بهتانا عظيما} يعنى نسبتها الى الزنى وبهتانا منصوب على انه مفعول به نحو قال شعرا او على المصدر الدال على النوع نحو جلست جلسة فان القول قد يكون بهتانا وغير بهتان.

الجنابذي

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ} بعيسى (ع) {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} فاحذروا ان لا تبهتوا على مريم هذه الامّة ولا تضعوا حديثاً ولا تأخذوا فدك منها.

الأعقم

تفسير : {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} {وقولهم إنّا قتلنا المسيح} سمي مسيحاً لأنه مسح بالبركة، وقيل: لأنه يسيح في الأرض، وقولهم عيسى ابن مريم رسول الله قال جار الله: فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى (عليه السلام) أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله}؟ قلت: قالوا على وجه الاستهزاء كقول فرعون: {أية : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} تفسير : [الشعراء: 27] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان الذكر القبيح في الحكاية عنهم، وروي أن رهطاً من اليهود سبّوه وسبُّوا أُمَّهُ ودعا عليهم: اللهم أنت ربي وخلقتني بكلمتك، اللهم العن من سبَّني وسبَّ والدتي، فمسخ الله من سبَّهما قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهّره من اليهود فقال لأصحابه: "أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟" فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصُلِب، وقيل: كان رجلاً منافق لعيسى (عليه السلام) فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل فرفع الله عيسى وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله، وقال بعضهم: أنه قتل وصُلِب، وقال بعضهم: هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم: رفع إلى السماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا {إلا اتباع الظن} يعني قال جار الله: استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم ولكن يتَّبعون الظن {وما قتلوه يقيناً} وما قتلوه قتلاً يقيناً وما قتلوه كما ادّعوا ذلك في قولهم: إنَّا قتلنا المسيح {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} يعني اليهود والنصارى ما منهم أحد إلا ليؤمنن به قبل موته بعيسى وأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين حين لا ينفعه إيمانه، وقيل: ليؤمنن به يرجع الضمير إلى الله، وقيل: إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وروي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به حتى تكون الملَّة واحدة وهي ملة الإِسلام ويهلك الله في زمانه الدجال ويقع الأمنة حتى يرتع الأسد مع الإِبل، والذئاب مع الغنم، والنمران مع البقر، وتلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، قال جار الله: ويجوز أن يريد أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل به ويؤمنوا حين لا ينفعهم الإِيمان {فبظلم من الذين هادوا} الآية والألبان حرمت عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه من الكفر والكبائر العظيمة والطيبات التي حرمت عليهم ما ذكره في قوله: {وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر} الآية والألبان حرمت عليهم وقد قدمنا كلامهم.

اطفيش

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ}: بعيسى والانجيل عطف على: بما نقضهم أو على بكفرهم. {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} اذ رموها بالزنى وقالوا: ان عيسى من الزنى، حاشاهما من الزنى، بل خلقه الله فى بطنها صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليهما، وقد ظهر من المعجزات حين كان فى بطنها، وبعد ولادته ما يدل على براءتها.

اطفيش

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ} بعيسى عليه السلام والإنجيل والقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لما فعل الآخرون على فعل الأولين لرضاهم عنهم، وجعلهم كقوم واحد، وهو معطوف على بكفرهم ولا تكرير، لأن هذا كفر بعيسى، ومن ذكر بعده، والسابق كفر بغيرهم، أو السابق عام وهذا خاص، والسابق بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لاتصاله بذكر غلف، وقد واجهوه به فى مواضع، وهذا بعيسى {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} قالوا إنها زنت، وأن عيسى ولد زنا، حاشاهما، وبهتاناً مفعول به للقول، لإرادة معنى الجملة به، أو مفعول مطلق، أو حال، أى باهتين.

الالوسي

تفسير : {وَبِكُفْرِهِمْ} عطف على ـ {أية : بِكُفْرِهِمْ} تفسير : - {النساء: 155} الذي قبله، ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف الكفر بعيسى عليه السلام؛ والمراد بالكفر المعطوف عليه، إما الكفر المطلق أو الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم لاقترانه بقوله تعالى: {أية : قُلُوبُنَا غُلْفٌ} تفسير : [النساء: 155]، وقد حكى الله تعالى عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له عليه الصلاة والسلام في مواضع، ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية. وقد يعتبر في جانب المعطوف المجموع، ومغايرته للمفرد المعطوف عليه ظاهرة، أو عطف على {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم} تفسير : [النساء: 155] ويجوز اعتبار عطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله، ولا يتوهم المحذور، وإن قلنا باتحاد الكفر أيضاً لمغايرة المجموع للمجموع وإن لم يغاير بعض أجزائه بعضاً، وقد يقال بمغايرة الكفر في المواضع الثلاثة / بحمله في الأخيرين على ما أشرنا إليه، وفي الأول على الكفر بموسى عليه السلام لاقترانه بنقض الميثاق، وتقدم حديث العدو في السبت. {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰناً عَظِيماً} لا يقادر قدره حيث نسبوها ـ وحاشاها ـ إلى ما هي عنه في نفسها بألف ألف منزل، وتمادوا على ذلك غير مكترثين بقيام المعجزة بالبراءة، والبهتان الكذب الذي يتحير من شدته وعظمه، ونصبه على أنه مفعول به ـ لقولهم ـ وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولاً بهتاناً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي مباهتين.

ابن عاشور

تفسير : عُطف {وبكفرهم} مرّة ثانية على قوله: {أية : فبما نقضهم}تفسير : [النساء: 155] ولم يُستغن عنه بقوله: {أية : وكفرِهم بآيات الله}تفسير : [النساء: 155] وأعيد مع ذلك حرف الجرّ الذي يغني عنه حرفُ العطف قصداً للتأكيد، واعتبر العطف لأجل بُعْد ما بيّن اللفظين، ولأنَّه في مقام التهويل لأمر الكفر، فالمتكلّم يذكره ويُعيده: يتثبّت ويُرى أنّه لا ريبة في إناطة الحكم به، ونظير هذا التكرير قول لبيد:شعر : فتَنَازَعَا سَبِطاً يَطِيرُ ظلالُه كدُخان مُشْعَلَة يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولة غُلِثَتْ بنابت عرفج كَدُخَان نار سَاطِع أسْنَامُها تفسير : فأعاد التشبيه بقوله: (كدُخان نَار) ليحقّق معنى التشبيه الأوّل. وفي «الكشاف» «تكرّر الكفر منهم لأنّهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ـــ صلوات الله عليهم ـــ فعطف بعض كفرهم على بعض»، أي فالكفر الثاني اعتبر مخالفاً للذي قبله باعتبار عطف قوله: {وقولهم على مريم بهتاناً}. ونظيره قول عويف القوافي:شعر : اللؤم أكرمُ من وَبْر ووالدِه واللؤمُ أكرم من وَبْرٍ وما ولدا تفسير : إذْ عطف قوله: (واللؤم أكرم من وبر) باعتبار أنّ الثاني قد عطف عليه قولُه: (وما ولدا). والبهتان مصدر بَهَتَه إذا أتاه بقول أو عمل لا يترقّبه ولا يجد له جوابا، والذي يتعمّد ذلك بَهُوت، وجمعه: بُهُت وبُهْت. وقد زيّن اليهود ما شاءوا في الإفك على مريم ـــ عليها السلام ـــ. أمّا قولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، فَمحلّ المؤاخذة عليهم منه: هو أنّهم قصدوا أن يعدّوا هذا الإثم في مفاخر أسلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبيّن في سبيل نصر الدين. والمسيح كان لَقباً لعيسى ـــ عليه السلام ـــ لقَّبه به اليهود تهكّماً عليه: لأنّ معنى المسيح في اللغة العبرية بمعنى المَلِك، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : اسمه المسيح عيسى ابن مريم} تفسير : في سورة آل عمران (45)، وهو لقب قصدوا منه التهكّم، فصار لقباً له بينهم. وقلب الله قصدهم تحقيره فجعله تعظيماً له. ونظيره ما كان يطلق بعض المشركين على النبي محمّد اسم مذمَّم، قالت امرأة أبي لهب: مذمَّماً عصينا، وأمره أبينا. فقال النبي ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم، يشتمون ويلعنون مذمّماً وأنا محمد. وقوله: {رسول الله} إن كان من الحكاية: فالمقصود منه الثناء عليه والإيمان إلى أنّ الذين يتبجّحون بقتله أحرياء بما رتّب لهم على قولهم ذلك، فيكون نصبُ {رسول الله} على المدح، وإن كان من المحكي: فوصفهم إيّاه مقصود منه التهكّم، كقول المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم {أية : يَا أيّها الذي نُزّل عَلَيْهِ الذكر إنَّكَ لمجْنون}تفسير : [الحجر: 6] وقول أهل مدين لشعيب {أية : أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنَّك لأنْتَ الحليمُ الرشيد}تفسير : [هود: 87] فيكون نصب «رسول الله» على النعت للمسيح. وقوله {وما قتلوه} الخ الظاهر أنّ الواو فيه للحال، أي قولهم ذلك في حال أنّهم ما قتلوه، وليس خبراً عن نفي القتل لأنَّه لو كان خبراً لاقتضى الحال تأكيده بمؤكّدات قويَّة، ولكنَّه لمّا كان حالاً من فاعل القول المعطوف على أسباب لعنهم ومؤاخذتهم كانت تلك الأسباب مفيدة ثبوت كذبهم، على أنّه يجوز كونه خبراً معطوفاً على الجمل المخبر بها عنهم، ويكون تجريده من المؤكّدات: إمَّا لاعتبار أنّ المخاطب به هم المؤمنون، وإمَّا لاعتبار هذا الخبر غنيّاً عن التأكيد، فيكون ترك التأكيد تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر، وإمّا لكونه لم يُتلقّ إلاّ من الله العالم بخفيّات الأمور فكان أعظم من أن يؤكّد. وعطف {وما صلبوه} لأنّ الصلب قد يكون دون القتل، فقد كانوا ربما صلبوا الجاني تعذيباً له ثم عفوا عنه، وقال تعالى: {أية : إنَّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... أن يُقتَّلوا أو يصلَّبوا}تفسير : [المائدة: 33]. والمشهور في الاستعمال: أنّ الصلب هو أن يوثق المعدود للقتل على خشبة بحيث لا يستطيع التحرّك ثم يطعن بالرمح أو يرمى بسهم، وكذلك كانوا يزعمون أنّ عيسى صلب ثم طعن برمح في قلبه. وجملة {ولكن شبَّه لهم} استدراك، والمستدرك هو ما أفاده {وما قتلوه} من كون هذا القول لا شبهة فيه. وأنَّه اختلاق محض، فبيّن بالاستدراك أنّ أصل ظنّهم أنّهم قتلوه أنّهم توهّموا أنّهم قتلوه، وهي شبهة أوهمت اليهود أنّهم قتلوا المسيح، وهي ما رَأوه ظاهراً من وقوع قتل وصلْب على ذات يعتقدونها ذات المسيح، وبهذا وردت الآثار في تأويل كيفيَّة معنى الشبه. وقوله: {شبّه لهم} يحتمل أن يكون معناه: أنّ اليهود الَّذِين زعموا قتْلَهم المسيحَ في زمانهم قد شُبّه لهم مُشبَّه بالمسيح فقتلوه، وَنجَّى الله المسيح من إهانة القتل، فيكون قوله: {شبِّه} فعلاً مبْنيّاً للمجهول، مشتقّاً من الشبه، وهو المماثلة في الصورة. وحذف المفعول الذي حقّه أن يكون نائب فاعل (شبّه) للدلالة فعل (شبّه) عليه؛ فالتقدير: شبِّه مشبَّه فيكون «لهم» نائباً عن الفاعل. وضمير (لهم) على هذا الوجه عائد إلى الذين قالوا: {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم} وهم يهود زمانه، أي وقعت لهم المشابهة، واللام على هذا بمعنى عند كما تقول: حصل لي ظنّ بكذا. والاستدراك بيِّن على هذا الاحتمال. ويحتمل أن يكون المعنى ولكن شبّه لليهود الأولين والآخرين خبر صلب المسيح، أي اشتبه عليهم الكذب بالصدق، فيكون من باب قول العرب: خُيِّل إليك، واختُلِط على فلان. وليس ثمّة شبيه بعيسى ولكن الكذب في خبره شبيه بالصدق، واللام على هذا لام الأجل: أي لُبس الخبرُ كذبُه بالصدق لأجْلهم، أي لتضليلهم، أي أنّ كبراءهم اختلقوه لهم ليبردوا غليلهم من الحَنَق على عيسى إذ جاء بإبطال ضلالاتهم. أو تكون اللام بمعنى ـــ على ـــ للاستعلاء المجازي، كقوله تعالى: {أية : وإن أسأتم فلها}تفسير : [الإسراء: 7]. ونكتة العدول عن حرف ـــ على ـــ تضمين فعل شُبّه معنى صُنع، أي صنع الأحبار هذا الخبر لأجل إدخال الشبهة على عامّتهم. وفي الأخبار أنّ (يهوذا الاسخريوطي) أحد أصحاب المسيح، وكان قد ضلّ ونافق، هو الذي وشى بعيسى ـــ عليه السلام ـــ وهُو الذي ألْقَى الله عليه شبهَ عيسى، وأنَّه الذي صُلب، وهذا أصله في إنجيل برنابي أحد تلاميذ الحواريين، وهذا يلائم الاحتمال الأول. ويقال: إنّ (بيلاطس)، وَاليَ فلسطين، سئل في رومة عن قضية قتل عيسى وَصَلبه فأجاب بأنّه لا عِلم له بشيء من هذه القضية، فتأيّد بذلك اضطراب النّاس في وقوع قتله وصلبه، ولم يقع، وإنَّما اختلق اليهود خبره، وهذا يلائم الاحتمال الثاني. والّذي يجب اعتقاده بنصّ القرآن: أنّ المسيح لم يُقتل، ولا صُلب، وأنّ الله رَفَعَه إليه ونجّاه من طالبيه، وأمَّا ما عدا ذلك فالأمر فيه محتمل. وقد تقدّم الكلام في رفعه في قوله تعالى: {أية : إنّي متوفّيك ورافعك إلَيّ}تفسير : في سورة آل عمران [55] وقوله: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} يدلّ على وقوع خلاف في شأن قتل المسيح. والخلافُ فيه موجود بين المسيحيين: فجمهورهم يقولون: قتلته اليهود، وبعضهم يقول: لم يقتله اليهود، ولكن قتلوا يهوذا الاسخريوطي الذي شبّه لهم بالمسيح، وهذا الاعتقاد مسطور في إنجيل برنابي ـــ الذي تعتبره الكنيسية اليوم كتاباً محرّفاً ـــ فالمعنى أنّ معظم النّصارى المختلفين في شأنه غير مؤمنين بصلبه، بل يخالج أنفسهم الشكّ، ويتظاهرون باليقين، وما هو باليقين، فما لهم به من علم قاطع إلاّ اتّباع الظنّ. فالمراد بالظنّ هنا: معنى الشكّ، وقد أطلق الظنّ على هذا في مواضع كثيرة من كلام العرب، وفي القرآن {أية : إنّ بعض الظنّ إثم}تفسير : [الحجرات: 12]، وفي الحديث الصحيح: «حديث : إيَّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكْذَبُ الحديث»تفسير : ؛ فالاستثناء في قوله {إلاّ اتّباع الظنّ} مُنقطع، كقول النابغة:شعر : حَلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا عِلْمَ إلاّ حُسنَ ظنّ بصَاحب تفسير : يجوزُ أن يكون معطوفاً على قوله: {وما قتلوه وما صلبوه} ويجُوز أن يعطف على قوله: {مالهم به من علم}. واليقين: العلم الجازم الذي لا يحتمل الشكّ، فهو اسمُ مصدر، والمصدر اليَقَن بِالتحريك، يقال: يَقِن كفرح يَيْقَن يَقَنا، وهو مصدر قليل الاستعمال، ويقال: أيقن يُوقن إيقاناً، وهو الشائع. وقوله {يقيناً} يجوز أن يكون نصب على النيابة عن المفعول المطلق المؤكِّد لمضمون جملة قبله: لأنّ مضمون: {وما قتلوه يقينا} بعد قوله: {وقولهم إنّا قتلنا المسيح} إلى قوله {وما قتلوه وما صلبوه ولكنّ شبّه لهم} يدلّ على أنّ انتفاء قتلهم إيّاه أمر متيقّن، فصحّ أن يكون يقيناً مؤكّداً لهذا المضمون. ويصحّ أن يكون في موضع الحال من الواو في {قتلوه}، أي ما قتلوه متيقّنين قتْلَه، ويكون النفي منصبّاً على القيد والمقيّد معاً، بقرينة قوله قبله {ومَا قتلوه وما صلبوه}، أي: هم في زعمهم قتْله ليسوا بمُوقنين بذلك للاضطراب الذي حصل في شخصه حينَ إمساك من أمسكوه، وعلى هذا الوجه فالقتل مستعمل في حقيقته. وضمير النصب في {قتلوه} عائد إلى عيسى ابن مريم ـــ عليه السلام ـــ. ويجوز أن يكون القتل مستعملاً مجازاً في التمكّن من الشيء والتغلّب عليه كقولهم: قَتَلَ الخمرَ إذا مزجها حتّى أزال قُوّتَها، وقولهم: قَتَل أرضاً عالِمُها، ومن شعر «الحماسة» في بَاب الهجاء:شعر : يَروعك من سعدِ ابن عمرو جُسومها وتزهَد فيها حين تقتلُهَا خُبْراً تفسير : وقول الشاعر:شعر : كذلِكَ تخبر عنهَا العالمات بها وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يَقَنا تفسير : وقول الآخر:شعر : قتلتني الأيام حين قتلتها خبُرا فأبْصِرْ قَاتلاً مقتولاً تفسير : وضمير النصب في {قتلوه} عائد إلى العلم من قوله تعالى {ما لهم به من علم}، فيكون {يقيناً} على هذا تمييزاً لنسبة (قتلوه). ولذلك كلّه أعقب بالإبطال بقوله: {بل رفعه الله إليه} أي فلم يظفروا به. والرفع: إبعاده عن هذا العالم إلى عالم السماوات، و(إلى) إفادة الانتهاء المجازي بمعنى التشريف، أي رفعه الله رفع قرب وزلفى. وقد تقدّم الكلام على معنى هذا الرفع، وعلى الاختلاف في أنّ عيسى ـــ عليه السّلام ـــ بقي حيّاً أوْ أماته الله، عند قوله تعالى: {أية : إنّي متوفّيك ورافِعك إليّ} تفسير : في سورة آل عمران (55). والتذييل بقوله: وكان الله عزيزاً حكيماً} ظاهر الموقع لأنّه لمّا عزّ فقد حقّ لعزّه أن يُعِزّ أولياءَه، ولمّا كان حكيماً فقد أتقن صُنع هذا الرفع فجعله فتنة للكافرين، وتبصرة للمؤمنين، وعقوبة ليهوذا الخائن.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}. لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم العذراء، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت بولد لغير رشده في زعمهم الباطل - لعنهم الله - وذلك في قوله: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} تفسير : [مريم: 27] يعنون ارتكاب الفاحشة {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}تفسير : [مريم: 28] أي: زانية فكيف تفجرين ووالداك ليسا كذلك، وفي القصة أنهم رموها بيوسف النجار وكان من الصالحين، والبهتان أشد الكذب الذي يتعجب. منه قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] الآية. لم يبين هنا ما هذه الطيبات التي حرمها عليهم بسبب ظلمهم ولكنه بينها في سورة الأنعام بقوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146].

القطان

تفسير : بهتانا: اختلاقا وكذبا. شُبّه لهم: وقع لهم الشبه بين عيسى والمقتول الذي صلبوه. لقد غضب الله عليهم جزاء كفرهم، بسبب رميهم مريم كذباً من عندهم باقتراف الزنا، وبحكم قولهم إنّا قتلنا عيسى بن مريم رسول الله مع ان الحق انهم لم يقتلوه ولم يصلبوه وإنما شُبّه لهم ذلك. والواقع أنهم قتلوا شخصاً يشبهه. اما الذين اختلفوا في شأنه فهم في شك من أمره، اذ ليس لهم به علم قطعي، وما يتبعون إلا مجرد الظن. وروايات الأناجيل الموجودة الآن حول هذا الموضوع متناقضة، فبعضها يرى أن يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذ المسيح هو الذي سلّمه للجند وأخذ ثلاثين قطعة من الفضة اشترى بها حقلا. اعمال: 18 و19. وفي انجيل مَتَّى ان يهوذا ندم وردّ الثلاثين من الفضة الى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلا: قد اخطأت إذ سلّمت دماً بريئا.... متّى 37 ـ7. وفي انجيل متّى أيضاً أن يهوذا ندم ومضى وخنق نفسه. 27: 5. اما كتاب اعمال الرسل فيذكر ان يهوذا لم يخنق نفسه بل (سقط على وجهه فانشقّ من الوسط......): الخ ذلك. والخلاصة: ان روايات المسلمين جميعها متفقة على ان عيسى نجا ممن أرادوا قتله فقتلوا آخر ظناً منهم انه المسيح. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً....} وهذا تأكيد من القرآن بأن عيسى لم يُقتل أو يصلب بل رفعه الله إليه وأنقذه من أعدائه، والله عزيز لا يُغلب. بهذه العزة أنقذ رسوله الكريم من أعدائه، وبحكمته جازى كل عامل بعمله. وموضوع الرفع: أهو بالروح أو بالجسد موضوع تكلم فيه المفسرون كثيرا فلا داعي لتفصيله هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {بُهْتَاناً} (156) - وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بِهِمْ غَضَبَهُ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِعِيسَى وَرِسَالَتِهِ، وَرَمْيِهِمْ أمَّهُ الطَّاهِرَةَ البَتُولَ بِالبُهْتَانِ وَالكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ. بُهْتَاناً عَظِيماً - كَذِباً وَبَاطِلاً فَاحِشاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويقول قائل: ألم يقل الحق من قبل إن "كفرهم" هو سبب من أسباب طبع الله على قلوبهم؟ إياك أن تقول إن هناك كلمة في القرآن مكررة لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى الذي لا ينسى شيئاً، ولا يكرر من غير داع، والكفر أيضاً على درجات، مرة يكون الكفر بالله، ومرة يكون الكفر بآيات الله، وثالثة يكون الكفر بالرسل، ورابعة يكون الكفر ببعض النبيين، وخامسة يكون الكفر ببعض الكتب السماوية. إذن فألوان الكفر شتى. والكفر في الآية السابقة كان كفراً بآيات الله، أما كفرهم في هذه الآية فالحق يشرحه: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}. لقد كفروا بعيسى عليه السلام، وقالوا البهتان العظيم على مريم، هذا كفر بآيات الله وبرسول من عند الله. وقوله الحق: "وبكفرهم" هو عطف على "نقضهم" وعلى "كفرهم بآيات الله" وعلى "قتلهم الأنبياء" وعلى "قولهم قلوبنا غلف". ونلاحظ هنا أن الحق لم يذكر الباء التي جاءت في أول الآية السابقة حين قال: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ}. وهذا يدل على أننا أمام مناط الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى. فقد كان يكفي ارتكابهم لأي واحدة من هذه الأعمال المذكورة لكي يطبع الله على قلوبهم، ولكنهم ارتكبوا كل الأعمال المذكورة مجتمعة، ولم يرتكبوا فعلاً واحداً منها. وهذا دليل على أن الله لا يتصيد ويحتال ليوقعهم في الكفر ولكن يحنن العباد إلى الإيمان. لقد ارتكبوا أربعة أفعال جسيمة: نقضوا الميثاق، وكفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، وادعوا أن الله طبع على قلوبهم. وحين جعل هذا الأفعال الأربعة جريمة واحدة فهذا فضل ورحمة منه. وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} وهنا نجد أنه سبحانه قد ساوى بين قولهم البهتان على مريم وبين كل الأفعال السابقة؛ لأنهم اعترضوا على رسالة ونبوة عيسى عليه السلام وهو نبي من أولي العزم من الرسل بأشياء قد تكون ضمن الأسباب التي فتنت بعض الناس فيه، لقد خلقه الله خلقاً خاصاً. فسبحانه خلق الناس جميعاً من آدم عليه السلام الذي صوره الله من طين ثم نفخ فيه الروح، وجاء الخلق من التزاوج. أما عيسى عليه السلام فقد خلقه الله بطريقة خاصة، فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم عليها السلام وهي البتول؟. ومن الجائز أن تُتهم المرأة وترمى وتوصف بكل شيء: كاذبة، سارقة، أو دميمة، لكن الاتهام في العرض: لا. والحق هنا يحدد موضوعين للكفر: قولهم البهتان على مريم وهو كفر بالله، وكفرهم بعيسى الذي جاء بميلاد على غير طريقة الميلاد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع لليهود الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا: (أرنا الله جهرة). بل إن الحق رزقهم برزق غيبي لا يعرفون أسبابه: في التيه رزقهم بالمن والسلوى، والمن في لون القشدة وطعم العسل الأبيض وهو شيء يقع على أوراق الشجر في بعض البيئات، والسلوى طائر يشبه السُّماني، وكانوا يأخذون المن من الأشجار ويجعلونه رزقاً يأتيهم ولا يزرعونه ولا يتعبون فيه. لكنهم قالوا: لا، نحن نريد أن نزرع نباتاً ينمو من الأرض ولا ننتظر الغيب، لأن الغيب قد يضن علينا. {أية : فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا} تفسير : [البقرة: 61] هم - إذن - لا يثقون بما في يد الله، ويريدون الأمر المادي، ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى لفتة قسرية، ويأتي بأمر يناقض قانون المادة من أساسه؛ وهو ميلاد عيسى عليه السلام بأسلوب غير تقليدي، والإنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم، ويأتي الحق بعيسى مخلوقاً من أم دون أب، فانتقضت المادية، وهم كماديين غفلوا عن الخلق الأول: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق: 15] إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلام؟. لقد نقض أمامهم الأساس التقليدي المادي لمجيء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى، وجاء عيسى عليه السلام من أم دون أب. ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر، فإن أراد البشر مُسَبَّباً فعليهم أن يأخذوا الأسباب، أما سبحانه وتعالى فهو مسبِّبُ الأسباب وخالقها وهو القادر - وحده - على إيجاد الشيء بتنحية كل الأسباب. ونعلم أن قضية الخلق دارت على اربعة أنحاء، إما أن ينشأ الشيء من وجود الشيئين، هذه هي الصورة الأولى. وإما أن ينشأ الشيء من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية. وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الأول وعدم وجود الشيء الثاني، وهذه هي الصورة الثالثة، وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الأول، وهذه هي الصورة الرابعة. تلك هي الصور الأربع لوجود شيء ما. ولم يشأ الله أن يجعل الخلق - وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون - على نحو واحد؛ حتى لا يقولن أحد: إن السببية مشروطة للوجود. بل المسبَّب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلقنا جميعاً نحن من أب وأم، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، وخلق حواء من أب دون أم. هذه هي القسمة العقلية الواضحة، فليست المسألة عنصرية موجودة، ولكن قيمة واقتدار واجد. وقدرة الحق تتجلى أيضاً أمامنا حينما تكون الأسباب موجودة كالأب والأم. لكن يشاء سبحانه أن يكون الاثنان عقيمين فهو القائل: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 49-50] إذن فليست المسألة مدار أسباب تُوجَد، بل مسَبِّبِ يريد أن يُوجِد، وأراد الحق أن يكون مجيء عيسى عليه السلام بهذه الصورة ليلفت بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضلالات المادية، فأوجده من أم دون أب، فكان هذا آية على طلاقة قدرته، ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالاً على غير مراد الله، فكذبوا عيسى، وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى بالانجيل. ووقفوا أمام رسالته بعنف، والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون، هو رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم، وكان عندهم شريعة تقتضي الرجم للزانية، فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى؟ ولماذا لم يعاقبوها حسب سريعة التوراة؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجيء عيسى عليه السلام بالإنجيل ليقولوا: يا فاعل يا ابن الفاعلة. كان انتظارهم دليلاً على أن ميلاد عيسى عليه السلام كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك، فقد نطق عيسى عليه السلام بعد ميلاده ولم تتكلم مريم قطّ؛ لأن ما حدث أمر فوق منطقها، وجهزها الله لهذا الموقف؟، وأمرها بالصمت عندما يسألونها، وأن تشير إلى المولود الذي في المهد: {أية : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 29-31] وانبهروا انبهاراً فتت فيهم القوى، فقوى الخصومة ساعة ترى هذا لا تجد إلا الانهيار، فألحق أبلج، والباطل لجلج. إذن كان الأمر بيدهم وفي توراتهم أن من يزن يرجم، فلماذا لم يرجموا أم عيسى إذن؟. لا بد أنهم صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل، المعجزة الباهرة هي كلام عيسى ابن مريم في المهد: {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} وجعلت المفاجأة أقوى الأقوياء فيهم ينهار، وتخور قواه. وعندما نقول هذا الكلام فليس الهدف منه تصحيح عقائد أحد، ولكننا فقط نريد أن يتضح منطق الإيمان في عقول المسلمين، أما أبناء الديانات الأخرى فهم أحرار فيما يعتقدون، والمهم بالنسبة لنا أن يكون ديننا وقرآننا متضحاً أمام أعيننا، ولا يجرؤ أحد أن يميل به. {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} ونحن كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان على مريم البتول، والبهتان هو الكذب الشرس. فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولاً، ولون من الكذب غير مقبول: فأن يقول قائل عن رجل ورع: إنه شرب الخمر، والقائل يعلم أنه كاذب، فهذا كذب ثقيل شرس، يتحير ويتعجب من يسمعه؛ وهذا هو البهتان. ولم يستح ويمتنع اليهود حينما رموا مريم - الطاهرة بأمر الله - بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم سابقة خير واستقامة. لقد كان ماضي مريم ناصعاً؛ لأنه جرح مريم في عرضها، ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلاد عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي المولود بعد موسى من بطنها. وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء، وأبلغ بنو إسرائيل بناتهم بكيفية مجيء النبي القادم عيسى ابن مريم، تماماً مثل قضية البشارة برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89] ومن رحمة الله بمريم نفسها أن الله جعل لها التمهيدات التي تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة، وأن العملية كلها قد تمت بـ "كن" من الله، ولم يجعل الله المسألة سرّاً عن مريم فتحمل بأمر قوله: "كن" دون أن تدري، لا. بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية. وجاء الملك لمريم ونفخ فيها بالحمل. وعرفت هي السبب مادياً بالملك والنفخ حتى لا تتهم أو تشك بأن شيئاً قد حدث لها وهي نائمة أو غير ذلك. لقد أراد الله المسألة على تلك الصورة ليجعلها أمراً يقطع الشك لديها، وهي التي بُشرت به - إيناساً لها - عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها والذي يأتيها بالطعام ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} أجابت: {أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] لقد نطقت مريم البتول من قبل: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ومن الحساب أن يكون للمرأة زوج لترزق بالولد، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب. ومن العجيب أنها في هذا القول نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره؛ ولذلك يقول الحق: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ * فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 38-40] إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه، وتلك سلسلة تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن ولادتها لعيسى عليه السلام إنما جاءت بـ "كن" وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء، وعندما قالت لسيدنا زكريا: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تنبه ودخل من هذا الباب، فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر، وأنه بلغ من الكبر عتياً، ومفهوم لنا معنى قول الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا؛ أي أنه لم يعد يملك القدرة على الإنجاب. وهذه القضية تعطينا سبقاً قرآنيا لكثير من قضايا العلم: {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم: 4] هذا القول هو أشبه بمذكرة تفسيرية لبلوغه من الكبر عتيا. ويثبت العلم الحديث أن العظام هي آخر وعاء لتغذية الإنسان، فإن امتنع الإنسان عن الطعام فالدهون التي في جسده تغذية. وإن امتنع الماء عن الإنسان وهو المكوِّن لتسعين في المائة من وزنه يمتص الإنسان الماء من خلايا الجسم والعضلات واللحم. ولذلك يقال في المثل العربي: سنة اذابت الشحم، وسنة أفنت اللحم، وسنة محت العظم. فكأن البداية تكون التغذية من الشحم ومن بعد ذلك من اللحم ومن بعد الشحم واللحم يأخذ الجسم غذاءه من العظم. وهذه هي التي جاءت على لسان سيدنا زكريا: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي}. فآخر مخزن للتغذية لم يعد به ما يمكن أن يستمد منه زكريا طاقة الإنجاب. وما الذي يغذيه العظم من الجسم؟ إنه يغذي المخ، وهو السيد الأعلى الذي يدير كل جارحة في الجسم، وتعمل كل جارحة في خدمته، ويعيش المخ بطبيعة الحال كل عمره في خدمة الجوارح، يرتب لها قدرات العمل والتفكير والإحساس والسلوك، وما دام المخ موجوداً، فكل شيء يتم تعويضه. ولذلك يحاولون - الآن - تعريف الموت طبياً، فيقولون: لا يحدث الموت مادامت خلايا المخ حية؛ فإذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت. ومن عجيب الأمر أن سيد الإنسان له مكان في أعلى الجسم إنه هو المخ، داخل الجمجمة، أما النبات فسيده في الجذور. وإن لم تجد الجذور مياها تذيب بها العناصر في الأرض فالنبات يأخذ غذاءه من الورق، وبعد أن يذبل الورق يأخذ النبات غذاءه من الفروع الصغيرة. وعندما تذبل تلك القروع وتجف ولا ينقذ النبات إلا مجيء بعض الماء للجذور. وكذلك المخ بالنسبة للإنسان. فكأن مريم شجعت سيدنا زكريا عندما قالت أمامه: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فدعا سيدنا زكريا الله أن يرزقه بالولد، فجاءه الولد. وهذه القضية نطقت بها مريم وتمت تجربتها في سيدنا زكريا. وبعد ذلك جاءها البشير بميلاد المسيح عيسى ابن مريم: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [آل عمران: 45-46] كيف يصوغ القرآن هذه الصياغة، وكيف تقول هي: {أية : قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تفسير : [آل عمران: 47] لقد كانت سيدتنا مريم البتول تحسن الاستقبال عن الله، فساعة سمعت أن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، عرفت أن نسبه لها يعني أنه بلا أب. وعرفت أن الحق سبحانه ما نسبه إليها إلا لأنه لا أب له. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أَبو معشر عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} [الآية: 156]. قال: هو قول من يقول منهم: إِن أُمه جاءَت به من غير عمل صالح. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [الآية: 157]. يقول صلبوا رجلاً غير عيسى وهم يحسبون أَنه عيسى، عليه السلام، شبه لهم. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن منصور عن مجاهد: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [الآية: 159]. قال: لا يموت أَحد منهم حتى يؤمن بعيسى، عليه السلام، وإِن غرق أَو تردى. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [الآية: 159]. قال: كل صاحب كتاب فإِنه يؤمن بعيسى قبل موت صاحب الكتاب. ورفع الله عيسى حياً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} [الآية: 160]. يقول: بما صدوا أَنفسهم وغيرهم عن الحق. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قَدْ جَآءَكُمْ / 17ظ / بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 174]. يعني: حجة.