Verse. 650 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَّقَوْلِـہِمْ اِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيْحَ عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُوْلَ اؘ۝۰ۚ وَمَا قَتَلُوْہُ وَمَا صَلَبُوْہُ وَلٰكِنْ شُـبِّہَ لَہُمْ۝۰ۭ وَاِنَّ الَّذِيْنَ اخْتَلَفُوْا فِيْہِ لَفِيْ شَكٍّ مِّنْہُ۝۰ۭ مَا لَہُمْ بِہٖ مِنْ عِلْمٍ اِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ۝۰ۚ وَمَا قَتَلُوْہُ يَقِيْنًۢا۝۱۵۷ۙ
Waqawlihim inna qatalna almaseeha AAeesa ibna maryama rasoola Allahi wama qataloohu wama salaboohu walakin shubbiha lahum wainna allatheena ikhtalafoo feehi lafee shakkin minhu ma lahum bihi min AAilmin illa ittibaAAa alththanni wama qataloohu yaqeenan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقولهم» مفتخرين «إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله» في زعمهم، أي بمجموع ذلك عذبناهم قال تعالى تكذيبا لهم في قتله «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم» المقتول والمصلوب وهو صاحبهم بعيسى، أي ألقى الله عليه شبهه فظنوه إياه «وإن الذين اختلفوا فيه» أي في عيسى «لفي شك منه» من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به، وقال آخرون: بل هو هو «ما لهم به» بقتله «من علم إلا اتباع الظن» استثناء منقطع، أي لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه «وما قتلوه يقينا» حال مؤكدة تنفي القتل.

157

Tafseer

الرازي

تفسير : وسادسها: قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ }. وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك، وهذا يدل على أنهم كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم. فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟ والجواب عنه من وجهين: الأول: أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] وكقول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6]، والثاني: أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به. ثم قال تعالى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ }. واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: قوله {شُبّهَ } مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر. والجواب من وجهين: الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور، وهو كقولك: خيل إليه كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه. الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله {وَمَا قَتَلُوهُ } يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكوراً بهذا الطريق، فحسن إسناد {شُبّهَ } إليه. السؤال الثاني: أنه إن جاز أن يقال: أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة، فإنا إذا رأينا زيداً فلعله ليس بزيد، ولكنه ألقى شبه زيد عليه، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك، وثوقاً به، وأيضاً يفضي إلى القدح في التواتر لأن خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس، فإذا جوزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع، وليس لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنا نقول: لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة، وأيضاً ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة: وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر، والطعن فيه يوجب الطعن في نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردوداً. والجواب: اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهاً: الأول: قال كثير من المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم، فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلاّ بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس، وبهذا الطريق زال السؤال. لا يقال: إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولاً، لأنا نقول: إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب. والطريق الثاني: أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه: الأول: أن اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه السلام ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو فصلبوه وقتلوه. الثاني: وكلوا بعيسى رجلاً يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع إلى السماء، وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى. الثالث: أن اليهود لما هموا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟ فقال واحد منهم أنا، فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل، ورفع الله عيسى عليه السلام. الرابع: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى عليه السلام، وكان منافقاً فذهب إلى اليهود ودلهم عليه، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل وصلب. وهذه الوجوه متعارضة متدافعة، والله أعلم بحقائق الأمور. ثم قال تعالى:{وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} وفيه مسألتان: المسأله الأولى:اعلم أن في قوله {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } قولين: الأول: أنهم هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه، إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية، والملكانية، واليعقوبية. أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول، قالوا: لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن، وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد عليه، لا يقال: فكل إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص؟ لأنا نقول: إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن، ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك، ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس بل هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين، فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة. وأما الملكانية فقالوا: القتل والصلب وصلا إلى الاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة. وقالت اليعقوبية: القتل واللصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب، وهو المراد من قوله {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكّ مّنْهُ }. القول الثاني: أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود، وفيه وجهان: الأول: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى عليه السلام، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره. الثاني: قال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه ويقتله، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على أنه عيسى عليه السلام، ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ فذلك اختلافهم فيه. المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا: العمل بالقياس اتباع للظن، واتباع الظن مذموم في كتاب الله بدليل أنه إنما ذكره في معرض الذم، ألا ترى أنه تعالى وصف اليهود والنصارى ههنا في معرض الذم بهذا فقال {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ } وقال في سورة الأنعام في مذمة الكفار {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ لا يَخْرُصُونَ } تفسير : [الأنعام: 116] وقال في آية أخرى {أية : وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً } تفسير : [يونس: 36] وكل ذلك يدل على أن اتباع الظن مذموم. والجواب: لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن، فإن الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوماً لا مظنوناً، وهذا الكلام له غور وفيه بحث. ثم قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ }. واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين: أحدهما: يقين عدم القتل، والآخر يقين عدم الفعل، فعلى التقدير الأول يكون المعنى: أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه؟ ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام، بل حين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل. أما قوله: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو والكسائي {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام. المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بقوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } في إثبات الجهة. والجواب: المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله {أية : وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ } تفسير : [البقرة: 210] وقال تعالى: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [النساء: 100] وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة، وقال إبراهيم {أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى } تفسير : [الصافات: 99]. المسألة الثالثة: رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران {أية : إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [آل عمران: 55] واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }. والمراد من العزة كمال القدرة، ومن الحكمة كمال العلم، فنبّه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمتعذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي، وهو نظير قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1] فإن الإسراء وإن كان متعذراً بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} كسرت «إنّ» لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدّم في «آل عمران» ٱشتقاق لفظ المسيح. {رَسُولَ ٱللَّهِ} بدل، وإن شئت على معنى أعني. {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} ردّ لقولهم. {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي ألقى شبهه على غيره كما تقدّم في «آل عمران». وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ}. والإخبار قيل: إنه عن جميعهم. وقيل: إنه لم يختلف فيه إلا عوامّهم؛ ومعنى ٱختلافهم قول بعضهم إنه إلۤه، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن: وقيل ٱختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى. وقال من عاين رفعه إلى السماء: ما قتلناه. وقيل: ٱختلافهم أن النُّسْطُورِيّة من النصارى قالوا: صلِب عيسى من جهة ناسُوته لا من جهة لاهُوته. وقالت المَلْكانية: وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوتهِ ولاهوتهِ. وقيل: ٱختلافهم هو أنهم قالوا: إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ ٰ وقيل: ٱختلافهم هو أن اليهود قالوا: نحن قتلناه، لأن يهوذا رأس اليهود وهو الذي سعى في قتله. وقالت طائفة من النصارى: بل قتلناه نحن. وقالت طائفة منهم: بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه. {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} مِن زائدة؛ وتمّ الكلام. ثم قال جل وعز: {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} ٱستثناء ليس من الأوّل في موضع نصب، ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل؛ أي ما لهم به من علمٍ إلا ٱتِّباع الظن. وأنشد سيبويه: شعر : وبلدةٍ ليس بها أنِيسُ إلاّ اليعافير وإلا العِيسُ تفسير : قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} قال ابن عباس والسدي: المعنى ما قتلوا ظنهم يقيناً؛ كقولك: قتلته علماً إذا علمته عِلما تامّاً؛ فالهاء عائدة على الظنّ. قال أبو عبيد: ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقيناً لقال: وما قتلوه فقط. وقيل: المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى يقيناً؛ فالوقف على هذا على «يَقِيناً». وقيل؛ المعنى وما قتلوا عيسى، والوقف على «وَمَا قَتَلُوهُ» و «يَقِيناً» نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما ـ أي قالوا هذا قولاً يقيناً، أو قال الله هذا قولاً يقيناً. والقول الآخر ـ أن يكون المعنى وما علموه علماً يقيناً. النحاس: إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقيناً فهو خطأ؛ لأنه لا يعمل ما بعد «بَلْ» فيما قبلها لضعفها. وأجاز ابن الأنباريّ الوقف على «وَمَا قَتَلُوهُ» على أن ينصب «يقيناً» بفعل مضمر هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدّقتم يقيناً أي صدقا يقيناً. {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} ابتداء كلام مستأنف؛ أي إلى السماء، والله تعالى متعال عن المكان؛ وقد تقدّم كيفية رفعه في «آل عمران». {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} أي قوياً بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرّومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. {حَكِيماً} حكم عليهم باللعنة والغضب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَوْلِهِمْ } مفتخرين {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } في زعمهم أي بمجموع ذلك عذبناهم، قال تعالى تكذيباً لهم {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ } المقتول والمصلوب - وهو صاحبهم - بعيسى أي ألقى الله عليه شبهه فظنوه إياه {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أي في عيسى {لَفِى شَكٍّ مّنْهُ } من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول: الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به، وقال آخرون: بل هو هو {مَا لَهُمْ بِهِ } بقتله {مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ } استثناء منقطع، أي لكن يتبعون فيه الظنّ الذي تخيّلوه {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } حال مؤكدة لنفي القتل.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم على اختلاف الأزمان وتعاقب القرون، فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الحجة في أن وجبت لهم اللعنة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فهذه الطائفة التي قالت {إنا قتلنا المسيح} غير الذين نقضوا الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله: {عيسى ابن مريم} وقوله عز وجل: {رسول الله} إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل، ولزمهم الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول، ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى فكأنهم قتلوه، وإذا كانوا قتلوه فليس يرفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه غير رسول، كما أن قريشاً في تكذيبها رسول الله لا ينفعهم فيه اعتقادهم أنه كذاب، بل جازاهم الله على حقيقة الأمر في نفسه، ثم أخبر تعالى أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافاً شديداً أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته، لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتاً بمرأى من بني إسرائيل فروي: أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر وحصروا ليلاً فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب، وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه: أيكم يلقي شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال سرجس: أنا، وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحداً ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص، وروي: أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى لما رأوه من نقصان العدة واختلاط الأمر, فصلب ذلك الشخص وأبعد الناس عن خشبته أياماً حتى تغير ولم تثبت له صفة، وحينئذ دنا الناس منه ومضى الحواريون يحدثون بالآفاق أن عيسى صلب، فهذا أيضاً يدل على أنه فرقهم وهو في البيت، أو على أن الشبه ألقي على الكل، وروي أن هذه القصة كلها لم يكن فيها إلقاء شبه شخص عيسى على أحد وإنما المعنى {ولكن شبه لهم} أي شبه عليهم الملك الممخرق، ليستديم ملكه، وذلك أنه لما نقص واحد من الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه. وقال: هذا عيسى قد صلب وانحل أمره، وقوله تعالى {وإن الذين اختلفوا فيه} يعني اختلاف المحلولين لأخذه، لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو. قال القاضي - رحمه الله: الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصاً صلب، وأما هل هو عيسى أم لا؟ فليس من علم الحواس، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل، إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز: علمي في هذا الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه. وقوله تعالى: {وما قتلوه يقيناً} اختلف المتأولون في عود الضمير من {قتلوه} فقالت فرقة: هو عائد على الظن كما تقول: قتلت هذا الأمر علماً، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقيناً، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة، وقال قوم: الضمير عائد على عيسى، أخبر أنهم لم يقتلوه يقيناً فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقيناً ولا شكاً، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكاً فيه، وقال قوم من أهل اللسان: الكلام تام في قوله {وما قتلوه} و {يقيناً} مصدر مؤكد للنفي في قوله {وما قتلوه} المعنى يخبركم يقيناً، أو يقص عليكم يقيناً، أو أيقنوا بذلك يقيناً، وقوله تعالى {بل رفعه الله إليه} يعني إلى سمائه وكرامته، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجالة، وليملأ الأرض عدلاً، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر. وقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته} اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم: الضمير في {موته} راجع إلى عيسى، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر، وترجع الأديان كلها واحداً، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً وغيرهما: الضمير في {به} لعيسى وفي {موته} للكتابي الذي تضمنه قوله {وإن من أهل الكتاب} التقدير: وإن من أهل الكتاب أحد، قالوا: وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت، فهو إيمان لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضاً، وقال عكرمة أيضاً: الضمير في {به} لمحمد عليه السلام، و {قبل موته} للكتابي، قال: وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف أبي بن كعب "قبل موتهم" ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان "وإنّ من أهل الكتاب" بتشديد "إن" والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَسُولَ اللَّهِ} في زعمه، من قول اليهود، أو هو من قول الله ـ تعالى ـ لا على جهة الحكاية. {شُبِّهَ لَهُمْ} كانوا يعرفونه، فَأُلقي شَبَهه على غيره فقتلوه، أو لم يكونوا يعرفونه بعينه، وإن كان مشهوراً بينهم بالذكر فارتشى منهم مرتشي ثلاثين درهماً وَدَلَّهم على غيره، أو كانوا يعرفونه فخاف الرؤساء فتنة العوام بأن الله منعهم فقتلوا غيره إيهاماً أنه المسيح ليزول افتتانهم به. {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ} قبل القتل فقال بعضهم: هو إله، وقال آخرون: هو ولد، وقال آخرون: ساحر. {إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} الشك الذي حدث فيهم بالاختلاف، أو ما لهم بحاله من علم هل كان رسولاً، أو غير رسول؟ إلا اتباع الظن. {يَقِيناً} وما قتلوا ظنهم يقيناً كقولك: ما قتلته علماً، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو ما قتلوا أمره يقيناً، إن الرجل هو المسيح أو غيره، أو ما قتلوه حقاً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت إثنا عشر رجلاً من الحواريين، فخرج عليهم من غير البيت ورأسه يقطر ماء، فقال‏:‏ إن منكم من يكفر بي إثني عشر مرة بعد أن آمن بي، ثم قال‏:‏ أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال له‏:‏ اجلس‏.‏ ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال‏:‏ اجلس‏.‏ ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال‏:‏ أنا‏.‏ فقال‏:‏ أنت ذاك، فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء‏.‏ قال‏:‏ وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، وكفر به بعضهم إثني عشر مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، وقالت طائفة‏:‏ كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة‏:‏ كان فينا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المسلمون‏.‏ فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏فآمنت طائفة من بني إسرائيل‏} ‏ يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى، وكفرت الطائفة التي كفرت في زمن عيسى ‏ {‏فأيدنا الذين آمنوا‏}‏ في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏وقولهم إنا قتلنا المسيح‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أولئك أعداء الله اليهود، افتخروا بقتل عيسى، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه، وذكر لنا أنه قال لأصحابه‏:‏ أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول‏؟‏ قال رجل من أصحابه‏:‏ أنا يا نبي الله، فقتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏شُبِّه لهم‏} ‏ قال‏:‏ صلبوا رجلاً غير عيسى شبه بعيسى يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى حيا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏وما قتلوه يقيناً‏} ‏ قال‏:‏ يعني لم يقتلوا ظنهم يقيناً‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال‏:‏ ما قتلوا ظنهم يقيناً‏.‏ وأخرج ابن جرير مثله، عن جويبر والسدي‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي رافع قال‏:‏ رُفِع عيسى ابن مريم وعليه مدرعة، وخُفَّا راع، وحذافة يخذف بها الطير‏. ‏ وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي العالية قال‏:‏ ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف، وخفَّيْ راع، وقذافة يقذف بها الطير‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن عبد الجبار بن عبد الله بن سليمان قال‏:‏ أقبل عيسى ابن مريم على أصحابه ليلة رفع فقال لهم‏:‏ لا تأكلوا بكتاب الله أجراً فانكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدنيا وما فيها‏.‏ قال عبد الجبار‏:‏ وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن ‏{أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر} ‏تفسير : [‏القمر: 55‏]‏ ورفع عليه السلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه قال‏:‏ إن عيسى لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاماً، فقال‏:‏ احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليلة عَشَّاهُم وقام يحدثهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضيهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارموه فقال‏:‏ ألا من رد عليَّ شيئاً الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه، فأقروه حتى فرغ من ذلك قال‏:‏ أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم فلا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخِّر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏!‏ ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها‏؟‏ قالوا‏:‏ والله ما ندري ما كنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمراً، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال‏:‏ يذهب بالراعي وتتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه، ثم قال‏:‏ الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا‏:‏ هذا من أصحابه‏.‏ فجحد وقال‏:‏ ما أنا بصاحبه فتركوه‏،‏ ثم أخذه آخرون كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال‏:‏ ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح‏؟‏ فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها ودلهم عليه وكان شبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون‏:‏ أنت كنت تحيي الميت، وتبرئ المجنون، أفلا تخلِّص نفسك من هذا الحبل‏؟‏ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شُبِّه لهم، فمكث سبعاً‏.‏ ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال‏:‏ علام تبكيان‏؟‏‏!‏ قالتا عليك‏.‏ قال‏:‏ إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبِّه لهم، فأمروا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فألقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وقعد الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقالوا‏:‏ إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل قال‏:‏ لو تاب تاب الله عليه، ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحنا‏؟‏ فقال‏:‏ هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة فليتدبرهم وليدعهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال‏:‏ إن عيسى عليه السلام كان سياحاً فمر على امرأة تستقي، فقال‏:‏ اسقيني من مائك الذي من شرب منه مات وأسقيك من مائي الذي من شرب منه حيي‏؟‏ قال‏:‏ وصادف امرأة حكيمة فقالت له‏:‏ أما تكتفي بمائك الذي من شرب منه حيي عن مائي الذي من شرب منه مات‏؟‏ قال‏:‏ إن ماءك عاجل ومائي آجل‏.‏ قالت‏:‏ لعلك هذا الرجل الذي يقال له عيسى ابن مريم‏؟‏ قال‏:‏ فإني أنا هو، وأنا أدعوك إلى عبادة الله وترك ما تعبدين من دون الله عز وجل‏.‏ قالت‏:‏ فأتني على ما تقول ببرهان‏؟‏ قال‏:‏ برهان ذلك أن ترجعي إلى زوجك فيطلقك‏.‏ قالت‏:‏ إن في هذا لآية بينة، ما في بني إسرائيل امرأة أكرم على زوجها مني، ولئن كان كما تقول إني لأعرف أنك صادق‏.‏ قال‏:‏ فرجعت إلى زوجها، وزوجها شاب غيور فقال‏:‏ ما بَطُؤ بِكِ‏؟‏ قالت‏:‏ مر علي رجل فأرادت أن تخبره عن عيسى، فاحتملته الغيرة فطلقها، فقالت‏:‏ لقد صدقني صاحبي‏.‏ فخرجت تتبع عيسى وقد آمنت به، فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم، فدخلوا عليهم وقد صوّرهم الله على صورة عيسى، فقالوا‏:‏ قد سحرتمونا‏؟‏ لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، فقال عيسى لأصحابه‏:‏ من يشتري منكم نفسه بالجنة‏؟‏ فقال رجل من القوم‏:‏ أنا‏.‏ فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شُبِّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه، فظنت النصارى مثل ذلك، ورفع الله عيسى من يومه ذلك‏.‏ فبلغ المرأة أن عيسى قد قتل وصلب، فجاءت حتى بنت مسجداً إلى أصل شجرته، فجعلت تصلي وتبكي على عيسى، فسمعت صوتاً من فوقها صوت عيسى لا تنكره‏:‏ أي فلانة إنهم والله ما قتلوني وما صلبوني ولكن شُبِّه لهم، وآية ذلك أن الحواريين يجتمعون الليلة في بيتك، فيفترقون اثنتي عشرة فرقة كل فرقة منهم تدعو قوماً إلى دين الله، فلما أمسوا اجتمعوا في بيتها، فقالت لهم‏:‏ إني سمعت الليلة شيئاً أحدِّثكم به وعسى أن تكذبوني وهو الحق، سمعت صوت عيسى وهو يقول‏:‏ يا فلانة إني والله ما قتلت ولا صلبت، وآية ذلك أنكم تجتمعون الليلة في بيتي، فتفترقون اثنتي عشرة فرقة، فقالوا‏:‏ إن الذي سمعت كما سمعت، فإن عيسى لم يقتل ولم يصلب إنما قتل فلان وصلب، وما اجتمعنا في بيتك إلا لما قال، نريد أن نخرج دعاة في الأرض، فكان ممن توجه إلى الروم نسطور وصاحبان له، فأما صاحباه فخرجا، وأما نسطور فحبسته حاجة له فقال لهما‏:‏ ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء، فلما قدما الكورة التي أرادا قدما في يوم عيدهم، وقد برز ملكهم وبرز معه أهل مملكته، فأتاه الرجلان فقاما بين يديه، فقالا له‏:‏ اتق الله فإنكم تعملون بمعاصي الله وتنتهكون حرم الله مع ما شاء الله أن يقولا‏. قال‏:‏ فأسف الملك وهمَّ بقتلهما، فقام إليه نفر من أهل مملكته فقالوا‏:‏ إن هذا يوم لا تهرق فيه دما، وقد ظفرت بصاحبيك فإن أحببت أن تحبسهما حتى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت، فأمر بحبسهما ثم ضُرِب على أذنه بالنسيان لهما، حتى قدم نسطور فسأل عنهما فأخبر بشأنهما وإنهما محبوسان في السجن، فدخل عليهما فقال‏:‏ ألم أقل لكما ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء، هل تدريان ما مثلكما‏؟‏ مثلكما مثل امرأة لم تصب ولداً حتى دخلت في السن فأصابت بعدما دخلت في السن ولداً، فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به، فحملت على معدته ما لا تطيق فقتلته، ثم قال لهما‏:‏ والآن فلا تستبطئاني في شيء، ثم خرج فانطلق حتى أتى باب الملك، وكان إذا جلس الناس وضع سريره وجلس الناس سمطاً بين يديه، وكانوا إذا ابتلوا بحلال أو حرام رفعوا له، فنظر فيه ثم سأل عنه من يليه في مجلسه، وسأل الناس بعضهم بعضاً حتى تنتهي المسألة إلى أقصى المجلس، وجاء نسطور حتى جلس في أقصى القوم، فلما ردوا على الملك جواب من أجابه، وردوا عليه جواب نسطور فسمع بشيء عليه نور وحلا في مسامعه فقال‏:‏ من صاحب هذا القول‏؟‏ فقيل‏:‏ الرجل الذي في أقصى القوم‏.‏ فقال‏:‏ عليَّ به‏.‏ فقال‏:‏ أنت القائل كذا وكذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فما تقول في كذا وكذا‏؟‏ قال‏:‏ كذا وكذا‏.‏ فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسَّره له‏.‏ فقال‏:‏ عندك هذا العلم وأنت تجلس في آخر القوم‏؟‏ ضعوا له عند سريري مجلساً‏؟‏ ثم قال‏:‏ إن أتاك ابني فلا تقم له عنه، ثم أقبل على نسطور وترك الناس، فلما عرف أن منزلته قد تثبتت قال‏:‏ لأزورنه‏.‏ فقال‏:‏ أيها الملك رجل بعيد الدار بعيد الضيعة، فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني وتأذن لي فأنصرف إلى أهلي‏.‏ فقال‏:‏ يا نسطور ليس إلى ذلك سبيل، فإن أحببت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة، وإن أحببت أن تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت، فسكت نسطور‏.‏ ثم تحيَّن يوماً فمات لهم فيه ميت فقال‏:‏ أيها الملك بلغني أن رجلين أتياك يعيبان دينك‏؟‏ قال‏:‏ فذكرهما فأرسل إليهما، فقال‏:‏ يا نسطور أنت حكم بيني وبينهما ما قلت من شيء رضيت‏.‏ قال‏:‏ نعم أيها الملك، هذا ميت قد مات في بني إسرائيل فمرهما حتى يَدْعُوَا ربهما فيحييه لهما ففي ذلك آية بيِّنة، قال‏:‏ فأتى بالميت فوضع عنده، فقاما وتوضآ ودعوا ربهما فرد عليه روحه وتكلم، فقال‏:‏ أيها الملك إن في هذه لآية بينة، ولكن مرهما بغير ما أجمع أهل مملكتك، ثم قل لآلهتك، فإن كانت تقدر أن تضر هذين فليس أمرهما بشيء، وإن كان هذان يقدران أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي، فجمع الملك أهل مملكته ودخل البيت الذي فيه الآلهة، فخر ساجداً هو ومن معه من أهل مملكته وخرَّ نسطور ساجداً، وقال‏:‏ اللهم إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك، ثم رفع الملك رأسه فقال‏:‏ إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم ويدعوا إلى إله غيركم، فافقأوا أعينهما أو اجذموهما أو شلوهما، فلم تردَّ عليه الآلهة شيئاً، وقد كان نسطور أمر صاحبيه أن يحملا معهما فأساً، فقال‏:‏ أيها الملك قل لهذين أيقدران أن يضرا آلهتك‏؟‏ قال‏:‏ أتقدران على أن تضرا آلهتنا‏؟‏ قالا‏:‏ خلِّ بيننا وبينها، فأقبلا عليها فكسراها، فقال نسطور‏:‏ أما أنا فآمنت برب هذين، وقال الملك‏:‏ وأنا آمنت برب هذين، وقال جميع الناس‏:‏ آمنا برب هذين، فقال نسطور لصاحبيه‏:‏ هكذا الرفق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏{‏وكان الله عزيزاً حكيماً‏}‏ قال‏:‏ معنى ذلك أنه كذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس. أن يهودياً قال له‏:‏ إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ إنه كان من نفسه عزيزاً حكيما‏ً.‏

البقلي

تفسير : {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} كان روحا روحانيا الهيا يحيى الاموات به حيث يبرز نور الالوهية منه لها لانه من الله سبحانه بالقدر فلما اراد الله ان يرفعه الى جوراه رفع الحجاب عن روحه فظهر روحه لبعض خاصته فصار منقوشا بنقشه لان صورة عيسى منقوشة بنفس روحه وهذا أمنه قوة الهية وهو كان بها مؤيدا بقلب الايعان ولا تكون هذا الا من فعل الله المنزه عن مزج لا هويته ناسوتيه الانسان وادق الاشارة فيه ان الله سبحانه عرف طماع اليهود والنصارى بميلها الى التشبيه وتنفرها من القدس والتنزيه لانهم اصحاب المخائيل الا ترى الى عبدة العجل كيف كان حبهم لها وقول النصارى ان الله هو المسيح فشبه لهم صورة عيسى بنعت الالتباس من تجلى نور ---- من الناسوت لقلة عرفانهم قدس الازل عن نعوت الحدث فغلظ بعضهم وقال بالهية عيسى وعزيز عليها ما السلام قعرقهم عيسى مكان المكر فى الالباس وفات خطهم من رؤيته قصده بالقتل فالقى الله سبحانه عكس ذلك الشبه على احد استدراجا ومكرا فقتلوه لانهم ما وجدوا فيه ما وجدوا فى عيسى من حلاوة الحب ولذة العشق وهذا الفقدان من رفعه الى السماء بقوله {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} لما رفعه الله اليه كساه الريش والبسه النور وقطع لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة حول العرش فكان انسيا ملكيا سماويا وارضيا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} وصفهم له عليه الصلاة والسلام برسول الله انما هو بطريق الاستهزاء به كما فى قوله تعالى {أية : يا أيها الذى نزل عليه الذكر} تفسير : [الحجر: 6]. فانهم على عداوته وقتله فكيف يقولون فى حقه انه رسول الله ونظم قولهم هذا فى سلك سائر جناياتهم ليس لمجرد كونه كذبا بل لتضمنه لابتهاجهم وفرحهم بقتل النبى والاستهزاء به {وما} اى والحال انهم ما {قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} اى وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول فالفعل مسند الى الجار والمجرور نحو خيل اليه وليس عليه ـ روى ـ ان رهطا من اليهود سبوه بان قالوا هو الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وامه فلما سمع عليه الصلاة والسلام ذلك دعا عليهم فقال [اللهم انت ربى وانا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتنى ولم آتهم من تلقاء نفسى اللهم فالعن من سبنى وسب امى] فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبوه وسبوا امه قردة وخنازير فلما رأى ذلك يهودا رأس القوم واميرهم فزع لذلك وخاف دعوته عليه ايضا فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام فبعث الله تعالى جبريل فاخبره بانه يرفعه الى السماء فقال لاصحابه أيكم يرضى بان يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم انا فالقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما ارادوا قتله قال انا ادلكم عليه فدخل بيت عيسى فرفع عليه السلام والقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون انه عيسى وقيل ان ططيانوس اليهودى دخل بيتا كان هو فيه فلم يجده فالقى الله تعالى شبهه عليه فلما خرج ظنوا انه عيسى فاخذ وقتل ثم صلب وامثال هذه الخوارق لا يستبعد فى عصر النبوة. وقال كثير من المتكلمين ان اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله الى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم فاخذوا انسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس انه هو المسيح والناس ما كانوا يعرفون المسيح الا بالاسم لما كان قليل المخالطة مع الناس فبهذا الطريق اندفع ما يقال اذا جاز ان يقال ان الله تعالى يلقى شبه انسان على انسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة حيث يجوز ان يقال اذا رأينا زيدا لعله ليس بزيد ولكنه شخص آخر القى شبه زيد عليه وعند ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقا به. لا يقال ان النصارى ينقلون عن اسلافهم انهم شاهدوه مقتولا لانا نقول ان تواتر النصارى ينتهى الى اقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب كذا فى تفسير الامام الرازى {وان الذين اختلفوا فيه} اى فى شأن عيسى عليه السلام فانه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس. فقال بعضهم ان كان هذا المقتول عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى. وقال بعضهم الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا فان الله تعالى لما القى شبه عيسى على المقتول القاه على وجهه دون جسده وقال من سمع منه ان الله يرفعنى الى السماء انه رفع الى السماء. وقيل ان الذين اختلفوا فيه هم النصارى فقال قوم منهم انه ما قتل وما صلب بل رفعه الله السماء. وقال قوم منهم ان اليهود قتلوه فزعمت النسطورية ان المسيح صلب من جهة ناسوته اى جسمه وهيكله المحسوس لا من جهة لاهوته اى نفسه وروحه. واكثر الحكماء يختارون ما يقرب من هذا القول قالوا لانه ثبت ان الانسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو اما جسم لطيف فى هذا البدن واما جوهر روحانى مجرد فى ذاته وهو مدبر فى هذا البدن والقتل انما ورد على هذا الهيكل واما النفس التى هى فى الحقيقة عيسى فالقتل ما ورد عليها. لا يقال كل انسان كذلك فما وجه التخصيص. لانا نقول ان نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالانوار الآلهية عظيمة القرب من ارواح الملائكة والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ثم انها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص الى فسحة السموات وانوار عالم الجلال فتعظم بهجتها وسعادتها هناك ومعلوم ان هذه الاحوال غير حاصلة لكل الناس وانما تحصل لاشخاص قليلين من مبدأ خلق آدم الى قيام الساعة. وزعمت الملكانية من النصارى ان القتل والصلب وصل الى اللاهوت بالاحساس والشعور لا بالمباشرة. وزعمت اليعقوبية منهم ان القتل والصلب وقعا بالمسيح الذى هو جوهر متولد من جوهرين {لفى شك منه} اى لفى تردد والشك كما يطلق على ما لم يترجح احد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم ولذلك اكد بقوله تعالى {ما لهم به من علم الا اتباع الظن} استثناء منقطع لان اتباع الظن ليس من جنس العلم والمعنى لكنهم يتبعون الظن {وما قتلوه} قتلا {يقينا} كما زعموا بقولهم انا قتلنا المسيح فيقينا نعت مصدر محذوف على ان يكون فعيلا بمعنى المفعول وهو المتيقن.

الطوسي

تفسير : [المعنى]: هذه الآية عطف على ما قبلها وتقديره، فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بايات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم: قلوبنا غلف وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، أنزلنا من العذاب، وأوجبنا لهم من العقاب، لان اخبارهم انهم قتلوا المسيح يقيناً، وما قتلوه، كفر من حيث هو جرأة على الله في قتل أنبيائه، ومن دلت المعجزات على صدقه، ثم كذبهم الله في قولهم: إنا قتلناه فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}. واختلفوا في كيفية التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى فقال وهب بن منبه: أنى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فاحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صيرهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، فقال عيسى لاصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة، فقال رجل منهم: انا، فخرج اليهم فقال: أنا عيسى، وقد صيره الله على صورة عيسى، فاخذوه وقتلوه، وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، وظنوا انهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وبه قال قتادة والسدي وابن اسحاق ومجاهد وابن جريج، وان اختلفوا في عدد الحواريين، ولم يذكر احد غير وهب ان شبهه ألقي على جميعهم، بل قالوا: ألقي شبهه على واحد، ورفع عيسى من بينهم قال ابن اسحاق: وكان اسم الذي القي عليه شبهه سرجس، وكان احد الحواريين، ويقال: إن الذي دلهم عليه وقال هذا عيسى أحد الحواريين أخذ على ذلك ثلاثين درهما، وكان منافقاً، ثم انه ندم على ذلك فاختنق حتى قتل نفسه، وكان اسمه بودس زكريا بوطا، وهو ملعون في النصارى، وبعض النصارى يقول: إن بودس زكريا بوطا هو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: لست بصاحبكم الذي دللتكم عليه. قال الطبري: الاقوى قول ابن المنبه، وهو ان سبعة عشر القي على جماعتهم شبه عيسى، لانه لو كان ألقي على واحد منهم مع قول عيسى ايكم يلقى عليه شبهي وله الجنة، ثم رأوا عيسى قد رفع من بين أيديهم لما اشتبه عليهم، وما اختلفوا فيه، وان جاز أن يشتبه على أعدائهم من اليهود الذين لم يكونوا يعرفونه، لكن لما ألقي شبهه على جميعهم، فكان يرى كل واحد بصورة عيسى، فلما قتل واحد منهم اشتبه الحال عليهم. وهذا الذي ذكره قريب. وقال الجبائي: وجه التشبيه ان رؤساء اليهود اخذوا إنساناً فقتلوه وصلبوه على موضع عال، ولم يمكنوا احداً من الدنو منه فتغيرت حليته وتنكرت صورته. وقالوا: قتلنا عيسى، ليوهموا بذلك على عوامهم، لانهم كانوا احاطوا بالبيت الذي فيه عيسى فلما دخلوه كان رفع عيسى من بينهم، فخافوا أن يكون ذلك سبب إيمان اليهود به، ففعلوا ذلك. والذين اختلفوا غير الذين صلبوا من صلبوه، وهم باقي اليهود، فان قيل: هل يجوز أن يلقي الله شبه زيد على عمر حتى لا يفصل الناظر اليهما بينهما، كما كان يفصل قبل القاء الشبه؟ قيل: ذلك مقدور لله بلا خلاف، ويجوز ان يفعله عندنا تغليظاً للمحنة، وتشديداً للتكليف، وان كان ذلك خارقاً للعادة، يجوز أن يجعل ذلك معجزة أو كرامة، لبعض اوليائه الصالحين، أو الائمة المعصومين (ع). وعند المعتزلة لا يجوز ذلك الا على يدي الانبياء أو في وقتهم، لانه لا يجوز خرق العادة عنهم إلا على يده. وقد قيل: إن اصحاب عيسى (ع) تفرقوا عنه حتى لم يبق غير عيسى، وغير الذي القي شبهه عليه، فلذلك اشتبه على النصارى، فان قيل: كيف يجوز من الخلق العظيم ان يخبروا بالشيء على خلاف ما هو به، وقد علمنا كثرة اليهود والنصارى، ومع كثرتهم اخبروا ان عيسى صلب وقتل، فكيف يجوز ان يكونوا مع كثرتهم كذابين؟ ولئن جاز هذا لم نثق بشيء من الاخبار اصلا ويؤدي ذلك إلى قول السنمية! قلنا: هؤلاء القوم دخلت عليهم الشبهة، لان اليهود لم يكونوا يعرفون عيسى، وانما اخبروا انهم قتلوا واحداً، وقيل لهم انه عيسى، فهم في ذلك صادقون، وان لم يكن المقتول عيسى. وأما النصارى فاشتبه عليهم، لانه كان ألقي شبهه على غيره، فلما رأوا من هو في صورته مقتولا، ظنوا انه عيسى، فلم يخبر احد من الفريقين بما ظن ان الامر على ما اخبر به، فلا يؤدي ذلك الى بطلان الاخبار بحال. وقوله: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً} يعني به الذين أحاطوا بعيسى واصحابه حيث أرادوا قتله لانهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت، فلما دخلوا عليهم فقدوا واحداً منهم، فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدة، وقتلوا من قتلوا على شك منهم في أمر عيسى. هذا على قول من قال: لم يتفرق أصحابه حتى دخل عليهم اليهود واما من قال تفرقوا عنه، فانه يقول: اختلافهم كان بأن عيسى هل كان في من بقي في البيت أو كان في الذين خرجوا. فاشتبه الامر عليهم. قال الزجاج: وجه اختلاف النصارى أن منهم من ادعى انه له لا يقتل، ومنهم من قال قتل، فكذب الله الجميع. وقوله: {إلا اتباع الظن} استثناء منقطع. وتقديره لم يكن لهم بمن قتلوه علم لكنهم اتبعوه ظناً منهم انه عيسى، ولم يكن به. وقوله: {وما قتلوه يقيناً} معناه وما قتلوا ظنهم الذي اتبعوا المقتول الذي قتلوه، وهم يحسبونه عيسى يقيناً إنه عيسى، ولا انه غيره، لكنهم كانوا منه على ظن وشبهة، كما يقول القائل: ما قتلت هذا الامر علما، وما قتلته يقيناً: إذا تكلم فيه بالظن على غير يقين. فالهاء في {قتلوه} عائدة على الظن. وقال ابن عباس وجويبر وما قتلوا ظنهم يقيناً. وحكى الزجاج عن قومهم: أن الهاء راجعة إلى عيسى (ع). نفى الله عنه القتل على وجه التحقيق واليقين. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقينا إن الرجل هو عيسى (ع) وقوله: {بل رفعه الله إليه} يعني بل رفع الله المسيح اليه، ولم يقتلوه، ولم يصلبوه، لكن الله رفعه وطهره من الذين كفروا وقوله: {كان الله عزيزاً حكيماً} معناه لم يزل الله عزيزاً منتقما من اعدائه كانتقامه من الذين اخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه من نقض ميثاقه وفعل ما قصه الله، حكيما في افعاله وتدبيراته وتصريفه خلقه في قضائه، واحذروا أيها السائلون محمداً ان ينزل عليكم كتابا من السماء - حلول عقوبته بكم، كما حل باوائلكم الذين فعلوا فعلكم في تكذيبهم رسلي وأفترائهم على اوليائى. وبه قال ابن عباس. وقوله: {بل رفعه الله}. [القراءة والحجة]: في القراء من ادغم اللام في الراء وعليه الاكثر. وهو الأقوى لقرب مخرج اللام من مخرج الراء. وهو أقوى من ادغام الراء في اللام، لان في الراء تكويراً فهو يجري مجرى الحرفين. ومن لم يدغم قال: لانه من كلمتين. وقال الفراء: لا يجوز غير الادغام. وقال سيبويه: الادغام اجود وتركه جائز وهي لغة حجازية. وقوله: {بل رفعه الله إليه} معناه انه رفعه إلى الموضع الذي يختص الله (تعالى) بالملك، ولم يملك احداً منه شيئا. وهو السماء، لانه لا يجوز ان يكون المراد انه رفعه إلى مكان هو (تعالى)، فيه لان ذلك من صفات الاجسام (تعالى الله عن ذلك) وعلى هذا يحمل قوله حكاية عن ابراهيم {إني ذاهب إلى ربي} يعني إلى الموضع الذي امرني به ربي ومثل قوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} يعني مهاجراً إلى الموضع الذي أمره الله بالهجرة اليه.

الجنابذي

تفسير : {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} ذكروا رسول الله استهزاءً والا فما كان لهم اعتقاد برسالته يعنى بتجرّيهم على انتحال قتله وقولهم هذا لعنّاهم وعاقبناهم فاحذروا ان تقتلوا مسيح هذه الامّة وان تفعلوا ما قال امّة عيسى (ع) فى حقّه ولم يفعلوه من ادّعاء قتله {وَمَا قَتَلُوهُ} عطف باعتبار المعنى او حال {وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} قد مضى فى سورة آل عمران عند قوله ومكروا او مكر الله والله خير الماكرين قصّة عيسى (ع) وقتله وصلبه {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} عطف على ما قتلوه او على شبّه لهم او حال من الضّمير المجرور او من فاعل ما قتلوه قيل بعد وقوع تلك الواقعة اختلف اليهود والنّصارى فقال بعضهم: كان عيسى (ع) كاذباً وقتلناه، وقال بعضهم: لو كان المقتول عيسى (ع) فاين صاحبنا؟ - وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى (ع) والبدن بدن صاحبنا، وقال بعضهم: رفع الى السّماء لما اخبر عيسى (ع) برفعه الى السّماء، وقال بعضهم: رفع الملكوت وصلب النّاسوت، وقيل القى شبهه على جميع الحواريّين وكانوا سبعة عشر فى بيت فلمّا احاط اليهود بهم رأوا كلّهم على مثال عيسى (ع) وقالوا: سحرتمونا فليخرج الينا عيسى (ع) والاّ نقتل كلّكم فأخذوا واحداً وقالوا: هذا عيسى (ع) واشتبه الحال عليهم فاختلفوا، وقيل: انّ رؤساء اليهود اخذوا انساناً وقتلوه وصلبوه فى موضعٍ عالٍ ولم يمكّنوا احداً منه حتّى تغيّر حليته فقالوا: قتلنا المسيح ليشتبه الامر على العوامّ لانّهم لمّا احاطوا بالبيت ورفع الله عيسى (ع) خافوا ان يؤمن به عامّتهم {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} استثناء منقطع {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} مفعول مطلق مؤكّد لغيره اى يُقِنَ عدم القتل يقيناً، وامّا جعله حالاً او مضافاً اليه لمفعول مطلق محذوف تقديره قتل يقين فبعيدٌ معنىً لا فادته تقييد نفى القتل بحال اليقين واثباته مع الشّكّ وليس هذا مقصوداً.

اطفيش

تفسير : {وَقَوْلِهِمْ}: ذمهم الله بهذا الافتخار والفرح بقتل رسول مؤيد بالمعجزات. {إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ}: قالوا هذا افتخارا بقتله فى زعمهم أنهم قتلوه، وانما سموه رسول الله على طريق الكذب، أو على الشك فى رسالته، أو أرادوا أنه رسول الله فى زعمه، أو قالوه استهزاء كقول فرعون فى موسى ان رسولكم الذى ارسل اليكم لمجنون، وكنت قبل أقول: ان هذه التسمية من الله تعالى لا منهم، لكن أدخلها فى كلامهم لظهور أنهم كفروا به، ولتقدم الكلام على كفرهم كما تقول: جاء زيد، فيقول سامعك: العاقل، نطق بالعاقل نعتا لزيد فى كلامك، أو يحيى بعطف البيان أو البدل من لفظه يضمه الى كلامك، فهو عطف بيان أو نعت لعيسى أو منصوب بمحذوف، أى يعنون رسول الله، أى يعنون من هو عند الله رسول. وقال القاضى: أو هو من كلام الله وضع للذكر الحسن، موضع الذكر القبيح، وعيسى بدل المسيح أو بيانه، وابن نعت عيسى أو بدله أو بيانه ورسول الله نعت ثان له أو نعت له أو بدل وابن أو نعته بيانه، وقد قيل بجواز تعدد البدل أو مفعول لمحذوف. {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ}: المجرور نائب الفاعل لشبه ولا ضمير فى شبه، أو النائب ضمير فى شبه، أو عائد الى المقتول المدلول عليه بقولهم: قتلنا مع قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ} أى لم يكن المقتول اياه، والمعنى ولكن شبه لهم من قتلوه، ووجه آخر يكون نائب العامل ضمير مستتر فى شبه عائد الى عيسى، أى شبه لهم عيسى بغيره فقتلوا غيره وصلبوه، وذلك على معنى أنه أوقع التشبيه بين عيسى وغيره، والا فعيسى مشبه به لا مشبه، أو على المبالغة فى التشبيه كان الأصل فى صورة عيسى هو المصلوب المقتول. قال الكلبى، عن ابن عباس: ان عيسى عليه السلام استقبل رهطا من اليهود، ولما رآه قالوا له: جاء الساحر بن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فقذفوه وأمه، ولما سمع ذلك عيسى دعا عليهم فقال: اللهم أنت بى وأنا من روحك خرجت، وبكلمتك خلقتنى، ولم أتهم من تلقاء نفسى، اللهم العن من سبنى وسب أمى، فاستجاب الله دعاءه، ومسخ الذين سبوه وأمه قردة وخنازير، ولما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته، فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى، فاجتمعوا عليه ذات يوم، وجعلوا يسألونه فقال: يا معشر اليهود ان الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته غضبا شديدا وثاروا اليه ليقتلوه، فبعث الله عز وجل جبريل عليه السلام اليه، فأدخله الله خوخة فيها رونقة فى سقفها، ورفعه الله عز وجل من تلك الرونقة. وأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له فطيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله، وكان ينافق عيسى، ولما دخل فطيانوس الخوخة لم ير عيسى عليه السلام، فأبطأ عليهم، فظنوا أنه يقاتله فألقى الله عليه شبهه، ولما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه. قال وهب بن منبه: ان عيسى عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، ضاق ذلك عليه، وشق فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما وقال لهم: أحضرونى الليلة وان اليكم حاجة، فلما اجتمعوا اليه من الليل أطعمهم وقام يخدمهم، ولما فرغوا من الطعام أخذوا يغسلون أيديهم وهو يوضئهم ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال لهم: من رد على الليلة شيئا مما أصنع فليس هو منى ولا أنا منه، ولما فرغوا من الطعام قال: ما خدمتكم الليلة الا لتكون فىَّ أسوة، فانكم ترون أنى خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسى لكم، وأما حاجتى التى استعنتكم عليها، فأن تدعوا الىَّ وتجتهدوا فى الدعاء أن يؤخر أجلى. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله ما تصيبون فى الليلة الواحدة أن تعينونى، قالوا: والله ما ندرى ما لنا، لقد كنا نسهر فنكثر السهر، وما نطيق الليلة السهر، وما نريد دعاء الا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب الراعى وتبقى الغنم، وجعل يأتى بكلام نحو هذا يعنى نفسه، ثم قال: ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنى أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمنى. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه فجحد، وقال: ما أنا من أصحابه فتركوه، ثم أخذوا آخر فجحد كذلك، ثم سمعوا صوت الديك فبكى وخوفه ذلك، وقد أتى أحد الحواريين الى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لى إن دللتكم على عيسى؟ فجمعوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليه قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يوقدونه ويقولون له: أنت كنت تحيى الموتى، وتبرىء المجنون، أفلا تفتح يمينك عن هذا الحبل، ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، ونصبوا له خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله الملائكة فحالوا بينهم وبين عيسى، وألقى شبه عيسى على الذى دلهم عليه، فقال: أنا الذى دللتكم عليه فلم يلتفتوا الى قوله فقتلوه وصلبوه، وهم يظنون أنه عيسى، وتوفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات، ثم رفعه الى السماء، فجاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فبرئت باذن الله من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: على م تبكيان؟ قالتا عليك. قال: ان الله رفعنى ولم يصبنى الا خير، وأن هذا شبه لهم. وقال مقاتل: ان اليهود وكلوا بعيسى عليه السلام رجلا يكون رقيبا عليه، يدور معه حيث دار، فصعد عيسى على الجبل، فجاء الملك وأخذ بضبعيه ورفعه الى السماء، وألقى الله عز وجل على الرقيب شبه عيسى، فلما رأته اليهود ظنوا أنه عيسى فأخذوه، وكان يقول لهم: لست بعيسى أنا فلان بن فلان فلم يصدقوه وقتلوه وصلبوه. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبى الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهى فقتل، فيكون معى فى الجنة، فقال رجل قيل اسمه سرجس: أنا يا نبى الله، فقتل ذلك الرجل وسلم عيسى، ورفعه الله، وقيل: الذى شبه بعيسى وصلب مكانه رجل من بنى اسرائيل يسمى أشيوع بن قندير، ذكر ذلك الثعلبى، وقيل أخذوه وجعلوه فى بيت، وجعلوا عليه رقيبا، فألقى الله الشبه على الرقيب فقتلوه. وعن السدى: أن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين فى بيت، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه فيقتله، فألقى الله عليه الشبه فقتلوه. قال الخازن: واختار الطبرى ما رواه بسنده عن وهب بن منبه أنه قال: أتى اليهود عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين، ولما دخلوا عليهم صورهم الله تعالى على صورة عيسى عليه السلام، فقال لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا، فقال عيسى لأصحابه: من يشترى نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا فخرج اليهم فقال: أنا عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه، فمن ثم ظنوا أنهم قتلوا عيسى، وظنت النصارى والعياذ بالله أنه المقتول، ورفعه الله تعالى من يومه. وروى أن بنى اسرائيل وملكهم يطلبون عيسى للقتل، ويجعلون عليه الجعائل، فرآهم رجل رقيب، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين دخلوا بيتا بمروى من بنى اسرائيل، فروى أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروى ثمانية عشر، وحضروا ليلا ففرق عيسى الحواريين تلك الليلة الى الآفاق، وبقى هو ورجل معه، فألقى الله الشبه على الرجل فقتل وصلب، وقيل: على الذى دل عليه، ورفع الله تعالى عيسى. وروى أنه شبه عيسى ألقى على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو اسرائيل نقصوا واحدا من العدة، فأخذوا واحدا ممن عليه الشبه فقتلوه، وروى أن رجلا كان ينافق عيسى عليه السلام، ولما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى، ورفع عيسى وألقى الله الشبه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه، وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: انه إله لا يصح قتله، وقال بعضهم: انه قد قتل وصلب، وقال بعضهم: ان كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وان كان هذا صاحبنا فأين عيسى، وقال بعضهم: رفع الى السماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، ولم يكن الشبه ألقى عليه كله، بل على وجهه. وقيل: لم يقتلوا عيسى ولا غيره، فمعنى ولكن شبه الله عليهم الأمر، وخلطه عليهم فأرجف الناس بقتله، وشاع قتله، لأنهم ذهبوا الى قتله وحصروه فى بيت. ولا يلزم من كون الكلام فى قتل المسيح أنه وقع قتل ما، ولا أن يكون التشبيه تشبيه مقتول بسالم، ولا يتعين حمل قول القاضى، أو وقع التشبيه فى الأمر على قول من قال بقتل أحد00الخ، على ما ذكر الفخر عن كثير من المتكلمين أن اليهود قصدوا قتله، فرفعه الله الى السماء، فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم، فأخذوا انسانا وقتلوه وصلبوه، ولبسوا على الناس أنه المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح الا بالاسم، لأنه قليل المخالطة مع الناس، فبهذا اندفع ما يقال. اذا جاز أن يقال: ان الله تعالى ألقى شبه زيد على عمرو، وعند ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقا بها، انتهى. قلت: بل يوثق بها بحسب الظاهر، والى الله السر، وكم تلبيس يقع بغير ذلك، وجزت أحكام الشرع بظاهره وتواتر النصارى بوقوع قتل لا يوثق به لا مكان انتهائه الى ما دون عدد التواتر على خلاف فيه، وأما كون عيسى مقتولا فلا يقول به الا اخوان القردة والخنازير. {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ}: فى عيسى أى فى شأنه، بان قال بعض كما مر: ان كان هذا صاحبنا، فأين عيسى أو ان كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وبعض: أن الوجه وجه عيسى والبدن بدن غيره، وقال من سمعه منهم يقول: ان الله يرفعنى الى السماء أنه رفع الى السماء، وقال بعض: انه كذاب فقتلناه، وأكثر فرق النصارى قالوا بقتله. فقالت النصطورية: انه قتل وصلب ناسوته أى جسمه، لا لاهوته أى نفسه وروحه كما زعمت الحكماء أن الانسان جسم لطيف فى هذا البدن الآدمى، أو جوهر روحانى مجرد فى ذاته مدبر فى البدن، يحصل لمظلمة ما فى البدن، وأصله سماوى نورى كروح الملك، فهذا لم يقتل ولم يصلب بل البدن. وقالت الملكانية: وصل القتل والصلب الى اللاهوت بالاحساس والشعور لا بالمباشرة. وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقعا بالمسيح الذى هو جوهر متولد من جوهر. {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ}: أى لفى غير يقين، بل بعض فى تردد كالذين يقولون: ان كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وان كان هذا صاحبنا فأين عيسى، وبعض فى أمر لا يرجح أحد طرفيه، فان الشك يطلق على التردد بلا ترجيح طرف وعلى تردد، مع ترجيح طرف، وهذا الأخير مقابل العلم الذى لا يقبل التشكيك، ويجوز أن يراد بالشك الجهل، ويطلق أيضا على الاعتقاد الذى تسكن اليه النفس وتعده علما لا ظنا ولو كان خطأ. {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}: الاستثناء منفصل، ولذلك نصب ولم يختر الابدال، وذلك أن الظن ليس علما، أى تعينا بل ترجيح، وان فسرنا العلم بالاعتقاد الذى تسكن اليه النفس سواء كان جزما أو ترجيحا، كان الاستثناء متصلا فيما قيل، قلت: بل يكون منفصلا أيضا لا متصلا، لأن اتباع الظن غير نفس الظن فاتباعه ليس من العلم الجزمى لا الترجيحى الا أن جعلت اضافة اتباع للبيان، أى اتباعا هو الظن. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}: أكد قوله: {لَفِى شَكٍّ} بقوله: {أية : ما لهم به من علم الا اتباع الظن }تفسير : وبقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} والهاء لعيسى عليه السلام يقينا نعت لمصدر محذوف، أى قتلا يقينا أو مفعول مطلق مضاف لمصدر محذوف، أى قتل يقين وذلك أن اليقين يطلق بمعنى التيقن، وبمعنى الشىء المتيقن به، أو حال من الواو أى ذوى يقين أو متيقنين به، وانما صح تقسيم القتيل الى واقع يقينا وغيره باعتبار الاخبار به، والا فالفعل من حيث هو لا بد واقع، وانما كذبهم الله فى قولهم: انا قتلنا المسيح. وقال ابن عباس: الهاء للظن، أى ما قتلوا ظنهم بازالته والانتقال عنه الى اليقين أو ما أحكموا أمر عيسى، فيكون بمعنى ما علموا قتل عيسى علما يقينا، أو علم يقين يقال: قتلت الشىء أو نحرته علما، أى بالغت فى علمه، ويجوز فى هذا الوجه أن يكون تمييزا عن الفاعل، أى ما قبله علمهم، قال الشاعر: شعر : كذاك يخبر عنها العالمات بها وقد قتلت بعلمى ذلكم يقنا تفسير : ولا يجوز أن يكون يقينا عائد الى قوله: {بَلْ رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ}

اطفيش

تفسير : {وَقَوْلِهِمْ} مفتخرين {إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} وصلبناه بدليل، وما صلبوه، وقوله {رَسُولَ اللهِ} من كلام الله تعظيما له، لا من كلامهم لأنهم لا يقرون برسالته، كما تقول، قال عمرو، إنى أكرم زيداً القرشى، وعمرو لم يذكر لفظ القرشى، بل زدته أنت، إذ كان مراداً لعمرو، فإن هذا النعت والبدل والبيان والتوكيد، كعطف التلقين، أو يقدر أمدح رسول الله، أو قوله رسول الله من كلامهم تهكماً برسالته، كقول قريش {أية : يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون} تفسير : [الحجر: 6]، وقول فرعون: {أية : إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون} تفسير : [الشعراء: 27]، أو مرادهم رسول الله بزعمه، أى زعم عيسى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} نائب الفاعل، أو شبه هو، أى عيسى بغيره لهم، أو شبه هو، أى المقتول بعيسى، وهو أولى، لأن المتبادر أن يشبه غير عيسى بعيسى، وقيل، إن الضمير للأمر وأن التشبيه اللبس، قال رهط من اليهود هو الساحر بن الساحرة، الفاعل بن الفاعلة، قذفوه وأمه، ولما سمع عيسى ذلك قال، اللهم، أنت ربى وأنا من روحك خرجت وبكلماتك خلقتنى، ولم آتهم من تلقاء نفسى فالعن من سبنى وسب أمى، فاستجاب الله تعالى دعاءه، ومسخ الذين سبوه وسبوا أمه قردة وخنازير، فخاف يهوذا رئيسهم دعوته، فاجتمعوا على قتله، فبعث الله جل وعلا جبريل يخبره بأنه يرفعه للسماء، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى إليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقام رجل منهم، فألقى الله عليه الشبه فقتلوه وصلبوه، ويقال، كان رجل ينافقه فخرج ليدل عليه وأعطوه ثلاثين درهما فألقى الله عليه الشبه فأخذ وقتل وصلب، وقيل، دخل طيطابوس اليهودى بيتاً وهو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه ولما خرج ظنوه عيسى فأخذ وصلب، ويقال، وكلوا به رجلا يدور معه حيث دار، فصعد الجبل فجاءه الملك فأخذ بضبعيه ورفعه إلى السماء، وألقى الله على الرجل شبه عيسى فظنوه عيسى فقتلوه وصلبوه، وكان يقول: أنا فلان لا عيسى، فلم يصدقوه، ويقال، خاف رؤساء اليهود فتنة العامة فأخذوا رجلا فقتلوه وصلبوه فى جبل ومنعوا الناس من الدنوا إليه حتى يتغير، وشبهوا على الناس أنه المسيح لأن عيسى المسيح لا يعرف إلا بالاسم، لأنه لا يخالط الناس إلا قليلا، وتواتر النصارى أنهم شاهدوا عيسى قتيلا لا يتم لانتهائه إلى قوم قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب، ولأنه قد يشبه لهم كما شبه على اليهود، وقال أبو حيان: لم نعلم كيفية القتل، ولا من ألقى عليه الشبه ولا يصح بذلك حديث، وروى النسائى عن ابن عباس، أن رهطا من اليهود سبوه وأمه، فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء، وعن الضحاك كما قال القرطبى، أنه لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون فى غرفة، وهم اثنا عشر رجلا، وقال وهب بن منبه سبعة وعشرون، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جميع اليهود فركب أربعة آلاف رجل، فأخذوا باب الغرفة، فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج ويقتل، ويكون معى فى الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبى الله، فألقى إليه مدرعته من صوف وعمامته من صوف وناوله عكازه، وألقى الله عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار مع الملائكة، وقيل كلهم ألقى الله عليهم الشبه، فكل بصورة عيسى فقال اليهود: سحر تمونا، بينوا لنا أيكم عيسى، أو لنقتلكم جميعاً، فقال عيسى: أيكم يخرج.. الخ، وأنكر الروم إلقاء الشبه، وقالوا إنه إضلال، ويجاب بأنه لو لم يثبت إلقاء الشبه لزم تكذيب المسيح وإبطال نبوته وسائر النبوات، وأيضاً أقروا بأن المصلوب قال إلهى إلهى، لم تركتنى، وهذا مناف للرضى، وأنه طلب الماء وشكا العطش، وفى الإنجيل أن المسيح يطوى أربعين يوما، فالمصلوب الشبه {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} فى شأنه، وهم اليهود، فقال بعض: إنه كاذب فقتلناه، وقال بعض وجه هذا القتيل وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال بعض: إن كان هذا عيسى فإين صاحبنا، ويقال: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين فى بيت، فدخل رجل من اليهود ليخرجه فيقتله، فألقى الله عليه شبه عيسى فقتلوه، وقال من سمع منه، إن الله يرفعنى إلى السماء، أنه رفع إلى السماء، وقيل: إن المختلفين النصارى، فقال قوم: صلب الناسوت وصعد اللاهوت، وهم النسطورية، ولا يعدون القتل نقيصة لأنه وقع على الناسوت لا على اللاهوت، وقال الملكانية: القتل والصلب وصلا إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة، وقال اليعقوبية: القتل والصلب وقعاً بالمسيح الذى هو جوهر متولد من جوهر، وهم القائلون، المسيح صار بالاتحاد طبيعة واحدة، وليس فى الطبيعة الواحدة ناموس متميز عن لاهوت، والشىء الواحد لا يقال فيه مات ولم يمت، وأهين ولم يهن، وقالت الروم: هى على طبيعتين مع الاتحاد، قلنا: إن فارق اللاهوت ناسوته عند القتل، فقد أبطلوا دينهم، إذا لم يستحق الربوبية إلا بالاتحاد، وإن لم تفارقها فقد قتل الناسوت واللاهوت معاً، وإن أرادوا بالاتحاد أن الإله جعله مسكناً، وفارق المسكن عند ورود القتل على الناس فقد ابطلوا الهيئة، وقد أهين إذ لم يأنف اللاهوت عن مسكنه، وأساء الجواز إن قدر على الانتصار، ولم ينتصر وإن لم يقدر فأبعد عن الربوبية، وهذا هو المراد بقوله: وإن الذين اختلفوا فيه، والناسوت جسمه واللاهوت روحه {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ} لفى تردد من شأنه ولو من قال رفع لأنه لم يجزم ولو سمعه منه، وهذا هو المراد، وأصله استواء الطرفين، ولكونه هنا لعدم الاستواء أكده بنفى العلم فى قوله {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمِ إِلاّ اتِبّاعَ الظَّنِّ} الاستثناء منقطع، لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، كما أن الظن ليس من جنس العلم، وإن فسرنا الشك بالجهل، والعلم بالاعتقاد الذى تسكن إليه النفس، جزماً كان أو غيره، كان الاستثناء متصلا، والشك والظن لا يجتمعان، لأن إدراك النسبة مع الشك فيها لا يترجح فيه أحد الجانبين على الآخر، وإدراكها بطريق ترجح أحدهما ظن، والرجحان وعدمه لا يجتمعان، فالشك بمعنى التردد كما مر، فإن الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم فأكده بقوله ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، والفرق بين التردد الذى هو عدم الجزم وبين ما يقابل العلم أن الثانى أعم، لأنه كما يتناول الشك المصطلح عليه والظن يتناول الجهل، وهو الاعتقاد غير المطلق لا يتناوله التردد {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أى انتفى قتلهم إياه، انتفاء يقيناً، أى انتفاء يتيقنه أهل الحق، أو ما أيقنوا قتله، بل ادعوا قتله، أى ما قتلوه موقنين بأنه عيسى، أو بالقتل، أو ذوى يقين، أو ماقتلوه قتلا يقيناً، ولا يجوز نصبه بقوله: {بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} لأن معمول المعطوف لا يتقدم على العاطف، وقيل، ما قتلوا العلم، أى بالغوا فيه، وقيل، ما قطعوا الظن يقيناً، ومعنى رفعه الله رفعه إلى السماء وإيصاله إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله جل جلاله، فلا يجرى عليه حكم العباد، وهو فى السماء الثالثة، وقيل الثانية، وقيل حول العرش مع الملائكة، لا يأكل ولا يشرب، وينزل آخر الزمان فيسلم الناس كلهم يموْت ويدفن فى حجرة النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل فى بيت المقدس، ويحج ويعتمر، ويتزوج ويضع الجزية ويقتل الخنزير ويمحو الصليب {وَكَانَ اللهُ عَزيزاً} لا يردهما أراد لكمال قدرته ومنها رفع عيسى {حَكِيماً} قولا وفعلا، ومن حكمته رفع عيسى إلى السماء، وإلقاء الشبه، والمختار أن رفعه قبل صلب الشبه، وآدم فى الأولى، ويحيى وعيسى فى الثانية، ويوسف فى الثالثة، وإدريس فى الرابعة، وهارون فى الخامسة، وموسى فى السادسة، وإبراهيم فى السابعة.

الالوسي

تفسير : {وَقَوْلِهِمْ} على سبيل التبجح. {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} ذكروه بعنوان الرسالة تهكماً واستهزاءاً كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ}تفسير : [الحجر: 6] الخ، ويحتمل أن يكون ذلك منهم بناءاً على قوله عليه الصلاة والسلام وإن لم يعتقدوه، وقيل: إنهم وصفوه بغير ذلك من صفات الذم فغير في الحكاية، فيكون من الحكاية لا من المحكي، وقيل: هو استئناف منه مدحاً له عليه الصلاة والسلام ورفعاً لمحله وإظهاراً لغاية جراءتهم في تصديهم لقتله ونهاية وقاحتهم في تبجحهم. {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} حال أو اعتراض {وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ} روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أن رهطاً من اليهود سبوه عليه السلام وأمه فدعا عليهم فمسخوا قردة وخنازير فبلغ ذلك يهوذا رأس اليهود فخاف فجمع اليهود فاتفقوا على قتله فساروا إليه ليقتلوه فأدخله جبريل عليه السلام بيتاً ورفعه منه إلى السماء ولم يشعروا بذلك فدخل عليه طيطانوس ليقتله فلم يجده وأبطأ عليهم وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فلما خرج قتلوه وصلبوه. وقال وهب بن منبه في خبر طويل رواه عنه ابن المنذر: «أتى عيسى عليه السلام ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صيرهم الله تعالى كلهم على صورة عيسى عليه السلام فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى عليه السلام أو لنقتلنكم جميعاً فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم فقال: أنا عيسى فقتلوه وصلبوه ورفع الله تعالى عيسى عليه السلام»، وبه قال قتادة والسدي ومجاهد وابن إسحاق، وإن اختلفوا في عدد الحواريين ولم يذكر أحد غير وهب أن شبهه عليه السلام ألقي على جميعهم بل قالوا: ألقي شبهه على واحد ورفع عيسى عليه السلام من بينهم. ورجح الطبري قول وهب وقال: إنه الأشبه، وقال أبو علي الجبائي: إن رؤساء اليهود أخذوا إنساناً فقتلوه وصلبوه على موضع عال ولم يمكنوا أحداً من الدنو منه فتغيرت حليته، وقالوا: إنا قتلنا عيسى ليوهموا بذلك على عوامهم لأنهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي به عيسى عليه السلام فلما دخلوه ولم يجدوه فخافوا أن يكون ذلك سبباً لإيمان اليهود ففعلوا ما فعلوا، وقيل: كان رجل من الحواريين ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه وأخذ على ذلك ثلاثين درهماً فدخل بيت عيسى عليه السلام فرفع عليه السلام وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام، وقيل غير ذلك، و {شُبّهَ} مسند إلى الجار والمجرور، والمراد وقع لهم تشبيه بين عيسى عليه السلام ومن صلب، أو في الأمر ـ على قول الجبائي ـ أو هو مسند إلى ضمير المقتول الذي دل عليه {إِنَّا قَتَلْنَا} أي شبه لهم من قتلوه بعيسى عليه السلام، أو الضمير للأمر و {شُبّهَ} من الشبهة أي التبس عليهم الأمر بناءاً على ذلك القول، وليس المسند إليه ضمير المسيح عليه الصلاة والسلام لأنه مشبه به لا مشبه. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك / الواقعة اختلف الناس فقال بعضهم: إنه كان كاذباً فقتلناه (حقاً)، وتردد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟! وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال من سمع منه ـ إن الله تعالى يرفعني إلى السماء ـ إنه رفع إلى السماء، وقالت النصارى الذين يدعون ربوبيته عليه السلام: صلب الناسوت وصعد اللاهوت، ولهذا لا يعدون القتل نقيصة حيث لم يضيفوه إلى اللاهوت ويرد هؤلاء إن ذلك يمتنع عند اليعقوبية القائلين: إن المسيح قد صار بالاتحاد طبيعة واحدة إذ الطبيعة الواحدة لم يبق فيها ناسوت متميز عن لاهوت والشيء الواحد لا يقال: مات ولم يمت، وأهين ولم يهن. وأما الروم القائلون: بأن المسيح بعد الاتحاد باق على طبيعتين، فيقال لهم: فهل فارق اللاهوت ناسوته عند القتل؟ فإن قالوا: فارقه فقد أبطلوا دينهم، فلم يستحق المسيح الربوبية عندهم إلا بالاتحاد، وإن قالوا: لم يفارقه فقد التزموا ما ورد على اليعقوبية وهو قتل اللاهوت مع الناسوت، وإن فسروا الاتحاد بالتدرع وهو أن الإله جعله مسكناً وبيتاً ثم فارقه عند ورود ما ورد على الناسوت أبطلوا إلۤهيته في تلك الحالة، وقلنا لهم: أليس قد أهين؟ وهذا القدر يكفي في إثبات النقيصة إذ لم يأنف اللاهوت لمسكنه أن تناله هذه النقائص، فإن كان قادراً على نفيها فقد أساء مجاورته ورضي بنقيصته وذلك عائد بالنقص عليه في نفسه، وإن لم يكن قادراً فذلك أبعد له عن عز الربوبية، وهؤلاء ينكرون إلقاء الشبه، ويقولون: لا يجوز ذلك لأنه إضلال، ورده أظهر من أن يخفى، ويكفي في إثباته أنه لو لم يكن ثابتاً لزم تكذيب المسيح، وإبطال نبوته بل وسائر النبوات على أن قولهم في الفصل: إن المصلوب قال: إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني، وهو ينافي الرضا بمرّ القضاء؛ ويناقض التسليم لأحكام الحكيم، وأنه شكى العطش وطلب الماء والإنجيل مصرح بأن المسيح كان يطوي أربعين يوماً وليلة إلى غير ذلك مما لهم فيه إن صح مما ينادي على أن المصلوب هو الشبه كما لا يخفى. فالمراد من الموصول ما يعم اليهود والنصارى جميعاً. {لَفِى شَكّ مّنْهُ} أي لفي تردد، وأصل ـ الشك ـ أن يستعمل في تساوي الطرفين وقد يستعمل في لازم معناه، وهو التردد مطلقاً وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضاً بقوله سبحانه: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ} والاستثناء منقطع، أي لكنهم يتبعون الظن. وجوز أن يفسر الشك بالجهل، والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزماً كان أو غيره؛ فالاستثناء حينئذٍ متصل، وإليه ذهب ابن عطية إلا أنه خلاف المشهور، وما قيل: إن اتباع الظن ليس من العلم قطعاً فلا يتصور اتصاله فمدفوع بأن من قال به جعله بمعنى الظن المتبع. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} الضمير لعيسى عليه السلام كما هو الظاهر أي ما قتلوه قتلاً يقيناً، أو متيقنين، ولا يرد أن نفي القتل المتيقن يقتضي ثبوت القتل المشكوك لأنه لنفي القيد ولا مانع من أنه قتل في ظنهم فإنه يقتضي أنه ليس في نفس الأمر كذلك فلا حاجة إلى التزام جعل {يَقِيناً} مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف، والتقدير تيقنوا ذلك يقيناً، وقيل: هو راجع إلى العلم؛ وإليه ذهب الفراء وابن قتيبة أي وما قتلوا العلم يقيناً من قولهم: قتلت العلم والرأي، وقتلت كذا علماً إذا تبالغ علمك فيه، وهو مجاز كما في «الأساس»، والمعنى ما علموه يقيناً، وقيل: الضمير للظن أي ما قطعوا الظن يقيناً ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي، وحكى ابن الأنباري أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأن {يَقِيناً} / متعلق بقوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 157- وغضب الله عليهم بسبب قولهم مستخفين: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، والحق المستيقن أنهم ما قتلوه، كما زعموا وما صلبوه كما ادعوا.. ولكن شُبِّه لهم، فظنوا أنهم قتلوه وصلبوه، وإنما قتلوا وصلبوا من يشبهه، وقد اختلفوا من بعد ذلك فى أن المقتول عيسى أم غيره، وأنهم جميعاً لفى شك من أمره.. والواقع أنهم يقولون ما لا علم لهم به إلا عن طريق الظن، وما قتلوا عيسى قطعاً. 158- بل رفع الله عيسى إليه وأنقذه من أعدائه، ولم يصلبوه، ولم يقتلوه والله غالب لا يقهر، حكيم فى أفعاله. 159- وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليدرك حقيقة عيسى قبل موته وأنه عبد الله ورسوله، ويؤمن به إيماناً لا ينفعه لفوات أوانه، ويوم القيامة يشهد عليهم عيسى بأنه بَلَّغَ رسالة ربه وأنه عبد الله ورسوله. 160- فبسبب ما وقع من اليهود من ظلم، عاقبهم الله، فَحَرَّم عليهم ألواناً من الطيبات كانت حلالاً لهم، وكان من هذا الظلم مَنْعُهم كثيراً من الناس من الدخول فى دين الله. 161- وبسبب تعاملهم بالربا - وقد حرَّمه الله عليهم - وأخذهم أموال الناس بغير حق، كان عقاب الدين بتحريم بعض الطيبات عليهم. وقد أعدَّ الله لمن كفر عذاباً مؤلماً. 162- لكن المتثبتون فى العلم من اليهود والمؤمنون من أمتك - أيها النبى - يصدقون بما أُوحى إليك وما أُوحى إلى الرسل من قبلك. والذين يؤدون الصلاة حق الأداء، ويعطون الزكاة، ويصدقون بالله وبالبعث والحساب، أولئك سيجزيهم الله على إيمانهم وطاعتهم أحسن الجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (157) - وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لأنَّهُمْ قَالُوا سَاخِرينَ مُسْتَهْزِئينَ: إنَّهُمْ قَتَلُوا المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَفي الحَقِيقَةِ إنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ، وَلَمْ يَصْلُبُوهُ، وَإنَّمَا صَلَبُوا شَخْصاً آخَرَ غَيْرَهُ فَاشْتَبَهَ الأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَالْتَبَسَ، وَلَمْ يَتَيَّقنُوا مِنْ أنَّهُ هُوَ المَسِيحُ بِعَيْنِهِ، إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ. وَالأَنَاجِيلُ تَقُولُ إنَّ الذِي أسْلَمَهُ إلى الجُنْدِ هُوَ يَهُوذا الأسْخَرْيوطِيُّ، وَقَدْ جَعَلَ لَهُمْ عَلاَمَةً هِيَ أنَّ مَنْ قَبَّلَهُ يَكُونُ هُوَ المَسِيحَ، فَلَمَّا قَبَّلَهُ قَبَضُوا عَلَيْهِ. وَانْجِيلُ بِرْنَابَا يَقُولُ إنَّ الجُنُودَ أَخَذُوا يَهُوذَا الأسْخَرْيُوطِيَّ نَفْسَهُ ظَنّاً مِنْهُمْ أنَّهُ المَسِيحُ، لأنَّ اللهَ ألْقَى عَلَيهِ شَبَهَهُ. وَالذِينَ اخْتَلَفُوا فِي شَأْنِ عِيسَى مِنْ أهْلِ الكِتَابِ لَفِي شَكٍّ وَتَرَدُّدٍ مِنْ حَقِيقَةِ أمْرِ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ، وَإنَّما هُمْ يَتْبَعُونَ الظَّنَّ وَالقَرَائِنَ التِي تُرَجِّحُ بَعْضَ الآرَاءِ عَلَى بَعْضٍ. شُبِّهَ لَهُمْ - ألْقِيَ عَلَى المَقْتُولِ شَبَهُ عِيسَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلاحظ أن الآية تبدأ بواو العطف على ما قبلها، وهو قوله الحق: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 155-156] ويعطف سبحانه على جرائمهم هذه الجريمة الجديدة: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} وأكثر ما يدهش في هذا القول هو كلمة {رَسُولَ ٱللَّهِ}، فهل هي هنا من قولهم؟ إن كانوا قد قالوها فهذا دليل اللجاجة المطلقة، ولو قالوا: إنهم قتلوه فقط لكان الجرم أقل وطأة، ولكن إن كانوا قد عرفوا أنه رسول الله وقتلوه فهذا جرم صعب للغاية. أو أن كلمة {رَسُولَ ٱللَّهِ} هنا في هذه الآية ليست من مقولهم الحقيقي وإنما من مقولهم التهكمي. وأضرب المثل لأوضح هذا الأمر.. كأن يأتي شخص ذو قوة هائلة ومشهور بقوته ويأتي له شخص آخر ويضربه ويهزمه ويقول لجماعته: لقد ضربت الفتى القوي فيكم. إذن قد يكون قولهم: {رَسُولَ ٱللَّهِ} هو من قبيل التهكم، أو أن كلمة {رَسُولَ ٱللَّهِ} هنا هي من قول الحق سبحانه وتعالى مضافاً إلى قولهم ليبشع عملهم. "وقولهم: {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} فكأن الحق لم يشأ أن يذكر عيسى ابن مريم إلا مرتبطا أو موصوفاً بقوله: {رَسُولَ ٱللَّهِ} لنعلم بشاعة ما فعلوه، فعيسى ابن مريم رسول الله على رغم أنوفهم، وخاصة أن الكلام في مجال انكارهم وجحودهم لنعم الله، وكفرهم بآيات الله، وكأن الحق يسخر منهم؛ لأنه ما كان الله ليرسل رسولاً ليبين منهجه للناس ثم يسلط الناس على قتله قبل أن يؤدي مهمته. وجاء بكلمة {رَسُولَ ٱللَّهِ} هنا كمقدمة ليلتفت الذهن إلى أن ما قالوه هو الكذب. وبعد ذلك يقول لنا سبحانه: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ}. وكلمة "وما صلبوه" هنا هي لتوضيح أن مجرد ظنهم أنهم قتلوا المسيح جعلهم يشيعون ذلك ويعلنونه للناس، وهم قد فعلوا ذلك قبل أن يتوجهوا إلى فكرة الصلب، فقد قتلوا شخصاً شبهه الله لهم ولم يكن هو المسيح وصلبوه من بعد ذلك، وبمجرد قتل هذا الشخص طاروا بخبر القتل قبل أن تبدأ فكرة الصلب. ويقطع الله عليهم هذا الأمر، فيقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. وقد لفتنا سبحانه من قبل إلى أن عملية ميلاد المسيح تم استقبالها من بني إسرائيل بضجة، فعلى رغم علمهم خبر مجيء المسيح بالميلاد من غير أب، وعلى رغم أنهم علموا بناتهم الاستشراف أن يكون لأية واحدة منهن شرف حمل المسيح، وعلى رغم ذلك قالوا البهتان في مريم التي اصطفاها الله. وكذلك كان لمسألة الوفاة ضجة. واقتران الضجتين: ضجة الميلاد وضجة الوفاة معاً في رسالة السيد المسيح يدلنا على أن العقل يجب أن تكون له وحدة تفسيرية، فساعة يتكلم العقل عن قضية الميلاد بالنسبة لعيسى ابن مريم لا بد أن يستشعر الإنسان أن الأمر قد جاء على غير سنة موجودة، وساعة يبلغنا الحق أن بني إسرائيل بيتوا النية لقتل عيسى ابن مريم، وأن الله رفعه إليه تكون المسألة قد جاءت أيضا بقضية مخالفة، ولا بد أن نصدق ما بلغنا الله به، وأن يتذكر العقل أن الميلاد كان مخالفاً، فلماذا لا تكون النهاية مخالفة أيضاً؟ وكما صدقنا أن عيسى ابن مريم جاء من غير أب، لا بد أن نصدق أن الحق قد رفعه في النهاية وأخذه، فلم يكن الميلاد في حدود بلاغ الحق لنا. والميلاد والنهاية بالنسبة لعيسى ابن مريم كل منهما عجيبة. وإن فهمنا العجيبة الأولى في الميلاد فنحن نعتبرها تمهيداً إلى أن عيسى ابن مريم دخل الوجود ودخل الحياة بأمر عجيب، فلماذا لا يخرج منها بأمر عجيب؟ وإن حدثنا الحق أن عيسى ابن مريم خرج من الحياة بأمر عجيب فنحن لا نستعجب ذلك؛ لأن من بدأ بعجيب لا عجب أن ينتهي بعجيب. وسبحانه وتعالى حكم وقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} وكلمة {شُبِّهَ لَهُمْ} هذه هي دليل على هوج المحاولة للقتل، فقد ألقى شبهه على شخص آخر. وذلك دليل على أن المسألة كانت غير طبيعية، ليس فيها حزم التبيّن من المتربصين القتلة. ونعلم أن الحواريين وأتباع سيدنا عيسى كانوا يلفون رءوسهم ويدارون سماتهم، ولذلك قال الحق لنا: {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي أنهم قد شبه لهم أنهم قتلوه. واختلفت الروايات في كلمة "شبه لهم"، فمن قائل: إنهم حينما طلبوا عيسى ابن مريم ليقتلوه دخل خوخة، والخوخة هي باب في باب، وفي البيوت القديمة كان يوجد للبيت باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة، وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد، وفي سقف يسمح بمرور الأفراد، وفي سقف البيت توجد فتحة وكوَّة اسمها (روزنة) أو (ناروظة). فلما طلبوا عيسى دخل الخوخة، ودخل خلفه رجل اسمه "تطيانوس" وعندما رأى سيدنا عيسى هذا الأمر ألهمه الله أن ينظر إلى أعلى فوجد شيئاً يرفعه، فلما استبطأ القومُ "تطيانوس" خرج عليهم فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟ إذن فقد اختلط عليهم الشبه بين "تطيانوس" وعيسى، وألقى الله شبه عيسى على "تطيانوس" فقتلوه. أو أن عيسى عليه السلام حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال لهم عيسى: أيكم يُلقي عليه شبهي وله الجنة؟ فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من الجنة؟ وقدم عيسى عليه السلام الجائزة الكبرى لأي مؤمن، وقبل واحد من الحواريين هذه المهمة، ويقال له "سرخس". فألقى شبه المسيح عيسى عليه، فقتل اليهود "سرخس". وقالوا: إنه حينما عرف بعض الذين ذهبوا لقتل عيسى أنه رُفع، خافوا أن تنتشر حكاية رفع عيسى بين الناس فيؤمنوا برسالة عيسى، وقد ينتقم الناس من الذين أرادوا قتله. ولذلك جاء القتلة بشخص وقتلوه وألقى على هذا القتيل شبه عيسى وأعلن القتلة أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم. أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا نبي الله عيسى لليهود، ولما رأى المشهد ووجد المتربصين بعيسى يدخلون على الحواريين وفيهم عيسى وسأل المتربصون الحواريين: أيكم عيسى؟ فتيقظت ملكة التوبة في نفس الذي وشى بعيسى وقادة تأنيب الضمير على خيانة الرسول إلى أن يقول: "أنا عيسى". ولم يتصور المتربصون أن يجيب إنسان على قولهم: "أيكم عيسى". إلا وهو عيسى بالفعل؛ لأن مشهد المتربصين يوحي أنهم سيقتلون عيسى. وقتلوا الذي اعترف على نفسه دون تثبت. أو أن واحداً باع عيسى لقاء ثلاثين دينارأً وتشابه عليهم كبيراً بتلك الروايات. فالمهم أنهم قالوا قتلنا عيسى. وصلبناه. وقرآننا الذي نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم قال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. وقال الحق لنا: إنه رفع عيسى إليه، وانتهت المسألة بالنسبة لنا؛ لأننا كمؤمنين لا نأخذ الجزئيات الدينية أولاً فإن صدقناها آمنا، لا. نحن نؤمن أولاً بمُنَزَّل هذه الجزئيات ونصدق من بعد ذلك كل ما جاء منه سبحانه، وهو قال ذلك فآمنا به وانتهت المسألة. إن البحث في هذا الأمر لا يعنينا في شيء، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. ويدلنا هذا القول على عدم تثبت القتلة من شخصية القتيل، وهو أمر متوقع في مسألة مثل هذه، حيث يمكن أن تختلط الأمور. إننا نرى ذلك في أية حادثة تحدث مع وجود أعدادا كبيرة من البشر وأعينهم مفتوحة، وعلى الرغم من ذلك تختلف فيها الروايات. بل وقد تكون الحادثة مصورة ومسجلة ومع ذلك تختلف الروايات، فما بالنا بوجود حادثة مثل هذه في زمن قديم لا توجد به كل الاحتياطات التي نراها في زماننا؟ إذن فاضطراب الآراء والروايات في تلك الحادثة أمر وارد، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ}. فعيسى باق؛ لأن الحق لم يأت لنا بخبر موت عيسى. ويبقى الأمر على أصل ما وردت به الآيات من أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى ابن مريم. وكمسلمين لا نستبعد أن يكون الحق سبحانه وتعالى قد رفعه إلى السماء؛ لأن المبدأ - مبدأ وجود بشر في السماء - قد ثبت لرسولنا صلى الله عليه وسلم، فقد حدثنا صلى الله عليه وسلم أنه عُرج به إلى السماء، وأنه صعد وقابل الأنبياء ورأى الكثير من الرؤى، إذن فمبدأ صعود واحد من البشر من الأرض وهو لا يزال على قيد الحياة البشرية المادية إلى السماء أمر وارد. والخلاف يكون في المدة الزمنية، لكنه خلاف لا ينقض مبدأً، سواء صعد وبقي في السماء دقائق أو ساعات أو شهوراً. فإن حاول أحد أن يشكك في هذه المسألة نقول له: كل أمر قد يقف العقل فيه يتناوله الحق سبحانه وتعالى تناولاً موسعاً. فسبحانه خالق رحيم لا يورد نصاً بحيث يتوقف العقل أمامه، فإن قبل العقل النص كان بها، وإن لم يقبله وجدت له مندوحة، لأنه أمر لا يتعلق بصلب العقيدة. فهب أن إنساناً قال إن عيسى لم يرفع بل مات، فما الذي زاد من العقائد وما الذي نقص؟ ذلك أمر لا يضر ولا ينفع. ومثل ذلك الإسراء، جاء فيه الحق بالقول القرآني: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء: 1] ولم يقل الحق أي قول في أمر المعراج، لأن الإسراء آية أرضية، انتقل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس. ونعلم أن رسول الله لم يذهب إلى بيت المقدس قبل الإسراء، بدليل أن كفار مكة أرادوا إحراج الرسول فقالوا له: صف لنا بيت المقدس. وهم واثقون من عدم ذهابه إليه من قبل. وكان في الطريق قوافل لهم رآها صلى الله عليه وسلم، ووصف صلى الله عليه وسلم بيت المقدس وقال لهم عن أخبار قوافلهم. وجاءت القوافل مثبتة لصدق محمد صلى الله عليه وسلم. إذن كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم آية أرضية يمكن أن يقام عليها الدليل. ولذلك جاء بها الحق صريحة فقال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى}. لكن المعراج لم يذكره الحق صراحة، فلم يكن من قريش ولا من أهل الأرض من رأي سدرة المنتهى، ولم يكن لأحد من أهل الأرض القدرة على أن يصف طريق المعراج. إذن فالآيات التي يقف فيها العقل يتناولها القرآن تناولاً موسعاً رحمة بالعقول؛ لأن الإنسان إن اعتقد بها فهذا أمر جائز، وعدم الاعتقاد بها لا يؤثر في أصل العقيدة، ولأ في أصول التكليفات، ومدارها التصديق. ومادام الحق سبحانه وتعالى قد فوض رسوله أن يعطينا أحكاماً. إن عملنا بها جزانا الله الثواب، وإن لم نعمل بها نالنا العقاب {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}، فكيف لا يفوضه في أن يقول لنا بعضاً من الأخبار؟! ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وذكره البخاري في صحيحه أنه قال: "حديث : والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ". تفسير : هذه أخبار أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن لا توجد قضية عقدية تقف مستعصية أمام عقول المسلمين خاصة. أن البعض قد يقول: إن الحق سبحانه قد قال: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [آل عمران: 55] وقد شرحنا من قبل في خواطرنا عن سورة آل عمران كل الشرح لهذه المسألة. قلنا: إن علينا أن ننتبه إلى "واو العطف" بين "متوفيك" و"رافعك". ومن قال إن "واو العطف" تقتضي الترتيب؟ إن "واو العطف" تقتضي الجمع فقط كقولنا: "جاءني زيد وعمرو"، هذا يعني أن زيداً جاء مع عمرو. أو ان زيداً جاء أولاً، أو أن عمراً جاء أولاً وتبعه زيد، فـ "الواو" لا تقتضي الترتيب، وإنما مقتضاها الجمع فقط لكن إن قلنا "جاءني زيد فعمرو" فزيد هو الذي جاء أولاً وتبعه عمرو؛ لأن "الفاء" تقتضي الترتيب، أما "الواو" فتأتي لمطلق الجمع ولا تتعلق بكيفية الجمع، وسبحانه قال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} هذا الضرب من الجمع لايدل على أن التوفي قد تم قبل الرفع، ودليلنا أن الحق سبحانه أنزل في القرآن آيات تدل على مثل هذا، كقوله الحق: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأحزاب: 7] فسبحانه أخذ الميثاق من محمد صلى الله عليه وسلم وجمع معه سيدنا نوحاً وإبراهيم، فهل هذا الجمع كان قائماً على الترتيب؟ لا؛ لأن نوحاً متقدم جداً في الموكب الرسالي وسبق سيدنا رسول الله بسنوات طويلة ويفصل بينهما رسل كثيرون. إذن فـ "الواو" لا تقتضي الترتيب في الجمع. ولماذا جاء الحق بأمر الوفاة مع أمر الرفع؟ جاء الحق بذلك ليشعر عيسى أن الوفاة أمر مقطوع به، لكن الرفع مجرد عملية مرحلية. أو جاء قوله الحق: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}؛ لأن الإنسان المخلوق لله مكون ومركب من مادة وفي داخلها الروح، وعندما يريد الحق أن ينهي حياة إنسان ما، فهو يقبضه بدون سبب وبدون نقض في البينة، ويموت حتف أنفه، أما إذا ما ضرب إنسان إنساناً ضربة عنيفة على رأسه فالمضروب أيضاً يموت، لأن الروح لا تحل في جسم به عطب شديد. إذن فالحق أوضح لعيسى: أنا آخذك إليّ وأرفعك متوفياً وليس بجسدك أَيُّ نقض لبنيتك أو هدم لها أو لبعضها، بل آخذك كاملاً. فـ "متوفيك" تعني الأخذ كاملاً دون نقض للبنية بالقتل. ونحن - كما عرفنا من قبل - نفرق بين القتل والموت. فالموت هو أن تُقبض الروح حتف الأنف، أما القتل فهو هدم للبنية فتزهق الروح، والدليل على ذلك أن الحق في كتابه الكريم قال: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144] إذن فحين قال بنو إسرائيل: إنهم قتلوا عيسى ابن مريم كذبهم الحق وقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ}. ورفعه الله إليه كاملاً، وسبحانه وتعالى يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}. ويوضح الحق سبحانه وتعالى: لم يتيقنوا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم، ولكنهم شكوا فيمن قُتل، فلم يعرف المتربصون لقتله أقتلوا عيسى أو تطيانوس أو سرخس؟ والحق سبحانه جاء هنا بنسبتين متقابلتين، فبعد أن نفى سبحانه نبأ مقتل عيسى ابن مريم قال: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}. والنسبة الأولى المذكورة هنا هي الشك، وهو نسبة يتساوى فيها الأمران. والنسبة الثانية هي اتباعهم للظن، وهو نسبة راجحة. لقد بدأ الأمر بالنسبة إليهم شكاً ثم انقلب ظناً. وينهي الحق ذلك بعلم يقيني {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} وسبحانه ينفي بذلك انهم قتلوه يقيناً، واليقين - كما نعلم - هو الأمر الثابت المعقود في الواقع والأعماق بحيث لا يطفو إلى الذهن ليناقش من جديد أو يتغير، وله مراحل هي: مرحلة العلم، واسمها علم اليقين، ومرحلة العين، واسمها عين اليقين، ومرحلة الحقيقة، واسمها حق اليقين. وعندما يخبرنا واحد من الناس أن جزءا من نيويورك اسمه "مانهاتن". وأن مانهاتن هذه هي جزيرة يصل تعداد سكانها إلى عشرة ملايين نسمة، وفيها ناطحات سحاب، وجاء هذا الخبر ممن لا نعرف عنه الكذب فيسمعه من لم يَر نيويورك، فيصير مضمون الخبر عنده علماً متيقناً؛ لأن الذي أخبر به موثوق به. وإن جاء آخر ووجه للسامع عن نيويورك دعوة لزيارتها ولبى السامع الدعوة وذهب إلى نيويورك، هنا تحول الخبر من "علم يقين" إلى "عين اليقين". وإن جاء ثالث وصحب السامع إلى قلب نيويورك وطاف به في كل شوارعها ومبانيها، فهذا هو "حق اليقين" وأسمى أنواع اليقين هو "حق اليقين"، وقبلها "عين اليقين"، وقبل "عين اليقين" "علم اليقين". وحينما عرض سبحانه المسألة قال: {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 3-7] هو سبحانه يعطينا علم اليقين، ويصدقه المؤمنون بهذا العلم قبل أن يروه، وسيرى المؤمنون وهم على الصراط النارَ وذلك عين اليقين. أما مسألة دخول الذين يرون الجحيم إليها فأمر سكت عنه الحق؛ لأن هناك من يدخل الجنة ولا يدخل النار، وهناك من يدخل النار ولا يدخل الجنة. والكافرون بالله هم الذين سيرون الجحيم حق اليقين. ويأتي "حق اليقين" في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 92-95] فكل مكذب ضال سينزل إلى الحميم ويصلى الجحيم ويعاني من عذابها حق اليقين. إذن فقوله الحق عن مسألة قتل عيسى ابن مريم: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} يصدقه الذين لم يشاهدوا الحادث، تصديق علم يقين لأن الله هو القائل. والذين رأوا الحادث عرفوا أنهم لم يقتلوه ولكنهم شكوا في ذلك. وأما من باشر عملية القتل لإنسان غير عيسى عليه السلام فهو الذي عرف حقيقة اليقين. والذي حدث هو ما يلي: {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم بلغوا في الكفر حد المنتهى وغاية القصوى حتى هموا بقتل عيسى عليه السلام روح الله وكلمته العليا، {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} [النساء: 157]، {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وأنعم عليه بالإفاضة مما لديه، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} [النساء: 158]، اعز من أن يتخذ ولداً مثل عيسى عليه السلام أو غيره، {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم: 93]، {حَكِيماً} [النساء: 158]، يخلق بحكمته ما يشاء، ويختار ويرفع إليه من يشاء، ويجير ولا يجار عليه. ثم أخبر عن نزول عيسى عليه السلام ليعلم أنه ليس في الموتى بقوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]؛ أي: وقت نزوله، والإشارة فيها: إن الله عز وجل لما ذكر من كمال عيسى عليه السلام بقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157-158]؛ ليعلم قوماً من الذين قالوا: المسيح ابن الله إذا سمعوا هذا القول يسبق وهمهم إلى تصديق مقالهم، فالإشارة في قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159]، إلى نزول عيسى عليه السلام من السماء وإلى موته؛ ليعلم أنه لو كان ابناً كما زعموا لما نزل إلى الأرض بعدما رفع وما مات؛ وفيه معنى آخر: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]، وذلك أن اليهود يؤمنون به بعد نزوله وقتله الدجال، وإظهاره وتقريره دين الإسلام وتقويته المسلمين، ومتابعته النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف المسلمين، وكسره الصليب وقتله الخنزير وأمثال هذا، فيتحقق لهم صدق نبوته بهذه الدلالات وبإظهار العبودية، فيتحقق لهم أنه عبد نبي لو كان ابناً لما كان متابعاً لنبي آخر لاستغنائه عنه، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 159] بالإيمان {شَهِيداً} [النساء: 159].

همام الصنعاني

تفسير : 655- عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}: [الآية: 157]، قال: ألقى شَبَهَهُ على رَجُلٍ من الحواريين فَقُتِيلَ، وكان عيسى عرض ذلِكَ عليهم فقال: أيكم أُلقيَ عليه شَبَهِي ولَهُ الجنَّة؟ فقال رجل منهم: عَلَيَّ.