٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
170
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة اليهود على الوجوه الكثيرة وبيّـن فساد طريقتهم ذكر خطاباً عاماً يعمهم ويعم غيرهم في الدعوة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام فقال: { يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقّ مِن رَّبّكُمْ } وهذا الحق فيه وجهان: الأول: أنه جاء بالقرآن، والقرآن معجز فيلزم أنه جاء بالحق من ربه. والثاني: أنه جاء بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره، والعقل يدل على أن هذا هو الحق، فيلزم أنه جاء بالحق من ربه. ثم قال تعالى: {فآمنوا خيراً لكم } يعين فآمنوا يكن ذلك الإيمان خيراً لكم مما أنتم فيه، أي أحمد عاقبة من الكفر، وإن تكفروا فإن الله غني عن إيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء، ويحتمل أن يكون المراد: فإن لله ما في السموات والأرض، ومن كان كذلك كان قادراً على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم، ويحتمل أن يكون المراد: أنكم إن كفرتم فله ملك السموات والأرض وله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } أي عليماً لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء، و{حَكِيماً } لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، وهو كقوله {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص: 28].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} هذا خطاب للكل. {قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ} يريد محمداً عليه الصلاة والسلام. {بِٱلْحَقِّ} بالقرآن. وقيل: بالدّين ٱلحق؛ وقيل: بشهادة أن لا إلٰه إلاَّ الله؛ وقيل: الباء للتعدية؛ أي جاءكم ومعه الحق؛ فهو في موضع الحال. قوله تعالى: {فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ} في الكلام إضمار؛ أي وأتوا خيراً لكم؛ هذا مذهب سيبويْه، وعلى قول الفراء نعت لمصدر محذوف؛ أي إيماناً خيراً لكم، وعلى قول أبي عبيدة يكن خيراً لكم.
البيضاوي
تفسير : {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقّ مِن رَّبّكُمْ } لما قرر أمر النبوة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإِجابة والوعيد على الرد. {فَآمِنُوا خَيراً لَكُمْ} أي إيماناً خيراً لكم أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم عليه. وقيل تقديره يكن الإِيمان خيراً لكم ومنعه البصريون لأن كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بد منه ولأنه يؤدي إلى الشرط وجوابه. {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني وإن تكفروا فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، ونبه على غناه بقوله: {للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وهو يعم ما اشتملتا عليه وما ركبتا منه. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بأحوالهم. {حَكِيماً} فيما دبر لهم. {يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} الخطاب للفريقين، غلت اليهود في حط عيسى عليه الصلاة والسلام حتى رموه بأنه ولد من غير رشدة، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلهاً. وقيل الخطاب للنصارى خاصة فإنه أوفق لقوله: {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد. {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } أوصلها إليها وخصَّها فيها. {وَرُوحٌ مّنْهُ } وذو روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له، وقيل سمي روحاً لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ} أي الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم، ويشهد عليه قوله تعالى: {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 116] أو الله ثلاثة إن صح أنهم يقولون الله ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس، ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة. {ٱنتَهُواْ} عن التثليث. {خَيْراً لَّكُمْ} نصبه كما سبق. {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي واحد بالذات لا تعدد فيه بوجه ما. {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد فإنه يكون لمن يعادله مثل ويتطرق إليه فناء.{لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ملكاً وخلقاً لا يماثله شيء من ذلك فيتخذه ولداً.{وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلاً لأبيه والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه. {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} لن يأنف، من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك كيلا يرى أثره عليك. {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } من أن يكون عبداً له فإن عبوديته شرف يتباهى به، وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره. روي (حديث : أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى عليه الصلاة والسلام، قال عليه السلام: وأي شيء أقول. قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله، قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله، قالوا: بلى) تفسير : فنزلت {وَلاَ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} عطف على المسيح أي ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله، واحتج به من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال مساقه لرد قول النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه، وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين هم حول العرش، أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً والنزاع فيه {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } ومن يرتفع عنها، والاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وإنما يستعمل من حيث الاستحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون بالاستحقاق. {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} فيجازيهم. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِياً وَلاَ نَصِيراً} تفصيل للمجازاة العامة المدلول عليها من فحوى الكلام، وكأنه قال فسيحشرهم إليه جميعاً يوم يحشر العباد للمجازاة، أو لمجازاتهم فإن إثابة مقابلهم والإِحسان إليهم تعذيب لهم بالغم والحسرة. {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن، أي قد جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل: البرهان الدين أو رسول الله صلى الله عليه وسلم أو القرآن. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ} في ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب. {وَفَضَّلَ} إحسان زائد عليه {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} إلى الله سبحانه وتعالى. وقيل إلى الموعود. {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} هو الإِسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة. {يَسْتَفْتُونَكَ} أي في الكلالة حذفت لدلالة الجواب عليه. روي (حديث : أن جابر بن عبد الله كان مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة فكيف أصنع في مالي) تفسير : فنزلت وهي آخر ما نزل من الأحكام. {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلَـٰلَةِ} سبق تفسيرها في أول السورة. {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} ارتفع {ٱمْرُؤٌ} ارتفع إمرؤ بفعل يفسره الظاهر، وليس له ولد صفة له أو حال من المستكن في هلك، والواو في {وَلَهُ} يحتمل الحال والعطف، والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة وابن الأم لا يكون عصبة، والولد على ظاهره فإن الأخت وإن ورثت مع البنت عند عامة العلماء ـ غير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ لكنها لا ترث النصف. {وَهُوَ يَرِثُهَا} أي والمرء يرث إن كان الأمر بالعكس. {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } ذكراً كان أو أنثى إن أريد بيرثها يرث جميع مالها، وإلا فالمراد به الذكر إذ البنت لا تحجب الأخ، والآية كما لم تدل على سقوط الإِخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب وكذا مفهوم قوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلَـٰلَةِ} إن فسرت بالميت. {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } الضمير لمن يرث بالأخوة وتثنيته محمولة على المعنى، وفائدة الإخبار عنه باثنتين التنبيه على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما. {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ ٱلأُنثَيَيْنِ} أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر. {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} أي يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه، أو يبين لكم الحق والصواب كراهة أن تضلوا. وقيل لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين. {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة، وورث ميراثاً وأعطي من الأجر كمن اشترى محرراً، وبرىء من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يتجاوز عنهم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٱأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {قَدْ جَاءكُمُ ٱلرَّسُولُ } محمد صلى الله عليه وسلم {بِٱلْحَقِّ مِن }عند{ رَّبّكُمْ فَئَامِنُواْ } به واقصدوا {خَيْراً لَّكُمْ } مما أنتم فيه {وَإِن تَكْفُرُواْ } به {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ملكاً وخلقاً وعبيداً فلا يضرّه كفركم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بخلقه {حَكِيماً } في صنعه بهم.
ابن عطية
تفسير : المخاطبة بقوله {يا أيها الناس} مخاطبة لجميع الناس، والسورة مدنية، فهذا مما خوطب به جميع الناس بعد الهجرة، لأن الآية دعاء إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحوها لكانت "يا أيها الذين آمنوا" و {الرسول} في هذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم، و {الحق} في شرعه، وقوله تعالى: {خيراً لكم} منصوب بفعل مضمر تقديره، إيتوا خيراً لكم، أو حوزوا خيراً لكم، وقوله {آمنوا} وقوله {انتهوا} على بعد ذلك, أمر بترك الشيء والدخول في غيره, فلذلك حسنت صفة التفضيل التي هي خير, هذا مذهب سيبويه في نصب خير، ونظيره من الشعر قول عمر بن أبي ربيعة: شعر : فواعديه سَرْحَتَيْ مالك أو الربى بينهما أسهلا تفسير : أي يأت أسهل، وقال أبو عبيدة التقدير يكن الإيمان خيراً والانتهاء خيراً، فنصبه على خبر كان، وقال الفراء: التقدير فآمنوا إيماناً خيراً لكم، فنصبه على النعت لمصدر محذوف ثم قال تعالى {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض} وهذا خبر بالاستغناء، وأن ضرر الكفر إنما هو نازل بهم، ولله تعالى العلم والحكمة. ثم خاطب تعالى أهل الكتاب من النصارى بأن يدعوا "الغلو"، وهو تجاوز الحد، ومنه غلاء السعر، ومنه غلوة السهم، وقوله تعالى: {في دينكم} إنما معناه، في الدين الذي أنتم مطلوبون به، فكأنه اسم جنس، وأضافه إليهم بياناً أنهم مأخذون به، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل، ولا أمروا بالثبوت عليه دون غلو، وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على الإطلاق، وأن يوحدوا ولا "يقولوا على الله إلا الحق"، وإذا سلكوا ما أمروا به، فذلك سائقهم إلى الإسلام، ثم بين تعالى أمر المسيح وأنه {رسول الله وكلمته} أي مكون عن كلمته التي هي "كن" وقوله {ألقاها} عبارة عن إيجاد هذا الحادث في مريم، وقال الطبري {وكلمته ألقاها} يريد جملة مخلوقاته، فـ "من" لابتداء الغاية إذا حقق النظر فيها، وقال البشارة التي بعث الملك بها إليها، وقوله تعالى: {وروح منه} أي من الله وقال الطبري {وروح منه} أي نفخة منه، إذ هي من جبريل بأمره، وأنشد قول ذي الرمة: شعر : فقلت له اضممها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا تفسير : يصف سقط النار، وقال أبيّ بن كعب: روح عيسى من أرواح الله التي خلقها واستنطقها بقوله {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأعراف:172] فبعثه الله إلى مريم فدخل فيها، ثم أمرهم بالإيمان بالله ورسله، أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد عليهما السلام، وقوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة} المعنى: الله ثالث ثلاثة، فحذف الابتداء والمضاف، كذا قدر أبو علي، ويحتمل أن يكون المقدر: المعبود ثلاثة، أو الإله ثلاثة، أو الآلهة ثلاثة، أو الأقانيم ثلاثة، وكيف ما تشعب اختلاف عبارات النصارى فإنه يختلف بحسب ذلك التقدير، وقد تقدم القول في معنى {انتهوا خيراً لكم}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فسنحشرهم} بالنون: المفضل. الباقون بالياء. الوقوف: {خيراً لكم} ط. {والأرض} ط {حكيماً} ه {إلاّ الحق} ط. {وكلمته} ج للاستئناف مع اتحاد المقصود. {وروح منه} ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان. {ورسله} ط. {ثلاثة} ط {خيراً لكم} ط {إله واحد} ط. {ولد} ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السموات وما في الأرض. {وكيلاً} ه{المقربون} ط {جميعاً} ه. {من فضله} ج {أليماً} ه {ولا نصيراً} ه {مبيناً} ه {وفضل} لا للعطف. {مستقيماً} ه {يستفتونك} ط. {الكلالة} ط {ما ترك} ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان. {لها ولد} ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: {فلها نصف} وبينهما عارض {مما ترك} ط لابتداء حكم جامع للصنفين {الأنثيين} ط {أن تضلوا} ط {عليم} ه. التفسير: لما بينّ فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق} أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقاً أو بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة {فآمنوا خيراً لكم} انتصابه بمضمر وكذا في {انتهوا خيراً لكم} لأنه لما بعثهم على الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر. فالمعنى: اقصدوا وأتوا خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له. وقيل: إنه منصوب على خبرية "كان" أي يكن الإيمان خيراً لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف من غير قرينة {وإن تكفروا} فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم {وكان الله عليماً} بأحوال العباد {حكيماً} لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء المسيء. ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته} وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة {ألقاها} أي الكلمة {إلى مريم} أي أوصلها إليها وحصلها فيها {وروح منه} أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى:52] وقيل: أي رحمة منه كقوله: {أية : وأيدهم بروح منه} تفسير : [المجادلة:22] / ولا شك أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للأمة قال تعالى: {أية : وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} تفسير : [الأنبياء:107] وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنما أنا رحمة مهداة" تفسير : وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله تعالى فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية. وقوله: {منه} إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف. {فآمنوا بالله ورسله} أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً {ولا تقولوا ثلاثة} هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب أقنوم الأب وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن. ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله تعالى لا يوجب الشرك. فالأشاعرة أثبتوا لله تعالى ثمان صفات قدماء. {انتهوا} عن التثليث واقصدوا {خيراً لكم إنما الله إله واحد} لا تركيب فيه بوجه من الوجوه {سبحانه أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمره جسداً حياً من غير أب {له ما في السموات وما في الأرض} فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية {وكفى بالله وكيلاً} وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك. قال الكلبي: حديث : إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى. قال: وأي شيء أقول فيه؟ قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله. فقال هلم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدالله. قالوا: بلى. فنزل {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله} تفسير : والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعوّلون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم {لن يستنكف المسيح} بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه لأنهم مطلعون علىاللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عباداً لله تعالى فكيف يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟ والتركيب يدور على التنحية والإزالة من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت. والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : وَإذ قلنا للملائكة اسجدوا} تفسير : [البقرة:34] / الآية. أما قوله: {ولا الملائكة} فإنه معطوف على {المسيح} وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في {يكون} أو في {عبداً} لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أنّ المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة. وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى. والمراد بالملائكة كل واحد منهم حتى يكون خبره أيضاً {عبداً} أو يكون الخبر {عباداً} وحذف لدلالة {عبداً} عليه {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه} أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً. ثم إنه تعالى لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به. فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله: {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب. أقول: لو جعل الضمير قي قول: {فسيحشرهم} راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: {أية : إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} تفسير : [الكهف:30] ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان}الآية. فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد صلى الله عليه وسلم لأنه يقيم البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع نور الإيمان في القلب. {فأما الذين آمنوا بالله} في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه {واعتصموا به} تمسكوا بدينه أو لجؤوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت {ويهديهم إليه} أي إلى عبادته {صراطاً مستقيماً} هو الدين الحنيفي والتقدير صراطاً مستقيماً إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية اللذات الروحانية الدائمة. ثم إنه سبحانه ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: {يستفتونك} الآية. قال أهل العلم: إنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف. / عن جابر قال: حديث : اشتكيت فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث. قال: أحسن. فقلت: الشطر؟ قال: أحسن. ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثينتفسير : . وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ فنزلتتفسير : . هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين. {إن امرؤ هلك} ارتفع {امرؤ} بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل {ليس له ولد} الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد. اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأختتفسير : . فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة. الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع. الثالث قوله: {وله أخت} المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع. ثم قال: {وهو يرثها} أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها {إن لم يكن لها ولد} أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث. وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " تفسير : والأب أولى من الأخ. ثم قال: {وإن كانتا} يعني من يرث بالإخوة {اثنتين} فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: {وإن كانوا إخوة} وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة. روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام {يبين الله لكم أن تضلوا} قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا. وقال الكوفيون: لئلا تضلوا. وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها {والله بكل شيء عليم} فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً. ختم / السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان. التأويل: {وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض} يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له {لا تغلوا في دينكم} لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " تفسير : . {وروح منه} لأنه تكوّن بأمر كن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك {أية : قل الروح من أمر ربي} تفسير : [الإسراء:85] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته {ولا تقولوا ثلاثة} يعني نفوسكم والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم {إنما الله إله واحد} سبحانه أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً {أية : كل شيء هالك إلا وجهه} تفسير : [القصص:88] {وكفى بالله وكيلاً} لكل هالك. {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله} لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله: {أية : إني عبد الله} تفسير : [مريم30] {ولا الملائكة المقربون} إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله. {قد جاءكم برهان} جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه. فمن ذلك برهان بصره {أية : ما زاغ البصر وما طغى} تفسير : [النجم:17] ومنه برهان أنفه " حديث : إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن"تفسير : ومنه برهان لسانه {أية : وما ينطق عن الهوى} تفسير : [النجم:3] وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده {أية : وما رميت إذ رميت} / تفسير : [الأنفال:17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : [الشرح:1] وبرهان قلبه "حديث : تنام عيناي ولا ينام قلبي" {أية : نزل به الروح الأمين على قلبك} تفسير : [الشعراء:193] وبرهان كله {أية : سبحان الذي أسرى بعبده} تفسير : [الإسراء:1] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقّ مِن رَّبّكُمْ...} الآية: خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ: «يا أيها الذين آمنوا»، والرسُولُ في الآية: نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال سبحانه: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، وهذا خبرٌ بالاستغناءِ، وأنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارَىٰ، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ. وقوله: {فِي دِينِكُمْ}: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به؛ بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا علَىٰ اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ (رضي اللَّه عنه)، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَىٰ مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ ـــ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَىٰ مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» تفسير : رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «حديث : أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»تفسير : . انتهى. وقوله تعالى: {فآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ}؛ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسَىٰ، ومحمَّد ـــ عليهما السلام ـــ. وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ}: «إنَّمَا»؛ في هذه الآية: حاصرةٌ، و {سُبْحَـٰنَهُ}: معناه: تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكافُ إبَاءَةٌ بأَنَفَة. قال * ع *: وقوله سبحانه: {وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}: زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعْلَىٰ درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ علَىٰ تفضيل الملائِكَةِ على الأنبياءِ. وقوله سبحانه: {فَسَيَحْشُرُهُمْ}: عبارةُ وعيدٍ. قال * ع *: وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن ٱتباع الأنبياءِ، وما جَرَىٰ مَجْراه.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ} الآية لما أجَابَ عن شُبْهَة اليَهُودِ، [و] بين فَسَادَ طِرِيقهِم، ذَكَر خِطَاباً عَامّاً يَعُمُّهُم ويَعُمّ غَيْرُهم في الدَّعْوةِ إلى الإسلامِ. قوله سبحانه: {بِٱلْحَقِّ}: فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للحال، أي: جاءكُمُ الرسولُ ملتبساً بالحقِّ، أو متكلِّماً به. والثاني: أنه متعلقٌ بنفس "جَاءَكُمْ"، أي: جاءكم بسبب إقامةِ الحقِّ، والمراد بهذا الحق القرآنُ، وقيل: الدعوة إلى عبادة الله، والإعراض عن غيره، و"مِنْ ربِّكُمْ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ على أنه حال أيضاً من "الحَقِّ". والثاني: أنه متعلقٌ بـ "جاء"، أي: جاء من عند الله، أي: أنه مبعوثٌ لا متقوَّلٌ. قوله تعالى: {فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ} في نصبه أربعة أوجه: أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه -: أنه منصوب بفعلٍ محذوفٍ واجب الإضمار، تقديره: وأتُوا خيراً لكم؛ لأنه لمَّا أمرهم بالإيمان فهو يريدُ إخراجهم من أمرٍ، وإدخالهم فيما هو خيرٌ منه، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره؛ قال: "وذلك أنه لمَّا بعثَهم على الإيمان وعلى الانتهاءِ عن التثْلِيثِ، علم أنه يَحْمِلُهم على أمر، فقال: خيراً لكُمْ، أي: اقصِدوا وأتُوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكُفْر والتثليث". الثاني - وهو مذهب الفراء -: أنه نعت لمصْدر محذوف، أي: فآمنوا إيماناً خيراً لكم، وفيه نظر؛ من حيث أنه يُفْهِمُ أنَّ الإيمان منقسم إلى خير وغيره، وإلاَّ لم يكنْ لتقييده بالصفةِ فائدةٌ، وقد يُقالُ: إنه قد يكون لا يقولُ بمفهوم الصفة؛ وأيضاً: فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغير ذلك. الثالث - وهو مذهب الكسائي وأبي عبيد -: أنه منصوب على خبر "كَانَ" المضمرة، تقديرُه: يكنِ الإيمانُ خيراً، وقد ردَّ بعضُهم هذا المذهب؛ بأنَّ "كَانَ" لا تُحْذَف مع اسمها دون خبرها، إلا فيما لا بدّ له منه، ويزيد ذلك ضعفاً أنَّ "يَكُن" المقدرة جوابُ شرطٍ محذوف، فيصيرُ المحذوفَ الشرطُ وجوابُه، يعني: أنَّ التقديرَ: إنْ تؤمنُوا، يَكُن الإيمانُ خيراً، فحذَفْتَ الشرط، وهو "إنْ تُؤمِنُوا" وجوابه، وهو "يَكُن الإيمَانُ" وأبقيتَ معمولَ الجواب، وهو "خَيْراً"، وقد يقال: إنه لا يحتاج إلى إضمار شرطٍ صناعيٍّ، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّا ندَّعِي أن الجزْم الذي في "يَكُنِ" المقدرةِ، إنما هو بنفس جملة الأمر التي قبله، وهو قوله: "فآمِنُوا" من غير تقدير حرفِ شرطِ، ولا فعلٍ له، وهو الصحيحُ في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة، تقول: "قُمْ أكْرِمْكَ"، فـ "أكْرِمْكَ" جواب مجزومٌ بنفس "قُمْ"؛ لتضمُّن هذا الطلب معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعيٍّ. الرابع - والظاهرُ فساده -: أنه منصوبٌ على الحال، نقله مكي عن بعض الكوفيِّين، قال: "وهُوَ بعيدٌ"، ونقله أبو البقاء أيضاً، ولم يَعْزُه. "وإنْ تَكْفُرُوا" فإنَّ الله غَنِيٌّ عن إيمَانِكُم؛ لأنه مَالِك السَّمَاوات والأرضِ وخَالِقُهَا، ومن كان كذلِك، لم يكن مُحْتَاجاً إلى شَيْءٍ، ويكون التَّقْدِير فإنَّ للَّه ما فِي السَّماوات ومَا فِي الأرْضِ، ومن كان كَذَلِك، قَادِراً على إنْزَالِ العَذَابِ عَلَيْكُم لو كَفَرْتُم، أو يكون المرادُ: إن كَفَرْتُم، فلَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأرْضِ، ومن كان كذلِك فله عَبيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقَادُون لأمْرِهِ، فيُجَازِي كُلاًّ بِفِعْلِه.
البقاعي
تفسير : ولما وضح بالحجاج معهم الحق، واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة الرشدُ، وأوضح فساد طرقهم، وأبلغ في وعيدهم؛ أنتج ذلك صدق الرسول وحقيقة ما يقول: فأذعنت النفوس، فكان أنسب الأشياء أن عمم سبحانه في الخطاب لما وجب من اتباعه على وجه العموم عند بيان السبيل ونهوض الدليل، فقال مرغباً مرهباً {يا أيها الناس} أي كافة {قد جاءكم الرسول} أي الكامل في الرسلية الذي كان ينتظره أهل الكتاب لرفع الارتياب ملتبساً {بالحق} أي الذي يطابقه الواقع، وستنظرون الوقائع فتطبقونها على ما سبق من الأخبار، كائناً ذلك الحق {من ربكم} أي المحسن إليكم، فإن اتبعتم رسوله قبلتم إحسانه، فتمت نعمته عليكم، ولهذا سبب عن ذلك قوله: {فآمنوا}. ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق توعداً لهم: إن تؤمنوا يكن الإيمان {خيراً لكم}، عطف عليه قوله: {وإن تكفروا} أي تستمروا على كفرانكم، أو تجددوا كفراً، يكن الكفران شراً لكم، أي خاصاً ذلك الشر بكم، ولا يضره من ذلك شيء، ولا ينقصه من ملكه شيئاً، كما أن الإيمان لم ينفعه شيئاً ولا زاد في ملكه شيئاً, لأن له الغنى المطلق، وهذا معنى قوله: {فإن لله} أي الكامل العظمة {ما في السماوات والأرض} فإنه من إقامة العلة مقام المعلول، ولم يؤكد بتكرير "ما" وإن كان الخطاب مع المضطربين، لأن قيام الأدلة أوصل إلى حد من الوضوح بشهادة الله ما لا مزيد عليه، فصار المدلول به كالمحسوس. ولما كان التقدير: فهو غني عنكم، وله عبيد غيركم لا يعصونه، وهو قادر على تعذيبكم بإسقاط ما أراد من السماء، وخسف ما أراد من الأرض وغير ذلك، وكان تنعيم المؤالف وتعذيب المخالف وتلقي النصيحة بالقبول دائراً على العلم وعلى الحكمة التي هي نتيجة العلم والقدرة قال: {وكان الله} أي الذي له الاختصاص التام بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً مع أن له جميع الملك {عليماً} أي فلا يسع ذا لب أن يعدل عما أخبر به من أن أمر هذا الرسول حق إذ هو لم يخبر به إلا عن تمام العلم، ولا يخفى عليه عاص ولا مطيع {حكيماً *} فلا ينبغي لعاقل أن يضيع شيئاً من أوامره لأنه لم يضعها إلا على كمال الأحكام، فهو جدير بأن يحل بمخالفه أي انتقام، ويثيب من أطاعه بكل إنعام. ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم، وكان ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره، وغلا في شأنه اليهود بخفضه، والنصارى برفعه؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه فقال: {يا أهل الكتاب} أي عامة {لا تغلوا في دينكم} أي لا تفرطوا في أمره، فتجاوزوا بسببه حدود الشرع وقوانين العقل {ولا تقولوا على الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول {إلا الحق} أي الذي يطابقه الواقع، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة، فقد أغرق في الباطل، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات، ولا تكلم هو في المهد، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة، ولا قدر على إحياء الموتى، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه، وذلك منافٍ للحكمة، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه، ومن قال: إن الله أو ابن الله، فهو أبطل وأبطل، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله، فلم يصلح للإلهية، وذلك أبطل الباطل. ولما ادعى اليهود أنه غير رسول، والنصارى أنه إله، حسن تعقيبه بقوله: {إنما المسيح} أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام بدهن القدس، لما فيه من صلاحية الإمامة، وهو أهل أيضاً لأن يمسح الناس ويطهرهم. لما له من الكرامة، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر، وكان قد يوصف به غيره بيّنه بقوله: {عيسى} ثم أخبر عنه بقوله: {ابن مريم} أتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى {رسول الله} لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود. ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر، جعل نفس الكلمة فقال: {وكلمته} لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل، كوناً خارقاً للعوائد {ألقاها} أي تشريفاً بقوله: {وروح} أي عظيمة نفخها فيما تكّون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة، لا بمادة من ذكر، والروح هو النفخ في لسان العرب، وهو كالريح إلا أنه أقوى، بما له من الواو والحركة المجانسة لها، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد، وأكمل شرفه بقوله: {منه} أي وإن كان جبرئيل هو النافخ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل: روح، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن. ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله: {فآمنوا بالله} أي الذي لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى شيء {ورسله} أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة، من غير إفراط ولا تفريط، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر. ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال: {ولا تقولوا} أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {ثلاثة} أي استمروا أيها اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى، ولا تقولوا: إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله واحد، لأن ذلك بديهي البطلان، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم، فهما اثنان لا غير، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه. ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً في صيغة الأمر بقوله: {انتهوا} أي عن التثليث الذي نسبتموه إلى الله بسببه، وعن كل كفر، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير: إن تنتهوا يكن الانتهاء {خيراً لكم}. ولما نفى أن يكون هو الله، كما تضمن قولهم، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {إنما الله} أي الذي له الكمال كله؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية، لا من حيث الذات قال: {إله واحد} أي لا تعدد فيه بوجه. ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره، فنزهه عما قالوه فقال: {سبحانه} أي تنزه وبعد بعداً عظيماً وعلا علواً كبيراً {أن} أي عن أن {يكون له ولد} أي كما قلتم أيها النصارى! فإن ذلك يقتضي الحاجة، ويقتضي التركيب والمجانسة، فلا يكون واحداً؛ ثم علل ذلك بقوله: {له} أي لأنه إله واحد لا شريك له له {ما في السماوات} وأكد لأن المقام له فقال: {وما في الأرض} أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما ولا إلى شيء متحيّز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود. ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما وما فيهما، لأن الأرض في السماء، وكل سماء في التي فوقها، والسابعة في الكرسي، والكرسي في العرش، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك، وذلك هو وظيفة الوكيل بالحقيقة ليكفي من وكله كل ما يهمه؛ كان كأنه قيل: وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في تدبير مصالحكم، فبنى عليه قوله: {وكفى بالله} أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة {وكيلاً *} أي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج هو إلى شيء، وإلا لما كان كافياً.
القشيري
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ}: أخبر أنه سبحانه غني عنهم، فإنْ آمنوا فحظوظ أنفسهم اكتسبوها وإن كفروا فَبَلاَيَاهُم لأنفسهم اجتلبوها. والحقُّ - تعالى - مُنَزَّه الوصف عن (الجهل) لوفاق أحدٍ، والنقص لخلاف أحد. قوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يعني إن خرجوا عن استعمال العبودية - فعلاً، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده - خلْقاً، قال تعالى: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم: 93].
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الناس} خطاب لعامة الخلق {قد جاءكم الرسول} يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ملتبسا {بالحق} وهو القرآن المعجز الذى شهد اعجازه على حقيته او بالدعوة الى عبادة الله وحده والاعراض عما سواه فان العقل السليم يشهد على انه الحق {من} عند {ربكم} متعلق بجاء اى جاء من عند الله وانه مبعوث مرسل غير متقول له {فآمنوا} بالرسول وبما جاءكم به من الحق والفاء للدلالة على ايجاب ما قبلها لما بعدها {خيرا لكم} منصوب على انه مفعول لفعل واجب الاضمار اى اقصدوا او ائتوا امرا خيرا لكم مما انتم فيه من الكفر او على انه نعت لمصدر محذوف اى آمنوا ايمانا خيرا لكم وهو الايمان باللسان والجنان {وان تكفروا} اى ان تصروا وتستمروا على الكفر {فان لله ما فى السموات والارض} من الموجودات سواء كانت داخلة فى حقيقتهما وبذلك يعلم حال انفسهما على ابلغ وجه وآكده او خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل فى جملتهم المخاطبون دخولا اوليا اى كلها له عز وجل خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شىء منها فمن هذا شأنه فهو قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة او فمن كان كذلك فهو غنى عنكم وعن غيركم لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بايمانكم او فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لامره {وكان الله عليما} مبالغا فى العلم فهو عالم باحوال الكل فيدخل فى ذلك علمه تعالى بكفرهم دخولا اوليا {حكيما} مراعيا للحكمة فى جميع افعاله التى من جملتها تعذيبه تعالى اياهم بكفرهم. واعلم ان النبى صلى الله عليه وسلم صورة النور الغيبى المرسل الى الاجساد فمن كان قابلا لافاضة نور دعوته فقد اهتدى ومن اخطأ فقد ضل. واتفق المشايخ على ان من ألقى زمامه فى يد كلب مثلا حتى لا يكون تردده بحكم طبعه فنفسه اقوم لقبول الرياضة ممن جعل زمامه فى حكم نفسه يسترسل بها حيث شاء كالبهائم فلما تيقنت ان الواجب عليك ان تكون تابعاً لا مسترسلا فلان تتبع سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم الذى آدم ومن دونه من الاولياء والانبياء تحت لوائه خير لك بل واجب عليك وما اعظم حماقة من يحتاط بقول المنجم فى الاختلاج والفال وينقاد الى الاحتمالات البعيدة ثم اذا آل الامر الى خبر النبوة عن الغيب انكر فلا ترض لنفسك ان تصدق ابن البيطار فيما ذكره فى العقاقير والاحجار فتبادر الى امتثال ما امرك به ولا تصدق سيد البشر صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عنه وتتوانى بحكم الكسل عن الاتيان بما امر به او فعل. واعلم انك لما اخرجك الله من صلب آدم فى مقام ألست رددت الى اسفل السافلين ثم منه دعيت لترتفع بسعيك وكسبك الى اعلى عليين حيث ما قدر لك على حسب قابليتك ولا يمكنك ذلك الا بأمرين. احدهما بمحبته صلى الله عليه وسلم بان تؤثر حبه على نفسك واهلك ومالك. والثانى بمتابعه صلى الله عليه وسلم فى جميع ما امر به ونهى عنه وبذلك تستحكم مناسبتك به وبكمال متابعتك يحصل لك الارتفاع الى اوج الكمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل اتى قوما فقال يا قوم انى رأيت الجيش بعينى ". تفسير : فيه اشارة الى ان هذا المثل مختص بالنبى عليه السلام لان ما انذر به من الاهوال هى التى رآها بعينيه واما سائر الانبياء عليهم السلام فلم يكن لهم معراج ظاهر حتى يعاينوا تلك الاهوال "حديث : وانى انا النذير " .تفسير : وهو الذى يخوف غيره بالاعلام "حديث : العريان " .تفسير : وهو الذى لقى العدو فسلبوا ما عليه من الثياب فاتى قومه يخبرهم فصدق بعضهم لما عليه من آثار الصدق فنجوا وهذا القول مثل يضرب لشدة الامر وقرب المحذور وبراءة المخبر من التهمة والكل موجود فى النبى عليه السلام "حديث : فالنجاء " .تفسير : بالمد نصب على الاغراء اى اطلبوا النجاء وهو الاسراع "حديث : فاطاعه طائفة من قومه فادلجوا " .تفسير : اى ساروا من اول الليل "حديث : فانطلقوا على مهلهم " .تفسير : وهو بفتح الميم والهاء ضد العجلة "حديث : وكذبت طائفة منهم فاصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش " .تفسير : اى تاهم صباحا ليغير عليهم "حديث : فاهلكهم واجتاحهم " .تفسير : اى اهلكم بالكلية "حديث : فذلك " .تفسير : اى المثل المذكور وهذا بيان لوجه المشابهة "حديث : مثل من اطاعنى واتبع ما جئت به من الحق " .تفسير : وفيه اشارة الى ان مطلق العصيان غير مستأصل بل العصيان مع التكذيب بالحق كذا فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله تعالى: قال السعدى قدس سره شعر : خلاف بيمبركسى ره كزيد كه هركز بمنزل نخواهد رسيد محالست سعدى كه راه صفا توان رفعت جز دربى مصطفا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {فآمنوا خيرًا لكم}، و {انتهوا خيرًا لكم}: قال سيبويه: هو منصوب بفعل مضمر، تقديره: وائتوا خيرًا لكم، وقال الخليل: منصوب بآمنوا وبانتهوا على المعنى. أي: اقصدوا. وقال الفراء صفة لمصدر، أي: آمنوا إيمانًا خيرًا لكم. وقال بعض الكوفيين: هو خبر كان المحذوفة، وتقديره: ليكن الإيمان خيرًا لكم. قلت: وهو أظهر من جهة المعنى، وإن منعه البصريون، قالوا: لأنَّ {كان} لا تحذف مع اسمها إلا في مواضع مخصوصة، قال ابن مالك: شعر : ويَحذِفُونَها ويُبقُون الخبَر وبَعدَ إن، ولو، كثِيرًا ذا اشتَهر تفسير : ولعل هذا الموضع أتى على غير المشهور تنبيهًا على الجواز. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم، {فأمنوا به} يكن {خيرًا لكم} مما أنتم فيه من الضلال، {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض} وما تركبتا منه، ملكًا وخلقًا وعبيدًا، فهو غني عنكم، لا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بإيمانكم، {وكان الله عليمًا} بأحوالكم، {حكيمًا} فيما دبر لكم. الإشارة: الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو إتقان مقام الإسلام، وتصحيح مقام الإيمان، الذي من أركانه: الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وتحقيق مقام الإحسان الذي هو مقام الشهود والعيان، لا يكمل هذا إلا بصحبة أهل العرفان، الذين صححوا مقام الفناء، وخرجوا إلى البقاء خاضوا بحار التوحيد، وانفردوا بأسرار التفريد، ورسخ فيه مقام الرضى والتسليم، فتلقوا المقادير كلها بقلب سليم، فمن لم يصحبهم ويتأدب بآدابهم بقي إيمانه ناقصًا، وحقه العذاب، فكأن الحق ـ تعالى ـ يقول على لسان الإشارة: قد جاءكم وليي، وهو خليفة رسولي، فآمنوا بخصوصيته، وأذعنوا لأمره وتربيته، يكن خيرًا لكم مما أنتم فيه من المساوىء والأمراض، لئلا تلقوني بقلب سقيم، وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : خاطب الله بهذه الآية جميع الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من مشركي العرب، وجميع اصناف الكفار، وبين انه قد جاءهم الرسول - يعني محمد (صلى الله عليه وآله) - بالحق من ربكم - يعني بالاسلام الذي ارتضاه الله لعباده ديناً من ربكم. يعنى من عند ربكم {فآمنوا خيراً لكم} معناه صدقوه وصدقوا ما جاءكم به من عند ربكم من الدين فان الايمان بذلك خير لكم من الكفر {وإن تكفروا} اي تجحدوا نبوته وتكذبوا رسالته وبما جاء به من عند الله فان ضرر ذلك يعود عليكم دون الله تعالى الذي له ملك السماوات، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من امره، وعصيانكم فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئاً. {وكان الله عليماً} بما انتم صائرون اليه من طاعته أو معصيته {حكيماً} في امره اياكم ونهيه عما نهاكم عنه وفي غير ذلك من تدبيره فيكم، وفي غيركم من خلقه. [الاعراب]: واختلفوا في نصب {خيراً لكم} فقال الخليل، وجميع البصريين: إن ذلك محمول على المعنى، لانك إذا قلت: انته خيراً لك، فانت تدفعه عن امر، وتدخله في غيره، كانك قلت: انته وات خيراً لك، وادخل فيما هو خير لك وانشد الخليل وسيبويه قول عمر بن ابي ربيعة: شعر : فواعديه سرحتي ما لك او الربا بينهما اسهلا تفسير : وتقديره وأنني مكاناً اسهلا وقال الكسائي: انتصب بخروجه من الكلام. قال: وهذا تفعله العرب في الكلام التام، نحو قولك لتقو من خيراً لك، وانته خيراً لك، فاذا كان الكلام ناقصاً، لم يخبر غير الرفع تقول: ان تنته خير لك، وان تصبروا خير لكم. وقال الفراء انتصب ذلك لانه متصل بالامر وهو من صفته. الا ترى انك، تقول: انته هو خير لك؟ فلما اسقطت هو اتصل بما قبله، وهو معرفة فانتصب وقال ابو عبيدة: انتصب ذلك على اضمار كان، كانه قال: فامنوا يكن الايمان خيراً لكم. قال: وكذلك كل امر ونهي قال الفراء: يلزم على ذلك ما يبطله. ألا ترى انك تقول: اتق الله تكن محصناً، ولا يجوز ان تقول: اتق الله محسناً باضمار كان، ولا يصلح ان تقول: انصرنا اخانا، وانت تريد تكن اخانا. وقال قوم. انتصب ذلك بفعل مضمر اكتفى في ذلك المضمر بقوله: لا تفعل ذلك وافعل صلاحا لك.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ} اى بولاية علىٍّ (ع) فانّها الحقّ وكلّ ما سواها حقّ بها كما مضى {مِن رَّبِّكُمْ} فلا تبالوا بمن كفر به ولا تتّبعوه {فَآمِنُواْ} بهذا الحقّ او بالرّسول فيما قال فى حقّ هذا الحقّ واتّبعوا {خَيْراً لَّكُمْ} او ايماناً خيراً لكم او حال كونه خيراً لكم او يكن خيراً لكم {وَإِن تَكْفُرُواْْ} بهذا الحقّ لا تخرجوا من حيطة قدرته وتصرّفه ولا يهملكم من غير عقوبةٍ وجزاءٍ {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} لا يهملكم بل يجزيكم بما يقتضى حكمته.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: خطاب للناس كلهم العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، وقيل: المراد هنا أهل مكة. {قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ}: بالحق حال من الرسول، أى ملتبسا بالحق، فالباء للمصاحبة أو متعلق بجاء، فالباء للسببية، ومن ربكم حال من الحق لا متعلق بجاء، لأن الله سبحانه لا يحده مكان يجىء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الا على تقدير جاءكم من أمره، فيجوز حينئذ تعليقه بجاء، والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والحق دين الاسلام أو القرآن أو الدعاء الى الله. {فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ}: قال الفراء: أى ايمانا خيرا لكم من الايمان الذى دونه، ومن الشرك والايمان الذى هو أفضل لهم الايمان باللسان والقلب، واتباع الجوارح، وأما الايمان باللسان فلو ادعوا أن فيه فضلا لكن لا ينفعهم فى الآخرة، وكذا الشرك زعموا أن فيه فضلا، ولكن لا فضل فيه عند التحقيق، وعند بادىء النظر، أو خرج خبرا عن التفضيل، أو هو بمعنى منفعة أو أريد بآمنوا ذلك الايمان التام ووصفه بخير أتى كبيرا أو الثناء على الايمان. وقال الكوفيون: خيرا خير لكون محذوف، أى لكن الايمان خيرا لكم، وفيه تكلف حذف الكون واسمه بلا تقدم، أن ولو الشرطيتين ولا سيما أن اسمه غير مستتر فيه، فيكثر الحذف، وانما قالوا: غير مستتر وقدروه ظاهرا لأن الأصل أن لا يستتر، ويعود الى مصدر الفعل قبل، أى يكن هو أى الايمان والكون المقدر مجزوم فى جواب الأمر، والصحيح فى جواب الأمر أنه مجزوم لشرط محذوف صناعى مقدر، لا كما قيل غير صناعى، فيكون فى ذلك حذف الشرط والجواب والأداة، اللهم الا أن يقال: يجعل الأمر كالنائب عنه، وقال البصريون: مفعول محذوف أى ايتوا خيرا لكم، والجملة بدل من آمنوا لما أمرهم بالايمان أخبرهم بأنه خير لهم. {وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}: أى فكفركم وبال عليكم، ولا يصله منه ضر، ولا من ايمان من آمن نفع، لأن لله ما فى نفس السماوات والأرض من الأجزاء، وما فيهما من غيرهما. {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً}: بخلقه وأحوالهم. {حَكِيماً}: فى صنعه الذى دبره لهم، فلا يخفى عنه كفرهم ولا ايمانهم، ولا يهمل ثوابهم ولا عقابهم ولا بعض ذلك.
اطفيش
تفسير : {يَآ أيُّهَا النَّاسُ} أهل مكة، كما هو معتاد فى يا أيها الناس، ويدخل غيرهم قياسا ومن خارج، أو المراد الكفار مطلقا، أو كل الناس، وهو أولى لعمومه {قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ} محمد صلى الله عليه وسلم {بِالْحَقِّ مِن رَّبِكُمْ} القرآن وسائر ما ينزل عليه بالحق، بتعلق بجاء، أو بالرسول أو المراد ملتبساً بالحق، أو يجعل الحق جاثيا، أو بسبب إقامة الحق هو التوحيد ودين الإسلام والقرآن، ومن ربكم يتعلق بجاء، أو بالرسول، أو حال عن الحق، والمعانى تختلف بذلك، وحاصلها واحد {فَأَمِنُوا} أى بربكم أو بالحق أو بالرسول {خَيْراً لَّكُمْ} أى إيماناً خيراً، أى نافعاً، أو إيماناً أفضل من غيره، لأن الكفرة يدعون أن فى الكفر خيراً، أو صفة مؤكدة، وفيه أن أصل التوكيد لمذكور، لا لمحذوف وأيضا لأهل الكتاب إيمان ببعض كالبعث، إلا أنه دون الإيمان الكلى، أو يكن الإيمان خيراً، أو أقصدوا خيراً، أو افعلوا خيراً، أو ائتوا خيراً، ولا تكلف فى حزمه على الجواب، كما مر، لأنه ولو كان المعنى، إن آمنتم يكن الإيمان خيراً بحذف الشرط والجواب، لأن ذلك كشىء يقصد معناه ولا يعتبر لفظه {وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ} أى فهو غنى عن إيمانكم، لأن لله ما فى السماوات والأرض، لا يضره كفركم ولا ينفعه إيمانكم، أو فهو قادر على تعذيبكم، لأن لله الخ، أو فقد كابرتم عقولكم،لأن لله الخ ما يدل على ثبوت ما نفيتم {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً} بكل شىء، ومنها أحوالكم {حَكِيماً} فى كل ما يفعله ومنها تعذيبكم.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب لجميع المكلفين بعد أن حكى سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم تعلل اليهود بالأباطيل واقتراحهم الباطل تعنتاً، ورد جل شأنه عليهم بما رد وأكد ذلك بما أكد، وفي توجيه الخطاب إليهم وأمرهم بالإيمان مشفوعاً بالوعد والوعيد بعد تنبيه على أن المحجة قد وضحت والحجة قد لزمت فلم يبق لأحد عذر في القبول، وقيل: الخطاب لأهل مكة لأن الخطاب ـ بيا أيها الناس ـ أينما وقع لهم، ولا يخفى أن التعميم أولى، وما ذكر في حيز الاستدلال وإن روى عن بعض السلف أغلبـي، وقيل: هو للكفار مطلقاً إبقاءاً للأمر على ظاهره، ولم يحتج إلى حمله على ما يعم الأحداث والثبات. {قَدْ جَاءكُمُ ٱلرَّسُولُ} يعني به محمداً صلى الله عليه وسلم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته {بِٱلْحَقّ} أي متلبساً به، وفسر بالقرآن. وبدين الإسلام. وبشهادة التوحيد، وجوز أن تكون الباء للتعدية أو للسببية متعلقة ـ بجاء ـ أي جاءكم بسبب إقامة الحق، وقوله سبحانه: {مِن رَّبّكُمْ} متعلق إما بالفعل أيضاً، أو بمحذوف وقع حالاً من (الحق)؛ أي جاءكم به من عند الله تعالى، أو كائناً منه سبحانه، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغهم إلى كمالهم اللائق بهم ترغيباً لهم في الامتثال لما بعد من الأمر كما أن في ذكر الجملة تمهيداً لما يعقبها من ذلك؛ وقيل: إنها تكرير للشهادة وتقرير للمشهود به وتمهيد لما ذكر. {فَـئَامِنُواْ} أي بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الحق، والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها، وقوله سبحانه: {خَيْراً لَّكُمْ} منصوب بفعل محذوف وجوباً تقديره وافعلوا أو ائتوا خيراً لكم، وإلى هذا ذهب الخليل وسيبويه، وذهب الفراء إلى أنه نعت لمصدر محذوف أي إيماناً خيراً لكم، وأورد عليه أنه يقتضي أن الإيمان ينقسم إلى خير وغيره ودفع بأنه صفة مؤكدة، وأن مفهوم الصفة قد لا يعتبر، وعلى القول باعتباره قد يقال: إن ذكره تعريض بأهل الكتاب فإن لهم إيماناً ببعض ما يجب الإيمان به كاليوم الآخر مثلاً إلا أنه ليس خيراً حيث لم يكن على الوجه المرضي. وذهب الكسائي وأبو عبيدة إلى أنه خبر كان مضمرة، والتقدير يكن الإيمان خيراً لكم، ورد بأن كان لا تحذف مع اسمها دون خبرها إلا في مواضع اقتضته، وأن المقدر جواب شرط محذوف فيلزم حذف الشرط وجوابه إذ التقدير إن تؤمنوا يكن الإيمان خيراً، وأجيب بأن تخصيص حذف كان واسمها في مواضع لا يسلمه هذا القائل؛ وبأن لزوم حذف الشرط وجوابه مبني على أن الجزم بشرط مقدر، وإن قلنا: بأنه بنفس الأمر وأخواته كما هو مذهب لبعض النحاة لم يرد ذلك، ونقل مكي عن بعض الكوفيين أنه منصوب على / الحال وهو بعيد. {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على أبلغ وجه وآكده، أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم ويدخل في ذلك المخاطبون دخولاً أولياً أي كل ذلك له تعالى خلقاً وملكاً وتصرفاً، ولا يخرج من ملكوته وقهره ذرة فما دونها، والجملة دليل الجواب أقيم مقامه لأن مضمونها مقرر قبل كفرهم فلا يصلح للجواب، والتقدير وإن تكفروا فهو سبحانه قادر على تعذيبكم بكفرهم لأن له جل شأنه ما في السماوات والأرض، أو فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، وقال بعضهم: التقدير وإن تكفروا فقد كابرتم عقولكم فإن لله سبحانه ما له مما يدل على ما ينافي حالكم واعتقادكم فكيف يتأتى الكفر به مع ذلك، وقيل: التقدير وإن تكفروا فإن عبيداً غيركم لا يكفرون بل يعبدونه وينقادون لأمره ولا يخلو عن بعد. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بأحوال كل ويدخل في ذلك كفرهم دخولاً أولياً {حَكِيماً} في جميع أفعاله وتدبيراته، ويدخل في ذلك كذلك تعذيب من كفر.
ابن عاشور
تفسير : بعد استفراغ الحِوار مع أهل الكتاب، ثُمّ خطاب أهل الكفر بما هو صالح لأن يكون شاملاً لأهل الكتاب، وجّه الخطاب إلى النّاس جميعاً: ليكون تذييلاً وتأكيداً لما سبقه، إذ قد تهيَّأ من القوارع السالفة ما قامت به الحجَّة، واتّسعت المحَجَّة، فكان المقام للأمر باتّباع الرسول والإيمان. وكذلك شأن الخطيب إذا تهيّأت الأسماع، ولانت الطباع. ويسمَّى هذا بالمقصد من الخطاب، وما يتقدّمه بالمقدّمة. على أنّ الخطاب بيأيُّها النّاس يعني خصوص المشركين في الغالب، وهو المناسب لقوله: {فآمنوا خيراً لكم}. والتعريف في {الرسول} للعهد، وهو المعهود بين ظهرانيهم. (والحقّ) هو الشريعة والقرآن، و{من ربّكم} متعلّق بـــ {جاءكم}، أو صفة للحقّ، و(من) للابتداء المجازي فيهما، وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين ترغيب لهم في الإيمان لأنّ الذي يجيء مهتمّاً بناس يكون حقّاً عليهم أن يتّبعوه، وأيضاً في طريق الإضافة من قوله {ربّكم} ترغيب ثان لما تدلّ عليه من اختصاصهم بهذا الدّين الذي هو آت من ربّهم، فلذلك أتي بالأمر بالإيمان مفرّعاً على هاته الجمل بقوله: {فآمنوا خيراً لكم}. وانتصب {خيراً} على تعلّقه بمحذوف لازم الحذف في كلامهم لكثرة الاستعمال، فجَرى مجرى الأمثال، وذلك فيما دلّ على الأمر والنهي من الكلام نحو {أية : انْتهوا خيراً لكم} تفسير : [النساء: 171]، ووراءك أوسعَ لك، أي تأخّر، وحسبك خيراً لك، وقول عمر بن أبي ربيعة:شعر : فواعديه سَرْحَتَيْ مالِك أو الرّبى بينهما. أسْهَلا تفسير : فنصبه ممّا لم يُخْتَلف فيه عن العرب، واتّفق عليه أيمّة النحو، وإنَّما اختلفوا في المحذوف: فجعله الخليل وسيبويه فعلا أمراً مدلولاً عليه من سياق الكلام، تقديره: ايت أو اقصد، قالا: لأنّك لمّا قلت له: انته، أو افعل، أو حسبُك، فأنتَ تحمله على شيء آخر أفضل له. وقال الفرّاء من الكوفيّين: هو في مثله صفة مصدر محذوف، وهو لا يتأتّى فيما كان منتصباً بعد نهي، ولا فيما كان منتصباً بعد غير متصرّف، نحو: وراءَك وحسبُك. وقال الكسائي والكوفيّون: نصب بكان محذوفة مع خبَرها، والتقدير: يكن خيراً. وعندي: أنّه منصوب على الحال من المصدر الذي تضمّنه الفعل، وحْدَه، أو مع حرف النهي، والتقدير: فآمنوا حال كون الإيمان خيراً، وحسبك حال كون الاكتفاء خيراً، ولا تفعل كذا حال كون الانتهاء خيراً. وعود الحال إلى مصدر الفعل في مثله كعود الضمير إليه في قوله: {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]، لا سيما وقد جرى هذا مجرى الأمثال، وشأن الأمثال قّوة الإيجاز. وقد قال بذلك بعض الكوفيين وأبو البقاء. وقوله {وإن تكفروا} أريد به أن تبقوا على كفركم. وقوله: {فإنّ لله ما في السمٰوات الأرض} هو دليل على جواب الشرط، والجواب محذوف لأنّ التقدير: إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عن إيمانكم لأنّ لله ما في السمٰوات وما في الأرض، وصرّح بما حذف هُنا في سورة الزمر (7) في قوله تعالى: {أية : إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم} تفسير : وفيه تعريض بالمخاطبين، أي أنّ كفركم لا يفلتكم من عقابه، لأنَّكم عبيده، لأنّ له ما في السماوات وما في الأرض.
القطان
تفسير : بعد أن أقام الله تعالى الحجّةَ على أهل الكتاب وردَّ شبهاتِهم جاء هنا بهذه الدعوة الشاملة لجميع الناس: إن هذا الرسولَ الكريم جاءكم بالدين الحق من عند ربكم، فمن آمن منكم فقد اهتدى الى الصراط المستقيم، وذلك أفضلُ لصالحكم، فاللهُ غنيٌّ عنكم جميعاً، له ما في السماوات والارض، وهو يعلم الأمر كلَّه ويجريه وفق حكمته.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {فَآمِنُواْْ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (170) - بَعْدَ أنْ أقَامَ اللهُ سُبْحَانَهُ الحُجَّةَ عَلَى أهْلِ الكِتَابِ، وَرَدَّ شُبُهَاتِهِمْ، وَاقْتِرَاحَاتِهِم التِي اقْتَرَحُوهَا تَعَنُّتاً وَعِنَاداً، خَاطَبَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَأمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، وَشَفَعَهُ بِالوَعْدِ عَلَى عَمَلِ الخَيْرِ، وَالوَعِيدِ عَلَى الكُفْرِ وَعَمَلِ السُّوءِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِ، بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَالبَيانِ الشَّافِي مِنَ اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَأنْ يَتَّبِعُوهُ، لأنَّ فِي ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: أما إذا أصْرَرْتُمْ عَلَى الكُفْرِ، أنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وَعَنْ إيْمَانِكُمْ، وَلاَ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ، لأنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَهُمْ جَمِيعاً خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ، وَهُوَ أعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغِوَايَةَ فَيُضِلُّهُ وَيُغْوِيهِ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فبعد أن وصف لنا - بإيجاز محكم - سلسلة المعارك التي نشأت بين الرسول واليهود مرة، ومرة أخرى بينه وبين المشركين، وها هوذا سبحانه يخاطب الناس جميعاً، ليصفي مركز منهج الله في الأرض، فيقول منبهاً كل الناس: لقد جاءت رسالة محمد عليه الصلاة والسلام تصفية لكل الرسالات التي سبقت، وعلى الناس جميعاً أن يميزوا، ليختاروا الحياة الإيمانية الجديدة؛ لأن الرسول قد جاء بالنور والبرهان، الذي يرجح ما هو عليه صلى الله عليه وسلم على ما هم عليه، والنور الذي يهديهم سواء السبيل. لقد كان الناس قبل رسول الله على مِلَلٍ وعلى أديان ونحل شتى، فجاء البرهان بأن الإسلام قد جاء ناسخاً وخاتماً. والبرهان هو تعاليم هذا الدين وأدلته، فلا حجة لأحد أن يتمسك بشيء مما كان عليه. وجاء محمد بالنور الذي يهدي الإنسان إلى سواء السبيل، وهذه تصفية عقدية شاملة، أو كما نقول بالعامية "أوكازيون إيماني" تتخلص به البشرية من كل ما يشوب عقائدها، ولتبدأ مرحلة جديدة. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ} والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير مهما تغيرت عليه الظروف؛ لأن الحق صدق له لون واحد، فإذا ما رأيتم جميعاً حادثة واحدة، ثم جاء كل واحد منكم فأخبر بها إخبار صدق فلن تختلف رواية الحادثة من واحد لآخر. أما إن سولت نفس بعض الناس لهم أن يتزيدوا في الحادثة فكل واحد سيحكي الحادثة على لون مختلف عن بقية الألوان، وقد يسافر خيال أحدهم في شطحة الكذب ويسترسل فيه. إذن فالذي لا يتغير في الحق هو أن يحكوا جميعاً الرواية الواحدة بصدق ولو كانوا ملايين الناس، لكن إن سولت نفوس بعضهم الكذب وحسنته له وأغرته به لاختلفت الرواية؛ لأن الكذب مشاع أوهام ولا حقيقة له. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: لقد جاءكم الرسول بالحق مهما تغيرت الظروف والأحوال، ومهما جئتم إليه من أي لون، سواء في العقديات أو في العباديات أو في الأخلاق أو في السلوك. وستجدون كل شيء ثابتاً لأنّه الحق. ويضرب الحق سبحانه وتعالى لنا مثلاً في هذا الحق: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الرعد: 17] كل وادٍ يأخذ ماء على قدر حجمه، وساعة ينزل السيل من الجبال يحمل معه التراب والقش والأشياء التي لا لزوم لها، وهو ما نسميه "الريم" وهو الزَّبَد الرابي. وكذلك الحديد أو النحاس أو الذهب الذي نصنع منه الحلي أو أدوات المتاع، وعندما نضع هذه المعادن في النار، نجد الزِّبَد يفور على سطح هذه المعادن عندما تنصهر، وتسمى هذه الأشياء الخبث. ويوضح الحق لنا كيف يضرب الحق والباطل. {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الرعد: 17] ومهما اختلطت بالحق أشياء فهو كحق يبعد ويطرد هذه الفقاقيع والخبث وينحيها عنه. فإن علا الباطل يوماً على الحق فلنعلم أنه علو الزَّبَد الذي يذهب جفاء مرميا به ومطروحا، وسيظل الحق هو الحق. وسبحانه يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ}. والإيمان هو اعتناق العقيدة بوجود الإله الأعلى، والبلاغ عنه بواسطة الرسل، وأن للحق ملائكة، وأن هناك بعثاً بعد الموت، وحساباً. ويقتضي الإيمان أن نعمل العمل وَفق مقتضياته وذلك هو اختيار الخير، ولنعلم جيداً أن الإيمان لا ينفصل عن العمل. وماذا يحدث لو لم يؤمن الناس؟ ها هوذا الحق يقول: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} وسبحانه غني، وسيظل كَونُه الثابتُ - بنظرية القهر والتسخير - هو كونه، ولن يتغير شيء في الكون بكفر الكافرين، سوى سخط الكون عليهم لأنه مسخر لهم؛ لأن الكون ملك لله، ولن تتغير السماء ولا النجوم ولا القمر ولا المطر ولا أي شيء. ونقول لك: لو نظرت إلى الدنيا لوجدت الفساد فيها ناشئاً مما فعلته وأحدثته يد الإنسان على غير منهج الله، أما الشيء الذي لم تدخل فيه يد الإنسان فهو لا يفسد، ولم نر يوماً الشمس وقد عصيت عن الشروق أو الغروب، وكذلك القمر لم تختل حركته، وكذلك النجوم في الأفلاك، وتسير الرياح بأمر خالقها، وكل شيء في الكون منتظم الحركة، اللهم إلا الأشياء التي يتدخل فيها الإنسان، فإذا كان قد دخلها بمواصفات منهج الله فهي منسجمة مع نفسها ومع الكون، وإن دخلها بغير مواصفات منهج الله فلن تستقيم، بل تفسد. ولذلك قال الحق: {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الرعد: 11] إن الأمر الفاسد إنما يأتي من داخل نفوس البشر عندما يضلون عن منهج الله، ولذلك نقول: أشَكى الناس أزمة ضوء؟. لا؛ لأن الشمس ليست في متناولنا، وكذلك لم يشك الناس أزمة هواء، لكنهم يشكون أزمة طعام؛ لأن الطعام ينبت من الأرض، فإما أن يكسل الإنسان مثلاً فلا يعمل، وإما أن يعمل ويخرج ثمراً فيأخذه بعضهم ويضنوا ويبخلوا ولا يعطوه لغيرهم، وهذا سبب من أسباب الفساد الناشئ في الكون. وجاء الحق لهم بما يمكن أن يكون فتحاً يدخلون فيه بالإيمان بمنهج الرسول الخاتم، ويكفرون عن أخطائهم مع أنبيائهم ومع محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى جميع الناس أن يؤمنوا بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر السبب الموجب للإيمان به، والفائدة في الإيمان به، والمضرة من عدم الإيمان به، فالسبب الموجب هو إخباره [ ص 216 ] بأنه جاءهم بالحق.أي: فمجيئه نفسه حق، وما جاء به من الشرع حق، فإن العاقل يعرف أن بقاء الخلق في جهلهم يعمهون، وفي كفرهم يترددون، والرسالة قد انقطعت عنهم غير لائق بحكمة الله ورحمته، فمن حكمته ورحمته العظيمة نفس إرسال الرسول إليهم، ليعرفهم الهدى من الضلال، والغي من الرشد، فمجرد النظر في رسالته دليل قاطع على صحة نبوته. وكذلك النظر إلى ما جاء به من الشرع العظيم والصراط المستقيم. فإن فيه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، والخبر عن الله وعن اليوم الآخر -ما لا يعرف إلا بالوحي والرسالة. وما فيه من الأمر بكل خير وصلاح، ورشد وعدل وإحسان، وصدق وبر وصلة وحسن خلق، ومن النهي عن الشر والفساد والبغي والظلم وسوء الخلق، والكذب والعقوق، مما يقطع به أنه من عند الله. وكلما ازداد به العبد بصيرة، ازداد إيمانه ويقينه، فهذا السبب الداعي للإيمان. وأما الفائدة في الإيمان فأخبر أنه خير لكم والخير ضد الشر. فالإيمان خير للمؤمنين في أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم ودنياهم وأخراهم. وذلك لما يترتب عليه من المصالح والفوائد، فكل ثواب عاجل وآجل فمن ثمرات الإيمان، فالنصر والهدى والعلم والعمل الصالح والسرور والأفراح، والجنة وما اشتملت عليه من النعيم كل ذلك مسبب عن الإيمان. كما أن الشقاء الدنيوي والأخروي من عدم الإيمان أو نقصه. وأما مضرة عدم الإيمان به صلى الله عليه وسلم فيعرف بضد ما يترتب على الإيمان به. وأن العبد لا يضر إلا نفسه، والله تعالى غني عنه لا تضره معصية العاصين، ولهذا قال: { فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: الجميع خلقه وملكه، وتحت تدبيره وتصريفه { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } بكل شيء { حَكِيمًا } في خلقه وأمره. فهو العليم بمن يستحق الهداية والغواية، الحكيم في وضع الهداية والغواية موضعهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):