Verse. 664 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَہْلَ الْكِتٰبِ لَا تَغْلُوْا فِيْ دِيْنِكُمْ وَلَا تَقُوْلُوْا عَلَي اللہِ اِلَّا الْحَقَّ۝۰ۭ اِنَّمَا الْمَسِيْحُ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُوْلُ اللہِ وَكَلِمَتُہٗ۝۰ۚ اَلْقٰىہَاۗ اِلٰي مَرْيَمَ وَرُوْحٌ مِّنْہُ۝۰ۡفَاٰمِنُوْا بِاللہِ وَرُسُلِہٖ۝۰ۣۚ وَلَا تَقُوْلُوْا ثَلٰــثَۃٌ۝۰ۭ اِنْـتَھُوْا خَيْرًا لَّكُمْ۝۰ۭ اِنَّمَا اللہُ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ۝۰ۭ سُبْحٰنَہٗۗ اَنْ يَّكُوْنَ لَہٗ وَلَدٌ۝۰ۘ لَہٗ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ وَكَفٰي بِاللہِ وَكِيْلًا۝۱۷۱ۧ
Ya ahla alkitabi la taghloo fee deenikum wala taqooloo AAala Allahi illa alhaqqa innama almaseehu AAeesa ibnu maryama rasoolu Allahi wakalimatuhu alqaha ila maryama waroohun minhu faaminoo biAllahi warusulihi wala taqooloo thalathatun intahoo khayran lakum innama Allahu ilahun wahidun subhanahu an yakoona lahu waladun lahu ma fee alssamawati wama fee alardi wakafa biAllahi wakeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أهل الكتاب» الإنجيل «لا تغلوا» تتجاوزوا الحد «في دينكم ولا تقولوا على الله إلا» القول «الحق» من تنزيهه عن الشريك والولد «إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها» أرسلها الله «إلى مريم وروح» أي ذو روح «منه» أضيف إليه تعالى تشريفا له وليس كما زعمتم ابن الله أو إلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه «فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا» الآلهة «ثلاثة» الله وعيسى وأمه «انتهوا» عن ذلك وأتوا «خيرا لكم» منه وهو التوحيد «إنما الله إله واحد سبحانه» تنزيها له عن «أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض» خلقا وملكا وعبيدا، والملكية تنافي النبوة «وكفى بالله وكيلا» شهيدا على ذلك.

171

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارىلا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى {لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } وقوله {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال. ولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ }. فاعلم أنا فسرنا (الكلمة) في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ } تفسير : [آل عمران: 45] والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 59] أما قوله {وَرُوحٌ مّنْهُ } ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله {مِنْه } التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. الثاني: أنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح. قال تعالى في صفة القرآن {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] الثالث: روح منه أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: {أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } تفسير : [المجادلة: 22] أي برحمة منه، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما أنا رحمة مهداة»تفسير : فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحاً منه. الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله:{مِنْهُ } يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } تفسير : [الأنبياء: 91] الخامس: قوله {رُوحُ } أدخل التنكير في لفظ {رُوحُ } وذلك يفيد التعظيم، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية، وقوله {مِنْهُ } إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم. ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسله } أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً. ثم قال: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى: ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم. وأعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها، وذلك محض الكفر، فلهذا المعنى قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ ٱنتَهُواْ } فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة، فهذا لا يمكن إنكاره، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك، فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث إنا نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه تعالى قادراً أو حياً. المسألة الثانية: قوله {ثَلَـٰثَةً } خبر مبتدأ محذوف، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه الأول: ما ذكرناه، أي ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة. الثاني: قال الزجاج: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون: إن لله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} تفسير : [المائدة: 116] الثالث: قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله {أية : سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ } تفسير : [الكهف: 22] وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله تعالى بهذه العبرة يوهم كونهما إلهين، وبالجملة فلا نرى مذهباً في الدنيا أشد ركاكة وبعداً عن العقل من/ مذهب النصارى. ثم قال تعالى: {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ } وقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله {فآمنوا خيراً لكم}. ثم أكد التوحيد بقوله {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } ثم نزّه نفسه عن الولد بقوله {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } ودلائل تنزيه الله عن الولد قد ذكرناها في سورة آل عمران وفي سورة مريم على الاستقصاء. وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة من {إن} ورفع النون من يكون، أي سبحانه ما يكون له ولد، وعلى هذا التقدير فالكلام جملتان. ثم قال تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }. واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزّه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكاً ومالكاً لما في السموات وما في الأرض فقال في مريم {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 93] والمعنى: من كان مالكاً لكل السموات والأرض ولكل ما فيها كان مالكاً لما هو أعظم منهما فبأن يكون مالكاً لهما أولى، وإذا كانا مملوكين له فكيف يعقل مع هذا توهم كونهما له ولداً وزوجة. ثم قال: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر، وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل المقدورات كان كافياً في الإلهية، ولو فرضنا إلهاً آخر معه لكان معطلاً لا فائدة فيه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلهاً. ثم قال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: لن يستنكف أي لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك، فتأويل {لَّن يَسْتَنكِفَ } أي لن يتنغص ولم يمنع، وقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال: هو من النكف، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه. المسألة الثانية: روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا قال: ومن صاحبكم؟ قالوا عيسى، قال: وأي شيء قلت؟ قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله، قال إنه/ ليس بعار أن يكون عبد الله، فنزلت هذه الآية، وأنا أقول: إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله، ولا يجوز أن يكون ابناً له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء، فكأنه تعالى قال: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ } بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ، وأعلى حالاً منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى. المسألة الثالثة: استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر. وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ } تفسير : [البقرة: 34] وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة، والذي نقول هٰهنا: إنا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر، كيف ويقال: إن جبريل قلع مدائن قوم لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر، وهذه الآية لا تدل على ذلك ألبتة، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلۤهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات. فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالاً في هذا العلم، وفي هذه القدرة من البشر، ونحن نقول بموجبه. فأما أن يقال: المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم. المسألة الرابعة: في الآية سؤال، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير التقدير: ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيداً لله وذلك غير جائز. والجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين. الثاني: أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً فحذف ذلك لدلالة قوله {عَبْداً للَّهِ } عليه على طريق الإيجاز. المسألة الخامسة: قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه (عبيد الله) على التصغير. المسألة السادسة: قوله {وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة فالأكابر منهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في تفسير قوله {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [البقرة: 30]. ثم قال تعالى: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } والمعنى أن من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فإن الله يحشرهم إليه أي يجمعهم إليه يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً. واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين. فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ } ثم ذكر آخراً عقاب المستنكفين المستكبرين. فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } والمعنى ظاهر لا إشكال فيه، وإنما قدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين لأنهم إذا رأوا أولاً ثواب المطيعين ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} نهي عن الغلوّ. والغلوّ التجاوز في الحدّ؛ ومنه غلا السعر يغلو غلاء؛ وغلا الرجل في الأمر غلوّا، وغلا بالجارية لحمُها وعظمُها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لِداتِها؛ ويعنى بذلك فيما ذكره المفسرون غلوّ اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلوّ النصارى فيه حتى جعلوه رَبّاً؛ فالإفراط والتقصير كله سيئةٌ وكفرٌ؛ ولذلك قال مطرِّف بن عبد الله: الحسنة بين سيِّئتين؛ وقال الشاعر: شعر : وأوِف ولا تسوِف حقَّك كلَّه وصافح فلم يستوفِ قَطُّ كريمُ ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر وٱقتصدْ كِلاَ طرَفيْ قصْدِ الأُمورِ ذَمِيمُ تفسير : وقال آخر: شعر : عليك بأوساطِ الأُمور فإنها نَجاةٌ ولا تركَبْ ذَلولاً ولا صَعْبَا تفسير : وفي صحيح البخاريّ عنه عليه السلام: « حديث : لا تُطروني كما أطْرَتِ النصارى عيسى وقولوا عبدُ الله ورسولُه ». تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} أي لا تقولوا إن له شريكاً أو ٱبنا. ثم بيّن تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال: « حديث : إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رُسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ.» تفسير : وفيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ} المسيح رفع بالابتداء؛ و «عِيسى» بدل منه وكذا «ٱبْنُ مَرْيَمَ». ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى: إنما المسيحُ ٱبنُ مريم. ودَلّ بقوله: «عِيسى ٱبن مريم» على أن من كان منسوباً بوالدته كيف يكون إلهاً، وحق الإله أن يكون قديماً لا مُحدَثا. ويكون «رسُولُ اللَّهِ» خبراً بعد خبر. الثانية ـ لم يذكر الله عز وجل ٱمرأة وسمّاها بٱسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران؛ فإنه ذكر ٱسمها في نحوٍ من ثلاثين موضعاً لحكمة ذكرها بعض الأشياخ؛ فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملإ، ولا يبتذلون أسماءهنّ؛ بل يكنون عن الزوجة بالعِرس والأهل والعِيال ونحو ذلك؛ فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهنّ ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذكر والتصريح بها؛ فلما قالت النصارى في مريم ما قالت، وفي ابنها صرح الله باسمها، ولم يكن عنها بالأُمُوّة والعبودية التي هي صفة لها؛ وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها. الثالثة ـ ٱعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب، فإذا تكرر اسمه منسوباً للأُم ٱستشعرت القلوب ما يجب عليها ٱعتقاده من نفي الأب عنه، وتنزيه الأُم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله. والله أعلم. قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} أي هو مكوّن بكلمة «كن» فكان بشراً من غير أب، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادراً عنه. وقيل: «كلِمته» بشارة الله تعالى مريم عليها السلام، ورسالته إليها على لسان جبريل عليه السلام؛ وذلك قوله: { أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } تفسير : [آل عمران: 45]. وقيل: «الكلِمة» هٰهنا بمعنى الآية؛ قال الله تعالى: { أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا } تفسير : [التحريم: 12] و { أية : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 27]. وكان لعيسى أربعة أسماء؛ المسيح وعيسى وكلمةٌ ورُوحٌ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن. ومعنى «أَلْقَاها إلَى مَرْيَمَ» أمر بها مريم. قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ}. هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال؛ فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا؛ وعنه أجوبة ثمانية؛ الأوّل ـ قال أُبيّ بن كعب: خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق؛ ثم ردّها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الرّوح إلى مريم، فكان منه عيسى عليه السلام؛ فلهذا قال: {وَرُوحٌ مِّنْهُ}. وقيل: هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه؛ وهذا كقوله: { أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ } تفسير : [الحج: 26] وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً، وتضاف إلى الله تعالى فيقال: هذا روح من الله أي من خلقه؛ كما يقال في النعمة إنها من الله. وكان عيسى يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم. وقيل: يسمى روحاً بسبب نفخة جبريل عليه السلام، ويسمى النفخ روحاً؛ لأنه ريح يخرج من الروح قال الشاعر ـ هو ذو الرمة ـ: شعر : فقلتُ له ٱرْفَعْها إلَيكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ وٱقْتَتْه لها قِيتَةً قَدْرا تفسير : وقد وَرَد أن جبريل نفخ في دِرْع مريم فحمَلتْ منه بإذن الله؛ وعلى هذا يكون «وَرُوحٌ مِنْهُ» معطوفاً على المضمر الذي هو ٱسم الله في «أَلْقَاهَا» التقدير: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم. وقيل: «رُوحٌ مِنْهُ» أي من خلقه؛ كما قال: { أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } تفسير : [الجاثية: 13] أي من خلقه. وقيل: «رُوحٌ مِنْهُ» أي رحمة منه؛ فكان عيسى رحمة من الله لمن ٱتبعه؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } تفسير : [المجادلة: 22] أي برحمة، وقرىء { أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ } تفسير : [الواقعة: 89]. وقيل: «وَرُوحٌ مِنْهُ» وبرهان منه؛ وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسِله، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلهاً. {وَلاَ تَقُولُواْ} آلهتنا {ثَلاَثَةٌ} عن الزجاج. قال ٱبن عباس: يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وٱبنه. وقال الفرّاء وأبو عبيد: أي لا تقولوا هم ثلاثة؛ كقوله تعالى: { أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ } تفسير : [الكهف: 22]. قال أبو عليّ: التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة؛ فحذف المبتدأ والمضاف. والنصارى مع فِرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيمَ؛ فيجعلون كل أُقنُوم إلهاً ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعبّرون عن الأقانيم بالأب والابن ورُوح القُدُس؛ فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أُصول الدين. ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته؛ وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأُمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتَدر عليها موصوفاً بالإلهية؛ فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلاً به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته، وليس كذلك؛ فإن ٱعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلاً به؛ وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضاً؛ لأنهم معارضون بموسى عليه السلام، وما كان يجري على يديه من الأُمور العظام، مثل قلبِ العصا ثعباناً، وفلْقِ البحر واليدِ البَيْضاء والمنّ والسلوى، وغير ذلك؛ وكذلك ما جرى على يد الأنبياء؛ فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدّعونه هم أيضاً من ظهوره على يد عيسى عليه السلام، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى؛ فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن، ويكذبون من أتى به، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر. وقد قيل: إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعد ما رُفع عيسى؛ يصلون إلى القِبلة؛ ويصومون شهر رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار؛ وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار؛ وكان له فرس يقال لها العقاب، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى: أنا بولس عدوّكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر، فأدخلوه في الكنيسة بيتاً فأقام فيه سنة لا يخرج ليلاً ولا نهاراً حتى تعلم الإنجيل؛ فخرج وقال: نوديت من السماء أن الله قد قبِل توبتك فصدّقوه وأحبّوه، ثم مضى إلى بيت المقدس وٱستخلف عليهم نُسْطُورَا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله، ثم توجه إلى الرّوم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنّس ولا بجسم فتجسّم ولكنه ٱبن الله. وعلم رجلاً يقال له يعقوب ذلك؛ ثم دعا رجلاً يقال له الملك فقال له؛ إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى؛ فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً وقال له: أنت خالِصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غداً أذبح نفسي وأتقرّب بها، فٱدع الناس إلى نِحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه؛ فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نِحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة، فٱقتتلوا وٱختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث؛ فهذا كان سبب شركهم فيما يقال؛ وٱلله أعلم. وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى. { أية : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } تفسير : [المائدة: 14] وسيأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} «خيراً» منصوب عند سيبويه بإضمار فعل؛ كأنه قال: ٱئتوا خيراً لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم؛ قال سيبويه: ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} لأنك إذا قلت: ٱئته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في آخر؛ وأنشد: شعر : فواعِدِيه سَرْحَتَيْ مالِكٍ أَوِ الرُّبَا بينهما أسْهَلاَ تفسير : ومذهب أبي عبيدة: انتهوا يكن خيراً لكم؛ قال محمد بن يزيد: هذا خطأ؛ لأنه يضمر الشرط وجوابه، وهذا لا يوجد في كلام العرب. ومذهب الفرّاء أنه نعت لمصدر محذوف؛ قال عليّ بن سليمان: هذا خطأ فاحش؛ لأنه يكون ٱلمعنى: ٱنتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم. قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} هذا ٱبتداء وخبر؛ و «وَاحِدٌ» نعت له. ويجوز أن يكون «إله» بدلاً من ٱسم ٱللَّه عز وجل و «واحد» خبره؛ التقدير إنما المعبود واحد. {سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أي تنزيهاً عن أن يكون له ولد؛ فلما سقط «عن» كان «أن» في محل النصب بنزع الخافض؛ أي كيف يكون له ولد؟ وولد الرجل مُشْبِه له، ولا شبيه لله عز وجل. {لَّهُ وما فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فلا شريك له، وعيسى ومريم من جملة ما في السَّموات وما في الأرض، وما فيهما مخلوق، فكيف يكون عيسى إلهاً وهو مخلوق! وإن جاز ولد فليجزْ أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولداً له. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي لأوليائه؛ وقد تقدّم.

ابن كثير

تفسير : ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله، يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقاً أو باطلاً، أو ضلالاً أو رشاداً، أو صحيحاً أو كذباً، ولهذا قال الله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم قال: زعم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»تفسير : . ثم رواه هو وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة، عن الزهري كذلك، ولفظه: «حديث : إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» تفسير : وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده. وهكذا رواه البخاري عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: «حديث : فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك: أن رجلاً قال: يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أيها الناس عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» تفسير : تفرد به من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولداً، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} أي: إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن، فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل، فكان عيسى بإذنه عز وجل، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله عز وجل، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشىء عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: {أية : مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [المائدة: 75]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] وقال تعالى: {أية : وَٱلَّتِىۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 91] وقال تعالى: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِىۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [التحريم: 12] إلى آخر السورة، وقال تعالى إخباراً عن المسيح: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } تفسير : [الزخرف: 59] الآية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} هو قوله: {كُن فَيَكُونُ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شاذ بن يحيى يقول في قول الله: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: {أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} أي: أعلمها بها؛ كما زعمه في قوله: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} تفسير : [آل عمران: 45] أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } تفسير : [القصص: 86] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى عليه السلام. وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانىء، حدثنا جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».تفسير : وقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير بن هانىء، عن جنادة زاد: «حديث : من أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء»تفسير : ، وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر به، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به، فقوله في الآية والحديث: «حديث : وروح منه» تفسير : كقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] أي: من خلقه، ومن عنده، وليست (من) للتبعيض؛ كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية؛ كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أي: ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 64] وفي قوله: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ} تفسير : [الحج: 26] وكما روي في الحديث الصحيح: «حديث : فأدخل على ربي في داره» تفسير : أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد. وقوله: {فَـآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ} أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذه الآية كالتي في سورة المائدة؛ حيث يقول تعالى: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ} تفسير : [المائدة: 73] وكما قال في آخر السورة المذكورة: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى} تفسير : [المائدة: 116] الآية، وقال في أولها {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} تفسير : [المائدة: 17] الآية، والنصارى ـ عليهم لعائن الله ـ من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهاً، ومنهم من يعتقده شريكاً، ومنهم من يعتقده ولداً، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولاً. ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم، وهو سعيد بن بطريق بترك الإسكندرية في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافاً لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفاً، فكانوا أحزاباً كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلثمائة بثمانية عشر نفر، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها، وكان فيلسوفاً داهية، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتباً وقوانين، وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار؛ ليعتقدوها، ويعمدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكانية. ثم إنهم اجتمعوا مجمعاً ثانياً، فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعاً ثالثاً فحدث فيهم النسطورية، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا، أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة، ولهذا قال تعالى: {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} أي: يكن خيراً لكم {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أي: تعالى وتقدس عن ذلك علواً كبيراً { لَّهُ وما فِى ٱلسَّمَـٰوَٰت وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد، كما قال في الآية الأخرى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} تفسير : [الأنعام: 101] الآية، وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } تفسير : [مريم: 88 ـ 95].

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } الإنجيل {لاَ تَغْلُواْ } تتجاوزوا الحدّ {فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ } القول {ٱلْحَق } من تنزيهه عن الشريك والولد {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَٰهَا } أوصلها الله {إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ } أي ذو روح {مِنْهُ } أضيف إليه تعالى تشريفاً له وليس كما زعمتم ابن الله أو إلهاً معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإِله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه {فَئَامِنُواْ بِٰاالهِ وَرُسُلِهِ وَلاَتَقُولُواْ} الآلهة {ثَلَٰثَةً } الله وعيسى وأُمّه {ٱنتَهُواْ } عن ذلك وأتوا {خَيْراً لَّكُمْ } منه وهو التوحيد {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له عن {أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } خلقاً وملكاً وعبيداً والملكية تنافي النبوّة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } شهيداً على ذلك.

ابن عطية

تفسير : {إنما} في هذه الآية حاصرة، اقتضى ذلك العقل في المعنى المتكلم فيه، ولست صيغة {إنما} تقتضي الحصر، ولكنها تصلح للحصر وللمبالغة في الصفة وإن لم يكن حصر، نحو: إنما الشجاع عنترة وغير ذلك. و {سبحانه} : معناه تنزيهاً له وتعظيماً عن أن يكون له ولد كما تزعمون أنتم أيها النصارى في أمر عيسى، إذ نفلتم أبوة الحنان والرأفة إلى أبوة النسل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "أن يكون له ولداً" بكسر الألف من "أن" وهي نافية بمعنى ما يكون له ولد، وقوله تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض} الآية: إخبار يستغرق عبودية عيسى وغير ذلك من الأمور. ثم برأ تعالى جهة المسيح عليه السلام من أقوالهم، وخلصه للذي يليق به فقال {لن يستنكف المسيح أن يكون} الآية، والاستنكاف: إباية بأنفة، وقوله تعالى: {ولا الملائكة المقربون} زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم، وفي هذه الآية الدليل الواضح على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله {فسيحشرهم} عبارة وعيد، وقرأ جمهور الناس "فسيحشرهم" بالياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "فسنحشرهم" بنون الجماعة، "فنوفيهم"، "ونزيدهم"، "فنعذبهم"، كلها بالنون، قال أبو الفتح: وقرأ مسلمة "فسيحشْرهم" "فيعذْبهم" بسكون الراء والباء على التخفيف. وبين الله تعالى أمر المحشورين، فأخبر عن المؤمنين العاملين بالصالحات، أنه "يوفيهم أجورهم" حتى لا يبخس أحد قليلاً ولا كثيراً، وأنه يزيدهم من فضله، وتحتمل هذه الزيادة أن تكون المخبر عنها في أن الحسنة بعشر إلى سبعمائة ضعف، ويحتمل أن يكون التضعيف الذي هو غير مصرد محسوب، وهو المشار إليه في قوله تعالى: {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : [البقرة:261].

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَغْلُواْ} لليهود، أو لليهود والنصارى غلوا في المسيح، فقالت النصارى هو الرب، وقالت اليهود لغير رِشدة، والغلو: مجاوزة الحد، غلا السعر: جاوز الحد في الزيادة، وغلا في الدين: أفرط في مجاوزة الحق. {إِلاَّ الْحَقَّ} لا تقولوا المسيح إله ولا لغير رشدة. {وَكَلِمَتُهُ}، لأن الله ـ تعالى ـ كلمه حين قال له: "كن"، أو لأنه بشارة بشر الله بها، أو لأنه يُهتدى به كما يُهتدى بكلام الله. {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أضافه إليه تشريفاً، أو لأن الناس يحيون به كما يحيون بالأرواح، أو لأن جبريل ـ عليه السلام ـ نفخ فيه الروح بإذن الله ـ تعالى ـ والنفخ في اللغة: يسمى روحاً. {ثَلاثَةٌ} أب وابن وروح القدس، أو قول من قال: آلهتنا ثلاثة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أهل الكتاب} نزلت هذه الآية في النصارى وذلك أن الله تعالى لما أجاب عن شبه اليهود فيما تقدم من الآية أتبع ذلك بإبطال ما تعتقده النصارى وأصناف النصارى أربعة: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية، فأما اليعقوبية والملكانية فقالوا في عيسى أنه الله وقالت النسطورية إنه ابن الله وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة وقيل: إنهم يقولون إن عيسى جوهر واحد ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وبأقنوم الابن وأقنوم روح القدس وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات وأقنوم الابن عيسى. وبأقنوم روح القدس الحياة الحالة فيه فتقديره عندهم الإله ثلاثة، وقيل إنهم يقولون في عيسى ناسوتية وألوهية فناسوتيته من قبل الأم وألوهيته من قبل الأب تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً يقال إن الذي أظهر هذا للنصارى رجل من اليهود يقال له بولص تنصر ودس هذا في دين النصارى ليضلهم بذلك. وستأتي قصته في سورة التوبة إن شاء الله تعالى وقيل يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى جميعاً. فإنهم غلوا في أمر عيسى عليه السلام. فأما اليهود فإنهم بالغوا في التقصير في أمره حتى حطوه عن منزلته حيث جعلوه مولوداً لغير رشده وغلت النصارى في رفع عيسى عن منزلته ومقداره حيث جعلوه إلهاً فقال الله تعالى رداً عليهم جميعاً يا أهل الكتاب {لا تغلوا في دينكم} وأصل الغلو مجاوزة الحد وهو في الدين حرام والمعنى لا تفرطوا في أمر عيسى ولا تحطوه عن منزلته ولا ترفعوه فوق قدره ومنزلته {ولا تقولوا على الله إلاّ الحق} يعني لا تقولوا إن له شريكاً وولداً وقيل معناه لا تصفوه بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان ونزهوا الله تعالى عن ذلك، ولما منعهم الله من الغلو في دينهم أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عسى عليه السلام فقال تعالى: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} يقول إنما المسيح هو عيسى ابن مريم ليس له نسب غير هذا وأنه رسول الله فمن زعم غير هذا فقد كفر وأشرك {وكلمته} هي قوله تعالى: كن فكان بشراً من غير أب ولا واسطة {ألقاها إلى مريم} يعني أوصلها إلى مريم {وروح منه} يعني أنه كسائر الأرواح التي خلقها الله تعالى وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم كما يقال بيت الله وناقة الله. وهذه نعمة الله يعني أنه تفضل بها وقيل الروح هو الذي نفخ فيه جبريل في جيب درع مريم فحملت بإذن الله. وإنما أضافه إلى نفسه بقوله منه لأنه وجد بأمر الله قال بعض المفسرين إن الله تعالى لما خلق أرواح البشر جعلها في صلب آدم عليه السلام، وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام فلما أراد الله أن يخلقه أرسل بروحه مع جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى عليه السلام وقيل إن الروح والريح متقاربان في كلام العرب، فالروح عبارة عن نفخ جبريل عليه السلام وقوله منه يعني إن ذلك النفخ كان بأمره وإذنه وقيل أدخل النكرة في قوله وروح على سبيل التعظيم والمعنى روح وأي روح من الأرواح القدسية العالية المطهرة وقوله منه إضافته تلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتكريم (ق) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ". تفسير : وقوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسله} يعني فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله وأنه لا ولد له وصدقوا رسله فيما جاءكم به من عند الله وصدقوا بأن عيسى عليه السلام من رسل الله فآمنوا به ولا تجعلوه إله وقوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة} يعني ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وذلك أن النصارى يقولون أب وابن وروح القدس وقيل إنهم يقولون إن الله بالجوهر ثلاثة أقانيم وذلك أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاثة بدليل أنهم يجوزون على تلك الذات الحلول في عيسى وفي مريم فأثبتوا ذواتاً متعددة ثلاثة وهذا هو محض الكفر. فلهذا قال الله تعالى ولا تقولوا ثلاثة {انتهوا خيراً لكم} يعني يكون الانتهاء عن هذا القول خير لكم من القول بالتثليث ثم نزه الله تعالى نفسه عن قول النصارى بالتثليث فقال تعالى: {إنما الله إله واحد} ثم نزه نفسه عن الولد فقال {سبحانه أن يكون له ولد} يعني لا ينبغي أن يكون له ولد لأن الولد جزء من الأب وتعالى الله عن التجزئة، وعن صفات الحدوث {له ما في السموات وما في الأرض} يعني أنه تعالى له ملك السموات والأرض وما فيهما عبيده وملكه وعيسى ومريم من جملة من فيهما فهما عبيده وملكه فإذا كانا عبدين له فكيف يعقل مع هذا أن له ولداً أو زوجة تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً؟ وهذا بيان لتنزيهه مما نسب إليه من الولد والمعنى أن جميع ما في السموات والأرض خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزء منه؟ لأن التجزئة إنما تصح في الأجسام والله تعالى منزه عن صفات الأعراض والأجسام {وكفى بالله وكيلاً} يعني أنه تعالى كاف في تدبير جميع خلقه فلا حاجة له إلى غيره، وكل الخلق محتاجون إليه وفقراء إليه وهو غني عنهم.

ابن عادل

تفسير : لمَّا أجابَ عن شُبَهَاتِ اليَهُودِ، تكلَّم بعد ذَلِك مع النَّصَارَى، والتَّقْدِير: يا أهل الكتابِ من النَّصَارَى لا [تغلُوا في دينكم]، أي: تُفْرطوا في تَعْظِيم المَسيحِ، والغُلُوُّ: تجاوُز الحدِّ، ومنه: غلْوَة السَّهْم، وغَلاَء السِّعْرِ. واعلم أنه - تعالى - حَكَى عن اليَهُودِ مُبَالَغَتَهُم في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهنا حَكَى عن النَّصَارَى مُبَالَغَتَهُم في تعظِيمِه، وهم أصْنَاف اليَعْقُوبِيَّة، والملْكَانِيَّةَ، والنَّسْطُورِيَّة والمُرْقُسِيَّة. فقالت اليَعْقُوبيَّة: عِيسَى هو اللَّه، وكَذَلِك الملْكَانِيَّة. وقالت النَّسْطُوريَّة: عيسى ابْنُ اللَّهِ. وقالت المرقسيّة: ثَالِثُ ثلاثةٍ، فأنْزَل الله هذه الآية. ويُقالُ: إن المْلكانِيَّة تقُولُ: عيسَى هُو اللَّهُ، واليَعْقُوبِيَّة يقُولُون: ابْنُ الله، والنَّسْطُوريَّة يقُولُون: [ثَالِث] ثلاثة عليهم رَجُلٌ من اليَهُود يُقَال لَهُ: بُولُص، وسيأتِي في سُورةِ التَّوْبَةِ - إن شاء الله تعالى -. وقال الحسن: يَجُوزُ أن تكُون نزلت في اليَهُود والنَّصَارَى؛ فإنهم جَمِيعاً غَلَواْ في أمْرِ عيسى - عليه السلام - فاليَهُود بالتَّقْصِير، والنَّصَارى بمُجَاوَزَةِ الحدّ، وهو في الدِّين حَرَامٌ. {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} وتَصِفُوا اللَّهَ بالحُلُولِ والاتَّحَادِ في بدَنِ الإنْسَانِ أوْ رُوحِهِ. وقيل: لا تَقُولُوا إنَّ لَهُ شَرِيكاً أوْ وَلْداً، ونزِّهُوهُ عن هَذِه الأحْوَالِ. قوله: "إلاَّ الحَقَّ" هذا استثناء مُفَرَّغٌ، وفي نصبه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به؛ لأنه تضمَّن معنى القول؛ نحو: "قُلْتُ خُطْبَةً". والثاني: أنه نعتُ مصدر محذوف، أي: إلا القولَ الحَقَّ، وهو قريب في المعنى من الأوَّل. قوله [- سبحانه -]: {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ}. قرأ جعفر بن محمَّد: "المِسِّيح" بوزن "السِّكِّيت"؛ كأنه جعله مثال مبالغة؛ نحو: "شِرِّيب العَسَل"، و"المسيح" مبتدأ بعد "إنَّ" المكفوفة، و"عِيسَى" بدلٌ منه، أو عطف بيان، و"ابنُ مَرْيَمَ" صفته و"رَسُولُ الله" خبر المبتدأ، و"كَلِمَتُهُ" عطف عليه. و"ألْقَاها" جملةٌ ماضية في موضع الحال، و"قَدْ" معها مقدرةٌ، وفي عاملِ الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء: أحدها: أنه معنى "كَلِمة"؛ لأنَّ معنى وصْفِ عيسى بالكلمة: المُكَوَّنُ بالكلمة من غير أبٍ، فكأنه قال: وَمَنْشَؤُهُ ومُبْتَدَعُهُ. والثاني: أن يكون التقدير: إذ كان ألقاها، فـ "إذْ" ظرفُ زمانٍ مستقبل، و"كان" تامَّة، وفاعلها ضمير الله تعالى، و"ألقاها" حالٌ من ذلك الفاعل، وهو كقولهم: "ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً". والثالث: أن يكون حالاً من الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإضافة، تقديره: وكلمةُ اللَّهِ مُلْقياً إيَّاهاَ. انتهى. أمَّا جعله العامل معنى "كلمة" فصحيحٌ، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحبُ الحال؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في كَلِمَتُهُ" العائدُ على عيسى؛ لما تضمَّنَتْهُ من معنى المشتقِّ؛ نحو: "مُنْشَأ ومُبْتَدَع"، وأمَّا جعلُهُ العاملَ معنى الإضافة، فشيءٌ ضعيفٌ، ذهب إليه بعض النحويِّين، وأمَّا تقديرُه الآية بمثل "ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً"، ففاسدٌ من حيث المعنى، والله أعلم. فصل في تفسير الكلمة قد تقدَّم في تَفْسِير "الكَلِمَةِ" في قوله: {أية : يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ &#1649} تفسير : [آل عمران: 45]، والمعْنَى: أنَّهُ وُجِدَ بكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِه، من غَيْرَ وَاسِطَة [أب] ولا نُطْفَة؛ لقوله [تعالى]: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ]} تفسير : [آل عمران: 59]. قوله تعالى {وَرُوحٌ} عطفٌ على "كَلِمَة"، و"مِنْهُ" صفة لـ "رُوح"، و"مِنْ" لابتداء الغاية مجازاً، وليست تبعيضيَّةً، ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ عليَّ بْنَ الحُسَيْنِ بن واقدٍ المَرْوزِيَّ، وقال: "في كتاب الله ما يَشهدُ أنَّ عيسى جُزْءٌ مِنَ الله"، وتلا: "وَرُوحٌ مِنْهُ"، فعارضه ابنُ واقدٍ بقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13]، وقال: "يلزمُ أنْ تكونَ تلك الأشياءُ جزءاً من الله تعالى، وهو محالٌ بالاتفاقِ"، فانقطع النصرانيُّ وأسْلم. فصل قيل: معنى "رُوحٌ مِنْهُ" [هي] رُوحٌ كسَائِرِ الأرْواحِ، وإنَّما أضَافَها الله - تعالى - إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً. وقيل: الرُّوحُ هو النَّفْخُ الذي نَفَخَهُ جِبْريل في دِرْعِ مَرْيم - [عليها السلام] - فَحَمَلَتْ بإذْنِ اللَّه، سُمِّي النَّفْخُ "رُوحاً"؛ لأنَّه ريحٌ يخْرُجُ من الرُّوح، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ؛ لأنه كان بأمْرِهِ. والرُّوح والرِّيحُ مُتَقَارِبَانِ، فالرُّوحُ: عِبَارَةٌ عن نَفْخِ جِبْرِيلٍ - عليه السلام -، وقوله: "مِنْهُ" يعني: أنَّ ذلِك النَّفْخَ من جِبْرِيل كان بأمْر الله وإذْنه، فَهُو مِنْهُ؛ وهكذا قولُه: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم: 12]. وقيل: "رُوحٌ مِنْهُ" أي: رَحْمَةً مِنْهُ، فكان - عليه السلام - رحْمَة لمن تبعَهُ، وآمَن بِهِ، من قوله - [تعالى] -: {أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة: 22]. أي: برحْمَةٍ مِنْهُ وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّما أنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ". تفسير : وقيل: الرُّوحُ الوَحِي، أوْحَى إلى مَرْيَمَ بالبشَارَة، وإلى جِبْرِيلَ بالنَّفْخِ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان؛ كقوله -[تعالى] -: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ]} تفسير : [النحل: 2]. يعني: بالوَحْي؛ وقال - تعالى - في صِفَةِ القُرْآنِ: {أية : وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. وقيل: أراد بالرُّوحِ: جِبْريل، مَعْنَاهُ: كَلِمتهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وألْقَاها - أيضاً - رُوحٌ مِنْهُ بأمْرِهِ، وهو جِبْرِيلُ [- عليه السلام -]؛ كقوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ [وَٱلرُّوحُ فِيهَا]} تفسير : [القدر: 4] يعني: جِبْرِيل فيها، وقال: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} تفسير : [مريم: 17] يعني: جِبْرِيل. وقيل: لما جَرْت عادَةُ النَّاسِ أنَّهُم إذا وَصَفُوا شيئاً بِغَايَة الطَّهارَة والنَّظَافة، قالوا: إنَّه روحٌ، فلما كان عيسَى لَمْ يتكوَّن مِنْ نُطْفَةٍ، وإنما من نَفْخَة جِبْرِيل - عليه السلام - لا جَرَم وُصِفَ بأنَّهُ روحٌ، والمراد من قوله: "مِنْهُ" التَّشْرِيف والتَّفْضِيل؛ كما يقال: هذه نِعْمَةٌ من الله، أي: تلك النِّعْمَة الكَامِلَة الشَّريفَة. وقيل: إنه كان سَبَباً لحياة الخَلْقِ في أدْيَانهم، [فوُصِفَ أنَّه رُوحٌ؛ كما وُصِف القُرْآن في قوله: {أية : وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]، سمَّاه رُوحاً؛ لمَّا كان سَبَباً لحياةِ الخَلْق في أدْيَانِهِم]. وقيل: لما أدْخَل التَّنْكِير في لفظِ "رُوحٌ" أفاد التَّعْظِيم، فكان المَعْنَى: رُوحٌ من الأرْوَاح الشَّريفَة القُدسِيَّة العَالِيَة. وقوله: "مِنْهُ" أضاف ذلك الرُّوح إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً، ثم قال: {فآمنوا بالله ورسله} أي: أنَّ عيسَى من رسُلِ اللَّهِ، فآمِنُوا به كإيمَانِكُم بسَائِر الرُّسُل، ولا تَجْعَلُوه إلهاً. قوله - تعالى -: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ}، أي: لا تَقُولُوا آلهتُنَا ثلاثة، فـ "ثَلاَثةٌ" خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر في محلِّ نصب بالقول، أي: ولا تقولوا: "آلهتنا ثلاثةٌ" قال الزَّجاج: ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك: {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}، وقيل: تقديره: الأقَانِيمُ ثلاثةٌ، أو المعبودُ ثلاثةٌ، وقال الفارسيُّ: تقديره: الله ثالثُ ثلاثةٍ، ثم حُذف المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامَهُ، يريدُ بذلك موافقةَ قوله: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73]. قال الفرَّاء: تقديره: ولا تقُولُوا هم ثلاثة؛ كقوله: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ} تفسير : [الكهف: 22] وكانت النَّصارى [يقُولُون:] أبٌ، وابنٌ، ورُوحُ القُدس. فصل في بيان تفسير النصارى للتثليث قال القُرْطُبي: فرقُ النَّصارى مجتمعُون على التَّثْلِيثِ، ويقولون: إن الله جوهرٌ واحدٌ، وله ثلاثةُ أقَانِيمَ، فَيَجْعِلُون كُلَّ أقْنُوم إلهاً، ويَعْنون بالأقانِيم: الوُجُود والحياة والعِلْم، وربما يُعَبِّرون [عن] الأقانِيمِ بالأبِ، والابْنِ، وروح القُدُس، فَيَعْنُونَ بالأبِ الوُجُود، وبالرُّوح الحياة، وبالابْن المسيح، في كلامٍ لهم فيه تَخْبِيطٌ. ومحصول كلامهم يَئُولُ إلى التَّمَسُّكِ بأنَّ عيسَى إلهٌ؛ بما كان يُجْرِي اللَّه على يَديه من خَوَارِق العَادَاتِ على حَسَبِ دواعِيه وإرادَتِهِ. قالوا: قد عَلِمْنَا خروجَ هذه الأمُورِ من مَقْدُور البَشَرِ، فينْبَغِي أن يكون المُقْتَدِر عليها مَوْصُوفٌ بالإلهيّة. فيقال لَهُم: لو كان ذَلِك من مَقْدُوراتِهِ وكان مسْتَقِلاًّ به، كان تَخْليصُ نفسه من أعْدَائِه، ودفع شرِّهم عَنْهُ من مقدُورَاتِهِ، وليس كذلك؛ فإن اعْتَرَفُوا بذل سَقَطَ اسْتِدْلالهم وقولهم: إنه كان يَفْعَلُهَا، وإن لَمْ يُسَلِّموا فلا حُجَّة لهم - أيضاً -؛ لأنَّهم معَارضُون بمُوسى - عليه السلام -، وما كان يُجْري الله - تعالى - على يديه من الأمور العِظَامِ؛ كفلق البَحْر، وقَلْبِ العَصَا ثُعْباناً، واليد البَيْضَاء، وضَرْب الحَجَر فانْفَجَرَت مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً، وإنْزال المنِّ والسَّلْوَى وغير ذَلِك، وكَذَلِك ما جَرَى على أيْدِي الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -، فإن أنْكَرُوا ذَلِك، فيُنكَر ما يدَّعُونَهُ في ظُهُورِه على يَدٍ عيسى - عليه السلام -، ولا يُمْكِنُهم إثْبَات شَيْءٍ من ذلك [لعيسى؛ فإن إثْبَاتَهُ عندنا بِنَصِّ القُرآنِ، وهم يُنْكِرُون القُرْآن ويكذِّبُون من أتى به]، ولا يُمْكِنُهم إثْبَاتُ ذلك بأخْبَارِ التَّواتُر. [و] قوله - عز وجل -: {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} نصب "خيْراً" لِنَصْبه فيما تقدَّم في جَمِيع وُجُوهِهِ، ونِسْبته إلى قَائِلِيه، ثم أكَّدَ التَّوْحِيد بقوله: {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} ثم نزَّه نَفْسَه عن الولد بقوله: {سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} وتقدِيرُه: من أنْ يكُونَ، أو: عن أنْ يكُون؛ لأنَّ مَعْنى: "سُبْحَان": التَّنْزِيه: فكأنَّهُ قيل: نَزِّهُوه عن أن يكُون، أو مِنْ أنْ يكُونَ لَهُ ولد، فيجيء في مَحَلِّ "أنْ" الوجهان المَشْهُورَانِ، وقد تقدَّمَتْ دَلاَئِل تَنْزيه اللَّه عن الوَلَدِ في سُورَة "آل عمران" و"واحدٌ" نعت على سبيل التوكيد، وظاهر كلام مكي أنه نعتٌ لا على سبيل التوكيد، فإنه قال: و"الله" مبتدأ، و"إلهٌ" خبره، و"واحدٌ" نعت، تقديره: "إنَّمَا الله مُنْفَرِد في إلهيَّتِهِ"، وقيل: "وَاحِدٌ" تأكيدٌ بمنزلة {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [النحل: 51]، ويجوز أن يكون "إله" بدلاً من "الله"، و"وَاحِدٌ" خبره، تقديره: إنَّما المعبُودُ وَاحِدٌ، وقوله: {أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} تقديم نظيره [في الآية 47 آل عمران]. وقرأ الحسن: "إِنْ يَكُونَ" بكسر الهمزة ورفع "يكُونُ" على أنَّ "إنْ" نافية، أي: ما يكونُ له ولدٌ، فعلى قراءته يكونُ هذا الكلامُ جملتَيْنِ، وعلى قراءةِ العامة يكون جملة واحدة. ثم قال - تعالى -: {لَّهُ ما فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. واعلم أنَّه - تعالى - في كل مَوْضِعٍ نَزَّه نَفْسَه عن الولد ذكر كَوْنَه مَلِكَاً ومالِكاً لما في السموات وما في الأرضِ؛ فقال في "مَرْيَم": {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 93]، والمعنى: أن من كان مَالِكاً لما في السَّموات وما في الأرْضِ، ولكُلِّ ما فيها، كان مَالِكاً لعِيسَى ولمَرْيم؛ لأنهما كانا في السَّموات وفي الأرْضِ، ولما هُو أعْظَم مِنْهُمَا في الذَّاتِ والصِّفَات، وإذا كان مَالِكاً لما هُوَ أعْظَم مِنْهُمَا، فبأنْ يكُون مَالِكاً لهُمَا أوْلَى، وإذا كَانَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ، فكَيْفَ يَعْقِلُ مع هذا تَوَهُّم كَونهما وَلَداً وزَوْجَةً. ثم قال - تعالى -: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي: إن الله - تعالى - كَافٍ في تَدْبِير المَخْلُوقَاتِ، وفي حِفْظِ المحْدَثَاتِ، فلا حَاجَة مَعَهُ إلى القَوْلِ بإثْبَاتِ آله آخرَ، وهو إشارَةٌ إلى ما يَذْكُرُه المتَكَلِّمُون؛ من أنَّهُ لمَّا كَانَ [- تعالى -] عالماً بِجَميع المَعْلُومَاتِ قَادِراً على كل المَقْدُورَاتِ، كان كَافِياً في الإلهِيَّة، فلو فَرَضْنَا آلهاً آخَر، كان مُعَطَّلاً لا فَائِدَة فيه، وذلك نَقْصٌ، والنَّاقِص لا يَكُون إلهاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏لا تغلوا‏}‏ قال‏:‏ لا تبتدعوا‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏وكلمته ألقاها إلى مريم‏} ‏ قال‏:‏ كلمته إن قال‏:‏ كن فكان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى‏.‏ أن النجاشي قال لجعفر‏:‏ ما يقول صاحبك في ابن مريم‏؟‏ قال‏:‏ يقول فيه قول الله‏:‏ روح الله، وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عوداً من الأرض فرفعه فقال‏:‏ يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعثت قريش عمارة، وعمرو بن العاص، ومعهما هدية إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له وبعثا إليه بالهدية، وقالا‏:‏ إن ناساً من قومنا رغبوا عن ديننا وقد نزلوا أرضك، فبعث إليهم حتى دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقالوا‏:‏ ما لكم لم تسجدوا للملك‏؟‏‏!‏ فقال جعفر‏:‏ إن الله بعث إلينا نبيه فأمرنا أن لا نسجد إلا لله‏.‏ فقال عمرو بن العاص‏:‏ إنهم يخالفونك في عيسى وأمه‏.‏ قال‏:‏ فما يقولون في عيسى وأمه‏؟‏ قالوا‏:‏ نقول كما قال الله‏:‏ هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسسها بشر، فتناول النجاشي عوداً فقال‏:‏ يا معشر القسيسين والرهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزن هذه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه نبي، ولوددت أني عنده فأحمل نعليه، فانزلوا حيث شئتم من أرضي‏"‏‏. وأخرج البخاري عن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا‏:‏ عبدالله ورسوله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "حديث : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء على ما كان من العمل ".‏

ابو السعود

تفسير : {ياْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الكفر والضلال {لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} بالإفراط في رفع شأنِ عيسى عليه السلام وادعاءِ ألوهيتِه، وأما غلوُّ اليهودِ في حط رتبتِه عليه السلام ورميِهم له بأنه وُلد لغير رَشْدةٍ فقد نعىٰ عليهم ذلك فيما سبق {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} أي لا تصِفوه بما يستحيل اتصافُه به من الحلول والاتحادِ واتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، بل نزّهوه عن جميع ذلك {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ} قد مر تفسيرُه في سورة آلِ عمرانَ، وقرىء بكسر الميم وتشديد السين كالسِّكّيت على صيغة المبالغة وهو مبتدأٌ، وقوله تعالى: {عِيسَى} بدلٌ منه أو عطفُ بـيانٍ له، وقولُه تعالى: {ٱبْنَ مَرْيَمَ} صفةٌ له مفيدةٌ لبطلان ما وصفوه عليه السلام به من بُنوَّته لله تعالى، وقوله تعالى: {رَسُولِ ٱللَّهِ} خبرٌ للمبتدأ، والجملةُ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل النهي عن القول الباطلِ المستلزِم للأمر بضده، أعني الحقَّ، أي إنه مقصورٌ على رتبة الرسالةِ لا يتخطاها {وَكَلِمَتُهُ} عطف على رسولُ الله أي مُكوَّن بكلمته وأمرِه الذي هو كنْ من غير واسطةِ أبٍ ولا نطفة {أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} أي أوصلها إليها وجعلها فيها بنفخ جبريلَ عليه السلام، وقيل: أعلمها إياها وأخبرَها بها بطريق البِشارةِ وذلك قولُه تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} تفسير : [آل عمران، الآية 45] وقيل: الجملةُ حالٌ من ضميره عليه السلام المستكنِّ فيما دل عليه وكلمتُه من معنى المشتق الذي هو العاملُ فيها وقد مقدَّرة معها. {وَرُوحٌ مّنْهُ} قيل: هو الذي نفخ جبريلُ عليه السلام في دِرْع مريم فحملت بإذن الله تعالى، سُمِّي النفخُ روحاً لأنه ريحٌ تخرج من الروح، ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى. يُحكى أن طبـيباً حاذقاً نصرانياً للرشيد ناظر عليَّ بنَ حسين الواقديَّ المَرْوِذيَّ ذاتَ يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدلُّ على أن عيسى عليه السلام جزءٌ منه تعالى وتلا هذه الآية فقرأ الواقديُّ: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ جَمِيعاً مّنْهُ}تفسير : [الجاثية، الآية 13] فقال: إذن يلزم أن يكونَ جميعُ تلك الأشياءِ جزءاً منه، تعالى علواً كبـيراً، فانقطع النصرانيُّ فأسلم وفرِح الرشيدُ فرحاً شديداً، ووصل الواقديَّ بصلة فاخرة. وهي متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لروح أي كائنةٌ من جهته تعالى جعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريلَ عليه السلام لكون النفخِ بأمره سبحانه، وقيل: سُمِّي روحاً لإحيائه الأمواتَ، وقيل: لإحيائه القلوبَ، كما سمي به القرآنُ لذلك في قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا}تفسير : [الشورى، الآية 52] وقيل: أريد بالروح الوحيُ الذي أُوحيَ إلى مريمَ بالبشارة، وقيل: جرت العادةُ بأنهم إذا أرادوا وصفَ شيءٍ بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روحٌ، فلما كان عيسى عليه السلام متكوِّناً من النفخ لا من النطفة وُصِف بالروح، وتقديمُ كونِه عليه السلام رسولَ الله في الذكر من تأخّره عن كونه كلمتَه تعالى وروحاً منه في الوجود لتحقيق الحقِّ من أول الأمرِ بما هو نصٌّ فيه غيرُ محتملٍ للتأويل، وتعيـينُ مآلِ ما يحتمله وسدِّ بابِ التأويلِ الزائغ. {فآمِنُوا باللهِ} وخُصّوه بالألوهية {وَرُسُلِهِ} أجمعين وصِفوهم بالرسالة ولا تُخرجوا بعضَهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ} أي الألهةُ ثلاثةٌ: الله والمسيحُ ومريمُ كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة، الآية 116] أو الله ثلاثةٌ إن صح أنهم يقولون: الله جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ: أقنومُ الأبِ وأقنومُ الابنِ وأُقنومُ روحِ القدس، وأنهم يريدون بالأول الذاتَ، وقيل: الوجودَ وبالثاني العلمَ وبالثالث الحياةَ {ٱنتَهُواْ} أي عن التثليث {خَيْراً لَّكُمْ} قد مر وجوهُ انتصابِه {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي بالذات مُنزَّه عن التعدد بوجهٍ من الوجوه، فالله مبتدأٌ وإلٰهٌ خبرُه وواحدٌ نعتٌ أي منفردٌ في ألوهيته {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أي أسبّحه تسبـيحاً من أن يكون له ولد أو سبِّحوه تسبـيحاً من ذلك فإنه إنما يُتصوَّر فيمن يماثله شيءٌ ويتطرق إليه فناء، والله سبحانه منزّه عن أمثاله، وقرىء إنْ يكونُ أي سبحانه ما يكون له ولد، وقوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل التنزيهِ وتقريرِه، أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يخرُج عن ملكوته شيءٌ من الأشياء التي من جملتها عيسى عليه السلام فكيف يُتوَّهم كونُه ولداً له تعالى؟ {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} إليه يكِلُ الخلقُ أمورَهم وهو غني عن العالمين فأنّىٰ يُتصوَّر في حقه اتخاذُ الولدِ الذي هو شأنُ العَجَزة المحتاجين ـــ في تدبـير أمورِهم ــ إلى من يَخلُفهم ويقوم مقامهم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}[171] قال: أي لا تجاوزوا دينكم بالبدع، وتعدلوا عن الحق، وهو الكتاب والسنة والإجماع، ميلاً إلى هوى نفوسكم. وقال: قوام الدين والدنيا في ثلاث: العلم والأدب والمبادرة، وهلاك الدين والدنيا في ثلاث: الجهل والخرق والكسل. وسمعته مرة أخرى يقول: أربع من دعائم الدين: القيام بالحق على نفسك وغيرها، والقعود عن باطل نفسك وغيرها، والمودة لأهل طاعة الله، والبغض لأهل معصيته.

القشيري

تفسير : غُلُوُّهم في دينهم جَرْيهُم على مقتضى حسبانهم؛ حيث وصفوا - بمشابهة الخلْق - معبودَهم، ثم مناقضتهم؛ حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، والتمادي في الباطل لا يزيد غير الباطل.

البقلي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} كان رسول الله الى عباد الله بامانة الله وهى نور جلاله الذى بزر من وجهه لهم الا ترى كيف توجهوا اليه وصاروا عاشقين به كما عشقت ملائكة الله لوجه ادم ولذلك سجدوا لأدم وذلك من تلجى كلمته الازلية التى ظهر نورها فى مريم وكن فى ظاهره وباطنه روحا صدر من زند نعوت الازل حين انقدحت لظهوره من العدم وادنى عيسى خاصية فرده افضل من خاصية ادم لان هناك قال ونفخت فيه من ورحى خصة بالروح مه فيه وههنا قال وروح منه يعنى ظاهر صورته وروحه بمجموعها وروح منه العالم باسرها صورة وروح تلك الصورة هى الانبياء والاولياء قال عليه السلام بهم بمطروبهم ينبت وبهم يدفع البلايا.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا اهل الكتاب} الخطاب للنصارى خاصة {لا تغلوا فى دينكم} اى لا تتجاوزوا الحد فى دينكم بالافراط فى رفع شأن عيسى وادعاء الوهيته والغلو مجاوزة الحد. واعلم ان الغلو والمبالغة فى الدين والمذهب حتى يجاوز حده غير مرضى كما ان كثيرا من هذه الامة غلوا فى مذهبهم فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة فى امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم الله وجهه حتى ادعوا الهيته وكذلك المعتزلة غلوا فى التنزيه حتى نفوا صفات الله وكذا المشبهة غلوا فى اثبات الصفات حتى جسموه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا تطرونى كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم " .تفسير : اى لا تتجاوزوا عن الحد فى مدحى كما بالغ النصارى فى مدح عيسى حتى ضلوا وقالوا انه ولد الله "حديث : وقولوا عبد الله ورسوله " .تفسير : اى قولوا فى حقى انه عبد الله ورسوله وفى تقديم العبد على الرسول كما فى التحيات ايضا نفى لقول اليهود والنصارى فان اليهود قالوا عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله فنحن نقوله عبده ورسوله والغلو من العصبية وهى من صفات النفس المذمومة والنفس هى امارة بالسوء لا تأمر الا بالباطل شعر : مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتش قبله ديكرست تفسير : {ولا تقولوا على الله الا الحق} اى لا تصفوه بما يستحيل اتصافه من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك. قوله الا الحق استثناء مفرغ ونصبه على انه مفعول به نحو قلت خطبة او نعت مصدر محذوف اى الا القول الحق وهو قريب من المعنى الاول {انما المسيح} مبتدأ وهو لقب من الالقاب المشرفة كالصديق والفاروق واصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك {عيسى} بدل منه معرب من ايشوع {ابن مريم} صفة مفيدة لبطلان ما وصفوه به من نبوته له تعالى. ومريم بمعنى العابدة وسميت مريم مريم ليكون فعلها مطابقا لاسمها ولكون عيسى عليه السلام منسوبا الى امه تدعى الناس يوم القيامة باسماء امهاتهم ويدل عليه حديث التلقين بعد الدفن حيث يقال يا فلان ابن فلانة وفى النسبة الى الامهات ستر منه تعالى للعباد ايضا {رسول الله} خبر للمبتدأ اى انه مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها وهذا هو القول الحق {وكلمته} عطف على رسول الله اى تكون بكلمته وامره الذى هو كن من غير واسطة اب ولا نطفة فان تكوين الخلق كله وان كان بكلمة كن له ولكن بالوسائط فان تعلق كن بتكوين الآباء قبل تعلقه بتكوين الابناء فلما كان تعلق امر كن بعيسى فى رحم مريم من غير تعلقه بتكوين اب له تكون عيسى بكلمة كن وكن هى كلمة الله فعبر عن ذلك بقوله وكلمته القاها الى مريم يدل عليه قوله انه مثل عيسى عند الله يعنى فى التكوين كمثل آدم خلقه من تراب يعنى سوى جسمه من تراب ثم قال له يعنى عند بعث روحه الى القالب كن فيكون وانما ضرب مثله بآدم فى التكوين لانه ايضا تكون بكلمة كن من غير واسطة اب {القاها الى مريم} اى اوصلها اليها وحصلها فيها بنفخ جبريل عليه السلام {وروح منه} عطف على كلمته ومنه صفة لروح ومن لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى لاستحالة التجزى على الله تعالى ـ وروى ـ انه كان لهارون الرشيد طبيب نصرانى وكان غلاما حسن الوجه جدا وكان كامل الادب جامعا للخصال التى يتوصل بها الى الملوك وكان الرشيد مولعا بان يسلم وهو يمتنع وكان الرشيد يمنيه الامانى ان اسلم فأبى فقال له ذات يوم مالك لا تؤمن قال ان فى كتابكم حجة على من انتحله قال وما هى قال قوله تعالى {وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه} فعنى بهذا ان عيسى عليه السلام جزء منه فضاق قلب الرشيد وجمع العلماء فلم يكن فيهم من يزيل شبهته حتى قيل له قد وفد حجاج من خراسان وفيهم رجل يقال له على بن الحسين بن واقد من اهل مرو وهو امام فى علم القرآن فدعاه فجمع بينه وبين الغلام فسأله الغلام عن ذلك فاستعجم عليه الجواب فى الوقت وقال قد علم الله يا امير المؤمنين فى سابق علمه ان هذا الخبيث يسألنى فى مجلسك هذا وانه لم يخل كتابه عن جوابه وانه ليس يحضرنى الآن ولله علىّ ان لا اطعم ولا اشرب حتى اؤدى الذى يجب من الحق ان شاء الله تعالى ودخل بيتا مظلما واغلق عليه بابه واندفع فى قراءة القرآن حتى بلغ من سورة الجاثية {أية : وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض جميعا منه} تفسير : [الجاثية: 13]. فصاح باعلى صوته افتحوا الباب فقد وجدت الجواب ففتحوا ودعا الغلام فقرأ عليه الآية بين يدى الرشيد وقال ان كان قوله وروح منه يوجب ان يكون عيسى بعضا منه وجب ان يكون ما فى السموات وما فى الارض بعضا منه فانقطع النصرانى واسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ووصل على بن الحسين الواقدى المروزى بصلة جيدة فلما عاد على بن الحسين الى مرو صنف كتابا سماه كتاب النظائر فى القرآن وهو كتاب لا يوازيه كتاب. قيل معنى كونه روحا انه ذو روح صادر منه تعالى كسائر ذوى الارواح الا انه تعالى اضاف روحه الى نفسه تشريفا. وقيل المراد بالروح هو الذى نفخ جبرائيل عليه فى درع مريم فدخلت تلك النفخة بطنها فحملت باذن الله من ذلك النفخ سمى النفخ روحا لانه كان ريحا يخرج من الروح واضاف تعالى نفخة جبريل الى نفسه حيث قال وروح منه بناء على ان ذلك النفخ الواقع من جبريل كان باذن الله تعالى وامره فهو منه. وعن ابى بن كعب انه قال ان الله تعالى لما اخرج الارواح من ظهر آدم لاخذ الميثاق عليهم ثم ردهم الى صلبه امسك عنده روح عيسى الى ان اراد خلقه ثم ارسل ذلك الروح الى مريم فدخل فى فيها فكان منه عيسى عليه السلام. قيل خلق عيسى عليه السلام من ماء مريم ومن النفخ لا من احدهما فقط وهو الاصح عند المحققين. قيل خرج فى ساعة النفخ. وقيل بعد المدة الكاملة بعد ثمانية اشهر والاول هو الاصح. وفى التأويلات النجمية ان شرف الروح على الاشياء بانه ايضا كعيسى تكون بامر كن بلا واسطة شىء آخر فلما تكون الروح بامر كن وتكون عيسى بامر كن سمى روحا منه لان الامر منه تعالى كما قال {أية : قل الروح من امر ربى} تفسير : [الإسراء: 85]. فكما ان احياء الاجسام الميتة من شأن الروح اذ ينفخ فيها فكذلك كان عيسى من شأنه احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص باذن الله وكذلك كان ينفخ فى الطين فيكون طيرا باذن الله تعالى. واعلم ان هذا الاستعداد الروحانى الذى هو من كلمة الله مركوز فى جبلة الانسان وخلق منه اى من الامر وانما اظهره الله فى عيسى من غير تكلف منه فى السعى لاستخراج هذا الجوهر من معدنه لان روحه لم يركز فى اصلاب الآباء وارحام الامهات كارواحنا فكان جوهره ظاهرا فى معدن جسمه غير مخفى ببشرية اب وجوهرنا مخفى فى معدن جسمنا ببشرية آبائنا الى آدم فمن ظهور انوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه انواع المعجزات فى بدء طفوليته ونحن نحتاج فى استخراج الجوهر الروحانى من المعدن الجسمانى الى نقل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والامهات عن معادننا باوامر استاذ هذه الصنعة ونواهيه وهو النبى عليه السلام كما قال تعالى {أية : وما ءآتٰاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : [الحشر: 7]. فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وانسانيته يكون عيسى وقته فيحيى الله بانفاسه القلوب الميتة ويفتح به اذانا صما وعيونا عميا فيكون فى قومه كالنبى فى امته فافهم جدا: وفى المثنوى شعر : عيسى اندر مهد دارد صد نفير كه جوان نا كشته ماشيخيم وبير بير بير عقل بايد اى بسر نى سفيدى موى اندرريش وسر جون كرفتى بيرهين تسليم شو همجو موسى زيرحكم خضرشو دست را مسبار جز دردست بير حق شدست آن دست اورادستكير جون بدارى دست خوددردست بير بير حكمت كو عليم است وخبير تفسير : ثم اعلم انه لما كان النافخ جبرائيل والولد سرّ ابيه كان الواجب ان يظهر عيسى على صورة الروحانيين والجواب انه انما كان على صورة البشر ولم يظهر على صورة الروحانيين لان الماء المحقق عند التمثل كان فى امه وهى بشر ولاجل تمثل جبريل ايضا عند النفخ بالصورة البشرية لانها اكمل الصور كما اشار صلى الله تعالى عليه وسلم فى تجلى الربوبية بصورة شاب قطط وظهور جبريل بصورة دحية فافهم والصورة التى تشهدها الام وتخيلها حال المواقعة لها تأثير عظيم فى صورة الولد حتى قيل ونقل فى الاخبار ان امرأة ولدت ولدا صورته صورة البشر وجسمه جسم الحية فلما سئلت عنها اخبرت انها رأت حية عند المواقعة. وسمع ان امرأة ولدت ولد له اعين اربع ورجلاه كرجل الدب وكانت قبطية جامعها زوجها وهى ناظرة الى دبين كان عند زوجها ولله اسرار فى تكوين الاجساد كيف يشاء وهو على كل شىء قدير كذا فى حل الرموز {فآمنوا بالله} وخصوه بالالوهية {ورسله} اجمعين وصفوهم بالرسالة ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالالوهية يعنى ان عيسى من رسله فآمنوا به كايمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه آلها {ولا تقولوا ثلثة} اى الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم ويشهد عليه قوله تعالى {أية : ءأنت قلت للناس اتخذونى وامى إلٰهين من دون الله} تفسير : [المائدة: 116]. او الله ثلاثة ان صح انهم يقولون الله ثلاثة اقانيم اقنوم الاب واقنوم الابن واقنوم روح القدس وانهم يريدون بالاول الذات وقيل الوجود وبالثانى العلم وبالثالث الحياة {انتهوا} اى عن التثليث {خيرا لكم} اى انتهاء خيرا لكم او ائتوا خيرا لكم من القول بالتثليث {انما الله إلٰه واحد} اى واحد بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه فالله مبتدأ واله خبره وواحد نعت اى منفرد فى آلهيته {سبحانه ان يكون له ولد} اى اسبحه تسبيحا من ان يكون له ولد او سبحوه تسبيحا من ذلك فانه يتصور له مثل ويتطرق اليه فناء فان التوالد انما هو لحفظ النوع من الانقراض فلذلك لم تتوالد الملائكة ولا اهل الجنان فمن كان نشأته وتكوّنه للبقاء اذا لم يكن له ولد مع كونه حادثا ذا امثال فبالاولى ان لا يتخذ الله تعالى ولدا وهو ازلى منزه عن الامثال والاشياه: وفى المثنوى شعر : لم يلد لم يولد است اوازقدم نه بدر دارد نه فرزند ونه عم تفسير : {له ما فى السموات وما فى الارض} مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه وتقريره اى له ما فيهما من الموجودات خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته شىء من الاشياء التى من جملتها عيسى فكيف يتوهم كونه ولدا له تعالى. قال ابن الشيخ فى حواشيه انه تعالى فى كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر ان جميع ما فى السموات والارض مختص به خلقا وملكا للاشارة الى ان ما زعمه المبطلون انه ابن الله وصاحبته مملوك مخلوق له لكونه من جملة ما فى السموات وما فى الارض فلا تتصور المجانسة والمماثلة بين الخالق والمخلوق والمالك والمملوك فكيف يعقل مع هذا توهم كونه ولدا له وزوجة {وكفى بالله وكيلا} اليه يكل كل الخلق امورهم وهو غنى عن العالمين فأنى يتصور فى حقه اتخاذ الولد الذى هو شأن العجزة المحتاجين فى تدبير امورهم الى من يخلفهم ويقوم مقامهم او يعينهم دلت الآية على التوحيد شعر : كل شىء ذاته لى شاهد انما الله اله واحد تفسير : ومطلب اهل التوحيد اعلى المطالب وهو وراء الجنات وذوقهم لا يعادله نعيم ـ حكى ـ ان وليا يقال له سكرى بابا يكون له فى بعض الاوقات استغراق اياما حتى يظنونه ميتا ويضعون على فمه فداما فانتبه يوما فاراد ان يطلق زوجته ويترك اولاده وقال كنت فى مجلس النبى عليه السلام فى الملكوت مع الارواح وكان النبى عليه السلام يفسر قوله تعالى {أية : وآلهكم اله واحد} تفسير : [البقرة: 163]. يتكلم فى مراتب التوحيد على كرسى قوائمه اربع من الانوار الاربعة على حسب المراتب الاربع اى من النور الاسود فى مرتبة الطبيعة ومن النور الاحمر فى مرتبة النفس ومن النور الاخضر فى مرتبة الروح ومن النور الابيض فى مرتبة السر فقيل لى فى العرش ارسلوا سكرى بابا فان اولاده يبكون فلاجل ذلك اريد ان اترك الكل فتضرعوا وحلفوا بان لا يفعلوا مثل ذلك ابدا ففرغ ووجه التمسية بذلك انه كان يعطى سكر الكل من يطلبه حتى طلبوا فى الحمام امتحانا له فضرب برجله رحام الحمام قال خذوه فانقلب سكرا فاعتقدوه وزالت شبهتهم. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى الملكوت ليس فى الفوق بل الملك والملكوت عندك هنا فان الله تعالى منزه عن الزمان والمكان والذهاب والاياب وهو معكم اينما كنتم فللسالك مرتبة ينظر فيها الى الله والى الحق ويسمى تلك بالمعية ثم بعد ذلك اذا وصل الى الفناء الكلى واضمحل وجوده يسمى ذلك بمقام الجمع ففى ذلك المقام لا يرى السالك ما سوى الله تعالى كمن احاطه نور لا يرى الظلمة ألا يرى ان من نظر الى الشمس لا يرى غيرها وتلك الرؤية ليس بحاسة البصر ولا كرؤية الاجسام بل كما ذكر العلماء وكمل الاولياء والانبياء صلوات الله عليهم اجمعين والموحد اذا كان موحدا يوصله التوحيد الى الملكوت والجبروت واللاهوت اعنى الموحد يتخلص من الاثنينية ومن التقيد بالاكوان والاجسام والارواح فيشاهد عند ذلك سر قوله تعالى {أية : انما الله اله واحد} تفسير : [النساء: 171]. اللهم اجعلنا من الواصلين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أصل الغلو: مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت إلى الشباب فجاوزت لداتها؛ أي: أقرانها، تغلو غلوًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: في عتاب النصارى ـ بدليل ما بعده: {يا أهل الكتاب} الإنجيل {لا تغلوا في دينكم} فتجاوزوا الحد فيه باعتقادكم في عيسى أنه الله، أو ابن الله، قصدوا تعظيمه فغلوا وأفرطوا، {ولا تقولوا على الله إلا الحق}، وهو تنزيه عن الصاحبه والولد. ثم بيَّن الحق فيه فقال: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله}، لا كما قالت اليهود: ليس برسول، ولا كما قالت النصارى: إنه الله، أو ابن الله، وإنما هو عبد الله ورسوله، {وكلمته ألقاها إلى مريم} أي: أوصلها إليها وحصلها فيها، وهي كلمة: كن. فَتَكَوّنَ بها في رحم أمه فسمى بها، {وروح منه} وهو نفخ جبريل في جيبها فحملت بذلك النفخ، وسمي النفخ روحًا؛ لأنه ريح يخرج عن الروح، فكانت روحه صادرة من روح القدس، كما قال في آدم: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى }تفسير : [الحِجر:29]، وقد قال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ }تفسير : [آل عِمرَان:59]، فنفخ جبريل في الحقيقة لما كان بأمر الله صار هو نفخ الحق؛ لأن الواسطة محذوفة عند المحققين، فلذلك أضاف روحه إليه كروح آدم عليه السلام. {فأمنوا بالله ورسوله} أي: وحدوا الله في إلوهيته، {ولا تقولوا ثلاثة} أي: الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم، {انتهوا} عن التثليث يكن {خيرًا لكم إنما الله إله واحد} في ذاته وصفاته وأفعاله، {سبحانه} أي: تنزيهًا له أن يكون له ولد، لأنه لا يجانس ولا يتطرقه الفناء، {له ما في السماوات وما في الأرض}، ملكًا وخلقًا وعبيدًا، والعبودية تنافي البُنوة، {وكفى بالله وكيلاً} فلا يحتاج إلى ولد؛ لأن الولد يكون وكيلاً عن أبيه وخليفته، والله تعالى قائم بحفظ الأشياء كافٍ لها، مستغن عمن يعينه أو يخلفه لوجوب بقائه وغناه. واعلم أن النصارى انقسموا على أربع فرق: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، ومرقوسية، ومنهم نصارى نجران، فالنسطورية، قالوا في عيسى هو ابن الله، واليعقوبية والملكانية، قالوا هو الله، والمرقوسية قالوا: هو ثالث ثلاثة، وكلهم ضالون. الإشارة: الغلو كله مذموم، وخير الأمور أوساطها، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : لا تُطرُونِي كما أطرَت النَّصَارَى عيسى ابنَ مَريم، ولكن قولوا: عَبدُ اللهِ وَرَسُوله "تفسير : ، ويرخص للفقير أن يتغالى في مدح شيخه، ما لم يخرجه عن طوره، أو ينتقص غيره بمدحه، وفي الإشارة حيث على حفظ مقام التوحيد، وتنزيهه تعالى عن الأضداد والأنداد. وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : أرَبٌّ وعَبدٌ ونَفى ضِدٍ @_قلتُ لَهُ: لَيسَ ذَاكَ عِندِي فَقَالَ ما عِندَكُم؟ فقُلنَا: وُجُودُ فَقدٍ وفَقدُ وُجد تفسير : فإثبات العبودية مستقلة تضاد الربوبية، ولذلك أنكرها الشاعر، أي: أثبت ربًا وعبدًا، وأنت تقول بنفي الضد عنه وفي الحِكَم: " الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته ". ولما قالت نصارى نجران للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تعيب صاحبنا؟ فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ حديث : ومن صاحبكم؟ تفسير : قالوا: عيسى. قال :حديث : وأي شيء أقول؟ تفسير : قالوا: تقول إنه عبد الله. قال لهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : ليس بعارٍ أن يكون عيسى عبدًا "

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لاهل الكتاب الذي هو الانجيل وهم النصارى نهاهم الله (تعالى) ان يغلوا في دينهم بان يجاوزوا الحق فيه، ويفرطوا في دينهم، ولا يقولوا في عيسى غير الحق، فان قولهم في عيسى أنه ابن الله قول بغير الحق، لانه (تعالى) لم يتخذ ولداً فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابناً له، ونهاهم أن يقولوا على الله. الا الحق، وهو الاقرار بتوحيده، وانه لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد. واصل الغلو في كل شيء تجاوز حده يقال: غلا فلان في الدين يغلو غلواً. وغلا بالجارية عظمها ولحمها: إذا انسرعت الشباب، وتجاوزت لذاتها. يغلو بها غلواً وغلاء قال الحارث بن خالد المخزومي: شعر : خمصانة فلق موشحها رود الشباب غلا بها عظم تفسير : وقوله: انما المسيح عيسى بن مريم، فأصل المسيح المموح - نقل من مفعول إلى فعيل. سماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب، وقيل مسح من الذنوب والادناس التي تكون في الادميين كما يمسح الشيء من الاذى الذي يكون فيه. وهو قول مجاهد. وقال ابو عبيدة: هذه الكلمة عبرانية أو سريانية مشيحاً، فعربت فقيل المسيح، كما عرب سائر أسماء الانبياء في القرآن، نحو اسماعيل واسحاق وموسى وعيسى. وقال قوم ليس هذا مثل ذلك، لان اسماعيل واسحاق وما اشبههما اسماء، لا صفات. والمسيح صفة ولا يجوز ان يخطب العرب وغيرها من اجناس الخلق في صفة شيء إلا بما يفهم، فعلم بذلك انها كلمة عربية وقال ابراهيم: المسيح المسيح الصديق واما المسيح الدجال فانه ايضاً بمعنى الممسوح العين صرف من مفعول إلى فعيل فمعنى المسيح في عيسى (ع) الممسوح البدن من الادناس والآثام. ومعنى المسيح في الدجال الممسوح العين اليمنى أو اليسرى كما يروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك. وقوله: رسول الله اخباره منه (تعالى) ان المسيح أرسله الله وجعله نبياً. وقوله: {كلمته ألقاها إلى مريم} فانه يعني بالكلمة الرسالة التي امر الله ملائكته أن يأتي بها بشارة من الله (تعالى) لها التي ذكرت في قوله: {قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} يعني برسالة منه وبشارة من عنده وقال قتادة والحسن: هو قوله: "كن فكان" واختار الطبري الاول وقال الجبائي: ذلك مجاز، وانما اراد بالكلمة انهم يهتدون بعيسى، كما يهتدون بكلامه. وكذلك يحيون به في دينهم كما يحيى الحي بالروح، فلذلك سماه روحا. وقوله: {ألقاها إلى مريم} فمعناه اعلمها بها وأخبرها كما يقال القيت اليك كلمة حسنة بمعنى أخبرتك بها. وكلمتك بها. وقال الجبائي: معنى القاها الى مريم خلقه في رحمها. وقوله: {وروح منه} اختلفوا فيه على ستة اقوال: فقال قوم: معناه ونفحة منه وسماه روحا، لانه حدث عن نفحة جبرائيل في درع مريم بامر الله له بذلك، ونسب الى الله، لانه كان بامره. وانما سمي النفخ روحا، لانها ريح تخرج من الروح. واستشهدوا على ذلك قول ذي الرمة - واسمه غيلان - في صفة نار نفثها. شعر : فلما بدت كفنتها وهي طفلة بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبراً وقلت له: ارفعها اليك واحيها بروحك واقتتها لها قيتة قدراً وظاهر لها من يابس الشخت، واستعن عليها الصبا واجعل يديك لها ستراً تفسير : معنى احيها بروحك اي بنفخك. وقال بعضهم: معناه انه كان انساناً باحياء الله اياه بتكوينه بلا واسطة من جماع، ونطفة على مجرى العادة. وقال قوم: قوله: {وروح منه} معناه ورحمة منه. كما قال في موضع: {وأيدهم بروح منه} ومعناه ورحمة منه. قال: فجعل الله عيسى رحمة على من اتبعه، وآمن به وصدقه، لانه هداهم الى سبيل الرشاد. وقال آخرون: معنى ذلك وروح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها الى مريم، فدخلت في فيها فصيرها الله تعالى روح عيسى ذهب اليه ابو العالية عن أبي ابن كعب. وقال بعضهم: ان معنى الروح - ها هنا - القوة التي كان بها يحيي الموتى قال الراجز: شعر : اذ عرج الليل بروح الشمس تفسير : وقال قوم: معنى الروح ها هنا جبرائيل. قالوا: والروح معطوفة به على ما في قوله من ذكر الله تعالى. والمعنى إن القاء الكلمة الى مريم كان من الله تعالى. ثم من جبرائيل. وقوله: {فآمنوا بالله ورسله} أمرٌ من الله اياهم بتصديق الله تعالى، والاقرار بوحدانيته، وتصديق رسله فيما جاؤا به من عند الله، وفيما اخبرهم به أن الله لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولدا. وقوله: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا} نهي لهم عن أن يقولوا الارباب ثلاثة، وانما رفع ثلاثة بمحذوف دلّ عليه ظاهر الكلام. وتقديره ولا تقولوا: هم ثلاثة. وانما جاز ذلك، لان القول حكاية ومثل ذلك قوله: {أية : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } تفسير : وكذلك كلما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ففيه اضمار اسم رافع لذلك الاسم، ثم قال متوعداً لهم على عظيم قولهم الذي قالوه في الله: انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزوج والشرك بالله، والانتهاء عن ذلك خير لكم من قولكم لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قولكم ذلك ان أقمتم عليه، ولم ترجعوا إلى الحق. ووجه النصب في {انتهوا خير لكم} ما قلناه في قوله آمنوا خيراً لكم، فلا وجه لاعادته. وقوله: {إنما الله إله واحد} معناه الاخبار من الله (تعالى) ان الذي يحق له العبادة واحد، لان من كل له ولد، لا يكون آلهاً وكذلك من كان له صاحبة لا يجوز ان يكون إلهاً معبوداً، ولكن الله الذي له الالوهية والعبادة إله واحد، ومعبود واحد لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك، ثم نزه تعالى نفسه وعظمها ورفعها عما قاله المبطلون الكافرون فقال: {سبحانه أن يكون له ولد} ولفظة سبحان تفيد التنزيه عما لا يليق به من الولد والصاحبة، لان من يملك ما في السماوات والارض وما بينهما وله التصرف فيهما، وفيهم عيسى وامه، وهم عبيده، وهو رازقهم وخالقهم، وهم أهل الحاجة إليه والفاقة، فكيف يكون المسيح ابناً له، وهو إما في الارض أو في السماء. وهو تعالي يملك جميع ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب لانه يصلح ان يقال عن ان يكون او من ان يكون، فاذا حذف حرف الجر كانت في موضع نصب. وكان الكسائي يقول هو في موضع خفض. والاول قول الفراء وغيره. وقوله: {وكفى بالله وكيلاً} معناه حسب ما في السموات وما في الارض بالله قيما ومدبراً، ورازقاً من الحاجة معه إلى غيره ومعنى كفى بالله اكتفوا بالله. وقد شبهت النصارى قولها: انه ثلاثة أقانيم جوهر واحد بقولنا: سراج واحد، ثم نقول. انه ثلاثة اشياء دهن وقطن ونار وللشمس انها شمس واحدة، ثم نقول انها جسم وضوء وشعاع. قال البلخي، وهذا غلط، لانا وان قلنا إنه سراج واحد، لا نقول هو شيء واحد، ولا الشمس انها شيء واحد بل نقول هو أشياء على الحقيقة، كما نقول عشرة واحدة، وانسان واحد، ودار واحدة، وشهر واحد، وهي اشياء متغايرة. فان قالوا: إن الله شيء واحد حقيقة كما انه إله واحد، فقولهم بعد ذلك انه ثلاثة مناقضه لا يشبه ما قلناه. وان قالوا: هو اشياء، وليس بشيء واحد دخلوا في قول المشبهة، وتركوا القول بالتوحيد. والعجب أنهم يقولون: إن الأب له ابن والابن لا اب له، ثم يزعمون ان الذي له ابن هو الذي لا اب له، ويقولون إن من عبد الانسان، فقد اخطأ وضلٍّ، ثم يزعمون أن المسيح إله انسان، وانهم يعبدون المسيح. وقد تكلمنا على ما نعقل من مذاهبهم في الاقانيم والاتحاد والنبوة في كتاب شرح الجمل بما لا مزيد عليه لا نطول بذكره ها هنا.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} بحطّ عيسى (ع) عن مرتبته وجعله لغير رشده ورفعه عن مرتبته يجعله آلهاً او ابناً والغلوّ وان كان فى الافراط اظهر لكن صاحب التّفريط فى حقّ عيسى (ع) من اليهود باعتبار انّه مجاوز للحدّ فى حطّه (ع) عن مرتبة ولد الرّشدة الى اللّغيّة وباعتبار انه مجاوز فى حقّ دينه بعد النّسخ الى ابقائه غالٍ وهو تعريض بالمفرط فى علىّ (ع) من هذه الامّة {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} لا تقولوا والداً او ثالث ثلاثةٍ {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} وليس لغيّةً كما زعمته اليهود ولا ابناً او آلهاً كما زعمته النّصارى {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ} الاقانيم {ثَلاَثَةٌ} الله والمسيح (ع) ومريم (ع) وهذا قول بعضهم كما اشار اليه تعالى بقوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ} تفسير : [المائدة: 116] اثنين، والاّ فاكثرهم لا يقولون ذلك وسيجيء تحقيقه فى سورة المائدة {ٱنتَهُواْ} عن التّثليث {خَيْراً لَّكُمْ} مضى نظيره {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لا شريك له فى الآلهة كما توهّمتم يظنّ انّ المناسب لنفى القول بانّ الآلهة ثلاثة ان يقال انّما الآله واحد لكنّه تعالى عدل الى هذا لافادة هذا المعنى منه مع شيءٍ زائد هو تعيين ذلك الواحد لانّه قد يقال: هذا واحد مقابل الاثنين وبهذا المعنى كلّ ذات واحدة وقد يقال: هذا واحد ويراد نفى الشّريك والنّظير والقرين عنه وهذا هو المراد فانّ المقصود انّ الله آلهٌ واحد لا شريك له فى الآلهة ولا نظير ولا قرين، وهذا يفيد انّ جنس الآله واحد وذلك الواحد هو الله {سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ ما فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} كُلٌّ له مملوك لا يماثله شيءٌ ولا يساويه حتّى يكون له ولد {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} يعنى انّه غنىّ عن اخذ الوكيل فلا يحتاج الى ولدٍ يكون وكيلاً له.

الأعقم

تفسير : {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} الآية نزلت في النصارى واليهود وذلك ان اليهود غلت في حظ المسيح عن منزلته حيث جعلته مولوداً لغير رشده وغلت النصارى في رفعته حيث جعلوه إلهاً {وكلمته ألقاها إلى مريم} أوصلها {وروح منه} سمي روح لأنه أوجده بكلمة الله من غير أب {ولا تقولوا ثلاثة} قال جار الله: فإن صحَّت الرواية عنهم أنهم يقولون هو جوهر واحدٌ ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وأقنوم الإِبن وأقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات، وبأقنوم الابن العلم، وبأقنوم روح القدس الحياة، فتقديره الله ثلاثة وإلا تقديره الآلهة ثلاثة والذي يدل عليه القرآن الصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله ابن مريم ألا ترى إلى قوله: {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمِّي إلهين من دون الله}تفسير : [المائدة: 116] {أية : وقالت النصارى المسيح ابن الله} تفسير : وقوله: {سبحانه أن يكون له ولد} حكاية الله أوثق من حكاية غيره {له ما في السموات وما في الأرض} بيان لتنزيه مما نسب إليه يعني أن كل ما فيه خلقه وملكه {وكفى بالله وكيلاً} بأمور خلقه فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه {لن يستنكف المسيح} لن يأنف ولن يذهب {أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون} ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم "حديث : وروي أن وفد نجران قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لم تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟" قالوا: عيسى، قال: "وأي شيء أقول؟" قالوا: تقول هو عبد الله ورسوله؟ قال: "إنه ليس بعار أن يكون عبد الله" قالوا: بلى"تفسير : ، فنزلت الآية أي لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباد الله رد على مشركي العرب قولهم: أن الملائكة بنات الله وعلى من قال أنهم آلهة {ومن يستنكف عن عبادته} أي يأنف عن الإقرار بالعبودية {ويستكبر} عن الطاعة {فسيحشرهم إليه} أي يبعثهم ويجمعهم إليه، أي إلى حكمه يوم القيامة {فأما الذين آمنوا} بالله ورسوله {وعملوا الصالحات} أي الطاعات {فيوفيهم} أي يعطيهم تاماً وافياً {أجورهم} جزاء أعمالهم {ويزيدهم من فضله} زيادة نعيم على ما استحقوه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت {وأما الذين استنكفوا} عن الإِقرار بالعبودية {واستكبروا} عن العبادة والخضوع {فيعذبهم عذاباً أليماً} وجيعاً {ولا يجدون لهم من دون الله} أي سواه ينجيهم من عذابه {ولياً} أي من يلي أمرهم في الدفع عنه {ولا نصيراً} {يأيها الناس} خطاب لجميع المكلفين {قد جاءكم برهان من ربكم} قيل: البرهان والنور المبين القرآن، وقيل: البرهان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والنور القرآن {وفضل} من ثواب مستحق {ويهديهم إليه} في عبادته {صراطاً مستقيماً} وهو طريق الاسلام والمعنى يوفقهم ويثبتهم.

اطفيش

تفسير : {يَا أَهْلَ الكِتَابِ}: خطاب للنصارى بعد ما خاطب اليهود وغيرهم، أو ما مر لليهود والنصارى، وما هنا كذلك. {لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ}: أى فى الدين الذى ألزمكم الله الكون عليه، فاليهود غلت فى التقصير فى حق عيسى حتى قالوا: انه لمزنى لعنهم الله حاشاه وحاشا أمه، والنصارى غلت فى رفعه حتى جعلوه إلهاً، وبعضهم ابن الله، وبعضهم ثالث ثلاثة، واستدل على أن المراد بأهل الكتاب النصارى بقوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الحَقَّ}: فان هذا فى حق الله وهو تنزيهه عن الشركة، وشبه الخلق فهو نقض لقولهم ان عيسى إله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، وولهم: بحلول الله فى بدن الانسان، تعالى الله، والنبوة تستلزم اتخاذ الصاحبة والقائلون بأن أهل الكتاب فى الآية اليهود والنصارى. يجيب بأن انكار اليهود نبوة عيسى، ورميه بما رموه به من القول بغير الحق على الله، والحق مفعول به لتقول، لأن القول يجوز أن ينصب المفرد الذى بمعنى الجملة، فان الحق هو قولك لا إله الا الله، وعيسى عبده ورسوله، ومحمد عبده ورسوله صلى الله وسلم عليهما، وقيل: بنصبه ولم يكن بمعنى الجملة، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أى الا القول الحق، وبعد ما نهاهم عن الضلالة فى أمر عيسى أرشدهم الى طريق الحق فى أمر عيسى بقوله: {إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا}: أوصلها. {إِلَى مَرْيَمَ}: ومعنى كون عيسى كلمة الله أنه حصل فى بطن أمه بقدرته التى تنفعل لها الأشياء اذا توجهت اليها، وأنه كان بلا أب ولا نطفة، ومن قال فيه غير ذلك أشرك، وعيسى بدل أو بيان للمسيح، وابن مريم بدل من عيسى ونعته، ورسول الله خبر المسيح، أو ابن مريم خبر أول واختلفوا فى الابدال من البدل، وفى تعدده وألقاها حال من الكلمة على القول بجواز الحال من الخبر، ولو لم يكن مبتدأة اسم اشارة، وعلى المنع وهو الأصح فهو حال من ضمير فى كلمة لأنه بمعنى مكون وموحد بفتح الجيم، وقرأ جعفر بن محمد المسيح بكسر الميم وتشديد السين مكسورة. {وَرُوحٌ مِّنْهُ}: أى من الله، أى أنه روح جاء من الله، أى هو روح ملك لله ومخلوقة له، بلا مادة نطفة للروح، بل روح مخترعة من الله جل وعلا، ومن للابتداء لا للتبعيض، ونسبته الى الله بقوله: منه تشريف له وتخصيص بأنه من الله، لا من نطفة أب، ولذلك سمى روحا. وقيل: سمى روحا لأنه يحيى الموتى، ويحيى القلوب بوعظه، وقيل: الروح هو الذى نفخ به جبريل فى درع مريم، فكان عيسى فى بطنها، وذلك أن الروح والريح متقاربان، فريح النفخ هو روح، وقد قيل: ان الله جل وعلا لما خلق الأرواح جعلها فى صلب آدم عليه السلام، وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام، ولما أراد خلقه أرسله مع جبريل عليه السلام الى مريم، فنفخه فى درعها، ولذلك قال: منه، وقيل: منه بمعنى أن النفخ من الله بواسطة جبريل، فقال: منه لأنه بأمر الله تبارك وتعالى. وفى رواية عن أبى بن كعب: أخرج الله الأرواح من ظهر آدم، وأخذ ميثاقها وردها الى ملك، وأمسك روح عيسى عنده، ولما أراد خلقه أرسله الى مريم مع جبريل عليهما السلام، ويروى أن نصرانيا ناظر بعض أكابر المسلمين، وقال فى كتاب الله ما يشهد بأن عيسى جزء من الله، وتلا: وروح منه، فعارضه المسلم بقوله سبحانه وتعالى: {أية : وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه} تفسير : وقال: يلزم منه أن تكون الأشياء جزءا من الله تعالى وهو محال باتفاق، فانقطع كلام النصرانى وأسلم. {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ}: كلهم أنه لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد. {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ}: لا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الله وعيسى ومريم، فانهم يقولون ذلك بدليل قوله تعالى: {أية : أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله }تفسير : ويقولون: ان الله وابنه وهو عيسى وصاحبته وهى مريم، كما يبتغى له بعض مشركى العرب زوجة تلد الملائكة، تعالى الله، وقيل: كانوا يقولون: الله وعيسى ثلاثة: أب وهو الله تعالى عن قولهم الكاذب، وابن وهو عيسى، وروح القدس وهو روح عيسى. وقيل: كانوا يقولون: الله ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وأرادوا بالأب الذات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة، وأول الأقوال الثلاثة هو الأصح عنهم لعنهم الله. وقيل: أصناف النصارى أربعة: اليعقوبية، والملكانية، والنسطوية، والمرقوسية، فالأوليان قالوا: عيسى هو الله، والنسطورية: أنه ابن الله، والمرقوسية: أنه ثالث ثلاثة، وقيل عن هذه الرابعة: انهم قالوا فى عيسى ناسوتية ولاهوتية، فالناسوتية بمعنى الانسانية من قبل الأم، واللاهوتية الأبوهية من قبل الأب، وهو عندهم الله تعالى أن يكون أبا، فرد الله عليهم بأن عيسى رسول الله، ولدته مريم ليس فيه الا الرسالة والبنوة لمريم وحدها، لا لله، فعلى الاعراب المتقدم اذا جعلنا عيسى بيانا أو بدلا، وابن مريم خبرا يكون المعنى ليس عيسى الا ابن مريم، وليس ابنا لله. وقال أبو عمار عبد الكافى رحمه الله: النصارى الذين تحت الذمة اليوم هم ثلاث: الملكية واليعقوبية والنسطورية، واتفقوا على اثبات ثلاثة أقانيم فى معبودهم عيسى، والأقنوم باليونانية الأصل، فقالت اليعقوبية والنسطورية ثلاثة أقانيم، جوهرها واحد، وليس الجوهر معنى غيرها. والملكية ثلاثة أقانيم، لم تزل جوهرا واحدا، وزعموا أن الجوهر معنى غير الأقانيم، ولا يعدونه رابعا، فهذا اختلافهم فى الأمر الذى أثبتوه فى القدم، وأما فى الحدوث فقالت الملكية، المسيح أقنوم واحد، وطبيعتان طبيعة انسية وطبيعة لاهوتية. واليعقوبية: المسيح أقنوم واحد، وطبيعة واحدة، حدثت عن أقنوم انسى، وطبيعة انسية، وأقنوم لاهوتى، وطبيعة لاهوتية، اتحدا فصارا أقنوما واحدا، وطبيعة واحدة. والنسطورية: أقنوم لاهوتى، وطبيعة لاهوتية، وأقنوم ناسوتى، وطبيعة ناسوتية، وكل واحد منهما قائم بذاته، حافظ لجوهره. وهذه الفرق تزعم أن الابن كلمة الأب الأزلى، وأن الأب انما يعلم الأشياء بكلمته، وأن روح القدس هى الحياة التى من أجلها وجب أن يكون الأب حيا، ثم أن هذه الأقانيم الثلاثة ان كان كل واحد منها هو الآخر، فليست ثلاثة، وان كان كل غير الآخر فان لم يتبين كل عن الآخر بصفة فليست أيضا ثلاثة، وان كان كل بصفة غير صفة الآخر فذلك اعراض تغاير، فليست بقديمة، ثم انهم قالوا: ان عيسى ابن الله، فان قالوا: الروح التى هى فيه من اللاهوت فهى بعض الله، فتكون الأبعاض كلها قديمة، فلا يصح كون بعض ابنا لبعض. قلت: لحدوث الابن، ثم انه كيف يتحكم بأن هذا هو ابن ذا لا عكس، فان قالوا: عيسى ابن لأنه أقل لزم أن كل بعض ابن للبعض الذى هو أكبر، ولزم ذلك فى العالم، وان قالوا: الكل فى ذلك البدن، فاما أن يكون ابن وروح القدس كلاهما هؤلاء، والكل هو الابن، والكل هو روح القدس، فيلزم أن يكون الأب هو الابن، والأب هو روح القدس، فيكون الأب أبا لنفسه، والابن ابنا لنفسه، واما أن يكون جزءا معا فى البدن ابنا وجزء روح القدس وجزء أبا فهذا تحكم. وان قالوا فى معنى الأب ومعنى الابن ومعنى روح القدس، كل واحد معنى الآخر بطل تخصيص كل باسمه، وان قالوا بالتغاير والاعراض بطل عنها القدم، ثم أن ثبات الأقنوم اللاهوتى والطبيعة اللاهوتية تستلزم الانتقال، وهو يوجب الحلول والتبعيض، وان قالوا بهما فى عيسى لاحياء الموتى على يديه، لزم أن يكونا أيضا فى كل من أحيا الله على يده ميتا وفى كل من جرى على يده خارق عادة مما لا يحتمله روح الانسان، أو طبيعته، قيل أحيا عيسى أربعة أنفس، فقد قيل: أحيا حزقيل الوفا، وعيسى أشبع جماعة كثيرة بأرغفة قليلة، ثم حمل منها زنبيلا والياه أحدث فى اناء دقيقا، وفى آخر زيتا، وهذا أعجب من احداث طعام من طعام، والمسيح صير ماء خمرا واليسع ملأ آنية ماء للمرأة وصيرها زيتا، وعيسى مشى على الماء، فكذا يوشع واليسع والياه وعيسى رفع الى السماء، والياه كذلك وذلك تمثيل بالمعجزات التى تذكرها النصارى لعنهم الله للأنبياء المذكورين، والياه عندهم هو الياس عندنا، ثم ان عيسى أظهر ما أظهر من المعجزات ليعظم ويصدق به، فكيف ينقض ذلك بتسليم نفسه حتى قتله اليهود وصلبوه على زعمكم، فهو نبى ورسول فقط كالأنبياء والرسل. {انتَهُوا}: عن التثليث وسائر أنواع الشرك. {خَيْراً لَكُمْ}: فى كون خيرا اسم تفضيل باق، أو اسم تفضيل خارج عن معنى التفضيل، أو بمعنى منفعة، وفى كونه على الخبرية لكون محذوف، أو المفعولية بمحذوف أو مفعول مطلق، أى يكن الانتهاء خيرا أو أتوا خيرا أو انتهاء خيرا ما من فى قوله: {أية : فآمنوا خيرا لكم }. تفسير : {إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ}: لا يشاركه شىء فى صفة، فلو كان له أبعاض أو ولد أو زوجة، أو كان معه إله آخر لكان ذلك اشتراكا فى الصفة، فان الله واجد فى الذات والقول والفعل، وسائر صفات الذات كالألوهية وصفات الفعل. {سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}: أنزهه أى أنزه نفسى عن أن يكون له ولد، أو سبحه يا محمد، أو سبحوه أيها الناس، فان من يتوالد يفنى ويماثله ولده فى أشياء، والتوالد لحفظ الانقراض، والولد بعض الأب، والله واحد لا يتبعض. {لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: ملكا وخلقا وعبودية لا يحتاج، فيتخذ صاحبة ولا يماثله شىء فيكون ولدا له. {وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}: كمن فوض اليه الأمر لا ينازعه شىء فى تدبير الملك والقيام به، فانه عالم بكل شىء، قادر على كل شىء، مستغن فلا إله معه، اذ لو كان معه إله لكان هذا الإله متعطلا لا فائدة، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلها.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَهْلَ الكِتَابِ} الإنجيل، بدليل، إنما المسيح، فأهل الكتاب النصارى، أو الأصل اليهود والنصارى، والكتاب التوراة والإنجيل {لاَ تَغلُوا فِى دِينِكُمْ} لا تتجاوزا الحد فيه، فغلوا اليهود هو قولهم إنه ساحر وأنه ولد زنا، وقولهم عزير ابن الله ونحو ذلك، وغلوا النصارى قولهم إنه إله أو ابن إله أو أنه الله،ويدل لكون الخطاب للنصارى قوله: إنما المسيح {وَلاَ تَقُولُوا عَلىَ اللهِ} فى عيسى ولا فى غيره {إلاّ الْحَقَّ} نزهوه عن الشريك والولد والصاحبة، أى الأمر الحق، لجواز نصب القول المفرد الذى تضمن جملة فصاعدا، كقلت خطبة، وقلت قصيدة، أو إلا القول الحق {إنَّمَا الْمَسِيحُ عَيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ} لا إله ثالث، لا ابن الله، ولا الله، فرسول خبر {وَكَلِمَتُهُ} لأنه وجد بقوله كن، أى بتوجيه الإرادة إلى وجوده {أَلْقَاهَا} أوصلها {إِلَى مَرْيَمَ} وحصلها {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أى وذو روح صادرة من الله بلا واسطة أب، وهى الروح التى خلقها الله جل وعلا لعيسى عليه السلام لم ترجع فى آدم بعد خروجها منه فله سبب بعيد فقط، ولكل مولود سواه سبب بعيد، وهو قولم كن وقريب، وهو المنى ونحوه ولآدم، وليس مولود السبب البعيد فقط، وقيل: جعل قول كن كالمنى الذى يلقى فى الرحم، وأنه استعارة، وقوله تعالى منه بيان، لقوله فى عيسى إنه روح الله فإن معناه، أن روحه روح الله وملك له، فليس فيه مدح زائد على كون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله من حيث إن روحك أعز عندك من حبيبك، لأنه ليس فى الآية سوى أن روحه من الله شريفة، لم يتوسط فيها أب، وأما أن يقولوا: إنه جزء من روح الله، أو هى روح الله كلها فلا يصح لعاقل، لأن الله جل وعلا لا يتجزأ ولا يتصف بالروح ولا بالحلول، فلو كان ذلك لبقى الله بلا روح، أو بروح ناقصة، بانتقال بعضها إلى عيسى فى زعمهم إن زعموه، وذلك من صفات الخلق، ولم يختص عيسى بذلك، ففى إنجيل لوقا، قال يسوع لتلاميذه: إن أباكم السماوى يعطى روح القدس الذى يسألونه، وفى إنجيل متى، أن يوحنا امتلأ من روح القدس وهو بطن أمه، وفى التوراة قال الله تعالى لموسى عليه السلام: اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التى عليك، وفيها فى حق يوسف عليه السلام، يقول الملك، هل رأيت مثل هذا الفتى الذى روح الله عز وجل حال فيه، وفيها، أن روح الله حلت على دانيال وغير ذلك، وناظر بعض النصارى بعض أكابر المسلمين بأن فى القرآن ما يشهد بأن عيسى جزء من الله تعالى، وتلا قوله تعالى: وروح منه، فعارضه المسلم بقوله تعالى: وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه، فيلزم أن تكون الأشياء جزءاً منه، وهو محال باتفاق، فأسلم النصرانى، والمسلم هو على بن الحسين الواقدى، والنصرانى طبيب حاذق عند الرشيد، وفرح الرشيد بذلك فرحاً شديداً، فأعطى عليَّا صلة فاخرة فإن فى ذلك من للابتداء، لا للتعيين، فذلك الروح كسائرالأرواح، أو هى ريح من فى جبريل، نفخها فى ذراعها، والنصارى لعنهم الله قالوا، مريم زوج الله ولد منها عيسى، فلاهوتيته، أى إلهيته من جهة الأب، تعالى الله، وناسوتيته، أى إنسانيته، من جهة الأم، فنفى الله جل وعلا لاهوتيته وأثبت ناسوتيته، ولا نطفة فيه من أمه أيضاً، كمثل آدم، خلقه من تراب، وقيل سمى روحا، لأنه يحيى الموتى والقلوب، وقيل، روح منه بشارة من الله عز وجل لها على ألسنة الملائكة، كما قال تعالى: {أية : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} تفسير : [آل عمران: 45] وقيل، روح بمعنى رحمة، كما قال تعالى: {أية : وأيدهم بروح منه} تفسير : [المجادلة: 22]، فى تفسير، وقيل، سر من أسرار الله عز جل، وقيل ذو روح، وقيل، جبريل فيعطف على الضمير فى ألقى {فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسْلِهِ} عيسى عليه السلام إيماناً خالصاً {وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثةٌ} أى الآلهة ثلاثة، الله وعيسى ومريم، لقوله تعالى، {أية : أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله} تفسير : [المائدة: 116]، ولا تقولوا الله ثلاثة، كما حكى عن النصارى مذهب ثان: أن الله جل وعلى جوهر مركب من ثلاثة أقاليم، الأب والابن وروح القدس، ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة والصحيح عنهم القول الأول، وكلا القولين باطل، والقائلون منهم بألوهية مريم انقرضوا، ولذلك أنكر نصارى العصر القول به، كما أن القائلين عزير ابن الله طائفة من اليهود انقرضوا {انتَهُوا} عن التثليث والتجسيم {خَيْراً لَكُمْ} مر مثله {إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} بالذات لا جزء له ولا شريك {سُبْحَانهُ} أسبحه، أى أنزهه، أو سبحوه، أى نزهوه {أَن يَكُونَ لهُ وَلدٌ} عن أن يكون له ولد، فإنه يكون للأجسام، والله غير جسم ولا عرض، والجسم والعرض يستحقان الموجد، فيتسلسل أو يدور، وكلاهما محال، ذكر نصرانى أن حروف البسملة بالتقديم والتأخير تقيد كلاما، هكذا المسيح ابن الله المحرر، وأجابه البوصيرى صاحب الهمزية بأنها بذلك تفيد نقض ذلك هكذا، إنما الله رب المسيح راحم، المسلمين، سل ابن مريم أحل له الحرام، لا لمسيح ابن الله المحرر، لا مرحم لك أم أبناء السحرة، رحم حر مسلم أناب إلى الله لله نبى مسلم حرم الراح وهكذا عبارات لا تنحصر، وحساب حروفها سبعمائة وسنة وثمانون، كحروف قولك، إن مثل عيسى كآدم، ليس لله من شريك، ولا أشرك بربى أحدا، يهدى الله لنوره من يشاء، والولد إنما يكون لمن يعادله مثل ويتطرق إليه فناء فيحلفه ولده، وتتوكل الأمور له وتقوم عنه والله حافظ قائم بكل ما سواه، ولذلك لا تلد الملائكة ولا أهل الجنة، وكل موجود سواه ملك له، فلا يتصور أن شيئاً ملك له وولد له، ولذلك قال الله {لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} لا يحتاج ولا يماثله شىء يكون له ولدا، أو الولد يكون مالكا، فلا يكون له مالكا لجميعها {وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} قائما بحفظ الأشياء، غير محتاج ولا مستكمل، وشاهداً على ذلك لا يحتاج لحافظ يحفظ معه كالولد، روى أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأى شىء أقول؟ قالوا: عبد الله ورسوله، قال: إنه ليس بعار أن يكون عبد الله، قالوا: فنزل قوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمًسِيحُ} تفسير : لن يترفع وأصله مطلق الاعتزال عن الشىء أو الابتداء فى شىء، ومن هذا مع اختلاف المادة، استأنف العمل، والجملة المستأنفة ومن ذلك نكف الدمع، إذ أزاله بإصبعه، وبحر لا ينكف أي لا ينزح، والنكف أيضاً قول السوء، يقال ما عليه فى هذا الأمر نكف، أى سوء، فيجوز حمل الآية عليه، واستفعل للسلب، وشهد الاستنكاف فى الامتناع والانقباض والتكبر، وقد فسره ابن عباس بالاستكبار {أَن يَكُونَ} عن أن يكون {عَبْداً لِلَّهِ} لأنه مذعن لله بالربوبية، وفى نفسه بالعبودية، للتشرف بها، منتف عن العبودية والنبوة اللتين تدعيان عليه، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابيا إلى الجلندى فى عمان، يأمره بالإيمان، فقدم الصحابى من نفسه كلاما، هو أنه، هل تعرف أن عيسى عليه السلام يعبد الله؛ قال: نعم، قال: فإنى أدعوك إلى من كان عيسى يعبده، ثم بلغه رسالة بالنبى صلى الله عليه وسلم، وقد نص بولس من النصارى فى رسالته، إن يسوع مؤتمن من عند من خلقه، مثل موسى، وأنه أفضل من موسى، وقال مرقص: إن يسوع قال: نفسى حزينة حتى الموت، ثم خر على وجهه يصلى لله تعالى، وقال: لله الأمر كما تريد، لا كما أريد، وخر على وجهه يصلى {وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ} أن يكونوا عبيداً لله متشرفين بالعبادة متنزهين عن أن يكونوا آلهة، ومنزهين لله أن يكونوا بنات الله، وإذا كان الملائكة مع علو مقامهم بالسماوات وفوقهم وعظم عبادتهم وطول أعمارهم مع عدم الفتور عنها لا يأنفون عن العبودية، ويقصرون العظمة على الله، وينزهونه عن صفات الخلق فكيف عيسى عليه السلام، الذى هو دون ذلك، فهو ولو كان أفضل من الملائكة بالنبوة وعصيان الهوى والدواعى لكنه دونهم فى العبادة المذكورة لهم فالآية تتضمن الرد على مشركى العرب القائلين: الملائكة بنات الله، والمجوس العابدين لهم، والملائكة كلهم مقربون، وقيل: المراد فى الآية نوع منهم يسمون مقربين، وهم أفضل الملائكة، وفى الحديث: "حديث : المؤمن الواحد خير من الملائكة كلهم" تفسير : ، ولا يشكل أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، وزعمت المعتزلة والقاضى أبو بكر والحليمى، أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وكون كلام العرب على الترقى من الفاضل إلى الأفضل غالب، لا لازم، ولا حجة لهم فى الآية، وتوقف بعض المحققين فى غيره صلى الله عليه وسلم من الأنبياء، هل هم أفضل من الملائكة؟ وقال: إن الباب خطير، فالوقف أسلم {وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} الاستكبار دون الاستنكاف، وإنما يستعمل الاستنكاف حيث لا استحقاق بخلاف الاستكبار فقد يكون بالاستحقاق، وأصله طلب الكبر من غير استحقاق، فهو اعتقاد نفسه أنه كبير، واختار صيغة الطلب لأنه لو أمكن تحصيله لم يحصل إلا بكد، وأيضا لأنه محض طلب دون حصول المطلوب، وفى الحديث، حديث : الكبر بطر الحق وغمط الناس تفسير : {فَسَيَحْشُرُهُمْ} إنما صح أن يكون جوابا مع أن الحشر واقع ولو لم يستنكفوا، لأن حاصله الجزاء، فكأنه قيل، فسيجازيهم، أو يقدر، فلن يهملهم لأنه سيجازيهم {إِلَيْهِ جَمِيعاً} للعقاب والثواب، من يستنكف ومن لا يستنكف بدليل التفصيل فى قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الخ، أو الهاء لمن يستنكف، والتفصيل من عرض الكلام فى عذابهم، إما بتحسرهم بما نال المؤمنون، فإن التحسر بالخسران وفوز العدو عذاب عظيم، وإما بالعذاب الأليم بعد {فَيُوَفِّيَهِمْ أَجُورَهُمْ} على توحيدهم وأعمالهم وتقواهم {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} كل ما أمكن ولاق، مما لاعين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أو ملك تفصيلا وإحاطة، ولو كان نعم الجنة كلها كذلك، لكن بعض فوق بعض، ومقتضى الظاهر، فأما الذين لم يستنكفوا كما هو المناسب لما قبل وما بعد، وعدل عنه إلى ما فى النظم الجليل، لأنه المستتبع لتوفيه الأجور وزيادة الفضل، وأما عدم الاستنكاف فلا يفيد ذلك صراحا {وَأَمَّا الَّذِين اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} عند الموت وفى القبر والحشر والموقف والنار {وَلاَ يجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِياً} يدفع عنهم العذاب بعد مجيئه {وَلاَ نَصِيراً} يمنعه عنهم قبل المجىء، أو وليا يلى أمورهم ومصالحهم، ونصيرا ينجيهم من العذاب مطلقا.

الالوسي

تفسير : {يَٰأَهْلَِ ٱلْكِتَـٰبِ} تجريد للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الضلال البعيد، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم وجماعة من المفسرين، وعن الحسن أنه خطاب لهم ولليهود لأن الغلو أي مجاوزة الحد والإفراط المنهي عنه في قوله تعالى: {لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} وقع منهم جميعاً، أما النصارى فقال بعضهم: عيسى عليه السلام ابن الله عز وجل، وبعضهم أنه الله سبحانه، وآخرون ثالث ثلاثة وأما اليهود فقالوا: إنه عليه السلام ولد لغير رشده، ورجح ما عليه الجماعة بأن قول اليهود قد نعى فيما سبق وبأنه أوفق بما بعد {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} أي لا تذكروا ولا تعتقدوا إلا القول الحق دون القول المتضمن لدعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الصاحبة والولد والاستثناء مفرغ، وهو متصل عند الأكثرين. وادعى بعض أن المراد من الحق هنا تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد، والأشبه بالإستثناء الانقطاع لأن التنزيه لا يكون مقولاً عليه بل له وفيه لأن معنى قال عليه افترى وهو مخالف لما عليه الأكثر في الاستثناء المفرغ فافهم. {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ} بالتخفيف، وقد مر معناه، وقرىء المسيح بكسر الميم وتشديد السين كالسكيت وهو مبتدأ، وقوله تعالى: {عِيسَى} بدل منه أو عطف بيان له ـ كما قال أبو البقاء وغيره ـ وقوله تعالى: {ٱبْنُ مَرْيَمَ} صفة له مفيدة بطلان ما زعموه فيه من بنوته عليه السلام له عز وجل، وقوله سبحانه: {رَسُولَ ٱللَّهِ} خبر المبتدأ والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده أي أنه عليه السلام مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها إلى ما تقولون {وَكَلِمَتُهُ} عطف على {رَسُولَ ٱللَّهِ} ومعنى كونه (كلمة) أنه حصل بكلمة كن من غير مادة معتادة، وإلى ذلك ذهب الحسن وقتادة. وقال الغزالي قدس سره: لكل مولود سبب قريب وبعيد، فالأول: المني والثاني: قول كن، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى عليه السلام أضافه إلى البعيد، وهو قول كن إشارة إلى انتفاء القريب، وأوضحه بقوله سبحانه: {أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} أي أوصلها إليها وحصلها فيها، فجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة، وقيل: معناه أنه يهتدي به كما يهتدي بكلام الله تعالى، وروي ذلك عن أبـي علي الجبائي، وقيل: معناه بشارة الله تعالى / التي بشر بها مريم عليها السلام على لسان الملائكة كما قال سبحانه: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ} تفسير : [آل عمران: 45] وجملة {أَلْقَـٰهَا} حال على ما قيل: من الضمير المجرور في {كلمته} بتقدير قد والعامل فيها معنى الإضافة، والتقدير ـ وكلمته ملقياً إياها ـ وقيل: حال من ضميره عليه السلام المستكن فيما دل عليه {وَكَلِمَتُهُ} من معنى المشتق الذي هو العامل فيها، وقيل: حال من فاعل كان مقدرة مع إذ المتعلقة بالكلمة باعتبار أن المراد بها المكون، والتقدير إذ كان ألقاها إلى مريم. {وَرُوحٌ مّنْهُ} عطف على ما قبله وسمي عليه السلام روحاً لأنه حدث عن نفخة جبرائيل عليه السلام في درع مريم عليها السلام بأمره سبحانه، وجاء تسمية النفخ روحاً في كلامهم، ومنه قول ذي الرمة في نار [اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال]:شعر : وأحيـهـا بـروحــك تفسير : و ـ من ـ متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح، وهي لابتداء الغاية مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى. يحكى أن طبيباً نصرانياً حاذقاً للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى، وتلى هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءاً منه سبحانه وتعالى علواً كبيراً فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحاً شديداً، ووصل الواقدي بصلة فاخرة، وقيل: سمي روحاً لأن الناس يحيون به كما يحيون بالأرواح، وإلى ذلك ذهب الجبائي، وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: {أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} تفسير : [المجادلة: 22] على وجه، وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحى إلى مريم عليها السلام بالبشارة، وقيل: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح فلما كان عيسى عليه السلام متكوناً من النفخ لا من النطفة وصف بالروح، وقيل: أريد بالروح السر كما يقال: روح هذه المسألة كذا أي أنه عليه السلام سر من أسرار الله تعالى وآية من آياته سبحانه، وقيل: المراد ذو روح على حذف المضاف، أو استعمال الروح في معنى ذي الروح، والإضافة إلى الله تعالى للتشريف، ونظير ذلك ما في «التوراة» أن موسى عليه السلام رجل الله. وعصاه قضيب الله وأورشليم بيت الله، وقيل: المراد من الروح جبريل عليه السلام، والعطف على الضمير المستكن في {أَلْقَـٰهَا} والمعنى ألقاها الله تعالى وجبريل إلى مريم، ولا يخفى بعده. وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف عيسى عليه السلام بنسبة الروح إليه إذ لغيره عليه السلام مشاركة له في ذلك، ففي «إنجيل لوقا» قال يسوع لتلاميذه: إن أباكم السماوي يعطي روح القدس الذين يسألونه، وفي «إنجيل متى»: إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه، وفي «التوراة»: قال الله تعالى لموسى عليه السلام اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل هذا النعت، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم، وفيها في حق يوسف عليه السلام: يقول الملك: هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى عز وجل حال فيه، وفيها أيضاً: إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير ذلك. ولعل الروح في جميع ذلك أمر قدسي وسر إلهي يفيضه الله تعالى على من يشاء من عباده حسبما يشاء وفي أي وقت يشاء، وإطلاق ذلك على عيسى عليه السلام من باب المبالغة على حد ما قيل في زيد: عدل، وليس المراد به الروح الذي به الحياة أصلاً، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآن بصورة الرجل الشاحب، والموت بصورة الكبش، ويؤيد ذلك في الجملة ما في «إنجيل متى» في تمام الكلام على تعميد عيسى عليه السلام: إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله تعالى جاءت له في صفة حمامة وإذا بصوت من السماء هذا / ابن الحبيب الذي سرت به نفسي فإنه على تقدير صحته يهدم ما يزعمه النصارى من أنه عليه السلام تجسد بروح القدس في بطن أمه. وما فيه من وصفه عليه السلام بالبنوة سيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عنه. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ} وخصوه بالألوهية {وَرُسُلِهِ} أجمعين ولا تخرجوا أحداً منهم إلى ما يستحيل وصفه به من الألوهية {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ} أي الآلهة ثلاثة: الله سبحانه والمسيح ومريم كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] إذ معناه إلهين غير الله تعالى فيكونون معه ثلاثة. وحكي هذا التقدير عن الزجاج، أو الله سبحانه ثلاثة إن صح عنهم أنهم يقولون: الله تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بالأول الذات أو الوجود، وبالثاني العلم أي الكلمة، وبالثالث الحياة كذا قيل. وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحققين أن النصارى اتفقوا على أن الله تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيز ولا مختص بجهة ولا مقدر بقدر ولا يقبل الحوادث بذاته ولا يتصور عليه الحدوث والعدم، وأنه واحد بالجوهرية، ثلاثة بالأقنومية، والأقانيم صفات للجوهر القديم، وهي الوجود والعلم والحياة، وعبروا عن الوجود بالأب والحياة بروح القدس والعلم بالكلمة. ثم اختلفوا فذهب الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم، وأن كل واحد منها إله، وصرحوا بإثبات التثليث، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يشركون، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر وانقلبت الكثرة وحدة وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي، وأن مريم ولدت إلهاً أزلياً مع اختلافهم في مريم أنها إنسان كلي أو جزئي، واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم، وأن القتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معاً، وأطلقوا لفظ الأب على الله تعالى، والابن على عيسى عليه السلام. وذهب نسطور الحكيم ـ في زمان المأمون ـ إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور. ومن النسطورية من قال: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود، وصرحوا بالتثليث كالملكانية، ومنهم من منع ذلك، ومنهم من أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوها لكن لم يجعلوها أقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولداً من الأب وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الناسوت، فالمسيح إله تام وإنسان تام، وهما قديم وحادث، والاتحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث، وقالوا: إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت. وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح، وقالوا: إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم، ورووا عن يوحنا الإنجيلي أنه قال في صدر «إنجيله»: إن الكلمة صارت جسداً وحلت فينا، وقال: في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله تعالى هو الكلمة، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت بحيث صار هو هو وذلك كظهور الملك في الصورة المشار إليه بقوله تعالى: {أية : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} تفسير : [مريم: 17] ومنهم من قال: جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركب النفس الناطقة مع البدن وصارا جوهراً واحداً وهو المسيح وهو الإله، ويقولون صار الإله إنساناً وإن لم يصر الإنسان إلهاً كما يقال في الفحمة الملقاة في النار: صارت ناراً ولا يقال: صارت النار فحمة، ويقولون: إن اتحاد اللاهوت بالإنسان الجزئي دون الكلي، وأن مريم ولدت إلهاً وأن القتل والصلب واقع على اللاهوت والناسوت جميعاً إذ لو كان على / أحدهما بطل الاتحاد، ومنهم من قال: المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه. محدث من وجه. ومن اليعقوبية من قال: إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئاً وإنما مرت بها كمرور الماء بالميزاب، ومنهم من زعم أن الكلمة كانت تداخل جسد المسيح فتصدر عنه الآيات التي كانت تظهر عنه وتفارقه تارة فتحله الآفات والآلام، ومن النصارى من زعم أن معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت ظهور اللاهوت على الناسوت وإن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء ولا حل فيه، وذلك كظهور نقش الطابع على الشمع والصورة المرئية في المرآة، ومنهم من قال: إن الوجود والكلمة قديمان والحياة مخلوقة. ومنهم من قال إن الله تعالى واحد وسماه أباً وأن المسيح كلمة الله تعالى وابنه على طريق الاصطفاء وهو مخلوق قبل العالم وهو خالق للأشياء كلها. وحكى المؤرخون وأصحاب النقل أن أريوس أحد كبار النصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره ولا يرى في المسيح ما يراه النصارى بل يعتقد رسالته وأنه مخلوق بجسمه وروحه ففشت مقالته في النصرانية فتكاتبوا أو اجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا فشرح أريوس مقالته، فرد عليه الاكصيدروس بطريق الإسكندرية وشنع على مقالته عند الملك، ثم تناظروا فطال تنازعهم فتعجب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة اختلافهم وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي فاتفق رأيهم على شيء فحرروه وسموه بالأمانة وأكثرهم اليوم عليها، وهي نؤمن بالله تعالى الواحد الأب (صانع كل شيء) مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى، (وبالرب) الواحد [يسوع] المسيح ابن الله تعالى الواحد بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم؛ وخلق كل شيء الذي من أجلنا معاشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس (ومريم) وصار إنساناً وحبل به وولد من مريم البتول (وقتل)، وصلب أيام فيلاطس ودفن وقام في اليوم الثالث ـ كما هو مكتوب ـ وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجىء تارة أخرى (للقضاء) بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه (وبعمودية) واحدة لغفران الخطايا، (وبجماعة) واحدة قدسية [مسيحية] (كاطولكية) [وبقيام أبداننا] وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين انتهى. وهذه جملة الأقاويل وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل وهي مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول مما لا مستند لها ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علماً على أن ما سموه أمانة لا أصل له في شرع الإنجيل ولا مأخوذة من قول المسيح ولا من أقوال تلاميذه، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذب بعضه بعضاً ويعارضه ويناقضه، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردهم تتميماً للفائدة وتأكيداً لإبطال تلك العقائد الفاسدة. أما قولهم: بأن الله تعالى جوهر بالمعنى المذكور فلا نزاع لنا معهم فيه من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللفظي سمعاً، والأمر فيه هين، وأما حصرهم الأقانيم في ثلاثة؛ صفة الوجود، وصفة الحياة، وصفة العلم فباطل لأنه بعد تسليم أن صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه سبيلاً سوى قولهم: بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه وهو غير يقيني كما لا يخفى، ثم هو باطل بما تحقق في موضعه من وجوب صفة القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فإن قالوا: الأقانيم هي خواص الجوهر وصفات نفسه، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعداه إلى غيره وذلك متحقق في الوجود والحياة إذ لا تعلق لوجود الذات القديمة / وحياتها بغيرها، وكذلك العلم إذ العلم مختص بالجوهر من حيث هو معلوم به، وهذا بخلاف القدرة والإرادة فإنهما لا اختصاص لهما بالذات القديمة بل يتعلقان بالغير مما هو مقدور ومراد، والذات القديمة غير مقدورة ولا مرادة، وأيضاً فإن الحياة تجزىء عن القدرة والإرادة من حيث إن الحي لا يخلو عنهما بخلاف العلم فإنه قد يخلو عنه، ولأنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتفضيل بخلاف العلم، قلنا: أما قولهم: إن الوجود والحياة مختصة بذات القديم ـ ولا تعلق لهما بغيره ـ فمسلم، ولكن يلزم عليه أن لا يكون العلم أقنوماً لتعلقه بغير ذات القديم إذ هو معلوم به فلئن قالوا: العلم إنما كان أقنوماً من حيث كان متعلقاً بذات القديم لا من حيث كان متعلقاً بغيره فيلزمهم أن يكون البصر أقنوماً لتعلقه بذات القديم من حيث إنه يرى نفسه ولم يقولوا به، ويلزمهم من ذلك أن يكون بقاء ذات الله تعالى أقنوماً لاختصاص البقاء بنفسه وعدم تعلقه بغيره كما في الوجود والحياة، فلئن قالوا: البقاء هو نفس الوجود فيلزم أن يكون الموجود في زمان حدوثه باقياً وهو محال. وقولهم: بأن الإرادة تجزىء عن القدرة والإرادة إما أن يريدوا به أن القدرة والإرادة نفس الحياة، أو أنهما خارجتان عنها لازمتان لها لا تفارقانها، فإن كان الأول فقد نقضوا مذهبهم حيث قالوا: إن الحياة أقنوم لاختصاصها بجوهر القديم والقدرة والإرادة غير مختصتين بذات القديم تعالى، وذلك مشعر بالمغايرة ولا اتحاد معها، وإن قالوا: إنها لازمة لها مع المغايرة فهو ممنوع فإنه كما يجوز خلو الحي عن العلم، فكذلك قد يجوز خلوه عن القدرة والإرادة كما في حالة النوم والإغماء مثلاً، وقولهم: إنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص العلم بالمبالغة والتفضيل، فيلزم منه أن لا تكون مجزئة عن القدرة أيضاً لاختصاصها بهذا النوع من المبالغة والتفضيل، وأما قولهم: بأن الكلمة حلت في المسيح وتدرعت به فهو باطل من وجهين. الأول: أنه قد تحقق امتناع حلول صفة القديم في غيره، الثاني: أنه ليس القول بحلول الكلمة أولى من القول بحلول الروح وهي الحياة، ولئن قالوا: إنما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه فيها غيره قلنا: أولاً: لا نسلم ذلك فقد روى النصارى أنه عليه السلام سئل عن القيامة فلم يجب، وقال لا يعرفها إلا الله تعالى وحده، وثانياً: سلمنا لكنه قد اختص عندكم بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبأمور لا يقدر عليها غيره من المخلوقين بزعمكم، والقدرة عندكم في حكم الحياة إما بمعنى أنها عينها أو ملازمة لها فوجب أن يقال بحلول الحياة فيه ولم تقولوا به. وأما قول الملكانية بالتثليث في الآلهة، وأن كل أقنوم إله فلا يخلو إما أن يقولوا: إن كل واحد متصف بصفات الإله تعالى من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات أو لا يقولوا به، فإن قالوا به فهو خلاف أصلهم، وهو مع ذلك ممتنع لقيام الأدلة على امتناع إلهين، وأيضاً فإنهم إما أن يقولوا: بأن جوهر القديم أيضاً إله أو ألا يقولوا، فإن كان الأول فقد أبطلوا مذهبهم فإنهم مجمعون على الثالوث، وبقولهم هذا يلزم التربيع، وإن كان الثاني لم يجدوا إلى الفرق سبيلاً مع أن جوهر القديم أصل والأقانيم صفات تابعة، فكان أولى أن يكون إلٰهاً، وإن قالوا بالثاني فحاصله يرجع إلى منازعة لفظية، والمرجع فيها إلى ورود الشرع بجواز إطلاق ذلك، وأما قولهم: بأن الكلمة امتزجت بجسد المسيح فيبطله امتناع حلول صفات القديم بغير ذات الله تعالى، ودعواهم الاتحاد ممتنعة من جهة الدلالة والإلزام، أما الأول فإنهما عند الاتحاد إما أن يقال: ببقائهما / أو بعدهما أو ببقاء أحدهما وعدم الآخر، أما على التقدير الأول فهما إثنان كما كانا، وإن كان الثاني فالواحد الموجود غيرهما. وإن كان الثالث فلا اتحاد للإثنينية وعدم أحدهما، وأما على التقدير الثاني فمن أربعة أوجه: الأول: أنه إذا جاز اتحاد أقنوم الجوهر القديم بالحادث، فما المانع من اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم؟ فلئن قالوا: المانع أن اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم يوجب نقصه وهو ممتنع، واتحاد صفة القديم بالحادث يوجب شرفه، وشرف الحادث بالقديم غير ممتنع، قلنا: فكما أن ذات القديم تنقص باتحاد صفة الحادث بها فالأقنوم القديم ينقص باتحاده بالناسوت الحادث فليكن ذلك ممتنعاً، الثاني: أنه قد وقع الاتفاق على امتناع اتحاد أقنوم الجوهر القديم بغير ناسوت المسيح فما الفرق بين ناسوت وناسوت؟ فلئن قالوا إنما اتحد بالناسوت الكلي دون الجزئي رددناه بما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى، الثالث: أن مذهبهم أن الأقانيم زائدة على ذات الجوهر القديم مع اختصاصها به ولم يوجب قيامها به الاتحاد فأن لا يوجب اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى. الرابع: أن الإجماع منعقد على أن أقنوم الجوهر القديم مخالف للناسوت كما أن صفة نفس الجوهر تخالف نفس العرض، وصفة نفس العرض تخالف الجوهر، فإن قالوا بجواز اتحاد صفة الجوهر بالعرض أو صفة العرض بالجوهر حتى أنه يصير الجوهر في حكم العرض والعرض في حكم الجوهر، فقد التزموا محالاً مخالفاً لأصولهم، وإن قالوا: بامتناع اتحاد صفة نفس الجوهر بالعرض ونفس العرض بالجوهر مع أن العرض والجوهر أقبل للتبدل والتغير فلأن يمتنع في القديم والحادث أولى. وقولهم إن المسيح إنسان كلي باطل من أربعة أوجه: الأول: أن الإنسان الكلي لا اختصاص له بجزئي دون جزئي من الناس، وقد اتفقت النصارى أن المسيح مولود من مريم عليهما السلام، وعند ذلك فإما أن يقال: إن إنسان مريم أيضاً كلي ـ كما حكي عن بعضهم ـ أو جزئي، فإن كان كلياً فإما أن يكون هو عين إنسان المسيح أو غيره، فإن كان عينه لزم أن يولد الشيء من نفسه وهو محال، ثم يلزم أن يكون المسيح مريم ومريم المسيح ولم يقل به أحد، وإن كان غيره فالإنسان الكلي ما يكون عاماً مشتركاً بين جميع، وطبيعته جزء من معنى كل إنسان، ويلزم من ذلك أن يكون إنسان المسيح بطبيعته جزء من مفهوم إنسان مريم وبالعكس وذلك محال، وإن كان إنسان مريم جزئياً فمن ضرورة كون المسيح مولوداً عنها أن يكون الكلي الصالح لاشتراك الكثرة منحصراً في الجزئي الذي لا يصلح لذاته وهو ممتنع، الثاني: أن النصارى مجمعون على أن المسيح كان مرئياً ومشاراً إليه، والكلي ليس كذلك. الثالث أنهم قائلون: إن الكلمة حلت في المسيح إما بجهة الاتحاد أو لا بجهة الاتحاد، فلو كان المسيح إنساناً كلياً لما اختص به بعض أشخاص الناس دون البعض ولما كان المولود من مريم مختصاً بحلول الكلمة دون غيره ولم يقولوا به، الرابع: أن الملكانية متفقون على أن القتل وقع على اللاهوت والناسوت، ولو كان ناسوت المسيح كلياً لما تصور وقوع الجزئي عليه. وأما ما ذهب إليه نسطور من أن الأقانيم ثلاثة، فالكلام معه في الحصر على طرز ما تقدم، وقوله: ليست عين ذاته ولا غير ذاته فإن أراد بذلك ما أراد به الأشعري في قوله: إن الصفات لا عين ولا غير فهو حق، وإن أراد غيره فغير مفهوم؛ وأما تفسيره العلم بالكلمة، فالنزاع معه ـ في هذا الإطلاق ـ لفظي، ثم لا يخلو إما أن يريد بالكلمة الكلام النفسي أو الكلام اللساني، والكلام في ذلك معروف؛ وقوله: إن الكلمة اتحدت بالمسيح بمعنى أنها أشرقت عليه لا حاصل له لأنه إما أن يريد بإشراق الكلمة عليه عليه السلام ما هو مفهوم من مثاله، / وهو أن يكون مطرحاً لشعاعها عليه، أو يريد أنها متعلقة به كتعلق العلم القديم بالمعلومات، أو يريد غير ذلك فإن كان الأول يلزم أن تكون الكلمة ذات شعاع، وفي جهة من مطرح شعاعها، ويلزم من ذلك أن تكون جسماً، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم وهو محال، وإن كان الثاني فهو حق غير أن تعلق الأقنوم بالمسيح بهذا التفسير لا يكون خاصة، وإن كان الثالث فلا بد من تصويره ليتكلم عليه. وأما قول بعض النسطورية: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة إله حي ناطق فهو باطل بأدلة إبطال التثليث، وأما من أثبت منهم لله تعالى صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما فقد أصاب خلا أن القول بإخراجها عن كونها من الأقانيم مع أنها مشاركة لها في كونها من الصفات تحكم بحت، والفرق الذي يستند إليه باطل كما علمت؛ وأما قولهم: إن المسيح إنسان تام وإله تام وهما جوهران: قديم وحادث، فطريق ردّه من وجهين: الأول: التعرض لإبطال كون الأقنوم المتحد بجسد المسيح إلٰهاً وذلك بأن يقال: إما أن يقولوا: بأن ما اتحد بجسد المسيح هو إله فقط أو أن كل أقنوم إله كما ذهبت إليه الملكانية، فإن كان الأول: فهو ممتنع لعدم الأولوية، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضاً لما تقدم، الثاني: أنه إذا كان المسيح مشتملاً على الأقنوم والناسوت الحادث، فإما أن يقولوا بالإتحاد أو بحلول الأقنوم في الناسوت، أو حلول الناسوت في الأقنوم، أو أنه لا حلول لأحدهما في الآخر، فإن كان الأول فهو باطل بما سبق في إبطال الاتحاد، وإن كان الثاني فهو باطل بما يبطل حلول الصفة القديمة في غير ذات الله تعالى وحلول الحادث في القديم، وإن كان الثالث فإما أن يقال بتجاورهما واتصالهما أو لا، فإن قيل: بالأول فإما أن يقال بانفصال الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث أو لا يقال به، فإن قيل: بالانفصال فهو ممتنع لوجهين: الأول: ما يدل على إبطال انتقال الصفة عن الموصوف، الثاني: أنه يلزم منه قيام صفة حال مجاورتها للناسوت بنفسها وهو محال، وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم يلزم منه أن يكون ذات الجوهر القديم متصلة بجسد المسيح ضرورة اتصال أقنومها به، وعند ذلك فليس اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى من اتحاد الجوهر القديم به ولم يقولوا بذلك، وإن لم يقل بتجاورهما واتصالهما فلا معنى للاتحاد بجسد المسيح، وليس القول بالاتحاد مع عدم الاتصال بجسد المسيح أولى من العكس، وأما قول من قال منهم: إن الإله واحد وإن المسيح ولد من مريم وإنه عبد صالح مخلوق إلا أن الله تعالى شرفه بتسميته ابناً فهو كما يقول الموحدون، ولا خلاف معهم في غير إطلاق اسم الابن، وأما قول بعض اليعقوبية: إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً وصار الإله هو المسيح فهو أظهر بطلاناً مما تقدم، وبيانه من وجهين: الأول: أنه لو جاز انقلاب الأقنوم لحماً ودماً مع اختلاف حقيقتيهما لجاز انقلاب المستحيل ممكناً والممكن مستحيلاً والواجب ممكناً أو ممتنعاً والممكن ـ أو الممتنع ـ واجباً، ولم يبق لأحد وثوق بشيء من القضايا البديهية، ولجاز انقلاب الجوهر عرضاً والعرض جوهراً، واللحم والدم أقنوماً، والأقنوم ذاتاً والذات أقنوماً، والقديم حادثاً والحادث قديماً، ولم يقل به أحد من العقلاء، الثاني: أنه لو انقلب الأقنوم لحماً ودماً، فإما أن يكون هو عين الدم واللحم اللذين كانا للمسيح، أو زائداً عليه منضماً إليه، والأول: ظاهر الفساد، والثاني: لم يقولوا به؛ وأما ما نقل عن يوحنا من قوله: في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله هو الكلمة، فهو مما انفرد به ولم يوجد في شيء من الأناجيل، والظاهر أنه كذب، فإنه بمنزلة قول القائل: الدينار عند الصيرفي والصيرفي هو الدينار، ولا يكاد يتفوه به عاقل، وكذا قوله: إن الكلمة صارت جسداً وحلت فينا غير مسلم الثبوت، وعلى تقدير تسليمه يحتمل التقديم والتأخير / أي إن الجسد الذي صار بالتسمية كلمة حل فينا، وعنى بذلك الجسد عيسى عليه السلام، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى بطرس كبير التلاميذ ووصي المسيح، فإنه أقام بعده عليه السلام بتدبير دينه وكانت النصارى تفزع إليه على ما تشهد به كتبهم، فكأنه يقول: إن ذهبت الكلمة أي عيسى الذي سماه الله تعالى بذلك من بيننا فإنها لم تذهب حتى صارت جسداً وحل فينا، يريد أن تدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس. ومن الناس من خرج كلامه على إسقاط همزة الإنكار عند إخراجه من العبراني إلى اللسان العربـي، والمراد أصارت وفيه بعد، ومن العجب العجيب أن يوحنا ذكر أن المسيح قال لتلاميذه: إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا حياة لكم بعدي لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأثبت فيه، فلما سمع تلاميذه هذه الكلامة قالوا: ما أصعبها من يطيق سماعها فرجع كثير منهم عن صحبته، فإن هذا مع قوله: إن الله سبحانه هو الكلمة والكلمة صارت جسداً في غاية الإشكال إذ فيه أمر الحادث بأكل الله تعالى القديم الأزلي وشربه، والحق أن شيئاً من الكلامين لم يثبت، فلا نتحمل مؤنة التأويل. وأما قولهم: إن اللاهوت ظهر بالناسوت فصار هو هو، فإما أن يريدوا به أن اللاهوت صار عين الناسوت كما يصرح به قولهم: صار هو هو، فيرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق وهو محال كما علمت وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف بالناسوت فهو أيضاً محال لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالقديم، أو أن الناسوت اتصف باللاهوت وهو أيضاً محال لامتناع حلول القديم بالحادث، وأما من قال منهم: بأن جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا وصارا جوهراً واحداً هو المسيح فباطل من وجهين: الأول: ما ذكر من إبطال الاتحاد، الثاني: أنه ليس جعل الناسوت لاهوتاً بتركبه مع اللاهوت أولى من جعل اللاهوت ناسوتاً من جهة تركبه مع الناسوت ولم يقولوا به، وأما جوهر الفحمة إذا ألقيت في النار فلا نسلم أنه صار بعينه جوهر النار بل صار مجاوراً لجوهر النار، وغايته أن بعض صفات جوهر الفحمة وأعراضها بطلت بمجاورة جوهر النار، أما إن جوهر أحدهما صار جوهر الآخر فلا. وأما قولهم: إن الاتحاد بالناسوت الجزئي دون الكلي فمحال لأدلة إبطال الاتحاد وحلول القديم بالحادث، وبذلك يبطل قولهم: إن مريم ولدت إلهاً، وقولهم: القتل وقع على اللاهوت والناسوت معاً على أنه يوجب موت الإله وهو بديهي البطلان، وأما قول من قال: إن المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه محدث من وجه فباطل لأنه إذا كان جوهر المسيح متحداً لا كثرة فيه، فالحدوث إما أن يكون لعين ما قيل بقدمه، أو لغيره فإن كان الأول فهو محال وإلا لكان الشيء الواحد قديماً لا أول له حادثاً له أول وهو متناقض، وإن كان الثاني فهو خلاف المفروض، وأما قول من قال: إن الكلمة مرت بمريم كمرور الماء في الميزاب فيلزم منه انتقال الكلمة وهو ممتنع كما لا يخفى، وبه يبطل قول من قال: إن الكلمة كانت تدخل جسد المسيح تارة وتفارقه أخرى، وقولهم: إن ما ظهر من صورة المسيح في الناسوت لم يكن جسماً بل خيالاً كالصورة المرئية في المرآة باطل لأن من أصلهم أن المسيح إنما أحيا الميت وأبرأ الأكمه والأبرص بما فيه من اللاهوت، فإذا كان ما ظهر فيه من اللاهوت لا حقيقة له بل هو خيال محض لا يصلح لحدوث ما حدث عن الإله عنه، والقول: بأن أقنوم الحياة مخلوق حادث ليس كذلك لقيام الأدلة على قدم الصفات فهو قديم أزلي كيف وأنه لو كان حادثاً لكان الإله قبله غير حي، ومن ليس بحي لا يكون عالماً ولا ناطقاً، وقول من قال: إن المسيح مخلوق قبل العالم وهو خالق لكل / شيء باطل لقيام الأدلة على أنه كان الله تعالى ولا شيء غيره. وأما الأمانة التي هم بها متقربون وبما حوته متعبدون فبيان اضطرابها وتناقضها وتهافتها من وجوه: الأول أن قولهم: نؤمن بالواحد الأب صانع كل شيء، يناقض قولهم: وبالرب الواحد المسيح الخ مناقضة لا تكاد تخفى، الثاني أن قولهم: إن يسوع المسيح ابن الله تعالى بكر الخلائق مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلا تأخره عنه إذ الوالد والولد لا يكونان معاً في الوجود وكونهما معاً مستحيل ببداهة العقول لأن الأب لا يخلو إما أن يكون ولد ولداً لم يزل أو لم يكن، فإن قالوا: ولد ولداً لم يزل، قلنا: فما ولد شيئاً إذ الابن لم يزل وإن ولد شيئاً لم يكن، فالولد حادث مخلوق وذلك مكذب لقولهم: إله حق من إله حق من جوهر أبيه وأنه أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء، الثالث أن قولهم: إله حق من إله حق من جوهر أبيه يناقضه قول المسيح في «الإنجيل»: وقد سئل عن يوم القيامة فقال: لا أعرفه ولا يعرفه إلا الأب وحده، فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب على أنه لو جاز أن يكون إله ثان من إله أول لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان ولما وقف الأمر على غاية وهو محال، الرابع أن قولهم: إن يسوع أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء باطل مكذب لما في «الإنجيل» إذ يقول متى: هذا مولد يسوع المسيح بن داود، وأيضاً خالق العالم لا بد وأن يكون سابقاً عليه وأنى بسبق المسيح وقد ولدته مريم؟! وأيضاً في «الإنجيل» إن إبليس قال للمسيح: أسجد لي وأعطيك جميع العالم وأملكك كل شيء ولا زال يسحبه من مكان إلى مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له فكيف يكون خالق العالم محصوراً في يد بعض العالم؟! نعوذ بالله تعالى من الضلالة. الخامس أن قولهم: المسيح الإله الحق الذي نزل من السماء لخلاص الناس وتجسد من روح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد، فيه عدة مفاسد: منها أن المسيح لا يخص مجرد الكلمة ولا مجرد الجسد بل هو اسم يخص هذا الجسد الذي ولدته مريم عليها السلام ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحاً فبطل أن يكون هو الذي نزل من السماء، ومنها أن الذي نزل من السماء لا يخلو إما أن يكون الكلمة أو الناسوت، فإن زعموا أن الذي نزل هو الناسوت فكذب صراح لأن ناسوته من مريم، وإن زعموا أنه اللاهوت فيقال: لا يخلو إما أن يكون الذات أو العلم المعبر عنه بالكلمة فإن كان الأول لزم لحوق النقائص للباري عز اسمه، وإن كان الثاني لزم انتقال الصفة وبقاء الباري بلا علم وذلك باطل. ومنها أن قولهم: إنما نزل لخلاص معشر الناس يريدون به أن آدم عليه السلام لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان وأوجب عليهم الخلود في النار فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به وذلك دعوى لا دلالة عليها، هب أنا سلمناها لهم لكن يقال: أخبرونا مم هذا الخلاص الذي تعنى الإله الأزلي له وفعل ما فعل بنفسه لأجله؟ ولم خلصكم؟ وممن خلصكم؟ وكيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينهم؟ وكيف ابتذل وامتهن في خلاصكم دون الأب والروح؟ فإن زعموا أن الخلاص من تكاليف الدنيا وهمومها أكذبهم الحس، وإن كان من تكاليف الشرع وأنهم قد حط عنهم الصلاة والصوم مثلاً أكذبهم المسيح. والحواريون بما وضعوه عليهم من التكاليف، وإن زعموا أنهم قد خلصوا من أحكام الدار الآخرة فمن ارتكب محرماً منهم لم يؤاخذ أكذبهم الإنجيل والنبوات إذ يقول المسيح في «الإنجيل» إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم قبل تأسيس الدنيا، وأقول لأهل الشمال: / فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم، السادس: أن قولهم: وتجسد من روح القدس باطل بنص «الإنجيل» إذ يقول مَتّى في الفصل الثاني منه: إن يوحنا المعمداني حين عمد المسيح جاءت روح القدس إليه من السماء في صفة حمامة وذلك بعد ثلاثين من عمره. السابع أن قولهم: إن المسيح نزل من السماء وحملت به مريم وسكن في رحمها مكذب بقول لوقا الإنجيلي: إذ يقول في «قصص الحواريين» في الفصل الرابع عشر منه: إن الله تعالى هو خالق العالم بما فيه وهو رب السماء والأرض لا يسكن الهياكل ولا تناله أيدي الرجال ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء لأنه الذي أعطى الناس الحياة، فوجودنا به وحياتنا وحركاتنا منه، فقد شهد لوقا بأن الباري وصفاته لا تسكن الهياكل ولا تناله الرجال بأيديها، وهذا ينافي كون الكلمة سكنت في هيكل مريم وتحولت إلى هيكل المسيح، الثامن أن قولهم: إنه بعد أن قتل وصلب قام من بين الأموات وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه من الكذب الفاحش المستلزم للحدوث، التاسع أن قولهم: إن يسوع هذا الرب الذي صلب وقتل مستعد للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء بمنزلة قول القائل:شعر : لألفينك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زاداً تفسير : إذ زعموا أنه في المرة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتى تم عليه من أعدائه ما تم فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرة الثانية، العاشر أن قولهم: ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الذنوب فيه مناقضة لأصولهم، وذلك أن اعتقاد النصارى أنه لم تغفر خطاياهم بدون قتل المسيح، ولذلك سموه جمل الله تعالى الذي يحمل عليه الخطايا، ودعوه مخلص العالم من الخطيئة فإذا آمنوا بأن المعمودية الواحدة هي التي تغفر خطاياهم وتخلص من ذنوبهم فقد صرحوا بأنه لا حاجة إلى قتل المسيح لاستقلال المعمودية بالخلاص والمغفرة فإن كان التعميد كافياً للمغفرة فقد اعترفوا أن وقوع القتل عبث وإن كانت لا تحصل إلا بقتله فما فائدة التعميد وما هذا الإيمان؟ فهذه عشرة وجوه كاملة في ردّ تلك الأمانة وإظهار ما لهم فيها من الخيانة، ومن أمعن نظره ردّها بأضعاف ذلك، وقال أبو الفضل المالكي بعد كلام:شعر : بطلت أمانتهم فمن مضمونها ظهرت خيانتها خلال سطورها بدأوا بتوحيد الإله وأشركوا عيسى به، فالخلف في تعبيرها قالوا: بأن إلههم عيسى الذي ذر الوجود على الخليقة كلها خلق أمه قبل الحلول ببطنها ما كان أغنى ذاته عن مثلها هل كان محتاجاً لشرب لبانها أو أن يربى في مواطن حجرها جعلوه رباً جوهراً من جوهر ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النهى قالوا: وجاء من السماء عناية لخلاص آدم من لظاه وحرها قد تاب آدم توبة مقبولة فضلالهم جعل الفداء بغيرها لو جاء في ظلل الغمام وحوله شرفاً ملائكة السماء بأسرها وفدى الذي بيديه أحكم طينه بالعفو عن كل الأمور وسترها ثم اجتباه محبباً ومفضلا ووقاه من غي النفوس وشرها كنتم تحلون الإله مقامه فيما تراه نفوسكم من شركها من غير أن يحتاج في تخليصه كل الخلائق أن تبوء بضرها ويشينه الأعدا بما لا يرتضي من كيدها وبما دهى من مكرها هذي أمانتهم وهذا شرحها الله أكبر من معاني كفرها تفسير : ثم اعلم أنه لا حجة للنصارى القائلين بالتثليث بما روي عن متى التلميذ أنه قال: إن المسيح عندما ودعهم قال: اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك كما أن مفتتح القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، ويوهم كلام بعض منا أن هذه التسمية نزلت من السماء كالبسملة عندنا لأنا نقول ـ على تقدير صحة الرواية، ودونها خرط القتاد ـ: يحتمل أن يراد بالأب المبدأ، فإن القدماء كانوا يسمون المباديء بالآباء، ومن الابن الرسول، وسمي بذلك تشريفاً وإكراماً كما سمي إبراهيم عليه السلام خليلاً، أو باعتبار أنهم يسمون الآثار أبناء، وقد رووا عن المسيح عليه السلام أنه قال: إني ذاهب إلى أبـي وأبيكم، وقال: لا تعطوا صدقاتكم قدّام الناس لتراءوهم فإنه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء. وربما يقال: إن الابن بمعنى الحبيب أو نحوه، ويشير إلى ذلك ما رووه أنه عليه السلام قال عقيب وصية وصى بها الحواريين: لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء وتكونوا تامّين كما أن أباكم الذي في السماء تام، ويراد بروح القدس جبريل عليه السلام، والمعنى عمدوا ببركة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والملك المؤيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تبليغ أوامر ربهم، وفي «كشف الغين عن الفرق بين البسملتين» للشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره أن بسملة النصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر الإلٰهي الواحد الأحد: الغيب المطلق، فالأب إشارة إلى الروح الذي هو أول مخلوق لله تعالى كما في الخبر وهو المسمى بالعقل والقلم والحقيقة المحمدية، ويضاف إلى الله تعالى فيقال: روح الله تعالى للتشريف والتعظيم كـ {أية : نَاقَةَ ٱللَّهِ} تفسير : [الشمس: 13] تعالى، و {أية : رُوحُ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [النحل: 102] إشارة إليه أيضاً باعتبار ظهوره بصورة البشر السوي النافخ في درع مريم عليها السلام، والابن إشارة إلى عيسى عليه السلام وهو ابن لذلك الروح باعتبار أن تكوّنه بسبب نفخه، والأب هو الابن، والابن هو روح القدس في الحقيقة، والغيب المطلق منزه مقدس عن هذه الثلاثة، فإنه سبحانه من حيث هو لا شيء معه ولا يمكن أن يكون معه شيء، فبسملة الإنجيل من مقام الصفات الإلهية والأسماء الربانية لا من مقام الذات الأقدسية. ثم لا يتوهمن متوهم أن كلمات ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النصارى كما يزعمه من لا اطلاع له على تحقيق كلامهم ولا ذوق له في مشربهم، وذلك لأن القوم نفعنا الله تعالى بهم مبرؤون عما نسبه المحجوبون إليهم من اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول، أما إنهم لم يقولوا بالتجسيم فلما تقرر عندهم من أن الحق سبحانه هو الوجود المحض الموجود بذاته القائم بذاته المتعين بذاته، وكل جسم فهو صورة في الوجود المنبسط على الحقائق المعبر عنه بالعماء متعينة بمقتضى استعداد ماهية المعدومة ولا شيء من الوجود المجرد من الماهية المتعين بذاته بالصورة المتعينة في الوجود المنبسط بمقتضى الماهية المعدومة فلا شيء من الجسم بالوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته، وتنعكس إلى لا شيء من الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته بجسم وهو المطلوب، وأما أنهم لم يقولوا بالعينية، فلأن الحق تعالى هو ما علمت من الوجود المحض، الخ، والمخلوق هو الصورة الظاهرة في الوجود المنبسط على الحقائق المتعين بحسب ماهيته المعدومة ولا شيء من المجرد عن الماهية المتعين بذاته بالمقترن بالماهية المتعين / بحسبها، ومما يشهد لذلك قول الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة من «الفتوحات» في حضرة البديع بعد بسط: وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق وإنما ظهر في الوجود الحق إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعاً، وقوله في هذا الباب أيضاً في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] انفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل ما سواه، فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك، وما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف، وكذا قال غير واحد، وقال الشيخ شرف الدين إسماعيل بن سودكين في «شرح التجليات» نقلاً عن الشيخ قدس سره أيضاً: لما ظهرت الممكنات بإظهار الله تعالى لها وتحقق ذلك تحققاً لا يمكن للممكن أن يزيل هذه الحقيقة أبداً فبقي متواضعاً لكبرياء الله تعالى خاشعاً له وهذه سجدة الأبد وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته. ومن هنا يعلم حقيقة قوله سبحانه: «كنت سمعه وبصره» الحديث، ولما لاح من هذا المشهد لبعض الضعفاء لائح قال: أنا الحق فسكر وصاح ولم يتحقق لغيبته عن حقيقته انتهى، وأما أنهم لم يقولوا بالاتحاد فلأن الاتحاد إما بصيرورة الوجود المحض المجرد المتعين بذاته وجوداً مقترناً بالماهية المعدومة متعيناً بحسبها أو بالعكس، وذلك محال بوجهيه لأن التجرد عن الماهية ذاتي للحق تعالى والاقتران بها ذاتي للممكن وما بالذات لا يزول. وفي كتاب «المعرفة» للشيخ الأكبر قدس سره: إذا كان الاتحاد مصيّر الذاتين واحدة فهو محال لأنه إن كان عين كل منهما موجوداً في حال الاتحاد فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلا واحدة، وقال في كتاب الياء وهو كتاب الهو الاتحاد محال، وساق الكلام إلى أن قال: فلا اتحاد البتة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصورة، وقال في الباب الخامس من «الفتوحات» خطاباً من الحق تعالى للروح الكلي: وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بالأسرار الإلٰهية إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو عرفتها لاتحدت الأنية واتحاد الإنية محال، فمشاهدتك لذلك محال، هل ترجع إنية المركب إنية البسيط؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق، وأما إنهم لم يقولوا بالحلول فلأنهم فسروا الحلول تارة بأنه الحصول على سبيل التبعية، وتارة بأنه كون الموجود في محل قائماً به، ومن المعلوم أن الواجب تعالى ـ وهو الوجود المحض القائم بذاته المتعين كذلك ـ يستحيل عليه القيام بغيره. قال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثاني والتسعين ومائتين من «الفتوحات»: نور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر لا شك في ذلك، كذلك الاقتدار الإلٰهي إذا تجلى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق فهو وإن كان بالاقتدار الإلٰهي، لكن يختلف الحكم لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه، وكما يعلم عقلاً أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليها بذاتها وإنما كان لها مجلي، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه وإنما هو مجلي له وخاصة ومظهر له انتهى. وهذا نص في نفي الحلول ومنشأ غلط المحجوبين المنكرين عدم الفهم لكلام هؤلاء السادة نفعنا الله تعالى بهم على وجهه، وعدم التمييز بين الحلول والتجلي ولم يعلموا أن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلاً له، فإن الظاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعاً بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه فالظهور غير الحلول، / فإن الظهور في المظاهر للواسع القدوس يجامع التنزيه بخلاف الحلول، نعم وقع في كلامهم التعبير بالحلول ومرادهم به الظهور، ومن ذلك قوله:شعر : يا قبلتي قابليني بالسجود فقد رأيت شخصاً لشخص في قد سجدا لاهوته حل ناسوتي فقدسني إني عجبت لمثلي كيف ما عبدا تفسير : وكان الأولى بحسب الظاهر عدم التعبير بمثل ذلك ولكن للقوم أحوال ومقامات لا تصل إليها أفهامنا، ولعل عذرهم واضح عند المنصفين، إذا علمت ذلك وتحققت اختلاف النصارى في عقائدهم، فاعلم أنه سبحانه إنما حكى في بعض الآيات قول بعض منهم، وفي بعض آخر قول آخرين، وحكاية دعواهم ألوهية مريم عليها السلام كدعواهم ألوهية عيسى عليه السلام مما نطق بها القرآن ولم يشع ذلك عنهم صريحاً لكن يلزمهم ذلك بناءاً على ما حققه الإمام الرازي رحمه الله تعالى، والنصارى اليوم ينكرونه والله تعالى أصدق القائلين، ويمكن أن يقال: إن مدعي ألوهيتها عليها السلام صريحاً طائفة منهم هلكت قديماً كالطائفة اليهودية التي تقول عزير ابن الله تعالى على ما قيل. ثم إنه سبحانه بالغ في زجر القائلين فأردف سبحانه النهي بقوله عز من قائل: {ٱنتَهُواْ} عن القول بالتثليث {خَيْراً لَّكُمْ} قد مر الكلام في أوجه انتصابه {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أي أسبحه تسبيحاً عن، أو من أن يكون له ولد، أو سبحوه عن، أو من ذلك لأن الولد يشابه الأب ويكون مثله والله تعالى منزه عن التشبيه والمثل، وأيضاً الولد إنما يطلب ليكون قائماً مقام أبيه إذا عدم ولذا كان التناسل والله تعالى باق لا يتطرق ساحته العلية فناء فلا يحتاج إلى ولد ولا حكمة تقتضيه، وقد علمت ما أوقع النصارى في اعتقادهم أن عيسى عليه السلام ابن الله تعالى. ومن الاتفاقات الغريبة ما نقله مولانا راغب باشا رحمه الله تعالى ملخصاً من «تعريفات أبـي البقاء» قال: قال الإمام العلامة محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري نور الله تعالى ضريحه: إن بعض النصارى انتصر لدينه وانتزع من البسملة الشريفة دليلاً على تقوية اعتقاده في المسيح عليه السلام وصحة يقينه به فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدّم فيها وأخر وفكر وقدّر فقتل كيف قدّر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر، فقال: قد انتظم من البسملة المسيح ابن الله المحرر، فقلت له: حيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكماً وحزت منها أحكاماً وحكماً فلتنصرن البسملة منا الأخيار على الأشرار، ولتفضلن أصحاب الجنة على أصحاب النار إذ قد قالت لك البسملة بلسان حالها: إنما الله رب المسيح راحم النحر لأمم لها المسيح رب، ما برح الله راحم المسلمين، سل ابن مريم أحل له الحرام، لا المسيح ابن الله المحرر، لا مرحم للئام أبناء السحرة رحم حرّ مسلم أناب إلى الله، لله نبـي مسلم حرم الراح، ربح رأس مال كلمة الإيمان، فإن قلت: إنه عليه السلام رسول صدقتك، وقالت: إيل أرسل الرحمة بلحم، وإيل من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم ببيت لحم، وهو المكان الذي ولد فيه عيسى عليه السلام إلى غير ذلك مما يدل على إبطال مذهب النصارى، ثم انظر إلى البسملة قد تخبر أن من وراء خلها خيولاً وليوثا، ومن دون طلها سيولاً وغيوثا، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة فنسجت على منوالها وقابلت الواحدة بعشر أمثالها بل أتيتك بما يغنيك فيبهتك ويسمعك ما يصمك عن الإجابة فيصمتك، فتعلم أن هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون ومستودع لجوهر سرها المكنون، ألا ترى أن البسملة / إذا حصلت جملتها كان عددها سبعمائة وستة وثمانين فوافق جملها إن مثل عيسى كآدم ليس لله من شريك بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة ولا أشرك بربـي أحداً، يهدي الله لنوره من يشاء، بإسقاط ألف الجلالة، فقد أجابتك البسملة بما لم تحط به خبراً، وجاءك ما لم تستطع عليه صبراً انتهى. وقد تقدم نظير ذلك في الباقي بعد إسقاط المكرر من حروف المعجم في أوائل السور حيث رتب الشيعي منه ما ظنه مقوياً لما هو عليه أعني صراط علي حقاً نمسكه وقابلناه بما يبهته مرتباً من هذا الحروف أيضاً فتذكر، وقرأ الحسن {أَن يَكُونَ} بكسر الهمزة ورفع النون أي سبحانه ما يكون له ولد على أن الكلام جملتان. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه، وبيان ذلك أنه سبحانه مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها لا يخرج من ملكوته شيء منها، ولو كان له ولد لكان مثله في المالكية فلا يكون مالكها لجميعها، وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} إشارة إلى دليل آخر لأن الوكيل بمعنى الحافظ فإذا استقل سبحانه وتعالى في الحفظ لم يحتج إلى الولد فإن الولد يعين أباه في حياته ويقوم مقامه بعد وفاته والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد عقلاً ويكون افتراؤه حمقاً وجهلاً.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس جولة مع النصارى من أهل الكتاب، كما كان الدرس الماضي جولة مع اليهود منهم وهؤلاء وهؤلاء من أهل الكتاب، الموجه إليهم هذا الخطاب. وفي الدرس الماضي أنصف القرآن عيسى بن مريم وأمه الطاهرة من افتراءات اليهود، وأنصف العقيدة الصحيحة في حكاية صلب المسيح - عليه السلام - وأنصف الحق نفسه من يهود، وأفاعيل يهود، وعنت يهود! وفي هذا الدرس يتجه السياق إلى إنصاف الحق والعقيدة، وإنصاف عيسى بن مريم كذلك من غلو النصارى في شأن المسيح - عليه السلام - ومن الأساطير الوثنية التي تسربت إلى النصرانية السمحة من شتى الأقوام، وشتى الملل، التي احتكت بها النصرانية؛ سواء في ذلك أساطير الإغريق والرومان، وأساطير قدماء المصريين، وأساطير الهنود! ولقد تولى القرآن الكريم تصحيح عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدها مليئة بالتحريفات مشحونة بالأساطير؛ كما تولى تصحيح عقائد المشركين، المتخلفة من بقايا الحنيفية دين إبراهيم - عليه السلام - في الجزيرة العربية ومن ركام فوقها من أساطير البشر وترهات الجاهلية! لا بل جاء الإسلام ليتولى تصحيح العقيدة في الله للبشر أجمعين؛ وينقذها من كل انحراف وكل اختلال، وكل غلو، وكل تفريط، في تفكير البشر أجمعين.. فصحح - فيما صحح - اختلالات تصور التوحيد في أراء أرسطو في أثينا قبل الميلاد، وأفلوطين في الإسكندرية بعد الميلاد؛ وما بينهما وما تلاهما من شتى التصورات في شتى الفلسفات التي كانت تخبط في التيه، معتمدة على ذبالة العقل البشري، الذي لا بد أن تعينه الرسالة، ليهتدي في هذا التيه! والقضية التي يعرض لها السياق في هذه الآيات، هي قضية "التثليث" وما تتضمنه من أسطورة "بنوة المسيح" لتقرير وحدانية الله سبحانه على الوجه المستقيم الصحيح. ولقد جاء الإسلام والعقيدة التي يعتنقها النصارى - على اختلاف المذاهب - هي عقيدة أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة: الآب، والابن، والروح القدس. والمسيح هو "الابن".. ثم تختلف المذاهب بعد ذلك في المسيح. هل هو ذو طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية؟ أم هل هو ذو طبيعة واحدة لاهوتية فقط. وهل هو ذو مشيئة واحدة مع اختلاف الطبيعتين؟ وهل هو قديم كالآب أو مخلوق.. إلى آخر ما تفرقت به المذاهب، وقامت عليه الاضطهادات بين الفرق المختلفة.. (وسيأتي شيء من تفصيل هذا الإجمال في مناسبته في سياق سورة المائدة). والثابت من التتبع التاريخي لأطوار العقيدة النصرانية، أن عقيدة التثليث، وكذلك عقيدة بنوة المسيح لله - سبحانه - (ومثلها عقيدة ألوهية أمه مريم، ودخولها في التثليثات المتعددة الأشكال) كلها لم تصاحب النصرانية الأولى. إنما دخلت إليها على فترات متفاوتة التاريخ، مع الوثنيين الذين دخلوا في النصرانية، وهم لم يبرأوا بعد من التصورات الوثنية والآلهة المتعددة.. والتثليث بالذات يغلب أن يكون مقتبساً من الديانات المصرية القديمة، من تثليث "أوزوريس وإيزيس، وحوريس" والتثليثات المتعددة في هذه الديانة.. وقد ظل النصارى الموحدون يقاومون الاضطهادات التي أنزلها بهم الأباطرة الرومان، والمجامع المقدسة الموالية للدولة (الملوكانيون) إلى ما بعد القرن السادس الميلادي على الرغم من كل ما لاقوه من اضطهاد وتغرب وتشرد بعيداً عن أيدي السلطات الرومانية! وما تزال فكرة "التثليث" تصدم عقول المثقفين من النصارى، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق، ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض! يقول القس بوطر صاحب رسالة: "الأصول والفروع" أحد شراح العقيدة النصرانية، في هذه القضية: "قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا. ونرجو أن نفهمه فهماً أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض". ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية. وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية. فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الورادة في سياق هذه السورة، لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد! {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق. إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة. انتهوا خيراً لكم. إنما الله إله واحد. سبحانه أن يكون له ولد. له ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلاً}.. فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق؛ فيزعموا له ولداً - سبحانه - كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة.. وقد تطورت عندهم فكرة البنوة، وفكرة التثليث، حسب رقي التفكير وانحطاطه. ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله، والذي تزيده الثقافة العقلية، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن "المحبة" بين الآب والابن. وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة.. بأنها "صفات" لله سبحانه في "حالات" مختلفة.. وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري. فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض. والله - سبحانه - تعالى عن الشركة؛ وتعالى عن المشابهة. ومقتضى كونه خالقاً يستتبع.. بذاته.. أن يكون غير الخلق. وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق. والمالك والملك.. وإلى هذا يشير النص القرآني: {إنما الله إله واحد. سبحانه! أن يكون له ولد؟ له ما في السماوات وما في الأرض..} وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيباً في عرف البشر، خارقاً لما ألفوه، فهذا العجب إنما تنشئه مخالفة المألوف. والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود. والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله. والله يخلق السنة ويجريها، ويصرفها حسب مشيئته. ولا حد لمشيئته. والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح: {إنما المسيح عيسى بن مريم، رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه}.. فهو على وجه القصد والتحديد: {رسول الله}.. شأنه في هذا شأن بقية الرسل. شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان.. {وكلمته ألقاها إلى مريم} وأقرب تفسير لهذه العبارة، أنه سبحانه، خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن: إنه "كن.. فيكون".. فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب - كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم - والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم، لا عجب في أن تخلق عيسى - عليه السلام - في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله: {وروح منه}.. وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه. فكان "إنساناً".. كما يقول الله تعالى: {أية : إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}تفسير : وكذلك قال في قصة عيسى: {أية : والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا}تفسير : .. فالأمر له سابقة.. والروح هنا هو الروح هناك.. ولم يقل أحد من أهل الكتاب - وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح الله - إن آدم إله، ولا أقنوم من أقانيم الإله. كما قالوا عن عيسى؛ مع تشابه الحال - من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك. بل إن آدم خلق من غير أب وأم: وعيسى خلق مع وجود أم.. وكذلك قال الله: {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون }.. تفسير : ويعجب الإنسان - وهو يرى وضوح القضية وبساطتها - من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله، في أذهان أجيال وأجيال وهي - كما يصورها القرآن - بسيطة بسيطة، وواضحة مكشوفة. إن الذي وهب لآدم.. من غير أبوين.. حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه، لهو الذي وهب عيسى.. من غير أب.. هذه الحياة الإنسانية كذلك.. وهذاالكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح، لمجرد أنه جاء من غير أب. وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك!.. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً: {فآمنوا بالله ورسله. ولا تقولوا: ثلاثة. انتهوا خيراً لكم}.. وهذه الدعوة للإيمان بالله ورسله - ومن بينهم عيسى بوصفه رسولاً، ومحمد بوصفه خاتم النبيين - والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير، تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح.. {إنما الله إله واحد}.. تشهد بهذا وحدة الناموس.. ووحدة الخلق. ووحدة الطريقة: كن.. فيكون.. ويشهد بذلك العقل البشري ذاته. فالقضية في حدود إدراكه. فالعقل لا يتصور خالقاً يشبه مخلوقاته، ولا ثلاثة في واحد. ولا واحداً في ثلاثة: {سبحانه أن يكون له ولد}.. والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل.. والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين؛ وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء: {له ما في السماوات وما في الأرض}.. ويكفي البشر أن يرتبطوا كلهم بالله ارتباط العبودية للمعبود؛ وهو يرعاهم أجمعين، ولا حاجة لافتراض قرابة بينهم وبينه عن طريق ابن له منهم! فالصلة قائمة بالرعاية والكلاءة: {وكفى بالله وكيلاً}.. وهكذا لا يكتفي القرآن ببيان الحقية وتقريرها في شأن العقيدة. إنما يضيف إليها إراحة شعور الناس من ناحية رعاية الله لهم؛ وقيامه - سبحانه - عليهم وعلى حوائجهم ومصالحهم؛ ليكلوا إليه أمرهم كله في طمأنينة.. ويمضي السياق في البيان؛ لتقرير أكبر قضايا التصور الاعتقادي الصحيح، وهي الحقيقة الاعتقادية التي تنشأ في النفس من تقرير حقيقة الوحدانية.. حقيقة أن ألوهية الخالق تتبعها عبودية الخلائق.. وأن هناك فقط: ألوهية وعبودية.. ألوهية واحدة، وعبودية تشمل كل شيء، وكل أحد، في هذا الوجود. ويصحح القرآن هنا عقيدة النصارى كما يصحح كل عقيدة تجعل للملائكة بنوة كبنوة عيسى، أو شركاً في الألوهية كشركته في الألوهية: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله - ولا الملائكة المقربون - ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله؛ وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}. لقد عني الإسلام عناية بالغة بتقرير حقيقة وحدانية الله سبحانه؛ وحدانية لا تتبلس بشبهة شرك أو مشابهة في صورة من الصور؛ وعني بتقرير أن الله - سبحانه - ليس كمثله شيء. فلا يشترك معه شيء في ماهية ولا صفة ولا خاصية. كما عني بتقرير حقيقة الصلة بين الله - سبحانه وكل شيء (بما في ذلك كل حي) وهي أنها صلة ألوهية وعبودية. ألوهية الله، وعبودية كل شيء لله.. والمتتبع للقرآن كله يجد العناية فيه بالغة بتقرير هذه الحقائق - أو هذه الحقيقة الواحدة بجوانبها هذه - بحيث لا تدع في النفس ظلاً من شك أو شبهة أو غموض. ولقد عني الإسلام كذلك بأن يقرر أن هذه هي الحقيقة التي جاء بها الرسل أجمعون. فقررها في سيرة كل رسول، وفي دعوة كل رسول؛ وجعلها محور الرسالة من عهد نوح عليه السلام، إلى عهد محمد خاتم النبيين - عليه الصلاة والسلام - تتكرر الدعوة بها على لسان كل رسول: {أية : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره }.. تفسير : وكان من العجيب أن أتباع الديانات السماوية - وهي حاسمة وصارمة في تقرير هذه الحقيقة - يكون منهم من يحرف هذه الحقيقة؛ وينسب لله - سبحانه - البنين والبنات؛ أو ينسب لله - سبحانه - الامتزاج مع أحد من خلقه في صورة الأقانيم؛ اقتباساً من الوثنيات التي عاشت في الجاهليات! ألوهية وعبودية.. ولا شيء غير هذه الحقيقة. ولا قاعدة إلا هذه القاعدة. ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية، وصلة العبودية بالألوهية.. ولا تستقيم تصورات الناس - كما لا تستقيم حياتهم - إلا بتمحيص هذه الحقيقة من كل غبش، ومن كل شبهة، ومن كل ظل! أجل لا تستقيم تصورات الناس، ولا تستقر مشاعرهم، إلا حين يستيقنون حقيقة الصلة بينهم وبين ربهم.. هو إله لهم وهم عبيده.. هو خالق لهم وهم مخاليق.. هو مالك لهم وهم مماليك.. وهم كلهم سواء في هذه الصلة، لا بنوة لأحد. ولا امتزاج بأحد.. ومن ثم لا قربى لأحد إلا بشيء يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه: التقوى والعمل الصالح.. وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله. فأما البنوة، وأما الامتزاج فانى بهما لكل أحد؟! ولا تستقيم حياتهم وارتباطاتهم ووظائفهم في الحياة، إلا حين تستقر في أخلادهم تلك الحقيقة: أنهم كلهم عبيد لرب واحد.. ومن ثم فموقفهم كلهم تجاه صاحب السلطان واحد.. فأما القربى إليه ففي متناول الجميع.. عندئذ تكون المساواة بين بني الانسان، لأنهم متساوون في موقفهم من صاحب السلطان.. وعندئذ تسقط كل دعوى زائفة في الوساطة بين الله والناس؛ وتسقط معها جميع الحقوق المدعاة لفرد أو لمجموعة أو لسلسلة من النسب لطائفة من الناس.. وبغير هذا لا تكون هناك مساواة أصيلة الجذور في حياة بني الإنسان ومجتمعهم ونظامهم ووضعهم في هذا النظام! فالمسألة - على هذا - ليست مسألة عقيدة وجدانية يستقر فيها القلب على هذا الأساس الركين، فحسب، إنما هي كذلك مسألة نظام حياة، وارتباطات مجتمع، وعلاقات أمم وأجيال من بني الإنسان. إنه ميلاد جديد للإنسان على يد الإسلام.. ميلاد للإنسان المتحرر من العبودية للعباد، بالعبودية لرب العباد.. ومن ثم لم تقم في تاريخ الإسلام "كنيسة" تستذل رقاب الناس، بوصفها الممثلة لابن الله، أو للأقنوم المتمم للأقانيم الإلهية؛ المستمدة لسلطانها من سلطان الابن أو سلطان الأقنوم. ولم تقم كذلك في تاريخ الإسلام سلطة مقدسة تحكم "بالحق الإلهي" زاعمة أن حقها في الحكم والتشريع مستمد من قرابتها أو تفويضها من الله! وقد ظلَّ "الحق المقدس" للكنيسة والبابوات في جانب؛ وللأباطرة الذين زعموا لأنفسهم حقاً مقدساً كحق الكنيسة في جانب.. ظل هذا الحق أو ذاك قائماً في أوربا باسم (الابن) أو مركب الأقانيم. حتى جاء "الصليبيون" إلى أرض الإسلام مغيرين. فلما ارتدوا أخذوا معهم من أرض الإسلام بذرة الثورة على "الحق المقدس" وكانت فيما بعد ثورات "مارتن لوثر" و "كالفن" و "زنجلي" المسماة بحركة الإصلاح.. على أساس من تأثير الإسلام، ووضوح التصور الإسلامي، ونفي القداسة عن بني الإنسان؛ ونفي التفويض في السلطان.. لأنه ليست هنالك إلا ألوهية وعبودية في عقيدة الإسلام.. وهنا يقول القرآن كلمة الفصل في ألوهية المسيح وبنوته؛ وألوهية روح القدس (أحد الأقانيم) وفي كل أسطورة عن بنوة أحد لله، أو ألوهية أحد مع الله، في أي شكل من الأشكال.. يقول القرآن كلمة الفصل بتقريره أن عيسى بن مريم عبد لله؛ وأنه لن يستنكف أن يكون عبداً لله. وأن الملائكة المقربين عبيد لله؛ وأنهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيداً لله. وأن جميع خلائقه ستحشر إليه. وأن الذين يستنكفون عن صفة العبودية ينتظرهم العذاب الأليم. وأن الذين يقرون بهذه العبودية لهم الثواب العظيم: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله - ولا الملائكة المقربون - ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}. إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبداً لله. لأنه - عليه السلام - وهو نبي الله ورسوله - خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ وأنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان. وهو خير من يعرف أنه من خلق الله؛ فلا يكون خلق الله كالله؛ أو بعضاً من الله! وهو خير من يعرف أن العبودية لله - فضلاً على أنها الحقيقة المؤكدة الوحيدة - لا تنقص من قدره. فالعبودية لله مرتبة لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء. وهي المرتبة التي يصف الله بها رسله، وهم في أرقى حالاتهم وأكرمها عنده.. وكذلك الملائكة المقربون - وفيهم روح القدس جبريل - شأنهم شأن عيسى عليه السلام وسائر الأنبياء - فما بال جماعة من أتباع المسيح يأبون له ما يرضاه لنفسه ويعرفه حق المعرفة؟! {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً}.. فاستنكافهم واستكبارهم لا يمنعهم من حشر الله لهم بسلطانه.. سلطان الألوهية على العباد.. شأنهم في هذا شأن المقرين بالعبودية المستسلمين لله.. فأما الذين عرفوا الحق، فأقروا بعبوديتهم لله؛ وعملوا الصالحات لأن عمل الصالحات هو الثمرة الطبيعية لهذه المعرفة وهذا الإقرار؛ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. {وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}.. وما يريد الله - سبحانه - من عباده أن يقروا له بالعبودية، وأن يعبدوه وحده، لأنه بحاجة إلى عبوديتهم وعبادتهم، ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى أو تنقص من شيء. ولكنه يريد لهم أن يعرفوا حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، لتصح تصوراتهم ومشاعرهم، كما تصح حياتهم وأوضاعهم. فما يمكن أن تستقر التصورات والمشاعر، ولا أن تستقر الحياة والأوضاع، على أساس سليم قويم، إلا بهذه المعرفة وما يتبعها من إقرار، وما يتبع الإقرار من آثار.. يريد الله - سبحانه - أن تستقر هذه الحقيقة بجوانبها التي بيناها في نفوس الناس وفي حياتهم. ليخرجوا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ليعرفوا مَنْ صاحب السلطان في هذا الكون وفي هذه الأرض؛ فلا يخضعوا إلا له، وإلا لمنهجه وشريعته للحياة، وإلا لمن يحكم حياتهم بمنهجه وشرعه دون سواه. يريد أن يعرفوا أن العبيد كلهم عبيد؛ ليرفعوا جباههم أمام كل من عداه؛ حين تعنو له وحده الوجوه والجباه. يريد أن يستشعروا العزة أمام المتجبرين والطغاة، حين يخرون له راكعين ساجدين يذكرون الله ولا يذكرون أحداً إلا الله. يريد أن يعرفوا أن القربى إليه لا تجيء عن صهر ولا نسب. ولكن تجيء عن تقوى وعمل صالح؛ فيعمرون الأرض ويعملون الصالحات قربى إلى الله. يريد أن تكون لهم معرفة بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فتكون لهم غيرة على سلطان الله في الأرض أن يدعيه المدعون باسم الله أو باسم غير الله فيردون الأمر كله لله.. ومن ثم تصلح حياتهم وترقى وتكرم على هذا الأساس.. إن تقدير هذه الحقيقة الكبيرة؛ وتعليق أنظار البشر لله وحده؛ وتعليق قلوبهم برضاه؛ وأعمالهم بتقواه؛ ونظام حياتهم بإذنه وشرعه ومنهجه دون سواه.. إن هذا كله رصيد من الخير والكرامة والحرية والعدل والاستقامة يضاف إلى حساب البشرية في حياتها الأرضية؛ وزاد من الخير والكرامة والحرية والعدل والاستقامة تستمتع به في الأرض.. في هذه الحياة.. فأما ما يجزي الله به المؤمنين المقرين بالعبودية العاملين للصالحات، في الآخرة، فهو كرم منه وفضل في حقيقة الأمر. وفيض من عطاء الله. وفي هذا الضوء يجب أن ننظر إلى قضية الإيمان بالله في الصورة الناصعة التي جاء بها الإسلام؛ وقرر أنها قاعدة الرسالة كلها ودعوة الرسل جميعاً؛ قبل أن يحرفها الأتباع، وتشوهها الأجيال.. يجب أن ننظر إليها بوصفها ميلاداً جديداً للإنسان؛ تتوافر له معه الكرامة والحرية، والعدل والصلاح، والخروج من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده في الشعائر وفي نظام الحياة سواء. والذين يستنكفون من العبودية لله، يذلون لعبوديات في هذه الأرض لا تنتهي.. يذلون لعبودية الهوى والشهوة. أو عبودية الوهم والخرافة. ويذلون لعبودية البشر من أمثالهم، ويحنون لهم الجباه. ويحكمون في حياتهم وأنظمتهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم عبيداً مثلهم من البشر هم وهم سواء أمام الله.. ولكنهم يتخذونهم آلهة لهم من دون الله.. هذا في الدنيا.. أما في الآخرة {فيعذبهم عذاباً أليماً، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}.. إنها القضية الكبرى في العقيدة السماوية تعرضها هذه الآية في هذا السياق في مواجهة انحراف أهل الكتاب من النصارى في ذلك الزمان. وفي مواجهة الانحرافات كلها إلى آخر الزمان.. ومن ثم دعوة إلى الناس كافة - كتلك الدعوة التي أعقبت المواجهة مع أهل الكتاب من اليهود في الدرس الماضي - أن الرسالة الأخيرة تحمل برهانها من الله. وهي نور كاشف للظلمات والشبهات. فمن اهتدى بها واعتصم بالله فسيجد رحمة الله تؤويه؛ وسيجد فضل الله يشمله؛ وسيجد في ذلك النور والهدى إلى صراط الله المستقيم: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم؛ وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً}.. وهذا القرآن يحمل برهانه للناس من رب الناس. {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم}. إن طابع الصنعة الربانية ظاهر فيه؛ يفرقه عن كلام البشر وعن صنع البشر.. في مبناه وفي فحواه سواء. وهي قضية واضحة يدركها أحياناً من لا يفهمون من العربية حرفاً واحداً، بصورة تدعو إلى العجب. كنا على ظهر الباخرة في عرض الأطلنطي في طريقنا إلى نيويورك، حينما أقمنا صلاة الجمعة على ظهر المركب.. ستة من الركاب المسلمين من بلاد عربية مختلفة وكثير من عمال المركب أهل النوبة. وألقيت خطبة الجمعة متضمنة آيات من القرآن في ثناياها. وسائر ركاب السفينة من جنسيات شتى متحلقون يشاهدون! وبعد انتهاء الصلاة جاءت إلينا - من بين من جاء يعبر لنا عن تأثره العميق بالصلاة الإسلامية - سيدة يوغسلافية فارة من الشيوعية إلى الولايات المتحدة! جاءتنا وفي عينيها دموع لا تكاد تمسك بها وفي صوتها رعشة. وقالت لنا في انجليزية ضعيفة: أنا لا أملك نفسي من الإعجاب البالغ بالخشوع البادي في صلاتكم.. ولكن ليس هذا ما جئت من أجله.. إنني لا أفهم من لغتكم حرفاً واحداً. غير أنني أحس أن فيها إيقاعاً موسيقياً لم أعهده في أية لغة.. ثم.. إن هناك فقرات مميزة في خطبة الخطيب. هي أشد إيقاعاً. ولها سلطان خاص على نفسي!!! وعرفت طبعاً أنها الآيات القرآنية، المميزة الإيقاع ذات السلطان الخاص! لا أقول: إن هذه قاعدة عند كل من يسمع ممن لا يعرفون العربية.. ولكنها ولا شك ظاهرة ذات دلالة! فأما الذين لهم ذوق خاص في هذه اللغة، وحس خاص بأساليبها، فقد كان من أمرهم ما كان؛ يوم واجههم محمد - صلى الله عليه وسلم - بهذا القرآن.. وقصة الأخنس بن شريق، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل وعمرو بن هشام، في الاستماع سراً للقرآن، وهم به مأخوذون، قصة مشهورة. وهي إحدى القصص الكثيرة.. والذين لهم ذوق في أي جيل يعرفون ما في القرآن من خصوصية وسلطان وبرهان من هذا الجانب.. فأما فحوى القرآن.. التصور الذي يحمله. والمنهج الذي يقرره. والنظام الذي يرسمه. و "التصميم" الذي يضعه للحياة.. فلا نملك هنا أن نفصله.. ولكن فيه البرهان كل البرهان على المصدر الذي جاء منه؛ وعلى أنه ليس من صنع الإنسان، لأنه يحمل طابع صنعة كاملة ليس هو طابع الإنسان. وفي هذا القرآن نور: {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}.. نور تتجلى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة؛ ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محدداً مرسوماً.. في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء.. حيث تجد النفس من هذا النور ما ينير جوانبها أولاً؛ فترى كل شيء فيها ومن حولها واضحاً.. حيث يتلاشى الغبش وينكشف؛ وحيث تبدو الحقيقة بسيطة كالبديهية، وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة؟! وحين يعيش الإنسان بروحه في الجو القرآني فترة؛ ويتلقى منه تصوراته وقيمه وموازينه، يحس يسراً وبساطة ووضوحاً في رؤية الأمور. ويشعر أن مقررات كثيرة كانت قلقة في حسه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء؛ وتلتزم حقائقها في يسر؛ وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفلة لتبدو في براءتها الفطرية، ونصاعتها كما خرجت من يد الله.. ومهما قلت في هذا التعبير: {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}.. فإنني لن أصور بألفاظي حقيقته، لمن لم يذق طعمه ولم يجده في نفسه! ولا بد من المكابدة في مثل هذه المعاني! ولا بد من التذوق الذاتي! ولا بد من التجربة المباشرة! {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً}.. والاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به.. متى صح الإيمان، ومتى عرفت النفس حقيقة الله وعرفت حقيقة عبودية الكل له. فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده. وهو صاحب السلطان والقدرة وحده.. وهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل. رحمة في هذه الحياة الدنيا - قبل الحياة الأخرى - وفضل في هذه العاجلة - قبل الفضل في الآجلة - فالإيمان هو الواحة الندية التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود. كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع ونظامه؛ في كرامة وحرية ونظافة واستقامة - كما أسلفنا - حيث يعرف كل إنسان مكانه على حقيقته. عبد لله وسيد مع كل من عداه.. وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام الإيمان - كما جاء به الإسلام - هذا النظام الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. حين يوحد الألوهية؛ ويسوي بين الخلائق جميعاً في العبودية. وحيث يجعل السلطان لله وحده والحاكمية لله وحده؛ فلا يخضع بشر لتشريع بشر مثله، فيكون عبداً له مهما تحرر! فالذين آمنوا في رحمة من الله وفضل، في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم الآجلة سواء.. {ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً}.. وكلمة {إليه}.. تخلع على التعبير حركة مصورة. إذ ترسم المؤمنين ويد الله تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة؛ وتقربهم إليه خطوة خطوة.. وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة، فيعتصم به على ثقة.. حيث يحس في كل لحظة أنه يهتدي؛ وتتضح أمامه الطريق؛ ويقترب فعلاً من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم. إنه مدلول يذاق.. ولا يعرف حتى يذاق!

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة. وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم. وقرينةُ أنَّهم المراد هي قوله: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} إلى قوله: {أية : أن يكون عبداً لله}تفسير : [النساء: 172] فإنّه بيان للمراد من إجمال قوله: {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ} وابتدئت موعظتهم بالنّهي عن الغلوّ لأنّ النّصارى غلَوا في تعظيم عيسى ـــ فادّعوا له بنوّة الله، وجعلوه ثالث الآلهة. والغلوّ: تجاوز الحدّ المألوف، مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشْرُوع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ. ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين. وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ ـــ عليهما السّلام ـــ، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله، مع الكفر بمحمدّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ} عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع. وفعل القول إذا عدّي بحرف (على) دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور بـــ (على) نسبة كاذبة، قال تعالى: {أية : ويقولون على الله الكذب}تفسير : [آل عمران: 78]. ومعنى القول على الله هنا: أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله. وقوله: {إنما المسيح عيسى ابن مريم} جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده، فإنَّه مجمل؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ. ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها. وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحاً من عند الله. فالقصر قصر موصوف على صفة. والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله ـــ سبحانه ـــ، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية. والقصر إضافي، وهو قصر إفرادٍ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يُزاد على تلك الصّفات من كون المسيح ابناً لله واتِّحاد الإلهيّة به وكون مريم صاحبة. ووصف المسيح بأنّه كلمة الله وصف جاء التّعبير به في الأناجيل؛ ففي صدر إنجيل يوحنا «في البدء كان الكلمةُ، والكلامة كان عند الله، وكان الكلمة الله ـــ ثم قال ـــ والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا». وقد حكاه القرآن وأثبته فدلّ على أنّه من الكلمات الإنجيلية، فمعنى ذلك أنّه أثَر كلمة الله. والكلمةُ هي التكوين، وهو المعبّر عنه في الاصطلاح بـــ (كُن). فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنّه تعلّقُ القدرة. ووصف عيسى بذلك لأنَّه لم يكن لتكوينه التّأثيرُ الظاهرُ المعروف في تكوين الأجنّة، فكان حدوثه بتعلّق القدرة، فيكون في {كلمته} في الآية مجازان: مجاز حذف، ومجاز استعارة صار حقيقة عرفيّة. ومعنى {ألقاها إلى مريم} أوصلها إلى مريم، وروعي في الضمير تأنيث لفظ الكلمة، وإلاّ فإنّ المراد منها عيسى، أو أراد كلمة أمر التكوين. ووصف عيسى بأنّه روح الله وصفٌ وقع في الأناجيل. وقد أقرّه الله هنا، فهو ممّا نزل حقّاً. ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح الّتي هي عناصر الحياة، لكنّها نسبت إلى الله لأنَّها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفةٍ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح. ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله، وقيل: لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه. وقيل: الروح النفخة. والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً. قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب:شعر : فقلت له ارفعها إليك فأَحيها برُوحك واقتُتْه لها قِيتة قَدْرا تفسير : (أي بنفخك). وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل. و(مِن) ابتدائية على التقادير. فإن قلت: ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ}تفسير : [الكهف: 110] فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفى للضلال. قلت: الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى ـــ عليه السّلام ـــ، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله. وتصدير جملة القصر بأنّه {رسول الله} ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح. الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه. أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته، وتنزيهه، وصدق رسله، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله. وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين، أي النصارى، لأنّهم لمّا وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان، وليكون الأمر بالإيمان بالله تمهيداً للأمر بالإيمان برُسله، وهو المقصود، وهذا هو الظاهر عندي. وأريدَ بالرسل جميعهم، أي لا تكفروا بواحد من رسله. وهذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهّم متوهّمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى ـــ عليه السلام ـــ مبالغة في نفي الإلهية عنه. وقوله: {ولا تقولوا ثلاثة} أي لا تنطقوا بهذه الكلمة، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة: الإبهام والخنصر والبنصر. والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد. لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه. والمخاطب بقوله: {ولا تقولوا} خصوص النّصارى. و{ثلاثة} خبر مبتدأ محذوف كانَ حذفه ليصلحَ لكلّ ما يصلحُ تقديره من مذاهبهم من التثليث، فإنّ النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية التثليث ممّا يصحّ الإخبار عنه بلفظ {ثلاثة} من الأسماء الدّالة على الإله، وهي عدّة أسماء. ففي الآية الأخرى {أية : لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة}تفسير : [المائدة: 73]. وفي آية آخر هذه السورة {أية : أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله}تفسير : [المائدة: 116]، أي إلهين مع الله، كما سيأتي، فالمجموع ثلاثة: كلّ واحد منهم إله؛ ولكنّهم يقولون: أنّ مجموع الثلاثة إله واحد أو اتّحدت الثلاثة فصار إله واحد. قال في «الكشّاف»: (ثلاثة) خبر مبتدأ محذوف فإن صحّت الحكاية عنهم أنَّهم يقولون: هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فتقديره الله ثلاثة وإلاّ فتقديره الآلهة ثلاثة اهـــ. والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلّهم، ولكنّهم مختلفون في كيفيته.. ونشأ من اعتقاد قدماء الإلهيّين من نصارى اليونان أنّ الله تعالى (ثَالُوث)، أي أنَّه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم، واحدها أقْنُوم ـــ بضم الهمزة وسكون القاف ـــ. قال في «القاموس»: هو كلمة رومية، وفسّره القاموس بالأصل، وفسّره التفتزاني في كتاب «المقاصد» بالصفة. ويظهر أنَّه معرّب كلمة (قنوم بقاف معقد عجمي) وهو الاسم، أي (الكلمة). وعبّروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة (آبَا ـــ ابنَا ـــ رُوحا قُدُسا) وهذه الأقانيم يتفرّع بعضها عن بعض: فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو ـــ الوجود القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات. والأقنوم الثاني أقنوم العلم، وهو الابن، وهو دونَ الأقنوم الأول، ومنه كان تدبير جميع القوى العقلية. والأقنوم الثالث أقنوم الروح القُدس، وهو صفة الحياة، وهي دون أقنوم العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات. وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية، مثل القِدم والبقاء، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثمّ أرادوا أن يتأوّلوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله فسمّوا أقنوم الذات بالأب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بالروح القدس، لأنّ الإنجيل أطلق اسم الأب على الله، وأطلق اسم الابن على المسيح رسوله، وأطلق الروح القدس على ما به كُوّن المسيح في بطن مريم، على أنَّهم أرادوا أن ينبّهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين فراموا أن يدلّوا على عدم تأخّر بعض الصّفات عن بعض فعبّروا بالأب والابن، (كما عبّر الفلاسفة اليونان بالتولّد). وسمّوا أقنوم العلم بالكلمة لأنّ من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله، أي أنَّه يعلم ما علمه الله ويبلّغه، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مكلَّلاً بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الروميّة، فلمّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أنّ الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانيّة، وقاربوا عقيدة الشرك. ثمّ جَرّهم الغُلوّ في تقديس المسيح فتوهَّموا أنّ علم الله اتّحد بالمسيح، فقالوا: إنّ المسيح صار ناسوتُه لاَهُوتاً، باتّحاد أقنُوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثمّ نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوّعة، ثمّ اعتقدوا اتّحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح. هذا أصل التثليث عند النّصارى، وعنه تفرّعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة} ـــ وقولُه ـــ {أية : لقد كفر الّذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}تفسير : [المائدة: 72] وقولُه: {أية : أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله}تفسير : [المائدة: 116] وكانوا يقولون: في عيسى لاهوتيةٌ من جهة الأب ونَاسوتيَّةٌ ـــ أي إنسانية ـــ من جهة الأمّ. وظهر بالإسكندرية راهب اسمه (آريوس) قالو بالتوحيد وأنّ عيسى عبدُ الله مخلوق، وكان في زمن (قسطنطينوس سلطان الرّون باني القسطنطينية). فلمّا تديّن قسطنطينوس المذكور بالنصرانية سنة327 تبع مقالة (آريوس)، ثمّ رأى مخالفةَ معظمِ الرهبان له فأراد أن يوحّد كلمتهم، فجمع مجمعاً من علماء النصارى في أواخر القرن الرابع من التّاريخ المسيحي، وكان في هذا المجمع نحو ألفي عالم من النصارى فوجدهم مختلفين اختلافاً كثيراً ووجد أكثر طائفة منهم على قول واحدٍ ثلاثَمائة وبضعةَ عشر عالماً فأخذ قولهم وجعله أصل المسيحيّة ونصَره، وهذه الطائفة تلقّب (المَلْكَانِيَّة) نسبة للمَلِك. واتَّفق قولهم على أنّ كلمة الله اتَّحدت بجسد عيسى، وتقمَّصت في ناسوته، أي إنسانيته، ومازجته امتزاج الخمر بالماء، فصارت الكلمةُ ذاتاً في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابناً لله تعالى، فالإلهُ مجموع ثلاثة أشياء: الأوّل الأب ذُو الوجود، والثاني الابن ذُو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس. ثمّ حدثت فيهم فرقة اليَعْقوبية وفرقة النَّسْطُورِيَّة في مجامع أخرى انعقدت بين الرهبان. فاليعقوبيّة، ويسمّون الآن (أرْثُودُكْسْ)، ظَهروا في أواسط القرن السادس المسيحي، وهم أسبق من النسطورية؛ قالوا: انقلبت الإلهية لَحْماً ودَماً؛ فصار الإله هو المسيح فلأجل ذلك صدرت عن المسيح خوارق العادات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فأشبه صُنْعه صنع الله تعالى ممّا يعجز عنه غير الله تعالى. وكان نصارى الحبشة يعاقبه، وسنتعرّض لذكرها عند قوله تعالى: {أية : لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم} تفسير : في سورة المائدة (72)، وعند قوله تعالى: {أية : فاختلف الأحزاب من بينهم}تفسير : [مريم: 37]. والنَّسطوريّة قالت: اتَّحدت الكلمة بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرق الشّمس من كوة مِن بلّور، فالمسح إنسان، وهو كلمة الله، فلذلك هو إنسان إله، أو هو له ذاتيتان ذات إنسانيّة وأخرى إلهيّة، وقد أطلق على الرئيس الديني لهذه النّحلة لقب (جَاثِليق). وكانت النحلة النسطورية غالبة على نصارى العرب. وكان رهبان اليعاقبة ورهبان النسطوريين يتسابقون لبث كلّ فريققٍ نحلتَه بين قبائل العرب. وكان الأكاسرة حُماة للنسطورية. وقياصرةُ الرّوم حُمَاة لليعقوبية. وقد شاعت النّصرانيّة بنحْلتيْها في بَكْر، وتَغلب، وربيعة، ولخم، وجُذام، وتَنُوخ، وكَلْب، ونَجْران، واليَمَن، والبحرين. وقد بَسَطْتُ هذا ليعلم حُسن الإيجاز في قوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة} وإتيانه على هذه المذاهب كلّها. فللّه هذا الإعجاز العلمي. والقول في نَصب (خيراً) من قوله: {انتهوا خيراً لكم} كالقول في قوله تعالى: {أية : فآمنوا خيراً لكم}تفسير : [النساء: 170]. والقصر في قوله: {إنَّما الله إله واحد} قصر موصوف على صفة، لأنّ (إنّما) يليها المقصور، وهو هنا قصر إضافي، أي ليس الله بثلاثة. وقوله: {سبحانه أن يكون له ولد} إظهار لغلطهم في أفهامهم، وفي إطلاقاتهم لفظَ الأب والابن كيفما كان محملهما لأنَّهما إمّا ضلالة وإمّا إيهامُها، فكلمة (سبحانه) تفيد قوة التنزيه لله تعالى عن أن يكون له ولد، والدلالةَ على غلط مثبتيهِ، فإنّ الإلهية تنافي الكون أبا واتّخاذَ ابن، لاستحالة الفناء، والاحتياج، والانفصال، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى. والبنوّة تستلزم ثبوت هذه المستحيلات لأنّ النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يتطلّبونها لذلك، وللإعانةِ على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، وفيها أنّ الابن مماثلة لأبيه فأبُوه مماثل له لا محالة. و(سبحان) اسم مصدر سَبَّح، وليس مصدراً، لأنَّه لم يسمع له فعل سالم. وجزم ابن جني بأنّه علَم على التسبيح، فهو من أعلام الأجناس، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة. وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا} تفسير : في سورة البقرة (32). وقوله: {أنْ يكونَ له وَلَدَ} متعلّق بـــ (سبحان) حرف الجرّ، وهو حرف (عَن) محذوفاً. وجملة {له ما في السموات وما في الأرض} تعليل لقوله: {سبحانه أن يكون له ولد} لأنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قد استغنى عن الولد، ولأنّ من يُزْعَم أنَّه ولدٌ له هو ممّا في السماوات والأرض كالملائكة أو المسيح، فالكلّ عبيده وليس الابن بعبد. وقوله: {وكفى بالله وكيلا} تذييل، والوكيل الحافظ، والمراد هنا حافظ ما في السماوات والأرض، أي الموجودات كُلّها. وحُذف مفعول (كفى) للعموم، أي كفى كلّ أحد، أي فتوكّلوا عليه، ولا تتوكّلوا على من تزعمونه ابناً له. وتقدّم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى: {وكفى بالله وكيلاً} في هذه السورة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}. هذا الغلو الذي نهوا عنه هو وقول غير الحق هو قول بعضهم إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم هو الله، وقول بعضهم هو إله مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً كما بينه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30] وقوله: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} تفسير : [المائدة: 17] وقوله: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73] وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله: {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} [النساء: 171] الآية، وقوله: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} تفسير : [النساء: 172] الآية، وقوله: {أية : مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَام} تفسير : [المائدة: 75]. وقوله: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 17]. وقال بعض العلماء: يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في هذه الآية ما قالوا من البهتان على مريم أيضاً واعتمده القرطبي وعليه فيكون الغلو المنهي عنه شاملاً للتفريط والإفراط. وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط وهو معنى قول مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى ولقد أجاد من قال: شعر : ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم تفسير : وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا عبد الله ورسوله ". تفسير : قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}. ليست لفظة من في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على الله، ولكن من هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حياً من الله تعالى. لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن من هنا لابتداء الغاية. قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] أي: كائناً مبدأ ذلك كله منه جلَّ وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: "خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى عليه الصلاة والسلام. فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى عليه السلام" وهذه الإضافة للتفضيل. لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا كقوله: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِين}تفسير : [الحج: 26]. وقوله: {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 73] الآية. وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله أي: من خلقه، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم، وقيل سمي روحاً بسبب نفخة جبريل عليه السلام المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحاً. لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة. شعر : فقلت له: ارفعها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا تفسير : وعلى هذا القول فقوله "وروح" معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي هو فاعل ألقاها، قاله القرطبي والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء وروح منه: أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه، قيل ومنه وأيده بروح منه، أي: برحمة منه، حكاه القرطبي أيضاً، وقيل روح منه أي: برهان منه وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {يا أهل الكتاب} يريد: النَّصارى {لا تغلوا} لا تتجاوزوا الحدَّ ولا تتشدَّدوا {في دينكم ولا تقولوا على الله إلاَّ الحق} فليس له ولدٌ، ولا زوجة، ولا شريك، وقوله: {وكلمته ألقاها} يعني: أنَّه قال له: كن فيكون {وروحٌ منه} أَيْ: روحٌ مخلوقٌ من عنده {ولا تقولوا ثلاثة} أَيْ: لا تقولوا: آلهتنا ثلاثة. يعني قولهم: اللَّهُ، وصاحبته، وابنه [تعالى الله عن ذلك]. {انتهوا خيراً لكم} أَي: ائتوا بالانتهاء عن هذا خيراً لكم مما أنتم عليه. {لن يستنكف المسيح} لن يأنف الذي تزعمون أنَّه إِلهٌ {أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون} من كرامة الله تعالى، وهم أكثرُ من البشر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا أهل الكتاب: المراد بهم هنا النصارى. لا تغلوا في دينكم: الغلو: تجاوز الحد للشيء فعيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فغلوا فيه فقالوا هو الله. المسيح: هو عيسى عليه السلام ولقب بالمسيح لأنه ممسوح من الذنوب أي لا ذنب له قط. كلمته ألقاها: أي قول الله تعالى له {كُنْ} فكان - ألقاها إلى مريم: أوصلها لها وأبلغها إياها وهي قول الملائكة لها إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم. وروح منه: أي عيسى كان بنفخة جبريل روح الله في كم درعها. وكيلاً: حفيظاً وشاهداً عليماً. لن يستنكف: لا يرفض عبوديته لله تعالى أنفة وكبراً. ويستكبر: يرى نفسه كبيرة فوق ما طلب منه أن يقوله أو يفعله إعجاباً وغروراً. ولياً ولا نصيراً: أي لا يجدون يوم القيامة ولياً يتولى الدفاع عنهم ولا نصيراً ينصرهم حتى لا يدخلوا النار ويعذبوا فيها. معنى الآيات: ما زال السياق مع أهل الكتاب ففي الآية الأولى [171] نادى الرب تبارك وتعالى النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإِنجيل ونهاهم عن الغلوّ في دينهم من التنطع والتكلف كالترهب واعتزال النساء وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلوّ، كما نهاهم عن قولهم على الله تبارك وتعالى غير الحق، وذلك بنسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأخبرهم بأن عيسى لم يكن أبداً غير رسول الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ وهو روح الله في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي {كُنْ} وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل عليه السلام فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله فارجعوا إلى الحق وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تقولوا زوراً وباطلا: الله ثالث ثلاثة آلهة. انتهوا عن هذا القول الكذب يكن انتهاؤكم خيراً لكم حالاً ومآلاً، إنما الله سبحانه وتعالى إله واحد لا شريك له ولا ند ولا ولد. سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، ولم يكن ذا حاجة وله ما في السماوات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به سبحانه وتعالى وكيلاً شاهداً عليماً فحسبكم الله تعالى ربّاً وإلهاً فإنه يكفيكم كل ما يهمكم فلا تلتفتون إلى غيره ولا تطلبون سواه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [171] وأما الآيتان الثانية [172] والثالثة [173] فقد أخبر تعالى أن عبده ورسوله المسيح عليه السلام لن يستنكف أبداً أن يعبد الله وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد تعالى كل من يستنكف عن عبادته ويستكبر عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات آمنوا بألوهيّته تعالى وحده وعبدوه وحده بما شرع لهم من أنواع العبادات وهي الأعمال الصالحة فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف. وأما الذين استنكفوا واستكبروا أي حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع إليه فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً أي موجعاً ولا يجدون لهم من دونه ولياً ولا ناصراً فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال. 2- حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة. 3- بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة جبريل عليه السلام. 4- حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله. 5- بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.

القطان

تفسير : الغلو: مجاوزة الحد. كلمته: وهي "كُن" التي وُجد فيها. ألقاها الى مريم: أوصلها اياها. روح منه: لأنه خُلق بنفخٍ من روح الله وهو جبريل. الاستنكاف: الامتناع عن الشيء أنفةً وكِبرا. بعد ان انتهى القرآن من محاجّة اليهود وإنصاف سيّدنا عيسى وأمه الطاهرة من افتراءاتهم وغلوِّهم في تحقيره ـ عطف هنا الى إنصاف عيسى من غلو النصارى في شأنه، ورفضِ ما دخل عليهم من أساطير الوثنية التي تسربت الى عقيدة المسيح بعده، بفعل شتى الأقوام والمِلل. يا أهل الكتاب من اليهود، لا تتجاوزوا الحدود التي حدّها الله، ولا تعتقدوا الا الحق الثابت: إحذروا ان تفتروا على الله الكذب. فتنكروا رسالة عيسى، او تجعلوه آلها مع الله. إنما هو رسول من عند الله كسائر الرسل، خَلقه بقُدرته، وكلمتِه التي نفخها روحه جبريل في مريم. فالمسيح سرٌّ من أسرار قدرته، وليس ذلك بغريب. أما خلَقَ آدَمَ من قبله من غير أب ولا أم!! {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران:59]. قال القاسمي في تفسيره: "يحكى ان طبيبا نصرانياً من أطباء الرشيد ناظر عليَّ بن حسين الواقدي ذات يوم فقال له: ان في كتابكم ما يدل على ان عيسى عليه السلام جزء منه تعالى. وتلا هذه الآية؟ {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}. فقرأ الواقدي قوله تعالى في سورة الجاثية: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}، فقال إذن يلزم ان يكون جميع تلك الأشياء جزءاً من الله، تعالى علوا كبيرا. فانقطع النصراني وأسلم. وفرح الرشيد بذلك الجواب ووصل الواقديَّ بِصِلة فاخرةٍ. آمِنوا يا نصارى بالله ورسله جميعاً إيماناً صحيحاً، ونزِّهوه عن كل شريك ومثيل. لا تقولوا إن الآلهة ثلاثة. انتهوا عن هذا الباطل، فهو نقيض لعقيدة التوحيد التي جاءت بها الأديان السماوية. إن الله يا هؤلاء واحد منزَّه عن التعدد، فليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركَّب ولا متَّحد بشيء من المخلوقات. الأقانيم: جمع اقنوم معناها الاصل، والاقانيم الثلاثة عند النصارى هي: الأب والابن وروح القدس. قال مرقص في الفصل الثاني عشر من انجيله: ان أحد الكتبة (من اليهود) سأل يسوع عن أول الوصايا فأجابه: أول الوصايا إسمع يا إسرائيل، الربُّ آلهنا واحد... فقال له الكاتب "جيداً يا معلِّم، بالحق قلتَ إنّه واحد وليس آخرُ سواه. فلما رأى يسوعُ أنه أجاب بعقلٍ قال له لستَ بعيداً عن ملكوت السماوات". هذا نص صريح على ان عقيدة المسيح التوحيد، سبحانه تعالى، تقدَّس ان يكون له ولد. وما حاجته اليه، وكل ما في السماوات والأرض ملك له!! لن يأنَف المسيح او يترفع عن ان يكون عبداً لله، فهو عارف بعظمة الله وما يجب له من العبودية. كذلك لن يأنف الملائكة المقربون عن ذلك، ومن يتكّبر على ذلك، أياً كان، فإن الله سيحشرهم يوم القيامة ويجزيهم اشد الجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَهْلَ} {ٱلْكِتَابِ} {أَلْقَاهَا} {فَآمِنُواْ} {ثَلاَثَةٌ} {وَاحِدٌ} {سُبْحَانَهُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (171) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى أهْلَ الكِتَابِ عَنِ الغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ، وَعَنِ المُبَالَغَةِ، وَتَجاوُزِ الحُدُودِ التِي حَدَّها اللهُ، وَيَأمُرُهُمْ بِألا يَعْتَقِدُوا إلاَّ القَوْلَ الحَقَّ الثَّابِتِ بِنَصٍّ دِينيٍّ مُتَوَاتِرٍ، وَبُرْهَانٍ قَاطِعٍ. وَيَخُصُّ فِي خِطَابِهِ، فِي هَذِهِ الآيَةِ، النَّصَارَى الذِينَ غَلَوا فِي المَسِيحِ فَجَعَلُوهُ إلهاً يَعْبدونَهُ مَعَ اللهِ. وَيَأمُرُهُمُ اللهُ بِأنْ لاَ يَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ، فَيَجْعَلُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَداً، فَلاَ إله إلاَّ هُوَ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ، فَالمَسِيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ، خَلَقَهُ اللهُ بِكَلِمَةٍ ألْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ أمَرَهُمْ تَعَالَى بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وَبِالتَّصْدِيقِ بِأنَّ اللهَ لاَ إله إلاَّ هُوَ، وَهُوَ وَاحِدٌ أحَدٌ، لاَ صَاحِبَةَ لَهُ وَلاَ وَلَدَ، وَأنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إلَى اليَهُودِ. ثُمَّ أمَرَهُمْ بِأنْ لاَ يَجْعَلُوا عِيسَى وَأمَّهُ شَرِيكَيْنِ مَعَ اللهِ، فِي الخَلْقِ وَالمُلْكِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُواً كَبيراً. ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأنْ يَنْتَهُوا عَنْ هَذِهِ الأقْوَالِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَإِشْرَاكٌ، لأنَّ فِي الانْتِهَاءِ عَنْ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إنَّ اللهَ وَاحِدٌ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَتَنَزَّهَ، عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ أوْ شَرِيكٌ، وَجَمِيعُ مَا فِي الوُجُودِ مِنْ خَلْقٍ مُلْكُهُ، وَهُمْ جَمِيعاً تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صَاحِبَةٌ أوْ وَلَدٌ؟ لاَ تَغْلُوا - لاَ تُجَاوِزُوا الحَدَّ وَلاَ تُفْرِطُوا. كَلِمَتُهُ - وُجِدَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ دُونَ أبٍ. رُوحٌ مِنْهُ - رُوحٌ مِنْ أمْرِ رَبِّهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يبدأ الحق بأمر موجه لأهل الكتاب: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} والغلو هو الخروج عن حد الاعتدال في الحكم، لأن كل شيء له وسط وله طرفان، وعندما يمسك شخص طرفاً نطلب منه ألا يكون هناك إفراط أو تفريط. وقد وقع أهل الكتاب في هذا المأزق، فلم يأخذوا الأمر بالاعتدال دون إفراط أو تفريط، لقد كفر اليهود بعيسى واتهموا مريم بالزنا، وهذا غلو في الكُرْه، وغالى النصارى في الحب لعيسى فقالوا: إنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة؛ وهذا غلو، ويطلب الحق منهم أن يقفوا من أمر الدين موقف الاعتدال: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}. إن أمر المنهج لا يحتاج إلى غلو، ولذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله بالدين الوسط الذي يضع كل أمر في نصابه. وشرح لنا بإخبارات النبوة وإلهامها ما سوف يحدث للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وقد حدث ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخوارج كفَّروا علياً، والمسرفون بالتشيع قالوا: إنه نبي، وبعضهم زاد الإسراف فجعله إلهاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ - كرم الله وجهه -: "حديث : إن فيك من عيسى مثلا. أبغضته اليهود حتى بهتوا أُمَّهُ، وأحبته النصارى حتى انزلوه المنزل الذي ليس له ". تفسير : وكما قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: "ألا وإنه يهلك فيّ اثنان: محبٌ يقرظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبيّ ولا يوحى إليّ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم". وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عليّاً أن المحب الذي يغالي في حبه ليس مع عليّ وكذلك الكاره المبغض؛ فالذي يحب عليا بغلو جعل منه إلهاً أو رسولاً، والذي أبغض علياً جعله كافراً. وكذلك النصارى من أهل الكتاب جاءوا إلى عيسى فأحبوه بغلو وجعلوه إلهاً أو ابن إله أو ثالث ثلاثة، فيقول لهم الحق: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ}. وقوله الحق: {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ} رد على غلو اليهود الذين رفضوا الإيمان بعيسى، وقالوا في عيسى وأمه البهتان العظيم. وقوله الحق عن عيسى ابن مريم: {رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} رد على غلو النصارى الذين نصبوه إلهاً أو جعلوه ابناً لله أو ثالث ثلاثة، فعيسى عليه السلام هو ابن مريم وعندما بشرها به الحق وقالت: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تفسير : [آل عمران: 47] قالت ذلك بفطنة الصديقية التي جعلتها تنبه إلى أنها لم يمسسها بشر، ومادام الحق قد نسبه إليها فليس له أب، سيولد عيسى دون أن يمسسها بشر، ويوضح سبحانه ذلك عندما يقول: {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}. فعيسى روح من الحق؛ لأنه سبحانه قال: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} تفسير : [الأنبياء: 91] وما معنى "كلمته"؟. هذا القول يدل على أن الروح نفخت ثم جاءت كلمة "كن" التي قال عنها سبحانه: {أية : إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 47] لقد احتاج وجود عيسى إلى أمرين: "روح" و"كن". والشبهة عند النصارى مردها إلى أن عنصر الذكورة لم يلمس مريم؛ وقالوا: مادام الله قد قال: إن عيسى روح منه فهو جزء من الله، ونسوا أن كل شيء من الله، وسبحانه القائل: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] فهل هذا يعني أن "الأرض" قطعة من الله وكذلك الشمس؟. لا. فإذا كانت الشبهة قد جاءت من غياب عنصر الذكورة مع وجود عنصر الأنوثة لكان من الواجب منطقياً أن تكون الشبهة في آدم قبل أن تكون الشبهة في عيسى؛ لأن آدم جاء من غير ذكورة ولا أنوثة؛ فلا أب ولا أم له؛ لقد قال القرآن بمنتهى البساطة ومنتهى الوسع: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] ولا يملك أحد القيد على فضل الله ووسعه، ومسألة آدم كانت أدق، لكن الله بتفضله يساوي بين خلق عيسى وخلق آدم، وهذا هو التلطف في الجدل. وأخبرنا سبحانه عن عيسى أنه جاء بأمر منه، وقال في آدم: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29] إذن فآدم قد احتاج إلى الأمرين نفسيهما: "كن"، و"النفخ فيه من الروح"، وعندما ننظر إلى هذه المسألة نجد أننا لا بد أن نتعرض لقضية خلق آدم، حتى نعرف كيف تسلسلت مسألة الخلق، سواء أكان الخلق ملائكة أم خلق آدم أم خلق حواء أو غيرهم من الخلق، كذلك خلق عيسى. لقد كان خلق آدم غيباً عن آدم، وليس لآدم نفسه ولا لمن جاء بعده أن يتكلم كيف خُلق؛ لأن هذه المسألة لا دخل لأحد بها، ويقول لنا الخلق محذرا من أن نستمع إلى قوم يقولون بغير ذلك عن الخلق فقال: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] ولا يمكن - إذن - أن نستمع إلى هؤلاء الذين افترضوا أن أصل الإنسان قرد أو غير ذلك؛ لأن الذي يتكلم عن الخلق بغير علم من عند الله، فهو يتكلم في أمر لم يشهده. والخلق الأول أمر لا يمكن أن يدخل المعمل التجريبي؛ لأن المعمل التجريبي إنما يحلل مواد موجودة بالفعل. إذن فالحكم على أمور بغَير ما أخبرنا بها الله أمر باطل. ولم يكن هناك أحد مع الله ساعة خلق الخلق ليقول لنا كيف تم ذلك. وعَلِمْنا هذه المسائل بإخبار الخالق لنا فهو الأعلم بنا، والخالق أخبرنا أنه خلقنا من ماء وتراب وطين وحمأ مسنون وصلصال كالفخار، وحدثنا بذلك في آيات متعددة. والذين يريدون أن يكذبوا القرآن يقولون: إن القرآن لم يأت بخبر واحد عن خلق الخلق، فمرة يقول إن الخلق كان من ماء ومرة كان من تراب، ومرة كان من طين، ومرة كان من صلصال. ونقول: أحين يتكلم الحق عن مراحل الخلق فهل في هذا تضاد؟. اصل الخلق ماء، خلطه الحق بتراب، وبعد وضع الماء على التراب صار الإثنان طيناً، ثم إذا تركنا الطين إلى أن يختمر، يصير حمأ مسنوناً، وبعد ذلك يصير صلصالاً، ومن بعد ذلك خلق منه الحق آدم. إذن فكل شيء تكلم عنه سبحانه في خلق آدم إنما يتفق مع كل الآيات التي جاءت عن هذا الخلق. وهو القائل عن آدم: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29] وبعد صنع الله القالب الذي يشبه التمثال الذي نراه، ولكن تنقصه الحركة ولحياة، فيأتي النفخ في الروح بكلمة "كن". إذن نحن نحتاج إلى روح وإلى كلمة. والروح عنصر وجودي. وعندما تختلط بالقالب تحدث الحياة، ولا بد من بعد ذلك من الإرادة بكلمة "كن". ولذلك نجد الإنسان قد يصنع نفس خلطة الإنسان الكيماوية لكنها لا تصير إنساناً؛ لأن الأمر ينقص الإذْن بميلاد الإنسان. وساعة يتكلم الحق عن خلق آدم وهو أمر لم نشهده، فذلك من رحمته بنا، ويترك لنا سبحانه في الكون دليلاً على صدقه عن خلق آدم، فإذا كنا لم نشهد خلق الحياة فنحن نشهد نقيض الحياة وهو الموت، الذي يحدث فيه أولاً خروج الروح، ومن بعد ذلك ينتفخ الجسم كأنه الحمأ المسنون، ثم يتبخر الماء، وبعد ذلك يتحلل إلى تراب. هذه هي مراحل الموت التي تبدأ من خروج الروح ويتصلب الجسم إلى أن يَرِم ثم يتبخر الماء، وتبقى العناصر في الأرض. وإذا كنا لم نعرف كيف بدأت الحياة، فنحن نعرف كيف انتهت الحياة أمامنا بالأمر المشهدي، وجعل سبحانه أمر انتهاء الحياة أمامنا دليلاً على صدقة في إخبارنا بالحياة وكيف بدأت؛ لأن نقض الحياة يكون بالموت، ونقض أي شيء إنما يتم على عكس طريقة بنائه. وآخر أمر دخل في الإنسان هو الروح، ولذلك فهي أول ما يخرج من الإنسان عند الموت. وبعد ذلك يتصلب الجسم، وبعد ذلك يصير رمة وهي الحمأ المسنون. وبعد ذلك يتبخر الماء ويبقى أخيراً التراب. وقد حللوا الإنسان حديثاً. فوجدوا فيه عناصر كثيرة، ثم حللوا طينة الأرض الخصبة التي يخرج منها الزرع الذي يقتات منه الإنسان، فوجدوا هذه الطينة مكونة من هذه العناصر. ومن العجيب أن العناصر المكونة للإنسان هي نفسها المكونة لطين التربة الخصبة، مما يدل على تأكيد الصدق في أن الله خلقنا من طين، وجعل استبقاء حياتنا مما يخرج من هذا الطين بعناصره المختلفة، جتى يمد كل عنصر من الطين كل عنصر من الوجود الإنساني. ولما قاموا بتحليل الإنسان مقارناً بتحليل التربة وجدوا أن أضخم عنصر في تكوين الإنسان هو الأوكسجين ونسبته على ما أذكر سبع وستون بالمائة، وبعده عنصر الكربون، ونسبته على ما أذكر تسع عشرة بالمائة، إلى أن تنتهي العناصر المكونة للإنسان والتربة إلى المنجنيز ونسبته تقل عن واحدة بالمائة، وأهم هذه العناصر هو: الأوكسجين، الكربون، الهيدروجين، النتروجين، الكلور، الكبريت، الكالسيوم، والفوسفور، والبوتاسيوم، الصوديوم، الحديد، اليود، والسيلوز، والمنجنيز. هذه هي أهم وأكثر العناصر المكونة لتركيب الإنسان وهي العناصر نفسها الموجودة في تركيبة الطين وبعضها عناصر مكونة للمركبات العضوية وبعضها عناصر غير عضوية وبعضها عناصر وظائفها ثابتة ومعروفة، ويسأل أهل الذكر في تفاصيل ذلك. وبطبيعة الحال فالذين قاموا بتحليل التربة وعناصر الإنسان لم يكونوا علماء دين، ولم يكن في بالهم إقامة الدليل على صدق الله في القرآن، ذلك أن بعضهم يجهل مسألة القرآن كلها، ولكن الحق سبحانه وتعالى أجرى على لسان رسوله حديثاً يشرح لنا حقيقة إثبات صحة كل ما فيه ولو جاء على لسان رجل فاجر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ). تفسير : فسبحانه - إذن - أراد أن ينصر الدين بالكافرين، وجعل بعضاً منهم يصلون إلى أشياء لو أنهم علموا أنها ستخدم قضايا الهدى لما أعلنوها. ومن حكمة الله أن جعل الكافرين غير قادرين على إغفال نصرة الدين، وجعل سبحانه بعضاً منهم يخدمون الدين على رغم أنوفهم. ونريد أن نأخذ من هذه المسألة فهماً عميقاً، يتسم باللطف والسماحة، فإذا كان الله قد خلق الإنسان الأول من طين، وهناك آية أخرى قال عنها الحق: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29] وآية ثالثة قال فيها سبحانه: {أية : كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران:47] إذن فخلق آدم احتاج إلى أمرين: النفخ من روح الحق، والأمر "كن"، وهما الأمران أنفسهما في مسألة خلق عيسى، روح من الحق، وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وهذه دليل صدق لقوله الحق: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} تفسير : [آل عمران: 59] والحق قد قص لنا أنه خلق آدم من طين وصنع القالب وسواه بيديه: {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ * قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [ص: 75-76] فإذا كان الهيكل الذي خلقه الله ونفخ فيه الروح، ودبت فيه الحياة ثم تناسل النسل من آدم إلى أن تقوم الساعة، فهل مجيء عيسى على الصورة التي جاء بها يكون أمراً عسيراً على الله؟. لا. وساعة أنجب آدم أول ذرية له؛ ألم يخرج لحظتها حيوان منوي من آدم إلى البويضة في رحم حواء؛ وأراد به الله ميلاد أول نسل من آدم وهو جزء من آدم، وهذا الحيوان المنوي له مادة وله حياة، ومادته معروفة، وحياة هذا الحيوان المنوي هي التي تسمح له بالحركة لتلقيح البويضة، هذه المادة مخلوقة من آدم، والحياة التي فيه من روح آدم، وآدم نفسه خلقه الله بيديه، وهذا إثبات أن الحيوان المنوي هو جزء مما خلقه الله بيديه وهو آدم، وفي الحيوان المنوي حياة مما نفخه الله من روحه، وانتقل إلى رحم حواء وأخصب البويضة وولدته حواء، واستمر ميلاد حيوانات منوية حية تخصب بويضات حية ليستمر الخصب والنسل والأحفاد. إننا إذا سلسلنا نسل آدم إلى أن تقوم الساعة، فكل ذرة من ذرات من يوجد آخر الدنيا مكونة من شيء به خلق من خلق الله في القالب، وفيه شيء من نفخ الله في الروح؛ ولم يطرأ عليه موت أبداً؛ فلو طرأ عليه موت أو فناء لما صلح أن ينجب مثله. وهكذا نعلم أن كل واحد فينا به جزء من القالب الذي صنعه الله بيديه، وفيه جزء من نفخ الروح. وأكرر المثل الذي أضر به دائماً ليستقر في أذهان الناشئة؛ لو جئنا بسنتيمتر مكعب من سائل ملون مركز، وأضفناه إلى لتر من الماء، ثم أخذنا قطرة من لتر الماء سنجد بها جزءا ضئيلاً من السنتيمتر المكعب الملون. وإذا أخذنا هذه القطرة وأضفناها إلى برميل من المياه فيصير في البرميل جزء من السنتيمتر المكعب الملون. وإذا أخذنا من البرميل قطرة من المياه، وأضفناها إلى البحر فإن جزءا من السنتيمتر الملون يصير بالبحر. إذن فكل نسل آدم - إلى أن تقوم الساعة - فيه جُزَيْء - من آدم عليه السلام. ونلحظ أن كثيراً من المفكرين والمثقفين في الغرب صاروا يبتعدون عن فكرة بنوة عيسى لله. وعندما يدخلون في نقاش حول هذه المسألة يقولون: إنها بنوة حب. وإذا كانت المسألة بنوة حب، فالله يحب جميع عباده ونصير نحن مثل المسيح ويصير المسيح مثلنا. فالخلق كلهم عيال الله، والحديث القدسي يقول: (حديث : الناس كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم بعياله ). تفسير : ولو أخذنا هذا القول بالدقة التجريبية المعملية نجد أن هذا القول صدق وحق؛ لأننا جميعاً قد صدرنا عن قدرة الله وإرادته وكل منا فيه شيء من صنع الله منذ بداية خلق آدم، إذن هو بشر مثلنا ويتميز عنا بأن السماء اختارته رسولاً. أما القول بالثالوث. فبعضهم يقول: نقصد بالثالوث ثالوث الصفات. وهل ثالوث الصفات تأتي فيه إضافيات؟. كالقول "بالأب والابن والروح القدس"؟ لن يوجد أب إلا إذا وُجد ابن، ولن يوجد ابن إلا إذا وجد أب. إننا نعلم أن هناك حقائق ثابتة وهناك حقائق إضافية؛ فالإنسان يكون ابناً وأباً، فهو ابن بالنسبة لوالده، وهو أب بالنسبة لابنه، وكل هذه صفات إضافية، وصفات الحق يُفترض فيها أنها تجتمع لا أن تكون إضافية، وعندما يقال: "الأب والابن والروح القدس" فهذا القول لا يحمل صفات إلهية، بل صفات إضافية، وحاول بعضهم أن يقول: "إن فاتحة الكتاب يوجد فيها التثليث؛ لأنكم تقولون بسم الله الرحمن الرحيم، أنتم تفتتحون القرآن بثلاث صفات هي الله والرحمن والرحيم" وقلت لهم: نحن نقول "بسم الله الرحمن الرحيم" ولا نقول "بسم الله والرحمن والرحيم". وما الذي يجعل الحق يُنجب ابناً منذ أكثر من ألف وتسعمائة سنة؟. ثم يترك سبحانه الأزمان السابقة على ميلاد المسيح محرومة من ميلاد ابن له؟. لماذا يترك الله الأزمان كلها بدون ابن لله، ويختص البشرية بابن له منذ حوالي عشرين قرناً فقط؟. ثم ما المدة الزمنية التي شرفها الله بابنه بأن أوجده فيها؟ أتكفي ثلاثة وثلاثون عاماً فقط - وهي عمر المسيح - لتشريف البشرية بوجود ابن الله؟. ولماذا يحرم الله - إذن - بقية الأزمان من بدء الخليقة إلى يوم القيامة من هذا الشرف؟. ونسأل أيضاً لماذا يريد أي كائن إنجاب ابن؟. إنه يرغب ذلك ليضمن استبقاء الحياة؛ لأن الإنسان يعرف أنه سيموت، والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الموت والحياة وهو الباقي أبدا، وليس في حاجة لاستبقاء حياته في أحد من البشر ويؤكد لنا ذلك في سورة الإخلاص. {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1-4] وهم يقولون: "إله واحد"، ومرة أخرى يقولون: "إله أحد". وواحد لا تساوي "أحد" والدارسون للغة والمنطق يعرفون أن هناك شيئاً اسمه "الكل" وشيئاً اسمه "الجزء" وشيئاً اسمه "الكلي" وشيئاً اسمه "الجزئي". "فالكلي" يطلق على ماله أفراد مثل الإنسان: كخالد ومحمد وعليّ، و"الكل" يُطلق على ماله أجزاء، مثال ذلك الكرسي نجده مكوناً من أشياء؛ كالخشب والغراء والمسامير وغير ذلك من مواد. فالكرسي - إذن - "كُلٌّ" لأنه مصنوع من مواد كثيرة. وحقيقة الخشب تختلف عن حقيقة المسمار؛ لذلك فالكرسي "كُلٌّ" لأنه مكون من أشياء كثيرة مختلفة الحقائق. ولا يصح أن نطلق على أي شيء من مكونات الكرسي اسم "كُل". فلا نقول: "المسمار كرسي" أو "الخشب كرسي"؛ لأن الكرسي يُطلق على مجموع الخشب والمسامير والغراء والطلاء في شكل وترتيب معين. ومثال آخر، كلمة "إنسان" وهي كلمة تطلق على كثيرين، ولأن الحقائق متفقة نطلق على الإنسان كلمة "كُلّي". ويصح أن نطلق على أي كائن يتمتع بالصفات المتفق عليها للإنسان لقب إنسان، فنقول محمد إنسان وزيد إنسان، وعليٌّ إنسان. "فالكل" له أجزاء، وللـ "كلي" جزئيات، ويكون الكل شيئا واحداً ولكنه ذو أجزاء، فقد يكون عندنا كرسي واحد. ولكن لهذا الكرسي أجزاء. وهل نقول على الحق سبحانه وتعالى: انه "كل" أو "كلي"؟. لا نقول على اسم الحق "كل" أو "كلي"؛ لأنه اسم لا يطلق على كثيرين فليس كليا لأنه واحدٌ، وليس له أجزاء؛ لأنه أحد، وليس له أفراد لأنه واحد. فلا يقال لله سبحانه وتعالى "كل" أو "جزء" أو "كلي" أو "جزئي"، فلو كان كُلٍّياً لكان - كما قلنا - له أفراد ولو كان "كُلاًّ" لكان له أجزاء، ولكن الله واحد لا أفراد له، وأحد لا أجزاء له. ولذلك يَرُدُّ القرآن على أي قائل بغير هذا، فيقول: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] ويقول أيضاً: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [البقرة: 163] وقد قلت كل ذلك لنفهم قوله الحق: {أية : يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً} تفسير : [النساء: 171] وقوله الحق: "انتهوا" أي اقضوا على كلمات الباطل، و"خيراً لكم" أي تمسكوا بكلمات الحق، وفي قوله: "ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} تخلية وإبعاد لكلمات الباطل، نأخذ ذلك من قوله: (انتهوا) وتحلية لكلمات الحق ونأخذها من قوله - سبحانه -: {خَيْراً لَّكُمْ}. ويقول الحق: {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي أنه سبحانه لا أفراد له، ويضيف: {سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}، وساعة نسمع كلمة "سبحانه" فلنفهم أنها تنزيه للذات الخالقة. ولذلك نجد كلمة "سبحانه" تأتي في الأمور العجيبة التي يقف فيها العقل، وعلى الرغم من وجود كفار في هذا الوجود، وعلى الرغم من وجود مجترئين على الله في هذا العالم، وعلى الرغم من وجود من ينعتون البشر بألفاظ الألوهية، إلاأن إنساناً واحداً لم يجترئ على أن يقول لمخلوق كلمة: "سبحانك"، ولذلك نقول لله عز وجل "سبحانك أيضاً في سبحانك". كذلك لم نجد أحداً من أي ملة أو عقيدة أو دين قد سمى نفسه باسم "الله"، وهو سبحانه يتحدى به حتى الكفرة والملاحدة أن يسمى هذا الاسم لمسمى أي مسمى. وبالله هل يوجد واحد من المتبجحين الكافرين يسمي ابناً له "الله"؟. حتى هذه لم توجد؛ لأن هذا الكافر غير واثق أنه على حق. ومن الجائز أن يفعل ذلك فتحدث له كارثة. ولو كان هناك كافر واحد مؤمن بما يقول بأنه لا إله لهذا الكون لسمّى ابناً له "الله". لكن أحداً لا يجترئ على هذه: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65] وكان هذا التحدي موجوداً من قبل أن تنزل هذه الآية. فماذا عن الذي جاء بعدها بزمن؟ وهل اجترأ أحد على أن يسمي ابناً له "الله"؟ لم يجترئ أحد على هذه أيضاً على الرغم من أنهم يسمون بكل شيء؛ وكان عندنا في القرية واحد أطلق على ابنته اسماً طويلاً عجيباً. لقد سمّاها "ورد انتشي في دندشة روح الفؤاد والملك وفا" وهو حرّ في ذلك، لكن لم يجرؤ أحد على الإطلاق أن يسمي ابنه "الله"، وهذا دليل على أن الملاحدة والكفار على باطل. ويخاف أي منهم أن يجترئ على هذه المسألة، ويتحدى الحق بسبحانك ويتحدى بالذات "الله"، ولذلك فليقل كل واحد "سبحانك" وهو مطمئن، "ولا تقال إلا لك"، واستقرئوا وتتبعوا المدائح التي قيلت للناس جميعاً، أقال واحد من البشر لواحد من البشر "سبحانك"؟ ما قالها أحد قط. وهكذا يتحكم الله في أمر للإنسان اختيار فيه، ولا يجرؤ إنسان على إطلاق هذه الأسماء على أحد من البشر. {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} و"الولد" كما نعلم يكون مما في السموات أو مما في الأرض؛ فكيف يكون له وملكه، وهو ابنه؟ إن هذا الادعاء لا يستقيم أبداً، ولذلك يذيل الحق الآية: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}. ويقول الحق بعد ذلك: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} معناهُ لاَ تُجَاوزُوا القَدَرَ.

الأندلسي

تفسير : {لاَ تَغْلُواْ} الغلو: التجاوز في الأمر. ومعنى في دينكم، أي الذي أنتم مطلوبون به لا دينكم المضلل. والظاهر أن أهل الكتاب المراد بهم النصارى بدليل آخر الآية. وقيل: يشمل اليهود والنصارى. وغلو اليهود كونهم أنكروا رسالة عيسى ونسبوه لغير رشده وغلو النصارى قول بعضهم انه الله وقول بعضهم انه ثالث ثلاثة. {وَكَلِمَتُهُ} فقدم الكلام عليها في قوله: بكلمة منه. {أَلْقَاهَا} جملة حالية أي أوجد فيها عيسى. {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أي من الأرواح التي أوجدها والذين يظهران قوله: ثلاثة، خبر مبتدأ محذوف تقديره الإِله أو المعبود، ثلاثة لأنهم يثبتون الله وصاحبته وولده، تعالى عن الصاحبة والولد. {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} تقدم، قوله: {أية : فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ}تفسير : [النساء: 170]. وفي نصب خيراً ثلاثة أوجه، الأول: مذهب الخليل وسيبويه انه منصوب على فعل يجب إضماره تقديره وائتوا خيراً لكم الثاني: مذهب الكسائي وأبي عبيدة انه منصوب على خبر يكن محذوفة تقديره يكن هو خيراً لكم ويكن هو أي الانتهاء خيراً لكم. الثالث: مذهب الفراء ان انتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره فآمنوا إيماناً خيراً لكم وانتهوا انتهاءً خيراً لكم. والترجيح بين هذه الأقوال مذكور في علم النحو. {لَّن يَسْتَنكِفَ} الاستنكاف الانفة والترفع من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك من خدك ومنعته من الجري. وقيل: الاستنكاف من النكف يقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف. والنكف أن يقال له سوء واستنكف دفع ذلك السوء. وقوله: {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} ظاهرة أن يكون معطوفاً على قوله: لن يستنكف المسيح والمعنى ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيد الله وليس معطوفاً على قوله المسيح لاختلاف الخبر. وقال الزمخشري: فإن قلت: من ان دَّل قوله: ولا الملائكة المقربون، على أن المعنى ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجة. كأنه قيل: لن تستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح. ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين لكونهم ارفع الملائكة درجة وإعلاهم منزلة قول القائل: شعر : وما مثله ممن يجاود حاتم ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخر.. تفسير : لا شبهة في انه قصد بالجر ذي الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية، قوله: {أية : وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ}تفسير : [البقرة: 120] حتى يعترف بالفرق البين. "انتهى كلامه". التفضيل بين الأنبياء والملائكة إنما يكون بالسمع إذ نحن لا ندرك جهة التفضيل بالعقل، وأما الآية فقد يقال: متى نفى شيء عن اثنين فلا يدل ذلك على أن الثاني أرفع من الأول ولا أن ذلك في باب الترقي. فإِذا قلت: لن يأنف فلان أن يسجد لله ولا عمر فلا دلالة فيه على أن عمراً أفضل من زيد وإن سلمنا ذلك فليست الآية من هذا القبيل لأنه قابل مفرداً بجمع ولم يقابل مفرداً بمفرد ولا جمعاً بجمع، فقد يقال: الجمع أفضل من المفرد ولا يلزم من الآية تفضيل الجمع على الجمع ولا المفرد على المفرد وإن سلمنا أن المعطوف في الآية أرفع من المعطوف عليه فيكون ذلك بحسب ما ألقي في أذهان العرب وغيرهم من تعظيم الملك وترفيعه حتى أنهم ينفون البشرية عن الممدوح ويثبتون له الملكية ولا يدل تخيلهم ذلك على أنه في نفس الأمر أفضل وأعظم ثواباً ومما ورد من ذلك على حسب ما ألقي في الأذهان قوله تعالى: حكاية عن النسوة اللاتي فاجاءهن حسن يوسف فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، إلى قوله: {أية : إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}تفسير : [يوسف: 31]. وقال الشاعر: شعر : فلست بانسيّ ولكن لملاك تنزل من وجوب السماء تصوب تفسير : قال الزمخشري: فإِن قلت: علام عطف قوله: ولا الملائكة؟ قلت: إما أن يعطف على المسيح أو على اسم يكون أو على المستتر في عبدا لما فيه من معنى الوصف لدلالته على معنى العبادة. وقولك: مررت برجل عبد أبوه، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض وهو ان المسيح لا يأنف ان يكون هو ولا من فوته موصوفين بالعبودية أو أن يعبد الله هو ومن فوقه. "انتهى". الانحراف عن الفرض الذي أشار إليه هو كون الاستنكاف يكون مختصاً بالمسيح والمعنى التام اشتراك الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكاف عن العبودية لأنه يلازم من استنكافه وحده أن يكون هو والملائكة عبيداً أو أن يكون هو وهم يعبدونه، مع عدم استنكافهم هم فقد يرضى شخص أن يضرب هو وزيد عمراً ولا يرضى ذلك زيد ويظهر أيضاً مرجوحية الوجهين من جهة دخول لا إذ لو أزيد العطف على الضمير في يكون أو على المستتر في عبداً لم تدخل لا بل كان يكون التركيب بدونها تقول: ما يريد زيد أن يكون هو وأبوه قائمين. وتقول: ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو فهذان التركيبان ونحوهما ليسا من مظنات دخول لا. فإِن وجد في لسان العرب دخول لا في نحو من هذا فهي زائدة. وقرىء: {عبيداً} بالتصغير واستدل من قال بتفضيل الملائكة على الأنبياء بهذه الآية إذ فيها الترقي من أعلا إلى أعلا كما تقدم وهي مسألة خلاف وأجيب بأنه لما كان الملك في أنفس البشر مما يعظمونه ويرفعون من قدرة جاءت الآية على ذلك الأثر إلى قول صواحب امرأة العزيز في يوسف عليه السلام: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} تفسير : [يوسف: 31]. وقوله: شعر : فلست بأنسي البيت تفسير : وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في قوله: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70] الآية. {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ} الآية، حمل أولاً على لفظ من، فأفرد الضمير في يستنكف ويستكبر، ثم حمل على المعنى في قوله: فسيحشرهم، فالضمير عائد على معنى من. هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون الضمير عاماً عائداً على الخلق لدلالة المعنى عليه لأن الحشر ليس مختصاً بالمستنكف ولأن التفصيل بعده يدل عليه. ويكون ربط الجملة الواقعة جواباً بالاسم الشرط بالعموم الذي فيها، ويحتمل أن يعود الضمير على معنى من، ويكون قد حذف المعطوف عليه لمقابلته إياه التقدير فسيحشرهم ومن لم يستنكف إليه جميعاً كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، أي والبرد. وعلى هذا الاحتمال يكون ما فصل بأما مطابقاً لما قبله، وعلى الوجه الأول لا يطابق والاخبار بالحشر إليه وعيد، إذ المعنى به الجمع يوم القيامة حيث بذل المستنكف والمستكبر.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} أي: الإنجيل المبالغين في أمر عيسى عليه السلام إلى حيث ينتهي إلى الغلو المذموم عقلاً وشرعاً {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ونبيكم، ولا تبالغوا في الإغراء في وصفه {وَ} عليكم أن {لاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ} الواحد، الأحد، الصمد الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً {إِلاَّ ٱلْحَقَّ} الحقيق اللائق بجناية {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ} كسائر رسله {وَ} غاية أمره {كَلِمَتُهُ} أي: يحصل، ويتكون من كلمته التي {أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} {وَ} هو {رُوحٌ} يتجلَّى {مِّنْهُ} سبحانه، ويظهر فيه عليه السلام كظهوره في سائر الأشخاص إلا أن لا هوتيته غلبت على ناسوتيته، لذلك ظهر منه من الخوارق ما خلت عنها الأنبياء {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ} المنزه في ذاته عن الأهل والولد {وَرُسُلِهِ} المؤيدين من عنده؛ لتبليغ حكمه وأحكامه. ومن جملتهم عيسى عليه السلام {وَلاَ تَقُولُواْ} على الله المنزه عن التعدد مطلقاً ما لا يليق بجنابه بأنه {ثَلاَثَةٌ} الله والمسيح ومريم {ٱنتَهُواْ} عن التثليث، بل عن التعدد مطلقاً، فإن انتهاءكم عنه يكون {خَيْراً لَّكُمْ} يرشدكم إلى سبيل التوحيد {إِنَّمَا ٱللَّهُ} المتجلي في الآفاق والاستحقاق {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي: موجود واحد، لا يمكن التعدد فيه أصلاً {سُبْحَانَهُ} بذاته، وتعالى عن {أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} كما يقول الظالمون {لَّهُ} باعتبار تجلياته على صفحات الإعدام بجميع أوصافه وأسمائه مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من جنود الله ومرايا أوصاف جماله وجلاله {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أيضاً منها، وكذا فيما شاء الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 171] أي: كفى الله المتجلي بجميع أوصافه وأسمائه وكيلاً على مظاهره، مولياً لأمورهم أصالة واستقلالاً. ومن غاية إغراء النصارى في وصف المسيح، ونهاية غلوهم في حقه استنكفوا واستكبروا عن كونه عبد الله، ونسبوه إليه بالنبوة، وعبدوا له كعبادة الله، لذلك رد عليهم بقولهم: {لَّن يَسْتَنكِفَ} ويستكبر {ٱلْمَسِيحُ} وإن ترقَّى إلى السماء بقوة لاهوتية {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} عند الله، المترقون من السماء أيضاً؛ إذ لا ناسوتية لهم أصلاً، {وَ} كيف يستنكر، ويستنكف عن عبادته أحد من مظاهره ومخلوقاته؛ إذ {مَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ} الله {إِلَيهِ جَمِيعاً} [النساء: 172] ويحاسبهم بما صنعوا، ويجازيهم على مقتضى حسابهم بأشد العذاب، وأسوء النكال.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أهل الغلو وهم أهل السلو بقوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171]، الإشارة أن الغلو والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حداً غير مرضٍ، كما أن كثير من هذه الأمة غلواً في مذهبهم، فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حتى ادعوا بإلهيته فقال: الشاعر فيهم: شعر : قوم غلوا في علي لا أبالهم واجتثموا أنفاً في عبده نصباً قالوا هل الله جل خالقنا عن أن يكون بشيء أو يكون أبا تفسير : وكذلك المعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الله، وكذلك المشبهة غلوا حتى في إثبات الصفات حتى جسموه، {أية : وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً}تفسير : [الإسراء: 43] ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تطروني كما أطرت التصارى عيسى ابن مريم"تفسير : ، فقال تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} [النساء: 171]، وذلك لأن الغلو من العصبية وهي من صفات النفس المذمومة، والنفس هي أمارة بالسوء ولا تأمر إلا بالباطل، والإشارة في قوله تعالى: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171]، إلى ألاَّ تتكلموا في الدين بأمر النفس؛ لأنها لا تأمركم بالقول الحق، {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ} [النساء: 171] إلا بأمر القلب، لأنه بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا يأمر إلا بالقول الحق، {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ} [النساء: 171] لا ابن الله وهذا هو القول الحق، وكذلك ما قاله عيسى عليه السلام: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم: 30]، وفي قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171]، إشارة إلى أن عيسى عليه السلام كان يكلمه الله تعالى، وهي قوله: {أية : كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 59]، بكلمته من غير واسطة أب، فإن تكوين الخلق كلمة بكلمة كن، ولكن بالوسائط بأن يتعلق كن بتكوين الأبناء، فلما كان تعلق أمر كن بعيسى عليه السلام في رحم مريم من غير تعلقه بتكوين أب له فتكون عيسى عليه السلام بأمركن وكن هي كلمة الله، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} [النساء: 171]، يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 59]؛ يعني: في التكوين، {أية : كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]؛ يعني: سوى جسمه من تراب، ثم قال له؛ يعني: عند بعث روحه إلى القلب {أية : كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59]، وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين؛ لأنه أيضاً تكون بكلمة من غير واسطة أب، وشرف الروح على الأشياء بأنه أيضاً تكون بأمر كن بلا واسطة شيء آخر، فلما تكون بأمر كن يكون كن سمي روح منه؛ لأن الأمر منه كما قال تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء: 85]، وكما أن إحياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها، فكذلك كان عيسى عليه السلام من شأنه إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص بإذن الله، وكذلك ينفخ في الطين كهيئة الطير فيكون طيراً بإذن الله. ثم اعلم أن هذا الاستعداد الروحانية الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان وخلق منه؛ أي: من الأمر، وإنما أظهره الله تعالى في عيسى عليه السلام من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه؛ لأن روحه لم تركض أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كأرواحنا، فكان جوهره ظاهراً في معدن جسمه غير مخفي فيه ببشرية أب، وجوهرنا مخفي في معدن جسمنا ببشرية آبائنا إلى آدم عليه السلام، فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته، ونحن نحتاج في استخراج الجوهر الروحاني عن المعدن الجسماني إلى نعل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات من سعادتنا بأوامر الاستاذ هذه الصفة ونواهيه هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]، فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وإنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله بأنفاسه القلوب الميتة، ويفتح به آذاناً صماً، وعيوناً عمياً، فيكون في قومه كالنبي في أمته، فافهم جيداً. ثم قال تعالى: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ} [النساء: 171]؛ يعني: إن أردتم التوحيد الحقيقي فآمنوا بالله الذي خلقكم، وجعل بشريتكم معدن جوهر روحانيتكم، وجعل روحانيتكم معدن جوهر وحدانيته، فبنور وحدانيته يتحقق لكم أن {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ} [النساء: 171]؛ يعني: نفوسكم والرسول والله تعالى، فتنتهوا بنظر الوحدة عن رؤيته الثلاثة فيكشف لكم {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171]؛ أي: إن يتولد من وحدانيته شيء {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [النساء: 171]، إيجاداً واقتداراً، وبه ظهر ما ظهر ومنه صدر ما صدر، وليس لشيء وجود حقيقي، وله الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً، أو ظاهراً وباطناً، {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]؛ وهو الوكيل لكل هالك، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 171]. ثم أخبر عمن يتفاخر بربوبيته وعمن يستنكف عن عبوديته بقوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172]، إلى قوله: {أية : وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 173]، والإشارة فيهما: لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله؛ لأن العبدية كانت من شأنه في رضاعه، وإن نطق بها قبل أوان نطقه بقوله: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} تفسير : [مريم: 30]، و"عَادَةٌ تَرَضَّعَتْ بِرُحِها تَنَزَّعَتْ"، وكيف يستنكف عن عبوديته وقد أثر عليه آثار ربوبيته بإحياء الموتى، وإبراء الزَّمني قال تعالى: {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172]، ما ذكرهم للفضيلة على عيسى عليه السلام وإنما ذكر ذكرهم لأن بعض الكفار قالوا بنات الله، كما قالت النصارى المسيح ابن الله، كما قال تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم: 21-22]، بل فضل الله تعالى المسيح عليه السلام عليهم بتقديم الذكر؛ لأن المسيح نسب إليه بالنبوة ونسبت الملائكة إليه بالبنتية، وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى: {أية : فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ}تفسير : [النساء: 176]، فقدم الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللأنثى واحداً، فكما أن للذكر فضيلة على الأنثى، فكذلك للمسيح فضل على الملائكة، وفضيلته على الملائكة أكثر وأعظم، يدل عليه ما صح عن جابر عن عبد الله رضي الله عنه أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، قال الله تبارك وتعالى: "حديث : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فيكون ". تفسير : قال الشيخ المصنف - رحمه الله - وهذا من فضيلة عيسى عليه السلام، فافهم جيداً. ثم قال تعالى: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} [النساء: 172]، الإشارة: إن المستنكف والمستكبر والمؤمن والولي والنبي محشرهم ومرجعهم إليه جميعاً، كما صرح به بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} تفسير : [لقمان: 15]، وقال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}تفسير : [العلق: 8]، فالولي مرجعه إلى لطف الله ورحمته، والعدو مرجعه إلى قهر الله وعقوبته، وصورتهما الجنة والنار.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى عليه السلام، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا قال: { وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } وهذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء: أمرين منهي عنهما، وهما قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور. ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في شأن عيسى عليه السلام نصَّ على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية فقال: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ } أي: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة التي هي أعلى الدرجات وأجلّ المثوبات. وأنه { كَلِمَتُهُ } التي { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ولم يكن تلك الكلمة، وإنما كان بها، وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم. وكذلك قوله: { وَرُوحٌ مّنْهُ } أي: من الأرواح التي خلقها وكملها بالصفات الفاضلة والأخلاق الكاملة، أرسل الله روحه جبريل عليه السلام فنفخ في فرج مريم عليها السلام، فحملت بإذن الله بعيسى عليه السلام. فلما بيّن حقيقة عيسى عليه السلام، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة أحدهم عيسى، والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله. فأمرهم أن ينتهوا، وأخبر أن ذلك خير لهم، لأنه الذي يتعين أنه سبيل النجاة، وما سواه فهو طريق الهلاك، ثم نزه نفسه عن الشريك والولد فقال: { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: هو المنفرد بالألوهية، الذي لا تنبغي العبادة إلا له. { سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس { أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } لأن { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } فالكل مملوكون له مفتقرون إليه، فمحال أن يكون له شريك منهم أو ولد. ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي أخبر أنه قائم بمصالحهم الدنيوية والأخروية وحافظها، ومجازيهم عليها تعالى.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [171] 151- أنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، نا معبد بن هلال، قال: اجتمع رهط من أهل البصرة، فانطلقنا إلى أنس بن مالك فانتهينا إليه وهو يصلي الضُّحى، فانتظرنا حتى فرغ، فدخلنا عليه، فأجلس ثابتا على سريره، فقال له: يا أبا حمزة، إن إخواننا يسألونك عن حديث رسول الله / صلى الله عليه وسلم في الشَّفاعة، قال أنس: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيُؤتى آدم، فيُقال له: يا آدم، اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فهو خليل الرحمن، فيُؤتى إبراهيم، فيقول: - يعني لست لها - ولكن عليكم بموسى، فهو كليم الله، فيُؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فهو روح الله وكلمته، فيُؤتى عيسى صلى الله عليه وسلم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأُوتَى فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيُؤذن لي عليه، فأقوم بين يديه، فيُلْهمني محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم أَخرُّ له ساجداً، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، قل تُسمَع، سل تُعْطَ، واشْفع تُشَفَّع، فأقول: أي ربِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيُقال: انطلق، فمن كان في قلبه - إما قال: مثقال بُرَّة أو شعيرة - من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرُّ له ساجدا، فيُقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تُسمَع، وسل تُعْطَ، واشْفع تُشَفَّع، فأقول: يا ربِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيُقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرُّ له ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تُسمَع، وسل تُعْطَ، واشْفع تُشَفَّع، فأقول: يا ربِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيُقال: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبَّة خردل، فأخرجه من النار، فأنطلق...." تفسير : حديث أنس إلى منتهاه. 152- أخبرني محمود بن خالد، نا عمر - يعني ابن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن عُمير بن هانيء، حدثني جُنادة بن أبي أمية، عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شهد أن لا إله إلا الله، / وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان منه ".

همام الصنعاني

تفسير : 658- عبد الرزاق، قال: أبنأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} [الآية: 171] قال: هو قوله: كن فَكَان.