Verse. 665 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

لَنْ يَّسْتَنْكِفَ الْمَسِيْحُ اَنْ يَّكُوْنَ عَبْدًا لِّلہِ وَلَا الْمَلٰۗىِٕكَۃُ الْمُقَرَّبُوْنَ۝۰ۭ وَمَنْ يَّسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِہٖ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُہُمْ اِلَيْہِ جَمِيْعًا۝۱۷۲
Lan yastankifa almaseehu an yakoona AAabdan lillahi wala almalaikatu almuqarraboona waman yastankif AAan AAibadatihi wayastakbir fasayahshuruhum ilayhi jameeAAan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لن يستنكف» يتكبر ويأنف «المسيح» الذي زعمتم أنه إله من «أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون» عند الله لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات الله كما رد قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم «ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا» في الآخرة.

172

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} أي لن يأنَفَ ولن يحتشِم. {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} أي من أن يكون؛ فهو في موضع نصب. وقرأ الحسن: «إن يكون» بكسر الهمزة على أنها نفي هو بمعنى «ما» والمعنى ما يكون له ولد؛ وينبغي رفع يكون ولم يذكره الرّواة. {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي من رحمة الله ورضاه؛ فدل بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وكذا { أية : وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } تفسير : [هود: 31] وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في «البقرة». {وَمَن يَسْتَنْكِفْ} أي يأنَف {عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} فلا يفعلها. {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ} أي إلى المحشر. {جَمِيعاً} فيجازي كلا بما يستحق، كما بينه في الآية بعد هذا {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} إلى قوله: {نَصِيراً}. وأصل «يَسْتَنْكِفُ» نَكِفَ؛ فالياء والسين والتاء زوائد؛ يقال: نكفت من الشيء وٱستَنْكفت منه وأنكَفْته أي نزّهته عما يستنكف منه؛ ومنه الحديث حديث : سئل عن «سبحان الله» فقال: «إنْكافُ اللَّهِ من كل سوءٍ» تفسير : يعني تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد. وقال الزجاج: ٱستنكف أي أنِف مأخوذ من نَكَفْت الدّمع إذا نَحّيته بإصبعك عن خدّك؛ ومنه الحديث: « حديث : ما يُنْكَفُ العَرَقُ عن جبينه » تفسير : أي ما ينقطع؛ ومنه الحديث: « حديث : جاء بجيش لا يُنْكَف آخره » تفسير : أي لا ينقطع آخره. وقيل: هو من النّكَفِ وهو العيب؛ يقال: ما عليه في هذا الأمر نَكَفٌ ولا وَكَف أي عيب: أي لن يمتنع المسيح ولن يتنزّه من العبودية ولن ينقطع عنها ولن يعيبها.

ابن كثير

تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: قوله: {لَّن يَسْتَنكِفَ} لن يستكبر. وقال قتادة: لن يحتشم {ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: {وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: {وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذكروا لأنهم اتُّخِذوا آلهة مع الله كما اتخِذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده، وخلق من خلقه، كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26] الآيات، ولهذا قال: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} أي: فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يحيف، ولهذا قال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن سفيان، عن عبد الله مرفوعاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} قال: «حديث : أجورهم: أدخلهم الجنة» تفسير : {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} قال: «حديث : الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم» تفسير : وهذا إسناد لا يثبت.. وإذا روي عن ابن مسعود موقوفاً، فهو جيد {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ} أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته، واستكبروا عن ذلك {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} تفسير : [غافر: 60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين؛ كما كانوا ممتنعين مستكبرين. {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً } يقول تعالى مخاطباً جميع الناس ومخبراً بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} أي: ضياء واضحاً على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} أي: جمعوا بين مقامي العبادة، والتوكل على الله في جميع أمورهم، وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ} أي: يرحمهم، فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثواباً، ومضاعفة ورفعاً في درجاتهم؛ من فضله عليهم، وإحسانه إليهم، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً} أي: طريقاً واضحاً قصداً قواماً لااعوجاج فيه، ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين» تفسير : وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ } يتكبر ويأنف {ٱلْمَسِيحُ } الذي زعمتم أنه إله عن {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلَئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } عند الله لا يستنكفون أن يكونوا عبيداً للهِ، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات الله كما رَدَّ بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } في الآخرة.

الشوكاني

تفسير : أصل يستنكف نكف وباقي الحروف زائدة، يقال نكفت من الشيء، واستنكفت منه، وأنكفته: أي: نزهته عما يستنكف منه. قال الزجاج: استنكف أي: أنف، مأخوذ من نكفت الدمع: إذا نحيته بأصبعك عن خديك؛ وقيل: هو من النكف، وهو العيب، يقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف أي: عيب. ومعنى الأوّل: لن يأنف عن العبودية، ولن يتنزّه عنها. ومعنى الثاني: لن يعيب العبودية، ولن ينقطع عنها: {وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } عطف على المسيح، أي: ولن يستنكف الملائكة المقرّبون عن أن يكونوا عباداً لله. وقد استدلّ بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وادّعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب، وشابه شوائب الجمود كان هكذا، وكل من يفهم لغة العرب يعلم أن من قال لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أو لا كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير، لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأناً من المعطوف عليه، وعلى كل حال، فما أردأ الاشتغال بهذه المسألة، وما أقلّ فائدتها، وما أبعدها عن أن تكون مركزاً من المراكز الشرعية الدينية، وجسراً من الجسور: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } أي: يأنف تكبراً، ويعدّ نفسه كبيراً عن العبادة {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } المستنكف وغيره، فيجازي كلاً بعمله. وترك ذكر غير المستنكف هنا لدلالة أوّل الكلام عليه. ولكون الحشر لكلا الطائفتين {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } من غير أن يفوتهم منها شيء: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً } بسبب استنكافهم واستكبارهم {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً } يواليهم {وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم. قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } بما أنزله عليكم من كتبه وبمن أرسله إليكم من رسله، وما نصبه لهم من المعجزات. والبرهان: ما يبرهن به على المطلوب: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } وهو القرآن، وسماه نوراً لأنه يهتدى به من ظلمة الضلال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ } أي: بالله، وقيل: بالنور المذكور: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } يرحمهم بها {وَفَضَّلَ } يتفضل به عليهم {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } أي: إلى امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه أو إليه سبحانه وتعالى باعتبار مصيرهم إلى جزائه، وتفضله: {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } أي: طريقاً يسلكونه إليه مستقيماً لا عوج فيه، وهو التمسك بدين الإسلام، وترك غيره من الأديان، قال أبو علي الفارسي: الهاء في قوله {إِلَيْهِ } راجعة إلى ما تقدّم من اسم الله؛ وقيل: راجعة إلى القرآن؛ وقيل: إلى الفضل؛ وقيل: إلى الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب وانتصاب {صراطاً} على أنه مفعول ثان للفعل المذكور؛ وقيل: على الحال. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ } لن يستكبر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف، عن ابن مسعود قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ } قال: {أجورهم} يدخلهم الجنة، {ويزيدهم من فضله} الشفاعة فيمن وجبت له النار، ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا"تفسير : . وقد ساقه ابن كثير في تفسيره، فقال: وقد روى ابن مردويه، من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود، فذكره، وقال: هذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفاً، فهو جيد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة {قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ } أي: بينة {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } قاال: هذا القرآن. وأخرجا أيضاً عن مجاهد قال: برهان حجة. وأخرجا أيضاً عن ابن جريج في قوله: {وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ } قال: القرآن.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} هو النبي صلى الله عليه وسلم، لِمَا معه من المعجز الذي يشهد بصدقه. {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} يعني القرآن سُمِّي نوراً لأنه يظهر به الحق، كما تظهر المرئيات بالنور. قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ} فيه قولان: أحدهما: اعتصموا بالقرآن، وهذا قول ابن جريج. والثاني: اعتصموا بالله من زيغ الشيطان وهوى الإنسان. {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} في الهداية قولان: أحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن. والثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين البصريين.

النسفي

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ } أي لن يأنف {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } هو رد على النصارى {وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ } رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على «المسيح» {ٱلْمُقَرَّبُونَ } أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم. والمعنى: ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً. وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا: الارتقاء إنما يكون إلى الأعلى. يقال: فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه، ولو قال «ولا عبده» لم يحسن وكان معنى قوله «ولا الملائكة المقربون» ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً، ويدل عليه تخصيص المقربين. والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول ولكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر. إلى هذا ذهب بعض أهل السنة، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته، فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون! وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التكون هي التي تورث الحمقى أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرىء الأكمه والأبرص ويحيـي الموتى وينبىء بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، فبرءوه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في المسيح، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح! والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم، كجبريل وميكائيل وعزرائيل ونحوهم، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة، ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } يترفع ويطلب الكبرياء {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم. ثم فصل فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد، قلت: هو مثل قولك «جمع الإمام الخوارج» فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به. وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا: «فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به». والثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله: {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } أي رسول يبهر المنكر بالإعجاز {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } قرآناً يستضاء به في ظلمات الحيرة {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ } بالله أو بالقرآن {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } أي جنة {وَفَضَّلَ }زيادة النعمة {وَيَهْدِيهِمْ } ويرشدهم {إِلَيْهِ } إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } فـ «صراطاً» حال من المضاف المحذوف. {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت {إِنِ ٱمْرُؤٌا هَلَكَ } ارتفع «امرؤ» بمضمر يفسره الظاهر ومحل {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد الابن ـ وهو مشترك ـ يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت {وَلَهُ أُخْتٌ } أي لأب وأم أو لأب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أي الميت {وَهُوَ يَرِثُهَا } أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام «حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» تفسير : والأب أولى من الأخ {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ } أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً } أي وإن كان من يرث بالإخوة. والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليباً لحكم الذكورة {رّجَالاً وَنِسَاء } ذكوراً وإناثاً {فَلِلذَّكَرِ } منهم {مِثْلُ حَظّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ } الحق فهو مفعول «يبين» {أَن تَضِلُّواْ } كراهة أن تضلوا {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده.

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله} وذلك أن وفد نجران قالوا يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ليس بعارعلى عيسى أن يكون عبد الله فنزلت لن يستنكف المسيح يعني لن يأنف ولن يتعظم والاستنكاف الاستكبار مع الأنفة يقال نكفت من كذا واستنكفت منه أي أنفت منه وأصله من نكفت الشيء نحيته ونكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك من خدك والمعنى لن ينقبض ولن يمتنع ولن يأنف المسيح أن يكون عبدالله {ولا الملائكة المقربون} يعني ولن يستنكف الملائكة المقربون وهم حملة العرش والكروبيون وأفاضل الملائكة مثل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل أن يكونوا عبيدالله لأنهم في ملكه ومن جملة خلقه وقيل لما ادّعت النصارى في عيسى أنه ابن الله وذلك لما رأوا منه خوارق العادات من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من المعجزات، أجاب الله تعالى عن هذه الشبهات التي وقعت للنصارى بأن عيسى من شرف قدره وكرامته لن يستنكف أن يكون عبداً لله. وكذلك الملائكة المقربون فإنهم مع كرامتهم وعلو منزلتهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيداً لله وقد يستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر ووجه الدليل أن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يرتقي إلاّ من الأدنى إلى الأعلى ولا حجة لهم فيه والجواب عنه أن الله تعالى لم يقل ذلك رفعاً لمقامهم على مقام البشر بل قاله رداً على من يقول إن الملائكة بنات الله أو أنهم آلهة كما رد على النصارى قولهم إن المسيح ابن الله وقاله أيضاً رداً على النصارى فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة يعني كما أن المسيح عبدالله فكذلك الملائكة عبيدالله. وقوله تعالى: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} يعني ومن يتعظم عن عبادة الله ويأنف من التذلل لله والخضوع والطاعات من جميع خلقه {فسيحشرهم إليه جميعاً} يعني فسيبعثهم يوم القيامة لموعدهم الذي وعدهم حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} يعني يوفيهم جزاء أعمالهم الصالحة {ويزيدهم من فضله} يعني ويزيدهم على ما أعطاهم من الثواب على أعمالهم الصالحة من التضعيف على ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} يعني الذين أنفوا وتكبروا عن عبادة الله تعالى {فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله} يعني من سوى الله لأنفسهم {وليّاً} يعني ينجيهم من عذابه {ولا نصيراً} يعني ولا ناصراً ينصرهم منه، ويدفع عنهم عقوبته بقي في الآية سؤال وهو أن التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على ذكر فريقين: وهو قوله: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيوفيهم أجورهم وأما الذين استنكفوا واستكبروا} والمفصل اشتمل على ذكر فريق واحد وهو قوله: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} والجواب أنه لا إشكال فيه فهو مثل قولك جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، والوجه الثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قال ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيعذبهم بالحسرة والغم إذا رأوا أجور المطيعين العاملين لله تعالى. قوله عز وجل: {يا أيها الناس} خطاب للكافة {قد جاءكم برهان من ربكم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وما جاء به من البينات من ربه عز وجل وإنما سماه برهاناً لما معه من المعجزات الباهرات التي تشهد بصدقه ولأن للبرهان دليل على إقامة الحق وإيصال الباطل والنبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك ولأنه تعالى جعله حجة قاطعة قطع به عذر جميع الخلائق {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} يعني القرآن وإنما سماه نوراً لأن به تتبين الأحكام كما تتبين الأشياء بالنور بعد الظلام ولأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب فسماه نوراً لهذا المعنى {فأما الذين آمنوا بالله} يعني صدقوا بوحدانية الله وبما أرسل من رسول وأنزل من كتاب {واعتصموا به} يعني بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان، وقيل في معنى واعتصموا به أي وتمسكوا بالنور وهو القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فسيدخلهم في رحمة منه} يعني فسيدخلهم في رحمته التي ينجيهم بها من أليم عذابه قال ابن عباس الرحمة الجنة {وفضل} يعني ما يتفضل به عليهم بعد إدخالهم الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً} يعني ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به عليهم ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته ويرشدهم لدينه الذي ارتضاه لعباده وهو دين الإسلام.

ابن عادل

تفسير : قوله: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} الآية لمَّا أقام الحُجَّة القَاطِعَة على أنَّ عيسى عَبْدُ الله، لا يَجُوز أن يكُون ابْناً لَهُ، أشَارَ بَعْدَه إلى حِكَايَةِ شُبْهَتِهِم، وأجَابَ عَنْهَا؛ لأنَّ الشُّبْهَة التي عَوَّلُوا عَلَيْها في إثْبَاتِ أنَّهُ ابن اللَّهِ؛ هو [أنَّه] كان يُخْبِرُ عن الغيبيّات، ويأتي بِخَوارقِ العاداتِ من الإبْرَاء والإحْيَاء، فكأنَّهُ - تعالى - قال: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} بسبب القَدْرِ من العِلْم والقُدْرَة عن عِبَادةِ الله - [سبحانه] وتعالى -، فإن الملائِكَة المقَرَّبينَ أعْلَى حَالاً مِنْهُ في اَلقُدْرَة؛ لأن ثَمَانِيةً منهم حَمَلةُ العَرْشِ على عَظَمَتِهِ، ثم [إنّ] الملائكة مع كمالهم في العُلُوم، لمْ يَسْتَنْكِفُوا عن عُبُودِيَّة الله، فكيف يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عن عُبُوديَّته بسبب هذا القَدْرِ القَلِيلِ الذي كان مَعَهُ من العِلْمِ والقُدْرَة. والاسْتنْكَافُ: استفعالٌ من النَّكْفِ، والنَّكْفُ: أن يُقال [له] سوء، ومنه: "وما عليه في هذا الأمْرِ نَكْفٌ ولا وَكْفٌ"، قال أبو العباس: "واسْتَفْعَلَ هنا بمعنى دفع النَّكْفَ عَنْه"، وقال غيره: "هو الأنَفَةُ والتَّرفُّع"، ومنه: "نَكَفْتُ الدَّمْعَ بإصْبَعِي"، إذا منعته من الجَرْي على خَدِّك، قال: [الطويل] شعر : 1910- فبَانُوا فُلُولاً ما تَذَكَّرُ مِنْهُمُ مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ تفسير : فصل رُوِيَ أن وَفْدَ نَجْرَان قالُوا: يا مُحَمَّد، إنك تَعِيبُ صَاحِبَنَا، فتقول: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليْسَ بعارٍ لعيسى - عليه السلام - أنْ يكُوْنَ عَبْداً لِلَّهِ" تفسير : فنزلَت هذه الآية. وقرأ عَلِيٌّ: "عُبَيْداً" على التَّصْغِير، وهو مُنَاسِبٌ للمَقَام، وقرأ الجمهورُ "أن يكُون عَبْداً لِلَّهِ" بفتح همزة "أنْ"، [فهوُ في موضعِ نَصْبٍ، وقرأ الحسن: "إنْ" بكَسْر الهمزة على أنَّها نَفيٌ بمعنى]: ما يكون له ولدٌ، فينبغي رفع "يكونُ"، ولم يذكره الرواة؛ نقله القرطبيّ. وقوله تعالى: {وَلاَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ} عطف على "المَسِيح"، أي: ولَنْ يَسْتَنْكِفَ الملائكةُ أن يكُونُوا عَبيداً لله، وقال أبو حيان ما نصُّه: "وفي الكلام حَذْفٌ، التقدير: ولا الملائكةُ المقرَّبون أن يكونُوا عبيداً لله، فإن ضُمِّن "عَبْداً" معنى "مِلْكاً لله"، لم يَحْتَجْ إلى هذا التقدير، ويكونُ إذ ذاك {وَلاَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ} من باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا لُحِظَ في "عَبْد" معنى الوَحْدَة، فإن قوله: {وَلاَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ} يكون [من] عطف الجملِ؛ لاختلاف الخبر، وإنْ لُحِظَ في قوله: {وَلاَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ} معنى: "ولا كلُّ واحدٍ مِنَ الملائِكَةِ" كان من باب عطف المفردات"، وقال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: علام عُطِفَ "والمَلاَئِكَةُ"؟ قلت: إمَّا أن يُعْطَفَ على "المَسِيحُ"، أو اسم "يَكُونُ"، أو على المستتر في "عَبْداً" لما فيه من معنى الوصْف؛ لدلالته على العبادة، وقولك: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٍ أبُوهُ" فالعطفُ على المسيحِ هو الظاهرُ؛ لأداء غيره إلى ما فيه بعضُ انحرافٍ عن الغرضِ، وهو أن المسيحَ لا يأنَفُ أن يكون هو ولا من فَوقَهُ موصوفين بالعبودية، أو أن يعبُدَ الله هو ومن فوقه"، قال أبو حيان: "والانحراف عن الغرضِ الذي أشارَ إليه كونُ الاستنكَافِ يكون مختصًّا بالمسيحِ، والمعْنَى التامُّ إشراكُ الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكَافِ عن العبوديَّة، ويظهرُ أيضاً مرجوحيَّةُ الوجهين من وجه دخُول "لاَ"؛ إذ لو أُريدَ العطفُ على الضمير في "يكُون" أو في "عَبْداً" لم تَدْخُل "لا"، بل كان يكون التركيبُ بدونها، تقول: "ما يريدُ زيدٌ أن يكُونَ هُو وأبُوهُ قَائِمَيْن" و"ما يُريدُ زيدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هُوَ وعَمْرٌو"، فهذان التركيبان لَيْسَا من مَظَنَّةِ دخولِ لا، وإن وُجد منه شيءٌ، أوِّل". انتهى، فتحصَّل في رفع "المَلاَئِكَةُ" ثلاثة أوجه، أوجَهُهَا الأوَّل. فصل اسْتَدَلَّ الجُمهور بهذه الآية: على أنَّ الملكَ أفْضَلُ من البَشَر، وقد تقدَّم الكلام عَلَيْه، في البقرة [آية 34]. وقال ابن الخطيب: والذي نقُولُه هَهُنَا: إنَّا نُسَلِّم أنَّ اطِّلاع الملائِكَة على المُغَيِّبَاتِ أكْثَرُ من اطلاع البَشَرِ عليهما، ونُسَلِّم أن قُدْرَة الملائِكَة على التَّصرُّفِ في هذا العَالم أشَدُّ من قُدْرة البَشَر، إنما النِّزاعُ في أنَّ ثوابَ طاعَاتِ الملائِكَة أكْثَرُ، أمْ ثوابُ طاعَاتِ البَشَرِ وهذه الآيَةُ لا تَدُلُّ على ذلك؛ وذلك أن النَّصَارَى إنَّما أثْبَتُوا إلهيَّة عِيسَى؛ لأنه أخْبَر عن الغَيْب، وأتى بخَوَارِقِ العَادَاتِ، فإيرادُ الملائِكَة لأجْلِ إبْطَال هذه الشُّبْهَة، إنما يَسْتَقِيم إذا كانت الملائِكَةُ أقْوَى حالاً في هذا العَالَمِ، وفي هذه القُدْرَة من البَشَرِ، ونحن نَقُول بمُوجبهِ. فأما أن يُقَالَ: المُرادُ من الآية تَفْضِيل الملائِكَة على المَسيحِ في كَثْرَةِ الثَّوَابِ على الطَّاعَاتِ، فذلك ممَّا لا يُنَاسِب هذا الموضعَ، ولا يَليقُ به. فظهر أنَّ هذا الاستدْلاَل إنَّما قَوِي في الأوْهَام؛ لأن النَّاسَ ما لخّصوا مَحَلَّ النِّزَاع. وأجاب البغوي عن استدلالهم بهذه الآية؛ فقال: ولا حُجَّة لهم فِيهِ؛ لأنه لم يَقُلْ ذَلِك رَفْعاً لمقامِهِم على مَقَامِ البَشَرِ، بل رَدًّا على الذين يَقُولُون: الملاَئِكَة آلِهَةٌ، لما ردَّ على النَّصَارَى قولهم: المَسِيحُ ابْنُ اللَّه، وقال ردّاً على النَّصارَى بزَعْمِهِم؛ فإنَّهُم يقُولُون بتَفْضِيل الملائِكَة، وهذه الآيَةُ تدُلُّ على أنَّ طبقات المَلاَئكة مُخْتَلِفةٌ؛ لقوله - تعالى -: {وَلاَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}. قوله تعالى {فَسَيَحْشُرُهُمْ} الفاءُ يجوز أن تكون جواباً للشَّرْط في قوله: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ}، فإن قيل: جوابُ "إن" الشرطية وأخواتها غير "إذا" لا بدَّ أن يكون محتملاً للوقُوعِ وعدمه، وحشرُهُمْ إليه جميعاً لا بُدَّ منه، فكيف وقعَ جَواباً لها؟ فقيل في جوابه وجهان: أصحهما: أن هذا الكلام تضمَّن الوعد والوعيد؛ لأنَّ حَشْرَهُمْ يقتضي جزاءَهم بالثوابِ أو العقاب، ويَدُلُّ عليه التفصيلُ الذي بعده في قوله: "فَأَمَّا الذِينَ" إلى آخره، فيكونُ التقديرُ: ومن يَسْتَنكِفْ عن عبادته ويَسْتَكْبِرْ، فيعذبُهُ عند حَشْرِهِ إليه، ومن لم يستنكفْ ولم يستكبر، فيثيبه. والثاني: أنَّ الجوابَ محذوف، أي: فيجازيه، ثم أخبر بقوله: {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً}، وليس بالبيِّن، وهذا الموضوعُ محتملٌ أن يكون مِمَّا حُمِلَ على لفظةِ "من" تارة في قوله: "يَسْتَنْكِف" [و"يَسْتَكْبِر"] فذلك أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى في قوله: "فَسَيحْشُرُهُم" ولذلك جمعهُ، ويحتمل أنه أعاد الضمير في "فَسَيحْشُرُهُم" على "مَنْ" وغيرها، فيندرجُ المستنكفُ في ذلك، ويكون الرابطُ لهذه الجملةِ باسم الشرط العمومَ المشارَ إليه، وقيل: بل حَذَفَ معطوفاً لفَهْم المعنى، والتقديرُ: فسيحشُرُهُمْ، أي: المُسْتنكفينَ وغيرَهُمْ، كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، أي: والبَرْدَ. و"جَميعاً" حالٌ، أو تأكيد عند مَنْ جعلها كـ "كُلّ" وهو الصحيح، وقرأ الحسن: "فَسَنحْشُرهُمْ" بنونِ العظمة، وتخفيف باء "فَيُعَذِّبُهُمْ"، وقرئ "فَسَيَحْشِرُهُمْ" بكسر الشين، وهي لغةٌ في مضارع "حَشَرَ". وقوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ}: قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها، ولكن هنا سؤالٌ حسنٌ قاله الزمخشريُّ وهو: "فإن قلت: التفصيل غير مطابقٍ للمفصَّلِ؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصَّلُ على فريق واحد، قلتُ: هو مثلُ قولك: "جَمَعَ الإمَامُ الخوارجَ: فمن لم يخرجْ عليه، كساه حُلَّةً، ومن خَرَجَ عليه، نَكَّلَ به" وصحةُ ذلك؛ لوجهين: أحدهما: أن يحذف ذكرُ أحد الفريقين؛ لدلالةِ التفصيل عليه؛ ولأنَّ ذكرَ أحدهما يدلُّ على ذكر الثاني؛ كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عَقِيبَ هذا:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّه واعْتَصَمُوا به}. والثاني: وهو أن الإحسانَ إلى غيرهم مما يَغُمُّهُم؛ فكان داخلاً في جملة التنكيلِ بهم، فكأنه قيل: ومن يَسْتَنْكِف عن عبادته ويَسْتكبرْ فسيعذبُهُم بالحَسْرة، إذا رأوْا أجُورَ العاملين، وبما يصيبُهُم من عذاب الله. انتهى، يعني بالتفصيل قوله: "فأمَّا" و"أمَّا"، وقد اشتمل على فريقين، أي: المثابين والمعاقبين، وبالمفصَّل قوله قبل ذلك: "وَمَن يَسْتَنْكِفْ"، ولم يشتمل إلا على فريقٍ واحدٍ هم المعاقَبُون. فصل بيَّن ثواب الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَات أنه يُوَفِّيهم أجُورَهم، ويزيدهُم من فَضْلِه من التَّضعِيف ما لا عيْنٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَت، ولا خطر على قَلْب بَشَر. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ} عن عبادته {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. وقدم ثواب المُؤمنين على عقاب المسْتَنْكِفِ لأنَّهم إذا رَأوْا ثواب المُطيعين، ثم شَاهَدُوا بعده عقاب أنفسهم، كان ذلك أعْظَم في الحسرة.

البقاعي

تفسير : ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل، ويفعل ما يعجز عنه الموكل، وكان الله تعالى لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى شيء، وكان عيسى عليه الصلاة السلام لا يدّعي القدرة على شيء إلا بالله، وكان يحتاج إلى النوم وإلى الأكل والشرب وإلى ما يستلزمانه، صح أنه عبدالله فقال سبحانه دالاً على ذلك: {لن يستنكف} أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى ويستحي ويأنف ويستكبر {المسيح} أي الذي ادعوا فيه الإلهية، وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من غير ذكر، ولكونه أيضاً يخبر ببعض المغيبات، ويحيي بعض الأموات، ويأتي بخوارق العادات {أن} أي من أن {يكون عبداً لله} أي الملك الأعظم الذي عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة مخلوقاته، فإنه من جنس البشر في الجملة وإن كان خلقه خارقاً لعادة البشر {ولا الملائكة} أي الذين هم أعجب خلقاً منه في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ولا ما يجانس عنصر البشر، فكانوا لذلك أعجب خلقاً من آدم عليه الصلاة والسلام أيضاً، وهم لا يستنكفون بذلك عن أن يكونوا عباد الله. ولما كان التقريب مقتضياً في الأغلب للاستحقاق، وكان صفة عامة للملائكة قال: {المقربون} أي الذين هم في حضرة القدس، فهم أجدر بعلم المغيبات وإظهار الكرامات، وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سبباً في حياة عيسى عليه الصلاة والسلام، وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضاً، وبهذا طاح استدلال المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن العادة في مثل هذا السياق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم، لكن في الخلق لا في المخلوق. ولما أخبر تعالى عن خلّص عباده بالتشرف بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك، فقال مهدداً محذراً موعداً: {ومن يستنكف} أي من الموجودات كلهم {عن عبادته} ولما كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد الامتناع لا كبراً، قال مبيناً للمراد من معناه هنا: {ويستكبر} أي يطلب الكبر عن ذلك ويوجده، لأن مجرد الامتناع لا يستلزمه. ولما كان الحشر عاماً للمستكبر وغيره كان الضمير في {فسيحشرهم} عائداً على العباد المشار إليهم بعبداً وعبادته، ولا يستحسن عوده على "مَنْ" لأن التفصيل يأباه، والتقدير حينئذ: فسيذلهم لأنه سيحشر العباد {إليه جميعاً *} أي المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون، ومن مات كان مخلوقاً محدثاً قطعاً، ومن كان مقدوراً على ابتدائه وإفنائه كانت القدرة على إعادته أولى، والحشر: الجمع بكره. ولما عم بالحشر المستكبرين وغيرهم جاء التفصيل إلى القسمين فقال: {فأما الذين آمنوا} أي أذعنوا الله تعالى وخضعوا له {وعملوا الصالحات} تصديقاً لإقرارهم بالإيمان {فيوفيهم أجورهم} أي التي جرت العادات بينكم أن يُعطَوها وإن كانوا في الحقيقة لا يستحقونها، لأن الله تعالى هو الذي وفقهم لها، فهي فضل منه عليهم {ويزيدهم} أي بعد ما قضيت به العادات {من فضله} أي شيئاً لا يدخل تحت الحصر لأنه ذو الفضل العظيم {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي طلبوا كلاً من الإباء والكبر {فيعذبهم عذاباً أليماً *} أي بما وجدوا من لذاذة الترفع والكبر، وآلموا بذلك أولياء الله {ولا يجدون لهم} أي حالاً ولا مآلاً {من دون الله} الذي لا أمر لأحد معه {ولياً} أي قريباً يصنع معهم ما يصنع القريب {ولا نصيراً *} أي وإن كان بعيداً، وفي هذا أتم زاجر عما قصده المنافقون من موالاة أهل الكتاب، وأعظم نافٍ لما منّوهم إياه مما لهم وزعموا من المنزلة عند الله، المقتضية أن يقربوا من شاؤوا، ويبعدوا من شاؤوا، وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات المحذرة منهم {أية : وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} تفسير : [النساء: 45]. ولما أزاح شبه جميع المخالفين من سائر الفرق: اليهود والنصارى والمنافقين، وأقام الحجة عليهم، وأقام الأدلة القاطعة على حشر جميع المخلوقات، فثبت أنهم كلهم عبيده؛ عمّ في الإرشاد لطفاً منه بهم فقال: {يا أيها الناس} أي كافة أهل الكتاب وغيرهم. ولما كان السامع جديراً بأن يكون قد شرح صدراً بقواطع الأدلة بكلام وجيز جامع قال: {قد جاءكم برهان} أي حجة نيّرة واضحة مفيدة لليقين التام، وهو رسول مؤيد بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها {من ربكم} أي المحسن إليكم بإرسال الذي لم تروا قط إحساناً إلا منه. ولما كان القرآن صفة الرحمن أتى بمظهر العظمة فقال: {وأنزلنا} أي بما لنا من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على الرسول الموصوف، منتهياً {إليكم نوراً مبيناً *} أي واضحاً في نفسه موضحاً لغيره، وهو هذا القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير العقل، فلم يبق لأحد من المدعوين به نوع عذر، والحاصل أنه سبحانه لما خلق للآدمي عقلاً وأسكنه نوراً لا يضل ولا يميل مهما جرد، ولكنه سبحانه حفّه بالشهوات والحظوظ والملل والفتور، فكان في أغلب أحواله قاصراً إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ألحقه سبحانه بهم؛ أنزل كتبه بذلك العقل مجرداً عن كل عائق، وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له منقادة به، لأنها مشوبة، وهو مجرد لا شوب فيه بوجه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لن يستنكف‏} ‏ قال‏:‏ لن يستكبر‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏‏ ‏‏"حديث : ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏فيوفِّيهم أجورهم ويزيدهم من فضله‏}‏ قال {‏أجورهم‏}‏ يدخلهم الجنة ‏{‏ويزيدهم من فضله‏}‏ الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا‏"‏ تفسير : والله سبحانه أعلم‏. ‏

ابو السعود

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} استئنافٌ مقررٌ لما سبق من التنزيه، والاستنكافُ الأنَفةُ والترفعُ من نكفتَ الدمعَ إذا نحيتَه عن وجهك بالأصبع أي لن يأنف ولن يترفع {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} أي عن أن يكون عبداً له تعالى مستمراً على عبادته وطاعتِه حسبما هو وظيفةُ العبودية، كيف وإن ذلك أقصىٰ مراتبِ الشرفِ، والاقتصارُ على ذكر عدمِ استنكافِه عليه السلام عنه مع أن شأنه عليه السلام المباهاةُ به كما يدل عليه أحوالُه ويُفصِحُ عنه أقوالُه، ألا يُرى أن أولَ مقالةٍ قالها للناس قولُه: {أية : قَالَ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً} تفسير : [مريم، الآية 30] لوقوعه في موقع الجوابِ عما قاله الكفرة. روي ( «حديث : أن وفد نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لِمَ تَعيبُ صاحبَنا، قال: "ومن صاحبُكم؟"، قالوا: عيسى، قال: "وأيُّ شيء أقول؟" قالوا: تقول له عبدُ الله، قال: "إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله"»تفسير : ، قالوا: بلى فنزلت)، وهو السرُّ في جعل المستنكَفِ عنه كونَه عليه السلام عبداً له تعالى دون أن يقال عن عبادة الله ونحوُ ذلك مع إفادة فائدةٍ جليلةٍ هي كمالُ نزاهتِه عليه السلام عن الاستنكافِ بالكلية فإن كونَه عبداً له تعالى حالةٌ مستمرةٌ مستتبِعةٌ لدوام العبادةِ قطعاً، فعدمُ الاستنكافِ عنه مستلزِمٌ لعدم الاستنكافِ عن عبادته تعالى كما أشير إليه بخلاف عبادتِه تعالى فإنها حالةٌ متجدِّدة غيرُ مستلزِمةٍ للدوام يكفي في اتّصاف موصوفِها بما يُحققها مرةً، فعدمُ الاستنكافِ عنها لا يستلزِمُ عدمَ الاستنكافِ عن دوامها. {وَلاَ ٱلْمَلَـٰـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} عطفٌ على المسيح أي ولا يستنكف الملائكةُ المقربون أن يكونوا عبـيداً لله تعالى، وقيل: إن أريد بالملائكة كلُّ واحد منهم لم يُحتَجْ إلى التقدير، واحتَجّ بالآية من زعم فضلَ الملائكةِ على الأنبـياء عليهم السلام وقال: مَساقُه لرد النصارى في رفع المسيحِ عن مقام العبوديةِ، وذلك يقتضي أن يكون المعطوفُ أعلى درجةً من المعطوف عليه حتى يكون عدمُ استنكافِهم مستلزماً لعدم استنكافِه عليه السلام، وأجيب بأن مناطَ كفرِ النصارى ورفعِهم له عليه السلام عن رتبة العبوديةِ لمّا كان اختصاصُه عليه السلام وامتيازُه عن سائر أفرادِ البشرِ بالولادة من غير أبٍ وبالعلم بالمُغيِّبات وبالرفع إلى السماء عُطف على عدم استنكافِه عن عبوديته تعالى عدمُ استنكافِ مَنْ هو أعلى درجةً منه فيما ذكر، فإن الملائكةَ مخلوقون من غير أبٍ ولا أمَ، وعالمون بما لا يعلمه البشرُ من المغيبات، ومَقارُّهم السمواتُ العلا، ولا نزاعَ لأحد في علو درجتِهم من هذه الحيثيةِ وإنما النزاعُ في علوّها من حيث كثرةُ الثوابِ على الطاعات، وبأن الآيةَ ليست للرد على النصارى فقط بل على عبَدة الملائكةِ أيضاً فلا اتجاه لما قالوا حينئذ وإنْ سَلِم اختصاصُها بالرد على النصارى فلعله أُريد بالعطف المبالغةُ باعتبار التكثيرِ والتفصيلِ لا باعتبار التكبـيرِ والتفضيلِ، كما في قولك: أصبح الأميرُ لا يخالفه رئيسٌ ولا مرؤوسٌ، ولئن سُلّم إرادةُ التفضيلِ فغايةُ الأمرِ الدلالةُ على أفضلية المقربـين منهم، وهم الكروبـيون الذين حول العرشِ أو من هو أعلى منهم رتبةً من الملائكة عليهم السلام على المسيح من الأنبـياء عليهم السلام وليس يلزم من ذلك فصلُ أحدِ الجنسين على الآخر مطلقاً، وهل التشاجرُ إلا فيه؟ {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي عن طاعته فيشمل جميعَ الكفرةِ لعدم طاعتِهم له تعالى مما لا سبـيلَ لهم إلى إنكار اتصافِهم به. إن قيل: لم عبّر عن عدم طاعتِهم له تعالى بالاستنكاف عنها مع أن ذلك منهم كان بطريق إنكارِ كونِ الأمرِ من جهته تعالى لا بطريق الاستنكافِ، قلنا: لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهل هو إلا استنكافٌ عن طاعة الله تعالى؟ إذ لا أمرَ له عليه الصلاة والسلام سوى أمرِه تعالى{أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء، الآية 80] {وَيَسْتَكْبِرْ} الاستكبارُ الأنَفةُ عما لا ينبغي أن يُؤنَفَ عنه وأصلُه طلبُ الكِبْر لنفسه بغير استحقاقٍ له لا بمعنى طلب تحصيلِه مع اعتقاد عدمِ حصولِه فيه بل بمعنى عدِّ نفسِه كبـيراً واعتقادِه كذلك، وإنما عبّر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآلَه محضُ الطلبِ بدون حصولِ المطلوب وقد عبر عن مثل ذلك بنفس الطلب في قوله تعالى: {أية : يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } تفسير : [الأعراف، الآية 45. وسورة هود، الآية 19] فإنهم ما كانوا يطلبون ثبوتَ العِوِجِ لسبـيل الله مع اعتقادهم لاستقامتها بل كانوا يعدّونها ويعتقدونها مُعْوجّةً ويحكمون بذلك ولكن عبّر عن ذلك بالطلب لِما ذكر من الإشعار بأن ليس هناك شيءٌ سوى الطلبِ والاستكبارِ دون الاستنكافِ المنبىءِ عن توهم لُحوقِ العارِ والنقصِ من المستنكَفِ عنه. {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} أي المستنكِفين ومقابليهم المدلولَ عليهم، ذُكر عدمُ استنكافِ المسيحِ والملائكةِ عليهم السلام، وقد تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في المفصل ـــ تعويلاً على إنباء التفصيلِ عنه وثقةً بظهور اقتضاءِ حشرِ أحدِهما لحشر الآخرِ ضرورةَ عمومِ الحشرِ للخلائق كافةً، كما تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النساء، الآية 175] الآية، مع عموم الخطابِ لهما اعتماداً على ظهور اقتضاءِ إثابةِ أحدِهما لعقاب الآخر ضرورةَ شمولِ الجزاءِ للكل، وقيل: الضميرُ للمستنكِفين وهناك مقدَّرٌ معطوفٌ عليه، والتقديرُ فسيحشرهم إليه يوم يحشرُ العبادَ لمجازاتهم، وفيه أن الأنسبَ بالتفصيلِ الآتي اعتبارُ حشرِ الكلِّ في الإجمال على نهج واحدٍ، وقرىء فسِيحشُرهم بكسر السين وهي لغة وقرىء فسنحشرهم بنون العظمةِ بطريق الالتفات.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} [الآية: 172]. قيل: لا يأنف أحدٌ من القيام بالعبودية، فكيف يأنف منه وبه يتقرب إلى مولاه؟ قال بعضهم: كيف يأنف أحدٌ من عبودية من يظهر على العبيد آثار صنائع الربوبية، كما أظهر على عيسى صلى الله عليه وسلم فى إحياء الموتى وغيره.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ}. كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شَرَفُه، وكيف يستكبر عن التذلُّلِ وفي استكباره تَلَفُه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إني عبد الله، وتجمُّل العبيد في التذلل للسَّادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة. وقوله: {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} لا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بني آدم. قوله جلّ ذكره: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. العذاب الأليم ألا يصلوا إليه أبداً بعدما عرفوا جلاله، فإذا صارت معارفُهم ضروريةً فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا، فَحَسَراتُهم حينئذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم.

البقلي

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} اذا اتصف باوصاف الحق حين بزت ا انوار هاله وباشرت اسرار لطائفها قلبه وروحه وعقله وامتلا من سنا الالوهية اسراره حين انعقد عقد وجوده كاد الحال ان يسلبه من رؤية العبودية فادركه تائيد الحق حتى راى الحدث محوا فى القدم فلم يدع الربوبية ونطق فى المهد بالعبودية بقوله انى عبد الله لم يكن كابن الحلاج رحمة الله عليه خيرا ادعى بالانانية من سكر العشق والمحبة وفنائه فى الازلية واتصافه بالابدية لانه كان فى منزل التلوين بل حاله كان كمال سيد البشر صلاة الله عليه حين عائن الحق بلاحق فخرج من بحار الذات بنعت الاتصاف بالصفات وراى اضمحلال الحدثان فى جمال الرحمن فنطق بالعبودية وقال انا العبد لا اله الا الله وهكذا اهل القدس فى الملكوت تلاشوا فى سبحات عزته وقالوا ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك وكيف لا يكون ذلك وقهر الجبروت استولى على كل ذرة من العرش الى الثى وجرها بازمة العظمة والكبرياء فى تراب ساحات عزته راغمة فى جناب جبروته والالفة من عبادة صانعها مستجبلة لان كونها وتكوينها مخص عبادته لانها تكون بداعية القدم من العدم خص ذكر عيسى الملائكة لانهما موضع اشارة الكفرة نسبتهم الى الالوهية ذكر عيسى بالاول واتم ذكر الملائكة بين ظاهر الأية تخصيص الملائكة على عيسى والمراد من ذلك انهم سماويون نجباء الحضرة واشباح القدرة لانهم افضل من عيسى واشار بوفق رسوم خواطر الكفرة والا كيف يكون هم افضل من الانبياء والانبياء جلاليون قدسيون والملائكة روحانيون ملكوتين قبل لا يانف احد من القيام بالعبودية فكيف يانف منه وبه يتقرب الى مولاه وقيل كيف يانف احد من عبودية من يظهر على العبيد اثار صنائع الربوبية كما اظهر على عيسى من احياء الموتى وغيره.

اسماعيل حقي

تفسير : {لن يستنكف المسيح} فى اساس البلاغة استنكف منه ونكف امتنع وانقبض انفا وحمية {ان يكون عبدا لله} اى من ان يكون عبدا له تعالى فان عبوديته شرف يتباهى بها وانما المذلة والاستنكاف فى عبودية غيره ـ روى ـ "حديث : ان وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم تعيب صاحبنا قال "ومن صاحبكم" قالوا عيسى قال "وأى شىء اقول" قالوا تقول انه عبد الله قال "انه ليس بعار ان يكون عبد الله" قالوا بلى بعار فنزلت {ولا الملائكة المقربون} " .تفسير : عطف على المسيح اى ولا يستنكف الملائكة المقربون ان يكونوا عبيدا والمراد بهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل واسرافيل ومن فى طبقتهم {ومن يستنكف} اى يترفع {عن عبادته} اى عن طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى {ويستكبر} الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وانما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فانه قد يكون باستحقاق {فسيحشرهم اليه} اى فسيجمعهم اليه يوم القيامة {جميعا} المستنكف والمستكبر والمقر والمطيع فيجازيهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أصل الاستنكاف: التنحية، من قولهم: نكفت الدمع؛ إذا نحيته بإصبعك كي لا يُرى أثره عليك، ثم أُطلق على الأنفة، والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه؛ لأن الاستنكاف، لا يستعمل إلا حيث لا استحقاق، بخلاف الاستكبار فإنه يكون باستحقاق. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الرد على النصارى: {لن يستنكف} أي: لن يأنف {المسيح أن يكون عبدًا لله}؛ فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها، وإنما المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره، {ولا الملائكة المقربون} لا يستنكفون أيضًا أن يكونوا عبيدًا لله، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله، واحتج بالآية مَن فَضَّل الملائكة على الأنبياء، لأن المعطوف يقتضي أن يكون أرفع درجة من المعطوف عليه، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم استنكاف المسيح. والجواب: أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة، كقولهم: أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، والرئيس أفضل من المرؤوس، والتحقيق في المسألة؛ أن الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين، وخواص الملائكة؛ ـ وهم المقربون ـ أفضل من خواص البشر كالأولياء، وخواص البشر أفضل من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر، ولذلك قيل: من غلب عقله على هواه كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلب هواه على عقله، كان كالبهائم أو أضل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد من استنكف عن عبوديته ـ تعالى ـ فقال: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا} فيجازيهم؛ {فأما الذين آمنوا وعلموا الصالحات} ولم يستنكفوا عن عبادته {فيوفّيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، {وأما الذين استنكفوا} عن عبوديته {واستكبروا} عن عبادته {فيعذبهم عذابًا أليمًا} أي: مُوجعًا، وهو النار وقال القشيري: العذاب الأليم: هو ألا يصلوا إليه أبدًا بعد ما عرفوا جلاله، إذ صارت معرفتهم ضرورية ـ أي قهرية ـ فحسراتهم حينئٍذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم. هـ. {ولا يجدون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيرًا}. فإن قلت: هذا التفصيل أعم من المفصل، لأن الحشر إنما ذكر للمتكبرين والتفصيل أعم، فالجواب: أن عموم المفصل يفهم من قوة الكلام، فكأنه قال: فسيحشرهم للمجازاة يوم يجازي عباده جميعًا، {فأما الذين آمنوا...} الخ، نظيره: قولك: جمع الأمير كافة مملكته، فأما العلماء فأكرمهم، وأما الطغاة فقطعهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات، بها شرف من شرف، وارتفع من ارتفع، عند الله، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية، فقال تعالى: {أية : سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسرًاء:1]، وقال: {أية : وَاذْكُرْ عَبادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ }تفسير : [صَ:45]،{أية : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ }تفسير : [صَ:17]، {أية : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيْوُّبَ}تفسير : [صَ:41]، {أية : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} تفسير : [صَ:30]... إلى غير ذلك. وأوصاف العبودية أربعة: الذل، والفقر، والضعف، والجهل. ومقابلها من أوصاف الربوبية أربعة: العز، والغنى والقوة والعلم، فبقدر ما يُظهر العبد من أوصاف العبودية يمده الحق من أوصاف الربوبية، فبقدر ما يظهر العبد من الذل يمده من العز، وبقدر ما يظهر من الفقر يمده بالغنى، وبقدر ما يظهر من الضعف يمده من القوة، وبقدر ما يظهر من الجهل يمده من العلم، تحقق بوصفك يمدك بوصفه، ولا يتحقق ظهور هذه الأوصاف إلا بين عباده لتمتحق بذلك أوصاف النفس.

الطوسي

تفسير : معنى {لن يستنكف المسيح} لم يأنف. وأصله في اللغة من نكفت الدمع: إذا نحيته باصبعك من خدك. قال الشاعر: شعر : فباتوا فلولا ما تذكر منهم من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع تفسير : فتأويل {لن يستنكف} لن ينقبض ولن يمتنع. فمعنى الآية {لن يستكبر المسيح أن يكون عبداً} بمعنى من ان يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون. ومعناه ولا يستنكف الملائكة أيضاً، ولا يأنفون، ولا يستكبرون من الاقرار لله بالعبودية، والاذعان له بذلك {المقربون} الذين قربهم ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه. وقال الضحاك: المقربون معناه انه قربهم إلى السماء الثانية. وقوله: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} معناه من يأنف من عبادة الله، ويتعظم عن التذلل والخضوع له، والطاعة له من جميع خلقه {فسيحشرهم}. ومعناه فسيبعثهم يوم القيام جميعاً يجمعهم لموعدهم عنده. ومعنى إليه إلى الموضع الذي لا يملك التصرف فيه سواه، كما يقال صار أمر فلان إلي القاضي أي لا يملكه غير القاضي، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه القاضي. واستدل قوم بهذه الآية على ان الملائكة أفضل من الانبياء، قالوا: لا يجوز أن يقول القائل: لا يأنف الأمير أن يركب اليّ ولا غلامه. وانما يجوز أن يقال: لا يأنف الوزير أن يركب اليّ ولا الامير، فيعطف بعالي الرتبة على الادون، ولا يعطف بالادون على الاعلى. وهذا الذي ذكروه لا دلالة فيه من وجوه: احدها - ان يكون هذا القول متوجهاً إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الانبياء، فاجرى الكلام على اعتقادهم، كما يقول القائل لغيره: لا يستنكف ابي من من كذا، ولا ابوك. وإن كان القائل يعتقد ان اباه أفضل. الثاني - انه لا تفاوت بين الانبياء والملائكة التفاوت البعيد كتفاوت الامير والحارس، وما يجري مجرى ذلك. ويجوز أن يقدم الفاضل ويؤخر المفضول. ألا ترى أنك تقول: لا يستكف الامير فلان من كذا، ولا الامير فلان؟ وان كان الاول افضل. والثالث - انه اخر ذكر الملائكة، لان جميع الملائكة اكثر ثواباً لا محالة من المسيح منفرداً فمن اين ان كل واحد منهم افضل من المسيح، او غيره من الانبياء؟

الجنابذي

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} جواب آخر للنّصارى فى افراطهم وتوطئةٌ للتّعريض بالمستنكفين من امّة محمّد (ص) عن عبادة الله فى امره بولاية علىّ {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} الاستنكاف التّرفّع على الشّيء بتصوّر نقصان فيه والاستكبار التّرفّع عليه بتصوّر المستكبر رفعةً فى نفسه {فَسَيَحْشُرُهُمْ} اى العابدين والمستنكفين {إِلَيهِ جَمِيعاً} وفيه تعريض بالمستنكفين عن قول الله فى ولاية علىّ (ع).

اطفيش

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَ للهِ}: لن يترفع المسيح عن أن يكون عبدا لله، يقال: نكف عن الشىء اذا تكبر عنه، وهو من نكف الانسان الدمع اذا مسحه بيده لئلا يرى عليه أثره. روىحديث : أن وفد نجران ـ وكانوا من نصارى العرب ـ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى. قال: وأى شىء أقول؟ قالوا: تقول انه عبد الله ورسوله! قال: انه ليس بعار أن يكون عبدا لله، قالوا: بلى. فنزلت الآيةتفسير : ، لو كانت العبودية لله عيبا لم يثبتها على نفسه لله، وقد قال: {أية : إنى عبد الله آتانى الكتاب } تفسير : فان كون الانسان عبدا لله شرف، وانما الذل فى أن يكون عبدا للشيطان، أو عبدا لانسان، وقيل: لما رأى النصارى ما جرى على يد عيسى من الخوارق للعادة جعلوه إليها، فرد الله عليهم بأنه مع شرفه وعظم شأنه قد أقر أنه عبد الله ولا يعبد الا الله. {وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ}: عطف على المسيح، أى ولا الملائكة المقربون، أن يكونوا عبدا لله، والمقربون خاصة الملائكة، وهم الكروبيون كما فى السؤالات، فان كرب وقرب بمعنى واحد، وجبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ونحوهم من أفاضل الملائكة، ومن حول العرش أو من أعلى منهم رتبة، ولا سيما عامتهم فانهم مع اجتهادهم فى العبادة لا يأنفون من أن يكونوا عبادا لله، بل ما اجتهدوا فى العبادة الا لتوغلهم فى العبودية {أية : ان كل من فى السماوات والأرض الا آتى الرحمن عبدا }. تفسير : والنصارى قبحهم الله لم ينفوا عن الملائكة أن يكونوا عبادا لله، ولكن ذكرهم الله فى الرد عليهم لزيادة بيان أنه ليس لغير الله أن يأنف عن أن يكون عبدا لله سبحانه، فليس فى الآية دليل لمن استدل بها على تفضيل الملائكة على الأنبياء، وزعم أن ذكرهم بعد عيسى لكونهم أفضل، فيكون كالبرهان فى الرد على النصارى فى تنزيهه عن العبودية لله، وقد ثبتت لهم فكيف هو فكثيرا ما يذكر الشىء استطرادا مع ما المقام له، ولو كان مفضولا كقولك أصبح زيد لا يخالفه رئيس ولا مرءوس، ولو سلمنا أن المراد تعظيم الملائكة على عيسى تبرهنا فى الرد على النصارى، فالنزاع فى تفضيل الملائكة مطلقا على تفضيل الأنبياء مطلقا، وليس فى الآية الا تفضيل المقربين من الملائكة على عيسى من الأنبياء، وقيل ذكر الله الملائكة ردا على العرب الزاعمين أن الملائكة بنات الله، والهه كما رد على النصارى قولهم المسيح اله أو ابن الله أى الملائكة عبدة لله عبيد له لا بنات ولا آلهة، وقيل إن بعض النصارى أيضا يزعمون أن الملائكة آلهة كعيسى فرد الله عليهم. {وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ}: عطف تفسير، أو أريد بيستنكف مطلقا الامتناع او الاستنكاف، والاستنكاف أشد الامتناع والترفع، ولا يستعمل الاستنكاف الا حيث لا يحق الامتناع والترفع، وأما التكبر فقد يكون حيث يحق كما فى صفة الله تعالى، لكن لا يقال الله مستكبرا أو أريد يستكبر عن مطلق الحق وعن عباد الله جل جلاله. {فَسَيَحْشُرُهُمْ}: بالبعث ولا يطيقون الامتناع. {إِلَيْهِ جَمِيعاً}: فيعاقبهم، وقرىء بكسر الشين وقرىء نحشرهم بالنون وضم الشين وكسرها.

الالوسي

تفسير : {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} استئناف مقرر لما سبق من التنزيه، وروي أن وفد نجران قالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم: «يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى عليه السلام، قال: وأي شيء أقول فيه؟ قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله فنزلت» والاستنكاف استفعال من النكف، «وأصله ـ كما قال الراغب ـ من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن الخد بالأصبع، وقالوا: بحر لا ينكف أي لا ينزح»، ومنه قوله:شعر : فبانوا (ولولا) ما تذكر منهم من (الخلف) لم ينكف لعينيك مدمع تفسير : وقيل: النكف قول السوء، ويقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف، واستفعل فيه للسلب قاله المبرد، وفي «الأساس» «استنكف [منه] ونكف امتنع وانقبض أنفاً وحمية». وقال الزجاج: الاستنكاف تكبر في تركه أنفة وليس في الاستكبار ذلك، والمعنى لن يأنف ولن يمتنع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لن يستكبر المسيح. {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} أي عن، أو من أن يكون عبداً لله تعالى مستمراً على عبادته تعالى وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف، وقد أشار القاضي عياض إلى شرف العبودية بقوله:شعر : ومما زادني عجباً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وجعلك خير خلقك لي نبياً تفسير : والاقتصار على ذكر عدم استنكافه عليه السلام عن ذلك مع أن شأنه عليه السلام المباهاة به كما تدل عليه أحواله وتفصح عنه أقواله لوقوعه في موضع الجواب عما قاله الكفرة كما علمت آنفاً. وهو السر في جعل المستنكف منه كونه عليه السلام عبداً له تعالى دون أن يقال: عن عبادة الله تعالى ونحو ذلك مع إفادته ـ كما قيل ـ فائدة جليلة هي كمال نزاهته عليه السلام عن الاستنكاف بالكلية لاستمرار هذا الوصف واستتباعه وصف العبادة فعدم الاستنكاف عنه مستلزم لعدم استنكاف ذلك بخلاف وصف العبادة فإنها حالة متجددة غير مستلزمة للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرة، فعدم الاستنكاف عنها لا يستلزم عنها عدم الاستنكاف عن دوامها. / ومما يدل على عبوديته عليه السلام من كتب النصارى أن قولس قال في «رسالته الثانية»: أنظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارنا يسوع المؤتمن من عند من خلقه مثل موسى عليه السلام في جميع أحواله غير أنه أفضل من موسى عليه السلام، وقال مرقس في «إنجيله»: قال يسوع: إن نفسي حزينة حتى الموت، ثم خر على وجهه يصلي لله تعالى، وقال: أيها الأب كل شيء بقدرتك أخر عني هذا الكاس لكن كما تريد لا كما أريد، ثم خرّ على وجهه يصلي لله تعالى، ووجه الدلالة في ذلك ظاهر إذ هو سائل والله تعالى مسؤول، وهو مصل والله تعالى مصلى له، وأي عبودية تزيد على ذلك، ونصوص «الأناجيل» ناطقة بعبوديته عليه السلام في غير ما موضع، ولله تعالى در أبـي الفضل حيث يقول فيه:شعر : هو عبد مقرب ونبـي ورسول قد خصه مولاه طهر الله ذاته وحباه ثم أتاه وحيه وهداه وبكن خلقه بدا كلمة اللـ ـه إلى مريم البتول براه هكذا شأن ربه خالق الخلـ ـق بكن خلقهم فنعم الإله والأناجيل شاهدات وعنه إنما الله ربه لا سواه كان لله خاشعاً مستكيناً راغباً راهباً يرجى رضاه ليس يحيا وليس يخلق إلا أن دعاه وقد أجاب دعاه إنما فاعل الجميع هو اللـ ـه ولكن على يديه قضاه تفسير : ويكفي في إثبات عبوديته عليه السلام ما أشار الله تعالى إليه بقوله: {أية : مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [المائدة: 75] وفي التعبير بالمسيح ما يشعر بالعبودية أيضاً. {وَلاَ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} عطف على {ٱلْمَسِيحُ} كما هو الظاهر أي لا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله تعالى، وقيل: إنه عطف على الضمير المستتر في {يَكُونَ} أو {عَبْداً} لأنه صفة وليس بشيء، وتقدير متعلق الفعل لازم على ما ذهب إليه الأكثرون، وقيل: أريد ـ بالملائكة ـ كل واحد منهم فلا حاجة إلى التقدير، وزعم بعضهم أنه من عطف الجمل والتزم تقدير الفعل وهو كما ترى. واحتج بالآية القاضي أبو بكر والحليمي والمعتزلة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن الذي يقتضيه السياق وقواعد المعاني وكلام العرب الترقي من الفاضل إلى الأفضل فيكون المعنى لا يستنكف المسيح ولا من هو فوقه، كما يقال: لن يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان دون العكس، وأجيب بأن سوق الآية وإن كان رداً على النصارى لكنه أدمج فيه الرد على عبدة الملائكة المشاركين لهم في رفع بعض المخلوقين عن مرتبة العبودية إلى درجة المعبودية، وادعاء انتسابهم إلى الله تعالى بما هو من شوائب الألوهية، وخص {ٱلْمُقَرَّبُونَ} لأنهم كانوا يعبدونهم دون غيرهم، ورد هذا الجواب بأن هذا لا ينفي فوقية الثاني كما هو مقتضى علم المعاني؛ قيل: ولا ورود له لأنه يعلم من التقرير دفعه لأن المقصود بالذات أمر المسيح فلذا قدم، ولو سلم أنه لا ينفي الفوقية فهو لا يثبتها كما إذا قلت: ما فعل هذا زيد ولا عمرو، وهو يكفي لدفع حجة الخصم، وأما كون السباق والسياق يخالفه فليس بشيء لأن المجيب قال: إنه إدماج واستطراد، وأجيب أيضاً على تقدير تسليم اختصاص الرد بالنصارى بأن الملائكة المقربون صيغة جمع تتناول مجموع الملائكة، فهذا العطف يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح، ولا يلزم أن يكون / كل واحد منهم أفضل من المسيح، قال في «الانتصاف» «وفيه نظر لأن مورده إذا بني على أن المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فقد يقال: يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما كان أفضل من كل واحد من [آحاد] الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم، ولم يفرق بين التفضيل على التفضيل، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى. وقد كان (طار عن) بعض (الأئمة) المعاصرين تفضيله بين التفضيلين، ودعوى أنه لا يلزم منه على التفضيل تفضيل على الجملة، ولم يثبت عنه هذا القول، ولو قاله فهو مردود بوجه لطيف، وهو أن التفضيل المراد جل أمارته رفع درجة الأفضل في الجنة، والأحاديث (متظافرة) بذلك، وحينئذ لا يخلو إما أن ترتفع درجة واحدة من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم، أو لا ترتفع درجة أحد منهم عليه، لا سبيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول على (الفاضل) فيتعين الثاني وهو ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم قطعاً» انتهى. قلت: فما شاع من الخلاف بين الحنفية والشافعية في أن النبـي صلى الله عليه وسلم هل هو أفضل من المجموع كما أنه أفضل من الجميع أم أنه أفضل من الجميع فقط دون المجموع؟ ليس في محله على هذا فتدبر، وقيل في الجواب: إن غاية ما تدل عليه الآية تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين حول العرش، أو من هم أعلى رتبة منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً وفيه النزاع؛ وردّ بأن المدعي أن في مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني الترقي من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية، وقد علم أن الحكم في الجمع المحلى بأل على الآحاد وأن المدعي ليس إلا دلالة الكلام على أن الملك المقرب أفضل من عيسى عليه السلام، وهذا كاف في إبطال القول بأن خواص البشر أفضل من خواص الملك؛ وزعم بعضهم أن عطف الملائكة على المسيح بالواو لا يقتضي ترتيباً، وما يورد من الأمثلة لكون الثاني أعلى مرتبة من الأول معارض بأمثلة لا تقتضي ذلك كقول القائل: ما (أعانني) على هذا الأمر زيد ولا عمرو، وكقولك: لا تؤذ مسلماً ولا ذمياً بل لو عكست في هذا المثال وجعلت الأعلى ثانياً لخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة ـ كما قال في «الانتصاف» ـ ثم قال فيه: «ولكن الحق أولى من المراء وليس بين المثالين تعارض، ونحن نمهد تمهيداً يرفع اللبس ويكشف الغطاء، فنقول: النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة وهي توجب في مواضع تقديم الأعلى وفي مواضع تأخيره، وتلك النكتة أن مقتضى البلاغة التنائي عن التكرار والسلامة عن النزول فإذا اعتمدت ذلك فهما أدى إلى أن يكون آخر كلامك نزولاً بالنسبة إلى أوله، أو يكون الآخر مندرجاً في الأول قد أفاده، وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، واستئنافاً لفائدة لم يشتمل عليها الأول، مثاله الآية المذكورة فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح على هذا التقدير عبداً [لله] غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك أن ما دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبداً لله تعالى وهم الملائكة على هذا التقدير، فلم يتجدد إذن بقوله تعالى: {وَلاَ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} إلا ما سلف أول الكلام، وإذا قدرت المسيح مفضولاً بالنسبة إلى الملائكة فكأنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبداً له تعالى إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك، وليس / يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل، فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة إذ لم يستلزم الأول الآخر، فصار الكلام على هذا التقدير متجدد الفائدة متزائدها، ومتى كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز لأنه الغاية في البلاغة. وبهذه النكتة يجب أن تقول: لا تؤذ مسلماً ولا ذمياً، فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية لأنك إذا نهيته عن أذى المسلم فقد يقال ذاك من خواصه احتراماً لدين الإسلام، فلا يلزم من ذلك نهيه عن أذى الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية، فإذا قلت: ولا ذمياً فقد جددت فائدة لم تكن في الأول وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهي عن أكثر منه، ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية فقلت: لا تؤذ ذمياً فهم المنهي أن أذى المسلم أدخل في النهي إذ يساوي الذميّ في سبب الاحترام وهو الإنسانية مثلاً، ويمتاز عنه بسبب هو أجلّ وأعظم وهو الإسلام، فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم، فإن قلت: ولا مسلماً لم تجدد له فائدة ولم تعلمه غير ما أعلمته أولاً، فقد علمت أنها نكتة واحدة توجب أحياناً تقديم الأعلى وأحياناً تأخيره، ولا يميز لك ذلك إلا السياق، وما أشك أن سياق الآية يقتضي تقديم الأدنى وتأخير الأعلى، ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ} تفسير : [الإسراء: 23] استغناءاً عن نهيه عن ضربهما فما فوقه (بتقديم) الأدنى، ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن يريد نهياً عن أعلى من التأفيف والانتهار لأنه مستغنى عنه، وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهداً سواها، ولما اقتضى الإنصاف تسليم اقتضاء الآية لتفضيل الملائكة، (وكان القول بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتقاداً لأكثر أهل السنة والشيعة التزم) حمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف، وذلك تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتدار. وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية لأن المقصود الردّ على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام مستندين إلى كونه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة، فناسب ذلك أن يقال: هذا الذي صدرت على يديه هذه الخوارق لا يستنكف عن عبادة الله تعالى بل من هو أكثر خوارقاً وأظهر آثاراً كالملائكة المقربين الذين من جملتهم جبريل عليه السلام، وقد بلغ من قوته وإقدار الله تعالى له أن اقتلع المدائن واحتملها على ريشة من جناحه فقلبها عاليها سافلها فيكون تفضيل الملائكة إذن بهذا الاعتبار، ولا خلاف في أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر، وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في دار الجزاء، وليس في الآية عليه دليل، وقد يقال: لما كان أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية عيسى عليه السلام كونه موجوداً من غير أب أنبأ الله تعالى أن هذا الموجود من غير أب لا يستنكف من عبادة الله تعالى ولا الملائكة الموجودون من غير أب ولا أم، فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى عليه السلام، ويشهد لذلك أن الله تعالى نظر عيسى بآدم عليهما السلام، فنظر الغريب بالأغرب وشبه العجيب من آثار قدرته بالأعجب إذ عيسى مخلوق من (آدم عليهما الصلاة والسلام) وآدم عليه السلام من غير أب ولا أم، ولذلك قال سبحانه: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] ومدار هذا البحث على النكتة التي أشير إليها، فمتى استقام اشتمال المذكور ثانياً على فائدة لم يشتمل عليها الأول بأي طريق كان من تفضيل أو غيره من الفوائد فقد طابق صيغة الآية انتهى./ وبالجملة المسألة سمعية ـ وتفصيل الأدلة والمذاهب فيها حشو الكتب الكلامية ـ والقطع فيها منوط بالنص الذي لا يحتمل تأويلاً ووجوده عسر». وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» بعد بسط كلام ونقض وإبرام أن هذه المسألة ظنية لا حظ للقطع فيها نفياً وإثباتاً، ومدارها على الأدلة السمعية دون الأدلة العقلية، وقال أفضل المعاصرين صالح أفندي الموصلي تغمده الله تعالى برحمته في «تعليقاته على البيضاوي»: الأولى عندي التوقف في هذه المسألة بالنسبة إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إذ لا قاطع يدل على الحكم فيها وليس معرفة ذلك ما كلفنا به، والباب ذو خطر لا ينبغي المجاذفة فيه، فالوقف أسلم والله تعالى أعلم. {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى وإنما جعل المستنكف عنه ههنا عبادته تعالى لا ما سبق ـ كما قال شيخ الإسلام ـ لتعليق الوعيد بالوصف الظاهر الثبوت للكفرة فإن عدم طاعتهم له تعالى مما لا سبيل لهم إلى إنكار اتصافهم به، وعبر سبحانه عن عدم طاعتهم له بالاستنكاف مع أن ذلك كان منهم بطريق إنكار كون الأمر من جهته تعالى لا بطريق الاستنكاف لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الاستنكاف عن طاعة الله تعالى إذ لا أمر له صلى الله عليه وسلم سوى أمره عز وجل {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80]. وقيل: التعبير بالاستنكاف من باب المشاكلة. {وَيَسْتَكْبِرْ} أي عن ذلك، وأصل الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله بل بمعنى عد نفسه كبيراً واعتقاده كذلك وإنما عبر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآله محض الطلب بدون حصول المطلوب، ونظير ذلك على ما قيل: قوله تعالى: {أية : يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} تفسير : [الأعراف: 45]، والاستكبار على ما أشار إليه الزجاج ـ وتقدم ـ دون الاستنكاف؛ وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»تفسير : . وللناس في تأويل الحديث أقوال ذكرها الإمام النووي في «شرح مسلم»، منها أن المراد بالكبر المانع من دخول الجنة «هو التكبر على الإيمان»، واختاره مولانا أفضل المعاصرين، ثم قال: وعليه فالمنفي أصل الدخول كما هو الظاهر المتبادر، وتنكير الكبر للنوعية، والمعرف في آخر الحديث هو جنس الكبر لا هذا النوع بخصوصه وإن كان الغالب في إعادة النكرة معرفة إرادة عين الأول، إنما خص صلى الله عليه وسلم حكم ذلك النوع بالبيان ليكون أبلغ في الزجر عن الكبر فإن جنساً يبلغ بعض أنواعه بصاحبه من وخامة العاقبة وسوء المغبة، هذا المبلغ ـ أعني الشقاء المؤبد ـ جدير بأن يحترز عنه غاية الاحتراز، ثم عرف صلى الله عليه وسلم الكبر بما عرفه لئلا يتوهم انحصار الكبر المذموم في النوع المذكور. وبهذا التقرير اندفع استبعاد النووي رحمه الله تعالى لهذا التأويل بأن «الحديث ورد في سياق الزجر عن الكبر المعروف وهو إنكار الحق واحتقار الناس فحمل الكبر على ذلك خاصة خروج» عن مذاق الكلام ووجه اندفاعه غير خفي على ذوي الأفهام انتهى. والظاهر أن ما في الحديث تعريف باللازم للمعنى اللغوي. {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} أي المستنكفين ومقابليهم المدلول عليهم بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة / المقربين عليهم السلام، وقد ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلاً على إنباء التفصيل عنه وثقة بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق أجمعين كما ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} تفسير : [النساء: 175] مع عموم الخطاب لهما ثقة بمثل ذلك فلا يقال: التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد، وقيل في توجيه المطابقة: إن المقصود من الحشر المجازاة ويكون قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف واقع موقع تحقيق جملة {أية : له ما في السماوات وما في الأرض}تفسير : [النساء: 171] أو موقع الاستدلال على ما تضمّنته جملة {أية : سبحانه أن يكون له ولد}تفسير : [النساء: 171]. والاستنكاف: التكبّر والامتناع بأنفة، فهو أشد من الاستكبار، ونفي استنكاف المسيح: إمّا إخبار عن اعتراف عيسى بأنّه عبد الله، وإمّا احتجاج على النّصارى بما يوجد في أناجيلهم. قال الله تعالى حكاية عنه {أية : قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب}تفسير : [مريم: 30] إلخ. وفي نصوص الإنجيل كثير ممّا يدلّ على أنّ المسيح عبد الله وأنّ الله إلهُه وربّه، كما في مجادلته مع إبليس، فقد قال له المسيح «للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد». وعُدل عن طريق الإضافة في قوله: {عبداً لِلّه} فأظهر الحرف الّذي تقدّر الإضافة عليه: لأنّ التنكير هنا أظهر في العبودية، أي عبداً من جملة العبيد، ولو قال: عبدَ اللّهِ لأوهمت الإضافة أنّه العبد الخِصّيص، أو أنّ ذلك علَم له. وأمّا ما حكى الله عن عيسى ـــ عليه السلام ـــ في قوله {أية : قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب}تفسير : [مريم: 30] فلأنّه لم يكن في مقام خطاب من ادّعوا له الإلهية. وعطف الملائكة على المسيح مع أنّه لم يتقدّم ذِكْر لمزاعم المشركين بأنّ الملائكة بنات الله حتّى يتعرّض لردّ ذلك، إدماج لقصد استقصاء كلّ من ادعيت له بنوة الله، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبداً لله، إذ قد تقدّم قبله قوله: {أية : سبحانه أن يكون له ولد}تفسير : [النساء: 171]، وقد قالت العرب: إنّ الملائكة بنات الله من نساء الجنّ، ولأنَّه قد تقدّم أيضاً قوله: {أية : له ما في السماوات وما في الأرض}تفسير : [النساء: 171]، ومِنْ أفضل ما في السماوات الملائكة، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبوديّة. وإن جعلتَ قوله:{لن يستنكف المسيح} استدلالاً على ما تضمّنه قوله: {أية : سبحانَه أن يكون له ولد} تفسير : [النساء: 171] كان عطف {ولا الملائكة المقرّبون} محتمِلاً للتتميم كقوله: {أية : الرحمٰن الرحيم}تفسير : [الفاتحة: 3] فلا دلالة فيه على تفضيل الملائكة على المسيح، ولا على العكس؛ ومحتملاً للترقّي إلى ما هو الأولى بعكس الحكم في أوهام المخاطبين، وإلى هذا الأخير مال صاحب «الكشّاف» ومثله بقوله تعالى: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حّتى تتّبع ملّتهم}تفسير : [البقرة: 120] وجعل، الآية دليلاً على أنّ الملائكة أفضل من المسيح، وهو قول المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وزعم أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك، وهو تضييق لواسع، فإنّ الكلام محتمل لوجوه، كما علمت، فلا ينهض به الاستدلال. واعلم أنّ تفضيل الأنبياء على الملائكة مطلقاً هو قول جمهور أهل السنّة، وتفضيل الملائكة عليهم قول جمهور المعتزلة والبَاقِلاّني والحليمي من أهل السنّة، وقال قوم بالتفصيل في التفضيل، ونسب إلى بعض الماتريدية، ولم يضبط ذلك التفصيل، والمسألة اجتهادية، ولا طائل وراء الخوض فيها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في تفاضل الأنبياء، فما ظنّك بالخوض في التفاضل بين الأنبياء وبين مخلوقات عالم آخر لا صلة لنا به. و{المقرّبون}، يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً، وأن يكون مقيِّداً، فيراد بهم الملقّبون (بالكَرُوبيين) وهم سادة الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل. ووصفُهم بالكَروبيين وصف قديم وقع في بيت نسب إلى أميّة بن أبي الصلت. وقد قالوا: إنَّه وصف مشتقّ من كَرَب مرادف قَرُب، وزيد فيه صيغتا مبالغة، وهي زنة فَعول وياء النسب. والَّذي أظنّ أنّ هذا اللّفظ نقل إلى العربيّة من العبرانيّة: لوقوع هذا اللّفظ في التّوراة في سفر اللاويين وفي سفر الخروج، وأنّه في العبرانيّة بمعنى القرب، فلذلك عدل عنه القرآن وجاء بمرادفه الفصيح فقال: {المقرّبون}، وعليه فمن دونهم من الملائكة يثبت لهم عدم الاستنكاف عن العبوديّة لله بدلالة الأحرى. وقوله: {ومن يستنكف عن عبادته} الآية تخلّص إلى تهديد المشركين كما أنبأ عنه قوله: {وأمَّا الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذّبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله وليَّاً ولا نصيرا}. وضمير الجمع في قوله: {فسيحشرهم} عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل إلى معلوم من المقام، أي فسَيَحْشُر النّاسَ إليه جميعاً كما دلّ عليه التفصيل المفرّع عليه وهو قوله: {فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الخ. وضمير {ولا يجدون} عائد إلى {الَّذين استنكفوا واستكبروا}، أي لا يجدون وليّاً حين يحشر الله النّاس جميعاً. ويجوز أن يعود إلى الَّذين {استنكفوا واستكبروا} ويكون {جميعاً} بمعنى مجموعين إلى غيرهم، منصوباً، فإنّ لفظ جميع له استعمالات جمّة: منها أن يكون وصفاً بمعنى المجتمع، وفي كلام عمر للعبّاس وعليّ: «ثم جئتُماني وأمركما جميع» أي متّفق مجموع، فيكون منصوباً على الحال وليس تأكيداً. وذكر فريق المؤمنين في التفصيل يدلّ على أحد التقديرين. والتوفية أصلها إعطاء الشيء وافياً، أي زائداً على المقدار المطلوب، ولمّا كان تحقّق المساواة يخفَى لقلّة المَوازين عندهم، ولاعتمادهم على الكيل، جعلوا تحقّق المساواة بمقدار فيه فضْل على المقدار المساوي، أطلقت التوفية على إعطاء المعادل؛ وتُقابَل بالخسان وبالغبن، قال تعالى حكاية عن شعيب {أية : أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين}تفسير : [الشعراء: 181] ولذلك قال هنا: {ويزيدُهم من فضله}، وهذه التوفية والزيادة يرجعان إلى تقدير يعلمه الله تعالى. وقوله: {ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً} تأييس لهم إذ قد عرف عند العرب وغيرهم، من أمم ذلك العصر، الاعتماد عند الضيق على الأولياء والنصراء ليكفّوا عنهم المصائب بالقتال أو الفداء، قال النابغة:شعر : يأمُلْنَ رِحلة نَصر وابن سيَّار تفسير : ولذلك كثر في القرآن نفي الوليّ، والنصير، والفداء ـــ {أية : فلَن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذابٌ أليمٌ وما لهم من ناصرين}تفسير : [آل عمران: 91].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} (172) - لاَ يَسْتَكْبِرُ المَسِيحُ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ، أنْ يَكُونُوا مِنْ عِبَادِ اللهِ، لأنَّهُمْ يَعْرِفُونَ عَظَمَتَهُ وَجَلاَلَهُ، وَالذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَيَرَوْنَ أنَّهُ لاَ يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِقَاباً شَدِيداً، وَيَحْشُرُهُمْ جَميعاً فِي جَهَنَّمَ. لَنْ يَسْتَنْكِفَ - لَنْ يَسْتَكْبِرَ وَلَنْ يَتَرفَّعَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مصدر الشرف للإنسان أن يحس ويشعر بتجلي الله عليه بعبوديته له، وسبحانه عندما أراد أن يتجلى على نبينا الخاتم صلى الله عليه وسلم ويسري به إلى المسجد الأقصى؛ قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1] ولم يقل: "سبحان الذي أسرى برسوله" ولكنه قال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}؛ لأن "العبودية" عطاء علوي من الله، فكأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عندما تناهى في العبودية لله نال تناهي الخير، فمن إذن يستنكف أن يكون عبداً لله؟ لا يستنكف المسيح ذلك، وكذلك الملائكة لا تستنكف أن تكون عبيداً لله. {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} ويسمون ذلك ارتقاء في النفي، مثلما يقول فلاح: لا يستطيع شيخ الخفر أن يقف أمامي ولا العمدة. إذن فالملائكة في الخلق أحسن من البشر. ولذلك قال الحق: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} وقال بعض العلماء: إن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر والأصل في اللغات أن توضع الألفاظ أولأً لمحسّات، ثم تنتقل من المحسّات إلى المعنويات؛ لأن إلف الإنسان في أول تكوين المدركات له إنما يكون بالحسّ، كما قال الحق: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78] إذن مادام سبحانه قد قال: {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} فالذي يأتي من بعدها إنما يأتي كوسيلة للعلم، وهي حواس السمع والإبصار والقدرة على تكوين الخبرة. ومثال ذلك عندما ندرس في الفقه موضوع الغصب. والغصب هو أن يأخذ أحد حق غيره قهراً وعلانية، وهو غير السرقة التي يأخذها السارق خفية. وغير الخطف؛ لأن الخطف هو أن تمتد يد لتشد شيئاً من أمام صاحبه ويجري الخاطف بعيداً، أما الغصب فهو الأخذ عنوة. وكلها - الغصب، والسرقة، والخطف - هي أخذ لغير الحق، والغصب مأخوذ من امر حسيّ هو سلخ الجلد عن الشاة. وسُمِّيَ أخذ الحق من صاحبه غصباً، كأنه أخذ للجلد. ونُقل المعنى من المُحسّات إلى المعنويات. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}. و"يستنكف" مثلها مثل "يستفهم"، ومثل "يستخرج". إذن فهناك مادة اسمها "نكف"، و"النَّكْف" عملية حسّية تتمثل في أن يزيل الإنسان دمعة العين بأصبعه. ولنفرض أن إنساناً يعلم أن له كرامة في البيت وجاء له ظرف نفسي جعله يبكي، فدخل عليه ابنه أو زوجته، فهو يحاول إزالة الدمع بأصبعه. "واستنكف" معناها أزال "النَّكْف". والنكف معناه أن يزيل الدمع بأصبعه. وإزالة الدمع بالأصبع تعني أن صاحب الدمع يستكبر أن يراه أحد باكياً لأنه مقهور على أمر قد كان، وهذه العملية لا تحدث إلا عندما يريد الإنسان أن يستر بكاءه عن أحد. وانتقلت هذه الكلمة من المعنى الحسيّ إلى أي مجال فيه استعلاء، مثلما يستنكف إنسان أن يسير في طريق إنسان آخر، أو أن يجلس مع آخر، أو يجلس في مقعد أقل من مقعد آخر. ويشرح ذلك المعنى الدارج بأن المسيح لا يجد غضاضة أن كان عبداً لله، ولا يستكبر على ذلك بل هو يُشرف به. والملائكة المقربون أيضاً تشرف بهذا الأمر، والملائكة المقربون هم الذين لا يعلمون شيئاً عن هذا العالم وليس لهم عمل إلا التسبيح لله؛ لأنهم عرفوا العبودية لله. وهي عبودية ليست لمن يَسْتَذِل، لكنها لمن يُعزّ، وليست عبودية للذي يأخذ ولكنها للذي يعطي. والذي يستنكف من ذلك لا يعرف قيمة العبودية لله؛ لذلك لا يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله، ولا الملائكة المقربون. ويضيف الحق: {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} المستنكفون؛ أو الذين على طريقة الاستنكاف، ومن يشجعهم على ذلك، كل هؤلاء يصيرون إلى جهنم. ويقول الحق بعد ذلك: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ} معناهُ لَنْ يَأْنَفَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى عليه السلام، وذكر أنه عبده ورسوله، ذكر هنا أنه لا يستنكف عن عبادة ربه، أي: لا يمتنع عنها رغبة عنها، لا هو { وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } فنزههم عن الاستنكاف وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى، ونفي الشيء فيه إثبات ضده. أي: فعيسى والملائكة المقربون قد رغبوا في عبادة ربهم، وأحبوها وسعوا فيها بما يليق بأحوالهم، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم والفوز العظيم، فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل افتقار. ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله الله فيها وترفعه عن العبادة كمالا بل هو النقص بعينه، وهو محل الذم والعقاب، ولهذا قال: { وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } أي: فسيحشر الخلق كلهم إليه، المستنكفين والمستكبرين وعباده المؤمنين، فيحكم بينهم بحكمه العدل، وجزائه الفصل. ثم فصل حكمه فيهم فقال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: جمعوا بين الإيمان المأمور به، وعمل الصالحات من واجبات ومستحبات، من حقوق الله وحقوق عباده. { فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي: الأجور التي رتبها على الأعمال، كُلٌّ بحسب إيمانه وعمله. { وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } من الثواب الذي لم تنله أعمالهم ولم تصل إليه أفعالهم، ولم يخطر على قلوبهم. ودخل في ذلك كل ما في الجنة من المآكل والمشارب، والمناكح، والمناظر والسرور، ونعيم القلب والروح، ونعيم البدن، بل يدخل في ذلك كل خير ديني ودنيوي رتب على الإيمان والعمل الصالح. { وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا } أي: عن عبادة الله تعالى { فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وهو سخط الله وغضبه، والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة. { وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } أي: لا يجدون أحدا من الخلق يتولاهم فيحصل لهم المطلوب، ولا مَن ينصرهم فيدفع عنهم المرهوب، بل قد تخلى عنهم أرحم الراحمين، وتركهم في عذابهم خالدين، وما حكم به تعالى فلا رادّ لحكمه ولا مغيّر لقضائه.