٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
173
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } ثواب أعمالهم {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ } عن عبادته {فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً } مؤلماً هو عذاب النار {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {وَلِيّاً } يدفعه عنهم {وَلاَ نَصِيراً } يمنعهم منه.
ابن عطية
تفسير : هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبراً، وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد عليه السلام، وكفعل أبي جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحداً من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده يكفر به تكبراً عليه، والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر. وقوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} الآية إشارة إلى محمد رسول الله، و "البرهان": الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، والمعنى: قد جاءكم مقترناً بمحمد برهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل، وقوله تعالى: {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} يعني القرآن فيه بيان لكل شيء، وهو الواعظ الزاجر، الناهي الآمر. ثم وعد تبارك وتعالى المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير فيه {به} يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى: {نوراً مبيناً} و "الاعتصام" به التمسك بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم كما تعصم المعاقل، وهذا قد فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : القرآن حبل الله المتين من تمسك به عصم" تفسير : و " الرحمة " و " الفضل ": الجنة وتنعيمها، {ويهديهم} ، معناه: إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى: {أية : سيهديهم ويصلح بالهم} تفسير : [محمد:5] لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا بكتابه، و {صراطاً} نصب بإضمار فعل يدل عليه {يهديهم} ، تقديره فيعرفهم، ويحتمل أن ينتصب كالمفعول الثاني: إذ {يهديهم} في معنى يعرفهم، ويحتمل أن ينتصب على ظرفية "ما" ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في {إليه} وقيل: من فضل، والصراط: الطريق وقد تقدم تفسيره.
ابو السعود
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} بـيانٌ لحال الفريقِ المنويِّ ذكرُه في الإجمال، قُدّم على بـيان حالِ ما يقابله إبانةً لفضله ومسارعةً إلى بـيان كونِ حشرِه أيضاً معتبراً في الإجمال، وإيرادُه بعنوان الإيمانِ والعمل الصالحِ لا يوصْفِ عدمِ الاستنكافِ المناسبِ لما قبله وما بعده للتنبـيه على أنه المستتبِعُ لما يعقبُه من الثمرات {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ} من غير أن ينقُص منها شيئاً أصلاً {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} بتضعيفها أضعافاً مضاعفةً وبإيفاء ما لا عين رأتْ ولا أُذنٌ سمعت ولا خطَر على قلب بشر {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ} أي من عبادته عز وجل {وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ} بسبب استنكافِهم واستكبارِهم {عَذَاباً أَلِيماً} لا يُحيط به الوصف {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً} يلي أمورَهم ويدبّر مصالحَهم {وَلاَ نَصِيراً} ينصُرهم من بأسه تعالى وينجِّيهم من عذابه. {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ إلى كافة المكلفين إثرَ بـيانِ بطلانِ ما عليه الكفرةُ من فنون الكفرِ والضلالِ وإلزامِهم بالبراهين القاطعةِ التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ، وإزاحةِ شُبَهِهم الواهيةِ بالبـينات الواضحةِ، وتنبـيهٌ لهم على أن الحجةَ قد تمت [عليهم] فلم يبقَ بعد ذلك علةٌ لمتعلِّلٍ ولا عُذرٌ لمعتذر. {قَدْ جَاءكُمُ} أي وصل إليكم وتقرَّرَ في قلوبكم بحيث لا سبـيلَ لكم إلى الإنكار {بُرْهَانَ} البرهانُ ما يُبرهَنُ به على المطلوب، والمرادُ به القرآنُ الدالُّ على صحة نبوةِ النبـيِّ عليه الصلاة والسلام المُثبِتُ لما فيه من الأحكام التي من جملتها ما أشير إليه مما أثبتته الآياتُ الكريمةُ من حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبـي عليه الصلاة والسلام عبَّر عنه به لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه، وقيل: هو المعجزاتُ التي أظهرها، وقيل: هو دينُ الحقِّ الذي أتىٰ به، وقوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} إما متعلق بجاءكم أو بمحذوف وقع صفةً مشرّفةً لبرهانٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنٌ منه تعالى، على أن مِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً، وقد جُوِّز على الثاني كونُها تبعيضيةً بحذف المضافِ أي كائنٌ من براهينِ ربِّكم. والتعرضُ لعنوان الربوبـيّة مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبـين لإظهار اللُّطفِ بهم والإيذانِ بأن مجيئَه إليهم لتربـيتهم وتكميلِهم {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} أريد به أيضاً القرآنُ الكريمُ، عبّر عنه تارة بالبُرهان لما أشير إليه آنفاً وأخرى بالنور النيِّرِ بنفسه المنوَّرِ لغيره إيذاناً بأنه بـيِّنٌ بنفسه مستغنٍ في ثبوت حقِّيتِه وكونِه من عند الله تعالى بإعجازه، غيرُ محتاجٍ إلى غيره مبـينٌ لغيره من الأمور المذكورةِ وإشعاراً بهدايته للخلق وإخراجِهم من ظلمات الكفرِ إلى نور الإيمانِ، وقد سلك به مسلك العطفِ المبنيِّ على تغايُر الطرفين تنزيلاً للمغايرة العُنوانيةِ منزلةَ المغايَرَةِ الذاتية، وعبِّر عن لابسته للمخاطَبـين تارةً بالمجيء المسنَدِ إليه المنبىءِ عن كمال قوتِه في البرهانية كأنه يجيء بنفسه فيُثبِتُ أحكامَه من غير أن يجيءَ به أحدٌ، ويجيءُ على شُبَه الكفرةِ بالإبطال وأخرى بالإنزال الموُقَعِ عليه الملائمِ لحيثية كونِه نوراً توفيراً له باعتبار كلِّ واحدٍ من عنوانية حظِّه اللائقِ به، وإسنادُ إنزالِه إليه تعالى بطريق الالتفاتِ لكمال تشريفِه، هذا على تقدير كونِ البرهانِ عبارةً عن القرآن العظيمِ، وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن المعجزات الظاهرةِ على يده أو عن الدينِ الحقِّ فالأمرُ هيِّنٌ، وقولُه تعالى: {إِلَيْكُمْ} متعلقٌ بأنزلنا فإن إنزالَه بالذات ــ وإن كان النبـي صلى الله عليه وسلم لكنه منزلٌ إليهم أيضاً بواسطته عليه الصلاة والسلام، وإنما اعتُبر حالُه بالواسطة دون حالِه بالذات ــ كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [النساء، الآية 105] ونظائرِه ــ لإظهار كمالِ اللطفِ بهم والتصريحِ بوصوله إليهم مبالغةً في الإعذار، وتقديمُه على المفعول الصريح مع أن حقَّه التأخرُ عنه لما مر غير مرة من الاهتمام بما قُدّم والتشويقِ إلى ما أُخِّر، وللمحافظة على فواصلِ الآي الكريمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اجورهم} اى ثواب اعمالهم من غير ان ينقص منها شيئاً اصلا {ويزيدهم من فضله} بتضعيفها اضعافا مضاعفة وباعطاء ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {واما الذين استنكفوا} اى عن عبادته تعالى {واستكبروا فيعذبهم} بسبب استنكافهم واستكبارهم {عذابا اليما} وجيعا لا يحيط به الوصف {ولا يجدون لهم من دون الله} اى غيره تعالى {وليا} يلى امورهم ويدبر مصالحهم {ولا نصيرا} بنصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه. واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الانبياء عليهم السلام وقال مساقه لرد النصارى فى رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضى ان يكون المعطوف وهو ولا الملائكة المقربون اعلى درجة من المعطوف عليه وهو المسيح حتى يكون عدم استنكافهم مستلزما لعدم استنكافه عليه السلام. واجيب بان مناط كفر النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه عليه السلام وامتيازه عن سائر افراد البشر بالولادة من غير اب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع الى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته عدم استنكاف من هو اعلى درجة منه فيما ذكر فان الملائكة مخلوقون من غير اب ولا ام وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقامهم السموات العلى ولا نزاع لاحد فى علو درجتهم من هذه الحيثية وانما النزاع فى علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات كذا فى الارشاد. قال فى التأويلات النجمية عند قوله تعالى {أية : ولا الملائكة المقربون} تفسير : [النساء: 172]. ما ذكرهم للفضيلة على عيسى وانما ذكرهم لان بعض الكفار قالوا (الملائكة بنات الله). كما قالت النصارى {أية : المسيح ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]. قال تعالى {أية : ألكم الذكر وله الانثى تلك إذن قسمة ضيزى} تفسير : [النجم: 21-22]. بل فضل الله المسيح عليهم بتقديم الذكر لان المسيح نسب اليه بالبنوة ونسبت الملائكة اليه بالبنتية وللذكر فضيلة وتقدم على الاناث كقوله تعالى {أية : للذكر مثل حظ الانثيين} تفسير : [النساء: 11]. فقدم الله الذكر على الانثى وجعل له سهمين وللانثى واحدا فكما ان للذكر فضيلة على الانثى فكذلك للمسيح فضيلة على الملائكة اكبر واعظم يدل عليه ما صح عن جابر رضى الله عنه ان النبى عليه السلام قال "حديث : لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب كما خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة قال الله تعالى لا اجعل من خلقته بيدى ونفخت فيه من روحى كمن قلت له كن فكان " .تفسير : وانا اقول ومن فضيلة عيسى على الملائكة انه اجتمع فيه ما كان شرفا لآدم لانه من ذريته من قبل الام وما كان شرفا للملائكة اذ قال له ايضا كن فكان فقد وجد فى عيسى ما لم يوجد فى الملائكة ولم يوجد فى الملائكة شىء لا يوجد فى عيسى فافهم جدا انتهى كلام التأويلات. واعلم ان اعظم الاستنكاف عن عبادة الله تعلى الشرك والاعراض عن توحيده كما ان اصل الاعمال التوحيد والايمان ثم ان الكبر من اكبر السيآت ولذا ورد فى بعض الاحاديث مقابلا للايمان قال عليه السلام "حديث : لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال حبة من خردك من كبر ولا يدخل النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان ".تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : ترا شهوت وكبر وحرص وحسد جوخون در كند وجوجان درجسد كراين دشمنان تقويت يافتند سر از حكم ورأى تو بر تافتند تفسير : ـ حكى ـ ان قاضيا جاء الى ابى يزيد البسطامى رحمه الله يوما فقال نحن نعرف ما تعرفه ولكن لا نجد تأثيره فقال ابو يزيد خذ مقدارا من الجوز وعلق وعاه فى عنقك ثم ناد فى البلد كل من يلطمنى ادفع له جوزة حتى لا يبقى منه شىء فاذا فعلت ذلك تجد التأثير فاستغفر القاضى فقال ابو يزيد قد اذنبت لانى اذكر ما يخلصك من كبر نفسك وانت تستغفر منه: قال السعدى شعر : كسى راكه بندار درسربود مبندار هركزكه حق بشنود زعلمش ملال آيداز وعظ ننك شقايق بباران نرويد زسنك تفسير : فعلى العاقل ان يتواضع فان الرفعة فى التواضع وهو من افضل العبادة.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الاية ووعد ان الذين يقرون بوحدانيته تعالى، ويعترفون بربوبيته، ويخضعون لعبادته، ويعملون الاعمال الصالحات التي أمر الله بها، وبعث بها رسله انه يوفيهم اجورهم. ومعناه يؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافياً تاماً، ويزيدهم من فضله يعني يزيدهم ما كان وعدهم به من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل، والزيادة هو ما لم يعرفهم مبلغه لانه (تعالى) وعد على الحسنة عشر أمثالها من الثواب، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله إلى عباده. وقد روي ان الزيادة إلى سبعين ضعفاً وإلى سبعمائة وإلى الفين وكل ذلك جائز على ما يختاره الله ويفعله. وقوله {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} معناه أن الذين يأنفون عن الاقرار بتوحيد الله، ويتعظمون عن الاعتراف بعبوديته، والاذعان له بالطاعة، واستكبروا عن التذلل له، وتسليم ربوبيته يعذبهم عذاباً اليما أي مؤلماً موجعاً، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً. وانما رفع ولا يجدون بالعطف على ما بعد فيعذبهم ولو جزم على موضع ما بعد الفاء، كان جائزاً يعني ولا يجد المستنكفون والمستكبرون لانفسهم ولياً ينجيهم من عذابه، وناصراً ينقذهم من عقابه.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالبيعة الخاصّة والاعمال المتعلّقة بها، او آمنوا بالبيعة الخاصّة وعملوا الاعمال المتعلّقة بها، وقد عرفت انّ الصّالح اصلاً هو الولاية وكلّ ما تعلّق بها فهو صالح من باب الفرعيّة وكلّ ما لم يتعلّق بها فليس بصالح وان كان بصورة الصّالح {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} التّوفية الاعطاء بالتّمام {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} قد مضى انّ النصير هو النّبوّة والنّبىّ وانّ الولىّ هو الولاية والولىّ ويقوم مقامهما خلفاؤهما.
الهواري
تفسير : {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} أي تضعيف الحسنات {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قال مجاهد: البرهان الحجة. وقال غيره: بيّنة. قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} يعني القرآن. {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ} وهي الجنة {وَفَضْلٍ} وهو الرزق في الجنة {وَيَهْدِيهِمْ} أي في الدنيا {إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي إلى الجنة. قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [قال بعضهم: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد ولا جد]. {إِنِ امْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} من أب وأم أو من أب إذا لم تكن من أب وأم {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} أيهما مات توارثا إن لم يكن لهما ولد أو ولد ولد. {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}. فإن كانت أخت معها أخ أو إخوة لأب وأم كانوا عصبة، للذكر مثل حظ الانثيين. وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً من أب وأم، وإخوة رجالاً لأب فإن الاخوة من الأب والأم أولى من الإِخوة لأب، وليس للأخوة من الأب معهم شيء. فإن كانت أخت لأب وأم وأخت لأب، فللأخت للأب والأم النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين. وإن كان مع الأخت للأب أخ وإخوة صار ما بقي بعد النصف للإِخوة والأخوات للأب، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن كانتا أختين لأب وأم وأخت وأخوات لأب، فللأختين من الأب والأم الثلثان، وما بقي فهو بين الإِخوة والأخوات، للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كانتا أختين لأب وأم وأخت واحدة من الأب فليس لها بعد الثلثين شيء، إلا أن يكون معها ذكر فيصيران عصبة فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: أعياني بنو الأم، يتوارثون دون بني العلات؛ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. وإن ترك إخوة لأبيه وأمه وإخوة لأمه فلإِخوته من أمه الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، ولإِخوته من الأب والأم، أو من الأب إذا لم يكن إخوة من أب وأم، الثلثان. وإن تركت امرأة زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها فلزوجها النصف، ولأمها السدس، والثلث الباقي بين الإِخوة من الأم وبين الإِخوة من الأب والأم، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. وهذه المشتركة. ذكروا أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت كانوا يشركون بينهم. ذكر بعضهم أن عمر بن الخطاب كان يشرك بينهم إذا لم يبق إلا الثلث. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يشرك بينهم ويجعل الثلث الباقي للإِخوة من الأم. ذكروا عن عقبة بن عامر الجهني أن رجلاً سأله عن الكلالة قال: ألا تعجبون من هذا، يسألني عن الكلالة، فوالله ما عُمِّيَ على أصحاب محمد شيء ما عُمِّيَ عليهم من أمر الكلالة. ذكروا عن عمر بن الخطاب قال: أشهدكم أني مفارقكم ولم أقل في الجدّ شيئاً ولا في الكلالة. ذكروا عن عمر بن الخطاب قال: ما أخلّف بعدي شيئاً أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وما راجعت رسول الله في شيء ما راجعته فيها حتى طعن بأصبعه في جنبي فقال: حديث : يا عمر، أما تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر النساء؟ . تفسير : ذكروا أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: حديث : أما تقرأ هذه الآية؟ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ} . تفسير : قوله: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} أي لئلا تضلوا {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْْءٍ عَلِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً}: لا توجب هذه الآية أن يكون الحشر فى التى قبلها فى عموم المؤمنين والمشركين، لجواز أن يكون الحشر فى قبلها التى فى المستنكفين المستكبرين، فان التفضيل كما يكون تفضيلا للمنطوق يكون تفضيلا للمعلوم المستحضر فى المقام من ذكر غيره، فانك اذا سمعت حشر المستنكفين استحضر قلبك حشر ضدهم ففصلوا بأن لهم عذابا أليما، ولضدهم أجور وزيادة، ولا مانع من تكرر جزاء المستنكفين بالذكر مرتين لو كرر، فكيف ولم يكرر اذ لم يذكر فى الأولى إلا حشرهم كذا ظهر لى، ويحتمل أيضا وجها آخر هو أن يقدر محذوف دل عليه التفضيل، أى ومن يستنكف عن عبادته ويتكبر، ويؤمر ويعمل الصالحات، فيحشرهم اليه جميعا استنكف والمؤمن فأما الذين آمنوا الآية فتكون الآية الثانية تفصيلا لما ذكر فى الأولى وما حذف منها، وهذا الوجه أظهر، ثم رأيت القاضى ذكر الوجه الأول وزاد آخر هو أن الثانية تفصيل لعذاب المستنكفين من حيث إن توفية أجور المؤمنين والزيادة غم وحسرة للمستنكفين، ففصل الجزاء فى حشرهم الى تعذيب بالغم والحسرة والى تعذيبهم بالنار.
الالوسي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ} الخ تفصيلاً للجزاء كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله تعالى، فالضمير راجع إلى المستنكفين المستكبرين لا غير وقد روعي لفظ من ومعناها. وتعقب العلامة التفتازاني ذلك بأنه غير مستقيم لأن دخول (أما) على الفريقين لا على قسمي الجزاء، وأورد هذا الفريق بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا بوصف عدم الاستنكاف المناسب لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه من الثمرات، ومعنى توفيتهم أجورهم إيتاؤهم إياها من غير أن ينقص منها شيئاً أصلاً، وقرىء {فَسِيَحْشُرُهُمْ} بكسر الشين وهي لغة، وقرىء ـ فسنحشرهم ـ بنون العظمة، وفيه التفات. {وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ} بتضعيف أجورهم أضعافاً مضاعفة وبإعطائهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية». والإسماعيلي في «معجمه» بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوفيهم أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا» تفسير : {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ} عن عبادة الله تعالى {وَٱسْتَكْبَرُواْ} عنها {فَيُعَذّبُهُمْ} بسبب ذلك {عَذَاباً أَلِيماً} لا يحيط به الوصف {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً} يلي أمورهم ويدبر مصالحهم {وَلاَ نَصِيراً} ينصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه سبحانه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 173- فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ثواب أعمالهم ويزيدهم من فضله، إكراماً وإنعاماً، وأما الذين أَنِفُوا أن يعبدوه، وترفعوا أن يشكروه فقد أعد لهم عذاباً شديد الإيلام، لن يدفعه عنهم معين ولن يمنعهم منه نصير. 174- يا أيها الناس، قد جاءتكم الدلائل الواضحة على صدق الرسول محمد، وأنزلنا إليكم على لسانه قرآناً بيناً كالنور، يضئ الطريق ويهديكم إلى النجاة. 175- فأما الذين صدقوا بالله ورسالاته، وتمسكوا بدينه، فسيدخلهم فى الآخرة جناته، ويغمرهم بفيض رحمته، ويشملهم بواسع فضله وسيوفقهم فى الدنيا إلى الثبات على صراطه المستقيم. 176- يسألونك - أيها النبى - عن ميراث من مات ولا ولد له ولا والد، فحكم الله فيه هو: أنه إذا كان للمُتَوَفَّى أخت، فلها نصف تركته، وأيضاً إذا كان للمتوفاة التى لا زوج لها ولا ولد أخ فله تركتها، وإن كان للمُوَرِّث أختان فلهما ثلثا تركته وإن كانوا إخوة من ذكور وإناث فنصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين. يبين الله لكم هذا البيان حتى لا تضلوا فى تقسيم الأنصباء، والله عالم علماً كاملاً بكل شئ من أعمالكم، ومجازيكم عليها.
القطان
تفسير : أما الذين آمنوا وصدّقوا بالله وعملوا ما استطاعوا من الخير فإن الله سيوفّيهم ثواب أعمالهم، ويزيدهُم إكراماً وإنعاماً من فضله. وأما الذين تكبروا وأنفوا ان يعبدوه، فقد أعد لهم عذاباً شديد الإيلام، لن يجدوا مَن يعينهم في دفع أذاه، ولا نصيراً ينصرهم على تخفيفه، ذلك انه لا عاصم آنذاك من امر الله إلا هو: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الانفطار:19].
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (173) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، فَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ. وَأمَّا الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَامْتَنَعُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أليماً، فَهُوَ تَعَالَى يُجَازِي المُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ بِالعَدْلِ وَالفَضْلِ، وَيُجازِي المُسِيءَ عَلَى إسَاءَتِهِ بِالعَدْلِ. وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ وَليّاً يَلِي أُمُورَهُمْ وَيُدَبِّرُها، وَلاَ نَاصِراً يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأسِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لماذا لم يأت الله بشرط الآية الثاني الذي يتحدث عن المستنكفين والمستكبرين مقدماً على شطر الآية الأول؟. ولماذا لم يواصل الحديث عن الذين استنكفوا واستكبروا ليستكمل ما جاء بشأنهم في الآية السابقة ويبينْ كيف أن مصيرهم إلى العذاب حيث لا يجدون من دون الله ولياً ولا نصيراً، ثم بعد ذلك يحدثنا عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟. ذلك أن الحق ساعة يتكلم عن جماعة خرجت عن المنهج فهو لا يمنحهم ثواب هؤلاء الذين لم يخرجوا عن المنهج، فيأتي أوّلاً بثواب الطائعين ليستشرف إليه الخارجون عن طاعة الله، ثم يحرمهم من هذا الثواب لتكون حسرة الخارجين عن المنهج أشد. "والضد يظهر حسنه الضد". لقد قال الحق: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} ونعلك أن الأجر على العمل. لماذا الفضل إذن؟. لقد عرفنا من قبل أن العمل جاء فيه حديث شريف: (حديث : لن يُدخل أحداً عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ). تفسير : والحق قد قال: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} تفسير : [يونس: 58] وفطن الناس إلى ذلك فقالوا: "اللهم بالفضل لا بالعدل"؛ لأن الفضل هو الذي يعطينا المنازل المتميزة، وقد يضيعنا العدل. ويقول الحق مرة أخرى عن هؤلاء الذين استنكفوا واستكبروا: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي أنهم لن يجدوا من يشفع لهم عند الله، ولا من ينصرهم ولا أحد بقادر أن يرد عنهم العذاب. وبعد ذلك يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ...}
الجيلاني
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وكتبه ورسله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمور لهم؛ إطاعةً وانقياداً {فَيُوَفِّيهِمْ} الله {أُجُورَهُمْ} بأضعاف ما استحقوا {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} ما لا يسع في عقولهم {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ} عن عبادة الله {فَيُعَذِّبُهُمْ} الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المتفرد بعلو المجد، وإليها {عَذَاباً} بطردهم عن ساحة عز حضوره {أَلِيماً} ولا ألم أشد من ذلك {وَ} مع ذلك {لاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً} يدفع عنهم الأذى {وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 173] يخفف عنهم العذاب. {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المتوجهون إلى توحيد الله، لم يبق لكم عذر في الوصول إ ليه والرجوع نحوه؛ إذ {قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ} واضح {مِّن رَّبِّكُمْ} على لسان نبيكم {وَ} مع ذلك {أَنْزَلْنَآ} من مقام جودنا {إِلَيْكُمْ} لهدايتكم وإصلاح حالكم {نُوراً مُّبِيناً} [النساء: 174] هو القرآن. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} منكم {بِٱللَّهِ} المتوحد في ذاته {وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} وبكتابه ورسله {فَسَيُدْخِلُهُمْ} الله {فِي رَحْمَةٍ} عظيمةٍ، وروحٍ عظيمٍ؛ إشفاقاً {مِّنْهُ} لاستحقاق منهم {وَفَضْلٍ} وإحسان؛ امتناناً عليهم {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} أي: إلى ذاته {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 175] موصلاً إلى ذورة توحيده، لا يعرض لهم يها ضلال أصلآً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : كما أخبر بقوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 173] بالعبودية، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [النساء: 173] للتقرب إلى حضرة الربوبية، {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 173] بجذبات العناية، {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} [النساء: 173] بتجلي صفات الإلوهية، {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ} [النساء: 173]، عن أقسام الناسوتية، {وَٱسْتَكْبَرُواْ} [النساء: 173] عن الانمحاء للاهوتية، {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 173] في دركات من الحرمان عن الحضرة الربانية، {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [النساء: 173] اليوم ولياً؛ ليخرجهم من الأنانية إلى نور الربوبية، ومن الحرمان عن الحضرة الربانية، {وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 173] ينصرهم على قمع النفس والهوى للوصول إلى المولى. ثم أخبر عن نصرة وليَّه ببعثة نبيه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [النساء: 174]، إلى قوله: {مُّسْتَقِيماً} [النساء: 175]، والإشارة فيهما: إن الله تعالى أعطى لكل نبي آية وبرهاناً ليقيم به الحجة على الأمة، وجعل نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهاناً منه وقال: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [النساء: 174] وذلك؛ لأن برهان الأنبياء عليهم السلام كان في الأشياء الخارجة عن أنفسهم، مثل ما كان برهان موسى عليه السلام في عصاه في الحجر التي {أية : فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}تفسير : [البقرة: 60] وكان نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهاناً بالكلية، وكان برهان عينه ما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي"تفسير : ، وبرهان بصره: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}تفسير : [النجم: 17]، وبرهان أنفه: إنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن"تفسير : ، وبرهان بصاقه: قال جابر رضي الله عنه أمرنا صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: "حديث : لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق في العجين وبارك فأقسم بالله أنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا"تفسير : ، وإن برمتنا لتغط؛ أي: تغلي وإن عجيننا ليخبزكما هو، وبرهان تفله: إنه تفل في عين علي رضي الله عنه وهي ترمد فبريء بإذن الله تعالى يوم خيبر، وبرهان يده: ما قال الله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17]، وإنه سبح الحصى في يده، وبرهان أصبعيه: إنه أشار بأصابعه إلى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما، وبرهان بين أصابعه: إنه كان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم، وبرهان صدره: إنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، وبرهان قلبه: إنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وقال تعالى: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}تفسير : [النجم: 11]، وقال تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1]، وقال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشعراء: 193-194]، وأمثال هذه البراهين كثيرة، فمن أعظمها أنه عرج إلى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية، وما أعطى نبي قط وكان بعد أن أوحى إليه ما أوحى أفصح العرب والعجم وكان من قبل أُمياً لا يدري ما الكتاب والإيمان، فأي برهان أقوى من هذا وأوضح وأظهر، وأن الله تعالى أكرم هذه الأمة به ومن عليهم به فقال: {قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [النساء: 174]، {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ} [النساء: 174]؛ يعني: مع هذا البرهان الواضح {نُوراً مُّبِيناً} [النساء: 174]؛ وهو القرآن سماه نوراً؛ لأنه من صفاته القديم الذي به يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ وهو صراط الله العظيم وكلمته التي بنورها اهتدى الأشياء من العدم إلى الوجود كما يهتدي بالنور، يدل عليه سياق الآية {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ} [النساء: 175] إيماناً حقيقياً بنور الله لا بالتقليد، {وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} [النساء: 175]؛ أي: وتخلقوا بخلق القرآن فهو الاعتصام به على التحقيق {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ} [النساء: 175]؛ يعني: بجذبات العناية يدخلهم في عالم الصفات، فإن رحمته صفته {وَفَضْلٍ} [النساء: 175]؛ أي: في فضل إذ هو أيضاً صفته لأنه ذو الفضل العظيم، {وَيَهْدِيهِمْ} [النساء: 175]؛ يعني: بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه، {إِلَيْهِ} [النساء: 175]؛ أي: إلى الله {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 175]؛ وهو في الحقيقة صراط أنزل به القرآن فبالاعتصام به يصعد السالك بهذا الصراط المستقيم إلى حضرة الله الحليم الكريم، فافهم جيداً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):