Verse. 667 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَيُّھَا النَّاسُ قَدْ جَاۗءَكُمْ بُرْہَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَاَنْزَلْنَاۗ اِلَيْكُمْ نُوْرًا مُّبِيْنًا۝۱۷۴
Ya ayyuha alnnasu qad jaakum burhanun min rabbikum waanzalna ilaykum nooran mubeenan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الناس قد جاءكم برهان» حجة «من ربكم» عليكم وهو النبي صلى الله عليه وسلم «وأنزلنا إليكم نورت مبينا» بينا وهو القرآن.

174

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى: لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب. ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد عليه الصلاة والسلام فقال: {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } والبرهان هو محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه برهاناً لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل، والنور المبين هو القرآن، وسماه نوراً لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب، ولما قرر على كل العالمين كون محمد رسولاً وكون القرآن كتاباً حقاً أمرهم بعد ذلك أن يتمسكوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم عليه بالثواب فقال {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ } والمراد آمنوا بالله في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه واعتصموا به أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزع الشيطان ويدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً، فوعد بأمور ثلاثة: الرحمة والفضل والهداية. قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } يريد ديناً مستقيماً. وأقول: الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم، وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء في الأرواح البشرية وهذا هو السعادة الروحانية، وأخر ذكرها عن القسمين الأولين تنبيهاً على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم؛ عن الثوريّ؛ وسماه برهاناً لأن معه البرهان وهو المعجزة. وقال مجاهد: البرهان هٰهنا الحجة؛ والمعنى متقارب؛ فإن المعجزات حجّته صلى الله عليه وسلم. والنور المنزل هو القرآن؛ عن الحسن؛ وسماه نوراً لأن به تتبين الأحكام ويهتدىٰ به من الضلالة، فهو نور مبين، أي واضح بَيِّن.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ } حجة {مِّن رَّبِّكُمْ } عليكم وهو النبي صلى الله عليه وسلم {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } بيِّناً وهو القرآن.

ابن عبد السلام

تفسير : {بُرْهَانٌ} النبي صلى الله عليه وسلم لما معه من المعجز. {نُوراً} القرآن، لإظهاره للحق كما تظهر المرئيات بالنور.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ...} الآية: إشارةٌ إلى نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، والبرهانُ: الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ: يعني القُرآن؛ لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي «صحيح مسلم»، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال: قَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَىٰ، وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «حديث : أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ؛ فِيهِ الهُدَىٰ وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، وَٱسْتَمْسَكُوا»تفسير : ، فَحَثَّ عَلَىٰ كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «حديث : وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ؛ ثَلاَثاً فِي أَهْلِ بَيْتِي...» تفسير : الحديث، وفي روايةٍ: «حديث : كِتَابُ اللَّهِ؛ فيهِ الهُدَىٰ والنُّورُ مَنِ ٱسْتَمْسَكَ بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهُدَىٰ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ:أَحَدُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ ٱتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَىٰ، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَىٰ ضَلاَلَةٍ»تفسير : . انتهى.

ابن عادل

تفسير : لما أوْرَد الحُجَّة على جميع الفرق من المُنَافِقِين والكُفَّار واليَهُودِ والنَّصَارَى، وأجَابَ عن شُبُهَاتِهِم عمم الخطاب، ودعا جميع النَّاس إلى الاعْتِرَافِ بِرِسَالةِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبُرْهَان: محمد - عليه الصلاة والسلام -، وسُمِّي بُرْهَاناً؛ لأن حِرْفَتَهُ إقامَة البُرْهَان على تحْقِيق الحقِّ، وإبْطَال البَاطِل، والنُّور المُبينُ هو القُرآن؛ لأنه سَبَبٌ لوُقُوع نُور الإيمانِ في القَلْبِ. قوله تعالى: {مِّن رَّبِّكُمْ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه مُتَعَلِّق بمَحْذُوفٍ، لأنه صِفَةٌ لـ "بُرْهَان" أي: بُرْهَانٌ كائِنٌ من ربكم، و"مِنْ" يجُوز أن تكُون لابتداء الغَايَةِ مَجَازاً أو تَبْعِيضيَّة، أي: من بَرَاهِينِ رَبِّكُم. والثاني: أنه مُتَعَلِّقٌ بنفس "جَاءَ"، لابتداء الغَايَةِ كما تقدَّم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن مسعود. أنه كان إذا تحرك من الليل قال ‏{‏يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} . وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه في قوله ‏ {‏قد جاءكم برهان من ربكم‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} ‏ قال‏:‏ الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{‏برهان من ربكم‏} ‏ قال‏:‏ حجَّة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏قد جاءكم برهان من ربكم‏} ‏ قال‏:‏ بيِّنة ‏ {‏وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} ‏ قال‏:‏ هذا القرآن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏واعتصموا به‏} ‏ قال‏:‏ القرآن‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 174]. سمعت محمد بن الحسن البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد التمار يقول: سمعت ذا النون المصرى رحمة الله عليه وعليهم يقول: استقرت منار الدجى وقامت حجة الله على خلقه فآخذ بحظه ومضيع لنفسه. قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} [الآية: 174]. قيل: خطابًا من القرآن فيه محل الشفاء لأسرار العارفين، والمبين ما يتبين به كل شىء.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ}. البرهان ما لاح في سرائرهم من شواهد الحق. قوله جلّ ذكره: {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}. وهو خطابه الذي في تأملهم معانيه حصولُ استبصارِهم.

البقلي

تفسير : برهانه طهوره فى كل ذرة ولمعان سنا قدرته فى جميع الفطرة وبرهانه طوف اسراره اسماع قلوب الخلائق يكون وجوده وابناء عجائب صفاته والنور المبين خطابه الظاهر ونوره فى الباطن قال ذو النون استقرت منار الدجة واقامت حجة اللهعلى خلقه فاخذ بحظه ومضيع لنفسه وقيل فى قوله وانزلنا اليكم نورا مبينا خطابا من القرأن فيه محل الشفاء الاسرار العارفين وقال الاستاد البرهان ما لاح فى سرائرهم من شواهد الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الناس} خطاب لعامة المكلفين {قد جاءكم برهان} كائن {من ربكم وانزلنا اليكم} بواسطة النبى عليه السلام {نورا مبينا} عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن اى جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة. والبرهان ما يبرهن به المطلوب وسمى القرآن نورا لكونه سببا لوقوع نور الايمان فى القلوب ولانه تتبين به الاحكام كما تتبين بالنور الاعيان.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} وهو الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وما اقترن به من المعجزات الواضحات، {وأنزلنا إليكم} على لسانه {نورًا مبينًا} وهو القرآن: أو جاءكم برهان من ربكم: المعجزات الطاهرة، {وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا}: القرآن العظيم، أي: جاءكم دليل العقل وشواهد النقل، فلم يبق لكم عذر ولا علة. {فأما الذين آمنوا بالله} أي: وحدوه في ربوبيته، {واعتصموا} أي: تمسكوا بدينه أو بكتابه، {فيسدخلهم في رحمة منه} وهي الجنة، {وفضلٍ}: النظر لوجهه الكريم، قال البيضاوي: {في رحمة} أي: ثواب قدّره بإزاءِ وإيمانه وعمله، رحمة منه، لا قضاء لحق واجب، وفضل إحسان زائد عليهما. هـ. وقال القشيري: سيحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال.هـ. {ويهديهم إليه} أي: إلى الوصول إليه، {صراطًا مستقيمًا} أي: يُبيّن لهما الوصول إليه، وهو طريق السير الذي لا عوج فيه؛ العلم والعمل والحال، وقال البيضاوي: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة. هـ. الإشارة: قد جاءكم من يعرفكم بالله، ويدلكم على الله، وهم أولياء الله، ببرهان واضح لا يخفى إلا على من كان خفاشيًا، وأنزلنا إليكم من سر قُدسنا، وبحر جبروتنا نورًا مبينًا، تُشاهدون فيه أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو ما ظهر من التجليات من القبضة الأولية المحمدية، {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} في حال سيرهم إليه {فسيدخلهم في رحمة منه} وهي حضرة القدس، {وفضل} وهو الترقي في أسرار المعارف إلى ما لا نهاية له، ويهديهم إلى الوصول إليه، وهو شهوده في ذلك النور، طريقًا توصل إليه في أقرب زمان. ولعل الآية فيها تقديم وتأخير، أي: فسيهديهم إليه طريقًا مستقيمًا يسيرون فيه، حتى يصلوا إليه، ثم يدخلهم في رحمة حضرته، وفضل زيادة معرفته. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله (تعالى) لجميع الخلق من الناس المكلفين من سائر اصناف الملل الذين قص قصصهم في هذه السورة من اليهود والنصارى والمشركين {قد جاءكم} يعني أتاكم حجة من الله تبرهن لكم عن صحة ما أمركم به، وهو محمد (صلى الله عليه وآله) جعله الله حجة عليكم، وقطع به عذركم، {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} يعني وانزلنا اليكم معه نوراً مبيناً يعني بين لكم المحجة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله واليم عقابه، وذلك النور هو القرآن الذي أنزله الله على محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو قول مجاهد، وقتادة والسدي وابن جريج، وجميع المفسرين. وانما سماه نوراً لنا فيه من الدلالة على ما امر الله به ونهى عنه والاهتداء به تشبها بالنور الذي يهتدي به في الظلمات وفي الآية دلالة على أن كلام الله محدث، لانه وصفه بالانزال فلو كان قديماً، لما جاز ذلك عليه.

الجنابذي

تفسير : برهان الشّيء ما يدلّ عليه، والنّور ما به يرى الاشياء، وقد سبق انّ الرّسالة تنبّه عن الغفلة والجهالة وتدلّ على من يهدى الى الطّريق، والولاية بها يرى الطّريق فالبرهان محمّد (ص) من حيث الرّسالة والنّور علىّ (ع) من حيث الولاية اذا تحقّقت هذا فلا اعتناء بما قبل فى تفسير الآية خصوصاً بعد ما فسّره الائمّةّ الّّذين هم اهل - الكتاب بما ذكرنا، والمبين بمعنى الظّاهر او المظهر وفى ذكر جاء ومن ربّكم فى جانب البرهان والانزال مع ضمير المتكلّم فى جانب النّور اشارة الى شرافة الولاية بالنّسبة الى الرّسالة، لا اقول ولاية علىّ (ع) اشرف من ولاية محمّد (ص) ورسالته حتّى يتوهّم متوهّم بل اقول: ولاية محمّد (ص) اشرف من رسالته.

فرات الكوفي

تفسير : {قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأنْزَلْنا إلَيْكُمْ نوراً مُبيناً174} فرات قال: حدثني أحمد بن محمد بن [أحمد بن. ب، ر] طلحة الخراساني معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} في علي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ب، ر] والبرهان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قوله: {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} قال: بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ}: المراد بالناس جميع الناس، وقيل: الخطاب لأهل مكة، والبرهان المعجزات، وقيل: دين الله، وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهما قاطعان لحجج الجاحدين لما فيهما من المعجزات، وقيل: القرآن وهو ضعيف لتكرره مع قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}: فان النور المبين المنزل هو القرآن، ولو جاز ذلك بأن سماه برهانا ثم نورا فهو برهان، لأنه قاطع لحجج الكفار ونور لأن يكون النور فى القلب بسببه، ولأنه تبين به الأحكام كما تبين الشىء بالنور فى الظلمة، ومن ربكم متعلق بجاء، أو لمحذوف نعت لبرهان، حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد أيها الناس، فانما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتينى رسول ربى، فأجيب وانى تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، ومن استمسك به، وأخذ به، كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، وأهل بيتى أى والثانى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى قاله ثلاثا "تفسير : ولا عذر للكافر وقد جاءه دلائل العقل وهى المعجزات وشواهد العقل.

اطفيش

تفسير : {يآ أيُّهَا النَّاسُ} مطلقا {قَدْ جَآءَكْم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} البرهان المعجزات والدين والرسل ودلائل العقل، وعن ابن عباس هو النبى صلى الله عليه وسلم {وَأَنزَلَنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} القرآن أو البرهان والنور، كلاهما القرآن، فإنه سبب لوقوع نور الإيمان فى القلب، ولأنه يتبين بالنور الأعيان، وبرهان على صدق مبلغه فى دعوى الرسالة، وجاز أن البرهان الدين لابتنائه على البراهين القاطعة، وأنه صلى الله عليه وسلم برهان لأن حرفته إقامة البراهين على تحقيق الحق وإبطال الباطل، وفرع على مجىء البرهان وإنزال النور تفصيلا بقوله: {فَأَمًَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} بالله تعالى، وقيل بالنور المبين، وهو القرآن، والصحيح الأول {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ} جنته، سماها على التجوز الإرسالى، والظرفية حقيقة باسم ما ينزل فيها، وذلك فى مقابلة عملهم، ولا واجب على الله، وقيل الرحمة الثواب والظرفية مجازية {وَفَضْلٍ} إحسان بما لا يعلمه إلا الله زائد على ذلك {ويَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} إلى الله، أى ثواب الله، أو إلى الفضل، أو الموعود به {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} دين الإسلام فى الدنيا، أو طريق الجنة فى الآخرة، وأما الذين كفروا واعتصموا بالطاغوت فسيدخلهم فى عذابه، وقدم ذكر الرحمة والفضل مع تأخيرهما فى الوجود عن الهدى إلى الصراط المستقيم تعجيلا للمسرة، ويجوز جعل إليه حالا من صراطا، ويروى أن جابر بن عبد الله مرض، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى كلالة، كيف أصنع بمالى؟ ولفظ البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعودانى ماشيين، فأغمى علىَّ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صب عَلَىَّ من وضوئه فأفقت، فإذا النبى صلى الله عليه وسلم، فقلت، يا رسول الله، كيف أصنع فى مالى، كيف أقضى فى مالى، فلم يرد عَلَىَّ شيئا حتى نزله قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ} أى فى الكلالة، بدليل قوله تعالى {قُلِ اللهُ يُفْتِنكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ} ولفظ أبى ذر من رواية البخارى، اشتكيت وعندى سبع أخوات، فدخل عَلَىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروى، وأبو بكر، فنفخ فى وجهى، فأفقت، فقلت، يا رسول الله، أوصى لأخواتى بالثلثين؟ قال: أحسن، قلت، بالشطر، قال: أحسن، وأحسن، فعل أمر، يعنى الإيصاء لهن بالثلثين أو بالنصف إسراف غير إحسان، ومثل ذلك لأبى داود، وكذا الترمذى إلا أنه ذكر تسعا بالمثناة، وروى ابن سيرين أن الآية نزلت فى مسير النبى صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، وبلغها حذيفة إلى عمر، وهو يسير خلف حذيفة، ولما استخلف عمر سأل حذيفة عن تفسيرها، فقال، والله، إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملنى أن أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ، فقال عمر: لم أرد هذا، رحمك الله تعالى، ثم خرج، وتركنى، فقال، يا جابر، ما أراك ميتا من وجعك هذا،وأن الله قد أنزل قرآناً فبين لأخواتك، فجعل لهن الثلثين، فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية فىَّ، وفى رواية، دخل عَلَىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، ثم صب عَلَى فقمت، فقلت، إنه لا يرثنى إلا كلالة، فكيف الميراث، فنزلت آية الفرائض، وهى آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء وآخر سورة نزلت كاملة براءة والمراد الآيات المتعلقة بالأحكام، ومن حديث جابر عن الترمذى، وكان لى تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث، يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة {إنِ امْرُؤ اهَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} ذكر ولا ولد ابن ذكر ولا والد، ولو علا، واختار بعض أن المراد بالولد الذكر، لأنه المتبادر، إذ هو أحب إليهم، وليتوافق الاسم والمسمى فى الذكورة، ولأن الأخت وإن ورثت مع البنت النصف لكن لا بالفرضية، بل بالعصبة، واعترض بأنه تخصيص بلا مخصص، والتعليل بأن الابن يسقط الأخت دون البنت ليس بسديد، لأن الحكم تعيين النصف، وهذا ثابت عند عدم الابن والبنت، غير ثابت عند وجود أحدهما، فإن الابن يسقط الأخت، والبنت تصير عصبة، فلم يتعين لها فرض، والنصف لها مع البنت بالعصوبة، وأيضا الكلام فى الميت الكلالة، وهو الذى لا ولد له {وَلَهُ أُخْتٌ} شقيقه أو أبويه {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ} أي هذا الأخ {يَرِثُهَآ} يرث مالها كله وحده {إن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} لا ذكر ولا أنثى، فإن كان لها أو له ولد ذكر ولو سفل، أو أب وإن علا، فلا شىء لهذا الأخ أو الإخت، وإن كان له أو لها ولو أنثى فصاعدا فالموجود منهما عاصب، وإن كان الأخ أو الأخت من الأم فالسدس،أو متعدد فالثلث، والآية كما لم تدل على سقوط الإخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به، ودلت السنة عَلَى أنهم لا يرثون مع الأب، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ألحقوا الفرائض فما بقى فلأولى عصبة ذكر"تفسير : ، بفتح همزة أولى ولامه، أى لأقرب ذكر، ولا شك أن الأب أقرب من الأخ، وذكر الطبرى عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة، فسألوا عنها النبى صلى الله عليه وسلم فنزل، {ويستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة}، وهى عند جمهور أهل اللغة وكثير من الصحابة من لم يخلف ولداً أو والدا، كما قال جابر، إنى كلالة، وقد يعبر بها عن القرابة من غير جهة للوالد والولد، للضعف، كما فى رواية عن جابر، وإنما يرثنى كلالة، ويقال: أنزل الله جل وعلا فى الكلالة آية فى الشتاء، وهى التى فى أول السورة، وأخرى فى الصيف وهى هذه، وتسمى آية الصيف، روى مالك ومسلم عن عمر رضى الله عنه ما سألت النبى صلى الله عليه وسلم أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه فى صدرى، وقال: حديث : يكفيك آية الصيف التى فى آخر سورة النساءتفسير : ، عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد سورة النصر عاماً، ونزلت بعدها براءة، وهى آخر سورة نزلت كاملة، فعاش النبى صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر، ثم نزل فى طريق حجة الوداع قوله تبارك وتعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم}، وقيل: نزلت وهو يتجهز لحجة الوداع فى الصيف، ونزل وهو واقف بعرفات، اليوم أكملت.. الآية، وعاش بعدها واحداً وثمانين، ثم نزلت آية الربا، ثم نزلت، واتقوا يوماً الآية، وعاش بعدها واحداً وعشرين يوماً، وذكر البخارى ومسلم عن البراء أن آية يستفتونك قل الله الخ آية نزلت من الفرائض {فَإنْ كَانَتَا} أي وإن كان من يرث بالأخوة وثنّى وأنث اعتباراً للخير، وهو قوله {اثْنَتَيْنِ} وإلا فكيف يشترط للاثنتين أن تكونا اثنتين فإنه تحصيل للحاصل، وفى الآية تنبيه على أن المعتبر العدد لا الصغر والكبر ولا غير ذلك، والمراد اثنتان فصاعدا، لأنها نزلت فى جابر، وقد مات عن أخوات سبع أو تسع، وهو آخر الصحابة موتاً بالمدينة {فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} أخوهما {وَإن كانُوا} أى كان من يرث بالإخوة، وجمع باعتبار الخبر، وهو قوله {إخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً} على حد ما مر قبله، وفى أول السورة، وغلب الذكور فدخلن فى الإخوة {فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن يُبَيِّنُ اللهُ} أحكام الإرث وغيره {لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا، لورود لفظ الكراهة بمعنى المنع فى حق الله عز وجل، مثل قوله صلى لله عليه وسلم: "حديث : إن الله كره لكم القيل والقال فى أحاديث" تفسير : وهذا أولى لقلة الحذف، وفى الأول حذف اللام ولا، وحذف المضاف أيضاً أوسع، بخلاف حذف لا، فإنماهو فى مثل قوله تعالى: {أية : تالله تفتأ} تفسير : [يوسف: 85]، والوجهان فى قوله تعالى: {أن تزولا}، وفى حديث ابن عمر: حديث : لا يدع أحدكم على ولده، أن يوافق من الله ساعة إجابةتفسير : ، ولو استحسن الكسائى فى الحديث حذف اللام ولا {وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} من مصالح الحياة والموت. لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، لا ملجأ من الله إلا إليه.

الالوسي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب لكافة المكلفين إثر بيان بطلان ما عليه الكفرة من فنون الكفر والضلال وإلزامهم [بالبراهين القاطعة] بما تخرّ له صم الجبال، وفيه تنبيه لهم على أن الحجة قد تمت فلم يبق بعد ذلك علة لمتعلل ولا عذر لمعتذر {قَدْ جَاءكُمُ} أتاكم ووصل إليكم {بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ} أي حجة قاطعة، والمراد بها المعجزات على ما قيل. وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه أن المراد بالبرهان هو النبـي صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعبر عنه عليه الصلاة والسلام بذلك لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد بذلك دين الحق الذي جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم، والتنوين للتفخيم، و ـ من ـ لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة ـ بجاء ـ أو بمحذوف وقع صفة مشرفة ـ لبرهان ـ مؤكدة لما أفاده التنوين، وجوز أن تكون تبعيضية بحذف المضاف أي كائن من براهين ربكم، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإفاضة إلى ضمير المخاطبين لإظهار اللطف بهم والإيذان بأن مجىء ذلك لتربيتهم وتكميلهم. {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ} بواسطة النبـي صلى الله عليه وسلم، وفي عدم ذكر الواسطة إظهار لكمال اللطف بهم ومبالغة في الإعذار {نُوراً مُّبِيناً} وهو القرآن ـ كما قاله قتادة ومجاهد والسدي ـ واحتمال إرادة الكتب السابقة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم بعيد غاية البعد، وإذا كان المراد من البرهان القرآن أيضاً فقد سلك / به مسلك العطف المبني على تغاير الطرفين تنزيلاً للمغايرة العنوانية منزلة المغايرة الذاتية، وإطلاق البرهان عليه لأنه أقوى دليل على صدق من جاء به، وإطلاق النور المبين لأنه بَينٌ بنفسه مستغن في ثبوت حقيته وكونه من الله تعالى بإعجازه غير محتاج إلى غيره، مبين لغيره من حقية الحق وبطلان الباطل، مهدي للخلق بإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وعبر عن ملابسته للمخاطبين تارة بالمجىء المسند إليه المنبىء عن كمال قوته في البرهانية كأنه يجىء بنفسه فيثبت ما ثبت من غير أن يجىء به أحد، ويجىء على شبه الكفرة بالإبطال والأخرى بالإنزال الموقع عليه الملائم لحيثية كونه نوراً توقيراً له باعتبار كل واحد من عنوانيه حظه اللائق به، وإسناد إنزاله إليه تعالى بطريق الالتفات لكمال تشريفه ـ قاله مولانا شيخ الإسلام ـ والأمر على غير ذلك التقدير هين.

ابن عاشور

تفسير : فذلكة للكلام السابق بما هو جامع للأخذ بالهدى ونبذ الضلال، بما اشتمل عليه القرآن من دلائل الحقّ وكبح الباطل. فالجملة استئناف وإقبال على خطاب النّاس كلّهم بعد أن كان الخطاب موجّهاً إلى أهل الكتاب خاصّة. والبرهان: الحجّة، وقد يخصّص بالحجّة الواضحة الفاصلة، وهو غالب ما يقصد به في القرآن، ولهذا سمّى حكماء الإسلام أجَلّ أنواع الدليل، بُرهاناً. والمراد هنا دلائل النبوءة. وأمّا النور المبين فهو القرآن لقوله: {وأنزلنا} والقول في {جاءكم} كالقولِ في نظيره المتقدّم في قوله: {أية : قد جاءكم الرّسول بالحقّ من ربّكم}تفسير : [النساء: 170]؛ وكذلك القول في {أنزلنا إليكم}. و(أمّا) في قوله: {فأما الذين آمنوا بالله} يجوز أن يكون للتفصيل: تفصيلاً لِمَا دَلّ عليه {يا أيها الناس} من اختلاف الفرق والنزعات: بين قابل للبرهان والنّور، ومكابر جاحد، ويكون مُعادل هذا الشقّ محذوفاً للتهويل، أي: وأمَّا الذين كفروا فلا تسل عنهم، ويجوز أن يكون (أمّا) لمجرد الشرط دون تفصيل، وهو شرط لِعموم الأحوال، لأنّ (أمّا) في الشرط بمعنى (مَهما يكُنْ من شيء) وفي هذه الحالة لا تفيد التفصيل ولا تطلب معادلاً. والاعتصام: اللوْذ، والاعتصام بالله استعارة لللوذ بدينه، وتقدّم في قوله {أية : واعتصموا بحبل الله جميعاً} تفسير : في سورة آل عمران (103). والإدخال في الرحمة والفضل عبارة عن الرضى. وقوله: {ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً}: تعلَّق الجار والمجرور بــ (يهدي) فهو ظرف لَغو، و{صراطاً} مفعول (يهدي)، والمعنى يهديهم صراطاً مستقيماً ليصلوا إليه، أي إلى الله، وذلك هو متمنّاهم، إذ قد علموا أنّ وعدهم عنده.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}. المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم. لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} تفسير : [الشورى: 52] الآية وقوله: {أية : وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} تفسير : [الأعراف: 157] ونحو ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربكم} يعني: النبيَّ عليه السَّلام {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} وهو القرآن. {فأمَّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أَي: امتنعوا بطاعته من زيغ الشَّيطان {فسيدخلهم في رحمة منه} يعني: الجنَّة {وفضل} يتفضَّل عليهم بما لم يخطر على قلوبهم {ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً} ديناً مستقيماً. {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} فيمن مات ولا ولد له، ولا والد {إن امرؤٌ هلك ليس له ولد} أراد: ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما، لأنَّه الكلالة {وله أختٌ} يعني: من أبٍ وأمٍّ، أو أبٍٍ؛ لأنَّ ذكر ولد الأم قد مضى في أوَّل السُّورة {فلها نصف ما ترك وهو يرثها} الأخ يرث الأخت جميع المال {إنْ لم يكن لها ولد فإن كانتا} أَيْ: الأختان، [ {فلهما الثُّلثان ممَّا ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً} من أب وأمّ أو من أبٍ {فللذكر مثل حظ الأنثيين} ]. وقوله: {يبيِّن الله لكم أن تضلوا} أي: أن لا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا [ {والله بكل شيء عليم} من قسمة المواريث].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: برهان: البرهان: الحجة والمراد به هنا محمد صلى الله عليه وسلم. نوراً مبيناً: هو القرآن الكريم. واعتصموا: أي تمسكوا بالقرآن وبما يحمله من الشرائع. في رحمة منه: الجنة. صراطاً: طريقاً يفضي بهم إلى جوار ربهم في دار الكرامة. معنى الآيتين: ينادي الرب تبارك وتعالى سائر الناس مشركين ويهود ونصارى مخبراً إياهم قاطعاً للحجة عليهم بأنه أرسل إليهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو البرهان الساطع والدليل القاطع على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ووجوب الإِيمان به وبرسله ولزوم عبادته بطاعته وطاعة رسوله وأنه أنزل عليه كتابه شافياً كافياً هادياً نوراً مبيّناً يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور. بهذا قد أعذر الله تعالى إلى الناس كافة وقطع عليهم كل معذرة وحجة ثم هم صنفان مؤمن وكافر فالذين آمنوا بالله ربّاً وإلها وبرسوله نبيّاً ورسولاً واعتصموا بالقرآن فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وصدقوا أنباءه والتزموا آدابه فهؤلاء سيدخلهم في رحمة منه وفضل ذلك بأن ينجيهم من النار ويدخلهم الجنان وذلك هو الفوز العظيم كما قال تعالى فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وأما الذين كفروا به وبرسوله وكتابه فمصيرهم معروف وجزاءهم معلوم فلا حاجة الى ذكره: إنه الحرمان والخسران. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء. 2- إطلاق لفظ البرهان على النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشريّ أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته. 3- القرآن نور لما يحصل به من الإِهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال. 4- ثمن السعادة ودخول الجنة الإِيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالإعتصام.

القطان

تفسير : يا أيها الناس... هذا نداء عام للناس جميعاً، لأن الانسانية مشتَركة في البشر فالخطاب للجميع: لقد جاءكم الدليل الواضح يا بني الانسان من قِبل ربكم، وهو يبين لكم حقيقة الايمان، وصدق رسالة محمد النبي الأميّ.. ولقد أنزلنا اليكم مع هذا الرسول وعلى لسانه قرآناً يهديكم، يضيء لكم الطريق، ويوصلكم الى سعادة الدارين. مع هذا اختلفتم... فأما الذين صدّقوا منكم بالله ورسالاته، وتمسّكوا بدينه ـ فسيُدخلهم الله برحمته في جنات عدْن، ويغمرهم بواسع فضله ورحمته، ويهديهم طريقاً قويماً، يفضي بهم الى السعادة في الدنيا والكرامة في الآخرة. والمعنى الضمني: وأما الّذين كذّبوا.. فقد سبق ما قرّره لهم من عذاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {بُرْهَانٌ} (174) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ جَمِيعاً فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الدَّلاَئِلُ القَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِي رِسَالَتِهِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى أنْزَلَ إِلَيْهِمْ قُرْآناً مُبِيناً كَالنُّورِ يُضِيءُ الطَّرِيقَ، وَيَهْدِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ. بُرْهَانٌ - هُوَ مُحَمَّدٌ. نُوراً - القَرْآنَ.

الثعلبي

تفسير : قوله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني محمد صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ }. روى محمد بن المنكدر وابو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: حديث : مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني هو وأبو بكر فلما غشياني فوجدني قد أغمي عليّ فتوضّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صَبّ عليّ من وضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي سبع أخوات ولم يكن لي ولد ولا والد؟ قال: فلم يجبني شيئاً ثمّ خرج وتركني ثم رجع إليّ وقال: "يا جابر إني لا أراك ميّتاً من وجعك هذا وإن الله عز وجل، قد أنزل في أخواتك وجعل لهن الثلثين"، وقرأ هذه الآية {يَسْتَفْتُونَكَ} تفسير : إلى آخرها. وكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيَّ. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في جابر وفي أخته أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي أُختاً فما لي [وما لها]. فنزلت هذه الآية وابتدأ بالرجل، فيقال: إنه مات قبل أُخته. سعيد عن قتادة قال: قال بعضهم على الكلالة فقالوا يا نبي الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية {يَسْتَفْتُونَكَ} أي يستخبرونك ويسألونك (قل الله يفتيكم في الكلالة). قال الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة وقال أبو بكر: هو ما عدا الولد، وقال عمر: هو ما عدا الوالد. ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أُخالف أبا بكر. وقال عمر (رضي الله عنه): لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بينهنّ لكان أحب إلينا من الدنيا وما فيها، الكلالة والخلافة وأبواب الربا. وقال محمد بن سيرين: نزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى حجة الوداع، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان (وإلى جنبه عمر) فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة وبلغها حذيفة إلى عمر وهو يسير خلف حذيفة، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق أن ظننت أنّ إمارتك تحملني أن أُحدّثك فيها ما لم أُحدّثك يومئذ لما لقّانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم (والله، لا أزيدك عليها شيئاً أبداً) فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله، ثم قال عمر: من كنت بيّنتها له فإنها لم تبين لي وما شهدك أفهمتها له فإني لم أفهمها. وقال طارق بن شهاب: أخذ عمر كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: لأقضينّ في الكلالة قضاءً تحدّث به النساء في خدورها فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرّقوا، فقالوا: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمّه. وقال أبو الخير: سأل رجل عتبة عن الكلالة، فقال: ألا تعجبون من هذا، يسألني عن الكلالة [ما شغل] أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيء مثل ما شغلت بهم الكلالة. وخطب عمر الناس يوم الجمعة فقال: والله إني ما أدع بعدي شيئاً هو أهم من الكلالة، قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن الناس فيّ وقال: تكفيك الآية التي في آخر سورة النساء، وقيل لها: آية الصيف لأنها نزلت في الصيف. وقال أبو بكر(رضي الله عنه) في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية في الزوج والزوجة والأُخوة منهم، والآية التي ختم بها سورة النساء من ذكر بعضهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والبرهان هو الإعجاز الدال على صدق المبلغ الأخير عن الله، وهو الحجة الدامغة. وقد يقول قائل: ما هو البرهان وما هو النور؟. ونعلم أن كل رسول يأتي بمعجزة تثبت صدق بلاغه عن ربه قد تكون المعجزة بعيدة عن المنهج، ثم يعطيهم الرسول المنهج ببلاغ من الله؛ مثال ذلك أن معجزة سيدنا موسى كانت العصا لكن منهجه هو التوراة. إذن فالمعجزة هي البرهان على صدق الرسول فيما بلغ عن ربه، وقد لا يكون للمعجزة صلة بالمنهج، فعيسى عليه السلام كانت معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ومنهجه الإنجيل. اما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو النبي الخاتم فقد تجلت معجزته في أنها عين منهجه، إنّها القرآن ولم تنفصل المعجزة عن المنهج؛ لأنه رسول عام إلى الناس كافة وإلى أن تقوم الساعة. هذا هو البرهان. أما "النور" فقد جاء أيضاً من أمر حسيّ؛ لأن النور يمنع الإنسان من أن يتعثر في مشيته أو أن يخطئ الطرق أو أن يصطدم بالأشياء فيؤذيها أو تؤذيه. إذن النور الموجود في القرآن هو حقائق القيم، أما نور الله في الماديات فهو أمر معروف للكافة. ومن بعد ذلك يقول الحق: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الأندلسي

تفسير : {بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} الجمهور على أن البرهان هو محمد صلى الله عليه وسلم وأطلق عليه برهان لما ظهر على يديه من الحجج والدلائل. والنور المبين هو القرآن. {يَسْتَفْتُونَكَ} وتقدم الكلام في الكلالة اشتقاقاً ومدلولاً وقال جابر: هي آخر آية نزلت. وفي الكلالة متعلق بيفتيكم وهو من أعمال الثاني لأن في الكلالة يطلبها يستفتونك ويفتيكم فاعمل الثاني. وبعض عوام القراء يقف على قوله: يستفتونك ويرى ذلك حسناً وهو لا يجوز لأن جهتي الأعمال متشبثة احداهما بالأخرى فلو قلت: ضربني، وسكتّ ثم قلت: وضربت زيداً، لم يجز إلا لإِنقطاع النفس. وقوله: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ} تفسير لحكم الكلالة. و{وَلَدٌ} يشمل الذكر والأنثى. وارتفع امرؤ على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، والجملة من قوله: ليس له ولد، في موضع الصفة لامرؤ أي أن هلك امرؤ غير ذي ولد. وفيه دليل على جواز الفصل بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة في باب الاشتغال فعلى هذا تقول: زيداً ضربته العاقل، على أن العاقل صفة لزيد أُجْريت الجملة المفسرة في هذا الباب مجرى الجملة الخبرية في قولك: زيد ضربته العاقل، فكما جاز الفصل بالخبر جاز بالمفسر. ومنع الزمخشري أن يكون قوله: ليس له ولد جملة حالية من الضمير في هلك، فقال: ومحل ليس له ولد الرفع على الصفة لا النصب على الحال وأجاز ذلك أبو البقاء، فقال: ليس له ولد، الجملة في موضع الحال من الضمير في هلك. {وَلَهُ أُخْتٌ} جملة حالية أيضاً والذي يقتضيه النظر إن ذلك ممتنع وذلك ان المسند إليه حقيقة إنما هو الاسم الظاهر المعمول للفعل المحذوف فهو الذي ينبغي أن يكون التقييد له، اما الضمير فإِنه في جملة مفسرة لا موضع لها من الإِعراب فصارت كالمؤكدة لما سبق وإذا تجاذب الاتباع والتقييد مؤكد. ومؤكد فالحكم إنما هو للمؤكد إذ هو معتمد الاسناد الأصلي فعلى هذا لو قلت: ضربت زيداً، ضربتَ زيداً العاقل، أنبغى أن يكون العاقل نعتاً لزيداً في الجملة الأولى لا لزيداً في الجملة الثانية، لأنها جملة مؤكدة للجملة الأولى. والمقصود بالإِسناد إنما هو الجملة الأولى لا الثانية قيل: وثم محذوف للاختصار ودلالة الكلام عليه والتقدير ليس له ولد ولا والد وله أخت المراد بها الشقيقة أو التي لأب دون التي لام، لأن الله فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مُسَوى بينها وبين أخيها. والضمير في قوله: وهو، وفي يرثها، يعود إلى ما تقدم لفظاً دون معنى فهو من باب عندي درهم ونصفه لأن الهالك لا يرث، والحية لا تورث، ونظيره من القرآن: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمره، وهذه الجملة مستقلة لا موضع لها من الإِعراب. وهي دليل جواب الشرط الذي بعدها المحذوف. {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ} المراد به هنا الابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} قالوا: الضمير في كانتا ضمير اختين دل على ذلك قوله: وله أخت، وقد تقرر في علم العربية ان الخبر يفيد ما لا يفيده الاسم وقد منع أبو علي وغيره سيد الجارية مالكها، لأن الخبر أفاد ما أفاده المبتدأ، والألف في كانتا تفيد التثنية كما أفاده الخبر وهو قوله تعالى: {ٱثْنَتَيْنِ}. وأجاب الأخفش وغيره بأن قوله: اثنتين، يدل على عدم التقييد بالصغر أو الكبر أو غيرهما من الأوصاف فاستحق الثلثان بالاثنينية مجردة عن القيود فلهذا كان مقيداً. وهذا الذي قالوه ليس بشيء لأن الألف الضمير للاثنتين تدل أيضاً على مجرد الاثنينة من غير اعتبار قيد فصار مدلول الألف ومدلول اثنتين سواء، وصار المعنى فإن كانت الأختان اثنتين، ومعلوم أن الأختين اثنتان. قال الزمخشري: فإِن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله: فإِن كانتا اثنتين وإن كانوا إخوة؟ قلت: أصله فإِن كان من يرث بالاخوة اثنتين، وإن كان من يرث بالإِخوة ذكوراً وإِناثاً، وإنما قيل: فإِن كانتا، وإن كانوا، كما قيل: من كانت أمك. فكما أنت ضمير من لمكان تأنيث الخبر كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا لمكان تأنيث الخبر وجمعه. "انتهى". وهو تابع في هذا التخريج لغيره وهو تخريج لا يصح وليس نظير من كانت أمك لأن من صرح بها ولها لفظ. ومعنى فمن أنت راعي المعْنى لأن التقدير أية أمّ كانت أمك. ومدلول الخبر في هذا مخالف لمدلول الاسم بخلاف الآية فإِن المدلولين واحد ولم يؤنث في من كانت أمك لتأنيث الخبر، إنما أنت مراعاة لمعنى من إذ أراد بها مؤنثاً، ألا ترى انك تقول: من قامت، فتؤنث مراعاة للمعنى إذا أردت السؤال عن مؤنث ولا خبر هنا فيؤنث قامت لأجله. والذي يظهر لي في تخريج الآية غير ما ذكروا وذلك وجهان، أحدهما: أن الضمير في كانتا لا يعود على أختين إنما يعود على الوارثتين ويكون ثم صفة محذوفة لاثنتين واثنتين بصفة هو الخبر والتقدير فإِن كانت الوارثتان اثنتين من الأخوات فلهما الثلثان مما ترك، فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيد الاسم وحذف الصفة لفهم المعنى جائز. والوجه الثاني: أن يكون الضمير عائداً على الأختين كما ذكروا ويكون خبر كان محذوفاً لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلاً ويكون اثنتين حالاً مؤكدة والتقدير فإِن كانت أختان له أي للمرء الهالك ويدل على حذف الخبر الذي هو له قوله: وله أخت، فكأنه قيل: فإِن كان أختان له. ونظيره أن تقول: إن لزيد أخ فحكمه كذا، وإن كان إخوان فحكمهما كذا، تريد وإن كان أخوان له. {وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً} يعني أنهم يحوزون المال على ما تقرر في إرث الأولاد من أنه للذكر مثل حظ الانثيين والضمير في كانوا إن عاد على الاخوة فقد أفاد الخبر بالتفضيل المحتوي على الرجال والنساء ما لا يفيده الاسم لأن الاسم ظاهر في الذكور وإن عاد على الوارث فظهرت إفادة الخبر ما لا يفيد المبتدأ ظهوراً واضحاً. والمراد بقوله: اخوة، الاخوة والأخوات وغلب حكم المذكر. {أَن تَضِلُّواْ} مفعول من أجله ومفعول يبين محذوف أي يبين لكم الحق فقدر البصري والمبرد وغيره كراهة أن تضلوا وقدر الكوفي وغيره لئلا تضلوا وحذف لا. ومثله عندهم قول القطامي: شعر : رأينا ما رأى البصراء منها فآلينا عليها أن تباعاً تفسير : والظاهر أن المعنى يبين الله لكم شأن الكلالة كراهة أن تضلوا فيها. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} يعلم مصالح العباد في المبدأ والمعاد وفيما كلفهم به من الأحكام. وهذه السورة مشتمل أولها على كمال تنزيه الله تعالى وسعة قدرته، وآخرها مشمل على بيان كمال العم، وهذان الوصفان بهما تثبت الربوبية والإِلهية والجلال والعزة وبهما يجب أن يكون العبد منقاداً للتكاليف.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن تعالى على سائر الناس بما أوصل إليهم من البراهين القاطعة والأنوار الساطعة، ويقيم عليهم الحجة، ويوضح لهم المحجة، فقال: { يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِن رَّبِّكُمْ } أي: حجج قاطعة على الحق تبينه وتوضحه، وتبين ضده. وهذا يشمل الأدلة العقلية والنقلية، الآيات الأفقية والنفسية {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ } . تفسير : وفي قوله: { مِن رَّبِّكُمْ } ما يدل على شرف هذا البرهان وعظمته، حيث كان من ربكم الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية، فمن تربيته لكم التي يحمد عليها ويشكر، أن أوصل إليكم البينات، ليهديكم بها إلى الصراط المستقيم، والوصول إلى جنات النعيم. { وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } وهو هذا القرآن العظيم، الذي قد اشتمل على علوم الأولين والآخرين والأخبار الصادقة النافعة، والأمر بكل عدل وإحسان وخير، والنهي عن كل ظلم وشر، فالناس في ظلمة إن لم يستضيئوا بأنواره، وفي شقاء عظيم إن لم يقتبسوا من خيره. ولكن انقسم الناس -بحسب الإيمان بالقرآن والانتفاع به- قسمين: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ } أي: اعترفوا بوجوده واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب. { وَاعْتَصَمُوا بِهِ } أي: لجأوا إلى الله واعتمدوا عليه وتبرؤوا من حولهم وقوتهم واستعانوا بربهم. { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ } أي: فسيتغمدهم بالرحمة الخاصة، فيوفقهم للخيرات ويجزل لهم المثوبات، ويدفع عنهم البليات والمكروهات. { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } أي: يوفقهم للعلم والعمل، معرفة الحق والعمل به. أي: ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالا مبينا، عقوبة لهم على تركهم الإيمان فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 231 : 57 : 42 - سفين عن أبيه سعيد بن مسروق عن رجل. لا يحفظ سفين. في قوله {قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قال، محمد (صلى الله عليه وسلم)، {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} قال الكتاب. [الآية 174].