٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
175
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} أي بالقرآن عن معاصيه، وإذا ٱعتصموا بكتابه فقد ٱعتصموا به وبنبيه. وقيل: «ٱعتصموا بِهِ» أي بالله. والعصمة الامتناع، وقد تقدّم. {وَيَهْدِيهِمْ} أي وهو يهديهم؛ فأضمر هو ليدل على أن الكلام مقطوع مما قبله. {إِلَيْهِ} أي إلى ثوابه. وقيل: إلى الحق ليعرفوه. {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي دينا مستقيماً. و «صِرَاطاً» منصوب بإضمار فعل دل عليه «وَيَهْدِيهِمْ» التقدير؛ ويعرّفهم صراطاً مستقيماً. وقيل: هو مفعول ثان على تقدير؛ ويهديهم إلى ثوابه صراطاً مستقيماً. وقيل: هو حال. والهاء في {إلَيْهِ} قيل: هي للقرآن، وقيل: للفضل، وقيل: للفضل والرحمة؛ لأنهما بمعنى الثواب. وقيل: هي لله عز وجل على حذف المضاف كما تقدّم من أن المعنى ويهديهم إلى ثوابه. أبو عليّ: الهاء راجعة إلى ما تقدّم من اسم الله عز وجل، والمعنى ويهديهم إلى صِراطه؛ فإذا جعلنا {صِراطاً مستقيماً} نصباً على الحال كانت الحال من هذا المحذوف. وفي قوله: {وَفَضْلٍ} دليل على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه؛ إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلاً. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرٰطاً } طريقاً {مُّسْتَقِيماً } هو دين الإسلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاعْتَصَمُواْ بِهِ} بالقرآن، أو بالله تعالى. {وَيَهْدِيهِمْ} يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، أو يأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ}: أي: ٱعتصموا باللَّهِ، ويحتمل: ٱعتصموا بالقُرآن؛ كما قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ؛ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» تفسير : ، والرحمةُ والفَضْل: الجنَّة ونعيمُها، و {يَهْدِيهِمُ}: معناه: إلى الفَضْل، وهذه هدايةُ طريقِ الجِنَانِ؛ كما قال تعالى: {أية : سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ...} تفسير : [محمد:5] الآية؛ لأنَّ هداية الإرشادِ قَدْ تقدَّمت، وتحصَّلت حينَ آمنوا باللَّه وٱعتصموا بكتابِهِ، فيهدِيهِمْ هنا بمعنَىٰ: يُعَرِّفهم، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : فالمُراد: أنهم امتنعُوا به من زَيْغِ الشَّيْطَانِ، {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ}. فصل قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: المراد بالرَّحْمَةِ الجَنَّة، وبالفَضْلِ: ما يَتَفَضَّل به عليْهِم بمَا لا عَين رَأتْ، ولا أذُن سَمِعَتْ، [ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشر]. {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}. قوله عزَّ وجَّل: {صِرَاطاً}: مفعولٌ ثان لـ "يَهْدِي"؛ لأنه يتعدَّى لاثنين؛ كما تقدم تحريره، وقال جماعةٌ منهم مَكِّيٌّ: إنه مفعولٌ بفعْلٍ محذوف دلَّ عليه "يَهْدِيهم"، والتقدير: "يُعَرِّفُهُمْ". وقال أبو البقاء قريباً من هذا إلا أنه لم يُضْمِرْ فعلاً، بل جعله منصوباً بـ "يَهْدِي" على المعنى؛ لأنَّ المعنى يُعرِّفُهُم، قال مكيٌّ في الوجه الثاني: "ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لـ "يَهْدِي"، أي: يَهْدِيهِم صِرَاطاً مستقيماً إلى ثوابه وجزائه" قال شهاب الدين: ولم أدْرِ لِمَ خَصَّصُوا هذا الموضِعَ دُونَ الذي في الفاتِحَةِ [الآية: 3]، واحتاجوا إلى تقدير فعل، أو تضمينه معنى "يُعَرِّفُهُمْ"؟ وأجاز أبو عليٍّ أن يكون منصوباً على الحال من محذوف؛ فإنه قال: "الهاءُ في "إليه" راجعةٌ إلى ما تقدَّم من اسم الله، والمعنى: ويَهْديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا "صِرَاطاً مُسْتَقِيماً" نصباً على الحال، كانت الحالُ من هذا المحْذُوفِ". انتهى، فتحصَّل في نصبه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مفعول بـ "يَهْدِي" من غير تضمين معنى فعل آخر. الثاني: أنه على تضمين معنى "يُعَرِّفُهُمْ". الثالث: أنه منصوبٌ بمحذوفٍ. الرابع: أنه نصبٌ على الحال، وعلى هذا التقدير الذي قدَّره الفارسيُّ تقْرُبُ من الحالِ المؤكِّدة، وليس كقولك: "تَبَسَّمَ ضَاحِكاً"؛ لمخالفتِها لصاحبها بزيادة الصفةِ، وإن وافقته لفظاً، والهاءُ في "إلَيْهِ": إمَّا عائدةٌ على "الله" بتقدير حذفِ مضافٍ؛ كما تقدَّم من نحو: "ثوابِ" أو "صِرَاطه"، وإمَّا على الفضلِ والرحمة؛ لأنهما في معنى شيء واحد، وإما عائدةٌ على الفضل؛ لأنه يُراد به طريقُ الجنان.
البقاعي
تفسير : ولما أشار في هذه الآية إلى الرسول الأصفى والنبي الأهدى، المجبول على هذا العقل الأقوم الأجلي، والكتاب الأتم الأوفى، الجاري على هذا القانون الأعلى، الوافي تعبيره الوجيز بأحكام الأولى والأخرى، الكفيل سياقه وترتيب آياته بوضوح الأدلة وظهور الحجج؛ أخذ يقسم المنذرين فقال تعالى: {فأما الذين آمنوا بالله} أي الذي اتضح أنه لا أمر لأحد معه في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه بما دل عليه قاطع البرهان {واعتصموا به} أي جعلوه عصاماً لهم في الفرائض التي هي من أعظم مقاصد هذه السورة، يربطهم ويضبطهم عن أن يضلوا بعد الهدى، ويرجعوا من الاسبتصار إلى العمى، لأن العصام هو الرابط للوعاء أن يخرج شيء مما فيه، وصيغة الافتعال تدل على الاجتهاد في ذلك، لأن النفس داعية إلى الإهمال المنتج للضلال {فسيدخلهم} أي بوعد لا خلف فيه، ولعل السين ذكرت لتفيد مع تحقيق الوعد الحثَّ على المثابرة والمداومة على العمل إشارة إلى عزة ما عنده سبحانه {في رحمة منه} أي ثواب عظيم هو برحمته لهم، لا بشيء استوجبوه، وأشار إلى البر على ما تقتضيه أعمالهم لو كانت لهم بقوله: {وفضل} أي عظيم يعلمون أنه زيادة، لا سبب لهم فيها {ويهديهم} أي في الدنيا والآخرة {إليه صراطاً} أي عظيماً واضحاً جداً {مستقيماً *} أي هو مرشد قومه، كأنه طالب لتقويم نفسه، فهو يوصلهم لا محالة إلى وعده بما يحفظهم في سرهم وعلنهم، يستجلي أنوار عالم القدس في أرواحهم وتوفيقهم لاتباع ما هدت إليه من أمر الفرائض وغيرها، فقد أتى - كما ترى - بأما المقتضية للتقسيم لا محالة، وأتى بأحد القسمين المذكورين في الآية التي قبلها، ووصفهم بالاعتصام بالله في النصرة وقبول جميع أحكامه في الفرائض غيرها، وافقت أهويتهم أو خالفتها، تعريضاً للمنافقين الذين والوا غيرهم، وبالكافرين الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وترك القسم الآخر وهو قسم المستنكفين والمستكبرين، ووضع موضعه حكماً من أحكام الفرائض المفتتح بها السورة التي هي من أعظم مقاصدها من غير حرف عطف، بل بكمال الاتصال، فقال منكراً عليهم تكرير السؤال عن النساء والأطفال بعد شافي المقال، مبيناً أنه قد هدى في ذلك كله أقوم طريق: {يستفتونك} أي يسألونك أن تفتيهم، أي أن تبين لهم بما عندك من الكرم والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة، وللاعتناء بامر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره: {قل الله} أي الملك الأعظم {يفتيكم في الكلالة} وهو من لا ولد له؛ ولا والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}، وقال الأصبهاني عن الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة، فقال أبو بكر: هو ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد، ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه؛ ثم استأنف قوله: {إن امرؤ هلك} أي وهو موصوف بأنه، أو حال كونه {ليس له ولد} أي وإن سفل سواء كان ذكراً أو أنثى عند إرث النصف، وليس له أيضاً والد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة؛ قال الأصبهاني: وليسا بأول حكمين بُينَ أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر، والأب أولى من الأخ " تفسير : {و} الحال أنه {له أخت} أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا، لأنه سيأتي أن أخاها يعصبها، فلو كان ولد أم لم يعصب {فلها نصف ما ترك وهو} أي وهذا الأخ الميت {يرثها} أي إن ماتت هي وبقي هو، جميع مالها {إن لم يكن لها ولد} أي ذكراً كان أو أنثى - كما مر في عكسه، هذا إن أريد بالإرث جميع المال، وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضاً ترث مع الأنثى - كما يرشد إليه السياق أيضاً - دون النصف. ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع، وقدم أقله فقال: {فإن كانتا} أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما؛ ولما أضمر ما دل عليه السياق، وكان الخبر صالحاً لأن يكون: صالحتين، أو صغيرتين، أو غير ذلك؛ بين أن المراد - كما يرشد إليه السياق أيضاً - مطلق العدد على أي وصف اتفق فقال: {اثنتين} أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا {فلهما الثلثان مما ترك} فإن كانت شقيقتين كان لكل منهما ثلث، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين. ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال: {وإن كانوا} أي الوارث {إخوة} أي مختلطين {رجالاً ونساء فللذكر} أي منهم {مثل حظ الأنثيين} وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الأخوة لأب، فتم بذلك جميع أحوال ما أراد من الإرث، وهو على وجازته كما ترى - يحتمل مجلدات - والله الهادي، ووضع هذه الآية هنا - كما تقدم - إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن بجميع ما عداه من الأحكام، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر حقاً، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام، الحاسدين لكم عليها، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال النكاح بقوله: {أية : يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} تفسير : [النساء: 26] وقوله: {أية : ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً}تفسير : [النساء: 27] ثم المصرح بهم في قوله: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم}تفسير : [النساء: 44] ولذلك - والله أعلم - ختم هذه الآية بقوله: {يبين الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {لكم} أي ولم يكلكم في هذا البيان إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً: {أن} أي كراهة أن {تضلوا والله} أي الذي له الكمال كله {بكل شيء عليم *} أي فقد بين لكم بعلمه ما يصلحكم بيانه محياًَ ومماتاً دنيا وأخرى، حتى جعلكم على المحجة البيضاء في مثل ضوء النهار، لا يزيغ عنها منكم إلا هالك، والحاصل أن تأخير هذه الآية إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئاً فشيئاً باللطف والتدريج أدعى لقبوله، وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها، والتخويف من أن يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال أهل الكتاب لهم بإلقاء الشبهة وأخذهم من الموضع الذي تهواه نفوسهم, ومضت عليه أوائلهم، وأشربته قلوهبم، والترهيب من أن يكونوا مثلهم في افيمان ببعض والكفر ببعض، فيؤديهم ذلك إلى إكمال الكفر، لأن الدين لا يتجزأ، بل من كفر بشيء منه كفر به جميعه، ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها، لأن أولها مشير إلى أن الناس كلهم كشيء واحد، وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما شرعه الله، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام وإن اختلفت الأنصباء، فكأنه قيل: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر - ولو عن حكم من أحكامه - فسيجازيه يوم الحشر، ولا يجد له من دون الله ناصراً؛ ولا يخفى عليه شيء من حاله، وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما دل عليه أولها من تمام القدرة، فكان آخرها دليلاً على أولها لأن تمام العلم مستلزم لشمول القدرة، قال الإمام: وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت الربوية والإلهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعاًَ للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف - انتهى. ولختام أول آية فيها بقوله: {أية : إن الله كان عليكم رقيباً} تفسير : [النساء: 1] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها عليم، فلا تظنوا أنه يخفى عليه شيء وإن دقَّ، فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له، وذلك أشد شيء مناسبة لأول المائدة - والله الموفق بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ابو السعود
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ} حسبما يوجبُه البرهانُ الذي أتاهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} أي عصَموا به أنفسَهم مما يُرديها من زيغ الشيطانِ وغيره {فَسَيُدْخِلُهُمْ رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ} قال ابنُ عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الجنةُ وما يُتفضَّل عليهم [به] مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمِعت ولا خطَر على قلب بشر. وعبّر عن إفاضة الفضلِ بالإدخال على طريقةِ قوله: شعر : علفتُها تبناً وماءً بارداً تفسير : وتنوينُ رحمةً وفضلٍ تفخيميٌّ ومنه متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً مشرِّفة لرحمة {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} أي إلى الله عز وجل، وقيل: إلى الموعود، وقيل: إلى عبادته {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} هو الإسلامُ والطاعةُ في الدنيا وطريقُ الجنةِ في الآخرة. وتقديمُ ذكرِ الوعد بإدخال الجنةِ على الوعد بالهداية إليها على خلاف الترتيبِ في الوجود بـين الموعودَين للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصِدُ الأصليُّ. قيل: انتصابُ صِراطاً على أنه مفعولٌ لفعلٍ محذوف يُنبىءُ عنه يهديهم أي يعرِفهم صراطاً مستقيماً. {يَسْتَفْتُونَكَ} أي في الكلالة، استُغني عن ذكره بوروده في قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} وقد مر تفسيرُها في مطلع السورة الكريمةِ، والمستفتي جابرُ بنُ عبد اللَّه رضي الله تعالى عنه، يُروىٰ أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكةَ عام حَجةِ الوداعِ فقال: إن لي أختاً فكم آخذُ من ميراثها إن ماتت؟، وقيل: (كان مريضاً فعاده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كَلالةٌ فكيف أصنع في مالي؟). وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: (عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضٌ لا أعقِل، فتوضأ وصبَّ من وَضوئه عليَّ فعقَلْت فقلت: يا رسولَ الله لمن الميراثُ وإنما يرثني كلالةٌ فنزلت) وقولُه تعالى: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ} استئنافٌ مبـينٌ للفُتيا، وارتفع امرؤٌ بفعل يفسّره المذكورُ، وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} صفةٌ له، وقيل: حال من الضمير في هلَك. ورُدّ بأنه مفسِّرٌ للمحذوف غيرُ مقصودٍ في الكلام أي إن هلَك امرؤٌ غيرُ ذي ولدٍ ذكراً كان أو أنثى واقتُصر على ذكر عدمِ الولدِ مع أن عدمَ الوالدِ أيضاً معتبرٌ في الكلالة ثقةً بظهور الأمرِ ودَلالةِ تفضيلِ الورثةِ عليه، وقوله تعالى: {وَلَهُ أُخْتٌ} عطفٌ عُطف على قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} أو حالٌ والمرادُ بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضَها السدسُ، وقد مر بـيانُه في صدر السورةِ الكريمة {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} أي بالفرض والباقي للعَصَبة، أو لها بالرد إن لم يكن عَصَبة {وَهُوَ} أي المرءُ المفروضُ {يَرِثُهَا} أي أختَه المفروضةَ إن فُرض هلاكُها مع بقائه {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ} ذكراً كان أو أنثى، فالمرادُ بإرثه لها إحرازُ جميعِ ما لها إذ هو المشروطُ بانتفاء الولدِ بالكلية لا إرثُه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتِها، وليس في الآية ما يدل على سقوط الإخوةِ بغير الولدِ ولا على عدمِ سقوطِهم، وإنما دلت السنةُ الشريفةُ على سقوطهم في الأب {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ} عطفٌ على الشرطية الأولى أي اثنتين فصاعداً {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} الضميرُ لمن يرث بالأخُوّة، والتأنيثُ والتثنيةُ باعتبار المعنى، قيل: وفائدةُ الإخبارِ عنها باثنتين مع دَلالة ألفِ التثنية على الاثْنَيْنِيّة التنبـيهُ على أن المعتبرَ في اختلاف الحُكْمِ هو العددُ دون الصِغَر والكِبَر وغيرِهما {وَإِن كَانُواْ} أي من يرث بطريق الأخُوّة {إِخْوَةً} أي مختلطة {رّجَالاً وَنِسَاء} بدلٌ من إخوةٍ والأصلُ وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ فغلَبَ المذكرُ على المؤنث {فَلِلذَّكَرِ} أي فللذكر منهم {مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يقتسمون التركةَ على طريقة التعصيبِ، وهذا آخر ما أُنزل من كتاب الله تعالى في الأحكام، رُوي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال في خطبته: ألا إن الآيةَ التي أنزلها الله تعالى في سورة النساءِ في الفرائض فأولُها في الولد والوالد وثانيها في الزوج والزوجة والأخُوَّة من الأم والآيةُ التي خَتَم بها السورةَ في الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب والآيةُ التي خَتَم بها سورةَ الأنفالِ أنزلها في أولي الأرحام. {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي حكمَ الكلالةِ أو أحكامَه وشرائعَه التي من جملتها حِكَمُها {أَن تَضِلُّواْ} أي كراهةَ أن تضلوا في ذلك وهذا رأيُ البصريـين صرّح به المبرَّدُ، وذهب الكسائيُّ والفراءُ وغيرُهما من الكوفيـين إلى تقدير اللام ولا في طرفي أن، أي لئلا تضِلوا، وقال الزجاج: هو مثلُ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر، الآية: 41] وقال أبو عبـيد: رويتُ للكسائي حديثَ ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما وهو لا يدعُوَنّ أحدُكم على ولده أن يوافقَ من الله إجابةً أي لئلا يوافقَ، فاستحسنه وليس ما ذكر من الآية والحديثِ نصاً فيما ذهب إليه الكسائي وأضرابُه فإن التقديرَ فيهما عند البصْريـين كراهةَ أن تزولا وكراهةَ أن يوافِقَ الخ، وقيل: ليس هناك حذفٌ ولا تقديرٌ وإنما هو مفعولُ يبـيِّن أي يُبـين لكم ضلالَكم الذي هو من شأنكم إذا خُلِّيتم وطباعَكم لتحترزوا عنه وتتحرَّوا خلافَه. وأنت خبـير بأن ذلك إنما يليقُ بما إذا كان بـيانُه تعالى التعيـينَ، على طريقة مواقع الخطأ والضلالِ من غير تصريح بما هو الحقُّ والصواب وليس كذلك. {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء} من الأشياء التي من جملتها أحوالُكم المتعلقةُ بمحياكم ومماتِكم {عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلم فيبـيِّنُ لكم ما فيه مصلحتُكم ومنفعتُكم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورةَ النساءِ فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورِث ميراثاً، وأُعطي من الأجر كمن اشترى محرَّراً أو برِىء من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يُتجاوز عنهم» تفسير : والله أعلم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ}. {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ}: والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان في الحال. قوله جلّ ذكره: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}. هذه الهداية هي إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله فضل لا لأنهم استوجبوها بطلبهم وجهدهم، ولا بتعبهم وكدِّهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما الذين آمنوا بالله} حسبما يوجبه البرهان الذى اتاهم {واعتصموا به} اى امتنعوا به عن اتباع النفس الامارة وتسويلات الشيطان {فسيدخلهم فى رحمة منه} ثواب قدره بازاء ايمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب {وفضل}احسان زائد عليه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {ويهديهم اليه} اى الى الله {صراطا مستقيما} هو الاسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى الآخرة وهو مفعول ثان ليهدى لانه يتعدى الى مفعولين بنفسه كما يتعدى الى الثانى بالى يقال هديته الطريق وهديته الى الطريق ويكون اليه حالا منه مقدما عليه ولو اخر عنه كان صفة له والمعنى ويهديهم الى صراط الاسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى العقبى مؤديا ومنتهيا اليه تعالى. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اعطى لكل نبى آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الامة وجعل نفس النبى عليه السلام برهانا منه وذلك لان برهان الانبياء كان فى الاشياء غير انفسهم مثل ما كان برهان موسى فى عصاه وفى الحجر الذى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا وكان نفس النبى عليه السلام برهانا بالكلية فكان برهان عينيه ما قال عليه السلام "حديث : لا تستبقونى بالركوع والسجود فانى اراكم من خلفى كما اراكم من امامى ".تفسير : وبرهان بصره {أية : ما زاغ البصر وما طغى}تفسير : [النجم: 17]. وبرهان انفه قال "حديث : انى لاجد نفس الرحمان من قبل اليمين ".تفسير : وبرهان لسانه {أية : وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى} تفسير : [النجم: 3-4]. وبرهان بصاقه ما قال جابر رضى الله عنه انه امر يوم الخندف لاتخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى اجيىء فجاء فبصق فى العجين وبارك ثم بصق فى البرمة وبارك فاقسم بالله انهم لأكلوا وهم الف حتى تركوه وانصرفوا وان برمتنا لتغط اى تغلى وان عجيننا ليخبز كما هو. وبرهان تفله انه تفل فى عين على كرم الله وجهه وهى ترمد فبرىء باذن الله يوم خيبر. وبرهان يده ما قال تعالى {أية : وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى} تفسير : [الانفال: 17]. وانه سبح الحصى فى يده: قال العطاوى شعر : داعىء ذرات بود آن باك ذات دركفش تسبيح ازان كفتى حصاد تفسير : وبرهان اصبعه انه اشار باصبعه الى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما شعر : ماه را انكشنت اوبشكافته مهر از فرمانش ازبس تافته تفسير : وبرهان ما بين اصابعه انه كان الماء ينبع من بين اصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم. وبرهان صدره انه كان يصلى ولصدره ازيز كازيز المرجل من البكاء. وبرهان قلبه انه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقال تعالى {أية : ما كذب الفؤاد ما رآى} تفسير : [النجم: 11]. وقال {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : [الشرح: 1]. وقال {أية : نزل به الروح الامين على قلبك} تفسير : [الشعراء: 193-194]. وامثال هذه البراهين كثيرة فمن اعظمها انه عرج به الى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ او ادنى وذلك برهان لنفسه بالكلية وما اعطى نبى قبله مثله قط وكان بعد ان اوحى اليه افصح العرب والعجم وكان من قبل اميا لا يدرى ما الكتاب ولا الايمان وأى برهان اقوى واظهر واوضح من هذا والله اكرم هذه الامة به ومن عليهم فمن آمن به ايمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد فتجذبه العناية وتدخله فى عالم الصفات فان رحمته وفضله صفته ويهديه بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه الى جنابه تعالى فبالاعتصام يصعد السالك من الصراط المستقيم الى حضرة الله الكريم ولا بد للعبد من الاعتمال والاكتساب فى البداية اتباعا للاوامر الواردة فى الكتب الآلهية والسنن النبوية حتى ينتهى الى محض فضل الله تعالى فيكون هو المتصرف فى اموره ولذلك كان النبى عليه السلام يقول "حديث : اللهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك " .تفسير : وقد قال بعض الكبار المريد من لا مذهب له يعنى يتمسك باشق الاقوال والمذاهب من جميع المذاهب فيتوضأ من الرعاف والفصد مثلا وان كان شافعيا ومن المس وان كان حنفيا وتنوير الباطن لا يحصل الا بانوار الذكر والعبادة والمعرفة وتعين على ذلك العبادة الخالصة اذا اديت على وجه الكمال والخدمة بمقتضى السنة تصقله بازالة خبث الشهوات والاخلاق المذمومات والتوحيد افضل الاعمال الموصلة الى السعادة وفى الحديث "حديث : ان الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخلون الجنة وهم يضحكون " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ليس على اهل لا اله الا الله وحشة فى قبورهم ولا فى نشورهم كأنى انظر اليهم عند الصيحة ينفضون التراب عنهم ويقولون الحمد الله الذى اذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور " .تفسير : وعلى هذا الحديث اول المشايخ هذه الآية الكريمة {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا} تفسير : [الأعراف: 58]. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين ولا تجعلنا من الغافلين آمين.
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله ووعد منه لمن صدق الله وأقر بوحدانيته، واعترف بما بعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وآله من أهل الملل، واعتصم به وتمسك بالنور الذي أنزله إلى نبيه. قال ابن جريج الهاء في (به) كناية عن القرآن، فسيدخلهم في رحمة منه معناه ستنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه، وجنته، ويلحقهم ما لحق أهل الايمان به، والتصديق لرسله، {ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً} يعني يوفقهم لاصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته واقتفاء اثارهم واتباع دينهم. وذلك هو الصراط المستقيم. وهو الاسلام الذي ارتضاه الله ديناً لعباده. ونصب {صراطاً مستقيماً} على القطع من الهاء في قوله {إليه} ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {ويهديهم إليه} يعني إلى ثوابه.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ} لمّا كان ذكر الايمان ههنا بعد البرهان والنّور فالاولى ان يكون اشارة الى البيعتين فقوله آمنوا بالله اشارة الى البيعة العامّة على يد محمّد (ص) {وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} اشارة الى البيعة الخاصّة على يد علىّ (ع) {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ} هى موائد الولاية {وَفَضْلٍ} موائد الرّسالة لما مضى انّ الرّحمة هى الولاية والفضل هو الرّسالة {وَيَهْدِيهِمْ} يذهبهم {إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} اى درجات الولاية ولمّا كانت البيعة العامّة متقدّمة على البيعة الخاصّة قدّم الايمان بالله على الاعتصام بعلىّ (ع) ولمّا كان ثمرة الولاية وهى الفناء متقدّمة على حاصل الرّسالة وهو البقاء بعد الفناء عكس فى الجزاء وقدّم الادخال فى الرّحمة على الادخال فى الفضل واخّر الهداية الى الصّراط المستقيم لانّها تكون بمجموع الفناء والبقاء و{يَسْتَفْتُونَكَ}.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ}: امتنعوا به عن أن يتبعوا الباطل والتجأوا إليه أن يثبتهم على الإيمان، وقيل: الضمير النور بمعنى القرآن، أو الدين، ويدل للقرآن حديث القرآن حبل الله المتين، من تمسك به عصم، ويدل للدين أنه أنسب بقوله: {أية : آمنوا وعملوا الصالحات }. تفسير : {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ}: فى ثواب ينعم يغفر به عليهم هو الجنة فى مقابلة ايمانهم واعتصامهم منة منه، اذ لا واجب عليه، ولأنه الموفق لهم الى الإيمان والاعتصام والخالق لهما. {وَفَضْلٍ}: احسان قائم على ما فى مقابلة ايمانهم واعتصامهم فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ}: الى الله أى الى دينه، وقيل الى ما وعدهم به كقوله تعالى: {أية : ويدخلهم الجنة عرفها لهم }تفسير : وقيل: يهديهم الى الموعود فى الدنيا بالهداية الى ما يوصل اليه فى الآخرة. {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}: مفعول ثان لتضمن يهدى معنى يعطى، ويجوز كون إليه حالا من صراطا.
الالوسي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ} حسبما يوجبه البرهان الذي جاءهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} أي عصموا به سبحانه أنفسهم مما يرديها من زيغ الشيطان وغيره. وأخرج ابن جرير. وغيره عن ابن جريج أن الضمير راجع إلى القرآن أعني النور المبين، وهو خلاف الظاهر {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ} أي ثواب عظيم قدره بإزاء إيمانهم وعملهم رحمة منه سبحانه لا قضاءاً لحق واجب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالرحمة الجنة، فعلى الأول: التجوز في كلمة {فِي} لتشبيه عموم الثواب وشموله بعموم الظرف، وعلى الثاني: التجوز في المجرور دون الجار ـ قاله الشهاب ـ والبحث في ذلك شهير و {مِنْهُ} متعلق بمحذوف وقع صفة مشرفة لرحمة {وَفَضْلٍ} أي إحسان لا يقادر قدره زائد على ذلك. {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} أي إلى الله عز وجل، والمراد في المشهور إلى عبادته سبحانه، وقيل: الضمير عائد على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود، وقيل: على الفضل {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الأخرى، وتقديم ذكر الوعد بالإدخال في الرحمة الثواب أو الجنة على الوعد بهذه الهداية للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي. وفي وجه انتصاب {صِرَاطاً} أقوال، فقيل: إنه مفعول ثانٍ لفعل مقدر أي يعرفهم صراطاً، وقيل: إنه مفعول ثان ليهديهم باعتبار تضمينه معنى يعرفهم، وقيل: مفعول ثان له بناءاً على أن الهداية تتعدى إلى مفعولين حقيقة. ومن الناس من جعل {إِلَيْهِ} متعلقاً بمقدر أي مقربين إليه، أو مقرباً إياهم إليه على أنه حال من الفاعل أو المفعول، ومنهم من جعله حالاً من صراطاً ثم قال: ليس لقولنا: يهديهم طريق الإسلام إلى عبادته كبير معنى، فالأوجه أن يجعل {صِرَاطاً} بدلاً من {إِلَيْهِ} وتعقبه عصام الملة والدين بأن قولنا: يهديهم طريق الإسلام موصلاً إلى عبادته معناه واضح، ولا وجه لكون {صِرَاطاً} بدلاً من الجار والمجرور فافهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {صِرَاطاً} (175) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِحَبْلِ اللهِ الذِي يَعْصِمُهُمْ مِنَ الوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ (وَهُوَ القُرْآنُ)، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، وَإنَّهُ سَيَهْدِيهِمْ إلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، المُوصِلِ إلى الجَنَّةِ وَرِضْوَانِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد آمنوا بالله واعتصموا به، ما معنى الاعتصام؟. قديماً كان الرجل عندما يقع في هوة يصرخ ليحذبه إنسان خارج الهوة بيده، وهذا هو الأصل في الاعتصام، أي يستمسك الإنسان بمن ينقذه من هاوية أو كارثة، والحق يعطي الأسباب، فإذا جاءت الشمس وسار فيها إنسان فقد أعطاه الله الشجرة ليستظل بها. وإذا ما نزل المطر فيمكن أن نستتر منه بمظلة، وإذا عطش إنسان فالله يعطيه سبباً ليأخذ كوب ماء، والعاقل هو الذي يذكر عند كل سبب من أوجد السبب. فإياك أيها المؤمن أن تغتر بالأسباب؛ لأن عدم الاغترار بالأسباب يحمي الإنسان. فعندما تأتيه أمور في ظاهرها شر، فمادام مجريها هو الله فهي خير بالتأكيد، لكنك لا تعلم. وما أضل علم الإنسان في كثير من المسائل؛ فالإنسان قد يحسب أمرا أنّه هو الحسن، فيظهر له بعد حين أنه السوء، وقد يعتبر إنسان أمرا هو السيئ، فيظهر له بعد حين أنه الحسن، ولا يوجد واحد منا إلا وفي حياته أشياء كان يظنها خيرا؛ فإذا بها شر، أو كان يظنها شراً فإذا بها خير. والشر هو ما يأتيه الإنسان لنفسه بعمله، أما الأمور التي تقع على الإنسان فحكمتها تمشي على مقتضى علم الله لا على مقتضى هوى البشر. إننا نجد من يقول: إنني أدعو الله بكذا ولا يستجيب لي. ونقول: أنك تدعو بأشياء تظنها الخير لك؛ لكن الله يعلم أن هذه الأشياء ليست هي الخير؛ لذلك لا يعطيها لك، فإن كنت مؤمناً بالله ومعتصماً به فأنت تهمس لنفسك: أَلِيَ في هذا الأمر مدخل أم لا مدخل لي فيه؟. فإذا كان لك فيه مدخل فاللوم على نفسك. وإن كان الأمر قد أجراه عليك فهو خير لك ولله حكمة في ذلك. شعر : وحَظِّي من الدنيا سواء لأنني رضيت بحكم الله في العسر واليسر فإن أقبلت كان الجزاء على النجا وإن أدبرت كان الجزاء على الصبر تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}. وماداموا قد آمنوا بالله واعتصموا بالله واعتصموا به فسيهديهم صراطه المستقيم، وعاقبة الهداية وثمرتها فسرها وبيّنها قوله الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] وقال لنا الرسول صلى الله عليه وسلم: (حديث : من عمل بما عَلِم ورّثه الله عِلْمَ ما لم يعلم ). تفسير : أي يصير مأموناً على العلم؛ لأن العلم الذي أخذه عن الله وظَّفه في خدمة غيره، ولم يدخره أو يعطله. ويختتم الحق سبحانه وتعالى سورة النساء بقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):