٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
176
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال وختم آخرها بذلك ليكون الآخر مشاكلاً للأول، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين. قال أهل العلم: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف وقد ذكرنا أن الكلالة اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد، ثم قال {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر، ومحل {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } الرفع على الصفة، أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد. واعلم أن ظاهر هذه الآية فيه تقييدات ثلاث: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد، فأما عند وجود الولد فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك، بل شرط كون الأخت تأخذ النصف أن لا يكون للميت ولد ابن، فإن كان له بنت فإن الأخت تأخذ النصف. الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد، وذلك أن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع. الثالث: أن قوله {وَلَهُ أُخْتٌ } المراد منه الأخت من الأب والأم، أو من الأب، لأن الأخت من الأم والأخ من الأم قد بيّـن الله حكمه في أول السورة بالإجماع. ثم قال تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، إلاّ أن هذا الأخ من الأب والأم أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث. ثم قال تعالى: {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ ٱلأُنثَيَيْنِ } وهذه الآية دالة على أن الأخت المذكورة ليست هي الأخت من الأم فقط، وروي أن الصديق رضي الله عنه قال في خطبته: ألا أن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض، فأولها: في الولد والوالد، وثانيها: في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام. ثم قال تعالى: {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } وفيه وجوه: الأول: قال البصريون: المضاف هٰهنا محذوف وتقديره: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، إلاّ أنه حذف المضاف كقوله {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] الثاني: قال الكوفيون: حرف النفي محذوف، والتقدير: يبين الله لكم لئلا تضلوا، ونظيره قوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ }تفسير : [فاطر: 41] أي لئلا تزولا. الثالث: قال الجرجاني صاحب «النظم»: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجنبوها. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً. واعلم أن في هذه الصورة لطيفة عجيبة، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [النساء: 1] وهذا دال على سعة القدرة، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبت الربوبية والإلۤهية والجلالة والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعاً للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ قال البراء بن عازب: هذه آخر آية نزلت من القرآن؛ كذا في كتاب مسلم. وقيل: نزلت والنبيّ صلى الله عليه وسلم متجهز لحجة الوداع، ونزلت بسبب جابر؛ حديث : قال جابر بن عبد الله: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي عليّ؛ فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب عليّ من وضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يردّ عليّ شيئاً حتى نزلت آية الميراث {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} تفسير : رواه مسلم؛ وقال: آخر آية نزلت { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] وقد تقدّم. ومضى في أوّل السورة الكلام في «الكلالة» مستوفى، وأن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأب والأُم أو للأب وكان لجابر تسع أخوات. الثانية ـ قوله تعالى: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} أي ليس له ولد ولا والد؛ فٱكتفى بذكر أحدهما؛ قال الجرجاني: لفظ الولد ينطلق على الوالد والمولود؛ فالوالد يسمى والدا لأنه وَلد، والمولود يسمى وَلدا لأنه وُلد؛ كالذرية فإنها من ذَرَا ثم تطلق على المولود وعلى الوالد؛ قال الله تعالى: { أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } تفسير : [يسۤ: 41]. الثالثة ـ والجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون الأخوات عصبة البنات وإن لم يكن معهنّ أخ، غير ٱبن عباس؛ فإنه كان لا يجعل الأخوات عصبة البنات؛ وإليه ذهب داود وطائفة؛ وحجتهم ظاهر قول الله تعالى: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} ولم يورّث الأُخت إلا إذا لم يكن للميت ولد؛ قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألاّ ترث الأُخت مع وجودها. وكان ابن الزُّبِير يقول بقول ابن عباس في هذه المسئلة حتى أخبره الأسود بن يزيد: أن معاذاً قضى في بنت وأُخت فجعل المال بينهما نصفين. الرابعة ـ هذه الآية تسمى بآية الصيف؛ لأنها نزلت في زمن الصيف؛ حديث : قال عمر: إني والله لا أدع شيئاً أهَمّ إلى من أمر الكَلالة، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال: «يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء» تفسير : . وعنه رضي الله عنه قال: ثلاث لأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بَينَّهن أحب إليّ من الدّنيا وما فيها: الكلالة والرّبا والخلافة؛ خرّجه ٱبن ماجه في سننه. الخامسة ـ طعن بعض الرافضة بقول عمر: «والله لا أدع» الحديثَ. السادسة ـ قوله تعالى: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} قال الكسائي: المعنى يبين الله لكم لِئلا تَضِلوا. قال أبو عبيد؛ فحدّثت الكسائيّ بحديث رواه ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لا يدعونّ أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة » تفسير : فٱستحسنه. قال النحاس: والمعنى عند أبي عبيد لئلا يوافق من الله إجابة، وهذا القول عند البصريين خطأ صراح؛ لأنهم لا يجيزون إضمار لا؛ والمعنى عندهم: يبيّن الله لكم كراهة أن تضلوا. ثم حذف؛ كما قال: { أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] وكذا معنى حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي كراهية أن يوافق من الله إجابة. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تقدّم في غير موضع. والله أعلم تمت سورة «النساء» والحمد الله الذي وفق.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت يستفتونك. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب علي، أو قال: «حديث : صبوا عليه» تفسير : فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وفي بعض الألفاظ: فنزلت آية الميراث: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان وقال أبو الزبير قال: يعني: جابراً: نزلت في {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} وكأن معنى الكلام ـ والله أعلم ـ يستفتونك عن الكلالة {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ} فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه، ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد. ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}، وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد والكلالة وباب من أبواب الربا. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «حديث : يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء» تفسير : هكذا رواه مختصراً، وأخرجه مسلم مطولاً أكثر من هذا. (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك، يعني: ابن مغول يقول: سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: «حديث : يكفيك آية الصيف»تفسير : ، فقال: لأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم، وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه انقطاعاً بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: «حديث : يكفيك آية الصيف»تفسير : ، وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش به، وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم، ولما أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفهمها؛ فإنّ فيها كفاية، نسي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها، ولهذا قال: فلأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير الشيباني عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: سأل عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: «حديث : أليس قد بين الله ذلك» تفسير : فنزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ}؛ قال قتادة: وذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير. (ذكر الكلام على معناها) وبالله المستعان وعليه التكلان. قوله تعالى: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ} أي: مات، قال الله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله عز وجل، كما قال: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26 ـ 27]. قوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ولكن الذي يرجع إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله: {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} ولو كان معها أب، لم ترث شيئاً؛ لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضاً؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميرات بالكلية. وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن مكحول وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت: أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوج النصف، والأخت النصف، فكلم في ذلك، فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك، تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتاً وأختاً: إنه لا شيء للأخت؛ لقوله: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} قال: فإذا ترك بنتاً، فقد ترك ولداً، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب؛ بدليل غير هذه الآية، وهذه الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة، وأما وراثتها بالتعصيب، فلما رواه البخاري من طريق سليمان عن إبراهيم عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للبنت، والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا، ولم يذكر: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح البخاري أيضاً عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود، فسيتابعني، فسأل ابن مسعود، فأخبره بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذاً، وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم النصف للبنت، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم. وقوله: {وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ} أي: والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد، أي: ولا والد؛ لأنها لو كان لها والد، لم يرث الأخ شيئاً، فإن فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه؛ كزوج أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»تفسير : . وقوله: {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} أي: فإن كان لمن يموت كلالة أختان، فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن ههنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات في قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}. وقوله: {وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ} هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة، إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وقوله: {يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ} أي: يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه. وقوله: {أَن تَضِلُّواْ} أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها، وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى. وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنبأنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال: كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة، قال: ونزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} فلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقاها حذيفة عمر، فلما كان بعد ذلك، سأل عمر عنها حذيفة، فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيتكها كما لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا أزيدك عليها شيئاً أبداً، قال: فكان عمر يقول: اللهم إن كنت بينتها له، فإنها لم تبين لي، كذا رواه ابن جرير، ورواه أيضاً عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه، وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة. وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المعني ومحمد بن مرزوق قالا: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيقة عن أبيه، قال: نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا هو بحذيفة، وإذا رأس ناقة حذيفة عند ردف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فلقاها إياه، فنظر حذيفة، فإذا عمر رضي الله عنه، فلقاها إياه، فلما كان في خلافة عمر، نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة، فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتكها كما لقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله إني لصادق، والله لا أزيدك شيئاً أبداً. ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحداً رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقاً عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى، وكذا رواه ابن مردويه من حديث عبد الأعلى. وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير عن الشيباني عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة؟ قال: فأنزل الله: {يَسْتَفْتُونَكَ} الآية، قال: فكأن عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس، فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس، فسألته عنها، فقال: «حديث : أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها»تفسير : ، قال: فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله ما قال، رواه ابن مردويه، ثم رواه من طريق ابن عيينة، وعن عمرو عن طاوس: أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فأملاها عليها في كتف، فقال: «حديث : من أمرك بهذا، أعمر؟ ما أراه يقيمها، أوما تكفيه آية الصيف؟» تفسير : وآية الصيف التي في النساء: {أية : وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ} تفسير : [النساء: 12] فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآية التي هي خاتمة النساء، فألقى عمر الكتف، كذا قال في هذا الحديث، وهو مرسل. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثام عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: أخذ عمر كتفاً، وجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذ حية من البيت، فتفرقوا، فقال: لو أراد الله عز وجل أن يتم هذا الأمر لأتمه، وهذا إسناد صحيح. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا الهيثم بن خالد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب، قال: لأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث، أحب إلي من حمر النعم: من الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة في أموالنا، ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. ثم قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ثم روى بهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مرة عن مرة، عن عمر، قال: ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وبهذا الإسناد إلى سفيان بن عيينة قال: سمعت سليمان الأحول يحدث عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له، ثم قال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، وهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح عن عمرو بن دينار، وسليمان الأحول عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كنت آخر الناس عهداً بعمر بن الخطاب، قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة، والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرك بين الإخوة للأم والأب وبين الإخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا، وخالفه أبو بكر رضي الله عنهما. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن حميد العمري، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في الجد والكلالة كتاباً، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه خيراً، فأمضه، حتى إذا طعن، دعا بكتاب فمحى، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت كتاباً في الجد والكلالة، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ماكنتم عليه. قال ابن جرير: وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول: هو ما عدا الولد والوالد. وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه في قوله: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْتَفْتُونَكَ } في الكلالة {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ } مرفوع بفعل يفسره {هَلَكَ } مات {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } أي ولا والد وهو الكلالة {وَلَهُ أُخْتٌ } من أبوين أو أب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ } أي الأخ كذلك {يَرِثُهَا } جميع ما تركت {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من أمّ ففرضه السدس كما تقدّم أوّل السورة [12:4]{فَإِن كَانَتَا } أي الأختان {ٱثْنَتَيْنِ } أي فصاعداً لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } الأخ {وَإِن كَانُواْ } أي الورثة {إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ } منهم {مِثْلُ حَظّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ } شرائع دينكم لـ {أن } لا {تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } ومنه الميراث روى الشيخان عن البراء أنها آخر آية نزلت أي من الفرائض.
الشوكاني
تفسير : قد تقدّم الكلام في الكلالة في أوّل هذه السورة، وسيأتي ذكر المستفتي المقصود بقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ }. قوله: {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ } أي: إن هلك امرؤ هلك، كما تقدم في قوله: {أية : وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ} تفسير : [النساء: 128]. وقوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } إما صفة لـ {امرؤ}، أو حال، ولا وجه للمنع من كونه حالاً، والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا مع أن عدم الوالد معتبر في الكلالة اتكالاً على ظهور ذلك، قيل: والمراد بالولد هنا: الابن، وهو أحد معنى المشترك؛ لأن البنت لا تسقط الأخت. وقوله: {وَلَهُ أُخْتٌ } عطف على قوله: {ليس له ولد}. والمراد بالأخت هنا: هي الأخت لأبوين، أو لأب لا لأم، فإن فرضها السدس، كما ذكر سابقاً. وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن الأخوات لأبوين، أو لأب عصبة للبنات، وإن لم يكن معهم أخ. وذهب ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري، وطائفة، وقالوا: إنه لا ميراث للأخت لأبوين، أو لأب مع البنت، واحتجوا بظاهر هذه الآية، فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى قيداً في ميراث الأخت، وهذا استدلال صحيح لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ميراث الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في الصحيح أن معاذاً قضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت وأخت، فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف. وثبت في الصحيح أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت فجعل للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي، فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت. قوله: {وَهُوَ يَرِثُهَا } أي: المرء يرثها، أي: يرث الأخت {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } ذكر إن كان المراد بإرثه لها: حيازته لجميع ما تركته، وإن كان المراد: ثبوت ميراثه لها في الجملة أعمّ من أن يكون كلاً، أو بعضاً صح تفسير الولد بما يتناول الذكر والأنثى، واقتصر سبحانه في هذه الآية على نفي الولد مع كون الأب يسقط الأخ، كما يسقطه الولد الذكر، لأن المراد: بيان حقوق الأخ مع الولد فقط هنا. وأما سقوطه مع الأب، فقد تبين بالسنة، كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» تفسير : والأب أولى من الأخ: {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ } أي: فإن كان من يرث بالأخوّة اثنتين، والعطف على الشرطية السابقة، والتأنيث والتثنية، وكذلك الجمع في قوله: {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً } باعتبار الخبر: {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } المرء إن لم يكن له ولد، كما سلف، وما فوق الاثنتين من الأخوات يكون لهنّ الثلثان بالأولى {وَإِن كَانُواْ } أي: من يرث بالأخوّة {إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء } أي: مختلطين ذكوراً وإناثاً {فَلِلذَّكَرِ } منهم {مِثْلُ حَظِ ٱلأنْثَيَيْنِ } تعصيباً {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } أي: يبين لكم حكم الكلالة، وسائر الأحكام كراهة أن تضلوا، هكذا حكاه القرطبي عن البصريين. وقال الكسائي: المعنى لئلا تضلوا، ووافقه الفراء وغيره من الكوفيين {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء } من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها {عَلِيمٌ } أي: كثير العلم. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبّ عليّ، فعقلت، فقلت إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. وأخرجه عنه ابن سعد، وابن أبي حاتم بلفظ أنزلت فيّ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ }. وأخرج ابن راهويه، وابن مردويه، عن عمر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تورث الكلالة: فأنزل الله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } الآية. وأخرج مالك، ومسلم، وابن جرير، والبيهقي، عن عمر قال: ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته في الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: "حديث : ما تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء"تفسير : . وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الكلالة؟ فقال: "حديث : تكفيك آية الصيف"تفسير : . وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عمر قال: ثلاث، وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهنّ عهداً ننتهي إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن البراء ابن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن سيرين قال: كان عمر ابن الخطاب إذا قرأ {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } قال: اللهمّ من بينت له الكلالة، فلم تبين لي. وقد أوضحنا الكلام خلافاً واستدلالاً وترجيحاً في شأن الكلالة في أوائل هذه السورة، فلا نعيده.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} الآية. قال البراء ابن عازب: آخر سورة نزلت كاملة سورة براءة، وآخر آية أنزلت خاتمة، سورة النساء {يَسْتَفْتُونَكَ…}. وقال جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية فيَّ، وقد سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عادني في مرضي، ولِيَ تسع أخوات، كيف أصنع بمالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ} إلى آخر السورة. وقال ابن سيرين: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسيرة، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان، وبلَّغَها حذيفةُ عمرَ بن الخطاب، وهو يسير خلفه.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في تفسير {الكلالة} في صدر السورة، وإن المترجح أنها الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل، وكان أَمر الكلالة عند عمر بن الخطاب مشكلاً فقال: ما راجعت رسول الله في شيء مراجعتي إياه في الكلالة، ولوددت أن رسول الله لم يمت حتى يبينها وقال على المنبر: ثلاث لو بينها رسول الله كان أحب إليَّ من الدنيا: الجد والكلالة، والخلافة، وأبواب من الربا، وروي عنه رضي الله عنه أنه كتب فيها كتاباً فمكث يستخير الله فيه ويقول: اللهم إن علمت فيه خيراً فأمضه، فلما طعن دعا بالكتابة فمحي، فلم يدر أحد ما كان فيه، وروى الأعمش عن إبراهيم وسائر شيوخه قال: ذكروا أن عمر رضي الله عنه قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من جزية قصور الشام. وقال طارق بن شهاب: أخذ عمر بن الخطاب كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها فخرجت عليهم حية من البيت فتفرقوا، فقال عمر: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه، وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر بالناس يوم الجمعة فقال: إني والله ما أدع بعدي شيئاً هو أهم إليَّ من أمر الكلالة وقد سألت عنها رسول الله، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء فإن أعش فسأقضي فيها بقضية لا يختلف معها اثنان ممن يقرأ القرآن، وسئل عقبة بن عامر عن الكلالة فقال: ألا تعجبون لهذا يسألني عن الكلالة؟ وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة. قال القاضي أبو محمد: فظاهر كلام عمر رضي الله عنه أن آية الصيف هي هذه، وروى أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال: ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف {أية : وإن كان رجل يورث كلالة} تفسير : [النساء:12] إلى آخر الآية. قال القاضي رحمه الله: هذا هو الظاهر، لأن البراء بن عازب قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وقال كثير من الصحابة: هي من آخر ما نزل، وقال جابر بن عبد الله: نزلت بسببي، عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكفيك منها آية الصيف، بيان فيه كفاية وجلاء، ولا أدري ما الذي أشكل منها على الفاروق رضوان الله عليه؟ إلا أن تكون دلالة اللفظ ولذلك قال بعضهم: {الكلالة} الميت نفسه، وقال آخرون {الكلالة} المال، إلى غير ذلك من الخلاف، وإذا لم يكن في الفريضة والد ولا ولد وترك الميت أختاً، فلها النصف فرضاً مسمى بهذه الآية، فإن ترك الميت بنتاً وأختاً، فللبنت النصف، وللأخت النصف بالتعصيب لا بالفرض المسمى، ولعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس في هذه المسألة خلاف للناس وذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبته: ألا إن آية أول سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها الله في الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال، أنزلها الله في أولي الأرحام، وقرأ ابن أبي عبلة "فإن للذكر مثل حظ" وقوله تعالى {أن تضلوا} معناه: كراهية أن تضلوا، وحذر أن تضلوا فالتقدير. لئلا تضلوا، ومنه قول القطامي في صفة ناقة: [الوافُر] شعر : رَأَيْنا مَا يَرَى البُصَرَاءُ مِنْهَا فآلينا عَلَيْهَا أَنْ تُبَاعا تفسير : وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ {يبين الله لكم أن تضلوا} قال: اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَسْتَفْتُونَكَ} آخر سورة أُنزلت كاملة سورة براءة، وآخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ} ولما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم جابراً ـ رضي الله تعالى عنه ـ في مرضه، سأله كيف يصنع بماله، وكان له تسع أخوات فنزلت.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} نزلت في جابر بن عبدالله الأنصاري (ق) عن جابر بن عبدالله قال مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي عليّ فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب علي من وضوئه فأفقت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت آية الميراث: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وفي رواية فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة فنزلت آية الميراث قال شعبة فقلت لمحمد بن المنكدر يستفتونك: {قل الله يفتيكم في الكلالة} قال هكذا نزلت وفي رواية الترمذي وكان لي تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ولأبي داود قال اشتكيت وعند سبع أخوات فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفخ في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال أحسن قلت بالشطر؟ قال أحسن ثم خرج وتركني فقال يا جابر لا أراك ميتاً من وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين قال فكان جابر يقول أنزلت هذه الآية في: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وروى الطبري عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وروى عن ابن سيرين قال نزلت: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له وإلى جنبه حذيفة بن اليمان فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة والله لأنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذٍ فقال عمر لم أرد هذا رحمك الله. وأما التفسير فقوله تعالى: {يستفتونك} يعني يسألونك ويستخبرونك عن معنى الكلالة يا محمد قل: الله يفتيكم في الكلالة يعني أن الله هو يخبركم عما سألتم عنه من أمر الكلالة. وقد تقدم في أول السورة الكلام على معنى الكلالة من حيث الاشتقاق وغيره وأن اسم الكلالة يقع على الوارث وعلى الموروث فإن وقع على الوارث فهم من سوى الوالد والولد وإن وقع على الموروث فهو من مات ولا يرثه أحد الأبوين ولا أحد الأولاد. قوله تعالى: {إن امرؤ هلك} يعني مات الموت هلاكاً لأنه إعدام في الحقيقة {ليس له ولد} يعني ولا والد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ودل على المحذوف أن السؤال في الفتيا إنما كان في الكلالة وقد تقدم أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد {ولا أخت} يعني ولذلك الهالك أخت وأراد بالأخت من أبيه وأمه أو من أبيه {فلها نصف ما ترك} يعني فلأخت الميت نصف تركته وهو فرضها إذا انفردت وباقي المال لبيت المال إذا لم يكن للميت عصبة. وهذا مذهب زيد بن ثابت وبه قال الشافعي وعند أبي حنيفة وأهل العراق يرد الباقي عليها فإذا كان للميت بنت أخذت النصف بالفرض وتأخذ الأخت النصف الباقي بالتعصيب لا بالفرض لأن الأخوات مع البنات عصبة. وقوله تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} يعني أن الأخت إذا ماتت وتركت أخاً من الأب والأم أو من الأب فإنه يستغرق جميع ميراث الأخت إذا انفرد ولم يكن للأخت ولد وهذا أصل في جميع العصبات واستغراقهم جميع المال، فأما الأخ من الأم فإنه صاحب فرض لا يستغرق جميع المال وقد تقدم بيانه {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} أراد بنتين فصاعداً وهو أن من مات وترك أختين أو أخوات فلهن الثلثان مما ترك الميت {وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} يعني وان كان المتروكون من الإخوة رجالاً ونساء فللذكر منهم نصيب اثنتين من الإخوة الإناث {يبين الله لكم أن تضلوا} يعني يبين الله لكم هذه الفرائض والأحكام لئلا تضلوا. وقيل معناه كراهية أن تضلوا وقيل بيّن الله الضلالة لتجتنبوها {والله بكل شيء عليم} يعني من مصالح عباده التي حكم بها من قسمة المواريث وبيان الأحكام وغير ذلك لأن علمه محيط بكل شيء (ق) عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال إن آخر سورة نزلت تامة سورة التوبة وإن آخر آية نزلت آية وفي رواية لمسلم قال آخر آية نزلت يستفتونك وروي عن ابن عباس أن آخر سورة نزلت سورة التوبة وأن آخر آية الكلالة وفي رواية لمسلم قال آخر آية الربا وآخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح وروي عنه أن آخر آية نزلت {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} تفسير : [البقرة: 281] وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزول سورة النصر سنة ونزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش بعدها ستة أشهر هكذا ذكره البغوي وفيه نظر لأنه قد ثبت في الصحيحن من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في الحجة التي أمره عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل منى ببراءة ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وكانت حجة أبي بكر هذه سنة تسع قبل حجة الوداع بسنة قال البغوي: ثم نزلت في طريق حجة الوداع {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} فسميت آية الصيف ثم نزلت وهو واقف بعرفة {أية : اليوم أكملت لكم دينكم} تفسير : [المائدة: 3] فعاش بعدها أحداً وثمانين يوماً ثم نزلت آية الربا ثم نزلت: {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} تفسير : [البقرة: 281] عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً. وهذا آخر تفسير سورة النساء والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ}، قد تقدَّم القولُ في تفسير «الكَلاَلَةِ» في صَدْر السورةِ، وكان أمر الكَلاَلَةِ عنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) مُشْكِلاً، واللَّه أعلم، ما الذي أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وقولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ: «حديث : تَكْفِيكَ مِنْهَا آيَةُ الصَّيْفِ» تفسير : الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخرِ سُورة «النساء» بيانٌ فيه كفايةٌ، قال كثيرٌ من الصحابة: هذه الآية هي من آخر ما نَزَلَ. وقوله سبحانه: {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}: التقدير: لئلاَّ تضِلُّوا، {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ}، سبحانه، وصلَّى اللَّه علَىٰ نبيِّنا محمَّدٍ، وعلَىٰ آلِهِ وصَحْبِهِ، وسلَّم تسليماً.
ابن عادل
تفسير : قوله - جل وعلا -:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} إلى آخر السورة لما تكَلَّم [في] أوَّل السُّورَة [في] أحْكَام الأمْوَالِ، خَتَمَها بذلِك الآخِرِ مشاكلاً للأوَّل، ووسَطُ السُّورةِ مُشْتَمِلٌ على المُنَاظَرَة مع الفرقِ المُخَالِفِين في الدِّينِ. قال المفسرون: نزلت في جابر بن عبد الله، قال: عَادَني رسُول الله صلى الله عليه وسلم [وشرف وكرم وعظم]، وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِل، فَتَوَضَّأ وصبَّ من وُضوئه عليَّ، فعَقَلْتُ، فَقُلْت: يا رسُول الله، لِمن المِيرَاثُ، إنَّهُما يَرِثُنَي كلالة، فنزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}. ومعنى: يَسْتفتُونَك: يَسْتَخْبِرُونَك، قال البَرَاء بن عَازِب: هذه آخر آية نَزَلَتْ من القُرْآن. قال القرطبي: كذا قال في مُسْلم، وقيل أنزلَتْ في النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. قوله سبحانه وتعالى: {فِي ٱلْكَلاَلَةِ}: متعلق بـ "يُفْتيكُم"؛ على إعمال الثاني، وهو اختيار البصريّين، ولو أعْمَلَ الأولَ، لأضمرَ في الثاني، وله نظائرُ في القرآن: {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَابِيَهْ} تفسير : [الحاقة: 19]. {أية : آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} تفسير : [الكهف: 96] {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 5] {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} تفسير : [البقرة: 39]، وقد تقدَّم الكلامُ فيه في البقرة، وتقدَّم الكلام في اشتقاق الكلالة في أوَّل هذه السُّورة [النساء: 12]، وقوله: {إِن ٱمْرُؤٌاْ} كقوله: {أية : وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ} تفسير : [النساء: 128]. و"هَلَكَ" جملةٌ فعليةٌ في محلِّ رفع صفة لـ "امْرُؤٌ". و{لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} جملةٌ في محلِّ رفعٍ أيضاً صفةً ثانية، وأجاز أبو البقاء أن تكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في "هَلَكَ"، ولم يذكر غيره، ومنع الزمخشريُّ أن تكون حالاً، ولم يبيِّن العلةَ في ذلك، ولا بيَّن صاحب الحال أيضاً، هل هو "امْرُؤٌ" أو الضميرُ في "هَلَكَ"؟ قال أبو حيان: "ومنع الزمخشريُّ أن يكون قوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} جملةً حالية من الضمير في "هَلَكَ"، فقال: ومحلُّ {ليس لَهُ ولد} الرفع على الصفةِ، لا النصبُ على الحال". انتهى، قال شهاب الدين: والزمخشريُّ لم يَقُلْ كذلك، أي: لم يمنعْ كونها حالاً من الضمير في "هَلَكَ"، بل منع حاليتها على العموم، كما هو ظاهر قوله، ويحتملُ أنه أراد منع حاليتها من "امْرُؤٌ"؛ لأنه نكرةٌ، لكنَّ النَكرة هنا قد تخصَّصَتْ بالوصف، وبالجملةِ فالحالُ من النكرَةِ أقلُّ منه من المعرفة، والذي ينبغي امتناعُ حاليتها مطلقاً؛ كما هو ظاهر عبارته؛ وذلك أنَّ هذه الجملة المفسِّرة للفعل المحذوف لا موضعَ لها من الإعراب؛ فأشبهت الجمل المؤكِّدة، وأنت إذا أتبعت أو أخبرت، فإنما تريدُ ذلك الاسم المتقدِّم في الجملة المؤكِّدة السابقة، لا ذلك الاسم المُكَرَّرَ في الجملة الثانية التي جاءت تأكيداً؛ لأن الجملة الأولى هي المقصودة بالحديث، فإذا قلت: "ضَرَبْتُ زَيْداً، ضربْتُ زَيْداً الفَاضِل"، فـ "الفَاضِل" صفةُ "زَيْداً" الأوَّلِ؛ لأنه في الجملة المؤكدة المقصودُ بالإخبار، ولا يضُرُّ الفصلُ بين النعتِ والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى يَنْفِي كونها حالاً من الضمير في "هَلَكَ"، وأما ما ينفي كونها حالاً من "امْرؤٌ" فلما ذكرته لك من قلَّةِ مجيء الحال من النكرةِ في الجملة، وفي هذه الآية على ما اختارُوهُ من كون "لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ" صفة - دليلٌ على الفصْلِ بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب الاشتغال، ونظيرُه: "إنْ رَجُلٌ قام عَاقِلٌ فأكْرِمْهُ" فـ "عَاقِلٌ" صفةٌ لـ "رَجُلٌ" فُصِل بينهما بـ "قَامَ" المفسِّر لـ "قام" المفسَّر. فصل قال القُرطبيُّ: معنى قوله - تعالى -: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} أي: ليس لَهُ ولدٌ ولا وَالِدٌ، فاكْتَفَى بِذْكِرِ أحدهما. قال الجُرْجَانِيُّ: لفظ الولد يَنْطَلِقُ على الوالدِ والموْلُود، فالوالدُ يُسَمَّى والداً؛ لأنه وَلد، والمَوْلُود يسَمَّى ولداً؛ لأنه [وُلد]؛ كالذُّرِّيَّة [فإنَّهَا من ذَرَأ] ثم تُطْلَقُ على الولد، وعلى الوَالِدِ؛ قال - تعالى -: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} تفسير : [يس: 41] وقوله - سبحانه -: {وَلَهُ أُخْتٌ}؛ كقوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}، والفاء في "فَلَهَا" جوابُ "إنْ". فصل في تقييدات ثلاثة ذكرها الرازي في الآية قال ابن الخطيب: ظَاهِرُ هذه الآية فِيهِ تَقْيِيداتٌ ثلاثة: الأول: أن ظاهرهَا يَقْتَضِي أن الأخْتَ إنَّما تأخُذ النِّصْفَ عند عدم الولد فأما عند وجود الولد، فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك بل شرط كون الأخت تأخذ النصف ألاَّ يكون للميت ولد ابن، وهذا لا يرد على ظاهر الآية؛ لأن المقصُودَ من الآيَةِ بيانُ أصْحَاب الفُرُوضِ ومُسْتَحقِّيها، وفي هذه الصُّورَة إنما تأخذ النِّصْف بالتعصيب لا بكونه مَفْروضاً أصالة، بل لِكَوْنه ما بَقِي بدليل أنه لو كان معها بنتان، فإن لها الثلث الباقي بعد فرض البنتين. الثاني: ظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّه إذا لم يَكُن للميت ولد ولا والِدٌ؛ لأن الأخْت لا ترثُ مع الوالِدِ بالإجْمَاعِ، وهذا لا يرد - أيضاً - على ظاهرِ الآية في الكلالةِ، وشَرطُها عدم الولدِ والوَالِد. الثالث: أن قوله: "وله أخت" المراد منه الأخت من الأبَوَيْن، ومن الأبِ؛ لأن الأخْتَ من الأم، والأخَ من الأمِّ قد بَيَّن الله حُكْمَه في أوَّل السُّورَة. وقوله عز وجل: {وَهُوَ يَرِثُهَآ} لا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب؛ لاستئنافها، وهي دالةٌ على جواب الشرط، وليست جواباً؛ خلافاً للكوفيِّين وأبي زيد، وقال أبو البقاء: "وقد سدَّتْ هذه الجملةُ مَسَدَّ جواب الشرط"، يريد أنها دالةٌ كما تقدَّم، وهذا كما يقول النحاة: إذا اجتمع شرطٌ وقسم، أُجِيبَ سابقهما، وجعل ذلك الجوابُ سادّاً مسدَّ جواب الآخر، والضَّميران من قوله: "وهو يَرِثُهَا" عائدان على لفظ امرىء وأخت دون معناهما، فهو من باب قوله: [الطويل] شعر : 1911- وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ تفسير : وقولهم: "عنْدي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ"، وقوله تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} تفسير : [فاطر: 11]، وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأنَّ الحيةَ لا تُورثُ، والهالكَ لا يرثُ، فالمعنى: وامْرَأ آخَرَ غيرَ الهَالِكِ يَرِثُ أخْتاً له أخْرَى. فصل المعنى: إن الأخَ يَسْتغْرِق ميراث الأخْتِ، إن لم يكُن للأخْتِ ولدٌ، فإن كان لها ابْنٌ، فلا شيء للأخ، وإن كان ولدُهَا أنْثَى، فللأخِ ما فضُل عن فَرْضِ البَنَاتِ، وهذا في الأخ للأبَوَيْنِ أو [الأخِ] للأب، فأما الأخ للأمِّ؛ فإنه [لا يَسْتَغْرِقُ الميراثَ، ويَسْقُط بالوَلَدِ]. قوله تعالى: {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ} الألف في "كَانَتَا" فيها أقوال: أحدها: أنها تعود على الأختين يدلُّ على ذلك قوله: "ولَهُ أختٌ"، أي: فإن كانت الأختان اثنتين، وقد جَرَتْ عادةُ النحويِّين أن يسألوا هنا سؤالاً، وهو أنَّ الخبر لا بُدَّ أن يفيد ما لا يفيدُهُ المبتدأ، وإلاَّ لم يكنْ كلاماً، ولذلك منعُوا: "سيِّدُ الجَارِيَةِ مالِكُهَا"؛ لأن الخبر لم يَزِدْ على ما أفاده المبتدأ، والخبرُ هنا دَلَّ على عدد ذلك العدد مستفادٌ من الألف في "كَانَتَا"، وقد أجابوا عن ذلك بأجْوبَةٍ منها: ما ذكره أبو الحسن الأخْفشُ وهو أنَّ قوله "اثْنَتَيْن" يدلُّ على مجرَّد الاثْنَيْنيَّة من غير تقييدٍ بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف، يعني أن الثُّلثين يستحقَّان بمجرَّد هذا العدد من غير اعتبار قيدٍ آخر؛ فصار الكلام بذلك مُفِيداً، وهذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ الألفَ في "كَانَتَا" تدلُّ أيضاً على مجرَّد الاثْنينيَّة من غير قيد بصغير أو كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجع الأمرُ إلى أنَّ الخبر لم يُفِدْ غير ما أفادَهُ المبتدأ، ومنها: ما ذكرَهُ مكي عن الأخْفَشِ أيضاً، وتبعه الزمخشريُّ وغيره؛ وهو الحَمْلُ على معنى "مَنْ"، وتقريرُه ما ذكره الزمخشريُّ؛ قال رحمه الله: "فإن قلت: إلى مَنْ يرجعُ ضميرُ التثنية والجمع في قوله: "فإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، وإنْ كَانُوا إخْوة"؟ قلتُ: أصلُه: فإن كان مَنْ يَرِثُ بالأخُوَّة اثْنتين، وإن كان من يرثُ بالأخوَّة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل: "فإنْ كَانَتَا، وإن كَانُوا" كما قيل: "مَنْ كَانَتْ أمَّكَ"، فكما أنَّث ضمير "مَنْ" لمكان تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجمع ضميرَ مَنْ يرث في "كَانَتَا" و"كَانُوا"؛ لمكانِ تثنية الخبر وجمعه"، وهو جوابٌ حسن. إلا أن أبا حيان اعترضَهُ، فقال: "هذا تخريجٌ لا يَصِحُّ، وليس نظيرَ "مَنْ كانَتْ أمَّكَ"؛ لأنه قد صَرَّح بـ "مَنْ"، ولها لفظٌ ومعنًى، فمن أنَّث، راعى المعنى؛ لأن التقدير: أيةُ أمٍّ كانَتْ أمكَ" ومدلولُ الخبر في هذا مخالفٌ لمدلولِ الاسمِ؛ بخلافِ الآية؛ فإن المدلولَيْنِ واحد، ولم يؤنِّث في "مَنْ كَانَتْ أمكَ"؛ لتأنيث الخبر، إنما أنَّث لمعنى "مَنْ"؛ إذ أراد بها مؤنَّثاً؛ ألا ترى أنك تقول: "مَنْ قَامَتْ"، فتؤنث مراعاة للمعنَى؛ إذ أردْتَ السؤال عن مؤنَّث، ولا خبر هنا؛ فيؤنَّثَ "قَامَتْ" لأجله". انتهى. قال شهاب الدين: وهذا تحاملٌ منه على عادته، والزمخشريُّ وغيره لم يُنْكِرُوا أنه لم يُصَرِّحُ في الآية بلفظ "مَنْ"؛ حتَّى يُفَرِّقَ لهم بهذا الفرقِ الغامِضِ، وهذا التخريجُ المذكورُ هو القولُ الثاني في الألف. والظاهرُ أنَّ الضمير في "كَانَتَا" عائدٌ على الوَارِثَتَيْنِ، و"اثْنَتَيْنِ" خبرُه، و"لَهُ" صفةٌ محذوفة بها حصلتِ المغايرةُ بين الاسْم والخبر، والتقديرُ: فإن كانت الوارثَتَانِ اثنتَيْنِ من الأخَوَاتِ، وهذا جوابٌ حسنٌ، وحذفُ الصفةِ لفهمِ المعنى غيرُ مُنْكَرٍ، وإن كان أقلَّ من عكْسه، ويجوز أن يكون خبرُ "كَانَ" محذوفاً، والألفُ تعودُ على الأختين المدْلُولِ عليهما بقوله: "وَلَهُ أُخْتٌ"؛ كما تقدَّم ذكره عن الأخفش وغيره؛ وحينئذٍ يكونُ قوله: "اثْنَتَيْن" حالاً مؤكِّدة، والتقديرُ: وإنْ كانت الأختانِ له، فحذفَ "لَهُ"، لدلالةِ قوله: "وَلَهُ أُخْتٌ" عليه. فهذه أربعةُ أقوال. فصل أرادَ اثْنَتَيْن فَصَاعِداً، وهو أنَّ من مَاتَ له أخواتٌ فَلَهُنَّ الثُلُثَانِ. قوله تعالى: {وَإِن كَانُوۤاْ} في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على معنى "مَنْ" المقدرة، تقديرُه: "فإنْ كَانَ مَنْ يَرِثُ إخْوَة"؛ كما تقدَّم تقريره عن الزمخشريِّ وغيره. الثاني: أنه يعود على الإخْوَة، ويكون قد أفاد الخبر بالتفصيل؛ فإنَّ الإخوة يشمل الذُّكُورَ والإنَاثَ، وإن كان ظاهراً في الذكور خاصَّة، فقد أفاد الخبر ما لم يُفِدْه الاسم، وإن عاد على الوارث، فقد أفاد ما لم يُفِدْه الاسم إفادةً واضحةً، وهذا هو الوجهُ الثالثُ، وقوله: "فَلِلذَّكَرِ"، أي: منهم، فحُذِفَ لدلالةِ المعنَى عليه. فصل هذه الآيةُ دَالَّةٌ على أنّ الأخْتَ المَذْكُورة لَيْسَت هي الأخْت للأمِّ. رُوِي أن الصِّديق - رضي الله عنه - قال في خُطْبَتهِ: ألا إنّ الآية الَّتِي أنْزَلَهَا الله - تعالى - في سُورة النِّسَاء في الفَرَائِض؛ فأولها: في الوَلَدِ والوَالِدِ، وثانيها: في الزَّوْج والزَّوْجَة والإخْوَة من الأمِّ، والآية التي ختم بها السُّورة في الإخْوَة والأخَوَاتِ، والآيَةُ التي خَتَم بها في سُورة الأنْفَالِ أنْزَلَها في أولي الأرْحَامِ. قوله - تعالى -: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرها: أن مفعول البيان محذوفٌ، و"أن تَضِلُّوا" مفعولٌ من أجله؛ على حذفِ مضاف، تقديره: يُبَيِّنُ اللَّهُ أمْرَ الكلالةِ كراهة أنْ تَضِلُّوا فيها، أي: في حُكْمِهَا، وهذا تقديرُ المبرِّد. والثاني - قول الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين -: أنَّ "لا" محذوفةٌ بعد "أنْ"، والتقدير: لئلاَّ تَضِلُّوا، قالوا: وحذفُ "لا" شائعٌ ذائعٌ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 1912- رَأيْنَا مَا رَأى البُصَراءُ فِيهَا فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أنْ تُبَاعَا تفسير : أي: ألاَّ تُبَاعَ، وقال أبو إسحاق الزَّجاج: "هو مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} تفسير : [فاطر: 41] أي: لئلا تَزُولا، وقال أبو عبيد: "رَوَيْتُ للكسائيِّ حديث ابن عُمَر وهو: "حديث : لا يَدْعُونَّ أحدُكُمْ على وَلَدِهِ أن وَافَقَ مِنَ الله إجَابَة" تفسير : فاستحسنه، أي: لئلاَّ يوافق. قال النَّحَّاس: المعنى عند أبي عُبَيْد: لئلا يُوافِق من اللَّه إجابة، وهذا القَوْلُ عند البصريِّين خطأ؛ لأنهم لا يُجِيزُون إضْمَار "لا"، والمعنى عندهُم: يبيِّن الله لَكُم كرَاهَة أنْ تَضِلُّوا، ثم حذف؛ كما قال: {أية : [وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ]} تفسير : [يوسف: 82]، وكذا معنى الحديث، أي كَراهَة أن يُوافِقَ من اللَّه إجَابَة. ورجَّح الفارسيُّ قول المبرِّد؛ بأنَّ حذفَ المضاف أشيعُ من حذف "لا" النافية. الثالث: أنه مفعول "يُبَيِّنُ"، والمعنى: يبيِّن الله لكُمُ الضلالة، فتجتنبونَها؛ لأنه إذا بيَّن الشر اجتُنِبَ، وإذا بيَّن الخيرَ ارتُكِب. فصل اعلم أن في هذه السُّورَة [الشَّرِيفَة] لَطِيفَة عَجِيبة، وهي أن أوَّلَها مشتمل على بيان كمال قُدْرَة الله - تعالى -؛ لقوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [النساء: 1] وهذا دَالٌّ على سِعَة القُدْرَة، وآخِرَهَا مُشْتَمِلٌ على بيان كَمَالِ العِلْمِ، وهو قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وهذا الوَصْفَان؛ أعني: العِلْم والقُدْرَة بهما تثبت الرُّبُوبِيَّة والإلهِيَّة والجلال والعِزَّة، وبهما يَجب على العَبْد أن يكُون مُطِيعاً للأوامر والنَّواهِي، مُنقَاداً للتَّكَالِيف. رُوِي عن البَرَاء [بن عَازِب] قال: آخِرُ سُورَة [نَزَلت] كَامِلَة {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 1] وآخر آية نزلت، آخر سُورة النِّسَاءِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}. وروي [عن] ابن عباس؛ [أنَّ] آخِر آية نزلت آية الرِّبَا، وآخر سُورة نزلت: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1]. ورُوي بعدمَا نَزَلَتْ سُورة "النصْر" عاشَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَهَا سِتَّة أشْهُر، ثم نَزَلَتْ في طَرِيق حجَّة الوداع: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} فسمِّيت آية الصَّيْف، لأنها نَزَلَتْ في الصَّيْف، ثم نَزَلَتْ وهو وَاقِفٌ بعَرَفَات: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً]} تفسير : [المائدة: 3]، فعاش بَعْدَها إحْدَى وعِشْرِين يوماً. عن أبيٍّ قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ النِّساء فَكَأنَّمَا تَصَدَّقَ على كلِّ مَنْ وَرِثَ مِيرَاثاً، وأعْطِي مِنَ الأجْرِ كَمَنِ اشْتَرى مُحرّراً، وبَرِىء مِنَ الشِّرْكِ، وَكَانَ في مَشِيَئةِ اللَّهِ - تعالى - مِنَ الَّذِين يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب عليَّ فعقلت، فقلت إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض". وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جابر قال "أنزلت فيَّ {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} . وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عمر. أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة؟ فأنزل الله {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة..} إلى آخرها. فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته فقال: أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها؟ فكان عمر يقول ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ". وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس "أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فسألته، فأملاها عليها في كتف، وقال: من أمرك بهذا، أعمر..؟ ما أراه يقيمها، أو ما تكفيه آية الصيف؟ قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء {أية : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} تفسير : [النساء: 12] فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآية التي في خاتمة النساء". وأخرج مالك ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال: "حديث : ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي عن البراء بن عازب قال "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟ فقال: تكفيك آية الصيف ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟ فقال: "أما سمعت الآية التي أنزلت في الصيف {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} فمن لم يترك ولداً ولا والداً فورثته كلالة" تفسير : . وأخرجه الحاكم موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن عمر قال: "ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه. الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". وأخرج أحمد حديث : عن عمر قال "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: تكفيك آية الصيف"تفسير : ، فلأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها أحب إليّ من أن يكون لي حمر النعم. وأخرج عبد الرزاق والعدني وابن المنذر والحاكم عن عمر قال "لأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحب إليَّ من حمر النعم: عن الخليفة بعده، وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة من أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة". وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والعدني وابن ماجه والساجي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن عمر قال: "ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنهنَّ لنا أحب إليّ من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا". وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل يستفتيه في الكلالة أنبئني يا رسول الله أكلالة الرجل يريد إخوته من أبيه وأمه؟ فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، غير أنه قرأ عليه آية الكلالة التي في سورة النساء، ثم عاد الرجل يسأله، فكلما سأله قرأها حتى أكثر وصخب الرجل، واشتد صخبه من حرصه على أن يبيِّن له النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه الآية، ثم قال له: إني والله لا أزيدك على ما أعطيت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له. وأخرج ابن جرير عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب. إن عمر كتب في الجد والكلالة كتاباً فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت أن فيه خيراً فامضه، حتى إذا طعن دعا بالكتاب فمحا ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتاباً، وكنت أستخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد عن ابن عباس قال: أنا أوّل من أتى عمر حين طعن فقال: احفظ عني ثلاثاً فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة، ولم أستخلف على الناس خليفة، وكل مملوك له عتيق. وأخرج أحمد عن عمرو القاري "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد وهو وجع مغلوب، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي أو أتصدَّق به؟ قال: لا. قال: أفأوصي بثلثيه؟ قال: لا. قال: أفأوصي بشطره؟ قال: لا. قال: أفأوصي بثلثه؟ قال: نعم، وذاك كثير ". تفسير : وأخرج ابن سعد والنسائي وابن جرير والبيهقي في سننه حديث : عن جابر قال: اشتكيت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ، فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواني بالثلث؟ قال: أحسن. قلت: بالشطر؟ قال: أحسن، ثم خرج، ثم دخل علي فقال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيَّن ما لأخواتك وهو الثلثان، تفسير : فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية في {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}. وأخرج العدني والبزار في مسنديهما وأبو الشيخ في الفرائض بسند صحيح عن حذيفة قال "نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو بحذيفة فلقاه إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاه إياه، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيتك كما لقاني - والله - لا أزيدك على ذلك شيئاً أبداً". وأخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة؟ فقال: "ما خلا الولد والوالد" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي وابن جرير عن أبي الخير. أن رجلاً سأل عقبة بن عامر عن الكلالة؟ فقال: ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة؟!. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإذا كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء، أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر قال: الكلالة ما عدا الولد، فلما طعن عمر قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر الصديق. أنه قال: من مات ليس له ولد ولا والد فورثته كلالة، فضج منه علي ثم رجع إلى قوله. وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شرحبيل قال: ما رأيتهم إلا قد تواطأوا، إن الكلالة من لا ولد له ولا والد. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق الحسن بن محمد بن الحنفية قال: سألت ابن عباس عن الكلالة قال: هو ما عدا الوالد والولد. فقلت له {إن امرؤ هلك ليس له ولد} فغضب وانتهرني. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الكلالة. من لم يترك ولداً ولا والداً. وأخرج ابن أبي شيبة عن السميط قال: كان عمر يقول: الكلالة: ما خلا الولد والوالد. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: الكلالة ما كان سوى الوالد والولد من الورثة، إخوة أو غيرهم من العصبة. كذلك قال: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن عباس قال: الكلالة. الميت نفسه. وأخرج ابن جرير عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال:حديث : قال عمر بن الخطاب "ما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما نازعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما نازعته في آية الكلالة، حتى ضرب صدري فقال: يكفيك منها آية الصيف {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ، هو ما خلا الرب". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال: نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه، فلما استخلف عمر سأل عنها حذيفة ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن أمارتك تحملني أن أحدثك ما لم أحدثك يومئذ، فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله. وأخرج ابن جرير عن عمر قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من أن يكون لي جزية قصور الشام. وأخرج ابن جرير حديث : عن الحسن بن مسروق عن أبيه قال: سألت عمر وهو يخطب الناس عن ذي قرابة لي ورث كلالة، فقال: الكلالة الكلالة الكلالة، وأخذ بلحيته ثم قال: والله لأن أعلمها أحب إليَّ من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف؟" تفسير : فأعادها ثلاث مرات. وأخرج ابن جرير عن أبي سلمة قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: "ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف {وإن كان رجل يورث كلالة} [النساء: 12] إلى آخر الآية". تفسير : وأخرج أحمد بسند جيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم؟ فأعطى الزوج النصف، والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك. وأخرج عبد الرزاق والبخاري والحاكم عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنة وأخت للإبنة النصف، وللأخت النصف. وأخرج عبد الرزاق والبخاري والحاكم والبيهقي عن هزيل بن شرحبيل. أن أبا موسى الأشعري سئل عن ابنة، وابنة ابن، وأخت لأبوين؟ فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، اقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الإبن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل توفي وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال: للبنت النصف، وليس للأخت شيء، وما بقي فلعصبته فقيل: إن عمر جعل للأخت النصف. فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟ قال الله {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فنصف ما ترك} فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد. وأخرج ابن المنذر والحاكم عن ابن عباس قال: شيء لا تجدونه في كتاب الله، ولا في قضاء رسول الله، وتجدونه في الناس كلهم، للابنة النصف، وللأخت النصف، وقد قال الله {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك}. وأخرج الشيخان عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأول رجل ذكر ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {يستفتونك} قال: سألوا نبي الله عن الكلالة {يبين الله لكم أن تضلوا} قال في شأن المواريث. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة (براءة) وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} . وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والبيهقي في سننه عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلت في سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة. وأخرج الطبراني في الصغير عن أبي سعيد "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً إلى قباء يستخير في العمة والخالة، فأنزل الله لا ميراث لهما". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب إذا قرأ {يبيِّن الله لكم أن تضلوا} قال: اللهم من بيِّنت له الكلالة فلم تتبيَّن لي. وأخرج أحمد عن عمرو القاري "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد وهو وجع وغلوب، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي أو أتصدَّق به؟ قال: لا. قال: أفأوصي بثلثيه؟ قال: لا. قال: أفأوصي بشطره؟ قال: لا. قال: أفاوصي بثلثه؟ قال: نعم، وذاك كثير ". تفسير : وأخرج الطبراني عن خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت كتب لمعاوية رسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبدالله معاوية أمير المؤمنين من زيد بن ثابت، سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك كتبت تسألني عن ميراث الجد والإخوة، وإن الكلالة وكثيراً مما قضى به في هذه المواريث لا يعلم مبلغها إلا الله، وقد كنا نحضر من ذلك أموراً عند الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعينا منها ما شئنا أن نعي، فنحن نفتي بعد من استفتاناً في المواريث. والله أعلم.
القشيري
تفسير : قطع الخصومة بينهم في قسمة الميراث فيما أظهر لهم من النصِّ على الحكم، فإن المال محبَّبٌ إلى الإنسان، وجُبِلَت النفوس على الشحِّ؛ فلو لم ينص على مقادير الاستحقاق (لقابلة الأشباه) في الاجتهاد، فكان يؤدي ذلك إلى التجاذب والتواثب؛ فَحَسَمَ تلك الجملة بما نصَّ على المقادير في الميراث قطعاً للخصام. ولتوريثه للنسوان - وإن لم يوجد منهن الذبُّ عن العشيرة - دلالة على النظر لضعفهن. وفي تفضيل الذكور عليهن لِمَا عليهم مِنْ حَمْلِ المؤن وكذا السعي في تحصيل المال، والقيام عليهن.
اسماعيل حقي
تفسير : {يستفتونك} اى يطلبون منك الفتوى فى حق الكلالة {قل الله يفتيكم فى الكلالة} الافتاء تبيين المبهم وتوضيح المشكل. والكلالة فى مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الاعياء استعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها فى الاضافة الى قرابتهما وتطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين والمراد هنا الثانى اى الذى مات ولم يرثه احد من الوالدين ولا احد من الاولاد لما روى ان جابر بن عبد الله كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى كلالة اى لا يخلفنى ولد ولا والد فكيف اصنع فى مالى فنزلت {ان امرؤ هلك} استئناف مبين للفتيا وارتفع امرؤ بفعل يفسره المذكور وقوله {ليس له ولد} صفة له اى ان هلك امرؤ غير ذى ولد ذكرا كان او انثى {وله اخت} عطف على قوله تعالى ليس له ولد او حال والمراد بالاخت من ليست لام فقط فان فرضها السدس فقط {فلها نصف ما ترك} اى بالفرض والباقى للعصبة اولها بالرد ان لم يكن له عصبة {وهو} اى المرؤ المفروض {يرثها} اى اخته المفروضة ان فرض هلاكها مع بقائه {ان لم يكن لها ولد} ذكرا كان او انثى فالمراد بارثه لها احراز جميع مالها اذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا ارثه لها فى الجملة فانه يتحقق مع وجود بنتها {فان كانتا اثنتين} عطف على الشرطية الاولى اى اثنتين فصاعدا {فلهما الثلثان مما ترك} الضمير لمن يرث بالاخوة والتأنيث والتثنية باعتبار المعنى وفائدة الاخبار عنه باثنتين مع دلالة الف التثنية على الاثنينية التنبيه على ان المعتبر فى اختلاف الحكم هو العدد دون الصغر والكبر وغيرهما {وان كانوا} اى من يرث بطريق الاخوة {اخوة} اى مختلطة {رجالا ونساء} بدل من اخوة والاصل وان كانوا اخوة واخوات فغلب المذكر على المؤنث {فللذكر} منهم {مثل حظ الانثيين} يقسمون التركة على طريقة التعصيب وهذا آخر ما نزل فى كتاب الله من الاحكام ـ روى ـ ان الصديق رضى الله عنه قال فى خطبته ان الآية التى انزلها الله تعالى فى سورة النساء فى الفرائض اولها فى الولد والوالد وثانيها فى الزوج والزوجة والاخوة من الام والآية التى ختم بها السورة فى الاخت لابوين او لاب والآية التى ختم بها سورة الانفال انزلها فى اولى الارحام {يبين الله لكم} اى حكم الكلالة او احكامه وشرائعه التى من جملتها حكمها {ان تضلوا} اى كراهة ان تضلوا فى ذلك فهو مفعول لاجله على حذف المضاف وهو اشيع من حذف لا النافية بتقدير لئلا تضلوا {والله بكل شىء} من الاشياء التى من جملتها احوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم {عليم} مبالغ فى العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم. والاشارة فى الآية ان الله تعالى لم يكل بيان قسمة التركات الى النبى صلى الله عليه وسلم مع انه تعالى وكل بيان اركان الاسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج اليه واحكام الشريعة وقال {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : [الحشر: 7]. وولاه بيان القرآن العظيم وقال {أية : لتبين للناس ما نزل اليهم} تفسير : [النمل: 44]. وتولى قسمة التركات بنفسه تعالى كما قال عليه السلام "حديث : ان الله لم يرض بملك مقرب ولا نبى مرسل حتى تولى قسمة التركات واعطى كل ذى حق حقه ألا فلا وصية لوارث " .تفسير : وانما لم يوله قسمة التركات لان الدنيا مزينة للناس والمال محبوب الى الطباع وجبلت النفس على الشح فلو لم ينص الله تعالى على مقادير الاستحقاق وكان القسم موكولا الى النبى عليه السلام لكان الشيطان اوقع فى بعض النفوس كراهة النبى عليه الصلاة والسلام لذلك فيكون كفرا لقوله عليه السلام "حديث : لا يكون احدكم مؤمنا حتى اكون احب اليه من نفسه وماله وولده والناس اجمعين" حديث : كما اوقع فى نفوس بعض شبان الانصار يوم حنين اذ افاء الله على رسوله اموال هوازن فطفق النبى عليه السلام يعطى رجالا من قريش المائة من الابل كل رجل منهم فقالوا يغفر الله لرسوله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال انس فحدث رسول الله بمقالتهم فارسل الى الانصار فجمعهم فى قبة من ادم ولم يدع معهم احدا من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله فقال "ما حديث بلغنى عنكم" فقال الانصار اما ذووا رأينا فلم يقولوا شيئاً واما اناس حديثة اسنانهم فقالوا كذا وكذا للذى قالوا فقال النبى صلى الله عليه وسلم "انما اعطى رجالا حديثى عهد بكفر فاؤلفهم" او قال "استألفهم أفلا ترضون ان يذهب الناس بالاموال وترجعوا برسول الله الى رحالكم فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا اجل يا رسول الله قد رضينا" تفسير : فالنبى عليه السلام ازال ما اوقع الشيطان فى نفوسهم بهذا اللطائف فلو كان قسم التركات اليه لكان للشيطان مجال الى آخر الدنيا فى ان يوقع الشر فى نفوس الامة ولم يمكن ازالته من النفوس لتعذر الوصول الى الخلق كلهم فى حال الحياة وبعد الوفاة فتولى الله ذلك لانه بكل شىء عليم ولعباده غفور رحيم شعر : برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست فروماندكانرا برحمت قريب تضرع كنانرا بدعوت مجيب تفسير : فحسم الكلمة بما نص على المقادير فى الميراث فضلا منه وقطعا لمواد الخصومات بين ذوى الارحام ورحمة على النسوان فى التوريث لضعفهن وعجزهن عن الكسب واظهارا لتفضيل الذكور عليهن لنقصان عقلهن ودينهن وتبيانا للمؤمنين لئلا يضلوا بظن السوء بالنبى عليه السلام كما قال {يبين الله لكم ان تضلوا والله بكل شىء عليم} كذا فى التأويلات النجمية على صاحبها النفحات القدسية والبركات القدوسية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {في الكلالة}، يتعلق بيفتيكم، ويستفتونك، فيكون من باب التنازع، وأعمل الثاني على اختيار البصريين، وعمل الأول في الضمير المجرور حذف، أي: يستفتونك فيها، أو عمل الأول وحذف ضمير الثاني، أو يكون يستفتونك مقطوعًا فيوقف عليه، أو حُذف متعلقة لدلالة الجواب عليه، أي: يستفتونك في الكلالة، وهو أظهر، وتقدم تفسير الكلالة، {إن امرؤ هلك}: ارتفع بفعل مضمر عند البصريين، من باب الاشتغال في المرفوع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يستفتونك} في الكلالة، والمستفتِي هو جابر بن عبد الله، كان مريضًا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت، وهي آخر ما نزل من الأحكام. {قل الله يفتيكم في الكلالة}، ثم بيَّن الفتوى فيها فقال: {إن امرؤ هلك ليس له ولد} ولا والد، بل انقطع نسبه من الجهتين، {وله أخت} شقيقة أو لأب {فلها نصف ما ترك} والباقي للعصبة، ولا ميراث لها مع الأب أو الابن، {وهو يرثها} إن ماتت ولم يكن لها ولد ولا والد. فإن استقل فله المال، وإن كان معه ذو سهم أخذ الباقي، {فإن كانتا اثنتين} فأكثر شقائق {فلهما الثلثان مما ترك}، وإن كانت شقيقة مع الأب أخذت الشقيقة النصف، والتي لأب السدس تكملة الثلثين، وإن كانت لأب مع الشقيقتين فلا شيء لها، {وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً} شقائق، مات أخوهم، {فللذكر مثل حظ الأنثيين}، ولا شيء للأخوة لأب من الشقائق. {يُبين الله لكم} الحق، كراهية {أن تضلوا والله بكل شيء عليم}؛ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات. اللهم أحينا حياة طيبة وأمتنا موتة حسنة، في عافية وستر جميل، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين. الإشارة: الكلالة من الأولياء، هو الذي مات ولم يخلف ولدًا يرث حاله، فإن لم تكن له تلاميذ، فإن كان له أخ يقارب حاله، ورثه وقد يرث سره أخته في النسبة، لكن لا تستوجب ذلك كله؛ لحكمة الله تعالى. يشير إليه قوله تعالى: {فلها نصف ما ترك}، وإن ترك إخوة في الشيخ اقتسموا سره كله، كلٌ على قدر صِدقه، والنساء الصادقات شقائق الرجال في نيل أسرار الولاية. وقد تقدم أول السورة أن مدد الشيخ كنهر أو كبحر يصب في القواديس، فإذا انسدت قادوس انتقل ماؤها إلى الأُخرى. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : [النزول]: روى البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة. وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وقال جابر بن عبد الله: نزلت في المدينة وقال ابن سيرين: نزلت في مسير كان فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واصحابه. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال سعيد بن المسيب: سأل عمر النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الكلالة، فقال: اليس قد بين الله ذلك؟ قال: فنزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وقال جابر بن عبد الله: اشتكيت وعندي تسع اخوات لي أو سبع، فدخل عليّ النبي (صلى الله عليه وسلم) فنفخ في وجهي، فافقت. فقلت: يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: حديث : أحسن تفسير : . قلت: الشطر. قال: حديث : احسن تفسير : ، ثم خرج وتركني، ورجع الي فقال: حديث : يا جابر اني لا اراك ميتاً من وجعك هذا، وان الله عز وجل قد أنزل في الذي لاخواتك فجعل لهن الثلثينتفسير : . قال: وكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيّ. وقال قتادة: ان اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) همهم شأن الكلالة، فانزل الله (عز وجل)، فيها هذه الآية. [المعنى]: معنى يستفتونك يسألونك يا محمد ان تفتيهم في الكلالة. وحذف اقتصاراً لما دل الجواب عليه. والاستفتاء والاستقضاء واحد يقال: قاضيته وفاتيته. قال الشاعر: شعر : تعالوا نفاتيكم أأعيا وفقعس إلى المجد أدنى ام عشيرة حاتم تفسير : هكذا انشده الحسين بن علي المغربي. وقد فسرنا معنى الكلالة وذكرنا اختلاف العلماء في ذلك فأغنى عن الاعادة. وقوله: {إن امروء هلك ليس له ولد} قال السدي: معناه مات ليس له ولد ذكر وانثى، {وله أخت} يعني وللميت اخت لأبيه وامه، فلها نصف ما ترك، فان لم يكن أخت لاب وأم،، وكانت اختاً لاب قامت مقامها، والباقي عندنا رد على الاخت سواء كان هناك عصبة، او لم يكن. وقال جميع الفقهاء: إن الباقي للعصبة، وإن لم يكن هناك عصبة، وهم العم وبنو العم، واولاد الاخ. قال فمن قال: الرد على ذوي الارحام، رد على الاخت الباقي وهو اختيار الجبائي، وأكثر اهل العلم. وقال زيد بن ثابت، والشافعي وجماعة: إن الباقي لبيت المال يرثه جميع المسلمين. وقوله: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} يعني إن كانت الأخت هي الميتة، ولها أخ من أب وأم، أو من اب فالمال كله له بلا خلاف إذا لم يكن هناك ولد، سواء كان ولدها ذكراً، أو انثى، فان كان ولدها ذكراً، فالمال له بلا خلاف ويسقط الاخ، وإن كانت بنتاً كان لها النصف بالتسمية بلا خلاف والباقي رد عليها، لانها اقرب دون الأخ، ولأن الله (تعالى) انما قال: {وهو يرثها} يعني الاخ إذا لم يكن لها ولد. والبنت [ولد] بلا خلاف ومن خالف في تسمية البنت ولداً فقد اخطأ. ذكر ذلك البلخي واستدل على ذلك بان قال: لو مات وخلف بنتاً وأبوين إن للابوين الثلث، مع قوله: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد} وإنما أراد الولد الذكر. وهذا الذي ذكره خطأ، لانه خلاف لاهل اللغة. لانه لا خلاف في تسمية البنت بانها ولد، ولانه قال: {يوصيكم الله في أولادكم} ثم فسر الاولاد فقال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} فلو كان الولد لا يقع على الانثى، لكان المال بينهم بالسوية، وذلك خلاف القرآن. على انا نخالف في المسألة التي ذكرها، فنقول للابوين السدسان، وللبنت النصف والباقي رد عليهم على قدر سهامهم، فنجعل الفريضة من خمسة ومن رد الباقي على الأب فانما يرده بالتعصيب، لا لان البنت لا تسمى ولداً، فبان بطلان ما قاله. ومن خالفنا من الفقهاء في مسألة الأخ والبنت، يقول: الباقي للاخ، لقوله (ع): (ما ابقت الفرائض فلا ولي عصبته) ذكر هذا الخبر عندنا ضعيف، لانه أولا خبر واحد. وقد طعن على صحته. ضعفه أصحاب الحديث بما ذكرناه في مسائل الخلاف، وتهذيب الاحكام، وغير ذلك من كتبنا. وما هذه صفته لا يترك له ظاهر القران. وقوله: {فإن كانتا إثنتين} يعني ان كانت الأختان اثنتين، فلهما الثلثان. وهذا لا خلاف فيه والباقي على ما بيناه من الخلاف في الأخت الواحدة. عندنا، رد عليها دون عصبتها، ودون ذوي الأرحام، وإذا كان هناك عصبة، رد الفقهاء الباقي عليهم، وإن لم يكن رد على ذوي الارحام. من قال بذلك فرد على الأختين، لانهما أقرب، ومن لم يقل بذلك رد على بيت المال. فان كانت احدى الاختين لاب وام، والاخرى لاب، فللاخت للاب والام النصف، بلا خلاف. والباقي رد عليها عندنا، لانها تجمع السببين ولا شيء للاخت للاب، لانها انفردت بسبب واحد وعند الفقهاء لها السدس تكملة الثلثين والباقي على ما بيناه من الخلاف، وإن كانوا أخوة رجالا ونساء يعني يكون الورثة أخوة رجالا ونساء للاب، والام، أو للاب فللذكر مثل حظ الانثيين. بلا خلاف فان كان الذكور منهم للاب والام والاناث للاب، انفرد الذكور بجميع المال بلا خلاف. وإن كان الاناث للاب والام والذكور للاب كان للاناث الثلثان ما سمي بلا خلاف والباقي عندنا، رد عليهن لما بيناه من اجتماع السببين لهن. وعند جميع الفقهاء ان الباقي للاخوة من الأب، لانهم عصبة. وقد قلنا ما عندنا في خبر العصبة ويمكن ان يحمل خبر العصبة مع تسليمه على من مات، وخلف زوجاً أو زوجة وأخا لاب وأم، وأخاً للاب أو ابن اخ لاب وأم، أو ابن أخ لأب أو ابن عمّ لاب وامّ، وابن عمّ لاب فان للزوج سهمه المسمى والباقي لمن يجمع كلالة الاب والام دون من يتفرد بكلالة الاب. وقوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} قال الفراء: معناه لئلا تضلوا. قال القطامي: شعر : رأينا ما رأى البصراء فيها فآلينا عليها ان تباعا تفسير : والمعنى الاتباعا. وقال الزجاج والبصريون: لا يجوز إضمار لا. والمعنى يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. وحذف كراهة، لدلالة الكلام عليه. قالوا: وانما جاز الحذف في قوله: {وسل القرية} والمعنى وسل اهل القرية، لانه بقي المضاف فدل على المحذوف. فاما حذف (لا) وهى حرف جاء لمعنى النفي، فلا يجوز، لكن قد تدخل في الكلام مؤكدة وهي لغو كقوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} والمراد لئن يعلم. ومثله قول الشاعر: شعر : وما الوم البيض الا تسخراً إذا راين الشمط القفندرا تفسير : والمعنى وما الوم البيض ان تسخر ومثله قوله: {أية : لا أقسم بهذا البلد }{أية : ولا أقسم بيوم القيامة } تفسير : والمعنى أقسم. ولا يجوز على القياس على ذلك أن تقول: لا أخلف عليك وتريد أخلف عليك، لان (لا) إنما تلغى إذا مضى صدر الكلام على غير النفي، فاذا بنيت الكلام على النفي، فقد نقضت الايجاب وانما جاز الغاء (لا) في اول السورة، لان القرآن كله كالسورة الواحدة ألا ترى أن جواب الشيء فيه يقع وبينهما سور؟ كما قال تعالى جواباً لقوله: {أية : وقالوا يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : فقال: {أية : نون والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون } تفسير : وبينهما سور كثيرة. ذكره الزجاج. وقوله: {إن امرؤ هلك} قال الفراء {هلك} في موضع جزم. ومثله قوله: {أية : وإن واحدٌ من المشركين استجارك } تفسير : ولو كان موضعها يفعل كان جزماً. وقال الزجاج: جاز مع ان تقديم الاسم قبل الفعل، لانّ (ان) لا تعمل في الماضي، ولانها (ام) في الجزاء قال: والتقدير ان هلك امرؤ هلك. وانشد الفراء: شعر : صعدة قد نبتت في حائر اينما الريح تميلها تمل تفسير : فجزم تميلها. وقد حال بينها وبين اينما بالاسم وهو الريح. وقال عمر: سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الكلالة، فقال: حديث : ألم تسمع الآية التي انزلت في الصيف. وفي خبر آخر - تكفيك آية الصيف . تفسير : وقوله: {امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} يمنع أن يكون الاخت ترث مع البنت، لانه شرط في ميراثها عدم الولد. والبنت ولد بلا خلاف بين أهل اللغة. وما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الاخوات مع البنات عصبة خبر واحد، لا يلتفت اليه، لأنه يخالف نص القرآن. وبما قلناه قال ابن عباس، لانه لم يجعل الاخوات مع البنات عصبة. وموضع (ان) في قوله {أن تضلوا} نصب في قول الاكثر، لاتصالها بالفعل وفي قول الكسائي: خفض، لان تقديره عنده لئلا تتولوا، فان قيل: ما وجه قوله: {اثنتين} مع أن قوله: {فإن كانتا} قد دل على الثنتين؟ قيل: يحتمل امرين: احدهما - ان يكون ذلك تاكيداً للمضمر يقول القائل: فعلت أنا. والثاني - ان يبين بذلك ان المطلوب في ذلك العدد، لا غيره من الصفات من صغر او كبر أو عقل أو عدمه، وغير ذلك من الصفات، بل متى جعل العدد ثبت ما ذكره من الميراث. وقوله: {والله بكل شيء عليم} معناه عالم بكل شيء من مصالح عباده في قسمته مواريثهم، وغيرها من جميع الاشياء، لا يخفى عليه شيء من جميعه.
الجنابذي
تفسير : {يَسْتَفْتُونَكَ} اى فى الكلالة والاخوّة وميراثها فانّ المراد بالكلالة هنا الاخوّة {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ} تمام مالها {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ} اى الوارث بالاخوّة {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ} عن الباقر (ع): اذا مات الرّجل وله اخت تأخذ نصف الميراث بالآية كما تأخذ البنت لو كانت والنّصف الباقى يردّ عليها بالرّحم اذا لم يكن للميّت وارث اقرب منها، فان كان موضع الاخت اخ اخذ الميراث كلّه بالآية لقول الله وهو يرثها ان لم يكن لها ولد، فان كانتا اختين اخذتا الثّلثين بالآية والثّلث الباقى بالرّحم، وان كانوا اخوةً رجالاً ونساءاً فللّذكر مثل حظّ الانثيين وذلك كلّه اذا لم يكن للميّت ولد وابوان او زوجة {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ} كراهة {أَن تَضِلُّواْ} او يبيّن الله ضلالكم، او يبيّن الله لئّلا تضلّوا، او يبيّن الله لضلالكم الحاصل فانّه الدّاعى الى البيان حتّى يرتفع {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيشرع لكم بحسب مصالحكم.
الأعقم
تفسير : {يستفتونك} يعني يطلبون منك الفتيا {قل} يا محمد {الله يفتيكم} أي يبين لكم {إن امرؤ هلك ليس له ولد} ولا والد، الحكم في الكلالة قيل: هو سوى الوالد والولد وعليه الأكثر {وله أخت} لأب وأم أو لأب بالاتفاق {فلها نصف ما ترك} من الميراث {وهو يرثها} يعني الأخ من الأب والأم أو من الأب يرث أخته إذا ماتت فإنه يرث جميع المال لأنه عصبة، وعن جابر قال: مرضت فعادني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فلم يجيبني بشيء حتى نزلت الآية، وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في طريق مكة عام حجة الوداع {إن لم يكن لها ولد} أي ابن لأن الإِبن يسقط الأخ دون البنت {فإن كانتا اثنتين} أي كانت الاختين اثنتين {فلهما الثلثان مما ترك} الأخ من التركة {وإن كانوا أخوة رجالاً ونساءً} مجتمعين لأب وأم {فللذكر مثل حظ الأنثيين} سهم للأخت وسهمان للأخ {يبين الله لكم} مواريثكم {أن تضلوا} أي ألا تضلوا، وقيل: أراد بالضلال الجهل {والله بكل شيء عليم} فيعلمكم ما تحتاجون إليه.
اطفيش
تفسير : {يَسْتَفْتُونَكَ}: فى الكلالة بدليل قوله تعالى: {قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ}: فهو من باب الحذف لدليل، أو من التنازع أى يستفتونك فيها. {قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ}: على اعمال الثانى، روى أن جابر بن عبد الله كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى كلالة، فكيف أصنع فى مالى؟ فنزلت الآية، وهى آخر ما نزلت فى الأحكام. وعن ابن عباس: آخر آية نزلت آية الربا فى الأحكام، وآخر سورة نزلت: {أية : إذا جاء نصر الله والفتح }تفسير : وروى أنه بعدما نزلت سورة النصر، عاش الرسول صلى الله عليه وسلم عاما، ونزلت بعدها براءة، وهى آخر سورة نزلت كاملة، عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر، ثم نزلت فى طريق حجة الوداع: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ}، وقيل: نزلت وهو عليه الصلاة والسلام يتجهز لحجة الوداع، فسميت آية الصيف، لأنها نزلت فى الصيف، ثم نزل وهو صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم }تفسير : الى: { أية : دينا} تفسير : فعاش رسول الله بعدها واحدا وثمانين يوما، ثم نزلت آى الربا، ثم نزل: {أية : واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله }تفسير : فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما. وعن ابن سيرين: نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ} والنبى صلى الله عليه وسلم فى مسير له، والى جنبه حذيفة بن اليمانى، فبلغها النبى صلى الله عليه وسلم حذيفة، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب، وهو يسير خلفه، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها فى رجاء أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله انك لعاجز ان ظننت أن أمارتك تحملنى أن أحدثك بما لم أحدثك يومئذ، فقال عمر: لم أر هذا رحمك الله. ومر عن جابر بن عبد الله أنه قال: حديث : مرضت وعندى تسع أخوات فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداننى ماشيين، وأغمى علىَّ فتوضأ النبى صلى الله عليه وسلم ثم صب علىَّ من وضوئه، فأفقت فاذا النبى صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كيف أصنع فى مالى كيف أقضى فى مالى؟ ألا أوصى لأخواتى بالثلثين؟ فقال: حسن. قلت: بالشطر؟ قال: حسن، ثم خرج وتركنى فقال: يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا، ولم يرد لى جوابا حتى نزل قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ} تفسير : أخبر باثنتين ليدل أن الحكم باعتبار العدد لا الصغر ولا الكبر، اذ لم يقل امرأتين أو طفلتين. {إِنِ أمْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}: أى ولا ولدا، لأن الكلالة من لا ولد له، ولا والد، وقوله: {وَلَهُ أُخْتٌ}: شقيقة أو أبويه، لأنه لا ارث مع الولد للأخت والأخ، وجملة ليس له ولد نعت امرؤ أو حال من ضمير هلك، وجملة له أخت معطوفة على ليس له ولد، أو الواو للحال، وصاحبها هاء ليس له ولد، ودل على أنه ليست الأخت من الأم، لأن الأخت من الأم لها السدس أنه جعل آخرها عصبة فى قوله: {وَهُوَ يَرِثُهَآ} والأخ من الأم لا يكون عصبة، والمراد بالولد ما يعم الذكر والأنثى، لأن الأخت لا ترث مع وجود البنت النصف، بل عصبة، وشذ عن ابن عباس أنها لا ترث شيئا مع وجود البنت. {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}: من المال، وان لم يكن عاصب فلها الباقى، وقيل: لبيت المال وهو قول زيد والشافعى. {وَهُوَ}: أى المرء الذى له الأخت المذكورة. {يَرِثُهَا}: يرث مالها كله بالعصبة. {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ}: وان كان لها ابن لم يرث أخوها شيئا، وان كانت لها بنت فلها النصف وله النصف بالعصبة، أو بنتان فصاعدا فلهن الثلثان وله الثلث. {فَإِن كَانَتَا أثْنَتَيْنِ}: الكلام فى ألف كانتا كالكلام فى نون {أية : وان كن نساء }تفسير : أول السورة، وكالاثنتين الثلاث فصاعدا، فانه ان هلك امرؤ وترك أختين اثنتين فصاعدا شقيقتين أو أبويتين صاعدا. {فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ مِمَّا تَرَكَ}: ومثل الضميرين ضمير فى قوله: {وَإِن كَانُوا}: أى أخوة المرء الذى هلك الشقيقيون أو الأبوين. {إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً}: أى من جنس الرجال والنساء كرجل وامرأة، وكرجلين وامرأتين، وكثلاثة رجال وامرأتين، وبالعكس ونحو ذلك من الاتفاق والاختلاف. {فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} ومحل الافتاء لجابر بن عبد الله، وهو قوله تعالى: {فَإِن كَانَتَا أثْنَتَيْن فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ مِمَّا تَرَكَ}. {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُوا}: أى لئلا تضلوا عن الكوفيين، أو كراهة أن تضلوا أو مفعول ليس أى يبين الله لكم ضلالكم أى يبين لكم ما يكون لكم ضلاله ان فعلتموه لئلا تفعلوه. {وَاللهُ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ}: ومنها مصالح عباده فى الميراث ومقاديره وسائر الأحكام. اللهم ببركة هذه السورة اخز النصارى وسائر المشركين، وغلب المسلمين والموحدين عليهم. وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. تمت سورة النساء والحمد الله.
الالوسي
تفسير : {يَسْتَفْتُونَكَ} أي ـ في الكلالة ـ استغنى عن ذكره لوروده في قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} والجار متعلق بـ {يُفْتِيكُمْ}، وقال الكوفيون: بـ {يَسْتَفْتُونَكَ} وضعفه أبو البقاء بأنه لو كان كذلك لقال يفتيكم فيها في الكلالة، وقد مر تفسير الكلالة في مطلع السورة، والآية نزلت في جابر بن عبد الله كما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم وغيره./ وأخرج الشيخان وخلق كثير عنه قال: «حديث : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ثم صب عليّ فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض» تفسير : وهي آخر آية نزلت، فقد أخرج الشيخان. وغيرهما عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء، والمراد من الآيات المتعلقة بالأحكام ـ كما نص على ذلك المحققون، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى ـ وتسمى آية الصيف، أخرج مالك ومسلم حديث : عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «ما سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء»تفسير : . {إِنِ ٱمْرُؤٌاْ هَلَكَ} استئناف مبين للفتيا، وارتفع (امرؤ) بفعل يفسره المذكور على المشهور، وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} صفة له ولا يضر الفصل بالمفسر لأنه تأكيد، وقيل: حال منه، واعترض بأنه نكرة، ومجىء الحال منها خلاف الظاهر إذ المتبادر في الجمل الواقعة بعد النكرات أنها صفات، وقال الحلبـي: يصح كونه حالاً منه؛ و {هَلَكَ} صفة له، وجعله أبو البقاء حالاً من الضمير المستكن في {هَلَكَ}، وقيل عليه: إن المفسر غير مقصود حتى ادعى بعضهم أنه لا ضمير فيه لأنه تفسير لمجرد الفعل بلا ضمير، وإن ردّ بقوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} تفسير : [الإسراء: 100]، وقال أبو حيان: «الذي يقتضيه النظر أن ذلك ممتنع، وذلك لأن المسند إليه في الحقيقة إنما هو الاسم الظاهر المعمول للفعل المحذوف فهو الذي ينبغي أن يكون التقييد له، أما الضمير فإنه في جملة مفسرة لا موضع لها من الإعراب فصارت كالمؤكدة لما سبق، وإذا دار الاتباع والتقييد بين مؤكد ومؤكد فالوجه أن يكون للمؤكد بالفتح إذ هو معتمد الإسناد الأصلي» ووافقه الحلبـي، وقال السفاقسي: الأظهر أن هذا مرجح لا موجب، والمراد من ـ الولد ـ على ما اختاره البعض الذكر لأنه المتبادر ولأن الأخت وإن ورثت مع البنت ـ عند غير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والإمامية ـ لكنها لا ترث النصف بطريق الفرضية، وتعقبه بعض المحققين مختاراً العموم بأنه تخصيص من غير مخصص، والتعليل بأن الابن يسقط الأخت دون البنت ليس بسديد لأن الحكم تعيين النصف، وهذا ثابت عند عدم الابن والبنت غير ثابت عند وجود أحدهما، أما الابن فلأنه يسقط الأخت، وأما البنت فلأنها تصيرها عصبة فلا يتعين لها فرض، نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية فلا حاجة إلى تفسير الولد بالابن لا منطوقاً ولا مفهوماً، وأيضاً الكلام في الكلالة ـ وهو من لا يكون له ولد أصلاً ـ وكذا ما لا يكون له والد إلا أنه اقتصر على عدم ذكر الولد ثقة بظهور الأمر والولد مشترك معنوي في سياق النفي فيعم، فلا بد للتخصيص من مخصص وأنى به؟ فليفهم. وقوله تعالى: {وَلَهُ أُخْتٌ} عطف على {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} ويحتمل الحالية، والمراد بالأخت الأخت من الأبوين والأب لأن الأخت من الأم فرضها السدس، وقد مر بيانه في صدر السورة الكريمة [النساء: 12]. {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} أي بالفرض والباقي للعصبة، أو لها بالردّ إن لم يكن له عصبة، والفاء واقعة في جواب الشرط {وَهُوَ} أي المرء المفروض {يَرِثُهَا} أي أخته المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب؛ وقد سدت ـ كما قال أبو البقاء ـ مسدّ جواب الشرط في قوله تعالى: {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ} ذكراً كان أو أنثى، فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية / لا إرثه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها، والآية كما لم تدل على سقوط الأخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به، وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب إذ صح عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» تفسير : ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة. {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} عطف على الشرطية الأولى، والضمير لمن يرث بالأخوة، وتثنيته محمولة على المعنى وحكم ما فوق الاثنتين كحكمهما، واستشكل الإخبار عن ضمير التثنية بالاثنتين لأن الخبر لا بد أن يفيد غير ما يفيده المبتدأ، ولهذا لا يصح سيد الجارية مالكها، وضمير التثنية دال على الاثنينية فلا يفيد الإخبار عنه بما ذكر شيئاً، وأجيب عن ذلك أن الاثنينية تدل على مجرد التعدد من غير تقييد بكبر أو صغر أو غير ذلك من الأوصاف فكأنه قيل: إنهما يستحقان ما ذكر بمجرد التعدد من غير اعتبار أمر آخر وهذا مفيد، وإليه ذهب الأخفش، ورد بأن ضمير التثنية يدل على ذلك أيضاً فعاد الإشكال، وروى مكي عنه أنه أجاب بأن ذلك حمل على معنى من يرث، وأن الأصل والتقدير إن كان من يرث بالإخوة اثنين، وإن كان من يرث ذكوراً وإناثاً فيما يأتي؛ وإنما قيل: {كَانَتَا} و{كَانُواْ} لمطابقة الخبر كما قيل: من كانت أمك، ورد بأنه غير صحيح وليس نظير المثال، لأنه صرح فيه بمن وله لفظ ومعنى، فمن أنث راعى المعنى وهو الأم ولم يؤنث لمراعاة الخبر، ومدلول الخبر فيه مخالف لمدلول الاسم بخلاف ما نحن فيه فإن مدلولهما واحد. وذكر أبو حيان لتخريج الآية وجهين: «الأول أن ضمير كانتا لا يعود على الأختين بل على الوارثتين، وثم صفة محذوفة لاثنتين، والصفة مع الموصوف هو الخبر، والتقدير: فإن كانتا أي الوارثتان اثنتين من الأخوات [فلهما الثلثان مما ترك] فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيده الاسم، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز، والثاني أن يكون الضمير عائداً على الأختين ـ كما ذكروا ـ ويكون خبر (كان) محذوفاً لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلاً، ويكون {ٱثْنَتَيْنِ} حالاً مؤكدة، والتقدير فإن كانتا أي الأختان له أي للمرء الهالك، ويدل على حذف [الخبر الذي هو] له {وَلَهُ أُخْتٌ}». {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر بقرينة رجالاً ونساءً الواقع بدلاً، وقيل: فيه اكتفاء. {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ} حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي من جملتها حكمها، وإلى هذا ذهب أبو مسلم {أَن تَضِلُّواْ} أي كراهة أن تضلوا في ذلك وهو رأي البصريين وبه صرح المبرد. وذهب الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي {إِن} أي لئلا تضلوا، وقيل: ليس: هناك حذف ولا تقدير وإنما المنسبك مفعول {يُبِينُ} أي يبين لكم ضلالكم، ورجح هذا بأنه من حسن الختام والالتفات إلى أول السورة وهو {أية : يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [النساء: 1] فإنه سبحانه أمرهم بالتقوى وبين لهم ما كانوا عليه في الجاهلية، ولما تم تفصيله قال عز وجل لهم: إني بينت لكم ضلالكم فاتقوني كما أمرتكم فإن الشر إذا عرف اجتنب، والخير إذا عرف ارتكب، واعترض بأن المبين صريحاً هو الحق والضلال يعلم بالمقايسة، فكان الظاهر يبين لكم الحق إلا أن يقال: بيان الحق واضح وبيان الضلال خفي فاحتيج إلى التنبيه عليه، وفيه تأمل، وذكر الجلال السيوطي أن حسن الختام في هذه السورة أنها ختمت بآية الفرائض، وفيها أحكام / الموت الذي هو آخر أمر كل حي وهي أيضاً آخر ما نزل من الأحكام {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء} من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم {عَلِيمٌ} مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا ما اقتضاه استعدادهم {وَصَدُّواْ} ومنعوا غيرهم {عَنْ} سلوك {سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي الطريق الموصلة إليه {أية : قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً} تفسير : [النساء: 167] لحرمانهم أنفسهم وغيرهم عما فيه النجاة {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} منعوا استعدادهم عن حقوقها من الكمال بارتكاب الرذائل {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} لبطلان استعدادهم {أية : وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} تفسير : [النساء: 168] لجهلهم المركب واعتقادهم الفاسد {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} وهي نيران أشواق نفوسهم الخبيثة {أية : وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} تفسير : [النساء: 169] لانجذابهم إليها بالطبيعة {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} نهي لليهود والنصارى عند الكثيرين من ساداتنا، وقد غلا الفريقان في دينهم، أما اليهود فتعمقوا في الظواهر ونفي البواطن فحطوا عيسى عليه السلام عن درجة النبوة والتخلق بأخلاق الله تعالى، وأما النصارى فتعمقوا في البواطن ونفي الظواهر فرفعوا عيسى عليه السلام إلى درجة الألوهية {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} بالجمع بين الظواهر والبواطن والجمع والتفصيل كما هو التوحيد المحمدي {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ} الداعي إليه {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} أي حقيقة من حقائقه الدالة عليه {وَرُوحٌ مّنْهُ} أي أمر قدسي منزه عن سائر النقائص، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن سبب تخصيص عيسى عليه السلام بهذا الوصف أن النافخ له من حيث الصورة الجبريلية هو الحق تعالى لا غيره فكان بذلك روحاً كاملاً مظهراً لاسم الله تعالى صادراً من اسم ذاتي ولم يكن صادراً من الأسماء الفرعية كغيره وما كان بينه وبين الله تعالى وسائط كما في أرواح الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام فإن أرواحهم ـ وإن كانت من حضرة اسم الله تعالى ـ لكنها بتوسط تجليات كثيرة من سائر الحضرات الأسمائية فما سمي عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته إلا لكونه وجد من باطن أحدية جمع الحضرة الإلٰهية ولذلك صدرت منه الأفعال الخاصة بالله تعالى من إحياء الموتى وخلق الطير وتأثيره في الجنس العالي والجنس الدون، وكانت دعوته عليه السلام إلى الباطن والعالم القدسي فإن الكلمة إنما هي من باطن اسم الله تعالى وهويته الغيبية، ولذلك طهر الله تعالى جسمه من الأقذار الطبيعية لأنه روح متجسدة في بدن مثالي روحاني إلى آخر ما ذكره الإمام الشعراني في «الجواهر والدرر» {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بالجمع والتفصيل {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ} لأن ذلك ينافي التوحيد الحقيقي، وعيسى عليه السلام في الحقيقة فان وجوده بوجود الله تعالى وحياته عليه السلام بحياته جل شأنه وعلمه عليه السلام بعلمه سبحانه {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} وهو الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق {سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أي أنزهه عن أن يكون موجود غيره متولد منه مجالس له في الوجود {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النساء: 171] أي ما في سموات الأرواح وأرض الأجساد لأنها مظاهر أسمائه وصفاته عز شأنه {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} في مقام التفصيل إذ كل ما ظهر فهو ممكن والممكن لا وجود له بنفسه فيكون عبداً محتاجاً ذليلاً مفتقراً غير مستنكف عن ذلة العبودية {وَلاَ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} الذين هم أرواح مجردة وأنوار قدسية محضة، وأما في مقام الجمع فلا عيسى ولا ملك ولا قرب ولا بعد ولا ولا... {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ} بظهور أنانيته {وَيَسْتَكْبِرْ} بطغيانه في الظهور بصفاته {أية : فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 172] / بظهور نور وجهه وتجليه بصفة القهر حتى يفنوا بالكلية في عين الجمع {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الإيمان الحقيقي بمحو الصفات وطمس الذات {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} وراعوا تفاصيل الصفات وتجلياتها {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ} من جنات صفاته {وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ} بالوجود الموهب لهم بعد الفناء {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ} وأظهروا الأنانية {وَٱسْتَكْبَرُواْ} وطغوا فقال قائلهم: أنا ربكم الأعلى مع رؤيته نفسه {أية : فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً} تفسير : [النساء: 173] باحتجابهم وحرمانهم {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ} وهو التوحيد الذاتي {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] وهو التفصيل في عين الجمع؛ فالأول: إشارة إلى القرآن، والثاني: إلى الفرقان {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ} ولم يلتفتوا إلى الأغيار من حيث أنها أغيار {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ} وهي جنات الأفعال {وَفَضْلٍ} وهو جنات الصفات {أية : وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} تفسير : [النساء: 175] وهو الفناء في الذات، أو ـ الرحمة ـ جنات الصفات، و ـ الفضل ـ جنات الذات؛ و ـ الهداية إليه صراطاً مستقيماً ـ الاستقامة على الوحدة في تفاصيل الكثرة، ولا حجر على أرباب الذوق، فكتاب الله تعالى بحر لا تنزفه الدلاء، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ونسأله التوفيق لفهم كلامه، وشرح صدورنا بعوائد إحسانه وموائد إنعامه لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.
سيد قطب
تفسير : وهكذا تختم السورة التي بدأت بعلاقات الأسرة، وتكافلها الاجتماعي؛ وتضمنت الكثير من التنظيمات الاجتماعية في ثناياها.. تختم بتكملة أحكام الكلالة - وهي على قول أبي بكر رضي الله عنه وهو قول الجماعة: ما ليس فيها ولد ولا والد. وقد ورد شطر هذه الأحكام في أول السورة. وهو الشطر المتعلق بوراثة الكلالة من جهة الرحم حين لا توجد عصبة. وقد كان نصه هناك: {أية : وإن كان رجل يورث كلالة - أو امرأة - وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث - من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار - وصية من الله، والله عليم حليم }.. تفسير : فالآن يستكمل الشطر الآخر في وراثة الكلالة.. فإن كانت للمتوفى، الذي لا ولد له ولا والد، أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف ما ترك أخوها. وهو يرث تركتها - بعد أصحاب الفروض - إن لم يكن لها ولد ولا والد كذلك. فإن كانتا أختين شقيقتين أو لأب فلهما الثلثان مما ترك. وإن تعدد الإخوة والأخوات فللذكر مثل حظ الأنثيين - حسب القاعدة العامة في الميراث - والإخوة والأخوات الأشقاء يحجبون الإخوة والأخوات لأب حين يجتمعون. وتختم آية الميراث، وتختم معها السورة، بذلك التعقيب القرآني الذي يرد الأمور كلها لله، ويربط تنظيم الحقوق والواجبات، والأموال وغير الأموال بشريعة الله: {يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم}.. صيغة جامعة شاملة {بكل شيء} من الميراث وغير الميراث. من علاقات الأسر وعلاقات الجماعات. من الأحكام والتشريعات.. فإما اتباع بيان الله في كل شيء، وإما الضلال.. طريقان اثنان لحياة الناس لا ثالث لهما: طريق بيان الله فهو الهدى. وطريق من عداه فهو الضلال. وصدق الله: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
ابن عاشور
تفسير : لا مناسبة بين هذه الآية وبين اللاّتي قبلها، فوقوعها عقبها لا يكون إلاّ لأجْل نزولها عقب نزول ما تقدّمها من هذه السورة مع مناسبتها لآية الكلالة السابقة في أثناء ذكر الفرائض؛ لأنّ في هذه الآية بياناً لحقيقة الكلالة أشار إليه قوله تعالى: {ليس له ولد}، وقد تقدّم في أوّل السّورة أنَّه ألحق بالكلالة المالك الّذي ليس له والد، وهو قول الجمهور ومالك بن أنس. فحكُم الكلالة قد بيّن بعضه في آية أول هذه السورة، ثمّ إنّ النّاس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صورة أخرى من صور الكلالة. وثبت في الصحيح أنّ الذي سأله هو جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله وأبُو بكر ماشيين في بني سَلِمة فوجداني مغمى عليّ فتوضّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبّ عليّ وَضوءه فأفقتُ وقلت: كيف أصنع في مالي فإنَّما يرثني كلالة. فنزل قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية. وقد قيل: إنّها نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متجهّز لحجّة الوداع في قضية جابر بن عبد الله. فضمير الجماعة في قوله: {يستفتونك} غير مقصود به جمع، بل أريد به جنس السائلين، على نحو: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً» وهذا كثير في الكلام. ويجوز أن يكون السؤال قد تكرّر وكان آخرُ السائلين جابرَ بن عبد الله فتأخّر الجواب لمن سأل قبله، وعُجّل البيان له لأنّه وقتُ الحاجة لأنّه كان يظنّ نفسه ميّتاً من ذلك المرض وأراد أن يوصي بماله، فيكون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة. والتعبير بصيغة المضارع في مادة السؤال طريقة مشهورة، نحو: {أية : يسألونك عن الأهلّة}تفسير : [البقرة: 189]، {أية : ويسألونك ماذا ينفقون}تفسير : [البقرة: 219]. لأنّ شأن السؤال يتكرّر، فشاع إيراده بصيغة المضارع، وقد يغلب استعمال بعض صيغ الفعل في بعض المواقع، ومنه غلبة استعمال المضارع في الدعاء في مقام الإنكار: كقول عائشة «يرحم الله أبا عبد الرحمن» (تعني ابن عمر). وقولهم: «يغفر الله له». ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء إذا لم تكرّر لا؛ نحو «فَلا رَجَع». على أنّ الكلالة قد تكرّر فيها السؤال قبل نزول الآية وبعدها. " حديث : وقد قال عمر بن الخطّاب: ما راجعتُ رسول الله في شيء مراجعتي إيَّاه في الكلالة، وما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها حتّى طعن في نحري، وقال: "يكفيك آية الصيف الّتي في آخر سورة النساء"" تفسير : وقوله: {في الكلالة} يتنازعه في التعلّق كلّ من فعل (يستفتونك) وفعل (يفتيكم). وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف، وعُرِفت بذلك، كما عُرفت آية الكلالة التي في أوّل السورة بآية الشتاء، وهذا يدلّنا على أنّ سورة النّساء نزلت في مدّة متفرّقة من الشتاء إلى الصيف وقد تقدّم هذا في افتتاح السورة. وقد روي: أنّ هذه الآية في الكلالة نزلت في طريق حجّة الوداع، ولا يصحّ ذلك لأنّ حجّة الوداع كانت في زمن البرد لأنّه لا شكّ أنّ غزوة تبوك وقعت في وقت الحرّ حين طابت الثّمار، والنّاس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، وذلك يقتضي أن تكون غزوة تبوك في نحو شهر أغسطس أو اشتنبر وهو وقت طيب البسر والرطب، وكانت سنة تسع وكانت في رجب ونزل فيها قوله تعالى: {أية : وقالوا لا تَنفِروا في الحرّ}تفسير : [التوبة: 81]. ثم كانت حجّة أبي بكر في ذي القعدة من تلك السنة، سنة تسع، وذلك يوافق دجنبر. وكان حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع في ذي الحجّة من سنة عشر فيوافق نحو شهر دجنبر أيضاً. وعن عمر بن الخطّاب: أنَّه خطب فقال: «ثلاث لو بيَّنَها رسول الله لكان أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الجَدّ. والكلالةُ، وأبوابُ الرّبا». وفي رواية والخِلافة. وخطب أيضاً فقال: والله إنّي ما أدع بعدي شيئاً هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة. وقال في مجمع من الصحابة: لأقضينّ في الكلالة قضاء تتحدّث به النّساء في خدورها. وأنّه كتب كتاباً في ذلك فمكث يستخير الله فيه، فلمّا طعن دعا بالكتاب فمحاه. وليس تحيّر عمر في أمر الكلالة بتحيْر في فهم ما ذكره الله تعالى في كتابه ولكنّه في اندراج ما لم يذكره القرآن تحت ما ذكره بالقياس. وقد ذكر القرآن الكلالة في أربع آيات: آيتَيْ هذه السورة المذكور فيها لفظ الكلالة، وآية في أوّل هذه السورة وهي قوله: {أية : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث}تفسير : [النساء: 11]. وآية آخر الأنفال (75) وهي قوله: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} تفسير : في كتاب الله عند من رأى توارث ذوي الأرحام. ولا شكّ أنّ كلّ فريضة ليس فيها ولد ولا والد فهي كلالة بالاتّفاق، فأمّا الفريضة التي ليس فيها ولد وفيها والد فالجمهور أنَّها ليست بكلالة. وقال بعض المتقدّمين: هي كلالة. وأمَره بأن يجيب بقوله: {الله يفتيكم} للتنويه بشأن الفريضة، فتقديم المسند إليه للاهتمام لا للقصر، إذ قد علم المستفتون أنّ الرسول لا ينطق إلاّ عن وحي، فهي لمّا استفتوه فإنّما طلبوا حكم الله، فإسناد الإفتاء إلى الله تنويه بهذه الفريضة. والمراد بالأخت هنا الأخت الشقيقة أو الَّتي للأب في عدم الشقيقة بقرينة مخالفة نصيبها لنصيب الأخت للأمّ المقصودة في آية الكلالة الأولى، وبقرينة قوله: {وهو يرثها} لأنّ الأخ للأمّ لا يرث جميع المال إن لم يكن لأخته للأمّ ولد إذ ليس له إلاّ السدس. وقوله: {إن امرؤ هلك} تقديره: إن هلك امرؤ، فامرؤ مخبَر عنه بــ (هلَكَ) في سياق الشرط، وليس (هَلَك) بوصف لــ (امرؤ) فلذلك كان الامرؤ المفروض هنا جنساً عامّاً. وقوله: {وهو يرثها} يعود الضمير فيه على لفظ (امرؤ) الواقع في سياق الشرط، المفيد للعموم: ذلك أنَّه وقع في سياق الشرط لفظ (امرؤ) ولفظ (أخ) أو (أخت)، وكلّها نكرات واقعة في سياق الشرط، فهي عامّة مقصود منها أجناس مدلولاتها، وليس مقصوداً بها شخص معيّن قد هلك، ولا أخت معيّنة قد ورثت، فلمّا قال {وهو يرثها} كان الضمير المرفوع راجعاً إلى (امرؤ) لا إلى شخص معيّن قَد هلك، إذ ليس لمفهوم اللفظ هنا فرد معيّن فلا يشكل عليك بأنّ قوله: {امرؤ هلك} يتأكّد بقوله: {وهو يرثها} إذ كيف يصير الهالك وارثاً. وأيضاً كان الضمير المنصوب في «يرثها» عائداً إلى مفهوم لفظ أخت لا إلى أخت معيّنة، إذ ليس لمفهوم اللّفظ هنا فرد معيّن، وعلم من قوله: {يرثها} أنّ الأخت إن توفّيت ولا ولد لها يرثها أخوها، والأخ هو الوارث في هذه الصورة، وهي عكس التي قبلها. فالتقدير: ويرث الأختَ امرؤ إن هلكت أخته ولم يكن لها ولد. وعلم معنى الإخوة من قوله: {وله أخت}، وهذا إيجاز بديع، ومَع غاية إيجازه فهو في غاية الوضوح، فلا يشكل بأنّ الأخت كانت وارثة لأخيها فكيف عاد عليها الضمير بأن يرثها أخوها الموروث، وتصير هي موروثة، لأنّ هذا لا يفرضه عالم بالعربية، وأنَّما يُتوهّم ذلك لو وقع الهلك وصفاً لامرىء؛ بأن قيل: المرء الهالك يرثه وارثه وهو يرث وارثه إن مَات وارثه قبله. والفرق بين الاستعمالين رشيق في العربية. وقوله: {يبيّن الله لكم أن تضلّوا} امتنان، و{أن تضلّوا} تعليل لــ (يبيّنُ) حذفت منه اللام، وحذفُ الجار مع (أن) شائع. والمقصود التعليل بنفي الضلال لا لوقوعه؛ لأنّ البيان ينافي التضليل، فحُذفت لا النافية، وحذفها مَوجود في مواقع من كلامهم إذا اتّضح المعنى، كما ورد مع فعل القسم في نحو:شعر : فآليْنَا علَيها أنْ تُبَاعا تفسير : أي أن لا تباع، وقوله:شعر : آليتُ حَبّ العِراق الدهرَ أطْعَمُه تفسير : وهذا كقول عمرو بن كلثوم:شعر : نَزلتم منزل الأضياف منّا فعجَّلنا القِرى أنْ تشتمونا تفسير : أي أن لا تشتمونا بالبخل، وهذا تأويل الكوفيين، وتأوّل البَصريون الآية والبيت ونظائرهما على تقدير مضاف يدلّ عليه السياق هو المفعول لأجله، أي كراهة أن تضلّوا، وبذلك قدّرها في «الكشاف». وقد جعل بعض المفسّرين {أن تضلّوا} مفعولاً به لــ(يبيّن) وقال: المعنى أنّ الله فيما بيّنه من الفرائض قد بيّن لكم ضَلالكم الذي كنتم عليه في الجاهلية، وهذا بعيد؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالاً قبل مجيء الشريعة، لأنّ قسمة المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة حسن وقبيح بيّنه إلاّ إذا كان فيها حرمَان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرّة، ولأنّ المصدر مع (أن) يتعيّن أن يكون بمعنى المستقبل، فكيف يصحّ أن يراد بــ{أن تضلّوا} ضلالاً قد مضى، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى: {أية : أن تقولوا إنَّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} تفسير : في سورة الأنعام (156). وعن عمر أنَّه كان إذا قرأ هذه الآية يقول: "اللَّهمّ من بُيِّنَتْ له الكلالةُ فلم تُبيَّنْ لي" رواه الطبري، وفي سنده انقطاع، وقد ضعّفوه. وقوله: {والله بكلّ شيء عليم} تذييل. وفي هذه الآية إيذان بختم الكلام، كقوله: {أية : هذا بلاغ للنّاس وليُنذروا به}تفسير : [إبراهيم: 52] الآية، وكقوله تعالى في حكاية كلام صاحب موسى {أية : ذلك تأويل ما لم تسْطِع عليه صبراً}تفسير : [الكهف: 82]. فتُؤذن بختام السورة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} الآية. صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين يرثان الثلثين، والمراد بهما الأختان لغير أم، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعداً، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين، ولو بلغ عددهن ما بلغ وهو قوله تعالى في البنات: {أية : فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} تفسير : [النساء: 11] ومعلوم أن البنات أمس رحماً وأقوى سبباً في الميراث من الأخوات، فإذا كن لا يزدن على الثلثين ولو كثرن فكذلك الأخوات من باب أولى، وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب أعني: مفهوم الموافقة: الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ، لا من قبيل القياس، خلافاً للشافعي وقوم، وكذلك المساوي على التحقيق فقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} تفسير : [الإسراء: 23] يفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما وقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7] الآية. يفهم منه من باب أولى أن من عمل مثقال جبل يراه من خير وشر وقوله: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ}تفسير : [الطلاق:2] يفهم من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلاً من العدول، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء، يفهم منه من باب أولى النهي عن التضحية بالعمياء، وكذلك في المساوي، فتحريم أكل مال اليتيم يفهم منه بالمساواة منع أحراقه وإغراقه، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد، يفهم منه كذلك أيضاً النهي عن البول في إناء وصبه فيه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعتق شركاً له في عبد" تفسير : الحديث. يفهم منه كذلك أن الأمة كذلك، ولا نزاع في هذا عند جماهير العلماء وإنما خالف فيه بعض الظاهرية. ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا، لا أثر له، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن البنات وإن كثرن ليس لهن غير الثلثين، علم أن الأخوات كذلك من باب أولى والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يستفتونك: يطلبون فتياك في كذا. يفتيكم: يبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر الكلالة. الكلالة: أن يهلك الرجل ولا يترك ولداً ولا ولد ولد وإنما يترك أخا أو أختاً. الحظ: النصيب. أن تضلوا: كيلا تضلوا أي تخطئوا في قسمة التركة. معنى الآية الكريمة: هذه الآية تسمى آية الكلالة، وآيات المواريث أربع الأولى في شأن الولد والوالد {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11] والثانية في شأن الزوج والزوجة {أية : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ} تفسير : [النساء: 12] الخ.. وفي شأن الإِخوة لأم {أية : وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} تفسير : [النساء: 12] الخ.. وهاتان الآيتان تقدمتا في أول سورة النساء، والثالثة هي هذه {يَسْتَفْتُونَكَ} الخ. وهي في شأن ميراث الأخوة والأخوات عند موت أحدهم ولم يترك ولداً ولا ولد ولد.. وهو معنى الكلالة والرابعة في آخر سورة الأنفال وهي في شأن ذوي الأرحام وهي قوله تعالى: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 75]. وهذه الآية نزلت عند سؤال بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الكلالة فقال تعالى يسألونك أيها الرسول عن الكلالة قل للسائلين الله يفتيكم في الكلالة وهذه فتواه: إن هلك امرؤ ذكراً كان أو أنثى وليس له ولد ولا ولد ولد وله أخت شقيقة أو لأب فلها نصف ما ترك، وهو يرثها أيضاً إن لم يكن لا ولد ولا ولد ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً أي ذكوراً وإناثاً فللذكر مثل حظ الأنثتين وبعد أن بيّن تعالى كيف يورث من مات كلالة قال مبيّناً حكمة هذا البيان: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} أي كيلا تضلوا في قسمة التركات فتخطئوا الحق وتجوروا في قسمة أموالكم. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فلا يجهل شيئا ولا يخفى عليه آخر وكيف وقد أحاط بكل شيء علما سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له. 2- إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته. 3- بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والأختان لهما لهما الثلثان، والأخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والأخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد.
القطان
تفسير : الكلالة: الذي ليس له ولد ولا والد. هلك: مات. روى الإمام أحمد، والشيخان، وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : دخل عليَّ رسولُ الله وأنا مريض لا أعقِل، فتوضّأ ثم صبّ عليَّ فعقلت. فقلت إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت هذه الآية ". تفسير : والمعنى: إن مات رجل وليس له ولد ولا والد يرثه، لكن له أختاً ـ فإنها تفوز بنصف التركة. وان ماتت امرأة لا ولَد لها لكن لها أخاً واحداً ـ نال ذلك الأخ كل ما تركت من المال. فإن كان للميت اختان فقط فلهما الثلثان، وان كان للمورّث عدد من الإخوة والأخوات تنقسم التركة بينهم: للذكر نصيبان وللمرأة نصيب، والله عالِم بكل ما تعملون. هكذا تختَتَم هذه السورة العظيمة التي بدأت بعلاقات الاسرة، وتكافلها الاجتماعية وتضمنت الكثير من التنظيمات الاجتماعية في ثناياها. إنها تختَتَم بتكملة أحكام الكلالة. وكان قد ورد بعض هذه الأحكام في أول السورة، بقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ.......} الآية. ومع ختم آية الميراث، تختَتَم السورة بذلك التعقيب القرآني الذي يردّ الأمورَ الى الله ويربط تنظيم الحقوق والواجبات والأموال وغير ذلك بقوله {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. {بِكُلِّ شَيْءٍ} من الميراث وغيره من علاقات الأُسَر والجماعات، والمجتمع وما فيه، من الأحكام والتشريعات. والخلاصة: إن سورة النساء عالجت أحوالَ المسلمين فيما يختص بتنظيم شئونهم الداخلية، وحفظ كيانهم الخارجي، لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية، بل نبهت على ما يجب ان تَحفظ به عقيدة الأمة ومبادءَها من الشكوك والشُّبه. وفي هذا ايحاء يجب على المسلمين ان يلتفتوا اليه هذه الأيام، وهو ان يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم، وان يحصِّنوا انفسهم من شر حربٍ هي أشد خطراً وابعد في النفوس أثرا من حرب السلاح المادي: تلك هي حرب التحويل من دين الى دين، مع البقاء في الأوطان والاقامة في الديار والأموال.. أَلا وان بقاء شخصية الأمة ليتطلب الاحتفاظَ بالجانبين: جانب الوطن والسلطان، وجانب العقيدة والايمان. وذلك كي نسترد ما ذهب من أوطاننا، وندرأ الخطر الكبير الذي يحيط بنا، من عدوٍ غاشم لا يتمسّك بدِين ولا خُلُق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَلاَلَةِ} {ٱمْرُؤٌ} (176) - الكَلاَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الإِكْلِيلِ الذِي يُحِيْطُ بِالرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبِهِ، لِذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إنَّ الكَلاَلَةَ تَعْنِي مَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ وَالِدٌ، وَلَهُ وَرَثَةٌ مِنْ أَقَارِبِهِ (وَقِيلَ بَلْ تَعْنِي مَنْ لاَ وَلَدَ لَهُ تَمَشِّياً مَعَ النَّصِّ). وَفِي هَذِهِ الآيةِ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ مِيرَاثِ مَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ أبٌ يَرِثُهُ فَيَقُولُ: - إذا مَاتَ المَرْءُ (هَلَكَ)، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ وَالِدٌ، وَكَانَ لَهُ أخْتٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّها تَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ يَرِثُهُ المُسْتَحِقُّونَ مِنَ العَصَبَةِ. - أمَّا إذَا كَانَ المُتَوفَّى امَرأة، وَلَهَا أخٌ فَإنَّهُ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ. - وَإذَا كَانَ لِلْمُتَوَفَّى أخْتَانِ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، وَلاَ وَالِدَ، فَإِنَّهُمَا تَرِثَانِ الثُّلُثَيْنِ لاَ غَيْرَ. - وإذَا كَانَ لِلْمُتَوَفَّى إخْوَةٌ، رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، فَلِلْذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ أمُورَ دِينِكُمْ التِي مِنْ أَوَّلها تَفْصِيلُ هَذِهِ الأَحْكَامُ، وَيَفرِضُ لَكُمْ فَرَائِضَهُ، وَيُوَضِّحُ لَكُمْ شَرَائِعَهُ، لِكَيْلا تَضِلُّوا عَنِ الحَقِّ بَعْدَ البَيَانِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الخَيْرِ لِعِبَادِهِ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ القَرَابَاتِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ. الكَلاَلَةِ - المَيِّتِ الذِي لاَ وَلَدَ لَهُ وَلاَ وَالِدَ فَيَرِثُهُ أقْرِبَاؤُهُ مِنَ الحَوَاشِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والاستفتاء هو طلب الفتيا. ومعناها إرادة معرفة حكم شرعي لله في أمر لا يجد السائل علماً له فيه. وكان الصحابة يستفتون رسول الله، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: (حديث : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ). تفسير : وجاء القرآن في كثير من الآيات بـ "يسألونك". كأن الحق يعلمنا أن الصحابة أرادوا أن يثبتوا أنهم أحبوا منهج الله فأرادوا أن يبنوا حياتهم كلها على منهج الله، ولو كانوا قد كرهوا منهج الله لما سألوا، لقد وجدوا أن الإسلام قد جاء، ووجد أشياء الجاهلية وأقرها، ووجد أشياء قام بتغييرها؛ ولم يرد الصحابة أن يصنعوا الأشياء على أنّها امتداد لصنع الجاهلية، بل أرادوا أن يصنعوها على أنها حكم للإسلام؛ لذلك جاءت أسئلتهم الكثيرة. والفتوى تكون في حكم. والسؤال يكون في حكم وفي غير حكم. وهم يطلبون الفتوى في الكلالة، ودقة القرآن في إيجاز السؤال: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} وقد تقدم من قبل الحديث عن الكلالة: {أية : وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} تفسير : [النساء: 12] إلا أن الذي تقدم هناك كان عن الصلة من ناحية الأم، وسؤال جابر بن عبدالله كان عن الصلة من ناحية الأب. فعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: (مرضت مرضا فأتاني النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وهما ماشيان فوجداني أغمي عليّ، فتوضا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثم صبّ وَضوءه عليّ فأفقت فإذا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث". وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض. وبعض العلماء قال: إن كلمة "كلالة" مأخوذة من كلال التعب؛ لأن الكلالة في الشرع هو من ليس له ولد ولا والد، والإنسان بين حياتين؛ حياة يعولها والد، وعندما يكبر ويضعف تصير حياته يعولها ولد؛ لذلك فالذي ليس له والد ولا ولد يعيش مرهقاً؛ فليس له والد سبق بالرعاية، وليس له ولد يحمله في الكبر؛ لذا سمي بالكلالة. وبعضهم قال: إنها من الإكليل؛ أي التاج. وهو محيط بالرأس من جوانبه والمقصود به الأقارب المحيطون بالإنسان وليس لهم به صلة أعلى أي من الآباء، أو من أدنى أي من الأبناء. {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ} أي أن الكلالة هي أن يموت أحد وله أخت شقيقة أو أخت من أب فهي ترث النصف؛ وإذا ماتت هذه الأخت فالأخ يرثها سواء أكان شقيقاً أم أخاً لأب. وإن ترك الرجل الكلال أختين أو أكثر فلهما الثلثان مما ترك ذلك الأخ. وإن كان له إخوة من رجال ونساء، فها هوذا قول الحق: {وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ}. أي أن للذكر من الأخوة مثل حظ الأنثيين. ويختم الحق الآية: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أي أنه الحق يبين أحكامه خشية أن يصيب القوم الضلال. وقد علم سبحانه أزلاً بكل سلوك، وكل خافية، وهو العليم أبداً بما ينفع الناس جميعاً. وبذلك انتهينا بعون الله من خواطرنا في سورة النساء.
الجيلاني
تفسير : {يَسْتَفْتُونَكَ} يا أكمل الرسل عن ميراث الكلالة: كيف يُقسم؟ {قُلِ} لهم: {ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} في أوائل السورة، ويعيد في آخرها، تأكيداً أو مبالغةً، وهي آخر ما نزلت في الأحكام {إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ} وحين هَلَك {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} لا ذكر ولا أنثى {وَ} الحال أن {لَهُ أُخْتٌ} من الأبوين أو الأب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} الهالك {وَ} ذا هلكت الأخت {هُوَ يَرِثُهَآ} جميع مالها {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ} لا ذكر ولا أنثى. {فَإِن كَانَتَا} الأختان {ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} أخوهما {وَإِن كَانُوۤاْ} أي: الوارثون {إِخْوَةً} وأخواتٍ مختلطين {رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ} من متروكات أخيهم، وإنمَّا {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ} حكم الكلالة هاهنا، مع أنه بيَّنه في ما مضى؛ كراهة {أَن تَضِلُّواْ} وتغفلوا عنها {وَٱللَّهُ} المدبر لأموركم {بِكُلِّ شَيْءٍ} من حوائجكم المتعلقة بحياتكم ومماتكم {عَلِيمٌ} [النساء: 176] يعلمكم، وينبهكم عليه حتى لا تذهلوا وتنصفوا به. خاتمة السورة عليك أيها الطالب لتحقيق الحق، القاصد نحو توحيده - أوصلك الله إلى أقصى مرامك - أن تتمسك بالبرهان الواضح الذي وصل إليك من الرسول صلى الله عليه وسلم، الدال على توحيد الحق، وتستنير بنور القرآن الفارق بين الحق والباطل، الواقع في طريقه، وتمتثل بما فيه من الأوامر المؤدية إليه، وتجنب عن نواهيه المضلة، المبعدة عنه، وتتخلق بعزائمه المكنونة في ضمن الأحكام والقصص المذكورة فيه؛ لتتحقق بما رمز فيه من غوامض سر التوحيد، وسريان الوحدة في ملابس الكثرة، وتتمكن في مقر الوحدة الذاتية، المفنية للهويات الباطلة، الزائلة في أنفسها. ولا يتيسر لك هذا إلا بطول خدمة المرشد الكامل، المكمل الذي يرشدك إلى الله امتداد حبل الله الممدود من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات، ألا وهو القرآن المنزل على خير الأنام كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : القرآن حبل الله، ممدود من السماء إلى الأرض ". تفسير : فمن أراد أن يغوص في لحجج بحار القرآن، لاستخراج فرائد اليقين والعرفان، فعليه أن يتمسك أولاً بالأحكام الشرعية الفرعية التي استنبطها أرباب العزائم الصحيحة عن ظواهر كلم القرآن؛ ليكون مهذباً لظواهر أصحاب اليقظة من أهل الطلب والإرادة حتى تستعد بها نفوسهم، وتتصفى بواطنهم لأن يفيض عليها رشحات بحر التوحيد، ويصبر قابلاً لأن ينزل عليها سلطان العشق والمحبة؛ إذ الوقاية للب التوحيد إنما هي أحكام الشريعة، وآداب الطريقة للسالكين، القاصدين نحو الحقيقة بالسلوك والمجاهدة. وأم البدلاء المستغرقون في بحر الذات، الهائمون بمطالعة جماله، الفانون فيه مطلقاً، فهم هو، وهو هم، ما لنا ومالهم حتى تتكلم عنهم، جعلنا الله من خدَّام وتراب أقدامهم. فعليك أيها المريد، العازم لسلوك طريق الفناء، الجازم، الحازم في هذا العزم أن تصفي أولاً سرك وسريرتك عن التوجه إلى غير الحق، وتجعل مطلبك ومقصودك الاستغراق والفناء في بحر الوحدة. لا يتيسر لك هذا إلا بعد كسر سفينة هويتك الباطلة، ولا يتيسر كسرها إلا بالرياضاتت الشاقة من الجوع والعطش والسهر المفرط، والانقطاع عن اللذات الحسية والمشتهيات النفسية بالتلذذ بالمودة والفناء، والصبر على البلاء، والرضا على ما جرى عليه القضاء، ومتى تحققت هذه الأمور فيك، وَهَن هويتك، وضعف سفينتك، وحينئذٍ يمكنك كسرها إن وفقت بها. زين بلطفك ظواهرنا بشريعتك، وبواطننا بحقيقتك، وأسرارنا بمشاهدتك وأرواحنا بمعاينتك، إنك على ما تشاء قدير، وبرجاء المؤمنين جدير.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الاستفتاء عن أهل البقاء بعد الإخبار عن أهل الفناء بقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176]، والإشارة: إن الله تعالى لم يكل بيان قسم التركات إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه تعالى وكل بيان أركان الإسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والحج إليه صلى الله عليه وسلم وأحكام الشريعة {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]، وولاه ببيان القرآن العظيم، وقال: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44]، وتولى قسم التركات بنفسه جل جلاله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لم يرض بملك مقرب ولا نبي مرسل"تفسير : ، حتى تولى قسم التركات وأعطي كل ذي حق حقه، إلا فلا وصية للوارث، وأنتم لم توله قسم التركات؛ لأن الدنيا مزينة للناس، والمال محبب إلى الطباع، وجبلت النفوس على الشح، فلو لم ينص الله على مقادير الاستحقاق وكان القسم موكولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعل الشيطان أوقع في بعض النفوس كراهة عن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فيكون كفراً، كقوله: صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يكون بعدكم مؤمناً حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" تفسير : كما حديث : أوقع في نفوس بعض شبان الأنصار يوم حنين أفاد الله ورسوله أموال هو أذن وصفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجلاً من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تفطر من دمائهم قال أنس رضي الله عنه فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم ولم يدع أحداً من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حديث بلغني عنكم كذا وكذا الذي" قالوا: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنِّ أُعْطِى رِجَالاً حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَلِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَوَاللهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا - صلى الله عليه وآله وسلم -"تفسير : فأزال ما وقع الشيطان في نفوسهم بهذه اللطائف، فلو كان قسم التركات إليه لكان كلهم للشيطان إلى آخر الدنيا، أن يوقع الشر في نفوس الأمة ولم يمكن إزالته عن النفوس لتعذر الوصول إلى الخلق في حال الحياة وبعد الوفاة، فتولى تعالى ذلك؛ لأنه {أية : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [التغابن: 11]، ولعباده غفور رحيم، فختم تلك الجملة بما نص على المقادير في الميراث فضلاً منه وقطعاً لمواد الخصومات بين ذوي الأرحام، ورحمة على النسوان في التوريث لضعفهن وعجزهن على الكسب، وإظهار التفضيل للذكور عليهن في دينهن وتبياناً للمؤمنين؛ لئلا يضلوا يظن السوء بالنبي صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أخبر تعالى أن الناس استفتوا رسوله صلى الله عليه وسلم أي: في الكلالة بدليل قوله: { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } وهي الميت يموت وليس له ولد صلب ولا ولد ابن، ولا أب، ولا جد، ولهذا قال: { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } أي: لا ذكر ولا أنثى، لا ولد صلب ولا ولد ابن. وكذلك ليس له والد، بدليل أنه ورث فيه الإخوة، والأخوات بالإجماع لا يرثون مع الوالد، فإذا هلك وليس له ولد ولا والد { وَلَهُ أُخْتٌ } أي: شقيقة أو لأب، لا لأم، فإنه قد تقدم حكمها. { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أي نصف متروكات أخيها، من نقود وعقار وأثاث وغير ذلك، وذلك من بعد الدين والوصية كما تقدم. { وَهُوَ } أي: أخوها الشقيق أو الذي للأب { يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ } ولم يقدر له إرثا لأنه عاصب فيأخذ مالها كله، إن لم يكن صاحب فرض ولا عاصب يشاركه، أو ما أبقت الفروض. { فَإِن كَانَتَا } أي: الأختان { اثْنَتَيْنِ } أي: فما فوق { فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً } أي: اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث { فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } فيسقط فرض الإناث ويعصبهن إخوتهن. { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا } أي: يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم فضلا منه وإحسانا لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم وعدم علمكم. { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي: عالم بالغيب والشهادة والأمور الماضية والمستقبلة، ويعلم حاجتكم إلى بيانه وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة. آخر تفسير سورة النساء فلله الحمد والشكر.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} [176] 153- أنا يوسف بن حماد، نا سفيان بن حبيبت، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: آخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}. 154- أنا محمد بن منصور، عن سفيان قال: سمعت محمد بن المنكَدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: حديث : مرضتُ، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يعُوداني وهما يمشيان، فوجداني قد أُغمي عليَّ، فتوضَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصبَّ وضُوءَه عليَّ فأفقت، قلت: يا رسول الله، كيف أُوصي في مالي؟ كيف أُوصي في مالي؟ كيف أصنع في مالي، فلم يُجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} . تفسير : 155- أنا إسحاق بن إبراهيم، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعد، عن مَعدان بن أبي طلحة اليَعْمُري أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فقال: إني لا أدع شيئاً بعدي أهمَّ إليَّ من الكلالة ولا أغلظ لي في شيء مذ - يعني صَحِبته - ما أغلظ لي في الكلالة حتى طعن بأُصبعه في صدري، وقال: "حديث : يا عمر، إنما يكفيك آية الصَّيف التي في سورة النساء"تفسير : ، وإني إن أعِش أَقضِ فيها بقضيَّة يقضي بها من يقرأ القرآن، ومن لا يقرأ. - مختصر. 156- أنا علي بن حُجر، حدثنا سعدان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن البراء قال: آخر آيات أُنزلت في القرآن آخر سورة النساء/. ذيل التفسير قوله تعالى [{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} [176]]
همام الصنعاني
تفسير : 659- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الزّهري، وقتادة، في قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}: [الآية: 176]، قالا: من ليس له وَلَدٌ وَلاَ والِدٌ. 660- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن شُرَحْبيل في قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}: [الآية: 176]، قال: ما رأيْتُهم إلاَّ قد تواطئوا أن الكلالة: منْ لا وَلَد لَه ولاَ والِدٍ. 661- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: نزلت: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ}: [الآية: 176]، والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له وإلى جنبه حُذَيفة بن اليمان، فَبَلَّغَها النبي صلى الله عليه وسلم حُذَيْفَةَ، وبَلَّغَها حذيفةُ عُمَر، وهو يسير خلف حذيفة، فلما اسْتُخْلِفَ عُمَر سأل حذيفة عنها، ورجا أن يكون عنده تفسيرها. فقال له حذيفة: والله إنْ ظَنَنْتَ أَنَّ إمارتك تحملني على أن أُحدّثكَ فيها ما لم أكن أُحَدِّثك [يومئذ]، قال عمر: لم أُرِدْ هَذا رحمك الله. 662- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كَان عمر بن الخطاب إذا قرأ: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}: [النساء: 176]، قال: اللهم من بيَّنْتَ له في الكلالة فلم تُبين لي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):