Verse. 670 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَوْفُوْا بِالْعُقُوْدِ۝۰ۥۭ اُحِلَّتْ لَكُمْ بَہِيْمَۃُ الْاَنْعَامِ اِلَّا مَا يُتْلٰى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَاَنْتُمْ حُرُمٌ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يَحْكُمُ مَا يُرِيْدُ۝۱
Ya ayyuha allatheena amanoo awfoo bialAAuqoodi ohillat lakum baheematu alanAAami illa ma yutla AAalaykum ghayra muhillee alssaydi waantum hurumun inna Allaha yahkumu ma yureedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» العهود المؤكدة التي بينكم وبين الله والناس «أحلت لكم بهيمة الأنعام» الإبل والبقر والغنم أكلاً بعد الذبح «إلا ما يتلى عليكم» تحريمه في (حُرمت عليكم الميتة) الآية فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه «غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم» أي محرمون ونصب غير على الحال من ضمير لكم «إن الله يحكم ما يريد» من التحليل وغيره لا اعترض عليه.

1

المنزل الثاني

Tafseer

الرازي

تفسير : { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: يقال: وفى بالعهد وأوفى به، ومنه {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ } تفسير : [البقرة: 177] والعقد هو وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والأحكام، والعهد إلزام، والعقد التزام على سبيل الأحكام، ولما كان الإيمان عبارة عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله وكان من جملة أحكامه أنه يجب على جميع الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه فكان هذا العقد أحد الأمور المعتبرة في تحقق ماهية الإيمان، فلهذا قال: {عَلِيمٌ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } يعني يا أيها الذين التزمتم بإيمانكم أنواع العقود والعهود في إظهار طاعة الله أوفوا بتلك العقود، وإنما سمى الله تعالى هذه التكاليف عقوداً كما في هذه الآية لأنه تعالى ربطها بعباده كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق. واعلم أنه تعالى تارة يسمي هذه التكاليف عقوداً كما في هذه الآية، وكما في قوله {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأيْمَـٰنَ } تفسير : [المائدة: 89] وتارة عهوداً، قال تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] وقال: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَـٰنَ } تفسير : [النحل: 91] وحاصل الكلام في هذه الآية أنه أمر بأداء التكاليف فعلاً وتركاً. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا، وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يصح. حجة أبي حنيفة أنه نذر الصوم والذبح فيلزمه الصوم والذبح، بيان الأول أنه نذر صوم يوم العيد، ونذر ذبح الولد، وصوم يوم العيد ماهية مركبة من الصوم ومن وقوعه في يوم العيد، وكذلك ذبح الولد ماهية مركبة من الذبح ومن وقوعه في الولد، والآتي بالمركب يكون آتياً بكل واحد من مفرديه، فملتزم صوم يوم العيد وذبح الولد يكون لا محالة ملتزماً للصوم والذبح. إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } ولقوله تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 2] ولقوله {أية : يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } تفسير : [الإنسان: 7] ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ف بنذرك» تفسير : أقصى ما في الباب أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد، وفي خصوص كون الذبح واقعاً في الولد، إلاّ أن العام بعد التخصيص حجة. وحجة الشافعي رحمه الله: أن هذا نذر في المعصية فيكون لغواً لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا نذر في معصية الله».تفسير : المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة رحمه الله: خيار المجلس غير ثابت، وقال الشافعي رحمه الله: ثابت، حجة أبي حنيفة أنه لما انعقد البيع والشراء وجب أن يحرم الفسخ، لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } وحجة الشافعي تخصيص هذا العموم بالخبر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المتبايعان بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا»تفسير : المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه الله: الجمع بين الطلقات حرام، وقال الشافعي رحمه الله: ليس بحرام، حجة أبي حنيفة أن النكاح عقد من العقود لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } تفسير : [البقرة: 235] فوجب أن يحرم رفعه لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى فيما عداها على الأصل، والشافعي رحمه الله خصص هذا العموم بالقياس، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يرحم. قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ }. إعلم أنه تعالى لما قرر بالآية الأولى على جميع المكلفين أنه يلزمهم الانقياد لجميع تكاليف الله تعالى، وذلك كالأصل الكلي والقاعدة الجميلة، شرع بعد ذلك في ذكر التكاليف المفصلة، فبدأ بذكر ما يحل وما يحرم من المطعومات فقال: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالوا: كل حي لا عقل له فهو بهيمة، من قولهم: استبهم الأمر على فلان ءذا أشكل، وهذا باب مبهم أي مسدود الطريق، ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، قال تعالى: {وَٱلاْنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء } إلى قوله {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ } تفسير : [النحل: 5 ـ 8] ففرق تعالى بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير. وقال تعالى: {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } تفسير : [يس: 71، 72] وقال: {وَمِنَ ٱلانْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } إلى قوله {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } وإلى قوله {أية : وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الأنعام: 142 ـ 144] قال الواحدي رحمه الله: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء. إذا عرفت هذا فنقول: في لفظ الآية سؤالات: الأول: أن البهيمة اسم الجنس، والأنعام اسم النوع فقوله {بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } يجري مجرى قول القائل: حيوان الإنسان وهو مستدرك. الثاني: أنه تعالى لو قال: أحلت لكم الأنعام، لكان الكلام تاماً بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى {أية : وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأنْعَـٰمُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [الحج: 30] فأي فائدة في زيادة لفظ البهيمة في هذه الآية. الثالث: أنه ذكر لفظ البهيمة بلفظ الوحدان، ولفظ الأنعام بلفظ الجمع، فما الفائدة فيه؟ والجواب عن السؤال الأول من وجهين: الأول: أن المراد بالبهيمة وبالأنعام شيء واحد، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان، وهذه الإضافة بمعنى {مِنْ } كخاتم فضة، ومعناه البهيمة من الأنعام أو للتأكد كقولنا: نفس الشيء وذاته وعينه. الثاني: أن المراد بالبهيمة شيء، وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أن المراد من بهيمة الأنعام الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لحصول المشابهة. الثاني: أن المراد ببهيمة الأنعام أجنة الأنعام. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذا من بهيمة الأنعام. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أجنة الأنعام، وذكاته ذكاة أمه. واعلم أن هذا الوجد يدل على صحة مذهب الشافعي رحمه الله في أن الجنين مذكى بذكاة الأم. المسألة الثانية: قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام، والإيلام قبيح، والقبيح لا يرضى به الإلۤه الرحيم الحكيم، فيمتنع أن يكون الذبح حلالاً مباحاً بحكم الله. قالوا: والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة عن الدفع عن أنفسها، ولا لها لسان تحتج على من قصد إيلامها، والإيلام قبيح إلاّ أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد أقبح. واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقاً كثيرة بسبب هذه الشبهة فقالت المكرمية: لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح، بل لعلّ الله تعالى يرفع ألم الذبح عنها. وهذا كالمكابرة في الضروريات، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقاً، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحقاً بعوض. وهٰهنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلماً، قالوا: والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة لطلب الصحة، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة، فكذلك القول في الذبح. وقال أصحابنا: إن الاذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه، والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه، والمسألة طويلة مذكورة في علم الأصول والله أعلم. المسألة الثالثة: قال بعضهم: قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأنْعَامِ } مجملل؛ لأن الإحلال إنما يضاف إلى الأفعال، وهٰهنا أضيف إلى الذات فتعذر إجراؤه على ظاهره فلا بدّ من إضمار فعل، وليس إضمار بعض الأفعال أولى من بعض، فيحتمل أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو لحمها، أو المراد إحلال الانتفاع بالأكل، ولا شك أن اللفظ محتمل للكل فصارت الآية مجملة، إلاّ أن قوله تعالى: {أية : وَٱلاْنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } تفسير : [النحل: 5] دل على أن المراد بقوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } إباحة الانتفاع بها من كل هذه الوجوه. واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } ألحق به نوعين من الاستثناء: الأول: قوله {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } واعلم أن ظاهر هذا الاستثناء مجمل، واستثناء الكلام المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملاً أيضاً، إلاّ أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد هده الآية وهو قوله {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب} تفسير : [المائدة: 3] ووجه هذا أن قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه فبيّـن الله تعالى أنها إن كانت ميتة، أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله تعالى فهي محرمة. النوع الثاني: من الاستثناء قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وغير صيدها، فعرفنا أن ما كان منها صيداً، فإنه حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيداً فإنه حلال في الحالين جميعاً والله أعلم. المسألة الثانية: قوله {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي محرمون أي داخلون في الإحرام بالحج والعمرة أو أحدهما، يقال: أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم، كما يقال: أجنب فهو مجنب وجنب، ويستوي فيه الواحد والجمع، يقال قوم حرم كما يقال قوم جنب. قال تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } تفسير : [المائدة: 65]. وأعلم أنا إذا قلنا: أحرم الرجل فله معنيان: الأول: هذا، والثاني: أنه دخل الحرم فقوله {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } يشتمل على الوجهين، فيحرم الصيد على من كان في الحرم كما يحرم على من كان محرماً بالحج أو العمرة، وهو قول الفقهاء. المسألة الثالثة: أعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن الصيد حرام على المحرم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ } فإن {إِذَا } للشرط، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، إلا أنه تعالى بيّـن في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر، قال تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } تفسير : [المائدة: 96] فصارت هذه الآية بياناً لتلك الآيات المطلقة. المسألة الرابعة: انتصب {غَيْرِ } على الحال من قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ } كما تقول: أحل لكم الطعام غير معتدين فيه. قال الفرّاء: هو مثل قولك: أحل لك الشيء لا مفرطاً فيه ولا متعدياً، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذا كنتم محرمين. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض، فلو قال قائل: ما السبب في هذا التفصيل والتخصيص كان جوابه أي يقال: أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلم يكن على حكمه اعتراض بوجه من الوجوه، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصالح.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال علقمة: كل ما في القرآن «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فهو مدنيّ و «يَا أَيُّها النَّاسُ» فهو مكيّ؛ وهذا خرج على الأكثر، وقد تقدّم. وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام؛ فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأوّل ـ الأمر بالوفاء بالعقود؛ الثاني ـ تحليل بهيمة الأنعام؛ الثالث ـ استثناء ما يلي بعد ذلك؛ الرابع ـ استثناء حال الإحرام فيما يصاد؛ الخامس ـ ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرِم. وحكى النقاش أن أصحاب الكِندِيّ قالوا له: أيها الحكيم ٱعمل لنا مثل هذا القرآن فقال: نعم! أعمل مثل بعضه؛ فٱحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد؛ إني فتحت المصحف فخرجت سورة «المائدة» فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عامّا، ثم ٱستثنى ٱستثناء بعد ٱستثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. الثانية ـ قوله تعالى: {أَوْفُواْ} يقال: وَفَى وأوفى لغتان! قال الله تعالى: { أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 111] وقال تعالى: { أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37] وقال الشاعر: شعر : أَمّا ٱبنْ طَوْق فقد أَوْفَى بِذِمّتِهِ كما وَفَى بِقِلاصِ النّجْمِ حَـادِيها تفسير : فجمع بين اللغتين. {بِٱلْعُقُودِ} العقود الرّبوط، واحدها عَقْد؛ يقال: عقدت العهد والحبل، وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام؛ قال الحطيئة: شعر : قَوْمٌ إذا عقدوا عقداً لجارِهُم شَدّوا العِنَاجَ وشَدّوا فوقَه الكَرَبا تفسير : فأمَر الله سبحانه بالوفاء بالعقود؛ قال الحسن: يعني بذلك عقود الدَّيْن وهي ما عقده المرء على نفسه؛ من بيع وشراء وإجارة وكِراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأُمور، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة؛ وكذلك ما عقده على نفسه لِلّه من الطاعات؛ كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعاتِ مِلّة الإسلام. وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأُمة؛ قاله ٱبن العربي. ثم قيل: إن الآية نزلت في أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: { أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187]. قال ٱبن جريج: هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت. وقيل: هي عامّة وهو الصحيح؛ فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب؛ لأنّ بينهم وبين الله عقداً في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم مأمورون بذلك في قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} وغير موضع. قال ٱبن عباس: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} معناه بما أحل وبما حرّم وبما فرض وبما حدّ في جميع الأشياء؛ وكذلك قال مجاهد وغيره. وقال ٱبن شهاب: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى نَجْران وفي صدره: « هذا بيانٌ للناس من الله ورسوله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} فكتب الآيات فيها إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. وقال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب؛ قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : المؤمنون عند شروطهم » تفسير : وقال: « حديث : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط » تفسير : فبيّن أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله؛ فإن ظهر فيها ما يخالف رُدّ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : من عَمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ » تفسير : . ذكر ٱبن إسحاق قال: ٱجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان ـ لشرفه ونسبه ـ فتعاقدوا وتعاهدوا على ألاَّ يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُردَّ عليه مظلمتُه؛ فسمتْ قريشٌ ذلك الحِلْف حِلْفَ الفُضُول، وهو الذي قال فيه الرّسول صلى الله عليه وسلم: « حديث : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً ما أحب أن لي به حُمْر النعم ولو ٱدُّعِي به في الإسلام لأجَبْتُ » تفسير : . وهذا الحِلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام: « حديث : وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدَّةً » تفسير : لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله. قال ٱبن إسحاق: تحامل الوليدُ بن عُتبة على الحسين ابن عليّ في مال له ـ لسلطان الوليد: فإنه كان أميراً على المدينة ـ فقال له الحسين: أحلِفُ بالله لتُنصفَنِّي من حقي أو لآخذنّ بسيفي ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعونّ بحِلف الفضول. قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذنّ بسيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعاً؛ وبلغت المِسْوَر بن مَخْرَمة فقال مثل ذلك؛ وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التَّيْميّ فقال مثل ذلك؛ فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه. الثالثة ـ قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} الخطاب لكل من ٱلتزم الإيمان على وجهه وكماله؛ وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام، يأتي بيانها؛ فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة الباطلية. وٱختلف في معنى {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} والبهيمة ٱسم لكل ذي أربع؛ سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها؛ ومنه باب مُبْهَم أي مُغلق، وليل بَهِيم، وبُهْمَة للشجاع الذي لا يُدرَى من أين يُؤتَى له. و «ٱلأنعام»: الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك للين مشيها؛ قال الله تعالى: { أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ } تفسير : [النحل: 5] إلى قوله: { أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } تفسير : [النحل: 7] وقال تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } تفسير : [الأنعام: 142] يعني كباراً وصغاراً؛ ثم بيّنها فقال: { أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } تفسير : [الأنعام: 143] إلى قوله: { أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ } تفسير : [الأنعام: 144] وقال تعالى: { أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا } تفسير : [النحل: 80] يعني الغنم { أية : وَأَوْبَارِهَا } تفسير : [النحل: 80] يعني الإبل { أية : وَأَشْعَارِهَآ } تفسير : [النحل: 80] يعني المعز؛ فهذه ثلاثة أدِلّة تُنبىء عن تضمّن ٱسم الأنعام لهذه الأجناس؛ الإبل والبقر والغنم؛ وهو قول ٱبن عباس والحسن. قال الهرويّ: وإذا قيل النَّعَمَ فهو الإبل خاصّةً. وقال الطبريّ: وقال قوم «بَهِيمَةُ الاٌّنْعَامِ» وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحُمُر وغير ذلك. وذكره غير الطبريّ عن السدّي والرّبيع وقتادة والضحاك، كأنه قال: أحلت لكم الأنعام، فأضيف الجنس إلى أخَصّ منه. قال ٱبن عطية: وهذا قول حسن؛ وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما ٱنضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حدّ الأنعام؛ فبهيمة الأنعام هي الرّاعي من ذوات الأربع. قلت: فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك؛ لأن الله تعالى قال: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} ثم عطف عليها قوله: { أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ } تفسير : [النحل: 8] فلما ٱستأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دَلّ على أنها ليست منها؛ والله أعلم وقيل: «بَهِيمَةُ الاٌّنْعَامِ» ما لم يكن صيداً؛ لأن الصيد يسمى وحشاً لا بهيمة، وهذا راجع إلى القول الأوّل. ورُوي عن عبد الله بن عمر أنه قال: «بَهِيمَةُ الاٌّنْعَامِ» الاٌّجِنّة التي تخرج عند الذبح من بطون الأُمّهات؛ فهي تؤكل دون ذَكَاة، وقاله ٱبن عباس وفيه بعدٌ؛ لأن الله تعالى قال: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} وليس في الأجِنّة ما يُستثنى؛ قال مالك؛ ذكاة الذّبيحة ذكاةٌ لجنينها إذا لم يُدرَك حيّا وكان قد نبت شعره وتمّ خلقه؛ فإن لم يتمّ خلْقهُ ولم يَنبت شَعرهُ لم يؤكل إلاّ أن يُدرَك حيّاً فيُذكى؛ وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه، فقيل: هو ذَكِيّ. وقيل: ليس بذَكِي؛ وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى: الرابعة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي يقرأ عليكم في القرآن والسنّة من قوله تعالى: { أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [المائدة: 3] وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : وكل ذي ناب من السِّباع حرامٌ » تفسير : . فإن قيل: الذي يُتلى علينا الكتابُ ليس السنّة؛ قلنا: كل سُنّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله؛ والدّليل عليه أمران: أحدهما ـ حديث العَسِيف: « حديث : لأقضِيَنّ بينكما بكتاب الله » تفسير : والرّجم ليس منصوصاً في كتاب الله. الثاني ـ حديث ٱبن مسعود: ومالي لا ألعن من لَعَن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؛ الحديثَ. وسيأتي في سورة «الحشر». ويحتمل «إلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمُ» الآن أو «مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ» فيما بعدُ من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يُفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة. الخامسة ـ قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} أي ما كان صيداً فهو حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيداً فهو حلال في الحالين. وٱختلف النّحاة في «إلاَّ مَا يُتْلَى» هل هو ٱستثناء أو لا؟ فقال البصريون: هو ٱستثناء من «بَهِيمَةُ الاٌّنْعَامِ» و «غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ» استثناء آخر أيضاً منه؛ فالاستثناءان جميعاً من قوله: «بَهِيمَةُ الاٌّنْعَامِ» وهي المستثنى منها؛ التقدير: إلاّ ما يُتْلَى عليكم إلاَّ الصّيدَ وأنتم مُحرِمون؛ بخلاف قوله: { أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ }تفسير : [الحجر:58] { أية : إِلاَّ آلَ لُوطٍ } تفسير : [الحجر:59] على ما يأتي. وقيل: هو مستثنى مما يليه من الاستثناء؛ فيصير بمنزلة قوله عزّ وجلّ: { أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } تفسير : [الحجر: 58] ولو كان كذلك لوجب إباحة الصّيد في الإحرام؛ لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} مستثنى من الإباحة؛ وهذا وجه ساقط؛ فإذاً معناه أحِلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلِّي الصيد وأنتم حُرُمٌ إلاَّ ما يُتلى عليكم سِوَى الصّيد. ويجوز أن يكون معناه أيضاً أوفوا بالعقود غير مُحلِّي الصّيد وأُحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يُتلى عليكم. وأجاز الفرّاء أن يكون «إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ» في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلاَّ كما يعطف بلا؛ ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو جاء القوم إلاّ زيدٌ. والنصب عنده بأنّ «غَيْرَ مُحِلّى الصّيْدِ» نصب على الحال مما في «أَوْفُوا»؛ قال الأخفش: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غيرَ مُحلّى الصّيد. وقال غيره: حال من الكاف والميم في «لَكُمْ» والتقدير: أُحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلّى الصّيد. ثم قيل: يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس، أي لا تُحِلوا الصّيد في حال الإحرام، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيداً في وقت الإحرام؛ كما تقول: أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة. فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى: غير مُحلّين الصيد، فحذفت النّون تخفيفاً. السادسة ـ قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يعني الإحرام بالحجّ والعُمرة؛ يقال: رجل حرام وقوم حُرُم إذا أحرموا بالحجّ؛ ومنه قول الشاعر: شعر : فقلتُ لها فِيئي إليكِ فإنّنِي حرامٌ وإنِّي بعد ذاك لَبِيب تفسير : أي مُلَبٍّ؛ وسُمي ذلك إحراماً لما يحرّمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطِّيب وغيرهما. ويقال: أحرم دخل في الحرم؛ فيحرُم صَيْد الحرم أيضاً. وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وَثَّاب «حُرْم» بسكون الرّاء؛ وهي لغة تميميّة يقولون في رُسُل: رُسْل وفي كُتُب كُتْب ونحوه. السابعة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} تقوية لهذه الأحكام الشّرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب؛ أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبّه، فإن الذي هو مالك الكلّ «يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ» { أية : لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } تفسير : [الرعد: 41] يُشرِّع ما يشاء كما يشاء.

البيضاوي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الإِيفاء والعقد العهد الموثق قال الحطيئة:شعر : قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهمُ شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا تفسير : وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال، ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها الله سبحانه وتعالى على عباده وألزمها إياهم من التكاليف، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به، أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} تفصيل للعقود، والبهيمة كل حي لا يميز. وقيل كل ذات أربع، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كقولك: ثوب خز، ومعناه البهيمة من الأنعام. وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء وبقر الوحش. وقيل هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب، وإضافتها إلى الأنعام لملابسة الشبه. {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } أو إلا ما يتلى عليكم تحريمه. {غَيْرَ مُحِلّي ٱلصَّيْدِ} حال من الضمير في {لَكُمْ } وقيل من واو {أَوْفُواْ} وقيل استثناء وفيه تعسف و {ٱلصَّيْدِ} يحتمل المصدر والمفعول. {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال مما استكن في {مُحِلّي}، والـ {حُرُمٌ} جمع حرام وهو المحرم. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من تحليل أو تحريم. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} يعني مناسك الحج، جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً سمى به أعمال الحج ومواقفه لأنها علامات الحج وأعلام النسك. وقيل دين الله لقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ }تفسير : [الحج: 32] أي دينه. وقيل فرائضه التي حدها لعباده. {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } بالقتال فيه أو بالنسيء. {وَلاَ ٱلْهَدْيَ} ما أهدي إلى الكعبة، جمع هدية كجدي في جميع جدية السرح. {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ } أي ذوات القلائد من الهدي، وعطفها على الهدي للاختصاص فإنها أشرف الهدي، أو القلائد أنفسها والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ }تفسير : [النور: 31] والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له. {وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} قاصدين لزيارته. {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً } أن يثيبهم ويرضى عنهم، والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين وليست صفة له، لأنه عامل والمختار أن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل، وفائدته استنكار تعرض من هذا شأنه والتنبيه على المانع له. وقيل معناه يبتغون من الله رزقاً بالتجارة ورضواناً بزعمهم إذ روي أن الآية نزلت عام القضية في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يتعرضوا لهم بسبب أنه كان فيهم الحطيم بن شريح بن ضبيعة، وكان قد استاق سرح المدينة وعلى هذا فالآية منسوخة. وقرىء تبتغون على خطاب المؤمنين {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـادُواْ} إذن في الاصطياد بعد زوال الإِحرام ولا يلزم من إرادة الإِباحة ههنا من الأمر دلالة الأمر الآتي بعد الحظر على الإِباحة مطلقاً. وقرىء بكسر الفاء على إلقاء حركة الوصل عليها وهو ضعيف جداً. وقرىء «أحللتم» يقال حل المحرم وأحل {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } لا يحملنكم أو لا يكسبنكم. {شَنَآنُ قَوْمٍ} شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر أضيف إلى المفعول أو الفاعل. وقرأ ابن عامر وإسماعيل عن نافع وابن عياش عن عاصم بسكون النون وهو أيضاً مصدر كليان أو نعت بمعنى: بغيض قوم وفعلان في النعت أكثر كعطشان وسكران. {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } لأن صدوكم عنه عام الحديبية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه لا يجرمنكم. {أَن تَعْتَدُواْ} بالانتقام، وهو ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب. ومن قرأ {يَجْرِمَنَّكُمْ} بضم الياء جعله منقولاً من المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ} على العفو والإِغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى. {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} للتشفي والانتقام. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ} فانتقامه أشد. {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} بيان ما يتلى عليكم، والميتة ما فارقه الروح من غير تذكية. {وَٱلدَّمَ} أي الدم المسفوح لقوله تعالى: {أية : أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا }تفسير : [الأنعام: 145] وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها. {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } أي رفع الصوت لغير الله به كقولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه. {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} أي التي ماتت بالخنق. {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} المضروبة بنحو خشب، أو حجر حتى تموت من وقذته إذا ضربته. {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ} التي تردت من علو أو في بئر فماتت. {وَٱلنَّطِيحَةُ} التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح والتاء فيها للنقل. {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } وما أكل منه السبع فمات، وهو يدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل. {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } إلا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة من ذلك. وقيل الاستثناء مخصوص بما أكل السبع. والذكاة في الشرع لقطع الحلقوم والمريء بمحدد. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} النصب واحد الأنصاب وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة. وقيل هي الأصنام وعلى بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام. وقيل هو جمع والواحد نصاب. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة أقداح. مكتوب على أحدها، أمرني ربي. وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث غفل، فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أجلوها ثانياً، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم بالأزلام. وقيل: هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة وواحد الأزلام زلم كجمل وزلم كصرد. {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } إشارة إلى الاستقسام، وكونه فسقاً لأنه دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أن ذلك طريق إليه، وافتراء على الله سبحانه وتعالى إن أريد بربي الله، وجهالة وشرك إن أريد به الصنم أو الميسر المحرم أو إلى تناول ما حرم عليهم. {ٱلْيَوْمَ } لم يرد به يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية. وقيل أراد يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة في عرفة حجة الوداع. {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } أي من إبطاله ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها أو من أن يغلبوكم عليه. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أن يظهروا عليكم. {وَٱخْشَوْنِ } وأخلصوا الخشية لي. {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بالهداية والتوفيق أو بإكمال الدين أو بفتح مكة وهدم منار الجاهلية. {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} اخترته لكم ديناً من بين الأديان وهو الدين عند الله لا غير. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض لما يوجب التجنب عنها، وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإِسلام المرضي والمعنى: فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه المحرمات. {فِي مَخْمَصَةٍ} مجاعة {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} غير مائل له ومنحرف إليه بأن يأكلها تلذذاً أو مجاوزاً حد الرخصة كقوله: {أية : غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ }تفسير : [البقرة: 173] {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يؤاخذه بأكله. {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة، وقد سبق الكلام في {مَاذَا } وإنما قال لهم ولم يقل لنا على الحكاية، لأن {يَسْأَلُونَكَ } بلفظ الغيبة وكلا الوجهين سائغ في أمثاله، والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم كأنهم لما تلي عليهم ما حرم عليهم سألوا عما أحل لهم. {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه ومن مفهومه حرم مستخبثات العرب، أو ما لم يدل نص ولا قياس على حرمته. {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } عطف على {ٱلطَّيّبَاتِ } إن جعلت {مَا } موصولة على تقدير وصيد ما علمتم، وجملة شرطية إن جعلت شرطاً وجوابها {فَكُلُواْ } و {ٱلْجَوَارِحِ } كواسب الصيد على أهلها من سباع ذوات الأربع والطير {مُكَلِّبينَ} معلمين إياه الصيد، والمكلب مؤدب الجوارح ومضر بها بالصيد. مشتق من الكلب، لأن التأديب يكون أكثر فيه وآثر، أو لأن كل سبع يسمى كلباً لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك»تفسير : وانتصابه على الحال من علمتم وفائدتها المبالغة في التعليم. {تُعَلّمُونَهُنَّ } حال ثانية أو استئناف. {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } من الحيل وطرق التأديب، فإن العلم بها إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه سبحانه وتعالى، أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وأن ينزجر بزجره وينصرف بدعائه ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وهو ما لم تأكل منه لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم «حديث : وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه»تفسير : وإليه ذهب أكثر الفقهاء وقال بعضهم: لا يشترط ذلك في سباع الطير لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر، وقال آخرون لا يشترط مطلقاً. {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} الضمير لما علمتم والمعنى: سموا عليه عند إرساله أو لما أمسكن بمعنى سموا عليه إذا أدركتم ذكاته. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في محرماته. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} فيؤاخذكم بما جل ودق. {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} يتناول الذبائح وغيرها، ويعم الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، واستثنى علي رضي الله تعالى عنه نصارى بني تغلب وقال: ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر. ولا يلحق بهم المجوس في ذلك وإن ألحقوا بهم في التقرير على الجزية لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»تفسير : {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} فلا عليكم أن تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي الحرائر أو العفائف، وتخصيصهن بعث على ما هو الأولى. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } وإن كن حربيات وقال ابن عباس لا تحل الحربيات. {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها والحث على ما هو الأولى. وقيل المراد بإيتائها التزامها {مُّحْصِنِينَ } أعفاء بالنكاح. {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} غير مجاهرين بالزنا. {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } مسرين به، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} يريد بالإِيمان شرائع الإِسلام وبالكفر إنكاره والامتناع عنه.

ابن كثير

تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، حدثني معن وعوف، أو أحدهما، أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي عن الزهري، قال: إذا قال الله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} افعلوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم، وحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فهو في التوراة: يا أيها المساكين فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية، يعني: ابن هشام، عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} إلا أن علياً سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا قد عوتب في القرآن، إلا علي بن أبي طالب؛ فإنه لم يعاتب في شيء منه، فهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر. وقال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر، قلت: وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل، وقوله: فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا علياً، إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله: {أية : أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المجادلة: 13]، وفي كون هذا عتاباً نظر، فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندباً لا إيجاباً، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم يصدر من أحد منهم خلافه، وقوله عن علي: إنه لم يعاتب في شيء من القرآن، فيه نظر أيضاً؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء، عمت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر، والله أعلم، وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: «حديث : هذا بيان من الله ورسوله {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} فكتب الآيات منها حتى بلغ: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً، وأمره فيه بأمره، فكتب: «حديث : بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} عهد من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون»تفسير : قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود: ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} يعني: العهود، يعني: ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا. ثم شدد في ذلك فقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} تفسير : [الرعد: 25] إلى قوله {أية : سُوۤءُ ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 25]. وقال الضحاك: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} قال: ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وقال زيد بن أسلم: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين. وقال محمد بن كعب: هي خمسة، منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة. وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البيعان بالخيار مالم يتفرقا» تفسير : وفي لفظ آخر للبخاري: «حديث : إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا» تفسير : وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافياً للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعاً، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. وقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} هي الإبل والبقر والغنم، قاله أبو الحسن وقتادة وغير واحد، قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجالد عن أبي الوداك جبير بن نوفل، عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة، أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «حديث : كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه» تفسير : وقال الترمذي: حديث حسن، قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه» تفسير : تفرد به أبو داود. وقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة، والدم ولحم الخنزير، وقال قتادة: يعني بذلك الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} تفسير : [المائدة: 3] فإن هذه، وإن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} يعني منها: فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال. وقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} قال بعضهم: هذا منصوب على الحال، والمراد بالأنعام: ما يعم الإنسي؛ من الإبل والبقر والغنم، ويعم الوحشي؛ كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام. وقيل المراد: أحللنا لكم الأنعام، إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد، وهو حرام؛ لقوله: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 145] أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر، بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا هنا، أي: كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} ثم قال تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج. وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبدن، من شعائر الله، وقيل: شعائر الله محارمه، أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} يعني بذلك تحريمه، والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه؛ من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: {أية : يسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 217] وقال تعالى: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} تفسير : [التوبة: 36] الآية، وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو العقدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» تفسير : وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} يعني: لا تستحلوا القتال فيه، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضاً، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] قالوا: والمراد أشهر التسيير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهراً حراماً من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أماناً من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان، ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا. وقوله تعالى: {وَلاَ ٱلْهَدْىَ وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة، فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذي الحليفة، وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعاً، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة، وكان هديه إبلاً كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 32] وقال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها، قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، رواه أهل السنن. وقال مقاتل بن حيان: وقوله: {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} فلا تستحلوها، وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم، قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجر الحرم، فيأمنون به، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: {أية : فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 42]. وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا، وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم، فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مطرف بن عبد الله. وقوله تعالى: {وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰناً} أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً، وكذا من قصده طالباً فضل الله وراغباً في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه. قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} يعني بذلك: التجارة، وهذا كما تقدم في قوله: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 198]. وقوله: {وَرِضْوَٰناً} قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم. وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري، كان قد أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل، اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت، فأنزل الله عز وجل {وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰناً}. وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أم البيت الحرام، أو بيت المقدس، وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه، والشرك عنده، والكفر به، فهذا يمنع، قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28] ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تسع - لما أمَّر الصديق على الحجيج - علياً، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وقال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: {وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} يعني: من توجه قبل البيت الحرام. فكان المؤمنون والمشركون يحجون، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28] الآية، وقال تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} تفسير : [التوبة: 17] وقال: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاَْخِرِ} تفسير : [التوبة: 18] فنفى المشركين من المسجد الحرام. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله: {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من الشجر، فلم يعرض له أحد، فإذا رجع، تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، ولا عند البيت، فنسخها قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم، فأمّنوهم، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر: شعر : ألَمْ تَقْتُلا الحرجينِ إذ أَعْورا لكم يُمِرّانِ الأيدي اللِّحاءَ المُضَفَّرا تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ} أي: إذا فرغتم من إحرامكم، وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً، رده واجباً، وإن كان مستحباً، فمستحب، أو مباحاً، فمباح، ومن قال إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال إنه للإباحة، يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه؛ كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم. وقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} من القراء من قرأ: أن صدوكم، بفتح الألف من أن، ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد، في كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية، والشنآن: هو البغض، قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من: شنأته أشنؤه شنآناً بالتحريك، مثل قولهم: جمزان ودرجان ورقلان، من: جمز ودرج ورقل، وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن، فيقول: شنان، ولم أعلم أحداً قرأ بها. ومنه قول الشاعر:شعر : وما العيشُ إلا ما تُحِبُّ وتَشْتَهي وإنْ لامَ فيهِ ذو الشَّنانِ وفَنَّدا تفسير : وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات، وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» تفسير : قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: «حديث : تحجزه وتمنعه من الظلم، فذاك نصره» تفسير : انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه، وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» تفسير : قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: «حديث : تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه» تفسير : وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» تفسير : وقد رواه أحمد أيضاً في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم» تفسير : وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدال على الخير كفاعله» تفسير : ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، قلت: وله شاهد في الصحيح: «حديث : من دعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» تفسير : . وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم العلاء بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي، قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن نمران بن صخمر، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام».

المحلي و السيوطي

تفسير : { يـَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } العهود المؤكدة التي بينكم وبين الله والناس {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعـَٰامِ } الإِبل والبقر والغنم أكلاً بعد الذبح {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تحريمه في {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} الآية، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم لما عرض من الموت ونحوه {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي مُحْرِمون، ونصب «غير» على الحال من ضمير (لكم) {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من التحليل وغيره لا اعتراض عليه.

الشوكاني

تفسير : هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى البشرية، مع شمولها لأحكام عدّة: منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحلّ، ومنها تحريم الصيد على المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وقد حكى النقاش: أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا. قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } يقال أوفى ووفى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر فقال:شعر : أما ابن طوقٍ فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها تفسير : والعقود: العهود، وأصل العقود: الربوط، واحدها عقد، يقال عقدت الحبل والعهد، فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام، قويّ التوثيق؛ قيل: المراد بالعقود هي: التي عقدها الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام؛ وقيل: هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والأولى: شمول الآية للأمرين جميعاً، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض. قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى. والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خالفهما فهو ردّ لا يجب الوفاء به ولا يحلّ. قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } الخطاب للذين آمنوا. والبهيمة: اسم لكل ذي أربع، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم: أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى، وحلقة مبهمة: لا يدري أين طرفاها. والأنعام: اسم للإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لما في مشيها من اللين. وقيل: بهيمة الأنعام: وحشيها، كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية، وغير ذلك. حكاه ابن جرير الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدّي والربيع وقتادة والضحاك. قال ابن عطية: وهذا قول حسن، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له: أنعام، مجموعة معها، وكأن المفترس كالأسد، وكل ذي ناب خارج عن حدّ الأنعام، فبهيمة الأنعام: هي الراعي من ذوات الأربع. وقيل: بهيمة الأنعام: ما لم تكن صيداً، لأن الصيد يسمى وحشاً لا بهيمة. وقيل: بهيمة الأنعام: الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام، فهي تؤكل من دون ذكاة، وعلى القول الأوّل، أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم، تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحلّ مما هو خارج عنها بالقياس، بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } تفسير : الآية [الأنعام: 145]، وقوله صلى الله عليه وسلم، «حديث : يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير»تفسير : ، فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة. قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } استثناء من قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ }، أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال، والمتلوّ: هو ما نصّ الله على تحريمه، نحو قوله تعالى:{أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [المائدة: 3] الآية، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به: إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به: في مستقبل الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعاً. قوله: {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } ذهب البصريون إلى أن قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } استثناء من بهيمة الأنعام، وقوله: {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } استثناء آخر منه أيضاً، فالاستثناءان جميعاً من بهيمة الأنعام، والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون. وقيل: الاستثناء الأوّل من بهيمة الأنعام، والاستثناء الثاني هو من الاستثناء الأوّل، وردّ بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام، لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحاً، وأجاز الفراء أن يكون {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ } في موضع رفع على البدل، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من الأجناس. قال: وانتصاب {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } على الحال من قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } وكذا قال الأخفش، وقال غيرهما: حال من الكاف والميم في {لَكُمْ} والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد، أي الاصطياد في البرّ وأكل صيده. ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملاً واعتقاداً وهم حرم، أي محرمون، وجملة {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } في محل نصب على الحال من الضمير في {مُحِلّى}، ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحلّ أكلها كأنه قال: أحلّ لكم صيد البرّ إلا في حال الإحرام؛ وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى: أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام، لكونكم محتاجين إلى ذلك، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرّم عليهم في تلك الحال والمراد بالحرم من هو محرم بالحجّ أو العمرة أو بهما، وسمي محرماً؛ لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرم حرماً، والإحرام إحراماً. وقرأ الحسن والنخعي ويحـيى بن وثاب "حَرْمَ" بسكون الراء وهي لغة تميمية، يقولون في رُسُل: رُسْل، وفي كُتُب: كُتْب ونحو ذلك. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه. قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } الشعائر: جمع شعيرة، على وزن فعيلة، قال ابن فارس: ويقال للواحدة شِعَارة وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدي. والمشاعر: المعالم، واحدها مشعر، وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات. قيل: المراد بها هنا جميع مناسك الحج وقيل: الصفا والمروة، والهدي والبدن. والمعنى على هذين القولين: لا تحلوا هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشىء منها أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها: ذكر سبحانه النهي عن أن يحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم. وقيل: المراد بالشعائر هنا: فرائض الله، ومنه: {أية : ومن يعظم شعائر الله}تفسير : [الحج:32]. وقيل هي حرمات الله، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق. قوله: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } المراد به: الجنس، فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرّم، ورجب، أي لا تحلوها بالقتال فيها. وقيل: المراد به هنا شهر الحج فقط. قوله: {وَلاَ ٱلْهَدْىَ } هو ما يهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة: هدية. نهاهم سبحانه عن أن يحلوا حرمة الهدي بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدى إليه، وعطف الهدي على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته والتشديد في شأنه. قوله: {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ } جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو نحوه. وإحلالها: بأن تؤخذ غصباً، وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي. وقيل: المراد بالقلائد: المقلدات بها، ويكون عطفه على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، والأوّل أولى. وقيل: المراد بالقلائد: ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، فهو على حذف مضاف، أي ولأصحاب القلائد. قوله: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} أي قاصديه من قولهم أممت كذا أي قصدته. وقرأ الأعمش «ولا آمي البيت الحرام» بالإضافة. والمعنى: لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحجّ أو عمرة أو ليسكن فيه. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنزل: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } إلى آخر الآية فيكون ذلك منسوخاً بقوله: {أية : ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5]، وقوله: {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [التوبة: 28]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحجنّ بعد العام مشرك»تفسير : . وقال قوم: الآية محكمة وهي في المسلمين. قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً } جملة حالية من الضمير المستتر في {آمِينٌ }. قال جمهور المفسرين: معناه: يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوان الله، وقيل كان منهم من يطلب التجارة ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين. وقيل: المراد بالفضل هنا: الثواب، لا الأرباح في التجارة. قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ } هذا تصريح بما أفاده مفهوم {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرّم لأجله وهو الإحرام. قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ } قال ابن فارس: جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك: لا بدّ ولا محالة، وأصلها من جرم، أي كسب. وقيل: المعنى: لا يحملنكم. قاله الكسائي وثعلب، وهو يتعدّى إلى مفعولين، يقال: جرمني كذا على بغضك، أي حملني عليه، ومنه قول الشاعر:شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : أي جملتهم على الغضب. وقال أبو عبيدة والفراء: معنى {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الجور، والجريمة والجارم، بمعنى الكاسب، ومنه قول الشاعر:شعر : جريمة ناهض في رأس نيق يرى لعظام ما جمعت صليباً تفسير : معناه كاسب قوت. والصليب: الودك، ومنه قول الآخر:شعر : يا أيها المشتكى عكلا وما جرمت إلى القبائل من قتل وإيئاس تفسير : أي كسبت، والمعنى في الآية: لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم، أولا يكسبنكم بغضهم اعتداءكم للحق إلى الباطل، ويقال: جرم يجرم جرماً: إذا قطع. قال عليّ بن عيسى الرماني: وهو الأصل، فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب، ولا جرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه، قال الخليل معنى: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ }تفسير : [النحل: 62] لقد حقّ أن لهم النار. وقال الكسائي: جرم، وأجرم لغتان بمعنى واحد: أي اكتسب. وقرأ ابن مسعود: "لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ" بضم الياء، والمعنى: لا يكسبنكم ولا يعرف البصريون أجرم، وإنما يقولون جرم لا غير. والشنآن: البغض. وقرىء بفتح النون وإسكانها، يقال شنيت الرجل أشنوه شناء ومشنأة وشنآناً كل ذلك: إذا أبغضته، وشنآن هنا مضاف إلى المفعول، أي بغض قوم منكم لا بغض قوم لكم. قوله: {أَن صَدُّوكُمْ } بفتح الهمزة مفعول لأجله، أي لأن صدّوكم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير بكسر الهمزة على الشرطية، وهو اختيار أبي عبيد وقرأ الأعمش: "إن يصدوكم" والمعنى على قراءة الشرطية: لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصدّ لكم عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم. قال النحاس: وأما "إن صدّوكم" بكسر إن فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكان المشركون صدّوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست، فالصد كان قبل الآية وإذا قرىء بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده كما تقول: لا تعط فلاناً شيئاً إن قاتلك، فهذا لا يكون إلا للمستقبل وإن فتحت كان للماضي، وما أحسن هذا الكلام. وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة "شنآن" بسكون النون، لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما فقال: ليس هذا مصدراً، ولكنه اسم على وزن كسلان وغضبان. ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بالتعاون على البرّ والتقوى، أي ليقصد بعضكم بعضاً على ذلك، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البرّ والتقوى كائناً ما كان قيل إن البرّ والتقوى لفظان لمعنى واحد، وكرر للتأكيد. وقال ابن عطية: إن البرّ يتناول الواجب والمندوب، والتقوى تختص بالواجب. وقال الماوردي: إن في البرّ رضا الناس، وفي التقوى رضا الله، فمن جمع بينهما فقد تمت سعادته. ثم نهاهم سبحانه عن التعاون على الإثم والعدوان، فالإثم: كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو قائله، والعدوان: التعدّي على الناس بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم، ولا نوع من أنواع الظلم للناس، الذين من جملتهم النفس إلا وهو داخل تحت هذا النهي، لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما، ثم أمر عباده بالتقوى، وتوعد من خالف ما أمر به فتركه أو خالف ما نهى عنه ففعله، بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ}. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } قال: ما أحل الله وما حرّم وما فرض، وما حدّ في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: هي عقود الجاهلية الحلف، وروى عنه ابن جرير أنه قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : وأوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام»تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن في قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } قال: الإبل والبقر والغنم. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر في قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } قال: ما في بطونها، قلت: إن خرج ميتاً آكله؟ قال: نعم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } قال: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به، إلى آخر الآية، فهذا ما حرّم الله من بهيمة الأنعام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ }. وفي قوله: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } يعني: لا تستحلوا قتالاً فيه {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَام} يعني: من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون جميعاً، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً حجّ البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذه الآية: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [التوبة: 28] وفي قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً } يعني: أنهم يرضون الله بحجهم {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } يقول: لا يحملنكم {شَنَانُ قَوْمٍ } يقول: عداوة قوم. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ } قال: البرّ ما أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: شعائر الله: ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدي: ما لم يقلد، والقلائد: مقلدات الهدي. {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَام} يقول: من توجه حاجاً. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } قال: مناسك الحج. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتدّ ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين، من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابنا، فأنزل الله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } الآية. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : البرّ ما اطمأنّ إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري، في الأدب، ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي، عن النواس ابن سمعان قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن البرّ والإثم، فقال: «حديث : البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس»تفسير : . وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة، أن رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الإثم، فقال: «حديث : ما حاك في نفسك فدعه"تفسير : . قال فما الإيمان؟ قال: "حديث : من ساءته سيئته، وسرّته حسنته، فهو مؤمن».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها عهود الله، التي أخذ بها الإِيمان، على عباده فيما أحله لهم، وحرمه عليهم، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب أن يعملوا بما في التوراة، والإِنجيل من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن جريج. والثالث: أنها عهود الجاهلية وهي الحلف الذي كان بينهم، وهذا قول قتادة. الرابع: عهود الدين كلها، وهذا قول الحسن. والخامس: أنها العقود التى يتعاقدها الناس بينهم من بيع، أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول ابن زيد. {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الأنعام كلها، وهي الإِبل، والبقر، الغنم، وهذا قول قتادة، والسدي. والثاني: أنها أجنة الأنعام التى توجد ميتة فى بطون أمهاتها، إذا نحرت أو ذبحت، وهذا قول ابن عباس، وابن عمر. والثالث: أن بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش، ولا يدخل فيها الحافر، لأنه مأخوذ من نعمة الوطء. قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ} أى معالم الله، مأخوذ من الإِشعار وهو الإِعلام. وفي شعائر الله خمسة تأويلات: أحدها: أنها مناسك الحج، وهو قول ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنها ما حرمه الله فى حال الإحرام، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أنها حرم الله، وهو قول السدي. والرابع: أنها حدود الله فيما أحل وحرَّم وأباح وحظَّر، وهو قول عطاء. والخامس: هي دين الله كله، وهو قول الحسن، كقوله تعالى: {أية : ذّلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 22] أى دين الله. {وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ} أي لا تستحلوا القتال فيه، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه رَجَبُ مُضَر. والثاني: أنه ذو العقدة، وهو قول عكرمة. والثالث: أنها الأشهر الحرم، وهو قول قتادة. {وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ} أما الهدي ففيه قولان: أحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى. والثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم، وقد جعل على نفسه، أن يُهديه ويقلده، وهو قول ابن عباس. فأما القلائد ففيها ثلاثة أقاويل: أنها قلائد الهدْي، وهو قول ابن عباس، وكان يرى أنه إذا قلد هديه صار مُحرِماً. والثاني: أنها قلائد من لحاء الشجر، كان المشركون إذا أرادوا الحج قلدوها فى ذهابهم إلى مكة، وعَوْدهم ليأمنوا، وهذا قول قتادة. والثالث: أن المشركين كانوا يأخذون لحاء الشجر من الحرم إذا أرادوا الخروج منه، فيتقلدونه ليأمنوا، فَنُهوا أن ينزعوا شجر الحرم فيتقلدوه، وهذا قول عطاء. {وَلاَ ءَامِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ} يعنى ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام، يقال أممت كذا إذا قصدته، وبعضهم يقول يممته، كقول الشاعر: شعر : إني لذاك إذا ما ساءني بلد يممت صدر بعيري غيره بلداً تفسير : {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} فيه قولان: أحدهما: الربح فى التجارة، وهو قول ابن عمر. والثاني: الأجر، وهو قول مجاهد {وَرِضْوَاناً} يعني رضي الله عنهم بنسكهم. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} وهذا وإن خرج مخرج الأمر، فهو بعد حظر، فاقتضى إباحة الاصطياد بعد الإِحلال دون الوجوب. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَان قَوْمٍ} في يجرمنكم تأويلان. أحدهما: لا يحملنكم، وهو قول ابن عباس، والكسائي، وأبي العباس المبرد يقال: جرمني فلان على بغضك، أى حملني، قال الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : والثاني: معناه ولا يكسبنكم، يقال جرمت على أهلي، أي كسبت لهم، وهذا قول الفراء. وفي {شَنَئَانُ قَوُمٍ} تأويلان: أحدهما: معناه بغض قوم، وهذا قول ابن عباس. والثاني: عداوة قوم، وهو قول قتادة. وقال السدي: نزلت هذه الآية فى الحُطَم بن هند البكري أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِلاَمَ تَدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "حديث : يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيكُم رَجُلٌ مِن رَّبِيعةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ"،تفسير : فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنظرني حتى أشاور، فخرج من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ، وَخَرجَ بِقَفَا غَادِرٍ" تفسير : فمر بسرح من سرح المدينة، فاستقاه وانطلق وهو يرتجز ويقول: شعر : لقد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم باتوا نياماً وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين ممسوح القدم تفسير : ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد الهدي، فاستأذن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلوه، فنزلت هذه الآية حتى بلغ {ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} فقال له ناس من أصحابه: يا رسول الله خلّ بيننا وبينه، فإنه صاحبنا، فقال: "إنه قد قلد". ثم اختلفوا فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخاً على ثلاثة أقاويل: أحدهما: ان جميعها منسوخ، وهذا قول الشعبي، قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية. والثاني: أن الذى نسخ منها {وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ ءَآمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ} وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والثالث: أن الذي نسخ منها ما كانت الجاهلية تتقلده من لحاء الشجر، وهذا قول مجاهد.

ابن عطية

تفسير : قال علقمة: كل ما في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فهو مدني، وقد تقدم القول في مثل هذا. ويقال: وفي وأوفى بمعنى واحد، وأمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود. وهي الربوط في القول كان ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو غيره. ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب. إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولفظ "العقود" يعم عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة وفسرالناس لفظ "العقود" بالعهود. وذكر بعضهم من العقود أشياء على جهة المثال فمن ذلك قول قتادة (أوفوا بالعقود) معناه بعهد الجاهلية. روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وفقه هذا الحديث أن عقد الجاهلية كان يخص المتعاقدين، إذ كان الجمهور على ظلم وضلال، والإسلام قد ربط الجميع وجعل المؤمنين إخوة فالذي يريد أن يختص به المتعاقدان قد ربطهما إليه الشرع مع غيرهم من المسلمين اللهم إلا أن يكون التعاهد على دفع نازلة من نوازل الظلامات فيلزم في الإسلام التعاهد على دفع ذلك والوفاء بذلك العهد، وأما عهد خاص لما عسى أن يقع يختص المتعاهدون بالنظر فيه والمنفعة كما كان في الجاهلية فلا يكون ذلك في الإسلام، قال الطبري: وذكر أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية، فقال لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم الله، قال نعم يا نبي الله، قال لا يزيده الإسلام إلا شدة. وقال ابن عباس رضي الله عنه {أوفوا بالعقود} معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء، قاله مجاهد وغيره. وقال محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما "العقود" في الآية هي كل ما ربطه المرء على نفسه من بيع أن ونكاح أو غيره. وقال ابن زيد وعبد الله بن عبيدة: العقود خمس: عقدة الإيمان وعقدة النكاح وعقدة العهد وعقدة البيع وعقدة الحلف. قال القاضي أبو محمد: وقد تنحصر إلى أقل من خمس، وقال ابن جريج قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} قال: هي العقود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن يعملوا بما جاءهم، وقال ابن شهاب وقرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره: هذا بيان من الله ورسوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} فكتب الآيات منها إلى قوله: {أية : إن الله سريع الحساب} تفسير : [المائدة:4]. قال القاضي أبو محمد: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول فيعمم لفظ المؤمنين جملة من مظهر الإيمان إن لم يبطنه وفي المؤمنين حقيقة ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع. ومن لفظ العقد قول الحطيئة: شعر : قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناجَ وشدوا فوقَهُ الكربا تفسير : وقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} خطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله وكانت للعرب سنن في "الأنعام" من السائبة والبحيرة والحام وغير ذلك فنزلت هذه الآية رافعة لجميع ذلك واختلف في معنى {بهيمة الأنعام} فقال السدي والربيع وقتادة والضحاك: هي "الأنعام" كلها. قال القاضي أبو محمد: كأنه قال أحلت لكم "الأنعام" فأضاف الجنس إلى أخص منه, وقال الحسن: {بهيمة الأنعام} الإبل والبقر والغنم. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال {بهيمة الأنعام} الأجنة التي تخرج عند الذبح للأمهات فهي تؤكل دون ذكاة، وقال ابن عباس: هذه الأجنة من {بهيمة الأنعام}، قال الطبري: وقال قوم {بهيمة الأنعام} وحشها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك. وذكره غير الطبري عن الضحاك. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، وذلك أن "الأنعام" هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها وكان المفترس من الحيوان كالأسد وكل ذي ناب قد خرج عن حد "الأنعام" فصار له ما، فـ {بهيمة الأنعام} هي الراعي من ذوات الأربع وهذه على ما قيل إضافة الشيء إلى نفسه كدار الآخرة ومسجد الجامع، وما هي عندي إلا إضافته الشيء إلى جنسه وصرح القرآن بتحليلها. واتفقت الآية وقول النبي عليه السلام "كل ذي ناب من السباع حرام", ويؤيد هذا المنزع الاستثناءان بعد إذ أحدهما استثني فيه حال للمخاطبين وهي الإحرام والحرم، والصيد لا يكون إلا من غير الثمانية الأزواج، فترتب الاستثناءان في الراعي من ذوات الأربع. والبهيمة في كلام العرب ما أبهم من جهة نقص النطق والفهم ومنه باب مبهم وحائط مبهم، وليل بهيم، وبهمة، للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له. وقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} استثناء ما تلي في قوله تعالى: {أية : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} تفسير : [المائدة: 3] و {ما} في موضع نصب على أصل الاستثناء وأجاز بعض الكوفيين أن تكون في موضع رفع على البدل وعلى أن تكون {إلا} عاطفة وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو قولك جاء الرجال إلا زيد كأنك قلت غير زيد بالرفع وقوله: {غير محلي الصيد} نصب {غير} على الحال من الكاف والميم في قوله {أحلت لكم} ، وقرأ ابن أبي عبلة "غيرُ" بالرفع ووجهها الصفة للضمير في {يتلى} لأن "غيرُ محلي الصيد" هو في المعنى بمنزلة غير مستحل إذا كان صيداً أو يتخرج على الصفة لـ {بهيمة} على مراعاة معنى الكلام كما ذكرت. قال القاضي أبو محمد: وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب "غيرَ" وقدروا فيها تقديمات وتأخيرات وذلك كله غير مرضيّ لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء وحرم جميع حرام وهو المحرم ومنه قول الشاعر: شعر : فقلت لها فيئي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب تفسير : أي ملبّ وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب "حرْم" بسكون الراء و قال أبو الحسن هذه لغة تميمية يقولون في رُسُل رُسْل وفي كُتُب كُتْب ونحوه، وقوله: {إن الله يحكم ما يريد} تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب أي فأنت أيها السامع لنسخ تلك العهود التي عهدت تنبه فإن الله الذي هو مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصر بالكلام ولمن عنده أدنى إبصار فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأمر بالوفاء بالعقود وتحليل بهيمة الأنعام واستثناء ما تلي بعد واستثناء حال الإحرام فيما يصاد وما يقتضيه معنى الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم، وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا للكندي: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحد إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في أجلاد.. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} خطاب للمؤمنين حقاً أن لا يتعدوا حدود الله في أمر من الأمور، والشعائر جمع شعيرة أي قد أشعر الله أنها حدة وطاعته فهي بمعنى معالم الله، واختلفت عبارة المفسرين في المقصود من الشعائر الذي بسببه نزل هذا العموم في الشعائر فقال السدي {شعائر الله} حرم الله، وقال ابن عباس {شعائر الله} مناسك الحج. وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون ويعظمون مشاعر الحج فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} وقال ابن عباس أيضاً {شعائر الله} ما حد تحريمه في الإحرام. وقال عطاء بن أبي رباح، {شعائر الله} جميع ما أمر به أو نهى عنه، وهذا هو القول الراجح الذي تقدم. وقال ابن الكلبي كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية، وقوله تعالى: {ولا الشهر الحرام} اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي كما قال النبي عليه السلام ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه. وتزيل فيه السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح، وتسمية منصل الأسنة وتسمية الأصم من حيث كان لا يسمع فيه صوت سلاح، وكانت العرب مجمعة على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وكانت تطول عليها الحرمة وتمتنع من الغارات ثلاثة أشهر فلذلك اتخذت النسيء وهو أن يحل لها ذلك المتكلم نعيم بن ثعلبة وغيره المحرم يحرم بدله صفراً فنهى الله عن ذلك بهذه الآية وبقوله: {أية : إنما النسيء زيادة في الكفر} تفسير : [التوبة:37] وجعل المحرم أول شهور السنة من حيث كان الحج والموسم غاية العام وثمرته فبذلك يكمل ثم يستأنف عام آخر ولذلك والله علم دوّن به عمر بن الخطاب الدواوين فمعنى قوله تعالى: {ولا الشهر الحرام} أي لا تحلوه بقتال ولا غارة ولا تبديل فإن تبديله استحلال لحرمته.. قال القاضي أبو محمد: والأظهر عندي أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتد أمره لأنه إنما كان مختصاً بقريش ثم فشا في مضر، ومما يدل على هذا قول عوف بن الأحوص: شعر : وشهر بني أمية والهدايا إذا حبست مضرجها الدماء تفسير : قال أبو عبيدة أراد رجباً لأنه شهر كانت مشايخ قريش تعظمه فنسبه إلى بني أمية ذكر هذا الأخفش في المفضليات وقد قال الطبري المراد في هذه الآية رجب مضر.. قال القاضي أبو محمد: فوجه هذا التخصيص هو كما قد ذكرت أن الله تعالى شداد أمر هذا الشهر إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، وقال عكرمة: المراد في هذه الآية ذو القعدة من حيث كان أولها، وقولنا فيها "أول" تقريب وتجوز أن الشهور دائرة فالأول إنما يترتب بحسب نازلة أو قرينة ما مختصة بقوم. وقوله تعالى: {ولا الهدي ولا القلائد} أما الهدي فلا خلاف أنه ما أهدي من النعم إلى بيت الله وقصدت به القربة فأمر الله أن لا يستحل ويغار عليه، واختلف الناس في {القلائد} فحكى الطبري عن ابن عباس أن {القلائد} هي {الهدي} المقلد وأن {الهدي} إنما يسمى هدياً ما لم يقلد فكأنه قال ولا "الهدي" الذي يقلد والمقلد منه. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي قال الطبري تحامل على ألفاظ ابن عباس وليس يلزم من كلام ابن عباس أن {الهدي} إنما يقال لما لم يقلد وإنما يقتضي أن الله نهى عن استحلال {الهدي} جملة ثم ذكر المقلد منه تأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد، وقال جمهور الناس: {الهدي} عام في أنواع ما أهدي قربه و {القلائد} ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج يريد الحج تقلد من السمر قلادة فلم يعرض له أحد بسوء إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه وقال عطاء وغيره: بل كان الناس إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجر الحرم ومن لحائه فيدل لك على أنهم من أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك فنهى الله تعالى عن استحلال من تحرم بشيء من هذه المعاني. وقال مجاهد وعطاء: بل الآية نهي للمؤمنين عن أن يستحلوا أخذ القلائد من شجر الحرم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، وقاله الربيع بن أنس عن مطرف بن الشخير وغيره، وقوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} معناه ولا تحلوهم فتغيروا عليهم ونهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يعمدوا للكفار القاصدين {البيت الحرام} على جهة التعبد والقربة وكل ما في هذه الآية من نهي عن مشرك أو مراعاة حرمة له بقلادة أو أَم البيت ونحوه فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة:5] وروي أن هذه الآية نزلت بسبب الحطم بن هند البكري أخي بني ضبيعة بن ثعلبة وذلك أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: "حديث : يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان فجاء الحطم فخلف خيله خارجة من المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما عرض رسول الله عليه السلام ودعاه إلى الله قال: أنظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاوره. فخرج فقال النبي عليه السلام لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر" تفسير : ، فمر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به وهو يقول: شعر : قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم باتوا نياماً وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين خفاق القدم تفسير : ثم أقبل الحطم من عام قابل حاجاً وساق هدياً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه. وخف إليه ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فنزلت هذه الآية، قال ابن جريج: هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم، ونزلت الآية بسبب الحطم فذكر نحوه، وقال ابن زيد: نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن {ولا آميّن البيت الحرام}. قال القاضي أبو محمد: فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو معكم، وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ، وقرأ ابن مسعود وأصحابه "ولا آمي البيت" بالإضافة إلى البيت وقوله تعالى: {يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً} قال فيه جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل في الأرباح في التجارة ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم، وقال قوم إنما الفضل والرضوان في الآية في معنى واحد وهو رضا الله وفضله بالرحمة والجزاء، فمن العرب من كان يعتقد جزاء بعد الموت، وأكثرهم إنما كانوا يرجون الجزاء والرضوان في الدنيا والكسب وكثرة الأولاد ويتقربون رجاء الزيادة في هذه المعاني وقرأ الأعمش "ورُضواناً" بضم الراء. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم لتنبسط النفوس ويتداخل الناس ويردون الموسم فيسمعون القرآن ويدخل الإيمان في قلوبهم تقوم عندهم الحجة كالذي كان وهذه الآية نزلت عام الفتح ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة براءة.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْعُقُودِ} عهود الله التي أخذ بها الإيمان على عباده فيما أحلّ وحرّم، أو ما أخذ على أهل الكتاب أن يعملوا بما في التوراة والإنجيل من [تصديق] صفة محمد صلى الله عليه وسلم أو العهد والحلف الذي كان في الجاهلية أو عهود الدِّين كلها، أو عقود الناس كالبيع والإجارة وما يعقده على نفسه من نذر أو يمين. {بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} الإبل والبقر والغنم، أو أجنة الأنعام إذا ذكيت فوجد الجنين ميتاً، أو بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش ولا يدخل فيها الحافر لأنه مأخوذ من نَعمة الوطء.

النسفي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } يقال وفى بالعهد وأوفى به، والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف، أو ما عقد الله عليكم، أو ما تعاقدتم بينكم. والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } والبهيمة كل ذات أربع قوائم في البر والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان وهي بمعنى «من» كخاتم فضة ومعناه، البهيمة من الأنعام وهي الأزواج الثمانية. وقيل: بهيمة الأنعام: الظباء وبقر الوحش ونحوهما {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } آية تحريمه وهو قوله «حرمت عليكم الميتة» الآية {غَيْرَ مُحِلّي ٱلصَّيْدِ } حال من الضمير في «لكم» أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال من «محلى الصيد» كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم، والحرم جمع حرام وهو المحرم {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام أو من التحليل والتحريم ونزل نهياً عن تحليل ما حرم {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } أي أشهر الحج {وَلاَ ٱلْهَدْىَ } وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ } جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر أو غيره {وَلا ءَامّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار، وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله. وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لأنها أشرف الهدى كقوله: {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ }تفسير : [البقرة: 98]. كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً، وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ }تفسير : [النور: 31] فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها {يَبْتَغُونَ } حال من الضمير في «آمين» {فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ } أي ثواباً {وَرِضْوٰناً } وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم {وَإِذَا حَلَلْتُمْ } خرجتم من الإحرام {فَٱصْطَـٰدُواْ } إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله «غير محلي الصيد وأنتم حرم». {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ } جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين، تقول جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه، وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني «أن تعتدوا» «وأن صدوكم» متعلق بالشنآن بمنعى العلة وهو شدة البغض، وبسكون النون شامي وأبو بكر، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. «إن صدوكم» على الشرط: مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو «لا يجرمنكم» ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ } على العفو والإغضاء {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ } على الانتقام والتشفي، أو البر فعل المأمور، والتقوى ترك المحظور، والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور، ويحوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى، ولكل إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } لمن عصاه وما اتقاه. ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } أي البهيمة التي تموت حتف أنفها {وَٱلدَّمُ } أي المسفوح وهو السائل {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ } وكله نجس. وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } أي رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم «باسم اللات والعزى» عند ذبحه {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ } التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها {وَٱلْمَوْقُوذَةُ } التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ } التي تردت من جبل أو في بئر فماتت {وَٱلنَّطِيحَةُ } المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } بعضه ومات بجرحه {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى عليها حلت {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها نصب، أو هو جمع والواحد نصاب {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ } في موضع الرفع بالعطف على الميتة أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم، كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب «أمرني ربي» وعلى الآخر «نهاني» والثالث «غُفْلٌ». فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاده، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام. قال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين «لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا». وفي شرح التأويلات رد هذا وقال: لا يقول المنجم «إن نجم كذا يأمر بكذا ونجم كذا ينهى عن كذا» كما كان فعل أولئك، ولكن المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى. ويجوز أن يجعل الله في النجوم معاني وأعلاماً يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا لائمة في ذلك إنما اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه. وقيل: هو الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة، ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية. {ٱلْيَوْمَ } ظرف لـ «يئس» ولم يرد به يوم بعينه وإنما معناه الآن، وهذا كما تقول «أنا اليوم قد كبرت» تريد الآن. وقيل: أريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعدما كانوا غالبين {وَٱخْشَوْنِ } بغير ياء في الوصل والوقف أي أخلصوا لي الخشية. {ٱلْيَوْمَ } ظرف لقوله {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بأن كفيتم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم كما يقول الملوك «اليوم كمل لنا الملك» أي كفينا من كنا نخافه، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً } حال. اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }تفسير : [آل عمران: 85] {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } متصل بذكر المحرمات، وقوله «ذلكم فسق» اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل ومعناه، فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها {فِي مَخْمَصَةٍ } مجاعة {غَيْرَ } حال {مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } مائل إلى إثم أي غير متجاوز سد الرمق {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لا يؤاخذه بذلك {رَّحِيمٌ } بإباحة المحظور للمعذور.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يعني العهود قال الجماعة: واختلفوا في المراد بهذه العقود التي أمر الله تعالى بوفائها فقال ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، أوفوا بالعقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به. وقيل هو خطاب للمؤمنين أمرهم بالوفاء بالعقود. قال ابن عباس: هي عهود الإيمان وما أخذه على عباده في القرآن فيما أحل وحرم. وقيل هي العقود التي كانت في الجاهلية كان يعاقد بعضهم بعضاً على النصرة والمؤازرة على من حاول ظلمه أو بغاه بسوء وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "حديث : أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام ". تفسير : وقيل: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم وما يعقده الإنسان على نفسه. والعقود خمسة: عقد اليمين، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، وعقد الشركة. زاد بعضهم: وعقد الحلف. قال الطبري: وأولى الأقوال عندنا بالصواب ما قاله ابن عباس أن معناه أوفوا يا أيها المؤمنون بعقود الله التي أوجبها عليكم وعقدها فيما أحلَّ وحرم عليكم وألزمكم فرضه وبيَّن لكم حدوده وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب، لأن الله تعالى أتبعه بالبيان عما أحل لعباده وحرم عليهم فقال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} وهو خطاب للمؤمنين خاصة والبهيمة اسم لكل ذي أربع من الحيوان لكن خص في التعارف بما عدا السباع والضواري من الوحوش وإنما سميت بهيمة لأنها أبهمت عن العقل والتمييز. قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة. والأنعام: جمع النعم وهي الإبل والبقر والغنم ولا يدخل فيها ذوات الحافر في قول جميع أهل اللغة. واختلفوا في معنى الآية فقال الحسن وقتادة: بهيمة الأنعام، الإبل والبقر والغنم والمعز. وعلى هذا القول إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد. وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيّها كالظباء وبقر الوحش وحمر الوحش. وعلى هذا إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام ليعرف جنس الأنعام وما أحل منها لأنه لو أفردها فقال البهيمة لدخل فيه ما يحل ويحرم من البهائم فلهذا قال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام}. وقال ابن عباس: هي الأجنَّة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت أو نحرت. ذهب أكثر العلماء إلى تحليلها وهو مذهب الشافعي ويدل عليه ما روي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : في الجنين ذكاته ذكاة أمه"تفسير : أخرجه الترمذي وابن ماجه. وفي رواية أبي داود قال: "حديث : قلنا يا رسول الله ننحر النّاقة ونذبح البقرة والشاة ونجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" تفسير : وروى الطبري عن ابن عمر في قوله: أحلّت لكم بهيمة الأنعام، قال: ما في بطنها. قال عطية العوفي: قلت إن خرج ميتاً آكله؟ قال: نعم هو بمنزلة رئتها وكبدها. وعن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام وعنه أن بقرة نحرت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنب الجنين. وقال: هذا من بهيمة الأنعام. وشرط بعضهم الإشعار وتمام الخلق. وقال ابن عمر: ذكاة ما في بطنها ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره ومثله عن سعيد بن المسيب. وقال أبو حنيفة: لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة الأم. وقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} يعني في القرآن تحريمه وأراد به قوله تعالى: {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] إلى آخر الآية فهذا من المتلو علينا وهو ما استثنى الله عز وجل من بهيمة الأنعام {غير محلّي الصيد وأنتم حرم} يعني أحللت لكم الأنعام كلها والوحشية أيضاً من الظباء والبقر والحمر غير محلّى صيدها وأنتم محرمون في حال الإحرام فلا يجوز للمحرم أن يقتل صيداً في حال إحرامه {إن الله يحكم ما يريد} يعني أن الله يقضي في خلقه ما يشاء، من تحليل ما أراد تحليله وتحريم ما أراد تحريمه وفرض ما يشاء أن يفرضه عليهم من أحكامه وفرائضه مما فيه مصلحة لعباده.

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت: {ولا يجرمنكم} بالنون الخفيفة: روي عن رويس. الباقون مثقلة. {شنآن} في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان. الباقون بالفتح. {أن صدّوكم} بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو. الباقون بالفتح. {ولا تعاونوا} بتشديد التاء: البزي وابن فليح. {الميتة} و {فمن اضطر} كما مر في البقرة. {واخشوني} بالياء في الوقف: سهل ويعقوب. {وأرجلكم} بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره. الباقون بالجر. الوقوف: {بالعقود} ط لاستئناف الفعل. {حرم} ط {ما يريد} ه {ورضواناً} ط {فاصطادوا} ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. {والتقوى} ص لعطف المتفقتين {والعدوان} ص كذلك {واتقوا الله} ط {شديد العقاب} ه {بالأزلام} ط {فسق} ط {واخشوني} ط {دينأً} ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. {لإثم} لا لأن ما بعده جزاء {رحيم} ه {أحل لهم} ط فصلاً بين السؤال والجواب. {الطيبات} ط للعطف أي وصيد ما علمتم {مما علمكم الله} ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين. {عليه} ص {واتقوا الله} ط {الحساب} ه {الطيبات} ط لأن ما بعده مبتدأ. {لكم} ص لعطف المتفقتين {لهم} ز لأن قوله: {والمحصنات} عطف على {وطعام الذين} لا على ما يليه {أخذان} ط {عمله} ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى. {الخاسرين} ه {الكعبين} ط لابتداء حكم. {فاطهروا} ط كذلك. {وأيديكم منه} ط {تشكرون} ه {واثقكم به} لا لأن "إذ" ظرف المواثقة {وأطعنا} ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض {واتقوا الله} ط {الصدور} ه {بالقسط} ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف {أن لا تعدلوا} ط للاستئناف. {اعدلوا} ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى. {للتقوى} ز {واتقوا الله} ط {بما تعملون} ه {الصالحات} لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم {عظيم} ه {الجحيم} ه {أيديهم عنكم} ج لاعتراض الظرف بين المتفقين {واتقوا الله} ط {المؤمنون} ه. التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى. والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام. والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً. والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها. ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق. قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا نذر في معصية الله"تفسير : . وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد. وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: {أوفوا بالعقود} وخصص الشافعي عموم الآية بقوله: صلى الله عليه وسلم: " حديث : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " تفسير : وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: {أية : ولا تعزموا عقدة النكاح} تفسير : [البقرة:235] وقال: {أوفوا بالعقود} ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل. والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم. ثم إنه سبحانه لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل. وهذا باب مبهم أي مسدود. ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر. والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم. قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من. وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين. وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها. وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها. وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه. الثاني أنها الأجنة. عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه تعالى يدفع ألم الذبح عن الحيوانات. وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله سبحانه وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: {إن الله يحكم ما يريد} قال بعضهم: {أحلّت لكم بهيمة الأنعام} مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل. والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع. على أن قوله: {أية : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} تفسير : [النحل:5] يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: {إلاّ ما يتلى عليكم} أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: {حرمت عليكم الميتة والدم} والثاني قوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} اي داخلون في الحرم أو في الإحرام. قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل. وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: {غير محلي} على الحال من الضمير في: {لكم} أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم. ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟ فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف. ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة". وقال ابن فارس: واحدها شعارة. ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله. والثاني أنها شيء خاص من التكاليف. ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد. وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما. وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي. وقال ابن عباس: حديث : إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلام تدعو الناس؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة. فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده. فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم . فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله}تفسير : يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام. وقال زيد بن أسلم: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟ فأنزل الله: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} تفسير : أي قوماً قاصدين إياه. والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر. والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية. والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم. والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال. ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: {أية : ولا يبدين زينتهن} تفسير : [النور:31] فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها. وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: {لا تحلوا} ثم نزل بعد ذلك: {أية : إنما المشركون نجس} تفسير : [التوبة:28] {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} تفسير : [التوبة:17] وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم. وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه تعالى أمرنا {ورضواناً} وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر. وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر. {وإذا حللتم فاصطادوا} ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة {ولا يجرمنكم} معطوف على {لا تحلوا} وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى. تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية. الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان. والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري. ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء. وقوله: {أن صدوكم} من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه {لا يجرمنكم}، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم. قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية {وتعاونوا على البر والتقوى} على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى. {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد. والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله سبحانه وتعالى. ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: {واتقوا الله} أي في استحلال محارمه. {إن الله شديد العقاب} ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: {إلاّ ما يتلى عليكم} فقال: {حرمت عليكم الميتة} الآية. والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله. قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة. الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير. قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته. وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان. والرابع: {ما أهل لغير الله به} والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها. الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها. وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام. السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب. وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات. السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم. الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان. والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام. وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور. تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه. التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه. قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي. قوله: {إلاّ ما ذكيتم} الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح. أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: {والمنخنقة} إلى قوله: {وما أكل السبع} والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة. وقيل: إنه مختص بقوله: {وما أكل السبع} وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال. العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري. وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: {وما أهل لغير الله به} وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها. وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف. الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة. فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل. فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح. وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه. والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة. يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة {ذلكم فسق} إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط. وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً. وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه تعالى مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات. ثم إنه سبحانه حرض على التمسك بما شرع فقال: {اليوم يئس} قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ. وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته العضباء. وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً. فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان {فلا تخشوهم واخشون} أخلصوا إلي الخشية. قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار. {اليوم أكملت لكم دينكم} سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟ وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا. وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً. وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة. قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس. وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها. قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام. وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله. روي أنه لما نزلت الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال. وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص. قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً. واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه. والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع. ثم قال: {وأتممت عليكم نعمتي} أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين {ورضيت} أي اخترت {لكم الإسلام ديناً} نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت. واعلم أن قوله: {ذلكم فسق} إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان. ثم بين الرخصة بقوله: {فمن اضطر في مخمصة} أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن {غير متجانف} منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة. {يسألونك ماذا أحل لهم} كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول. وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: {يسئلونك} ومثل هذا يجوز فيه الوجهان. تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن. أما سبب النزول فعن أبي رافع حديث : أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نزلت هذه الآية. فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها تفسير : . وقال سعيد بن جبير: حديث : نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: {قل أحل لكم الطيبات} تفسير : أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} تفسير : [البقرة:29] واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما. الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير. ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: حديث : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيلتفسير : . الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم. الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير. الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه. ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة. ومنه الفواسق الخمس. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة "تفسير : . السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش. السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله تعالى: {قل أحل لكم الطيبات} قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع. فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم. وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات. وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة. والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا آكله ولا أحرمه" تفسير : ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل. ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن. قوله سبحانه: {وما علمتم من الجوارح} معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة {فكلوا مما أمسكن عليه} ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء {فكلوا} وعلى هذا يجوز الوقف على {الطيبات} والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر. قال تعالى: {أية : ويعلم ما جرحتم بالنهار} تفسير : [الأنعام: 6] أي كسبتم. وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة. وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل. وانتصاب {مكلبين} على الحال من {علمتم} وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ {علمتم} أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب. نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: {مكلبين} يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب. والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع. قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد "تفسير : . أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه. وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها {تعلمونهن} حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره. واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب. ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج. ومنها أن يمسك الصيد لقوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه. وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات. ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها. وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه. ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه. و"من" في {مما أمسكن} قيل زائدة نحو {أية : كلوا من ثمره} تفسير : [الأنعام:141] وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش. وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب. والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن. ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف. أما قوله سبحانه: {واذكروا اسم الله عليه} فالضمير إما أن يعود إلى {ما أمسكن} أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى {ما علمتم} أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام. وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. /{اليوم أحلّ لكم الطيبات} فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم} الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة. وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة. وقيل: إنه جميع المطعومات {وطعامكم حلّ لهم} أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا. وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين {والمحصنات} الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء. وقد يرجح الأول بأنه تعالى قال: {إذا آتيتموهن أجورهن} ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم. ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: {من قبلكم} ينافي من دان بهما بعد نزوله. وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله تعالى {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} تفسير : [البقرة:221] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى. وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن. فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟ وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب. {أية : ولا تتخذوا بطانة من دونكم} تفسير : [آل عمران:118] وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم. وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن. وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله تعالى: {أية : حتى يعطوا الجزية} تفسير : [التوبة:29] واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. {إذا آتيتموهن أجورهن} فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني. والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله تعالى في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان. ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: {ومن يكفر بالإيمان} أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله. وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله. وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر. وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة. واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: {قد حبط عمله} بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله. ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه. ثم إنه سبحانه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله تعالى نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم. وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها. ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: {إذا قمتم} نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض. الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة. والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: {فاغسلوا} أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة. وأيضاً إنه طهارة وقد قال تعالى في آخر الآية: {ولكن يريد ليطهركم} وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : بني الدين على النظافة" تفسير : وقال: " حديث : أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" تفسير : والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة. الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم. وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة. وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود. وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً. ويروى حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه صلى الله عليه وسلم صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد. قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر تفسير : . أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن. وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك. الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها. وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى. ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} الآية. وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه. نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" تفسير : وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ. الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك. وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف. الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز. وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: {فاغسلوا} {وامسحوا} وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله تعالى: {أية : وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين} تفسير : [البينة:5] والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً. وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص. السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز. وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: {فاغسلوا} توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الصفا: " حديث : ابدؤا بما بدأ الله به" تفسير : . وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح. ثم إنه تعالى أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه. وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "حديث : المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" تفسير : وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص. ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد. وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى. السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف تفسير : ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص. الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس. وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمهتفسير : . التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء. وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية. الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء. وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم. الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟ قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب. قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: {واغسلوا} وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط. الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟ يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل. وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال. الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول. الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: {ولكن يريد ليطهركم} والتطهير يحصل بالترطيب. السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل. السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة. الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق. وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم. التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما. أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء. حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه. العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه. الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وإدخال الماء في العين حرج. الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف. لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله. الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة. الشافعي: يجب لقوله: {فاغسلوا} ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه. مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها. الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل. الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: {فاغسلوا} يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل. السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً. السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية. ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: {أية : ثم أتموا الصيام إلى الليل} تفسير : [البقرة:187] فيكون الحد خارجاً عن المحدود. وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً. وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله. وهذا الجواب اختيار الزجاج. وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً. الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد. لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين. التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل. الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: {وأيديكم إلى المرافق} كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة. الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس. أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس. الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل. الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس. وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة. وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة. الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله عنه أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية. وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل. وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل. حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: {وأرجلكم} عطفاً على: {برؤوسكم} ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية. وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل {رؤوسكم} حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح. والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: {فاغسلوا} وإن كان أبعد من: {امسحوا} وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف. الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق. وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات. والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله. حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: {إلى المرافق} وأيضاً العظم/ المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : ألصقوا الكعاب بالكعاب" تفسير : . السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج. حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر. السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: {فاغسلوا} {وامسحوا} مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف. الثامنة والثلاثون. قوله سبحانه: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل. وللجنابة سببان: نزول المني لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : الماء من الماء"تفسير : والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا التقى الختانان وجب الغسل"تفسير : وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها. التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود. لنا قوله: {فاطهروا} يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: {أية : لا يمسه إلاّ المطهرون} تفسير : [الواقعة:79] ولإطلاق قوله: {فاطهروا} علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " تفسير : أبو حنيفة: هما واجبان لقوله تعالى: {فاطهروا} والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء. ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : بلوا الشعر "تفسير : يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " حديث : وأنقوا البشرة " تفسير : يدخل فيه جلدة داخل الفم. الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي. الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض. الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف. قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط. وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج. الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فليستنج بثلاثة أحجار" تفسير : وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب. الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء. السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد. السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} وهذا قد وجد ماء. الشافعي يكره للحديث. الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية. وقال أحمد وإسحق: لا يجوز. التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص. الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء. الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز. حجتهما: {فاغسلوا} أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: شعر : فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها تفسير : لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم. الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء. وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق. الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي. والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية. الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس. وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس. حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" تفسير : حجة الشافعي مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً"تفسير : الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب. السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء. وقال أبو حنيفة: نجسه. السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: {فتيمموا} والتيمم عبارة عن القصد وهو النية. وقال زفر: لا يجب. الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت. أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: {إذا قمتم} والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها. التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى: {صعيداً طيباً}. الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي رضي الله عنه وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز. لنا قوله تعالى: {أو لامستم} إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه. الحادية والستون. الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: {إذا قمتم} يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبقى في التيمم على ظاهره. أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء. أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين. الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: {إذا قمتم} يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم. وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره. الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم. وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي. الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس. الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور. وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء. السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف. والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله. ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف. وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز. السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز. الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء. /واعلم أن قوله سبحانه وتعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة. وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً. أما قوله: {ولكن يريد ليطهركم} فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول تعالى: {أية : إنما المشركون نجس}تفسير : [التوبة:28] ولقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" تفسير : وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال. التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه. {وليتم نعمته عليكم} بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه. ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه. فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟ فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي. الثاني ذكر الميثاق ومعنى: {واثقكم به} عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه. وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأعراف:172] وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين. واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: {كونوا قوّامين لله} والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: {شهداء بالقسط} قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه. ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال {ولا يجرمنكم} أي لا يحملنكم بغض {قوم على أن لا تعدلوا} أي فيهم فحذف للعلم. ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: {اعدلوا} ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: {هو} أي العدل الذي دل عليه اعدلوا {أقرب للتقوى} أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه. وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك. وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟ ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: {لهم مغفرة} بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟ فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل. وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: {أية : قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم} تفسير : /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها. بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به. عن جابر حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله. فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبهتفسير : . وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: حديث : قتل رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من بني سليم - وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا. فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية تفسير : , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف. وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان. التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة {أوفوا} أيها العشاق {بالعقود} التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق. فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده {أحلت لكم} ذبح {بهيمة} النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر:28] فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم {وأنتم حرم} بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال {إن الله يحكم ما يريد} لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك. ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: {يا أيها الذين آمنوا} بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار {لا تحلوا} معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة {وإذا حللتم} أتممتم مناسك الوصول {فاصطادوا} أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق. {حرمت عليكم} يا أهل الحق {الميتة} وهي الدنيا بأسرها {والدم ولحم الخنزير} أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل {وما أهل به} أي كل طاعة هي {لغير الله والمنخنقة والموقوذة} يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة {والمتردية والنطيحة} الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان {وما أكل السبع} الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب {إلاّ ما ذكيتم} بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال {وما ذبح على النصب} ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية {وأن تستقسموا بالأزلام} أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً. {اليوم يئس الذين كفروا} من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها {من دينكم فلا تخشوهم واخشون} فإن كيدي متين {اليوم} أي في الأزل {أكملت لكم دينكم} ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة {وأتممت عليكم نعمتي} وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم {فمن اضطر} فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين {يسئلونك ماذا أحل} لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق. {فكلوا مما أمسكن عليكم} تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم {واذكروا} عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية {اسم الله} أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله {اليوم} يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار {أحل لكم الطيبات} {أحل لكم الطيبات} التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات {وطعام الذين أوتوا الكتاب} وهم الأنبياء {حل لكم} أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة {وطعامكم حل لهم} أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين {أية : قد علم كل أناس مشربهم} تفسير : [البقرة:60] وللنبي وراء ذلك كله مشرب "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" تفسير : {والمحصنات من المؤمنات} وهي أبكار حقائق القرآن/ {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن {أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين} تفسير : [السجدة:17] {إذا آتيتموهن أجورهن} وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق {غير مسافحين} على وجه الطبع {ولا متخذي أخدان} غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان {ومن يكفر بالإيمان} بهذ المقامات {فقد حبط عمله} الذي عمل من دون المكاشفات {يا أيها الذين آمنوا} إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم {إذا قمتم} من نوم الغفلة {إلى الصلاة} وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم {فاغسلوا وجوهكم} التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار {وأيديكم إلى المرافق} أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق {وامسحوا برؤسكم} ببذل نفوسكم {وأرجلكم إلى الكعبين} من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم {ولا يجرمنكم} ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال {على أن لا تعدلوا} مع أنفسكم {إذ هم قوم} من الشيطان والنفس والهوى {أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} والله خير موفق ومعين.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ...} الآية عامَّة في الوفاءِ بالعقودِ، وهي الرُّبُوطُ في القَوْل، كل ذلك في تعاهُدٍ علَىٰ بِرٍّ أوْ في عُقْدَةِ نِكاحٍ، أوْ بَيْعٍ، أو غيره، فمعنى الآيةِ أمْرُ جميعِ المؤمنينَ بالوَفَاءِ علَىٰ عَقْدٍ جارٍ علَىٰ رَسْم الشريعةِ، وفَسَّر بعض الناسِ لفْظَ «العقود» بالعُهُودِ، وقال ابنُ شِهَابٍ: قرأْتُ كتابَ رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الذي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثهُ إلَىٰ نَجْرَانَ، وفِي صَدْرِهِ: «هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}، فكتب الآياتِ إلى قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [المائدة:4]. قال * ع *: وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنْ تعمَّم ألفاظها بغايةِ مَا تَتَنَاوَلُ، فيعمَّم لفظ المؤمنينَ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتابِ، وفي كُلِّ مظهر للإيمانِ، وإنْ لم يبطنْهُ، وفي المؤمنينَ حقيقةً، ويعمَّم لفظ العُقُودِ في كلِّ ربطٍ بقَوْلٍ موافِقٍ للحق والشَّرْع. وقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} اختلف في معنى {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}. فقال قتادة وغيره: هي الأنعامُ كلُّها. * ع *: كأنه قال: أُحِلَّتْ لكم الأنعامُ. وقال الطبريُّ: قال قومٌ: بهيمةُ الأنعامِ: وحْشُهَا، وهذا قولٌ حَسَنٌ؛ وذلك أنَّ الأنعامَ هي الثمانيةُ الأزواجِ، وٱنضافَ إلَيْهَا مِنْ سائر الحَيَوان ما يُقَالُ له: أنعامٌ بمجموعِهِ معها، والبهيمة في كلامِ العربِ: ما أبهم من جِهَةِ نَقْص النُّطْق والفَهْم. وقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ }: استثناءُ ما تُلِيَ في قوله تعالَىٰ: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [المائدة:3] «وما» في موضعِ نَصْبٍ؛ علَىٰ أصْل الاستثناءِ. وقوله سبحانه: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ...} نُصِبَ «غير»؛ على الحال من الكافِ والميمِ في قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ}، وهو استثناءٌ بعد استثناءٍ. قال * ص *: وهذا هو قولُ الجمهورِ، واعترض بأنَّه يلزم منه تقييدُ الحِلِّيَّةِ بِحَالَةِ كَوْنهم غِيْرَ محلِّين الصَّيْدَ، وهم حُرُمٌ، والْحِلِّيَّةُ ثابتةٌ مطلقاً. قال * ص *: والجوابُ عندي عَنْ هذا؛ أنَّ المفهوم هنا مَتْرُوكٌ؛ لدليلٍ خَارجيٍّ، وكثيرٌ في القرآن وغيره من المَفْهُومَاتِ المتروكَةِ لِمُعارِضٍ، ثم ذكر ما نقله أبو حَيَّان من الوُجُوه التي لم يَرْتَضِهَا. * م *: وما فيها من التكلُّف، ثم قال: ولا شَكَّ أنَّ ما ذكره الجمهورُ مِنْ أنَّ «غَيْر»: حالٌ، وإنْ لزم عنه الترك بالمفهومِ، فهو أوْلَىٰ من تَخْرِيجٍ تَنْبُو عنه الفُهُوم. انتهى. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}: تقويةٌ لهذه الأحكامِ الشرعيَّة المخالِفَةِ لِمعهود أحكامِ الجاهليَّة، أي: فأنت أيها السَّامِعُ لِنَسْخِ تلك التي عَهِدتَّ، تَنَبَّهْ، فإنَّ اللَّه الذي هو مَالِكُ الكُلِّ يحكُمُ ما يريدُ لا مُعقِّب لحُكْمه سُبْحانه. قال * ع *: وهذه الآيةُ مما تَلُوحُ فصاحتها، وكَثْرَةُ معانِيهَا علَىٰ قلَّة ألفاظها لكلِّ ذِي بَصَر بالكلامِ، ولِمَنْ عنده أدنَىٰ إبْصَارٍ، وقد حَكَى النَّقَّاش؛ أنَّ أَصْحَابَ الكِنْدِيِّ قالوا للكنديِّ: أيُّهَا الحكيمُ، ٱعْمَلْ لنا مثْلَ هذا القرآن، فقال: نعم، أعْمَلُ لكم مِثْل بعضِهِ، فٱحتجَبَ أياماً كثيرةً، ثم خَرَج، فقال: واللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليه، ولا يطيقُ هذا أحدٌ؛ إني فتحْتُ المُصْحَفَ، فخرجَتْ سورةُ المَائِدَةِ، فنَظَرْتُ، فإذا هو قد أَمَرَ بالوَفَاءِ، ونهَىٰ عن النُّكْثِ، وحلَّل تحليلاً عامًّا، ثم ٱستثنَى ٱستثناءً بعد ٱستثناءٍ، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلاَّ في أَجْلاَدٍ.

ابن عادل

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} بالعقود أي: بالعهود، ويقال: وَفَّى بالعهد، وأوفى به. قال الزَّجَّاج: هي أوكد العهود، ويقال: عاقدت فلاناً، وعقدت عليه، أي: ألزمته ذلك باستيثاق، وأصله من عقد الشيء بغيره، ووصله به كما يعقد الحبل بالحبل. فالعهد إلزام، والعقد التزام على سبيل الإحكام، ولما كان الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وصفاته وأحكامه، وكان من جملة أحكامه أنه يجب على الخَلْقِ إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه - أمر بالوفاء بالعقود، أي: أنكم التزمتم بإيمكانكم أنواع العقود والطاعة بتلك العقود. فصل في الكلام على فصاحة الآية قال القرطبي: هذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها، لكل بصير بالكلام؛ فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأول: الأمر بالوفاء بالعقود. الثاني: تحليل بهيمة الأنعام. الثالث: استثناء ما يلي بعد ذلك. الرابع: استثناء حال الإحرام فيما يُصَادُ. الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش أن أصحاب الكندي، قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة، ثم خرج، فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة "المائدة"، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين [ولا] يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. فصل في الخطاب في الآية واختلفوا في هذه العقود، فقال ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني: {يا أيها الذين آمنوا} بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود، التي عهدتها عليكم في شأن محمد - عليه الصلاة والسلام - وهو قوله: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 187]. وقال آخرون: هو عام. وقال قتادة: أراد بها الحِلْفَ الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية. وقال ابن عباس: هي عهود الإيمان والقرآن. قال ابن عباس: "أوفوا بالعقود" أي: بما أحل وبما حرم، وبما فرض، وبما حَدَّ في جميع الأشياء كذلك، قاله مجاهد وغيره. وقال ابن شهاب [الدين]: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى "نجران"، وفي صدره: هذا بيان للناس من الله ورسوله، {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} الآية، فكتب الآيات فيها، إلى قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : ، والمقصود أداء التكاليف فعلاً وتركاً. وإنما [سميت التكاليف عقوداً لأنه - تعالى - ربطها بعبادته كما يربط الشيء بالشيء بالحبل] الموثق. وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم. فصل في فقه الآية قال الشافعي: إذا نذر صوم [يوم] العيد، أو نذر ذبح الولد لغى. وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يصح، واحتج بقوله: "أوفوا بالعقود" وبقوله: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2]، وبقوله: {أية : يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} تفسير : [الإنسان: 7] {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} تفسير : [البقرة: 177] ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أوفِ بنَذْرِكَ ". تفسير : وقال الشافعي: هذا نذر معصية، فيكون لغواً؛ لقوله عليه السلام: "حديث : لا نذر في معصية الله ". تفسير : وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت؛ لأن البيع والشراء قد انعقدا، فحرم الفسخ لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. وقال الشافعي: يثبت؛ لأن هذا العموم [قد خص بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : المتبايعان بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا ". تفسير : وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات] حرام؛ لأن النكاح عقد، فوجب أن يحرم رفعه لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تُرك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع، فيبقى فيما عداها على الأصل. وقال الشافعي: ليس بحرام لتخصيص هذا العموم بالقياس، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ، وقد نفذ فلا يحرم. قوله سبحانه: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} لما قرر أولاً جميع التكاليف من حيث الجملة، شرع في ذكرها من حيث التفصيل. والبهيمة كل ذات أربع في البر والبحر [وقيل: ما أبهم من جهة نقص النطق والفهم. قالوا وأصله: كل حي لا عقل له فهو بهيمة] من قولهم: استبهم الأمر على فلان إذا أشكل، وهذا البابُ مُبْهم، أي: مسدود الطريق، ثم اختص هذا الاسم بذوات الأربع، وكل ما كان على وزن "فعيل" أو "فعيلة" حلقي العين، جاز في فائه الكسر إتباعاً لعينه، نحو: بهيمة، وشعيرة، وصغيرة، وبحيرة. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، قال تعالى: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} تفسير : [النحل: 5] إلى قوله: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} تفسير : [النحل: 8] وقال تعالى: {أية : مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} تفسير : [يس: 71] إلى قوله: {أية : فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 72] وقال: {أية : وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} تفسير : [الأنعام: 142]. وقال الواحدي: لا يدخل في اسم الأنعام الحافر؛ لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وقد تقدم في "آل عمران". فإن قيل: البهيمة اسم جنس، والأنعام اسم نوع، فقوله: "بهيمة الأنعام" يجري مجرى قول القائل: حيوان الإنسان، فالحيوان إن قلنا إن المراد بالبهيمة وبالأنعام شيء واحد، فإضافة البهيمة إلى الأنعام [إما للبيان] فهو كقولك: خاتم فضّة، أي: من فضّة، ومعناه [أنَّ] البهيمة من الأنعام، أو للتأكيد كقولنا: نفس الشيء وذاته وعينه. وإن قلنا: المراد بالبهيمة شيء، والأنعام شيء آخر، ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد من بهيمة الأنعام الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام، ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار، فأضيف الاجترار إلى الأنعام لحصول المشابهة. والثاني: أن المراد ببهيمة الأنعام أجنة الأنعام، روي عن ابن عباس [- رضي الله عنهما -] أن بقرة ذبحت، فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنبه، وقال: هذا من بهيمة الأنعام. وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام، وذكاته ذكاة أمه، ومثله عن الشعبي. وذهب أكثر اهل العلم إلى تحليله؛ لما حديث : روى أبو سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله: "نَنْحَرُ الناقة، ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله"؟ قال: "كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ، فإنَّ ذكاتَه ذكاة أمِّهِ"" تفسير : وشرط بعضهم الإشعار. فإن قيل: لو قال: أحلت لكم الأنعام، لكان الكلام تاماً؛ كقوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} تفسير : [الحج: 30] فما فائدة زيادة لفظ "البهيمة" هنا؟ [الجواب: إن قلنا: إن بهيمة الأنعام هي الأجنة] فالجواب: ما تقدم من الإضافة، أعني إضافة بهيمة الأنعام. فإن قيل: لِمَ أفرد "البهيمة" وجمع لفظ "الأنعام"؟ فالجواب: إرادة للجنس. فصل في الرد على شبهة الثنوية قالت الثنوية: ذبح الحيوان إيلامٌ، والإيلام قبيح، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم، فيمتنع أن يكون الذبح حلالاً مباحاً بحكم الله، وتحقيق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة على الدفع عن أنفسها، ولا لها لسان تحتج به على من قصد إيلامها، وإيلام من بلغ في العجز إلى هذا الحد أقبح. وعند هذه الشبهة افترق المسملون فرقاً كثيرة: فقالت المكرمية: لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح، بل لَعَلَّ تعالى يرفع عنها ألم الذبح، وهذا مكابرة للضروريات. وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقاً، بل إنما يقبح إذا لم لم يكن مسبوقاً بجناية، ولا ملحوقاً بعوض. وهاهنا الله تعالى عوض هذه الجنايات بأعواض شريفة، فخرج هذا الذبح عن كونه ظُلْماً. ويدلُّ على صحة ما قلناه أن ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألَم الفَصْد والحجامة لطلب الصحة، فإذا حَسُنَ تحمُّل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة، فكذا القول في الذبح. وقال أهل السُّنة: إن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه، والمسألة طويلة. فصل قال بعضهم: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} مجمل؛ لأن الإحْلال إنما يضاف إلى الأفعال، وهاهنا أضيف إلى الذات، فتعذر إجراؤه على ظاهره، فلا بُدَّ من إضمار فعل، وليس إضمار الأفعال أولى من بعض، فيحتمل أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها، أو بعظمها، أو صوفها، أو لحمها، أو المراد إحلال الانتفاع بالأكل، فصارت الآية مجملة، إلا أن قوله تعالى: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفسير : [النحل: 5] دل على أن المراد بقوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} إباحة الانتفاع من كل هذه الوجوه، والله أعلم. [قوله {إلا ما يتلى عليكم} هذا مستثنى من "بهيمة الأنعام" والمعنى: ما يتلى عليكم تحريمه] وذلك قوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] إلى قوله: {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} تفسير : [المائدة: 3]. وفي هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطع حسب ما فُسر به المتلوُّ عليهم، كما سيأتي بيانه. وعلى تقدير كونه [استثناء] متصلاً يجوز في محلّه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب؛ لأنه استثناء متصل من موجب، ويجوز أن يرفع على أنه نعت لـ "بهيمة" على ما قرر في علم النحو. ونقل ابن عطيَّة عن الكوفيين وجهين آخرين أحدهما: أنه يجوز رفعه على البدل من "بهيمة". والثاني: أن "لا" حرف عطف، وما بعدها عطف على ما قبلها، ثم قال: وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس، نحو: جاء الرجال إلا زيد، كأنك قلت: غير زيد، وقوله: وذلك ظاهره أنه مُشارٌ به إلى الوجهين: البدل والعطف. وقوله: إلا من نكرة غير ظاهرة؛ لأن البدل لا يجوز ألبتة من موجب عند أحد من الكوفيين [والبصريين. ولا يُشترط في البدل التوافقُ تعريفاً وتنكيراً وأما العطف فذكره بعض الكوفيين]. وأما الذي اشترط البصريون فيه التنكير، أو ما قاربه، فإنما اشترطوه في النعت بـ "إلاَّ" فيُحتمل أنه اختلط على أبي محمد شرط النعت، فجعله شرطاً في البدل، هذا كله إذا أريد بالمتلوِّ عليهم تحريمه في قوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] إلى آخره. وإن أريد به الأنعامُ والظباء وبقرُ الوحش وحُمره، فيكون منقطعاً بمعنى "لكن" عند البصريين، وبمعنى "بل" عند الكوفيين. وسيأتي بيان هذا المنقطع [بأكثر من هذا] في نصب "غير". قوله: "غَيْرَ" في نصبه خمسة أوجه: أحدها: أنه حال من الضمير المجرور في "لكم"، وهذا قول الجمهور، وإليه ذهب الزمخشري، وابن عطية وغيرهما. وقد ضعف هذا الوجه بأنه يلزم منه تقييدُ إحلال بهيمة الأنعام لهم بحال كونهم غَيْرَ محلِّي الصيد، وهم حرم؛ إذْ يصير معناه: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [في حال كون انتفاء كونكم تحلون الصيد، وأنتم حرم، والغرض أنهم قد أحلت لهم بهيمة الأنعام] في هذه الحال وفي غيرها، هذا إذا أريد ببهيمة الأنعام نفسها. وأما إذا عني بها الظباء، وحُمُر الوحش، وبقره على ما فسَّره بعضهم، فيظهر للتقييد بهذه الحالة فائدة؛ إذ يصير المعنى "أحلّت لكم" هذه الأشياء حال انتفاء كونكم تحلُّون الصيد وأنتم حرم، فهذا معنى صحيح، ولكن التركيب [الذي قدرته لك] فيه قَلَقٌ ولو أريد هذا المعنى من الآية الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه. القول الثاني: وهو قول الأخفش وجماعة أنه حال من فاعل "أوفوا"، والتقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلِّين الصيد وأنتم حُرم، وقد ضعفوا هذا المذهب من وجهين: الأول: أنه يلزم [منه] الفَصْلُ بين الحال وصاحبها بجملة أجنبية، ولا يجوز الفَصْل إلا بجمل الاعتراض، وهذه الجملة وهي قوله: {أحلَّت لكم بهيمة الأنعام} ليست اعتراضية، بل هي منشئة أحكاماً ومبينة لها. وجملة الاعتراض إنما تفيد تأكيداً وتسْديداً. والثاني: أنه يلزم تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحالة، ويصير التقدير؛ كما تقدم، فإذا اعتبرنا مَفْهُومه يصير المعنى: فإذا انتفت هذه الحال فلا توفوا بالعقود، والأمر ليس كذلك فإنهم مأمورون بالإيفاء بالعقود على كل حال من إحرام وغيره. الوجه الثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير المجرور في "عليكم" [أي]: لا [ما] يتلى عليكم، حال انتفاء كونكم محلّين الصيد، وهو ضعيف أيضاً بما تقدم من أن المتلو عليهم لا يتقيد بهذا الحال دون غيرها، بل هو متلو عليهم في هذه الحال، وفي غيرها. الوجه الرابع: أنه حال من الفاعل المقدر يعني الذي حُذِفَ، وأقيم المفعول مقامه في قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}، فإن التقدير عنده: أحل الله لكم بهيمة الأنعام غير محلي لكم الصيد وأنتم حرم، فحذف الفاعل، وأقام المفعول مقامه، وترك الحال من الفاعل باقية. وهذا الوجه فيه ضعف من وجوه: الأول: أن الفاعل المنوب عنه صار نَسْياً مَنْسياً غير ملتفت إليه، نَصُّوا على ذلك، لو قلت: أنزل الغيث مجيباً لدعائهم، وتجعل مجيباً حال من الفاعل المنوب عنه؛ فإن التقدير: أنزل الله الغيث حال إجابته لدعائهم، لم يجز، فكذلك هذا، ولا سيما إذا قيل: بأن بنية الفعل المبني للمفعول بنية مستقلة غير محلولة من بنية مبنية للفاعل كما هو قول الكوفيين، وجماعة من البصريين. الثاني: أنه يلزم منه [التقييد بهذه الحال إذا عُني بالأنعام الثمانية الأزواج، وتقييد إحلاله تعالى لهم هذه الثمانية الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصيد وهم حرم والله تعالى قد أحل لهم هذه مطلقاً]. الثالث: أنه كتب "مُحلّي" بصيغة الجمع، فكيف يكون حالاً من الله تعالى، وكأن هذا القائل زعم أن اللفظ "محل" من غير ياء، وسيأتي ما يشبه هذا القول. الوجه الخامس: أنه منصوب على الاستثناء المكرر، يعني أنه هو وقوله: "إلا ما يتلى [عليكم]" مستثنيان من شيء واحد، وهو بهيمة الأنعام. نقل ذلك بعضهم عن البصريين، قال: والتقدير: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد، وأنتم محرمون، بخلاف قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 32] على ما سيأتي بيانه. قال هذا القائل: ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام؛ لأنه مستثنى من الإباحة، وهذا وجه ساقط، فإذاً معناه: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلِّي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد. انتهى. وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال من جعلهم غير محلّي الصيد حالاً من المأمورين بإيفاء العقود، أو من المحلّل وهو الله تعالى، أو من المتلو عليهم وغرَّهم في ذلك كونه كتب "مُحِلِّي" بالياء، وقدروه هم أنه اسم [فاعل] من "أحَلَّ" وأنه مضاف إلى "الصيد" إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة، وأصله غير محلِّين الصيد، إلا في قول من جعله [حالاً] من الفعل المحذوف، فإنه لا يقدر حذف نون، بل حذف تنوين، وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله: "محلي الصيد" من باب قولهم: حِسَان النِّسَاء، والمعنى: النساء الحسان، فكذلك [هذا] أصله غير الصيد المُحلّ، [والمحل] صفة للصيد لا للناس، ولا للفاعل المحذوف. ووصف الصيد أنه "محل" على وجهين: أحدهما: أن يكون معناه دخل في الحل، كما تقول: أحَلَّ الرجل إذا دخل في الحِلِّ، وأحرم إذا دخل في الحرمِ. والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حلٍّ أي: حلالاً بتحليل الله تعالى، وذلك أن الصيد على قسمين: حلال وحرام. ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال، لكنه يختصُّ به شرعاً، وقد تجوزت العرب، فأطلقت الصيد على ما لا يُوصَفُ بحلّ ولا حُرْمة. كقوله: [البسيط] شعر : 1913- لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجَالَ إذَا مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرَانِهِ صَدَقَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1914- وَقَدْ ذَهَبَتْ سَلْمَى بِعَقْلِكَ كُلِّهِ فَهَلْ غَيْرُ صَيْدٍ أحْرَزَتْهُ حَبَائِلُهْ تفسير : وقول امرئ القيس: [المتقارب] شعر : 1915- وَهِرٌّ تَصِيدُ قُلُوبِ الرِّجَالِ وَأفْلَتَ مِنْهَا ابْنُ عمْرٍو حُجُرْ تفسير : ومجيءُ "أفْعَلَ" على الوجهين المذكورين كثيرٌ في لِسَانِ العربِ، فَمِنْ مجيءِ "أفْعَلَ" لبلوغ المكان، ودخوله قولُهم: أحْرَم الرجلُ، وأعْرَقَ، وأشْأمَ، وأيْمَنَ، وأتهم، وأنْجَدَ، إذا بلغ هذه الأماكنَ، وحَلَّ بها. ومن مَجِيء "أفْعَل" بمعنى صار ذا كذا قولُهُمْ: أعْشَبَتِ الأرضُ وأبْقَلَتْ، وأغَدَّ البعير وألْبَنَتِ الشاة، وغيرُها، وأجْرَتِ الكلبُ، وأصْرَمَ النخل، وأتْلَتِ الناقةُ، وأحْصَدَ الزرعُ وأجْرَبَ الرجلُ، وأنْجبتِ المرأةُ. وإذا تَقَرَّرَ أنَّ الصيدَ بوَصْفٍ بكونه مُحلاً باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحلّ أو صار ذا حِلٍّ، اتَّضَحَ كَوْنُهُ استثناءً ثانياً، ولا يكون استثناءً من استثناء؛ إذ لا يمكنُ ذلك لتناقضِ الحُكْم؛ لأنَّ المستثنى من المحلل مُحرَّمٌ، [والمستثنى من المحرم محلل] بل إنْ كان المعني بقوله: بهيمةَ الأنعامِ الأنعام أنفسها، فيكون استثناءً منقطعاً وإنْ كان المرادُ الظِّبَاءَ، وبَقَر الوحْشِ وحُمُرَهُ، فيكون استثناءً متصلاً على أحد تَفْسِيري المحل، استثنى الصَّيدَ الذي بلغ الحلّ في حالِ كونِهِم، مُحْرِمينَ. فإنْ قُلْتَ: ما فائدةُ هذا الاستثناء بَعْد بُلُوغِ الحل، والصيدُ الذي في الحرم لا يحلّ أيضاً؟ قُلْتُ: الصيدُ الذي في الحرمِ لا يَحِلُّ للمحرم ولا لِغَيْر المحْرِمِ، وإنَّما يحَلّ لِغَيْرِ المحرِمِ الصيدُ الذي في الحلّ، فنبَّهَ بأنَّهُ إذَا كَان الصيدُ [الذي] في الحّل يَحْرمُ على المُحْرم - وإنْ كان حَلالاً لِغَيْرِه - فأحْرَى أن يحرم عليه الصيدُ الذي هو بالحَرَمِ، وعلى هذا التفسير [يكون] قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} إنْ كان المرادُ بِهِ ما جاء بعده مِنْ قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} تفسير : [المائدة: 3] الآية استثناءً منقطعاً؛ إذْ لا تختصُّ الميْتَةُ وما ذُكِر معها بالظِّبَاءِ، وبقرِ الوحشِ وحُمُرِه، فيَصيرُ التقديرُ: لكِنْ ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ أي: تحريمُهُ فهو مُحرَّمٌ وإنْ كانَ المُرادُ ببهيمة الأنْعامِ [الأنعام] والوحوش، فيكون الاستثناءانِ راجعيْن إلى المجموع على التَّفْصِيلِ، فيَرْجِع {مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} إلى "ثَمَانِيَة" الأزْوَاجِ، ويرجِعُ {غَيْرَ مُحِلِّي الصّيدِ} إلى الوحوشِ؛ إذْ لا يمكنُ أنْ يكون الثَّانِي استثناءً من الاستثناءِ الأوَّلِ، وإذا لم يمكنْ ذلك، وأمْكَنَ رُجُوعُهُ إلى الأوّلِ بوجهٍ ما رجع إلى الأولِ. وقد نَصَّ النحويونَ: أنَّه إذا لَمْ يمكنْ استثناء بَعْضِ المستثنيات مِنْ بَعْض جُعِل الكُلّ مُسْتثنى من الأوَّل، نحو: قام القومُ إلا زيداً إلا عمْراً إلا بَكْراً، فإن قلت ما ذكرته من هذا التخريجِ الغريبِ، وهو كونُ المحلّ مِنْ صفة الصَّيْدِ، لا مِنْ صِفَة النّاسِ، ولا مِنْ صِفَة الفاعلِ المحذوفِ يَأبَاهُ رَسْمُهُ في المصْحَف "محلّي" بالياء، ولو كان مِنْ صِفَةِ الصَّيدِ دُونَ الناسِ لكُتبَ "مُحِلّ" من غير ياءٍ، وكون القُرَّاءِ وَقَفُوا عليه بالياء أيضاً يأبى ذلك. قلتُ: لا يعكّر ذلك على هذا التخريج؛ لأنَّهم قَدْ رَسَمُوا في المصحفِ الكريمِ أشياء تخالِفُ النُّطْقَ بها ككتابتهم:{لأَاْذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21]، {وَلأَوْضَعُواْ} [التوبة: 47]، ألفاً بَعْد لامِ الألف وكتابتهم {بِأَيْيْدٍ} [الذاريات: 47] بياءين بعد الهمزة وكتابتهم "أولئك" بزيادة واوِ ونَقْصِ ألف بَعْدَ اللاَّمِ، وكِتَابتِهِمْ: "الصَّالِحَاتِ" [ونحوه] بسُقُوطِ العَيْن إلى غير ذلك. وأمَّا وقْفُهم عليه بالياء فلا يجُوزُ؛ إذْ لا يُوقَفُ على المضافِ دُونَ المضافِ إليه. وإنْ وقف واقفٌ فإنَّما يكونُ بقَطْعِ نَفَسِ واختيار. على أنَّه يمكنُ تَوْجِبهُ كتابتِهِ بالياء والوقفِ عَلَيْه بها، وهو أن لُغَةَ "الأزْد" يَقفونَ فيها على "بزيدٍ، بزيدي" بإبدال التَّنْوين ياءً، فَكُتِبَ "مُحِلّي" على الوقف على هذه اللُّغَةِ - بالياءِ، وهذا توجيه شُذُوذٍ رَسْمِيّ، ورسمُ المصحفِ ممّا لا يقاسُ عليه، انتهى. قال شهابُ الدين: وهذا الذي ذَكَرَهُ، وأجازه، وغَلَّطَ النَّاسَ فيه لَيْسَ بشيء، وما ذكره من تَوجيه ثُبُوتِ الياءِ خَطّاً ووَقْفاً، فَخَطَأٌ محض؛ لأنه على تقدير تَسْلِيم ذلك في تلك اللُّغَةِ، فأيْنَ التنوينُ الذي في "مُحِلّ"؟ وكيف يكونُ فيه تنوينٌ، وهو مضافٌ حَتّى يقول: إنَّه قد يُوجَّهُ بلُغَةِ "الأزْدِ"؟ وما ذكره مِنْ كونه يَحْتَمِلُ مِمَّا يكونون قَدْ كتبوه كما كتبوا تلك الأمثلة المذكورة، فَشَيءٌ لا يُعَوَّلُ عليه؛ لأنّ خَطّ المصحفِ سُنَّة متبعة لا يقاسُ عليها، فكيفَ يقول: يحتمل أن يقاسَ هذا على تلك الأشياء؟ وأيضاً فإنهم لم يُعْرِبُوا [غَيْر] إلاَّ حالاً، حتّى نقل بعضُهم الإجْماعَ على ذلك. وإنما اختلفُوا في صاحِبِ الحالِ، فقوله: إنه استثناءٌ ثانٍ مع هذه الأوجه الضَّعيفةِ خَرْقٌ للإجماع إلا ما تقدَّم نقْلُهُ عن بعضهِم منْ أنَّه استثناءٌ ثانٍ، وعَزَاهُ للبصريين، لكِنْ لا على هذا المَدْرَكِ الذي ذكره الشيخ. وقديماً وحديثاً اسْتَشْكَلَ النَّاسُ هذه الآية. وقال ابن عَطِيَّة: وقد خلطَ الناسُ في هذا الموضع في نصب "غَيْرَ" وقدَّرُوا تَقْدِيماتٍ وتَأخِيراتٍ، وذلك كُلُّه غيرُ مُرضٍ؛ لأنَّ الكلام على اطّرادِهِ، فيمكنُ اسْتِثْناء بعد استثناءٍ. وهذه الآيةُ مِمّا اتضحَ لِلْفُصَحاء والبُلغَاءِ فَصَاحَتُها وبلاغَتُها، حتى يُحكَى أنَّهُ قِيلَ لِلْكنديّ: أيّها الحكيمُ، اعْمَلْ لَنَا مِثْلَ هذا القرآنِ، فقال: نَعَمْ أعمل لَكُمْ مِثْلَ بعضه، فَاحْتَجَبَ أيَّاماً كثيرةً، ثُمّ خرج فقال: والله لا يَقْدِرُ أحدٌ على ذلك، إنّني فتحتُ [سورة] من المصحف فخرجتْ سورةُ "المائدة"، فإذا هو قَدْ نَطَقَ بالوَفَاءِ، ونَهَى عن النّكثِ، وحَلَّل تَحْلِيلاً عامّاً، ثم اسْتَثْنَى استثناءً بعد استثناءٍ، ثُمَّ أخبر عَنْ قُدْرتِهِ وحِكْمته في سَطْريْنِ. والجمهورُ على نَصْبِ "غَيْرَ"، وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ برفعه، وفيه وجهان: أظهرُهُمَا: أنّه نعتٌ لـ "بهيمة الأنعام" والمَوْصُوفُ بـ "غير" لا يلزمُ فيه أنْ يكونَ مُمَاثِلاً لما بَعْدها [في جنسه] تقولُ: مررتُ بِرَجُلٍ غَيْرِ حِمَارٍ، هكذَا قالُوه، وفيه نظر، ولَكِنْ ظاهرُ هذه القراءةِ يَدُلُّ لهم. والثاني: أنَّهُ نعتٌ للضمير في "يُتْلَى". قال ابنُ عَطِيَّة: لأنَّ {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} في المَعْنَى بمنزلةِ غَيْرِ مُسْتَحَلٍّ إذَا كان صَيْداً، وفيه تكلُّفٌ، والصيدُ في الأصلِ مصدرُ: صَادَ يَصِيدُ ويُصَاد، ويُطْلَقُ على المَصِيدِ، كدِرْهَمٍ ضَرْبِ الأميرِ. وهو في الآية الكريمةِ يَحْتَملُ الأمرين أي من كونه بَاقِياً على مَصْدْرِيَّته، كأنَّهٌ قيل: أحِلّ لَكُمْ بهيمَةُ الأنْعَام، غَيْرَ مُحِلّينَ الاصْطِيادَ وَأنْتُم مُحْرِمُونَ، ومَنْ كونِهِ وَاقِعاً مَوْقِعَ المفعول أيْ: غَيْر مُحلِّينَ الشَّيْءَ [المصيد] وأنتم محرمون. وقوله: "وَأنْتُمْ حُرُم" مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، وما هو صاحبُ هذه الحالِ؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: هِيَ حَال عَنْ "محلّي الصيد"، كأنه قِيلَ: أحْلَلْنَا لكم بعضَ الأنعامِ في حالِ امْتناعِكُم مِنَ الصيد، وأنْتُمُ مُحْرِمُونَ، لِئَلاّ نَتحرَّج عليكم. قال أبو حَيّان: وقد بَيَّنَا فسادَ هذا القولِ بأنَّ الأنعامَ مُبَاحَةٌ، مُطْلقاً لا بالتَّقْييدِ بهذا الحالِ. قال شهاب الدين: وهذا الرَّدُ لَيْسَ بشيءٍ؛ لأنَّه [إذا] أحَلَّ لهم بعضَ الأنعامِ في حالِ امتناعِهِمْ مِنَ الصيد، فأن يحلَّها لهم وهم غير مُحْرِمين بطريق الأوْلَى و"حُرُم" جمع "حَرَام" بمعنى مُحْرم. قال: [الطويل] شعر : 1916- فَقُلْتُ لَهَا: فِيئي إليكِ فإنَّني حَرَامٌ وإنِّي بَعْدَ ذَاكَ لَبِيبُ تفسير : أيْ: مُلَبٍّ، وأحْرَمَ إذا دَخَل في الحَرَمِ، أو في الإحْرَامِ. وقال مَكيُ بنُ أبي طالب: هو في موضع نَصْبٍ على الحال [من] المضمر في "مُحِلّي"، وهذا هو الصحيحُ. و[أما] ما ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ، فلا يَظْهَرُ فيه مجيءُ الحالِ من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. وقرأ يَحْيَى بنُ وثَّاب، وإبراهيم والحسن "حُرْم" بسكون الراء. وقال أبو الحسن البصريُّ: هي لغة "تَمِيم" يَعْنِي يُسَكِّنون ضمة "فُعُل" جمعاً، نحو: "رُسْل". قد تقدم كلامُ المعربين في الآية الكريمة. قال المفسرون: معنى الآيةِ، أحِلَّتْ لَكُم الأنعامُ كُلُّها، إلا ما كان منها وَحْشِيًّا؛ [فإنه صَيْدٌ] لا يَحِلُّ لكم في حال الإحرامِ، وقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} استثناءٌ مُجْمل، واستثناءُ المجمل من الكلام المفصل يجعلُ ما بقي بعد الاستثناء مُجْملاً، إلاَّ أن المفسرِينَ أجْمعوا على أنّ المرادَ من هذا الاستثناءِ هو قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} تفسير : [المائدة: 3] ووجهُ هذا أن قوله {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} يقتضي إحْلاَلَها لهم على جميع الوجوهِ، ثُمَّ بيَّن أنّها إنْ كانت مَيْتةً أو موقُوذةً أو مُتردِّيةً أو نَطيحةً أو افترسها السبعُ أو ذُبِحت على غير اسم الله فهي مُحرمةٌ. وقوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصّيد} معناه: أنه لما أحلّ بهيمة الأنعامِ، ذكر الفرقَ بين صيدها وغيره، فبيَّن أنَّ كُلَّ ما كان صَيْداً، فإنّه حلالٌ في الإحلالِ دُونَ الإحرامِ، وما لم يكنْ صيداً فإنّه حلالٌ في الحاليْنِ جَمِيعاً. وظاهرُ هذه الآيةِ يَقْتضِي أنّ الصيد مُطْلقاً حَرَامٌ على المُحْرم، [إلاَّ أنَّه تعالى أباح في آيةٍ أخْرَى أنّ الصيدَ المحرَّمَ على المحْرِم] إنَّما هو صيدُ البَرِّ لا صيدَ البحرِ، بقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} تفسير : [المائدة: 96] فبيَّن ذلك الإطلاق. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} أيْ أنَّ الله تعالى أباح الأنعامَ في جميع الأحوالِ، وأباح الصيد في بعضِ الأحوالِ دُون بعضٍ، فلو قال قائلٌ: ما السببُ في هذا التفصيل والتَّخْصيصِ، كان جوابهُ: أنَّه تعالى مالك الأشياءِ وخالقها فلا اعْتراضَ عليه في حُكْمه.

البقاعي

تفسير : مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب، ودل عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكراً لنعمه واستدفاعاً لنقمة، وقصة المائدة أدل ما فيها على ذلك، فإن مضمونها أن من زاغ عن الطمأنينة بعد الكشف الشافي والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب، وتسميتها بالعقود أوضح دليل على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار. {بسم الله} أي الذي تمت كلماته فصدقت وعوده وعمت مكرماته {الرحمن} الذي عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه وحقوق مخلوقاته {الرحيم} الذي نظر إلى القلوب فثبت منها على الصدق ما جبّله على التخلق بصفاته. لما أخبر تعالى في آخر سورة النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر}تفسير : [الأنعام: 146]، واستمر تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم، ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذي اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جلُّ مبناه القلب الذي هو عيب، فقال مشيراً إلى أن الناس الذين خوطبوا أو تلك الأهلوا لأول أسنان الإيمان ووصفوا بما هم محتاجون إليه، وتخصيصهم مشير إلى أن من فوقهم من الأسنان عنده من الرسوخ ما يغنيه عن الحمل بالأمر، وذلك أبعث له على التدبر والأمتثال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {أوفوا} أي صدقوا ذلك بأن توفوا {بالعقود} أي العهود الموثقة المحكمة, وهي تعم جميع أحكامه سبحانه فيما أحل أو حرم أو ندب على سبيل الفرض أو غيره، التي من جملتها الفرائض التي افتتحها بلفظ الإيصاء الذي هو من أعظم العهود، وتعم سائر ما بين الناس من ذلك، حتى ما كان في الجاهلية من عقد يدعو إلى بر، وأما غير ذلك فليس بعقد، بل حل بيد الشرع القوية، تذكيراً بما أشار إليه قوله تعالى في حق أولئك {أية : اذكروا نعمتي وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون}تفسير : [البقرة: 40] وإخباراً لهم بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك، فقال على سبيل التعليل مشيراً إلى أن المقصود من النعمة كونها، لا بقيد فاعل مخصوص، وإلى أن المخاطبين يعلمون أنه لا منعم غيره سبحانه: {أحلت لكم} والإحلال من أجل العقود {بهيمة} وبينها بقوله: {الأنعام} أي أوفوا لأنه أحلّ لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفاً بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم من الإبل والبقر والغنم بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من شأنها، فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا، فيحرم عليكم ما حرم عليهم، ويعد لكم من العقاب ما أعد لهم، ولا تعترضوا على نبيكم، ولا تتعنتوا كما اعترضوا وتعنتوا، فإن ربكم لا يسأل عما يفعل، وسيأتي في قوله: {أية : لا تسئلوا عن أشياء}تفسير : [المائدة: 101] ما يؤيد هذا. ولما كانوا ربما فهموا من هذا الإحلال ما ألفوا من الميتات ونحوها قال مستثنياً من نفس البهيمة، وهي في الأصل كل حي لا يميز، مخبراً أن من أعظم العقود ما قدم تحريمه من ذلك في البقرة: {إلا ما يتلى عليكم} أي في بهيمة الأنعام أنه محرم، فإنه لم يحل لكم، ونصب {غير محلي الصيد} على الحال أدل دليل على أن هذا السياق. وإن كان صريحه مذكراً بالنعمة لتشكر - فهو مشار به إلى التهديد إن كُفِرَت، أي أحل لكم ذلك في هذه الحال، فإن تركتموها انتفى الإحلال، وهذه مشيرة إلى تكذيب من حرم من ذلك ما أشير إليه بقوله تعالى في التي قبلها حكاية عن الشيطان {أية : ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} تفسير : [النساء: 119] من السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه ديناً، وفصّلو فيه تفاصيل - كما سيأتي صريحاً في آخر هذه السورة بقوله تعالى: {أية : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} تفسير : [المائدة: 103] الآية، وكذا في آخر الأنعام، وفي الأمر بالوفاء بالعقود بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية التحذير من تعمد الإخلال بشيء من ذلك وإن دق، وفي افتتاح هذه المسماة بالمائدة بذكر الأطعمة عقب سورة النساء - التي من أعظم مقاصدها النكاح والإرث، المتضمن للموت المشروع فيهما الولائم والمآتم. أتم مناسبة، وقال ابن الزبير: لما بين تعالى حال أهل الصراط المستقيم، ومن تنكب عن نهجهم، ومآل الفريقين من المغضوب عليهم والضالين، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه خلاصهم أخذاً وتركاً، وجعل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة رضي الله عنه في قوله: "حديث : الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم والشهادة سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له" تفسير : قلت: وهذا الحديث أخرجه البزار عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم "تفسير : فذكره، وصحح الدارقطني وقفه، ورواه أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قالك " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له: شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهي الملة، والثانية: الصلاة وهي الفطرة، والثالثة: الزكاة وهي الطهور، والرابعة: الصوم وهي الجنة، والخامسة: الحج وهي الشريعة، والسادسة: الجهاد وهي الغزوة، والسابعة: الأمر بالمعروف وهو الوفاء والثامنة: النهي عن المنكر وهي الحجة، والتاسعة: الجماعة وهي الألفة، والعاشرة: الطاعة وهي العصمة "تفسير : وفي سنده من ينظر في حاله؛ قال ابن الزبير: وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بني الإسلام على خمس "تفسير : أي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر وغيره واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان"تفسير : قال ابن الزبير: وقد تحصلت - أي الأسهم الثمانية والدعائم الخمس - فيما مضى، وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه، وأن ذلك ببغيهم وعداوتهم ونتقضهم العهود {أية : فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} تفسير : [المائدة: 13] وكان النقض كل مخالفة، قال الله تعالى لعباده المؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود، فحذر المؤمنين - انتهى. والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام وما شابهها من حيوان البر، ولكون الصيد مراد الدخول في بهيمة الأنعام استثنى بعض أحواله فقال: {وأنتم حرم} أي أحلت البهيمة مطلقاً إلا ما يتلى عليكم من ميتاتها وغيرها في غير حال الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو دخول الحرم، وأما في حال الإحرام فلا يحل الصيد أكلاً ولا فعلاً. ولما كان مدار هذه السنة على الزجر والإحجام عن أشياء اشتد ألفهم لها والتفاتهم إليها، وعظمت فيها رغباتهم من الميتات وما معها، والأزلام والذبح على النصب، وأخذ الإنسان بجريمة الغير، والفساد في الأرض، والسرقة والخمر والسوائب والبحائر - إلى غير ذلك؛ ذكّر في أولها بالعهود التي عقدوها على أنفسهم ليلة العقبة حين تواثقوا على الإسلام من السمع والطاعة في المنشط والمكر والعسر واليسر فيما أحبوا وكرهوا، وختم الآية بقوله معللاً: {إن الله} أي ملك الملوك {يحكم ما يريد *} أي من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق كالأنعام، وفي حال دون حال كما شابهها من الصيد، فلا يسأل عن تخصيص ولا عن تفضيل ولا غيره، فما فهمتم حكمته فذاك، وما لا فكلوه إليه، وارغبوا في أن يلهمكم حكمته؛ قال الإمام - وهذا هو الذي يقوله أصحابنا -: إن علة حسن التكليف هو الربوبية والعبودية، لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصلحة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏ يعني بالعهود، ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حدَّ في القرآن كله، لا تغدروا ولا تنكثوا‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏أوفوا بالعقود‏} ‏ أي بعقد الجاهلية، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ‏"‏حديث : أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏أوفوا بالعقود‏}‏ قال‏:‏ بالعهود، وهي عقود الجاهلية الحلف‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن عبيدة قال‏:‏ العقود خمس‏:‏ عقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة البيع، وعقدة العهد، وعقدة الحلف‏. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال‏:‏ العقود خمس‏:‏ عقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة البيع، وعقدة العهد، وعقدة الحلف‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال‏:‏ هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقِّه أهلها، ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا كتاب من الله ورسوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود‏} ‏ عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، أمره بتقوى الله في أمره كله ‏{أية : ‏إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏}‏ ‏تفسير : [‏النحل: 128‏]‏، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره، وأن يبشر بالخير الناس، ويأمرهم به الحديث بطوله‏.‏ وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أدوا للحلفاء عقودهم التي عاقدت أيمانكم‏. قالوا‏:‏ وما عقدهم يا رسول الله‏؟‏ قال‏: العقل عنهم، والنصر لهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ بلغنا في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود‏}‏ يقول‏:‏ أوفوا بالعهود، يعني العهد الذي كان عهد اليهم في القرآن فيما أمرهم من طاعته أن يعملوا بها، ونهيه الذي نهاهم عنه، وبالعهد الذي بينهم وبين المشركين، وفيما يكون من العهود بين الناس‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى ‏ {‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏} ‏ قال‏:‏ يعني الإبل والبقر والغنم قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الأعشى وهو يقول‏:‏ شعر : أهل القباب الحمر والنـ ـعم المؤثل والقبائل تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ابن المنذر عن الحسن في قوله ‏ {‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏} ‏ قال‏:‏ الإبل، والبقر، والغنم‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس‏.‏ أنه أخذ بذنب الجنين، فقال‏:‏ هذا من بهيمة الأنعام التي أحلَّت لكم. ‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عمر في قوله ‏ {‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏} ‏ قال‏:‏ ما في بطونها‏.‏ قلت‏:‏ إن خرج ميتاً آكله‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏} ‏ قال‏:‏ الأنعام كلها ‏ {‏إلا ما يتلى عليكم‏} ‏ قال‏:‏ إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أحلَّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم‏} ‏ قال ‏{أية : ‏الميتة * والدم * ولحم الخنزير * وما أهل لغير الله به‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 3‏]‏ إلى آخر الآية فهذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏{إلا ما يتلى عليكم‏}‏ قال‏:‏ إلا الميتة وما ذكر معها ‏ {‏غير محلي الصيد وأنتم حرم‏} ‏ قال‏:‏ غير أن يحل الصيد أحد وهو محرم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أيوب قال‏:‏ سئل مجاهد عن القرد أيؤكل لحمه‏؟‏ فقال‏:‏ ليس من بهيمة الأنعام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال‏:‏ الأنعام كلها حل إلا ما كان منها وحشياً فإنه صيد، فلا يحل إذا كان محرماً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {إن الله يحكم ما يريد‏}‏ قال‏:‏ إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبين ما أراد في عباده، وفرض فرائضه، وحدَّ حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته‏.

ابو السعود

تفسير : (سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون آية) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} الوفاءُ القيامُ بموجَبِ العَقْد، وكذا الإيفاء، والعقد هو العهدُ الموَثَّقُ المشبَّه بعقد الحبل ونحوه، والمراد بالعقود ما يعمّ جميعَ ما ألزمه الله تعالى عبادَه وعقَده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقِدونه فيما بـينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها، مما يجب الوفاء به، أو يحسنُ دِيناً بأن يُحمل الأمرُ على معنىً يعمّ الوجوبَ والندبَ. أُمرَ بذلك أولاً على وجه الإجمال، ثم شُرِعَ في تفصيلِ الأحكام التي أمر بالإيفاء بها وبُدىء بما يتعلّق بضروريات مَعايشِهم فقيل: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} البهيمةُ كلُّ ذات أربع، وإضافتُها إلى الأنعام للبـيان كثوب الخزّ، وإفرادُها لإرادة الجنس، أي أحِلّ لكم أكلُ البهيمة من الأنعام، وهي الأزواجُ الثمانية المعدودة في سورة الأنعام، وأُلحِق بها الظباءُ وبقَرُ الوَحْش ونحوُهما، وقيل: هي المرادة بالبهيمة هٰهنا لتقدّم بـيان حِلِّ الأنعام، والإضافةُ لما بـينهما من المشابهة والمماثلة في الاجترار وعدم الأنياب، وفائدتُها الإشعارُ بعِلة الحكم المشتركة بـين المضافَيْن، كأنه قيل: أُحلت لكم البهيمةُ الشبـيهة بالأنعام التي بَـيَّن إحلالَها فيما سبق، المماثِلةُ لها في مَناطِ الحُكم. وتقديم الجارّ والمجرور على القائم مَقام الفاعل لما مر مراراً من إظهار العناية بالمقدَّم، لما فيه من تعجيل المسرَّة والتشويق إلى المؤخَّر، فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقِّبةً إلى وروده، فيتمكّن عندها فضلُ تمكّن. {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} استثناء من (بهيمةُ) أي إلا مُحرَّمَ ما يتلى عليكم من قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} ونحوَه، أو إلا ما يُتلى عليكم آيةُ تحريمه. {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ} أي الاصطيادِ في البَرّ أو أكلِ صيده، وهو نصبٌ على الحالية من ضمير لكم، ومعنى عدمِ إحلالِهم له تقريرُ حرمته عملاً واعتقاداً، وهو شائع في الكتاب والسنة، وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أي مُحرمون، حال من الضمير في مُحِلِّي، وفائدةُ تقيـيد إحلالِ بهيمةِ الأنعام بما ذُكر من عدم إحلالِ الصيد حالَ الإحرام ـ على تقدير كونِ المراد بها الظباءَ ونظائرَها ـ ظاهرةٌ، لما أن إحلالها غيرُ مُطلق، كأنه قيل: أحل لكم الصيدُ حالَ كونِكم ممتنعين عنه عند إحرامكم. وأما على التقدير الأول ففائدته إتمامُ النعمة وإظهارُ الامتنان بإحلالها بتذكير احتياجهم إليه، فإن حرمةَ الصيد في حالة الإحرام من مظانِّ حاجتهم إلى إحلال غيرِه حينئذ، كأنه قيل: أحلت لكم الأنعام مطلقاً حالَ كونكم ممتنِعين عن تحصيل ما يُغنيكم عنها في بعض الأوقات محتاجين إلى إحلالها. وفي إسناد عدم الإحلال إليهم بالمعنى المذكور ـ مع حصول المراد بأن يقال: غيرُ محلَّلٍ لكم، أو محرماً عليكم الصيدُ حال إحرامكم ـ مزيدُ تربـيةٍ للامتنان، وتقرير للحاجة ببـيان علتها القريبة، فإن تحريم الصيد عليهم إنما يوجب حاجتهم إلى إحلال ما يغنيهم عنه باعتبار تحريمهم له عملاً واعتقاداً، مع ما في ذلك من وصفهم بما هو اللائق بهم، {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئتُه المبْنيةُ على الحِكَم البالغة، فيدخل فيها ما ذُكر من التحليل والتحريم دخولاً أولياً، ومعنى الإيفاء بهما الجرَيانُ على موجبهما عقداً وعملاً، والاجتنابُ عن تحليل المحرمات وتحريم بعضِ المحلَّلاتِ كالبَحيرة ونظائرِها التي سيأتي بـيانها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الآية: 1]. قال سرى: أى خواص الخواص من عبادى. قال ذو النون: علاقة المؤمن خلع الراحة وإعطاء المجهود فى الطاعة ومحبة سقوط المنزلة. وقال ابن عطاء فى قوله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: أى يا أيها الذين أعطيتهم قلوبًا لا تغفل عنى ولا تحجب دونى طرفة عين. قال الواسطى رحمة الله عليه: الإيمان إيمانان إيمان بضياء الروح وهو الحقيقي، وإيمان محبة بظلمة الروح، لذلك استثنى من استثنى فى إيمانه. وقال بعضهم: صفة المؤمن كالأرض تحمل الأذى وتنبت المرعى. وقال محمد بن خفيف: الإيمان تصديق القلوب بما عَلَّمه الحق من الغيوب. وقال جعفر بن محمد فى قوله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال فيه أربع خصال: نداء وكناية، وإشارة وشهادة، فيا نداء وأى خصوص نداء وها كناية والذين إشارة وآمنوا شهادة. قال ابن عطاء فى قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: هم الذين خصصتهم ببرى ومشاهدتى لا يكونون كمن أعميتهم عن مشاهدتى ومطالعة برى. وقال فارس: الإيمان تعظيم الحقيقة، وصون الشريعة والرضا بالقضية، حتى تستيقن أنه ليس إليك من حركاتك وسكونك شىء. قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. قيل: أول عقدٍ عُقِد عليك إجابتك له بالربوبية، فلا تخالفه بالرجوع إلى سواه. والعقد الثانى: عقد بحمل الأمانة فلا تحقرنها. قال الواسطى رحمة الله عليه: العقود إذا لم تشهد القصور تلوَّن عليها المقصود. وقال إبراهيم الخواص: من عرف الحق بوفاء العهد ألزمته تلك المعرفة السكون إليه والاعتماد عليه. وقال أبو محمد الجريرى: الوفاء متصل بالصفاء. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}. قال جعفر: حكم بما أراد وأمضى، وإرادته ومشيئته نافذة، فمن رضى بحكمه استراح وهُدى لسبيل رشده، ومن سخطه فإن حكمه ماضٍ وله فيه السخط والهوان.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} [المائدة: 1]. "يا" حرف نداء، و "أي" اسم منادى، "ها" تنبيه و {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} صلة المنادى. ناداهم قبل أن بداهم، وسمَّاهم قبل أن يراهم، وأَهَّلهم في آزالهِ لِمَا أوصلهم إليه في آباده. شَرَّفهم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وكلَّفهم بقوله {أَوْفُواْ} ولمَا عَلِمَ أن التكليف يوجب المشقة قَدَّم التشريف بالثناءِ على التكليف الموجِب للعناءِ. ويقال الإيمانُ صنفان: أحدهما يشير إلى عين الجود، والثاني إلى بذل المجهود. فَبَذْلُ المجهودِ خِدْمَتُك، وعين الجود قِسْمَتُه؛ فبخدمتك عناءُ الأشباح، وبقسمته ضياءُ الأرواح. وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب. ويقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: يا مَنْ دخلوا في إيماني، ما وصلتم إلا أَماني إلا بسابق إحساني. ويقال يا مَنْ فتحتُ بصيرتَهم لشهود حقي حتى لا يكونوا كمن أعرضتُ عنهم مِنْ خَلْقِي. قوله جلّ ذكره: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. كُلُّ مُكلَّفٍ مُطَالَبٌ بالوفاء بعقده، والعقد، ما ألزمك بسابق إيجابه، ثم وفقَّكَ - بعدما أظهرك عند خطابه - بجوابه، فانبرم العقد بحصول الخطاب، والقبول بالجواب. ويدخل في ذلك - بل يلتحق به - ما عَقَدَ القلبُ معه سِرًّا بِسِرٍّ؛ من خلوصٍ له أضمره، أو شيء تبيَّنه، أو معنًى كوشف به أو طولب به فقَبِله. ويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد، ولا يكون ذلك إلا بالتبرِّي من المُنَّة، والتحقق بتولي الحق - سبحانه - بلطائف المِنَّة. قوله جلّ ذكره: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. تحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جُرْم سَبَق منها، وتحريم بعضها والمنع من ذبحها من غير طاعة حصلت منها - دليلٌ على ألاَّ عِلَّةَ لصنعه. وحرَّم الصيد على المُحْرِم خصوصاً لأن المُحْرِمَ متجرِّدٌ عن نصيب نفسه بقصده إليه، فالأليق بصفاته كُفُّ الأذى عن كل حيوان. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}. لا حَجْرَ عليه في أفعاله، فيخصُّ من يشاء بالنُّعْمى، ويفرد من يشاء بالبلوى؛ فهو يُمْضِي الأمور في آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى في آزاله.

البقلي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لله الاسماء الحسنى والنعوت الا على ومن جملتها المؤمن فالبس نور هذا الاسم خواصه وزين اسرهرم به فخاطبهم بخاصية اتصافهم باسمه وصفته وهم بنوره ويرونه فساروا بمراكب اسمه ونعته فى ميادين الصفات حتى بلغوا انوار الذات فشاهدوه بوصف اليقين والسكون اى ايها الشاهدون ماشهدتى قال ابن عطا اى ايها الذين اعطتيهم قلوبا لا تغفل عن ولا تحجب دونى طرفة عين وقال شيخنا وسيدنا ابو عبد الله محمد بن حنيف الايمان تصديق القلوب بما اعلمه الحق من الغيب قال بعضهم يا غيب واى سروها تنبيه واخارج وأمنوا وصف المحبين قال أبو الحسين الفارسى فى قوله وافوا بالعقود امر الله عباده بحفظ السياسة فى المعاملات والرياضيات فى المحاسبات والحراسة فى الخطرات والرعاية فى المشاهدات فليس للعبد من هذه الاسباب مهر ولا له عنه محيص وقال بعضهم واوفوا بالعقود عقد القلب بالمعرفة وعقد اللسان بالثناء عقد الجارح بالخضوع وقال جعفر بن محمد فى قوله يا ايها الذين أمنوا اربع خصال نداء وكناية واشارة وشهادة بانداء والا خصوص النداء وها كناية والذين اشارة وأمنا شهادة اشار رضى الله عنه وما فسر واراد والله اعلم ان الياء نداء الازل تقاضى بها وصول المشتاقين الا الازل فخرجت الارواح العاشقة بنداء القدم ومن العدم والا خطاب بسط لاهل الخصوص من اهل الانبساط والهام للغائبين فى جلاله والغائبين فى سطوات عظمته وكبريائه المتحيرين فى دائرة هيويته كناهم بوصف الهوية والذين اشارة الى الواقعين بطلب هلال جماله فى سموات عظمته أمنا وصف قبولهم امانته الازلية وهيى المعرفة القائمة الازلية التى عرضها على السموات والارض والجبال فابين ان يحملنها قوله تعالى {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} هذا كناية عتاب حيث طلب منهم الوفاء بعهد الازل حين قبلوا امانة المعرفة واقربوا بالربوبية فى معاينة المشاهدة عقد مع الارواح العارفة فى الازل بظهور صفاته تعالى لهم قفى كل كشف صفة لها عقد وعهد لاتصافها بها فطارت بوصف الصفات ونورها فى الاشباح بطلب الحق سبحانه الارواح والاشباح بفوائد التخلق والاتصاف بالصفات فى الازل ولذلك وفوا بالعقود لان العقود جمع عقد وعهدٍ اخذها الارواح قيل الاشباح فى فضاء الازل قيل اول عقد عليك عقد اجتبك لربا الربوبية فلا تخالفه بالرجوع الى سواه والعقد الثانى عقد تحمل الامانة فلا تحفرنها قال الواسطى العقود اذا لم تشهد القصور تلون عليها المقصود قال الجريدى الوفاء متصل بالصفاء قال الاستاد ناداهم قيل ان ابدلهم ومساهم قبل ان راهم اهلهم فى ازالة لما اوصلهم اليه فى اباده شرفهم بقوله يا ايها الذين أمنوا وكلفهم بقوله اوفوا لما علم ان التكليف يوجب المشقة قدم التشريف بالثناء عل ىالتكليف المومجب للفناء قوله تعالى {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المحرم الذى ذكره الله هو من اكتسى فى احرام انوار عزته فى حرم مشاهد قربه قد منعه ان لا يصيد فى بيداء العبودية صيدو الحظوظ لان صديه هو بنفسه تعالى لا غيرو من كان هو صيده حرم عليه سواه قال الاستاد المحرم متجرد عن نصيب نفسه بقصده اليه فالاليق بصفاته كف الاذى عن كل حيوان وقد هتف هواتف خاطرى بان العاشق اذا لبس احرام العشق حرم عليه ما فيه اثار صنع معشوق وانوار خصائص الا ترى مجنون بنع امر لما اصطاد ظبيا خلاه عن القدي اطلقه وانشد شعر : وعيناك وجيدك جيدها سوى ان عظم الساق منك رقيق تفسير : وانشد ايضا شعر : ايا شبه ليى الا تزاع فاننى لك لايوم من وحشية تصديق تفسير : اقول وقد اطلقتها من وثاقها لست لليلى ان سكرت طليق قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} قطع اطماع النفوس دخولها فى شهوات اختراع ماردها وحسم حبال امنية الخلق عن دفع سابق المشيبة بالمجاهدات وافرد نفسه بالحم الازلى بنعت نقض عزائم الخليقة بيحتكم اوليائه بنزول بلائه عليهم بعد اسقائهم شراب وداده من بحار جماله قال جعفر عليه السلام حكم بما ارادوا مضى ارادته ومشيته وعن رضى بتحكمه استراح وهدى بسيل رشده ومن سخطه فان حكمخ ما مضى وله فيه السخط والهوان.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود} الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الايفاء يقال وفى بالعهد وفاء واوفى به ايفاء اذا اتى ما عهد به ولم يغدر والنقل الى باب افعل لا يفيد سوى المبالغة والعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعم جميع ما الزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والاحكام الدينية وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الامانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به او يحسن دينا ان حملنا الامر على معنى يعم الوجوب والندب. واحتج ابو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على ان من نذر صوم يوم العيد او ذبح الولد يجب عليه ان يصوم يوما يحل فيه الصوم ويذبح ما يحل ان يتقرب بذبحه لانه عهد والزم نفسه ذلك فوجب عليه الوفاء بما صح الوفاء به. واحتج بها ايضا على حرمة الجمع بين الطلقات لان النكاح من العقود فوجب ان يحرم رفعه لقوله تعالى {اوفوا بالعقود} وقد ترك العمل بعمومه فى حق الطلقة الواحدة بالاجماع فبقى فيما عداها على الاصل وفى الحديث "حديث : ما ظهر الغلول فى قوم الا القى الله فى قلوبهم الرعب ولا فشا الزنى فى قوم الا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق الا فشا فيهم الدم ولا ختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو". شعر : هركه اونيك ميكند يابد نيك وبد هرجه ميكند يابد تفسير : ثم انه تعالى لما امر المؤمنين بان يوفوا جميع ما اوجبه عليهم من التكاليف شرع فى ذكر التكاليف مفصلة فبدأ بذكر ما يحل ويحرم من المطعومات فقال عز وجل من قائل {احلت لكم بهيمة الانعام} البهيمة كل ذات اربع واضافتها الى الانعام للبيان كثوب الخز وافرادها لارادة الجنس اى احل لكم اكل البهيمة من الانعام وهى الابل والبقر والضأن والمعز وذكر كل واحد من هذه الانواع الاربعة زوج بانثاه وانثاه زوج بذكره فكان جميع الازواج ثمانية بهذا الاعتبار من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين على التفصيل المذكور فى سورة الانعام فالبهيمة اعم من الانعام لان الانعام لا تتناول غير الانواع الاربعة من ذوات الاربع والحق بالانعام الظباء وبقر الوحش ونحوهما {الا ما يتلى عليكم} استثناء من بهيمة الانعام بتقدير المضاف اى الا محرم ما يتلى عليكم اى الا الذمى حرمه المتلو من القرآن من قوله تعالى {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : [المائدة: 3]. بعد هذه الآية او بتقدير نائب الفاعل اى الا ما يتلى عليكم فيه آية كريمة {غير محلى الصيد} الصيد بمعنى المصدر اى الاصطياد فى البر او المفعول اى اكل صيده بمعنى مصيده وهو نصب على الحالية من ضمير لكم ومعنى عدم احلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهو شائع فى الكتاب والسنة {وانتم حرم} اى محرمون حال من الضمير فى محلى. والحرم جمع حرام بمعنى محرم يقال احرم فلان اذا دخل فى الحرم او فى الاحرام وفائدة تقييد احلال بهيمة الانعام بما ذكر من عدم احلال الصيد حال الاحرام اتمام النعمة واظهار الامتنان باحلالها بتذكير احتياجهم اليه فان حرمة الصيد فى حالة الاحرام من مظان حاجتهم الى احلال غيره حينئذ كأنه قيل احلت لكم الانعام مطلقا حال كونكم ممتنعين عن تحصيل ما يغنيكم عنها فى بعض الاوقات محتاجين الى احلالها {ان الله يحكم ما يريد} من تحليل وتحريم على ما توجبه الحكمة ومعنى الايفاء بهما الجريان على موجبهما عقدا وعملا والاجتناب عن تحليل المحرمات وتحريم المحللات. والاشارة فى الآية {اوفوا بالعقود} التى جرت بيننا يوم الميثاق وعلى عهود العشاق وعقودهم على بذل وجودهم لنيل مقصودهم عاقدوا على عهد يحبهم ويحبونه ولا يحبون دونه فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والجهد فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عنه بذل وجوده {احلت لكم بهيمة الانعام} اى ذبح بهيمة النفس التى هى كالانعام فى طلب المرام {الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وانتم حرم} يعنى الا النفس المطمئنة اذا تليت عليها ارجعى الى ربك فانها تنفرت من الدنيا وما فيها فانها كالصيد فى الحرم وانتم حرم بالتوجه الى كعبة الوصال باحرام الشوق الى حضرة الجمال والجلال متجردين عن كل مرغوب ومرهوب منفردين من كل مطلوب ومحبوب {ان الله يحكم} بذبح النفس اذا كانت موصوفة بصفة البهيمة ترفع فى مراتع الحيوان السفلية بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع الى حضرة الربوبية عند اطمئنانها مع ذكر الحق واتصافها بالصفات الملكية العلوية {ما يريد} كما يريد كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ...} أي: بالعهود التي عَهِدْتُ إليكم أن تحفظوها، وهي حفظ الأموال، وحفظ الأنساب، وحفظ الأديان، وحفظ الأبدان، وحفظ اللسان، وحفظ الأيمان، ثم مرَّ معها على الترتيب، فما ذكره هناك مُستوفَى، لم يُعِدْ منه هنا إلا أصله، وما بقي هناك في أصل من الأصول الستّة كمّلهُ هنا، ولمّا ذكر فيما تقدّم في أول السورة حُكْم الأموال باعتبار المِلك، ولم يتكلم على ما يحلّ منها وما يحرم، تكلم هنا على ذلك، فقال: {...أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} قلت: إضافة {بهيمة الأنعام}: للبيان، كثوب خزّ، إي: البهيمة من الأنعام، و {غير مُحِلِّي الصيد}: حال، قال الأخفش: من فاعل {أوفوا}، وفيه معنى النّهي، وقال الكسائي: من ضمير {لكم}؛ كما تقول: أُحِلّ لكم الطعام غير مُفسِدين فيه، فإن قُلتَ: الحال قيد لعامِلها، والحِلِّيَّة غير خاصّة بوقت حُرمَة الصيد؟ قلت: لمّا كانت الحاجة إليها في ذلك الوقت أكثر، خصّ الحِلِّيَّة به ليكون أدعى للشكر، ويؤخَذ عموم الحِلِّيَّة من سورة الحج. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام} أي: الأنعام كلها، وهي الإبل والبقر والغنم، {إلا ما يُتلَى عليكم} بعدُ في قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ...}تفسير : [المَائدة:3] الآية، حال كونكم {غير مُحِلِّي الصيد} في حال الإحرام، ومعنى الآية في الجملة: أُحِلَّت الأنعام كلها إلا ما يُتلى عليكم من الميتة وأخواتها، لكن الصيد في حال الإحرام حرام عليكم، {إن الله يحكم ما يريد} من تحليل أو تحريم. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدتموها على نفوسكم في حال سيركم إلى حضرة ربَكم، من مجاهدة ومُكابَدة، فمَن عقد عقدة مع ربّه فلا يحلّها، فإن النفس إذا استأنست بحلّ العقود لم ترتبط بحال، ولعبت بصاحبها كيف شاءت، وأوفوا بالعقود التي عقدتموها مع أشياخكمْ بالاستماع والاتّباع إلى مماتكم، وأوفوا بالعقود التي عقدها عليكم الحق تعالى، من القيام بوظائف العبودية، ودوام مشاهدة عظمة الربوبية، فإن أوفيتم بذلك، فقد أُحِلَّت لكم الأشياء كلها تتصرّفون فيها بهِمّتكم؛ لأنكم إذا كنتم مع المُكَوِّن كانت الأكوان معكم. إلا ما يُتلَى عليكم مما ليس من مقدوركم مما أحاطت به أسوار الأقدار، " فإن سوابق الهِمَم لا تخرق أسوار الأقدار"، غير مُتَعَرِّضين لشهود السّوى وأنتم في حرم حضرة المولى، والله تعالى أعلم. ولما نهى عن التعرض للصيد في الحرم، نهى عن تغيير المناسك والتعرض للحُجَّاج؛ لأنه بينْ تعظيم حرمة الحرم، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله (تعالى) للمؤمنين المعترفين بوحدانيته تعالى المقرين له بالعبودية المصدقين لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في نبوته، وفيما جاء به من عند الله من شريعة الاسلام، أمرهم الله بايفاء العقود وهي العهود التي عاهدوها مع الله وأوجبوا على انفسهم حقوقاً، والزموا نفوسهم بها فروضاً امرهم الله تعالى بالاتمام بالوفاء والكمال لما لزمهم يقال: أوفى بالعهد ووفى به وأوفى به لغة أهل الحجاز. وهي لغة القرآن، واختلف اهل التأويل في العقود التي امر الله (تعالى) بالوفاء بها في هذه الآية بعد اجماعهم على ان المراد بالعقود العهود، فقال قوم: هي العقود التي كان اهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضاً على النصرة والمؤازرة. والمظاهرة على من حاول ظلمهم او بغاهم سوءً وذلك هو معنى الحلف. ذهب اليه ابن عباس ومجاهد، والربيع ابن أنس والضحاك وقتادة والسدي وسفيان الثوري. والعقود جمع عقد. وأصله عقد الشيء بغيره. وهو وصله به، كما يعقد الحبل إذا وصل به شيئاً. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقداً فهو يعقده. قال الحطيئة: شعر : قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا تفسير : وذلك إذا واثقه على امر عاهده على عهد بالوفاء له بما عاقده عليه من امان، أو ذمة أو نصرة، أو نكاح أو غيره ذلك. قال قتادة: هي عقود الجاهلية الحلف. ويقال: اعقدت العسل فهو عقيد ومعقد وروى بعضهم عقدت، العسل والكلام وأعقدت. وقال آخرون: هي العهود التي أخذ الله على عباده بالابان به، وطاعته فيما احل لهم أو حرم عليهم. روي ذلك عن ابن عباس وقال: هو ما أحل وحرم وما فرض، وما حد في القرآن كله، فلا تعدوا أو لا تنكثوا، ثم سدد فقال: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه إلى قوله: سوء الدار}. وبه قال أيضاً مجاهد: وقال قوم: بل العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ويعقدها المرء على نفسه كعقد الايمان، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، وعقد الحلف. ذهب اليه عبد الله بن عبيدة وابن زيد، وهو عبد الرحمن بن زيد بن اسلم عن ابيه. وقال اخرون: ذلك امر من الله لاهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والأنجيل في تصديق محمد (صلى الله عليه واله) وما جاء به من عند الله. ذكر ذلك ابن جريج وأبو صالح. وقال الجبائي: أراد به الوفاء بالايمان فيما يجوز الوفاء به. فاما ما كان يميناً بالمعصية، فعليه حنثه وعليه الكفارة. وعندنا ان اليمين في معصية لا تنعقد، ولا كفارة في خلافها. وأقوى هذه الاقوال ما حكيناه عن ابن عباس أن معناه أوفوا بعقود الله التي أوجبها عليكم، وعقدها فيما أحل لكم وحرم، وألزمكم فرضه. وبين لكم حدوده. ويدخل في جميع ذلك ما قالوه إلا ما كان عقداً على المعاونة على أمر قبيح. فان ذلك محظور بلا خلاف. وقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} اختلفوا في تأويل بهيمة الانعام في هذه الآية فقال قوم: هي الانعام كلها: الابل والبقر، والغنم. ذهب اليه الحسن وقتادة والسدي والربيع والضحاك، وقال اخرون: أراد بذلك اجنة الأنعام التي توجد في بطون امهاتها إذا ذكيت الامهات. وهي ميتة. ذهب اليه ابن عمر وابن عباس. وهو المروي عن ابي عبد الله. والأولى حمل الآية على عمومها في الجميع. والانعام جمع نعم، وهو اسم للابل، والبقر والغنم خاصة عند العرب كما قال تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ثم قال: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} ففضل جنس النعم من غيرها من اجناس الحيوان وأما بهائمها فانها أولادها. وقال الفراء بهيمة الانعام: وحشها كالظباء، وبقر الوحش، والحمر الوحشية. وانما سميت بهيمة الانعام، لان كل حي لا يميز، فهو بهيمة الانعام، لانه ابهم عن ان يميز. وقوله: {إلا ما يتلى عليكم} اختلفوا في المراد بقوله {إلا ما يتلى عليكم} فقال بعضهم: أراد بذلك أحلت لكم أولاد الابل، والبقر والغنم إلا ما بين الله تعالى فيما يتلى عليكم بقوله: {حرمت عليكم الميته والدم... الآية} ذهب اليه مجاهد وقتادة وقال: الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. وبه قال السدي وابن عباس. وقال اخرون: استثنى من ذلك الخنزير روي ذلك أيضاً عن ابن عباس، والضحاك. والاول أقوى، لان قوله: {إلا ما يتلى عليكم} يجب حمله على عمومه في جميع ما حرم الله (تعالى) في كتابه. والذي حرمه هو ما ذكره في قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به... إلى آخر الآية} والخنزير وإن كان محرماً، فليس من بهيمة الانعام، فمتى حملناه عليه كان الاستثناء منقطعاً، ومتى خصصنا بالميتة والدم، كان الاستثناء متصلا. وإن حملناه على الكل نكون غلينا حكم الميتة وما ذكر بعده، فيكون الاستثناء أيضاً حقيقة ومتصلا. واختار الطبري تخصيصه بالميتة والدم، وما أهل لغير الله به. قال الحسين ابن علي المغربي إلا ما يتلى معناه من البحيرة والسائبة والوصيلة فلا تكون المحرم، واستثنى ها هنا ما حرمه (تعالى) فلا يليق بذلك. وقوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معناه أوفوا بالعقود غير محلين الصيد وانتم حرم أحلت لكم بهيمة الانعام. ويكون فيه التقديم والتاخير، فغير يكون منصوباً على هذا الحال مما في قوله: {أوفوا بالعقود} من ذكر الذين آمنوا. وتقدير الكلام أوفوا أيها الذين آمنوا بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه لا محلين الصيد، وانتم حرم. وقال اخرون: معنى ذلك احلت لكم بهيمة الانعام الوحشية من الظباء، والبقر والحمر غير محلي الصيد غير مستحلين اصطيادهم، وانتم حرم، وإلا ما يتلى عليكم (فغير) على هذا منصوب على الحال من الكاف، والميم اللين في قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} والتقدير أحلت لكم يا أيها الذين آمنوا بهيمة الانعام، لا مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم وقال اخرون: معناه أحلت لكم بهيمة الانعام كلها إلا ما يتلى عليكم. بمعنى إلا ما كان منها وحشياً، فانه صيد، ولا يحل لكم وانتم حرم. والتقدير على هذا أحلت لكم بهيمة الانعام كلها إلا ما بين لكم من وحشها غير مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم، فتكون (غير) منصوبة على الحال في الكاف والميم في قوله: إلا ما يتلى عليكم. ذهب إلى ذلك الربيع، والحرم جمع حرام. وهو المحرم قال الشاعر: شعر : فقلت لها حثي اليك فانني حرام وإني بعد ذاك لبيب تفسير : أي واني ملب. وقوله: {إن الله يحكم ما يريد} معناه إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما يريد تحليله، وتحريم ما يريد تحريمه، وايجاب ما يريد ايجابه. وغير ذلك من احكامه وقضاياه، فافعلوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه. [الاعراب]: (وما) في قوله: {إلا ما يتلى عليكم} في موضع نصب بالاستثناء. وقال الفراء يجوز أن يكون موضعها الرفع. كما تقول جاءني القوم، إلا زيداً وإلا زيد قال الزجاج: وهذا لا يجوز إلا أن تكون إلا بمعنى غير، فتكون صفة. فاما بمعنى الاستثناء، فلا يجوز. وقوله عليه السلام: "حديث : ذكاة الجنين ذكاة امه عندنا" تفسير : معناه انه إذا ذكيت الام وخرج الولد ميتاً، قد اشعر او اوبر، جاز أكله. وبه قال الشافعي وأهل المدينة وقال ابو حنيفه: معناه انه يذكى كما تذكى امه وهو اختيار البلخي.

الجنابذي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ايماناً عامّاً او خاصّاً او بمعنى اعمّ منهما لانّ الخطاب لعامّة الامّة للتّحريص على أمر الولاية {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} اعلم انّ سورة النّساء وهذه السّورة نزلتا فى خلافة علىٍّ (ع) والتّرغيب فيها والتّهديد على خلافها، فكلّما ذكر فيهما من امر ونهى وحلال وحرام واجرٍ وعقاب وقصّة وحكاية عموماً وخصوصاً مطلقاً ومقيّداً فالمقصود منه الاشارة الى الولاية سواء قلنا ان ذكر علىّ (ع) كان مصرّحاً فاسقطوه او مورّىً فلم يفهموه، وفى اخبارنا تصريحات بانّ ذكره (ع) كان مصرّحاً فى كثير من المواضع فاسقطوه، والايمان عامّاً كان او خاصّاً قد علمت سابقاً انّه ما كان يحصل الاّ بالبيعة على يد النّبىّ (ص) او الامام (ع) او خلفائهما (ع) وكانت فى تلك البيعة معاهدات ومواثقات وشروط تؤاخذ على البائع، لكن فى كلّ من البيعة العامّة والخاصّة بكيفيّة مخصوصة بها غير كيفيّة الاخرى، وقد اشير الى بعض الشّروط فى آية مبايعة النّساء وكان من جملة شروط البيعة العامّة عدم مخالفة المشترى وطاعته فى امره ونهيه وكانت البيعة لا تحصل الاّ بعقد يمين البايع على يمين المشترى كما هو المعهود اليوم بينهم فى المعاملات، ولذا يسمّى مطلق المبايعة وسائر المعاملات الّتى فيها ايجاب وقبول عقوداً للاهتمام بعقد اليد فيها. والوفاء بالعقد عبارة عن الاتيان بمقتضى اصل العقد والاتيان بشرائطه ومعاهداته تماماً فالمعنى يا ايّها الّّذين بايعوا مع محمّد (ص) او مع علىّ (ع) اوفوا بجملة العقود من المعاملات بينكم والمبايعة مع الله ولا تدعوا شيئاً من شرائطها وعهودها، وسوق هذا الكلام من ذكر عقد خاصٍّ فى ضمن آمنوا وتعقيبه بذكر جملة العقود عموماً والامر بالوفاء بها يقتضى ان يكون المقصود الوفاء بهذا العقد الخاصّ، كانّه قال: يا ايّها الّّذين عقدّتم البيعة مع محمّد (ص) اوفوا بجملة العقود خصوصاً بهذا العقد او اوفوا بهذا العقد لكنّه جمع العقود باعتبار تعدّد العاقدين او باعتبار تعدّد وقوع هذا العقد فى عشرة مواطن او فى ثلاثة مواطن، فالمقصود لا تخلعوا بيعتكم عن رقابكم بالارتداد عن الاسلام او الايمان ولا تتركوا شرائطها بمخالفة قول النّبىّ (ص) فى الامر بالولاية وروى عن الجواد (ع) انّ رسول الله (ص) عقد عليهم لعلىّ (ع) بالخلافة فى عشرة مواطن، ثمّ انزل الله يا ايّها الّذين آمنوا اوفوا بالعقود الّتى عقدت عليكم لامير المؤمنين (ع) وعلى هذا كان المراد بالآية، الامر بالوفاء بعقود الولاية بحسب المنطوق وعلى ما ذكر سابقاً فى وجهها الاوّل المراد بها الامر بالوفاء بعقد الولاية التزاماً {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} لمّا كان من جملة شرائط البيعة الاسلاميّة والايمانيّة ترك اذى الحيوان صار المقام مظنّة ان يسأل عن ذبح البهائم الّذى كان شائعاً فيهم مسلمين وجاهلين خصوصاً مع ملاحظة ما كان مشهوراً من اتباع العجم من حرمة ذبح الحيوان واكله فأجاب تعالى بانّ ذبح البهائم واكلها احلّ لكم، فى القاموس: البهيمة كلّ ذات اربع قوائم ولو فى الماء، او كلّ حيٍّ لا يميّز، والبهيمة اولاد الضأن والمعز والبقر، وعلى هذا فالاضافة من قبيل اضافة العامّ الى الخاصّ والانعام الازواج الثّمانية وفى الاخبار فسّر بهيمة الانعام بالاجنّة من الانعام ولا ينافى التّعميم، لانّ المراد بذلك التّفسير بيان الفرد الخفىّ والمصداق الّذى لا يكاد يطلق اسم البهيمة عليه، او المقصود من هذا التّفسر انّه احد وجوه الآية بتصوير أنّ بهيمة الحيوان ما لا نطق له ولا تميز وبهيمة الانعام ما يكون عدم نطقه وعدم تميزه بالنّسبة الى الانعام وما لا تميز له بالنسبة الى الانعام هو جنينها، واعلم انّ ما ذكر من جعل قوله تعالى احلّت لكم بهيمة الانعام مستأنفاً جواباً لسؤال مقدّر انّما هو بحسب احتمال ظاهر اللّفظ وبحسب ظاهر الشّريعة المطهّرة، والاّ فالمقصود تعليق احلال البهيمة على الوفاء بعقد الولاية كما صرّح بهذا التّعليق فى قوله تعالى أية : {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}تفسير : [المائدة: 5] كما سيجيء وكما يستفاد من اشارات الآيات وتصريحات الاخبار، انّ احلال كلّ حلال معلّق على قبول الولاية، وانّ من لم يقبل الولاية ولم يعرض عنها لا يحكم عليه بحليّة شيءٍ ولا بحرمته ومن اعرض عنها يحكم عليه بحرمة كلّ شيءٍ عليه، ومن قبل الولاية ووفى بعقدها حكم عليه بحليّة المحلّلات؛ ولىّ علىّ (ع) لا يأكل الاّ الحلال وعدوّ علىٍّ (ع) لا يأكل الاّ الحرام. شعر : كَر بكَيرد خون جهانرا مال مال كى خورد مرد خدا الاّ حلال تفسير : فعلى هذا كان احلّت فى هذه الآية جواباً للامر وفى محلّ الجزم وادّاه بالماضى لئلاّ يكون تصريحاً تعليق احلال البهائم على الوفاء بعقد الولاية حتّى لا يسقطوه مثل سائر ما صرّح به من مناقب علىّ (ع) {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} ممّا يأتى فى الآية الآتية {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} حال عن المجرور فى لكم والمعنى احلّت لكم بهيمة الانعام حال كونكم غير معتقدين حليّة الصّيد {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} حال عن المستتر فى محلّى الصّيد يعنى ان اعتقدتم حلّيّة الصّيد وقت الاحرام كانت المحلّلات حراماً عليكم لانّكم ما وفّيتم بشروط عقدكم، والحرم جمع الحرام بمعنى المحرم للحجّ او العمرة سواء كان وصفاً او مصدراً فى الاصل كالحلال بمعنى الخارج من الاحرام {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} فلا تتعجبوا من تعليق إحلال المحللات على الوفاء بعقد الولاية ولا تتحرّجوا من ذبح البهائم واكلها بشبهة سبقت الى اوهامكم من الاعاجم.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا} خطاب للمؤمنين {أوفوا بالعقود} أراد المواثيق يقال وفاء بعهده وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمهم إياها من وجوب التكليف، وقيل: هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويمسون من المبايعات ونحوها، والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينهم من تحليل حلاله وتحريم حرامه، والعقد العهد الموثوق منه بعقد الحبل {أحلّت لكم بهيمة الأنعام} أراد الأزواج الثمانية، وقيل: أراد الضبا وبقر الوحش ونحوها، والبهيمة كل ذات أربع في البر والبحر، وسميت بهيمة لأنها أبهمت أن تميز وكل حي لا يميز فهو بهيمة، وروي عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنه وجد في بطن بقرة ذبحت جنين فأخذه بيده وقال: هذا من بهيمة الأنعام {إلا ما يتلى عليكم} من القرآن من نحو قوله: {أية : حرمت عليكم الميتة والدم} تفسير : [المائدة: 3] {غير مُحلِّي الصيد وأنتم حرم} أي لا تحلوا الصيد وأنتم حرم أي محرمون {إن الله يحكم ما يريد} يعني يحكم في خلقه ما يريد من التحريم والتحليل على ما يعلم من المصلحة {يأيها الذين آمنوا لا تحلُّوا شعائر الله} من مواقيت الحج ورمي الجمار والطواف والسعي وأفعال علامات الحج {ولا الشهر الحرام} شهر الحج واختلفوا في الشهر قيل: الأشهر الحرم، وقيل: ذا القعدة، وقيل: رجب، وقيل: الآية منسوخة بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] {أية : فلا يقربوا المسجد المسجد الحرام} تفسير : [التوبة: 28] وقيل: إنها محكمة والمراد بها المؤمنون، وقد قيل: لا نسخ في المائدة {ولا الهدي} الهدي ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك {ولا القلائد} القلائد جمع قلادة وهو ما قلّد به الهدي من نعل أو غيره {ولا آمِّين البيت الحرام} قاصدوه وهم الحجاج والعمار وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر، يعني لا تحلُّوا قوماً قاصدين المسجد الحرام {يبتغون فضلاً من ربهم} وهو الثواب، وقيل التجارة {ولا يجرمنكم شنآن قوم} والشنآن شدة البغض، ومعنى لا يحملكنم ومعنى صدّهم إياهم {عن المسجد الحرام} منع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل مكة يوم الحديبية {أن تعتدوا} عليهم فتقتلوهم {وتعاونوا على البر والتقوى} يعني على العفو والإِغضاء {ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان} على الانتقام.

الهواري

تفسير : تفسير سورة المَائِدَة وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يعني عقود الجاهلية. ويقال: ما كان من عقد في الجاهلية، فإن الإِسلام لا يزيده إِلا شدّة، ولا حلف في الإِسلام، يقول: إلا ما نسخ منها. وقد فسْرنا نسخ تلك الأشياء المنسوخة في مواضعها. منها: (أية : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).تفسير : [النساء:33]. قال بعضهم: كان يقال: الحلف في الإِسلام لا يزيده الإِسلام إلا ذلاً، وإنه من تعزز بمعاصي الله أذلّه الله. وقال بعضهم: العهد فيما بين الناس. وقال الكلبي: ما أخذ الله على العباد من العهد فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم. قوله: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ}. والأنعام: الإِبل والبقر والغنم. {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي إلا ما يقرأ عليكم، أي: من {أية : الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} تفسير : نزلت هذه الآية [المائدة:3] التي حرّمت هذه الأشياء قبل الآية الأولى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} من هذه الأشياء التي سمّى، وهي قبلها في التأليف. قال بعضهم: البهيمة: ما في بطونها؛ إذا أشعر فكله. قال: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أي من غير أن تحلوا الصيد وأنتم حُرُم. قال مجاهد: لا يحل لأحد الصيد وهو محرم. قال: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} قال الحسن: هو حكم الله الذي يحكم، والله يحكم ما يريد.

اطفيش

تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ}: العقد العهد المؤكد، وهو ما عقد الله جل وعلا على المكلف من فعل الواجب، وترك الحرام، وما عقد الانسان على نفسه من نذر ويمين، وما عقد من بيع ونحوه، ونكاح ومبايعة امام. والوعد وان أخرنا استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، أو اعتبرنا عموم المجاز، أو قيل: الأمر مشترك بين الوجوب والندب، حملنا العقود على ما يعم المندوب إليه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: العقود ما أوجب الله فى القرآن احرم وصحيح لدلالة ذكر احلال بهيمة الأنعام، وقيل: ما يعقده الناس بينهم، وما يعقده الانسان على نفسه، وقيل: ما كان من حلف الجاهلية على المناصرة على من ظلمهم، أبقاه الله بعد الاسلام. قال قتادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا فى الاسلام "تفسير : ويقال: ما كان من عقد فى الجاهلية فان الاسلام لا يزيده الا شدة، ولا حلف فى الاسلام، والحلف فى الاسلام لا يزيده الاسلام الا ذلا، وأنه من تعزز بمعاصى الله أذله الله، وقد نسخ ما نسخ من حلف كقوله تعالى: {أية : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم }تفسير : على ما مر فيه، والخطاب فى ذلك كله للمؤمنين، وقيل: الخطاب لأهل الكتاب الذين زعموا أنهم آمنوا بما قبل القرآن من كتب الله، أمرهم الله أن يؤمنوا بما عند الله لمحمد فى القرآن، وبالقرآن كله كما قال بن شهاب: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه الى نجران، وهم من نصارى العرب، وفى صدره: "حديث : هذا بيان من الله ورسوله {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ} الى قوله: {ان الله سريع الحساب} ". تفسير : واختار بعضهم تعميم الأيمان فى الآية لكل أيمان، وان لم يكن فى الباطل، وتعميم العقود فى كل ربط بقول موافق للحق والشرع. {أُحِلَّت لَكُم بَهِيمَةُ الأنعَامِ}: كل حى يميز يسمى بهيمة من استبهم الأمر اذا خفى، لأنه لا يعلم ما عندها الا بعض منه على ظنُ، وقيل: البهيمة ذات الأربع، وأضيفت الأنعام لبيان البهيمة المحلة، أو للتبعيض، والمراد الأزواج الثمانية المذكورة فى سورة الأنعام، وذكر احلالها بيان للعقود بذكر بعضها، وألحق بالأنعام الظبى وبقر الوحش، لأنها تجتر ولا ناب لها، وهذا قول الحسن وقتادة. وقال الكلبى: بهيمة الأنعام الوحش الذى لا ناب له كالظبى وبقر الوحش وحمر الوحش، أى أحلت لكم البهيمة الشبيهة بالأنعام، فتكون الاضافة من اضافة المشبه للمشبه به. وقال ابن عباس: بهيمة الأنعام الجنين فى البطن، تذبح أمه أو تنحر، وأخذ بذنب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه "تفسير : رواه أبو سعيد، وفى رواية عنه: حديث : قلنا: يا رسول تنحر الناقة وتذبح البقرة والشاة ونجد فى بطنها الجنين أنتلفه أم نأكله؟ قال: "كلوه ان شئتم فان ذكاته ذكاة أمه ". تفسير : وعن ابن عمر: بهيمة الأنعام ما فى بطنها، قال عطية العوفى لابن عمر: أآكله ان خرج ميتا؟ قال: نعم هو وبمنزلة رئتها وكبدها، وبسطت هذا فى شرح النيل. {إِلا مَا يُتلَى عَلَيكُم}: بعد هذا فى هذه السورة من الميتة والدم وما معهما، فانها محرمة لكن المحرم ذات الميتة وما معها، والمتلو اللفظ فيقدر مضاف، أى الا حرم ما يتلى عليكم بفتح الراء، أو الا ما يتلى عليكم تحريمه، والاستثناء متصل بتقدير المضاف، وموت الدابة لا يخرجها عن اسم البهيمة كما تقول: ذلك انسان ميت نعم الاتصال باعتبار الغالب، لأن بهيمة الأنعام لا يشمل الدم، وقد يمتنع دخول لحم الخنزير باسم البهيمة، لأنه ذكر لحمه ولم يقل: والخنزير، ولو كان كله محرما، وان لم تقدر المضاف كان الاستثناء منفصلا. {غَيرَ مُحِلِّى الصَّيدِ وَأَنتُم حُرُمٌ}: غير هو حال من كاف لكم، وجملة أنتم حرم حال من المستتر فى محلى، وانما صح تقييد احلال الله لنا بحال كوننا غير محلى الصيد، لأنا كلما ذكيناها حلت لنا الا فى حال تذكيتنا إياها مع كونها صيدا صدناها فى حال احرامنا، فانها فى تلك الحال لم يحلها الله لنا، ثم رأيت للقاضى ذلك الوجه، وزاد أنه قيل: غير هو حال من واو أوفوا، وهو قول الأخفش، ولكن لم يرضه اذ حكاه بصيغة التعريض، ولعله للفصل. وأما باعتبار فيهم عدم وجوب الايفاء بالعقود اذا لم يحلوا الصيد، فلا يصح التعريض به، لأنه لا يلزم هذا المفهوم، اذ قد تجب الحال بوجوب عاملها، تقول: جىء راكبا بمعنى لا بد أن تجىء، ولا بد أن يكون مجيئك بركوب، فكذلك أوجب الله علينا الايفاء بالعقود، وأن لا نحل الصيد والحال أنا محرمون، وقوله: {غَيرَ مُحِلِّى الصَّيدِ} مع قوله: {إِلا مَا يُتلَى عَلَيكُم} يدل على أن المراد بهيمة الأنعام جميع الدواب الا ما استثنى، وألحق الطائر بهيمة الأنعام، واستثنت السنة ذا الناب من السباع، وذا المخلب من الطير، وبسطته فى الفقه، وسترى ما يسر الله فى سورة الأنعام ان يسر. ومعنى احلال، أن تفعل به ما يفعل بالحلال، وهو: الامساك والذبح، أو نوع من التذكية مع أنه لا يحل لنا ذلك لأنا محرمون بالحج أو العمرة أو بهما، أو داخلون فى الحرم، ولو لم نحرم بهما أو بأحدهما، والمفرد حرام بمعنى محرم بذلك، أو داخل الحرام، ومحلى جمع مذكر سالم حذفت نونه للاضافة، والصيد بمعنى الوحش المصيد أو الاصطياد، ولا يجوز أن يكون غير محلى الصيد الاستثناء من بهيمة الأنعام، لأن لفظ بهيمة الأنعام لا يشمل الناس المحلين للصيد. {إِنَّ اللهَ يَحكُمُ مَا يُريدُ}: عدى يحكم لأنه بمعنى يثبت ويتقن اذا أراد شيئا من تحليل أو تحريم أثبته وأتقنه، ولا يعارضه أحد ذكر النفاس فى تفسيره: أن أصحاب الكندى يعنى وهم من الفلاسفة قالوا للكندى: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل لكم مثل بعض، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، انى فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فيها، فاذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته فى سطرين، ولا يستطيع أحد أن يأتى بهذا الا فى اجلاد.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذيِنَ آمنُوا أَوْفُوا بالعُقُودِ} ما بين الخلق والخالق وما بين الخلق، وسواء فى ذلك ما وجب، وذلك كعقد النكاح والبيع والرهن والنذر والحلف، وما أّمر الله تعالى بفعله أو تركه والإِحرام بالحج والعمرة وما يستحب واجتناب المكروه، والأمر حقيقة فى الوجوب على الصحيح، فاستعماله فى الوجوب والندب من عموم المجاز كذلك، وأَصل العقد الجمع بين منفصلين عسر الانفصال أَو لم يعسر، وقيل: أَصله الربط ثم استعمل مجازاً فى العهد الموثق، وقيل: العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون إلا بين اثنين، والعهد قد ينفرد به واحد، ويرده قوله تعالى {أية : عقدتم الأيمان} تفسير : [المائدة: 89]، فإن الحلف لا يلزم أن يكون بين اثنين {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} تفصِيل للعقود، والبهيمة كل حى لا يميز ولو قملة أَو دودة، وقيل اسم لكل ذى أَربع من حيوان البحر والبر، من قولهم: استبهم الأَمر إِذا أشكل، وسميت لأَن أَمر كلامها وأَحوالها أبهم على غالب الخلق، ولأن الأَمر أبهم عليها ولا تدرك إلا بعض أُمور بظاهرها، وإضافة البهيمة للبيان إضافة عام لخاص، والأَنعام الذكر والأُنثى من الضأن والماعز والبقر والإِبل فهن ثمانية وأَلحق بهن الظباءِ وبقر الوحش ونحوهما مما يماثل الأَنعام فى الاجترار وعدم الأَنياب، ومن الطير التى لا مخلب لها، وذلك قياس وسنة ويجوز أَن يراد بالبهيمة غير الأَنعام من تلك الأَشياء، وأُضيفت إِلى الأَنعام، للشبه، ويؤيده أَنه لو أُريد بالبهيمة الأَنعام لقيل: أَحلت لكم الأَنعام، إِلا أَن يقال إِنه أُريد الأَنعام وذكر البهيمة لفائدة الإِجمال ثم التفصيل وهى أنه أَوقع فى النفس، وإِن قلنا البهائم ذوات القوائم الأَربع، خصت أَيضاً بالثمانية كما يدل عليه إِضافته للأَنعام للبيان، وعن ابن عباس وابن عمر وأَبى جعفر وأَبى عبدالله والشافعى أَن بهيمة الأَنعام هي الأَجنة تخرج من بطون الأَنعام وهى ميتة بعد ذكاة أَمهاتها المغنى عن ذكاتها. {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} بعد فى هذه السورة إذا نزل وهو قوله: حرمت عليكم الميتة..إلخ. نزل قوله تعالى: "أية : اليوم أكملت لكم دينكم" تفسير : [المائدة: 3] فى عرفات عام حجة الوداع، وقرأَ صلى الله عليه وسلم فى خطبته، وقال: "حديث : أَيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، فأَحلوا حلالها وحرموا حرامها"تفسير : ، وإِنما خصها بتحليل حلالها وتحريم حرامها مع أن القرآن كله كذلك لمزيد الاعتناءِ بها كذكر أَربعة الأَشهر الحرم مع ذكر اثنى عشر شهراً، ولاختصاصها بثمانية عشر حكماً هى قوله: والمنخنقة إلى الأَزلام، وقوله: وما علمتم من الجوارح وطعام الذين أوتو الكتاب والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وقوله: إذا قمتم إلى الصلاة، والسارق والسارقة، ولا تقتلوا الصيد، ما جعل الله من بحيرة، شهادة بينكم إذا حضر، ومعنى ما يتلى الحيوانات التى تذكر فالاستثناء متصل. {غَيْرَ} حال من الكاف لكم وهى مقدرة، والمراد إِنشاء نفى إِحلال الصيد فيكون من الإِنشاءِ بغير الجملة، أَو يقدر: كلوها غير محلى الصيد، أَى غير معتقدين بحله، وإِما أَن يجعل حالا من كاف لكم بدون التأويل بالإنشاءِ السابق فيشكل بأَنه لا فائدة فى تقييد إِحلال بهيمة الأَنعام بكونهم غير محلى الصيد وهم حرم لأَنها محللة ولو أَحلوا الصيد حال الإحرام، والغالب أَنهم لا يحلون الصيد وهم حرم فيجوز أَن يكون حالا من كاف لكم بلا تأويل بِإِنشاءِ، وقيد عدم إِحلال الصيد جرى على الغالب لا مفهوم له، أَو أَريد ببهيمة الأَنعام الصيود الشبيهة بها، وهو ضعيف، أَو المعنى أَحللنا لكم بعض الأَنعام فى حالة امتناعكم عن الصيد وأَنتم حرم لئلا يكون عليكم حرج، وإِذا أحلت فى عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون لدفع الحرج عنهم فكيف فى غير هذه الحال، فيكون بياناً لإنعام الله تعالى عليهم بما رخص لهم من ذلك، وبياناً لأَنهم فى غنى عن الصيد وانتهاك حرم الحرم، ويجوز أَن تكون حالا من واو أَوفوا ولا يضر الفصل. {مُحِلِّى الصَّيْدِ} معنى إِحلال الصيد انتهاك حرمته باصطياده فيشمل اعتقاده الحل وشمل الفعل مع اعتقاد الحرمة، والصيد الحيوان، ويجوز أَن يكون بمعنى الاصطياد وهو أَصله لأَنه مصدر. {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} بالحج أو العمرة أَو كليهما، والواو للحال والمفرد حرم بمعنى محرم وصاحب الحال الضمير المستتر فى محلى. {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُريدُ} يتقن ما يريد من تحليل وتحريم وغيرهما بحسب مشيئته ولتضمين يحكم معنى يتقن تعدى بنفسه لا بالباء، وهو أَولى من تضمين معنى يفعل.

الالوسي

تفسير : بسْم ٱلله ٱلرَّحمَـٰن ٱلرَّحيم. {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} الوفاء حفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه، ويقال: وفى ووفى وأوفى بمعنى، لكن في المزيد مبالغة ليست في المجرد، وأصل العقد الربط محكماً، ثم تجوز به عن العهد الموثق، وفرق الطبرسي بين العقد والعهد «بأن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون إلا بين اثنين، والعهد قد يتفرد به واحد» واختلفوا في المراد بهذه العقود على أقوال: أحدها: أن المراد به العهود التي أخذ الله تعالى على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحل لهم أو حرم عليهم وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وثانيها: العقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد الأيمان وعقد النكاح وعقد البيع ونحو ذلك، وإليه ذهب ابن زيد وزيد بن أسلم، وثالثها: العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة على من ظلم، وروي ذلك عن مجاهد والربيع وقتادة. وغيرهم؛ ورابعها: العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل مما يقتضي التصديق بالنبـي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وروي ذلك عن ابن جريج وأبـي صالح، وعليه فالمراد من {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} مؤمنو أهل الكتاب؛ وهو خلاف الظاهر، واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء به، أو يحسن ديناً، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندباً أو وجوباً، ويدخل في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ إذ هو جمع محلى باللام وأوفى بعموم الفائدة. واستظهر الزمخشري «كون المراد بها عقود الله تعالى عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه» لما فيه ـ كما في «الكشف» ـ من براعة الاستهلال والتفصيل بعد الإجمال، لكن ذكر فيه أن مختار البعض أولى لحصول الغرضين وزيادة التعميم، وأن السور الكريمة مشتملة على أمهات التكاليف الدينية في الأصول والفروع، ولو لم يكن / إلا {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 2] و {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8] لكفى، وتعقب بما لا يخلو عن نظر. وزعم بعضهم أن فيه نزع الخف قبل الوصول إلى الماء، وما استظهره الزمخشري خال عن ذلك، والأمر فيه هين، وفي القول بالعموم رغب الراغب ـ كما هو الظاهر ـ فقد قال: العقود باعتبار المعقود، والعاقد ثلاثة أضرب، عقد بين الله تعالى وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضرب أوجبه العقل وهو ما ركز الله تعالى معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل، وإما بأدنى نظر دل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} تفسير : [الأعراف: 172] الآية، وضرب أوجبه الشرع وهو ما دلنا عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فذلك ستة أضرب، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء أو يلزم بالتزام الإنسان إياه، والثاني أربعة أضرب: فالأول: واجب الوفاء كالنذور المتعلقة بالقرب نحو أن يقول: عليّ أن أصوم إن عافاني الله تعالى، والثاني: مستحب الوفاء به ويجوز تركه كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك، والثالث: يستحب ترك الوفاء به، وهو ما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه»تفسير : ، والرابع: واجب ترك الوفاء به نحو أن يقول: علي أن أقتل فلاناً المسلم، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعة وعشرون ضرباً، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجباً فافهم ولا تغفل. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} شروع في تفصيل الأحكام التي أمر بإيفائها، وبدأ سبحانه بذلك لأنه مما يتعلق بضروريات المعاش، و ـ البهيمة ـ من ذوات الأرواح ما لا عقل له مطلقاً، وإلى ذلك ذهب الزجاج، وسمي بهيمة لعدم تمييزه وإبهام الأمر عليه. ونقل الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن سبب تسمية البهائم بهائم ليس إلا لكون أمر كلامها وأحوالها أبهم على غالب الخلق لا أن الأمر أبهم عليها، وذكر ما يدل على عقلها وعلمها، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. وقال غير واحد: البهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز أي أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها، واعترض بأن البهيمة اسم جنس، والأنعام نوع منه، فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان وهي مستقبحة، وأجيب بأن إضافة العام إلى الخاص إذا صدرت من بليغ وقصد بذكره فائدة فحسنة ـ كمدينة بغداد ـ فإن لفظ بغداد لما كان غير عربـي لم يعهد معناه أضيف إليه مدينة لبيان مسماه وتوضيحه ـ وكشجر الأراك ـ فإنه لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف لبيان المراد وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن، وهنا لما كان الأنعام قد يختص بالإبل إذ هو أصل معناه على ما قيل، ولذا لا يقال: النَّعم إلا لها أضيف إليه بهيمة إشارة إلى ما قصد به، وذكر البهيمة وإفرادها لإرادة الجنس، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها وألحق بهما الظباء وبقر الوحش، وقيل: هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب، وروي ذلك عن الكلبـي. والفراء، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما، وجوز بعض المحققين في إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة المشبه اختصاصاً بينهما، أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفسه المشبه به، وفائدة هذه الإضافة هنا الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين المتضايفين كأنه قيل: أحلت لكم البهيمة المشبهة بالأنعام التي بين إحلالها فيما سبق لكم المماثلة لها في مناط الحكم، وقيل: المراد ببهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها / وهي ميتة، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر ـ وهو المروي عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهم ـ فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها، وبه قال الشافعي، واستدل عليه بغير ما خبر، ويفهم منها حل الأنعام، وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لإظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة والتشويق إلى ذكر المؤخر. وفي الآية ردّ على المجوس فإنهم حرموا ذبح الحيوانات وأكلها قالوا: لأن ذبحها إيلام والإيلام قبيح خصوصاً إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم. وزعموا لعنهم الله تعالى أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور، والتناسخية لم يجوزوا صدور الآلام منه تعالى ابتداءاً بوجه من الوجوه إلا بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم، والتزموا أن البهائم مكلفة عالمة بما يجري عليها من الآلام وأنها مجازاة على فعلها ولولا ذلك لما تصور انزجارها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدن أشرف. وزعم البعض منهم أنه ما من جنس من البهائم إلا وفيهم نبـي مبعوث إليهم من جنسهم، بل زعم آخرون أن جميع الجمادات أحياء مكلفة وأنها مجازاة على ما تقترفه من الخير والشر، ونسب نحواً من ذلك الإمام الشعراني إلى السادة الصوفية، وأبـى أهل الظاهر ذلك كل الإباء، ولما أشكل على البكرية من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بذبح الحيوانات من الله تعالى زعموا أن البهائم لا تتألم وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون، ولا يخفى أن ذلك مصادم للبديهة ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم، وأجاب المعتزلة بما ردّه أهل السنة، وأجابوا بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا اعتراض عليه، والتحسين والتقبيح العقليان قد طوي بساط الكلام فيهما في علم الكلام، وكذا القول بالنور والظلمة، وقال بعض المحققين: لما كان الإنسان أشرف أنواع الحيوانات وبه تمت نسخة العالم لم يقبح عقلاً جعل شيء مما دونه غداءاً له مأذوناً بذبحه وإيلامه اعتناءاً بمصلحته حسبما تقتضيه الحكمة التي لا يحلق إلى سرها طائر الأفكار، وقال بعض الناس: الآية مجملة لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو الكل، وفيه نظر لأن ظهور تقدير الأكل مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان. نعم ذكر ابن السبكي وغيره أن قوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} مجمل للجهل بمعناه قبل نزول مبينه، ويسري الإجمال إلى ما تقدم، ولكن ذاك ليس محل النزاع، والاستثناء متصل من {بَهِيمَةُ} بتقدير مضاف محذوف مما يتلي أي إلا محرم ما يتلى عليكم، وعنى بالمحرم الميتة وما أهل لغير الله به إلى آخر ما ذكر في الآية الثالثة من السورة، أو من فاعل {يُتْلَىٰ} أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمة لتكون {مَا} عبارة عن البهيمة المحرمة لا اللفظ المتلو، وجوز اعتبار التجوز في الإسناد من غير تقدير وليس بالبعيد؛ وأما جعله مفرغاً من الموجب في موقع الحال أي إلا كائنة على الحالات المتلوة فبعيد ـ كما قال الشهاب ـ جداً؛ وذهب بعضم إلى أنه منقطع بناءاً على الظاهر لأن المتلو لفظ، والمستثنى منه ليس من جنسه؛ والأكثرون على الأول، ومحل المستثنى النصب، وجوز الرفع على ما حقق في النحو. {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ} حال من الضمير في {لَكُم} على ما عليه أكثر المفسرين، والصيد يحتمل المصدر والمفعول، وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} حال عما استكن في محل / والحرم جمع حرام وهو المحرم، ومحصل المعنى أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الاصطياد، أو أكل الصيد في الإحرام، وفسر الزمخشري عدم إحلال الصيد في حالة الإحرام بالامتناع عنه وهم محرمون حيث قال: كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حالة امتناعكم عن الصيد وأنتم حرم لئلا يكون عليكم حرج، ولم يحمل الإحلال على اعتقاد الحل ظناً منه أن تقييد الإحلال بعدم اعتقاد الحل غير موجه، وقد يقال: إن الأمر كذلك لو كان المراد مطلق اعتقاد الحل أما لو كان المراد عدم اعتقاد ناشيء من الشرع ومترتب منه فلا لأن حاله إن لم يكن عين حال الامتناع فليس بالأجنبـي عنه كما لا يخفى على المتدبر، وأشار إليه شيخ مشايخنا جرجيس أفندي الإربلي رحمة الله تعالى عليه. واعترض في «البحر» على ما ذهب إليه الأكثرون بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد وهم حرم، وهي قد أحلت لهم مطلقاً فلا يظهر له فائدة إلا إذا أريد ببهيمة الأنعام الصيود المشبهة بها كالظباء وبقر الوحش وحمره، ودفع بأنه مع عدم اطراد اعتبار المفهوم يعلم منه غيره بالطريق الأولى لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون لدفع الحرج عنهم، فكيف في غير هذه الحال؟ فيكون بياناً لإنعام الله تعالى عليهم بما رخص لهم من ذلك وبياناً لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة الحرم. وعبارة الزمخشري كالصريحة في ذلك، ودفعه العلامة الثاني بأن المراد من الأنعام ما هو أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيفما شئت، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين الصيد في الإحرام إذ معه يحرم البعض وهو الوحش، ولا يخفى أنه توجيه وحشي لا ينبغي لحمزة ـ غابة التنزيل ـ أن يقصده من مراصد عباراته، وذهب الأخفش إلى أن انتصاب {غَيْرَ} على الحالية من ضمير {أَوْفُواْ} وضعف بأن فيه الفصل من الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة، وتخلل بعض أجزاء المبين بين أجزاء المبين مع ما يجب فيه من تخصيص العقود بما هو واجب أو مندوب في الحج، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال ـ مع أنهم مأمورون بمطلق العقود مطلقاً ـ وجه. وزعم العلامة أنه أقرب من الأول معنى وإن كان أبعد لفظاً، واستدل عليه بما هو على طرف الثمام، ثم قال: ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} ويستلزم جعل {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أيضاً حالاً من مقدر أي حال كوننا غير محلين الصيد في حال إحرامكم وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ. وتعقبه أبوحيان «بأنه فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه، قد قالوا لو قلت: أنزل الغيث مجيباً لدعائهم على أن مجيباً حال من فاعل الفعل المبني للمفعول لم يجز لا سيما على مذهب القائلين: بأن المبني للمفعول صيغة أصلية ليست محولة عن المعلوم على أن في التقييد أيضاً مقالاً، وجعله بعضهم حالاً من الضمير المجرور في {عَلَيْكُمْ} ويريده أن الذي يتلى لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم، بل هو يتلي عليهم في هذه الحال وفي غيرها»، ونقل العلامة البيضاوي عن بعض أن النصب على الاستثناء، وذكر أن فيه تعسفاً، وبينه مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله أفندي الحيدري عليه الرحمة بأنه لو كان استثناءاً لكان إما من الضمير في {لَكُم} أو في {أَوْفُواْ} إذ لا جواز لاستثنائه من بهيمة الأنعام وعلى الأول: يجب أن يخص البهيمة بما عدا الأنعام مما يماثلها، أو تبقى على العموم لكن / بشرط إدارة المماثل فقط في حيز الاستثناء، وأن يجعل قوله تعالى: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} من تتمة المستثنى بأن يكون حالاً عما استكن في {محلِّي} ليصح الاستثناء إذ لا صحة له بدون هذين الاعتبارين، فسوق العبارة يقتضي أن يقال: وهم حرم لأن الاستثناء أخرج المحلين من زمرة المخاطبين، واعتبار الالتفات هنا بعيد لكونه رافعاً فيما هو بمنزلة كلمة واحدة، وعلى الثاني: يجب تخصيص العقود بالتكاليف الواردة في الحج، وتأويل الكلام الطلبـي بما يلزمه من الخبر مع ما يلزمه من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالأجنبـي، وكل ذلك تعسف أي تعسف انتهى، وكأنه رحمه الله تعالى لم يذكر احتمال كون الاستثناء من الاستثناء، مع أن القرطبـي نقله عن البصريين لأن ذلك فاسد ـ كما قاله القرطبـي وأبو حيان ـ لا متعسف إذ يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأن المستثنى من المحرم حلال، نعم ذكر أبو حيان أنه استثناء من بهيمة الأنعام على وجه عينه؛ وأنفه التكلف والتعسف فقد قال رحمه الله تعالى «إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كون رسم {مُحِلّى} بالياء فظنوا أنه اسم فاعل من أحل، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة، وأصل غير محلين الصيد. والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ} من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان، وكذا هذا أصله غير الصيد المحل، والمحلّ صفة للصيد لا للناس [ولا للفاعل المحذوف]، ووصف الصيد بأنه محل، إما بمعنى داخل في الحل كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل، وأحرم أي دخل في الحرم، أو بمعنى صار ذا حل أي حلالاً بتحليل الله تعالى، ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتهم، ومن الثاني: أعشبت الأرض وأبقلت، وأغد البعير، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار [أحد] الوجهين اتضح كونه استثناءاً ثانياً، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع، أو الظباء ونحوها فمتصل على تفسير المحل بالذي يبلغ الحل في حال كونهم محرمين، فإن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً؟ قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم. فإن قلت: ما ذكرته من هذا التوجيه الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء والوقف عليه بها. قلت: قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو {أية : لأَ اْذْبَحَنَّهُ} تفسير : [النمل: 21] بالألف، والوقف اتبعوا فيه الرسم» انتهى. وتعقبه السفاقسي بمثل ما قدمناه من حيث زيادة الياء، وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرّون من زيادة أو نقصان في الرسم، فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس، وقال الحلبـي: إن فيه خرقاً للإجماع فإنهم لم يعربوا {غَيْرَ} إلا حالاً، وإنما اختلفوا في صاحبها، ثم قال السفاقسي: ويمكن فيه تخريجان: أحدهما أن يكون {غَيْرَ} استثناءاً منقطعاً، {مُحِلّى} جمع على بابه، والمراد به الناس الداخلون حل الصيد، أي لكن إن دخلتم حل الصيد فلا يجوز لكم الاصطياد، والثاني: أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام وفي الكلام حذف مضاف، أي أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل، ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل، ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف، أي إلا صيد محلي الاصطياد وأنتم حرم، والمراد بالمحلين الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل، ويكون معناه أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً، ويحتمل أن يكون حالاً من ضمير {لَكُمْ} وحذف المعطوف / للدلالة عليه وهو كثير، وتقديره غير محلي الصيد محليه كما قال تعالى: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] أي والبرد، وهو تخريج حسن. هذا ولا يخفى أن يد الله تعالى مع الجماعة، وأن ما ذكره غيرهم لا يكاد يسلم من الاعتراض. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة التي تقف دونها الأفكار، فيدخل فيها ما ذكره من التحليل والتحريم دخولاً أولياً، وضمن {يَحْكُمُ} معنى يفعل، فعداه بنفسه وإلا فهو متعد بالباء.

سيد قطب

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.. إنه لا بد من ضوابط للحياة.. حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة.. الناس من الأقربين والأبعدين، من الأهل والعشيرة، ومن الجماعة والأمة؛ ومن الأصدقاء والأعداء.. والأحياء مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر.. والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض.. ثم.. حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة. والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس. يقيمها ويحددها بدقة ووضوح؛ ويربطها كلها بالله سبحانه؛ ويكفل لها الاحترام الواجب، فلا تنتهك، ولا يستهزأ بها؛ ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة؛ ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد، أو تراها مجموعة أو تراها أمة، أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط.. فهذه الضوابط التي أقامها الله وحددها هي "المصلحة" ما دام أن الله هو الذي أقامها للناس.. هي المصلحة ولو رأى فرد، أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها! فالله يعلم والناس لا يعلمون! وما يقرره الله خير لهم مما يقررون! وأدنى مراتب الأدب مع الله - سبحانه - أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير الله. أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر الله. وألا يكون له مع تقدير الله، إلا الطاعة والقبول والاستسلام، مع الرضى والثقة والاطمئنان.. هذه الضوابط يسميها الله "العقود".. ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود.. وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح. وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية. وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة. وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية. وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل. وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها، والحكم فيها بما أنزل الله كله؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله؛ والحذر من عدم العدل تأثراً بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن.. افتتاح السورة على هذا النحو، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة "العقود" معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله.. وفي أولها عقد الإيمان بالله؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه، ومقتضى العبودية لألوهيته.. هذا العقد الذي تنبثق منه، وتقوم عليه سائر العقود؛ وسائر الضوابط في الحياة. وعقد الإيمان بالله؛ والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته؛ ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة، والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق.. هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم - عليه السلام - وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض، بشرط وعقد هذا نصه القرآني: {أية : قلنا: اهبطوا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}تفسير : فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله؛ وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك. المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله، باطلاً بطلاناً أصلياً، غير قابل للتصحيح المستأنف! وتحتم على كل مؤمن بالله، يريد الوفاء بعقد الله، أن يرد هذا الباطل، ولا يعترف به؛ ولا يقبل التعامل على أساسه. وإلا فما أوفى بعقد الله. ولقد تكرر هذا العقد - أو هذا العهد - مع ذرية آدم. وهم بعد في ظهور آبائهم. كما ورد في السورة الأخرى: {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟}تفسير : فهذا عقد آخر مع كل فرد؛ عقد يقرر الله - سبحانه - أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم.. وليس لنا أن نسأل: كيف؟ لأن الله أعلم بخلقه؛ وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم. بما يلزمهم الحجة. وهو يقول: إنه أخذ عليهم هذا العهد، على ربوبيته لهم.. فلا بد أن ذلك كان، كما قال الله سبحانه.. فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء! ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل - كما سيجيء في السورة - يوم نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم.. وسنعلم - من السياق - كيف لم يفوا بالميثاق؛ وكيف نالهم من الله ما ينال كل من ينقض الميثاق. والذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قد تعاقدوا مع الله - على يديه - تعاقداً عاماً على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله". وبعضهم وقعت له بعد ذلك عقود خاصة قائمة على ذلك التعاقد العام.. ففي بيعة العقبة الثانية التي ترتبت عليها هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، كان هناك عقد مع نقباء الأنصار.. وفي الحديبية كان هناك عقد الشجرة وهو" بيعة الرضوان". وعلى عقد الإيمان بالله، والعبودية لله، تقوم سائر العقود.. سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله - فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا، بصفتهم هذه، أن يوفوا بها. إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء، مستحثة لهم كذلك على الوفاء.. ومن ثم كان هذا النداء: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.. ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.. أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا ما يتلى عليكم - غير محلِّي الصيد وأنتم حرم. إن الله يحكم ما يريد.. يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا القلائد، ولا آمَّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وإذا حللتم فاصطادوا، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى. ولا تعانوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله. إن الله شديد العقاب. حرمت عليكم الميتة، والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا - ما ذكيتم - وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام. ذلكم فسق.. اليوم يئس الذين كفروا من دينكم، فلا تخشوهم واخشون.. اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً.. فمن اضطر في مخمصة - غير متجانف لإثم - فإن الله غفور رحيم}.. إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح، وفي الأنواع، وفي الأماكن، وفي الأوقات.. إن هذا كله من "العقود".. وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء. فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده؛ ولا يتلقوا في هذا شيئاً من غيره.. ومن ثم نودوا هذا النداء، في مطلع هذا البيان.. وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام: {أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا ما يتلى عليكم -}.. وبمقتضي هذا الإحلال من الله؛ وبمقتضى إذنه هذا وشرعه - لا من أي مصدر آخر ولا استمداداً من أي أصل آخر - صار حلالاً لكم ومباحاً أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول {بهيمة الأنعام} من الذبائح والصيد - إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها - وهو الذي سيرد ذكره محرماً.. إما حرمة وقتية أو مكانية؛ وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان. وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم؛ ويضاف إليها الوحشي منها، كالبقر الوحشي، والحمر الوحشية والظباء. ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم.. وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام: {غير محلِّي الصيد وأنتم حرم}.. والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها. فالإحرام للحج أو للعمرة، تجرد عن أسباب الحياة العادية وأساليبها المألوفة وتوجه إلى الله في بيته الحرام، الذي جعله الله مثابة الأمان.. ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء.. وهي فترة نفسية ضرورية للنفس البشرية؛ تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة؛ وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء؛ وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان واكله؛ لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها، وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء. وقبل أن يمضي السياق في بيان المستثنيات من حكم الحل العام، يربط هذا العقد بالعقد الأكبر، ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق: {إن الله يحكم ما يريد}.. طليقة مشيئته، حاكمة إرادته، متفرداً - سبحانه - بالحكم وفق ما يريد. ليس هنالك من يريد معه؛ وليس هنالك من يحكم بعده؛ ولا راد لما يحكم به.. وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء.. ثم يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله. ولا الشهر الحرام. ولا الهدي. ولا القلائد. ولا آمِّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وإذا حللتم فاصطادوا..}. وأقرب ما يتجه إليه الذهن في معنى {شعائر الله} في هذا المقام أنها شعائر الحج والعمرة وما تتضمنه من محرمات على المحرم للحج او العمرة حتى ينتهي حجه بنحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام؛ فلا يستحلها المحرم في فترة إحرامه؛ لأن استحلالها فيه استهانة بحرمة الله الذي شرع هذه الشعائر. وقد نسبها السياق القرآني إلى الله تعظيماً لها، وتحذيراً من استحلالها. والشهر الحرام يعني الأشهر الحرم؛ وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم. وقد حرم الله فيها القتال - وكانت العرب قبل الإسلام تحرمها - ولكنها تتلاعب فيها وفق الأهواء؛ فينسئونها - أي يؤجلونها - بفتوى بعض الكهان، أو بعض زعماء القبائل القوية! من عام إلى عام. فلما جاء الإسلام شرع الله حرمتها، وأقام هذه الحرمة على أمر الله، يوم خلق الله السماوات والأرض كما قال في آية التوبة: {أية : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم. ذلك الدين القيم..} تفسير : وقرر أن النسيء زيادة في الكفر. واستقام الأمر فيها على أمر الله.. ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين، فإن لهم حينئذ ان يردوا الاعتداء؛ وألا يدعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم - وهم لا يرعون حرمتها - ويتترسون خلفها للنيل من المسلمين، ثم يذهبون ناجين! وبين الله حكم القتال في الأشهر الحرم كما مر بنا في سورة البقرة. والهدي وهو الذبيحة التي يسوقها الحاج أو المعتمر؛ وينحرها في آخر أيام الحج أو العمرة، فينهي بها شعائر حجه أو عمرته، وهي نافة أو بقرة أو شاة.. وعدم حلها معناه ألا ينحرها لأي غرض آخر غير ما سيقت له؛ ولا ينحرها إلا يوم النحر في الحج وعند انتهاء العمرة في العمرة. ولا ينتفع من لحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها بشيء؛ بل يجعلها كلها للفقراء. والقلائد. وهي الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها - أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله؛ ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه - ومنها الهدي الذي يُشعر: أي يعلم بعلامة الهدْي ويطلق إلى موعد النحر - فهذه القلائد يحرم احلالها بعد تقليدها؛ فلا تنحر إلا لما جعلت له.. وكذلك قيل: إن القلائد هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره؛ فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به، وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان - وأصحاب هذا القول قالوا: إن ذلك قد نسخ بقول الله فيما بعد: {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}تفسير : وقوله: {أية : فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم}تفسير : والأظهر القول الأول؛ وهو أن القلائد هي الأنعام المقلدة للنذور لله؛ وقد جاء ذكرها بعد ذكر الهدْي المقلد للنحر للحج أو العمرة، للمناسبة بين هذا وذاك. كذلك حرم الله آمّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً.. وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من الله.. حجاجاً أو غير حجاج.. وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام. ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام، في غير البيت الحرام، فلا صيد في البيت الحرام: {وإذا حللتم فاصطادوا}.. إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام؛ كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم.. منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى. وأن يروعها العدوان.. إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت؛ استجابة لدعوة إبراهيم - أبي هذه الأمة الكريم - ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام في - ظل الإسلام - وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه؛ ليحرص عليه - بشروطه - وليحفظ عقد الله وميثاقه، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام، وفي كل مكان.. وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان، يدعو الله الذين آمنوا به، وتعاقدوا معه، أن يفوا بعقدهم؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم... دور القوامة على البشرية؛ بلا تأثر بالمشاعر الشخصية، والعواطف الذاتية، والملابسات العارضة في الحياة.. يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية؛ وقبله كذلك؛ وتركوا في نفوس المسلمين جروحاً وندوباً من هذا الصد؛ وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض. فهذا كله شيء؛ وواجب الأمة المسلمة شيء آخر. شيء يناسب دورها العظيم: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله، إن الله شديد العقاب}.. إنها قمة في ضبط النفس؛ وفي سماحة القلب.. ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء. إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس.. التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجاً من السلوك الذي يحققه الإسلام، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام. وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة؛ تجذب الناس إليه وتحببهم فيه. وهو تكليف ضخم؛ ولكنه - في صورته هذه - لا يعنت النفس البشرية، ولا يحملها فوق طاقتها. فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب، ومن حقها أن تكره. ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فورة الغضب ودفعة الشنآن.. ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى؛ لا في الإثم والعدوان؛ ويخوفها عقاب الله، ويأمرها بتقواه، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط، وعلى التسامي والتسامح، تقوى لله، وطلباً لرضاه. ولقد استطاعت التربية الإسلامية، بالمنهج الرباني، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية، والاعتياد لهذا السلوك الكريم.. وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوى وعن هذا الاتجاه.. كان المنهج العربي المسلوك والمبدأ العربي المشهور: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".. كانت حمية الجاهلية، ونعرة العصبية. كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى؛ وكان الحلف على النصرة، في الباطل قبل الحق. وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق. وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله.. يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".. وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى، وهو يقول: شعر : وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد! تفسير : ثم جاء الإسلام.. جاء المنهج الرباني للتربية.. جاء ليقول للذين آمنوا: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله، إن الله شديد العقاب}.. جاء ليربط القلوب بالله؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله. جاء ليخرج العرب - ويخرج البشرية كلها - من حمية الجاهلية، ونعرة العصبية، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء.. وولد "الإنسان" من جديد في الجزيرة العربية.. ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق الله.. وكان هذا هو المولد الجديد للعرب؛ كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض.. ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء! والمسافة الشاسعة بين درك الجاهلية، وأفق الإسلام؛ هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". وقول الله العظيم: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. وشتان شتان! ثم يأخذ السياق في تفصيل ما استثناه في الآية الأولى من السورة من حل بهيمة الأنعام: {حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع - إلا ما ذكيتم - وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام.. ذلكم فسق.. اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً.. فمن اضطر في مخمصة - غير متجانف لإثم - فإن الله غفور رحيم}. والميتة والدم ولحم الخنزير، سبق بيان حكمها، وتعليل هذا الحكم في حدود ما يصل إليه العلم البشري بحكمة التشريع الإلهي، عند استعراض آية سورة البقرة الخاصة بهذه المحرمات (ص156- ص 157 من الجزء الثاني من الظلال) وسواء وصل العلم البشري إلى حكمة هذا التحريم أم لم يصل، فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست طيبة؛ وهذا وحده يكفي. فالله لا يحرم إلا الخبائث. وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في جانب من جوانبها. سواء علم الناس بهذا الأذى أو جهلوه.. وهل علم الناس كل ما يؤذي وكل ما يفيد؟! وأما ما أهل لغير الله به، فهو محرم لمناقضته ابتداء للإيمان. فالإيمان يوحد الله، ويفرده - سبحانه - بالألوهية ويرتب على هذا التوحيد مقتضياته. وأول هذه المقتضيات أن يكون التوجه إلى الله وحده بكل نية وكل عمل؛ وأن يهل باسمه - وحده - في كل عمل وكل حركة؛ وأن تصدر باسمه - وحده - كل حركة وكل عمل. فما يهل لغير الله به؛ وما يسمى عليه بغير اسم الله (وكذلك ما لا يذكر اسم الله عليه ولا اسم أحد) حرام؛ لأنه ينقض الإيمان من أساسه؛ ولا يصدر ابتداء عن إيمان.. فهو خبيث من هذه الناحية؛ يلحق بالخبائث الحسية من الميتة والدم ولحم الخنزير. وأما المنخنقة (وهي التي تموت خنقاً) والموقوذة (وهي التي تضرب بعصا أو خشبة أو حجر فتموت) والمتردية (وهي التي تتردى من سطح أو جبل أو تتردى في بئر فتموت) والنطيحة (وهي التي تنطحها بهيمة فتموت) وما أكل السبع (وهي الفريسة لأي من الوحش).. فهي كلها أنواع من الميتة إذا لم تدرك بالذبح وفيها الروح: {إلا ما ذكيتم} فحكمها هو حكم الميتة.. إنما فصل هنا لنفي الشبهة في أن يكون لها حكم مستقل.. على أن هناك تفصيلاً في الأقوال الفقهية واختلافاً في حكم "التذكية"، ومتى تعتبر البهيمة مذكاة؛ فبعض الأقوال يخرج من المذكاة، البهيمة التي يكون ما حل بها من شأنه أن يقتلها سريعاً - أو يقتلها حتماً - فهذه حتى لو أدركت بالذبح لا تكون مذكاة. بينما بعض الأقوال يعتبرها مذكاة متى أدركت وفيها الروح، أياً كان نوع الإصابة.. والتفصيل يطلب في كتب الفقة المختصة.. واما ما ذبح على النصب - وهي أصنام كانت في الكعبة وكان المشركون يذبحون عندها وينضحونها بدماء الذبيحة في الجاهلية، ومثلها غيرها في أي مكان - فهو محرم بسبب ذبحه على الأصنام - حتى لو ذكر اسم الله عليه، لما فيه من معنى الشرك بالله. ويبقى الاستقسام بالأزلام. والأزلام: قداح كانوا يستشيرونها في الإقدام على العمل أو تركه. وهي ثلاثة في قول، وسبعة في قول. وكانت كذلك تستخدم في الميسر المعروف عند العرب؛ فتقسم بواسطتها الجزور - أي الناقة التي يتقامرون عليها - إذ يكون لكل من المتقامرين قدح، ثم تدار، فإذا خرج قدح أحدهم كان له من الجزور بقدر ما خصص لهذا القدح.. فحرم الله الاستقسام بالأزلام - لأنه نوع من الميسر المحرم - وحرم اللحوم التي تقسم عن هذا الطريق.. ...{فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}. فالمضطر من الجوع - وهو المخمصة - الذي يخشى على حياته التلف، له أن يأكل من هذه المحرمات؛ ما دام أنه لا يتعمد الإثم، ولا يقصد مقارفة الحرام. وتختلف آراء الفقهاء في حد هذا الأكل: هل هو مجرد ما يحفظ الحياة. أو هو ما يحقق الكفاية والشبع. أو هو ما يدخر كذلك لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام.. فلا ندخل نحن في هذه التفصيلات.. وحسبنا أن ندرك ما في هذا الدين من يسر، وهو يعطى للضرورات أحكامها بلا عنت ولا حرج. مع تعليق الأمر كله بالنية المستكنة؛ والتقوى الموكولة إلى الله.. فمن أقدم مضطراً، لا نية له في مقارفة الحرام ولا قصد، فلا إثم عليه إذن ولا عقاب: {فإن الله غفور رحيم}.. وننتهي من بيان المحرم من المطاعم لنقف وقفة خاصة أمام ما تخلل آية التحريم من قوله تعالى: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً}.. وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم، ليعلن كمال الرسالة، وتمام النعمة، فيحس عمر - رضي الله عنه - ببصيرته النافذة وبقلبه الواصل - أن أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الأرض معدودة. فقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة؛ ولم يعد إلا لقاء الله. فيبكي - رضوان الله عليه - وقد أحس قلبه دنو يوم الفراق. هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح؛ وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها.. ما دلالة هذا؟ إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ. كل متكامل. سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد؛ وما يختص بالشعائر والعبادات؛ وما يختص بالحلال والحرام؛ ومايختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية. وأن هذا في مجموعه هو "الدين" الذي يقول الله عنه في هذه الآية: إنه أكمله. وهو "النعمة" التي يقول الله للذين آمنوا: إنه أتمها عليهم. وأنه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد؛ وما يختص بالشعائر والعبادات؛ وما يختص بالحلال والحرام؛ وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية.. فكلها في مجموعها تكوّن المنهج الرباني الذي ارتضاه الله للذين آمنوا؛ والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه، كالخروج عليه كله، خروج على هذا "الدين" وخروج من هذا الدين بالتبعية.. والأمر في هذا يرجع إلى ما سبق لنا تقريره؛ من أن رفض شيء من هذا المنهج، الذي رضيه الله للمؤمنين، واستبدال غيره به من صنع البشر؛ معناه الصريح هو رفض ألوهية الله - سبحانه - وإعطاء خصائص الألوهية لبعض البشر؛ واعتداء على سلطان الله في الأرض، وادعاء للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى.. الحاكمية.. وهذا معناه الصريح الخروج على هذا الدين؛ والخروج من هذا الدين بالتبعية.. {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم}.. يئسوا أن يبطلوه، أو ينقصوه، أو يحرفوه، وقد كتب الله له الكمال؛ وسجل له البقاء.. ولقد يغلبون على المسلمين في موقعة، أو في فترة، ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين. فهو وحده الدين الذي بقي محفوظاً لا يناله الدثور، ولا يناله التحريف أيضاً؛ على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه؛ وعلى شدة ما كادوا له، وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور.. غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة؛ تعرف هذا الدين؛ وتناضل عنه، ويبقى فيها كاملاً مفهوماً محفوظاً؛ حتى تسلمه الى من يليها. وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين! {فلا تخشوهم واخشون}... فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبداً. وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه؛ فلا يكونوا هم الترجمة الحية له؛ ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته؛ ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه.. وهذا التوجيه من الله للجماعة المسلمة في المدينة، لا يقتصر على ذلك الجيل؛ إنما هو خطاب عام للذين آمنوا في كل زمان وفي كل مكان.. نقول: للذين آمنوا.. الذين يرتضون ما رضيه الله لهم من هذا الدين، بمعناه الكامل الشامل؛ الذين يتخذون هذا الدين كله منهجاً للحياة كلها.. وهؤلاء - وحدهم - هم المؤمنون.. {اليوم أكملت لكم دينكم. وأتممت عليكم نعمتي. ورضيت لكم الإسلام ديناً}.. اليوم.. الذي نزلت فيه هذه الآية في حجة الوداع.. أكمل الله هذا الدين. فما عادت فيه زيادة لمستزيد. وأتم نعمته الكبرى على المؤمنين بهذا المنهج الكامل الشامل. ورضي لهم {الإسلام} ديناً؛ فمن لا يرتضيه منهجاً لحياته - إذن - فإنما يرفض ما ارتضاه الله للمؤمنين. ويقف المؤمن أمام هذه الكلمات الهائلة؛ فلا يكاد ينتهي من استعراض ما تحمله في ثناياها من حقائق كبيرة، وتوجيهات عميقة، ومقتضيات وتكاليف.. إن المؤمن يقف أولاً: أمام إكمال هذا الدين؛ يستعرض موكب الإيمان، وموكب الرسالات، وموكب الرسل، منذ فجر البشرية، ومنذ أول رسول - آدم عليه السلام - إلى هذه الرسالة الأخيرة. رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين.. فماذا يرى؟.. يرى هذا الموكب المتطاول المتواصل. موكب الهدى والنور. ويرى معالم الطريق، على طول الطريق. ولكنه يجد كل رسول - قبل خاتم النبيين - إنما أرسل لقومه. ويرى كل رسالة - قبل الرسالة الأخيرة - إنما جاءت لمرحلة من الزمان.. رسالة خاصة، لمجموعة خاصة، في بيئة خاصة.. ومن ثم كانت كل تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه؛ متكيفة بهذه الظروف.. كلها تدعو إلى إله واحد - فهذا هو التوحيد - وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد - فهذا هو الدين - وكلها تدعو إلى التلقي عن هذا الإله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد - فهذا هو الإسلام - ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف.. حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر؛ أرسل إلى الناس كافة، رسولاً خاتم النبيين برسالة "للإنسان" لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة، في زمان خاص، في ظروف خاصة.. رسالة تخاطب "الإنسان" من وراء الظروف والبيئات والأزمنة؛ لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير: {أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}تفسير : وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة "الإنسان" من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها؛ وتضع لها المبادىء الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان؛ وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان.. وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة "الإنسان" منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان؛ من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات، لكي تستمر، وتنمو، وتتطور، وتتجدد؛ حول هذا المحور وداخل هذا الإطار.. وقال الله - سبحانه - للذين آمنوا: {اليوم أكملت لكم دينكم. وأتممت عليكم نعمتي. ورضيت لكم الإسلام ديناً}.. فأعلن لهم إكمال العقيدة، وإكمال الشريعة معاً.. فهذا هو الدين.. ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين - بمعناه هذا - نقصاً يستدعي الإكمال. ولا قصوراً يستدعي الإضافة. ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير.. وإلا فما هو بمؤمن؛ وما هو بمقر بصدق الله؛ وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين! إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن، هي شريعة كل زمان، لأنها - بشهادة الله - شريعة الدين الذي جاء "للإنسان" في كل زمان وفي كل مكان؛ لا لجماعة من بني الإنسان، في جيل من الأجيال، في مكان من الأمكنة، كما كانت تجيء الرسل والرسالات. الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي. والمبادىء الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان؛ دون أن تخرج عليه، إلا أن تخرج من إطار الإيمان! والله الذي خلق "الإنسان" ويعلم من خلق؛ هو الذي رضي له هذا الدين؛ المحتوي على هذه الشريعة. فلا يقول: إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان؛ وبأطوار الإنسان! ويقف المؤمن ثانياً: أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين، بإكمال هذا الدين؛ وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة. النعمة التي تمثل مولد "الإنسان" في الحقيقة، كما تمثل نشأته واكتماله. "فالإنسان" لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له. وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين. وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه. و "الإنسان" لا وجود له قبل أن يتحرر من عبادة العبيد بعبادة الله وحده؛ وقبل أن ينال المساواة الحقيقية بأن تكون شريعته من صنع الله وبسلطانه لا من صنع أحد ولا بسلطانه. إن معرفة "الإنسان" بهذه الحقائق الكبرى كما صورها هذا الدين هي بدء مولد "الإنسان".. إنه بدون هذه المعرفة على هذا المستوى؛ يمكن أن يكون"حيواناً" أو أن يكون "مشروع إنسان" في طريقه إلى التكوين! ولكنه لا يكون "الإنسان" في أكمل صورة للإنسان، إلا بمعرفة هذه الحقائق الكبيرة كما صورها القرآن.. والمسافة بعيدة بعيدة بين هذه الصورة، وسائر الصور التي اصطنعها البشر في كل زمان! وإن تحقيق هذه الصورة في الحياة الإنسانية، لهو الذي يحقق"للإنسان" "إنسانيته" كاملة.. يحققها له وهو يخرجه بالتصور الاعتقادي، في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، من دائرة الحس الحيواني الذي لا يدرك إلا المحسوسات، إلى دائرة "التصور" الإنساني، الذي يدرك المحسوسات وما وراء المحسوسات. عالم الشهادة وعالم الغيب.. عالم المادة وعالم ما وراء المادة.. وينقذه من ضيق الحس الحيواني المحدود! ويحققها له وهو يخرجه بتوحيد الله، من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده، والتساوي والتحرر والاستعلاء أمام كل من عداه. فإلى الله وحده يتجه بالعبادة، ومن الله وحده يتلقى المنهج والشريعة والنظام، وعلى الله وحده يتوكل ومنه وحده يخاف.. ويحققها له، بالمنهج الرباني، حين يرفع اهتماماته ويهذب نوازعه، ويجمع طاقته للخير والبناء والارتقاء، والاستعلاء على نوازع الحيوان، ولذائذ البهيمة وانطلاق الأنعام! ولا يدرك حقيقة نعمة الله في هذا الدين، ولا يقدرها قدرها، من لم يعرف حقيقة الجاهلية ومن لم يذق ويلاتها - والجاهلية في كل زمان وفي كل مكان هي منهج الحياة الذي لم يشرعه الله - فهذا الذي عرف الجاهلية وذاق ويلاتها.. ويلاتها في التصور والاعتقاد، وويلاتها في واقع الحياة.. هو الذي يحس ويشعر، ويرى ويعلم، ويدرك ويتذوق حقيقة نعمة الله في هذا الدين.. الذي يعرف ويعاني ويلات الضلال والعمى، وويلات الحيرة والتمزق، وويلات الضياع والخواء، في معتقدات الجاهلية وتصوراتها في كل زمان وفي كل مكان.. هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الإيمان؛ والذي يعرف ويعاني ويلات الطغيان والهوى، وويلات التخبط والاضطراب، وويلات التفريط والإفراط في كل أنظمة الحياة الجاهلية، هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الحياة في ظل الإيمان بمنهج الإسلام. ولقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة، يعرفون ويدركون ويتذوقون هذه الكلمات. لأن مدلولاتها كانت متمثلة في حياتهم، في ذات الجيل الذي خوطب بهذا القرآن.. كانوا قد ذاقوا الجاهلية.. ذاقوا تصوراتها الاعتقادية. وذاقوا أوضاعها الاجتماعية. وذاقوا أخلاقها الفردية والجماعية وبلوا من هذا كله ما يدركون معه حقيقة نعمة الله عليهم بهذا الدين؛ وحقيقة فضل الله عليهم ومنته بالإسلام. كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية؛ وسار بهم في الطريق الصاعد، إلى القمة السامقة - كما فصلنا ذلك في مستهل سورة النساء - فإذا هم على القمة ينظرون من عل إلى سائر أمم الأرض من حولهم؛ نظرتهم إلى ماضيهم في جاهليتهم كذلك. كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التصورات الاعتقادية حول ربوبية الأصنام، والملائكة، والجن، والكواكب، والأسلاف؛ وسائر هذه الأساطير الساذجة والخرافات السخيفة؛ لينقلهم إلى أفق التوحيد. إلى أفق الإيمان بإله واحد، قادر قاهر، رحيم ودود، سميع بصير، عليم خبير. عادل كامل. قريب مجيب. لا واسطة بينه وبين أحد؛ والكل له عباد، والكل له عبيد.. ومن ثم حررهم من سلطان الكهانة، ومن سلطان الرياسة، يوم حررهم من سلطان الوهم والخرافة.. وكان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في الأوضاع الاجتماعية. من الفوارق الطبقية؛ ومن العادات الزرية؛ ومن الاستبداد الذي كان يزاوله كل من تهيأ له قدر من السلطان (لا كما هو سائد خطأ من أن الحياة العربية كانت تمثل الديمقراطية!). "فقد كانت القدرة على الظلم قرينة بمعنى العزة والجاه في عرف السيد والمسود من أمراء الجزيرة من أقصاها في الجنوب إلى أقصاها في الشمال. وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحاً مبالغاً في القدح حين استضعف مهجوه، لأن: شعر : قبيلته لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل تفسير : "وما كان حجر بن الحارث إلا ملكاً عربياً حين سام بني أسد أن يستعبدهم بالعصا، وتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول: شعر : أنت المملك فيهم وهم العبيد إلى القيامه ذلوا لسوطك مثلما ذل الأشيقر ذو الخزامه تفسير : "وكان عمر بن هند ملكاً عربياً حين عود الناس أن يخاطبهم من وراء ستار؛ وحين استكثر على سادة القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته في داره. "وكان النعمان بن المنذر ملكا عربيا حين بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يوماً للرضى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء؛ ويوماً للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء. "وقد قيل عن عزة كليب وائل: إنه سمي بذلك لأنه كان يرمي الكليب حيث يعجبه الصيد، فلا يجسر أحد على الدنو من مكان يسمع فيه نباحه. وقيل: "لا حر بوادي عوف" لأنه من عزته كان لا يأوي بواديه من يملك حرية في جواره. فكلهم أحرار في حكم العبيد..". وكان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التقاليد والعادات والأخلاق والصلات الاجتماعية.. كان قد التقطهم من سفح البنت الموءودة، والمرأة المنكودة، والخمر والقمار والعلاقات الجنسية الفوضوية، والتبرج والاختلاط مع احتقار المرأة ومهانتها، والثارات والغارات والنهب والسلب، مع تفرق الكلمة وضعف الحيلة أمام أي هجوم خارجي جدي. كالذي حدث في عام الفيل من هجوم الأحباش على الكعبة، وتخاذل وخذلان القبائل كلها، هذه القبائل التي كان بأسها بينها شديداً! وكان الإسلام قد أنشأ منهم أمة؛ تطل من القمة السامقة على البشرية كلها في السفح، في كل جانب من جوانب الحياة. في جيل واحد. عرف السفح وعرف القمة. عرف الجاهلية وعرف الإسلام. ومن ثم كانوا يتذوقون ويدركون معنى قول الله لهم: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً}.. ويقف المؤمن ثالثاً: أمام ارتضاء الله الإسلام دينا للذين آمنوا.. يقف أمام رعاية الله - سبحانه - وعنايته بهذه الأمة، حتى ليختار لها دينها ويرتضيه.. وهو تعبير يشي بحب الله لهذه الأمة ورضاه عنها، حتى ليختار لها منهج حياتها.. وإن هذه الكلمات الهائلة لتلقي على عاتق هذه الأمة عبئاً ثقيلاً، يكافىء هذه الرعاية الجليلة.. أستغفر الله.. فما يكافىء هذه الرعاية الجليلة من الملك الجليل شيء تملك هذه الأمة بكل أجيالها أن تقدمه.. وإنما هو جهد الطاقة في شكر النعمة، ومعرفة المنعم.. وإنما هو إدراك الواجب ثم القيام بما يستطاع منه، وطلب المغفرة والتجاوز عن التقصير والقصور فيه. إن ارتضاء الله الإسلام ديناً لهذه الأمة، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار. ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار.. وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل - بله أن يرفض - ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله!.. وإنها - إذن - لجريمة نكدة؛ لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجياً أبداً وقد رفض ما ارتضاه له الله.. ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام ديناً لهم، يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين.. فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه.. واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله.. فلن يتركهم الله أبداً ولن يمهلهم أبداً، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون! ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في هذه الوقفات أمام تلك الكلمات الهائلة. فالأمر يطول. فنقنع بهذه اللمحات، في هذه الظلال، ونمضي مع سياق السورة إلى مقطع جديد: {يسألونك: ماذا أحل لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله. فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه. واتقوا الله، إن الله سريع الحساب. اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم - إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان - ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين}.. إن هذا السؤال من الذين آمنوا عما أحل لهم؛ يصور حالة نفسية لتلك الجماعة المختارة، التي سعدت بخطاب الله تعالى لها أول مرة؛ ويشي بما خالج تلك النفوس من التحرج والتوقي من كل ما كان في الجاهلية؛ خشية أن يكون الإسلام قد حرمه؛ وبالحاجة إلى السؤال عن كل شيء للتثبت من أن المنهج الجديد يرتضيه ويقره. والناظر في تاريخ هذه الفترة يلمس ذلك التغيير العميق الذي أحدثه الإسلام في النفس العربية.. لقد هزها هزاً عنيفاً نفض عنها كل رواسب الجاهلية.. لقد أشعر المسلمين - الذين التقطهم من سفح الجاهلية ليرتفع بهم إلى القمة السامقة - أنهم يولدون من جديد؛ وينشأون من جديد. كما جعلهم يحسون إحساساً عميقاً بضخامة النقلة، وعظمة الوثبة، وجلال المرتقى، وجزالة النعمة. فأصبح همهم أن يتكيفوا وفق هذا المنهج الرباني الذي لمسوا بركتة عليهم. وأن يحذروا عن مخالفته.. وكان التحرج والتوجس من كل ما ألفوه في الجاهلية هو ثمرة هذا الشعور العميق، وثمرة تلك الهزة العنيفة. لذلك راحوا يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ما سمعوا آيات التحريم: {ماذا أحل لهم؟}. ليكونوا على يقين من حلة قبل أن يقربوه. وجاءهم الجواب {قل: أحل لكم الطيبات... }.. وهو جواب يستحق التأمل.. إنه يلقي في حسهم هذه الحقيقة: إنهم لم يحرموا طيباً، ولم يمنعوا عن طيب؛ وإن كل الطيبات لهم حلال، فلم يحرم عليهم إلا الخبائث.. والواقع أن كل ما حرمه الله هو ما تستقذره الفطرة السليمة من الناحية الحسية. كالميتة والدم ولحم الخنزير. أو ينفر منه القلب المؤمن كالذي أهل لغير الله به أو ما ذبح على النصب، أو كان الاستقسام فيه بالأزلام. وهو نوع من الميسر. ويضيف إلى الطيبات - وهي عامة - نوعاً منها يدل على طيبته تخصيصه بالذكر بعد التعميم؛ وهو ما تمسكه الجوارح المعلمه المدربة على الصيد كالصقر والبازي، ومثلها كلاب الصيد، أو الفهود والأسود. مما علمه أصحابه كيف يكلب الفريسة: أي يكبلها ويصطادها: {وما علمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما علمكم الله. فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله، إن الله سريع الحساب}.. وشرط الحل فيما تمسكه هذه الجوارح المكلبة المعلمة المدربة، أن تمسك على صاحبها: أي أن تحتفظ بما تمسكه من الصيد؛ فلا تأكل منه عند صيده؛ إلا إذا غاب عنها صاحبها، فجاعت. فإنها إن أكلت من الفريسة عند إمساكها لها، لا تكون معلمة؛ وتكون قد اصطادت لنفسها لا لصاحبها فلا يحل له صيدها. ولو تبقى منها معظم الصيد لم تأكله؛ ولو جاءت به حياً ولكنها كانت أكلت منه؛ فلا يذكى؛ ولو ذبح ما كان حلالاً.. والله يذكر المؤمنين بنعمته عليهم في هذه الجوارح المكلبة فقد علموها مما علمهم الله. فالله هو الذي سخر لهم هذه الجوارح؛ وأقدرهم على تعليمها؛ وعلمهم هم كيف يعلمونها.. وهي لفتة قرآنية تصور أسلوب التربية القرآني، وتشي بطبيعة المنهج الحكيم الذي لا يدع لحظة تمر، ولا مناسبة تعرض، حتى يوقظ في القلب البشري الإحساس بهذه الحقيقة الأولى: حقيقية أن الله هو الذي أعطى كل شيء. هو الذي خلق، وهو الذي علم، وهو الذي سخر؛ وإليه يرجع الفضل كله، في كل حركة وكل كسب وكل إمكان، يصل إليه المخلوق.. فلا ينسى المؤمن لحظة، أن من الله، وإلى الله، كل شيء في كيانه هو نفسه؛ وفيما حوله من الأشياء والأحداث؛ ولا يغفل المؤمن لحظة عن رؤية يد الله وفضله في كل عزمة نفس منه، وكل هزة عصب، وكل حركة جارحة.. ويكون بهذا كله "ربانياً" على الاعتبار الصحيح. والله يعلم المؤمنين أن يذكروا اسم الله على الصيد الذي تمسك به الجوارح. ويكون الذكر عند إطلاق الجارح إذ أنه قد يقتل الصيد بنابه أو ظفره ; فيكون هذا كالذبح له؛ واسم الله يذكر عند الذبح، فهو يذكر كذلك عند إطلاق الجارح سواء. ثم يردهم في نهاية الآية إلى تقوى الله؛ ويخوفهم حسابه السريع.. فيربط أمر الحل والحرمة كله بهذا الشعور الذي هو المحور لكل نية وكل عمل في حياة المؤمن؛ والذي يحول الحياة كلها صلة بالله، وشعوراً بجلاله، ومراقبة له في السر والعلانية: {واتقوا الله إن الله سريع الحساب}.. ويستطرد في بيان ما أحل لهم من الطعام ويلحق به ما أحل لهم من النكاح: {اليوم أحل لكم الطيبات. وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم. وطعامكم حل لهم. والمحصنات من المؤمنات. والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم. إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان}.. وهكذا يبدأ ألوان المتاع الحلال مرة أخرى بقوله: {اليوم أحل لكم الطيبات}.. فيؤكد المعنى الذي أشرنا إليه؛ ويربط بينه وبين الألوان الجديدة من المتاع. فهي من الطيبات. وهنا نطلع على صفحة من صفحات السماحة الإسلامية؛ في التعامل مع غير المسلمين، ممن يعيشون في المجتمع الإسلامي "في دار الإسلام"، أو تربطهم به روابط الذمة والعهد، من أهل الكتاب.. إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية؛ ثم يعتزلهم، فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين - أو منبوذين - إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية، والمودة، والمجاملة والخلطة. فيجعل طعامهم حلا للمسلمين وطعام المسلمين حلاً لهم كذلك. ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة.. وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم - وهن المحصنات بمعنى العفيفات الحرائر - طيبات للمسلمين، ويقرن ذكرهن بذكر الحرائر العفيفات من المسلمات. وهي سماحة لم يشعر بها إلا أتباع الإسلام من بين سائر أتباع الديانات والنحل. فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية، أو البروتستانتية، أو المارونية المسيحية، ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة! وهكذا يبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي، لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية؛ ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة، التي تظلها راية المجتمع الإسلامي. فيما يختص بالعشرة والسلوك (أما الولاء والنصرة فلها حكم آخر سيجيء في سياق السورة). وشرط حل المحصنات الكتابيات. هو شرط حل المحصنات المؤمنات: {إذا آتيتموهن أجورهن محصنين، غير مسافحين، ولا متخذي أخدان}. ذلك أن تؤدى المهور، بقصد النكاح الشرعي، الذي يحصن به الرجل امرأته ويصونها. لا أن يكون هذا المال طريقاً إلى السفاح أو المخادنة.. والسفاح هو أن تكون المرأة لأي رجل؛ والمخادنة أن تكون المرأة لخدين خاص بغير زواج.. وهذا وذلك كانا معروفين في الجاهلية العربية، ومعترفاً بهما من المجتمع الجاهلي. قبل أن يطهره الإسلام، ويزكيه، ويرفعه من السفح الهابط إلى القمة السامقة.. ويعقب على هذه الأحكام تعقيباً فيه تشديد، وفيه تهديد: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين}.. إن هذه التشريعات كلها منوطة بالإيمان؛ وتنفيذها كما هي هو الإيمان؛ أو هو دليل الإيمان. فالذي يعدل عنها إنما يكفر بالإيمان ويستره ويغطيه ويجحده. والذي يكفر بالإيمان يبطل عمله ويصبح رداً عليه لا يقبل منه، ولا يقر عليه.. والحبوط مأخوذ من انتفاخ الدابة وموتها إذا رعت مرعى ساماً.. وهو تصوير لحقيقة العمل الباطل. فهو ينتفخ ثم ينعدم أثره كالدابة التي تتسمم وتنتفخ وتموت.. وفي الآخرة تكون الخسارة فوق حبوط العمل وبطلانه في الدنيا.. وهذا التعقيب الشديد، والتهديد المخيف، يجيء على إثر حكم شرعي يختص بحلال وحرام في المطاعم والمناكح.. فيدل على ترابط جزئيات هذا المنهج؛ وأن كل جزئية فيه هي "الدين" الذي لا هوادة في الخلاف عنه، ولا قبول لما يصدر مخالفاً له في الصغير أو في الكبير. وفي ظل الحديث عن الطيبات من الطعام والطيبات من النساء يجيء ذكر الصلاة، وأحكام الطهارة للصلاة. {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلكم إلى الكعبين. وإن كنتم جنباً فاطهروا. وإن كنتم مرضى، أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}.. إن الحديث عن الصلاة والطهارة إلى جانب الحديث عن الطيبات من الطعام والطيبات من النساء. وإن ذكر حكم الطهارة إلى جانب أحكام الصيد والإحرام والتعامل مع الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام.. إن هذا لا يجيء اتفاقاً ومصادفة لمجرد السرد، ولا يجيء كذلك بعيداً عن جو السياق وأهدافه.. إنما هو يجيء في موضعه من السياق، ولحكمته في نظم القرآن.. إنها - أولاً - لفتة إلى لون آخر من الطيبات.. طيبات الروح الخالصة.. إلى جانب طيبات الطعام والنساء.. لون يجد فيه قلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع. إنه متاع اللقاء مع الله، في جو من الطهر والخشوع والنقاء.. فلما فرغ من الحديث عن متاع الطعام والزواج ارتقى إلى متاع الطهارة والصلاة؛ استكمالاً لألوان المتاع الطيبة في حياة الإنسان.. والتي بها يتكامل وجود "الإنسان". ثم اللفتة الثانية.. إن أحكام الطهارة والصلاة؛ كأحكام الطعام والنكاح؛ كأحكام الصيد في الحل والحرمة؛ كأحكام التعامل مع الناس في السلم والحرب... كبقية الأحكام التالية في السورة... كلها عبادة لله. وكلها دين الله. فلا انفصام في هذا الدين بين ما اصطلح أخيراً - في الفقه -على تسميته "بأحكام العبادات"، وما اصطلح على تسميته "بأحكام المعاملات".. هذه التفرقة - التي اصطنعها "الفقه" حسب مقتضيات "التصنيف" و "التبويب" - لا وجود لها في أصل المنهج الرباني، ولا في أصل الشريعة الإسلامية.. إن هذا المنهج يتألف من هذه وتلك على السواء. وحكم هذه كحكم تلك في أنها تؤلف دين الله وشريعته ومنهجه؛ وليست هذه بأولى من تلك في الطاعة والاتباع. لا، بل إن أحد الشطرين لا يقوم بغير الآخر. والدين لا يستقيم إلا بتحققهما في حياة الجماعة المسلمة على السواء. كلها "عقود" من التي أمر الله المؤمنين في شأنها بالوفاء، وكلها "عبادات" يؤديها المسلم بنية القربى إلى الله. وكلها "إسلام" وإقرار من المسلم بعبوديته لله. ليس هنالك "عبادات" وحدها و "معاملات" وحدها.. إلا في "التصنيف الفقهي".. وكلتا العبادات والمعاملات بمعناها هذا الاصطلاحي.. كلها "عبادات" و "فرائض" و "عقود" مع الله. والإخلال بشيء منها إخلال بعقد الإيمان مع الله! وهذه هي اللفتة التي يشير إليها النسق القرآني؛ وهو يوالي عرض هذه الأحكام المتنوعة في السياق. {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...}.. إن الصلاة لقاء مع الله، ووقوف بين يديه - سبحانه - ودعاء مرفوع إليه، ونجوى وإسرار. فلا بد لهذا الموقف من استعداد. لا بد من تطهر جسدي يصاحبه تهيؤ روحي. ومن هنا كان الوضوء - فيما نحسب والعلم لله - وهذه هي فرائضه المنصوص عليها في هذه الآية: غسل الوجه. وغسل الأيدي إلى المرافق. ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين.. وحول هذه الفرائض خلافات فقهية يسيرة.. أهمها هل هذه الفرائض على الترتيب الذي ذكرت به؟ أم هي تجزىء على غير ترتيب؟ قولان.. هذا في الحدث الأصغر.. أما الجنابة - سواء بالمباشرة أو الاحتلام - فتوجب الاغتسال.. ولما فرغ من بيان فرائض الوضوء، والغسل، أخذ في بيان حكم التيمم. وذلك في الحالات الآتية: حالة عدم وجود الماء للمحدث على الإطلاق.. وحالة المريض المحدث حدثاً أصغر يقتضي الوضوء، أو حدثاً أكبر يقتضي الغسل والماء يؤذيه.. وحالة المسافر المحدث حدثاً أصغر أو أكبر.. وقد عبر عن الحدث الأصغر بقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}.. والغائط مكان منخفض كانوا يقضون حاجتهم فيه.. والمجيء من الغائط كناية عن قضاء الحاجة تبولاً أو تبرزاً. وعبر عن الحدث الأكبر بقوله: {أو لامستم النساء }.. لأن هذا التعبير الرقيق يكفي في الكناية عن المباشرة.. ففي هذه الحالات لا يقرب المحدث - حدثاً أصغر أو أكبر - الصلاة، حتى يتيمم.. فيقصد صعيداً طيباً.. أي شيئاً من جنس الأرض طاهراً يعبر عن الطهارة بالطيبة - ولو كان تراباً على ظهر الدابة، أو الحائط. فيضرب بكفيه، ثم ينفضهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يمسح بهما يديه إلى المرفقين.. ضربة للوجة واليدين. أو ضربتين.. قولان.. وهناك خلافات فقهية حول المقصود بقوله تعالى: {أو لامستم النساء}.. أهو مجرد الملامسة؟ أم هي المباشرة؟ وهل كل ملامسة بشهوة ولذة أم بغير شهوة ولذة؟ خلاف.. كذلك هل المرض بإطلاقه يجيز التيمم؟ أم المرض الذي يؤذيه الماء؟ خلاف.. ثم.. هل برودة الماء من غير مرض؛ وخوف المرض والأذى يجيز التيمم.. الأرجح نعم.. وفي ختام الآية يجيء هذا التعقيب: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج. ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم، لعلكم تشكرون}.. والتطهر حالة واجبة للقاء الله - كما أسلفنا - وهو يتم في الوضوء والغسل جسماً وروحاً. فأما في التيمم فيتم الشطر الأخير منه؛ ويجزئ في التطهر عند عدم وجود الماء، أو عندما يكون هناك ضرر في استعمال الماء. ذلك أن الله - سبحانه - لا يريد أن يعنت الناس، ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف. إنما يريد أن يطهرهم، وأن ينعم عليهم بهذه الطهارة؛ وأن يقودهم إلى الشكر على النعمة، ليضاعفها لهم ويزيدهم منها.. فهو الرفق والفضل والواقعية في هذا المنهج اليسير القويم. وتقودنا حكمة الوضوء والغسل والتيمم التي كشف النص عنها هنا: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}.. تقودنا إلى تلك الوحدة التي يحققها الإسلام في الشعائر والشرائع على السواء. فليس الوضوء والغسل مجرد تنظيف للجسد، ليقول متفلسفة هذه الأيام: إننا لسنا في حاجة إلى هذه الإجراءات، كما كان العرب البدائيون! لأننا نستحم وننظف أعضاءنا بحكم الحضارة! إنما هي محاولة مزدوجة لتوحيد نظافة الجسم وطهارة الروح في عمل واحد؛ وفي عبادة واحدة يتوجه بها المؤمن إلى ربه. وجانب التطهر الروحي أقوى. لأنه عند تعذر استخدام الماء, يستعاض بالتيمم، الذي لا يحقق إلا هذا الشطر الأقوى.. وذلك كله فضلاً على أن هذا الدين منهج عام ليواجه جميع الحالات، وجميع البيئات، وجميع الأطور، بنظام واحد ثابت، فتتحقق حكمته في جميع الحالات والبيئات والأطوار؛ في صورة من الصور، بمعنى من المعاني؛ ولا تبطل هذه الحكمة أو تتخلف في أية حال. فلنحاول أن نتفهم أسرار هذه العقيدة قبل أن نفتي فيها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ولنحاول أن نكون أكثر أدباً مع الله؛ فيما نعلم وفيما لا نعلم على السواء. كذلك يقودنا الحديث عن التيمم للصلاة عند تعذر الطهارة بالوضوء أو الغسل أو ضررها إلى لفتة أخرى عن الصلاة ذاتها. عن حرص المنهج الإسلامي على إقامة الصلاة؛ وإزالة كل عائق يمنع منها.. فهذا الحكم بالإضافة إلى الأحكام الأخرى كالصلاة عند الخوف والصلاة في حالة المرض من قعود أو من استلقاء حسب الإمكان.. كل هذه الأحكام تكشف عن الحرص البالغ على إقامة الصلاة؛ وتبين إلى أي حد يعتمد المنهج على هذه العبادة لتحقيق أغراضه التربوية في النفس البشرية. إذ يجعل من لقاء الله والوقوف بين يديه وسيلة عميقة الأثر، لا يفرط فيها في أدق الظروف وأحرجها؛ ولا يجعل عقبة من العقبات تحول بين المسلم وبين هذا الوقوف وهذا اللقاء.. لقاء العبد بربه.. وعدم انقطاعه عنه لسبب من الأسباب.. إنها نداوة القلب، واسترواح الظل، وبشاشة اللقاء.. ويعقب على أحكام الطهارة، وعلى ما سبقها من الأحكام بتذكير الذين آمنوا بنعمة الله عليهم بالإيمان، وبميثاق الله معهم على السمع والطاعة، وهو الميثاق الذي دخلوا به في الإسلام - كما تقدم - كما يذكرهم تقوى الله، وعلمه بما تنطوي عليه الصدور: {واذكروا نعمة الله عليكم، وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم: سمعنا وأطعنا، واتقوا الله، إن الله عليم بذات الصدور}.. وكان المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعرفون - كما قدمنا - قيمة نعمة الله عليهم بهذا الدين. إذ كانوا يجدون حقيقتها في كيانهم، وفي حياتهم، وفي مجتمعهم، وفي مكانهم من البشرية كلها من حولهم. ومن ثم كانت الإشارة - مجرد الإشارة - إلى هذه النعمة تكفي، إذ كانت توجه القلب والنظر إلى حقيقة ضخمة قائمة في حياتهم ملموسة. كذلك كانت الإشارة إلى ميثاق الله الذي واثقهم به على السمع والطاعة، تستحضر لتوها حقيقة مباشرة يعرفونها. كما كانت تثير في مشاعرهم الاعتزاز حيث تقفهم من الله ذي الجلال موقف الطرف الآخر في تعاقد مع الله، وهو أمر هائل جليل في حس المؤمن، حين يدرك حقيقته هذه ويتملاها.. ومن ثم يكلهم الله في هذا إلى التقوى. إلى إحساس القلب بالله، ومراقبته في خطراته الخافية: {واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}.. والتعبير {بذات الصدور} تعبير مصور معبر موح، نمر به كثيراً في القرآن الكريم. فيحسن أن ننبه إلى مافيه من دقة وجمال وإيحاء. وذات الصدور: أي صاحبة الصدور، الملازمة لها، اللاصقة بها. وهي كناية عن المشاعر الخافية، والخواطر الكامنة، والأسرار الدفينة. التي لها صفة الملازمة للصدور والمصاحبة. وهي على خفائها وكتمانها مكشوفة لعلم الله، المطلع على ذات الصدور.. ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة، القوامة على البشرية بالعدل.. العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن؛ ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال. العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات.. والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور.. ومن ثم فهذا النداء: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون}.. لقد نهى الله الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام، على الاعتداء. وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم. فهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل.. وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق. فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده؛ تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض! إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء. فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين! والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة. فيقدم له بما يعين عليه: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله...} ويعقب عليه بما يعين عليه أيضاً: {واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون}.. إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله. حين تقوم لله، متجردة عن كل ما عداه. وحين تستشعر تقواه، وتحس أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور. وما من اعتبار من اعتبارات الأرض كلها يمكن أن يرفع النفس البشرية إلى هذا الأفق، ويثبتها عليه. وما غير القيام لله، والتعامل معه مباشرة، والتجرد من كل اعتبار آخر، يملك أن يستوي بهذه النفس على هذا المرتقى. وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين، كما يكفله لهم هذا الدين؛ حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا لله في هذا الأمر؛ وأن يتعاملوا معه، متجردين عن كل اعتبار. وبهذه المقوّمات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير؛ الذي يتكفل نظامه للناس جميعاً - معتنقيه وغير معتنقيه - أن يتمتعوا في ظله بالعدل؛ وأن يكون هذا العدل فريضة غلى معتنقيه، يتعاملون فيها مع ربهم، مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن.. وإنها لفريضة الأمة القوامة على البشرية. مهما يكن فيها من مشقة وجهاد. ولقد قامت هذه الأمة بهذه القوامة؛ وأدت تكاليفها هذه؛ يوم استقامت على الإسلام. ولم تكن هذه في حياتها مجرد وصايا، ولا مجرد مثل عليا، ولكنها كانت واقعاً من الواقع في حياتها اليومية، واقعاً لم تشهد البشرية مثله من قبل ولا من بعد، ولم تعرفه في هذا المستوى إلا في الحقبة الإسلامية المنيرة.. والأمثلة التي وعاها التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة. تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية، قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجاً في عالم الواقع يؤدى ببساطة، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة.. إنها لم تكن مثلاً عليا خيالية، ولا نماذج كذلك فردية. إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقاً آخر سواه. وحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية في كل أعصارها وكل ديارها - بما فيها جاهلية العصور الحديثة - ندرك المدى المتطاول بين منهج يصنعه الله للبشر، ومناهج يصنعها الناس للناس. ونرى المسافة التي لا تعبر بين آثار هذه المناهج وآثار ذلك المنهج الفريد في الضمائر والحياة. إن الناس قد يعرفون المبادىء؛ ويهتفون بها.. ولكن هذا شيء، وتحقيقها في عالم الواقع شيء آخر.. وهذه المبادىء التي يهتف بها الناس للناس طبيعي، ألا تتحقق في عالم الواقع.. فليس المهم أن يُدعى الناس إلى المبادىء؛ ولكن المهم هو من يدعوهم إليها.. المهم هو الجهة التي تصدر منها الدعوة.. المهم هو سلطان هذه الدعوة على الضمائر والسرائر.. المهم هو المرجع الذي يرجع إليه الناس بحصيلة كدهم وكدحهم لتحقيق هذه المبادىء.. وقيمة الدعوة الدينية إلى المبادىء التي تدعو إليها، هو سلطان الدين المستمد من سلطان الله، فما يقوله فلان وعلان علام يستند؟ وأي سلطان له على النفوس والضمائر؟ وماذا يملك للناس حين يعودون إليه بكدحهم وكدهم في تحقيق هذه المبادىء؟ يهتف ألف هاتف بالعدل. وبالتطهر. وبالتحرر. وبالتسامي. وبالسماحة. وبالحب. وبالتضحية. وبالإيثار... ولكن هتافهم لا يهز ضمائر الناس؛ ولا يفرض نفسه على القلوب. لأنه دعاء ما أنزل الله به من سلطان! ليس المهم هو الكلام.. ولكن المهم من وراء هذا الكلام! ويسمع الناس الهتاف من ناس مثلهم بالمبادىء والمثل والشعارات - مجردة من سلطان الله - ولكن ما أثرها؟ إن فطرتهم تدرك أنها توجيهات من بشر مثلهم. تتسم بكل ما يتسم به البشر من جهل وعجز وهوى وقصور. فتتلقاها فطرة الناس على هذا الأساس. فلا يكون لها على فطرتهم من سلطان! ولا يكون لها في كيانهم من هزة، ولا يكون لها في حياتهم من أثر إلا أضعف الأثر! ثم إن قيمة هذه "الوصايا" في الدين، أنها تتكامل مع "الإجراءات" لتكييف الحياة. فهو لا يلقيها مجردة في الهواء.. فأما حين يتحول الدين إلى مجرد وصايا؛ وإلى مجرد شعائر؛ فإن وصاياه لا تنفذ ولا تتحقق! كما نرى ذلك الآن في كل مكان.. إنه لا بد من نظام للحياة كلها وفق منهج الدين؛ وفي ظل هذا النظام ينفذ الدين وصاياه. ينفذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات!.. وهذا هو "الدين" في المفهوم الإسلامي دون سواه.. الدين الذي يتمثل في نظام يحكم كل جوانب الحياة. وحين تحقق "الدين" بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة؛ والتي ما تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة؛ كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية العربية وغيرها على السواء.. وحين تحول "الدين" إلى وصايا على المنابر؛ وإلى شعائر في المساجد؛ وتخلى عن نظام الحياة.. لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة! ولا بد من جزاء للمؤمنين من الله، الذي يتعاملون معه وحده؛ يشجع ويقوي على النهوض بتكاليف القوامة؛ وعلى الوفاء بالميثاق. ولا بد أن يختلف مصير الذين كفروا وكذبوا عن مصير الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لهم مغفرة وأجر عظيم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}.. إنه الجزاء الذي يعوض الخيرين عما يفوتهم من عرض الحياة الدنيا - وهم ينهضون بالتكاليف العليا - والذي تصغر معه تكاليف القوامة على أهواء البشرية وعنادها ولجاجها في هذه الأرض.. ثم هو العدل الإلهي الذي لا يسوي بين جزاء الخيرين وجزاء الأشرار! ولا بد من تعليق قلوب المؤمنين وأنظارهم بهذا العدل وبذلك الجزاء. لتتعامل مع الله متجردة من كل النوازع المعوقة من ملابسات الحياة.. وبعض القلوب يكفيها أن تشعر برضاء الله؛ وتتذوق حلاوة هذا الرضى؛ كما تتذوق حلاوة الوفاء بالميثاق.. ولكن المنهج يتعامل مع الناس جميعاً. مع الطبيعة البشرية والله يعلم من هذه الطبيعة حاجتها إلى هذا الوعد بالمغفرة والأجر العظيم. وحاجتها كذلك إلى معرفة جزاء الكافرين المكذبين! إن هذا وذلك يرضي هذه الطبيعة. يطمئنها على مصيرها وجزائها؛ ويشفي غيظها من أفاعيل الشريرين! وبخاصة إذا كانت مأمورة بالعدل مع من تكره من هؤلاء! بعد أن تلقى منهم ما تلقى من الكيد والإيذاء.. والمنهج الرباني يأخذ الطبيعة البشرية بما يعلمه الله من أمرها؛ ويهتف لها بما تتفتح له مشاعرها، وتستجيب له كينونتها.. ذلك فوق أن المغفرة والأجر العظيم دليل رضى الله الكريم؛ وفيهما مذاق الرضى فوق مذاق النعيم. ويمضي السياق يقوِّي في الجماعة المسلمة روح العدل والقسط والسماحة؛ ويكفكف فيها شعور العدوان والميل والانتقام.. فيذكر المسلمين نعمة الله عليهم في كف المشركين عنهم، حين هموا في عام الحديبية - أو في غيره - أن يبسطوا إليهم أيديهم بالعدوان: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم. إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم. واتقوا الله. وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. وتختلف الروايات في من تعنيهم هذه الآية. ولكن الأرجح أنها إشارة إلى حادثة المجموعة التي همت يوم الحديبية أن تغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالمسلمين، فتأخذهم على غرة. فأوقعهم الله أسارى في أيدي المسلمين (كما فصلنا ذلك في تفسير سورة الفتح). وأياً ما كان الحادث، فإن عبرته في هذا المقام هي المنشودة في المنهج التربوي الفريد، وهي إماتة الغيظ والشنآن لهؤلاء القوم في صدور المسلمين. كي يفيئوا إلى الهدوء والطمأنينة وهم يرون أن الله هو راعيهم وكالئهم. وفي ظل الهدوء والطمأنينة يصبح ضبط النفس، وسماحة القلب، وإقامة العدل ميسورة. ويستحيي المسلمون أن لا يفوا بميثاقهم مع الله؛ وهو يرعاهم ويكلؤهم، ويكف الأيدي المبسوطة إليهم. ولا ننس أن نقف وقفة قصيرة أمام التعبير القرآني المصور: {إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم, فكف أيديهم عنكم}.. في مقام: إذ همَّ قوم أن يبطشوا بكم ويعتدوا عليكم فحماكم الله منهم.. إن صورة و "حركة" بسط الأيدي وكفها أكثر حيوية من ذلك التعبير المعنوي الآخر.. والتعبير القرآني يتبع طريقة الصورة والحركة. لأن هذه الطريقة تطلق الشحنة الكاملة في التعبير؛ كما لو كان هذا التعبير يطلق للمرة الأولى؛ مصاحباً للواقعة الحسية التي يعبر عنها مبرزاً لها في صورتها الحية المتحركة.. وتلك طريقة القرآن.

ابن عاشور

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سَتَرد بعده أحكام وعقود كانت عقدت من الله على المؤمنين إجمالاً وتفصيلاً، ذكَّرهم بها لأنّ عليهم الإيفاء بما عاقدوا الله عليه. وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة: هذا ظهير كريم يُتقبل بالطاعة والامتثال. وذلك براعة استهلال. فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لِشريعته، وذلك كقوله: {أية : واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به}تفسير : [المائدة: 7]، ومثل ما كان يبَايع عليه الرسولُ المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا، ويقول لهم: فمن وفى منكم فأجره على الله. وشَمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، مثل قوله: {أية : فسيحوا في الأرض أربعةَ أشهر}تفسير : [التوبة: 2]، وقوله: {أية : ولا آمِّين البيتَ الحرام}تفسير : [المائدة: 2]. ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم. والإيفاء هو إعطاء الشيء وافياً، أي غير منقوص، ولمّا كان تحقّق ترك النقص لا يحصل في العرف إلاّ بالزيادة على القدر الواجب، صار الإيفاء مراداً منه عرفاً العدل، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفّيهم أجورهم} تفسير : في سورة النساء (173). والعقود جمع عقد بفتح العين، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل مّا. وحقيقته أنّ العقد هو ربط الحبل بالعروة ونحوها، وشدّ الحبل في نفسه أيضاً عقد. ثم استعمل مجازاً في الالتزام، فغلب استعماله حتّى صار حقيقة عرفية، قال الحطيئة:شعر : قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدّوا العِناج وشدّوا فوقه الكَرَبَا تفسير : فذكر مع العقد العناج وهو حبل يشدّ القربة، وذكر الكَرَب وهو حبل آخر للقربة: فرَجَعَ بالعقد المجازيّ إلى لوازمه فتَخيّل معه عناجاً وكرباً، وأراد بجميعها تخييل الاستعارة. فالعقد في الأصل مصدر سمّي به ما يعقد، وأطلق مجازاً على التزام من جانبين لشيء ومقابله، والموضع المشدود من الحبل يسمّى عُقدة. وأطلق العقد أيضاً على الشيء المعقود إطلاقاً للمصدر على المفعول، فالعهود عقود، والتحالف من العقود، والتبايع والمؤاجرة ونحوهما من العقود، وهي المراد هنا. ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لنا لأنّها كالعقود، إذ قد التزمها الداخل في الإسلام ضمناً، وفيها عهد الله الذي أخذه على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به. ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمّل من جانبين؛ فقد يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناض؛ وقد يكون إنشاء تحمّل كالإجارة بأجر ناض، وكالسلم والقراض؛ وقد يكون إنشاء تحمّل من جانبين كالنكاح، إذ المهر لم يُعتبر عوضاً وإنَّما العوض هو تحمّل كلّ من الزوجين حقوقاً للآخر. والعقود كلّها تحتاج إلى إيجاب وقبول. والأمر بالإيفاء بالعقود يدلّ على وجوب ذلك، فتعيّن أنّ إيفاء العاقد بعقده حقّ عليه، فلذلك يقضي به عليه، لأنّ العقود شرعت لسدّ حاجات الأمّة فهي من قسم المناسب الحاجيّ، فيكون إتمامها حاجيّاً؛ لأنّ مكمّل كلّ قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمَّلِه: إنْ ضروريّاً، أو حاجياً، أو تحسيناً. وفي الحديث المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً. فالعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها مجرّد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ما يقوم مقامها، كالنكاح والبيع. والمراد بما يقوم مقام الصيغة نحو الإشارة للأبكم، ونحو المعاطاة في البيوع. والعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها الشروعَ فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع، كالجُعل والقِراض. وتمييزُ جزئيَّات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال للاجتهاد. وقال القرافيّ في الفرق التاسع والمائتين: إنّ أصل العقود من حيث هي اللزوم، وإنّ ما ثبت في الشرع أو عند المجتهدين أنّه مبنيّ على عدم اللزوم بالقول فإنَّما ذلك لأنّ في بعض العقود خفاء الحقّ الملتزم به فيُخشى تطرّق الغرر إليه، فوسَّع فيها على المتعاقدين فلا تلزمهم إلاّ بالشروع في العمل، لأنّ الشروع فرع التأمّل والتدبّر. ولذلك اختلف المالكيَّة في عقود المغارسة والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول، أو بما مصلحته في لزومه بالشروع. وقد احتجّ في الفرق السادس والتسعين والمائة على أنّ أصل العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى: أوفوا بالعقود}. وذكر أنّ المالكيَّة احتجّوا بهذه الآية على إبطال حديث: خيار المجلس؛ يعني بناء على أنّ هذه الآية قرّرت أصلاً من أصول الشريعة، وهو أنّ مقصد الشارع من العقود تمامها، وبذلك صار ما قرّرته مقدّماً عند مالك على خبر الآحاد، فلذلك لم يأخذ مالك بحديث ابن عمر «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا». واعلم أنّ العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم، كبيع الخيار، فضبطه الفقهاء بمدّة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه. ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب، والتعاقد على نصر المظلوم، وكلّ تعاقد وقع على غير أمر حرام، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد، فبقي الأمر متعلّقاً بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه: كحلف الفضول. وفي الحديث: «حديث : أوفُوا بعقود الجاهلية ولا تُحدثوا عقداً في الإسلام»تفسير : . وبقي أيضاً ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحُدَيْبِية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش. وقد رُوِي أنّ فرات بن حيّان العِجْلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية فقال: «حديث : لعلّك تسأل عن حلف لُجَيْم وتَيْمَ، قال: نعم، قال: لا يزيده الإسلام إلاّ شدّة»تفسير : . قلت: وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه. وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في الجاهلية، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم}تفسير : في سورة آل عمران (173). {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاَْنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}. أشعر كلام بعض المفسّرين بالتَّوقّف في توجيه اتّصال قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} بقوله: {أوفوا بالعقود}. ففي «تلخيص الكواشي»، عن ابن عباس: المراد بالعقود ما بَعد قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} اهـــ. ويتعيَّن أن يكون مراد ابن عباس ما مبْدؤه قوله: {إلا ما يتلى عليكم} الآيات. وأمّا قول الزمخشري {أحلَّت لكم بهيمة الأنعام} تفصيل لمجمل قوله: {أوفوا بالعُقود} فتأويله أنّ مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة {أحلّت لكم بهيمة الأنعام}؛ فإنّ إباحة الأنعام ليست عقداً يجب الوفاء به إلاّ باعتبار ما بعده من قوله: «إلاّ ما يتلى عليكم». وباعتبار إبطال ما حرّم أهل الجاهلية باطلاً ممّا شمله قوله تعالى: {أية : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة}تفسير : [المائدة: 103] الآيات. والقول عندي أنّ جملة {أحلّت لكم بهيمة الأنعام} تمهيد لما سَيَرِد بعدها من المنهيات: كقوله: {غيْر محِلّي الصّيد} وقوله: {أية : وتعاونوا على البِرّ والتقوى}تفسير : [المائدة: 2] التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتناناً وتأنيساً للمسلمين، ليتلقّوا التكاليف بنفوس مطمئنّة؛ فالمعنى: إنْ حرّمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها، ليعلموا أنّ الله ما يريد منهم إلاّ صلاحهم واستقامتهم. فجملة {أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّها تصدير للكلام بعد عنوانه. والبهيمة: الحيوان البرّي من ذوي الأربع إنسِيّها ووحشيّها، عدا السباعَ، فتشمل بقر الوحش والظباء. وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العامّ للخاصّ، وهي بيانية كقولهم: ذبابُ النحل ومدينة بغداد. فالمراد الأنعام خاصّة، لأنَّها غالب طعام الناس، وأمّا الوحش فداخل في قوله: {غير محلّي الصيد وأنتم حرم}، وهي هنا لدفع توهّم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها، فذكرت (بهيمة) لشمول أصناف الأنعام الأربعة: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز. والإضافة البيانيَّة على معنى (مِن) التي للبيان، كقوله تعالى: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان}تفسير : [الحج: 30]. والاستثناء في قوله: {إلاّ ما يتلى عليكم} من عموم الذوات والأحوال، وما يتلى هُو ما سيفصّل عند قوله: {أية : حُرّمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3]، وكذلك قوله: {غير مُحلِّي الصيد وأنتم حرم}، الواقع حالاً من ضمير الخطاب في قوله: {أحِلت لكم}، وهو حال مقيّد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة، لأنّ الحُرم جمع حرام مثل رَدَاح على رُدُح. وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} تفسير : في هذه السورة (97). والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة، أي نواهما. ووصف أيضاً لمن كان حالاً في الحرم، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي:شعر : قَتَلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرِما أي حالاً بحرم المدينة. تفسير : والحَرَم: هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة، وهو الذي لا يصاد صيده، ولا يُعضد شجره ولا تحلّ لقطته، وهو المعروف الذي حدّده إبراهيم عليه السلام ونصَب أنصاباً تعرف بها حدوده، فاحترمه العرب، وكان قُصّي قد جدّدها، واستمرّت إلى أن بَدَا لقريش أن ينزعوها، وذلك في مدّة إقامة النبي بمكة، واشتدّ ذلك على رسول الله، ثم إنّ قريشاً لم يلبثوا أن أعادوها كما كانت. ولمَّا كان عامُ فتح مكة بعث النبي تميماً بن أسد الخُزاعي فجدّدها. ثم أحياها وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة، فبعث لتجديد حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدّون في بوادي مكة، وهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحوَيطب بن عبد العزّى العامري، وأزهر بن عوف الزهري، فأقاموا أنصاباً جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب الحدود التي حدّدها النبي وتبتدىء من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم، والتنعيم ليس من الحرم، وتمتدّ في طريق الذاهب إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له: المقطع، وتذهب في طريق الطائف تسعة (بتقديم المثناة) أميال فتنتهي إلى الجعرانة، ومن جهة اليمن سبعة (بتقديم السين) فينتهي إلى أضاةِ لِبْن، ومن طريق جُدّة عشرة أميال فينتهي إلى آخر الحديبية، والحديبية داخلة في الحرم. فهذا الحرم يحرم صيده، كما يحرم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة. فقوله: {وأنتم حرم} يجوز أن يراد به محرِمون، فيكون تحريماً للصيد على المحرم: سواء كان في الحرم أم في غيره، ويكون تحريم صيد الحرم لغير المحرم ثابتاً بالسنّة، ويجوز أن يكون المراد به: محرمون وحالّون في الحرم، ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحُرمة، فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحّة استعماله فيهما، أو يكون من استعماله فيهما، على رأي من يصحّح ذلك، وهو الصحيح، كما قدّمناه في المقدّمة التاسعة. وقد تفنّن الاستثناء في قوله: {إلاّ ما يتلى عليكم} وقوله: {غير مُحِلّي الصيد}، فجيء بالأول بأداة الاستثناء، وبالثاني بالحالين الدالّين على مغايرة الحالة المأذون فيها، والمعنى: إلاّ الصيد في حالة كونكم مُحْرمين، أو في حالة الإحرام. وإنَّما تعرّض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاصّ، فذكر هنا لأنّه تحريم عارض غير ذاتيّ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلّقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله}تفسير : [المائدة: 2] الآية. والصيد يجوز أن يكون هنا مصدراً على أصله، وأن يكون مطلقاً على اسم المفعول: كالخَلْق على المخلوق، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصليّ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة، فيكون التقدير: غير محلي إصابة لصيد. والصيد بمعنى المصدر: إمساك الحيوان الذي لا يألف، باليد أو بوسيلة ممسكة، أو جارحة: كالشباك، والحبائل، والرماح، والسهام، والكلاب، والبُزاة؛ وبمعنى المفعول هو المَصيد. وانتصب {غيرَ} على الحال من الضمير المجرور في قوله: {لكم}. وجملة {وأنتم حرم} في موضع الحال من ضمير (مُحلّي)، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم: فالإباحة في حال عدم الإحرام، والتحريم له في حال الإحرام. وجملة {إنّ الله يحكم ما يريد} تعليل لقوله: {أوفوا بالعقود}، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم، لأنّكم عاقدتم على عدم العصيان، وعلى السمع والطاعة لله، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم. والمعنى أنّ الله أعلم بصالحكم منكم. وذكر ابن عطية: أنّ النقّاش حكى: أنّ أصحاب الكِندي قالوا له: «أيّها الحكيم اعمل لنا مِثْلَ هذا القرآن، قال: نعم أعْمَل لكم مثلَ بعضه، فاحتجبَ عنهم أيَّاماً ثمّ خرج فقال: والله ما أقدر عليه. ولا يطيق هذا أحد، إنِّي فتحت المصحف فخرجتْ سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونَهَى عن النكث وحلّل تحليلاً عامّاً ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبرَ عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلاّ في أجْلاد» ـــ جَمع جِلد أي أسفار ـــ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}. لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام. ولكنه بينه بقوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ}تفسير : [المائدة: 3]، إلى قوله: {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُب}تفسير : [المائدة: 3]، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام. فإنها تحرم بهذه العوارض. والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت أمه ووجد في بطنها ميتاً. وجاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن ذكاة أمه ذكاة له" تفسير : كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال الترمذي: إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يعني: بالعهود المؤكَّدة التي عاهدتموها مع الله والنَّاس، ثمَّ ابتدأ كلاماً آخر، فقال: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} قيل: هي الأنعام نفسها، وهي الإِبلُ والبقر والغنم، وقيل: بهيمة الأنعام: وحشِيُّها كالظِّباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش {إلا ما يتلى عليكم} [أي: ما يقرأ عليكم في القرآن] يعني: قوله: {أية : حرِّمت عليكم الميتة...} تفسير : الآية. {غير محلي الصيد} يعني: إلاَّ أن تحلُّوا الصَّيد في حال الإِحرام؛ فإنَّه لا يحلُّ لكم {إنَّ الله يحكم ما يريد} يحلُّ ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء. {يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائر الله} يعني: الهدايا المُعلَمة للذَّبح بمكة. نزلت هذه الآية في الحُطَم [بن ضبيعة] أغار على سرح المدينة، فذهب به إلى اليمامة، حديث : فلمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام القضية سمع تلبية حجَّاج اليمامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم فدونكم، وكان قد قلَّد ما نهب من سرح المدينة، وأهداه إلى الكعبةتفسير : ، فلمَّا توجَّهوا في طلبه أنزل الله تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} يريد: ما أُشعر لله، أَيْ: أُعْلِمَ {ولا الشهر الحرام} بالقتال فيه {ولا الهدي} وهي كلُّ ما أُهدي إلى بيت الله من ناقةٍ، وبقرةٍ وشاةٍ، {ولا القلائد} يعني: الهدايا المقلَّدة من لحاء شجر الحرم {ولا آمِّين البيت الحرام} قاصديه من المشركين. قال المفسرون: كانت الحرب في الجاهليَّة قائمة بين العرب إلاَّ في الأشهر الحرم، فمَن وُجد في غيرها أُصيب منه إلاَّ أنْ يكونَ مُشعراً بدنه، أو سائقاً هدايا، أو مُقلِّداً نفسه أو بعيره من لحاء شجر الحرم، أو مُحرماً، فلا يُتعرَّض لهؤلاء، فأمر الله سبحانه تعالى المُسْلمين بإقرار هذه الأَمنة على ما كانت لضربِ من المصلحة إلى أنْ نسخها بقوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}،تفسير : وقوله: {يبتغون فضلاً من ربهم} أَيْ: ربحاً بالتِّجارة {ورضواناً} بالحجِّ على زعمهم {وإذا حللتم} من الإحرام {فاصطادوا} أمرُ إباحةٍ {ولا يجرمنَّكم} ولا يحملنَّكم {شنآن قومٍ} بُغض قومٍ، يعني: أهل مكَّة {أن صدوكم عن المسجد الحرام} يعني: عام الحدييبية {أن تعتدوا} على حُجَّاج اليمامة، فتستحلُّوا منهم مُحرَّماً {وتعاونوا} لِيُعِنْ بعضكم بعضاً {على البر} وهو ما أمرتُ به {والتقوى} ترك ما نهيتُ عنه {ولا تعاونوا على الإثم} يعني: معاصي الله {والعدوان} التَّعدي في حدوده، ثمَّ حذَّرهم فقال: {واتقوا الله} فلا تستحلوا محرَّماً {إنَّ الله شديد العقاب} إذا عاقب.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- يا أيها المؤمنون: التزموا الوفاء بجميع العهود التى بينكم وبين الله، والعهود المشروعة التى بينكم وبين الناس. وقد أحل الله لكم أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم، إلا ما ينص لكم على تحريمه. ولا يجوز لكم صيد البر إذا كنتم مُحْرِمين، أو كنتم فى أرض الحرم. إن الله يقضى بحكمته ما يريد من أحكام، وأن هذا من عهود الله عليكم. 2- يا أيها المؤمنون لا تستبيحوا حرمة شعائر الله، كمناسك الحج وقت الإحرام قبل التحلل منه وسائر أحكام الشريعة، ولا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم بإثارة الحرب فيها، ولا تعترضوا لما يُهْدَى من الأنعام إلى بيت الله الحرام باغتصابه أو منع بلوغه محله، ولا تنزعوا القلائد، وهى العلامات التى توضع فى الأعناق، إشعاراً بقصد البيت الحرام، وأنها ستكون ذبيحة فى الحج، ولا تعترضوا لِقُصَّادِ بيت الله الحرام يبتغون فضل الله ورضاه، وإذا تحللتم من الإحرام، وخرجتم من أرض الحرم، فلكم أن تصطادوا، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم صدوكم عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم. وليتعاون بعضكم مع بعض - أيها المؤمنون - على فعل الخير وجميع الطاعات، ولا تتعاونوا على المعاصى ومجاوزة حدود الله، واخشوا عقاب الله وبطشه، إن الله شديد العقاب لمن خالفه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أوفوا بالعقود العقود: هي العهود التي بين العبد والرب تعالى وبين العبد وأخيه والوفاء بها: عدم نكثها والإخلال بمقتضاها. بهيمة الأنعام: هي الإِبل والبقر والغنم. وأنتم حرم: أي محرمون بحج أو عمرة. شعائر الله: جمع شعيرة وهي هنا مناسك الحج والعمرة، وسائر اعلام دين الله تعالى. الشهر الحرام: رجب وهو شهر مضر الذي كانت تعظمه. الهدى: ما يُهدى للبيت والحرم من بهيمة الأنعام. القلائد: جمع قلادة ما يقلد الهدى، وما يتقلده الرجل من لحاء شجر الحرم ليأمن. آمين البيت الحرام: قاصديه يطلبون ربح تجارة أو رضوان الله تعالى. وإذا حللتم: أي من إحرامكم. ولا يجرمنكم شنآن قوم: أي لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا عليهم. أن صدوكم: أي لأجل أن صدوكم. البر والتقوى: البر: كل طاعة لله ورسوله والتقوى: فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. الإِثم والعدوان: الإِثم: سائر الذنوب، والعدوان: الظلم وتجاوز الحدود. شديد العقاب: أي عقابه شديد لا يطاق ولا يحتمل. معنى الآيتين: ينادي الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين بعنوان الإِيمان فيقول يا أيها الذين آمنوا أي يا من آمنتم بي وبرسولي ووعدي ووعيدى أوفوا بالعقود فلا تحلوها وبالعهود فلا تنكثوها، فلا تتركوا واجباً ولا ترتكبوا منهياً، ولا تحرموا حلالاً ولا تحلو حراماً أحللت لكم بهيمة الأنعام هي الإِبل والبقر والغنم إلا ما يتلى عليكم وهي الآتية في آية {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ... } تفسير : [المائدة: 3] فلا تحرموها وحرمت عليكم الصيد وأنتم حرم فلا تحلوه. وسلموا الأمر لي فلا تنازعوا فيما أحل وأحرم فإني أحكم ما أريد. هذا ما تضمنته الآية الأولى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}. أما الآية الثانية فقد تضمنت أحكاما بعضها نُسخ العمل به وبعضها محكم يعمل به إلى يوم الدين المحكم والواجب العمل به تحريم شعائر الله وهي أعلام دينه من سائر ما فرض وأوجب، ونهى وحرم. فلا تستحل بترك واجب، ولا بفعل محرم، ومن ذلك مناسك الحج والعمرة. ومن المنسوخ الشهر الحرام فإن القتال كان محرماً في الأشهر الحرم ثم نسخ بقول الله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية، ومن المنسوخ أيضاً هدي المشركين وقلائدهم والمشركون أنفسهم فلا يسمح لهم بدخول الحرم ولا يقبل منهم هدى، ولا يجيرهم من القتل تقليد أنفسهم بلحاء شجر الحرم ولو تقلدوا شجر الحرم كله. هذا معنى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} والمراد بالفضل الرزق بالتجارة في الحج، والمراد بالرضوان ما كان المشركون يطلبونه بحجهم من رضى الله ليبارك لهم في أرزاقهم ويحفظهم في حياتهم. وقوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ..} خطاب للمؤمنين أذن لهم في الاصطياد الذي كان محرماً وهم محرمون إذن لهم فيه بعد تحللهم من إحرامهم. وقوله تعالى {.. وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} ينهى عباده المؤمنين أن يحملهم بغض قوم صدوهم يوم الحديبية عن دخول المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بغير ما أذن الله تعالى لهم فيه وهو قتالهم إن قاتلوا وتركهم إن تركوا. ثم أمرهم تعالى بالتعاون على البر والتقوى، أي على أداء الواجبات والفضائل، وترك المحرمات والرذائل، ونهاهم عن التعاون عن ضدها فقال عز وجل: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}. ولما كانت التقوى تعم الدين كله فعلاً وتركاً أمرهم بها، فقال واتقوا الله بالإِيمان به ورسوله وبطاعتهما في الفعل والترك، وحذرهم من إهمال أمره بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فاحذروه بلزوم التقوى. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- وجوب الوفاء بالعهود التي بين الله تعالى وبين العبد والمحافظة على العقود التي بين العبد وأخيه العبد لشمول الآية ذلك. 2- إباحة أكل لحوم الإِبل والبقر والغنم إلا الميتة منها. 3- تحريم الصيد في حال الإِحرام وحليته بعد التحلل من الإِحرام وهو صيد البر لا البحر. 4- وجوب إحترام شعائر الدين كلها أداء لما وجب أداؤه، وتركا لما وجب تركه. 5- حرمة الإعتداء مطلقا حتى على الكافر. 6- وجوب التعاون بين المؤمنين على إقامة الدين، وحرمة تعاونهم على المساس به.

القطان

تفسير : أوفوا بالعقود: أنجِزوها. العقد كل اتفاق بين اثنين فأكثر. البهيمة: ما لا ينطق من الحيوان. الانعام: البقر والابل والغنم وما أُحل من الحيوان البريّ. حُرم: جمع حرام وهو المحرم بالحجّ او العمرة. يا أيها المؤمنون، حافِظوا على الوفاء بالعقود التي بينكم وبين الله، والعقود المشروعة التي بينكم وبين الناس. فعلى كل مؤمن ان يفي بما عقده وارتبط به من قول أو فعل. وكل عقد، وكل وعد، وكل عهد، وكل ميثاق انما هو عقد بين طرفين اللهُ ثالثهما، فمن نقضَه فقد أخل بالوفاء مع ربه. فالزواج عقد، والوفاء به حُسن المعاشرة وتركُ المضارة. والبيع عقد، والوفاء به عدم الغش وحُسن المعاملة. والوعد عقد، والوفاء به انجازه.. وهكذا سائر الاتفاقات التي تحمل بين طياتها حقوقها والتزامات. إن هذا القرآن الكريم نُزّل على محمد لينشىء أمة، وليقيم دولة، وليربّي ضمائر وأخلاقاً وعقولا، ولينظم مجتمعاً ويحدّد روابطه مع غيره من المجتمعات والأمم. ذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله، وكما عرفه المسلمون أيامَ كانوا مسلمين. وقد أحلّ الله لكم أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم وجميع الحيوانات الوحشية الا ما ورد النص بتحريمه. ولا يجوز لكم صيدُ البّر إذا كنتم محرِمين بالحج او العمرِِة، او كنتم داخل حدود الحرم. ان الله يستنّ ما يريد من الأحكام، فهي تصلح شؤونكم وتناسب مصالحكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلأَنْعَامِ} (1) - يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا التَزِمُوا الوَفَاءَ بِجَميعِ العُهُودِ التِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ، وَالعُهُودِ المَشْرُوعَةِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُرَادَ بِالعُقُودِ فِي هَذِهِ الآيَةِ هِيَ عُهُودُ اللهِ التِي عَهِدَ بِهَا إلَى عِبَادِهِ، أيْ مَا أَحَلَّ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَدَّ فِي القُرْآنِ كُلِّهِ فَلاَ غَذْرَ وَلاَ نَكْثَ). فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنينَ بِالوَفَاءِ بِمَا عَقَدُوهُ، وَارْتَبَطُوا بِهِ مِنْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى، مَا لَمْ يَكُنْ يُحَرِّمُ حَلاَلاً، أوْ يُحَلِّلُ حَرَاماً: كَالعَقْدِ عَلَى الرِّبا، أوْ أَكْلِ مَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ (كَالرَّشْوَةِ وَالقِمَارِ). ثُمَّ فَصَّلَ اللهُ تَعَالَى الأَحْكَامَ التِي أَمَرَ بِهَا فَقَالَ: إنَّهُ أحَلَّ لِلنَّاسِ أكْلَ البَهِيمَةِ مِنَ الأنْعَامِ (وَهِيَ البَقَرُ وَالإِبْلُ وَالمَاعِزُ وَالغَنَمُ وَألحِقَ بِهَا الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الوَحْشِ وَنَحْوُهَا)، إلاّ مَا سَيُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِهَا فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ}، تفسير : وَعَلَى أنْ لاَ يُحِلُّوا صَيْدَ الحَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ، حِينَمَا يَكُونُونَ مُحْرِمِينَ لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، أوْ لِدُخُولِ مِنْطَقَةِ الحَرَمِ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُحْرِمِينَ لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. وَاللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقْضِي فِي خَلقِهِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلٍِ وَتَحْرِيمٍ، بِحَسَبِ الحِكمِ وَالمَصَالِحِ التِي يَعْلَمُهَا. العُقُودُ - كُلُّ مَا تَعَاقَدَ عَلَيهِ المَرْءُ وَالتَزَمَ فِيهِ بُمُوجِبٍ نَحْوَ اللهِ وَنَحْوَ النَّاسِ. وَأنْتُمْ حُرمٌ - وَأنْتُمْ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ. غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ - غَيْرَ مُسْتَحِلِّيهِ فَهُوَ حَرَامٌ.

الثعلبي

تفسير : {يَا أَيُّهَا} يا نداء أي إشارة، ها تنبيه {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [نصب على البدل من: أيّها] {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} يعني بالعهود. قال الزجّاج: العقود أو كل العهود. يقال: عاقدت فلاناً وعاهدت فلاناً، ومنه ذلك باستيثاق وأصله عقد الشيء بغيره. وهو وصله به كما يعقد الحبل بحبل إذا وصل شّداً قال الحطيئة: شعر : قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا تفسير : واختلفوا في هذه العقود ما هي، قال ابن جريح: هذا الخطاب خاص لأهل الكتاب وهم الذين آمنوا بالكتب المقدسة والرسل المتقدمين. أوفوا بالعهود التي عهد بها بينكم في شأن محمد، وهو قوله {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} تفسير : [آل عمران: 81]. وقوله {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران: 187] وقال الآخرون: فهو عالم. قال قتادة: أراد به الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية دليله قوله {أية : وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النساء: 33]. ابن عباس: هي عهود الأيمان و(الفراق)، غيره: هي العقود التي عقدها الناس بينهم، {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} اختلفوا فيها، فقال الحسن وقتادة والربيع والضحّاك والسدّي: هي الأنعام كلها وهي إسم للبقر والغنم والإبل، يدل عليه قوله تعالى {أية : وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} تفسير : [الأنعام: 142] ثم بيّن ما هي، فقال {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143] وأراد بها ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام. وقال الشعبي: بهيمة الأنعام: الأجنّة التي توجد ميتة في بطن أمهاتها إذا ذُبحت. وروى عطية العوفي عن ابن عمر في قوله تعالى {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} قال ما في بطونها، قلت: إن خرج ميتاً آكله.قال: نعم هي بمنزلة رئتها وكبدها. وروى قابوس عن أبيه عن ابن عباس أن بقرة نُحرت فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنب الجنين وقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أُحلت لكم. وقال أبو سعيد الخدري: حديث : سألنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الجنين، فقال: "ذكاته ذكاة أمّه ". تفسير : قال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشها، كالظباء وبقر الوحش مفردين، وإنما قيل لها بهيمة لأن كل حي لا يمّيز فهو بهيمة، سمّيت بذلك لأنها أُبهمت عن أن تميّز. {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يقول: عليكم في القرآن [لأنه حاكم] وهو قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} إلى قوله {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} وقوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : [الأنعام: 121]. {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} قال الأخفش: هو نصب على الحال يعني أوفوا بالعقود منسكين غير محلي الصيد وفيه [معنى النهي]. وقال الكسائي: هو حال من قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} كما يقول: أُحل لكم الطعام غير معتدين فيه. معناه أنّه أحلت لكم الأنعام كلها إلاّ ما كان منها وحشياً فإنه صيد ولا يحل لكم إذا كنتم محرمين. فذلك قوله تعالى {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} قرأه العامة بضم أوّله وهي من حرم يحرم حراماً في الحركات وهما جميعاً جمع حرام، ويقال: رجل حرام وحُرم ومحرِم، وحلال وحِلّ ومحلّ {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [يحرم ما يريد على من يريد]. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} حديث : الآية نزلت في الحطم واسمه شريح بن ضبيعة بن هند بن شرحبيل البكري، وقال:إنه لما أتى المدينة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلى ما تدعو الناس؟ فقال: "إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة". فقال: حسنٌ إلاّ إن لي مَنْ لا أقطع أمراً دونهم ولعلي أُسلم وآتي بهم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم بعض من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان، ثم خرج شريح من عنده، فلما خرج، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمرّ بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز: لقد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر الوضم * باتوا نياماً وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم * خلج الساقين مسموح القدم فلما كان في العام القابل خرج حاجّاً في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدي فقال ناس من أصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الحطم خرج حاجّاً فحل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "مه قد قلد الهدي". فقال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه عزّ وجل {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} . تفسير : ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجّون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم اللّه تعالى عنها، [وقال الحسن دين الله كلّه] يدل عليه قوله {أية : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 32]. عطية عن ابن عباس: هي أن تصيد وأنت محرم، يدل عليه قوله {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ}. عطاء: شعائر حرمات اللّه اجتناب سخطه واتباع طاعته بالذّي حرم اللّه. أبو عبيدة: هي الهدايا المشعرة وهي أن تطعن في سنامها ويحلل ويقلّد ليعلم أنها هدي، والإشعار العلامة، ومنه [الحديث]: حين ذبح عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أشعر أمير المؤمنين بها كأنه أعلم بعلامة، وهي على هذا القول فعيلة، بمعنى مفعّلة. قال الكميت: شعر : نقتلهم جيلا فجيلاً تراهم شعائر قربان بهم يتقرب تفسير : ودليل هذا التأويل قوله: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} تفسير : [الحج: 36] وقيل: الشعائر المشاعر. وقال القتيبي: شعائر اللّه واحدتها شعيرة، وهي كل شيء جعل علماً من أعلام طاعته. {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} بالقتال فيه فإنه محرم لقوله {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 217]. وقال: النسّيء، وذلك أنهم كانوا يحلّونه عاماً ويحرمونه عاماً، دليله قوله {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 37] {وَلاَ ٱلْهَدْيَ} وهو كل ما يهدى إلى بيت اللّه من بعير أو بقرة أو شاة. {وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} قال أكثر المفسّرين هي الهدايا، والمراد به [المقلدات] وكانوا إذا أخرجوا إلى الحرم في الجاهلية قلّدوا السمر فلا يتعرض لهم أحد وإذا رجعوا تقلّدوا قلادة شعر فلم يتعرّض لهم أحد فهي عن استحلال واجب منهم. وقال مطرف بن الشخيّر وعطاء: هي القلائد نفسها وذلك أنّ المشركين كانوا يأخذون من لحاء شجر مكّة ونحوها فيقلّدونها فيأمنون بها في الناس فنهى اللّه عز وجل أن ينزع شجرها فيقلدوه كفعل أهل الجاهلية {وَلاۤ آمِّينَ} قاصدين {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} يعني الكعبة. وقرأ الأعمش: ولا آمّي البيت الحرام بالإضافة كقوله تعالى {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ}. {يَبْتَغُونَ} يطلبون {فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} يعني الرزق بالتجارة {وَرِضْوَاناً} معناه على زعمهم وعدهم لأن الكافر لا نصيب له في الرضوان، وهذا كقوله {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} تفسير : [طه: 97] فلا يرضى اللّه تعالى عنهم حتى يسلموا. قتادة: هو أن يصلح معايشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها. وقيل: إبتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامّة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة لأن الناس كانوا يحجون من بين مسلم وكافر، يدل عليه قراءة حميد بن قيس {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} على الخطاب للمؤمنين، وهذه الآية منسوخة بقوله {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] وقوله {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28]. فلا يجوز أن يحجّ مشرك، ولا يأمن الكافر بالهدي والقلائد والحج. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} من إحرامكم {فَٱصْطَادُواْ} أمر إباحة وتخيير كقوله {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 10] {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ}. روح ابن عبادة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:حديث : أقبل رجل مؤمن كان حليفاً لأبي سفيان بن الهذيل يوم الفتح بعرفة لأنه كان يقتل حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "لعن اللّه من قبل دخل الجاهلية [ما شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو] تحت قدميّ هاتين إلاّ سدانة الكعبة وسقاية الحج فإنّهما مردودتان إلى أهليهما ". تفسير : وقال الآخرون: نزلت في حجاج كفار العرب، وقوله {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}، قرأ الأعمش وعيسى ويحيى بن أبي كثير: يجرمنكم بضم الياء وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان ولو أن الفتح أجود وأشهر وهو اختيار أبي محمد وأبي حاتم، قال أبو عبيد: لأنها اللغة الفاشية وإن كانت الأُخرى مقبولة. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم. قال أبو عبيد: يقال جرمني فلان على أن صنعت كذا أي حملني. قال الشاعر، وهو أبو أسماء بن الضرية: شعر : يا كرز إنك قد فتكت بفارس بطل إذا هاب الكماة مجرّب ولقد طعنت أبا عيينة طعنةً جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : والمؤرج: لا يدعونكم. الفرّاء: لأكسبنكم، يقال فلان جُرمه أهله أي كافيهم. وقال الهذلي يصف عقاباً: شعر : جرمة ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا تفسير : وقال بعضهم وهو الأخفش: قوله {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ}تفسير : [النحل: 62]: أي حق لهم النار. {شَنَآنُ قَوْمٍ} أي بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت. قرأ أهل المدينة والشام، وعاصم والأعمش: بجزم النون الأول، وقرأ الآخرون بالفتح، وهما لغتان إلاّ أن الفتح أجود لأنه أفخم اللغتين. فهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن المصادر نحوه على فعلان بفتح العين مثل الضربان والنزوان والعسلان ونحوها. {أَن صَدُّوكُمْ} قرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمر: إن صدّوكم بكسر الألف على الاستيناف والجزاء واختاره أبو عبيد اعتباراً بقراءة عبد اللّه: أن يصدّوكم، وقرأ الباقون بفتح الألف أي لأن صدّوكم، ومعنى الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء لأنهم صدّوكم، واختاره أبو حاتم ومحمد بن جرير، قال ابن جرير: لأنه لا يدافع بين أهل العلم أن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية فإذا كان كذلك فالصدّ قد يقدم. {أَن تَعْتَدُواْ} عليهم فتقتلوهم وتأخذوا أموالهم. {وَتَعَاوَنُواْ} أي ليعين بعضكم بعضاً، ويقال للمرأة إذا كسى لحمها وتراجمها: متعاونة {عَلَى ٱلْبرِّ} وهو متابعة الأمر {وَٱلتَّقْوَىٰ} وهو مجانبة الهوى {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} يعني المعصية والظلم. حديث : عن واصب بن معبد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال:جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن البر والإثم قال: "جئت إليّ تسألني عن البر والإثم"؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئت أسألك عن غيره، فقال: "البر ما انشرح به صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس ". تفسير : عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، قال: حدّثني أبي قال: سمعت النؤاس بن سمعان الأنصاري، قال: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: "حديث : البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك فكرهت أن يطلع عليه الناس" تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} وهي كل ما له نفس سائلة مما أباح اللّه عز وجل أكلها، فارقتها روحها بغير تذكية، وإنما قلنا: نفس سائلة لأن السمك والجراد دمان وهما حلال. {وَٱلْدَّمُ} أُجْمِل هاهنا وفسر في آية أخرى فقال عز من قائل: {أية : أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] فالدم الملطخ فهو كاللحم في أكله لأن الكبد والطحال دمان وهما حلال. عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُحلّت لنا ميتتان ودمان فالميتتان الحوت والجراد وأما الدّمان فالطحال والكبد ". تفسير : {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} وكل شيء منه حرام وإنما خصّ اللحم لأنّ اللحم من أعظم منافعه. {وما أُهلّ به} ذبح {لِغَيْرِ اللَّهِ} وذكر عليه غير اسم اللّه. قال أبو ميسرة: في المائدة ثمان عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن وهي آخر سورة نزلت ليس فيها منسوخ. {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ }، {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}، {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}، {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}، {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ}. {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ} إلى قوله {ذُو ٱنْتِقَامٍ} [المائدة: 95] {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} [المائدة: 103، 104]. فأما المنخنقة فهي التي تختنق فتموت، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، والموقوذة: التي تضرب بالخشب حتّى تموت. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا حتّى إذا ماتت أكلوها. فقال فيه: قذّه يقذّه وقذا إذا ضربه حتى شفى على الهلاك. قال الفرزدق: شعر : شغارة تقذ الفصيل برجلها طارة لقوادم الأبكار تفسير : والمتردية: التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت. والنطيحة: التي تنطحها صاحبتها فتموت، و"هاء" التأنيث تدخل في الفعيل بمعنى الفاعل فإذا كان بمعنى المفعول إستوى فيها المذكر والمؤنث نحو لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب، فإنما أُدخل الهاء ها هنا لأن الإسم لا يسقط منها ولو أسقط الهاء منها لم يدرَ أهي صفة لمؤنث أو مذكر، والعرب تقول لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب فإذا حذفوا الإسم وأفردوا الصفة أدخلوا الهاء، قالوا: رأينا كحيلة وخضيبة ودهينة، وأكيلة السبع فأدخلوا الهاء مثل الذبيحة والسكينة وما أكل السبع غير [المعلم]. وقرأ ابن عباس: وأكيل السبع، وقرأ ابن أبي زائدة: وأكيلة السبع، وقرأ الحسن وطلحة ابن سليمان: وما أكل السبع بسكون الباء [وهي لغة لأهل نجد]. قال حسّان بن ثابت في عتبة بن أبي لهب: شعر : من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع تفسير : قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا أكل السبع ملياً أو أكل منه أكلوا ما بقي {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يعني إلاّ ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، والتذكية تمام فري الأوداج، وإنهار الدم، ومنه الذكاة في السنّ وهو أن يأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استكمال القوة ومثله المثل السائد: جري المذكيات غلاب. قال الشاعر: شعر : يفضله إذا اجتهدوا عليه تمام السن منه والذكاء تفسير : ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول. ويقول في الذكاة إذا أتممت إشعالها، فمعنى ذكيتم أدركتم ذبحه على التمام. وقال ابن عباس وعتبة بن عمير: إذا طرفت بعينها أو ضربت بذَنبِها أو ركضت برجلها أو تحركت فقد حلت لك. وعن زيد بن ثابت: أن ذئباً نيب في شاة فذبحوها بمروة فرخص النبي صلى الله عليه وسلم في أكله. أبو قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ". تفسير : قال عاصم عن عكرمة: حديث : إن رجلاً أضجع شاته وجعل يحدّ شفرته ليذبحها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "تريد أن تميتها موفات قبل أن تذبحها ". تفسير : {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} قال بعضهم: فهو جمع واحدها نصاب، وقيل: هو واحدة جمعها أنصاب مثل عنق وأعناق. وقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: النصب بجزم الصّاد. وروى الحسن بن علي الجعفي عن أبي عمرو: النصب بفتح النون وسكون الصّاد. وقرأ الجحدري: بفتح النون والصّاد [جعله] إسماً موحداً كالجبل والجمل والجمع أنصاب كالأجمال والأجبال وكلها لغات وهو الشيء المنصوب، ومنه قوله تعالى {أية : كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} تفسير : [المعارج: 43] واختلفوا في معنى النصب هاهنا. فقال مجاهد وقتادة وابن جريح: كان حول البيت ثلاثمائة وستين حجراً وكان أهل الجاهلية يذكّون عليها يشرّحون اللّحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا شاؤوا لحجارة [من قبالهم] منها، قالوا: وليست هي بأصنام إنما الصنم ما يصوّر وينقش. وقال الآخرون: هي الأصنام المنصوبة. قال الأعشى: شعر : وذا النصب المنصوب لا تستكّنه لعاقبة واللّه ربك فاعبدا تفسير : ثم اختلفوا في معناها. فقال بعضهم: تقديره على إسم النصب. ابن زيد {وما ذبح على النصب} وما {أهلّ لغير اللّه به} هما واحدة. قطرب: معناه: ما ذبح للنصب أي لأجلها على معنى اللام وهما يتعاقبان في الكلام. قال اللّه تعالى {أية : فَسَلاَمٌ لَّكَ} تفسير : [الواقعة: 91] أي عليك، وقال {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 6] أي فعليها، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ} معطوف على ما قبله، وأن في محل الرفع أي وحرم عليكم الإستقسام بالأزلام، والاستقسام طلب القسم والحكم من الأزلام وهي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم مثل عمر، وزلم وهي القداح. قال الشاعر: شعر : فلئن جذيمة قتّلت سرواتها فنساؤها يضربن بالأزلام تفسير : وكان استقسامهم بالأزلام على ما ذكره المفسّرون أن أهل الجاهلية إذا كان سفراً أو غزواً أو تجارة أو تزويجاً أو غير ذلك ضرب القداح وكانت قداحاً مكتوب على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، إن خرج الآمر مضى لأمره، وإن خرج الناهي أمسك. وقال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. أبو هشام عن زياد بن عبد اللّه عن محمد بن إسحاق قال: كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكانت عند هبل أقداح سبعة كل قدح منها فيه كتاب، قدح فيه: العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل حمله، وقدح فيه: نعم، للأمر، إذا أرادوا أمراً ضربوا به في القداح فإن خرج ذلك القدح فعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه: لا إذا أرادوا أمر يضربون فإن خرج قدح "لا" لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه: منكم وقدح فيه: ملصق وقدح فيه: من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القداح فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختتنوا غلاماً أو أن ينكحوا امرأة أو يدفنوا ميّتاً أو شكّوا في نسب خصمهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وبجزور فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب فيضرب، فإن خرج عليه: منكم، كان وسيطاً منهم وإن خرج عليه: من غيركم، كان حليفاً، وإن خرج عليه: ملصق، كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حليف، وإن كان في شيء مما سوى هذا مما يعملون به كنعم عملوا به، فإن خرج: لا، أخّروا عامهم ذلك حتى يأتوه مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. فقال اللّه عز وجل {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ}. قال مجاهد: هي كعاب فارس والرّوم التي يتقامرون بها. قال سفيان بن وكيع: الشطرنج. رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تكهّن أو استقسم أو تطيّر طيرة تردّه عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ". تفسير : {الْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} يعني عن أن يرجعوا إلى دينهم كفّاراً، وفيه لغتان قال: الشعبي وائس يايس إياساً وإياسة. قال النضر بن شميل: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} نزلت الآية في يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر للهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء وكادت عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت. وقال طارق بن شهاب: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: آية [نقرؤها] لو علينا نزلت في ذلك اليوم لاتخذناه عيداً، قال: أية آية؟ قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ}، قال عمر: قد علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان، إنها نزلت يوم عرفة في يوم جمعة ونحن مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقوفاً بعرفات وكلاهما بحمد اللّه لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين ما بقي منهم أحد وقد صار من ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ولا يجمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: حديث : لما نزلت هذه الآية بكى عمر (رضي الله عنه) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "ما يبكيك يا عمر" قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلاّ نقص، فقال: "صدقت ". تفسير : وكانت هذه الآية نعي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها أحد وثمانون يوماً أو نحوها. واختلف المفسّرون في معنى الآية فقال ابن عباس والسدّي: {ٱلْيَوْمَ} وهو يوم نزول هذه الآية {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض. فهذا معنى قول ابن عباس والسدي. وقال سعيد بن جبير وقتادة: اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك، وقيل: هو أن اللّه تعالى أعطى هذه الأُمة من أنواع العلم والحكمة جميع ما أعطى سائر الرسل والأُمم فزادهم. وقيل: إن شرائع الأنبياء زالت ونقضت وشريعة هذه الأمة باقية لا تنمح ولا تتغيّر إلى يوم القيامة [.......] هو بايعك ثم فرّقوه، يكن هذا لغيرهم، وقيل: لم يكن إلاّ هذه الأُمة، وقيل: هو أن اللّه تعالى جمع بهذه الآية جميع [........] الولاية وأسبابها. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حسيب قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرّازي قال: سمعت العباس بن حمزة قال: سمعت ذا النون يقول يعلمنا من سياسة فيقول أربعة أشياء: الكتاب والرسول، والخلعة والولاية. قال: كتاب جعله أشرف الكتب وأكثرها يسراً وأخفّها أمراً وأغزرها علماً وأوفرها حكماً، ورسول اللّه جعله أعظم الرسل وأفضلهم، والخلعة جعله عطاءً ولم يجعلها عارية، والولاية جعلها دائمة إلى نفخ الصور. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} حققت وعدي في قولي ولأُتم نعمتي عليكم فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين. وقال الشعبي: نزلت هذ الآية بعرفات حيث هدم منار الجاهلية ومناسكهم واضمحل الشرك ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت [غيرهم]. السّدي: أظهرتكم على العرب. {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ} إجتهد {فِي مَخْمَصَةٍ} مجاعة يقال: هو خميص البطن إذا كان طاوياً خاوياً، ورجل خمصان وامرأة خمصانة إذا كانا ضامرين مضيمين والخَمص والخُمص الجوع. قال الشاعر: شعر : يرى الخمص تعذيباً وإن يلق شبعة يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهماً تفسير : {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ}. قال أبو عبيدة: غير متحرف مائل، قطرب: مائل، المبرّد: [زايغ] وقرأ النخعي: متجنف وهما بمعنى واحد يقال: تجنّف وتجانف مثل تعهد وتعاهد. قتادة: غير متعرض بمعصية في مقصده وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: ما أكل فوق الشبع {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيه إضمار، تقديره: فأكله، ويكتفى بدلالة الكلام عليه، فإن اللّه غفور رحيم أي غفور له غفور كما يقول عبد اللّه: ضربت، فيريد ضربته. قال الشاعر: شعر : ثلاث كلّهنّ قتلت عمداً فأخزى اللّه رابعة تعود تفسير : وقد فسر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المخمصة [بما رواه] [الأوزاعي] حديث : عن حسان بن عطية عن أبي واقد قال: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنا بأرض يصيبنا بها مخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها ". تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} الآية. قال أبو رافع: حديث : جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ وأخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رداءه فخرج فقال: قد أذنا لك يا رسول اللّه، قال: أجل يا رسول اللّه ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو . تفسير : عن عبد اللّه بن يحيى عن أبيه عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب ". تفسير : رجعنا إلى حديث : حديث أبي رافع قال: فأمرني أن لا أدع كلباً بالمدينة إلاّ قتلته وقلت حتى خفت العوالي [فأتيت] إلى امرأة في ناحية المدينة عندها كلب يحرس عنها فرحمته فتركته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بأمري، فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته. وقال ابن عمر: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول رافعاً صوته: "اقتلوا الكلاب ". تفسير : قال: وكنا نلقى المرأة [تقدم من] المدينة بكلبها فنقتله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها وحرم ثمنها. وروى علي بن رباح اللخمي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم " حديث : لا يحل ثمن الكلاب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي ". تفسير : ونهى عن اقتنائها وإمساكها وأمر بغسل الإناء من ولوغها سبع مرات أُولاهنّ بالتراب نرجع إلى الحديث الأول. قال: حديث : فلما أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب جاء ناس فقالوا: يا رسول اللّه ماذا يحلّ لنا من هذه الآمة التي نقتلها، فسكت رسول اللّه فأنزل اللّه هذه الآية تفسير : وأذن رسول اللّه في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها، وأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي ورفع القتل عمّا سواها ممّا لا ضرر فيه. وروى الحسن عن عبد اللّه بن معقل قال:قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا أنّ الكلاب أُمّة من الأُمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم وأيما قوم اتخذوا كلباً ليس بكلب حرث أو صيد أو ماشية نقصوا من أجورهم كل يوم قيراطاً ". تفسير : عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من اقتنى كلباً ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينتقص من أجره قيراطان كل يوم ". تفسير : والحكمة في ذلك ما روى أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرزاق السريعي قال: قيل لعبد اللّه بن المبارك: ما تقول في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم "حديث : من اقتنى كلباً لا كلب صيد ولا ماشية نقص من عمله كل يوم كذا وكذا من الأجر ". تفسير : فقال حدّثني [الأصمعي] قال: قال أبو جعفر المنصور لعمرو بن عبيد: ما بلغك في الكلب؟ قال: بلغني أن من أخذ كلباً لغير زرع ولا حراسة نقص من أجره كل يوم قيراط.فقال له: ولم ذلك؟ قال: هكذا جاء الحديث، قال: خذها بحقّها إنّما ذلك لأنّه ينبح على الضيف ويروع السائل. وكانت أسخياء العرب تبغض الكلاب لهذا المعنى وتذم من ربطه وهمّ بقتله. قال الثعلبي: أنشدني أبو الحسن الفارسي قال: أنشدني أبو الحسن الحراني البصري أنّ بعض شعراء البصرة نزل بعمّار فسمع لكلابه نبحاً فأنشأ يقول: شعر : نزلنا بعمار فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسر إليهم إذا اليوم أم يوم القيامة أطول تفسير : قال عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: نزلت في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل [الطائيين] وهو زيد الخيل الذي سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زيد الخير وذلك إنهما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالا: يا رسول اللّه إنّا قوم نصيد الكلاب والبزاة فإن كلاب آل درع وآل حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت {يَسْأَلُونَكَ} يا محمد {مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} قل: {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} يعني الذبائح التي أحلّها الله {وَمَا عَلَّمْتُمْ} يعني وصيد ما علمتم {مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ}. واختلفوا في هذه الجوارح التي يحل صيدها بالتعليم غير المدرك ذكاته وما أدركت فما ذكاته فهو لك، وإلاّ فلا يطعم، وهذا غير معمول به. وقال سائر العلماء: هي الكواسب من السباع والبهائم والطير مثل النمر والفهد والكلب والعقاب، والصقر، والبازي، والباشق، والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم، فسميت جوارح لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد أي كسبها. يقال: فلان جارحة أهلها أي كاسبهم ولا جارحة لفلان إذ لم تكن لها كسب {مُكَلِّبِينَ} منصوب على الحساب في المعنى وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين إلى هذه الحال أي في حال صيدكم [أصحاب] كلاب، والتكليب إغراء الصيد وإشلاؤه على الصيد. قال الشاعر: شعر : باكره عند الصباح مكلّب أزلّ كسرحان القصيمة أغبر تفسير : قرأ أبن مسعود وأبو زرين والحسن: مكلبين بتخفيف اللام على هذا المعنى، وهي قراءة الحسن والقتيبي أيضاً، ويجوز أن يكون من قولهم: أكلب الرجل، إذا كثرت كلابه، مثل: وأمشى إذا كثرت ماشيته، وذكر الكلاب لإنها أكثر وأعم والمراد به جميع الجوارح. {تُعَلِّمُونَهُنَّ} آداب الصيد {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} أي من العلم الذي علمكم اللّه، وقال السّدي: من بمعنى الكاف، أي كما علّمكم اللّه، وهو أن لا [يجثمن] ولا يعضنّ ولا يقتلن ولا يأكلن {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} عند إرسال البهم والجوارح. حكم الآية: والمعلم من الجوارح الذي يحلّ صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى وإذا أخذ أمسك ولم يأكل. فإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرّات فهو معلّم فمتى كان بهذا الوصف فاصطاد جاز أكله فإذا أمسك الصيد ولم يأكل منه جاز أكله، وكان حلالاً، فإن أكل منه، فللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يحلّ ولا يؤكل وهو الأشهر والأظهر من مذهبه لأنّ اللّه عز وجل قال: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وهو لم يمسك علينا وإنما أمسك على نفسه، وهذا قول الحسن وطاووس والشعبي وعطاء والسدّي. وقال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيد فهي ميتة لا يحل أكله لأنه سبع أمسكه على نفسه، ولم يمسك عليك ولم يتعلم ما علّمته، فاضربه ولا تأكل من صيده. يدل عليه ما روى الشعبي حديث : عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه عليه فإن أدركته لم يقتل، فاذبح واذكر اسم اللّه عليه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، فإن وجدته قد أكل منه فلا تطعم منه شيئاً، فإنما أمسك على نفسه، فإن خالط كلبَك كلابٌ فقتلن ولم يأكلن فلا تأكل منه فإنك لا تدري أيّها قتل). (وإذا رميت سهمك فاذكر اسم اللّه، فإن أدركته فكل، إلاّ أن تجده وقع في ماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) فإن وجدته بعد ليلة أو ليلتين ولم تر فيه سهمك فإن شئت أن تأكل منه فكل ". تفسير : والقول الثاني: أنه يحلّ وإن أكل وهو قول سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، وأبي هريرة، قال حميد بن عبد اللّه وسعد ابن أبي وقّاص: لنا كلاب ضواري يأكلن ويبقين، قال: كل وإن لم يبق إلاّ نصفه أو ثلثيه فكل ميتة. وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فرق في حمله على ما ذكرنا من الطيور والسباع المعلمة. وروى أبو قلابة حديث : عن ثعلبة الخشني: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول اللّه إن أرضنا أرض صيد فأُرسل سهمي وأذكر اسم اللّه وأرسل كلبي المعلم وأذكر اسم اللّه وأرسل كلبي الذي ليس معلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما حبس عليك سهمك، وذكرت اسم اللّه [فكل]، وما حبس عليك كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه، فكل وما حبس عليك كلبك الذي ليس معلم فأدركت ذكاته فكل وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل ". تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} يعني الذبائح {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} يعني ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم حلال لكم، فمن دخل في دينهم بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحل ذبيحته، فأما إذا سمّى أحدهم غير اللّه عند الذبح مثل قول النصارى: باسم المسيح، اختلفوا فيه. فقال ربيعة: سمعت ابن عمر يقول: لا تأكلوا ذبائح النصارى، فإنهم يقولون: باسم المسيح، فإنهم لا يستطيعون أن تهدوهم وقد ظلموا أنفسهم، دليله قوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : [الأنعام: 121]. والقول الثاني: إنّه يجوّز ذبيحتهم، الكتابي، وإن سمّي غير اللّه فإن هذا مستثنى من قوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وهي إنما نزلت في ذبائح المشركين وما كانوا يذبحونها لأصنامهم، وعلى هذا أكثر العلماء. قال الشعبي وعطاء: في النصراني يذبح فيقول: باسم المسيح قالا: يحلّ. فإنّ اللّه عز وجل قد أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون. وسأل الزهري ومكحول عن ذبائح عبدة أهل الكتاب، [والمربيات] لكنائسهم وما ذبح لها فقالا: هي حلال، وقرأ هذه الآية. وقال الحسن والحرث العكلي: ما كنت أسأله عن ذبحه فإنه أحل اللّه لنا طعامه، فإذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر غير اسم اللّه وأنت تسمع فلا تأكله، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل اللّه لك [ما في] القرآن، فذبح اليهود والنصارى ونحرهم مكروه. قال علي (رضي الله عنه): "لا يذبح ضحاياكم اليهود ولا النصارى ولا يذبح نسكك إلاّ مسلم". قوله عز وجل {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم: عنى بالإحصان في هذه الآية الحرية وأجازوا نكاح كل حرّة، مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال، وهذا قول مجاهد وأكثر الفقهاء، والدليل عليه قوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} تفسير : [النساء: 25] الآية، فشرط في نكاح الإماء الإيمان. وقال آخرون: إنما عنى اللّه تعالى بالمحصنات في هذه الآية العفائف من الفريقين إماءً كنّ أو حرائر، فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب بهذه الآية، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهذا قول أبي ميسرة والسّدي. وقال الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة، وتحصن فرجها. وقال الحسن: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فاستيقن فإنه لا يمسكها، ثم اختلفوا في الآية أهي عامة أم خاصة. فقال بعضهم: هي عامة في جميع الكتابيات حربيّة كانت أو ذميّة، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. وقال بعضهم: هي الذميّات، فإما الحربيات فإنّ نساءهم حرام على المسلمين، وهو قول ابن عباس. السدّي عن الحكم عن مقسم عنه قال: من نساء أهل الكتاب من تحلّ لنا ومنهم من لا تحل لنا، ثم قرأ: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ...} تفسير : إلى قوله {أية : صَاغِرُونَ} تفسير : [التوبة:29]. فمن أعطى الجزية حلّ لنا نساؤه ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه. قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات، ويفسر هذه الآية بقوله: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221] يقول: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروى المبارك عن سليمان بن المغيرة قال: سأل رجل الحسن: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ماله ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات: فإن كان لا بدّ فاعلا فليعمد إليها حصاناً غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة، قال: هي التي إذا ألمح الرجل إليها بعينه أتبعته {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}. قال قتادة: ذكر لنا ان رجالاً قالوا لما نزل قوله {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}: كيف نتزوّج نساء لسن على ديننا؟ فأنزل اللّه هذه الآية. وقال مقاتل ابن حيّان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إيّاهنّ بالذي يخرجهنّ من الكفر يعني عنهن في دينهن [...] وجعلهن ممن كفر بالإيمان، فقد حبط عمله وهو بعد للناس عامّة، {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} يعني من أهل النّار. وقال ابن عباس: ومن يكفر باللّه قال الحسن بن الفضل: إن صحت هذه الرواية كان فمعناه برب الإيمان وقيل: بالمؤمنين به. قال الكلبي: ومن يكفر بالإيمان أي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. قال الثعلبي رحمه اللّه: وسمعت أبا القاسم الجهني قال: سمعت أبا الهيثم السنجري يقول: الباء صلة كقوله تعالى: {أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 6] {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] والمعنى ومن يكفر بالإيمان أي يجحده فقد حبط عمله. وقرأ الحسن بفتح الباء، قرأ ابن السميع: فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : البداية - إذن - عن ضرورة الوفاء بالعقود وتحليل تناول بهيمة الأنعام كطعام. وسورة المائدة - كما نعلم - جاءت في الترتيب المصحفي بعد سورة النساء التي تتضمن الكثير من العقود الإيمانية؛ فقد تضمنت سورة النساء عقود الإنكاح والصداق والوصية والدَّين والميراث، وكلها أحكام لعقود، فكأن الحق سبحانه وتعالى من بعد سورة النساء يقول لنا: لقد عرفتم ما في سورة النساء من عقود، فحافظوا عليها وأوفوا بها. ونلحظ أن سورة البقرة جاءت بعدها سورة آل عمران، وفي كلتيهما حديث عن الماديين من اليهود، وسورة النساء والمائدة تواجه أيضاً المجتمع المدني بالمدينة بعد أن كان القرآن بمكة يواجه مسألة تربية وغرس العقيدة الإلهية الواحدة والنبوات. وقد خدمت سورة البقرة وسورة آل عمران مسألة العقيدة المنهجية والأنبياء، وسورة النساء تتضمن حسم العقيدة الحكمية. وها نحن أولاء أمام سورة المائدة التي يقول فيها الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول، ولم يقل: يا أيها المؤمنون"، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمراً عابراً يمر بالإنسان فترة من الزمن؛ ولكن الإيمان يتجدد بتجدد الفعل حتى ينفذ المؤمن الأحكام التي جاء بها العقد الإيماني. وحين يتوجه الحق بخطابه للذين آمنوا، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه، وإن كان سبحانه كرب للعالمين قد خلق الخلق وأوجد الوجود وسخّره للخلق. الله - سبحانه وتعالى - لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان، بل دعا الناس جميعاً أولاً إلى الإيمان، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من آمنتم بالله إلهاً. والإله لابد له من صفات تناسب الألوهية، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة والقهر. وسبحانه لا يكلف مَن لم يؤمن به، بل يدعو من لم يؤمن إلى الإيمان، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ}؛ لأن لكل إيمان تبعة. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} ونعرف أن اللغة بها أسرة ألفاظ؛ فـ "أوفوا" على سبيل المثال فيها "وفى". والمصارع هو "يفي"، وفي أفعالها "أوفى" و"وَفَّى"، حسب المراحل المختلفة قوة وضعفاً وكثرة وقلة، مثال ذلك قوله الحق: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 37] وقد قام سيدنا إبراهيم عليه السلام بالكثير من الإنجاز: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] ولا بد أن يكون قوله الحق: {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} شرحاً لما قام به إبراهيم من مواجهة الابتلاء، فالتوفية هي الإتمام. والحق يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} أي عليكم يا من آمنتم بالله أن تتموا العقود. والتمام إما أن ينطلق إلى الأفراد ويشملها فلا ينقص فرد، وإما أن يلتفت إلى الكيفيات فلا تختل كيفية، هذا هو التمام. وقد يأتي إنسان بكل فصول الكتاب ويقرأها، فيكون قد وفى قراءة كل الأجزاء، ولكن الحق يريد أن يتقن الإنسان تنفيذ كل جزئية في كتاب التكليف. وسبحانه طلب منا أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأن نصوم رمضان وأن نحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وقد يؤدي شخص كل هذه الأعمال وبذلك يكون قد قام بآداء التكليف، لكن هناك إنسان آخر يؤدي كل جزئية بتمامها فلا يختصر شيئاً منها بل إنّه يوفيها بلا تدليس. والحق هنا يخاطب المؤمنين: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} أي أننا أمام "إيمان" و"عقد". وشرحنا معنى الإيمان، أما العقد فهو العلاقة الموثقة بين طرفين، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه وأن يأخذ ما له. وسمي العقد عقداً؛ لأن العقد هو الربط، أي شيء لا ينحل من بعد ذلك. ولذلك نسمي ما يستقر في مواجيد الناس ونفوسهم "عقيدة". لأنها الأمر المعقود، وليس الأمر الطارئ الذي يأتي اليوم وينتهي غداً. والشيء المعقود في نظر الفقه هو الأمر الذي لا يطفو إلى العقل ليُبحث من جديد، بل إنه مستقر وثابت في القلب. ويأمر سبحانه بالوفاء بالعقود. والعقود - كما نعلم - هي جمع لـ "عقد" وبالإسلام عقود كثيرة، تبدأ بالعقد الأول وهو عقد الذر: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] ويريد سبحانه الوفاء بهذا العهد الأول فلا يأتي الإنسان ساعة التطبيق ويفر منها، ثم نأتي إلى عهد الاستخلاف في الأرض وبه استخلف فيها آدم وذريته من بعده، وإياك أن تظن أنك الأصيل في الكون حين تدوم لك الأسباب وتدين لك بعض الوقت. لا تظن أن الأشياء قد دانت لك بمهارتك أنت فقط، وحين تبذر البذور في الأرض وتروي الأرض فاعلم أن الزرع ينبت بتسخير الله أَرْضَه لك. وإياك من الظن لحظة تركب المهر أنك الخيال الفارس الذي روّض المهر، لا، إنه تسخير الحق للفرس. ونجد الفرس في بعض الأحايين يجمح ليقع الفارس من فوق ظهره، لعلنا ننتبه إلى الجزئية التي لا يصح أن تغيب عنا، فلو لم يذلل الله الخيل لنا لما استطعنا أن نركبها. {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72] وعلى المؤمن أن يتذكر أيضاً أن الحق سبحانه ذلل الجمل لصاحبه، وجعل الطفل الصغير يأمر الجمل فيرقد على الأرض؛ ليضع عليه الأحمال الثقيلة، ويأمره فيقوم. أما إن واجه الثعبان أو الحية فهو لا يجرؤ على تذليلهما، وهذا لفت من الحق للخلق لقدرته المطلقة؛ فقد ذلل لهم الكبير، وأفزعهم أضعاف ذلك من الثعبان ذي الجسم الصغير. {أية : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 72] ومن التذليل يأتي رضوخ بقية الكائنات للإنسان؛ فالحمار عند الفلاح يحمل السماد للأرض من بقايا فضلات الإنسان والحيوان، ولا ينطق الحمار معترضاً، ويأتي الفلاح ليرتقي في حياته ويصير شيخاً للخفر، فيأمر أن يستحم الحمار، ويشتري له السرج ليركبه وهو ذاهب للقاء المأمور في المركز، ولم يعص الحمار في الحالتين. إنه التذليل. إياك أن تظن أن مهارتك وحدها أيها الإنسان هي التي ذللت لك الكائنات، فلو اعتمد الأمر على المهارة وحدها، لذلل الإنسان البرغوث الصغير الذي يهاجمه في أي وقت، وقد يفزعك ذلك البرغوث الصغير طوال الليل. وقد تسهر أسرة بأكملها من أجل قتل برغوث واحد. {أية : ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73] ولذلك أمرنا الحق أن نقول قبل البدء في أي عمل "بسم الله الرحمن الرحيم". وإياك أن تقبل على العمل بقوتك وحدها. فالعمل إنما ينفعل لك لأنه سبحانه قد أخضعه لك. وأنت تبدأ العمل باسم الله لأنه سبحانه الذي استخلفك وأخضع لك الكائنات المذللة. ثم هناك ذلك العهد الذي قال فيه الحق لآدم: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123] والعهد الذي قال فيه الحق: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 38] وهذا عهد لكل البشر، والمسلمون عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة بأن ينصروه ويمنعوا عنه ما يمنعون عن أنفسهم. وعاهدوا الرسول في الحديبية. إن الحق سبحانه يأمر بالوفاء بكل العقود، وكل ما نتج عن قمة العقائد وهو الإيمان بالله؛ فما جاء من الله الذي آمنت به يُعتبر عقداً أنت شريك فيه، لأن العقد يكون دائماً بين طرفين، ولم يرغم الله أحداً على الإيمان به، ولكن الإنسان يؤمن بالله اختياراً. ومادام المؤمن قد آمن بالله من طوع اختياره، فلا بد أن يتبع منهجه. ومن آمن هو الذي يذهب إلى الحق قائلاً: يارب إن ما تأمر به سأفعله. وهذا اعتراف بالعقد. وكتابة أي عقد إيماني هو تنفيذ لهذا العقد والتوقيع مع الله، وبذلك يشترك العبد مع الله في هذا التعاقد؛ لأن إيمان العبد بالله يجعله طرفاً في العقد. والإله يشرع له، وينفذ العبد التشريع ليلتقي الجزاء الأوفى. العقد إذن قد يكون بين العبد وربِّه، أو بين العبد وخلق الله المساوين له، أو بين العبد ونفسه، لكنهم أطلقوا على العقد الذي بين الإنسان ونفسه اسماً هو "العهد" وهو النذر، كأن ينذر العبد الصيام أو الصلاة، ويجب على العبد تنفيذ ما نذر به مادام عاهد الله على ذلك. والعقد الذي بين العبد وغيره من البشر وكذلك العقد بينه وبين نفسه إنما ينبعان من العقد الأساسي وهو العقد الأول.. إنّه الإيمان بالله. إذن فقول الحق: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} أي نفذوا ما أمر الله به حلالاً، وامتنعوا عن الشيء الذي جعله الحق حراماً. ولا داعي - إذن - للاختلاف في معنى "العقود" والتساؤل: هل هي العقود التي بين العبد وربه، أو بين العبد والناس، أو بين العبد ونفسه، فكل ما نبع من العقد القمة هو عقد على المؤمن وإلزام عليه أن يوفي به. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} سبحانه يستهل السورة بالوفاء بالعقود، ثم إعلان تحليل بهيمة الأنعام. ونعرف أن الإنسان قد طرأ على الكون، وأنه سبحانه قد خلق الكون أولاً. ثم خلق الإنسان فيه، وهذا من رحمة الله بالإنسان فلم يخلق الإنسان أولاً، بل خلق له الشمس وأعد الكون قبل أن يخلق الإنسان، وحين طرأ الإنسان على الكون وجد فيه قوام الحياة من الجماد ومن النبات ومن الحيوان. وقمة المسخرات للإنسان هي الحيوان؛ لأن الجماد والنبات يخدمان الحيوان، ويشترك الحيوان مع الإنسان في أنّ له حياة ودماء وجوارح. وجاء الحق عنا بالإعلان عن أعلى المنزلة في خدمة الإنسان وهو بهيمة الأنعام {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} ويأمرنا بأن نوفي بالعقود، وله سبحانه وتعالى كل الحق فقد قدم لنا الثمن بخلق الكون مسخراً لنا وقمة المخلوقات المسخرة هي الأنعام. كأن {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} حيثية مقدمة من الحق. ونلحظ أنه جاء هنا بصيغة المبنى للمجهول في "أحلت"؛ لأن الإيمان جعلنا طرفاً في أن تكون بهيمة الأنعام حِلاً لنا. ووقف العلماء عند "بهيمة الأنعام". وفي اللغة العربية نجد صيغة "فعيل" التي تأتي بمعنى "فاعل" وتأتي بمعنى "مفعول"، مثلما نقول "الله رحيم" أي أنه راحم؛ هو "فاعل"، ونقول "فلان قتيل" أي مقتول أي مفعول به. و"بهيمة الأنعام" هنا تأتي بأي معنى، أهي بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؟، و"بهيمة" إن نظرنا إلى أنّها مبهمة؛ لأن أمورها مجهولة يصعب إدراكها علينا ولا نعرف حركتها أو إشارتها أو لغاتها التي تتفاهم بها فتكون فعيلة بمعنى مفعولة. وتصلح أن تكون فعيلة بمعنى فاعل؛ لأنها لا تفهم، ونحن المبهمون عليها. ونقول: هي محكومة بالتسخير. ولم يصنف الإنسان طعامها وهو العلف إلا بعد أن رآها وهي سائبة حرة تتجه إلى العلف لتأكله، إذن فهي التي علمت الإنسان صنف علومها. فلا يقولن إنسان: إنها بهيمة لا تفهم، وليعرف أنها لم تخلق لتفهم مسائل الإنسان، لأنها مسخرة له وقد يتعلم هو منها. ودليلنا أن الله امتن على بعض المصطفين من خلقه بأن علمهم منطق الطير، فقد حزّ في نفس الهدهد أن رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وهو الطائر فقد فهم أن السجود لا يكون إلاّ لله الواحد القهار لا للشمس، وهكذا نرى الإنسان يتعلم الكثير من أخلاق الحيوانات وعاداتها؛ ولذلك نجد هواة تربية الحيوانات يتعرفون على طعام هذه الحيوانات بعد أن يتتبعوها ويعرفوا ماذا تأكل، وعن أي شي تبتعد، والفلاح يقدم البرسيم للجاموس ولا يقدم له النعناع؛ لأنه رأى الجاموس وهو حرّ لا يأكل النعناع بل يأكل البرسيم، وقال الحق على لسان النمل: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} تفسير : [النمل: 18] نحن إذن الذين لا نفهم لغة النمل، ونجد البهيمة محكومة بالغريزة، لكن الإنسان يملك العقل، لكنه يغطي عقله بالهوى. وقول الله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} دليل على أن الذي أحلها، جعل التحليل لها في التسخير بدليل أن الحبل إن التف حول رقبة جاموسة أو رقبة خروف وقبل أن يختنق نجد الحيوان يمد رقبته، فيقول الناس: لقد طلب الحلال، فنادوا الجزار. وكأنه - وهو الحيوان - يطلب الذبح لينتفع الناس به، وكأنه يحس بالخسارة إن ضاع لحمه بلا فائدة، وهذا دليل على أنه مذلل، أما الحيوان غير المحلل فمن العجيب أنه لو حدث معه ذلك لما مد رقبته. والأنعام هي المذكورة في قوله الحق: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143] وكذلك قول الرحمن: {أية : وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 144] إنها ثمانية أزواج؛ ثم ألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الظباء وحمر الوحش، ولم يحرم إلا كل ذي ذنب كالسباع وكل ذي مخلب من الطير، ولو لم يقيد الله هذا التحليل لانصرف بدون قيد، ولأسأنا إلى أنفسنا بأكل الميتة والموقوذة والمتردية، ولكن الحق أنقذنا من ذلك وحرم علينا تلك الأشياء الضارة. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} إذن فمن حق الله عليكم أيها المؤمنون أن توفوا بالعقود؛ لأنه قدم لكم الكون بكل أجناسه وكل عناصره لخدمتكم. وأحلّ أقرب الأجناس إلى الإنسان لما فيه من حياة وحس وحركة، فيقول: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} ولو لم يضع الحق ذلك التشريع لأكَل الإنسان - وهو مُحْرِمٌ - بهيمة الأنعام، وقد حرم سبحانه الصيد في اثناء الإحرام، وكذلك في حمى الحرم. والحَرَم - كما نعلم - مركزه الكعبة، وحول الكعبة المسجد. وتختلف مناطق الإحرام وتسمى الميقات المكاني، فالميقات المكاني للحج والعمرة لمن كان خارج الحرم (ذو الحليفة) وذلك للمتوجه من المدينة وهي (آبار علي)، والجحفة وهي الآن (رابغ) للمتوجه من مصر والشام المغرب، و(يَلَمْلَم)للمتوجه من تهامة، و(قَرْن المنازل) للمتوجه من نجد اليمن ونجد الحجاز، و(ذات عرق) للمتوجه من المشرق والعراق وغيره. أما الميقات المكاني للحج لمن بمكة فهو مكة نفسها، أما ميقات العمرة المكاني لمن بالحرم فهو الخروج لأدنى الحل وهي الجعرانة ثم التنعيم (مسجد عائشة) ثم الحديبية. والميقات الزماني للحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، أما ميقات العمرة الزماني فهو جميع السنة إلاّ إذا كان محرما بحج أو بعمرة أخرى أو كان ذلك قبل النفر لانشغاله بالرمي والمبيت فيمتنع الإحرام بها. والتنعيم والجعرانة والحديبية، تلك هي حدود الحرم. والصيد في حدود الحرم حرم، وفي كل زمان وعلى كل إنسان، أما في غير الحرم، فالصيد حرام لمن كان محرماً فقط، وغير المحرم من حقه الصيد. وبذلك يؤدب الحق سبحانه وتعالى خلقه ويجعلهم على ذكر دائم للمنهج فيأتي لهم في مكان ويقول لهم: الصيد محرم في هذا المكان، والطعام والشراب محرم في هذا الزمان؛ كصوم رمضان. وعدة الشهور عندنا كمسلمين اثنا عشر شهرا. أربعة منها حُرُم. ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وفي الميقات يحرم الصيد على الحاج فقط، وهذا انضباط إيماني. وعندما يأتي الإنسان إلى الميقات فهو يحرم، أي يغير وضعه ويلبس لباساً خاصا بالحج، يلبسه كل الناس ليكون الكل سواسية؛ لأن الناس إنما يميزون بهندامهم وهيئاتهم، فيأمر سبحانه أن يطرح الإنسان هذا التمايز من فور الإحرام. وما كان من الحلال أن يفعله المسلم قبل الميقات وقد منعه الإسلام منه لا يجرؤ على أن يفعله بعد الميقات والإحرام. ويستطيع المسلم قبل الميقات أن يحلق ويتطيب ويصطاد ويقطع من النبات؛ لكنه ما إن يبدأ الإحرام يمتنع عن ذلك حتى يستعد لما يشحن أعماقه بالوجود مع المنعم لا مع النعمة، هذا هو التهيؤ للدخول إلى بيت المنعم، ولذلك يضع المسلم النعمة على جانب ليبقى مع المنعم. ويمنع الإنسان أن يصيد في الحرم محرماً كان أو غير محرم ليشعر الكل أن الحرم لله فقط. وتستعد كل النفوس للقاء المهابة. ويمتنع الإنسان من أول الميقات عن أشياء كثيرة بداية من الصيد والاستمتاع بالحقوق الزوجية؛ ثم يدخل منطقة يحرم فيها الصيد على كل الناس كرمز للمهابة. ويحج المسلم في حياته مرة واحدة كأداء الفريضة؛ وفي كل مرة تحج وتقصد بيت ربّك يوضح الله لك فيها: لا تنشغل بالنعم لأنك ذاهب إلى المنعم، ويمحو سبحانه بالحج كل الذنوب. {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فإن أردناها محرمين فهي صحيحة، وإن أردناها للحرم فهي صحيحة؛ لأن الصيد محرم في منطقة الحرم للحاج أو لغيره. ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} وسبحانه بدأ الاية بقوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هكذا نرى أن التذييل منطقي يتفق فيه آخر الآية مع صدرها؛ لأن الله حين يخاطب المؤمنين الذين آمنوا به، فمن لوازم الإيمان أن ينفذوا حكم الله الذي آمنوا به ومادام المؤمن قد آمن بالله إلهاً فليتجه إلى ما يريده الله من أحكام ليفعلها لكن عمومية الآية قد تجعل واحداً يعزل الآية عن صدرها، رغبة في التشكيك في الإسلام، فيقول: إن الله يقول إنه يحكم ما يريد، وقد أراد من الناس من يؤمن ومن لا يؤمن، فكيف يقول: {يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}، بينما لا يؤمن الكل؟. ونقول: لا تعزل الآية عن صدرها؛ لأن الله إنما يخاطب في هذه الآية من آمن به رباً، ومن آمن بالإله يعمد ويقصد ويتجه إلى ما يريده الله من حكم ليطبقه. ولا يعتقدَنَّ أحد أنّ الكافرين خارجون عن إرادته سبحانه في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} فالذي تمرد على حكم الله يقتضيه المنطق أن يظل متمرداً على حكم الإله. لكن المتمرد على حكم الله التكليفي الشرعي لا يجرؤ ولا يملك أن يكون منطقياً مع نفسه، فإن حكم الله عليه بالضعف. فليقل للضعف: لا، أنا لن أضعف وأنا قوي. لا أحد يملك من مثل هذا الأمر شيئاً. المتمرد يأخذه ملك الموت وهو غير مريض، فماذا إذن يصنع تمرد المتمرد إزاء الموت؟ إذن هناك أمور يخضع فيها الإنسان - كل إنسان - لحكم الله. وخضوع الإنسان لحكم الله في بعض الأمور أقوى من خضوع المؤمن لها؛ لأن المؤمن حين آمن بالله يستقبل الموت - على سبيل المثال - كحكم من الله، أما المتمرد الذي لا يصلي ولا يؤدي أي أمر تكليفي، ويتعرض للأغيار بما فيها الموت، فهو يعاني من كل ذلك مشقَّة وَحِدّة تفوق حدة استقبال المؤمن للأغيار أو الموت. إذن فقوله الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} هو قضية عامة؛ لأن الذي تمرد على حكمه سبحانه فيما له فيه اختيار، كان من الواجب أن يكون منطقياً مع نفسه، فيتمرد على حكم يجريه الله عليه، وذلك بعكس كثير من الاحكام الوضعية فإنها لا تقوى على هذا التمرد، ويكون هنا حكم الله أقوى؛ لأن المتمرد لن يجرؤ على الرد على أمر الله. فلا يظنن ظان أن الله جعل للاختيار في العبد طلاقة، لكنه جعل للاختيار في العبد تقييداً، وللقدرة القادرة طلاقة، فإن تمرد متمرد على الإيمان؛ فلن يجرؤ على التمرد في أشياء أخرى. إذن فالله يحكم ما يريد. ومن بعد ذلك يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} [الآية: 1]. قال: بالعهود. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} [الآية: 1]. وما ذكر معها، من غير أَن يحل الصيد وهو حرام.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْعُقُودِ} أصل العقد في اللغة: الربط تقول عقدتُ الحبل بالحبل ثم استعير للمعاني قال الزمخشري: العقد العهدُ الموثّق شبّه بعقد الحبل قال الحطيئة: شعر : قومٌ إِذا عقدوا عقداً لجارهم شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكَرَبا تفسير : {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} البهيمة ما لا نطق له لما في صوته من الإِبهام والأنعام جمع نَعَم وهي الإِبل والبقر والغنم {ٱلْقَلاۤئِدَ} جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من لحاء الشجر ليُعلم أنه هدي {يَجْرِمَنَّكُمْ} يكسبنكم يقال: جرم ذنباً أي كسبه وأجرم اكتسب الإِثم {شَنَآنُ} الشنآن: البغض {ٱلْمَوْقُوذَةُ} الوقذ: ضرب الشيء حتى يسترخي ويشرف على الموت {ٱلنُّصُبِ} صنمٌ وحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده وجمعه أنصاب كذا في اللسان {ٱلأَزْلاَمِ} القداح جمع زَلَم كان أحدهم إِذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة ضرب بالقداح وهو الاستقسام بالأزلام {مَخْمَصَةٍ} مجاعة لأن البطون فيها تُخمص أي تضمر والخمص ضمور البطن {ٱلْجَوَارِحِ} الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والصقر والشاهين. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظّمون الشعائر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزلت {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ..} الآية. التفسِير: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} الخطاب بلفظ الإِيمان للتكريم والتعظيم أي يا معشر المؤمنين أوفوا بالعقود وهو لفظ يشمل كل عقدٍ وعهد بين الإِنسان وربه وبين الإِنسان والإِنسان قال ابن عباس: العقود العهود وهي ما أحلَّ الله وما حرّم وما فرض في القرآن كله من التكاليف والأحكام {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي أُبيح لكم أكل الأنعام وهي الإِبل والبقر والغنم بعد ذبحها إِلا ما حُرّم عليكم في هذه السورة وهي الميتة والدم ولحم الخنزير الخ {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أي أُحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} أي يقضي في خلقه بما يشاء لأنه الحكيم في أمره ونهيه {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} أي لا تستحلوا حُرمات الله ولا تعتدوا حدوده قال الحسن: يعني شرائعه التي حدها لعباده وقال ابن عباس: ما حرّم عليكم في حال الإِحرام {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} أي ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه، ولا ما أُهدي إِلى البيت أو قُلّد بقلادة ليعرف أنه هدي بالتعرض له ولأصحابه {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إِلى بيت الله الحرام لحج أو عمرة، نهى تعالى عن الإِغارة عليهم أو صدهم عن البيت كما كان أهل الجاهلية يفعلون {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} أي إِذا تحللتم من الإِحرام فقد أُبيح لكم الصيد {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} أي لا يحملنكم بغضُ قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي تعاونوا على فعل الخيرات وترك المنكرات، وعلى كلْ ما يقرب إِلى الله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي خافوا عقابه فإِنه تعالى شديد العقاب لمن عصاه {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} أي حُرّم عليكم أيها المؤمنون أكل الميتة وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة والدم المسفوح ولحم الخنزير قال الزمخشري: كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها والفصيد وهو الدم في الأمعاء يشوونه ويقولون لم يحرم من فُزد - أي فصد - له وإِنما ذكر لحم الخنزير ليبيّن أنه حرام بعينه حتى ولو ذبح بالطريق الشرعي {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي ما ذكر عليه غير اسم الله أو ذبح لغير الله كقولهم باسم اللات والعزّى {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} هي التي تُخنق بحبلٍ وشبهه {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} هي المضروبة بعصا أو حجر {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} هي التي تسقط من جبل ونحوه {وَٱلنَّطِيحَةُ} هي التي نطحتها بهيمة أُخرى فماتت بالنطح {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} أي أكل بعضَه السبع فمات {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} أي إِلا ما أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه الذبح الشرعي قبل الموت قال الطبري معناه: إِلاّ ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهوراً {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} أي وما ذُبح على الأحجار المنصوبة قال قتادة: النُّصبُ حجارةٌ كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك قال الزمخشري: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إِليها فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} أي وحُرّم عليكم الاستقسام بالأزلام أي طلب معرفة ما قُسم له من الخير والشر بواسطة ضرب القداح قال في الكشاف: كان أحدهم إِذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها أمرني ربي، وبعضُها غُفْلٌ فإِن خرج الآمر مضى لغرضه وإِن خرج الناهي أمسك وإِن خرج الغفل أعاد {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} أي تعاطيه فسقٌ وخروجٌ عن طاعة الله لأنه دخولٌ في علم الغيب الذي استأثر الله به علاّم الغيوب {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} أي انقطع طمع الكافرين منكم ويئسوا أن ترجعوا عن دينكم قال ابن عباس: يئسوا أن ترجعوا إِلى دينهم أبداً {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} أي لا تخافوا المشركين ولا تهابوهم وخافون أنصركم عليهم وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي أكملت لكم الشريعة ببيان الحلال والحرام {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بالهداية والتوفيق إِلى أقوم طريق {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} أي اخترت لكم الإِسلام ديناً من بين الأديان وهو الدين المرضي الذي لا يقبل الله ديناً سواه {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85] {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فمن ألجأته الضرورة إِلى تناول شيء من المحرمات المذكورة، في مجاعةٍ حال كونه غير مائل إِلى الإِثم ولا متعمد لذلك، فإِن الله لا يؤاخذه بأكله، لأن الضرورات تُبيح المحظورات {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} أي يسألونك يا محمد ما الذي أُحل لهم من المطاعم والمآكل؟ {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} أي قل لهم أُبيح لكم المستلذات وما ليس منها بخبيث، وحُرّم كل مستقذر كالخنافس والفئران وأشباهها {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} أي وأُحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكلاب ونحوها مما يُصطاد به {مُكَلِّبِينَ} أي مُعلمين للكلاب الاصطياد قال الزمخشري: المكلِّب مؤدبُ الجوارح ورائضها واشتقاقه من الكَلَب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} أي تعلمونهنَّ طرق الاصطياد وكيفية تحصيل الصيد، وهذا جزءٌ مما علّمه الله للإِنسان {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} أي فكلوا مما أمسكن لكم من الصيد إِذا لم تأكل منه، فإِن أكلت فلا يحل أكله لحديث "حديث : إِذا أرسلتَ كلبَك المُعلَّم فقتل فكلْ، وإِذا أكل فلا تأكل فإِنما أمسكه على نفسه"تفسير : وعلامة المعلَّم أن يسترسل إِذا أُرسل، وينزجر إِذا زُجر، وأن يُمسك الصيد فلا يأكل منه، وأن يذكر اسم الله عند إِرساله فهذه أربع شروط لصحة الأكل من صيد الكلب المعلَّم {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي عند إِرساله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي راقبوا الله في أعمالكم فإِنه سريع المجازاة للعباد {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} أي أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} أي ذبائح اليهود والنصارى حلالٌ لكم {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} أي ذبائحكم حلالٌ لهم فلا حرج أن تُطعموهم وتبيعوه لهم {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي وأُبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} أي وزواج الحرائر من الكتابيات (يهوديات أو نصرانيات) وهذا رأي الجمهور وقال عطاء: قد أكثر الله المسلمات وإِنما رخص لهم يومئذٍ {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي إِذا دفعتم لهن مهورهن {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي حال كونكم أعفاء بالنكاح غير مجاهرين بالزنى {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} أي وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سراً قال الطبري: المعنى ولا منفرداً ببغية قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقةً يفجر بها {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي ومن يرتد عن الدين ويكفر بشرائع الإِيمان فقد بطل عمله وهو من الهالكين، ثم أمر تعالى بإِسباغ الوضوء عند الصلاة فقال {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} أي إِذا أردتم القيام إِلى الصلاة وأنتم محدثون {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} أي اغسلوا الوجوه والأيدي مع المرافق {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} أي امسحوا رءوسكم واغسلوا أرجلكم إِلى الكعبين أي معهما قال الزمخشري: وفائدة المجيء بالغاية {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} لدفع ظن من يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تُضرب له غاية في الشريعة وفي الحديث "حديث : ويلٌ للأعقاب من النار" تفسير : وهذا الحديث يردُّ على الإِمامية الذين يقولون بأن الرجلين فرضهما المسحُ لا الغسل، والآية صريحة لأنها جاءت بالنصب {وَأَرْجُلَكُمْ} فهي معطوفة على المغسول وجيء بالمسح بين المغسولات لإِفادة الترتيب {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} أي إِن كنتم في حالة جنابة فتطهروا بغسل جميع البدن {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي إِن كنتم مرضى ويضركم الماء، أو كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} أي أتى من مكان البراز {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} أي جامعتموهنَّ {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} أي ولم تجدوا الماء بعد طلبه فاقصدوا التراب الطاهر للتيمم به {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب بضربتين كما وضّحت السنة النبوية {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي ما يُريد بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم تضييقاً عليكم {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي يطهركم من الذنوب وأدناس الخطايا بالوضوء والتيمم، وليتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإِسلام ولتشكروه على نعمه التي لا تحصى {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} الخطاب للمؤمنين والنعمةُ هنا الإِسلام وما صاروا إِليه من اجتماع الكلمة والعزة أي اذكروا يا أيها المؤمنون نعمة الله العظمى عليكم بالإِسلام وعهده الذي عاهدكم عليه رسوله حين بايعتموه على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي اتقوا الله فإِنه عالم بخفايا نفوسكم فيجازيكم عليها {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} أي كونوا مبالغين في الإِستقامة بشهادتكم لله وصيغة قوّام للمبالغة {شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} أي تشهدون بالعدل {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} أي لا يحملنكم شدة بغضكم للأعداء على ترك العدل فيهم والاعتداء عليهم {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} أي العدل مع من تبغضونهم أقرب لتقواكم لله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي مطلع على أعمالكم ومجازيكم عليها قال الزمخشري: وفي هذا تنبيه عظيم على أن العدل إِذا كان واجباً مع الكفار الذين هم أعداء الله وكان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟! {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي وعد الله المؤمنين المطيعين {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي لهم في الآخرة مغفرة للذنوب وثواب عظيم وهو الجنة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} لما ذكر مآل المؤمنين المتقين وعاقبتهم ذكر مآل الكافرين المجرمين وأنهم في دركات الجحيم دائمون في العذاب قال أبو حيان: وقد جاءت الجملة فعلية بالنسبة للمؤمنين متضمنة الوعد بالماضي الذي هو الدليل على الوقوع، وفي الكافرين جاءت الجملة إِسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم وأنهم أصحاب النار فهم دائمون في عذاب الجحيم. البَلاَغَة: 1- {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} فيه استعارة استعار الشعيرة وهي العلامة للمتعبدات التي تعبَّد الله بها العباد من الحلال والحرام. 2- {وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} أي ذوات القلائد وهي من باب عطف الخاص على العام لأنها أشرف الهدي كقوله {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98]. 3- {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. 4- {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أطلق العام وأراد به الخاص وهو الذبائح. 5- {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} بينهما طباق لأن معنى محصنين أي أعفاء ومسافحين أي زناة. 6- {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} أي إِذا أردتم القيام إِلى الصلاة فعبّر عن إِرادة الفعل بالفعل وأقام المسبّب مقام السبب للملابسة بينهما، وفي الآية إِيجاز بالحذف أيضاً إِذا قمتم إِلى الصلاة وأنتم محدثون. الفَوائِد: الأولى: يحكى أن أصحاب الكِنْدِيّ - الفيلسوف - قال له أصحابه: أيها الحكيم إِعمل لنا مثل هذا القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إِني فتحتُ المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإِذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلّل تحليلاً عامّاً، ثم استثنى استثناءً، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يقدر أحدٌ أن يأتي بهذا إِلا في مجلدات. الثانية: جرت سنة الجاهلية على مبدأ العصبية العمياء الذي عبّر عنه الشاعر الجاهلي بقوله: شعر : وهل أنا إِلا من غُزيّة إِن غوتْ غويتُ وأن ترشد غُزية أرشد تفسير : وجاء الإِسلام بهذا المبدأ الإِنساني الكريم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} وشتّان بين المبدأين. الثالثة: روي أن رجلاً من اليهود جاء إِلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين: آيةٌ في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً! قال أيَّ آية تعني؟ قال {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية فقال عمر: والله إِني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة.

الصابوني

تفسير : [1] ما يحل ويحرم من الأطهمة التحليل اللفظي {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}: يقال وَفَى بالعهد وأوفى به ومنه {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} تفسير : [البقرة: 177] وأوفى لغة أهل الحجاز، والعقود جمع عقد، وأصله في اللغة الربط تقول: عقدتُ الحبل بالحبل، ثم استعير للمعاني كعقد البيع والعهد وغيرهما. قال صاحب "الكشاف": العقد: العَهْد الموثّق شبّه بعقد الحبل ونحوه قال الحطيئة: شعر : قوم إذا عَقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا قومٌ هم الأنْفُ والأَذْنابُ غيرُهم ومَنْ يُسَوّى بأنف النّاقةِ الذنبا تفسير : والمراد بالعقود هنا ما يشمل العقود التي عقدها الله على عباده كالتكاليف الشرعية، والعهود التي بين الناس كعقود الأمانات، والمبايعات وسائر أنواع العقود. {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}: البهيمة ما لا نطق له وذلك لما في صوته من الإبهام، وخص في العرف بما عدا السباع والطير، أفاده الراغب، والأنعام جمع نَعَم بفتحتين وهي الإبل، والبقر، والغنم. {حُرُمٌ}: جمع حرام بمعنى مُحْرِم، ومعنى الآية: غير مستحلي الصيد وأنتم في حالة الإحرام. {شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}: ما جعله عَلَماً على طاعته واحدها شعيرة، والمراد بالشعائر هنا مناسك الحج وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: المراد بها حدود الله وهو منقول عن عكرمة وعطاء. {ٱلْقَلاۤئِدَ}: جمع قلادة وهي ما قلّد به الهدي، وكان الرجل يقلّد بعيره من لحاء شجر الحرم فيأمن بذلك حيث سلك. {يَجْرِمَنَّكُمْ}: أي يَكسبنّكم يقال: جرم ذنباً أي كسبه، وفلان جارمُ أهلِه أي كاسبهم. {شَنَآنُ}: أي بغض يقال: شنأته إذا أبغضته، والشانيء المبغض قال تعالى: {أية : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} تفسير : [الكوثر: 3]. والمعنى: لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم. {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ}: أي ذبح لغير الله، وذكر عند ذبحه غير اسم الله وهو كقولهم: باسم اللات والعزى. {وَٱلْمَوْقُوذَةُ}: التي تضرب حتى تشرف على الموت، ثم تترك حتى تموت وتؤكل بغير ذكاة. {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ}: الواقعة من جبلٍ أو حائطٍ أو في بئر، يقال: تردّى أي سقط. {وَٱلنَّطِيحَةُ}: التي نطحتها شاة أخرى فمات بالنطح، (فعيلة) بمعنى (مفعولة) أي منطوحة. {ذَكَّيْتُمْ}: ذبحتموه الذبح الشرعي مع ذكر اسم الله تعالى عند الذبح. {ٱلنُّصُبِ}: قال في "اللسان": النّصبُ صنمٌ أو حجر، وكانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده وجمعه أنصاب. {بِٱلأَزْلاَمِ}: أي بالقداح جمع زَلَم، والاستقسام بها أن يضرب بها ثم يعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي. {مَخْمَصَةٍ}: أي مجاعة، والخَمْصَ: الجوع، قال حاتم يذم رجلاً: شعر : يرى الخَمْص تعذيباً وإن يلقَ شِبْعة يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مبهماً تفسير : {مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ}: أي منحرفٍ مائلٍ إلى الإثم، والجَنَفُ الميل قال تعالى: {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} تفسير : [البقرة: 182]. {ٱلْجَوَارِحِ}: جمع جارحة وهي الكواسب من سباع البهائم والطير، من جَرَحَ إذا كسب قال تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام: 60] أي كسبتم وقيل: المراد كلاب الصيد. {مُكَلِّبِينَ}: جمع مكلِّب بالتشديد وهو الذي يؤدب الكلاب ويعلّمها أن تصيد لأصحابها، وإنما اشتق الاسم من الكلب مع أنه يعلّم الكلاب والبزاة وغيرها لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب. المعنى الإجمالي خاطب الله سبحانه المؤمنين، فأمرهم بالوفاء بالعهود التي بينهم وبين الله والناس، ثم ذكر ما أباح لهم من لحوم الإبل والبقر والغنم بعد الذبح، وما حرّم عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى آخر ما ذكر في آية المحرمات التالية، كما ذكر الله تعالى أنه أباح الصيد لعباده إلا في حالة الإحرام. ونهى الله تعالى في الآية الثانية عن إحلال الشعائر كالصيد في الإحرام، والقتال في الشهر الحرام، والتعرض للهدي والقلائد التي تهدى لبيت الله، والتعرض لقاصدي المسجد الحرام الذين يبتغون الفضل والرضوان من الله بقتالهم أو الاعتداء عليهم، ثم أباح الله تعالى الصيد لعباده بعد التحلل من الإحرام، وزجرهم عن الاعتداء على الغير بسبب بغضهم لهم، فإن الظلم ممقوت وقد حرم الله البغي والعدوان بجميع صوره وضروبه، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان وختم الآية بالتهديد، والوعيد لمن خالف أمر الله. وفي الآية الثالثة عدّد الله تعالى المحرمات التي ذكرها بالإجمال في أول السورة {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} فبينها هنا بالتفصيل وهي أحد عشر شيئاً كلها من قبيل المطعوم إلا الأخير وهو (الإستقسام بالأزلام) وهذه المحرمات هي التي كان أهل الجاهلية يستحلونها فحرمتها الشريعة الإسلامية وهي (الميتة، الدم، لحم الخنزير، ما ذبح لغير الله، المنخنقة، الموقوذة (المقتولة ضرباً) المتردية (الساقطة من علو فماتت) النطيحة (المقتولة بنطح أخرى) (ما أكل السبع) بعضه إلا إذا أدرك قبل الموت من هذه الأشياء فذبح، الذبح الشرعي، وما قصد بذبحه النصب (الأصنام) وكذلك حرّم الله تعالى الاستقسام بالأقداح التي هي - على زعمهم - استشارة للآلهة في أمورهم، فإن أمرتهم ائتمروا، وإن نهتهم انتهوا، وبيّن الله تعالى أن هذا فسق من عمل الشيطان. وختم الله تعالى الآيات الكريمة بأنه أكمل الدين وأتم الشريعة، وأحل الطيبات، وحرّم الخبائث إلا في حالة الاضطرار، التي يباح فيها للإنسان ما حرّمه الله تعالى عليه. سبب النزول روى ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين كانوا يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظّمون المشاعر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} بفتح النون في (شنَآنُ)، وقرأ ابن عامر بسكون النون. 2 - قرأ الجمهور {أَن صَدُّوكُمْ} أي من أجل أن صدوكم، وقرأ ابن كثير بالكسر (إن صدوكم) على أنها شرطية. 3 - قرأ الجمهور {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} بضم الباء، وقرأ أبو رزين (السّبْعُ) بسكون الباء. 4 - قرأ الجمهور {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} بضم الصاد، وقرأ الحسن (النّصْب) بسكون الصاد. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: نهى الله تعالى عن التعرض للهدي ثم خصّ بالذكر (القلائد) أي ذوات القلائد فيكون هذا من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98] للتنبيه على زيادة الشرف والفضل، ويجوز أن يكون المراد القلائد نفسها، فنهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي لا تحِلّوا قلائدها فضلاً عن أن تحلوها كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} تفسير : [النور: 31] نهى عن إبداء الزينة مبالغة عن إبداء مواقعها. اللطيفة الثانية: جرت سنة الجاهلية على مبدأ العصبيّة العمياء (حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) تفسير : وهو المبدأ الذي عبّر عنه الشاعر الجاهلي بقوله: شعر : وهل أنا إلاّ من غُزَيَّة إن غوتْ غويتُ وإن ترشد غُزيةُ أرشد تفسير : وجاء الإسلام بهذا المبدأ الإنساني الفاضل الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} تفسير : [المائدة: 2] وشتان شتّان بين هذين المبدأين!! اللطيفة الثالثة: الاستقسام بالأزلام أي بالقداح، وقد كانوا في الجاهلية إذا أرادوا سفراً، أو غزواً، أو تجارةً أو نكاحاً، أو اختلفوا في أمر نسبٍ، أو أمر قتيل، أو تحمل عقل، أو غير ذلك من الأمور العظام، جاءوا إلى (هُبل) أعظم أصنامهم بمكة وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح، حتى يجيلُها لهم ويستشيروا آلهتهم (الأصنام) فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج نهاني ربي لم يفعلوا، وإن خرج غُفْل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب عليهم، فنهاهم الله عن ذلك وسمّاه فسقاً. اللطيفة الرابعة: في قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} لم يرد يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية كقول الرجل: كنتُ بالأمس شاباً وأنا اليوم أشْيَبُ، فلا يريد بالأمس الذي قبل اليوم، ولا باليومِ اليوم الذي هو فيه، بل يريد به الزمان الماضي والحاضر. اللطيفة الخامسة: نزلت هذه الآية الكريمة {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، في يوم جمعة، فكان ذلك اليومُ عيداً على عيد، روي أن رجلاً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أيَّ آية تعني؟ قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. وروي أنه لما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، وإنه لا يكمل شيء إلا نقص، فقال: صدقت، فكانت هذه الآية نَعيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لبث بعد ذلك إلاّ إحدى وثمانين يوماً. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالعقود في الآية الكريمة؟ قال بعض العلماء: المراد بالعقود عقود الدّيْن والمعاملة، وهي ما عقده الإنسان على نفسه من بيع، وشراء، وإجارة، وغير ذلك ممّا يتعامل به الناس، وهو قول الحسن. وقال آخرون: المراد بها عقود الشريعة من حج، وصيام، واعتكاف، وقيام، ونذور وما أشبه ذلك من الطاعات، وهو قول ابن عباس ومجاهد، ورجّحه الطبري. والصحيح كما قال القرطبي وجمهور المفسرين أن المراد بالعقود ما يشمل عقود المعاملة وعقود الشريعة وهي التكاليف والواجبات الشرعية التي فرضها الله على عباده، وما أُحل وحرّم عليهم. قال القرطبي: قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقد بعضكم على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم، وهو الصحيح في الباب، لقوله عليه السلام: "المؤمنون عند شروطهم". الحكم الثاني: المحرمات من الأنعام التي أشارت إليها الآية الكريمة. ذكرت الآية الكريمة المحرمات من الأنعام بالتفصيل وهي (الميتة، الدم، لحم الخنزير، ما ذبح للأصنام أو ذكر عليه اسم غير الله، المنخنقة، الموقوذة، المتردية، النطيحة، فما أكله السبع أي ما افترسه ذو ناب وأظفار كالذئب والأسد) وقد استثنى الباري جل وعلا من (الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكله السبع) ما أدركه الإنسان حياً فذكاه التذكية الشرعية. وقد اختلف الفقهاء في الذكاة هل تحل هذه الأنواع التي لها حكم الميتة؟ فالمشهور من مذهب الشافعية وهو مذهب الحنفية أن الحيوان إذا أُدرك وبه أثر حياة كأن يكون ذنبه يتحرك، أو رجله تركض ثم ذَكّي فهو حلال. وقال بعضهم: يشترط في الحياة أن تكون مستقرة، وهي التي لا تكون على شرف الزوال، وعلامتها على ما قيل: أن يضطرب بعد الذبح لا وقته. وروي عن مالك أنه إذا غلب على الظن أنه يهلك فلا يحل ولا يؤثر فيه الذكاة، وروي عنه قول آخر مثل قول الشافعية والحنفية أنه يحلّ إذا كان به أدنى ما يدرك به الذكاة. وسبب الخلاف بين الفقهاء هو الاستثناء في الآية الكريمة {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} هل هو استثناء متصل أم منقطع؟ فمن رأى أنه متصل يرى أنه أخرج من حكم التحريم ويكون معنى الآية: إلاّ ما أدركتموه وفيه بقية حياة وذكيتموه فإنه حلال لكم أكله. ومن رأى أنه منقطع يرى أن التذكية لا تحلّ هذه الأنواع، وأن الاستثناء من التحريم لا من المحرمات، ومعنى الآية: حرّم عليكم سائر ما ذكر لكن ما ذكيتم مما أحله الله تعالى بالتذكية فإنه حلال لكم. والراجح أن الاستثناء متصل لأنه لو تردى الحيوان ولم يمت ثم ذبح بعد أيام جاز أكله باتفاق فلا وجه للقول الآخر والاستثناء المتصل على ما تقدم يرجع إلى الأصناف الخمسة من المنخنقة وما بعدها، وهو قول علي وابن عباس والحسن، وقيل: إنه خاص بالأخير، والأول أظهر. الحكم الثالث: كيف تكون الذكاة الشرعية؟ أ - قال مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. ب - وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين، لأنهما مجرى الطعام والشراب. جـ - وقال أبو حنيفة: يجزئ قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. والتفصيل في كتب الفقه، إلا أن مالكاً وأبا حنيفة اعتبروا الموت على وجهٍ يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال - وهو اللحم - من الحرام، وذلك بقطع الأوداج التي يسيل منها الدم لقوله عليه السلام: "حديث : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ". تفسير : وأما الآلة التي تجوز بها الذكاة فهي كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج سوى السن والظفر. وأجاز أبو حنيفة الذكاة بالسن والظفر إذا كانا منزوعين. فأما البعير إذا توحش، أو تردّى في بئر، فهو بمنزلة الصيد ذكاته عقْرُه، لما رواه البخاري والنسائي وأبو داود عن (رافع بن خديج) قال:حديث : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره، فندّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجلٌ بسهم فحبسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا . تفسير : وقال مالك: ذكاتُه ذكاةُ المقدور عليه. قال الإمام أحمد: لعلّ مالكاً لم يسمع حديث رافع بن خديج. وقد تأويل ابن العربي في تفسيره "أحكام القرآن": الحديث بأن مفاده جواز حبس ما ندّ من البهائم بالرمي وغيره، لأنّ ذلك ذكاة لها، وأنه لا بدّ من الذبح للأنعام. الحكم الرابع: حكم صيد السباع والجوارح. دلّ قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} أي معلمين لها الصيد، على جواز أكل ما صاده سباع البهائم والجوارح، كالكلب والفَهْد، والصقر والبازي، بشرط أن يكون الحيوان أو الطير معلّماً. وقد اتفق الفقهاء على جواز صيد كل كلب معلّم لقوله عليه السلام لعدي بن حاتم: "حديث : إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك، فإن أكل منه فلا تأكل ". تفسير : وشرط بعضهم في الكلب المعلّم شروطاً ينبغي أن تتوفر حتى يحل صيده منها: 1 - أن يكون معلّماً يجيب إذا دعي، وينزجر إذا زجر لقوله تعالى: {تُعَلِّمُونَهُنَّ}. 2 - أن لا يأكل من صيده الذي صاده لقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}. 3 - أن يذكر اسم الله تعالى عند إرساله لقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وذكرت اسم الله تعالى ". تفسير : 4- أن يكون الذي يصيد بهذا الحيوان مسلماً، وشرط بعضهم ألا يكون الكلب أسود. وفي بعض هذه الشروط خلاف بين الفقهاء يعلم من كتب الفقه والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جَعفر قالَ: حدثنا عليُّ بن أَحمد، قال: حدثنا عطاءُ بن السائب عن أَبي خالد الواسطي عن الإِمام زيد بن علي عليهما السلامُ في قَولِهِ تَعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} معناهُ فِي العهودِ وهي خَمسةُ عُقُودٍ: عُقْدَةُ الإِيمانِ، وعُقْدَةُ النِّكاحِ، وعُقْدَةُ العَهدِ وعُقْدَةُ البَيعِ. وعُقْدَةُ الحِلفِ. تفسير : وقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ [بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ]} يُريدُ بِهِ الإِبلَ، والبَقَرَ، والغَنَم.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} هذه السورة مدنية نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية ومنها ما نزل في حجة الوداع ومنها ما نزل عام الفتح وكل ما نزل بعد الهجرة بالمدينة أو في سفر أو بمكة فهو مدني ومناسبة افتتاحها لآخر ما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر استفتاءهم في الكلالة وأفتاهم فيها ذكر أنه يبين لهم كراهة الضلال فبين في هذه السورة احكاماً كثيرة هي تفصيل لذلك المجمل أوفوا، يقال: وفي وأوفا ووفا. والعقود جمع عقد وهو ما التزمه الانسان من مطلوب شرعي وهو عام يندرج تحته ما ربط الانسان على نفسه أو مع صاحب له. مما يجوز شرعاً وأصل العقود في الإِجرام ثم توسع فيه فأطلق في المعاني. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} هذا تفصيل بعد عموم. وبهيمة الانعام هي الانعام نفسها أو ما يشبهها من الوحش المباح أكله كالظباء والمها وبقر الوحش والابل والأرنب مما لا ناب له. {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} هذا استثناء من بهيمة الانعام. وما يتلى عليكم مبهم مفسر بقوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ}تفسير : [المائدة: 3]. الآية. وبما ثبت في السنة تحريمه. وما في موضع نصب لأنه استثناء من موجب، وهو قوله: {أُحِلَّتْ}. وموضع ما نصب على الاستثناء ويجوز الرفع على الصفة لبهيمة. وقال ابن عطية: وأجاز بعض الكوفيين أن تكون في موضع رفع على البدل وعلى أن تكون إلا عاطفة، وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو قولك: جاء الرجال إلا زيد، كأنك قلت: غير زيد. "انتهى". وهذا الذي حكاه عن بعض الكوفيين من أنه في موضع رفع على البدل لا يصح البتة، لأن الذي قبله موجب فكما لا يجوز: قام القوم إلا زيد، على البدل، كذلك لا يجوز البدل في: إلا ما يتلى، وأما كون إلا عاطفة فهو شيء ذهب إليه بعض الكوفيين كما ذكر ابن عطية. وقوله: وذلك لا يجوز عند البصريين ظاهره الإِشارة إلى وجهي الرفع البدل والعطف، وقوله: إلا من نكرة هذا الاستثناء مبهم لا ندري من أي شيء هو، وكلا وجهي الرفع لا يصلح أن يكون استثناء منه لأن البدل من الموجب لا يجيزه أحد علمناه لا بصري ولا كوفي. وأما العطف فلا يجيزه بصري البتة وإنما الذي يجيزه البصريون أن يكون نعتاً لما قبله في مثل هذا التركيب وشرط فيه بعضهم ما ذكر من أنه يكون المنعوت نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس فلعل ابن عطية اختلط عليه البدل والنعت فلم يفرق بينهما في الحكم ولو فرضنا تبعية ما بعد إلا لما قبلها من الإِعراب على طريقة البدل حيث يسوغ ذلك، لم يشترط تنكير ما قبل إلا ولا كونه مقارباً للنكرة من أسماء الأجناس لأن البدل والمبدل منه يجوز اختلافهما بالتنكير والتعريف. {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} اتفق الجمهور على نصب غير، واتفق من وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين على أنه منصوب على الحال، واختلفوا في صاحب الحال. فقال الأخفش: هو ضمير الفاعل في أوفوا. وقال الجمهور: الزمخشري وابن عطية وغيرهما هو الضمير المجرور في أحل لكم. وقال بعضهم: هو الفاعل المحذوف من: أحل المقام مقامه المفعول به وهو الله. وقال بعضهم: هو الضمير المجرور في عليكم. ونقل القرطبي عن البصريين أن قوله: إلا ما يتلى عليكم هو استثناء من بهيمة الانعام وان قوله: غير محلي الصيد استثناء آخر منه، فالاستثناءان معاً هما من بهيمة الانعام وهي المستثنى منها والتقدير إلا ما يتلى عليكم الا الصيد وأنتم محرمون بخلاف قوله: {أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} تفسير : [الحجر: 58، الذاريات: 32]، على أن يأتي بيانه وهو قول مستثنى مما يليه من الاستثناء قال: ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإِحرام لأنه مستثنى من المحظور إذ كان إلا ما يتلى عليكم مستثنى من الإِباحة وهذا وجه ساقط فإِذن معناه أحلت لكم بهيمة الانعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد. قال ابن عطية: وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب غير وقدروا تقديرات وتأخيرات وذلك كله غير مرضيّ لأن الكلام على إطراده متمكن استثناء بعد استثناء. انتهى كلامه. وهو أيضاً ممن خلط على ما نبيّنه، فاما قول الأخفش ففيه الفصل بين ذي الحال والحال بجملة غير اعتراضية بل هي منشئة أحكاماً وذلك لا يجوز وفيه تقييد الإِيفاء بالعقود بانتفاء إحلال الموفين الصيد وهم حرم وهم مأمورون بإِيفاء العقود بغير قيد، ويصير التقدير أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلين الصيد وأنتم حرم فإِذا لم توجد هذه الحال فلا توفوا بالعقود. واما قول الجمهور فهو مردود من هذا الوجه الأخير إذ يصير المعنى أحلت لكم بهيمة الانعام في حال انتفاء كونكم تحلون الصيد وأنتم حرم وهم قد أحلت لهم بهيمة الانعام في هذه الحال وفي غيرها من الأحوال إذا أريد ببهيمة الانعام أنفسها وإن أريد بها الظباء وبقر الوحش وحمرة. فيكون المعنى وأحل لكم هذه في حال انتفاء كونكم تحلون الصيد وأنتم حرم، وهذا تركيب قلق معقد ينزه القرآن أن يأتي فيه مثل هذا، ولو أريد بالآية هذا المعنى لجاء على أفصح تركيب وأحسنه. وأما قول من جعله حالاً من الفاعل وقدره وأحل الله لكم بهيمة الانعام غير محل لكم الصيد وأنتم حرم قال كما تقول: أحل لكم كذا غير مبيحة لك يوم الجمعة وهو فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا التركيب يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه. لو قلت: أنزل المطر للناس مجيباً لدعائهم إذ الأصل أنزل الله المطر مجيباً لدعائهم لم يجز وخصوصاً على مذهب الكوفيين ومن وافقهم من البصريين لأن صيغة الفعل المبني للمفعول صيغة وضعت أصلاً كما وضعت صيغته مبنياً للفاعل وليست مغيرة من صيغة بنيت للفاعل ولأنه بتقييد إحلاله تعالى بهيمة الانعام إذا أريد بها ثمانية الا الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصيد وهم حرم وهو تعالى قد أحلها في هذه الحال وفي غيرها. وأما قول من جعله حالاً من الضمير في عليكم فالذي يتلى لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم بل هو ما يتلى عليهم في هذه الحال وفي غيرها. وأما ما نقله القرطبي عن البصريين فإِن كان النقل صحيحاً فهو يتخرج على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى فنقول: إنما عرض الإِشكال في الآية من جعلهم غير محلي الصيد حالاً من المأمورين بإِيفاء العقود أو من المحلل لهم أو من المحلّل وهو الله أو من المتلو عليهم وغرهم في ذلك كونه كتب محلي بالياء وقدروه هم انه اسم فاعل من أحل وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول وأنه جمع حذف منه النون للإِضافة وأصله غير محلين الصيد وأنتم حرم إلا في قول من جعله حالاً من الفاعل المحذوف فلا يقدر فيه حذف النون بل حذف التنوين وإنما يزول الاشكال ويتضح المعنى بأن يكون قول: محلي الصيد من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان، فكذلك هذا أصله غير الصيد المحل والمحل، صفة للصيد لا للناس ولا للفاعل المحذوف ووصف الصيد بأنه محل على وجهين، أحدهما: أن يكون معناه دخل في الحل كما تقول: أحل الرجل، أي دخل في الحل، وأحرم دخل في الحرم. والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حل أي حلالاً بتحليل الله، وذلك أن الصيد على قسمين حلال وحرام ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال ألا ترى إلى قول بعضهم أنه ليصيد الأرانب حتى الثعالب لكنه يختص به شرعاً وقد تجوزت العرب وأطلقت الصيد على ما لا يوصف بحل ولا حرمة نحو قول الشاعر: شعر : ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقاً تفسير : وعثّر اسم موضع. وقال آخر: شعر : وقد ذهبت سلمى بعقلك كله فهل غير صيد أحرزته حبائله تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : وهو نضيد قلوب الرجال وأفلت منها ابن عمر وحجر تفسير : ومجيء أفعل البلوغ على الوجهين المذكورين كثير من لسان العرب فمن مجيىء أفعل البلوغ المكان ودخوله قولهم: أحرم الرجل وأعرق وأشأم وأيمن وأتهم وأنجد إذا بلغ هذه المواضع وحل بها. ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم: أعشبت الأرض وأبقلت وأغدّ البعير وألبنت الشاة وغيرها، وأجرت الكلبة وأصرم النخل وأبلت الناقة وأحصد الزرع وأجرب الرجل وانجبت المرأة. وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل اتضح كونه استثناء ثانياً، ولا يكون استثناء من استثناء إذ لا يمكن ذلك لتناقض الحكم لأن المستثنى من المحلل محرم والمستثنى من المحرم محلل. بل إذا كان المعنى بقوله: بهيمة الانعام الانعام أنفسها فيكون استثناء منقطعاً وإن كان المراد الظباء وبقر الوحوش وحمرة ونحوها فيكون استثناء متصلاً على أحد تفسيري المحل استثناء الصيد الذي بلغ الحل في حال كونهم محرمين. فإِن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً؟ قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم وإنما يحل لغير المحرم الصيد الذي في الحل، ففيه بأنه إذا كان الصيد الذي في الحل يحرم على المحرم وإن كان حلالاً لغيره فأجرى أن حرم عليه الصيد الذي هو بالحرم. وعلى هذا التفسير يكون قوله: إلا ما يتلى عليكم، إن كان المراد به ما جاء بعده من قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ}تفسير : [المائدة: 3]، الآية. استثناء منقطعاً إذ لا تختص الميتة وما ذكر معها بالظباء وحمر الوحش وبقرة ونحوها فتصير لكن ما يتلى عليكم أي تحريمه فهو محرم. وإن كان المراد ببهيمة الانعام الانعام والوحوش فيكون الاستثناء ان راجعين إلى المجموع على التفصيل، فيرجع إلا ما يتلى عليكم إلى ثمانية الأزواج، ويرجع غير محلي الصيد إلى الوحوش، إذ لا يمكن أن يكون الثاني استثناء من الاستثناء الأول وإذا لم يمكن ذلك وأمكن رجوعه إلى الأول بوجه ما جاز. وقد نص النحويون على أنه لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض كانت كلها مستثنيات من الاسم الأول نحو قولك: قام القوم إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً. فإِن قلت: ما ذكرته من هذا التخريج الغريب وهو أن يكون المحل من صفة الصيد لا من صفة الناس ولا من صفة الفاعل المحذوف يعكر عليه كونه كتب في رسم المصحف بالياء، فدل ذلك على أنه من صفات الناس إذ لو كان من صفة الصيد لم يكتب بالياء وكون القراء وقفوا عليه بالياء يأبى ذلك أيضاً. قلت: لا يعكر على هذا التخريج لأنهم كتبوا كثيراً من رسم المصحف على ما يخالف النطق نحو: كتبهم لا أذبحنه ولا أوضعوا منه بألف بعد لام الألف، وكتبهم بأييد بياءين بعد الألف، وكتبهم أولئك بواو بعد الألف ونقصهم منه ألفاً، وكتبهم الصلحت ونحوه بإِسقاط الفين. وهذا كثير في الرسم وأما وقفهم عليه بالياء فلا يجوز لأنه لا يوقف على المضاف دون المضاف إليه وإنما قصدوا بذلك الاختبار أو بتقطع النفس فوقفوا على الرسم كما وقفوا على سندع من قوله تعالى: {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}تفسير : [العلق: 18]، من غير واو اتباعاً للرسم على أنه يمكن توجيه كتبه بالياء والوقف عليه بها بأنه جاء ذلك على لغة الازد إذ يقفون على بزيدي بإِبدال التنوين ياء فكتب محلي بالياء على الوقف على هذه اللغة وهذا توجيه شذوذ رسمي ورسم المصحف مما لا يقاس عليه. وقرأ ابن أبي عبلة غير بالرفع وأحسن ما يخرج عليه أن يكون صفة لقوله: بهيمة الانعام، ولا يلزم من الوصف بغير ان يكون ما بعدها مماثلاً للموصوف في الجنسية ولا يضر الفصل بين النعت والمنعوت بالاستثناء وخرج أيضاً على الصفة للضمير في يتلى. قال ابن عطية: لأن غير محلي الصيد هو في المعنى بمنزلة غير مستحل إذا كان صيداً. "انتهى". ولا يحتاج إلى هذا التكليف على تخريجنا محل الصيد وأنتم حرم، جملة حالية. وحرم: جمع حرام. ويقال: أحرم الرجل أي دخل في الإِحرام بحج أو عمرة أو بهما فهو محرم. وحرام وأحرم الرجل دخل في الحرم. قال الشاعر: شعر : فقلت لها فيىء إليك فإنن حرام وإني بعد ذلك لبيبُ تفسير : أي ملب. ويحتمل الوجهين قوله: وأنتم حرم إذ الصيد يحرم على من كان في الحرم وعلى من كان كان أحرم بالحج أو العمرة وهو قول الفقهاء، وقال الزمخشري: وأنتم حرم حال من محلي الصيد، كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الانعام في حال امتناعكم عن الصيد وأنتم محرمون لئلا يتحرج عليكم. "انتهى". وقد بينا فساد هذا القول بأن الانعام مباحة مطلقاً لا بالتقييد بهذه الحال. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} هذه الجملة جاءت مقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب من الأمر بإِيفاء العقود وتحليل بهيمة الانعام والاستثناء منها ما يتلى تحريمه مطلقاً في الحل والحرم إلا في الاضطرار واستثناء الصيد في حالة الإِحرام، وتضمن ذلك حله لغير المحرم. فهذه خمسة أحكام ختمها بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}، فموجب الحكم والتكليف هو إرادته لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه، لا ما تقوله المعتزلة من مراعاة المصالح.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم الوفاء بالعهدو والعقود الموضوعة فيكم لإصلاح حالكم {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} واظبوا على إقامة الحدود، وداوموا على محافظة المواثيق التي وضعها الحق بينكم؛ لتدبر أمور معاشكم ومعادكم من جملتها أنها {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} وهي الأزواج الثمانية وما يشبهها؛ تقويماً لمزاجكم وتقيوة له؛ ليتمكنوا على إتيان ما كلفوا به {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} في كتاب الله تحريمه حال كونكم {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} مطلقاً {وَأَنْتُمْ} في تلك الحالة {حُرُمٌ} محرمين للحج، مأمورين بحبس القوى الشهوية والغضبية عن مقتضياتهما، بل معطلين لها حتى تتكنوا، وتقدروا على الموت الإرادي {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح عباده {يَحْكُمُ} بمقتضى حكمته ومصلحته {مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1] لهم من التحليل والتحريم بحسب الأوقات والحالات، لا يسأل عن فعله ، بل لا بد لكم الانقياد؛ تعبداً، سيما في أعمال الحج. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله؛ طاعةً وتعبداً، مقتضى إيمانكنم أن {لاَ تُحِلُّواْ} وتبيحوا لأنفسكم {شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} أي: حرمات الله التي حرمها سبحانه في أيام الحج؛ تعظيماً لأمره وتوقيراً لبيته {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي: لا تحلوا قواكم الحيوانية عن الحبس والزجر في الأزمنة التي حرم سبحانه إطلاقها فيها؛ تعظيماً لبيته {وَلاَ} تبيحوا أيضاً لأنفسكم {ٱلْهَدْيَ} أي: التعرض لما أُهدي إلى البيت قبل بلوغه إلى كله {وَ} أيضاً {لاَ} يتعرضوا {ٱلْقَلاۤئِدَ} وهي ما يعلم، ويقلد بقلادة دالة على أنه من هدايا بيت الله على ما هو من عادة العرب. {وَ} عليكم أن {لا} تتعرضوا، وتتقاتلوا مع المؤمنين الموقنين الذين توجهوا نحو الكعبة الحقيقة، وأرادوا أن يخرجوا عن بقعة الإمكان، فدخلوا في طريق المجاهدة وسلكوا نحو الوجوب؛ تقرباً وتشوقاً، مع كونهم {ۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} قاصدين التقرب والتحقق بكعبة الذات، والوقوف بعرفات الأسماء والصفات؛ إذ لا بد من وقوفها لمن قصد زيارة بيت الله الأعظم، بل الركن الأصلي لزيارة بيت الله، وهي هنا الوقوف عند المنجذبين نحو الحق من طريق المجاهدة المستتبعة للكشف والمشاهدة لأهل العناية. وأما المنجبون نحوه بالاستغناء والاستغراق التام الذي لا يحوم حله شائبة من الكثرة أصلاً، فهم في مقعد صدق عن مليك مقتدر، حال كونهم {يَبْتَغُونَ} ويطلبون هؤلاء الزوار التحقق بهذه المرتبة العليَّة، والمنزلة السنيَة {فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} بلا وسائق الأعمال والنسك، ووسائق المأمورات والمنهيات {وَ} يطلبون أيضاً من فضل الله {رِضْوَاناً} رضاً من جانب الحق، وتحسيناً من قبله فيما يأتونه من الشعائر المكتوبة في الحي الحقيقي؛ إذ لا وثوق للعبد سوى الرضا منك يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} قوى حيوانيتكم عن عقال التكاليف المفروضة في الحج بخروج أيامها وأوقاتها مع متمماتها {فَٱصْطَادُواْ} أي: أبيحوا على أنفسكم اصطياد ما أحلَّ الله لكم من صيد البر والبحر {وَ} بعدما علمتم فوائد الحج، وعرفتم عرفانه ومناسكه {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} أي: لا يوقعنَّم في الجريمة العظيمة بغض قوم إياكم، وخوفكم منهم إلى {أَن صَدُّوكُمْ} وصرفوكم {عَنِ} التوجه نحو {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الذي حرمت عنده سجود السوى والأغيار مطلقاً. فعليكم أيها القاصدون زيارة الكعبة المعظمة، والقبلة المكرمة التي هي بيت الوحدة {أَن تَعْتَدُواْ} وتتمنوا، وتعتادوا على المقاتلة، والمقاتلة مع الكفار إنما يغني عن الزيارة من القوى الشهوية والغضبية، والمستلذات الخالية الواهية {وَتَعَاوَنُواْ} استنصورا {عَلَى} جنود {ٱلْبرِّ} المورث للرجاء، وحسن الظن بربكم {وَ} على جنود {ٱلتَّقْوَىٰ} المشعر للخوف من قهر الله وغضبه {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ} الخصلة الذميمة عقلاً وشرعاً {وَٱلْعُدْوَانِ} أي: التجاوز عن الحدود الشرعية - العياذ بالله - {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أن تجترئوا عليه بنقض عهوده ، ومجاوزة حدوده {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر على كل ما يريد {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [المائدة: 2] أليم العذاب لمن ظلم نفسه بالإثم والعدوان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} [المائدة: 1]، والإشارة أن سماع اسم: "الله" فهو اسم ذات الألوهية يوجب الهيبة والعظمة والفناء والغيبة من شأنهما، وسماع: "الرحمن الرحيم"، وهما من صفات لطفه يوجب الحضور والأوبة، ومن شأنهما البقاء والقربة، فمن أسمعه: بسم الله غيبه في كشف جلاله، ومن أسمعه: "الرحمن الرحيم"؛ غشيه بلطف أفضاله، ثم خاطبهم بخطاب الأولياء وعاتبهم عتاب الأحباء، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالتوحيد عند امتحان {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]؛ إذ {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} [المائدة: 1] التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق، وهذه عهود أهل الوفاق والنفاق أوفوا بالعهود أيها العشاق وعهود قبل وجودهم وإشهادهم وبشهودهم وعقودهم على بذل وجودهم لنيل مقصودهم عاقدوا على عهدهم، يحبهم ويحبونه ولا يحبون معه دونه، فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والحمد فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} [المائدة: 1] أي: ذبح بهيمة النفس التي هي كالأنعام في طلب المرام، {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] يعني: أيتها النفس المطمئنة التي تُليت عليها: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، فإنها تنفرت من الدنيا وما فيها فإنها كالضيف في الحرم وأنتم حرم بالتوجه إلى كعبة الوصال بإحرام الشوق إلى حضرة الجمال، والجمال متجردين من كل مرغوب ومربوب متفردين من كل محبوب ومطلوب. {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ} [المائدة: 1] بذبح النفس إذا كانت موصوفة بصفة البهيمية ترتع في مراتع الحيوان السفلية، ويحكم بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع إلى حضرة الربوبية عند اطمئنانها مع الحق واتصافها بالصفات العلوية لمن يريد {مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]. ثم أخبر أن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} [المائدة: 2]، والإشارة مع سلاطين الدين وملوك السلوك الذين خرجوا عن أوطان الأوطان وسافروا عن ديار الأغيار وسلكوا بوادي الشهوات، وعبروا عن منازل المهلكات، وتجردوا عن حظوظ الدنيا، وتفردوا لحقوق العقبى وأحرموا لطواف كعبة المولى، فقال: يا أيها الذين آمنوا بشهود القلوب لقصد زيارة المحبوب لا تحلوا شعائر الله مناسك الوصول إلى الله تعالى، فهي معالم الدين والشريعة وآداب الطريقة بإشارة أرباب الحقيقة فإنهم أولى بهذا الطريق وحضراء هذا الفريق. {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} [المائدة: 2]، إشارة إلى تعظيم عظمة الله تعالى من الزمان والمكان والإخوان، {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} [المائدة: 2]، وهم القاصدون إلى الله تعالى، الصادقون في طلب الله، عليكم بالرفق في مرافقتهم والتزام الصدق في موافقتهم، {يَبْتَغُونَ} [المائدة: 2] الوصول، {فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} [المائدة: 2]، رافقوهم وكونوا إخواناً، أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا من مكر الأعداء الخبيثة، {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} [المائدة: 2]، لإتمام الحج وقضاء مناسك الوصول، {فَٱصْطَادُواْ} [المائدة: 2]، أرباب الطلب بشبكة الدعوى إلى الله تعالى. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [المائدة: 2]، يعني: لا يحملنكم حسد الحساد وقصد القضاء والذين يريدون أن يصدوكم عن الحق ويمنعوكم بالحسد عن دعوة الحق {أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة: 2]، على الطالبن الصادقين بالبعد عنهم وردهم عن الإرادة فتكونوا قطاع الطريق في طلب الحق. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ} [المائدة: 2]، وهو التفرد للحق بما شرح الله تعالى صدره؛ {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 177]. {وَٱلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 2]، وهو الخروج عما سوى الله؛ فإن الوصول لا يمكن إلا بها، ولهذا قال من قال: خطوتان وقد وصلت ولا يمكن للمريد الصادق أن يتحلى بهاتين الخطوتين إلا بمعاونة شيخ كامل مكتمل واصل موصل. {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ} [المائدة: 2]، بالتهاون في دعوة العوام وتربية الخواص من الطلبة، {وَٱلْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، بأن تكلوهم إلى أنفسهم في إضاعة بضاعتهم وإفساد استعدادهم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 2]، في القيام بحقوق التعظيم لأمر الله ورعاية حقوق الشفعة على خلق الله، {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [المائدة: 2]، لمن يعاقبه بالخذلان ويعاقبه بالهجران.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع. فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها. ثم قال ممتنا على عباده: { أُحِلَّتْ لَكُمْ } أي: لأجلكم، رحمة بكم { بَهِيمَةُ الأنْعَامِ } من الإبل والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ونحوها من الصيود. واستدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي يموت في بطن أمه بعدما تذبح. { إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } تحريمه منها في قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ } تفسير : إلى آخر الآية. فإن هذه المذكورات وإن كانت من بهيمة الأنعام فإنها محرمة. ولما كانت إباحة بهيمة الأنعام عامة في جميع الأحوال والأوقات، استثنى منها الصيد في حال الإحرام فقال: { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدا، كالظباء ونحوه. والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش. { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } أي: فمهما أراده تعالى حكم به حكما موافقا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود لحصول مصالحكم ودفع المضار عنكم. وأحل لكم بهيمة الأنعام رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من ذوات العوارض، من الميتة ونحوها، صونا لكم واحتراما، ومن صيد الإحرام احتراما للإحرام وإعظاما.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 232 : 1 : 1 - حدثنا سفين عن قابوس بن أبي ظبيان قال، ذبحنا بقرة. فوجدنا في بطنها ولداً ميتاً. فسألنا عن ذلك أبا ظبيان. فقال: قال بن عباس، هذه "بهيمة الأنعام" [الآية 1].

همام الصنعاني

تفسير : 666- حدّثنا الخشني، قال: حدّثنا سلمة بن شيب، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتَادة في قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}: [الآية: 1]، قال: بالعهود وهي عقود الجاهلية، الحَلْف. 667- عبد الرزاق، قال: حدّثنا مَعْمَر، عن قَتادة، في قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}: [الآية : 1]، قال: الأنعام كلها، {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}. 668- عبد الرزاق، قال: مَعْمَر، وقال قَتَادة: إلاَّ الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.