٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْىَ وَلاَ القلائد ولا آمين البيت الحرام}. اعلم أنه تعالى: لما حرم الصيد على المحرم في الآية الأولى أكد ذلك بالنهي في هذه الآية عن مخالفة تكاليف الله تعالى فقال: {يُرِيدُ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ }. وأعلم أن الشعائر جمع، والأكثرون على أنها جمع شعيرة. وقال ابن فارس: واحدها شعارة، والشعيرة فعيلة بمعنى مفعلة، والمشعرة المعلمة، والأشعار الأعلام، وكل شيء أشعر فقد أعلم، وكل شيء جعل علماً على شيء أن علم بعلامة جاز أن يسمى شعيرة، فالهدي الذي يهدى إلى مكة يسمى شعائر لأنهت معلمة بعلامات دالة على كونها هدياً. واختلف المفسرون في المراد بشعائر الله، وفيه قولان: الأول: قوله {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } أي لا تخلوا بشيء من شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم، وعلى هذا القول فشعائر الله عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين، ويقرب منه قول الحسن: شعائر الله دين الله. والثاني: أن المراد منه شيء خاص من التكاليف، وعلى هذا القول فذكروا وجوهاً: الأول: المراد لا تحلوا ما حرّم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد. والثاني: قال ابن عباس: إن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون المشاعر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } الثالث: قال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج ولا يطوفون بهما، فأنزل الله تعالى: لا تستحلوا ترك شيء من مناسك الحج وائتوا بجميعها على سبيل الكمال والتمام. الرابع: قال بعضهم: الشعائر هي الهدايا تطعن في أسنامها وتقلد ليعلم أنها هدى، وهو قول أبي عبيدة قال: ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحج: 36] وهذا عندي ضعيف لأنه تعالى ذكر شعائر الله ثم عطف عليها الهدى، والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه. ثم قال تعالى: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } أي لا تحلو الشهر الحرام بالقتال فيه. واعلم أن الشهر الحرام هو الشهر الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال فيه، قال تعالى: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } تفسير : [التوبة: 36] فقيل: هي ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فقوله {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } يجوز أن يكون إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس، ويجوز أن يكون المراد هو رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة في هده الصفة. ثم قال تعالى: {وَلاَ ٱلْهَدْىَ } قال الواحدي: الهدي ما أهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، واحدها هدية بتسكين الدال، ويقال أيضاً هدية، وجمعها هدى. قال الشاعر:شعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدى مقلدات تفسير : ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة: 95] وقوله {أية : وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } تفسير : [الفتح: 25]. ثم قال تعالى: {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ } والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد على عنق العبير وغيره وهي مشهورة. وفي التفسير وجوه: الأول: المراد منه الهدى ذوات القلائد، وعطفت على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها أشرف الهدي كقوله {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً الثاني: أنه نهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلاً عن أن تحلوها، كما قال {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} تفسير : [النور: 31] فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواضعها. الثالث: قال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية مواظبين على المحاربة إلا في الأشهر الحرم، فمن وجد في غير هذه الأشهر الحرم أصيب منه، إلا أن يكون مشعراً بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم، أو محرماً بعمرة إلى البيت، فحينئذٍ لا يتعرض له، فأمر الله المسلمين بتقرير هذا المعنى. ثم قال: {وَلاَ آمينَ البيت ٱلْحَرَامَ } أي قوماً قاصدين المسجد الحرام، وقرأ عبد الله: ولا آمي البيت الحرام على الإضافة. ثم قال تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حميد بن قيس الأعرج {تَبْتَغُونَ } بالتاء على خطاب المؤمنين. المسألة الثانية: في تفسير الفضل والرضوان وجهان: الأول: يبتغون فضلاً من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم، كقوله {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [البقرة: 198] قالوا: نزلت في تجاراتهم أيام الموسم، والمعنى: لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح معاشهم ومعادهم، فابتغاء الفضل للدنيا، وابتغاء الرضوان للآخرة. قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك، فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة. والوجه الثاني: أن المراد بفضل الله الثواب، وبالرضوان أن يرضى عنهم، وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب لهما، فيجوز أن يوصف بذلك بناءً على ظنه، قال تعالى: {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} تفسير : [طه: 97] وقال {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49]. المسألة الثالثة: اختلف الناس فقال بعضهم: هذه الآية منسوخة، لأن قوله {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام، وذلك منسوخ بقوله {أية : ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] قوله {وَلاَ آمين البَيْتَٱلْحَرَامَ } يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [البقرة: 28] وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة. وقال الشعبي: لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية. وقال قوم آخرون من المفسرين: هذه الآية غير منسوخة، وهؤلاء لهم طريقان: الأول: أن الله تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين، والدليل عليه أول الآية وآخرها، أما أول الآية فهو قوله {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار، وأما آخر الآية فهو قوله {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً } وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر. الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا }. ثم قال تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ } وفي مسائل: المسألة الأولى: قريء: وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل، وقريء بكسر الفاء وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء. المسألة الثانية: هذه الآية متعلقة بقوله {أية : غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة: 1] يعني لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام، فإذا زال الاحرام وجب أن يزول المنع. المسألة الثالثة: ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد ههنا إلا الإباحة. وكذا في قوله {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الجمعة: 10] ونظيره قول القائل: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها، أي فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر ههنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: هذا معطوف على قوله {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } إلى قوله {وَلاَ آمين البيت ٱلْحَرَامَ } يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به. وليس للناس أن يعين بعضهم بعضاً على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضاً على ما فيه البر والتقوى، فهذا هو المقصود في الآية. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» {جَرَمَ } يجري مجرى كسب في تعديه تارة إلى مفعول واحد، وتارة إلى إثنين، تقول: جرم ذنباً نحو كسبه، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه، ويقال: أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم: أكسبته ذنباً، وعليه قراءة عبد الله {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } بضم الياء، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين. والثاني: أن تعتدوا، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. المسألة الثالثة: الشنآن البغض، يقال: شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ. ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها، ويقال: رجل شنآن وامرأة شنآنة مصروفان، ويقال شنآن بغير صرف، وفعلان قد جاء وصفاً وقد جاء مصدراً. المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وإسماعيل عن نافع بجزم النون الأولى، والباقون بالفتح. قالوا: والفتح أجود لكثرة نظائرها في المصادر كالضربان والسيلان والغليان والغشيان، وأما بالسكون فقد جاء في الأكثر وصفاً. قال الواحدي: ومما جاء مصدراً قولهم: لويته حقه ليانا، وشنان في قول أبي عبيدة. وأنشد للأحوص.شعر : وإن عاب فيه ذو الشنان وفندا تفسير : فقوله: ذو الشنان على التخفيف كقولهم: إني ظمان، وفلان ظمان، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على ما قبلها. المسألة الخامسة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {إن صَدُّوكُمْ } بكسر الألف على الشرط والجزاء والباقون بفتح الألف، يعني لأن صدوكم. قال محمد بن جرير الطبري: وهذه القراءة هي الاختيار لأن معنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، وهذه السورة نزلت بعد الحديبية، وكان هذا الصد متقدماً لا محالة على نزول هذه الآية. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ } والمراد منه التهديد والوعيد، يعني اتقوا الله ولا تستحلوا شيئاً من محارمه إن الله شديد العقاب، لا يطيق أحد عقابه.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث عشرة مسئلة: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} خطاب للمؤمنين حقّاً؛ أي لا تَتَعدَّوا حدود الله في أمر من الأُمور. والشّعائر جمع شَعيرة على وزن فَعِيلة. وقال ٱبن فارس: ويقال للواحدة شِعَارة؛ وهو أحسن. والشعيرة البَدَنة تُهدى، وإشعارها أن يُجَزّ سَنامها حتى يسيل منه الدّم فيعلم أنها هَديٌ. والإشعار الإعلام من طريق الإحساس؛ يقال: أشعر هَدْيه أي جعل له علامة ليُعرف أنه هَدْيٌ؛ ومنه المشاعر المعالم، واحدها مَشعر وهي المواضع التي قد أُشعِرت بالعلامات. ومنه الشّعر؛ لأنه يكون بحيث يقع الشّعور؛ ومنه الشّاعر؛ لأنه يشعر بفطنته لما لا يفطن له غيره؛ ومنه الشّعير لشَعرته التي في رأسه؛ فالشّعائر على قولٍ ما أُشعر من الحيوانات لتُهْدى إلى بيت الله، وعلى قولٍ جميع مناسك الحجّ؛ قاله ٱبن عباس. وقال مجاهد: الصّفا والمَرْوة والهَديُ والبُدْن كل ذلك من الشعائر. وقال الشاعر: شعر : نُقَتِّلهم جِيلاً فجِيلاً تراهُمُ شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بها يُتَقَرَّبُ تفسير : وكان المشركون يَحجّون ويَعتمرون ويُهدون فأراد المسلمون أن يُغيروا عليهم؛ فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}. وقال عطاء بن أبي ربَاح: شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه. وقال الحسن: دين الله كله؛ كقوله: { أية : ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } تفسير : [الحج: 32] أي دين الله. قلت: وهذا القول هو الراجح الذي يقدّم على غيره لعمومه. وقد اختلف العلماء في إشعار الهَدْي وهي: الثانية ـ فأجازه الجمهور؛ ثم ٱختلفوا في أي جهة يُشعَر؛ فقال الشافعي وأحمد وأبو ثَوْر: يكون في الجانب الأيمن؛ ورُوي عن ٱبن عمر. وثبت عن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن؛ أخرجه مسلم وغيره وهو الصحيح. ورُوي أنه أشعر بُدْنه من الجانب الأيسر؛ قال أبو عمر بن عبد البرّ: هذا عندي حديث منكر من حديث ٱبن عباس؛ والصحيح حديث مسلم عن ٱبن عباس، قال: ولا يصح عنه غيره. وصفحة السَّنام جانبه، والسَّنام أعلى الظهر. وقالت طائفة: يكون في الجانب الأيسر؛ وهو قول مالك، وقال: لا بأس به في الجانب الأيمن. وقال مجاهد: من أيّ الجانبين شاء؛ وبه قال أحمد فى أحد قوليه. ومنع من هذا كلّه أبو حنيفة وقال: إنه تعذيب للحيوان، والحديث يردّ عليه؛ وأيضاً فذلك يجري مجرى الوَسْم الذي يُعرف به المِلْك كما تقدّم؛ وقد أوْغَل ٱبن العربي على أبي حنيفة في الردّ وٱلإنكار حين لم ير الإشعار فقال: كأنه لم يسمع بهذه الشّعيرة في الشّريعة! لهي أشهر منه في العلماء. قلت: والذي رأيته منصوصاً في كتب علماء الحنفية الإشعار مكروه من قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنّة بل هو مباح؛ لأن الإشعار لمّا كان إعلاماً كان سنّة بمنزلة التّقليد، ومن حيث أنه جرح ومُثْلَة كان حراماً، فكان مشتملاً على السنّة والبدعة فجُعلَ مباحاً. ولأبي حنيفة أن الإشعار مُثْلَة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروهاً؛ وما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما كان في أوّل الابتداء حين كانت العرب تنتهب كلّ مال إلا ما جُعل هَدْياً، وكانوا لا يعرفون الهَدْي إلا بالإشعار ثم زال لزوال العذر؛ هكذا رُوي عن ٱبن عباس. وحُكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتُريديّ رحمه الله تعالى أنه قال: يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البَضْع على وجه يخاف منه السِّراية، أما ما لم يجاوز الحدّ فُعِل كما كان يُفعَل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حسن؛ وهكذا ذكر أبو جعفر الطَّحاويّ. فهذا ٱعتذار علماء الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في الإشعار، فقد سمعوه ووصل إليهم وعَلِموه؛ قالوا: وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحدٌ محرِما؛ لأن مباشرة المكروه لا تُعدّ من المناسك. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} ٱسم مفرد يدلّ على الجنس في جميع الأشهر الحُرُم وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة سَرْدٌ، يأتي بيانها في «براءة»؛ والمعنى: لا تستحلّوها للقتال ولا للغارة ولا تبدّلوها؛ فإن ٱستبدالها ٱستحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه من النَّسيء؛ وكذلك قوله: {وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} أي لا تستحلّوه، وهو على حذف مضاف أي ولا ذوات القلائد جمع قِلاَدة. فنهى سبحانه عن استحلال الهَدْي جملة، ثم ذكر المقلَّد منه تأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} الهديُ ما أُهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة؛ الواحدة هَدْيَةٌ وهَدِيَّة وهَدْيٌ. فمن قال: أراد بالشّعائر المناسك قال: ذكر الهَدْي تنبيهاً على تخصيصها. ومن قال: الشّعائر الهدي قال: إن الشعائر ما كان مُشعَرا أي مُعْلَما بإسالة الدّمِ من سَنامه، والهديُ ما لم يُشعَر، ٱكتفى فيه بالتقليد. وقيل: الفرق أن الشعائر هي البُدن من الأنعام. والهَدْي البقر والغنم والثّياب وكل ما يُهدى. وقال الجمهور: الهَديُ عامّ في جميع ما يتقرّب به من الذّبائح والصّدقات؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : المُبَكِّر إلى الجمعة كالمُهْدِي بَدَنة » تفسير : إلى أن قال: «حديث : كَالمُهدِي بَيْضة»تفسير : فسمّاها هَدْياً؛ وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصّدقة؛ وكذلك قال العلماء: إذا قال جعلت ثوبي هَدْياً فعليه أن يتصدّق به؛ إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، وسَوْقُها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما تُلقّي من عُرف الشّرع في قوله تعالى: { أية : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ } تفسير : [البقرة: 196] وأراد به الشّاة؛ وقال تعالى: { أية : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة: 95] وقال تعالى: { أية : فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ } تفسير : [البقرة: 196] وأقله شاة عند الفقهاء. وقال مالك: إذا قال ثوبي هَدْيٌ يجعل ثمنه في هَدي. «وَالْقَلاَئِدَ» ما كان الناس يتقلّدونه أَمَنَةً لهم؛ فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد ثم نُسخ. قال ٱبن عبّاس: آيتان نسختا من «المائدة» آية القلائد وقوله: { أية : فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 42] فأمّا القلائد فنسخَها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا وفي أي شهر كانوا. وأمّا الأُخرى فنسخها قوله تعالى: { أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 49] على ما يأتي. وقيل: أراد بالقلائد نفس القلائد؛ فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يُتَقَلَّد به طَلَباً للأمن؛ قاله مجاهد وعطاء ومُطَرِّف بن الشِّخِّير. والله أعلم. وحقيقة الهدي كلّ مُعطًى لم يذكر معه عِوَض. وٱتفق الفقهاء على أن من قال: لِلَّه عليّ هدى أنه يبعث بثمنه إلى مكة. وأما القلائد فهي كل ما عُلّق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لِلّه سبحانه؛ من نَعل أو غيره، وهي سُنّة إبراهيميّة بقيت في الجاهلية وأقرّها الإسلام، وهي سنّة البقر والغنم. قالت عائشة رضي الله عنها: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّة إلى البيت غَنَماً فقلّدها؛ أخرجه البخاري ومسلم؛ وإلى هذا صار جماعة من العلماء: الشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور وٱبن حبيب؛ وأنكره مالك وأصحاب الرّأي وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بَلَغ لكنّهم ردّوه لانفراد الأسودَ به عن عائشة رضي الله عنها؛ فالقول به أولى. والله أعلم. وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أُشعرت كالبُدن؛ قاله ٱبن عمر؛ وبه قال مالك. وقال الشافعيّ: تُقلَّد وتُشعرَ مطلقاً ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جُبَير: تُقلّد ولا تُشعرَ؛ وهذا القول أصحّ إذ ليس لها سَنام، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل. والله أعلم. الخامسة ـ وٱتّفقوا فيمن قلّد بدَنة على نيّة الإحرام وساقها أنه يصير محرماً؛ قال الله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} إلى أن قال: {فَٱصْطَادُواْ} ولم يذكر الإحرام لكن لما ذكر التّقليد عُرِف أنه بمنزلة الإحرام. السادسة ـ فإن بعث بالهدي ولم يَسُق بنفسه لم يكن محرماً؛ لحديث عائشة قالت: أنا فتلتُ قلائد هَدْيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديّ؛ ثم قَلَّدها بيديه، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرُمْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحلَّه الله له حتى نُحِر الهديُ؛ أخرجه البخاريّ، وهذا مذهب مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء. ورُوي عن ٱبن عباس أنه قال: يصير مُحرِما؛ قال ٱبن عباس: من أهدى هدياً حَرُم عليه ما يَحْرُم على الحاجّ حتى يُنحر الهدُي؛ رواه البخاريّ؛ وهذا مذهب ٱبن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جُبير، وحكاه الخطّابي عن أصحاب الرأي؛ وٱحتجّوا بحديث جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم جالساً فقدّ قميصَه من جيبه ثم أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : إني أمرتُ ببُدْني التي بعثت بها أن تُقلَّد وتُشَعر على مكان كذا وكذا فلبستُ قميصي ونسيتُ فلم أكن لأُخرج قميصي من رأسي » تفسير : وكان بعث ببُدْنه وأقام بالمدينة. في إسناده عبد الرّحمٰن بن عطاء بن أبي لبِيبة وهو ضعيف. فإن قلّد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون: لا يصير محرماً؛ لأن تقليد الشّاة ليس بمسنون ولا من الشعائر؛ لأنه يُخاف عليها الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف البُدن؛ فإنها تُتْرك حتى ترد الماء وتَرعى الشّجر وتصل إلى الحرم. وفي صحيح البخاريّ عن عائشة أُم المؤمنين قالت: فَتلتُ قلائدها من عِهْن كان عندي. العِهْن الصّوف المصبوغ؛ ومنه قوله تعالىٰ: { أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } تفسير : [القارعة: 5]. السابعة ـ ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قُلِّد أو أُشعر؛ لأنه قد وجب، وإن مات مُوجِبه لم يُورَثْ عنه ونَفذ لوجهه؛ بخلاف الأُضحِيّة فإنها لا تجب إلاَّ بالذّبح خاصّة عند مالك إلاَّ أن يوجبها بالقول؛ فإن أوجبها بالقول قبل الذّبح فقال: جعلتُ هذه الشاة أضْحِيَّة تعيّنت؛ وعليه؛ إن تلفت ثم وجدها أيام الذّبح أو بعدها ذَبَحَها ولم يَجُز له بيعُها؛ فإن كان ٱشترى أُضْحِيَّة غيرها ذبحهما جميعاً في قول أحمد وإسحاق. وقال الشافعيّ: لا بدَلَ عليه إذا ضلّت أو سُرِقت، إنما الإبدال في الواجب. ورُوي عن ٱبن عبّاس أنه قال: إذا ضلّت فقد أجزأت. ومن مات يوم النّحر قبل أن يُضحِّي كانت ضحيّته موروثة عنه كسائر ماله بخلاف الهَدْيِ. وقال أحمد وأبو ثور: تذبح بكل حال. وقال الأوزاعيّ: تذبح إلاَّ أن يكون عليه دين لا وفاء له إلاَّ من تلك الأضْحيَّة فتُباع في دَيْنه. ولو مات بعد ذبحها لم يرثها عنه ورثته، وصنعوا بها من الأكل والصدقة ما كان له أن يَصنع بها، ولا يقتسمون لحمها على سبيل الميراث. وما أصاب الأضحيّة قبل الذّبح من العيوب كان على صاحبها بدلها بخلاف الهَدْى؛ هذا تحصيل مذهب مالك. وقد قيل في الهدي على صاحبه البدل؛ والأوّل أصوب. وٱلله أعلم. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} يعني القاصدين له؛ من قولهم أَمَّمْت كذا أي قصدته. وقرأ الأعمش: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} بالإضافة كقوله: «غَيْرَ مُحِلّي الصَّيدِ» والمعنى: لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبّد والقربة؛ وعليه فقيل: ما في هذه الآيات من نهيٍ عن مشرك، أو مراعاة حرمة له بِقلادة، أو أمّ البيت فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله: { أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5]. وقوله: { أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [التوبة: 28] فلا يُمكَّن المشرك من الحج، ولا يؤمَّن في الأشهر الحُرُم وإن أهدى وقلّد وحجّ؛ روي عن ٱبن عباس وقاله ٱبن زيد على ما يأتي ذكره. وقال قوم: الآية محكمة لم تنسخ وهي في المسلمين، وقد نهى الله عن إخافة من يقصد بيته من المسلمين. والنهي عامّ في الشهر الحرام وغيره؛ ولكنه خصّ الشهر الحرام بالذكر تعظيماً وتفضيلا؛ وهذا يتمشّى على قول عطاء؛ فإن المعنى لا تُحِلوا معالم الله، وهي أمره ونهيه وما أعلمه الناس فلا تحلّوه؛ ولذلك قال أبو ميسرة: هي محكمة. وقال مجاهد: لم ينسخ منها إلاَّ «الْقَلاَئِدَ» وكان الرجل يتقلد بشيء من لِحاء الحَرَم فلا يقرب فنسخ ذلك. وقال ٱبن جُريج: هذه الآية نهي عن الحُجّاج أن تقطع سُبُلهم. وقال ٱبن زيد: نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة؛ جاء أناس من المشركين يحجّون ويعتمرون فقال المسلمون: يا رسول الله إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلاَّ أن نغير عليهم؛ فنزل القرآن {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}. وقيل: كان هذا لأمر شُرَيح بن ضُبَيْعَة البَكْريّ ـ ويلقّب بالحُطَم ـ أخذته جند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في عُمْرته فنزلت هذه الآية، ثم نسخ هذا الحكم كما ذكرنا. وأدرك الحُطَم هذا رِدّة اليَمَامة فقتِل مرتدّاً وقد رُوي من خبره أنه حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وخلّف خيله خارج المدينة فقال: إلاَمَ تدعو الناس؟ فقال: «إلى شهادة أن لا إلٰه إلاَّ الله وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة» فقال: حسن؛ إلاَّ أنّ لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان» ثم خرج من عنده فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم». فمرّ بسرْح المدينة فٱستاقه؛ فطلبوه فعجزوا عنه، فانطلق وهو يقول: شعر : قد لفّها الليل بسوّاقٍ حُطَم ليس براعي إبلٍ ولا غَنَم ولا بجزّارٍ على ظهرٍ وَضَمْ باتُوا نِياماً وٱبن هندٍ لم يَنَمْ بات يقاسِيها غلام كالزُّلَّم خَدلَّج الساقينِ خَفّاق القَدَمْ حديث : فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضِيّة سمع تلبية حُجّاج اليمامة فقال: «هذا الحُطَم وأصحابه». وكان قد قلّد ما نهب من سَرْح المدينة وأهداه إلى مكة، فتوجهوا في طلبه؛ فنزلت الآيةتفسير : ، أي لا تُحِلّوا ما أُشعر لله وإن كانوا مشركين؛ ذكره ابن عباس. التاسعة ـ وعلى أن الآية محكمة قوله تعالىٰ: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} يوجب إتمام أُمور المناسك؛ ولهذا قال العلماء: إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك شيئاً منها وإن فسد حجُّه؛ ثم عليه القضاء في السنة الثانية. قال أبو الليث السّمرقنديّ؛ وقوله تعالىٰ: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} منسوخ بقوله: { أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } تفسير : [التوبة: 36] وقوله: {وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} محكم لم ينسخ؛ فكل من قلّد الهدي ونوى الإحرام صار مُحرِماً لا يجوز له أن يحلّ بدليل هذه الآية؛ فهذه الأحكام معطوف بعضها على بعض؛ بعضها منسوخ وبعضها غير منسوخ. العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} قال فيه جمهور المفسرين: معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم. وقيل: كان منهم من يبتغي التجارة، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن كان لا يناله؛ وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت، وأنه يبعث، ولا يبعد أن يحصل له نوع تخفيف في النار. قال ٱبن عطية: هذه الآية ٱستئلاف من الله تعالىٰ للعرب ولطف بهم؛ لتنبسط النفوس، وتتداخل الناس، ويرِدون الموسم فيستمعون القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان. وهذه الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عامٍ سنةَ تسع؛ إذْ حجّ أبو بكر ونودِي الناسُ بسورة «براءة». الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} أمر إباحةٍ ـ بإجماع الناس ـ رفع ما كان محظوراً بالإحرام؛ حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح، بل صيغة «ٱفعل» الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب؛ وهو مذهب القاضي أبي الطّيّب وغيره؛ لأن المقتضي للوجوب قائم وتقدّم الحظر لا يصلح مانعا؛ دليله قوله تعالىٰ: { أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5] فهذه «ٱفعل» على الوجوب؛ لأن المراد بها الجهاد، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله: { أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ } تفسير : [الجمعة: 10] { أية : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 222] من النظر إلى المعنى والإجماع، لا من صيغة الأمر. والله أعلم. الثانية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي لا يحملّنكم؛ عن ٱبن عباس وقتادة، وهو قول الكِسائي وأبي العباس. وهو يتعدّى إلى مفعولين؛ يُقال: جَرَمني كذا على بُغْضك أي حَمَلني عليه؛ قال الشاعر: شعر : وَلَقدْ طَعَنْتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنةً جَرَمت فَزَارَةَ بَعْدَهَا أن يَغْضَبُوا تفسير : وقال الأخفش: أي ولا يُحِقَّنَّكم. وقال أبو عبيدة والفراء: معنى {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يَكسِبنّكم بغض قوم أن تعتدوا ٱلحقّ إلى الباطل، والعدل إلى الظلم، قال عليه السَّلام: « حديث : أَدّ الأمانة إلى من ٱئتمنك ولا تَخُن من خَانكَ » تفسير : وقد مضى القول في هذا. ونظير هذه الآية { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] وقد تقدّم مستوفى. ويُقال: فلان جَريمة أهله أي كاسبهم؛ فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب. وأجرم فلان أي ٱكتسب الإثم؛ ومنه قول الشاعر: شعر : جَرِيمة ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرىٰ لعِظامِ ما جَمَعتْ صَلِيبَا تفسير : معناه كاسب قوتٍ، والصلِيب ٱلوَدَك، وهذا هو الأصل في بِنَاء جَ رَ مَ. قال ٱبن فارس: يُقال جَرَم وأجْرَم، ولا جَرَم بمنزلة قولك: لا بدّ ولا محالة؛ وأصلها من جَرَم أي ٱكتسب، قال: شعر : جَرَمتْ فَزَارةَ بعدها أن يَغْضبُوا تفسير : وقال آخر: شعر : يا أيها المشتكِي عُكْلاً وما جَرَمتْ إلَى القبائِلِ من قَتْلٍ وإبآسِ تفسير : ويُقال: جَرَم يَجْرِم جَرْماً إذا قطع؛ قال الرّمّاني عليّ بن عيسى: وهو الأصل؛ فَجَرم بمعنى حَملَ على الشيء لقطعه من غيره، وجَرَم بمعنى كَسَب لانقطاعه إلى الكسب، وجَرَم بمعنى حق لأن الحقّ يقطع عليه. وقال الخليل: { أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ } تفسير : [النحل: 62] لقد حقَّ أن لهم العذاب. وقال الكِسائي: جَرَم وأجْرَم لغتان بمعنى واحد، أي ٱكتسب. وقرأ ٱبن مسعود «يُجْرِمَنَّكُمْ» بضم الياء، والمعنى أيضاً لا يكسِبنّكم؛ ولا يعرف البصريون الضّمّ، وإنما يقولون: جرم لا غير. والشَّنآن البغض. وقُرىء بفتح النون وإسكانها؛ يُقال: شَنِئت الرجل أَشْنَؤُه شَنْأً وَشَنْأة وَشَنآناً وَشَنْآنا بجزم النون، كل ذلك إذا أبغضته؛ أي لا يكسِبنّكم بغضُ قوم بصدّهم إياكم أن تعتدوا؛ والمراد بغضكم قوماً، فأضاف المصدر إلى المفعول. قال ٱبن زيد: لما صُدّ المسلمون عن البيت عام الحديبية مرّ بهم ناس من المشركين يريدون العمرة؛ فقال المسلمون: نصدّهم كما صدّنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية؛ أي لا تعتدوا على هؤلاء، ولا تصدّوهم {أَن صَدُّوكُمْ} أصحابهم، بفتح الهمزة مفعول من أجله؛ أي لأن صدّوكم. وقرأ أبو عمرو وٱبن كثير بكسر الهمزة «إن صدّوكم» وهو ٱختيار أبي عبيد. وروي عن الأعمش «إنْ يصدّوكم». قال ٱبن عطية: فإن للجزاء؛ أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل. والقراءة الأُولى أمكن في المعنى. وقال النحاس: وأما «إن صدوكم» بكسر «إن» فالعلماء الجِلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمانٍ، وكان المشركون صدّوا المسلمين عام الحديبية سنة سِتٍّ، فالصدّ كان قبل الآية؛ وإذا قرىء بالكسر لم يجز أن يكون إلاَّ بعده؛ كما تقول: لا تعطِ فلاناً شيئاً إن قاتلك؛ فهذا لا يكون إلاَّ للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي، فوجب على هذا ألاّ يجوز إلاَّ «أَنْ صَدُّوكُمْ». وأيضاً فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجباً؛ لأن قوله: «لا تُحِلّوا شَعَائِر ٱللَّهِ» إلى آخر الآية يدل على أن مَكّة كانت في أيديهم، وأنهم لا ينهون عن هذا إلاَّ وهم قادرون على الصدّ عن البيت الحرام، فوجب من هذا فتح «أن» لأنه لِما مضى. {أَن تَعْتَدُواْ} في موضع نصب؛ لأنه مفعول به، أي لا يَجْرِمنّكم شنَآنُ قوم الاعتداء. وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد «شَنْآن» بإسكان النون؛ لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة؛ وخالفهما غيرهما وقال: ليس هذا مصدراً ولكنه ٱسم الفاعل على وزن كسْلان وغضْبان. الثالثة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} قال الأخفش: هو مقطوع من أوّل الكلام، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي لِيُعِنْ بعضُكم بعضاً، وتحاثّوا على ما أمر الله تعالىٰ وٱعملوا به، وٱنتهوا عما نهى الله عنه وٱمتنعوا منه؛ وهذا موافق لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الدَّال على الخير كفاعله » تفسير : . وقد قيل: الدّال على الشر كصانعه. ثم قيل: البِرّ والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرّر باختلاف اللفظ تأكيداً ومبالغة؛ إذ كل بِرّ تقوى وكل تقوى برّ. قال ٱبن عطية: وفي هذا تسامح مّا، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البِرّ يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوّز. وقال الماورديّ: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبِرّ وقرنه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالىٰ، وفي البِرّ رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالىٰ ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وقال ٱبن خويزِمنداد في أحكامه: والتعاون على البرّ والتقوى يكون بوجوه؛ فواجب على العالِم أن يعيِن الناس بعِلمه فيعلمهم، ويعينهم الغنِيّ بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة: « حديث : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم » تفسير : . ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصر له وردّه عما هو عليه. ثم نهى فقال: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن «الْعُدْوَانِ» وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يــَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } جمع (شعيرة) أي معالم دينه بالصيد في الإِحرام {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } بالقتال فيه {وَلاَ ٱلْهَدْىَ } ما أهدي إلى الحرم من النعم بالتعرّض له {وَلاَ ٱلْقَلَٰئِدَ } جمع (قلادة)، وهي ما كان يقلد به من شجر الحرم ليأمن، أي فلا تتعرّضوا لها ولا لأصحابها {وَلاَ } تحلوا {أَمِينَ } قاصدين {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } بأن تقاتلوهم {يَبْتَغُونَ فَضْلاً } رزقاً {مِّن رَّبِّهِمْ } بالتجارة {وَرِضْوَاناً } منه بقصده بزعمهم الفاسد، وهذا منسوخ بآية (براءة) [5:9] {وَإِذَا حَلَلْتُمْ } من الإِحرام {فَٱصْطَادُواْ } أمر إباحة {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } يكسبنكم {شَنَئَانُ } بفتح النون وسكونها، بَغض {قَوْمٍ } لأجل {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ } عليهم بالقتل وغيره {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ } فعل ما أمرتم به {وَٱلتَّقْوَىٰ } بترك ما نهيتم عنه {وَلاَ تَعَاوَنُواْ } فيه حذف إحدى التاءين في الأصل {عَلَى ٱلإِثْمِ } المعاصي {وَٱلْعُدْوَانِ } التعدّي في حدود الله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } خافوا عقابه بأن تطيعوه {أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن خالفه.
ابن عطية
تفسير : جاءت إباحة الصيد عقب التشدد في حرم البشر حسنة في فصاحة القول، وقوله تعالى: {فاصطادوا} صيغة أمر ومعناه الإباحة بإجماع من الناس، واختلف العلماء في صيغة أفعل إذا وردت ولم يقترن بها بيان واضح في أحد المحتملات، فقال الفقهاء: هي على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، وقال المتكلمون هي على الوقف حتى تطلق القرينة ولن يعرى أمر من قرينة، وقال قوم هي على الإباحة حتى يدل الدليل، وقال قوم: هي على الندب حتى يدل الدليل وقول الفقهاء أحوطها وقول المتكلمين أقيسها وغير ذلك ضعيف. ولفظة أفعل قد تجيء للوجوب كقوله {أقيموا الصلاة}، وقد تجيء للندب كقوله: {أية : وافعلوا الخير} تفسير : [الحج: 77] وقد تجيء للإباحة كقوله {فاصطادوا} {وابتغوا من فضل الله} {أية : فانتشروا في الأرض} تفسير : [الجمعة:10]، ويحتمل الابتغاء من فضل الله أن يكون ندباً، وقد تجيء للوعيد كقوله {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت:40] وقد تجيء للتعجيز كقوله {أية : كونوا حجارة} تفسير : [الإسراء:50] وقرأ أبو واقد والجراح ونبيح والحسن بن عمران "فاصطادوا" بكسر الفاء وهي قراءة مشكلة ومن توجيهها أن يكون راعى كسر ألف الوصل إذا بدأت فقلت: اصطادوا فكسر الفاء مراعاةً وتذكراً لكسرة ألف الوصل، وقوله تعالى: {ولا يجرمنكم} معناه ولا يكسبنكم وجرم الرجل معناه كسب ويتعدى إلى مفعولين كما يتعدى كسب، وفي الحديث: وتكسب المعدوم، قال أبو علي: وأجرم بالألف عرفه الكسب في الخطايا والذنوب، وقال الكسائي جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي كسب وقال قوم {يجرمنكم} معناه يحق لكم كما أن {أية : لا جرم أن لهم النار} تفسير : [النحل:62] معناه حق لهم أن لهم النار وقال ابن عباس {يجرمنكم} معناه يحملنكم. قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى فالتفسير الذي يخص اللفظة هو معنى الكسب ومنه قول الشاعر: [أبو خراش الهذلي]: شعر : جريمةُ ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا تفسير : معناه كاسب قوت ناهض، ويقال فلان جريمة قومه إذا كان الكاسب لهم، وقرأ ابن مسعود وغيره "يُجرمنكم" بضم الياء والمعنى أيضاً لا يكسبنكم وأما قول الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : فمعناه كسبت فزارة بعدها الغضب وقد فسر بغير هذا مما هو قريب منه وقوله تعالى: {شنآن قوم} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي "شَنْآن" متحركة النون، وقرأ ابن عامر "شنآن" ساكنة النون، واختلف عن عاصم ونافع، يقال شنئت الرجل شَنْأً بفتح الشين وشنآناً بفتح النون وشنآناً بسكون النون والفتح أكثر كل ذلك إذا أبغضته، قال سيبويه: كل ما كان من المصادر على فعلان بفتح العين لم يتعد فعله إلا أن يشذ شيء كالشنآن وإنما عدي شنئت من حيث كان أبغضت كما عدي الرفث بـ " إلى " من حيث كان بمعنى الإفضاء. قال القاضي أبو محمد: فأما من قرأ "شَنآن" بفتح النون فالأظهر فيه أنه مصدر كأنه قال لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم والمصادر على أن هذا الوزن كثيرة كالنزوان والغليان والطوفان والجريان وغيره، ويحتمل "الشنآن" بفتح النون أن يكون وصفاً فيجيء المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدواناً ومما جاء على هذا الوزن صفة قولهم: حمار قطوان إذا لم يكن سهل السير وقولهم عدو وصمان أي ثقيل كعدو الشيخ ونحوه إلى غير هذا مما ليس في الكثرة كالمصادر ومنه ما أنشده أبو زيد: شعر : وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي وفقأت عين الأشوس الأبيان تفسير : بفتح الباء وأما من قرأ "شنْآن" بسكون النون فيحتمل أن يكون مصدراً وقد جاء المصدر على هذا الوزن في قولهم لويته دينه لياناً، وقول الأحوص: شعر : وإن لام فيه ذو الشنان وفندا تفسير : إنما هو تخفيف من "شنآن" الذي هو مصدر بسكون النون لأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الساكن هذا هو التخفيف القياسي, قال أبو علي: من زعم أن فعلان إذا أسكنت عينه لم يك مصدراً فقد أخطأ، وتحتمل القراءة بسكون النون أن يكون وصفاً فقد حكي: رجل شنآن وامرأة شنآنة وقياس هذا أنه من فعل غير متعد وقد يشتق من لفظ واحد فعل متعد وفعل واقف فيكون المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدواناً وإذا قدرت اللفظة مصدراً فهو مصدر مضاف إلى المفعول، ومما جاء وصفاً على فعلان ما حكاه سيبويه من قولهم خمصان ومن ذلك قولهم ندمان. قال القاضي أبو محمد: ومنه رحمان وهذه الآية نزلت عام الفتح حين أراد المؤمنون أن يستطيلوا على قريش وألفافها من القبائل المتظاهرين على صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت بذلك بغضة في قلوب المؤمنين وحسيكة للكفار فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ثمان لا يحملنكم ذلك البغض أو أولئك البغضاء من أجل أن صدوكم على أن تعتدوا عليهم إذ لله فيهم إرادة خير وفي علمه أن منهم من يؤمن كالذي كان، وحكى المهدوي عن قوم أنها نزلت عام الحديبية لأنه لما صد المسلمون عن البيت مر بهم قوم من أهل نجد يريدون البيت فقالوا نصد هؤلاء كما صددنا فنزلت الآية، وقرأ أبو عمرو وابن كثير "إن صدوكم" بكسر الهمزة وقرأ الباقون"أن صدوكم" بفتح الهمزة إشارة إلى الصد الذي وقع وهذه قراءة الجمهور وهي أمكن في المعنى وكسر الهمزة معناه إن وقع مثل ذلك في المستقبل. وقرأ ابن مسعود "أن يصدوكم" وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير. ثم أمر الله تعالى الجميع بالتعاون {على البر والتقوى} قال قوم: هما لفظان بمعنى وكرر باختلاف اللفظ تأكيداً ومبالغة إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تسامح ما والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه والتقوى رعاية الواجب فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز ثم نهى تعالى عن التعاون على الإثم وهو الحكم اللاحق عن الجرائم وعن العدوان وهو ظلم الناس، ثم أمر بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً بشدة العقاب وروي أن هذه الآية نزلت نهياً عن الطلب بدخول الجاهلية إذ أراد قوم من المؤمنين ذلك، قاله مجاهد. وقد قتل بذلك حليف لأبي سفيان من هذيل.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَعَآئِرَ اللَّهِ} معالم الله من الإشعار وهو الإعلام: مناسك الحج، أو محرمات الإحرام، أو حَرَم الله، أو حدوده في الحلال والحرام المباح، أو دينه كله {أية : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 32] أي دين الله. {الشَّهْرَ الْحَرَامَ} لا تقاتلوا فيه وهو رجب أو ذو القعدة أو الأشهر الحرم. {الْهَدْىَ} كل ما يهدى إلى البيت من شيء، أو ما لم يقلد من النعم وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده. {الْقلآئِدَ} قلائد الهدي، أو كانوا إذا حجوا تقلّدوا من لحاء الشجر ليأمنوا في ذهابهم وإيابهم، أو كانوا يأخذون لحاء شجر الحرم إذا خرجوا منه فيتقلدون ليأمنوا فنهوا عن نزع شجر الحرم. {ءَآمِّينَ}: قاصدين أممت كذا قصدته. {فَضْلاً} أجراً، أو ربح تجارة {وَرِضْوَاناً} من الله تعالى عنهم بنسكهم. {يَجْرِمَنَّكُمْ}: يحملنكم، جرمني فلان على بغضك حملني، أو يكسبنكم، جرمت على أهلي: كسبت لهم. {شَنَئَانُ}: بغض، أو عداوة. أتى الحُطم بن هند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إلامَ تدعو؟ فأخبره، فخرج فمرّ بسرح من سرح المدينة فاستاقه، ثم أقبل من العام المقبل حاجّاْ مقلداً الهدى فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه فنزلت فقال ناس من الصحابة ـ يارسول الله خَلِّ بيننا وبينه فإنه صاحبنا فنزلت. ثم نسخ جميعها، أو نسخ منها ولا الشهر الحرام، ولا آمين البيت الحرام، أو نسخ التقلد بلحاء الشجر فاتفقوا على نسخ بعضها.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله}حديث : نزلت في الحطم واسمه شريح بن هند بن ضبعة البكري أتى المدينة وحده وخلف خيله خارج المدينة ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "إلا ما، تدعو الناس فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فقال حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم فخرج من عنده وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما خرج شريح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم، فمرَّ بسرح من سرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول: لقد لفَّها بالليل سواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم * باتوا نياماً وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام القابل، خرج شريح حاجَّاً مع حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدي، فقال المسلمون: يا رسول الله هذا الحطم قد خرج حاجاً فخلِّ بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد قلد الهدي. فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية فأبى النبي صلى الله عليه وسلم"تفسير : فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله}. قال ابن عباس: هي المناسك كان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. وقيل: الشعائر، الهدايا المشعرة وإشعارها أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل دمه فيكون ذلك علامة أنها هدي وهو سنة في الأبل والبقر عون الغنم، ويدل عليه ما روي عن عائشة: "حديث : فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت فما حرم عليه شيء كان له حلالاً" تفسير : أخرجاه في الصحيحين (م). عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحجتفسير : . وعند أبي حنيفة لا يجوز إشعار الهدي بل قال يكره ذلك. وقال ابن عباس في معنى الآية: لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم. وقيل: شعائر الله شرائع الله ومعالم دينه، والمعنى: لا تحلوا شيئاً من فرائضه التي افترض عليكم واجتنبوا نواهيه التي نهى عنها {ولا الشهر الحرام} أي ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه والشهر الحرام: هو الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال في الجاهلية فيه، فلما جاء الإسلام، لم ينقض هذا الحكم، بل أكده. والمراد بالشهر الحرام هنا، ذو القعدة. وقيل: رجب. ذكرهما ابن جرير. وقيل: المراد بإحلال الشهر الحرام النسيء. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ، فيقول: إني قد أحللت كذا وحرمت كذا يعني به الأشهر فنهى الله عن ذلك وسيأتي تفسير النسيء في سورة براءة: {ولا الهدي ولا القلائد} الهدي ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى، والقلائد جمع قلادة وهي التي تُشد في عنق البعير وغيره والمعنى: ولا الهدي ذوات القلائد. قال الشاعر: شعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق هدين مقلدات تفسير : فعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية لأنها من أشراف البدن المهداة والمعنى: ولا تستحلوا الهدي خصوصاً المقلدات منها. وقيل: أراد أصحاب القلائد وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم من لحاء شجر الحرم فكانوا يأمنون بذلك فلا يتعرض لهم أحد، فنهى الله المؤمنين عن ذلك الفعل ونهاهم عن استحلال نزع شيء من شجر الحرم {ولا آمَّين البيت الحرام} يعني ولا تستحلوا القاصدين إلى البيت الحرام وهو الكعبة شرَّفها الله وعظمها {يبتغون} يعني يطلبون {فضلاً من ربهم} يعني الرزق والأرباح في التجارة {ورضواناً} يعني ويطلبون رضا الله عنهم بزعمهم لأن الكافر لا حظ له في الرضوان لكن يظن أن فعله ذلك طلب الرضوان فيجوز أن يوصف به بناء على ظنه. وقيل إن المشركين كانوا يقصدون بحججهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا يغالونه فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب ذلك القصد نوع من الحرمة وهو الأمن على أنفسهم. وقيل: كان المشركون يلتمسون في حجهم ما يصلح لهم دنياهم ومعاشهم. وقيل: ابتغاء الفضل هو للمؤمنين والمشركين عامة وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة وذلك أنهم يحجون جميعاً. (فصل) اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية فقال قوم: هذه الآية منسوخة إلى هاهنا لأن قوله تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام يقتضي حرمة القتل في الشهر الحرام وفي الحرم وذلك منسوخ بقوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] وقوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} يقتضي حرمة منع المشركين عن البيت الحرام وذلك منسوخ بقوله تعالى: {أية : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}تفسير : [التوبة: 28] فلا يجوز أن يحج مشرك ولا يأمن بالهدي والقلائد كافر وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأكثر المفسرين. قال الشعبي: لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية. وقيل: المنسوخ منها قوله ولا آمين البيت الحرام نسختها آية براءة {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] وقوله: {أية : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم}تفسير : [التوبة: 28] هذا وقال ابن عباس: كان المؤمنون والمشركون يحجون البيت جميعاً فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً أن يحج البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعد هذا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم. قال الواحدي: وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة وأن هذه الآية محكمة قالوا ما ندبنا إلى أن نخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر الحرام ولا في غيره وفصل الشهر الحرام عن غيره بالذكر تعظيماً وتفضيلاً وحرم علينا أخذ الهدي من المُهدين وصرفه عن بلوغ محله وحرم علينا القلائد التي كانوا يفعلونها في الجاهلية وهذا غير مقبول، والظاهر ما عليه جمهور العلماء من نسخ هذه الآية لإجماع العلماء، على أن الله عزَّ وجلَّ قد أحلَّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه وذراعيه جميع لحاء الشجر لم يكن ذلك له أماناً من القتل إذا لم يكن قد تقدم له عهد ذمة أو أمان. وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين لقوله تعالى عمرة من المشركين لقوله تعالى: {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}تفسير : [التوبة: 28] والله أعلم. وقوله تعالى: {وإذا حللتم} يعني من إحرامكم {فاصطادوا} هذا أمر إباحة، لأن الله حرم الصيد على المحرم حالة إحرامه بقوله تعالى: {أية : غير محلّي الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 1] وإذا حلَّ من إحرامه بقوله وإذا حللتم فاصطادوا وإنما قلنا إنه أمر إباحة لأنه ليس واجباً على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد ومثله قوله تعالى: {أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}تفسير : [الجمعة: 10] معناه أنه قد أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة {ولا يجرمنكم}. قال ابن عباس: لا يحملنكم. وقيل: معناه لا يكسبنكم ولا يدعوكم {شنآن قوم} يعني بغض قوم وعداوتهم {أن صدوكم} يعني لأن صدوكم {عن المسجد الحرام} والمعنى: لا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء، لأن صدوكم عن المسجد الحرام، لأن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، فكان الصدّ قد تقدم {أن تعتدوا} عليهم يعني: بالقتل وأخذ المال {وتعاونوا على البر والتقوى} يعني ليعن بعضكم بعضاً على ما يكسب البر والتقوى قال ابن عباس: البر متابعة السنة {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} يعني ولا يعن بعضكم بعضاً على الأثم وهو الكفر والعدوان هو الظلم. وقيل: الإثم المعاصي، والعدوان البدعة(م) عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: "حديث : البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" تفسير : {واتقوا الله} أي احذروا الله أن تعتدوا ما أمركم به أو تجاوزوا إلى ما نهاكم عنه {إن الله شديد العقاب} يعني لمن خالف أمره ففيه وعيد وتهديد عظيم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ}: خطابٌ للمؤمنين حقًّا؛ ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ: شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهَىٰ عنه، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ: قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنَىٰ مَعَالِمِ اللَّهِ. وقوله تعالى: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ}: أي: لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ؛ ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ. وقوله سبحانه: {وَلاَ ٱلْهَدْيَ}: أي: لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيداً ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ عبَّاس. وقال الجمهورُ: الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يُهْدَىٰ قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ: ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره؛ أَمَنَةً لهم. وقال * ص *: {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ}: أي: ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل: بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها؛ مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ. انتهى. وقوله تعالى: {وَلاَ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}: أيْ: قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار؛ المعنى: لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ بـ «آية السَّيْف»؛ بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة:5] فكلُّ ما في هذه الآية ممَّا يتصوَّر في مُسْلِمٍ حاجٍّ، فهو مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ. وقوله سبحانه: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً}، قال فيه جمهور المفسِّرين: معناه: يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم؛ لِتَنْبسطَ النفوسُ؛ بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة؛ كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ؛ إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه)، ونودِيَ في الناسِ بسورة «بَرَاءَةَ». وقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ}: مجيءُ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل. وقوله سبحانه: {فَٱصْطَـٰدُواْ}: أمرٌ، ومعناه الإباحةُ؛ بإجماع. وقوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}: معناه: لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ: معناه: كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم، والمعنَىٰ: متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ. وقوله تعالى: {شَنَآنُ قَوْمٍ}: الشَّنَآنُ: هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ ـــ بفتح النون ـــ، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ؛ كأنَّه قَالَ: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا علَىٰ قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ علَىٰ صَدِّ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان. وقرأ أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ: «إنْ صَدُّوكُمْ»، ومعناه: إنْ وَقَعَ مثْلُ ذلك فِي المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ. ثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوَىٰ، قال قوم: هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ؛ أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوَىٰ: رعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز. قُلْتُ: قال أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الداووديُّ: قال ابنُ عباس: البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوَىٰ ما نُهِيتَ عنه. انتهى، وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ؛ أنَّ لفظ التقوَىٰ يُطْلَقُ علَىٰ معانٍ، وقد بيَّناها في آخر «سُورة النُّور»، وفي الحديثِ الصحيحِ: «حديث : وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»تفسير : ، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث: وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ: «حديث : مَنْ سَعَىٰ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ»تفسير : ، انتهى مِن «شَرْح الأربعين» حديثاً. ثم نهَىٰ تعالَىٰ عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوَىٰ، وتوعَّد توعُّداً مجملاً، قال النوويُّ: وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «حديث : أنَّهُ أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: ٱسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ البِرُّ: مَا ٱطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَٱطْمَأَنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» تفسير : حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني: ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما، وفي «صحيح مسلم»، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»تفسير : . انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} الآية لما حَرّم [الله] الصيد على المحرم نَهَى في هذه الآيةِ عن مخالفةِ تكاليفِ الله تعالى. قال المُفسِّرون: نزلتْ في الحطم، واسمُه: "حديث : شُرَيْحُ بنُ ضُبَيْعَةَ البَكْرِيّ، أتى المدينة، وخَلَّفَ خَيْلهُ خارجَ المدينةِ، ودخل وَحْدَه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال [له:] إلام تدعُو الناس إليه؟، فقال: "إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاةِ"، فقال حسنٌ، إلاّ أنّ لي أمراء لا أقطعُ أمْراً دُونهم، ولَعَلِّي أسْلِمُ وَآتِي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "يدخلُ عليكم رجلٌ مِنْ رَبيعَة يتكلمُ بلسانِ شَيْطان" ثم خرج شُرَيْحٌ منْ عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ دَخَلَ بوَجْهِ كَافِر، وخرج بِقَفَا غَادِرٍ، وما الرَّجُلُ بِمُسْلمٍ"، فمرّ بِسَرْحِ المدينة فاسْتاقَه وانْطلقَ، فتَبعُوه وَلَمْ يُدْرِكُوه، فلما كان العامُ المقبلُ خرج حَاجًّا في حُجاج بَكْر بن وائلٍ مِنْ اليمَامَةِ، ومعه تجارةٌ عظيمةٌ، وقد قَلَّدُوا الهَدْي، فقال المسلمونَ للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم قد خرج حَاجًّا، فخلِّ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّه قَدْ قَلَّد الهديَ"، فقالوا: يا رسول الله هذا شيءٌ كنا نفعله في الجاهلية، فأبَى النبي صلى الله عليه وسلم" تفسير : فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ } الآية. قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ: هي مناسِكُ الحج، وكان المشركون يَحُجُّونَ فيهدُونَ، فأراد المسلمون أن يُغِيرُوا عليهم فناههم الله عن ذلك. وقال أبُو عُبَيْدَة: "شَعَائِرَ الله" هي الهَدَايَا [المُشْعَرةُ لقوله تعالى: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 36]، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه تعالى ذكر {شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}] ثم عطف عليها الهدايا، والمعطوفُ يجبُ أنْ يكون مُغَايِراً للمعطوف [عليه]، والإشعارُ من الشعار وهي العلامَةُ، وإشعارُهَا إعلامُهَا بما يُعْرَفُ أنَّها هَدْيٌ، والشَّعَائِرُ جَمْعٌ، والأكثرونَ على أنَّهُ جَمْعُ شَعيرَة. وقال ابنُ فارسٍ: واحِدَتُهَا شِعَارةٌ، والشَّعِيرةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعنى مفعلة والمُشْعَرَةُ: المُعْلَمَةُ، والإشْعَارُ: الإعلامُ، وكُلُّ شَيْءٍ أشْعرَ فقد أعْلم، وهو هاهنا أنْ يُطْعَنَ في صَفحةِ سنَان البَعير بحديدةٍ حَتّى يَسِيلَ الدَّمُ، فيكونَ ذلك علامَةً أنها هَدْيٌ، وهي سنَّةٌ في الهدايا إذَا كانَتْ من الإبل. وقاسَ الشَّافِعِيُّ البَقَرَ على الإبل في الإشْعارِ، وأمّا الغنمُ فلا تُشْعَرُ بالجرح، فإنها لا تَحْتَمِلُ الجُرْحَ لِضَعْفِهَا. وعند أبي حَنِيفَةَ لا يُشْعَرُ الهَدْيُ. وروى عَطِيَّةُ عَنْ ابْنِ عباس: {لاَ تُحِلُّوا شَعَائِر الله} في أنْ تَصِيد وأنْتَ مُحْرم لقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ}. وقال السُّدِّيُّ: أراد حرمَ الله، وقيل المرادُ النَّهْيُ عَنِ القتلِ في الحرمِ. وقال عطاءُ: "شَعَائِرَ اللَّهِ" حُرُمَاتِ اللَّهِ. ثم قال: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي بالقتال فيه، قال تعالى: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} تفسير : [التوبة: 36] فقيل هي: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحَجَّةِ ومُحَرَّمٌ ورَجَب، فقوله: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ رجب، لأنَّه أكمل هذه الأشهرَ الأربعةَ في هذه الصفة. وقال ابنُ زَيْدٍ: هي النَّسِيءُ؛ لأنَّهُم كَانُوا يُحِلُّونَهُ عاماً ويُحَرِّمُونَه عَاماً. قال: "وَلاَ الْهَدْي". قال الواحدي: الهدي ما أهْدِيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ مِنْ نَاقَةٍ أو بَقَرَةٍ أوْ شَاةٍ، وَاحِدُهَا هَدْيَةٌ بِتَسْكِينِ الدَّالِ، ويُقالُ [أيضاً]: هَدِيِّةٌ، وجمعها هَدِيّ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 1917- حَلَفْتُ برَبِّ مكَّة والمُصَلَّى وأعْنَاقِ الهديِّ مُقَلَّداتِ تفسير : ونَظِيرُ هذِهِ الآيَةِ قولُهُ تعالى: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95]، وقولُهُ: {أية : وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} تفسير : [الفتح: 25]. قَوْلُهُ سُبحانَهُ: {وَلاَ ٱلْقَلاَۤئِدَ} [أيْ: ولا ذَواتِ القَلاَئِد] عَطفٌ على الهَدْي مُبَالَغَةً في التوصية بها؛ لأنَّها أشَرَفُ الهَدْي، كَقَوْلِهِ تعالى: {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98] كأنَّهُ قِيلَ: وَذَواتِ القَلاَئِد] كأنَّهُ قِيلَ: وَذَواتِ القلائِدِ مِنْهَا خُصُوصاً. قال القُرْطُبِيُّ: فَمَنْ قَالَ المرادُ بالشَّعَائِرِ المناسِكُ، قال: ذَكَرَ الهَدْي تَنْبيهاً عَلَى تَخْصيصه، ومَنْ قَالَ: الشَّعَائِرُ الْهَدْي قال: الشَّعَائِرُ مَا كَانَ مُشْعَراً، أيْ: مُعْلَماً بإسَالَةِ الدَّمِ من سنامه، والْهَدْي ما لم يُشعَر، [اكْتَفَى فِيهِ بالتَّقْلِيدِ، وقيل: الشعائرُ هي البُدنُ مِنَ الأنْعامِ، والْهَدْيُ البقر والغَنَمُ والثِّيَابُ وكُلُّ ما يُهدى]. وقال الجُمْهُور: الهَدْيُ عامٌّ في كُلِّ ما يُتقرّبُ به من الذَّبَائحِ والصَّدَقَاتِ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : المُبَكِّرُ للجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنة"، إلى أنْ قَالَ: "كالمُهْدِي بَيْضَة" تفسير : فَسَمَّاهَا هَدْياً، وتسميةُ البَيْضَةِ هَدْياً إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الصَّدَقَةُ وكذلك قال العلماءُ: إذَا قالَ جعلتُ ثَوْبِي هَدْياً فَعَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؛ إلاَّ أنَّ الإِطْلاَقَ يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ الأصْنَافِ الثَّلاثَةِ مِنَ الإبِلِ والْبَقَرِ والْغَنَمِ، وسَوْقُها إلى الْحَرَمِ وَذَبْحُهَا فِيهِ، وهَذَا إنَّما يُلَقَّى مِنْ عُرْف الشَّرع. قال تعالى: {أية : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ} تفسير : [البقرة: 196] وأراد به الشَّاةَ، وقال: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95]، وأقَلُّهُ شاةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وقال مَالِكٌ: "إذَا قَالَ: ثَوْبِي هَدْيٌ، يَجْعَلُ ثَمَنُهُ في هَدْيٍ". ويجوز أنْ يكونَ المرادُ "والقَلاَئِدَ" حَقيقَةً، ويكونُ فِيهِ مبالغَةٌ في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْي المَقلَّدِ بِهَا، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} تفسير : [النور: 31]؛ لأنَّهُ نَهَى عَنْ إظْهارِ الزِّينةِ، فَمَا بالُكَ بِمَواضِعِهَا مِنَ الأعْضَاءِ، والقَلاَئِدُ: جَمْعُ قِلاَدَة وَهِيَ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى عُنُقِ البَعيرِ. وقالَ عَطَاءٌ: أرَادَ أصْحَابَ القَلاَئِدِ، وذلِكَ أنَّهُمْ كَانُوا في الْجَاهِلِيَّةِ إذَا أرَادُوا الخُرُوج مِنَ الحرمِ قَلَّدُوا أنْفُسَهُم وإبلَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الحرمِ، كَيْلاَ يُتعرَّض لَهُمْ، فَنَهى الشَّرْعُ عَنِ اسْتِحْلاَلِ شَيْءٍ مِنْهَا. قوله تعالى: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}. أيْ: وَلاَ تُحِلُّوا قوماً آمين، أيْ: قَاصِدِينَ، ويَجُوزُ أنْ يكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أيْ: لا تُحِلُّوا قِتَالَ قَوْم [أوْ أذَى] قَوْمٍ آمِّينَ. وقَرَأ عَبْدُ الله وَمَنْ تبعَهُ: "ولا آمِّي الْبَيْتِ الْحَرَامِ" بِحَذْفِ النّونِ، وإضَافَةِ اسْمِ الفَاعِلِ إلى مَعْمُولِهِ، والْبَيْتُ نُصِبَ على المفْعُولِ بِهِ بـ "آمين" [أيْ:] قاصِدِينَ الْبَيْتَ، وَلَيْسَ ظَرْفاً. وَقولُهُ: "يَبْتَغُونَ" حالٌ مِنَ الضَّميرِ في "آمِّينَ"، أيْ: حَالَ كَوْنِ "الآمِّينَ" مُبْتَغِينَ فَضْلاً، وَلاَ يَجُوزُ أنْ تكُونَ هَذِهِ الجملةُ صِفَةً لـ "آمِّين"؛ لأنَّ اسْمَ الفَاعِلِ مَتَى وُصِفَ بَطَلَ عَمَلُهُ على الصَّحيحِ. وخَالَف الكُوفيُّونَ فِي ذلِكَ. وأعْرَبَ مَكي هذه الجملة صِفَةً لـ "آمين"، ولَيْسَ بِجيِّدٍ لما تقدَّمَ، وكأنَّهُ تَبعَ في ذَلِكَ الكُوفِيِّين. وهَاهُنَا سُؤالٌ، وهَوَ أنَّهُ لم لا قيل بجوازِ إعْمَالِهِ قَبْلَ وَصْفِهِ كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ قِيَاساً على المصْدَرِ، فإنَّه يعملُ قَبْلَ أنْ يُوصَفَ، نَحْو: يُعْجِبُنِي ضَرْبٌ زيداً شديدٌ. والجُمْهُورُ عَلى "يَبْتَغُونَ" بيَاءِ الْغَيْبَةِ، وقَرَأ حُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ، والأعْرَجُ "تَبْتَغُونَ" بِتَاءِ الخِطَابِ، على أنَّه خطابٌ للمؤمنينَ، وهي قلقَةٌ، لقوله: "مِنْ ربِّهمْ" وَلَوْ أُريد خطَابُ المؤمنينَ، لكانَ تَمامُ المناسَبَةِ "تَبْتَغُون فَضْلاً مِنْ ربِّكُم" و"من ربِّهمْ"، يجُوزُ أن يتعلَّقَ بِنَفْسِ الْفِعْلِ، وأنْ يتعلَّقَ بمَحْذُوفٍ على أنَّهُ صِفَةٌ لـ "فَضْلاً"، أيْ: فَضْلاً كَائِناً "مِنْ ربِّهِمْ". وقد تَقَدَّمَ الخلافُ في ضَمِّ رَاءِ "رُضْوَان" في آلِ عمران. وإذا عَلَّقْنَا "مِنْ ربِّهمْ" بِمَحْذُوفٍ على أنَّهُ صِفَةٌ لـ "فَضْلاً"، فَيَكُون قَدْ حَذَفَ صِفَةَ "رِضْوَان" لِدلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وَرِضْوَاناً مِنْ رَبِّهِم. وَإذَا عَلَّقْنَاهُ بِنَفْسِ الفِعْلِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ. فصل قِيلَ: المرادُ بـ "الفَضْل" الرِّزْقُ بالتِّجارَةِ و"الرِّضْوَانُ"، أيْ: عَلَى زَعْمِهِمْ؛ لأنَّ الكَافِرَ لا نَصِيبَ لَهُ فِي الرِّضْوَانِ. قال الْعُلَمَاءُ: المشركون كَانُوا يَقْصدُونَ بِحَجِّهِمْ رضْوَان اللَّهِ، وَإنْ كانُوا لا يَنَالُونَ ذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لَهُمْ بسَبَبِ ذَلِكَ القصدِ نَوْعٌ مِنَ الْحُرْمَةِ. وَقِيلَ: المرادُ بِفَضْلِ اللَّهِ الثَّوابُ، وبالرِّضْوانِ أنْ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهم؛ وذَلِكَ لأنَّ الْكَافِرَ وإنْ كان لا ينَالُ الفضْل والرِّضْوَان لَكِنَّهُ يَظُنُّ [أنَّهُ بِفِعْلِهِ طَالبٌ لهما] فَوُصِفَ بذلِكَ بِنَاءً على ظَنهِ، كقوله: {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} تفسير : [طه: 97]، وقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]. فصل قال قَوْمٌ: هذه الآيةُ مَنْسُوخَةٌ؛ لأنَّ قوله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} يَقْتَضي حُرْمَةَ القِتَالِ [في] الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ يقُولُ اللَّهُ تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]، وقوله: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} يَقْتَضِي حُرْمَة مَنْعِ المُشْرِكِينَ عن المسْجِدِ الحرامِ، وذلك مَنْسُوخٌ بقوْلهِ: {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28] وهوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وُمجَاهِدٍ والحسَن وقتادَةَ. وقال الشَّعْبيُّ: لم يُنْسخْ مِنْ سورةِ المائدةِ إلاَّ هذهِ الآية، وقال آخرُون: هذه الآيةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وهؤلاء لَهُم طَريقَانِ: الأوَّلُ: أنَّ الله تعالى أمَر في هذه الآية ألاَّ نُخيفَ مَنْ يَقْصُدُ بَيْتَهُ من المُسْلِمينَ، وحَرَّمَ عَلَيْنَا أخْذَ الْهَدْي مِنَ المُهْدين إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ لقوله أوّلِ الآية: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} وهذا إنَّما يَلِيقُ بنُسُكِ المسلمينَ لا بنُسُكِ الكُفَّار، وقولُهُ آخِرِ الآية: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} وهذا إنَّمَا يَلِيقُ بالمسلمِ لاَ بالْكافِرِ. والثاني: قال أبُو مُسْلِم: المرادُ بالآيةِ الكفارُ الذين كَانُوا في عَهْد النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا زَالَ [الْعَهْدُ زَالَ] الحَظْرُ، وَلَزِمَ المُرَادُ بقوله: {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28]. قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} وقُرِئ "أحْلَلْتُم" وهي لُغَةٌ في "حَلَّ"، يُقَالُ: أحلَّ مِنْ إحْرَامِهِ، كما يُقَالُ: حَلَّ. وَقَرَأَ الحَسَنُ بْنُ عِمْران وأبُو وَاقِدٍ والجَرَّاح بِكَسْرِ الْفَاءِ العَاطِفَةِ وهِيَ قَراءَةٌ ضَعِيفَةٌ مُشْكِلَةٌ. وَخَرَّجَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أنَّ الكَسْرَ فِي الْفَاءِ بَدَلٌ مِنْ كَسْرِ الْهَمْزَةِ [في] الابْتِدَاءِ. وقال ابْنُ عَطِيَّةَ: هِيَ قِرَاءةٌ مُشْكِلَةٌ، وَمنْ توجيهها أنْ يكُونَ راعَى كَسْرَ ألف الوَصْلِ إذَا ابْتَدَأ فَكَسَر الْفَاءَ مُرَاعَاةً، وتَذَكُّراً لِكَسْرِ ألِفِ الْوَصْلِ. وقال أبُو حَيَّان: وليس هُو عِنْدي كَسْراً مَحْضاً، بَلْ هو إمالةٌ مَحْضَةٌ لتوهُّمِ وُجُودِ كَسْرِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، كَمَا أمَالُوا "فإذَا" لِوُجُودِ كَسْرِ الهَمْزَة. فصل هَذَا أمْرُ إبَاحَةٍ، أبَاحَ لِلْحُلاَّلِ أخْذَ الصَّيْدِ، وظَاهِرُ الأمْرِ وإنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ فهو هنا للإبَاحَةِ، كقوله: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجمعة: 10]، وهو كقول القائِلَ: "لا تَدخُلَنَّ هذِهِ الدَّارَ حَتّى تُؤدِّيَ ثَمَنَها، فإذَا أدَّيْتَ فادْخُلْهَا" أيْ: فإذا أدَّيْتَ فقد أبيحَ لك دُخُولُهَا، وحاصِلُ الكلام أنَّا إنَّما عَرَفْنَا أنَّ الأمرَ هُنَا لَمْ يُفد الوُجوبَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وهذه الآيةُ مُتَعلِّقَةٌ بقوله {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 1] يعني [إذَا كَانَ الْمَانِعُ مِن] حل الاصطِيَادِ هُوَ الإحْرَامَ، فإذَا زَالَ الإحْرَامُ وَجَبَ أنْ يَزُول المنْعُ. قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} قرأ الجمهور: "يَجْرمنكم" بفتحِ اليَاءِ مِنْ "جَرَمَ" ثُلاثياً، وَمَعْنَى "جَرَمَ" عِنْدَ الكِسَائِيِّ وثَعْلَبٍ "حَمَلَ"، يقال: جَرَمَهُ على كَذا، أيْ: حَمَلَهُ علَيْهِ. قال الشاعر: [الكامل] شعر : 1918- وَلَقَدْ طَعَنْت أبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَة [جَرَمَتْ فَزَارَة] بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا تفسير : فَعَلى هذا التَّفْسِير يتعدَّى "جَرَم" لِوَاحدٍ، وهو الكافُ والميمُ، ويكونُ قولُهُ: "أَن تَعْتَدُواْ" عَلَى إسْقَاطِ حَرْفِ الخَفْضِ، وهو "عَلَى" أيْ: وَلاَ يَحْمِلنَّكُمْ بُغْضُكُمْ لِقَوْمٍ على اعْتِدَائِكُم عليْهِم، فَيَجِيءُ في مَحَلِّ "أنْ" الخلافُ المشْهُورُ، وإلى هذا المعْنَى ذَهَب ابنُ عبَّاسٍ وقَتَادَةُ. ومَعْنَاهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ والفَرَّاءِ: كسب، وَمِنْهُ فُلانٌ جَريمةُ أهْلِهِ أيْ: كَاسِبُهُم. وعَنِ الكِسَائيّ - أيضاً - أنَّ جَرَمَ وأجْرَمَ بِمَعْنَى: كَسَبَ غَيْرَهُ فَالْجَرِيمَةُ والجَارِمُ بِمَعْنَى الْكَاسِبِ، وأجْرَمَ فُلانٌ أيْ: اكْتَسَبَ الإثْمَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: [الوافر] شعر : 1919- جرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرَى العِظَام ما جَمَعتْ صَلِيبا تفسير : أيْ: كَاسِبٌ قُوَّةً، والصَّلِيبُ الوَدَكُ. قال ابنُ فَارِسٍ: يُقَالُ جَرَمَ وأجْرَمَ، ولا جَرَمَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: لا بُدَّ وَلاَ مَحَالَةَ [وأصْلُه] مِنْ جَرَمَ أيْ: كَسَبَ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أحدهُمَا: أنَّهُ مُتَعَدٍّ لِوَاحِدٍ. والثاني: [أنَّهُ] مُتَعَدٍّ لاثْنَيْنِ، [كما أنَّ "كَسَبَ" كَذلِكَ، وأمَّا في الآية الكريمة فلا يكون إلاَّ مُتَعَدِّياً لاثْنَيْن:] أوَّلُهمَا: ضَمِيرُ الْخطَابِ، والثَّانِي: "أنْ تَعْتَدُوا" أيْ: لا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغْضُكَمْ لقوم الاعْتِدَاءَ عَلَيْهِمْ. وَقَرَأ عَبْدُ الله "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ مِنْ "أجْرَمَ" رُبَاعِيّاً. وقيل: هو بمعنى "جَرَم" كما تقدم عن الكِسَائِي. وقيل: "أجْرَمَ" مَنْقُولٌ مِنْ "جَرَم" بهمزة التَّعْدِية. قال الزَّمَخْشَرِيّ: "جَرَمَ"؛ يجري مَجْرَى "كَسَبَ" في تعْدِيَتهِ إلى مَفْعُولِ وَاحِدٍ وإلى اثْنَيْن، تقولُ: جَرَمَ ذَنْباً أيْ كَسَبَهُ، وجرَمْتَهُ ذَنْباً، أيْ كَسَبْتَهُ إيَّاهُ، ويقال أجْرَمْتُه ذَنْباً على نقل المُتَعَدِّي إلى مفعولٍ بالهمزةِ إلى مَفْعُولَيْنِ كقولك: أكْسَبْتُهُ ذَنْباً، وعليه قراءةُ عبْدِ الله "وَلاَ يُجْرمَنَّكُمْ" وأوَّلُ المفعوليْنِ على القراءتين ضَمِيرُ المُخَاطَبِينَ. وثانيهما: "أَنْ تَعْتَدُوا" اهـ. وأصلُ هذه المادةِ - كما قال ابنُ عيسَى الرُّمَّانِي - القطعُ، فَجَرَمَ حُمِلَ عَلَى الشَّيءِ لِقَطْعِهِ عَنْ غيره، وجَرَمَ كَسَبَ لانْقِطَاعِهِ إلى الكَسْبِ، وجَرَمَ بِمَعْنَى حَقَّ؛ لأنَّ الحَقَّ يُقْطَعُ عَلَيْهِ. قَالَ الخَلِيلُ:"لاَ جَرَمَ أنَّ لَهُم الْنَّارَ" أيْ: لقد حَقَّ [هكذا] قاله الرُّمانيُّ، فجعل بين هذه الألفاظ قَدْراً مُشْتركاً، وليس عنده مِنْ باب الاشْتِراكِ اللَّفْظِيّ. و"شَنآن" [معناه]: بُغْض، وهو مَصْدَرُ شَنىءَ، أيْ: أبْغَضَ. وقرأ ابْنُ عَامِرٍ وأبُو بَكرٍ عَنْ عَاصِمٍ "شَنْآنُ" بسُكونِ النُّونِ، والباقون بِفَتْحِهَا، وجَوَّزُوا فِي كُلٍّ منهما أنْ يكونَ مَصْدراً، وأنْ يكُونَ وَصْفاً حَتَّى يُحْكى عَن أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قال: مَنْ زَعَمَ أنَّ "فَعلاَن" إذَا سُكِّنَتْ عَيْنُهُ لَم يكُنْ مَصْدَراً فَقَدْ أخْطَأ، لأنَّ "فَعْلان" بِسُكُونِ الْعَيْنِ قَلِيلٌ في المصَادِرِ، نحو: لَوْيتُه دَيْنَهُ لَيَّاناً، بَلْ هُوَ كَثير في الصِّفَاتِ نَحْوُ: سَكْرَان وَبَابُهُ و"فَعَلاَن" بالْفَتْحِ قليلٌ في الصفاتِ، قالُوا: حِمَارٌ قَطَوَان، أي: عَسِرُ السير، وتَيْسٌ عَدَوَان. قال: [الطويل] شعر : 1920-........................... كَتَيْس ظِبَاءِ الْحُلَّبِ العَدَوَانِ تفسير : ومِثْلُهُ قولُ الآخَرِ، أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ: [الطويل] شعر : 1921- وقَبْلَكَ مَا هَابَ الرِّجَالُ ظُلاَمَتي وَفَقَّأتُ عَيْنَ الأشْوَسٍ الأبَيَانِ تفسير : بِفَتْحِ الباء واليَاء، بل الكثيرُ أنْ يكُونَ مَصْدَراً، نحو: الغَلَيَان والنَّزَوَان، فإن أريد بـ "الشَّنْأنَ" السَّاكِن الْعَيْنِ الوصْفُ، فالمعْنَى: وَلاَ يَجرمنكُمْ بَغيضُ قَوْمٍ، وَبَغيضٌ بِمَعْنَى: مُبْغِضٍ، اسمُ فاعِلٍ من "أبْغَضَ"، وهو مُتعدٍّ، فَفَعِيلٌ بمعنى الفاعِلِ كقَدِير ونَصِير، وإضافَتُه لـ "قوْمٍ" على هذا إضَافَةُ بيانٍ، أيْ: إنَّ البغيض مِنْ بَيْنِهم، وليس مَضَافاً لفاعِل ولا مَفْعولٍ، بخلاف ما إذَا قَدَّرْتَهُ مَصْدراً فإنه يكون مُضَافاً إلى مَفْعُولِهِ أوْ فَاعِلِه كما سيأتي. وقال صاحبُ هذا القول: يُقَالُ: رَجُلٌ شَنْآنُ، وآمْرأةٌ شَنْآنَةٌ، كنَدْمَانَ، ونَدْمَانَةٍ، وقياسُ هذا أنْ يكونَ مِنْ فِعْلٍ متعد [وحكي: رجل شَنْآن، وامرأة شَنْأى كـ "سكران وسكرى" وقياس هذا أن يكون من فعل لازم]، ولا بُعْدَ في ذلك، فإنَّهم قد يشتقُّون من مادَّةٍ واحدةٍ القَاصِرَ والمتعدِّي، قالُوا: فَغَرْتُ فاه، وفَغَرَ فوه أيْ: فَتَحته فانفتح، [وإنْ] أُرِيدَ بِه المصدَرُ فَوَاضِحٌ، ويَكُونُ مُضَافاً إلى مفعُولِه، أيْ: بُغضكم لِقَوْم، فحذف الفاعل، ويجوزُ أنْ يكونَ مُضَافاً إلى فاعلِهِ، أيْ بُغْضُ قَوْمٍ إيَّاكُمْ، فحذف مَفْعُولَهُ. والأوَّلُ أظْهَرُ في المعنى، وحُكْمُ شَنَآنَ بِفَتْحِ النُّونَ مَصْدَراً وَصِفَةُ حُكْم إسْكَانِهَا، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ومِنْ مَجِيءِ شَنْآن السَّاكِنِ الْعَيْنِ مَصْدَراً قَوْلُ الأحوصِ: [الطويل] شعر : 1922- وَمَا الْحُبُّ إلاَّ مَا تَلَذُّ وتَشْتَهِي وإنْ لاَمَ فيه الشَّنَانِ وَفَنَّدَا تفسير : أرَادَ الشَّنْآنَ بِسُكُونِ النُّونِ فنقل حركة الهمزة إلى النُّونِ السَّاكنة، وحذف الهمزة [ولَوْلاَ سُكُونُ النُّونِ لما جَازَ النَّقْلُ ولو قال قَائِلٌ: إنَّ الأصْلَ الشَّنَآنُ بفتح النون] وخَفَضَ الهَمْزَةَ بحَذْفِهَا رَأساً، كما قُرِئ {إِنَّهَا لاَحْدَى الكُبَرِ} [المدثر: 35] بحذفِ همزة "إحْدَى" لكانَ قَوْلاً يَسْقُطُ به الدليلُ لاحتماله، و"الشَّنآن" بالفتح عَمَّا شذَّ عن القاعدةِ الكُلِّيَّةِ. قال سِبَوَيْه: كُلُّ بِنَاءٍ مِنَ المصادِرِ على وَزْنِ "فَعَلاَن" بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَم يتعدَّ فِعْلُهُ إلاَّ أنْ يَشذَّ شيءٌ كالشَّنَآنِ، يَعْنِي أنَّه مصدرٌ على "فَعَلاَن" بالفتح، ومع ذلك فعْلُهُ مُتَعِدّ، وفعلهُ أكثرُ الأفعالِ مَصَادِر سُمِعَ لَهُ سِتَّةَ عَشَرَ مَصْدراً، قالُوا: شَنِئَ ـ يَشْنَأُ [شَنْئاً] وشَنآناً مُثَلَّثي الشِّين، فهي سِتُّ لُغَاتٍ. وَقَرَأ ابْنُ وثَّابٍ، والحسنُ، والوليدُ عَنْ يَعْقُوبَ "يَجْرِمَنْكُمْ" بِسُكُونِ النُّون جعلوها نون التوكيد الخَفِيفةِ، والنَّهيُ في اللَّفْظِ للشَّنْآنِ، وهو في المعنى للمُخَاطبينَ نحو: "لا أريَنَّكَ هاهُنَا" و{وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] قالَهُ مَكِّيٌّ. فصل قال القَفَّالُ: هذا معطوفٌ على قوله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} إلى قوله: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} يعني: لا يَحْمِلَنكمْ عَدَاؤُكُمْ لِقَوْمٍ مِنْ أجْلِ أنَّهُمْ صَدُّوكُمْ عن المسْجِد الحَرَامِ أنْ [تَعْتَدوا فَتَمْنَعُوهُمْ] عَنِ المسْجِد الحرامِ، فإنَّ البَاطِل لا يَجُوز أنْ يعتدَى به. قال محمدُ بنُ جَرِير: هذه السورةَ نزلتْ بعد قِصَّةِ "الحُدَيْبِيَةِ"، فكان الصَّدُّ قد تقدّمَ، وليس للناس أنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً على العُدْوانِ، حتى إذا تَعَدَّى واحدٌ منهم على الآخر [تَعَدَّى ذلك الآخرُ] عليه، لكنَّ الواجبَ أنْ يُعِينَ بَعْضُهُم بَعْضاً على ما فيه البِرُّ والتَّقْوَى. قوله سبحانه وتعالى: {أَن صَدُّوكُمْ}. قرأ أبُو عَمرو، وابْنُ كَثِيرٍ، بِكَسْرِ "إنْ"، والباقُون بِفَتْحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ فعلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ، والْفَتْحُ على أنها عِلَّةٌ للشنآنِ، أيْ لا يَكسْبَنَّكُمْ أوْ لا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُكُمْ لِقَوْمٍ لأجْلِ صَدِّهِمْ إيَّاكُم عن المسْجِد الحرامِ، وَهِيَ قِراءةٌ واضِحَةٌ، وقد اسْتَشْكَلَ [الناسُ] قراءةَ الأخَويْن مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ المشروطَ لَمْ يَقَعْ والغَرضُ أن صَدَّهُمْ عنِ البيت الحَرَامِ كان قَدْ وَقَعَ، ونزولُ هذه الآيةِ مُتَأخرٌ عنه بمدّةٍ، فإنَّ الصَّدَّ وقع عَامَ "الحُدَيْبِيَة" وَهِيَ سَنَةُ سِتٍّ، والآيةُ نزلَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ. وأيضاً، فإنَّ "مَكَّةَ" كانت عامَ الفتحِ في أيْدِيهم، فكيف يُصَدُّونَ عَنْها. قال ابنُ جُرَيْج والنَّحاسُ وغيرُهما: هذه القراءةُ مُنْكَرَةٌ، واحْتَجُّوا بما تقدَّمَ مِنَ الإشْكَالِ. قال شهابُ الدِّين رحمه الله: ولا إشْكَالَ في ذَلِكَ، والجوابُ عَمَّا قَالُوه مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: ألاَّ نُسَلم أن الصَّدَّ كان قبلَ نُزولِ الآية؛ فإنَّ نُزُولَهَا عامَ الفتح ليس مُجْمَعاً عليه. وذكر اليزيدِيُّ أنَّها نزلتْ قبل الصَّدِّ، فصاد الصدُّ أمراً مُنْتَظَراً. والثاني: أنَّهُ وَإنْ سَلَّمْنَا أنَّ الصَّدَّ [كان مُتقَدَّماً على نُزُولِها، فيكون المَعْنَى: إنْ وقع صَدٌّ مِثْلُ ذلك الصدِّ] الذي وقع زمن "الحديبية" "فَلاَ يَجْرِمَنكُم". قال مَكِّي: ومثلُه عند سيبويْهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: [الطويل] شعر : 1923- أتَغْضَبُ إنْ أذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا ..................... تفسير : [وذلك شَيْء قد كان وقع، وإنما معناهُ:] إنْ وقع مِثْلُ ذلِكَ الغَضَبِ، وجوابُ الشَّرْطِ ما قَبْلَهُ، يَعْنِي: وجوابُ الشرطِ ما دَلَّ عليه ما قَبْلَهُ؛ لأنَّ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُونَ تَقْدِيمَ الْجَواب إلاَّ أبَا زَيْدٍ. وقال مَكِّي - أيضاً -: ونظيرُ ذلك أنْ يقولَ الرجلُ لامْرأتِهِ: أنْتِ طَالقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، بِكَسْر "إنْ" لَمْ تُطَلَّقْ بِدُخُولِهَا الأوَّلِ؛ لأنَّه أمْرٌ يُنْتَظَرُ، وَلَوْ فَتَحَ لَطُلِّقَتْ عَلَيْه؛ لأنَّه أمرٌ كَانَ وَوقَعَ، فَفَتْحُ "أنْ" لما هو عِلّةٌ لما كان ووقع، وكسرُهَا إنَّما هو لأمرٍ مُنتظر، والوَجْهَانِ حَسَنانِ على معنييهما وهذا الذي قاله مَكِّي فَصَّل فيه الفقهاءُ بين مَنْ يعرفُ النحوَ، وبين مَنْ لا يعرِفُهُ، وَيُؤيِّدُ هذه القراءةَ قراءةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ يَصُدُّوكُمْ". قال أبُو عُبَيْدَة: حدثنا حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ، قَالَ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ فذكرها قال: وهذا لا يَكُونُ إلاَّ عَلَى اسْتِئْنَافِ الصَّدِّ، يعني إنْ وقع صَدٍّ آخر، مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في عام "الحُدَيْبِيَة". ونَظْمُ هذه الآياتِ على ما هِيَ عَلَيْهِ مِنْ أبْلَغِ مَا يَكُونُ وأفْصَحه، وليس فيها تقديمٌ ولا تأخيرٌ كما زعم بعضُهم، فقال: أصلُ تركيب الآية الأولى {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 1] فإذا حَلَلْتُمْ فاصْطَادُوا. وأصلُ تركيب الثَّانِيَة: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}. ونَظَّرَه بآيةِ البقرةِ يَعْنِي: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} تفسير : [البقرة: 67]، وهذا لا حاجة إليه مع أنَّ التقديمَ والتَّأخيرَ عند الجمهورِ مِنْ ضَرَائِرِ الشِّعْرِ، فَيَجِبُ تَنْزيهُ القرآنِ عَنْه، ولَيْست الجملةُ - أيضاً - مِنْ قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} مُعْتَرِضَةً بَيْن قوله: {وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الحرامَ} وبَيْنَ قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}، بَلْ هي مؤسِّسةٌ ومُنْشِئَةٌ حُكْماً، وهو حِلُّ الاصْطيادِ عند التَّحَلُّلِ مِنَ الإحْرَامِ، والجملة المُعْتَرِضَةٌ إنَّما تُفِيد تَوْكيداً وتَسْديداً، وهذه مفيدةٌ حُكْماً جَدِيداً كما تقدم. وقوله: "أنْ تَعْتَدُوا" قَدْ تقدم أنَّه مِنْ مُتعلقاتِ {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} على أنَّه مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الجر، فمَنْ كَسَرَ {إنْ صَدُّوكُمْ} يكُون الشرطُ وجوابُه المقدَّرُ في مَحَلِّ جرٍّ صِفَةً لـ "قَوْم"، أيْ: شَنَآنُ قَوْمٍ هذه صِفَتُهُم ومَنْ فتحها فمحلُّها الجَرُّ والنَّصْبُ، لأنَّها على حَذْفِ لامِ الْعِلَّةِ كما تقدم. قال الزَّمخْشَرِيُّ: والمعنى: ولا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغضُ قَوْمٍ؛ لأنَّ صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. قال أبو حيّان: وهذا تفسيرُ مَعْنًى لا تفسير إعْراب؛ لأنّه يمتنعُ أنْ يكون مدلولُ "جرم" حمل وكسب في استعمالٍ واحدٍ لاختلاف مُقتضاهما، فَيَمْتَنِعُ أنْ يكُون [أنْ تَعْتَدوُا] في مَحَلِّ مفعول به، ومحلُّ مفعولٍ على إسْقاطِ حَرْف الجر. قال شهابُ الدِّين: هذا الذي قاله لا يتصَوَّرُ أنْ يتوهمه من له أدْنَى بَصَرٍ بالصِّنَاعةِ حتى ينبِّهَ عليه. وقد تقدم قراءةُ البَزِّي في نحو: "ولا تَعاوَنُوا" وأنَّ الأصَل: ["تتعاونوا" فأدغم] وحذف الباقون إحْدَى التاءيَنْ عند قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} [البقرة: 267]. قوله عز وجل: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} أيْ: ليعن بعضُكم بَعْضاً على البر والتقوى. قِيلَ: البِرُّ: متابعةُ الأمْرِ، والتَّقْوَى مُجانَبَةُ النَّهْيِ. وقيل: البرُّ: الإسلامُ، والتقوى: السُّنةُ. {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}. قيل الإثُم: الكفرُ، والعُدْوانُ: الظلمُ. وقيل: الإثمُ: المعصيةُ والعُدوان: البِدْعَةُ. وقال النَّواسُ بْنُ سَمْعان الأنْصَارِيّ: حديث : سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثْمِ، فقال: "البرُّ حُسْنُ الخلقِ، والإثمُ ما حَاكَ في [صَدْرِك]، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليه الناسُ""تفسير : ، ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}، والمرادُ منه التهديدُ والوعِيدُ.
البقاعي
تفسير : ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه، ولما كان منه ما نهى عن التعرض له لا مطلقاً، بل ما يبلغ محله، بدأ به لكونه في ذلك كالصيد، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه بالإحرام، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان، فقال مكرراً لندائهم تنويهاً بشأنهم وتنبيهاً لعزائمهم وتذكيراً لهم بما ألزموه أنفسهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي دخلوا في هذا الدين طائعين {لا تحلوا شعائر الله} أي معالم حج بيت الملك الأعظم الحرام، أو حدوده في جميع الدين، وشعائر الحج أدخل في ذلك، والاصطياد أولاها. ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقاً، أتبعه ما عممه في الزمان فقال: {ولا الشهر الحرام} أي فإن ذلك لم يزل معاقداً على احترامه في الجاهلية والإسلام، ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في الحرمة سواء. ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال: {ولا الهدي} وخص منه أشرفه فقال: {ولا القلائد} أي صاحب القلائد من الهدي، وعبر بها مبالغة في تحريمه؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقّى الخطاب إلى من قصده من العقلاء، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حامٍ له وزاجر عنه، مع ما زاد به من شرف العقل فقال: {ولا آمين} أي ولا تحلوا التعرض لناس قاصدين {البيت الحرام} لأن من قصد بيت الملك كان محترماً باحترام ما قصده. ولما كان المراد القصد بالزيارة بقوله: {يبتغون} أي حال كونهم يطلبون على سبيل الاجتهاد {فضلاً من ربهم} أي المحسن إليهم شكراً لإحسانه، بأن يثيبهم على ذلك، لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلاً؛ ولما كان الثواب قد يكون مع السخط قال: {ورضواناً} وهذا ظاهر في المسلم، ويجوز أن يراد به أيضاً الكافر، لأن قصده البيت الحرام على هذا الوجه يرق قلبه فيهيئه للإسلام، وعلى هذا فهي منسوخة. ولما كان التقدير: فإن لم يكونوا كذلك. أي في أصل القصد ولا في وصفه - فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرماً، والصيد حلال لكم، عطف عليه التصريح بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال: {وإذا حللتم} أي من الإحرام بقضاء المناسك والإحصار {فاصطادوا} وترك الشهر الحرام إذ كان الحرام فيه حراماً في غيره، وإنما صرح به تنويهاً بقدره وتعظيماً لحرمته، ثم أكد تحريم قاصد المسجد الحرام وإن كان كافراً، وإن كان على سبيل المجازاة بقوله: {ولا يجرمنكم} أي يحملنكم {شنئان قوم} أي شدة بغضهم. ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال: {إن} على سبيل الاشتراط الذي يفهم تعبير الحكم به أنه سيقع، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، والتقدير في قراءة الباقين بالفتح: لأجل أن {صدوكم} أي في عام الحديبية أو غيره {عن المسجد الحرام} أي على {أن تعتدوا} أي يشتد عدوكم عليهم بأن تصدوهم عنه أو بغير ذلك، فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه فيه حدود الشرع إلا وقوفاً عند حدوده، وهذا قبل نزول {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام}تفسير : [التوبة: 28] سنة تسع. ولما نهاهم عن ذلك، وكان الانتهاء عن الحظوظ شديداً على النفوس، وكان لذلك لا بد في الغالب من منتهٍ وآبٍ، أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: {وتعاونوا على البر} وهو ما اتسع وطاب من حلال الخير {والتقوى} وهي كل ما يحمل على الخوف من الله، فإنه الحامل على البر، فإن كان منكم من اعتدى فتعاونوا على رده، وإلا فازدادوا بالمعاونة خيراً. ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيهاً على الملازمة في المعاونة على الخير، ناهياً أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب إلا إذا كان الغضب له داعياً إلى بر وتقوى: {ولا تعانوا على الإثم} أي الذنب الذي يستلزم الضيق {والعدوان} أي المبالغة في مجاوزة الحدود والانتقام والتشفي وغير ذلك وكرر الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة على كل خير فقال: {واتقوا} أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا شيئاً من حدوده؛ ولما كان كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ وتبريد غلة الاحن في غاية العسر، ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {شديد العقاب}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله {لا تحلوا شعائر الله} قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله {لا تحلوا شعائر الله} وفي قوله {ولا الشهر الحرام} يعني لا تستحلوا قتالاً فيه {ولا آمين البيت الحرام} يعني من توجه قبل البيت، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت جميعاً، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً يحج البيت، أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذا {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28] وفي قوله {يبتغون فضلاً} يعني أنهم يترضون الله بحجهم {ولا يجرمنكم} يقول: لا يحملنكم {شنآن قوم} يقول: عداوة قوم {وتعاونوا على البر والتقوى} قال: البر. ما أمرت به {والتقوى} ما نهيت عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدي ما لم يقلدوا القلائد مقلدات الهدي {ولا آمين البيت الحرام} يقول: من توجه حاجاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {لا تحلوا شعائر الله} قال: مناسك الحج. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {لا تحلوا شعائر الله} قال: معالم الله في الحج. وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن عطاء أنه سئل عن شعائر الحج فقال: حرمات الله اجتناب سخط الله واتباع طاعته، فذلك شعائر الله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن قتادة في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد، واذا تقلد بقلادة شعر لم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمر الله أن لا يقاتل المشركون في الشهر الحرام ولا عند البيت، ثم نسخها قوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: نسخ منها {آمّين البيت الحرام} نسختها الآية التي في براءة {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقال {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} تفسير : [التوبة: 17] وقال {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر بالآذان. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {لا تحلوا شعائر الله...} الآية. قال: نسختها {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...} تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك. مثله. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم، فنزلت {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {لا تحلوا شعائر الله} قال: القلائد. اللحاء في رقاب الناس والبهائم أماناً لهم، والصفا والمروة والهدي والبدن كل هذا من شعائر الله قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم "هذا كله عمل أهل الجاهلية فعله وإقامته، فحرم الله ذلك كله بالإسلام إلا اللحاء القلائد ترك ذلك". وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في الآية قال: أما القلائد. فإن أهل الجاهلية كانوا ينزعون من لحاء السمر فيتخذون منها قلائد يأمنون بها في الناس، فنهى الله عن ذلك أن ينزع من شجر الحرم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {ولا الشهر الحرام} قال: هو ذو القعدة. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال "كان رسول الله ص بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا، فأنزل الله {ولا يجرمنكم....} الآية". وأخرج ابن جرير عن السدي قال: حديث : أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال: إلام تدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال: انظروا لعلي أسلم ولي من أشاوره، فخرج من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر تفسير : ، فمر بسرح من سرح المدينة، فساقه ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد وأهدى، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية حتى بلغ {ولا آمين البيت الحرام} فقال ناس من أصحابه: يا رسول الله خلِّ بيننا وبينه فإنه صاحبنا. قال: أنه قد قلد! قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية، فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال:حديث : قدم الحطم بن هند البكري المدينة في عير له تحمل طعاماً، فباعه ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه وأسلم، فلما ولى خارجاً نظر اليه فقال لمن عنده "لقد دخل عليَّ بوجه فاجر وولى بقفا غادر، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تهيأ للخروج اليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عيره، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} الآية. فانتهى القوم". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {ولا آمين البيت الحرام} قال: هذا يوم الفتح، جاء ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون، فمثل هؤلاء فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن {ولا آمين البيت الحرام}. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً} قال: يبتغون الأجر والتجارة حرم الله على كل أحد إخافتهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً} قال: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضواناً نماء يصلح لهم دنياهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: خمس آيات في كتاب الله رخصة وليست بعزمة {وإذا حللتم فاصطادوا} إن شاء اصطاد وإن شاء لم يصطد {أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا} تفسير : [الجمعة: 10]. {أية : أو على سفر فعدة من أيام أخر} تفسير : [البقرة: 184] {أية : فكلوا منها وأطعموا} تفسير : [الحج: 28]. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: خمس آيات من كتاب الله رخصة وليست بعزيمة {أية : فكلوا منها وأطعموا} تفسير : [الحج: 28] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل {وإذا حللتم فاصطادوا} فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل {أية : فمن كان منكم أو على سفر} تفسير : [البقرة: 184] فمن شاء صام ومن شاء أفطر {أية : فكاتبوهم إن علمتم} تفسير : [النور: 33] إن شاء كاتب وإن شاء لم يفعل، {أية : فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا} تفسير : [الجمعة: 10]، إن شاء انتشر وإن شاء لم ينتشر. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ولا يجرمنكم شنآن قوم} قال: لا يحملنكم بغض قوم. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله {ولا آمين البيت الحرام} قال: الذين يريدون الحج {يبتغون فضلاً من ربهم} قال: التجارة في الحج {ورضواناً} قال: الحج {ولا يجرمنكم شنآن قوم} قال: عداوة قوم {وتعاونوا على البر والتقوى} قال: البر. ما أمرت به، والتقوى. ما نهيت عنه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد في هذه الآية والبخاري في تاريخه حديث : عن وابصة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أريد أن أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه، فقال لي "يا وابصة أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسأل؟ قلت: يا رسول الله أخبرني! قال: جئت لتسأل عن البر والاثم، ثم جمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري، ويقول: يا وابصة استفت قلبك، استفت نفسك، البر: ما اطمأن اليه القلب واطمأنت اليه النفس، والإثم: ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن النوّاس بن سمعان قال:حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال "ما حاك في نفسك فدعه قال: فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن مسعود قال: الإثم حوّاز القلوب. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: الاثم حوّاز القلوب، فإذا حز في قلب أحدكم شيء فليدعه. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الإثم حوّاز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من رجل ينعش لسانه حقاً يعمل به إلا أجرى عليه أجره إلى يوم القيامة، ثم بوَّأه الله ثوابه يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل: يا رب، أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك؟ قال: يا داود أحب عبادي إليّ نقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءاً، ولا يمشي بالنميمة، تزول الجبال ولا يزول، أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟! قال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داود إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته، إلا أُثَبِّتُ قدميه يوم تزل الأقدام ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمة الله ورسوله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن أوس بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ". تفسير : وأخرج البيهقي من طريق فسيلة. أنها سمعت أباها وهوحديث : واثلة بن الأسقع يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن المعصية أن يحب الرجل قومه؟ قال "لا، ولكن من المعصية أن يعين الرجل قومه على الظلم". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو شاهد زور، ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع، وقتال المسلم كفر، وسبابه فسوق ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أعان قوماً على ظلم فهو كالبعير المتردي، فهو ينزع بذنبه". تفسير : ولفظ الحاكم: "حديث : مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى، فهو يمد بذنبه ".
ابو السعود
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} لمّا بـيّن حُرمةَ إحلال الإحرام الذي هو من شعائر الحج عقّب ذلك ببـيان حرمة إحلال سائر الشعائر، وإضافتُها إلى الله عز وجل لتشريفها وتهويلِ الخطب في إحلالها، وهي جمع شعيرةٍ وهي اسم لما أُشعِر، أي جُعل شِعاراً وعَلَماً للنُسُك من مواقيت الحج ومرامي الجمار والمطافِ والمسعى، والأفعالِ التي هي علاماتُ الحج يُعرف بها، من الإحرام والطوافِ والسعْي والحلق والنحر، وإحلالُها أن يُتهاوَن بحرمتها ويُحال بـينها وبـين المتنسّكين بها ويُحدَثَ في أشهر الحج ما يُصَدّ به الناسُ عن الحج. وقيل: المراد بها دينُ الله لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج، الآية 32] أي دِينه، وقيل: حرماتِ الله، وقيل: فرائضَه التي حدّها لعباده، وإحلالُها الإخلالُ بها، والأول أنسبُ بالمقام. {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي لا تُحِلّوه بالقتال فيه، وقيل: بالنّسيء، والأول هو الأولى بحالة المؤمنين، والمراد به شهر الحج، وقيل: الأشهر الأربعة الحرم، والإفراد لإرادة الجنس {وَلاَ ٱلْهَدْىَ} بأن يُتعرَّضَ له بالغَضْب أو بالمنع عن بلوغِ مَحِلِّه، وهو ما أُهدِيَ إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاءِ، جمعُ هَدْيَة كجَدْيٍ وجَدْية {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} هي جمعُ قِلادة، وهي ما يُقلَّد به الهدْيُ من نعلٍ أو لِحاءِ شجرٍ ليُعلم به أنه هدْيٌ فلا يُتعرَّضَ له، والمراد النهيُ عن التعرض لذوات القلائد من الهدْي وهي البُدْن، وعطفُها على الهدي مع دخولها فيه لمزيد التوصية بها لمزيتها على ما عداها، كما عَطفَ جبريلَ وميكالَ على الملائكة عليهم السلام، كأنه قيل: والقلائدَ منه خصوصاً، أو النهيُ عن التعرض لنفس القلائدِ مبالغةً في النهي عن التعرض لأصحابها، على معنى لا تُحِلّوا قلائدَها فضلاً عن أن تحلوها، كما نهىٰ عن إبداء الزينة بقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } تفسير : [النور، الآية 31] مبالغةً في النهي عن إبداء مواقِعِها {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} أي لا تُحلّوا قوماً قاصدين زيارته بأن تصُدّوهم عن ذلك بأي وجه كان، وقيل: هناك مضافٌ محذوف أي قتالَ قومٍ أو أذى قوم آمين الخ، وقُرىء ولا آمِّي البـيتِ الحرامِ بالإضافة، وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً} حالٌ من المستكنِّ في آمين لا صفةٌ له، لأن المختار أن اسم الفاعل إذا وُصف بطَلَ عملُه أي قاصدين زيارته حال كونهم طالبـين أن يُثيبَهم الله تعالى ويرضَى عنهم. وتنكيرُ (فضلاً ورضواناً) للتفخيم، و(من ربهم) متعلق بنفس الفعل، أو بمحذوفٍ وقع صفة لفضلاً مُغنيةً عن وصفِ ما عُطف عليه بها، أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك. والتعرُّضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعارِ بحصول مبتغاهم. وقُرىء (تَبْتغون) على الخطاب، فالجملة حينئذ حال من ضمير المخاطَبـين في (لا تُحلوا) على أن المرادَ بـيانُ منافاة حالهم هذه للمنهيِّ عنه لا تقيـيدُ النهي بها، وإضافة الرب إلى ضمير الآمّين للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم، وحِرمانِ المخاطَبـين عنه وعن نيل المُبتغىٰ، وفي ذلك من تعليلِ النهْي وتأكيدِه والمبالغة في استنكار المنهيّ عنه ما لا يخفى، ومن هٰهنا قيل: المراد بالآمّين هم المسلمون خاصة، وبه تمسك من ذهب إلى أن الآية مُحْكمة، وقد رُوي أن النبـي عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : سورة المائدة من آخِرِ القرآن نزولاً فأحِلّوا حَلالَها وحرِّموا حرامَها»تفسير : . وقال الحسن رحمه الله تعالى: ليس فيها منسوخ، وعن أبـي ميسرة: فيها ثماني عشرةَ فريضةً وليس فيها منسوخ. وقد قيل: هم المشركون خاصة لأنهم المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم دون المؤمنين، على أن حرمة إحلالهم ثبتت بطريق دلالة النص، ويؤيده أن الآية نزلت في الحطم بنِ ضبـيعة البَكْري وقد كان أتى المدينة فخلّف خيلَه خارجها فدخل على النبـي عليه الصلاة والسلام وحده ووعده أن يأتيَ بأصحابه فيُسلموا، ثم خرج من عنده عليه السلام فمر بسَرْح المدينة فاستاقه، فلما كان في العام القابل خرج من اليمامة حاجاً في حُجّاج بكرِ بنِ وائل ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدْي، فسأل المسلمون النبـي صلى الله عليه وسلم أن يُخلِّيَ بـينهم وبـينه فأباه النبـي عليه الصلاة والسلام فأنزل الله عز وجل: {يَـٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} الآية، وفُسِّر ابتغاءُ الفضل بطلب الرزق بالتجارة، وابتغاءُ الرضوان بأنهم كانوا يزعُمون أنهم على سِدادٍ من دَيْنهم، وأن الحج يقرّبهم إلى الله تعالى، فوصفهم الله تعالى بظنهم، وذلك الظنُّ الفاسد وإن كان بمعزل من استتباع رضوانِه تعالى لكن لا بُعدَ في كونه مداراً لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصِهم عن المكاره العاجلة لا سيما في ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره، وقال قتادة: هو أن يُصلح معايشَهم في الدنيا ولا يعجّلَ لهم العقوبة فيها، وقيل: هم المسلمون والمشركون، لما رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما أن المسلمين والمشركين كانوا يُحجّون جميعاً فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البـيت بقوله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ} الآية، ثم نزل بعد ذلك، {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ }تفسير : [التوبة، الآية 28] وقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله }تفسير : [التوبة، الآية 17] وقال مجاهد والشعبـي: (لا تحلوا) نُسخ بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة، الآية 5] ولا ريب في تناول الآمّين للمشركين قطعاً، إما استقلالاً وإما اشتراكاً لما سيأتي من قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} الخ، فيتعين النسخُ كُلاًّ أو بعضاً، ولا بد في الوجه الأخير من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين، فقيل: ابتغاء الفضل أي الرزق للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة، ويجوز أن يكون الفضلُ على إطلاقه شاملاً للفضل الأخروي أيضاً، ويختص ابتغاؤه بالمؤمنين {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ} تصريح بما أشير إليه بقوله تعالى: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجِبِها، والأمر للإباحة بعد الحظر كأنه قيل: إذا حَلَلْتم فلا جُناح عليكم في الاصطياد، وقرىء أَحْللتم، وهو لغة في حلَّ، وقُرىء بكسر الفاء بإلقاءِ حركة همزة الوصل عليها وهو ضعيف جداً. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} نهَى عن إحلال قومٍ من الآمِّين خُصّوا به مع اندراجهم في النَهْي عن إحلال الكلِّ كافة، لاستقلالهم بأمور ربما يُتوهَّم كونُها مُصحِّحةً لإحلالهم، داعيةً إليه. وجَرَم جارٍ مَجْرى كَسَبَ في المعنى وفي التعدِّي إلى مفعول واحد وإلى اثنين، يقال: جَرَم ذنباً نحوُ كسبَه، وجرَمتُه ذنباً نحو كَسَبْتُه إياه، خلا أن جَرَم يستعمل غالباً في كسْبِ ما لا خير فيه، وهو السبب في إيثارِه هٰهنا على الثاني. وقد يُنقل الأولُ من كلَ منهما بالهمزة إلى معنى الثاني، فيقال: أجرمته ذنباً وأكسبته إياه، وعليه قراءة من قرأ يُجرِمَنَّكم بضم الياء {شَنَآنُ قَوْمٍ} بفَتْح النون وقرىء بسكونها، وكلاهما مصدرٌ أضيف إلى مفعوله، لا إلى فاعله كما قيل، وهو شدة البغض وغاية المقت {أَن صَدُّوكُمْ} متعلق بالشنآن بإضمار لام العلة أي لئن صدوكم عامَ الحُدَيْبـية {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} عن زيارته والطواف به للعمرة، وهذه آية بـيّنةٌ في عموم آمّين للمشركين قطعاً، وقُرىء إِنْ صدوكم على أنه شرط معترضٌ أغنىٰ عن جوابه (لا يجرمنكم)، قد أبرز الصدَّ المحقّقَ فيما سبق في معرِض المفروض، للتوبـيخ والتنبـيه على أن حقه ألا يكون وقوعُه إلا على سبـيل الفرض والتقدير {أَن تَعْتَدُواْ} أي عليهم، وإنما حُذف تعويلاً على ظهوره وإيماءً إلى أن المقصِدَ الأصلي من النهْي منعُ صدورِ الاعتداء عن المخاطَبـين محافظةً على تعظيم الشعائر، لا منعُ وقوعِه على القوم مراعاة لجانبهم، وهو ثاني مفعولَيْ (يجرمنكم)، أي لا يَكسِبَنَّكم شدةُ بغضِكم لهم ـ لصدهم إياكم عن المسجد الحرام ـ اعتداءَكم عليهم وانتقامَكم منهم للتشفّي، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عن كسب الاعتداء للمخاطَبـين، لكنه في الحقيقة نهيٌ لهم عن الاعتداء على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني، وإبطالٌ للسببـية، وقد يوجِّه النهيُ إلى المسبَّب ويراد النهيُ عن السبب كما في قوله: لا أُرَيَنّك هٰهنا. يريد به نهي مخاطِبَه عن الحضور لديه، ولعل تأخير هذا النهي عن قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ} مع ظهور تعلقِه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به، بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتُهم عن الشعائر بالكلية وبذلك يُعلم بقاءُ حرمة التعرضِ لسائر الآمّين بالطريق الأَوْلى. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ} لما كان الاعتداءُ غالباً بطريق التظاهرُ والتعاون أُمروا إِثْرَ ما نُهوا عنه بأن يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى، ومتابعةِ الأمر ومجانبةِ الهوى، فدخل فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والإغضاءِ عما وقع منهم دخولاً أولياً، ثم نُهُوا عن التعاون في كل ما هو من مَقولة الظلمِ والمعاصي بقوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} فاندرج فيه النهيُ عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني، وأصل (لا تعاونوا) لا تتعاونوا فحذَفَ منه إحدى التاءين تخفيفاً، وإنما أَخَّر النهْي عن الأمر ـ مع تقدُّم التخلية على التحلية ـ مسارعةً إلى إيجاب ما هو مقصود بالذات، فإن المقصود من إيجاب تركِ التعاونِ على الإثم والعدوان إنما هو تحصيلُ التعاون على البر والتقوى، ثم أُمروا بقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفةُ ما ذُكر من الأوامر والنواهي، فثبت وجوبُ الاتقاءِ فيها بالطريق البرهاني ثم علل ذلك بقوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي لمن لا يتقيه فيعاقبكم لا محالة إن لم تتقوه، وإظهارُ الاسم الجليل لما مرّ مراراً من إدخال الرَّوْعة وتربـية المهابةِ وتقويةِ استقلال الجملة.
التستري
تفسير : سئل عن قوله: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}[2] فقال: البر الطاعة لله واتقاء المعصية.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}. قيل البر: ما وافقك عليه العلم من غير خلاف والتقوى مخالفة الهوى {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} قيل: الإثم طلب الرُّخص، والعدوان هو التخطى إلى الشبهات. وقيل: البر: ما اطمأن إليه قلبك من غير أن تنكره بجهة ولا سبب. وقال بعضهم: {تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} هو طاعة الأكابر من السادات والمشايخ فلا تضيعوا حظوظكم منهم، ومن معاونتهم وخدمتهم {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ} وهو الاشتغال بالدنيا {وَٱلْعُدْوَانِ} هو: موافقة النفس على مرادها وهواها. قال الحسين: يصح للمتوكل الكسب بنية المعاونة لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} ويصح له ترك الكسب بحقيقة ضمان الله له، فإن خالف فى العقد تركًا أو كسبًا فقد أخطأ. وقال سهل: البر: الإيمان. والتقوى: السُّنة. والإثم: الكفر. والعدوان: البدعة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}. الشعائر معالم الدِّين، وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين، ولا يكون ذلك إلا بالاستسلام عند هجوم التقدير، والتزام الأمر بجميل الاعتناق، وإخلال الشعائر (يكون) بالإخلال بالأوامر. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ}. تعظيم المكان الذي عظَّمه الله، وإكرامُ الزمان الذي أكرمه الله. وتشريف الإعلام على ما أمر به الله - هو المطلوب من العبيد أمراً، والمحبوب منه حالاً. قوله جلّ ذكره: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}. وبالحريِّ لمن يقصد البيت ألا يخالف ربَّ البيت. والابتغاء للفضل والرضوان بتوقِّي موجبات السخط، ومجانبة العصيان. قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ}. وإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم، فأمّا ما دمتم تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم، وإنكم لنا. قوله {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ...} أي لا يحملكم بغضُ قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حدَّ الإذن في الانتقام، أي كوّنوا قائمين بنا، متجردين عن كل نصيب وحَظٍّ لكم. قوله جلّ ذكره: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}. البِرُّ فِعْلُ ما أُمِرْتَ به، والتقوى تَرْكُ ما زُجِرتَ عنه. ويقال البِرُّ إيثار حقه - سبحانه، والتقوى تركُ حظِّك. ويقال البِرُّ موافقة الشرع، والتقوى مخالفةُ النَّفْس. ويقال المعاونة على البِرِّ بحُسْنِ النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة على التقوى بالقبض على أيدي الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ وبليغ الزجر، وتمام المنع على ما يقتضيه شرط العلم. والمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئاً مما يقتدى بك لا يرضاه الدِّين، فيكون قولُك الذي تفعله ويقتدى بك (فيه) سُنَّةً تظهرها و (عليك) نبُوُّ وِزْرِها. وكذلك المعاونة على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخِصال على الوجه الذي يُقْتدَى بكل فيه. قوله جلّ ذكره: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. العقوبة ما تعقب الجُرْم بما يسوء صاحبه. وأشد العقوبة حجاب المُعَاقَبِ عن شهود المُعَاقِب؛ فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء بشهود المُبْلِي أحلى من العسل والشهد.
البقلي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} خاطب العارفين عند اخذ ميثاق التوحيد فى مقام قرب المشاهدة بان لا يباشروا محارم منازل اسفار الارواح من القدم الى البقاء وهى شعائره للنفوس حيث سارت فى حرمات الشهوات حتى لا يوافقوها فى طلب حظوظها وهذا معنى قوله لا تحلو شعائر الله ثم وقت لهم فى سير الاسرار الى مشاهدته فى زمان ظهور تجلى الخاص ان يتجردوا واغيره ويمنعوا انفسهم فى زمان انجذابهم من عالم الحدثان الى جناب الرحمن عن الدخول فى حمى الرفض الذى هو ينزل اهل الانبساط وهذا معنى قوله تعالى {للَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} واذا راوا طلاب المريدين الذين ذهبوا انفسهم الى الله هديا فى سلوك المقامات وراو الجذوبين والمقلدين بسلسلة المحبة فى مزار الحالات والسالكين القاصدين الى كعبة المشادة الذين يبتغون وصلته وبقاءه بان لا يغروهم عليهم بغيره المعرفة ارادة لقطع طريقهم ليلا يروا غير نفوسهم فى باب الازل كما فعل موسى عليه السلام ببلعام وهذا معنى قوله تعالى {وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} ثم رخص المحرمين مما دونه اذا بلغتم الى مقام المشاهدة ووجدتم عيد الا كبر وخرجتم من احرام المجاهدة اصطاد فى منزل البسط والانبساط زيادة روح القربة والتنفس فى الانس من ترنم الحان بلابل بساتين الربيع وسماع اصوات الطيبات ومشاهدة المستحسنات لا ترى الى قلوه عليه السلام لتساك الغيب حين تضايقت الاكوان عليهم فى مقام القبض كيف قال روحوا قلوبكم ساعة فساعة وهذا معنى قوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} واذا كنتم فى زمان الامتحان ويتعرضكم اهل ظاهر السبيل والعلم يمنعكم عن الجلوس بالسماع الرقص والهيجان والوجد والهيمان عن دخولكم مرار الله من المواقف القدسية لا تخاصموهم ولا تقتلوهم بانفسكم القاتلة حتى لا يكون عليكم رقم الاضطراب فى الطريقة وهذا معنى قوله تعالى {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} واذا تحير المريديون فى بيداء الشوق وهاموا فى وادى العشق وفنو فى قفار التويحد زيدوا عليهم وصف مشاهدتى ولذة وصالى وقدس عظمتى ليزيد حرقتهم ورغبتهم ومحبتهم لقائى ويزيد سرعتهم فى سيرة العشق والشوق الى واذا وقع فى طريقهم جظ من حظوظ انفسهم من ابواب الرخص والتاويلات فامنعوهم منه واتقوا من احتجابى عنكم حين احتجبوا منى فان عذاب الفراق منى اشد العذاب وما ذكرنا فهو معنى قوله تعالى {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ} قيل البر ما وافق عليه العلم من غير خلاف والتقوى مخالفة الهوى واغلاثمن طلب الرخص والعدوان التخطى الى الشبهات قيل البر ما اطمان اليه قلبك من غير ان يكره بجهة ولا سبب قال بعضهم تعاونوا على البر والتقوى وهو طاعة الا كابر من السادات والمشائخ ولا تضيعوا حظوظكم منهم ومن معاونتهم وخدمتهم والا تعاونوا على الاثم وهو الاشتغال بالدنيا والعدوان موافقة النفس على مرادها وهواها وقال سهل البر الايمان والتقوى السنة والاثم الكفر والعدوان البدعة وعن جعفر عليه السلام قال البر الايمان والتقوى الاخلاص والاثم الكفر والعدوان المعاصى وقال الاستاد فى قوله واذا حللتم فاصطادوا واذا خرجتم عن اسر حقوقنا فارجوا الى اسجلاب حظوظكم فاما دمتم تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم لانكم لنا وقد وقع لى فى البر معنى البى المحبة والتقوى المعرفة والاثم حظ المشاهدة من المشاهدة والعدوان دعوى الانانية فى الاتحاد لانه احتجب الربوبية عن الربوبية فى العبودية.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} نزلت فى الخطيم واسمه "حديث : شريح بن ضبيعة البكرى اتى المدينة من اليمامة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبى صلى الله عليه وسلم فقال له الى ما تدعو الناس فقال "الى شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة" فقال حسن ألا ان لى امراء لا اقطع امرا دونهم لعلى اسلم وآتى بهم وقد كان النبى عليه السلام قال لاصحابه "يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان" ثم خرج شريح من عنده فقال عليه السلام "لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم" فمر بسرح المدينة فاستاقه فانطلق فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام المقبل خرج حاجا فى حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدى فقال المسلمون للنبى عليه السلام هذا الخطيم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه فقال النبى عليه السلام "انه قد قلد الهدى" فقالوا يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية فابى النبى عليه السلام فانزل الله هذه الآية " .تفسير : وكان المشركون يحجون ويهدون فاراد المسلمون ان يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. والشعائر جمع شعيرة وهى اسم لما اشعر اى جعل شعائر اى علما للنسك من مواقف الحج ومرامى الجمار والمطاف والمسعى والافعال التى هى علامات الحاج يعرف بها من الاحرام والطواف والسعى والحلق والنحر والمعنى لا تتهاونوا بحرمتها ولا تقطعوا اعمال من يحج بيت الله ويعظم مواقف الحج {ولا الشهر الحرام} اى ولا تستحلوا القتل والغارة فى الشهر الحرام وهو شهر الحج والاشهر الاربعة الحرم وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب والافراد لارادة الجنس {ولا الهدى} بان يتعرض له بالغصب او بالمنع من بلوغ محله وهو ما اهدى الى الكعبة من ابل او بقر او شاة تقربا الى الله تعالى جمع هدية {ولا القلائد} اى ذوات القلائد من الهدى بتقدير المضاف وعطفها على الهدى للاختصاص فانها اشرف الهدى اى ولا تحلوا ذوات القلائد منها خصوصا وهى جمع قلادة وهى ما يشد على عنق البعير وغيره من نعل او لحاء شجرة او غيرهما ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له {ولا آمين البيت الحرام} اى ولا تحلوا قوما قاصدين زيارة الكعبة بان تصدوهم عن ذلك بأى وجه كان {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} حال من المستكن فى آمين اى قاصدين زيارته حال كونهم طالبين الرزق بالتجارة والرضوان اى على زعمهم لان الكافر لا نصيب له فى الرضوان اى رضى الله تعالى ما لم يسلم. قال فى الارشاد انهم كانوا يزعمون انهم على سداد من دينهم وان الحج يقربهم الى الله تعالى فوصفهم الله بظنهم وذلك الظن الفاسد وان كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى لكن لا بعد فى كونه مدارا لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصهم من المكاره العاجلة لا سيما فى ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره انتهى. وهذه الآية الى ههنا منسوخة بقوله تعالى {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5]. وبقوله {أية : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28]. فلا يجوز ان يحج مشرك ولا يأمن كافر بالهدى والقلائد. قال الشعبى لم ينسخ من سورة المائدة الا هذه الآية {واذا حللتم فاصطادوا} تصريح بما اشير اليه بقوله تعالى {أية : وانتم حرم} تفسير : [المائدة: 1]. من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجبها والامر للاباحة بعد الحظر كأنه قيل واذا حللتم من الاحرام فلا جناح عليكم فى الاصطياد {ولا يجرمنكم} يقال جرمنى فلان على ان صنعت كذا اى حملنى والمعنى لا يحملنكم {شنآن قوم} اى شدة بعضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت اضيف الى المفعول او الفاعل فالمعنى على الاول بغضكم لبعض فحذف الفاعل وعلى الثانى بغض قوم اياكم فحذف المفعول {ان صدوكم عن المسجد الحرام} اى لان منعوكم عن زيارته والطواف به للعمرة عام الحديبية {ان تعتدوا} ثانى مفعولى يجرمنكم اى لا يحملنكم شدة بغضكم لهم لصدهم اياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفى {وتعاونوا} اى ليعن بعضكم بعضا {على البر والتقوى} اى على العفو والاغضاء ومتابعة الامر ومجانبة الهوى {ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} اى لا يعن بعضكم بعضا على شىء من المعاصى والظلم للتشفى والانتقام وليس للناس اى يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى اذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه لكن الواجب ان يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى. واصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذف منه احدى التاءين تخفيفا وانما اخر للنهى عن الامر مع تقدم التخلية مسارعة الى ايجاب ما هو مقصود بالذات فان المقصود من ايجاب ترك التعاون على الاثم والعدوان انما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال "حديث : البر حسن الخلق والاثم ما حاك فى نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس " .تفسير : {واتقوا الله} فى جميع الامور التى من جملتها مخالفة ما ذكر من الاوامر والنواهى فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهانى {ان الله شديد العقاب} فانتقامه اشد لمن لا يتقيه. واعلم ان شعائر الله فى الحقيقة هى مناسك الوصول الى الله وهى معالم الدين والشريعة ومراسم آداب الطريقة باشارة ارباب الحقيقة فان حقيقة البر هو التفرد للحق وحقيقة التقوى هو الخروج عما سوى الله تعالى فالوصول لا يمكن الا بهما لكنهما خطوتان لا يمكن للمريد الصادق ان يتخطى بها الا بمعاونة شيخ كامل مكمل واصل موصل فانه دليل هذا الطريق: قال الحافظ شعر : بكوى عشق منه بى دليل راه قدم كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد تفسير : وقال ايضا شعر : شبان وادائ ايمن كهى رسد بمراد كه جند سال بجان خدمت شعيب كند تفسير : وفى الآية اشارة الى تعظيم ما عظمه الله من الزمان والمكان والاخوان وقد فضل الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتتسارع القلوب الى احترامها وتتشوق الارواح الى احيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها وفضل الامكنة بعضها على بعض ليعظم الاجر بالاقامة فيها وخلق الله الناس سعيدا وشقيا والعبرة بالخاتمة وكل مخلوق من حيث انه مخلوق الله حسن حتى انه ينبغى ان يكون النظر الى الكافر من حيث انه مخلوق الله لا من حيث كفره وان لم يرض بكفره فعلى الناظر بنظر التوحيد ان يحسن النظر ولا يحقر احدا من خلق الله ولا يشتغل بالعداوة والبغضاء: قال السعدى قدس سره شعر : دلم خانه مهر يارست وبس ازان مى نكنجد دروكين كس تفسير : ومن كلمات اسد الله كرم الله وجهه العداوة شغل يعنى من اشتغل بالعداوة ينقطع عن الاشتغال بالامور المفيدة النافعة لان القلب لا يسع الاشتغالين المتضادين شعر : هركه بيشه كند عداوت خلق از همه جيزها جدا كردد كه دلش خسته عنا باشد كه تنش بسته بلا كردد تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم موصوفا بمكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال فعليك ان تقتدى به ولما مدح الله الانبياء عليهم السلام ووصف كل نبى بصفة قال له تعالى {أية : فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90]. ففعل فصار مستجمعا لكمال خصال الخير وكان كل واحد منهم مخصوصا بخصلة مثل نوح بالشكر وابراهيم بالحلم وموسى بالاخلاص واسماعيل بصدق الوعد ويعقوب وايوب بالصبر وداود بالاعتذار وسليمان بالتواضع وعيسى بالزهد فلما اقتدى بهم اجتمع له الكل فانت ايها المؤمن من امة ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فاتق الله واستحى من رسول الله كى تنجو من العقاب الشديد والعذاب المديد وتظفر بالخلد الباقى بالنعيم المقيم وتنال ما نال اليه ذو القلب السليم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الشعائر: جمع شَعيرة، وهي اسم ما أشعر، أي: جعل علامة على مناسك الحج ومواقفه و {لا يجرمنّكم} أي: يحملنّكم، أو يكسبنّكم، يُقال: جرم فلان فلانًا هذا الأمر، إذا أكسبه إيّاه وحمله عليه. والشنآن: هو البغض والحقد، يقال: بفتح النون وإسكانها، و {أن صدّوكم} مفعول من أجله، و {أن تعتدوا} مفعول ثانٍ ليحرمنّكم. ومَن قرأ: ( إن صدّوكم)، بالكسر فشرط، أغنى عن جوابه: {لا يجرمنّكم}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلّوا شعائر الله} أي: لا تستحلّوا شيئًا من ترك المناسك، وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمرهم الله ألاّ يتركوا شيئًا من المناسك، أي: لا تحلّوا ترك شعائر الله {ولا} تحلّوا {الشهر الحرام} بالقتال أو السَّبْي، وهذا قبل النسخ، {ولا} تحلّوا {الهَدْيَ}، أي: ما أُهْدِيَ إلى الكعبة، فلا تتعرّضوا له ولو من كافر، {ولا} تحلّوا {القلائد} أي: ذوات القلائد، وهي الهَدْي المقلّدة، وعطفها على الهَدْي للاختصاص؛ فإنها أشرف الهَدْي، أي لا تتعرضوا للهَدْي مطلقًا. والقلائد جمع قِلادة، وهي: ما قُلِّدَ به الهَدْي من نَعْل أو لِحاء الشجر، أو غيرهما، ليُعلَم به أنه هَدْي فلا يُتَعَرَّض له، {ولا} تحلّوا {آمِّين} أي: قاصِدين البيت الحرام، أي: قاصدين لزيارته، {يبتغون فضلاً من ربّهم ورضوانًا} أي: يطلبون رزقًا بالتجارة التي قصدوها، ورضوانًا بزعمهم، لأنهم كانوا كُفّارًا. وذلك، أن الآية نزلت في الحُطَم بن ضُبَيْعة، وذلك أنه أتى المدينة، فخلَّف خَيْلَه خَارجَ المدِينةَ، ودخل وحْدَه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: إلامَ تدعُو النَّاس إليه؟ فقال له: "حديث : إلى شَهادة أنْ لا إله إلا اللهُ وإقَام الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكاة" تفسير : . فقال: حَسَنٌ، إلاّ أن لي أُمَرَاءَ لا أقطعُ أمْرًا دُونَهُمْ، ولَعَلَّي أُسْلِم، فخرج وغار على سَرْحِ المدينة فاسْتَاقَهُ، فما كان في العام المقبل خرج حاجًا مع أهل اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلّد الهَدْيَ، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحُطَمُ قد خرج حاجًا فخَلِّ بيننا وبينه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنه قلّد الهَدْيَ"تفسير : ، فقالوا يا رسول الله: هذا شيء كنّا نفعله في الجاهلية ـ أي تقيه ـ، فأبى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: كان المشركون يحجّون ويهدون، فأرادَ المسلمون أن يُغِيرُوا عليهم، فنهاهم الله تعالى بالآية. {وإذا حللتم} من الحج والعمرة {فاصطادوا}، أمْر إباحة؛ لأنه وقع بعد الحَظْر، {ولا يجرمنّكم} أي: لا يحملنّكم، أو لا يكسبنّكم {شنآن قوم} أي: شدّة بغضكم لهم لأجل {أن صدّوكم عن المسجد الحرام} عام الحديبية {أن تعتدوا} بالانتقام منهم؛ بأن تحلّوا هداياهم وتتعرّضوا لهم في الحرم. قال ابن جزيّ: نزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة، فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل؛ لأنهم كانوا قد صدّوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم؛ لأن الله عَلِمَ أنهم يؤمنون. هـ. ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبَة:5]. ثم قال تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى} كالعفو، والإغضاء، ومتابعة الأمر، ومُجانَبة الهوى. وقال ابن جزيّ: وصية عامّة، والفرق بين البرّ والتقوى؛ أن البرّ عامّ في الواجبات والمندوبات، فالبرّ أعمّ من التقوى. هـ. {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} كالتشفّي والانتقام. قال ابن جُزَيّ: الإثم: كل ذنب بين الله وعبده، والعدوان: على الناس. هـ. {واتقوا الله إن الله شديد العقاب}؛ فانتقامه أشد. الإشارة: قد أمر الحق ـ جلّ جلاله ـ بتعظيم عباده، وحِفظ حُرمتهم كيفما كانوا، "فالخلق كلّهم عِيال الله، وأحبّ الخلقِ إلى اللهِ أنفعُهُمْ لِعِياله"، فيجب على العبد كفّ أذاه عنهم وحمل الجفا منهم، وألاَّ ينتقم لنفسه ممَّن آذاه منهم، ولا يحمله ما أصابه منهم على أن يعتدي عليهم ولو بالدعاء، بل إن وسَّع الله صدره بالمعرفة قابلهم بالإحسان، ودعا لعدوّه بصلاح حاله؛ حتى يأخذ الله بيده، وهذا مقام الصّديقيَة العظمى والولاية الكبرى، وهذا غاية البرّ والتقوى الذي أمر الله ـ تعالى ـ بالتعاون عليه، والاجتماع إليه، دون الاجتماع على الإثم والعدوان، وهو الانتصار للنفس والانتقام من الأعداء، فإن هذا من شأن العوامّ، الذين هم في طرف مقام الإسلام. والله تعالى أعلم. ثمَّ بيَّن ما وعد به في قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، فقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}.
الطوسي
تفسير : [القراءة]: قرأ أبو بكر عن عاصم، وابو جعفر واسماعيل المسيبي {شنئآن} بسكون النون الاولى في الموضعين. الباقون بفتحها وقرأ ابن كثير وأبو عمر {وإن صدوكم} بكسر الهمزة الباقون بفتحها. [المعنى]: هذا خطاب من الله (تعالى) للمؤمنين ينهاهم ان يحلوا شعائر الله. واختلفوا في معنى شعائر الله على سبعة اقوال: فقال بعضهم: معناه لا تحلوا حرمات الله، ولا تعدوا حدوده، وحملوا الشعائر على المعالم. وارادوا بذلك معالم حدود الله وأمره ونهيه، وفرائضه ذهب اليه عطا وغيره. وقال قوم: معناه لا تحلوا حرم الله وحملوا شعائر الله على معالم حرم الله من البلاد. ذهب اليه السدي. وقال اخرون: معنى شعائر الله مناسك الحج. والمعنى لا تحلوا مناسك الحج، فتضيعوها. ذهب اليه ابن جريج، ورواه عن ابن عباس. وقال ابن عباس: كان المشركون يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حججهم، فاراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك. وقال مجاهد: شعائر الله الصفا والمروة والهدي من البدن، وغيرها. كل هذا من شعائر الله. وقال الفراء كانت عامة العرب لا ترى الصفا والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بهما، فنهاهم الله عن ذلك وهو قول ابي جعفر (عليه السلام). وقال قوم: معناه لا تحلوا ما حرم الله عليكم في إحرامكم. روي ذلك عن ابن عباس في رواية اخرى. وقال الجبائي الشعائر: العلامات المنصوبة للفرق بين الحل، والحرم نهاهم الله أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام. وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى لا تحلوا الهدايا المشعرة. وهو قول الزجاج واختاره البلخي. وأقوى الاقوال قول عطا من أن معناه، لا تحلوا حرمات الله، ولا تضيعوا فرائضه لان الشعائر جمع شعيرة وهي. على وزن فعيلة، واشتقاقها من قولهم: شعر فلان بهذا الامر: إذا علم به، فالشعائر المعالم من ذلك، وإذا كان كذلك، وجب حمل الآية على عمومها، فيدخل فيه مناسك الحج، وتحريم ما حرم في الاحرام، وتضييع ما نهى عن تضييعه واستحلال حرمات الله، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لان كل ذلك من معالمه، فكان حمل الآية على العموم اولى. وقوله: {ولا الشهر الحرام} معناه ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم فيه اعداءكم من المشركين، كما قال: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} وهو قول ابن عباس وقتادة. والشهر الحرام الذي عناه الله ها هنا قال قوم: هو رجب، وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال. وقال قوم: هو ذو العقدة. ذكره عكرمة. وقال ابو علي الجبائي: هو اشهر الحرام كلها، نهاهم الله عن القتال فيها. وهو اليق بالعموم. وبه قال البلخي. وقوله: {ولا الهدي ولا القلائد} فالهدي جمع واحده هدية واصله هدية وهو ما هداه الانسان من بعير او بقرة أو شاة أو غير ذلك إلى بيت الله تقربا به إلى الله (تعالى) وطلباً لثوابه يقول الله: لا تستحلوا ذلك فتغصبوه أهله عليه، ولا تحولوا بينهم وبين ما اهدوا من ذلك إلى بيت الله ان يبلغوه محله من الحرم، ولكن خلوهم حتى يبلغوا به المحل الذي جعله عز وجل له. وهو كعبته. قال ابن عباس: والهدي يكون هدياً قبل ان يقلد ما جعله على نفسه أن يهديه ويقلده. وقوله: {ولا القلائد} معناه ولا تحلوا القلائد. واختلفوا في معناه فقال بعضهم: عنى بالقلائد الهدي. وانما كرر، لانه أراد المنع من حل الهدي الذي لم يقلد، والهدى الذي قلد. وهو قول ابن عباس. وقال آخرون: يعني بذلك القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها إلى المشعر. ذهب اليه قتادة وقال كان في الجاهلية إذا خرج الرجل من أهله يريد الحج تقلد من السمر، فلا يعرض له أحد وإذا رجع تقلد قلادة شعر، فلا يعرض له احد. وقال عطا: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم يأمنون به إذا خرجوا من الحرم. وقال الفراء: كان اهل الحرم يتقلدون بلحاء الشجر، واهل غير الحرم يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما، فنزلت {لا تحلوا شعائر الله...} وقال مجاهد: وهو اللحافي رقاب الناس. والبهائم امن لهم. وهو قول السدي. وقال ابن زيد: إنما عنى بالمؤمنين نهاهم أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم يتقلدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم. ذهب اليه عطا في رواية والربيع بن أنس. وقال ابو علي الجبائي: القلائد هو ما قلده الهدي، نهاهم عن حلها، لانه كان يحب أن يتصدق بها. قال: ويحتمل أن تكون عبارة عن الهدي المقلد. والأقوى أن يكون المراد بذلك النهي عن حل القلائد، فيدخل فيه الانسان والبهيمة إذ هو نهي عن استحلال حرمة المقلد، هو هدياً كان ذلك أو انساناً. قوله: {ولا آمين البيت الحرام} معناه، ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام. يقال: أممت كذا: إذا قصدته وعمدته. وبعضهم يقول يممته قال الشاعر: شعر : إني كذاك إذا ما ساءني بلد يممت صدر بعيرى غيره بلدا تفسير : والبيت الحرام بيت الله بمكة، وهو الكعبة. وقوله: {يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً} معناه يلتمسون أرباحاً في تجارتهم من الله {ورضواناً} يعني وان ترضى عنهم منسكهم. نهى الله تعالى أن يحلّ ويمنع من هذه صورته. فاما من قصد البيت ظلماً لأهله، وجب منعه ودفعه عنهم. [النزول]: وقال ابو جعفر (عليه السلام): نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم. قال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وحده، وخلف خيله خارجة من المدينة، فدعاه فقال: الام تدعو فاخبره وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: لاصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انظروا لعلي اسلم ولي من اشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمر بسرج من سرج المدينة فساقه وانطلق به، وهو يرتجز ويقول: شعر : قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي ابل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم باتوا نياماً وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين ممسوح القدم تفسير : ثم اقبل من عام قابل حاجا قد قلد هدياً، فاراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يبعث اليه، فنزلت هذه الآية {ولا آمين البيت الحرام} هذا قول ابن جريج، وعكرمة والسدي وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يأمون البيت من المشركين بهلون بعمرة. فقال المسلمون: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنما هؤلاء مشركون، مثل هؤلاء دعنا نغير عليهم، فانزل الله تعالى الآية قال ابن عباس: ذلك في كل من توجه حاجا. وبه قال الضحاك والربيع بن انس. [النسخ]: واجمعوا على انه نسخ من حكم هذه الآية شيء إلا ابن جريج فانه قال: لم ينسخ منها شيء، لانه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في أشهر الحرم بالقتال إلا إذا قاتلوا. وهو المروي عن ابي جعفر (ع) وقال الشعبي: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية وقال أبو ميسرة: في المائدة ثمانية عشر فريضة ليس منها شيء منسوخ. واختلفوا فيما نسخ منه فقال بعضهم: نسخ جميعها ذهب إليه الشعبي وقال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا القلائد. وبه قال مجاهد: قال: نسخها قوله: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وبه قال قتادة والضحاك وحبيب بن ابي ثابت وابن زيد. وقال اخرون: نسخ منها قوله: {ولا الشهر الحرام، آمين البيت الحرام} ذكر ذلك عن ابن ابي عروبة عن قتادة وقال: نسخها قوله: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} وقوله: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام... الآية} في السنة التي نادى علي (عليه السلام) فيها بالاذان. وبه قال ابن عباس وقال قوم: لم ينسخ منه إلا القلائد. وروي ذلك عن ابن ابى بحيح عن مجاهد. وأقوى الأقوال قول من قال: نسخ منها {ولا الشهر الحرام ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} لاجماع الامة على أنه (تعالى) أحل قتال أهل الشرك في أشهر الحرام وغيرها من شهور السنة. واجمعوا أيضاً على أن مشركا لو قلد لحا جميع أشجار الحرم عنقه او ذراعه، لم يكن ذلك أماناً له من القتل إذا لم يتقدم له امان. [المعنى]: وقوله: {ولا آمين البيت} ظاهره يحتمل المسلم والمشرك لعموم اللفظ، لكن خصصنا المشركين بقوله: {اقتلوا المشركين.. الآية} ويحتمل أيضاً أن يكون مخصوصاً بأهل الشرك. وعليه اكثر المفسرين. فان كان مخصوصاً بهم، فلا شك أيضاً أنه منسوخ بما قدمناه من الآية والاجماع. وقوله: {يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً} معناه يلتمسون ويطلبون الزيادة، والارباح في التجارة ورضوان الله عنهم وألا يحل بهم ما حل بغيرهم من الامم بالعقوبة في غالب دنياهم. وهو قول قتادة وقال: هي للمشركين يلتمسون فضل الله، ورضوانه بما يصلح لهم دنياهم. وبه قال ابن عباس والربيع بن انس ومجاهد وفي الآية دلالة على جواز حمل المتاع للتجارة في الحج. وقوله: إذا حللتم، فاصطادوا فأهل الحجاز يقولون: حللت من الاحرام أحل، والرجل حلال. وكذلك سعد بن بكر وكذا يقولون: حرم الرجل فهو حرام: إذا صار محرماً، وقوم حرمٌ واسد وقيس وتميم يقولون: أحلّ من احرامه، فهو مُحلّ وأحرم فهو محرمٌ. معناه إذا حللتم من إحرامكم، فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه، وأنتم حرم. وهو بصورة الامر. ومعناه الاباحة. وتقديره لا حرج عليكم في اصطياده فاصطادوه ان شئتم حينئذ لأن السبب المحرم قد زال. وهو قول جميع المفسرين: مجاهد وعطا، وابن جريج وغيرهم. وقوله: {ولا يجرمنكم} قال ابن عباس: ولا يحملنكم شنآن قوم. وهو قول قتادة. واختلف اهل اللغة في تأويلها، فقال الاخفش، وجماعة من البصريين، لا يحقن لكم، مثل قوله: {لا جرم أن لهم النار} ومعناه حق ان لهم النار. وقال الكسائي والزجاج معناه: لا يحملنكم وقال بعض: الكوفيين معناه لا يحملنكم. قال: يقال: جرمني فلان على أن صنعت كذا أي حملني عليه. وقال الفراء: معناه لا يكسبنكم شنآن قوم. واستشهد الجميع بقول الشاعر: شعر : ولقد طعنت ابا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا تفسير : فمنهم من حمل قوله: جرمت على ان معناه حملت. ومنهم من حمله على أن معناه أحقت الطعنة، لفزارة الغضب. ومنهم من قال: معناه كسبت فزارة أن يغضبوا وقال المغربي: معناه قطعت فزارة وليس من هذا في شيء. وسمع الفراء من العرب من يقول: فلان جريمة أهله أي كاسبهم. وخرج يجرمهم أي يكسبهم. والأقاويل متقاربة المعاني. وقراءة القراء المعروفين {لا يجرمنكم} - بفتح الياء من جرمته. وقرأ يحيى بن وثاب، والاعمش {يجرمنكم} بضم الياء من أجرمته فهو يجرمني. وقيل: هما لغتان. والاولى أفصح، وأعرف، وأجاز أبو علي الفارسي معنى جرم كسب. قال: وهو فعل يتعدى الي مفعولين مثل كَسبَ يدل على ذلك قول الشاعر في صفة عقاب: شعر : جريمة ناهض في رأسه نيق يرى لعظام ما جمعت صليباً تفسير : معناه تكسب لفرخها. جريمة ناهض يحتمل تقريرين: احدهما - جريمه قوت ناهض اي كاسب قوته، كما قالوا ضارب قداح، وضريب قداح وعريف وعارف. والآخر - أن تقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة الى ناهض. والمعنى كاسب ناهض، فجرم يستعمل في الكسب وما يريد من سعي الانسان عليه. وأما جرم فمعناه اكتسب الاثم قال الله تعالى: {إنا من المجرمين منتقمون} وقال: {فعلي إجرامي} ومعناه فعلي عقوبة إجرامي أو اثم إجرامي ومعنى {لا يجرمنكم شنئآن قوم} لا تكتسبوا لبغض قوم عدواناً، ولا تفتنوه، فمن فتح أن أوقع النهي في اللفظ على الشنئآن. والمعنى بالنهي المخاطبون، كما قالوا: لا أريتك ها هنا ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. [الاعراب]: وكذلك قوله: لا يجرمنكم شقاقي ان يصيبكم المفعول الثاني واسماء المخاطبين المفعول الاول، كما أن المفعول الاول في الآية الأخرى المخاطبون. والثاني قوله: {أن تعتدوا} ولفظ النهي واقع على الشقاق. والمعني بالنهي المخاطبون. قال الزجاج: موضع (ان) الأولى نصب بانه مفعول له. وتقديره لا يحملنكم بغض قوم لان صدودكم عن المسجد يعني النبي (صلى الله عليه وسلم) واصحابه، لما صدوهم عن مكة. وموضع ان الثانية مفعول به ومعناه لا يكسبنكم بغض قوم أي بغضكم قوماً الاعتداء عليهم، لصدهم عن المسجد الحرام. وقوله: {شنئآن قوم} معناه بغض قوم في قول ابن عباس، وقتادة وابن زيد، وغيرهم يقول: شنئت الرجل اشناه شنئاً وشنأناً وشناً ومنشأةً: إذا أبغضته وذهب سيبويه الى أن ما كان من المصادر على فعلان لم يتعد فعله إلا أن يشدّ شيء نحو شنيته شنأناً ولا يجوز أن يكون شنيته يراد به حذف الجر، كقول سيبويه في فرقته وحذرته أن اصله حذرت منه لان اسم الفاعل منه على فاعل، نحو شاني و {إن شانئك هو الأبتر} وقال الشاعر: شعر : بشانيك الضراعة والكلول تفسير : قال ابو علي: هذا يقوي أنه مثل علم يعلم، فهو عالم، ونحوه من المتعدي وأيضاً، فان شنيت في المعنى بمنزلة أبغضت، فلما كان معناه عدي كما عدي أبغضت كما أن الرفث لما كان بمعنى الافضاء عدي بالجار، كما عدى الافضاء به. وقال سيبويه: قالوا: لويته حقه لياناً على فعلان، فيجوز أن يكون شنان فيمن أسكن النون مصدراً كالليان فيكون المعنى لا يحملنكم بغض قوم، لو فتح النون. قال ابو عبيدة: "شنأن قوم" بغضاء وهي متحركة الحروف مصدر شنيت، وبعضهم يسكنون النون الاولى وانشد للاحوص: شعر : وما العيش الا ما تلذ وتشتهي وان عاب فيه ذو الشنان وفندا تفسير : فحذف الهمزة قال أبو علي: ويجوز أن يكون خففها. وقال أبو عبيدة: وشنيت أيضاً بمعنى أقررت به، وبؤت به وانشد للعجاج. شعر : زلّ بنو العوام عن آل الحكم وشنؤا الملك لملك ذو قدم تفسير : وقال الفرزدق: شعر : ولو كان هذا الامر في جاهلية شنئت به أوغصّ بالماء شاربه تفسير : قال ابو علي: وقد جاء فعلان مصدراً ووصفاً وهما جميعاً قليلان. فمما حل مصدراً ما حكاه سيبويه من قولهم: خصمان وندمان. وانشد ابو زيد ما ظاهره أن يكون فعلان منه صفة وهو: شعر : لما استمر بها شيحان منبجح بالبين عنك بها مولاك شنأناً تفسير : [اللغة]: حكي أبو زيد في مؤنث شنآن شنآنى. ويقرب أن يكون شيحان فعلان. وفي الحديث (ثم اعرض وأشاح) قال ابو علي: وترك صرف شيحان في البيت مع أنه لا فعلى له. ويجوز أن يكون، لانه اسم علم. ويجوز أن يكون على قول من يجوز ترك صرف ما يتصرف في الشعر. فاما الشنان قال ابو علي: فعلان يجيء على ضربين: احدهما - اسم، والاخر - صفة فالاسم على ضربين: احدهما ان يكون مصدراً، كالنقر ان والغليان، والطوفان والغثيان. وعامة ذلك يكون معناه التحرك والتقلب. والاسم الذي ليس بمصدر نحو الورشان والعلجان. وأما مجيئه فنحو الزفيان والقطوان والصميان، وكبش اليان ونعجة اليانة، وكباش الي، ومثله حمار قطوان واتان قطوانة من قطا يقطو قطواً وقطواً: إذا قارب بين خطوه. ومن خفف النون ذهب إلى انه مصدر، مثل ليان. ومعنى الاية لا يحملنكم بغض قوم أي بغضكم قوماً لصدهم إياكم ومن اجل صدهم اياكم ان تعتدوا فاضيف المصدر الي المفعول وحذف الفاعل كقوله: من دعاء الخير وسؤال نعجتك وقوله: ان صدوكم من كسر الهمزة الي ان (ان) للجزاء يقوي ذلك ان في قراءة ابن مسعود ان يصدوكم فمتى؟ قيل كيف تكون للجزاء والصد ماض، لانه كان سنة الحديبية من المشركين للمسلمين، وما يكون ماضياً لا يكون شرطاً؟ قيل: ذكر ابو علي ان الماضي قد يقع في الجزاء لا ان المراد بالماضي الجزاء، لكن على انه إن كان مثل هذا الفعل، فيكون اللفظ على ما مضى والمعنى على مثله، كانه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل يقع منكم كذا. وعلى ذلك حمل قول الشاعر: شعر : إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة ولم تجدي من أن تقري به بداً تفسير : إن قد أغنى عنه ما تقدم من قوله: {لا يجرمنكم} والمعنى إن صدوكم قوم عن المسجد الحرام، فلا تكسبوا عدواناً. ومن فتح الهمزة، فلانه مفعول له والتقدير لا يجرمنكم شنأن قوم، لان صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، فان الثانية في موضع نصب بانه المفعول الثاني. والأولى منصوبة، لانه مفعول له وقوله: {أن تعتدوا} معناه إن تجاوزوا حكم الله فيهم إلى ما نهاكم عنه. وذكر انها نزلت في النهي عن الطلب بدخول الجاهلية. ذهب اليه مجاهد وقال: هذا غير منسوخ. وهو الاولى. وقال غيره هو منسوخ ذهب اليه ابن زيد. وإنما قلنا: إنه غير منسوخ، لان معناه لا تتعدوا الحق فيما امرتكم به. وإذا احتمل ذلك، لم يخبر أن يقال هو منسوخ إلا بحجة. وقوله: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ليس بعطف على أن تعتدوا، فيكون في موضع نصب، بل هو استئناف كلام أمر الله تعالى الخلق بان يعين بعضهم بعضاً على البر وهو العمل بما امرهم الله به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم ان يعين بعضهم بعضاً على الاثم. وهو ترك ما أمرهم به، وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان، ونهاهم ان يجاوزوا ما حد الله لهم في دينهم، وفرض لهم في أنفسهم وبه قال ابن عباس وابو العالية وغيرهما من المفسرين. وقوله: {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} أمر من الله، ووعيد وتهديد لمن اعتدى حدوده، وتجاوز أمره بقول الله: اتقوا الله. ومعناه احذروا معاصيه وتعدي حدوده فيما امركم به ونهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه متى خالفتم وتستحقوا اليم عقابه، ثم وصف عقابه بالشدة فقال: إن الله شديد العقاب لمن يعاقبه من خلقه، لأنه نار لا يطفى حرها، ولا يخمد جمرها، ولا يسكن لهيبا (نعوذ بالله منها).
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كرّره تلطّفاً بهم وتذكيراً لعلّة النّهى تهييجاً على الامتثال والمراد بالايمان كالسّابق امّا الايمان العامّ او الخاصّ او اعمّ منهما {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} يستعمل الاحلال المتعلّق بالامور ذوى الخطر فى ترك حرمتها وفى اعتقاد حلّيّة ترك حرمتها والمعاملة معها بخلاف شأنها فالمعنى لا تتركوا حرمة شعائر الله ولا تعتقدوا حلّيّة ترك حرمتها فتتهاونوا بها، والشّعائر جمع الشّعيرة او الشّعارة او الشّعار بمعنى العلامة، ولمّا كان كلّ من العبادات علامة لدين الاسلام وللعبوديّة وقبول آلهة الله سميّت شعائر الدّين وشعائر الاسلام وشعائر الله، ولمّا كان اعظم شعائر الاسلام هى الولاية لانّها اعظم اركانها الخمسة واسناها وكان المقصود من الوفاء بالعقود الوفاء بعقد الولاية كما علمت كان المقصود ههنا ايضاً النّهى عن احلال حرمة الولاية، ولمّا كانت الولاية من شؤن الولىّ وكان علىّ (ع) هو الاصل فى ذلك كان المقصود لا تتهاونوا بعلىّ (ع) {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ لانّ الشّهر الحرام من حيث حرمته من شعائر الله، وعن علىّ (ع) انا الاعوام والدّهور وانا الايّام والشّهور، ونزول الآية كما فى الخبر فى رجل من بنى ربيعة قدم حاجّاً واراد المسلمون قتله فى الاشهر الحرم لكفره ولانّه كان قد استاق سرح المدنية {وَلاَ ٱلْهَدْيَ} ما اهدى به الى البيت {وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} ذوات القلائد جمع القلادة ما اشعر به الهدى من نعلٍ صلّى فيه او لحاء شجرٍ او غيره اعلاماً بانّه هدى البيت لئلاّ يتعرّض له او المراد النّهى عن احلال القلائد انفسها، وعلى الاوّل يكون من عطف الخاصّ على العامّ {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} قاصدين البيت لزيارته بقرينة قوله تعالى {يَبْتَغُونَ} بزيارتهم {فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} من سعة العيش فى الدّنيا {وَرِضْوَاناً} رضا ربّهم فى الآخرة، وبعد ما علمت انّ البيت الحقيقىّ لله هو القلب فى العالم الصّغير وصاحب القلب فى العالم الكبير وانّ البيت الّذى بناه ابراهيم (ع) صورة هذا البيت وظهور القلب الّذى هو بيت حقيقىّ لله ولذا سمّى بيتاً لله، وكونه بحذاء البيت المعمور وانّه فى السّماء الرّابعة يدّل على هذا، فاعلم انّ جميع ما سنّ الله تعالى من مناسكه ومواقفه صورة ما سنّه تعالى تكويناً وتكليفاً من مناسك الحجّ الحقيقىّ فى الصّغير والكبير، فاوّل بيت وضع للنّاس فى ملك الصّغير هو القلب فانّه اوّل عضوٍ يتكّون ومن تحته دحو ارض البدن، واوّل بيتٍ وضع للنّاس فى ملكوت الصّغير هوا لقلب الملكوتىّ، واوّل بيت وضع للنّاس هو الكبير هو خليفة الله فى ارضه، ولمّا كان بيت الاحجار ظهور قلب ذلك الخليفة فكلّما يتأتّى فى القلب يجرى بعينه فى هذا البيت وتفصيله قد مضى فى آل عمران عند قوله: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 96] ، فالقلب هو بيت الله والصّدر المستنير بنور القلب مسجد وحرم وشهر حرام بتفاوت الاعتبارات، وصاحب هذا الصّدر المأذون فى التّكلّم مع الخلق ونقل اخبارهم وبيان احكامهم ايضاً شهر حرام وحرم ومن بيوت الانبياء (ع) ومسجد المحلّة ومن القرى الظّاهرة الواسطة بين الخلق وبين القرى المباركة والبهيمة والهدى وذوات القلائد فى الصّغير القوى الغير الشاردة الابيّة المتوقّفة عن حضرة القلب او المتحرّكة اليها بتبعيّة اللّطيفة الانسانيّة غير المستنيرة بنور القلب، او المستنيرة المتقلّدة بقلادة نور القلب وفى الكبير افراد الانسان الّتى لا تأبّى لها عن الطّاعة ولا تهيّج لها للحركة الى بيت الله الامام، او المتحرّكة مع قاصد البيت من غير تعلّم شيءٍ من علامات الدّين الّذى هو قلادتها واشعارها، او مع تعلّم شيء منها وتقلّدها بقلادتها، والصّيد هو الشّارد الابىّ من القوى ومن افراد الانسان، ولا يجوز للمحرم لحضرة القلب ما لم يطف به ولم يتمكّن من مناسكه التّعرّض له، فانّه خلاف قصده ومضرّ إحرامه لانّه شاغل له عن الحركة اليه، فاذا تمكّن من طواف القلب وعاد بعد الهجرة الى مقام الصّدر واستنار صدره بنور القلب بحيث لا ينطفى ولا يختفى ذلك النور باشتغاله بامر الصّيد فله التّعرّض بقتل وقيد واسر، والفضل استنارة الصّدر بنور القلب، والرّضوان استنارة القلب بنور الرّوح، وما لم تشتدّا كانتا للانسان قبولاً وصاحبهما قابلاً وتابعاً ومقلّداً، واذا اشتدّتا وتجوهر الصّدر والقلب بهما وكان صاحبهما محتاجاً الى الاستمداد من الواسطة بينه وبين الله صارتا خلافةً للرّسالة او للولاية، واذا استغنتا عن الواسطة واستمدّتا من الله بلا واسطة صارتا رسالة وولاية وهما كما علمت من شؤن الرّسول والولىّ ومتحدّتان معهما، والاصل فى الرّسل والاولياء محمّد (ص) وعلىّ (ع) فصحّ تفسيرهما بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) وحصرهما فيهما، ولمّا اجمل ذكر الصّيد فى قوله: غير محلّى الصّيد؛ ولم يتعرّض له فى جملة المنهيّة عن التّهاون بها ناسب المقام السّؤال عن حاله والجواب عنه فقال تعالى جواباً وبياناً {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} امر فى معنى الاباحة بحسب التّكاليف القالبيّة وفى معنى الرّجحان بحسب التّأويل {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} لا يكسبنّكم اولا يحملنّكم {شَنَآنُ قَوْمٍ} بغضاؤكم لقوم او بغضاء قوم لكم قرء شنأن قوم بفتح النّون مصدراً او بسكون النّون مصدرا او وصفا {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قرئ بفتح الهمزة بتقدير الّلام او الباء او على ويجوز ان يكون بتقدير فى وان يكون بدلا من شنأن قوم بدل الاشتمال او مفعولاً ثانياً ليجرمنّكم وقرئ بكسر الهمزة {أَن تَعْتَدُواْ} مفعولٍ ثانٍ ليجرمنّكم او بتقدير الّلام او الباء او على او فى او بدل من شنأن قومٍ او من صدّوكم نحو بدل الاشتمال، اى لا يحملنّكم بغضاء قوم على الاعتداء بالخروج عمّا رخّص الله لكم فى شريعتكم وعمّا حدّه لكم فى طريقتكم من التّنزّل عن مقام الصّدر المنشرح بالاسلام الى مقام النّفس الامّارة والايتمار بأمرها وقمع القوى المانعة لكم من الحضور لدى القلب وقتل من يمنعكم من الحضور عند صاحب القلب، بل عليكم بالملاينة والمرافقة والمداراة واعطاء كلّ ذى حقّ حقّه فى مقامه {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} البرّ ههنا الاحسان الى خلق الله وهو من احكام الرّسالة ولوازمها كما قال: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء:107]؛ والتّقوى حفظ النّفس عن ضرّ الغير وعن اضرارها للغير وهو من آثار الولاية ولوازمها لانّ الرّسالة رجوع الى الخلق بصفات الحقّ من عموم الرّحمة، وقبول الولاية انزجار ورجوع من الخلق الى الحقّ، وصاحب الولاية شأنه ارجاع النّاس من الكثرات الى الوحدة وهما متّحدان مع الرّسالة والولاية وهما متّحدتان مع الرّسول (ص) والولىّ (ع) فصحّ تفسيرهما بمحمّد (ص) وبعلىّ (ع) وحصرهما فيهما {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} الاثم الاساءة الغير المتعدّية والعدوان الاساءة المتعدّية وهما متّحدان مع الآثم والعادى يعنى لا تعاونوا على الاساءتين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى الاعتداء والتّعاون عليهما {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} استيناف لبيان المستثنى المقدّم كأنّ السّامع يطلب ويسأل بيانه وينتظر ذكره ولذا لم يأت باداة الوصل {وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} اى رفع الصّوت لغير الله به والمراد تنزيلاً الّذبيحة التّى ذكر غير اسم الله عليه وتأويلاً كلّ فعل رفع صوت النّفس بالامر به، فانّ صوتها لغير الله لا محالة كما انّ قوله ومالكم الاّ تأكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه اشارة الى كلّ فعل امر العقل به فانّ امره لا محالة لله {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} كانوا يخنقون البقر او الغنم فاذا انخنق اكلوه {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} كانوا يشدّون ارجل الانعام ويضربونها حتّى تموت فيأكلونها {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} كانوا يشدّون اعينها ويلقونها من السّطح ثمّ يأكلونها {وَٱلنَّطِيحَةُ} كانوا يناطحون بالكباش فاذا ماتت اكلوها {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} كانوا يأكلون فريسة السّبع {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} كانوا يذبحون لبيوت النّيران وكانوا يعبدون الشّجر والصّخر والاصنام فيذبحون لها {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} جمع الزلم محرّكة او كصرد قدح يتقامر به كانوا يعمدون الى الجزور فيقوّمونه بينهم ثمّ يسهمون عشرة أسهمٍ سبعة لها انصباء وثلاثةٌ لا انصباء لها ويجعلون ثمن الجزور على الثّلاثة الّتى لا انصباء لها ثمّ يخرجون السّهام فمن خرج اسمه الثّلاثة الّتى لا انصباء لها الزموهم ثمنها والسّبعة الّتى لها انصباء يأخذون لحم الجزور بلا ثمن فحرّم ذلك كلّه وقال تعالى {ذٰلِكُمْ} اشارة الى المجموع او الى الاستقسام بالازلام {فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} اشارة الى يوم نصب علىّ (ع) بالخلافة يعنى كان الكافرون والمنافقون يترقّبون لموت النّبىّ (ص) او قتله (ص) وتفرّق كلمتكم والغلبة على دينكم وبعد نصب امير لكم يئس الكفّار من الغلبة وتفرّق الكلمة ويئس المنافقون بنصب علىّ (ع) عن الغلبة على دينكم وترويج باطلهم واظهار نفاقهم فاذا يئس الكفّار {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} ولمّا لم يستكمل ايمانكم فلا تأمنوا من عقوبتى {وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ} يوم نصب علىّ (ع) بغدير خمّ {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الاكمال قد يستعمل فى اتمام ذات الشّيء كاكمال النّوع بالفصل والبيت بأركانه وسقفه، وقد يستعمل فى اتمام الشّيء بمحسنّاته ومتمّماته الزّائدة على ذاته كاكمال الانسان بمهارته فى العلوم والصّنائع، والبيت بزخرفته وفروشه، والمراد بالدّين هنا هو الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الاحكام النّبويّة والمراد بالاكمال هو اتمامه فى ذاته، لانّ الاسلام بنى على خمسة اركان والرّكن الاخير هو الولاية اعنى البيعة مع علىّ (ع) بالامامة لانّ الولاية بمعنى المحبّة او اعتقاد الولاية لعلىّ (ع) خارجة عن الاعمال القالبيّة الاسلاميّة فلا تكون من اركان الاسلام ومتمّمات احكام القالب واتمامه فى خارج ذاته باعتبار، فانّ الاسلام كالمادّة للولاية بالمعنى الحاصل بالولاية الّتى هى من اركان الاسلام وهو الايمان الدّاخل فى القلب وبه الحركة والسّير الى الله وهو بمنزلة الصّورة للاسلام والصّورة وان كانت محصّلة للمادّة وما به قوام المادّة وبقاؤها لكنّها خارجة عن ذاتها {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} فانّ الاسلام نعمة من الله لكنّه مركّب من الاركان الخمسة ولا يتمّ المجموع الاّ بتمام اجزائه وايضاً هو مادّة للولاية بالمعنى الآخر وبقاء ولا قوام للمادّة الاّ بالصّورة فبالولاية تتمّ نعمة الاسلام {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} فانّه لنقصان اركانه وعدم تحصّله كان غير مرضىٍّ وعن الصّادقين (ع) انّما نزل بعد ان نصب النّبىّ (ص) عليّاً (ع) علماً للانام يوم غدير خمّ عند منصرفه عن حجّة الوداع، قالا: وهى آخر فريضةٍ انزلها الله ثمّ لم تنزل بعدها فريضة، وورد عنهم (ع) اخبار كثيرة قريبة من هذا {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} المخمصة هى المجاعة لكن تستعمل فى كلّ شدّة وضيق، فى تفاسير العامّة انّه مربوط بذكر المحرّمات وما بينهما اعتراض، ولمّا علّق وقيّد يأس الكفّار عن الدّين واكمال الدّين واتمام النّعمة وارتضاء الاسلام منهم بيوم مخصوص ووقت معيّن، علم أنّه لا يكون الاّ لوقوع امرٍ عظيم فيه هو يقطع طمع الكفّار ويصير سبباً لاكمال الدّين والاّ لم يكن للتّقييد به وجه وما ذاك الاّ سدّ خلل الدّين بعد النّبىّ (ص) بنصب من يحميه ويحفظ أهله من الاختلاف والافتراق فانّه لا امر اعظم منه فضلاً عمّا بيّنوا لنا من انّ نزولها بغدير خمّ بعد نصب علىّ (ع) والتّرغيب فيه كأنّهم سألوا فما لنا ان اضطررنا الى اكل المحرّمات او لى ترك التّوسّل بعلىّ (ع) والتبعيّة له؟ - فقال تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} بياناً لوجه الاضطرار حال كونه {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} اى غير مائل اليه او غير متجاوز عن قدر الضّرورة كما فى قوله غير باغٍ ولا عادٍ، ولما كان المقصود هو الاضطرار الى اتّباع معاوية وترك اتّباع علىّ (ع) فلا ضيران يفسّر الاثم بمعاوية، اى غير مائل فى الباطن الى معاوية، فانّه لا يؤاخذ اذا كان اكل الحرام او اتّباع غير علىّ (ع) عن اضطرار من غير ميل قلبىّ {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} اى اىّ شيء او ما الّذى احلّ لهم سألوا عن المحلّلات بعد ذكر المحرّمات {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} لا اختصاص لها بالاغذية الغير المتسخبثة كما فسّره المفسّرون، بل اصل الطيّبات هو علىّ (ع) ثمّ ولايته بالبيعة الولويّة ثمّ العمل بما دخل منه (ع) فى القلب ثمّ العمل بما اخذ عليه فى ميثاقه ثمّ اخذ العلم منه ثمّ العمل به ثمّ المباحات من الاغذية والاشربة والالبسة والازواج والمساكن واثاثها والمراكب وجملة الاعراض الدّنيويّة التى حصلت فى اليد من الوجه الحلال {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} اى نفس ما علّمتم من حيث التّعليم يعنى احلّ لكن تعليم الكلاب الاصطياد، وحلّيّة مقتولها تستفاد ممّا يأتى او صيد ما علّمتم ويجوز ان يكون ما شرطيّة، وقوله فكلوا ممّا امسكن جزاؤه، ولمّا كان مقتول الكلاب مظنّة الاستخباث افرده بالّذكر {مُكَلِّبِينَ} تقييد للاحلال بتعليم الكلاب او بمقتول الكلب المعلّم لا غيره من السّباع المعلّمة فانّ المكلّب بصيغة اسم الفاعل هو المعلّم للكلب ومشتقّ منه {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} تكويناً او تحصيلاً بتوسّط بشر اخر من آداب الاصطياد والانقياد فى الارسال والزّجر وضبط الصّيد على صاحبهنّ {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} لمّا لم يكن الواو للتّرتيب لم يكن تأخير الامر بذكر اسم الله فى اللّفظ منافياً لوجوب تقديم الّذكر عند الارسال {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما لم يحلّ لكم {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يحاسب على الدّقيق والجليل.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ ءَامِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ}. ذكروا أن رجلاً سأل ابن عمر عن أعظم الشعائر فقال: أوفي شك أنت منه؟ هذا أعظم الشعائر، يعني البيت. قوله: {وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ} فكان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة. قوله: {وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ}. ذكروا أن مجاهداً قال: كانوا يعلّقون لحاء الشجر في أعناقهم وكان هذا من الشعائر؛ فقال أصحاب النبي عليه السلام: هذا من أعمال الجاهلية، فحرّم الله ذلك كله في الإِسلام، يعني الآية: {لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ}، يعني الحجاج؛ إلا القلائد في أعناق الناس فإنه ترك. ثم أمر بقتال المشركين فقال: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) تفسير : [التوبة: 28] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر ونادى فيه علي بالأذان. قال بعضهم: كان أحدهم يعلق قلادة من لحاء السمر إذا خرج من مكة فيقول: هذا حرمي، فلا يعرض له حيثما توجّه؛ فنسخ آمين البيت الحرام، وهم حجاح المشركين فقال: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وتفسير آمين، يؤمون، [يقصدون] البيت الحرام. وقال الكلبي: إنما كانوا يستحلون فيصيبون الهدي وأصحاب القلائد. وكانت القلائد أن الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً ليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر، فأمِن به إلى مكة. وإذا خرج من مكة يعلّق من لحاء شجر مكة فأمِن به إلى أرضه. قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}. قال بعضهم: الفضل والرضوان اللذان كانوا يبتغون أن يصلح الله معيشتهم في الدنيا، ولا يعجل لهم العقوبة فيها. وقال مجاهد: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ}: التجارة. قال الكلبي: نزلت ـ فيما بلغنا ـ في رجل من بني بكر بن وائل من بني قيس بن ثعلبة؛ قدم على النبي بالمدينة فقال يا محمد، ما تأمرنا به وما تنهانا عنه؟ فأخبره النبي بالذي له وبالذي عليه في الإِسلام. فلم يرض فقال: أرجع إلى قومي فاعرض عليهم ما ذكرت، فإن قبلوا كنت معهم، وإن أدبروا كنت معهم على هذا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لقد دخل علي بوجه كافر، وخرج من عندي بقفا غادر، وما الرجل بمسلم تفسير : . فلما خرج من أرض المدينة مرّ بسرح من أهل المدينة فانطلق به، فبلغ الخبر أهل المدينة فطلبوه فسبقهم. وحضر الحج، فأقبل تاجراً حاجاً فبلغ ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يطلبوه فيقتلوه فيأخذوا ما معه، فنهوا عنه في هذه الآية. وكان ذلك قبل أن يؤمروا بقتال المشركين. وقال الكلبي في قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}: التجارة بعد الحج. وأما الرضوان فالناس كانوا يحجّون بين مسلم وكافر قبل أن تنزل هذه الآية: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) تفسير : [التوبة: 28] وأصحاب الرضوان المسلمون. قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} أي إذا رمى أحدكم جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ له كل شيء، إلا النساء والطيب فحتّى يطوف بالبيت. وهي رخصة إن شاء اصطاد وإن شاء ترك. يقول: (إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وقال في آية أخرى: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ). تفسير : [المائدة:95]. قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ} قال بعضهم: لا يحملنكم بغض قوم {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا}. قال الكلبي: يعني بالقوم أهل مكة؛ يقول: لا تعتدوا عليهم لأن صدوكم عن المسجد الحرام؛ وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم. وقال مجاهد: هو رجل مؤمن من حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل حليفاً لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة، لأنه كان يقتل حلفاء النبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لعن الله من يقتل بذَحْل الجاهلية . تفسير : قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}، قال الحسن: هذا حين صدّوه يوم الحديبية عن المسجد الحرام.
اطفيش
تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللهِ}: لا تجعلوها كالشىء الذى يجوز تركه، ويحل الاعراض عنه، حتى انه غير طاعة، أى لا تبطلوها بالنهى عنها، أو تركها، أو جعل ما نهيتم عنه كأنه قيل: لا تزيلوا حرمتها، والمفرد شعيرة فعيلة بمعنى فاعلة، أى مشعرة بكسر العين، أى دالة على الله، أو بمعنى مفعولة مجعولة شعيرة، أى دالة يقال: أشعره الشىء فهو مشعر بفتح مشعر بفتح العين، أى مجهول دالا وهى دين الله عز وجل، فشملت الحج وغيره من التكاليف والطاعات غير الواجبة، أى لا تتركوا شيئا مما فرض الله أو ندب اليه، وذلك تفسير الحسن وعطاء بن رباح. وقيل: شعائر الله فرائضه، وقيل: أعمال الحج ومواضعه كالميقات والبيت ومنى وعرفات وجمع، وذلك مشعر بالله، وهو أيضا علامات الحج، وهو قول ابن عباس. قيل: كان المشركون يحجون ويسوقون الهدى، وأراد المسلمون أن يغيروا على هديهم ومالهم، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية، ونزلت فى ذلك. وقيل: حديث : نزلت فى الحطم، واسمه شريح بن هند بن ضبيعة البكرى، أتى المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال للنبى صلى الله عليه وسلم: الى مَ تدعون الناس؟ فقال: "الى شهادة أن لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة" فقال: حسن الا أن لى قوما لا أقطع أمرا دونهم، ولعلى أسلم وآتى بهم، فخرج وقيل قال: لأن قبلوا كنت معهم، وان أبوا كنت معهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان" ولما خرج شريح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم" فمر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به مرتجزا يقول: *قد لفها بالليل سواق حطم * ليس براعى ابل ولا غنم* *ولا بجزار على ظهر وضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم *بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم* فتبعوه ولم يدركوه، ولما كان فى العام القابل خرج حاجا مع حجاج بكر بن وائل من اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدى وهو ما أخذ من سرح المدينة، وذلك عام تمام قصة العمرة التى أحصروا عنها فى الحديبية، فقال المسلمون: يا رسول الله هذا الحطم قد خرج حاجا معتمرا فخل بيننا وبينه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "انه قد قلد الهدى" فقال: يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية، فأبى النبى صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللهِ} . تفسير : ولهذا قال من قال: الشعائر بالهدايا المشعرة بفتح العين وهى الابل التى تساق الى مكة للنحر، يطعن فى سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنه هدى، ولا يلزم من فعل ذلك أن فاعله محرم مكث أو مضى معها للحج، وقيل: هو بذلك محرم، ولو لم يحرم فان فعل ما لا يفعله المحرم لزمه ما يلزم المحرم اذا فعل ما لا يجوز، ويدل للأول ما روى عن عائشة رضى الله عنها: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر الهدى وقلده ولم يحرم على نفسه ما يحرم على المحرمتفسير : ، وما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث : أنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذى الحليفة، فدعى بناقته فأشعرها فى صفحة سنامها اليمنى، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء وهو هنا اسم موضع لا مطلق المغازة هلَّ بالحج . تفسير : وعن أبى حنيفة: أنه يكن الاشعار ومبسط المسائل فى كتب الحج، وعن ابن عباس معنى لا تحلوا شعائر الله أن تصيد وأنت محرم، فيكون تقرير القولة غير محلى الصيد. {وَلا الشَّهرَ الحَرَامَ}: شعائر الله على عطف، والمعنى ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه والاغارة، والمراد جنس الشهر الحرام فشمل رجبا وذا القعدة وذا الحجة والمحرم. ابن جرير الطبرى قال: المراد برجب، وقيل: أى لشدة أمره فى الحرمة، وكان تحريمه مختصا بقريش، وكانت تعظمه، وقيل ذو القعدة، وفسره الزمخشرى بشهر الحج فلعله أراد ذا الحجة، ويحتمل أنه أراد جنس أشهر الحج، أى لا تزيلوا الشهر الحرام. {وَلا الهَدىَ}: واحده هدية بفتح الهاء واسكان الدال، وهى ما يهدى الى البيت من بعير أو بقرة أو شاة، قيل: أو غير ذلك من المال مطلقا تقربا الى الله، ونسب للجمهور والأول لابن عباس، أى لا تزيلوا حرمة الهدى بالتعرض له بالاغارة عليه، أو بالحمل عليه، والركوب لغير ضرورة، وبالتصرف فيه بنحو البيع والاجازة. {وَلا القَلائِدَ}: جمع قلادة وهى ما يعلق على الهدى، ليعلم أنه هدى من نعل أو قشر عود الشجر أو غيرهما، فلا يتعرض له بأخذ، أو ما مر فانك اذا رأيت العلامة لم تتعرض أيضا لبيعه أو نحوه لو كان قلده ابنك أو شريكك الشركة العامة، أو من فوضته على مالك فيقدر مضاف، أى ولا ذوات القلائد من الهدى، وعطفها عطف خاص على عام لمزيتها، وذلك أن الهدى شامل لها، كما عطف الهدى مع دخوله فى شعائر، لذلك اذا فسرنا الشعائر بمناسك الحج وأعماله، أو بما يعمها وغيرها. ويجوز أن يكون المعنى لا تقربوا الى حلال الهدى ولو بالقرب الى احلال ما قلد به، وذلك تأكيد فى النهى، أو لأن ازالة القلادة يوهم أنه غير هدى فيتعرض له، ففى هذا الوجه بعلتيه لا يعتبر مضاف، وقيل: المراد أصحاب القلائد، وكانت العرب اذا أرادوا أن يخرجوا من الحرم فى الجاهلية قلدوا أنفسهم وابلهم من لحى شجر الحرم، فكانوا يأمنون بذلك فلا يتعرض لهم أحد، فنهى الله المؤمنين عن فعل ذلك، وعن استحلال لحى الشجر الحرم. {وَلا آمِّينَ البَيتَ الحَرَامَ}: عطف على شعائر، أى ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام وهو الكعبة يقصدون زيارته، ويقدر مضاف، أى ولا قتال آمين البيت الحرام، أو ولا أذى آمين البيت الحرام، والبيت مفعول لآمين، وقرأ عبد الله بن مسعود: ولا آمى بحذف النون للاضافة، وآمين اسم فاعل أم يؤم على حذف المنعوت، أى قوم آمين أو تأس آمين. {يَبتَغُونَ}: وقرأ حميد بن قيس والأعرج بالتاء الفوقية خطابا للمؤمنين. {فَضلاً مِّن رَّبهِم وَرِضوَاناً}: والجملة حال من الضمير المستكن فى آمين، واختبر أن اسم الفاعل العامل لا ينعت، فليست الجملة نعتا لآمين، ومعنى ابتغائهم الفضل من ربهم والرضوان، طلبهم أن يثيبهم الله على قصدهم البيت الحرام بالعبادة وتعظيمه، ويرضى عنهم أو طلبهم ربح المال ورضوان الله، فان المشركين، ولو كان لا ينفعهم عمل ولا ثواب لهم، ولا يرضى الله عنهم كان لا يحسن أن يتعرض لمن يعظم البيت، ويدعى ابتغاء الفضل على عناده والرضوان، والآية كما مر فى شريح بن ضبيعة لما أراد المسلمون التعرض له ولمن معه، نهاهم الله عز وجل ذلك كما قال: {أية : فاقتلوا المشركين حين وجدتموهم }تفسير : وقال: {أية : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا }. تفسير : قال الشعبى: لم ينسخ من المائدة الا هذه الآية، ومثله لمجاهد والحسن وقتادة والجمهور، وقيل: نسخ منها {وَلا آمِّينَ البَيتَ الحَرَامَ} نسخها {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }تفسير : فأجاز الله التعرض للمشركين أينما كانوا، وعلى أى صفة كانوا، وقيل: المراد بآمِّين البيت الحرام المؤمنون، فيكون ابتغاء الفضل والرضوان صحيحا حقيقا نافعا، ويكون النهى عن التعرض لهم غير منسوخ، الا أنه يقال: كيف يتعرض المؤمنون للمؤمنين، أم كيف يخيفونهم حتى ينهاهم الله، الا أن الأنسب أن يكون ابتغاء الفضل والرضوان، وشعائر الله من المؤمنين كافر المشركين، ثم ان الرضوان والثواب اللذين يطلب المشركون من العرب الدنيويان لأنهم لا يقرون بالبعث. {وَإِذا حَلَلتُم فَاصطَادُوا}: هذا الأمر للاباحة، أباح الله لنا الاصطياد اذا حللنا من احرام الحج أو العمرة أو كليهما، والمراد صيد الحل، وأما صيد الحرم فلا يجوز أبدا لأحد، وليس الأمر مستقلا بافادة الاباحة، بل بواسطة أن العلة فى تحريم الاحرام فيزول بزواله، وقرىء بكسر الفاء نقلا من حركة الوصل بعدها وهو ضعيف، اذ لا حركة لها فى الوصل، فضلا عن نقلها، وقرىء: فاذا أحللتم، يقال حل من احرامه وأحل منه. {وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قَومٍ أَن صَدُّوكُم عَنِ المَسجِدِ الحَرَام أَن تَعتَدُوا}: لا يحملكم بغضكم لقوم وعداوتهم، لأجل صدهم اياكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم بالقتل، وأخذ المال، واحلال هديهم، فان صدوكم على تقدير لام التعليل، وان مصدرية داخلة على الماضى وان تعتدوا على تقدير على، وذلك أن المشركين صدوهم عام الحديبية عن المسجد الحرام، فمن قائل أراد المسلمون الانتقام منهم، فنهاهم الله عز وجل، وأن تعتدوا مفعول ثان ليجرم على تضمين معنى يكسب بضم الياء التحتية، وكسر السين أى لا يضركم شنآنهم، كما سبق الاعتداء، ويدل لتقدير على ذكر ما فى قوله على أن لا تعتدوا، والفعل شنىء، ومنه: {أية : ان شانئك هو الأبتر }. تفسير : والشنئان البغض، وهو مصدر أضيف الى المفعول كما رأيت، ويجوز أن يكون مضافا للفاعل، أى لا يحملنكم أو لا يكسبنكم بغض قوم اياكم أن تعتدوا، وفتح النون الأولى من شنآن هو المشهور الأصح عن نافع، وقرأ عنه اسماعيل، وابن عباس، عن عاصم بسكونها، وهو قراءة ابن عامر، وهو أيضا مصدر كذلك بمعنى البغض كليان بفتح اللام وتشديد الياء بمعنى المطل، لكن فعلان بفتح فاسد قليل فى المصادر لا كما قيل فى المصادر لا كما قيل انه خطأ، وأما الأوصاف نكثر فيها كسكران وعطشان وفعلان بفتحتين، قليل فيها كعدوان لكثير العداوة، كثير فى المصادر كغليان ونزوان. ويجوز أن يكون شنآن بالسكون وصفا مضافا لغير فاعله وغير مفعوله، أى مبغض قوم بكسر الغين، أى المبغض من بينهم ككاسب عياله فى مجرد كونه غير مضاف اليهما، أو وصفا مضافا لمنعوته، أى القوم مبغض بأن اعتبر لفظ قوم فأفرد ثم معناه فجمع له، أو الاضافة للجنس فهى فى معنى الجمع، أى قوم مبغضين، وقرأ عبد الله بن مسعود بضم ياء يجرمنكم، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر بكسر همزة ان على الشرط، وأعنى عن جوابها لا يجرمنكم شنآن قوم. {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِ}: عمل الطاعة. {وَالتَّقوَى}: اجتناب المعاصى، أشد الحذر أمرنا الله أن يعين كل منا الآخر على ذلك بأى وجه أمكن، مثل أن تأمر بالمعروف، ومن تركه واجبا أو غير واجب، جرى ذكره أو تستأنفه، وتنهى عن الحلال والحرام، وتأمره بالاتباع، ومثل أن تراه يريد أن يفشى سرا المعصية من يفعلها، أو خفت سيفعلها ذكرت أو يستأنف لها، وتعلم له فتقول له: لا تفعل. وعن ابن عباس: البر متابعة السنة، وما ذكرته أولى وهم أعم، وهو رواية عنه أيضا. قال أحمد بن نصر الداودى، قال ابن عباس: البر ما أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه، والمندوب اليه مأمور به أمر ندب على الصحيح عندى، وقيل: البر يتناول الواجب والمندوب فعلا وتركا، والتقوى رعاية الواجب فعلا أو تركا، وقيل: هما بمعنى واحد، وهو فعل الطاعة، ترك المعصية. وعن وابصة بن معبد: حديث : أنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "جئت تسأل عن البر والاثم؟" قال: نعم. قال: "استفت قلبك، البر ما اطمأنت اليه النفس واطمأن اليه القلب والاثم ما حاك فى النفس وتردد فى الصدر وان أفتاك الناس أفتوك ". تفسير : وعن النواس بن سمعان، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : البر حسن الخلق والاثم ما حاك فى نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " تفسير : وللمعاون لأحد على الخير أو ترك الشر ثواب فعل الخير، أو ترك الشر من غير أن ينقص للفاعل أو التارك أن فعل، وله أيضا ذلك، ولو لم يفعل. وفى الحديث: "حديث : من سعى فى حاجة أخيه المسلم قضيت له أو لم تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق " تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه ". تفسير : {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ}: أى لا تتعاونوا، فحذفت احدى التاءين، على الاثم المعصية، والعدوان التعدى فى حقوق الخلق، وعبارة بعض فى حدود الله، والأظهر ما ذكرت، نهانا الله أن نتعاون على الاثم والعدوان للتشفى والانتقام. {وَاتَقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}: فانتقامه أشد لمن لم يتقه بفعل الواجب وترك الحرام.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ} مناسك الحج ودينه الذى حد لعباده وفرضه، وأَما الذى لم يفرضه وهو النفل فلا يحرم إحلاله لأَنه يحل تركه إِلا أَن يقال إِحلاله اعتقاد أَنه ليس من الدين، كما أَن تحريم المحرمات من الدين وفعلها إِحلال لها واعتقاد حلها إِحلال لها، ويجب إتمام النفل بعد الدخول فيه، وعن ابن عباس: الشعائر المناسك كان المشركون يحجون ويهدون فأَراد المسلمون أَن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك، وعنه "إِحلال الشعائر أَن تصيد وأَنت محرم" ويقال: الشعائر الهدايا المشعر بالطعن فى أَسنمتها، قال الله تعالى: "أية : والبُدْنَ جَعَلْنَاها لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ" تفسير : [الحج: 36] وقال: "أية : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله" تفسير : [الحج: 32] فى دينه، والمفرد شعيرة بمعنى مشعرة فعيلة بمعنى مفعلة أَى معلمة، كما يستعمل سميع بمعنى مسمع، أَو الشعيرة اسم لما جعل علامة وأَعمال الحج ومواقفه وعلاماته، ودين الله أَعلام قدرته وأَلوهته، وإِحلال دين الله مخالفته وإِحلال الهدى صده وسلبه عن مشرك جاءَ به، والصيد فى الإِحرام، ويقال: شعائر الله الإحرام والطواف والسعى والحلق والنحر وإضافتها لله تعالى تعظيم لها وتهويل للخطب فى إحلالها، وقيل: ما نصب فرقاً بين الحل والحرم، وحلها نزعها أَو مجاوزتها بلا إحرام إلى مكة، وقيل الصفا والمروة والهدى، فالشعور يوقع على تلك المواضع يعلم أَنها مواضع الحج، وعلى الحاج يعلم الناس بها أنه حاج، هكذا الأَفعال وإِحلاله سرقته أَو غصبه أَو منعه أَن يصل محله، كل ذلك حرام، {وَلاَ الشَّهرَ الحَرَامَ} بالقتال فيه والسبى، ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجبا، وهو أَكمل الأَشهر الحرم فى هذه الصفة، وأل للجنس، وقيل المراد رجب لما مر أَنه أَكمل، وقيل ذو القعدة، وعليه عكرمة وقيل الإِحلال فى ذلك النسيىء والأَنسب بالمؤمنين غيره. {وَلاَ الهَدْىَ} ما أهدى إلى الكعبة من بعير أَو بقرة أَو شاة، وغير ذلك مما يتقرب به إلى الله عز وجل، لا تتعرضوا لذلك والمفرد هدية بإِسكان الدال. {وَلاَ القَلاَئِدَ} الأَنعام ذوات القلائد المهداة، خصها بالذكر بعد لعموم مزيتها أَو نفس القلادات من لحاءِ شجر ونعال فإذا كان لا يتعرض لما قلدت به الأنعام بالأخذ أَو بالإِلغاءِ أَو بالإِفساد، فأَولى أَن لا يتعرض لهذه الأَنعام التى قلدت كقوله تعالى: "أية : ولا يبدين زينتهن"تفسير : [النور: 31] فأَولى مواضع الزينة من أَبدانهن، وتعليق القلادة يكون بالعنق ويكون أيضاً بغير لحاءِ الشجر والنعال، وذلك ليعلم أَنه هدى فلا يتعرض له، واللحاءِ بالقصر والمد قشر الشجر، فيجب التصدق به إِن كانت له قيمة، كما يحب التصدق بما جعل على الهدى من نحو ثوب أَو وطاء، ويجوز أَن يكون القلائد ما يقلده الجاهلية على أنفسهم وإبلهم من لحاءِ الشجر من الحرم ليأمنوا على أَنفسهم وإبلهم، وقيل كان أَهل الحرم يقلدون أنفسهم بلحاءِ شجر الحرم، وغيرهم بالصوف والشعر وغيرهما، فنهاهم الله عن قطع ذلك من شجر الحرم، أَو نهى عن التعرض لمن تقلد بذلك، وهذا ضعيف لأنه يوهم إِبقاءَهم على جواز قطع ذلك وجعله قلادة لهم ولإِبلهم. {وَلاَ آمِّينَ} قاصدين {البَيْتَ الحَرَامَ} زيارة البيت الحرام مسلمين أَو مشركين، روى أَن الحكم خلف خيله خارج المدينة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إلام تدعو؟ فقال: إِلى شهادة أَن لا إِله إِلا الله وإِقام الصلاة وإِيتاءِ الزكاة. فقال: حسن، ألا إِن لى أُمراء لا أَقطع أَمراً دونهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان، ولما خرج قال صلى الله عليه وسلم: دخل بوجه كافر وخرج بعقبى غادر، وما هو بمسلم"تفسير : . فأَغار على سرح المدينة فأَسرع ولم يلحقوه فجاءَ به هدياً من قابل عام عمرة القضاءِ من اليمامة، فأَرادوا الإِغارة عليه فنزلت الآية: لا تتعرضوا لهم بمنعهم عن الزيارة أَو بأَذاهم أَو بما يفسد إِحرامهم أَو بقتلهم، وقدر بعض قتال آمين أَو أَذى أَمين، ونصب آمين المفعول به لأَنه للحال. {يَبْتَغْونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} حال من الضمير المستتر فى آمين، والفضل الرزق، والرضوان ثواب الآخرة. روى أن الآية نزلت عام القضية فى حجاج اليمامة لما همَّ المسلمون أَن يتعرضوا لهم بسبب أَنه كان فيهم الحكم بن ضبيعة، وكان قد أستاق سرح المدينة، فالآية منسوخة والمراد عام عمرة القضاءِ ويروى أن الحكم ابن ضبيعة أتى النبى صلى الله عليه وسلم من اليمامة إِلى المدينة فعرض عليه صلى الله عليه وسلم الإِسلام فلم يسلم، فلما خرج من عنده مر بسرح أَهل المدينة فساقها وانتهى إِلى اليمامة، ثم خرج من هناك نحو مكة وقد قلد ما نهب من سرح المدينة وأَهداه إِلى الكعبة ومعه تجارة عظيمة، فهم أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يغيروا على أَمواله، فنزل قوله تعالى: {ولا آمين...إلخ} أَى لا تحلوها بالإِغارة عليها، وقيل المراد بالآمين المشركون، والفضل ربح التجر، والفضل ما فى زعمهم ويناسبه ما قيل من نزول الآية فى الحكم المذكور، وهو من بنى ربيعة ويقال الحكم بن هند، وما قيل أَنها نزلت فى فوارس مشركين يهلون بعمرة، فقال المسلمون: هؤلاءِ مشركون نغير عليهم كما أَغار الحكم علينا، وهذا يوم فتح مكة ونسخ بقوله تعالى: "أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "تفسير : [التوبة: 5] وقوله تعالى: "أية : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" تفسير : [التوبة: 28] وعن ابن جريج لا نسخ لجواز أَن يبتدى المشركون فى الأَشهر الحرم بالقتال، وقيل لم ينسخ من الآية إلا القلائد. {وإِذا حَلَلْتُمْ} من الإِحرام المذكور بقوله وأَنتم حرم {فَاصْطَادُوا} إِن شئتم، فالأَمر للاباحة بعد الحظر كقوله تعالى: "أية : فإِذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأَرْض"تفسير : [الجمعة: 10] فإِن علة حرمة الاصطياد وترك البيع معللة بالإحرام والاشتغال بأُمورالصلاة وبالصلاة، فوجب أَن تنتهى الحرمة بانتهاءِ علتها، فيرجع الحكم إِلى أَصله من الإِباحة، أَنه قيل: فقد أبحت لكم الصيد، وهذا مذهبنا ومذهب أَكثر الفقهاءِ وأَكثر المتكلمين لقرينة سبق الحظر، وقيل؛ للوجوب ونسبه الاسفرايينى إِلى الفقهاء كلهم وأَكثر الشافعية وأَكثر المتكلمين وهو غلط، إِذ لم يتفق عليه الفقهاءِ؛ ووجه الوجوب فى هذا القول إِما المبالغة فى صحة المباح حتى كأَنه واجب، وإِما وجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز فى مادة الاصطياد، كأَنه قيل: اعتقدوا حل الصيد، وهو ضعيف إلا أَن يئول إلى معنى وجوب اعتقاد تمام الواجب والفراغ منه، ووقف إمام الحرمين فى ذلك. {وَلاَ يَجَرِمَنَّكُمْ} لا يحملنكم فيقدر على فى قوله أَن تعتدوا أَو لا يكسبنكم فيكون أن تعتدوا مفعولا ثانياً كما إِن كسب الثلاثى يجوز أَن يتعدى لاثنين. {شَنَآنُ} بغض {قَوْمٍ} مشركين أَى إبغاضكم قوماً، وهذا أَولى من تفسيره بإِبغاض قوم لكم وهو فعلان بالفتح مصدر، أَو قل فى المصدر فعلان بالإِسكان كلواه وليان فى الصفة كعدوان بفتح الدال بمعنى شديد العداوة وتيس عدوان أَى كثير السير وحمار قطوان عسير السير والمراد هنا المصدر، وقرىء بالإسكان وأَجازوا فى كل من الإسكان والفتح الوصف والمصدر. {أَنْ صَدُّوكُمْ} أَى لأَن صدوكم أَى لأَجل صدهم إِياكم عام الحديبية، وهذا مما يقوى أَن المعنى شنئانكم قوماً لأَنه يصح أَنكم أَبغضتم القوم لأَن القوم صدوكم، لا أَبغضكم القوم لأَنهم صدوكم، إِلا تكلف أَن المعنى أَنه ظهر إِبغاضهم إِياكم بصدهم، والمنهى لفظاً الشنئان وفى الحقيقة المخاطبون، ووجهه أَنه نهى عن أَن يؤثر فيهم الشنئان الموصل إِلى الاعتداءِ وهو أَبلغ من النهى عن الاعتداء. {عَنِ الْمَسجِدِ الحَرامِ} عن أن تدخلوا الحرم فتطوفوا بالكعبة وتسعوا بين الصفا والمروة للعمرة. {أَن تَعْتَدوا} عليهم بالقتل وغيره انتقاماً، وهذا غير منسوخ ولو كان فى قوم مشركين حربيين لأَن المعنى لا تقتلوهم وتضروهم لحظوظ أَنفسكم، فافعلوا ذلك لله عز وجل، أَو نهوا عن التعرض لهم من حيث عقد الصلح الذى وقع فى الحديبية، والآية نزلت قبل الفتح لأَن مكة بعد الفتح فى أَيدى المسلمين لا يصدهم المشركون عنها. وإِن نزلت بعد الفتح فالمعنى لصدهم إِياكم إِن صدوكم.{وَتَعَاوَنُوا} فعل أَمر وفاعل.{عَلَى الْبِرِّ}فعل ما أَمرتم به والعفو والإغضاء. {وَالتَّقْوَى} ترك ما نهيتم عنه ومجانبة الهوى. ودخل فيها مناسك الحج كما قال الله عز وجل: "أية : فَإِنَّهَا من تَقْوَى القُلُوب"تفسير : [الحج: 32]. {وَلاَ تَعَاوَنُوا} لا تتعاونوا. {عَلَى الإِثْمِ} المعاصى بينكم وبين الله. {وَالْعُدْوَانِ} المعاصى بينكم وبين الخلق ابتداء أًو انتقاماً حيث لا يجوز. ودخل فى ذلك النهى عن التعاون على الاعتداءِ والانتقام. وعن ابن عباس وأَبى العالية، الإِثم ترك ما أَمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه، والعدوان مجاوزة ما حده الله تعالى لعباده فى دينهم وفرضه عليهم فى أَنفسهم، قدم التحلية وهى المعاونة على البر والتقوى على التخلية وهى الإِثم والعدوان مسارعة إِلى ذكر ما هو المقصود بالذات. {وَاتَّقُوا اللهَ} خافوه إِجلالاً وللعقاب على المعاصى. {إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ} على العصاة.
الالوسي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَٰئِرَ ٱللَّهِ} لما بين سبحانه حرمة إحلال الحرم الذي هو من شعائر الحج عقب جل شأنه ببيان [حرمة] إحلال سائر الشعائر، وهو جمع شعيرة، وهي اسم لما أشعر، أي جعل شعاراً وعلامة للنسك من (مواقف) الحج ومرامي الجمار والطواف والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر، وإضافتها إلى الله تعالى لتشريفها وتهويل الخطب في إحلالها، والمراد منه التهاون بحرمتها، وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وروي عن عطاء أنه فسر الشعائر بمعالم حدود الله تعالى وأمره ونهيه وفرضه، وعن أبـي علي الجبائي أن المراد بها العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، ومعنى إحلالها عنده مجاوزتها إلى مكة بغير إحرام، وقيل: هي الصفا والمروة، والهدي من البدن وغيرها، وروي ذلك عن مجاهد. {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي لا تحلوه بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين ـ كما روي عن ابن عباس وقتادة ـ أو بالنسيء كما نقل عن القتيبـي، والأول هو الأولى بحال المؤمنين. واختلف في المراد منه فقيل: رجب، وقيل: ذو القعدة، وروي ذلك عن عكرمة، وقيل: الأشهر الأربعة الحرم، واختاره الجبائي والبلخي، وإفراده لإرادة الجنس {وَلاَ ٱلْهَدْىَ} بأن يتعرض له بالغصب أو بالمنع من أن يبلغ محله، والمراد به ما يهدى إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاء، وهو جمع هدية ـ كجدي وجدية ـ وهي ما يحشى تحت السرج والرحل، وخص ذلك بالذكر بناءاً على دخوله في الشعائر لأن فيه نفعاً للناس، ولأنه مال قد يتساهل فيه، وتعظيماً له لأنه من أعظمها {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم أنه هدي فلا يتعرض له، والمراد النهي عن التعرض لذوات القلائد من الهدي وهي البدن، وخصت بالذكر تشريفاً لها واعتناءاً بها، أو التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} تفسير : [النور: 31] فإنهن إذا نهين عن إظهار الزينة كالخلخال والسوار علم النهي عن إبداء محلها بالطريق الأولى، ونقل عن أبـي علي الجبائي أن المراد النهي عن إحلال نفس القلائد، وإيجاب التصدق بها إن كانت لها قيمة، وروي ذلك عن الحسن، وروى عن السدي أن المراد من القلائد: أصحاب الهدي فإن العرب كانوا يقلدون من لحاء شجر مكة يقيم الرجل بمكة حتى إذا انقضت الأشهر الحرم، وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر فيأمن حتى يأتي أهله، وقال الفراء: أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر، وغير أهل الحرم كانوا يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما، وعن الربيع. وعطاء أن المراد نهي المؤمنين أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم يقلدون به كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم. {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} أي ولا تحلوا أقواماً قاصدين البيت الحرام بأن تصدوهم عنه بأي وجه كان، وجوز أن يكون على حذف مضاف أي قتال قوم أو أذى قوم آمين. / وقرىء ـ ولا آمي البيت الحرام ـ بالإضافة، و (البيت) مفعول به لا ظرف، ووجه عمل اسم الفاعل فيه ظاهر، وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} حال من المستكن في {آمِّينَ}، وجوز أن يكون صفة، وضعف بأن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل لضعف شبهه بالفعل الذي عمل بالحمل عليه لأن الموصوفية تبعد الشبه بأنها من خواص الأسماء، وأجيب بأن الوصف إنما يمنع من العمل إذا تقدم المعمول، فلو تأخر لم يمنع لمجيئه بعد الفراغ من مقتضاه كما صرح به صاحب «اللب» وغيره، وتنكير (فضلاً) و (رضواناً) للتفخيم، و{مِّن رَّبِّهِمْ} متعلق بنفس الفعل، أو بمحذوف وقع صفة ـ لفضلاً ـ مغنية عن وصف ما عطف عليه بها، أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعار بحصول مبتغاهم، والمراد بهم المسلمون خاصة، والآية محكمة. وفي الجملة إشارة إلى تعليل النهي واستنكار النهي عنه كذا قيل، واعترض بأن التعرض للمسلمين حرام مطلقاً سواء كانوا آمين أم لا، فلا وجه لتخصيصهم بالنهي عن الإحلال، ولذا قال الحسن وغيره: المراد بالآمين هم المشركون خاصة، والمراد من الفضل حينئذ الربح في تجاراتهم، ومن الرضوان ما في زعمهم، ويجوز إبقاء الفضل على ظاهره إذا أريد ما في الزعم أيضاً لكنه لما أمكن حمله على ما هو في نفس الأمر كان حمله عليه أولى، ويؤيد هذا القول أن الآية نزلت ـ كما قال السدي وغيره ـ حديث : في رجل من بني ربيعة يقال له الحطيم بن هند، وذلك أنه أتى إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وحده وخلف خيله خارج المدينة فقال: «إلى مه تدعو الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة» فقال: حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبـي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان» ثم خرج من عنده، فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبـي غادر وما الرجل بمسلم»، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول: قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بخوار على ظهر قطم * باتوا نياماً وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم * مدملج الساقين ممسوح القدم فطلبه المسلمون فعجزوا، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام قضاء العمرة التي أحصر عنها سمع تلبية حجاج اليمامة فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا الحطيم وأصحابه فدونكموه»تفسير : وكان قد قلد ما نهب من السرح وجعله هدياً فلما توجهوا لذلك نزلت الآية فكفوا وروي عن ابن زيد أنها نزلت يوم فتح مكة في فوارس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة فقال المسلمون: يا رسول الله هؤلاء المشركون مثل هؤلاء، دعنا نغير عليهم، فأنزل الله سبحانه الآية. واختلف القائلون بأن المراد من الآمين: المشركون في النسخ وعدمه، فعن ابن جريج أنه لا نسخ لأنه يجوز أن يبتدىء المشركون في الأشهر الحرم بالقتال، وأنت تعلم أن الآية ليست نصاً في القتال على تقدير تسليم ما في حيز التعليم، وقال أبو مسلم: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28]، وقيل: بآية السيف، وقيل: بهما، وقيل: لم ينسخ من هذه الآية إلا القلائد، وروي ذلك عن ابن أبـي نجيح عن مجاهد، وادعى بعضهم أن المراد بالآمين: ما يعم المسلمين والمشركين، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، والنسخ حينئذ في حق المشركين خاصة. / وبعض الأئمة يسمي مثل ذلك تخصيصاً كما حقق في الأصول، ولا بدّ على هذا من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين، وقرأ حميد بن قيس الأعرج {تَبْتَغُونَ} بالتاء على خطاب المؤمنين، والجملة على ذلك حال من ضمير المخاطبين في {لاَ تُحِلُّواْ} على أن المراد بيان منافاة حالهم هذه للمنهي عنه لا تقييد النهي بها، واعترض بأنه لو أريد خطاب المؤمنين لكان المناسب من ربكم وربهم، وأجيب بأن ترك التعبير بما ذكر للتخويف بأن ربهم يحميهم ولا يرضى بما فعلوه وفيه بلاغة لا تخفى وإشارة إلى ما مر من أن الله تعالى رب العالمين لا المسلمين فقط، وقال شيخ الإسلام: إن إضافة الرب إلى ضمير {آمِّينَ}على قراءة الخطاب للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم وحرمان المخاطبين عنه وعن نيل المبتغى، وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيده والمبالغة في استنكار المنهي عنه ما لا يخفى. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} من الإحرام المشار إليه بقوله سبحانه: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} {فَٱصْطَـادُواْ} أي فلا جناح عليكم بالاصطياد لزوال المانع، فالأمر للإباحة بعد الحظر ومثله لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها فإذا أديت فادخلها أي إذا أديت أبيح لك دخولها، وإلى كون الأمر للإباحة بعد الحظر ذهب كثير. وقال صاحب «القواطع»: إنه ظاهر كلام الشافعي في «أحكام القرآن»، ونقله ابن برهان [في «الوجيز»] عن أكثر الفقهاء والمتكلمين لأن سبق الحظر قرينة صارفة، وهو أحد ثلاثة مذاهب في المسألة، ثانيها: أنه للوجوب لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا تأثير له، وهو اختيار القاضي أبـي الطيب [الطبري في «شرح الكفاية»] والشيخ أبـي إسحاق و [ابن] السمعاني والإمام في «المحصول»، ونقله الشيخ أبو حامد الإسفرايني في «كتابه» عن أكثر الشافعية، ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء، وأكثر المتكلمين، وثالثها: الوقف بينهما، وهو قول إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف في لفظه ابتداءاً من غير تقدم حظر، ولا يبعد ـ على ما قاله الزركشي ـ أن يقال هنا برجوع الحال إلى ما كان قبل، كما قيل في مسألة النهي الوارد بعد الوجوب. ومن قال: إن حقيقة الأمر المذكور للإيجاب قال: إنه مبالغة في صحة المباح حتى كأنه واجب، وقيل: إن الأمر في مثله لوجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز في المادة كأنه قيل: اعتقدوا حل الصيد وليس بشيء، وقرىء ـ أحللتم ـ وهو لغة في حل، وعن الحسن أنه قرىء {فَٱصْطَـادُواْ} بكسر الفاء بنقل حركة همزة الوصل عليها، وضعفت من جهة العربية بأن النقل إلى المتحرك مخالف للقياس، وقيل: إنه لم يقرأ بكسرة محضة بل أمال لإمالة الطاء، وإن كانت من المستعلية. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يحملنكم كما فسره به قتادة، ونقل عن ثعلب والكسائي وغيرهما، وأنشدوا له بقوله:شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة (جرمت) فزارة بعدها أن تغضبا تفسير : فجرم على هذا يتعدى لواحد بنفسه، وإلى الآخر بعلى، وقال الفراء وأبو عبيدة: المعنى لا يكسبنكم، وجرم جار مجرى كسب في المعنى، والتعدي إلى مفعول واحد وإلى اثنين يقال: جرم ذنباً نحو كسبه، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه خلا أن جرم يستعمل غالباً في كسب ما لا خير فيه، وهو السبب في إيثاره ههنا على الثاني، ومنه الجريمة، وأصل مادته موضوعة لمعنى القطع لأن الكاسب ينقطع لكسبه، وقد يقال: أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كما يقال: أكسبته ذنباً، وعليه قراءة عبد الله (لا يجرمنكم) بضم الياء {شَنَئَآنُ قَوْمٍ} بفتح النون؛ وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم، وإسماعيل عن نافع بسكونها، / وفيهما احتمالان: الأول: أن يكونا مصدرين بمعنى البغض أو شدته شذوذاً لأن فعلان بالفتح مصدر ما يدل على الحركة ـ كجولان ـ ولا يكون لفعل متعد كما قال: س، وهذا متعد إذ يقال: شنئته، ولا دلالة له على الحركة إلا على بعد، وفعلان بالسكون في المصادر قليل نحو ـ لويته لياناً ـ بمعنى مطلته، والثاني: أن يكون صفتين لأن فعلان في الصفات كثير كسكران، وبالفتح ورد فيها قليلاً ـ كحمار قطوان عسر السير، وتيس عدوان كثير العدو ـ فإن كان مصدراً فالظاهر أن إضافته إلى المفعول أي إن تبغضوا قوماً، وجوز أن تكون إلى الفاعل أي إن يبغضكم قوم، والأول أظهر كما في «البحر» وإن كان وصفاً فهو بمعنى بغيض، وإضافته بيانية وليس مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كالمصدر أي البغيض من بينهم. {أَن صَدُّوكُمْ} بفتح الهمزة بتقدير اللام على أنه علة ـ للشنآن ـ أي لأن صدوكم عام الحديبية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن (أن) شرطية، وما قبلها دليل الجواب، أو الجواب على القول المرجوح بجواز تقدمه، وأورد على ذلك أنه لا صد بعد فتح مكة. وأجيب بأنه للتوبيخ على أن الصدّ السابق على فتح مكة مما لا يصح أن يكون وقوعه إلا على سبيل الفرض، وذلك كقوله تعالى: {أية : أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} تفسير : [الزخرف: 5] وجوز أن يكون بتقدير إن كانوا قد صدوكم، وأن يكون على ظاهره إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم بعد ظهور الإسلام وقوته، ويعلم منه النهي عن ذلك باعتبار الصد السابق بالطريق الأولى {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي عن زيارته والطواف به للعمرة، وهذه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ آية بينة في عموم {آمِّينَ} للمشركين قطعاً، وجعلها البعض دليلاً على تخصيصه بهم {أَن تَعْتَدُواْ} أي عليهم، وحذف تعويلاً على الظهور، وإيماءاً إلى أن المقصد الأصلي منع صدور الاعتداء من المخاطبين محافظة على تعظيم الشعائر لا منع وقوعه على القوم مراعاة لجانبهم، وأن على حذف الجار أي على أن تعتدوا، والمحل بعده إما جر، أو نصب على المذهبين أي لا يحملنكم بغض قوم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي، أو لا حذف، والمنسبك ثاني مفعولي {يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يكسبنكم ذلك اعتداؤكم، وهذا على التقديرين وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عما نسب إليه لكنه في الحقيقة نهي لهم عن الاعتداء على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية، ويقال: لا أرينك ههنا والمقصود نهى المخاطب على الحضور. ووجه العلامة الطيبـي الاعتراض بقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـادُواْ} بين ما تقدم وبين هذا النهي المتعلق به ليكون إشارة وإدماجاً إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلاً من ربهم كانوا كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوهم، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ. وقال شيخ الإسلام: لعل تأخير هذا النهي عن ذلك مع ظهور تعلقه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتهم عن الشعائر بالكلية، وبذلك يعلم بقاء حرمة التعرض لسائر الآمّين بالطريق الأولى، ولعله الأولى. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ} عطف على {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} من حيث المعنى كأنه قيل: لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صددتم عنه وتعاونوا على العفو والإغضاء. وقال بعضهم: هو استئناف والوقف على {أَن تَعْتَدُواْ} لازم، واختار غير واحد أن المراد بالبر متابعة الأمر مطلقاً، وبالتقوى اجتناب الهوى لتصير الآية من جوامع الكلم وتكون / تذييلاً للكلام، فيدخل في البر والتقوى جميع مناسك الحج، فقد قال تعالى: {أية : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تفسير : [الحج: 32] ويدخل العفو والإغضاء أيضاً دخولاً أولياً، وعلى العموم أيضاً حمل قوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} فيعم النهي كل ماهو من مقولة الظلم والمعاصي، ويندرج فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأبـي العالية أنهما فسرا الإثم بترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه، والعدوان بمجاوزة ما حده سبحانه لعباده في دينهم وفرضه عليهم في أنفسهم، وقدمت التحلية على التخلية مسارعة إلى إيجاب ما هو المقصود بالذات. وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمر بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي، ويثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني. {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن لا يتقيه، وهذا في موضع التعليل لما قبله، وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة.
ابن عاشور
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْىَ وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰناً}. اعتراض بين الجمل التي قبله وبين جملة {وإذا حللتم فاصطادوا. ولذلك أعيد الخطاب بالنداء بقوله: يا أيها الذين آمنوا}. وتوجيه الخطاب إلى الذين آمنوا مع أنّهم لا يظنّ بهم إحلال المحرّمات، يدلّ على أنّ المقصود النهي عن الاعتداء على الشعائر الإلهية التي يأتيها المشركون كما يأتيها المسلمون. ومعنى {لا تحلّوا شعائر الله} لا تحلّوا المحرّم منها بين الناس، بقرينة قوله: {لا تحلّوا}، فالتقدير: لا تحلّوا مُحرّم شعائرِ الله، كما قال تعالى: في إحلال الشهر الحرام بعمل النسيء {أية : فيحلّوا ما حرّم الله}تفسير : [التوبة: 37]؛ وإلاّ فمِن شعائر الله ما هو حلال كالحَلق، ومنها ما هو واجب. والمحرّمات معلومة. والشعائر: جمع شعيرة. وقد تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى: {أية : إنّ الصفا والمروة من شعائر الله}تفسير : [البقرة: 158]. وقد كانت الشعائر كلّها معروفة لديهم، فلذلك عدل عن عدّها هنا. وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا، والمروة، والمشعر الحرام، من الأمكنة. وقد مضت في سورة البقرة. والشهر الحرام من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد من الشعائر الذوات. فعطف الشهر الحرام والهدي وما بعدهما من شعائر الله عطف الجزئيّ على كلّيّة للاهتمام به، والمراد به جنس الشهر الحرام، لأنَّه في سياق النفي، أي الأشهر الحرم الأربعة التي في قوله تعالى: {أية : منها أربعة حُرُم... فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم}تفسير : [التوبة: 36]. فالتعريف تعريف الجنس، وهو كالنكرة يستوي فيه المفرد والجمع. وقال ابن عطيّة: الأظهر أنّه أريد رجب خاصّة ليشتدّ أمر تحريمه إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، فإنَّما خُصّ بالنهي عن إحلاله إذ لم يكن جميع العرب يحرّمونه، فلذلك كان يعرف برَجب مضر؛ فلم تكن ربيعة ولا إياد ولا أنمار يحرّمونه. وكان يقال له: شهر بني أميّة أيضاً، لأنّ قريشاً حرّموه قبل جميع العرب فتبعتهم مضر كلّها لقول عوف بن الأحوص:شعر : وشهرِ بني أميّة والهَدايا إذا حبست مُضرّجُها الدقاء تفسير : وعلى هذا يكون التعريف للعهد فلا يعمّ. والأظهر أنّ التعريف للجنس، كما قدّمناه. والهدي: هو ما يهدى إلى مناسك الحجّ لينحر في المنحر من مِنى، أو بالمروة، من الأنعام. والقلائد: جمع قِلادة وهي ظفائر من صوف أو وَبَر، يربط فيها نعلان أو قطعة من لِحَاءِ الشجر، أي قِشره، وتوضع في أعناق الهدايا مشبَّهة بقلائد النساء، والمقصود منها أن يُعرف الهدي فلا يُتَعرّض له بغارة أو نحوها. وقد كان بعض العرب إذا تأخّر في مكة حتّى خرجت الأشهر الحُرُم، وأراد أن يرجع إلى وطنه، وضع في عنقه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يُتَعرّضُ له بسوء. ووجه عطف القلائد على الهدي المبالغة في احترامه بحيث يحرم الاعتداء على قلادته بله ذاته، وهذا كقول أبي بكر: والله لو منعوني عِقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. على أنّ القلائد ممّا ينتفع به، إذ كان أهل مكة يتّخذون من القلائد نعالاً لفقرائهم، كما كانوا ينتفعون بجلال البدن، وهي شُقق من ثياب توضع على كفل البدنة؛ فيتّخذون منها قُمصاً لهم وأزُراً، فلذلك كان النهي عن إحلالها كالنهي عن إحلال الهدي لأنّ في ذلك تعطيل مصالح سكان الحرم الذين استجاب الله فيهم دعوة إبراهيم إذ قال: {أية : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات}تفسير : [إبراهيم: 37] قال تعالى: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد}تفسير : [المائدة: 97]. وقوله: {ولا آمّين البيت الحرام} عطف على {شعائر الله}: أي ولا تحلّوا قاصدي البيت الحرام وهم الحجّاج، فالمراد قاصدوه لحجّه، لأنّ البيت لا يقصد إلاّ للحجّ، ولذلك لم يقل: ولا آمِّين مكة، لأنّ من قصد مكة قد يقصدها لتجر ونحوه، لأنّ من جملة حُرمَة البيت حرمة قاصده. ولا شك أنّ المراد آمِّين البيت من المشركين؛ لأنّ آمِّين البيت من المؤمنين محرّم أذاهم في حالة قصد البيت وغيرها من الأحوال. وقد روي ما يؤيّد هذا في أسباب النزول: وهو أن خيلاً من بكر بن وائل وردوا المدينة وقائدهم شريح بن ضُبَيْعَة الملقّب بالحُطَم (بوزن زُفر)، والمكنّى أيضاً بابننِ هند. نسبة إلى أمّه هند بنت حسّان بن عَمْرو بننِ مَرْثَد، وكان الحُطَم هذا من بكر بن وائل، من نزلاء اليمامة، فترك خيلَه خارج المدينة ودخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إلام تدعو» فقال رسول الله: «حديث : إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة"تفسير : . فقال: "حَسَن ما تدعو إليه وسأنظُرُ ولعلّي أن أسْلِم وأرى في أمرك غِلظة ولي مِن وَرائي مَنْ لا أقطَع أمراً دونهم" وخرج فمرّ بسَرْح المدينة فاستاق إبلاً كثيرة ولحقه المسلمون لمَّا أُعلموا به فلم يلحقوه، وقال في ذلك رجزاً، وقيل: الرجزُ لأحد أصحابه، وهو رَشِيد بن رَمِيض العَنَزي وهو:شعر : هذا أوَانُ الشَّدّ فاشْتَدّي زِيَمْ قد لَفَّها الليلُ بسَوّاق حُطَم ليسَ براعِي إبِلٍ ولا غَنَم ولا بَجَزّار على ظَهْر وَضَم بَاتوا نِيَاماً وابنُ هِنْد لم ينمْ باتَ يُقَاسِيها غُلام كالزّلَم خَدَلَّجُ الساقَيْنِ خَفَّاقُ القَدَم تفسير : ثم أقبل الحُطم في العام القابل وهو عام القَضية فسمعوا تلبيَة حُجَّاج اليمامة فقالوا: هذا الحُطَم وأصحابه ومعهم هَدْي هو ممَّا نهبه من إبل المسلمين، فاستأذنوا رسول الله في نَهبهم، فنزلت الآية في النهي عن ذلك. فهي حكم عامّ نزل بعد تلك القضية، وكان النهي عن التعرّض لبُدْن الحُطم مشمولاً لما اشتملت عليه هذه الآية. والبيت الحرام هو الكعبة. وسيأتي بيان وصفه بهذا الوصف عند قوله: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس}تفسير : [المائدة: 97] في هذه السورة. وجملة {يبتغون فضلاً من ربّهم} صفة لـــ {آمِّين} من قصدهم ابتغاء فضل الله ورضوانه وهم الذين جاءوا لأجل الحجّ إيماء إلى سبب حرمة آمِّي البيت الحرام. وقد نهى الله عن التعرّض للحجيج بسوء لأنّ الحجّ ابتغاء فضل الله ورضوانه، وقد كان أهل الجاهلية يقصدون منه ذلك، قال النابغة:شعر : حيّاك ربّي فإنَّا لا يَحِلّ لنا لَهْوُ النساءِ وإنّ الدّين قد عَزَما مشمّرين على خُوص مزمَّمة نرجو الإله ونرجو البِرّ والطُعَما تفسير : ويتنزّهون عن فحش الكلام، قال العجّاج:شعر : وَرَبِّ أسْراب حَجيج كُظَّم عن اللَّغَا ورَفَث التكلّم تفسير : ويظهرون الزهد والخشوع، قال النابغة:شعر : بمُصطحبات من لَصَاففٍ وثَبْرة يَزُرْنَ إلالاً سَيْرُهُنّ التَّدَافُعُ عَلَيْهِنّ شُعْث عامدون لربّهم فهُنّ كأطراف الحَنِيّ خَوَاشِعُ تفسير : ووجه النَّهي عن التعرّض للحجيج بسوء وإن كانوا مشركين: أَنّ الحالة التي قصدوا فيها الحجّ وتلبّسوا عندها بالإحرام، حالة خَيْر وقرب من الإيمان بالله وتذكّر نعمه، فيجب أن يعانوا على الاستكثار منها لأنّ الخير يتسرّب إلى النفس رويداً، كما أن الشرّ يتسرّب إليها كذلك، ولذلك سيجيء عقب هذه الآية قوله: {وتَعاونوا على البِرّ والتقوى}. والفضلُ: خير الدنيا، وهو صلاح العمل. والرضوان: رضي الله تعالى عنهم، وهو ثواب الآخرة، وقيل: أراد بالفضل الربح في التجارة، وهذا بعيد أن يكون هو سبب النهي إلاّ إذا أريد تمكينهم من إبلاغ السلع إلى مكَّة. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ}. تصريح بمفهوم قوله: {أية : غير محلّي الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 1] لقصد تأكيد الإباحة. فالأمر فيه للإباحة، وليس هذا من الأمر الوارد بعد النهي، لأنّ تلك المسألة مفروضة في النهي عن شيء نهياً مستمرّاً، ثم الأمر به كذلك، وما هنا: إنَّما هو نهي موقّت وأمر في بقيّة الأوقات، فلا يجري هنا ما ذكر في أصول الفقه من الخلاف في مدلول صيغة الأمر الوارد بعد حظر: أهو الإباحة أو الندب أو الوجوب. فالصيد مباح بالإباحة الأصليّة، وقد حُرّم في حالة الإحرام، فإذا انتهت تلك الحالة رجع إلى إباحته. و{اصطادوا} صيغة افتعال، استعملت في الكلام لغير معنى المطاوعة التي هي مدلول صيغة الافتعال في الأصل، فاصطاد في كلامهم مبالغة في صاد. ونظيره: اضطرّه إلى كذا. وقد نُزّل {اصطادوا} منزلة فعل لازم فلم يذكر له مفعول. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ}. عطف على قوله: {لا تحِلّوا شعائر الله} لِزيادة تقرير مضمونه، أي لا تحلّوا شعائر الله ولو مع عدوّكم إذا لم يبدأوكم بحرب. ومعنى {يجر منّكم} يكسبنّكم، يقال: جرَمه يجرمه، مثل ضَرب. وأصله كسب، من جرم النخلة إذا جذّ عراجينها، فلمّا كان الجرم لأجل الكسب شاع إطلاق جرَم بمعنى كسب، قالوا: جَرم فلان لنفسه كذا، أي كسب. وعدّي إلى مفعول ثان وهو {أن تعتدوا}، والتقدير: يكسبكم الشنآن الاعتداء. وأمّا تعديته بعلى في قوله: {أية : ولا يجرمنّكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا}تفسير : [المائدة: 8] فلتضمينه معنى يحملنّكم. والشنآن ـــ بفتح الشين المعجمة وفتح النون في الأكثر، وقد تسكّن النون إمَّا أصالة وإمَّا تخفيفاً ـــ هو البغض. وقيل: شدّة البغض، وهو المناسب، لعطفه على البغضاء في قول الأحوص:شعر : أنمِي على البغضاء والشنآن تفسير : وهو من المصادر الدالّة على الاضطراب والتقلّب، لأنّ الشنآن فيه اضطراب النفس، فهو مثل الغَليان والنزَوان. وقرأ الجمهور: {شَنَئان} ـــ بفتح النون ـــ. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر ـــ بسكون النون ـــ. وقد قيل: إنّ ساكن النون وصف مثل غضبان، أي عدوّ، فالمعنى: لا يجرمنّكم عدوّ قوم، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. وإضافة شنآن إذا كان مصدراً من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي بُغضكم قوماً، بقرينة قوله: {أنْ صدّوكم}، لأنّ المبغض في الغالب هو المعتدى عليه. وقرأ الجمهور: {أن صدّوكم} ـــ بفتح همزة (أنْ) ـــ. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: ـــ بكسر الهمزة ـــ على أنَّها (إن) الشرطية، فجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبل الشرط. والمسجدُ الحرام اسم جعل علَماً بالغلبة على المكان المحيط بالكعبة المحصور ذي الأبواب، وهو اسم إسلاميّ لم يكن يُدعى بذلك في الجاهليّة، لأنّ المسجد مكان السجود ولم يَكن لأهل الجاهليّة سجود عند الكعبة، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فولّ وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : في سورة البقرة (144)، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : سبحان الذي أسرى بعبْده ليلاً من المسجد الحرام}تفسير : [الإسراء: 1]. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ}. تعليل للنهي الذي في قوله: {ولا يَجْرَمنَّكم شَنئان قوم}. وكان مقتضى الظاهر أن تكون الجملة مفصولة، ولكنَّها عُطفت: ترجيحاً لما تضمَّنته من التشريع على ما اقتضته من التعليل، يعني: أنّ واجبكم أن تتعاونوا بينكم على فعل البرّ والتقوى، وإذا كان هذا واجبهم فيما بينهم، كان الشأن أن يُعينوا على البرّ والتقوى، لأنّ التعاون عليها يكسب محبّة تحصيلها، فيصير تحصيلها رغبة لهم، فلا جرم أن يعينوا عليها كلّ ساع إليها، ولو كان عدوّاً، والحجّ بِرّ فأعينوا عليه وعلى التقوى، فهم وإن كانوا كفّاراً يُعاونُون على ما هو برّ: لأنّ البرّ يَهدي للتقوى، فلعلّ تكرّر فعله يقرّبهم من الإسلام. ولمَّا كان الاعتداء على العدوّ إنَّما يكون بتعاونهم عليه نبّهوا على أنّ التعاون لا ينبغي أن يكون صدّاً عن المسجد الحرام، وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً؛ فالضمير والمفاعلة في {تعاونوا} للمسلمين، أي ليعن بعضكم بعضاً على البرّ والتقوى. وفائدة التعاون تيسير العمل، وتوفير المصالح، وإظهار الاتّحاد والتناصر، حتّى يصبح ذلك خلقاً للأمّة. وهذا قبل نزول قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}تفسير : [التوبة: 28]. وقوله: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} تأكيد لمضمون {وتعاونوا على البرّ والتقوى} لأنّ الأمر بالشيء، وإن كان يتضمّن النهي عن ضدّه، فالاهتمام بحكم الضدّ يقتضي النهي عنه بخصوصه. والمقصود أنّه يجب أن يصدّ بعضكم بعضاً عن ظلم قوم لكُم نحوَهم شنآن. وقوله: {واتّقوا الله} الآية تذييل. وقوله: {شديد العقاب} تعريض بالتهديد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ}. يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقرار في القرآن، فإن كل شيء كان جائزاً، ثمَّ حرَّم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} وقوله: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْض} تفسير : [الجمعة: 10]، وقوله: {أية : فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنّ}تفسير : [البقرة: 187] الآية، وقوله: {أية : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ} تفسير : [البقرة: 222] الآية. ولا ينقض هذا بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِين} تفسير : [التوبة: 5] الآية، لأن قتلهم كان واجباً قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة سواء قلنا: إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} تفسير : [التوبة: 2]، أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: {أية : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} تفسير : [التوبة: 36]. وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزاً فمُنع للإحرام، ثم أُمر به بعد الإحلال بقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجباً قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} الآية، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب. وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده، واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح. ومن قال: إنه للوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة. ومن قال: إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم، انتهى منه بلفظه. وفي هذه المسالة أقوال أخر عقدها في (مراقي السعود) بقوله: شعر : والأمر للوجوب بعد الحظل وبعد سؤل قد أتى للأصل أو يقتضي إباحة للأغلب إذا تعلق بمثل السبب إلا فذي المذهب والكثير له إلى إيجابه مصير تفسير : وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف. "بإلحاق الفرد بالأغلب" حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود في كتاب (الاستدلال) بقوله: شعر : ومنه الاستقراء بالجزئي على ثبوت الحكم للكلى تفسير : فإن يعم غير ذي الشقاق فهو حجة بالاتفاق شعر : وهو في البعض إلى الظن انتسب يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب تفسير : فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء الام في القرآن دل على ما اخترنا، واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق، والعلم عند الله. قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} الآية. نهى الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار لأجل أن صَدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدُوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعاً. كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمرَّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم: نصد هؤلاء كما صدَّنا أصحابُهم، فأنزل الله هذه الآية" أهـ، بلفظه من ابن كثير. ويدل لهذا قوله قبل هذا: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} [المائدة: 2]، وصرح بمثل هذه الآية في قوله: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ} تفسير : [المائدة: 8] الآية، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور {أن صدوكم} بفتح الهمزة، لأن معناها: لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر أنهم صدوا معهم الهدي معكوفاً أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدى، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن الكفار في ذلك الوقت، بقوله: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيما} تفسير : [الفتح: 25]. وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى الله فيه، بأن يطيع الله فيه. وفي الحديث: "حديث : أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". تفسير : وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه. وقوله في هذه الآية الكريمة {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} معناه: لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : أي حملتهم على أن يغضبوا. وقال بعض العلماء: {وَلاَ يَجرِمَنَّكُمْ} أي لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله: {أَنْ تَعْتَدُوا} أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم. وقرأ بعض السبعة {شنآن} بشكون النون، ومعنى الشنآن على القراءتين، أي بفتح النون، وبسكونها: البغض. مصدر "شنأه" إذا أبغضه. وقيل على قراءة سكون النون يكون وصفاً كالغضبان، وعلى قراءة {إن صَدُّوكُمْ} بكسر الهمزة. فالمعنى إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم. وإبطال هذه القراءة - بأن الآية نزلت بعد صد المشركين النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه - مردود من وجهين: الأول منهما: أن قراءة {إن صَدُّوكُم} بصيغة الشرط قراءة سبعية متواترة لا يمكن ردها، وبها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو من السبعة. الثاني: أنه لا مانع مِن أن يكون معنَى هذه القراءة: إن صدوكم مرة أخرى على سبيل الفرض والتقدير، كما تدلُّ عليه صيغة {إن}، لأنها تدل على الشك في حصول الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل السيئ على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم، والعلم عند الله تعالى.
القطان
تفسير : شعائر الله: معالم دينه ومنها مناسك الحج. الهَدي: ما يُهدى الى الحرم من الأنعام ليُذبح فيه. القلائد: ذات القلائد من الهَدي، والقلادة ما يعلَّق في عنق الحيوان علامةً على أنه هَدي للحج. آمين: قاصدين. لا يَجْرِمنّكُم: لا يحملنكم. شنئان: شدة البغض. يا أيها المؤمنون: لا تستبيحوا حرمة شعائر الله فتتصرفوا بها كما تشاؤون. ان مناسكَ الحج من هذه الشعائر، فحافِظوا عليها، ولا تتهاونوا في تعدّي حدودها. كذلك الشهرُ الحرام.. لا تنتهكوا حرمة هذه الأشهر، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، فلا تحاربوا فيها. ولا تعترضوا الهَدي باغتصابه أو منع بلوغه محلَّه، ولا تنزِعوا القلائد من أعناق الأنعام المهداة للحج ولو كانت لأعدائكم. وكذلك لا تعترِضوا الذين يقصدون بيت الله، يبتغون فضلاً منه ورضا. وإياكم أن تصطادوا وأنتم في الحرم. ليس ذلك لكم. فإذا تحللتم من الإحرام فاصطادوا إن شئتم. ولا يجوز ان يدفعكم بغضكم الشديد لقومٍ سبق أن صدّوكم عن المسجد الحرام الى أن تعتدوا عليهم. وتعاونوا أيها المؤمنون على عمل الخير والطاعات، لا على المعاصي والاعتداء على الناس. واتقوا الله بالسير على سُننه التي بيّنها لكم في كتابه حتى لا يصيبكم عقابه، انه شديد العقاب. قراءات: قرأ ابن عامر، واسماعيل، عن نافع، وابن عياش عن عاصم "شنئان" بسكون النون، وقرأ ابن كثير وابو عمرو "إن صدوكم" بكسر الهمزة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {شَعَآئِرَ} {ٱلْقَلاۤئِدَ} {آمِّينَ} {رِضْوَاناً} {شَنَآنُ} {ٱلْعُدْوَانِ} (2) - يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْتَبِيحْوا حُرْمَةَ شَعَائِرِ اللهِ بِأنْ تَجْعَلُوا شَعَائِرَ دِينِ اللهِ حَلاَلاً لَكُمْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ تَشَاؤُونَ، بَلِ اعْمَلُوا بِمَا بَيَّنَهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ، وَلاَ تَتَهَاوَنُوا بِحُرْمَتِها، وَلاَ تَحُولُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بِهَا، فَتَصُدُّوا النَّاسَ عِنِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. ولا تُحِلُّوا القِتَالَ فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ. (وَهِيَ ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ)، وَلاَ تَمْنَعُوا الهَدْيَ (وَهُوَ مَا يُهْدَى إلى الحَرَمِ مِنَ الأنْعَامِ ليُذْبَحَ فِيهِ تَقَرُّباً إلى اللهِ) وَذَلِكَ بِأخْذِهِ غَصْباً وَسَرِقَةً. وَلاَ تُحِلُّوا أخْذَ المُقَلَّدِ مِنَ الهَدْي (وَكَانُوا يُقَلِّدُونَ الأنْعَامَ التي تُوَجَّهُ إلَى البَيْتِ هَدْياً بِوَضْعِ قِلاَدَةٍ فِي أعْنَاقِهَا لِكَيْلا يَتَعَرَّضَ لَهَا أحَدٌ بِسُوءٍ). وَلاَ تُحِلُّوا قِتَالَ قَاصِدِي البَيْتِ الحَرامِ لِزِيارتِهِ فَتَصُدُّوهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأيِّ وَجْهٍ كَانَ. وَلاَ تُصُدُّوا مَنْ قَصَدَ البَيْتَ الحَرَامَ لِلتِّجَارَةِ أوْ لِلنُّسْكِ وَالرَّغْبَةِ بِالفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللهِ (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً). وإذا فَرَغْتُمْ مِنْ إحْرَامِكُمْ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، أوْ خَرَجْتُمْ مِنْ أرْضِ الحَرَمِ فَاصْطَادُوا إذا شِئْتُمْ. وَلا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ وَعَدَاوَتُهُمْ، (وَهُمُ الذِينَ صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) عَلَى أنْ تَعْتَدُوا، وَتَتَجَاوَزُوا أمْرَ اللهِ فِيهِمْ، فَتَقْتَصُّوا مِنْهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً، بَلِ احْكُمُوا بِمَا أمَرَكُمْ بِهِ اللهُ مِنَ العَدْلِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ. وَرُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي الحُدَيْبِيةِ مَعَ أصْحَابِهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَى المُسْلِمِينَ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهُمْ عَنْ بُلوغِ البَيْتِ، فَمَرَّ بِهِمْ أنَاسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أهْلِ المَشْرِقِ، يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ نَصُدُّ هؤُلاءِ كَمَا صَدَّنَا أصْحَابُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤمِنينَ بِالتَّقْوَى، وَبِالتَّعَاوُنِ عَلَى فِعْلِ الخَيْرَاتِ (وَهُوَ البِرُّ)، وَعَلَى تَرْكِ المَعَاصِي والمُنْكَراتِ (وَهُوَ التَّقْوَى)، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّنَاصُرِ عَلَى البَاطِلِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى المَآثِمِ وَالمَحَارِمِ، وَيُحَذِّرُ اللهُ المُؤْمِنينَ مِنْ بَطْشِهِ وَعِقَابِهِ، لأنَّهُ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ. شَعَائِرَ اللهِ - جَمْعُ شَعِيرَةٍ، مَا شَرَعَ اللهُ وَأمَرَ بِهِ. الهَدْيَ - مَا يُهدَى مِنَ الأنْعَامِ لِلحَرَمِ لِيُذْبَحَ عِنْدَهُ تَقَرُّباً للهِ. القَلائِدَ - مَا قُلِّدَ مِنَ الأنْعَامِ التِي تُوَجَّهُ إِلَى الحَرَمِ هَدْياً بِطَوْقٍ ليُعْرَفَ أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى الكَعْبَةِ فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ. الشَّنآنُ - البُغْضُ وَالكَرَاهِيَةُ. صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - مَنَعُوكُمْ عَنِ الوُصُولِ إليهِ. لاَ تُحِلُّوا - لاَ تَنْتَهِكُوا حُرْمَتَهُ. لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ - لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بداية هذه الآية تقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} وهي تأتي بعد آية اَحَلّت أشياءَ، كأن الحق يقول للعبد: مادمت قد أعطيت فأنا أمنع عنك؛ أعطيتك أشياء وأمنعك أشياء. وسبحانه حين يخطر على الإنسان شيئاً ويمنعه منه؛ فهو يعطي هذا الشيء لأخ مؤمن، ومادام الأمر كذلك فلا يستطيع ولا يصح أن تنظر إلى الشيء المسلوب منك فقط بل انظر إلى المسلوب من غيرك بالنسبة لك. وعلى سبيل المثال حين يأمرك الحق: "لا تسرق"، فأنت شخص واحد، ويقيد سبحانه حريتك بهذا الأمر، وقيد في الوقت نفسه حرية كل الناس بالنسبة إليك. وعندما تقارن الأمر بالنسبة لنفسك تجد أنك المستفيد أساساً؛ لأن كل الناس ستطبق حكم الله بألا يسرقوا منك شيئاً، وفي هذا خدمة لكل عبد. وهب أن واحداً سرق، إنه لن يستطيع أن يسرق من كل الناس. ولو سرق ألف من الناس شخصاً واحداً فما الذي يبقى له؟! وحين يأمر الحق العبد ألا ينظر إلى محارم غيره، فظاهر الأمر أنّه تقييد لحركة العبد، لكن الواقع أنه سبحانه قيد حركة الناس كلها من أجل هذا العبد، وأمرهم ألا ينظروا إلى محارم غيرهم. إذن ساعة ترى أيها المسلم نهياً أمر به الله، فلا تصب النهي عليك. ولكن صب النهي أيضا على كل الناس بالنسبة لك. وساعة يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} أي لا تجعلوا شعائر الله حلالاً. والشعائر هي معالم الدين كلها. ونقول "هذه الدولة شعارها النسر" معنى ذلك أننا إذا رأينا الشعار نعرف البلد. وكذلك أعلام الدول، فهذا علم لمصر، وذاك علم لانجلترا، وثالث علم لفرنسا، وكل محافظة في مصر - على سبيل المثال - تضع لنفسها شعاراً وعلماً، إذن فالشعار هو المَعْلَم الذي يدل على الشيء. وشعائر الله هي معالم دين الله المتركزة في "افعل" و"لا تفعل" زماناً ومكاناً، عقائد وأحكاماً. لكن الشعائر غلبت على ما نسميه مناسك الحج، وأول عملية في مناسك الحج هي الإحرام، أي لا نهمل الإحرام. ومن شعائر الحج الطواف، فلا تحل شعائر الله، ووجب عليك أن تطوف حول البيت، وكذلك السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ورمي الجمار، كل هذه شعائر الله التي أمر ألا يحلها المؤمنون، أي أمر - سبحانه - ألا يتهاونوا فيها؛ لأن هذه الشعائر هي الضابط الإيماني. وأن ننظر إلى أن أمر الله لكل حاج أو معتمر بالإحرام هو أمر بالعزلة لبعض الوقت عن النعمة؛ لأن الإنسان يذهب للحج في رحلة إلى المنعم. وأن الإنسان يغير ملابسه بملابس موحدة ولا يتفاضل فيها أحد على أحد؛ لأن الناس في الحياة اليومية تتفاضل بهندامهم، وتدل الملابس على مواقعهم الاجتماعية. وعندما يخلعون جميعاً ملابسهم ويرتدون لباساً جديداً موحداً، تكون السمة المميزة هي إعلان الولاء لله. وكذلك عندما يأتي الأمر بألا يقص الإنسان شعرة منه سواء أكان عظيماً في مجتمعه أم فقيراً ويتراءى الناس جميعاً وينظر بعضهم إلى بعض فيجدون أنهم على سواء على الرغم من اختلاف منازلهم وأقدارهم وتكون ذلة الكبير مساوية لذلة الصغير. وذلك انضباط إيماني لا بين الإنسان والمساوي له، ولكنه الانضباط مع الكون كله، بكل أجناسه. فالشجرة بجانب الحرم محرم على كل إنسان أن يقطعها أو يقطع جزءا منها. وبذلك يأمن النبات في الحرم، وكذلك الحمام والحيوانات وأيضاً يأمن لإنسان؛ لأن الجميع في حَرمِ رب الجميع، وتلك مسألة تصنع رعشة ورهبة إيمانية في النفس البشرية. وتكون فترة الحج هي فترة الانضباط الإيماني. وتتوافق فيها كل أجناس الوجود. فالإنسان يتساوى مع الإنسان ولا يلمس الحيوانَ كذلك النباتَ، ويبقى الجماد وهو خادم الجميع من أجناس الكون؛ لأن الحيوان يخدم الإنسان، والنبات يخدم الحيوان، والجماد يخدم الكل، وهو خادم غير مخدوم. ويصنع الحق حماية للجماد في الكعبة نفسها، فيأمر الناس باستلام الحجر الأسود أو بتقبيله إذا تيسر ذلك أو بالإشارة إليه. فهذا السيد العالي - الإنسان - على النبات والحيوان يأتي إلى جماد فيعظمه ويوقره، فالذي لا يستطيع تقبيل الحجر الأسود عليه تحيته بأن يشير إليه بيده، حتى يكون الحج مقبولاً منه؛ لذلك يتزاحم الناس للذهاب إلى الحجر الأسود، وهكذا يكون الجماد مصوناً في بيت الله الحرام. ويعوضه الله بأن جعله منسكاً، وجعله شعيرة وجعل الناس تزدحم عليه وتقبله بينما لا يقبل الإنسان الحيوان أو النبات، لكنه يقبّل الجماد أدنى الأجناس. وهذه قمة التوازن الوجودي. فالإنسان المختار المتعالي على الأجناس يذهب صاغراً لتقبيل أو استلام الحجر الأسود بأمر الله. ويرجم الإنسان حجراً آخر هو رمز إبليس، وذلك حتى يعرف الإنسان أن الحجرية ليست قيمة في حد ذاتها، ولكنها أوامر الآمر الأعلى، حتى لا يستقر في ذهن الإنسان تعظيم الحجر، فالحاج يقبل حجراً ويرجم ويرمي حجراً آخر. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}؛ لأن الله جعل الشعائر لتحقق الانضباط الإيماني، وبقاء ذكر الاستخلاف لله فلا يدعي أحد أنه أصيل في الكون، بل الكل عبيد لله. والوجود كله هو سلسلة من الخدمة؛ فالإنسان يخدم الإنسان، والحيوان يخدم الإنسان، والنبات يخدم الإنسان والحيوان، والجماد يخدم الكل؛ لكن لا أحد أفضل من أحد، بل الجماد نفسه مسبح بحمد الله، وقد لا يسبح الإنسان. {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72] وهذا الأمر بعدم الحل لشعائر الله جعل كل عشيرة تأخذ حقا من التقدير والاحترام، ولا يظنن ظان أن شعيرة من الشعائر ستأخذ لذاتها تقديساً ذاتياً، بل كله تقديس موهوب من الله ويسلبه الله. {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي لا تحلوا الشهر الحرام، أي عليكم أن تحرموا هذا الشهر الحرام، فقد جعله الله شهراً حراماً لمصلحة الإنسان، ويحمي به سبحانه عزة وذلة الإنسان أمام عدوه، يحمي انكسار نفس الضعيف أمام القوي. فالقويّ القادر على القتال قد تهفو نفسه إلى أن يتوقف عن الحرب فترة يلتقط فيها الأنفاس، ولو فعل ذلك لكان إعلاناً للتخاذل أمام الخصم، ولذلك يأتي الحق بزمان يقول فيه: أنا حرمت الحرب في الأشهر الحرم. هنا يقول المقاتل: لقد حرم الله القتال في الأشهر الحرم، وتلك حماية للإنسان، وليذوق لذة الأمن والسلام والطمأنينة؛ فقد يعشق الإنسان القوي السلامَ من بعد ذلك. لماذا إذن جاء الحق هنا بالشهر الحرام بينما نحن نعرف أن الأشهر الحرم أربعة؟ إن نظرنا إلى الأشهر الحرم كجنس فهي تطلق على كل شهر من الشهور الأربعة، وإذا اعتبرنا الشهر الحرام أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فالمعنى صحيح ونعرف أن الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة متصلة، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفصل هو رجب، وسبحانه وتعالى يعلم أن كل فعل من الأفعال لابد له من زمان ولابد له من مكان. فحبن لا يوجد حدث، لا يوجد زمان ولامكان، ولم يأت الزمان والمكان إلا بعد أن أحدث الله في كونه شيئاً. ولا يقولن واحد: متى كان الله ولا أين كان الله؛ لأن "متى" و"أين" من مخلوقات الله. وجعل سبحانه لكل حدث زماناً ومكاناً. ولذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليحمي عزة الناس وليجعل لهم من تشريعه الرحيم ستاراً يستتر فيه ضعيفهم، ويراجع فيه قويُّهم لعله يرعوي ويرجع عن غيّه وظلمه فأوجد أماكن محرمة، وأزمنة محرمة، والأماكن المحرمة هي التي عند الحرم: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97] حيث يُؤَمَّن الإنسان أخاه الإنسان إذا ما دخل الحرم. وكذلك في الزمان جعل سبحانه الأشهر الحرم. لقد أخذ الحق الحدث للزمان والمكان. وكان القوي قديماً يحارب ويقترب من النصر. وعندما يهل الشهر الحرام يستمر في الحرب، ثم يعلن أن الشهر الحرام هو الذي سيأتي بعد الحرب، ولذلك يأمر سبحانه بعدم تغيير زمان الشهر الحرام؛ لأن الله يريد بالشهر الحرام أن ينهي سعار الحرب. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلاَ ٱلْهَدْيَ} والهدي هو ما يهدي إلى الحرم؛ وهو جمع هدية، وهناك من يقدم للكعبة هدية، ومجموع الهدايا تسمى هدياً. وهدي الحرم إنما جعله الله للحرم؛ فالحرم قديماً كان بوادٍ غير ذي زرع، ولم تكن به حيوانات كثيرة. وكانوا يأتون بالهدي معهم عندما يحجون، لذلك حرم الله الاقتراب من الهدي لأنها هدايا إلى الحرم. والحجيج أفواج كثيرة، وعندما يأتي أناس كثيرون في واد غير ذي زرع يحتاجون إلى الطعام، ولا يصح أن يجعل المؤمن الهدي لغير ما أهدي إليه، فقد يشتاق إنسان صحب معه الهدي إلى أكل اللحم وهو في الطريق إلى الكعبة فيذبحه ليأكل منه؛ وهذا الفعل حرام؛ لأن الهدي إنما جاء إلى الحرم ويجب أن يُهدى ويقدم إلى الحرم. وعلى الإنسان أن يصون هدي غيره أيضاً. {وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} وهي جمع "قلادة" والقلادة هي ما تعلق بالرقبة. وقديماً كان الذاهب إلى الحج يخاف على الهدي أن يشرد منه؛ لذلك كانوا يضعون حول عنق الهدي قلادة حتى يعرف من يراه أنه "هدي" ذاهب إلى الحرم. والهدي الأول هو الهدي العام الذي لا قلائد حول عنقه، والقلائد تعبر عن الهدي الذي توجد حول رقابه قلائد وتدل عليه وتكون علامة على أنه مهدي إلى الحرم، وقد يكون النهي هنا حتى عن استحلال القلادة التي حول رقبة الهدي حتى لا تضيع الحكمة. والحق سبحانه وتعالى حين يعبر بعبارة ما فهو يعبر بعبارة تؤدي المعنى ببلاغة. وكانوا قديماً عندما لا يجدون قلادة يأخذون لحاء الشجر وقشره ويقطعون منه قطعة ويربطونها حول رقبة الهدي، وذلك حتى يعرف الناس أن هذا هدي ذاهب إلى الحرم. ويضمن سبحانه اقتيات الوافد إليه. لا من القوت العادي ولكن يطعمه من اللحم أيضاً، ويجعل ذلك من ضمن المناسك. أليس هو من دعا هؤلاء الناس إلى الحج؟ أليس هؤلاء هم ضيوف الرحمن؟! إن الإنسان منا يقوم بذبح الذبائح لضيوفه، فما بالنا بالحق الأعلى سبحانه وتعالى؟ لذلك جعل الهدي طعاماً لضيوفه. وتزدحم الناس في منى وعرفات بكثرة لا حدود لها، ولابد أن يكرمهم الله بألذ وأطيب الطعام، والفقير يذهب إلى المذبح ويأخذ من اللحم أطيبه ويقوم بتجفيفه في الهواء والشمس ويخزنه ليطعم منه طويلا وهو ما يعرف ويسمى بالقديد. والحق سبحانه وتعالى يأتي بالحكم بطريقة لها منتهى البلاغة، فهو يحرم حتى قلادة الهدي أن يلمسها أحد. ويقول سبحانه: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} أي لا تمنعوا أناساً ذاهبين إلى بيت الله الحرام ولا تصدوهم عن السبيل، فهم وفد الله. وقد جاء هذا القول قبل أن يُنَزَّل الحق قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28] وكان غير المسلمين يحجون بيت الله الحرام من قبل نزول هذه الآية، فلم يكن الحكم قد صدر. ونتساءل: هل الكافرون بالله يبتغون فضلاً من الله؟. نعم ففضل الله يغمر الجميع حتى الكافر، لكن رضوان الله لا يكون على الكافر. والفضل من التجارة التي كانوا يتاجرون بها، وفضل الله موجود حتى في أيامنا هذه على الكفار أيضاً. لكن كيف يتأتى رضوان الله على الكافر؟. إنه رضوان الله المتوهم في معتقدهم. فهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك إرضاءً لله. وتتجلى دقة القرآن حين يقول: {فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}، فلم يقل: فضلاً من الله ورضواناً؛ لأن العبد المؤمن هو من يختص بتنفيذ التكاليف الإيمانية. ولله عطاءان: عطاء الربوبية، فهو المربي الذي استدعى إلى الكون المؤمن والكافر - وسبحانه - سخر الأسباب للكل؛ هذا هو عطاء الربوبية، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والأسباب قد تعطي المؤمن والكافر، أما عطاء الألوهية فيتمثل في "افعل" و"لا تفعل". ويقول الحق هنا: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ}. إذن فجناحا المنهج الإيماني - افعل ولا تفعل - ليست في بالهم. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} أي إذا انتهى الإحرام، وبعد أن يخرج الحاج من الحرم ويتحلل من إحرامه فمن حقه أن يصطاد. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وقبل أن ينزل تحريم زيارة المشركين للبيت الحرام كان من حسن المعاملة ألا يأخذ المؤمنون الكفار الذين يزورون البيت الحرام فيعتدوا عليهم انتقاماً لما فعله الكفار من قبل؛ لذلك أمر الحق المؤمنين ألا يقولوا: ها هم أولاء قد جاءوا لنا فلنرد لهم الصاع صاعين مثلما فعلوا معنا في صلح الحديبية عندما منعونا من البيت الحرام. لأنكم أيها المؤمنون قد أخذتم من الله القوامة على منهجه في الأرض، والقائم على منهج الله في الأرض يجب ألا تكون له ذاتية ولا عصبية أسرية، ولا عصبية قبلية؛ لأنه جاء ليهيمن على الدنيا كلها، ومن الصَّغار أن ينتقم المؤمن من الكافر عندما يأتي إلى بيت الله. ولا يليق ذلك بمهمة القوامة على منهج الله. ولذلك قال الحق لرسوله: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] وحينما أمر الحق رسوله أن يحكم بين الناس فذلك الحكم يقتضي عدم تمييز المؤمن على الكافر؛ لأن المسلمين هم القُوَّام، وهم خير أمة أخرجها الله للناس كافة. ولو فهم الناس أن خير الأمة الإسلامية عائد عليهم لما حاربوها. فنحن - المسلمين - لسنا خيراً لأنفسنا فقط، ولكننا أمة لخير الناس جميعاً. ولذلك قال الحق: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} أي لا يصح أن يحملكم الغضب على قوم أن تعتدوا عليهم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية. وعندما يسمع الكافر أن الله سبحانه وتعالى يوصي من آمن به على من كفر به ماذا يكون موقفه؟ إنّه يلمس رحمة الرب. وفي ذلك لذع للكافر لأنه لم يؤمن، لكن لو اعتدى المؤمن على الكافر رداً على العدوان السابق، لقال الكافر لنفسه: لقد رد العدوان. أما حين يرى الكافر أن المؤمن لم يعتد امتثالاً لأمر الله بذلك، عندئذ يرى أن الإسلام أعاد صياغة أهله بما يحقق لهم السمو النفسي الذي يتعالى عن الضغن والحقد والعصبية، ويعبر الأداء القرآني عن ذلك بدقة، فلم يأت الدين ليكبت عواطف أو غرائز ولا يجعل الإنسان أفلاطونياً كما يدعون. ولم يقل: اكتموا بغضكم، ولكنه أوضح لنا أي: لا يحملكم كرههم وبغضهم على أن تعتدوا عليهم. فسبحانه لا يمنع الشنآن، وهو البغض، لأنه مسألة عاطفية. فسبحانه يعلم أن منع ذلك إنما يكبت المؤمنين وكأنه يطلب منهم الأمر المحال. لذلك فالبغض من حرية الإنسان. ولكن إياك أن يحملك البغض أو الكره على أن تعتدي عليهم. ونرى سيدنا عمر يمر عليه قاتل أخيه زيد بن الخطاب، يقول له أحدهم: هذا قاتل زيد، فيقول عمر: وماذا أصنع به وقد هداه الله إلى الإسلام، فإذا كان الإسلام جبّ الكفر ألا يجب دم أخٍ لعمر؟ ولكن عمر - رضي الله عنه - يقول لقاتل أخيه: عندما تراني نحّ وجهك عني. قال ذلك لأنه يعرف دور العاطفة ويعرف أنه لا يحب قاتل أخيه، فقال قاتل أخي عمر: وهل عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ فقال غمر: لا. بل تأخذ حقوقك كلها. فقال قاتل أخي عمر: لا ضير؛ إنما يبكي على الحب النساء. فالإيمان هو الذي منع عمر من أن ينتقم من قاتل أخيه. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} اي أنه سبحانه لا يمنع مواجيد المؤمنين ووجدانهم وضمائرهم وقلوبهم التي تنفعل بالبغض والكره؛ لأنه يعلم أن ذلك لا يطيقه الإنسان؛ لأنها أمور عاطفية. والعواطف لا يقنن لها بتشريع. ولكن اعلموا أن هذه العواطف لا تبيح لكم الاعتداء. وهكذا يتدخل الإسلام في الحركة الإنسانية ليفعل الإنسان أمراً أو يتجنب فعل أمر ما؛ فالإسلام لا يتدخل إلا في النزوع وهي تعبير عن مرحلة لاحقة للإدراك الذي يسبب للإنسان العاطفة محبة أو كراهية، ثم يعبر الإنسان عن هذه العاطفة بالنزوع؛ لأن مظاهر الشعور ثلاثة: إدراك، ووجدان، ونزوع، فحين يمشي إنسان في بستان فيه أزهار ويرى الوردة فهذا إدراك، ولا يمنع الإسلام هذا الإدراك. وعندما يعجب الإنسان بالوردة ويحبها فهذه حرية، لكن أن تمتد اليد لتقطف الوردة فهذا ممنوع. إن التشريع لا يتدخل في العملية النزوعية فقط إلا في مجال واحد وهو ما يتعلق بالمرأة. إن الإسلام يتدخل من أولى المراحل من مرحلة الإدراك. فالرجل حين يرى امرأة جميلة فهذا إدراك، وعندما ينشغل قلبه بحبها فهذا وجدان، لكن أن يقترب منها الإنسان فهذا نزوع. لقد رأف الحق بالرجل ان أمره أن يغض البصر من البداية؛ لأن الإنسان لن يستطيع مطلقاً أن يفصل بين الإدراك والوجدان والنزوع. فكل من الإدراك والوجدان يصنعان تفاعلاً في التركيب الكيماوي للرجل. فإما أن يعف الإنسان نفسه ويكبت أحاسيسه، وإما ألا يعف فيلغ في أعراض الناس؛ لذلك يخدم الشرع الإنسان من أول الأمر حين يأمره بغض البصر: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} تفسير : [النور: 30-31] هنا يتدخل الشرع من أول مرحلة الإدراك، فبعدها لا يمكن فصل النزوع عن المواجيد؛ لأن رؤية المرأة تحدث تفاعلاً كيماوياً في نفس الرجل، وكذلك الرجل يحدث تفاعلاً كيماوياً في نفس المرأة. أما الوردة فلا تحدث مثل هذا التفاعل. ويستطيع الإنسان اقتناء زهرية للورود. إذن فالمراد أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع المؤمن أن تجيش عواطفه البشرية بالبغض وبالكره؛ لأن ذلك انفعال مطلوب للإيمان. وبعض من أعداء الإسلام يقول: آيات القرآن تتعارض؛ لأنه يقول: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 22] والنسب الإيماني يمنع ذلك. ويقول القرآن في موضع آخر {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} تفسير : [لقمان: 15] والذي يتعمق جيداً يعرف أن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب ومن لا يحب. أما الودّ فهو عمل القلب، وهذا ما نهى عنه الله بالنسبة للمشركين به، أما المعروف فالمسلم مطالب أن يفعله حتى بالنسبة لمن يكرهه. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} إذن فالحق لم يمنع البغض. ولكنه منع النزوع المترتب على الشنآن ولو وُجد سبب من الأسباب كما حدث في صلح الحديبية. وبعد ذلك يأمر: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}. وهذه الآية هي التي تجعل مسألة الإيمان قضية عالمية، وكلمة "تعاون" على وزن "تفاعل"، والتفاعل يأتي من اثنين؛ مثلما نقول "تشارك"؛ فهي تقتضي اثنين؛ كأن نقول: تشارك زيد وعمرو أو: شارك زيد عمراً أو شارك عمرو زيداً. وكلاهما متساو.. اللهم إلا تغليب واحد بأن يأتي فاعلا مرة ومفعولا مرة ثانية، والفاعل في هذه الحالة فاعل ومفعول في آن واحد، والمفعول أيضاً فاعل في الوقت نفسه. ومثال ذلك قولنا "قاتل فلان فلاناً" أي أن الاثنين اشتبكا في قتال أي مفاعلة. وساعة يأتي اثنان في فعل واحد، فهناك فاعل ومفعول. وهناك فرق بين أن تقول: أعن فلاناً، فالمطلوب هنا أمر لواحد بالمعاونة لآخر. وهذا يختلف عن القول: تعاون مع فلان، أي أن تتشاركا معاً في المعاونة. ومسائل الحياة أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة. فأنت حين تبني بيتاً تحتاج إلى من يحفر الأساس ويبني الجدران. ومن يصنع الطوب ومن يصنع الأسمنت ومن يصنع الحديد، ولا يستطيع إنسان واحد أن يتعلم كل هذه الحرف ليبني بيتاً. لكن التعاون خصص لكل إنسان عملا يقوم به، فهناك متخصص في كل جزئية يحتاج إليها الإنسان في حياكة الملابس، والطب، والصيدلة وغيرها من أوجه احتياجات الحياة، والحق يأمر: "وتعاونوا" ليسير دولاب الحياة ويستفيد الإنسان من كل المواهب لقاء إخلاصه في أداء عمله، و"تعاونوا" هي أن تأتي بشيء فيه تفاعل ما، ومعنى الشيء الذي فيه تفاعل أنه يوجد "مُعين" و"مُعان". ولكن المعين لا يظل دائماً معينا، بل سينقلب في يوم ما إلى أن يكون مُعانا، والمعان لا يظل مُعانا، بل سيأتي وقت يصير فيه مُعينا، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية الحياة التي شاءها الله للإنسان الخليفة في الأرض والمطالب أن يعبد الله الذي لا شريك له، وأن يعمر هذه الأرض. ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالحركة فيها، والحركة في الأرض أوسع من أن تتحملها الطاقة النفسية لفرد واحد، بل لا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء هذه العمارة. إننا حين نبني عمارة واحدة نستخدم أجهزة كثيرة لطاقات كثيرة بداية من المهندس الذي يرفع مساحة القطعة من الأرض ويرسمها، وإن شاء الترقي في صنعته يصنع نموذجا مجسدا لما يرغب في بنائه، وبعد ذلك يأتي الحافر ليحفر في الأرض ثم من يضع الأساس، ومن يضع الحديد. ومن يصنع "الخرسانة" المسلحة. ثم يأتي من يرفع البناء، ومن يقوم بالأعمال الصحية من توصيلات للمياه والمجاري، ثم يأتي من يصمم التوصيلات الكهربائية، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد، ولا تتحمله طاقة إنسان واحد. إذن فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة. ومادام الإستخلاف في الحياة بقتضي من الإنسان عمارة هذه الحياة، وعمارة الحياة تقتضي ألا نفسد الشيء الصالح بل نزيده صلاحا، وحين يقول الحق: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي انه يريد كوناً عامراً لا كوناً خرباً. والشيء الصالح في ذاته يبقيه على صلاحه. إذن فعمارة الحياة تتطلب منا أن نتعاون على الخير لا على الإثم. والبر، ما هو؟ البر هو ما اطمأنت إليه نفسك؛ والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه أحد، فساعة يأتي إليك أمر تريد أن تفعله وتخاف أن يراك غيرك وأنت ترتكبه فهذا هو الإثم؛ لأنه لو لم يكن إثما لأحببت أن يراك الناس وأنت تفعل ذلك. إذن قوله الحق: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} هو أمر لكل جماعة أن تتعاون على الخير، وهذه مناسبة لأقول لكل جماعة: تعاونوا معاً بشرط ألا تجعلوا لجمعياتكم نشاطاً يُنسب إلى غير دينكم. مثال ذلك الجمعيات المسماة بـ"الروتاري" أو "الماسونية" ويقال: إن نشاطها خيري. ونقول: كل جمعية خيرية على العين والرأس ولكن لماذا تكونونها وأنتم تقلدون فيها الغرب؟ لماذا لا تصنعون الخير باسم دينكم فيعرف العالم أن هذا خير قادم من بلاد مسلمة. والخير كل الخير ألا نأخذ هذه الأسماء الأجنبية ونطلقها على جمعياتنا حتى لا يظنن ظان أن الخير يصنعه غيرنا. وإن كان للواحد منا طاقة على العمل الخيري؛ فليعمل من خلال الدين الإسلامي. وليعلم كل إنسان أن الدين طلب منا أن تكون كل حياتنا للخير. وهذا ما يجب أن يستقر في الأذهان حتى لا يأخذ الظن الخاطئ كل من يصيبه خير من هذه الجمعيات بأن الخير قادم من غير دين الإسلام. إننا مكلفون بنسبة الخير الذي يقوم به إلى ديننا؛ لأن ديننا أمرنا به وحثنا عليه، وليعلم كل مسلم أنه ليس فقيراً إلى القيم حتى يتسولها من الخارج، بل في دين الإسلام ما يغنينا جميعاً عن كل هؤلاء. وإذا كنا نفعل الخير ونقدم الخدمة الاجتماعية للناس فلماذا نسميها هذا الاسم وننسبها إلى قوم آخرين، ولنقرأ جميعاً قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [فصلت: 33] فعلى الإنسان منا أن يعمل الخير وهو يعلن أن الإسلام يأمره بذلك، ولا ينسب عمل الخير إلى "الروتاري" أو غير ذلك من الجمعيات. فنسبة الخير من المسلم إلى جمعيات خارجة عن الإسلام حرام على المسلم؛ لأنه تعاون ليس لله، والحق يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} هو يريد منا أن نبني الخير وأن نمنع الهدم، وعلى كل منا أن يعرف أنه لا يستطيع وحده أن يقيم كل أبنية الخير. وقد نسأل الفقير صاحب الثوب الواحد من أين أتى برغيف الخبز، فيشير إلى بقال أعطاه هذا الرغيف. ونلتفت إلى أن الله قد سخر هذا البقال أن يأتي بالخبز ليشتري منه كل الناس، ويتصدق ببعضه على الفقير. وهذا تيسير أراده الله. وعندما نذهب إلى المخبز، نجد أن الدقيق جاء إلى المخبز من المطحن، وفي المطحن نجد عشرات العمال والمهندسين يعملون من أجل طحن الدقيق الذاهب للمخبز ليعجنه واحد، ويخبزه آخر، ويبيعه ثالث. ويجب أن نلتفت هنا إلى قدرة الله الذي سخر بعضا من الممولين الذين فكروا في خير أنفسهم واشتروا هذه الآلات الضخمة للطحين وإنضاج الخبز، وهي آلات لا يستطيع الفرد أن يشتريها بمفرده، لارتفاع ثمنها وتأتي من الدول الأجنبية، وتلك الدول فيها من المعامل والعلماء الذين يدرسون الحركة والطاقة من أجل تصميم هذه الأجهزة، ليأكل الإنسان رغيفاً واحداً. هذه هي مشيئة الحق من أجل أن تنتظم كل حركة الحياة؛ فالرغيف يعرضه البقال، وعمل فيه الخباز ومن قبله الطحان، والعجان ومن استورد الآلة؛ ومن صممها، وشاركت فيه المدرسة التي علمت المهندس الذي صمم الآلة؛ كل ذلك عمل فيه تعاون من أجل خدمة رغيف الخبز، على الرغم من أن الإنسان منا لا يفكر في رغيف الخبز إلا ساعة أن يجوع. إذن فحركة الحياة كلها تم بناؤها على التعاون. لكن ماذا إن تعاون الناس على الإثم؟ إنهم إن فعلوا ذلك يهدمون الخير؛ لأن التعاون على الإثم إنما يبدأ من كل من يعين على أمر يخالف أمر الله، وأوامر الله تنحصر في "افعل" و"لا تفعل"، ما ليس فيه "افعل" و"لا تفعل" فهو مباح، إن شئت فعلته وإن شئت لا تفعله. والذي يأمر بتطبيق "افعل" ويحزم الأمر مع "لا تفعل" وينهى عنه ويجرِّم من يفعله هو متعاون على البر والتقوى. ومن يعمل ضد ذلك؛ يتعاون على الإثم والعدوان؛ لأنه ينقل الأفعال من دائرة "افعل" إلى دائرة "لا تفعل". وينقل النواهي من "لا تفعل" إلى دائرة "افعل"؛ هذا هو التعاون على الإثم. وقوله الحق: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} ضَمِن عمارة الكون وضَمِن منع الفساد في الكون. فالذي يرتشي والذي يسهل عملية الرشوة، وهو الوسيط والسفير بين الراشي والمرتشي ويُسمَّى الرائش والذي يحمل الخمر والذي يدلس، كل هؤلاء متعاونون على الإثم والعدوان، حتى البواب الذي يجلس على باب عمارة ويعلم أن بها شقة تدار لأعمال مشبوهة ويأخذ ثمن ذلك هو متعاون على الإثم. نقول لكل هؤلاء: إياكم أن تفتنوا بما يدره عليكم فعل الإثم؛ لكن لننظر مصير كل منكم فلن يترك الله أمثالكم دون أن ينهي الواحد منكم حياته بمأساة، حتى المرأة التي استنزفت الناس بجمالها، تنتهي حياتها بالضنك من العيش ثم لا تجد مأوى إلا القلوب الرحيمة التي لم تفتتن بهذا الجمال ولم تتمتع به في الحرام؛ لأن الرجل إن نظر إلى امرأة أعانته على أفثم سيتذكر كل المصائب التي جاءته منها فيكرهها. لقد أراد الحق بهذا عدالة في الكون ليستقيم، وكل من يأخذ شيئا من إثم يكتوي بنار هذا الإثم في الحياة، وكل فرد فيكم مطالب بعمل حصر وإحصاء للمال الذي جاءه من عرقه وحلاله ويكتبه، والقرش الذي جاءه من حرام. وبعد ذلك يقوم بعمل حصر وإحصاء للكوارث التي أصابته. وكم كلفته من مصاريف. إنه لو فعل ذلك لوجد أن الكوارث تأخذ كل الحرام وتجوز على المال الذي كسبه من حلال. ولا تختلف هذه المسألة أبداً ولا يتركها الله للآخرة؛ فسبحانه يريد أن يعدل نظام الكون، وإلا كيف يشهد من لا يؤمن بيوم الحساب قدرة الله على إجراء التوازن في كونه؟ إن الحق أراد الحساب في الدنيا حتى لا يعربد من لا يؤمن بيوم الحساب في كون الله. إن كل معربد سوف يرى مصير معربد سبقه. كذلك الذين يتمتعون بثمرات الإثم في هذه الدنيا يجب أن يفطنوا إلى نفوسهم قبل أن يفوتهم الأوان، المعذور فقط هم الأطفال الذين لا نضج لهم ولا دراية؛ لأنهم يعيشون من أموال الإثم. لكن ما إن يبلغ الولد الرشد وكذلك البنت ثم ترى مالا يتدفق عليها من مصادر غير حل، عليها أن تستحي من شراء "فستان" من هذا المال أو أن تأكل منه لقمة خبز، وليفطن الإنسان أن الله قد أباح للإنسان أن يسأل عن مصدر المال حتى لا يأخذ لنفسه من المال الموبوء الخبيث. وأن يسأل الإنسان الصدقة خير من أن يصرف على نفسه مالاً موبوءا. ولن يترك الحق مثل هذا الإنسان سائلا أبداً. وليكتب كل واحد منكم هذا القول الكريم أمامه: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}. وليجعلها ميزاناً يزن بها صور الذين يراهم في الكون؛ حتى ولو كانت صورة سائق التاكسي الذي يدلس على رجل وامرأة في طريق مظلم ويأخذ أجراً على هذا، ليحسب هذا الرجل النقود التي سـتأتي من هذا الباب، وليحسب النقود التي ستخرج على ألم فيه، أو ألم فيمن يرعى من ولد أو بنت. {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} وصور العدوان شتى يعاني منها المجتمع وتهزه بعنف، عدوان على الوقت لأن الإنسان يأخذ أجراً على العمل ولا يقوم به، وعدوان يضرُّ به إنسانا بأن يأخذ حقه أو أن يرتشي، كل ذلك عدوان. وحتى يصير المجتمع مجتمعا إيمانيا سليما لا بد أن يحافظ على قضية الاستخلاف في الأرض، وأن يعلم أن هذا يقتضي عمارة الكون وعدم الإفساد فيه. {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فكأن هذه المخالفات السابقة التي تحدث هي نتيجة عدم التعاون على البر، ونتيجة التعاون على الإثم والعدوان، ولهذه المخالفة عقاب شديد، أما التقوى فمعناها أن نفعل ما أمر به الله أن نفعله، وأن ننتهي عما نهى الله عنه، فلا ننقل فعلاً من دائرة "لا تفعل" إلى دائرة "افعل" وكذلك العكس. وبذلك نجعل بيننا وبين الجبار وقاية. وبعض السطحيين قد ينظر إلى بعض من آيات القرآن ويقول: إن بها تناقضاً؛ فيقولون: بعض من آيات القرآن تقول: {ٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ}، وبعض الآيات تقول: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فهل للنار وقاية؟ وهل لله وقاية؟ وهؤلاء لا يفهمون أن "اتقوا" تعني: اجعل وقاية بينك وبين ما يؤذيك ويتعبك، فـ {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تعني اجعل بينك وبين عقاب الله وقاية وهي الدرع التي يقيمها الإنسان بتنفيذ أوامر الله بـ "افعل" والامتثال لنواهي الله بـ "لا تفعل". وعندما تجعل بينك وبين الله وقاية، فأنت تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، وهكذا تتساوى "تقوى الله" مع "اتقاء النار". ويذيل الحق الآية {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. إنّ ما يجعل الناس تتهاون في التعاون على البر ويجترئون على الإثم أنهم لا يجدون من مجتمعاتهم رادعاً، ولو وجدوا الردع من المجتمع لحمى المجتمع أفراده من الإثم. وإن صار للمجتمع وعي إيماني لقاطع المخالفين وأشعرهم بأنهم منبوذون، وساعة يرى أمثال هؤلاء الناس أنهم منبوذون من المجتمع الإيماني فهم يرجعون إلى المنهج الحق. فما يغري الناس على الجرائم الكبيرة إلاّ تهاون المجتمع في الجرائم الصغيرة. ولذلك يلفتنا الحق أنه لن يترك الأمر كما تركه بعض من خلقه؛ لأن الخلق قد يجاملون وقد لا يقفون أمام ما يفعله بعضهم من آثام، لكن الله شديد العقاب، سيأتي العقاب في وقت ليس للفرد فيه جاه من مال أو حسب أو نسب يحميه من الله، فإن أطمعك ضعف المجتمع في أن تتعاون على الإثم فعليك أن تخاف الله؛ لأن عقابه شديد. وكيف يأتي العقاب إلى المذنب؟ لا نعرف؛ لأننا لسنا آلهة، ونجد العقاب يتسلل إلى المذنب في نفسه كمرض مؤلم لا يصرف المذنب فيه ما عنده من مال فقط، لكنه قد يسأل الناس ليعالج نفسه، أو يعالج من يحب. وجنود عقاب الله قد لا تتأخر للآخرة بل تتسلل إلى حياة المذنب دون أن يعرفها وهذه هي شدة العقاب. وبعد ذلك يأتي الحق بأمر تحريم أشياء بعد أن حلل الله أشياء في قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين تخصيصا لما أحل من الأنعام.. فقد حلل الله من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. وألحق الرسول بها الظباء وبقر الوحش، وكل ذات أربع من حيوان البحر، وكان قول الله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} مؤذنا بأن هناك تحريماً قادماً سيأتي، ويبين الحق بالقرآن ما يحرمه الله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْقَلاۤئِدَ} [الآية: 2]: اللحاءُ في رقاب الناس والبهائم، أَمان لهم. وهي من الشعائر، والشعائر الهدي والقلائد، والصفا والمروة والبدن، هذا كله من شعائر الله. وذلك لأَن أَصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: "هذا من عمل الجاهلية فعله وإِقامته. وأحل ذلك كله بالإِسلام، إِلا القلائد اللحاءَ، فإِنه ترك" [الآية: 2]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، في قوله: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ} يعني: التجارة. {وَرِضْوَاناً} [الآية: 2]. يعني الأَجر حرم الله على كل أَحد إِخافتهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَن تَعْتَدُواْ} [الآية: 2]. قال: حديث : ذلك لأَن رجلا مؤمناً من حلفاءِ النبي، صلى الله عليه وسلم، قتل حليفاً لأَبي سفيان، من هذيل، يوم الفتح بعرفة لأَنه كان يقتل حلفاءَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من قتل بذحل الجاهلية ".
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} معناهُ هَدَايَاهُ. واحِدُهَا شَعِيرةٌ، تُشْعَرُ البَدنةُ، ليُعلَمَ أَنَّها هَديٌ. والإِشْعارُ أَنْ يُطْعَنَ شِقُ سِنَامِهَا الأَيمَنُ بِحَديدةٍ ليُعْلَمَ أَنَّها بَدْنةٌ. والشَّعائِرُ: الصَّفا والمَروَةُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِن المَناسِكِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} وَلاَ عَامِدِينَ إِليهِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} معناهُ لاَ يَحمِلَنكُمْ. والشَّنَأَنُ: العَداوةُ والبَغضاءُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ فالبِرُّ: مَا أَمرَ بِهِ. والتَّقوى: مَا نَهَى عَنهُ.
الأندلسي
تفسير : {شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} تقدم تفسيرها في البقرة. والشعائر هي ما حرم الله تعالى مطلقاً سواء كان في الإِحرام أو غيره. والشهر الحرام مفرد حلى بألْ الجنسية فالمراد به عموم الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، والمعنى لا تحلوا بقتال ولا غارة ولا نهب. {وَلاَ ٱلْهَدْيَ} لا خلاف ان الهدى ما أهدى من النعم إلى بيت الله وقصدت به القربة فأمر الله أن لا يستحل ولا يغار عليه. {وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} قال الجمهور: هي ما كانوا في الجاهلية يتقلدون به من شجر الحرم ليأمنوا فنهى المؤمنون عن فعل الجاهلية وعن أخذ القلائد من شجر الحرم. {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} قرىء آمى البيت الحرام بحذف النون للإِضافة، ويقال: أممت الشيء أي قصدته، ولا آمين أي لا تحلو منع من قصد البيت الحرام. لحج وعمرة باستيفاء مناسكهما وهذه المعاطف الأربعة مندرجة في عموم قوله: لا تحلوا شعائر الله فكان ذلك تخصيصاً بعد تعميم. {يَبْتَغُونَ} جملة حالية. وقرىء ورضواناً بكسر الراء وضمها وهو مصدر رضى رضي ورضواناً. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} تقدم شيآن أحدهما تحريم الصيد للحرم لقوله تعالى: {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}تفسير : [المائدة: 1]. والثاني قوله في الجملة التي تأتي بعدها وهو قوله: {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}، فرجع قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} للأول. وقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ} وهذا من أجل الفصاحة ومعنى وإذا حللتم أي من مناسك الحج. {فَٱصْطَادُواْ} هو أمر إباحة لا أمر وجوب لأن الصيد كان قبل الحج حلالاً فمنع منه الحاج فلما زال المانع رجع لأصله من الحل قرأ أبو واقد والجرّاح ونبيح والحسن بن عمران فاصطادوا بكسر الفاء. قال الزمخشري: قيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء. قال ابن عطية: هي قراءة مشكلة ومن توجيهها أن يكون راعي كسر ألف الوصل إذا بدأت فقلت: اصطادوا، بكسر الفاء مراعاة وتذكر لكسرة ألف الوصل. "انتهى". وليس عندي كسراً محضاً إنما هو من باب الإِمالة المحضة لتوهم وجود كسرة همزة الوصل كما أمالوا الفاء في فإِذا لوجود كسر إذا. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يحملنكم. يقال: جرمني كذا على بغضك أي حملني. وقرىء شنآن بفتح النون وسكونها وهو البغض. وفعله شني بكسر النون. وذكر له في البحر ثلاثة عشر مصدراً. وقال سيبويه: كل بناء كان من المصادر على فعلان بفتح العين لم يتعد فعله إلا أن يشذ شيء كالشنآن. وقرىء: ان صدوكم بكسر الهمزة حرف شرط وبفتحها على التعليل أي لأن صدوكم. وقوله: {أَن تَعْتَدُواْ} أي على الاعتداء أي لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء ومن فسر لا يجرمنكم بمعنى لا يكسبنكم البغض فهو يتعدى إلى اثنين أحدهما ضمير الخطاب. والثاني: قوله: ان تعتدوا فالمعنى لا يكسبنكم البغض الاعتداء عليهم. {عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} قال ابن عباس: البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه. {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ} أي المعاصي. {وَٱلْعُدْوَانِ} التعدي في حدود الله. {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تقدم الأمر بإِيفاء العقود وتحليل وتحريم ونهي عن أشياء فناسب أن يختم بالأمر بالتقوى والاخبار بأنه تعالى شديد العقاب لمن أمره ونهاه عن شيء فما انتهى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ } أي: محرماته التي أمركم بتعظيمها، وعدم فعلها، والنهي يشمل النهي عن فعلها، والنهي عن اعتقاد حلها؛ فهو يشمل النهي، عن فعل القبيح، وعن اعتقاده. ويدخل في ذلك النهي عن محرمات الإحرام، ومحرمات الحرم. ويدخل في ذلك ما نص عليه بقوله: { وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } أي: لا تنتهكوه بالقتال فيه وغيره من أنواع الظلم كما قال تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } . والجمهور من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : وغير ذلك من العمومات التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقا، والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقا. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل الطائف في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. وقال آخرون: إن النهي عن القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ لهذه الآية وغيرها، مما فيه النهي عن ذلك بخصوصه، وحملوا النصوص المطلقة الواردة على ذلك، وقالوا: المطلق يحمل على المقيد. وفصل بعضهم فقال: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، وأما استدامته وتكميله إذا كان أوله في غيرها، فإنه يجوز. وحملوا قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف على ذلك، لأن أول قتالهم في "حنين" في "شوال". وكل هذا في القتال الذي ليس المقصود منه الدفع. فأما قتال الدفع إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال، فإنه يجوز للمسلمين القتال، دفعا عن أنفسهم في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء. وقوله: { وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ } أي: ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت الله في حج أو عمرة، أو غيرهما، من نعم وغيرها، فلا تصدوه عن الوصول إلى محله، ولا تأخذوه بسرقة أو غيرها، ولا تقصروا به، أو تحملوه ما لا يطيق، خوفا من تلفه قبل وصوله إلى محله، بل عظموه وعظموا من جاء به. { وَلا الْقَلائِدَ } هذا نوع خاص من أنواع الهدي، وهو الهدي الذي يفتل له قلائد أو عرى، فيجعل في أعناقه إظهارا لشعائر الله، وحملا للناس على الاقتداء، وتعليما لهم للسنة، وليعرف أنه هدي فيحترم، ولهذا كان تقليد الهدي من السنن والشعائر المسنونة. { وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } أي: قاصدين له { يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } أي: من قصد هذا البيت الحرام، وقصده فضل الله بالتجارة والمكاسب المباحة، أو قصده رضوان الله بحجه وعمرته والطواف به، والصلاة، وغيرها من أنواع العبادات، فلا تتعرضوا له بسوء، ولا تهينوه، بل أكرموه، وعظموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم. ودخل في هذا الأمر الأمرُ بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله وجعل القاصدين له مطمئنين مستريحين، غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه، ولا على أموالهم من المكس والنهب ونحو ذلك. وهذه الآية الكريمة مخصوصة بقوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } تفسير : فالمشرك لا يُمَكَّن من الدخول إلى الحرم. والتخصيص في هذه الآية بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت ابتغاء فضل الله أو رضوانه -يدل على أن من قصده ليلحد فيه بالمعاصي، فإن من تمام احترام الحرم صد من هذه حاله عن الإفساد ببيت الله، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } . تفسير : ولما نهاهم عن الصيد في حال الإحرام قال: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } أي: إذا حللتم من الإحرام بالحج والعمرة، وخرجتم من الحرم حل لكم الاصطياد، وزال ذلك التحريم. والأمر بعد التحريم يرد الأشياء إلى ما كانت عليه من قبل. { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا } أي: لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم عليكم، حيث صدوكم عن المسجد، على الاعتداء عليهم، طلبا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جُنِي عليه أو ظلم واعتدي عليه، فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه. { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } أي: ليعن بعضكم بعضا على البر. وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين. والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها وينشط لها، وبكل فعل كذلك. { وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ } وهو التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها، ويحرج. { وَالْعُدْوَانِ } وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه. { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } على من عصاه وتجرأ على محارمه، فاحذروا المحارم لئلا يحل بكم عقابه العاجل والآجل.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 233: 2 : 31 - سفين عن بيان عن الشعبي قال، لم ينسخ من المائدة غير آية واحدة {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ}. نسختها {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5]. [الآية 2].
همام الصنعاني
تفسير : 669- عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن بيان، عن الشعبي، قال: لم ينسخ من سورة المائدة غير هذه الآية: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}: [الآية: 2]. 670- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن عِكْرِمة عن عمر بن الخطاب قال: نزلت يوم عرفة سورة المائدة ووافق يوم الجمعة. 671- عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن ليث، عن شهر بن حوشب، قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ واقف بِعَرفة عَلَى راحلتِه، فتنوخت لأن لا يُدقّ ذِرَاعها. 672- عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَر، عن قَتَادة، في قوله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}: [الآية: 2]، قال: منسوخ. كان الرجل في الجاهِلَّة، إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد مِنَ السمر فلم يعرض له أحَدٌ، أما إذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحَدٌ، وكَانَ المشركُ يومئذٍ لا يصد عن البيت. وأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5]. 674- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}: [الآية: 2]، قال: هيَ للمشركينَ يلتمسون فَضْلاً مِنْ رَبِّهِم ورضواناً بما يُصْلِحُ لهُمْ في دُنْياهُم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):