Verse. 672 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَۃُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيْرِ وَمَاۗ اُہِلَّ لِغَيْرِ اللہِ بِہٖ وَالْمُنْخَنِقَۃُ وَالْمَوْقُوْذَۃُ وَالْمُتَرَدِّيَۃُ وَالنَّطِيْحَۃُ وَمَاۗ اَكَلَ السَّبُعُ اِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ۝۰ۣ وَمَا ذُبِحَ عَلَي النُّصُبِ وَاَنْ تَسْـتَقْسِمُوْا بِالْاَزْلَامِ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ۝۰ۭ اَلْيَوْمَ يَىِٕسَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ دِيْنِكُمْ فَلَا تَخْشَوْہُمْ وَاخْشَوْنِ۝۰ۭ اَلْيَوْمَ اَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَاَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْاِسْلَامَ دِيْنًا۝۰ۭ فَمَنِ اضْطُرَّ فِيْ مَخْمَصَۃٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّاِثْمٍ۝۰ۙ فَاِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۳
Hurrimat AAalaykumu almaytatu waalddamu walahmu alkhinzeeri wama ohilla lighayri Allahi bihi waalmunkhaniqatu waalmawqoothatu waalmutaraddiyatu waalnnateehatu wama akala alssabuAAu illa ma thakkaytum wama thubiha AAala alnnusubi waan tastaqsimoo bialazlami thalikum fisqun alyawma yaisa allatheena kafaroo min deenikum fala takhshawhum waikhshawni alyawma akmaltu lakum deenakum waatmamtu AAalaykum niAAmatee waradeetu lakumu alislama deenan famani idturra fee makhmasatin ghayra mutajanifin liithmin fainna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حرِّمت عليكم الميتة» أي أكلها «والدم» أي المسفوح كما في الأنعام «ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به» بأن ذُبح على اسم غيره «والمنخنقة» الميتة خنقا «والموقوذة» المقتولة ضربا «والمتردية» الساقطة من علو إلى أسفل فماتت «والنطيحة» المقتولة بنطح أخرى لها «وما أكل السبع» منه «إلا ما ذكيتم» أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه «وما ذُبح على» اسم «النصب» جمع نصاب وهي الأصنام «وأن تستقسموا» تطلبوا القسم والحكم «بالأزلام» جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح _بكسر القاف_ صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا «ذلكم فسق» خروج عن الطاعة. ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع «اليوم يئس الذين كفروا من دينكم» أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته «فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملتُ لكم دينكم» أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام «وأتممت عليكم نعمتي» بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين «ورضيت» أي اخترت «لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة» مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله «غير متجانف» مائل «لإثم» معصية «فإن الله غفور» له ما أكل «رحيم» به في إباحته له بخلاف المائل لإثم أي المتلبس به كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام}. إعلم أنه تعالى قال في أول السورة {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام } تفسير : [المائدة: 1] ثم ذكر فيه استثناء أشياء تتلى عليكم، فههنا ذكر الله تعالى تلك الصور المستثناة من ذلك العموم، وهي أحد عشر نوعاً: الأول: الميتة: وكانوا يقولون: إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله. وأعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول، لأن الدم جوهر لطيف جداً، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة. والثاني: الدم: قال صاحب «الكشاف» كانوا يملؤون المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه الضيف، فالله تعالى حرم ذلك عليهم. والثالث: لحم الخنزير، قال أهل العلم: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي، فلا بدّ أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات، فحرم أكله على الإنسان لئل يتكيف بتلك الكيفية، وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. الرابع: ما أهل لغير الله به، والإهلال/ رفع الصوت، ومنه يقال أهل فلان بالحج إذا لبى به، ومنه استهل الصبي وهو صراخة إذا ولد، وكانوا يقولون عند الذبح: باسم اللآت والعزى فحرم الله تعالى ذلك. والخامس: المنخنقة، يقال: خنقه فاختنق، والخنق والاختناق انعصار الحلق. واعلم أن المنخنقة على وجوه: منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، ومنها ما يخنق بحبل الصائد، ومنها ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام. وأعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة، لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت كالميت حتف أنفه. والسادس: الموقوذة، وهي التي ضربت إلى أن ماتت يقال: وقذها وأوقذها إذا ضربها إلى أن ماتت، ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي أيضاً في معنى الميتة وفي معنى المنخنقة فإنها ماتت ولم يسل دمها. السابع: المتردية، والمتردي هو الواقع في الردى وهو الهلاك. قال تعالى: {أية : وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ } تفسير : [الليل: 11] أي وقع في النار، ويقال: فلان تردى من السطح، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف فتموت، وهذا أيضاً من الميتة لأنها ماتت وما سال منها الدم، ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي أو بالسهم. والثامن: النطيحة، وهي المنطوحة إلى أن ماتت، وذلك مثل شاتين تناطحا إلى أن ماتا أو مات أحدهما، وهذا أيضاً داخل في الميتة لأنها ماتت من غير سيلان الدم. وأعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع، أعني: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد هو الكل. فإن قيل: لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل بها إلى النطيحة، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة، كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل. قلنا: إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف، تقول: رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة، فعلى هذا إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة، والتاسع: قوله {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ ذَكَّيْتُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: السبع: اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها، مثل الأسد وما دونه، ويجوز التخفيف في سبع فيقال: سبع وسبعة، وفي رواية عن أبي عمرو: السبع بسكون الباء، وقرأ ابن عباس: وأكيل السبع. المسألة الثانية: قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي، فحرمه الله تعالى. وفي الآية محذوف تقديره: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي. المسألة الثالثة: أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم وهو تمامه، ومنه الذكاء في السن، وقيل: جري المذكيات غلاب، أي جري المسنات التي قد أسنت، وتأويل تمام السن النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن، ويقال ذكيت النار أي أتممت إشعالها. إذا عرفت هذا الأصل فنقول: الاستثناء المذكور في قوله {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } فيه أقوال: الأول: أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ } إلى قوله {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة، فعلى هذا أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فإنه حلال، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه. والقول الثاني: أن هذا الاستثناء مختص بقوله {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ }. والقول الثالث: أنه استثناء منقطع كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال. والقول الرابع: أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات، يعني حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال. وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منقطعاً أيضاً. العاشر: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: النصب يحتمل أن يكون جمعاً وأن يكون واحداً، فإن قلنا إنه جمع ففي واحده ثلاثة أوجه: الأول: أن واحده نصاب، فقولنا: نصاب ونصب كقولنا: حمار وحمر. الثاني: أن واحده النصب، فقولنا نصب ونصب كقولنا: سقف وسقف ورهن ورهن، وهو قول ابن الأنباري. والثالث: أن واحدة النصبة. قال الليث: النصب جمع النصبة، وهي علامة تنصب للقوم، أما إن قلنا: أن النصب واحد فجمعه أنصاب، قفولنا: نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب. قال الأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحداً فقال:شعر : ولا النصب المنصوب لا تنسكنه لعاقبة والله ربك فاعبدا تفسير : المسألة الثانية: من الناس من قال: النصب هي الأوثان، وهذا بعيد لأن هذا معطوف على قوله {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } وذلك هو الذبح على اسم الأثان، ومن حق المعطوف أن يكون مغايراً للمعطوف عليه. وقال ابن جريج: النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصورة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون عندها للأصنام، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها، فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكره، فأنزل الله تعالى: {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا } تفسير : [الحج: 37]. واعلم أن {مَا } في قوله {وَمَا ذُبِحَ } في محل الرفع لأنه عطف على قوله {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } إلى قوله {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ }. واعلم أن قوله {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } فيه وجهان, أحدهما: وما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، والثاني: وما ذبح للنصب، و (اللام) و (على) يتعاقبان، قال تعالى: {أية : فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الواقعة: 91] أي فسلام عليك منهم، وقال {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] أي فعليها. النوع الحادي عشر: قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ } قال القفال رحمه الله: ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان موافقاً لما كانوا فعلوه في المطاعم، وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع عند البيت، وكذا الاستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه عند البيت إذا كانوا هناك، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وكانوا قد كتبوا على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، وتركوا بعضها خالياً عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل، وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح. الثاني: قال المؤرخ وكثير من أهل اللغة: الاستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه، والأزلام قداح الميسر، والقول الأول اختيار الجمهور. المسألة الثانية: الأزلام القداح واحدها زلم، ذكره الأخفش. وإنما سميت القداح بالأزلام لأنها زلمت أي سويت. ويقال: رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا كان خفيفاً قليل العلائق، ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته، وما أحسن ما زلم سهمه، أي سواه، ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها. ثم قال تعالى: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } وفيه وجهان: الأول: أن يكون راجعاً إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصراً عليه. والثاني: أن يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم، فمن خالف فيه راداً على الله تعالى كفر. فإن قيل: على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقاً؟ أليس أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل، وهذا أيضاً من جملة الفأل فلم صار فسقاً؟ قلنا: قال الواحدي: إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب، وذلك حرام لقوله تعالى: {أية : وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } تفسير : [لقمان: 34] وقال {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [النمل: 65] وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».تفسير : ولقائل أن يقول: لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلباً لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيباً أو كفراً لأنه طلب للغيب، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفراً لأنه طلب للغيب، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفاراً، ومعلوم أن ذلك كله باطل، وأيضاً فالآيات إنما وردت في العلم، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علماً وإنما يستفيد من ذلك ظناً ضعيفاً، فلم يكن ذلك داخلاً تحت هذه الآيات. وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم، فلهذا السبب كان ذلك فسقاً وكفراً، وهذا القول عندي أولى وأقرب. قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ }. اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرّمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم مستولين عليكم، فإذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن لا تلتفتوا إليهم، وأن تقبلوا على طاعة الله تعالى والعمل بشرائعه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } فيه قولان: الأول: أنه ليس المراد هو ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان معناه لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم، ونظيره قوله: كنت بالأمس شاباً واليوم قد صرت شيخاً، ولا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه. والقول الثاني: أن المراد به يوم نزول هذه الآية، وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء. المسألة الثانية: قوله {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } فيه قولان: الأول: يئسوا من أن تحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة. والثاني: يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم، وذلك لأنه تعالى كان قد وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان، وهو قوله تعالى: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] [الفتح: 28] [الصف: 9] فحقق تلك النصرة وأزال الخوف بالكلية وجعل الكفار مغلوبين بعد أن كانوا غالبين، ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وهذا القول أولى. المسألة الثالثة: قال قوم: الآية دالة على أن التقية جائزة عند الخوف، قالوا لأنه تعالى أمرهم بإظهار هذه الشرائع وإظهار العمل بها وعلل ذلك بزوال الخوف من جهة الكفار، وهذا يدل على أن قيام الخوف يجوز تركها. ثم قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية سؤال وهو أن قوله {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يقتضي أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وذلك يوجب أن الدين الذي كان صلى الله عليه وسلم مواظباً عليه أكثر عمره كان ناقصاً، وأنه إنما وجد الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة. واعلم أن المفسرين لأجل الاحتراز عن هذا الاشكال ذكروا وجوهاً: الأول: أن المراد من قوله {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم، وهذا كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهراً كلياً: اليوم كمل ملكنا، وهذا الجواب ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر العدو ناقصاً. الثاني: أن المراد: إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام، وهذا أيضاً ضعيف لأنه لو لم يكمل لهم قبل هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع كان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز. الثالث: وهو الذي ذكره القفال وهو المختار: أن الدين ما كان ناقصاً، البتة، بل كان أبداً كاملاً، يعني كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم، وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، فالشرع أبداً كان كاملاً، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلأجل هذا المعنى قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }. المسألة الثانية: قال نفاة القياس: دلت الآية على أن القياس باطل، وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع، إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملاً، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك النص كان عبثاً، وإن كان على خلافه كان باطلاً. أجاب مثبتو القياس بأن المراد بإكمال الدين أنه تعالى بيّن حكم جميع الوقائع بعضها بالنص وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس، فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين أحدهما التي نص على أحكامها، والقسم الثاني أنواع يمكن استنباط الحكم فيها بواسطة قياسها على القسم الأول، ثم أنه تعالى لما أمر بالقياس وتعبد المكلفين به كان ذلك في الحقيقة بياناً لكل الأحكام، وإذا كان كذلك كان ذلك إكمالاً للدين. قال نفاة القياس: الطريق المقتضية لإلحاق غير المنصوص بالمنصوص إما أن تكون دلائل قاطعة أو غير قاطعة، فإن كان القسم الأول فلا نزاع في صحته، فإنا نسلم أن القياس المبني على المقدمات اليقينية حجة، إلا أن مثل هذا القياس يكون المصيب فيه واحداً، والمخالف يكون مستحقاً للعقاب، وينقض قضاء القاضي فيه وأنتم لا تقولون بذلك، وإن كان الحق هو القسم الثاني كان ذلك تمكيناً لكل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه من غير أن يعلم أنه هل هو دين الله أم لا، وهل هو الحكم الذي حكم به الله أم لا، ومعلوم أن مثل هذا لا يكون إكمالاً للدين، بل يكون ذلك إلقاء للخلق في ورطة الظنون والجهالات، قال مثبتو القياس: إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان ذلك إكمالاً للدين، ويكون كل مكلف قاطعاً بأنه عامل بحكم الله فزال السؤال. المسألة الثالثة: قال أصحابنا: هذه الآية دالة على بطلان قول الرافضة، وذلك لأنه تعالى بيّن أن الذين كفروا يئسوا من تبديل الدين، وأكد ذلك بقوله {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ } فلو كانت إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه منصوصاً عليها من قبل الله تعالى وقبل رسوله صلى الله عليه وسلم نصاً واجب الطاعة لكان من أراد إخفاءه وتغييره آيساً من ذلك بمقتضى هذه الآية، فكان يلزم أن لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النص وعلى تغييره وإخفائه، ولما لم يكن الأمر كذلك، بل لم يجر لهذا النص ذكر، ولا ظهر منه خبر ولا أثر، علمنا أن ادعاء هذا النص كذب، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان منصوصاً عليه بالإمامة. المسألة الرابعة: قال أصحاب الآثار: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمر بعد نزولها إلا أحداً وثمانين يوماً، أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل ألبتة، وكان ذلك جارياً مجرى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته، وذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً، ومما يؤكد ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على الصحابة فرحوا جداً وأظهروا السرور العظيم إلا أبا بكر رضي الله عنه فإنه بكى فسئل عنه فقال: هذه الآية تدل على قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال، فكان ذلك دليلاً على كمال علم الصديق حيث وقف من هذه الآية على سر لم يقف عليه غيره. المسألة الخامسة: قال أصحابنا: دلت الآية على أن الدين لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وإيجاده، والدليل عليه أنه أضاف إكمال الدين إلى نفسه فقال {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ولن يكون إكمال الدين منه إلا وأصله أيضاً منه. واعلم أنا سواء قلنا: الدين عبارة عن العمل، أو قلنا إنه عبارة عن المعرفة، أو قلنا إنه عبارة عن مجموع الاعتقاد والاقرار والفعل فالاستدلال ظاهر. وأما المعتزلة فإنهم يحملون ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار شرائعه، ولا شك أن الذي ذكروه عدول عن الحقيقة إلى المجاز. ثم قال تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } ومعنى أتممت عليكم نعمتي بإكمال أمر الدين والشريعة كأنه قال: اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي بسبب ذلك الاكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. واعلم أن هذه الآية أيضاً دالة على أن خالق الإيمان هو الله تعالى، وذلك لأنا نقول: الدين الذي هو الإسلام نعمة، وكل نعمة فمن الله، فيلزم أن يكون دين الإسلام من الله. إنما قلنا: إن الإسلام نعمة لوجهين: الأول: الكلمة المشهورة على لسان الأمة وهي قولهم: الحمد لله على نعمة الإسلام. والوجه الثاني: أنه تعالى قال في هذه الآية {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } ذكر لفظ النعمة مبهمة، والظاهر أن المراد بهذه النعمة ما تقدم ذكره وهو الدين. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بإتمام النعمة جعلهم قاهرين لأعدائهم، أو المراد به جعل هذا الشرع بحيث لا يتطرق إليه نسخ. قلنا: أما الأول فقد عرف بقوله {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } فحمل هذه الآية عليه أيضاً يكون تكريراً. وأما الثاني فلأن إبقاء هذا الدين لما كان إتماماً للنعمة وجب أن يكون أصل هذا الدين نعمة لا محالة، فثبت أن دين الإسلام نعمة. وإذا ثبت هذا فنقول: كل نعمة فهي من الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } وإذا ثبت هاتان المقدمتان لزم القطع بأن دين الإسلام إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه وإيجاده. ثم قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً } والمعنى أن هذا هو الدين المرضى عند الله تعالى ويؤكده قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }. ثم قال تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وهذا من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى، يعني أنها وإن كانت محرمة إلا أنها تحل في حالة الاضطرار، ومن قوله {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } إلى هٰهنا اعتراض وقع في البين، والغرض منه تأكيد ما ذكر من معنى التحريم، فإن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام الذي هو الدين المرضي عند الله تعالى، ومعنى اضطر أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة، والمخمصة المجاعة. قال أهل اللغة: الخمص والمخمصة خلو البطن من الطعام عند الجوع، وأصله من الخمص الذي هو ضمور البطن. يقال: رجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة والجمع خمائص وخمصانات، وقوله {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } أي غير متعمد، وأصله في اللغة من الجنف الذي هو الميل، قال تعالى: {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا } تفسير : [البقرة: 182] أي ميلاً، فقوله غير {مُتَجَانِفٍ } أي غير مائل وغير منحرف، ويجوز أن ينتصب {غَيْرِ} بمحذوف مقدر على معنى فتناول غير متجانف، ويجوز أن ينصب بقوله {ٱضْطُرَّ } ويكون المقدر متأخراً على معنى: فمن اضطر غير متجانف لاثم فتناول فإن الله غفور رحيم، ومعنى الإثم هٰهنا في قول أهل العراق أن يأكل فوق الشبع تلذذاً، وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصياً بسفره، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في تفسير سورة البقرة في قوله {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } تفسير : [البقرة: 173] وقوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني يغفر لهم أكل المحرم عندما اضطر إلى أكله، ورحيم بعباده حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم إلى أكله.

القرطبي

تفسير : فيه ست وعشرون مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تقدّم القول فيه في البقرة. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} هي التي تموت خنقاً، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدميّ أو ٱتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. وذكر قتادة: أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها؛ وذكر نحوه ٱبن عباس. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} الموقوذة هي التي تُرمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية؛ عن ٱبن عباس وٱلحسن وقتادة وٱلضحاك وٱلسدّي؛ يُقال منه: وَقَذَه يَقِذُه وَقْذاً وهو وَقِيذ. والوَقْذ شِدّة الضرب، وفلان وقيذ أي مثخن ضرباً. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، ومنه المقتولة بقوس البندق. وقال الفرزدق: شعر : شَغّارَة تَقِذ الفصيلَ بِرِجلها فَطّارةٌ لِقَوَادِمِ الأبْكارِ تفسير : وفي صحيح مسلم حديث : عن عديّ بن حاتم قال: قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمِعْراض الصيد فأصيب؛ فقال: «إذا رميت بالمِعراض فَخَزَق فكُلْه وإن أصابه بِعرضه فلا تأكله» تفسير : وفي رواية « حديث : فإنه وَقِيذ » تفسير : . قال أبو عمر: ٱختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصيد بالبُنْدُق والحجر والمِعراض؛ فمن ذهب إلى أنه وَقِيذ لم يُجزه إلاَّ ما أدرك ذكاته؛ على ما روي عن ٱبن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوريّ والشافعي. وخالفهم الشاميون في ذلك؛ قال الأوزاعي في المِعراض؛ كُلْهُ خَزَق أو لم يَخزِق؛ فقد كان أبو الدّرداء وَفَضَالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأساً؛ قال أبو عمر: هكذا ذكر الأوزاعيّ عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ٱبن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه. والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لَجَأ إليه حديثُ عديّ بن حاتم وفيه « حديث : وما أصاب بعَرْضه فلا تأكله فإنما هو وَقِيذ ». تفسير : الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} المتردية هي التي تتردّى من العلو إلى السفل فتموت؛ كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه؛ وهي متفعِّلة من الردى وهو الهلاك؛ وسواء تردَّت بنفسها أو ردّاها غيرها. وإذا أصاب السهم الصيد فتردّى من جبل إلى الأرض حرم أيضاً؛ لأنه ربما مات بالصدمة والتردّي لا بالسهم؛ ومنه الحديث: « حديث : وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك » تفسير : أخرجه مسلم. وكانت الجاهلية تأكل المتردّي ولم تكن تعتقد ميتة إلاَّ ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف؛ فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة؛ فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، وبقيت هذه كلها ميتة، وهذا كله من ٱلمُحْكَم ٱلمتفق عليه. وكذلك النطيحة وأكيلة السبع التي فات نَفَسها بالنطْح والأكل. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلنَّطِيحَةُ} النطيحة فعِيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أُخرىٰ أو غير ذلك فتموت قبل أن تُذَكّى. وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة؛ لأنّ الشاتين قد تتناطحان فتموتان. وقيل: نطِيحة ولم يقل نطِيح، وحق فعِيل لا يذكر فيه الهاء كما يُقال: كَفٌّ خَضِيب ولِحية دَهِين؛ لكن ذكر الهاء هٰهنا لأن الهاء إنما تحذف من الفعِيلة إذا كانت صفة لموصوف منطوق به؛ يُقال: شاة نطيح وٱمرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء فتقول: رأيت قتيلة بني فلان وهذه نطيحة الغنم؛ لأنك لو لم تذكر الهاء فقلت: رأيت قتيل بن فلان لم يعرف أرجل هو أم ٱمرأة. وقرأ أبو مَيْسَرة «وَٱلمنطوحة». السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} يريد كل ما ٱفترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمِر والثّعلب والذئب والضَّبُع ونحوها، هذه كلها سباع. يُقال: سبع فلان فلاناً أي عَضّه بِسنِّه، وسَبَعه أي عابه ووقع فيه. وفي الكلام إضمار، أي وما أكل منه السّبع؛ لأنّ ما أكله السّبع فقد فَنِي. ومن العرب من يوقف ٱسم السّبع على الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها؛ قاله قتادة وغيره وقرأ الحسن وأبو حَيْوة «السّبْع» بسكون الباء، وهي لغة لأهل نَجْد. وقال حسّان في عُتْبة بن أبي لَهَب: شعر : مَن يَرجع العامَ إلى أهله فما أكِيلُ السّبْع بالرّاجِع تفسير : وقرأ ٱبن مسعود: «وأَكِيلَة السّبُع» وقرأ عبد الله بن عباس: «وأكِيل السّبُع». السابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} نصب على الاستثناء المتّصل عند الجمهور من العلماء والفقهاء، وهو راجع على كلّ ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة؛ فإن الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفاً إلى ما تقدّم من الكلام، ولا يجعل منقطعاً إلاَّ بدليل يجب التسليم له. رَوى ٱبن عُيَيْنة وشُرَيك وجَرير عن الرُّكَيْن بن الرّبيع عن أبي طلحة الأسديّ قال: سألت ٱبن عباس عن ذئب عدا على شاة فشقّ بطنها حتى ٱنتثر قُصْبها فأدركت ذكاتها فذكّيتها فقال: كُل وما ٱنتثر من قُصْبِها فلا تأكل. قال إسحاق بن رَاهْوَيْه: السّنة في الشاة على ما وصف ابن عباس؛ فإنها وإن خرجت مصارينها فإنها حيّة بعد، وموضع الذكاة منها سالم؛ وإنما ينظر عند الذبح أحيّة هي أم ميتة، ولا ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها؟ فكذلك المريضة؛ قال إسحٰق: ومن خالف هذا فقد خالف السنّة من جمهور الصحابة وعامّة العلماء. قلت: وإليه ذهب ٱبن حبيب وذُكر عن أصحاب مالك؛ وهو قول ٱبن وَهْب والأشهر من مذهب الشافعيّ. قال المُزنيّ: وأحفظ للشافعي قولاً آخر أنها لا تؤكل إذا بلغ منها السّبع أو التردّي إلى ما لا حياة معه؛ وهو قول المدنيّين، والمشهور من قول مالك، وهو الذي ذكره عبد الوهاب في تلقينه، ورُوي عن زيد بن ثابت؛ ذكره مالك في موطّئه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وجماعة المالكيّين البغداديين. والاستثناء على هذا القول منقطع؛ أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيّتم فهو الذي لم يحرّم. قال ٱبن العربي: ٱختلف قول مالك في هذه الأشياء؛ فروي عنه أنه لا يؤكل إلاَّ ما ذُكِّي بذكاة صحيحة؛ والذي في الموطّأ أنه إن كان ذَبَحها وَنَفَسُها يجري وهي تضطرب فليأكل؛ وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره؛ فهو أولى من الروايات النادرة. وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقِية حياة؛ وليت شِعري أيّ فرق بين بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو ٱتّسق النظرُ، وسلمت من الشّبهة الفِكَرُ!. وقال أبو عمر: قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعلم ذلك منها بما ذكروا من حركة يدها أو رجلها أو ذَنبها أو نحو ذلك؛ وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النّزْع ولم تحرّك يداً ولا رِجْلاً أنه لا ذكاة فيها؛ وكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكم المتردّية وما ذكر معها في الآية. والله أعلم. الثامنة ـ قوله تعالى: {ذَكَّيْتُمْ} الذكاة في كلام العرب الذبح؛ قاله قُطْرُب. وقال ٱبن سيده في «المحكم»: والعرب تقول «ذكاة الجنين ذكاة أُمّه»، قال ٱبن عطية: وهذا إنما هو حديث. وذكَّى الحيوان ذَبَحه؛ ومنه قول الشاعر: شعر : يذكّيها الأسَل تفسير : قلت: الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدّرَاقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ذكاة الجنين ذكاة أُمه » تفسير : . وبه يقول جماعة أهل العلم، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا خرج الجنين من بطن أمّه ميتاً لم يحل أكله؛ لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين. قال ٱبن المُنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ذكاة الجنين ذكاة أُمّه » تفسير : دليل على أن الجنين غير الأُمّ، وهو يقول: لو أعتقت أَمَةٌ حامل أن عتقه عتق أُمّه؛ وهذا يُلزمه أن ذكاته ذكاة أُمّه؛ لأنه إذا أجاز أن يكون عتق واحد عتق ٱثنين جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة ٱثنين؛ على أن الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أصحابه، وما عليه جُلُّ الناس مستغنىً به عن قول كل قائل. وأجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حياً أن ذكاة أُمّه ليست بذكاة له. وٱختلفوا إذا ذكيت الأمّ وفي بطنها جنين؛ فقال مالك وجميع أصحابه: ذكاته ذكاة أُمّه إذا كان قد تمّ خَلْقه ونبت شعره، وذلك إذا خرج ميتاً أو خرج به رمق من الحياة، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك، فإن سبقهم بنفسه أكل. وقال ٱبن القاسم: ضحيت بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في بطنها، ثم أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج منه فذبحته فسال منه دم؛ فأمرت أهلي أن يشووه. وقال عبدالله بن كعب بن مالك. كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمّه. قال ٱبن المنذر: وممن قال ذكاته ذكاة أمّه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد ٱبن المسيِّب والشافعي وأحمد وإسحاق. قال القاضي أبو الوليد الباجي: وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ذكاة الجنين ذكاة أُمّه أشعر أو لم يشعر » تفسير : إلا أنه حديث ضعيف؛ فمذهب مالك وهو الصحيح من الأقوال، الذي عليه عامّة فقهاء الأمصار. وبالله التوفيق. التاسعة ـ قوله تعالى: {ذَكَّيْتُمْ} الذكاة في ٱللغة أصلها التمام، ومنه تمام السِّنّ. والفرس المذكّى الذي يأتي بعد تمام القُرُوح بسنة؛ وذلك تمام ٱستكمال القوّة. ويقال: ذَكَّى يذكّى والعرب تقول: جرى المْذَكِّيات غِلاَب. والذَّكاء حِدّة القلب؛ قال الشاعر: شعر : يُفَضِّله إذا ٱجتهدوا عليه تَمَامُ السِّنِّ منه والذَّكَاءُ تفسير : والذكاء سرعة الفِطنة، والفعل منه ذَكي يْذكَى ذَكاً، والذُّكْوَةُ ما تذكُو به النار، وأذكيت الحرب والنار أوقدتهما. وذُكاء ٱسم الشمس؛ وذلك أنها تذكو كالنار، والصُّبْح ٱبن ذُكاء لأنه من ضوئها. فمعنى «ذَكَّيْتُم» أدركتم ذكاته على التَّمَام. ذكّيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التّطيب؛ يقال: رائحة ذكِية؛ فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طُيِّب، لأنه يتسارع إليه التجفيف؛ وفي حديث محمد بن علي رضي الله عنهما «ذكاة الأرض يُبْسُها» يريد طهارتها من النجاسة؛ فالذكاة في الذبيحة تطهيرٌ لها، وإباحة لأكلها فجعل يبس الأرض بعد النجاسة تطهيراً لها وإباحة الصلاة فيها بمنزلة الذكاة للذبيحة؛ وهو قول أهل العراق. وإذا تقرّر هذا فٱعلم أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدّم وفَرْي الأوْدَاج في المذبوح، والنحر في المنحور وٱلعَقْر في غير المقدور، مقروناً بنية القَصْد لله وذِكره عليه، على ما يأتي بيانه. العاشرة ـ وٱختلف العلماء فيما يقع به الذكاة؛ فالذي عليه الجمهور من العلماء أن كل ما أفْرَى الأوداج وأنهر الدّم فهو من آلات الذكاة ما خلا السّن والعَظْم؛ على هذا تواترت الآثار، وقال به فقهاء الأمصار. والسن والظُّفْر المنهى عنهما في التذكية هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خَنْقاً؛ وكذلك قال ٱبن عباس: ذلك ٱلخنق؛ فأما المنزوعان فإذا فَرَيا الأوداج فجائز الذكاة بهما عندهم. وقد كره قوم السن والظُّفْر والعظم على كل حال؛ منزوعة أو غير منزوعة؛ منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد وروي عن الشافعي؛ وحجتهم ظاهر حديث رافع بن خَدِيج قال: قلت يا رسول الله إنا لاقو العدوّ غداً وليست معنا مُدى ـ في رواية ـ فنذكى باللِّيط؟. وفي موطأ مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ ٱبن سعد أو سعد بن معاذ:حديث : أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنماً له بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «لا بأس بها وكلوها» تفسير : .وفي مصنف أبي داود:حديث : أنذبح بالمروة وشِقة ٱلعصا؟ قال: «أعْجِلْ وأرِنْ ما أنهر الدّم وذكر ٱسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدّثك أما السن فعظم وأما الظفر فَمُدَى الحبشة» تفسير : الحديث أخرجه مسلم. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما ذبح بالَّليطة والشَّطيِر والظُّرَرِ فحِلٌّ ذكيٌّ. ٱلليطة فلقة القصبة ويمكن بها الذبح والنحر. والشِطير فلقة العود، وقد يمكن بها الذَّبح لأنَّ لها جانباً دقيقاً. والظُّرَرِ فِلقة الحجر يمكن الذكاة بها ولا يمكن النحر، وعكسه الشظاظ ينحر به؛ لأنه كطرف السّنان ولا يمكن به الذبح. الحادية عشرة ـ قال مالك وجماعة: لاتصح الذكاة إلاّ بقطع الحُلقوم والوَدَجينْ. وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمَريء ولا يحتاج إلى الوَدَجينْ؛ لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت. ومالك وغيره ٱعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال ـ وهو اللحم ـ من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج وهو مذهب أبي حنيفة؛ وعليه يدل حديث رافع بن خديج في قوله: «ما أنهر الدّم». وحكى البغداديون عن مالك أنه يشترط قطع أربع: الحلقوم والوَدَجينْ والمرَيء؛ وهو قول أبي ثور، والمشهور ما تقدّم وهو قول الليث. ثم ٱختلف أصحابنا في قطع أحد الودجين والحلقوم هل هو ذكاة أم لا؟ على قولين. الثانية عشرة ـ وأجمع العلماء على أن الذبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة فقد تمّت الذكاة؛ وٱختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن هل ذلك ذكاة أم لا، على قولين: وقد روي عن مالك أنها لا تؤكل؛ وكذلك لو ذبحها من القفا وٱستوفى القطع وأنهر الدّم وقطع الحُلقوم وٱلودجين لم تؤكل. وقال الشافعي: تؤكل؛ لأن المقصود قد حصل. وهذا ينبني على أصل، وهو أن الذكاة وإن كان المقصود منها إنهار الدّم ففيها ضرب من التعبد؛ وقد ذبح صلى الله عليه وسلم في الحلق ونَحَر في اللبّة وقال: « حديث : إنما الذكاة في ٱلحلق وٱلّلبَّة » تفسير : فبيّن محلَّها وعيّن موضعها، وقال مبينا لفائدتها: « حديث : ما أنهر الدّم وذُكِر ٱسم الله عليه فكُلْ » تفسير : . فإذا أهمل ذلك ولم تقع بنيّة ولا بشرط ولا بصفة مخصوصة زال منها حَظّ التعبد. فلم تؤكل لذلك. والله أعلم. الثالثة عشرة ـ وٱختلفوا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع في ٱلفور وأكمل الذكاة؛ فقيل: يجزئه. وقيل: لا يُجزئه؛ والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكّاها بعدُ وحياتها مستجمعة فيها. الرابعة عشرة ـ ويستحب ألاّ يَذبح إلاّ مَن تُرضى حاله، وكل من أطاقه وجاء به على سنتّه من ذكر أو أنثى بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان مسلماً أو كتابياً، وذبح المسلم أفضل من ذَبْح الكتابي، ولا يذبح نُسكاً إلا مسلم؛ فإن ذَبح النُّسك كتابي فقد ٱختلف فيه، ولا يجوز في تحصيل المذهب، وقد أجازه أشهب. الخامسة عشرة ـ وما ٱستوحش من الإنسي لم يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الإنسّى، وفي قول مالك وأصحابه وربيعة وٱلليث بن سعد؛ وكذلك المتردّي في البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحَلْق والَّلبَّه على سنّة الذكاة. وقد خالف في هاتين المسألتين بعض أهل المدينة وغيرهم؛ وفي الباب حديث رافع بن خَدِيج وقد تقدّم، وتمامه بعد قوله: حديث : «فَمُدى الحبشة» قال: وأصبنا نَهْب إبل وغَنَم فنَدَّ منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لهذه الإبل أَوَابِدَ كَأَوَابِد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فٱفعلوا به هكذا ـ وفي رواية ـ فكلوه» تفسير : . وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ قال الشافعي: تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة؛ وٱحتج بما رواه أبو داود والترمذي حديث : عن أبي ٱلعُشَرَاء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحَلْق والَّلبّة؟ قال: «لو طعنتَ في فخذها لأجزأ عنك» تفسير : . قال يزيد بن هارون: وهو حديث صحيح أعجب أحمد ابن حنبل ورواه عن أبي داود، وأشار على من دخل عليه من ٱلحفّاظ أن يكتبه. قال أبو داود: لا يصلح هذا إلا في ٱلمتردّية والمستوحش. وقد حمل ٱبن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مَهْواة فلا يُوصَل إلى ذكاته إلا بالطّعِن في غير موضع الذّكاة؛ وهو قول انفرد به عن مالك وأصحابه. قال أبو عمر: قول الشافعي أظهر في أهل العلم، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي: لحديث رافع بن خَدِيج؛ وهو قول ٱبن عباس وٱبن مسعود؛ ومن جهة القياس لمّا كان الوحشيّ إذا قُدِر عليه لم يَحِل إلاّ بما يحل به الإنسي؛ لأنه صار مقدورا عليه؛ فكذلك ينبغي في القياس إذا توحّش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يَحِلّ بما يحلّ به الوحشي. قلت: أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خَدِيج بأن قالوا: تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره لقوله: «فَحبسه» ولم يقل إن السّهم قتله؛ وأيضاً فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا يراعى النّادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيّد. وقد صرّح الحديث بأن السّهم حبسه وبعد أن صار محبوساً صار مقدوراً عليه؛ فلا يؤكل إلا بالذّبح والنّحر. وٱلله أعلم. وأما حديث أبي العُشَراء فقد قال فيه الترمذي: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمّاد بن سَلمَة، ولا نعرف لأبي العُشَرَاء عن أبيه غير هذا الحديث. وٱختلفوا في ٱسم أبي العشراء؛ فقال بعضهم: ٱسمه أسامة بن قِهطم، ويقال: ٱسمه يَسار بن برز ـ ويُقال: بلز ـ ويقال ٱسمه عُطَارد نسب إلى جدّه». فهذا سند مجهول لا حجّة فيه؛ ولو سُلّمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حُجّة؛ إذ مقتضاه جواز الذّكاة في أي عضو كان مطلقاً في المقدور وغيره، ولا قائل به في المقدور فظاهره ليس بمراد قطعاً وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه. فلا يكون فيه حُجّة، والله أعلم. قال أبو عمر: وحُجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يِندّ الإنسي أنه لا يُذكّى إلا بما يُذكّى به المقدور عليه، ثم ٱختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا. وهذا لا حُجّة فيه؛ لأن إجماعهم إنما ٱنعقد على مقدور عليه، وهذا غير مقدور عليه. السادسة عشرة ـ ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام: «حديث : إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قَتلتم فأحسِنوا القِتْلة وإذا ذَبَحتم فأحسِنوا ٱلذّبح ولْيُحِدّ أحدكُم شَفْرته وليُرح ذبيحتَه»تفسير : رواه مسلم حديث : عن شدّاد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كَتَبَ» تفسير : فذكره، قال علماؤنا: إحسان الذّبح في البهائم الرّفق بها؛ فلا يَصْرَعها بعُنْف ولا يَجرّها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نية الإباحة والقُربة وتوجيهها إلى القبلة، والإجْهَاز، وقَطْع الوَدَجين والحُلقُوم، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد، والاْعتراف لله بالمنّة، والشكر له بالنعمة؛ بأنه سخّر لنا ما لو شاء لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا. وقال ربيعة: من إحسان الذّبح ألاّ يذبح بهيمة وأخرى تنظر إليها؛ وحُكي جوازه عن مالك؛ والأول أحسن. وأما حُسْن القِتْلة فعامّ في كل شيء من التّذكية والقِصاص والحدود وغيرها. وقد روَى أبو داود عن ٱبن عباس وأبي هُريرة قالا: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شَرِيطة الشيطان زاد ٱبن عيسى في حديثه «وهي التي تُذبح فتُقطع ولا تُفْرى الأوداج ثم تترك فتموت». تفسير : السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} قال ٱبن فارس: «ٱلنُّصُب حَجَر كان يُنْصَب فيُعبد وتُصبُّ عليه دماء الذّبائح، وهو النَّصْب أيضاً. والنَّصَائِبِ حِجارة تُنصَب حَوَالى شَفير البئر فتُجعل عَضَائد، وغُبار مُنتَصب مرتفع، وقيل: «النُّصُب» جمع، واحده نِصاب كحمار وحُمُر. وقيل: هو ٱسم مفرد والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حَجَراً. وقرأ طلحة «النُّصْب» بجزم الصَّاد. ورُوي عن ٱبن عمر «النَّصبِ» بفتح النون وجزم الصَّاد. الجحدرِي: بفتح النون والصاد جعله ٱسماً موحّداً كالجبل والجمل، والجمع أنصاب؛ كالأجمال والأجبال. قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالى مكة يذبحون عليها. قال ٱبن جُريج: كانت العرب تَذبح بمكة وتَنضح بالدّم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللّحم ويضعونه على الحجارة؛ فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق أن نعظّم هذا البيت بهذه الأفعال. فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك؛ فأنزل الله تعالى { أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا } تفسير : [الحج: 37] ونزلت «وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب» المعنى: والنيّة فيها تعظيم النُّصُب لا أن الذّبح عليها غير جائز، وقال الأعشى: شعر : وَذَا النُّصُبَ ٱلمنصوبَ لا تَنْسُكَنَّه لِعافيةٍ والَّلَهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا تفسير : وقيل: «على» بمعنى اللام؛ أي لأجلها؛ قال قُطْرُب قال ٱبن زيد: ما ذُبح على النُّصُب وما أهِلَّ به لغير الله شيء واحد. قال ٱبن عطية: ما ذُبِح على النُّصُب جزء مما أهِلّ به لغير الله، ولكن خصّ بالذّكْر بعد جنسه لشُهْرة الأمر وشَرَف الموضع وتعظيم النفوس له. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} معطوف على ما قبله، و «أَنْ» في محل رفع، أي وحُرم عليكم الاستقسام. وٱلأزلام قِداح المَيْسر، واحدها زلَمَ وزُلم؛ قال: شعر : باتَ يُقَاسيها غلامٌ كالزَّلَم تفسير : وقال آخر فجمع: شعر : فَلَئِنْ جَذِيمة قَتّلتَ سَرَواتها فنساؤها يَضِربن بالأزلامِ تفسير : وذكر محمد بن جرير: أن ٱبن وَكِيع حدّثهم عن أبيه عن شُرَيك عن أبي حُصَين عن سعيد بن جُبير أن الأزلام حَصَى بيض كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشَّطْرَنجْ. فأما قول لبيد: شعر : تَـزِلُّ عـن الثّـرى أزلامـها تفسير : فقالوا: أراد أظلاف البقرة الوحشية. والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها ٱفْعَلْ، وعلى الثاني لا تفعل، والثالث مُهْمَل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فِعْل شيء أدخل يده ـ وهي متشابهة ـ فإذا خَرَج أحدها ٱئتمر وٱنتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القِدْح الذي لا شيء عليه أعاد الضّرب؛ وهذه هي التي ضَرَب بها سُرَاقَة بن مالك بن جُعْشُم حين ٱتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة؛ وإنما قيل لهذا الفعل: ٱستقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرّزق وما يريدون؛ كما يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسّقي. ونظير هذا الذي حرّمه الله تعالى قول المُنَجم: لا تخرج من أجل نَجْم كذا، واخرج من أجل نَجْم كذا. وقال جل وعزّ: { أية : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } تفسير : [لقمان: 34] الآية. وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله. والنوع الثاني ـ سبعة قِداح كانت عند هُبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النّوازِل، كل قِدْح منها فيه كتاب؛ قِدح فيه العَقْل من أمر الدّيات، وفي آخر «منكم» وفي آخر «من غيركم»، وفي آخر «مُلْصَق»، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك؛ وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بَنِيه إذ كان نَذر نَحرْ أحدهم إذا كملوا عشرة؛ الخبر المشهور ذكره ٱبن إسحاق. وهذه السبعة أيضاً كانت عند كل كاهِن من كهان العرب وحكامهم؛ على نحو ما كانت في الكعبة عند هُبَل. والنوع الثالث ـ هو قِدَاح المَيْسر وهي عشرة؛ سبعة منها فيها حُظُوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة لَهْوا ولَعِبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمُعْدِم في زمن الشّتاء وكَلَب البَرْد وتعذّر التَحرّف. وقال مجاهد: الأزلام هي كِعاب فارس والرّوم التي يتقامرون بها. وقال سفيان ووكِيع: هي الشَّطْرَنْج؛ فالاستقسام بهذا كله هو طلب القَسْم والنَصِيب كما بيّنا، وهو من أكل المال بالباطل، وهو حرام، وكل مُقَامَرة بحَمامَ أو بنَردْ أو شِطْرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو ٱستقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كلّه؛ وهو ضرب من التّكَهَن والتعرّض لدعوى عِلم الغَيْب. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المُنَجِّمون على الطرقات من السهام التي معهم، ورِقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال الكِيَا الطبري: وإنما نَهَى الله عنها فيما يتعلقّ بأمور الغيب؛ فإنه لا تدري نفس ماذا يُصِيبها غَداً، فليس للأزلام في تعريف المغيبّات أثر؛ فٱستنبط بعض الجاهلين من هذا الردّ على الشافعي في الإقراع بين المماليك في العِتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي بُني على الأخبار الصحيحة، وليس مما يُعْتَرض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام؛ فإن العتق حكم شرعي، يجوز أن يجعل الشّرع خروج القُرْعَة علماً على إثبات حكم العِتق قَطْعاً للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فَعَلت كذا أو قُلْت كذا فذلك يَدلّك في المستقبل.، على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يُجعَل خروج القِدَاح عَلَما على شيء يتجدّد في المستقبل، ويجوز أن يَجْعَل خروج القُرْعَة عَلَماً على العتْق قَطْعاً؛ فظهر ٱفتراق البابيْن. التاسعة عشرة ـ وليس من هذا الباب طلب الفأْل. وكان عليه الصلاة والسلام يُعجبه أن يسمع يا راشد يا نَجيح؛ أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح غريب؛ وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النّفْس وتَستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل: فيحسن الظنّ بالله عزّ وجلّ، وقد قال: « حديث : أنا عند ظنّ عبدي بي » تفسير : . وكان عليه السلام يكره الطِّيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشِّرْك؛ ولأنها تجلب ظنّ السّوء بالله عزّ وجلّ. قال الخطابي: الفرق بين الفأْل والطيِّرة أن الفأْل إنما هو من طريق حسن الظّنّ بالله، والطيِّرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه. وقال ٱلأصمعي: سألت ٱبن عَوْن عن الفأل فقال: هو أن يكون مريضاً فيسمع يا سالم، أو يكون باغياً فيسمع يا واجد، وهذا معنى حديث الترمذي؛ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : «لا طيِرة وخَيْرُها الفَأَل» قيل: يا رسول الله وما الفأَل؟ قال: «الكلمة الصّالحة يسمعها أحدكم» تفسير : . وسيأتي لمعنى الطِّيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى. رُوي عن أبي الدّرداء رضي الله عنه أنه قال: إنما العِلْم بالتّعلُّم والحِلْم بالتَحلُّم، ومن يتَحرّ الخير يُعْطَه، ومن يَتَوقَّ الشَّرّ يُوقَه، وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا؛ من تَكَهّن أو استقسم أو رجع من سَفَر من طيرة. الموفية عشرين ـ قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} إشارة إلى الاستقسام بالأزلام. والفِسْق الخروج، وقد تقدّم. وقيل يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرّمات، وكل شيء منها فِسق وخروج من الحلال إلى الحرام، والاْنكفاف عن هذه المحرّمات من الوفاء بالعقود؛ إذ قال: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ». الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفّاراً. قال الضّحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتَح مكة لثمان بَقين من رمضان سنة تِسع، ويقال: سنة ثمان، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : أَلاَ من قال لا إلٰه إلاَّ الله فهو آمِن، ومن وضَع السَّلاح فهو آمِن، ومن أغلق بابه فهو آمِن » تفسير : . وفي «يئس» لغتان؛ يَئِسَ ييئس يأسَاً، وأَيِس يَأْيسَ إياساً وإياسَة؛ قاله النضر بن شُمَيْل. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} أي لا تخافوهم وخافوني فإني أنا القادر على نصركم. الثانية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة لم تكن إلاَّ فريضة الصَّلاة وحدها، فلما قَدِم المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حجّ؛ فلما حجّ وكمل الدين نزلت هذه الآية {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية؛ على ما نبيّنه. رَوى الأئمّة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أُنزلت معشر اليهود لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً؛ قال: وأيّ آية؟ قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعَرَفَة في يوم جُمعة. لفظ مسلم. وعند النسائي ليلة جمعة. ورُوِي أنها حديث : لما نزلت في يوم ٱلحجّ الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يُبْكِيك»؟ فقال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من دِيننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلاَّ نَقَص. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقت» تفسير : . ورَوى مجاهد أن هذه الآية نزلت يوم فتح مكة. قلت: القول الأول أصحّ، أنها نزلت في يوم جُمعة وكان يوم عَرَفة بعد العصر في حجّة الوداع سنة عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعَرَفَة على ناقته العَضْبَاء، فكاد عضدُ الناقة يَنْقَدّ من ثقلها فبركت. و «ٱليومُ» قد يُعبَّر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه؛ تقول: فعلنا في شهر كذا كذا وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السَّنَة؛ وذلك مستعمل في لسان العرب والعَجم. والدِّين عبارة عن الشرائع التي شرع وفتح لنا؛ فإنها نزلت نُجُوماً وآخر ما نَزَل منها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حُكْم، قاله ٱبن عباس والسُّدّي. وقال الجمهور: المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آية الرّبا، ونزلت آية ٱلكَلاَلة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج، إذ لم يَطُف معهم في هذه السَّنَة مُشرك، ولا طاف بالبيت عُريان، ووقف الناس كلّهم بعرفة. وقيل: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بأن أهلكت لكم عدوّكم وأظهرت دينكم على الدين كله كما تقول: قد تمّ لنا ما نريد إذا كُفِيت عدوّك. الثالثة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام كما وَعَدتكم، إذ قلت: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} وهي دخول مكة آمنين مطمئنين وغير ذلك مما ٱنتظمته هذه الملّة الحنيفيّة إلى دخول الجنة في رحمة الله تعالىٰ. الرابعة والعشرون ـ لعل قائلاً يقول: قوله تعالىٰ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يدلّ على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات، وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شَهدوا بَدْراً وٱلحُدَيبية وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعتين جميعاً، وبَذَلوا أنفسهم لِلَّهِ مع عظيم ما حَلّ بهم من أنواع المِحَن ماتوا على دين ناقص، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كان يدعو الناس إلى دِين ناقص، ومعلوم أن النَّقْص عَيْب، ودين الله تعالىٰ قِيمَ، كما قال تعالىٰ: { أية : دِيناً قِيَماً } تفسير : [الأنعام: 161] فالجواب أن يُقال له: لم قلت إن كلّ نقص فهو عَيْب وما دليلك عليه؟ ثم يُقال له: أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيْباً، ونقصان صلاة المسافر أهو عَيْب لها، ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: { أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } تفسير : [فاطر: 11] أهو عَيْب له، ونُقْصان أيام الحيض عن المعهود، ونُقْصان أيام الحمل، ونقصان المال بِسَرقة أو حرِيق أو غَرَق إذا لم يَفْتقر صاحبه، فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدّين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء الباقية في علم الله تعالىٰ هذه ليست بشَيْن ولا عيب، وما أنكرت أن معنى قول الله تعالىٰ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يخرج على وجهين: أحدهما ـ أن يكون المراد بلّغته أقصى ٱلحدّ الذي كان له عندي فيما قضيته وقدّرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصاً نُقْصان عيب، لكنه يُوصف بنقصان مُقَيّد فيقال له: إنه كان ناقصاً عما كان عند الله تعالىٰ أنه مُلْحِقه به وضَامُّه إليه؛ كالرجل يُبلغه الله مائة سنة فيقال: أكمل الله عمره؛ ولا يجب عن ذلك أن يكون عُمره حين كان ٱبن ستّين كان ناقصاً نقص قصور وخلل؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: « حديث : من عمّره الله ستّين سنة فقد أعذر إليه في ٱلعُمر » تفسير : . ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيّد فيقال: كان ناقصاً عما كان عند الله تعالىٰ أنه مُبلغه إياه ومُعمّره إليه. وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات؛ فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحاً، ولا يجب عن ذلك أنها كانت حين كانت ركعتين ناقصة قصور وخلَلَ؛ ولو قيل: كانت ناقصة عما عند الله أنه ضَامُّه إليها وزائده عليها لكان ذلك صحيحاً فهكذا، هذا في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئاً فشيئاً إلى أن أنهى الله الدِّين منتهاه الذي كان له عنده. والله أعلم. والوجه الآخر ـ أنه أراد بقوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أنه وفقهم للحجّ الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدِّين غيره، فحجّوا؛ فٱستجمع لهم الدِّين أداء لأركانه وقياماً بفرائضه؛ فإنه يقول عليه السَّلام: « حديث : بُنِيَ الإسلام على خَمْس » تفسير : الحديثَ. وقد كانوا تشهّدوا وصلّوا وزكّوا وصاموا وجاهدوا وٱعتمروا ولم يكونوا حجّوا؛ فلما حجّوا ذلك اليوم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالىٰ وهم بالموقف عَشِيّة عرفة {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} فإنما أراد أكمل وَضْعَه لهم؛ وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} أي أعلمتكم برضاي به لكم ديناً؛ فإنه تعالىٰ لم يزل راضياً بالإسلام لنا ديناً؛ فلا يكون لاختصاص الرّضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره. و «دِيناً» نُصِب على التمييز، وإن شئت على مفعول ثان. وقيل: المعنى ورضيت عنكم إذا ٱنقدتم لي بالدين الذي شَرعته لكم. ويحتمل أن يريد «رَضِيتُ لَكُمُ الاۤسْلاَمَ دِيناً» أي رضِيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم ديناً باقياً بكماله إلى آخر الآية لا أنسخ منه شيئاً. والله أعلم. و «الإسلام» في هذه الآية هو الذي في قوله تعالىٰ: { أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } تفسير : [آل عمران: 19] وهو الذي يفسّر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصَّلاة والسَّلام وهو الإيمان والأعمال والشُّعب. السادسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} يعني من دَعَته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر المحرّمات في هذه الآية. وٱلمَخْمَصة الجوع وخَلاَء الْبَطْن من الطعام. وٱلْخَمْص ضمور البطن. ورجل خَمِيص وخُمْصَان وٱمرأة خَمِيصَة وخُمْصَانة؛ ومنه أَخْمص القدم، ويستعمل كثيراً في الجُوعِ والْغرث؛ قال الأعشى: شعر : تَبِيتون في ٱلمَشْتَى ملاءً بُطُونكم وجاراتُكم غَرْثىٰ يَبِتْن خَمَائصا تفسير : أي منطويات على الجوع قد أضَمر بطونهنّ. وقال النابغة في خَمْص البطن من جهة ضُمْره: شعر : والبطن ذو عُكَنٍ خَمِيصٌ ليّنٌ والنّحْر تَنْفُجُه بِثَدْيٍ مُقْعَدِ تفسير : وفي الحديث: « حديث : خِمَاص البطون خِفافُ الظّهور » تفسير : . الخِمَاص جميع الخميص البطن، وهو الضّامر. أخبر أنهم أعِفّاء عن أموال الناس؛ ومنه الحديث: « حديث : إن الطير تَغْدو خِمَاصاً وتَرُوح بِطاناً » تفسير : . وٱلخمِيصة أيضاً ثوب؛ قال الأصمعيّ: الخَمَائِص ثياب خَزٍّ أو صوف مُعْلَمَة، وهي سوداء، كانت من لباس الناس. وقد تقدّم معنى الاضطرار وحكمه في البقرة. السابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي غير مائل لحرام، وهو بمعنى «غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ» وقد تقدّم. والجَنَف الميل، والإثم الحرام؛ ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تَجَانَفْنَا فيه لإثم؛ أي مَا مِلْنا ولا تعمّدنا ونحن نعلمه: وكل مائل فهو مُتَجَانِف وجنِف. وقرأ النَّخَعيّ ويحيى بن وَثَّاب والسُّلَمي «مُتَجَنِّف» دون ألف، وهو أبلغ في المعنى؛ لأن شدّ العين يقتضي مبالغة وتوغُّلاً في المعنى وثبوتاً لحُكْمه؛ وتفاعل إنما هو محاكاة الشيء والتَّقرّب منه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: تمايل الغُصْن فإن ذلك يقتضي تأوُّداً ومقاربة مَيل، وإذا قلت: تمَيّل فقد ثبت حكم المَيْل، وكذلك تَصاون الرّجل وتَصوّن، وتعقَّل؛ فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده؛ قاله قتادة والشافعي. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فإن الله له غفور رحيم فحذف؛ وأنشد سيبويه: شعر : قد أصبَحَتْ أُمُّ الخيارِ تدّعِي عليّ ذَنْباً كلّهُ لم أصْنَعِ تفسير : أراد لم أصنعه فحذف. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عباده خبراً متضمناً النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله عز وجل، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال، سواء مات بتذكية، أو غيرها؛ لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن ماء البحر، فقال: «حديث : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»تفسير : ، وهكذا الجراد؛ لما سيأتي من الحديث. وقوله: {وَٱلدَّمَ} يعني به: المسفوح؛ كقوله: {أية : أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} تفسير : [الأنعام: 145] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو، يعني: ابن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن الطحال، فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح، وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، عن القاسم عن عائشة، قالت: إنما نهى عن الدم السافح، وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فالسمك والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال»تفسير : ، وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة، وعبد الله وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعاً، قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، فوقفه بعضهم عليه، قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن شريح عن أبي غالب، عن أبي أمامة، وهو صدي بن عجلان، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينما نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها، فقالوا: هلم يا صدي فكل، قال: قلت: ويحكم، إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه، قالوا: وماذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} الآية، ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون عليّ، فقلت: ويحكم اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشاً، قال: فاغتممت، وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته، فلما فرغت من شرابي، استيقظت، فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة. ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حمشاذ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز عن أبي غالب، عن أبي أمامة، وذكر نحوه، وزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة: فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم، فلم تمجعوه بمذقة، فأتوني بمذقة، فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم، وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق:شعر : وإيّاكَ والمَيْتاتِ لا تَقْرَبَنَّها ولا تَأْخُذَنْ عَظْماً حديداً فَتَفْصِدا تفسير : أي: لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع، يأخذ شيئاً محدداً؛ من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره، أو حيواناً من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم، فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:شعر : وذا النُّصبِ المَنْصوبِ لا تَأْتِيَنَّهُ ولا تَعْبُدِ الأوثانَ، واللهَ فاعْبُدا تفسير : وقوله: {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه، حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: {أية : فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا} تفسير : [الأنعام: 145] يعنون قوله تعالى: {أية : إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} تفسير : [الأنعام: 145] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء؛ كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد، وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه» تفسير : فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به؟ وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره. وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» تفسير : فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: «حديث : لا، هو حرام»تفسير : . وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم. وقوله: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي: ما ذبح، فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام؛ لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية، إما عمداً، أو نسياناً، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن السنجاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع: {ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراماً منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل، حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم؛ بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام، نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم، وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه، وهذا أثر غريب. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي عن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال: هو جدي، قال: كان رجل من بني رباح يقال له: ابن وثيل، وكان شاعراً، نافر غالباً أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله، وهذا مائة من إبله، إذا وردت الماء، فلما وردت الماء، قاما إليها بسيفيهما، فجعلا يكشفان عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعلي بالكوفة، قال: فخرج علي على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها؛ فإنها أهل بها لغير الله، هذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا ابن حماد بن مسعدة عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاقرة الأعراب، ثم قال أبو داود محمد بن جعفر هو غندر: أوقفه على ابن عباس، تفرد به أبو داود، وقال أبو داود أيضاً: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم عن الزبير بن خريت، قال: سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين؛ أن يؤكل، ثم قال أبو داود: أكثر من رواه غير ابن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، تفرد به أيضاً. قوله: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} وهي التي تموت بالخنق، إما قصداً، وإما اتفاقاً؛ بأن تتخبل في وثاقها، فتموت به، فهي حرام، وأما {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت؛ كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى توقذ بها، فتموت، قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي، حتى إذا ماتت، أكلوها. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب، قال: «حديث : إذا رميت بالمعراض، فخزق، فكله، وإن أصاب بعرضه، فإنما هو وقيذ، فلا تأكله» تفسير : ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمعراض ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه، فجعله وقيذاً، لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه، على قولين، هما قولان للشافعي رحمه الله (أحدهما): لا يحل؛ كما في السهم، والجامع أن كلاً منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ. (والثاني): أنه يحل؛ لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه؛ لأنه قد دخل في العموم، وقد قررت لهذه المسألة فصلاً، فليكتب ههنا. (فصل) - اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلباً على صيد، فقتله بثقله، ولم يجرحه، أوصدمه: هل يحل أم لا؟ على قولين (أحدهما): أن ذلك حلال؛ لعموم قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي رحمه الله، وصححه بعض المتأخرين منهم، كالنووي والرافعي. (قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كلاً منهما، فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه للقول بالحل رشحه قليلاً، ولم يصرح بواحد منهما، ولا جزم به، والقول بذلك - أعني الحل - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير، فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جداً، وليس يوجد ذلك مصرحاً به عنهم، إلا أنه من تصرفه رحمه الله ورضي عنه. (والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي رحمه الله، واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضاً، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم؛ لأنه أجرى على القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إنا ملاقو العدو غداً، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: «حديث : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه» تفسير : الحديث بتمامه، وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان وارداً على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل عليه السلام عن البَتْع، وهو نبيذ العسل، فقال: «حديث : كل شراب أسكر فهو حرام»تفسير : ، أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا هذا، كما سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلاماً عاماً يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره؛ لأنه عليه السلام كان قد أوتي جوامع الكلم، إذا تقرر هذا، فما صدمه الكلب، أو غمه بثقله، ليس مما أنهر دمه، فلا يحل؛ لمفهوم هذا الحديث، فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء؛ لأنهم إنما سألوه عن الآلة التي يذكى بها، ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى، ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: «حديث : ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن، فعظم، وأما الظفر، فمدى الحبشة» تفسير : والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلاً، فدل على أن المسؤول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم، فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضاً، حيث يقول: «حديث : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه»تفسير : ، ولم يقل: فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معاً، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المذكى، وأنه لا بد من إنهار دمه بآلة ليست سناً ولا ظفراً، هذا مسلك. (والمسلك الثاني): طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه، فلا تأكل، وإن خزق، فكل، والكلب جاء مطلقاً، فيحمل على ما قيد هناك من الخزق؛ لأنهما اشتركا في الموجب، وهو الصيد، فيجب الحمل هنا، وإن اختلف السبب؛ كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بد لهم من جواب عن هذا، وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياساً على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلاً منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية؛ لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضاً. (مسلك آخر) - وهو أن قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إما أن يكون نطيحاً، أو في حكمه، أو منخنقاً، أو في حكمه، وأياً ما كان، فيجب تقديم هذه الآية على تلك لوجوه: (أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعدي بن حاتم: «حديث : وإن أصابه بعرضه، فإنما هو وقيذ، فلا تأكله» تفسير : ولم نعلم أحداً من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبراً، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقاً للإجماع، لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء. (الثاني): أن تلك الآية: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ليست على عمومها بالإجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ. (المسلك الآخر) أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء؛ لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياساً على الميتة. (المسلك الآخر) أن آية التحريم، أعني قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} إلى آخرها، محكمة، لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ} الآية، فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلاً، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خزقه المعراض فيكون حلالاً، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا، سواء إن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإن لم يجرحه، بل صدمه أو قتله بثقله، فهو نطيح، أو في حكمه، فلا يكون حلالاً، (فإن قيل): فلم لا فَصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم: إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام. (فالجواب) أن ذلك نادر؛ لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه، أو بهما معاً، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك؛ لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما السهم والمعراض، فتارة يخطىء لسوء رمي راميه، أو للهواء، أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته، فلهذا ذكر كلاً من حكميه مفصلاً، والله أعلم، ولهذا لما كان الكلب، من شأنه أنه قد يأكل من الصيد، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد، فقال: «حديث : إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» تفسير : وهذا صحيح ثابت في الصحيحين، وهو أيضاً مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه، وروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: أن الصيد يؤكل، وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل، ولو لم يبق منه إلا بضعة، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه. وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صيد الكلب: «حديث : إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك» تفسير : ورواه أيضاً النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن أعرابياً يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه، وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى، هو اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار، هو الطاحي، عن أبي إياس، وهو معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي» تفسير : ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه أبو قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفاً. وأما الجمهور، فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه، فطال عليه الفصل، ولم يجىء، فأكل منه؛ لجوعه ونحوه؛ فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه، بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم. فأما الجوارح من الطيور، فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضاً فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضاً فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في «الإفصاح»: إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب؛ لنص الشافعي، رحمه الله، على التسوية بينهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المتردّية التي تسقط من جبل. وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر. وقال السدي: هي التي تقع من جبل، أو تتردى في بئر. وأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم، ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي: منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه، فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث، لأنها أجريت مجرى الأسماء؛ كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأنيث فيها؛ لتدل على التأنيث من أول وهلة، بخلاف عين كحيل، وكف خضيب؛ لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام. وقوله تعالى: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب، فأكل بعضها، فماتت بذلك، فهي حرام، وإن كان قد سال منها الدم، ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين. وقوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء، وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي في الآية قال: إن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، فكل. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة، وهي تحرك يداً أو رجلاً، فكلها، وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. قال ابن وهب: سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكى، أي شيء يذكى منها؟ وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش، فيدق ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السُّحْرة، فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأساً، قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل، هذا مذهب مالك رحمه الله. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم. وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غداً، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: «حديث : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن، فعظم، وأما الظفر، فمدى الحبشة»تفسير : . وفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعاً، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفاً، وهو أصح: «حديث : ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق»تفسير : . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: «حديث : لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك»تفسير : ، وهو حديث صحيح، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة. وقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصباً، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب، وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب؛ من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله. وقوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها زَلْم وقد تفتح الزاي، فيقال: زَلَم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث غُفْل، ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها، فطلع سهم الأمر، فعله، أو النهي، تركه، وإن طلع الفارغ، أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} قال: والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور، وكذا روي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان. وقال ابن عباس: هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. وذكر محمد بن إسحاق وغيره: إن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له هبل منصوب على بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها، رجعوا إليه، ولم يعدلوا عنه. وثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلملما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: «حديث : قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبداً»تفسير : وفي الصحيح: أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلموأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره: لا تضرهم. قال: فعصيت الأزلام، واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك. وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد عن رقبة، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لن يلج الدرجات من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائراً»تفسير : . وقال مجاهد في قوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون. وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار، وهو الميسر، فقال في آخر السورة: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة:90-91]. وهكذا قال ههنا: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ} أي: تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك. وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه؛ بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: «حديث : إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أوقال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» تفسير : . لفظ أحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي. وقوله: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم، وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان، وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»تفسير : ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين؛ لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحداً إلا الله، فقال: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} أي: لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني، أنصركم عليهم، وأبرهم، وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة. وقوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115] أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين، تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وهو الإسلام، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله، فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله، فلا يسخطه أبداً. وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيت عليه برداً كان علي. وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً، رواهما ابن جرير، ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: لما نزلت: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما يبكيك؟» تفسير : قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال: «حديث : صدقت» تفسير : ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: «حديث : إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأي آية؟ قال: قوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة، ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضاً مسلم والترمذي والنسائي أيضاً من طرق عن قيس بن مسلم به. ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: و الله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا، لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت: يوم عرفة، وأنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية، وشك سفيان رحمه الله إن كان في الرواية، فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا؟ وإن كان شكاً في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري رحمه الله، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها، والله أعلم، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر بن جرير: وهو إسحاق بن حرشة، عن قبيصة، يعني: ابن ذؤيب، قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه: نزلت في يوم الجمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر، حدثنا قبيصة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار، هو مولى بني هاشم: أن ابن عباس قرأ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحماني، حدثنا قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سلمان، عن أبي عمر البزار، عن أبي الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلموهو قائم عشية عرفة: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس السكوني: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة. وروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن موسى بن وجيه، عن قتادة عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلإمَ دِيناً} يوم عرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على الموقف. فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح بدراً يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. ورفع الذكر يوم الاثنين. فإنه أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبىء يوم الاثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين، هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين، فالله أعلم، ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم، فاشتبه على الراوي، والله أعلم. وقال ابن جرير: وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، ثم روي من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، قال: وقد قيل: إنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى حجة الوداع، ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. قلت: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم حين قال لعلي: «حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه»تفسير : . ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني: مرجعه عليه السلام من حجة الوداع، ولا يصح هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب، رضي الله عنهم، وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري رحمه الله. وقوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى؛ لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، و الله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه، ويغفر له. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يحب أن تؤتى رخصته؛ كما يكره أن تؤتى معصيته» تفسير : لفظ ابن حبان، وفي لفظ لأحمد: «حديث : من لم يقبل رخصة الله، كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» تفسير : ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً؛ بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزود؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيداً وهو محرم، هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد، ويلزمه الجزاء، أو ذلك الطعام، ويضمن بدله؟ على قولين، هما قولان للشافعي رحمه الله. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاماً؛ كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك، جاز له. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي: أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: «حديث : إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بها بقلاً، فشأنكم بها» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به، لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به. ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد، أو أبي مرثد، عن أبي واقد، به. ورواه ابن جرير عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له، فذكره. ورواه أيضاً عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلاً. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزىء من الاضطرار غبوق أو صبوح. حدثنا أبو كريب، حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي، حدثنا الحسن: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: «حديث : إلى متى يروى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم»تفسير : . حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عن جدته: أن رجلاً من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لا يحل لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه»تفسير : . فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي، وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلغ من ذلك شيئاً، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه» تفسير : فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أرويت أهلك غبوقاً من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام، وأما مالك، فإنه ميسور كله، فليس فيه حرام»تفسير : ومعنى قوله: «حديث : ما لم تصطبحوا» تفسير : يعني به: الغداء «حديث : وما لم تغتبقوا» تفسير : يعني به: العشاء «حديث : أو تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها» تفسير : فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: «حديث : أو تحتفئوا» تفسير : على أربعة أوجه: تحتفئوا بالهمزة، وتحتفيوا: بتخفيف الياء والحاء، وتحتفوا بتشديد، وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا رواه في التفسير. (حديث آخر) - قال أبو داود: حدثنا هارون ابن عبد الله، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: «ما طعامكم»؟ قلنا: نصطبح ونغتبق. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال. تفرد به أبو داود، وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئاً لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق، والله أعلم. (حديث آخر) - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك عن جابر عن سمرة: أن رجلاً نزل الحرة، ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلت، فإن وجدتها، فأمسكها، فوجدها، ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها، فأبى، فنفقت، فقالت له امرأته: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها فنأكله، قال: لا، حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله، فقال: «حديث : هل عندك غنى يغنيك؟» تفسير : قال: لا، قال: «حديث : فكلوها» تفسير : قال: فجاء صاحبها، فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك، تفرد به، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها. والله أعلم. وقوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي متعاط لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر؛ كما قال في سورة البقرة: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 173] وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } أي أكلها {وَٱلدَّمُ } أي المسفوح كما في (الأنعام) [145:6] {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } بأن ذبح على اسم غيره {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ } الميتة خنقاً {وَٱلْمَوْقُوذَةُ } المقتولة ضرباً {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ } الساقطة من علو إلى أسفل فماتت {وَٱلنَّطِيحَةُ } المقتولة بنطح أخرى لها {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } منه {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه {وَمَا ذُبِحَ عَلَى } اسم {ٱلنُّصُبِ } جمع (نصاب) وهي الأصنام {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ } تطلبوا القَسْم والحكم {بِٱلأَزْلاَمِ } جمع (زلم) بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام (قدح) بكسر القاف صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } خروج عن الطاعة، ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوّته {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين {وَرَضِيتُ } أي اخترت {لَكُمُ ٱلإِسْلَـٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ } مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ } مائل {لإِثْمٍ } معصية {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } له ما أكل {رَّحِيمٌ } به في إباحته له بخلاف المائل لإِثم أي المتلبس به كقاطع الطريق والباغي مثلاً فلا يحل له الأكل.

الشوكاني

. تفسير : هذا شروع في المحرّمات التي أشار إليها سبحانه بقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ }. والميتة قد تقدّم ذكرها في البقرة، وكذلك الدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحاً كما تقدّم، حملاً للمطلق على المقيد، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحلّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» تفسير : أخرجه الشافعي، وأحمد، وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده مقال، ويقوّيه حديث: «حديث : هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته»تفسير : ، وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم، وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقد أطلنا الكلام عليه في شرحنا للمنتقى. والإهلال: رفع الصوت لغير الله كأن يقول: بسم اللات والعزى ونحو ذلك، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه، ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ } هي التي تموت بالخنق: وهو حبس النفس، سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين، أو بفعل آدميّ أو غيره. وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها. {وَٱلْمَوْقُوذَةُ }هي التي تضرب بحجر أو عصا، حتى تموت من غير تذكية، يقال: وقَذَهَ يقَذُهَ وَقْذاً فهو وَقِيذٌ، والوقذ: شدّة الضرب، وفلان وقيذ، أي مثخن ضرباً، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها، ومنه قول الفرزدق:شعر : شغارةٌ تقِذ الفَصيلَ بِرِجْلها فطارةٌ لِقَوادِمِ الأظْفَارِ تفسير : قال ابن عبد البر: واختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصيد بالبندق والحجر والمعراض، ويعني بالبندق: قوس البندقة، وبالمعراض: السهم الذي لا ريش له. أو العصا التي رأسها محدّد، قال: فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته، على ما روى عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي، وخالفهم الشاميون في ذلك. قال الأوزاعي في المعراض: كله خرق أو لم يخرق، فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأساً. قال ابن عبد البرّ: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع، قال: والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة، حديث عديّ بن حاتم، وفيه: «حديث : ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ»تفسير : ، انتهى. قلت: والحديث في الصحيحين وغيرهما. عن عديّ قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب فقال: حديث : إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله»تفسير : . فقد اعتبر صلى الله عليه وسلم الخرق وعدمه، فالحق: أنه لا يحلّ إلا ما خرق لا ما صدم، فلا بد التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذاً. وأما البنادق المعروفة الآن: وهي بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حياً؟ والذي يظهر لي أنه حلال؛ لأنها تخرق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح السابق: «حديث : إذا رميت بالمعراض فخرق فكله»تفسير : ، فاعتبر الخرق في تحليل الصيد. قوله: {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ } هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت، من غير فرق بين أن تتردّى من جبل، أو بئر، أو مدفن، أو غيرها، والتردّي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردّت بنفسها أو ردّها غيرها. قوله: {وَٱلنَّطِيحَةُ } هي فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقال قوم أيضاً: فعيلة بمعنى فاعلة، لأن الدابتين تتناطحان فتموتان، وقال: نطيحة ولم يقل: نطيح مع أنه قياس فعيل، لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب، صفة لموصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية. وقرأ أبو ميسرة «والمنطوحة». قوله: {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } أي: ما افترسه ذو ناب كالأسد، والنمر، والذئب، والضبع، ونحوها، والمراد هنا: ما أكل منه السبع، لأن ما أكله السبع كله قد فنى، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة، ثم خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت، ولم يذكوها. وقرأ الحسن وأبو حيوة "ٱلسَّبْعُ" بسكون الباء، وهي لغة لأهل نجد ومنه قول حسان في عتبة بن أبي لهب:شعر : من يرجع العامَ إلى أهله فَما أكِيلُ السّبْع بالرَّاجعِ تفسير : وقرأ ابن مسعود «وأكيلة السبع». وقرأ ابن عباس: «وأكيل السبع». قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } في محل نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور، وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقاً، وفيه حياة، وقال المدنيون: وهو المشهور من مذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي أنه: إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل. وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعاً، أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم فهو الذي يحلّ ولا يحرم، والأوّل أولى. والذكاة في كلام العرب: الذبح، قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة: التمام، أي تمام استكمال القوّة، والذكاء حدة القلب، والذكاء سرعة الفطنة، والذكوة ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب والنار: أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا: إلا ما أدركتم ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع: عبارة عن إنهار الدم، وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقروناً بالقصد لله، وذكر اسمه عليه. وأما الآلة التي تقع بها الذكاة: فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم، وأفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة. قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } قال ابن فارس: النصب: حجر كان ينصب فيعبد ويصبّ عليه دماء الذبائح. والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد. وقيل: النصب: جمع واحده نصاب، كحمار وحمر. وقرأ طلحة بضم النون وسكون الصاد. وروى عن أبي عمرو بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ الجحدري بفتح النون والصاد، جعله اسماً موحداً كالجبل والجمل، والجمع أنصاب كالأجبال والأجمال، قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرّحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحقّ أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فأنزل الله {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } والمعنى: والنية بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، ولهذا قيل: إن "عَلَىٰ" بمعنى اللام: أي لأجلها. قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أهلّ به لغير الله، وخصّ بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه. قوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأزْلاَمِ } معطوف على ما قبله، أي وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام، والأزلام: قداح الميسر واحدها: زلم، قال الشاعر:شعر : بات يقاسيها غلام كالزّلم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على لحم وضم تفسير : وقال آخر:شعر : فلئن جذيمة قتلت ساداتها فنساؤها يضربن بالأزلام تفسير : والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: أحدها: مكتوب فيه افعل، والآخر: مكتوب فيه لا تفعل، والثالث: مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحداً منها، فإن خرج الأوّل فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأوّلين. وإنما قيل لهذا الفعل استقسام؛ لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، وما يريدون فعله، كما يقال استسقى: أي استدعى السقي، فالاستقسام: طلب القسم والنصيب. وجملة قداح الميسر عشرة، وقد قدّمنا بيانها، وكانوا يضربون بها في المقامرة، وقيل: إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل: هي الشطرنج، وإنما حرّم الله والاستقسام بالأزلام؛ لأنه تعرّض لدعوى علم الغيب، وضرب من الكهانة. قوله: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ }إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا. والفسق: الخروج عن الحدّ، وقد تقدّم بيان معناه، وفي هذا وعيد شديد؛ لأن الفسق هو أشدّ الكفر، لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر. قوله: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } المراد: اليوم الذي نزلت فيه الآية، وهو يوم فتح مكة، لثمان بقين من رمضان، سنة تسع. وقيل: سنة ثمان؛ وقيل المراد باليوم: الزمان الحاضر وما يتصل به، ولم يرد يوماً معيناً. و{يئس} فيه لغتان ييس بياءين يأساً، وأيس يأيس إياساً وإياسة. قاله النضر بن شميل، أي حصل لهم اليأس من إبطال دينكم، وأن يردوكم إلى دينهم، كما كانوا يزعمون {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أي لا تخافوا منهم أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم {وَٱخْشَوْنِ } فأنا القادر على كل شيء، إن نصرتكم فلا غالب لكم، وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم. قوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } جعلته كاملاً غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها، ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه، ووفى ما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك، ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله: {لَكُمْ }. قال الجمهور: المراد بالإكمال هنا: نزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم. قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية "الربا" وآية "الكلالة" ونحوهما. والمراد باليوم المذكور هنا: هو يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب. وقيل: إنها نزلت في يوم الحجّ الأكبر. قوله: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } بإكمال الدين المشتمل على الأحكام، وبفتح مكة وقهر الكفار، وإياسهم عن الظهور عليكم، كما وعدتكم بقولي: {أية : وَلأِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ }تفسير : [البقرة: 150] قوله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً } أي أخبرتكم برضاي به لكم فإنه سبحانه لم يزل راضياً لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم بالإسلام فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة، إن حملناه على ظاهره، ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم عليه اليوم {ديناً} باقياً إلى انقضاء أيام الدنيا. وديناً منتصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً. قوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ } هذا متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض، أي من دعته الضرورة {فِى مَخْمَصَةٍ } أي مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرّمات. والخمص: ضمور البطن، ورجل خميص وخمصان، وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيراً في الجوع، قال الأعشى:حديث : تبيتون في المشتاء ملأى بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصاً"تفسير : قوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ } الجنف: الميل، والإثم: الحرام أي حال كون المضطرّ في مخمصة غير مائل لإثم، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد، وكل مائل فهو متجانف وجنف. وقرأ النخعي ويحيـى بن وثاب والسلمي: «متجنف»، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرّم عليه إلى الإثم، بأن يكون باغياً على غيره، أو متعدياً لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدّم. وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شعائر الإسلام، فبينما نحن كذلك، إذ جاءوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا: هلم يا صدى، فكل، قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرّم هذا عليكم، لما أنزل الله عليه، قالوا: وما ذاك؟ قال: فتلوت عليهم هذه الآية: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } قال: وما أهلّ للطواغيت به {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ } قال: التي تخنق فتموت {وَٱلْمَوْقُوذَةُ } قال: التي تضرب بالخشبة فتموت. {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ } قال: التي تتردى من الجبل فتموت. {وَٱلنَّطِيحَةُ } قال: الشاة التي تنطح الشاة {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } يقول: ما أخذ السبع، {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } يقول: ذبحتم من ذلك، وبه روح فكلوه {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } قال: النصب: أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأزْلاَمِ } قال: هي القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور. {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } يعني: من أكل ذلك كله فهو فسق. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الرداة التي تتردّى في البئر. والمتردية التي تتردى من الجبل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأزْلاَمِ } قال: حصى بيض كانوا يضربون بها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال: كانوا إذا أرادوا أمراً أو سفراً يعمدون إلى قداح ثلاثة، يكتبون على واحد منها: أمرني، وعلى الآخر: نهاني، ويتركون الثالث مخللاً بينهما ليس عليه شيء ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه: أمرني مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه: نهاني كفوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } قال: يئسوا أن يرجعوا إلى دينهم أبداً. وأخرج البيهقي عنه في الآية قال: يقول يئس أهل مكة أن يرجعوا إلى دينهم عبادة، الأوثان أبداً {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } في اتباع محمد {وَٱخْشَوْنِ } في عبادة الأوثان وتكذيب محمد، فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يديه والمسلمون يدعون الله {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يقول: حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } قال: منتي، فلم يحج معكم مشرك {وَرَضِيتُ } يقول: اخترت {لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً } فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أحداً وثمانين يوماً، ثم قبضه الله إليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه أبداً. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأيّ آية؟ قالوا: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } يعني: إلى ما حرّم مما سمي في صدر هذه السورة: {فِى مَخْمَصَةٍ } يعني: في مجاعة {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } يقول: غير متعمد لإثم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} فيها تأويلان. أحدهما: أنه كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره. والثاني، أنه كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير ذكاة. {وَالدَّمُ} فيه قولان: أحدهما: أن الحرام منه ما كان مسفوحاً كقوله تعالى: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} الثاني: أنه كل دم مسفوح وغير مسفوح، إلا ما خصته اسنة من الكبد والطحال، فعلى القول الأول لا يحرم السمك، وعلى الثاني يحرم. {وَلَحْمُ الْخِنزيرِ} فيه قولان: أحدهما: أن التحريم يختص بلحم الخنزير دون شحمه، وهذا قول داود. والثاني: أنه يعم اللحم وما خالطه من شحم وغيره، وهو قول الجمهور، ولا فرق بين الأهلي منه والوحشي. {وَمآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} يعني ما ذبح ليغر الله من الأصنام والأوثان، أصله من استهلال الصبي إذا صاح حين يسقط من بطن أمه، ومنه أهلال المُحْرِم بالحج والعمرة، قال ابن أحمر: شعر : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر تفسير : {وَالْمُنْخَنِقَةُ} فيها قولان: أحدهما: أنها تخنق بحبل الصائد وغيره حتى تموت، وهو قول السدي، والضحاك. والثاني: أنها التي توثق، فيقتلها خناقها. {وَالْمَوقُوذَةُ} هي التي تضرب بالخشب حتى تموت، يقال: (وقذتها أقذها وقذاً، وأوقذها أيقاذاً، إذا أثخنتها ضرباً)، ومنه قول الفرزدق: شعر : شغارة تقذ الفصيل برجلها فطَّارة لقوادم الأبكار تفسير : {وَالْمُتَردِيَةُ} هي التي تسقط من رأس جبل، أو بئر حتى تموت. {وَالنَّطِيحَةُ} هي الشاة التي تنطحها أخرى حتى تموت. {وَمآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فيه قولان: أحدهما: يعنى من المنخنقة وما بعدها، وهو قول علي رضي الله عنه، وابن عباس، وقتادة، والحسن، والجمهور. والثاني: أنه عائد إلى ما أكل السبع خاصة، وهو محكي عن الظاهرية. وفى مأكولة السبع التي تحل بالذكاة قولان: أحدهما: أن تكون لها عين تطرف أو ذنب يتحرك. والثاني: أن تكون فيها حركة قوية لا كحركة المذبوح، وهو قول الشافعي، ومالك. {.... وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ} معناه أن تطلبوا علم ما قُسِّمَ أو لم يُقَسَّم من رزق أو حاجة بالأزلام، وهي قداح ثلاثة مكتوبة على أحدها: أمرني ربي، والآخر: نهاني ربي، والثالث: غفل لا شيء عليه، فكانوا إذا أرادوا سفراً، أو غزواً، ضربوا بها واستسقسموا، فإن خرج أمرني ربي فعلوه، وإن خرج نهاني ربي تركوه، وإن خرج الأبيض أعادوه، فنهى الله عنه، فَسُمِّي ذلك استقساماً، لأنهم طلبوا به علم ما قُسِمَ لهم. وقال أبو العباس المبرد: بل هو مشتق من قَسَم اليمين، لأنهم التزموا ما يلتزمونه، باليمين. {ذَالِكُمْ فِسْقٌ} أى خروج عن أمر الله وطاعته، وفعل ما تقدم نهيه عنه، {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن ترتدوا عنه راجعين إلى دينهم. والثاني: أن يقدروا على إبطاله ويقدحوا فى صحته. قال مجاهد: كان ذلك يوم عرفة حين حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، بعد دخول العرب الإِسلام حتى لم ير النبي صلى الله عليه وسلم مشركاً. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} أى لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، واخشونِ، أن تخالفوا أمري. {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه يوم عرفة فى حجة الوداع ولم يعش [الرسول صلى الله عليه وسلم] بعد ذلك إلاَّ إحدى وثمانين ليلة، وهذا قول ابن عباس: والسدي. والثاني: أنه زمان النبي صلى الله عليه وسلم كله إلى أنْ نَزَل ذلك عليه يوم عرفة، وهذا قول الحسن. وفي إكمال الدين قولان: أحدهما: يعني أكملت فرائضي وحدودي وحلالي وحرامي، ولم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الفرائض من تحليل ولا تحريم، وهذا قول ابن عباس والسدي. والثاني: يعني اليوم أكملت لكم حجتكم، أن تحجوا البيت الحرام، ولا يحج معكم مشرك، وهذا قول قتادة، وسعيد ابن جبير. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بإكمال دينكم. {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} أي رضيت لكم الاستسلام لأمري ديناً، اي طاعة. روى قبيصة قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لعظموا اليوم، الذى أُنْزِلت فيه عليهم، فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر: قد علمت اليوم الذى أُنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما - بحمد الله - لنا عيد. {فَمَنِ آضْطُرَّ} أي أصابه ضر الجوع. {فِي مَخْمَصَةٍ} أي في مجاعة، وهي مَفْعَلة مثل مجهلة ومبخلة ومجبنة ومخزية من خمص البطن، وهو اصطباره من الجوع، قال الأعشى: شعر : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرقى يبتن خماصا تفسير : {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثمٍ} فيه قولان: أحدهما: غير متعمد لإِثم، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد. والثاني: غير مائل إلى إثم، وأصله من جنف القوم إذا مالوا، وكل أعوج عند العرب أجنف. وقد روى الأوزاعي عن حسان عن عطية عن أبي واقد الليثي قال: قلنا يا رسول الله إنا بأرض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: "حديث : إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا أَوْ تَجْنِفُوا بها، فَشَأْنُكُم بِّهَا "تفسير : واختلف فى وقت نزول هذه السورة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنها نزلت في يوم عرفة، روى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة المائدة جميعاً وأنا آخذة بزمان ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء وهو واقف بعرفة فكادت من ثقلها أن تدق عضد الناقة. والثاني: أنها نزلت فى مسيره صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو راكب، فبركت به راحلته من ثقلها. والثالث: أنها نزلت يوم الاثنين بالمدينة، وهو قول ابن عباس، وقد حُكِيَ عنه القول الأول.

ابن عطية

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} الآية تعديد لما يتلى على الأمة مما استثني من {أية : بهيمة الأنعام} تفسير : [المائدة:1] و {الميتة} كل حيوان له نفس سائلة خرجت نفسه من جسده على غير طريق الذكاة المشروع سوى الحوت والجراد على أن الجراد قد رأى كثير من العلماء أنه لا بد من فعل فيها يجري مجرى الذكاة، وقرأ جمهور الناس "الميْتة" بسكون الياء، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "الميّتة" بالتشديد في الياء قال الزجاج: هما بمعنى واحد، وقال قوم من أهل اللسان: الميْت بسكون الياء ما قد مات بعد والميّت يقال لما قد مات ولما لم يمت وهو حي بعد ولا يقال له ميت بالتخفيف ورد الزجاج هذا القول واستشهد على رده بقول الشاعر: شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء تفسير : قال القاضي أبو محمد: والبيت يحتمل أن يتأول شاهداً عليه لا له وقد تأول قوم استراح في هذا البيت بمعنى اكتسب رائحة إذ قائله جاهلي لا يرى في الموت راحة وقوله تعالى: {والدم} معناه المسفوح لأنه بهذا تقيد الدم في غير هذه الآية فيرد المطلق إلى المقيد وأجمعت الأمة على تحليل الدم المخالط للحم وعلى تحليل الطحال ونحوه وكانت الجاهلية تستبيح الدم ومنه قولهم لم يحرم من فصد له والعلهز دم ووبر يأكلونه في الأزمات {ولحم الخنزير} مقتض لشحمه بإجماع، واختلف في استعمال شعره وجلده بعد الدباغ فأجيز ومنع وكل شيء من الخنزير حرام بإجماع جلداً كان أو عظماً، وقوله تعالى: {وما أهلّ لغير الله به} يعني ما ذبح لغير الله تعالى وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل وكذلك النصارى وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به فذلك إهلاله ومنه استهلال المولود إذ صاح عند الولادة، ومنه إهلال الهلال أي الصياح بأمره عند رؤيته ومن الإهلال قول ابن أحمر: شعر : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر تفسير : وقوله تعالى: {والمنخنقة} معناه التي تموت خنقاً وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حجر أو شجرة أو بحبل أو نحوه وهذا إجماع، وقد ذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها وذكر نحوه ابن عباس {والموقوذة} التي ترمى أو تضرب بعصا أو بحجر أو نحوه وكأنها التي تحذف به وقال الفرزدق: شعر : شغارة تغذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الأبكار تفسير : وقال ابن عباس {الموقوذة} التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونها. قال القاضي أبو محمد: ومن اللفظة قول معاوية، وأما ابن عمر فرجل قد وقذه الورع وكفى أمره ونزوته، وقال الضحاك: كانوا يضربون "الأنعام" بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلونها وقال أبو عبد الله الصنابحي ليس {الموقوذة} إلا في مالك وليس في الصيد وقيذ. قال القاضي أبو محمد: وعند مالك وغيره من الفقهاء في الصيد ما حكمه حكم الوقيذ وهو نص فيحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم، في المعراض "وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ" تفسير : {والمتردية} هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه، هي متفعلة من الردى وهو الهلاك وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن العرب تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحو ذلك دون سبب يعرف فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة وبقيت هذه كلها ميتة، {والنطيحة} فعيلة بمعنى مفعولة وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت وتأول قوم {النطيحة} بمعنى الناطحة لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان، وقال قوم: لو ذكر الشاة لقيل: والشاة النطيح كما يقال كف خضيب ولحية دهين، فلما لم تذكر ألحقت الهاء لئلا يشكل الأمر أمذكراً يريد أم مؤنثاً، قال ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك: النطيحة الشاة تناطح الشاة فتموتان أو الشاة تنطحها البقر والغنم.. قال القاضي أبو محمد: وكل ما مات ضغطاً فهو نطيح، وقرأ أبو ميسرة "والمنطوحة" وقوله: {وما أكل السبع} يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوه هذه كلها سباع. ومن العرب من يوقف اسم السبع على الأسد، وكان العرب إذا أخذ السبع شاة فقتلها ثم خلصت منه أكلوها وكذلك إن أكل بعضها، قاله قتادة وغيره. وقرأ الحسن والفياض وطلحة بن سليطان وأبو حيوة وما "أكل السبْع" بسكون الباء وهي لغة أهل نجد وقرأ بذلك عاصم في رواية أبي بكر عنه. وقرأ عبد الله بن مسعود "وأكيلة السبع" وقرأ عبد الله بن عباس "وأكيل السبع"، واختلف العلماء في قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} فقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعلي بن أبي طالب وقتادة وإبراهيم النخعي وطاوس وعبيد بن عمير والضحاك وابن زيد وجمهور العلماء الاستثناء هو من هذه المذكورات فما أدرك منها يطرق بعين أو يمصع برجل أو يحرك ذنباً وبالجملة ما يتحقق أنه لم تفض نفسه بل له حياة فإنه يذكى على سنة الذكاة ويؤكل، وما فاضت نفسه فهو في حكم الميتة بالوجع ونحوه على ما كانت الجاهلية تعتقده، وقال مالك رحمه الله مرة بهذا القول، وقال أيضاً وهو المشهور عنه وعن أصحابه من أهل المدينة أن قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} معناه من هذه المذكورات في وقت تصح فيه ذكاتها وهو ما لم تنفذ مقاتلها ويتحقق أنها لا تعيش ومتى صارت في هذا الحد فهي في حكم الميتة. قال القاضي أبو محمد: فقال بعض المفسرين إن الاستثناء في قول الجمهور متصل وفي قول مالك منقطع لأن المعنى عنده "لكن ما ذكيتم" مما تجوز تذكيته فكلوه حتى قال بعضهم إن المعنى {إلا ماذكيتم} من غير هذه فكلوه، وفي هذا عندي نظر، بل الاستثناء على قول مالك متصل لكنه يخالف في الحال التي تصح ذكاة هذه المذكورات، وقال الطبري: إن الاستثناء عند مالك من التحريم لا من المحرمات. قال القاضي أبو محمد: وفي هذه العبارة تجوز كثير وحينئذ يلتئم المعنى، والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله ثعلب قال ابن سيده: والعرب تقول ذكاة الجنين ذكاة أمه. قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما هو حديث، وذكى الحيوان ذبحه، ومنه قوله الشاعر: شعر : يــذكيــها الأســـل تفسير : ومما احتج به المالكيون لقول مالك، إن ما تيقن أنه يموت من هذه الحوادث فهو في حكم الميتة أنه لو لم تحرم هذه التي قد تيقن موتها إلا بأن تموت لكان ذكر الميتة أولاً يغني عنها فمن حجة المخالف أن قال إنما ذكرت بسبب أن العرب كانت تعتقد أن هذه الحوادث كالذكاة فلو لم يذكر لها غير الميتة لظنت أنها ميتة الوجع حسب ما كانت هي عليه. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قوله: {وما ذبح} عطف على المحرمات المذكورات، و {النصب} جمع واحده نصاب، وقيل هو اسم مفرد وجمعه أنصاب وهي حجارة تنصب كل منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون، وكان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضاً وتلطخ بالدماء وتوضع عليه اللحوم قطعاً قطعاً ليأكل الناس، قال مجاهد وقتادة وغيرهما: {النصب} حجارة كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، وقال ابن عباس: ويهلون عليها، قال ابن جريج: {النصب} ليس بأصنام الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب. قال القاضي أبو محمد: وقد كانت للعرب في بلادها أنصاب حجارة يعبدونها ويحكون فيها أنصاب مكة، ومنها الحجر المسمى بسعد وغيره، قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة وينضحون بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة.. فلما جاء الإسلام قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك فأنزل الله تعالى: {أية : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} تفسير : [الحج:37] ونزلت {وما ذبح على النصب}. قال القاضي أبو محمد: المعنى والنية فيها تعظيم النصب، قال مجاهد. وكان أهل مكة يبدلون ما شاؤوا من تلك الحجارة إذا وجدوا أعجب إليهم منها، قال ابن زيد: {ما ذبح على النصب} وما أهل به لغير الله شيء واحد. قال رضي الله عنه: {ما ذبح على النصب} جزء مما أهل به لغير الله لكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له. وقد يقال للصنم أيضاً نصب ونصب لأنه ينصب وروي أن الحسن بن أبي الحسن قرأ "وما ذبح على النَّصْب" بفتح النون وسكون الصاد، وقال على الصنم، وقرأ طلحة ابن مصرف "على النُّصْب" بضم النون وسكون الصاد، وقرأ عيسى بن عمر "على النَّصَب" بفتح النون والصاد وروي عنه أنه قرأ بضم النون والصاد كقراءة الجمهور، وقوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} حرم به تعالى طلب القسم وهو النصيب أو القسم بفتح القاف وهو المصدر {بالأزلام} وهي سهام واحدها زلم بضم الزاي وبفتحها وأزلام العرب ثلاثة أنواع، منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها افعل والآخر لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء فيه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة، والنوع الثاني سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما يدور بين الناس من النوازل، في أحدها العقل في أمور الديات، وفي آخر منكم وفي آخر من غيركم وفي آخر ملصق وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك وهي التي ضرب بها على بني عبد المطلب إذ كان نذر هو نحر أحدكم إذا أكملوا عشرة وهو الحديث الطويل الذي في سيرة ابن إسحاق، وهذه السبعة أيضاً متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث هو قداح الميسر وهي عشرة سبعة منها فيها خطوط لها بعددها حظوظ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة ففيها لهو للبطالين ولعب، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف، وكان من العرب من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والمغامرة وقد شرحت أمرها بأوعب من هذا في سورة البقرة في تفسير الميسر، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب وهو من أكل المال بالباطل وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو بشطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى "الأزلام" حرام كله وقوله تعالى: {ذلكم فسق} إشارة إلى الاستقسام {بالأزلام}, والفسق الخروج من مكان محتوٍ جامع يقال فسقت الرطبة خرجت من قشرها والفأرة من جحرها واستعملت اللفظة في الشرع فيمن يخرج من احتواء الأمر الشرعي وجمعه وإحاطته. وقوله تعالى: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} معناه عند ابن عباس من أن ترجعوا إلى دينهم وقاله السدي وعطاء، وظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وظهور دينه يقتضي أن يأس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ زمان، وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه لأن هذا أمر كان يترجاه من بقي من الكفار ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حين انكشف المسلمون وظنها هزيمة ألا بطل السحر اليوم، إلى غير هذا من الأمثلة، وهذه الآية نزلت في إثر حجة الوداع وقيل في يوم عرفة يوم الجمعة، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن المشركون حينئذ إلا في حيز القلة ولم يحضر منهم الموسم بشر، وفي ذلك اليوم أمحى أمر الشرك من مشاعر الحج، ويحتمل قوله تعالى: {اليوم} أن يكون إشارة إلى اليوم بعينه لا سيما في قول الجمهور عمر بن الخطاب وغيره، إنها نزلت في عشية عرفة يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف على ناقته وليس في الموسم مشرك. ويحتمل أن يكون إشارة إلى الزمن والوقت أي في هذا الأوان {يئس} الكفار من دينكم وقوله تعالى: {الذين كفروا} يعم مشركي العرب وغيرهم من الروم والفرس وغير ذلك وهذا يقوي أن اليأس من انحلال أمر الإسلام وذهاب شوكته ويقوي أن الإشارة باليوم إنما هي إلى الأوان الذي فاتحته يوم عرفة ولا مشرك بالموسم ويعضد هذا قوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشون} فإنما نهى المؤمنين عن خشية جميع أنواع الكفار وأمر بخشيته تعالى التي هي رأس كل عبادة كما قال صلى الله عليه وسلم ومفتاح كل خير، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ "ييس" بغير همزة وهي قراءة أبي جعفر. وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} تحتمل الإشارة بـ {اليوم} ما قد ذكرناه، وهذا الإكمال عند الجمهور هو الإظهار واستيعاب عظم الفرائض والتحليل والتحريم. قالوا، وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير ونزلت آية الربا ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل عظم الدين وأمر الحج أن حجوا وليس معهم مشرك. وقال ابن عباس والسدي هو إكمال تام ولم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض، وحكى الطبري عن بعض من قال هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والظاهر أنه عاش عليه السلام أكثر بأيام يسيرة. ورويحديث : أن هذه الآية لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟ فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم صدقتتفسير : ، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له يهودي: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً, فقال له عمر آية آية هي فقال له: {اليوم أكملت لكم دينكم} فقال له عمر قد علمنا ذلك اليوم نزلت على رسول الله وهو واقف بعرفة يوم الجمعة. قال القاضي أبو محمد: ففي ذلك اليوم عيدان لأهل الإسلام إلى يوم القيامة، وقال داود بن أبي هند للشعبي إن اليهود تقول كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي كمل الله لها دينها فيه فقال الشعبي أو ما حفظته قال داود: فقلت أي يوم هو قال يوم عرفة، وقال عيسى بن جارية الأنصاري كنا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني مثل ما قال اليهودي لعمر بن الخطاب فما أجابه منا أحد فلقيت محمد بن كعب القرظي فأخبرته فقال هلا أجبتموه، قال عمر بن الخطاب أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة. قال القاضي أبو محمد: وذكر عكرمة عن عمر بن الخطاب أنه قال: نزلت سورة المائدة بالمدينة يوم الاثنين، وقال الربيع بن أنس نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع، وهذا كله يقتضي أن السورة مدنية بعد الهجرة وإتمام النعمة هو في ظهور الإسلام ونور العقائد وإكمال الدين وسعة الأحوال وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة والخلود في رحمة الله هذه كلها نعم الله المتممة قبلنا، وقوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} يحتمل الرضا في هذا الموضع أن يكون بمعنى الإرادة ويحتمل أن يكون صفة فعل عبارة عن إظهار الله إياه لأن الرضى من الصفات المترددة بين صفات الذات وصفات الأفعال والله تعالى قد أراد لنا الإسلام ورضيه لنا وثم أشياء يريد الله تعالى وقوعها ولا يرضاها، والإسلام في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19] وهو الذي تفسر في سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الإيمان والأعمال والشعب. وقوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة} يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر تلك المحرمات، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تحل الميتة؟ فقال إذا لم يصطحبوا ولم يغتبقوا ولم تحتفئوا بها بقلاً. قال القاضي أبو محمد: فهذه مثال في حال عدم المأكول حتى يؤدي ذلك إلى ذهاب القوى والحياة وقرأ ابن محيصن "فمن اطر" بإدغام الضاد والطاء وليس بالقياس ولكن العرب استعملته في ألفاظ قليلة استعمالاً كثيراً وقد تقدم القول في أحكام الاضطرار في نظير هذه الآية في سورة البقرة, و" المخمصة" المجاعة التي تخمص فيها البطون أي تضمر والخمص ضمور البطن فالخلقة منه حسنة في النساء ومنه يقال خمصانة وبطن خميص ومنه أخمص القدم، ويستعمل ذلك كثيراً في الجوع والغرث، ومنه قول الأعشى: شعر : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا تفسير : أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن، وقوله تعالى: {غير متجانف لإثم} وهو بمعنى {أية : غير باغ ولا عاد} تفسير : [البقرة:173] وقد تقدم تفسيره وفقهه في سورة البقرة والجنف الميل، وقرأ أبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي "غير متجنف"، دون ألف وهي أبلغ في المعنى من {متجانف}، لأن شد العين يقتضي مبالغة وتوغلاً في المعنى وثبوتاً لحكمه، وتفاعل إنما هي محاكاة الشيء والتقرب منه. ألا ترى إذا قلت تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأوداً، ومقاربة ميل، وإذا قلت تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون وتصون وتغافل وتغفل وقوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم} نائب مناب فلا حرج عليه إلى ما يتضمن من زيادة الوعد وترجية النفوس وفي الكلام محذوف يدل عليه المذكور تقديره فأكل من هذه المحرمات المذكورات. وسبب نزول قوله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم} أن جبريل جاء إلى سول الله صلى الله عليه وسلم فوجد في البيت كلباً فلم يدخل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادخل فقال أنا لا أدخل بيتاً فيه كلب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فقتلت حتى بلغت العوالي فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة فقالوا يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب؟. قال القاضي أبو محمد: وروى هذا السبب أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كان المتولي لقتل الكلاب، وحكاه أيضاً عكرمة ومحمد بن كعب القرظي موقوفاً عليهما وظاهر الآية أن سائلاً سأل عما أحل للنا س من المطاعم لأن قوله تعالى: {قل أحل لكم الطيبات} ليس الجواب على ما يحل لنا من اتخاذ الكلاب اللهم إلا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهذا موجود كثيراً من النبي صلى الله عليه وسلم كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك وهو صلى الله عليه وسلم مبين الشرع فإنما من اتخاذ الكلاب اللهم إلا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهذا موجود كثيراً من النبي صلى الله عليه وسلم كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك وهو صلى الله عليه وسلم مبين الشرع فإنما يجاوب مادّاً أطناب التعليم لأمته، و {الطيبات} الحلال هذا هو المعنى عند مالك وغيره ولا يراغي مستلذاً كان أم لا، وقال الشافعي: {الطيبات} الحلال المستلذ وكل مستقذر كالوزغ والخنافس وغيرها فهي من الخبائث حرام. وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} تقديره وصيد ما علمتم أو فاتخاذ ما علمتم وأعلى مراتب التعليم أن يشلى الحيوان فينشلي ويدعى فيجيب ويزجر بعد ظفره بالصيد فينزجر وأن يكون لا يأكل من صيده فإذا كان كلب بهذه الصفات ولم يكن أسود بهيماً فأجمعت الأمة على صحة الصيد به بشرط أن يكون تعليم مسلم ويصيد به مسلم، هنا انعقد الإجماع فإدا انخرم شيء مما ذكرنا دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد تعليم فهو جارح أي كاسب يقال: جرح فلان واجترح إذا كسب ومنه قوله تعالى: {أية : ويعلم ما جرحتم بالنهار} تفسير : [الأنعام:60] أي كسبتم من حسنة وسيئة وكان ابن عمر يقول إنما يصاد بالكلاب فأما ما صيد به من البراة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو حلال لك وإلا فلا تطعمه هكذا حكى ابن المنذر قال: وسئل أبو جعفر عن البازي والصقر أيحل صيده قال: لا إلا أن تدرك ذكاته قال واستثنى قوم البزاة فجوزوا صيدها لحديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال إذا أمسك عليك فكل، وقال الضحاك والسدي: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} هي الكلاب خاصة فإن كان الكلب أسود بهيماً فكره صيده الحسن بن أبي الحسن وقتادة وإبراهيم النخعي. وقال أحمد بن حنبل ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً وبه قال ابن راهويه، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم. وأما أكل الكلب من الصيد فقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقتادة وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه، لا يؤكل ما بقي لأنه إنما أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في الكلب المعلم وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وتأول هؤلاء قوله تعالى: {أية : مما أمسكن عليكم} تفسير : [المائدة:4] على عموم الإمساك فمتى حصل إمساك ولو في بضعة حل أكلها وروي عن النخعي وأصحاب الرأي والثوري وحماد بن أبي سليمان أنهم رخصوا فيما أكل البازي منه خاصة في البازي. قال القاضي أبو محمد: كأنه لا يمكن فيه أكثر من ذلك لأن حد تعليمه أن يدعى فيجيب وأن يشلى فينشلي، وإذا كان الجارح يشرب من دم الصيد فجمهور الناس على أن ذلك الصيد يؤكل، وقال عطاء: ليس شرب الدم بأكل. وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري. قال القاضي أبو محمد: وليس في الحيوان شيء يقبل التعليم التام إلا الكلب شاذاً وأكثرها يأكل من الصيد ولذلك لم ير مالك ذلك من شروط التعليم. وأما الطير فقال ربيعة: ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري. قال القاضي أبو محمد: لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي، وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صاد الكلب وأمسك ثلاث مرات ولاء فقد حصل منه التعليم، قال ابن المنذر: وكان النعمان لا يحد في ذلك عدداً، وقال غيرهم: إذ فعل ذلك مرة واحدة فقد حصل معلماً وإذا كان الكلب تعليم يهودي أو نصراني فكره الصيد به الحسن البصري، فأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وإسحاق بن راهويه، ومالك رحمه الله والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم على إباحة الصيد بكلابهم إذا كان الصائد مسلماً قالوا: وذلك مثل شفرته، وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك رحمه الله فإنه لم يجوز صيد اليهودي والنصراني وفرق بين ذلك وبين ذبيحته وتلا قول الله تعالى: {تناله أيديكم ورماحكم} قال فلم يذكر الله بهذا اليهود ولا النصارى، وقال ابن وهب وأشهب: صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته، وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابىء ولا ذبيحته وهم قوم بين اليهود والنصارى لا دين لهم وأما إن كان الصائد مجوسياً فمنع من أكل صيده مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعطاء وابن جبير والنخعي والليث ابن سعد وجمهور الناس، وقال أبو ثور فيها قولين: أحدهما كقول هؤلاء، والآخر أن المجوس أهل كتاب وأن صيدهم جائز، وقرأ جمهور الناس "وما عَلمتم" بفتح العين واللام وقرأ ابن عباس ومحمد ابن الحنفية "عُلِّمتم" بضم العين وكسر اللام أي أمر الجوارح والصيد بها، و {الجوارح} الكواسر على ما تقدم، وحكى ابن المنذر عن قوم أنهم قالوا {الجوارح} مأخوذ من الجارح أي الحيوان الذي له ناب وظفر أو مخلب يجرح به صيده. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف أهل اللغة على خلافه وقرأ جمهور الناس " مكَلّبين" بفتح الكاف وشد اللام والمكلب معلم الكلاب ومضريها ويقال لمن يعلم غير كلب مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، وقرأ الحسن وأبو زيد "مكْلبين" بسكون الكاف وتخفيف اللام ومعناه أصحاب كلاب يقال: أمشى الرجل كثرت ماشيته وأكلب كثرت كلابه، وقال بعض المفسرين: المكلب بفتح الكاف وشد اللام صاحب الكلاب. قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بمحرر. قوله عز وجل: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي يعلمونهن من الحيلة في الاصطياد والتأتي لتحصيل الحيوان وهذا جزء مما علمه الله الإنسان و "من" للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية وأنث الضمير في {تعلمونهن} مراعاة للفظ {الجوارح} إذ هو جمع جارحة، وقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} يحتمل أن يريد مما أمسكن فلم يأكلن منه شيئاً. ويحتمل أن يريد مما "أمسكن" وإن أكلن بعض الصيد وبحسب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل منه الجارح وقد تقدم ذلك، وقوله تعالى: {واذكروا اسم الله عليه} أمر بالتسمية عند الإرسال على الصيد وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد فقال بعض العلماء هذا الأمر على الوجوب ومتى ترك المرسل أو الذابح التسمية عمداً أو نسياناً لم تؤكل عامداً لا يدري قدر ذلك لكنه غير متهاون نسياناً الشعبي وابن سيرين ونافع وأبو ثور، ورأى بعض العلماء هذا الأمر بالتسمية على الندب وإلى ذلك ينحو أشهب في قوله إن ترك التسمية مستخفاً لم تؤكل وإن تركها عامداً لا يدري قدر ذلك لكنه غير متهاون بأمر الشريعة فإنها تؤكل ومذهب مالك وجمهور أهل العلم: أن التسمية واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان فمن تركها عامداً فقد أفسد الذبيحة والصيد ومن تركها ناسياً سمى عند الأكل وكانت الذبيحة جائزة، واستحب أكثر أهل العلم أن لا يذكر في التسمية غير الله تعالى وأن لفظها بسم الله والله كبر، وقال قوم: إن صلى مع ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز، ثم أمر تعالى بالتقوى على الجملة والإشارة الغريبة هي إلى ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر وسرعة الحساب هي من أنه تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء علماً فلا يحتاج إلى محاولة عد ويحاسب جميع الخلائق دفعة واحدة، وتحتمل الآية أن تكون وعيداً بيوم القيامة كأنه قال إن حساب الله لكم سريع إتيانه إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بـ {الحساب} المجازاة فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتق الله. وقوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات} إشارة إلى الزمن والأوان، والخطاب للمؤمنين، وتقدم القول في {الطيبات} وقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ابتداء وخبر، و {حل} معناه حلال، والطعام في هذه الآية الذبائح كذا قال أهل التفسير، وذلك أن الطعام الذي لا محاولة فيه كالبر والفاكهة ونحوه لا يضر فيه ويحرم عينه تملك أحد، والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين فمنه ما محاولته صنعة لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق وتعصير الزيت ونحوه فهذا إن جنب من الذمي فعلى جهة التقزز، والضرب الثاني هي التزكية التي هي محتاجة إلى الدين والنية فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم كما تقول: إنهم لا صلاة لهم ولا صوم ولا عبادة مقبولة رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة وأخرجها بالنص عن القياس، ثم إن العلماء اختلفوا في لفظ طعام فقال الجمهور: وهي الذبيحة كلها وتذكية الذمي عاملة لنا في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه لأنه مذك. وقالت جماعة من أهل العلم إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحة أي الحلال لهم لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم فمنعت هذه الطائفة الطريف والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب، وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك رحمه الله، واختلف العلماء في لفظة {أوتوا} فقالت فرقة إنما أحلت لنا ذبائح بني إسرائيل الصرحاء الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، فمنعت هذه الفرقة ذبائح نصارى بني تغلب من العرب وذبائح كل دخيل في هذين الدينين وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب ويقول لأنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. قال القاضي أبو محمد: فهذا ليس بنهي عن ذبائح النصارى المحققين منهم، وقال جمهور الأمة ابن عباس والحسن وعكرمة وابن المسيب والشعبي وعطاء وابن شهاب والحكم وحماد وقتادة ومالك رحمه الله وغيرهم: إن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، وكذلك اليهود وتأولوا قول الله تعالى: {أية : ومن يتولهم منكم فإنه منهم} تفسير : [المائدة: 51] وقوله تعالى: {وطعامكم حل لهم} أي ذبائحكم، فهذه رخصة للمسلمين لا لأهل الكتاب لما كان الأمر يقتضي أن شيئاً قد تشرعنا فيه بالتذكية ينبغي لنا أن نحميه منهم ورخص الله تعالى في ذلك رفعاً للمشقة بحسب التجاوز، وقوله تعالى: {والمحصنات} عطف على الطعام المحلل، والإحصان في كلام العرب وفي تصريف الشرع مأخوذ من المنعة ومنه الحصن، وهو مترتب بأربعة أشياء: الإسلام والعفة والنكاح والحرية، فيمتنع في هذا الموضع أن يكون الإسلام لأنه قد نص أنهن من أهل الكتاب ويمتنع أن يكون النكاح لأن ذات الزوج لا تحل، ولم يبق إلا الحرية والعفة فاللفظة تحتملها، واختلف أهل العلم بحسب هذا الاحتمال فقال مالك رحمه الله ومجاهد وعمر بن الخطاب وجماعة من أهل العلم "المحصنات" في هذه الآية الحرائر فمنعوا نكاح الأمة الكتابية، وقالت جماعة من أهل العلم: "المحصنات" في هذه الآية العفائف، منهم مجاهد أيضاً والشعبي وغيرهم فجوزوا نكاح الأمة الكتابية وبه قال سفيان والسدي، وقال الشعبي: إحصان الذمية ألا تزني وأن تغتسل من الجنابة، وقال أبو ميسرة: مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهن العفائف منهن حلال نكاحهن. قال القاضي أبو محمد: ومنع بعض العلماء زواج غير العفيفة بهذه الآية، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا اطلع الرجل من امرأته على فاحشة فليفارقها. وفرق ابن عباس بين نساء أهل الحرب ونساء أهل الذمة فقال: من أهل الكتاب من يحل لنا وهم كل من أعطى الجزية، ومنهم من لا يحل لنا وهم أهل الحرب، وكره مالك رحمه الله نكاح نساء أهل الحرب مخافة ضياع الولد أو تغير دينه، والأجور في هذه الآية المهور، وانتزع أهل العلم لفظة {آتيتموهن} أنه لا ينبغي أن يدخل زوج بزوجته إلا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به، ومن جوز أن يدخل دون أن يبذل ذلك فرأى أنه بحكم الارتباط والالتزام في حكم الموتى، و {محصنين} معناه متزوجين على السنة، والإحصان في هذا الموضع هو بالنكاح، والمسافح المزاني، والسفاح الزنى، والمسافحة هي المرأة التي لا ترد يد لامس وتزني مع كل أحد وهن أصحاب الرايات في الجاهلية، والمخادنة أن يكون الزانيان قد وقف كل واحد نفسه على صاحبه، وقد تقدم نظير هذه الآية وفسر بأوعب من هذا، وقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان} يحتمل أن يكون المعنى على أن الكفر هو بنفس الإيمان، وفي هذا مجاز واستعارة لأن الإيمان لا يتصور كفر به إنما الكفر بالأمور التي حقها ان يقع الإيمان بها، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمَيْتَةُ} كل ما له نفس سائلة من دواب البَرِّ وطيره، أو كل ما فارقته الحياة من دواب البر‍ّ وطيره. {وَالدَّمُ} محرم إذا كان مسفوحاً، فلا يحرم دم السمك، [أو] المسفوح وغيره حرام إلا ما خصّته السنّة من الكبد والطحال فحرم دم السمك. {وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} يخصّه التحريم عند داود ويعم باقي أجزائه عند الجمهور، ولا فرق بين الأهلي والوحشي. {وَمَآ أُهِلَّ} ذبح لغير الله من صنم أو وثن، استهل الصبي صاح، ومنه إهلال الحج. {وَالْمُنْخَنِقَةُ} بحبل الصائد وغيره حتى تموت، أو التي توثق فيقتلها خناقها. {وَالْمَوْقُوذَةُ} المضروبة بالخشب حتى تموت. وقذه وقذاً: ضربه حتى أشفى على الهلاك. {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} من رأس جبل أو بئر. {وَالنَّطِيحَةُ} التي تنطحها أخرى فتموت. {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} من المنخنقة، وما بعدها عند الجمهور أو مما أكل السبع خاصة، والأكيلة التي تحلها الذكاة هي التي فيها حياة قوية لا كحركة المذبوح، أو يكون لها عين تطرف وذنب يتحرك. {تَسْتَقْسِمُواْ} تطلبوا علم ما قسم لكم من رزق أو حاجة. {بِالأَزْلامِ} قداح مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والآخر غُفل، كانوا إذا أرادوا أمراً ضربوا بها، فإن خرج أمرني ربي فعلوه، وإن خرج نهاني تركوه، وإن خرج الغفل أعادوه، سمي ذلك استقساماً لطلبهم على ما قسم لهم، أخذ من قسم اليمين لأنهم التزموا بالقداح ما يلتزمونه باليمين. {ذَلِكُمْ} الذي نهيتم عنه فسق وخروج عن الطاعة. {يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} من دينكم أن ترتدوا عنه، أو أن يبطلوه أو يقدحوا في صحته، وكان ذلك يوم عرفة في حجة الوداع بعد دخول العرب في الإسلام حين لم يرَ الرسول صلى الله عليه وسلم مشركاً {فَلا تَخْشَوْهُمْ} أن يظهروا عليكم واخشوا مخالفتي. {الْيَوْمَ اكْمَلْتُ} يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يعش بعد ذلك إلا إحدى وثمانين ليلة، أو زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كله إلى أن نزل ذلك يوم عرفة. وإكماله بإكمال فرائضه، وحلاله وحرامه فلم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها شيء من الفرائض من تحليل ولا تحريم، أو بإكمال الحج فلا يحج معكم مشرك. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} بإكمال الدين {وَرَضِيتُ لَكُمُ} الاستسلام لأمري {دِيناً} أي طاعة. {فَمَنِ اضْطُرَّ} أصابه ضر من الجوع. {مَخْمَصَةٍ} مفعلة كمبخلة ومجبنة ومجهلة ومحزنة، من الخمص وهو اضطمار البطن من الجوع {مُتَجَانِفٍ} متعمد أو مائل. جنف القوم مالوا، وكل أعوج فهو أجنف. نزلت هذه السورة والرسول صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة، أو في مسير له من حجة الوداع، أو يوم الاثنين بالمدينة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} بيَّن الله تعالى في أول السورة ما أحل لنا من بهيمة الأنعام بقوله أحلت لكم بهيمة الأنعام ثم إنه تعالى استثنى من ذلك بقوله: إلا ما يتلى عليكم. فذكر ذلك المستثنى بقوله حرمت عليكم الميتة فكل ما فارقته الروح مما يذبح بغير ذكاة فهو ميتة. وسبب تحريم الميتة، أن الدم لطيف جداً، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس ذلك الدم وبقي في العروق فيفسد ويحصل منه ضرر عظيم والدم هو المسفوح الجاري، وكانت العرب في الجاهلية تجعل الدم في المصارين وتشويه وتأكله، فحرم الله ذلك كله. ولحم الخنزير، أراد به جميع أجزائه وأعضائه. وإنما خص اللحم بالذكر، لأنه المقصود بالأكل وقد تقدم في سورة البقرة أحكام هذه الثلاثة أشياء وما استثنى الشارع من الميتة والدم وهو السمك والجراد والكبد والطحال وذكرنا الدليل على إباحة ذلك واختلاف العلماء في ذلك. وقوله تعالى: {وما أهلَّ لغير الله به} يعني ما ذكر على ذبحه غير اسم الله وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يذكرون أسماء أصنامهم عند الذبح فحرم الله ذلك بهذه الآية وبقوله: ولا تأكلوا مما لا يذكر اسم الله عليه {والمنخنقة}. قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها فحرم الله ذلك. والمنخنقة: جنس الميتة لأنها لما ماتت لم يسل دمها. والفرق بينهما، أن الميتة تموت بلا سبب أحد، والمنخنقة تموت بسبب الخنق. {والموقوذة}: يعني المقتولة بالخشب. وكانت العرب في الجاهلية يضربون الشاة بالعصا حتى تموت ويأكلونها فحرَّم الله ذلك {والمتردية} يعني التي تتردى من مكان عالٍ فتموت أو في بئر فتموت. والتردي: هو السقوط من سطح أو من جبل ونحوه وهذه المتردية تلحق بالميتة فيحرم أكلها ويدخل في هذا الحكم إذا رمى بسهمه صيداً فتردى ذلك الصيد من جبل ونحوه أو من مكان عال فمات فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم هل مات بالتردي أو بالسهم {والنطيحة} يعني التي تنطحها شاة أخرى حتى تموت وكانت العرب في الجاهلية تأكل ذلك، فحرمها الله تعالى لأنها في حكم الميتة. فأما الهاء في الكلمات التي تقدمت أعني المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإنما دخلت عليها، لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة. كأنه قال: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية. وخصت الشاة، لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام إنما يخرج على الأعم الأغلب ثم يلحق به غيره. فإن قلت: لمَ أثبتت الهاء في النطيحة مع أنها في الأصل منطوحة فعدلوا بها إلى النطيحة وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة تقول: كف خضيب وعين كحيل يعني كف مخضوبة وعين مكحولة. قلت: إنما تحذف الهاء من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف تقول: رأيت قبيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أم امرأة. فعلى هذا، إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لموصوف غير مذكور وهو الشاة. وقال ابن السكيت: قد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها تخرج مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع ومررت بقبيلة بني فلان. وقوله تعالى: {وما أكل السبع} قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي منه، فحرمه الله تعالى. والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس بنابه كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحوه وفي الآية محذوف تقديره وما أكل السبع منه لأن ما أكله السبع فقد فقد فلا حكم له، إنما الحكم للباقي منه. {إلا ما ذكيتم} يعني إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه حياة مستقرة من هذه الأشياء المذكورة والظاهر أن هذا الاستثناء يرجع إلى جميع المحرمات المذكورة في الآية من قوله تعالى: والمنخنقة، إلى، وما أكل السبع. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة. قال ابن عباس: يقول الله تعالى ما أدركتم من هذا كله وفيه روح فاذبحوه فهو حلال. وقال الكلبي: هذا الاستثناء مما أكل السبع خاصة. والقول هو الأول وأما كيفية إدراكها، فقال أكثر أهل العلم من المفسرين: إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب يتحرك فأكله جائز. قال ابن عباس: إذا طرفت بعينها أو ركضت برجلها أو تحركت فاذبح فهو حلال. وذهب بعض أهل العلم إلى أن السبع إذا جرح فأخرج الحشوة أو قطع لجوف قطعاً تيأس معه الحياة فلا ذكاة لأن ذلك وإن كان به حركة ورمق إلا أنه قد صار إلى حالة لا يؤثر في حياته الذبح وهو مذهب مالك واختاره الزجاج وابن الأنباري، لأن معنى التذكية أن يلحقها وفيها بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك وإلا فهو كالميتة. وأصل الذكاة في اللغة تمام الشيء، فالمراد من التذكية، تمام قطع الأوداج وإنهار الدم ويدل عليه ما روي عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وأقل الذبح في الحيوان المقدور عليه قطع المريء والحلقوم وأكمله قطع الودجين مع ذلك والحلقوم بعد الفم، وهو موضع النفس والمريء مجرى الطعام والودجان عرقان يقطعان عند الذبح وأما آلة الذبح فكل ما أنهرا الدم وفرى الأوداج من حديد وغيره إلا السن والظفر لما تقدم من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قوله تعالى: {وما ذبح على النصب} يعني وحرم ما ذبح على النصب. والنصب يحتمل أن يكون جمعاً واحده نصاب وأن يكون واحداً وجمعه أنصاب وهو الشيء المنصوب. قيل: كان حول الكعبة ثلثمائة وستون حجراً منصوبة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها وليست هذه الحجارة بأصنام إنما الأصنام الصور المنقوشة. وقال ابن عباس: هي الأصنام المنصوبة. والمعنى: وما ذبح على اسم النصب أو لأجل النصب فهو حرام {وإن تستقسموا بالأزلام} يعني وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام وهو طلب القسم والحكم من الأزلام وهي القداح وكانت أزلامهم سبع قداح مستوية مكتوب على واحد منها أمرني ربي وعلى واحد نهاني وعلى واحد منكم وعلى واحد من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى واحد العقل وعلى واحد غفل أي ليس عليه شيء. وكانت العرب في الجاهلية، إذا أرادوا سفراً أو تجارة أو نكاحاً أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظام جاؤوا إلى هبل وكانت أعظم صنم لقريش، بمكة وجاؤوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم. فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر وإن خرج نهائي ربي ولم يفعلوه وإن أجالوا على نسب فإن خرج منكم كان وسطاً فيهم وإن خرج من غيركم كان حلفاً فيهم وإن خرج ملصق كان على حاله وإن اختلفوا في العقل وهو الدية فمن خرج عليه قدح العقل تحمله وإن خرج الغفل أجابوا ثانياً حتى يخرج المكتوب عليه فنهاهم الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقاً. وقيل: الأزلام كعاب فارس والروم التي كانوا يقامرون بها. وقيل: كانت الأزلام للعرب. والكعاب للعجم وهي: النرد وكلها حرام لا يجوز اللعب بشيء منها. عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : العيافة والطيرة والطرق من الجبت" تفسير : أخرجه أبو داود وقال: الطرق الزجر والعيافة الخط. وقيل العيافة زجر الطير والطرق الضرب بالحصى والجبت كل ما عبد من دون الله عز وجل. وقيل: الجبت الكاهن. وروى البغوي بسند الثعلبي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من تكهن أو استقسم بالأزلام أو تطيَّر طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى يوم القيامة" تفسير : وقوله تعالى: {ذلكم فسق} يعني ما ذكر من هذه المحرمات في هذه الآية لأن المعنى حرم عليكم تناول كذا وكذا فإنه فسق والفسق ما يخرج من الحلال إلى الحرام وقيل إن الإشارة عائدة على الاستقسام بالأزلام والأول أصح {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} يعني يئسوا أن ترجعوا عن دينكم إلى دينهم كفاراً، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في أن يعود المسلمون إلى دينهم، فلما قوي الإسلام، أيسوا من ذلك وذلك هو اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام حجة الوداع فعند ذلك يئس الكفار من بطلان دين الإسلام. وقيل: إن ذلك هو يوم عرفة فنزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. وقيل: لم يرد يوماً بعينه وإنما المعنى الآن يئس الذين كفروا من دينكم فهو كما تقول: اليوم قد كبرت. تريد: الآن قد كبرت. وتقول: فلان كان يزورنا وهو اليوم يجفونا ولم ترد يوماً بعينه. يعني: وهو الآن يجفونا ولم تقصد به اليوم قال الشاعر: شعر : فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نُسرّ تفسير : أراد فزمان علينا وزمان لنا ولم يقصد اليوم واحد معين {فلا تخشوهم} فلا تخافوا الكفار أيها المؤمنون الذين آمنوا أن يظهروا على دينكم فقد زال الخوف عنك بإظهار دينكم {واخشونِ} أي وخافوا مخالفة أمري وأخلصوا الخشية لي. قوله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم} نزلت هذه الآية في يوم الجمعة بعد العصر في يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق وبركت لثقل الوحي وذلك في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة (ق). عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال: فأي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم الجمعة أشار عمر إلى ذلك اليوم يوم عيد لنا. وعن ابن عباس أنه قرأ {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} وعنده يهودي فقال: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذناها عيداً فقال ابن عباس: "فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم جمعة ويوم عرفة" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصارى، وعيد للمجوس.ولم تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده. وروي أنه لما نزلت هذه الآية، بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يبكيك يا عمر؟ فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا. فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص قال: صدقت" تفسير : فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً ومات صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل: لاثنتي عشر ليلة وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة. وأما تفسير الآية فقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} يعني بالفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام ولم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض هذا معنى قول ابن عباس. وقال سعيد بن جبير وقتادة: معنى أكملت لكم دينكم، أي حيث لم يحج معكم مشرك وخلا الموسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين. وقيل: معناه أني أظهرت دينكم على الأديان وأمنتكم من عدوكم بأن كفيتكم ما كنتم تخافونه. وقيل: إكمال الدين لهذه الأمة أنه لا يزول ولا يُنسخ وإن شريعتهم باقية إلى يوم القيامة. وقيل: إكمال الدين لهذه الأمة أنهم آمنوا بكل نبي وكل كتاب ولم يكن هذا لغير هذه الأمة. وقال ابن الأنباري: اليوم أكملت شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت وذلك أن الله تعالى كان يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر فيكون الوقت الأول تاماً في وقته، وكذلك الوقت الثاني تاماً في وقته فهو كما يقول القائل: عندي عشرة كاملة. ومعلوم أن العشرين أكمل منها والشرائع التي تعبد الله عز وجل بها عباده في الأوقات المختلفة مختلفة وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها فكمل الله عز وجل الشرائع في اليوم الذي ذكره وهو يوم عرفة ولم يوجب ذلك أن الدين كان ناقصاً في وقت من الأوقات ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن القفال واختاره أن الدين ما كان ناقصاً ألبتة بل كان أبداً كاملاً كانت الشرائع النازلة من عند الله كافية في ذلك الوقت إلا أنه تعالى كان عالماً في أول وقت البعثة بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد لا يصلح فيه لا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيل بعد التحتم. وأما في آخر زمان البعثة، فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، فالشرع أبداً كان كاملاً إلا أن الأول كمال إلى يوم مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة، فلأجل هذا المعنى قال: اليوم أكملت لكم دينكم. ثم قال تعالى:{وأتممت عليكم نعمتي} يعني بإكمال الدين والشريعة، لأنه لا نعمة أتم من الإسلام. وقال ابن عباس: حكم لها بدخول الجنة. وقيل: معناه أنه تعالى أنجز لهم ما وعدهم في قوله ولأتم نعمتي عليكم فكان من تمام النعمة أن دخلوا مكة آمنين وحجّوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين {ورضيت لكم الإسلام دينا} يعني واخترت لكم الإسلام ديناً من بين الأديان وقيل: معناه ورضيت لكم الإسلام لأمري والانقياد لطاعتي فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم وإنما قال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} يوم نزلت هذه الآية وإن كان الله تعالى لم يزل راضياً بدين الإسلام فيما مضى قبل نزول هذه الآية لأنه لم يزل يصرف نبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين من حال إلى حال وينقلهم من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها حتى أكمل لهم شرائع الدين ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ثم أنزل عليهم هذه الآية: ورضيت لكم الإسلام دينا، يعني بالصفة التي هو اليوم بها وهي نهاية الكمال وأنتم الآن عليه فالزموه ولا تفارقوه. روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال جبريل قال الله عز وجل: "حديث : هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه" تفسير : وروى الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يمثل لكل أهل دين دينهم يوم القيامة فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخبر حتى يجيء الإسلام فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام فيقول إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزى. وقوله تعالى:{فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ومتصلة بها، والمعنى: أن المحرمات وإن كانت محرمة، إلا أنها قد تحل في حالة الاضطرار إليها. ومن قوله تعالى: ذلكم فسق، إلى هنا اعتراض وقع بين الكلامين والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره من معنى التحريم، لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام الذي هو المرضي عند الله. ومعنى الآية: فمن اضطر أي أُجْهِدَ وأصيب بالضر الذي لا يمكنه معه الامتناع من أكل الميتة. وهو قوله تعالى: في مخمصة، يعني في مجاعة. والمخمصة: خلو البطن من الغذاء عند الجوع. غير متجانف لإثم: يعني غير مائل إلى إثم أو منحرف إليه. والمعنى: فمن اضطر إلى أكل الميتة إو إلى غيرها في المجاعة فليأكل غير متجانف لإثم وهو أن يأكل فوق الشبع. وقول فقهاء العراق. وقيل: معناه غير متعرض لمعصية في مقصد وهو قول فقهاء الحجاز {فإن الله غفور رحيم} يعني لمن أكل من الميتة في حال الجوع والاضطرار.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...} الآية: تعديدٌ لما يُتْلَىٰ على الأمَّة ممَّا استثنَي من بهيمة الأَنْعَامِ، {وَٱلدَّمُ}: معناه: المَسْفُوح، {وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ}: مقتضٍ لشَحْمِهِ؛ بإجماع، {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}: قد تقدَّم، {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ}: معناه: التي تَمُوتُ خَنْقاً، {وَٱلْمَوْقُوذَةُ}: التي تُرْمَىٰ أو تُضْرَبُ بِعَصاً، وشبهها، {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ}: هي التي تَتَرَدَّىٰ مِنْ عُلْوٍ إلَىٰ سُفْلٍ، فتموتُ، {وَٱلنَّطِيحَةُ}: فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ}: يريد كُلَّ ما افترسَهُ ذو نَابٍ، وأظْفَارٍ من الحَيَوان، وكانَتِ العربُ تأكل هذه المذْكُورات، ولم تَعْتَقِدْ ميتةً إلا ما مَاتَ بالوَجَعِ ونحو ذلك. واختلف العلماءُ في قوله تعالَىٰ: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، فقال ابنُ عباس، وجمهورُ العلماء: الاستثناءُ من هذه المذْكُوراتِ، فما أُدْرِكَ مِنْهَا يَطْرِفُ بِعَيْنٍ أو يُحَرِّكُ ذَنَباً، وبالجُمْلة: ما يتحقَّق أنه لم تَفِضْ نفسه، بل له حياةٌ، فإنه يُذَكَّىٰ علَىٰ سُنَّة الذَّكَاة، ويُؤْكَلُ، وما فَاضَتْ نفسه، فهو الميتَةُ، وقال مالكٌ مرَّةً بهذا القَوْلِ، وقال أيضاً، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه مِنْ أهْل المدينة: إنَّ قوله تعالَىٰ: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}: معناه: مِنْ هذه المذْكُورات في وَقْتٍ تَصِحُّ فيه ذَكاتُها، وهو ما لم تنفذ مقاتِلها، ويتحقَّق أنها لا تَعِيشُ، ومتَىٰ صارَتْ في هذا الحَدِّ، فهي في حُكْمِ المَيْتَة، فالاستثناءُ عند مالك مُتَّصِلٌ؛ كقول الجمهور، لكنه يُخَالِفُ في الحَالِ التي يَصِحُّ فيها ذَكاةُ هذه المذكورات وٱحْتُجَّ لمالِكٍ؛ بأنَّ هذه المذكوراتِ لو كَانَتْ لا تحرم إلاَّ بموتها، لكان ذكْرُ المَيْتَة أولاً يُغْنِي عنها، ومِنْ حُجَّة المخالِفِ أنْ قَالَ: إنما ذُكِرَتْ بسبب أنَّ العرب كانَتْ تعتقدُ أنَّ هذه الحوادِثَ كالذَّكَاة، فلو لم يُذْكَرْ لها غَيْرُ الميتةِ، لظَنَّتْ أنها ميتةُ الوَجَعِ؛ حَسْبما كانَتْ عليه، والذَّكَاةُ في كلام العرب: الذَّبْح. وقوله سبحانه: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}: عطفٌ على المحرَّمات المذْكُورة، والنُّصُب: حجارةٌ تُنْصَبُ، يذبحون علَيْها، قال ابنُ جُرَيْجٍ: وليسَتِ النُّصُب بأصنامٍ؛ فإن الصَّنَمُ يُصوَّر ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ، وكَانَتِ العربُ تَعْبُدُها، قال ابنُ زَيْدٍ: مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: شيْءٌ واحدٌ. قال * ع *: ما ذُبِحَ على النصبِ جُزْءٌ مِمَّا أهِلَّ به لغير اللَّه، لكنْ خُصَّ بالذِّكْر بعد جنْسِهِ؛ لشهرة أمْرِه. وقوله سبحانه: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ}: حرَّم سبحانه طَلَبَ القِسْمِ، وهو النَّصِيبِ، أوِ القَسْمِ بفتح القاف، وهو المصدَرُ؛ بالأزلامِ، وهي سهَامٌ، قال صاحبُ «سلاح المؤمن»: والاستقسامُ: هُوَ الضَّرْب بها؛ لإخراجِ مَا قُسِمَ لهم، وتَمْيِيزِهِ بزَعْمهم. انتهى، وأزْلاَمُ العَرَبِ علَىٰ أنواعٍ؛ منْها الثلاثةُ الَّتي كان يتَّخِذُها كلُّ إنسانٍ لنفسه علَىٰ أحدها «ٱفْعَلْ»، وعلى الآخر «لاَ تَفْعَلْ»، وثالثٌ مهملٌ؛ لا شيْءَ عليه، فيجعلها في خريطَةٍ معه، فإذا أراد فِعْلَ شيءٍ أدخَلَ يده، وهي متشابهَةٌ فأخْرَجَ أحدها، وَأْتَمَرَ له، وانتهَىٰ بحسب ما يَخْرُجُ له، وإنْ خرج القِدْحُ الذي لا شَيْءَ فيه، أعاد الضَّرْبَ. وقوله سبحانه: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ}: إشارةٌ إلى الاِستقسامِ بالأزلام. وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ}: معناه؛ عند ابن عباس وغيره: مِنْ أنّ تَرْجِعُوا إلى دينهم، وظاهرُ أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمْرِ أصحابِهِ، وظهور الدِّين يقتضي أنَّ يَأْسَ الكُفَّارِ عنِ الرجوعِ إلَىٰ دينهم قد كَانَ وَقَعَ مُنْذُ زمانٍ، وإنما هذا اليأسُ عندي من ٱضمحلالِ أَمْرِ الإسلام، وفَسَادِ جمعه؛ لأن هذا أمْرٌ كان يترجَّاه مَنْ بَقِيَ من الكفَّار؛ ألا ترَىٰ إلى قول أخِي صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ في يَوْمِ هَوَازِنَ حتى ٱنْكَشَفَ المُسْلمون، وظنَّها هزيمةً: «أَلاَ بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ»، إلَىٰ غير هذا مِنَ الأَمثلَة، وهذِهِ الآيةُ في قول الجمهورِ؛ عُمَرَ بْنِ الخطابِ وغيره: نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ، وفي ذلك اليَوْمِ ٱمَّحَىٰ أمْرُ الشِّرْكِ مِنْ مَشَاعِرِ الحَجِّ، ولم يحضُرْ من المشركين المَوْسِمَ بَشَرٌ، فيحتملُ قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ}: أنْ تكون إشارةً إلى اليومِ بعينه، ويحتملُ أنْ تكون إشارةً إلى الزَّمَنِ والوَقْت، أيْ: هذا الأوانُ يَئِسَ الكفَّار من دينكم. وقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: يعمُّ سائر الكفَّار من العرب وغيرهم؛ وهذا يقوِّي أنَّ اليأْس إنما هو مِنَ ٱنحلالِ أمْرِ الإسلام، وأمر سبحانه بخَشْيَته الَّتي هِيَ رأْسُ كُلِّ عبادةٍ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَمِفْتَاحُ كُلِّ خيرٍ»تفسير : . وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}: تحتملُ الإشارةَ بـ «اليَوْم» ما قد ذكرناه، حَكَى الطبريُّ؛ أنَّ النبيَّ ـــ عليه السلام ـــ لَمْ يَعِشْ بعد نزول هذه الآية إلاَّ إحْدَىٰ وثمانِين ليلةً، والظاهر أنه عاشَ صلى الله عليه وسلم أكثر بأيامٍ يسيرةٍ، قُلْتُ: وفي سماعِ ابنِ القاسِمِ، قال مالك: بلَغَنِي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ في اليومِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَقَفَ علَىٰ بابه، فقال: «حديث : إنِّي لاَ أُحِلُّ إلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ في كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، ٱعْمَلاَ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ؛ فَإنِّي لاَ أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً»تفسير : ، قال ابن رُشْدٍ: هذا حديثٌ يدلُّ علَىٰ صحَّته قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:38]، وقال تعالى: {أية : تِبْيَاناً لّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل:89]، فالمعنى في ذلك: أنَّ اللَّه عز وجل نَصَّ علَىٰ بعض الأحكامِ، وأجْمَلَ القَوْلَ في بعضها، وأحَالَ علَى الأدلَّة في سائِرِها بقوله: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء:83] فبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما أجمله اللَّه في كتابه؛ كما أمره؛ حيثُ يقول: {أية : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل:44] فما أحلَّ صلى الله عليه وسلم، أو حرَّم، ولم يوجَدْ في القُرآن نَصًّا، فهو مما بيَّن مِنْ مُجْمَلِ القُرآن، أو علمه بما نُصِبَ من الأدلَّة فيه، فهذا معنى الحَدِيثِ، واللَّه أعلم، فما يَنْطِقُ صلى الله عليه وسلم عَنِ الهوَىٰ؛ إنْ هو إلاَّ وحْيٌ يوحَى. انتهى من «البيان والتحصيل». وفي «الصحيح»؛ «أنَّ عمرَ ابْنَ الخطَّابِ، قال لَهُ يَهُودِيٌّ: آيَةٌ في كتابِكُمْ تقرأونَهَا، لو علَيْنا نزلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيداً، فقال له عُمَرُ: أيُّ آيَة هِيَ؟ فَقَالَ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فقالَ له عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ؛ نَزَلَتْ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ». قال * ع *: فَفِي ذلك اليَوْم عِيدَانِ للإسلامِ، إلَىٰ يومِ القِيامةِ، وإتمامُ النعمة هو في ظُهُور الإسلام، ونُورِ العقائدِ، وكمالِ الدِّينِ، وسعةِ الأحوالِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا ٱشتملَتْ عليه هذه المِلَّةُ الحنيفيَّة إلَىٰ دخولِ الجَنَّة، والخلودِ في رَحْمَةِ اللَّه سبحانه، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ هذه النعمة. وقوله سبحانه: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً}: يحتملُ الرِضَا في هذا الموضعِ؛ أنْ يكون بمعنى الإرادةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ صفةَ فِعْلٍ عبارةً عَنْ إظهارِ اللَّهِ إياه؛ لأنَّ الرضَا من الصفاتِ المتردِّدة بَيْنَ صفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعال، واللَّه تعالَىٰ قد أراد لنا الإسلامَ، وَرَضِيَهُ لنا، وَثَمَّ أشياء يريدُ اللَّه وقوعها ولا يَرْضَاها. وقوله سبحانه: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ}، يعني: مَنْ دَعَتْهُ ضرورةٌ إلَىٰ أكْل المَيْتَة، وسائر تلْكَ المُحرَّمات، وسُئِلَ صلى الله عليه وسلم، مَتَىٰ تَحِلُّ الميتَةُ للنَّاسِ؟ فَقَالَ: «حديث : إذَا لَمْ يَصْطَبِحُوا، وَلَمْ يَغْتَبِقُوا، وَلَمْ يَحْتَفِئُوا بَقْلاً»تفسير : . والمخمَصَةُ: المجاعَةُ التي تخمص فيها البُطُونُ، أي: تَضْمُرُ. وقوله سبحانه: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} هو بمعنى: {أية : غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} تفسير : [البقرة:173] وقد تقدَّم تفسيره. قال * ص *: متجانف: أي: مائلٌ منحرفٌ.انتهى، وقد تقدَّم في «البقرة».

ابن عادل

تفسير : وقوله عز وجلا: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} الآية. وهذا هو المُسْتَثْنَى مِنَ الإبَاحَةِ في قوله: {أية : إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المائدة: 1] وهو أحَدَ عَشَرَ نَوْعاً، وقد تقدم إعرابُ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} وأصْلُهَا. واعلمْ أنَّ تحريمَ الميتةِ موافقٌ للمعقولِ؛ لأنَّ الدمَ جوهرٌ لَطِيفٌ جِداً فإذا ماتَ الحيوانُ حَتْفَ أنْفِهِ احْتَبَسَ الدمُ في عُرُوقِهِ وتعفَّن وفَسَدَ؛ وحصل من أكْلِهِ مَضَرَّةٌ. وأمَّا الدمُ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: كانوا يَمْلَؤُونَ المِعَى مِنَ الدَّمِ وَيَشْوونَهُ ويُطْعمُونَه للضيفِ، فحرّم الله ذلك عليهم. وأما الخنزيرُ فقال العلماءُ: الغذاءُ يصيرُ جُزْءاً من جوهرِ المتغذِّي ولا بُدَّ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُتغذِّي أخلاقٌ وصفاتٌ مِنْ جِنْسِ ما كان حَاصِلاً في الغذاء، والخنزيرُ مَطْبوعٌ على حِرْصٍ عَظيمٍ ورغبة شديدةٍ في المُشْتهياتِ، فحرَّمَ اللَّهُ أكلهُ على الإنسانِ لِئلاَّ يَتَكيّفَ بِتلْكَ الكيفيّةِ؛ وذلك لأنَّ الفرنج لما وَاظَبُوا على أكْلِ لَحْمِ الخنزيرِ أوْرَثَهُمُ الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المُشْتهياتِ، وأورثهم عدم الغيرةِ، [فإنّ الخِنْزِيرَ يَرَى الذّكرَ من الخنزيرِ يَنْزُو على الأنْثَى التي لَهُ لا يتعرض إليه؛ لعدم الغَيْرةِ، وقد] تقدمَ الكلام على الخنزيرِ واشتقاقِهِ في سورة البقرة. وأمَّا الشاةُ فإنها حيوانٌ في غَايَةِ السَّلاَمَةِ، وكأنَّها ذَاتُ عَارِيَةٍ عَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ، فلذلك لا يَحْصُلُ للإنسانِ بِسَبَبِ أكْلِها كَيْفِيَّةٌ أجْنَبِيَّةٌ عن أحوالِ الإنسانِ. وأمَّا ما {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}، والإهلالُ رَفْع الصوتِ، ومنه يقالُ: فلانٌ أهَلَّ بالحجِّ إذَا لَبَّى، ومِنْهُ استهلالُ الصَّبِي وهو صراخُهُ إذا وُلِد، وكانوا يقولُونَ عند الذَّبْح باسم اللاَّتِ والعُزَّى، فحرم الله ذلك، وقدِّمَ هنا لَفْظُ الجلالةِ في قوله: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} وأخِّرتْ في البقرة [آية 173]؛ لأنَّها هناك فاصلةٌ، أو تُشْبِهُ الفاصِلَةَ بخلاف هاهنا، فإنَّ بَعْدَها مَعْطُوفاتٍ. والمنخنِقَةُ وهي التي تموتُ خَنْقاً، وهو حَبْسُ النَّفَسِ سَواءٌ فعل بها ذلك [آدمِيٌّ أو] اتفق لها ذلك في حَبْلٍ أوْ بين عُودَيْنِ أو نحوه. وذكر قتادةُ أنَّ أهل الجاهليةِ كانوا يَخْنُقُونَ الشاةَ وغيرَها، فإذا ماتَتْ أكَلُوها، وذكر نحوه ابنُ عباسٍ. والمَوْقُوذَةُ: وهي التي وُقذَتْ أي: ضُربَتْ حتى ماتت من وَقَذَه أيْ ضَرَبَهُ حتى اسْتَرْخَى، ومنه وَقَذَهُ النُّعَاسُ أيْ: غلبه ووقذه الحُلُم: أيْ: سكنه وكأنَّ المادة دالَّةٌ على سُكُونٍ واسْتِرخاءٍ، ويدل في الموقوذةِ ما رُمِيَ بالبندقِ فماتَ، وهي - أيضاً - في مَعْنى الميتةِ وفي معنى المنخنقةِ، فإنها ماتَتْ ولم يَسِلْ دَمُهَا. والمتردِّيَةُ: من تَرَدَّى، أي: سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ فَهَلَكَ، ويُقالُ: ما يُدْرَى أين "ردَى"؟ أيْ: ذَهَبَ، ورَدَى وتَرَدَّى بمعنى هَلكَ. قال تعالى: {أية : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} تفسير : [الليل: 11]، والمتردِّي أنْوَاعٌ: فالمترديةُ هي التي تسقطُ مِنْ جَبَلٍ أو مَوْضِعٍ مُشْرِفٍ أو في بِئْر فتموت، فهذه مَيْتَةٌ، لأنَّها ماتَتْ وما سَال منها الدمُ، ويدخل فيه إذا أصابه سَهْمٌ وهو في الجبل فَسَقَطَ على الأرض؛ فإنه يُحَرَّمُ أكْلُه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ ماتَ بالتَّرَدِّي أوْ بالسَّهْم. ودخلتِ الهاءُ في هذه الكلمةِ؛ لأنّ المنخنقةَ هي الشاةُ المنخنقةُ، كأنه قِيلَ: حُرِّمَتْ عليكم الشاةُ المنخنقةُ والموْقوذَةُ والمترديةُ، وخَصَّ الشاة؛ لأنَّها من أعَمِّ [ما يَأكُلُ] الناسُ، والكلامُ يُخَرَّجُ على الأعَمِّ الأغْلَبِ، ويكُونُ المرادُ هو الكُلَّ. و"النَّطِيحَةُ" "فَعيلَة" بمعنى "مَفْعُولة"، وكان مِنْ حَقِّها ألاَّ تَدْخُلَها تاءُ التأنيثِ كقَتِيل وجَريح، إلاَّ أنَّها جَرَتْ مَجْرَى الأسماءِ، أوْ لأنَّها لم يُذْكَرْ مَوصُوفُها؛ لأنك إنْ لَمْ تُدْخِل الهاءَ لَمْ يُعرَفْ أرَجُلٌ هُوَ أمِ امْرَأةٌ، ومثلُهُ: الذَّبِيحَةُ والنَّسيكَةُ. كذا قاله أبُو البَقاءِ، وفيه نظر؛ لأنَّهُم [إنَّما] يلحقون التاءَ إذا لم يذكر الموصوفُ لأجل اللَّبْسِ، نَحْوَ: مررت بِقَتيلةِ بَنِي فُلانٍ، لئلا يلتبس بالمؤنثِ وهنا اللَّبْسُ مُنْتفٍ، وأيضاً فحكم الذكرِ والأنْثَى في هذا سَوَاءٌ. والنَّطِيحَةُ هي التي تَنْطَحُها الأخْرَى فتموت، وهذه - أيضاً - لأنها ماتت من غير سَيَلانِ الدَّم. قوله تعالى: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} "مَا" الأولى بمعنى "الَّذِي"، وعائِدُهُ محذُوفٌ، أيْ: وما أكلَهُ السّبُعُ، ومحلُّ هذا الموصولِ الرفعُ عَطْفاً على مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه، وهذا غيرُ ماشٍ على ظاهره؛ لأنَّ ما أكله السبعُ وفرغ منه لا يُذَكَّى، فلا بُدَّ من حذف. ولذلك قال الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أكَلَ بَعْضَهُ السبعُ. وقرأ الحسنُ والفياض وأبو حَيْوة: "السَّبْعُ" بسكون الباءِ، وهو تسكين المضموم، ونقل فتح السين والباء معاً. والسَّبُعُ: كُلُّ ذِي نَابٍ ومخْلب كالأسدِ والنَّمرِ، ويطلقُ على ذِي المِخْلب من الطيور قال: [الخفيف] شعر : 1924- وسبَاعُ الطَّيْر تَغْدُو بِطَاناً [تَتَخَطَّاهُمُ فَمَا تَسْتقلُّ] تفسير : فصل معنى الكلام ما يُريدُ ما بَقِيَ مما أكل السبعُ. قال قتادةُ: كان أهْلُ الجاهلية إذا جَرَحَ السبعُ شَيْئاً فقتله وأكل بعضَه أكلُوا ما بَقِيَ، فحرمه الله. قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه استثناءٌ متصلٌ، والقائلون بهذا اختلَفُوا، فقال عَلِيٌّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ وقتادةُ: هو مُسْتَثْنَى من قوله: "والمُنْخَنِقَة" إلى قوله: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} وعلى هذا إن أدْرَكْتَ ذكَاتَهُ بأنْ وَجَدْتَ عَيْناً تَطْرِفُ، أوْ ذَنَباً يَتَحرَّكُ، أوْ رجلاً تَرْكُضُ فاذْبَحْ فإنَّهُ حلالٌ، فإنَّ هذه الحالَ تدلُ على بقاءِ الحياةِ فيه بتمامها. وقال أبُو البَقاءِ: والاستثناءُ راجعٌ على المتردِّيةِ، والنَّطِيحَةِ وأكيلة السبُع، وليس إخراجُه المُنْخَنِقَة [منه بجَيِّدٍ]. ومنهم من قال: هو مستثنى مما أكل السبعُ خاصَّة. والقولُ الثاني: أنَّه منقطعٌ، أيْ: ولكنْ ما ذَكيْتم مِنْ غيرها فحلالٌ، أو فكُلُوه، كأنَّ هذا القائِلَ رأى أنَّها وَصَلَتْ بهذه الأسبابِ إلى الموتِ، أو إلى حالةٍ قَرِيبةٍ فلم تُفِدْ تَزْكِيتَها عِنْدَه شيئاً. والتَّذْكِيَةُ: الذَّبْحُ، وذَكَتِ النَّارُ: ارتفعتْ، وأصلُ الذَّكاةِ تمامُ الشيء ومنه الذَّكاءُ في الفهمِ، وهو تمامُهُ [والذكاء] في السِّن، وهو النهايةُ في الشباب، ذَكَى الرجُل أيْ: أسَنَّ، قال: [الوافر] شعر : 1925- عَلَى أعْرَاقِهِ تَجْرِي الْمَذَاكِي وَلَيْسَ عَلَى تَقَلُّبِهِ وجُهْدِهْ تفسير : وقيل: الاستثناءُ من التحريم لا مِنَ المحرماتِ، يَعْنِي، حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ما مَضَى إلاَّ مَا ذَكَّيْتُم فإنه لكم حلالٌ، فيكون الاستثناءُ منقطعاً - أيضاً -. وإذا قيل: أصلُ التذكيةِ الإتمامُ، فالمرادُ ههنا إتمامُ فَرْي الأوَداجِ وإنْهارِ الدَّم. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَا أنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ ". تفسير : قال القُرْطُبِيُّ: جمهورُ العلماءِ على أنَّ كلَّ ما أفرى الأوْدَاجَ فأنْهَر الدمَ فهو مِنْ آلاتِ الذَّكاةِ ما خلَى السِّنَّ والظُّفُرَ والعَظْمَ، وعلى هذا تَوَاترتِ الأخبارُ. وقال به فقهاءُ الأمصارِ، والسنُّ والظُّفْرُ المنهيُّ عنهما في التذكية هما غَيْرُ المنزوعَيْنِ؛ لأنَّ ذلك يَصيرُ خَنْقاً، ولذلك قال ابنُ عباسٍ: ذلك الخنقُ. فأمّا المنزُوعانِ إذا فَرَيا الأوْدَاجَ فالذكاةُ جائِزَةٌ بِهِمَا عِنْدَهُمْ. وكره قومٌ السنَّ والظفرَ والعظمَ على كُلِّ حالٍ مَنْزُوعانِ كانا أو غَيْر منزُوعَيْنِ، منهم إبراهيمُ والحسنُ واللّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعي. وأقلُّ الذَّكاةِ في الحيوانِ المقدُورِ عليه قطعُ الحُلْقُومِ والمري، وكمالهُ أن يقطعَ الودجيْنِ معهما، ويجوزُ بكل محدَّدٍ يجرح من حَديدٍ أو قصبٍ أو زجاجٍ أو حجرٍ أو غيره إلاَّ السِّنَّ والظفرَ للحديث المتقدم. وإنَّما يحلُّ ما ذكيته بعدما جرحه السبعُ فأكل منه شيئاً إذا أدْرَكْتَهُ والحياةُ فيه مستقرةٌ فذبحتَهُ، فأمَّا ما يجرحُ السبعُ فيخرجه إلى حالةِ المذبوحِ فهو في حُكمِ الميتَةِ فلا يكونُ حَلاَلاً، والمُترديةُ والنَّطيحةُ إذا أدركتهما حيَّةً، قَبْلَ أنْ تصيدَ إلى حالة المذبُوحِ فذبحتها تكونُ حلالاً، ولو رُمِي صيدٌ في الهواءِ فأصابَهُ فسقَطَ على الأرضِ [وماتَ كانَ حلالاً؛ لأنَّ الوقوعَ على الأرضِ ضرورتُهُ، فإنْ سقَطَ على شجرٍ أو جَبَلٍ فتردَّى منه] فمات فلا يَحِلُّ؛ لأنَّه من المتردية، إلاَّ أنْ يكونَ السهمُ ذَبَحَهُ في الهواءِ فيَحِلّ كيفما وقع؛ لأنَّ الذبحَ قد حصل قبل التردِيَةِ. فصل واختلفُوا [فيمنْ رَفَعَ] [يَدَهُ] قبل تمامِ الذَّكاةِ ثُم رجع [على الفور] وأكْمَلَ الذَّكَاة فقيل: يُجْزِئُهُ، وقيل: لا يُجْزِئه. فالأولُ أصَحُّ؛ لأنَّه جَرَحَهُ ثُم ذَكَّاهُ بعدُ وحياته مُسْتَجْمعةٌ فيه. قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} رَفْعٌ - أيضاً - عطفاً على "الميتةِ". واختلفُوا في النُّصُبِ، فَقِيل: هي حجارةٌ، كانوا يَذْبَحُون عليها، فـ "على" هنا وَاضِحَةُ. وقيل: هي الأصنَامُ؛ لأنَّها تُنْصَبُ لتُعْبَد، فعلى هذا في "على" وَجْهانِ: أحدُهما: أنها بمعنى اللام، أيْ: وما ذُبِحَ لأجْلِ الأصنامِ، كذا ذكره أبُو البقاءِ وفيه نَظَرٌ، وهو كونُه قَدَّرَ المتعلَّق شيئاً خاصاً. والجمهورُ على "النُّصب" بضَمتين، فقيل: هو جمعُ "نِصاب". وقيل: هو مُفْردٌ ويدل له قَوْلُ الأعْشَى: [الطويل] شعر : 1926- وَذَا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَقْربَنَّهُ ولا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ واللَّهَ فاعْبُدَا تفسير : وفيه احتمالٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ بضم النُّونِ وإسْكَانِ الصَّادِ، وهو تخفيفُ القراءة الأولى. وقرأ عيسى بنُ عُمَرَ: "النَّصَب" بِفَتْحتين. قال أبُو البقاء: وهو اسمٌ بمعنى: المنصُوبِ، كالقَبْضِ والنَّقَصِ، بمعنى: المقبُوض والمنقُوصِ. والحسنُ النَّصْب بفتح النون وسكُون الصادِ، وهو مَصْدَرٌ واقعٌ مَوْقِع المفعولِ به، ولا يجوزُ أنْ تكونَ تخفيفاً كقراءة عِيسَى بنِ عُمر؛ لأنَّ الفتحةَ لا تُخَفَّفُ. فصل "النُّصُب" يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ جَمْعاً وأنْ يكونَ واحداً، فإنْ كان جَمْعاً ففي واحدِه وُجُوهٌ: أحدها: أنَّ واحدَهُ نصابٌ ونُصُبٌ، كحِمار وحُمُر. وثانيها: أنَّ وَاحِدَهُ نَصْبٌ فقولُكَ: نَصْبٌ ونُصُب كسَقْفٍ وسُقُف، وهو قولٌ لابْن الأنْبَارِي. وثالثها: أنَّ واحدهُ النَّصْبَةُ. قال اللَّيْثُ: [النَّصْبُ] جمعُ النَّصْبَةِ، وهي علامةٌ تُنْصَبُ للقومِ، وإنْ قُلْنا: النصبُ وَاحِدٌ، فجمعُهُ أنْصَابٌ، مثل عُنُق وأعْنَاق. قال الأزْهَرِيُّ: وقد جعل الأعْشَى النُّصُبَ واحداً، وذكر البيتَ المُتَقَدِّم لَكِنْ رَوَاهُ عَلَى وَجْهٍ آخر، قال: [الطويل] شعر : 1927- وَلاَ النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَعْبُدَنَّهُ لِعَافِيَةٍ واللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا تفسير : فصل قال بَعْضُهمْ: النُّصُبُ الأوْثانُ، واسْتَبْعَدَهُ قَوْمٌ؛ لأنَّ هذا مَعْطُوفٌ على قولِهِ: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} وذلك هو الذَّبْحُ على اسمِ الأوْثانِ، والمعطوفُ يَجِبُ أنْ يكُونَ مُغَايِراً للمعطوفِ عَلَيْهِ. وقال ابنُ زَيْدٍ: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}، {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} هُمَا وَاحِدٌ. وقال مُجاهدٌ وقتادةُ وابن جُرَيح: كانَتْ حولَ البيتِ ثلاثمائة وستُّونَ [حَجَراً مَنْصُوبَة] كان أهلُ الجاهِليّةِ يَعْبُدُونَها وَيُعَظِّمُونها ويَذْبَحُونَ لها وليست هي بأصْنامٍ، إنَّما الأصنامُ هي المصَوَّرةُ المنقوشَةُ، وكانوا يُلَطِّخُونَها بتلك الدماءِ، ويضعُون اللحومَ عليها. فقال المسلمون يا رسول الله: كان أهلُ [الجاهلية] يُعظمون البيتَ بالدَّمِ، فنحنُ أحَقُّ أنْ نُعَظِّمَهُ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكَره ذلك، فأنزل الله تعالى: {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} تفسير : [الحج: 37]. وقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}. [فيه وجهان: أحدهما: وما ذبح على الاعتِقادِ وتَعْظِيم النُّصب]. والثاني: ومَا ذُبِح لِلنُّصبِ، و"اللاَّمُ" و"عَلَى" يتعاقَبَانِ. قال تعالى: {أية : فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 91] [أي: فَسَلامٌ عَلَيْكَ]، وقال: {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] أي فعليها. قولُه سبحانَهُ: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} "أنْ" وما في حَيِّزهَا في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفاً على "الميْتَةِ". والأزْلامُ: القِدَاحُ، واحدُها: زَلْم، وزُلْم بِفَتْح الزَّاي وضَمِّها ذكره الأخْفَشُ. وإنَّما سُمِّيتِ القِدَاحُ بالأزلامِ؛ لأنَّها زُلِمَتْ أي: سُوِّيَتْ، ويقال: رجلٌ مُزْلِمٌ، وأمرأةٌ مُزْلِمَةٌ إذَا كان خَفِيفاً قَلِيلَ العلائِقِ، ويقال: قَدَحٌ مُزْلَمٌ وزَلْم إذا حُرِّرَ وأُجِيدَ قَدُّهُ وَصِفَتُهُ، ومَا أحْسَنَ ما زلم سهمه، أيْ: سَوَّاهُ، ويقالُ لِقَوائمِ البَقَرِ: أزْلاَمٌ شُبِّهَتْ بالقِدَاحِ لِلَطَافَتِهَا. وَفِي الاسْتِقْسامِ بالأزلامِ قولانِ: الأوَّلُ: كان أحدُهُم إذا أراد سَفَراً أو غَزْواً أو تِجَارَةً [أو نِكَاحاً] أو أمْراً آخَرَ ضرب بالقِدَاحِ، وكانوا قد كتبوا على بعضها أمَرَنِي رَبِّي، وعلى بعضها نَهَانِي رَبِّي، وتركوا بَعْضَهَا خَالِياً عن الكِتَابَةِ، فإنْ خرجَ الأمرُ أقدْمَ على العملِ، وإنْ خرجَ النَّهْيُ أمْسَكَ وأعادَ، وإنْ خرج الغَفْل أعاد العملَ مَرَّةً أخْرَى. وذكر البَغَوِيُّ أنَّ أزلامَهم كانت سبعةَ أقْدَاحٍ مُسْتَوِيةً مِنْ شوحط يكونُ عند [سادن] الكعبة، مكتوب على واحدٍ منها: نَعمْ، وعلى واحد: لاَ، وعلى واحدٍ منها: مِنْكم، وعلى واحدٍ مِنْ غَيْرِكم، وعلى واحد: مُلْصَق، وعلى واحد: العَقْل، وواحد غفل ليس عليه شيءٌ، وكانوا إذا أرادُوا أمْراً أو تداوَرُوا في نَسَبٍ أو اختلفوا في تَحَمُّلِ عَقْلٍ جاءوا إلى هُبَل، وهو أعظمُ أصْنامِ قُرَيشٍ، وجاءوا بِمائَةِ دِرْهَمٍ وجَزُورٍ فأعطَوْها صاحبَ القِداح حتى يُجيلَ القومُ ويقولُون: يا إلَهنَا إنَّا أرَدْنَا كذا وكذا، فإنْ خرج نَعَمْ فعلُوا، وإنْ خرج: لا، لمْ يَفْعَلُوا ذلك، ثُم عادُوا إلى القِدَاح ثانيةً، وإذا أجالُوا على نسبٍ، فإنْ خرج منكُم [كان وسيطاً منهم، وإن خرج من غيركم كان حليفاً، وإن خرج مُلْصقٌ كان على منزلته لا] نسب له ولا حِلْفَ، وإذا اختلفُوا في عَقْلٍ فمن خرج عليه قَدَحُ العَقْلِ حَمَلَهُ، وإنْ خَرَجَ الغَفْل أجَالُوا ثانياً حتى يخرج المكتوبُ فنهى اللهُ تعالى عن ذلك وحرَّمهُ. قال القُرطبيُّ: وإنّما قِيل لهذا الفعلِ اسْتِقْسام؛ لأنَّهُمْ كانوا يَسْتَقْسِمُون به [الرِّزْقَ] فِيما يُريدون، كما يُقال: الاستقسامُ في الاستدعاءِ للسقي، ونظيرُ هذا الذي حرَّمه [اللَّهُ] قولُ المنَجِّم: لا يخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل نَجْم كذا. وقال المؤرِّجُ وكثيرٌ مِنْ أهْلِ اللُّغَةِ: الاستقسامُ هاهنا هو المَيْسِرُ والقمارُ، ووجهُ ذِكْرِها مع هذه المطاعِمِ أنَّها كانت تقعُ عند البيتَ مَعَها. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: الأزلامُ حَصًى بيضٌ يَضْرِبُونَ بها، وقال مُجاهِدٌ هي كعابُ فارسٍ والرُّومِ التي يَتَقَامَرُونَ بها. وقال الشَّعْبِيُّ: الأزلامُ للعرب والكعابُ للعَجَمِ. وقال سُفيانُ بنُ وكِيع: هي الشَّطَرَنج، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ تَكَهَّنَ أو اسْتَقْسَمَ أو تَطَيَّرَ طيرةً تردّه عن سَفَرِهِ لَنْ يَلِجَ الدرجاتِ العُلَى مِنَ الجنَّةِ ". تفسير : قوله: "ذَلِكُمْ فِسْقٌ" مُبْتَدأ وخَبَرٌ، واسمُ الإشارَةِ راجعٌ إلى الاستقسام بالأزلامِ خاصّةً، وهو مَرْوِيٌّ عن ابْنِ عبَّاسٍ؛ لأنَّ معناه: حَرَّمَ عليكم تَناوُلَ الميْتَة [وكذا]، فرجع اسمُ الإشارةِ إلى هذا المُقَدَّرِ، فإنْ قيل: لم صار الاستقسامُ بالأزلامِ فِسْقاً والنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يُحِبُّ الفَألَ [الحَسَن]؟ فالجوابُ: قال الواحِدِي: إنَّما حرّم ذلك؛ لأنَّه طلبٌ لمعرفةَ الغَيْبِ، وذلك حرام لِقَوْلِه تعالى: {أية : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} تفسير : [لقمان: 34] وقوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65]، والحديث المتقدم. قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} "اليَوْمَ" ظرف مَنْصُوبٌ بـ "يَئِسَ"، والألفُ واللامُ فيه للْعَهْدِ. قيل: أراد به يَوْمَ "عَرَفَة" وهو يَوْمُ "الجُمُعَةِ" عام حَجَّةِ الوَدَاعِ نزلت هذه الآيةُ فيه بَعْد العَصْرِ. [وقيل: هو يوم] دخوله صلى الله عليه وسلم "مَكَّةَ" سنةَ تِسْعٍ. وقِيل: [سنة] ثَمَانٍ. وقال الزَّجَّاجُ - وتبعه الزَّمَخْشَرِيُّ -: إنَّها لَيْسَتْ للْعَهْدِ، ولم يُرِدْ بـ "اليوم" [يوماً] مُعَيَّناً، وإنَّما أراد به الزمانَ الحاضِرَ وما يُدانيه من الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ كقولك: كُنْتَ بالأمْس شابًّا، وأنْتَ اليومَ أشْيَب، لا تُرِيدُ بالأمسِ الذي قَبْلَ يَوْمِك، و[لا] باليومِ الزَّمَن الحاضِر فَقَطْ، ونحوه "الآن" في قَوْلِ الشَّاعِرِ: [الكامل] شعر : 1928- الآنَ لَمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبَتِي وعَضَضْتُ مِنْ نَابِي عَلَى جذْم تفسير : ومثله أيضاً قوله زهير: [الطويل] شعر : 1929- وأعْلَمُ مَا في اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ وَلكنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غدٍ عَمِ تفسير : لم يُرِدْ بهذه حقائقها. والجمهورُ على "يَئسَ" بالهمزة، وقرأ يَزِيدُ بنُ القَعْقَاع "يَيسَ" بِيَاءيْنِ مِنْ غَيْرِ همزة. ورُوِيَتْ - أيضاً - عَنْ أبِي عَمْرو، ويقال: يَئِسَ يَيْئَسُ ويَئْيِسُ بفتح عَيْنِ المضارعِ وكسرها، فهو شاذّ. ويقال: أيس [أيضاً] مقلوبٌ من "يَئِسَ" فوزنُهُ "عَفِل" ويدلُ على القَلْبِ كَوْنُهُ لم يُعَلَّ، إذ لو لم يقدر ذلك لَلَزِمَ إلغاءُ المقتضى، وهو تَحَرُّكُ حَرْفِ العِلّة، وانفتاحُ ما قبله، لكنَّه لما كان في مَعْنَى ما لم يُعَلَّ صَحَّ. واليَأسُ: انقطاعُ الرَّجاءِ، وهو ضدُّ الطَّمَعِ. "مِن دِينِكُمْ" مُتَعلقٌ بـ "يئس"، ومعناها ابتداءُ الغَايَةِ، وهو على حَذْفِ مُضَاف، أي: منْ إبْطَالِ أمْرِ دِينكم. فصل لَمَّا حَرَّم وحَلَّلَ فِيما تقدم، وخَتَمَ الكلام بقوله: "ذَلِكُمْ فِسْقٌ" ثُمَّ حَرَّضَهُم على التمسُّكِ بما شَرَع لهم، فقال: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} أي: فلا تخافُوا المُشْرِكين في خلافكم لهم في الشَّرائعِ والأدْيَانِ، فإنِّي أنْعَمْتُ عليكم بالدولةِ القاهِرةِ، وصارُوا مَقْهُورِينَ لكم ذَلِيلينَ عندكم، وحصل لهم اليأسُ مِنْ أنْ يَصِيروا قاهِرين لكم مُسْتَوْلِين عليكم، وإذا صار الأمرُ كذلك فيجبُ عليكم أنْ لا تَلْتَفِتُوا إليهم وأنْ تُقْبِلُوا على طاعَةِ اللَّهِ تعالى، والعملِ بشرائعِهِ. وفي قوله: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} قولان: الأولُ: يَئِسُوا مِنْ أنْ يُحَلِّلُوا الخبائِثَ بعد أنْ جعلها الله محرمةً. والثاني: يَئسُوا مِنْ أنْ يَغْلِبُوكم على دينكُم؛ لأنَّ الله تعالى قد وعد بإعلاء هذا الدين على كُلِّ الأديانِ بقوله: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33] فَحَقَّقَ ذلك النَّصْرَ، وأزالَ الخوفَ. واسْتَدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ التقيَّةَ جائِزةٌ عِنْد الخوفِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمرهم بإظهارِ الشَّرائعِ عند زوال الخَوْفِ مِنَ الكفَّارِ، فدلَّ على جوازِ تركِهَا عند الخوف. قوله سبحانه وتعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} في قوله: "الْيَوْمَ" [كالكلام في "اليوم"] قبلَهُ. نزلت هذه الآيةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ بعد العصر فِي حجَّةِ الوداع، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم [وشرف وكرم ومجد وعظم] وَاقِف بِعَرَفات على ناقَتِهِ العَضْبَاءِ فكاد عَضُدُ الناقةِ يَنْقَدُّ من ثِقلها، فَبَرَكَتْ. عن عُمَر بن الخطَّابِ رضي الله عنه أنَّ رَجُلاً من اليهودِ قال له: يا أميرَ المؤمِنينَ آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا مَعْشَرَ يَهُودٍ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذلِكَ اليومَ عِيداً، قال: أيُّ آيةٍ؟ قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} قال عُمَرُ: قَدْ عرفْنَا ذلك اليوم والمكانَ الذي أنْزِلَتْ فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ يوم جمعة. أشار عُمَرُ إلى أن ذلك اليومَ كان لنا عِيداً. قال ابنُ عباسٍ: كان ذلك اليوم خمسةَ أعْيادٍ، جُمْعَةً وعَرفَةَ وعِيدَ اليَهُودِ والنَّصارَى والمَجُوسِ، ولم يَجْتَمِعْ أعيادُ أهْلِ المِلَلِ في يوم قبله ولا بعده. وروى هارونُ بنُ عنترةَ عن أبيه قال: حديث : لما نزلت هذه الآيةُ بَكَى عُمَرُ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ؟" فقال: أبْكانِي أنا كنا في زيادَةٍ مِنْ ديننَا، [فأما إذْ] كمُلَ فإنَّهُ لم يكمل شيءٌ إلا نَقَصَ، قال: "صَدَقْتَ""تفسير : ، فكانت هذه الآيةُ نَعْيَ النبي صلى الله عليه وسلم. وعاش بعدها إحْدَى وثمانِينَ يَوْماً، ومات يَوْم الاثنَيْنِ بعدما زَاغَتِ الشمسُ لليلتين خَلَتَا من شهرِ ربيع الأوَّلِ سَنَة إحْدَى عَشَر مِنَ الْهِجْرَةِ، وقيل: يومَ الاثنين يَوْمَ الثاني عشر مِنْ ربيع الأولِ، وكانت هجرتُه في الثاني عشر مِنه. فقوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يَعْنِي يوم نُزولِ هذه الآيةِ أكملتُ لكُمْ دينكمْ الفَرائِضَ والسُّنَنَ، والحدُودَ والجهادَ، والحلالَ والحرامَ، فلم ينزل بعد هذه الآيةِ حلالٌ ولا حرامٌ ولا شيءٌ من الفرائِضِ، وهذا [معنى] قولِ ابْنِ عباسٍ. ورُوي عنه أنَّ آيةَ الرِّبَا نزلت بعدها، وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْر وقتادةُ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فلم يَحُجَّ معكم مشْرِكٌ، وقيل: أظهرت دينَكُمْ وأمَّنْتكم من العدُوِّ، وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يَقْتَضِي أن الدين كان نَاقِصاً قَبْلَ ذلك، وذلك يُوجِب أنَّ الدينَ الذي كان عليه محمدٌ صلى الله عليه وسلم مُواظِباً عليه أكْثَرَ عُمُرِه كان ناقصاً، وإنما وُجِدَ الدينُ الكامل في آخر عمرِهِ مُدَّةً قليلةً. وأجَابُوا عنه بوجُوهٍ: أحدها: أنَّ المرادَ ما تقدم من إزالةِ الخوفِ عنهم، كما يقولُ الملِكُ إذا اسْتَوْلى على عدوه وقَهَرَهُ قَهْراً كُلِّياً: كَمُلَ ملكُنَا، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ مُلْكَ ذلك المَلِك كان قبل قَهْرِ العدو ناقصاً فينبغي على هذا أن يُقال: إنَّ دينَ محمد صلى الله عليه وسلم كان ناقصاً قبل ذلك اليوم. ثانيها: [أنَّ] المراد أكملتُ لكُم ما تَحْتَاجُون إليه في تكاليفكم من تعاليم الحلالِ والحرامِ، وهذا - أيضاً - ضعيفٌ؛ لأنه لو لم يُبَيّن قبل هذا اليوم ما كانوا مُحْتاجين إليه من الشرائعِ، كان ذلك تأخيراً للبيانِ عن وقت الحاجة، وأنه لا يَجُوزُ. وثالثها: وهو المختارُ ما ذكره القفَّالُ وهو أن الدينَ ما كان ناقصاً ألْبَتَّةَ، بل كان كامِلاً أبداً، وكانت الشرائِعُ النازِلةُ من عند الله تعالى في كل وقت كافية في ذلك إلا أنه تعالى كان عالماً في أوّل وقتِ المبعثِ في أن هذا اليوم ليس بكاملٍ في الغَدِ، ولا مَصْلَحَةَ فيه، فلا جَرَمَ كان يُنْسَخ بعد الثبوت، وكان ينزل بعد العدم، وأما في آخر زمانِ المبْعَثِ فأنزل الله شريعةً كامِلَةً، وحكم ببقائها إلى يوم الدِّين. فالشرعُ أبداً [كَانَ] كامِلاً، إلاَّ أنَّ الأوّلَ كمال إلى زمان مَخْصُوصٍ والثاني: كمالٌ إلى يوم القيامة، فلهذا قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. وأجاب القُرْطبي: يقال: لِمَ قُلتَ إن كل نقص فهو عَيْبٌ، أرَأيْتَ نُقْصانَ الشَّهْرِ عَيْباً؟ ونُقْصان صلاةِ المسافرِ أهُوَ عَيْبٌ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} تفسير : [فاطر: 11] أهو عيب؟ وكذلك نُقصَانُ أيّامِ الحَيْضِ عن المعهود؟ ونقصان أيام الحمل؟ ونقصان المال بسرقَةٍ أو حَرِيقٍ أو غَرَقٍ إذا لم يَفْتقر صاحبه؟ فنقصان الدين في الشرع قَبْلَ أن يلحق الله الأجزاء الباقية في عِلْمِ الله تعالى لَيْسَ بعَيْبٍ، فمعنى قوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يخرج على وجهين: أحدهما: أن المراد بلَّغْتُه أقْصَى الحد الذي كان له عندي فيما قضيتُهُ وقدَّرْتُهُ، وذلك لا يُوجِبُ أنْ يكونَ ما قَبْلَ ذلك ناقصاً عما كان عند الله تعالى لكنه يُوصَفُ بنُقصان مُقَيّد، فيقال: أكمل الله ناقِصاً عما كان عند الله تعالى أنه مُلحِقه به وضامه إليه كالرجل يُبلغه الله تعالى مائةَ سَنَةٍ، فيُقالُ: أكمل الله عُمُرَهُ [فلا يلزم من ذلك أنْ يكون عُمُره] ناقصاً حِين كان ابْن ستِّين سنة نَقْصَ قُصُورٍ وخللٍ، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "حديث : مَنْ عمَّره الله سِتين سَنَةً فقد أعْذَرَ إليه في العُمُر"تفسير : . وقد بلغ الله بالظُّهر والعصر والعشاء أربع ركعات، فلو قيل: أكملها كان الكلامُ صحيحاً، ولا يَلْزَمُ من ذلك أنَّها حينَ كانت ركعتين كانت ناقصةً نَقْصَ قُصُورٍ وخللٍ، ولو قيل: كانت ناقصة عما عند الله أنه ضامَّه إليها وزائده عليها لكان ذلك صحيحاً، فهكذا هذا في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئاً فشيئاً إلى أنْ أنْهى الله الدِّين مُنْتَهَاهُ الذي كان له عنده. الثاني: أنَّ المراد بقوله: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أنَّهُ وفَّقَهُمْ إلى الحجِّ الذي لم يكن بقي عليهم مِنْ أرْكان دينهم غَيْرُه، فحَجُّوا فاستجمع لهم الدِّين أداء لأرْكَانِه، ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ" تفسير : الحديثَ، وقد كانُوا تشَهَّدُوا وصَلُّوا وزكوا وصامُوا وجاهَدُوا واعْتَمرُوا ولم يكونوا حجُّوا، فلما حجُّوا ذلك اليوم أنزل الله تعالى وهم بالموقف هذه الآية. فصل رد شبه الاستدلال بهذه الآية على بطلان القياس استَدلُّوا بهذه الآيةِ على بُطْلان القياسِ، لأنَّ الآيةَ دلت على أنه تعالى قد نَصَّ على الحُكْمِ في جميع الوقائعِ، [إذْ لَوْ بَقِيَ بَعْضُهَا غَيْرَ مُبَيَّنِ الحكم لم يكن الدينُ كامِلاً، وإذا حصلَ النص في جميع الوقائعِ] فالقياسُ إنْ كان [على] وفْقِ النصِّ كان عَبَثاً، وإنْ كان خلافَهُ كان باطِلاً. وأجيبُ بأن المرادَ بإكْمالِ الدينِ أنَّهُ تعالى بيَّن حُكْمَ جَميعِ الوَقَائِعِ بعضها بالنص، وبعضُها بيَّن طريقَ الحكمِ فيها بالقياسِ فإنَّهُ تعالى لما جَعَل الوقائع قِسْمَيْن: أحدهما: التي نَصَّ على أحكامهما. والثاني: أنواعٌ يمكنُ استنباطُ الحكمِ فيها بواسطةِ قياسِها على القسم الأولِ، ثم إنَّه تعالى أمَرَ بالقياسِ، وتعبَّد المُكَلفِين به فكان ذلك في الحقيقة بياناً لِكُل الأحْكامِ. قال نُفاةُ القياسِ: الطريقُ المقتضيةُ لإلحاقِ غَيْرِ المنصُوصِ بالمنصُوصِ، إمَّا أنْ تكونَ قَطْعِيَّةً أو غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ. فإنْ كانت قطعيّةً فلا نِزاعَ في صحته، فإنَّا نسلم أن القياسَ المبنيّ على المقدمات اليَقِينيَّةِ حُجةٌ، وهذا القياسُ يكون المصِيبُ فيه واحداً، ومخالِفهُ يَسْتَحِقُّ العقاب وينْقَصُ به قضاءُ القاضِي، وأنتم لا تقولون بذلك، وإنْ كانت طريقة ظنية كان كل واحدٍ يُمْكِنُه أنْ يَحْكُمَ بما غلب على ظَنِّه مِنْ غَيْرِ أنْ يَعْلَم [هل] هو دين اللَّهِ أمْ لا؟ وهل هو الحكمُ الذي حكم [به الله] أم لا؟ ومثل هذا لا يكون إكْمالاً للدّين، بل يكون ذلك إلقاءً للخلقِ في وَرطَة الظُّنونِ، وأجيب بأنه إذَا كان كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُكَلَّفاً بالعمل بمقتضى ظَنِّه [كان] ذلك إكْمَالاً ويكون كُلُّ مكلفٍ قاطعاً بأنَّه عامل بحكم الله تعالى. قوله سبحانه: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} "عليكم" متعلقٌ بـ "أتممت"، فلا يجوزُ [تعلُّقهُ] بـ "نعمتي"، وإن كان فعلها يتعدَّى بـ "على" نحو: {أية : أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 37]؛ لأن المصدر لا يتقدَّمُ عليه معمولُه، إلا أن ينُوبَ مَنَابَهُ. قال أبُو البقاءِ: فإنْ جعلتهُ على التَّبِيين أيْ: "أتْمَمْتُ" أعْنِي "عَلَيْكُمْ" جاز ولا حاجة إلى ما ادّعَاهُ. ومعنى {أتممت عليكم نعمتي} أيْ: أنجزتُ وَعْدِي في قوله:{وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}، وكان مِنْ تَمَامِ نعمته أنْ دَخَلُوا مكةَ آمنينَ، وعليها ظَاهِرِينَ، وحَجُّوا آمنين مُطْمَئِنِينَ لمْ يخالِطْهُمْ أحَدٌ من المشركين. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا المعنى قد عُرِفَ بقوله: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} فَحَمْلُهُ على هذا تَكْرِيرٌ، وإنما معنى قوله: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} أي: بسبب ذلك الإكمالِ؛ لأنه لا نِعْمَةَ أتم مِنْ نعمة الإسلام. قوله سبحانه: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} في "رَضِيَ" وجهان: أحدهما: أنه مُتعد لِواحدٍ، وهو "الإسلامَ"، و"دِيناً" على هذا حال. وقيل: هو مُضَمَّنٌ معنى صَيَّرَ وجعل، فيتعدَّى لاثْنَيْن؛ أولهما: "الإسْلاَمَ" والثاني: "دِيناً". "لكم" يجُوز فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "رَضَيَ". والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حالٌ من الإسلامِ، ولكنَّه قُدِّمَ عليه. ومعنى الكلام أنَّ هذا هو الدينُ المرضِيُّ عند الله، ويُؤكِّدُهُ قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]. وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} قد تقدم الكلامُ عليها في البقرة [آية: 173]. و"فِي مَخْمَصَةٍ" متعلقٌ بـ "اضْطُرَّ"، [ومعنى: "اضْطُرَّ"] أُصِيبَ بالضر الذي لا يمكنه الامتناعُ معه من الميتةِ. و"المخمصةُ": المَجَاعَةُ؛ لأنها تَخْمُصُ [لها] البطونُ: أيْ: تَضْمُرُ. قال أهل اللُّغَةِ: الخَمْصُ والمَخْمَصَةُ: خَلاَءُ البطن من الطعامِ، وأصْلُهُ مِنَ الخَمْصِ الذي هو ضُمُور البَطْنِ. يقال: رجل خميصٌ وخُمْصَان، وامرأة خَمِيصَةٌ وخُمْصَانة، والجمع خَمَائِصُ وخُمْصَانَاتٌ، وهي صِفَةٌ مَحْمُودَةٌ في النساء. ويقال: رجل خُمْصَان وامرأة خُمْصَانة، ومنه أخْمَصُ القدمِ لدِقَّتِهَا، ويستعمل في الجوع والغَرْث. قال: [الطويل] شعر : 1930- تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونكُمْ وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 1931- كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فإنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصٌ تفسير : وُصِفَ الزمانُ بذلك مبالغةً كقولهم: نَهَارُهُ صَائِمٌ، ولَيْلُهُ قائم. و"غَيْرَ" نُصبَ على الحال. قال بعضُهم: يَنْتَصِبُ بمحذوفٍ مُقَدَّرٍ على معنى: فيتناول غَيْر مُتجانِفٍ، ويجوز أن يَنْتَصِبَ بقوله: "اضْطُرَّ" ويكونُ المقدرُ متأخراً. والجمهور على "مُتجَانِفٍ" بألف وتخفيف النون من "تَجَانَفَ". وقرأ أبُو عبدِ الرحمن والنَّخَعِيُّ "مُتَجنِّفٍ" بتشديدِ النُّونِ دُونَ ألفٍ. قال أبو مُحمدِ بن عَطِية: وهي أبْلَغُ من "متجانف" في المعنى؛ لأنَّ شِدّةَ العينِ تدلُ على مُبالغةٍ وتوغُّلٍ في المعنى. و"لإثم" متعلّق بـ "متجانف"، واللام على بابها. وقيل: هي بمعنى "إلى" أي غَيْرَ مائِلٍ إلى إثْمٍ ولا حاجة إليه. وقد تقدم معنى هذا واشتقاقها عند قوله: {فَمَنْ خاف من مُوصٍ جَنَفاً}. قال القُرْطبي: هو معنى قوله: {أية : غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} تفسير : [البقرة: 173]، ومعنى "الإثم" هاهنا أنْ تأكُلَ فوق الشِّبَع تلذُّذاً في قولِ أهل "العراق". وفي قولِ أهْلِ "الحجازِ": أنْ تكُون عَاصِياً. قال قتادةُ: غَيْرَ مُتَعرِّضٍ لمعْصِية في مقصده. وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} جُمْلةٌ، إمَّا في محلِ جَزْمٍ، أو رفعٍ على حَسَبِ ما قيل في "مَنْ"، وكذلك القول في الفاء إما واجبةٌ أو جائزةٌ، والعائدُ على كِلاَ التقديرين محذوفٌ، أيْ: "فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ" له، [يعني]: يَغْفِرُ له أكْلَ المُحَرَّمِ عند الاضطرارِ "رَحِيمٌ" بعباده، حَيْثُ أحَلَّ لهم ذلك المحرمَ عند احتياجهم إلى أكْلِهِ، وهذا مِنْ تَمام ما تقدم ذكره في المطاعِمِ التي حَرَّمَها الله تعالى، يَعْنِي: إنها وإنْ كانت مُحرمةً إلا أنها تحل في حالِ الاضطرارِ، ومن قوله: "فِسْق" إلى هاهنا - اعتراضٌ وقع في النَّسَقِ، والغَرَضُ منه تأكيدُ ما ذُكِر مِنْ مَعْنى التحريم، فإن تحريم هذه الخبائثِ من جملةِ الدِّينِ الكاملِ والنعْمةِ الثابتةِ والإسلامِ الذي هو الدينُ المرضيُّ عند الله تعالى.

البقاعي

تفسير : ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما، فهذب النفوس بالنهي عن حظوظها، وأمر بعد تخليتها عن كل شر بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقاً إلا في حال الضرورة فقا: {حرمت} بانياً الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله، وإشعاراًَ بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها كأنها محرمة بنفسها {عليكم الميتة} وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر، والدين بما يعلمه أهل البصائر {والدم} أي المسفوح، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق {ولحم الخنزير} خصة بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارة أكله كالدين {وما أهل} ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر، قدم المفعول له فقال: {لغير الله} أي الملك الأعلى {به} أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء، والإهلاك: رفع الصوت. ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره، نص عليه فقال: {والمنخنقة} أي بحبل ونحوه، سواء خنقها أو لا {والموقوذة} أي المضروبة بمثقل، من: وقذه - إذا ضربه {والمتردية} أي الساقطة من عال، المضطربة غالباً في سقوطها {والنطيحة} أي التي نطحها فماتت {وما أكل السبع} أي كالذئب والنسر ونحوهما. ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى، استثنى فقال: {إلا ما ذكيتم} أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها تديناً وإن لم يذكر اسم شيء عليها فقال: {وما ذبح على النصب} وهو واحد الأنصاب، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب، فيهل عليها ويذبح عندها تقرباً إليها وتعظيماً لها {وأن تستقسموا} أي تطلبوا على ما قسم لكم {بالأزلام} أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها بوزن قلم وعمر وكانت ثلاثة، على واحد: أمرني ربي، وعلى آخر: نهاني ربي، والآخر غفل، فإن خرج الآمر فعل، أو الناهي ترك، أو الغفل أجيلت ثانية، فهو دخول في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه، وإن أراد المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح, وقال صاحب كتاب الزينة: يقال: إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط، وكانت بيد السادن، مكتوب عليها "نعم" "لا" "منكم" "من غيركم" "ملصق" "العقل" "فضل العقل" فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم، ثم قالوا للصنم: يا إلهنا! قد تمارينا في نسب فلان، فأخرج علينا الحق فيه، فتجال القداح فإن خرج القدح الذي عليه "منكم" كان أوسطهم نسباً، وإن خرج الذي عليه "من غيركم" كان حليفاً وإن خرج "ملصق" كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، وإذا أرادوا سفراً أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! أردنا كذا، فإن خرج "نعم" فعلوا، وإن خرج "لا" لم يفعلوا، وإن جنى أحدهم جناية، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! فلان جنى عليه، أخرج الحق، فإن خرج القدح الذي عليه "العقل" لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل، وكانوا إذا عقلوا العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله، فضربوا عليه؛ فإن خرج القدح الذي عليه "فضل العقل" للذي ضرب عليه لزمه، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها، ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم، وأما إجالة السهام لا على هذا الوجه فهو جائز، هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو عبيدة: واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء، وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ريش له ولا نصل، فإذا كان مريَّشاً فهو السهم - والله أعلم؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة، فتكون على شعبة جاهلية، ثم إياك!. ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال: {ذلكم} أي الذي ذكرت لكم تحريمه {فسق} أي فعله خروج من الدين. ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله {أية : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه}تفسير : [البقرة: 191] {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام} تفسير : [البقرة: 194] {أية : واقتلوهم حيث ثقفتموهم} تفسير : [البقرة: 191] علم أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن من الفوت، وذلك لا يكون إلا من تمام القدرة، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه، وتمكنت فيه عزائمه وهممه، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه، ولا مطمع لمخالفه فيه، فعقب سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل: {اليوم} أي وقت نزول هذه الآية {يئس الذين كفروا} أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فهي أو لا {من دينكم} أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم أو التستر من أحد منهم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة، وأعزكم بعد الذلة، وأحيى بكم منار الشرع، وطمس معالم شرع الجهل، وهدّ منار الضلال، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت قواهم، وماتت هممهم، وذلت نخوتهم، وضعفت عزائمهم، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره، وعلت في المجامع منابره، وضرب محرابه، وبرّك بقواعده وأركانه، ولهذا سبب عما مضى قوله: {فلا تخشوهم} أي أصلاً {واخشون} أي وامحضوا الخشية لي وحدي، فإن دينكم قد أكمل بدره، وجل عن المحلق محله وقدره، ورضي به الآمر، ومكنه على رغم أنف الأعداء. وهو قادر على ذلك، وذلك قوله تعالى مسوقاً مساق التعليل: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي الذي أرسلت إليكم به أكمل خلقي لتدينوا به وتدانوا، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع، نصاً على البعض، وبياناً لطريق القياس في الباقي، وذلك بيان لجميع الأحكام، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملاً لكنه بغير هذا المعنى، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء، فيكون به كاملاً أيضاً وأكمل مما مضى، وهكذا إلى هذه النهاية، وكان هذا هو المراد من قوله: {وأتممت عليكم نعمتي} أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل، ليظهر بهم الدين، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود {ورضيت لكم الإسلام} أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن يتبع الإذعان لها الإذعان لكل طاعة {ديناً} تتجازون به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم؛ روى البخاري في المغازي وغيره، ومسلم في آخر الكتاب، والترمذي في التفسير، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم} فقال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة" وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب " قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت" وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده، قلت: ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى، فكانت تلك الساعة من ذلك اليوم تماماً ابتداء، وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: "لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: صدقت! " تفسير : فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً وقد روي أنه كان هجيري النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو - الآية، وكأن ذلك كان جواباً منه صلى الله عليه وسلم لهذه الآية، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية سر الإسلام وأعظمه وأكمله، وهذه الآية من المعجزات، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع. ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات، فقال مسبباً عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين: {فمن اضطر} أي ألجىء إلجاء عظيماً - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه {في مخمصة} أي مجاعة عظيمة {غير متجانف} أي متعمد ميلاً {لإثم} أي بالأكل على غير سد الرمق، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر، وزاد بعد هذا التقييد تخويفاً بقوله: {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {غفور رحيم *} أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه ويكرمه، بأن يوسع عليه من فضله، ولا يضطره مرة أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شعائر الإسلام، فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا‏:‏ هلم يا صدي فكل‏.‏ قلت‏:‏ ويحكم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ إنما أتيتكم من عند من يحرِّم هذا عليكم، وأنزل الله عليه‏.‏ قالوا‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ فتلوت عليهم هذه الآية ‏ {‏حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة قال‏:‏ إذا أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وما أهل لغير الله به‏} ‏ قال‏:‏ ما أهل للطواغيت به ‏ {‏والمنخنقة‏} ‏ قال‏:‏ التي تخنق فتموت ‏ {‏والموقوذة‏} ‏ التي تضرب بالخشبة فتموت ‏ {‏والمتردية‏}‏ قال‏:‏ التي تتردى من الجبل فتموت ‏ {‏والنطيحة‏} ‏ قال‏:‏ الشاة التي تنطح الشاة ‏ {‏وما أكل السبع‏} ‏ يقول‏:‏ ما أخذ السبع ‏ {‏إلا ما ذكيتم‏} ‏ يقول‏:‏ ما ذبحتم من ذلك وبه روح فكلوه ‏ {‏وما ذبح على النصب‏}‏ قال‏:‏ النصب‏.‏ إنصاب، كانوا يذبحون ويهلون عليها ‏{‏وأن تستقسموا بالأزلام‏} ‏ قال‏:‏ هي القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور ‏{‏ذلكم فسق‏} ‏ يعني من أكل من ذلك كله فهو فسق‏. ‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى ‏ {‏والمنخنقة‏} ‏ قال‏:‏ كانت العرب تخنق الشاة، فإذا ماتت أكلوا لحمها‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت امرئ القيس وهو يقول‏:‏ شعر : يغط غطيط البكر شد خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتال تفسير : قال‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏والموقوذة‏} ‏ قال‏:‏ التي تضرب بالخشب حتى تموت‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر يقول‏:‏ شعر : يلوينني دين النهار واقتضي ديني إذا وقذ النعاس الرقدا تفسير : قال‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏الأنصاب‏}‏ قال‏:‏ الأنصاب‏.‏ الحجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله وتذبح لها‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول‏: شعر : فلا لعمر الذي مسحت كعبته وما هريق على الأنصاب من جسد تفسير : قال‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏وإن تستقسموا بالأزلام‏} ‏ قال‏:‏ الأزلام‏.‏ القداح كانوا يستقسمون الأمور بها، مكتوب على أحدهما أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربّي، فإذا أرادوا أمراً أتوا بيت أصنامهم، ثم غطوا على القداح بثوب فأيهما خرج عملوا به‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الحطيئة وهو يقول‏:‏ شعر : لا يزجر الطير إن مرت به سنحاً ولا يفاض على قدح بأزلام تفسير : وأخرج البخاري ومسلم ‏حديث : عن عدي بن حاتم قال‏:‏ قلت يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، فقال‏: ‏"‏إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله‏"‏‏. ‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الرادة التي تتردى في البئر، والمتردية التي تتردى من الجبل‏.‏ وأخرج عن أبي ميسرة أنه كان يقرأ ‏"‏والمنطوحة‏".‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قرأ ‏"وأكيل السبع‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علي قال‏:‏ إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يداً أو رجلا فكلها‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تأكل الشريطة فإنها ذبيحة الشيطان‏"‏ تفسير : قال ابن المبارك‏:‏ هي أن تخرج الروح منه بشرط من غير قطع حلقوم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏وما ذبح على النصب‏} ‏ قال‏:‏ كانت حجارة حول الكعبة يذبح عليها أهل الجاهلية ويبدلونها بحجارة‏:‏ إذا شاؤوا أعجب اليهم منها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأن تستقسموا بالأزلام‏} ‏ قال‏:‏ سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال ‏{‏الأزلام‏} ‏ القداح، يضربون بها لكل سفر وغزو وتجارة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏وأن تستقسموا بالأزلام‏}‏ قال‏:‏ القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحاً للخروج وللجلوس، فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏وأن تستقسموا بالأزلام‏} ‏ قال‏:‏ حصى بيض كانوا يضربون بها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال‏:‏ كانوا إذا أرادوا أمراً أو سفراً يعمدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب أمرني، وعلى الآخر إنهني، ويتركون الآخر محللاً، بينهما عليه شيء، ثم يحيلونها، فإن خرج الذي عليه مرني مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي عليه إنهني كفوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لن يلج الدرجات العلى من تكهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏} ‏ قال‏:‏ يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدا‏ً.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ‏ {‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏}‏ يقول‏:‏ يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم، عبادة الاوثان أبداً ‏ {‏فلا تخشوهم‏}‏ في اتباع محمد ‏ {‏واخشونِ‏} ‏ في عبادة الأوثان وتكذيب محمد، فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ يقول‏:‏ حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام ‏{‏وأتممت عليكم نعمتي‏} ‏ قال‏:‏ منتي فلم يحج معكم مشرك ‏ {‏ورضيت‏} ‏ يقول‏:‏ واخترت ‏ {‏لكم الإسلام ديناً‏} ‏ مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يوماً، ثم قبضه الله إليه‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏.‏‏.‏‏.‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ قال‏:‏ هذا حين فعلت‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله ‏ {‏فلا تخشوهم واخشون‏}‏ قال‏:‏ فلا تخشوهم أي يظهروا عليكم‏.‏ وأخرج مسلم عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة وأبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : إن الشيطان قد أيس أن يُعبد بأرضكم هذه، ولكنه راض منكم بما تحقرون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات، وهي الموبقات يوم القيامة، فاتقوا المظالم ما استطعتم‏ "‏‏.‏ تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا تحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم} ‏ قال‏:‏ أخلص الله لهم دينهم، ونفى المشركين عن البيت، قال‏:‏ وبلغنا أنها أنزلت يوم عرفة، ووافقت يوم جمعة‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، يوم جمعة حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، وأخلص للمسلمين حجهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً، فلما نزلت براءة فنفي المشركون عن البيت الحرام، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة، وهو قوله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ قال‏:‏ تمام الحج، ونفي المشركين عن البيت‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم، واضمحل الشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ولم يحج معه في ذلك العام مشرك، فأنزل الله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال‏:‏ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وهو بعرفة ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة، قال‏:‏ ‏"‏وكان جبريل يعلم كيف ينسك‏"‏‏.‏ وأخرج الحميدي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن طارق بن شهاب قال ‏"‏قالت اليهود لعمر‏:‏ إنكم تقرأون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً‏.‏ قال‏:‏ وأي آية‏؟‏ قالوا ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‏}‏ قال عمر‏:‏ والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، في يوم جمعة‏"‏‏.‏ وأخرج اسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد عن أبي العالية قال‏:‏ كانوا عند عمر فذكروا هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب‏:‏ لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً‏.‏ فقال عمر‏:‏ الحمد لله الذي جعله لنا عيداً، واليوم الثاني نزلت يوم عرفة، واليوم الثاني يوم النحر، فأكمل لنا الأمر، فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عنترة قال‏:‏حديث : ‏ لما نزلت ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏"ما يبكيك‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل فإنه لا يكمل شيء قط إلا نقص‏.‏ فقال‏: صدقت‏". ‏‏‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال‏:‏ قال كعب‏:‏ لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر‏:‏ وأي آية يا كعب‏؟‏ فقال ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ فقال عمر‏:‏ لقد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت في يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد‏. ‏ وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ فقال يهودي‏:‏ لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا‏ً.‏ فقال ابن عباس‏:‏ فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين‏:‏ في يوم جمعة، يوم عرفة‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن عيسى بن حارثة الأنصاري، قال‏:‏ كنا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني‏:‏ يا أهل الإسلام، لقد أنزلت عليكم آية لو أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيداً، ما بقي منا اثنان ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ فلم يجبه أحد منا، فلقيت محمد بن كعب القرظي فسألته عن ذلك، فقال‏:‏ ألا رددتم عليه‏؟‏ فقال‏:‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين ما بقي منهم أحد‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن داود قال‏:‏ قلت لعامر الشعبي ان اليهود تقول كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه‏؟‏ فقال عامر‏:‏ أو ما حفظته‏؟‏‏.‏ قلت له‏:‏ فأي يوم هو‏؟‏ قال‏:‏ يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن علي قال‏:‏ أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية عرفة ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏‏. ‏ وأخرج ابن جرير والطبراني عن عمرو بن قيس السكوني‏.‏ أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينزع بهذه الآية ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ حتى ختمها‏.‏ فقال‏:‏ نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة‏. ‏ وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن سمرة قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفة واقف يوم الجمعة‏.‏ وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبأ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ وتوفي يوم الاثنين‏.‏ وأخرج ابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال ‏"‏لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم فنادى له بالولاية، هبط جبريل عليه بهذه الآية ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏"‏‏. ‏ وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏ ‏حديث : لما كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏"من كنت مولاه فعلي مولاه‏. فأنزل الله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}" ‏‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏} ‏ قال‏:‏ هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حرام ولا حلال، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات، فقالت أسماء بنت عميس‏:‏ حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن فبركت، فأتيته فسجيت عليه برداً كان علي‏ّ"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية احدى وثمانين ليلة قوله ‏ {‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ورضيت لكم الإسلام دينا‏ً}‏. أخرج ابن جرير عن قتادة قال ‏"‏ ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم إلى الخير حتى يجيء الإسلام فيقول‏:‏ رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول‏:‏ إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزي‏"‏‏. وأخرج أحمد عن علقمة بن عبدالله المزني قال‏:‏ حدثني رجل قال‏:‏ كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم‏:‏ كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعت الإسلام‏؟‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : إن الإسلام بدأ جذعاً، ثم ثنياً، ثم رباعياً، ثم سدسياً، ثم بازلاً‏‏ "تفسير : . قال عمر‏:‏ فما بعد البزول إلا النقصان‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فمن اضطر‏}‏ يعني إلى ما حرم مما سمي في صدر هذه السورة ‏ {‏في مخمصة‏} ‏ يعني مجاعة ‏ {‏غير متجانف لإثم‏} ‏ يقول‏:‏ غير معتدٍ لإثم‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏في مخمصة‏} ‏ قال‏:‏ في مجاعة وجهد‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت الاعشى وهو يقول‏:‏ شعر : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرتي يبتن خمائصا تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم‏} ‏ قال‏:‏ في مجاعة غير متعرض لإثم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال‏:‏ رخص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جهد، فمن بغى، أو عدا، أو خرج في معصية الله، فإنه محرم عليه أن يأكله‏. وأخرج أحمد والحاكم وصححه ‏ حديث : عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا ‏"‏يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة‏؟‏ قال‏: إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلاً، فشأنكم بها" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وأبو داود عن الفجيع العامري‏.‏ أنه قال ‏‏ "حديث : ‏يا رسول الله، ما يحل لنا من الميتة‏؟‏ فقال‏: ما طعامكم‏؟ قلنا‏:‏ نغتبق ونصطبح‏.‏ قال عقبة‏:‏ قدح غدوة، وقدح عشية‏.‏ قال‏: ذاك‏.‏ وأبى الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال‏‏ "تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة بن جندب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إذا رويت أهلك من اللبن غبوقاً فاجتنب ما نهى الله عنه من ميتة‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} شروعٌ في بـيان المُحرَّمات التي أشير إليها بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} والميتة ما فارقه الروحُ من غير ذبح {وَٱلدَّمَ} أي المسفوحُ منه لقوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} وكان أهلُ الجاهلية يصُبّونه في الأمعاء ويشْوونه، ويقولون: لم يُحرَّمْ مِنْ فَزْدٍ له أي من فصْدٍ له {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي رفعُ الصوت لغير الله عند ذبحِه، كقولهم: باسم اللات والعزى {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} أي التي ماتت بالخنق {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} أي التي قُتلت بالضرب بالخشب ونحوِه، مِنْ وَقَذْتُه إذا ضربته {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ} أي التي تردّت مِنْ علوَ أو إلى بئرٍ فماتت {وَٱلنَّطِيحَةُ} أي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح، والتاء للنقل، وقرىء والمنطوحة {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} أي وما أكل منه السبُعُ فمات وقرىء بسكون الباء، وقرىء وأكيلُ السبع، وفيه دليلٌ على أن جوارحَ الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحِلّ {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} إلا ما أدركتم ذَكاتَه وفيه بقيةُ حياةٍ يضطرِبُ اضطرابَ المذبوح. وقيل: الاستثناء مخصوص بما أكل السبع. والذَكاةُ في الشرع بقطع الحُلقومِ والمَرِيء بمُحدَّد {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} قيل: هو مفردٌ، وقيل: جمع نِصاب، وقرىء بسكون الصاد، وأياً ما كان فهو واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبةً حول البـيت يَذبَحون عليها ويعدّون ذلك قُربة، وقيل: هي الأصنام {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} جمع زَلَم وهو القدح أي وحرم عليكم الاستقسام بالقِداح وذلك أنهم إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة قداحٍ مكتوب على أحدها أمرني ربـي، وعلى الثاني نهاني ربـي، وعلى الثالث غُفْل، فإن خرج الآمرُ مضَوا ذلك، وإن خرج الناهي اجتنبوا عنه، وإن خرج الغافل أجالوها مرة أخرى، فمعنى الاستقسام طلبُ معرفةِ ما قُسِم لهم بالأزلام، وقيل: هو استقسامُ الجَزورِ بالأقداح على الأنْصِباء المعهودة {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، ومعنى البعد فيه للإشارة إلى بُعد منزلتِه في الشر {فِسْقٌ} تمرّدٌ وخروجٌ عن الحد ودخولٌ في علم الغيب، وضلال باعتقاد أنه طريق إليه، وافتراء على الله سبحانه إن كان هو المراد بقولهم ربـي، وشركٌ وجهالة إن كان هو الصنم، وقيل: ذلكم إشارةٌ إلى تناول المحرَّماتِ المعدودةِ لأن معنى تحريمها تحريمُ تناولِها. {ٱلْيَوْمَ} اللام للعَهْد، والمراد به الزمان الحاضرُ وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية وقيل: يومُ نزولِها، وقد نزلت بعد عصر الجمعةِ يومَ عَرَفةَ في حَجةِ الوداع والنبـي صلى الله عليه وسلم واقفٌ بعَرَفاتٍ على العضباء، فكادت عضُدُ الناقة تندق لثقلها فبرَكَت، وأياً ما كان فهو منصوب على أنه ظرف لقوله تعالى: {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} أي من إبطالِه ورُجوعِكم عنه بتحليل هذه الخبائِثِ أو غيرِها، أو مِنْ أن يغلِبوكم عليه لِمَا شاهدوا من أن الله عز وجل وَفىٰ بوعدِه حيث أظهره على الدين كلِّه وهو الأنسب بقوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أي أنْ يظهرَوا عليكم {وَٱخْشَوْنِ} أي وأخْلِصوا إليّ الخشية {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيفِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد. وتقديمُ الجار والمجرور للإيذان من أول الأمرِ بأن الإكمالَ لمنفعتهم ومصلحتهم، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح، الآية 1] وعليكم في قوله تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} متعلِّقٌ بأتممت لا بنعمتي لأن المصدرَ لا يتقدم عليه معمولُه، وتقديمه على المفعول الصريح لما مرّ مراتٍ، أي أتممتُها بفتح مكةَ ودخولِها آمنين ظاهرين، وهدمِ منارِ الجاهلية ومناسكِها والنهْيِ عن حجِّ المشرك وطوافِ العُرْيان، أو بإكمال الدينِ والشرائع، أو بالهداية والتوفيق، قيل: معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزتُ لكم وعدي بقولي: {أية : وَلأِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ }تفسير : [البقرة، الآية 150] {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} أي اخترتُه لكم من بـين الأديان وهو الدينُ عند الله لا غيرُ. عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آيةٌ في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذْنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟ قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} الآية. قال عمر رضي الله تعالى عنه: قد عرفنا ذلك اليومَ والمكانَ الذي أنزلت فيه على النبـي عليه الصلاة والسلام وهو قائم بعرفَةَ يومَ الجمعة، أشار رضي الله تعالى عنه إلى أن ذلك اليومَ عيدٌ لنا، ورُوي أنهحديث : لما نزلت هذه الآيةُ بكىٰ عمرُ رضي الله تعالى عنه فقال له النبـي عليه الصلاة والسلام: «ما يُبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنا كنا في زيادةٍ من دينِنا، فإذا كَمَلَ فإنه لا يكملُ شيءٌ إلا نقَصَ، فقال عليه الصلاة والسلام: «صدقت»تفسير : فكانت هذه الآيةُ نعْيَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فما لبِثَ بعد ذلك إلا أحداً وثمانين يوماً. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} متصلٌ بذكر المحرمات، وما بـينهما اعتراضٌ بما يوجبُ أن يُجتنَبَ عنه، وهو أن تناوُلَها فسوقٌ، وحرمتُها من جملة الدينِ الكاملِ والنعمةِ التامةِ والإسلامِ المَرْضِيِّ، أي فمن اضطُر إلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات {فِى مَخْمَصَةٍ} أي في مجاعة يَخافُ معها الموتَ أو مبادِيَه {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} قيل: غيرَ مائلٍ ومنحرفٍ إليه، بأن يأكُلَها تلذُّذاً أو مُجاوِزٍ حدَّ الرُّخصة أو ينتزِعَها من مضطرٍ آخَرَ كقوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يؤاخذه بذلك.

التستري

تفسير : قوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}[3] يعني: فلا تخشوا الكفار في عبادتي واخشوني في اتباعهم، فقال: أعجز الناس من خشي من لا ينفعه ولا يضره، والذي بيده النفع والضر يخاطبه في قوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}[3].

السلمي

تفسير : قوله تعالى {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}. قيل فيه: قطعك عن الكل قطعًا وجذبك إليه جذبًا بهذه الآية {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} وقال ابن عطاء: لا تجعل لهم من قلبك نصيبًا وأفرد قلبك لى، تجدنى بصفة الفردانية مقبلاً عليك. وقال سهل: أعجز الناس من خشى ما لا ينفعه ولا يضره، والذى بيده الضر والنفع يخاطبه بقوله {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}. قوله عز وعلا: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [الآية: 3]. قال أبو حفص: كمال الدين فى شيئين: فى معرفة الله واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال جعفر بن محمد: اليوم إشارة إلى يوم بعث فيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويوم رسالته. وقيل: اليوم: إشارة إلى الأزل، والإتمام: إشارة إلى الوقت، والرضا: إشارة إلى الأبد. وقيل: {أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بأن خصصتكم من بين عبادى بمشاهدة المصطفى صلى الله عليه وسلم يخاطب به أصحابه، وجعلتكم حجة لمن بعدكم من الأمة إلى يوم القيامة. وقيل: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بالمعرفة. وقال شقيق فى هذه الآية: كمال الدين فى الأمن والفراغ، إذا كنت آمنًا بما تكفَّل الله لك صرت فارغًا لعبادته. قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً}. قيل: شرائط الإسلام كثيرة: منها سلامة روحك من جنايات سرك، وسلامة سرك من جنايات صدرك، وسلامة صدرك من جنايات قلبك، وسلامة قلبك من جنايات نفسك، وسلامة الخلق من جنايات شخصك وهيكلك وجوارحك، لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". تفسير : وقيل: كمال الدين التبرِّى من الحول والقوة والرجوع فى الكل إلى منزلة الكل. قال الواسطى رحمة الله عليه: الإسلام خصلة مرضية ولكن لا يهتدى إليه الكل، والإسلام مرضى ولكن لا يلبسه الكل، والمرضى من أتى به ولكن على شرائط الاستقامة. وقال أبو يعقوب السوسى: الإسلام دار عليها أربعة أبواب وأربع قناطر ثم المراتب بعد ذلك، من لم يدخل الدار ولم يعبر القناطر لم يصل إلى المراتب. فأول باب منها أداء الفرائض ثم اجتناب المحارم ثم الأمن بالرزق ثم الصبر على المكروه، فإذا دخل الدار استقبلته القناطر، فأول قنطرة منها الرضاء بالقضاء. والثانى: التوكل على الله. والثالث: الشكر لنعماء الله. والرابع: إخلاص العمل لله، فمن لم يعبر هذه القناطر لا يصل إلى المراتب. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية يوم عرفة فى حجة الوداع والنبى صلى الله عليه وسلم واقف وعندها كان كمال الدين حيث يرد الحج إلى يوم عرفه، فإنهم كانوا يحجون فى كل سنة فى شهر فلما رد الله عز وجل وقت الحج إلى ميقات فريضته، أنزل الله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ}. وأكل الميتة أن تتناول من عِرْضِ أخيك على وجه الغيبة، وليس ذلك مما فيه رخصةٌ بحالٍ لا بالاضطرارِ ولا بالاختيارِ، وغير هذا من المَيْتَةِ مباحٌ في حالِ الضرورة. ويقال كما أَنَّ في الحيوان ما يكون المزكى منه مباحاً والميتة منه حراماً فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطَهَّرَ نفسه - مُبَاحٌ قربه، حلال صحبته. ومَنْ ماتت نفسه في ظلمة غفلته حتى لا إحساسَ له بالأمور الدينية فخبيثةٌ نفسه، محظورٌ قُربُه، حرام معاشرته، غيرُ مباركةٍ صحبتِه. وإنَّ السلف سموا الدنيا خنزيرةً، ورأوا أَنَّ ما يُلْهِي قربُهُ، ويُنْسِي المعبودَ ركونُه، ويحمل على العصيان جنوحُه - فهو مُحرَّمٌ على القلوب؛ ففي طريقة القوم حبُّ الدنيا حرامٌ على القلوب، وإن كان إمساكُ بعضها حلالاً على الأبدان والنفوس. قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ}. كما أنَّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيِّبٍ فَمَنْ بَذَلَ رُوحَه فيه وَجَدَ رُوْحه منه، ومن تهارشته كلاب الدنيا، وقلته مخالب الأطماع، وأَسَرَتْهُ مطالبُ الأغراض والأعراض - فحرامٌ ماله على أهل الحقائق في مذهب التعزز، فللشريعَةِ الظرف والتقدير. وأما المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك في حِبال المنى والرغائب، وأخذه خناقُ الطمع، وخنقته سلاسل (الحِرْص) فحرامٌ على السالكين سلوك خطتهم، ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم. وأمَّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جُبِلَت على طلب الخسائس حتى استملكتها كلها فهي التي ذهبت بلا عوض حصل منها، وأمثال ذلك حرامٌ على أهل هذه القصة. والإشارة من المتردية إلى من هلك في أودية التفرقة، وعمي عن استبصار رشد الحقيقة؛ فهو يهيم في مفاوز الظنون، وينهك في متاهات المنى. والإشارة من النطيحة إلى من صَارَعَ الأمثال، وقارع الأشكال، وناطح كلاب الدنيا فحطموه بكلب حرصهم، وهزموه بزيادة تكلبهم، وكذلك الإشارة من: قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}. وأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا، فإن الدنيا جيفة، وأَكَلَةُ الجيفِ الكلابُ ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله؛ لأن زادَ المؤمِنِ من الدنيا: ما كان لله فهو محمود، وما كان للنَّفْس فهو مذموم. قوله جلّ ذكره: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ}. فهو ما أُرْصِدَ لغير الله، ومقصودُ كلِّ حريص - بموجب شرعه - معبودُه من حيث هواه قال الله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23] يعني اتخذ هواه إلهه. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ}، الإشارة منه إلى كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على استجلاب الحظوظ الدنيوية - لا على وجه الإذن - إذ القمار ذلك معناه. وقَلَّتْ المعاملات المجرَّدَة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت. قوله جلّ ذكره: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ}. أي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدين. قوله جلّ ذكره: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}. أي بعدما أزَحتُم عن قلوبكم آثار الحسبان، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن فلا تلاحظوا سواي، ولا يُظَلِّلَنْ قلوبكم إشفاقٌ من غيري. ويقال إذا كانت البصائرُ متحققة بأن النَّفع والضر، والخير والشر لا تحصل شظية منها إلا بقدرة الحق - سبحانه، فمن المحال أن تنطوي - من مخلوق - على رَغَبٍ أو رَهَبٍ. قوله جلّ ذكره: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إكمالُه الدين - وقد أضافه إلى نفسه - صَوْنُه العقيدة عن النقصان؛ وهو أنه لما أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أَمَّلها بأنوار تأييده وتسديده، حتى وضعوا النظر مَوْضِعَه من غير تقصيرٍ، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور. ويقال إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبُولِ في المآلِ، كما أن ابتداءَ الدِّين توفيقُ الحصول في الحال: فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول. ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شيء يعلمه الحق - سبحانه - من أوصافه وقد علَّمك. ويقال إكمال الدين أن ما تقصر عنه عقلك من تعيين صفاته - على التفصيل - أكرمك بأن عرَّفك ذلك من جهة الإخبار. وإنما أراد بذكر {ٱلْيَوْمَ} وقتَ نزول الآية. وتقييد الوقت في الخطاب بقوله {ٱلْيَوْمَ} لا يعود إلى عين إكمال الدِّين، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت. والدِّين موهوبٌ ومطلوبٌ؛ فالمطلوب ما أمكن تحصيله، والموهوبُ ما سبق منه حصوله. قوله جلّ ذكره: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}. النعمة - على الحقيقة - ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه والنعمة المذكورة ها هنا نعمة الدِّين، وإتمامها وفاء المآل، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال الدين تحقيق المعرفة، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة المسلمين، ولا شك في مغفرة جميع المؤمنين، وإنما الشك يعتري في الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان؟ قوله جلّ ذكره: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً}. وذلك لما قَسَمَ للخَلْق أديانَهم؛ فخصّ قوماً باليهودية، وقوماً بالنصرانية، إلى غير ذلك من النِّحَلِ والمِلَلِ، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران. وقدَّمَ قومٌ الإكمالَ على الإتمام، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة، فلذلك وَصَفَ به النعمة لقبول النِّعم للزيادة، ولا رتبةَ بعد الكمال فلذلك وصف به الدين. ويقال لا فرق بين الدِّين والنعمة المذكورة ها هنا، وإنما ذُكِرَ بلفظين على جهة التأكيد، ثم أضافه إلى نفسه فقال: {نِعْمَتِي} وإلى العبد فقال: {دِينَكُمْ}. فَوَجْهُ إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخَلْق. فالدين من الله عطاء، ومن العبد عناء، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاعٍ في السِّرِّ. قوله جلّ ذكره: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. الإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالكٍ فترة، أو لمريدٍ في السلوك وقفة، ثم تنبَّه لعظيم وقاعة فبادر إلى جميع الرَّجْعَةِ باستشعار التحسّر على ما جرى تَدارَكَتْه الرحمةُ، ونظر الله - سبحانه - إليه بقبول الرجعة. والإشارة من قوله {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي غير معرِّج على الفترة، ولا مستديم لعُقْدةِ الإصرار، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رُخَصِ العلم لضعفٍ وَجَدَه في الحال فربما تجري معه مُساهلةٌ إذا لم يفسخ عَقْدَ الإرادة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} خشية الله ههنا حواله الى رؤية سبق العارفين فى الازل اى اذا وقع امر الامتحان عليكم بواسطة الخلق اقبلوا الى بنعت معرفتى ومحبتى ولا تفرعوا منهم فانهم مكان امتحانى فاذا عرفتمونى عرفتم كان الامتحان فلا تبقى اذا الخوف من غيرى قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} فاذا استحكم عقد الخشية مهم فيظهر للعالم بالله سر افراد القدسم عن الحدوث قيل فيه قطعك عن الك قطعك عن الكل قطعا وجذبك اليه جذبا بهذه الأية فلا تخشوهم واخشونى قال ابن عطا لا تجعل لهم من قلبك نصيبا وافرد قلبك لان تجدنى بصفة الفردانية مقبلا عليك وقال سهل عجز الناس من خشى من لا ينفعه ولا يضره والذى بيده النفع والضر يخاطب بقوهله فلا تخشوهم واخشونى قوله تعالى {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} اراد فى الازل بلا علة العميا والازل منزه عن دهر الدهار والازمنة الفرارة ان يظهر كنوز صفاته وخزائن جود ذاته محبة منه ومعرفة لعباده كما قال تعالى كنت كنز مخفيا فاجبت ان اعرف فيتجلى للعدم من القدم فظهرا العبداد والزمهم سمة العبودية وكشف انوار افعاله لهم فعبدوه بروية نوار افعاله وصنايعه ثم كشف لهم انوار الصفات فاحبوه برؤية نور الصفات فلما حان وقت خروج سيد الاولين والأخرين واصحابه وامنة من العدم بسط العطايا لهم حتى وقفوا على بساط لطفه وكرمه ورباهم بحسن عنايته ثم تجلى لهم بنور الاسماء والصفات ورباهم بها الى ان بلغو احد الاستقامة فى المحبة والشوق فكشف لهم جلال ذاته فعرفوه بنور الاسماء والنعوت والافعال والصفات فلما عرفوه بمعرفة الذات كملت احوالهم للكشف والمشاهدة والمعرفة والتوحيد ولم يحتجبوا عنه ببركة مشاهدة النبى صلى الله عليه وسلم وتواصلت الكشوف والتجلى بالتجلى قال تعالى اليوم اكملت لكم دينكم حيث ما اكملت لاحد من خلقى ما اكملت وما ذكرنا بمجموعة قد اشار عليه السلام اليه بقوله صلى الله عليه وسلم جاء الله من سينا واستعلن بساعير واشرق من جبال فاران والدين هو الطريق منه اليه بنعت عرفان طرق الصفات الى الصفات وسبل الصفات الى الذات والنعمة منه لهم كشف جماله بلا حجاب والعفو بلا عتاب والوصول بلا عذاب واتمامهم وقايتهم من الاشتغال بغيره وظهوره من جمال نبيه لهم وصول نبيهم الى درجة مقام المحمود لشفاعتهم وارتضاء الاسلام لهم دينا اسال استار العظمة عليهم حتى انقادت نفوسهم الامارة الفرارة من الحق لسبحات عظمته ومباشرة قهر سلطان كبريائه ولا يحتبجون عن الحق بها ابدا قال ابو حفص كمال الدين فى شيئين فى معرفة الله واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأله وسلم وقال جعفر بن محمد عليه السلام اليوم اشارة الى يوم بعث محمد صلى الله عليه وأله وسلم ويوم رسالته وقيل اليوم اشارة الى الازل والاتمام اشارة الى الوقت والرضا اشارة الا الابد وقيل اتممت عليكم نعمتى ان خصصتم من بين عابدى مبشاهدة المصطفى صلى الله عليه وسلم يخاطب به الصحابة وجعلكم حجة لمن بعدكم من الامة الى يوم القيامة قيل اتممت عليكم نعمتى بالمعرفة قوله تعالى {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الدنيا ميتة الاولياء والاجتناب منها واحب عليهم فى تجريد التوحيد فاذا وقعوا فى السير فى بحر الانس وغلب عليهم البسط والانبساط وصاروا منعوتين بوصف العشق والمحبة وطابت نفوسهم فى روح القلوب الملكوتية واحتاجوا الى مباشرة الرخص والسعادة فهم فى حد الاضطرار من جهة نفوسهم الساكنة بروح الانس لانها تطلب من مستحسنات الكون ما يليق بزيادة هيجان القلوب وزيادة شوق الارواح فاذا باشروا طيبات الدنيا على حد ترويح الخواطر وتسكينها من الحرق والهيجان فهى مباح لهم ما داموا فى سير المعارف فاذا بلغوا منتهى المقامات ولم تجاوزا النفوس من تلك المباحات الى استدامة الحظوظ فهى غير متجانفة الى الفترة فان الله سبحانه يتجاوز عن مواخذتها بالحجاب ويعنها فى طلب المأب فانه غفور لخطرات اوليائه رحيم بنعت الوصلة باصطفائه قال الاستاد يحتمل ان معناه من نزل عن مطالبات الحقائق الى رخص العلم لضعف وجده فى الحال فرعا يجرى معه مساهلة اذا لم يفسخ عقد الارداة ونعم ما قال الاساد فى وصف السالكين فى باب الرخص فان الله سبحانه تصدق ما ذكرنا فى الآية بثانيها من الأى بقوله لنبيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {حرمت عليكم الميتة} اى تناولها فان التحليل والتحريم انما يتعلقان بالافعال دون الاعيان والميتة ما فارقه الروح من غير ذبح {والدم} اى الدم المسفوح اى المصبوب كالدماء التى فى العروق لا الكبد والطحال وكان اهل الجاهلية يصبونها فى امعاء ويشوونها ويقولون لم يحرم من فزدله اى فصدله {ولحم الخنزير} لعينه لا لكون ميتة حتى لا يحل تناوله مع وجود الذكاة فيه وفائدة تخصيص لحم الخنزير بالذكر دون لحم الكلب وسائر السباع ان كثيرا من الكفار الفوا لحم الخنزير فخص بهذا الحكم وذلك ان سائر الحيوانات المحرم اكلها اذا ذبحت كان لحمها طاهرا لا يفسد الماء اذا وقع فيه وان لم يحل اكله بخلاف لحم الخنزير. قال فى التنوير وليس الكلب بنجس العين قال العلماء الغذاء يصير جزأ من جوهر المغتذى ولا بد وان يحصل للمغتذى اخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا فى الغذاء والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة فى المشتهيات فحرم اكله على الانسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية ومن جملة خبائث الخنزير انه عديم الغيرة فانه يرى الذكر من الخنازير ينزو على انثى له ولا يتعرض له لعدم غيرته فاكل لحمه يورث عدم الغيرة {وما اهل لغير الله به} اى رفع الصوت لغير الله عند ذبحه كقولهم باسم اللات والعزى. قال الفقهاء ولو سمى الذابح النبى عليه السلام مع الله فقال باسم الله ومحمد حرمت الذبيحة وفى الحديث "حديث : لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله " .تفسير : قال النووى المراد به الذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم او لموسى او لغيرهما. ذكر الشيخ الماوردى ان ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا اليه افتى اهل بخارى بتحريمه لانه مما اهل به لغير الله. وقال الرافعى هذا غير محرم لانهم انما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم كذا فى شرح المشارق لابن ملك {والمنخنقة} اى التى ماتت بالخنق وهو احتباس النفس بسبب انعصار الحلق واكل المنخنقة حرام سواء حصل اختناقها بفعل آدمى اولا مثل ان يتفق ان تدخل البهيمة برأسها بين عودين من شجرة فتخنق فتموت وكان اهل الجاهلية يخنقون الشاة فاذا ماتت اكلوها وهذه المنخنقة من جنس الميتة لانها ماتت من غير تذكية {والموقوذة} المضروبة بنحو خشب او حجر حتى تموت من وقذته اذا ضربته. قال قتادة كانوا يضربونها بالعصى فاذا ماتت اكلوها وهى فى معنى المنخنقة ايضا لانها ماتت ولم يسل دمها {والمتردية} التى تردت من مكان عال او فى بئر فماتت قبل الذكاة. والتردى هو السقوط مأخوذ من الردى وهو الهلاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم "حديث : اذا تردت رميتك من جبل فوقعت فى ماء فلا تأكل فانك لا تدرى اسهمك قتلها ام الماء " .تفسير : فصار هذا الكلام اصلا فى كل موضع اجتمع فيه معنيان احدها حاظر والآخر مبيح انه يغلب جهة الحظر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهة فدع ما يريبك الى ما يريبك ألا وان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه " .تفسير : وعن عمر رضى الله عنه انه قال كنا ندع تسعة اعشار الحلال مخافة الربا {والنطيحة} التى نطحتها اخرى فماتت بالنطح وهو بالفارسية "سروزدن" والتاء فى هذه الكلمات الاربع لنقلها من الوصفية الى الاسمية وكل ما لحقته هذه التاء يستوى فيه المذكر والمؤنث وقيل التاء فيها لكونها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة كأنه قيل حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة وخصت الشاة بالذكر لكونها اعم ما يأكله الناس والكلام يخرج على الاعم الاغلب ويكون المراد الكل {وما اكل السبع} اى وما أكل منه السبع فمات وكان اهل الجاهلية يأكلونه. والسبع اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الانسان والدواب ويفترسها كالاسد وما دونه وهو يدل على ان جوارح الصيد اذا اكلت مما اصطادته لم يحل {الا ما ذكيتم} اى الا ما ادركتم ذكاته من هذه الاشياء وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح فانه يحل لكم فاما ما صار بجرح السبع الى حالة المذبوح فهو فى حكم الميتة فلا يكون حلالا وان ذبحته وكذلك المتردية والنطيحة اذا ادركتها حية قبل ان تصير الى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالا ولو رمى الى صيد فى الهواء واصابه فسقط على الارض ومات كان حلالا لان الوقوع على الارض من ضرورته وان سقط على جبل او شجر ثم تردى منه فمات فلا يحل وهو من المتردية الا ان يكون السهم اصاب مذبحه فى الهواء فيحل كيف ما وقع لان الذبح قد حصل باصابة السهم المذبح واما ما ابين من الصيد قبل الذكاة فهو ميتة. والذكاة فى الشرع بقطع الحلقوم والمرى وهو اسم لما اتصل بالحلقوم وهو الذى يجرى فيه الطعام والشراب واقل الذكاة فى الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمرى وكماله ان يقطع الودجان معهما ويجوز بكل محدد من حديد او قصب او زجاج او حجر او نحوها فان جمهور العلماء على ان كل ما افرى الاوداج وانهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن والظفر والعظم ما لم يكن السن والظفر منزوعين لان الذبح بهما يكون خنقا واما المنزوعان منهما اذا افريا الاوداج فالذكاة جائزة بهما عندهم والذكاة كالذبح التام الذى يجوز معه الاكل ولا يحرم لان اصل الذكاة اتمام الشىء ومنه الذكاء فى الفهم اذا كان تام العقل وفى الحديث "حديث : الذكاة ما بين اللبة واللحيين " .تفسير : فعلى هذا اللحم القديد الذى يجيىء الى دار الاسلام من دار افلاق لا يجوز اكله لانهم يضربون رأس البقر ونحوه بفأس ومثله فيموت فلا توجد الذكاة {وما ذبح على النصب} النصب واحد الانصاب وهى احجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة. قال الامام من الناس من قال النصب هى الاوثان وهذا بعيد لان هذا معطوف على قوله وما اهل لغير الله به وذلك هو الذبح على اسم الاوثان ومن حق المعطوف ان يكون مغايرا للمعطوف عليه. وقال ابن جريج النصب ليس باصنام فان الاصنام احجار مصورة منقوشة وهذه النصب احجار كانوا نصبوها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للاصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها فقال المسلمون يا رسول الله كان اهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم ونحن احق ان نعظمه وكان عليه السلام لم يكره ذلك فانزل الله تعالى {أية : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} تفسير : [الحج: 37] الى هنا كلام الامام. {وان تستقسموا بالازلام} جمع زلم وهو القدح اى وحرم عليكم الاستقسام بالقداح وذلك انهم اذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة قداح مكتوب على احدها امرنى ربى وعلى الآخر نهانى ربى والثالث غفل اى خال عن الكتابة فان خرج الامر مضوا على ذلك وان خرج الناهى اجتنبوا عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بواسطة ضرب القداح. وقيل هو استقسام الجزور بالقداح على الانصباء المعلومة اى طلب معرفة كيفية قسمة الجزور وقد تقدم تفصيله عند تفسير قوله تعالى {أية : يسألونك عن الخمر والميسر} تفسير : [البقرة: 219]. فى سورة البقرة {ذلكم} اشارة الى الاستقسام بالازلام {فسق} اى تمرد وخروج عن الحد ودخول فى علم الغيب وضلال باعتقاد انه طريق اليه وافتراء على الله سبحانه ان كان هو المراد بقولهم ربى وشرك وجهالة ان كان هو الصنم. فظاهر هذه الآية يقتضى ان العمل على قول المنجمين لا تخرج من اجل نجم كذا واخرج من اجل نجم كذا فسق لان ذلك دخول فى علم الغيب ولا يعلم الغيب الا الله كذا فى تفسير الحدادى. واعلم ان استعلام الغيب بالطريق الغير المشروع كاستعلام الخير والشر من الكهنة والمنجمين منهى عنه بخلاف استعلام الغيب بالاستخارة بالقرآن وبصلاة الاستخارة ودعائها وبالنظر والرياضة لانه استعلام بالطريق المشروع وان طلب ما قسم له من الخير ليس منهيا عنه مطلقا بل المنهى عنه هو الاستقسام بالازلام وفى الحديث "حديث : العيافة والطرق والطيرة من الجبت " .تفسير : والمراد بالطرق الضرب بالحصى وفى الحديث "حديث : من تكهن او استقسم او تطير طيرة ترده من سفره لم ينظر الى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ". تفسير : {اليوم} اللام للعهد والمراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الازمنة الماضية والآتية ونظيره قولك كنت بالامس شابا واليوم قد صرت شيخا فانك لا تريد بالامس اليوم الذى قبل يومك ولا باليوم اليوم الذى انت فيه. وقيل اراد يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة يوم عرفة حجة الوداع والنبى عليه السلام واقف بعرفات على العضباء فكادت عضد الناقة تندق لثقلها فبركت واياما كانت فهو منصوب عليه انه ظرف لقوله تعالى {يئس الذين كفروا من دينكم} اى من ابطالكم اياه ورجوعكم عنه بان تحللوا هذه الخبائث بعد ان جعلها الله محرمة او من ان يغلبوكم عليه لما شاهدوا من ان الله عز وجل وفى بوعده حيث اظهره على الدين كله وهو الانسب بقوله تعالى {فلا تخشوهم} اى من ان يظهروا عليكم {واخشون} واخلصوا الى الخشية {اليوم اكملت لكم دينكم} بالنصر والاظهار على الاديان كلها او بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على اصول الشرائع وقوانين الاجتهاد {واتممت عليكم نعمتى} بالهداية والتوفيق او باكمال الدين والشرائع او بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكها والنهى عن حج المشركين وطواف العريان {ورضيت لكم الاسلام دينا} اى اخترته لكم من بين الاديان وهو الدين عند الله لا غير. فقوله دينا نصب حالا من الاسلام ويجوز ان يكون رضيت بمعنى صيرت فقوله دينا مفعول ثان له. قال جابر بن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول "حديث : قال جبريل عليه السلام قال الله عز وجل هذا دين ارتضيته لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما صحبتموه " .تفسير : وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان رجلا من اليهود قال له يا امير المؤمنين آية فى كتابكم تقرأونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال أى آية قال {اليوم اكملت} الخ قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذى نزلت فيه على النبى عليه السلام وهو قائم بعرفة يوم الجمعة اشار عمر الى ان ذلك اليوم كان عيدا لنا قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ذلك اليوم خمسة اعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ولم تجتمع اعياد اهل الملل فى يوم قبله ولا بعده ـ "حديث : وروى ـ انه لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضى الله عنه فقال النبى عليه السلام "ما يبكيك يا عمر" قال ابكانى انا كنا فى زيادة من ديننا فاذا كمل فانه لم يكمل شىء الا نقص قال "صدقت" " .تفسير : فكانت هذه الآية تنعى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها احدى وثمانين يوما ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة احدى عشر من الهجرة. وقيل توفى يوم الثانى عشر من شهر ربيع الاول وكانت هجرته فى الثانى عشر منه: قال السعدى قدس سره شعر : جهان اى برادر نماند بكس دل ندرجهان آفرين بندوبس جهان اى بسر ملك جاويد نيست زدنيا وفا دارى اميد نيست منه دل برين سال خورده مكان كه كنبد نبايد بر وكرد كان تفسير : {فمن اضطر} متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو ان تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والاسلام المرضى والمعنى فمن اضطر الى تناول شىء من هذه المحرمات {فى مخمصة} اى مجاعة يخاف منها الموت او مباديه {غير متجانف لاثم} حال من فاعل الجواب المحذوف اى فليتناول مما حرم غير ماثل ومنحرف اليه بان يأكلها تلذذا او مجاوزا حد الرخصة او ينتزعها من مضطر آخر كقوله تعالى {أية : غير باغ ولا عاد} تفسير : [البقرة: 173]. {فان الله غفور رحيم} لا يؤاخذه باكلها وهو تعليل للجواب المقدر ـ "حديث : وروى ـ ان رجلا قال يا رسول الله انا نكون بارض فتصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة فقال "ما لم تصطبحوا او تغتبقوا او تجنفوا بها بقلا فشانكم بها" " .تفسير : ومن امتنع من الميتة حال المخمصة او صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوى حتى مات فانه لا يأثم لانه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج. والاشارة فى الآيات ان ظاهرها خطاب لاهل الدنيا والآخرة وباطنها عتاب لاهل الله وخاصته {حرمت عليكم} يا اهل الحق {الميتة} وهى الدنيا باسرها: قال فى المثنوى شعر : درجهان مرده شان آرام نيست كين علف جز لايق انعام نيست هركرا كلشن بود بزم ووطن كى خورد اوباده اندلا كولخن تفسير : {والدم ولحم الخنزير} يعنى حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لان من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة الى اللحم قليل واللحم بالنسبة الى الدم كثير {وما اهل لغير الله به} يعنى كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية تظهرون به لغير الله {والمنخنقة والموقوذة} يعنى الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذفونها بانواع الرياضات بنهيها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة {والمتردية والنطيحة} الذين يردون نفوسهم من اعلى عليين الى اسفل سافلين بالتناطح مع الاقران والمماراة مع الاخوان والتفاخر بالعلم والزهد بين الاخدان وفى قوله {وما اكل السبع الا ما ذكيتم} اشارة الى انه فيما تحتاجون اليه من القوت الضرورى كونوا محترزين من اكيلة السباع وهم الظلمة الذين يتهاوشون فى جيفة الدنيا تهاوش الكلاب ويتجاذبونها بمخالب الاطماع الفاسدة الا ما ذكيتم بكسب حلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال {وما ذبح على النصب} يشير الى ما ذبح عليه النفس بانواع الجد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والاخروية {وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق} يعنى لا تكونوا مترددين متفئلين فى طلب المرام مبتغين لحصول المقصود متهاونين فى بذل الوجود فاذا انتهيتم عن هذه المناهى وتخلصتم من هذه الدواهى واخلصتم لله فى الله بالله وخرجتم من سجن الانانية وسجين الانسانية بالجذبات الربانية فقد عادت ليلتكم نهارا وظلمتكم انوارا {اليوم يئس الذين كفروا} من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها {من دينكم} وتيقنوا ان ما بقى لكم الرجوع الى ملتهم ولا الصلاة الى قبلتهم {فلا تخشوهم} فانكم خلصتم من شبكة مكايدهم ونجوتم من عقد مصايدهم {واخشونى} فان كيدى متين وصيدى مهين وبطشى شديد وحبسى مديد {اليوم} اشارة الى الازل {اكملت لكم دينكم} اى جعلت الكمالية فى الدين من الازل نصيبا لكم من جميع اهل الملل والاديان {واتممت عليكم نعمتى} التى انعمت بها عليكم فى الازل من الكمالية الآن باظهار دينكم على الاديان كلها فى الظاهر واما فى الحقيقة فسيجيىء شرحه {ورضيت لكم الاسلام دينا} تستكملون به الى الابد بحيث من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وذلك لان حقيقة الدين هى سلوك سبيل الله بقدم الخروج من الوجود المجازى للوصول الى الوجود الحقيقى والانسان مخصوص به من سائر الموجودات ولهذه الامة اختصاص بالكمالية فى السلوك من سائر الامم فالدين من عهد آدم عليه السلام كان فى التكامل بسلوك الانبياء سبيل الحق الى عهد النبى عليه الصلاة والسلام فكل نبى سلك فى الدين مسلكا انزله بقربه من مقامات القرب ولكن ما خرج احد منهم بالكلية من الوجود المجازى للوصول الى الوجود الحقيقى بالكمال فقيل للنبى عليه السلام {أية : اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام 90]. فسلك النبى جميع المسالك التى سلكها الانبياء باجمعهم فلم يتحقق له الخروج ايضا بقدم السلوك من الوجود المجازى بالكلية حتى تداركته العناية الازلية لاختصاصه بالمحبوبية بجذبات الربوبية واخرجته من الوجود المجازى ليلة اسرى بعدما عبر به على الانبياء كلهم وبلغ فى القرب الى الكمالية فى الدنو وهو سر او ادنى فاستسعد سعادة الوصول الى الوجود الحقيقى فى سر فاوحى الى عبده ما اوحى وفى الحقيقة قيل له فى تلك الحالة {اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى} ولكن فى حجة الوداع فى يوم عرفة عند وقوفه بعرفات اظهر على الامة عند اظهاره على الاديان كلها وظهور كمالية الدين بنزول الفرائض والاحكام بالتمام فقال {اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا} ويدل على هذا التأويل ما روى ابو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثلى ومثل الانبياء من قبلى كمثل رجل ابتنى بيوتا فاحسنها واجملها واكملها الا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيات فيقولون ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بناؤها "قال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم "فانا اللبنة" " .تفسير : متفق على صحته فصح ما قرر من مقامات الانبياء وتكامل الدين بهم وكماليته بالنبى عليه السلام وبخروجه من الوجود المجازى بالكلية وان الانبياء لم يخرجوا منه بالكلية ويدل عى هذا المعنى ايضا ان الانبياء كلهم يوم القيامة يقولون نفسى نفسى لبقية الوجود والنبى عليه السلام امتى امتى لفناء الوجود فافهم جدا ومن كرامة هذه الامة اشتراكهم فى كمالية الدين مع النبى بمتابعته وقال واتممت عليكم نعمتى} وهى اسبال تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبى عليه الصلاة والسلام {ورضيت لكم الاسلام دينا} وهو استسلام الوجود المجازى الى النبى وخلفائه بعده ليطرح عليه اكسير المتابعة فيبدل الوجود المجازى المحبى بالوجود الحقيقى المحبوبى كما قال تعالى {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} تفسير : [آل عمران: 31]. يعنى ويغفر بالوجود الحقيقى ذنوب الوجود المجازى فافهم جدا وتنبه {فمن اضطر فى مخمصة} يعنى فمن ابتلى بالتفاته الى شىء من الدنيا والآخرة مضطرا اليه فى غاية الاضطرار والابتلاء لسر التربية {غير متجانف لاثم} يعنى غير مائل اليه للاعراض عن الحق ولكن من فترة تقع للصادقين او وقفة تكون للسالكين ثم يتداركونها بصدق الالتجاء الى الحق وارواح المشايخ والاستعانة بهم وطلب الاستغفار من ولاية البنين واعانتهم {فان الله غفور} لما ابتلاهم به {رحيم} بان يهديهم الى الصراط المستقيم باقامة الدين القويم كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: {حُرِّمَت عليكم الميتة} أي: ما ماتت حَتْفَ أنفها بلا ذكاة، {والدم} المسفوح، أي: المهروق، وكانت الجاهلية يصبّونه في الأمعاء، ويشوونها، ورُخِّصَ في الباقي في العروق بعد التذكية، {ولحم الخنزير}، وكذا شحمه وسائر أجزائه المتصلة، بخلاف الشعر المجزوّ، {وما أُهَلَّ لغير الله به} أي: رفع الصوت عليه عند ذبحه بغير الله، كقولهم: باسم اللاّت والعزّى، وكذا ما تُرِكَ عليه اسم الله عَمْدًا، عند مالك {والمنخنقة} بحبل وشبهه حتى ماتت، {والموقوذة } أي: المضروبة بعصا أو بحجر أو شبهه، من: وقذته وقذًا: ضربته، {والمتردية} أي: الساقطة من جبل أو في بئر وشبهه فماتت، {والنطيحة} التي نطحتها أخرى فماتت، فإن لم تمت؛ فإن كان في المصران الأعلى فكذلك، لا في الأسفل أو الكرش. {وما أكل السّبع} أي: أكل بعضه وأنفذ مقتله، والسبّع: كل حيوان مفترس كالذئب والأسد والنّمر والثعلب والنّمس والعُقاب والنّسر {إلاّ ما ذكّيتم} أي: إلا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة من ذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جُزَيّ: قيل: إنه استثناء منقطع، وذلك إذا أُريد بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من ذلك بالخنق وما بعده، أي: حُرِّمَت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكَّيتم من غيرها فهو حلال، وهذا ضعيف، وقيل: إنه استثناء متصل، وذلك إن أُريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت حياته. والمعنى: إلا ما أدركتم حياته من هذه الأشياء، فهو حلال، واختلف أهل هذا القول؛ هل يُشتَرَط أن يكون لم تنفذ مقاتله، أم لا؟ فالأئمة كلهم على عدم الاشتراط إلا مالكًا ـ رحمه الله ـ، وأما مَن لم تُشرِف على الموت من هذه الأسباب، فذكاتها جائزة باتفاق. هـ. {و} حُرِّمَ عليكم أيضًا: {ما ذُبِحَ على النُّصُب}، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت، يذبحون عليها ويعدُّون ذلك قُرْبَة، وليست بالأصنام؛ لأن الأصنام مُصَوّرة، والنُّصُب غير مُصَوَّرة، وقيل: {على} بمعنى اللام، أي: وما ذُبِحَ للنُّصُب، والمراد كلّ ما ذُبحَ لغير الله. {وأن تستقسموا بالأزلام} أي: تطلبوا ما قسم لكم في الأزل من المقادير بالأزلام، جمع زلم ـ بضم الزاي وفتحها ـ وهي الأقداح على قدر السهام. وكانت في الجاهلية ثلاثة، قد كُتب على أحدها: افعل، على الآخر: لا تفعل، وعلى الثالث: مهمل، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرًا جعلها في خريطة، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه " افعل"؛ فعل ما أراد، وإن خرج الذي فيه " لا تفعل"، تركه. وإن خرج المهمل أعاد الضرب، ويقاس عليه كل ما يدخل في علم الغيب، كالقريعة والحظ والنصبة والكهانة، وشبهها. {ذلكم فسق}، الإشارة إلى المحرمات المذكورة، أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما كان فسقًا؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به، وفيه تجسس على سر الملك، وهو حرام، ولا يعارض ما ثبت جوازه من القرعة، في أمور مخصوصة كتمييز الأنصبة في القسمة، وقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقترع بين نسائه"، وغير ذلك مما تفيد تطييب القلوب، دون الاطلاع على علم الغيوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: حرمت عليكم يا معشر المريدين طلب الحظوظ والشهوات، وما تموت به قلوبكم من الانهماك في الغفلات، وتناول ما أعطِيكم لغير وجه الله، وقبضتموه من غير يد الله، بأن نظرتم حين قبضه إلى الواسطة، وغفلتم عن المعطي حقيقة، فمقتضى شريعة الخواص: إخراجه عن الملك، وحرمان النفس من الانتفاع به، كما وقع لبعض الأولياء، ولا تتناولوا من الطعام إلا ما ذكيتموه بأن شهدتم فيه المنعم دون الوقوف مع النعمة، ونزلتم إليه بالإذن، دون قصد الشهوة والمتعة، وهذا يحتاج إلى تيقظ كبير ومراقبة قوية. والله يتجاوز عن أمثالنا بحلمه وكرمه. آمين. ولمَا حرم الله تعالى هذه الاشياء حصل للمشركين الإياس من موافقة المسلمين لهم في دينهم، فلذلك ذكره الحق تعالى بإثر تحريمها، فقال: {... ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً...} يقول الحقّ جلَ جلاله: {اليوم} الذي أنتم فيه، وهو يوم الجمعة، ويوم عرفة في حجة الوداع، {يئس الذين كفروا من دينكم} أن يبطلوه، أو يظهروا عليه بحصول المباينة لهم في أمورهم كلها، ولظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين، قيل: إنه وقف معه صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويحتمل أن يريد باليوم الزمان الحاضر، وما يتصل به من الأزمنة الآتية، {فلا تخشوهم} أن يظهروا عليكم، {واخشون} وحدي؛ فأمرهم بيدي. {اليوم أكملتُ لكم دينكم} بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أحوال الشرائع وقوانين الاجتهاد، {وأتممتُ عليكم نعمتي} بالهداية والتوفيق، أو بإكمال الدين، وبالفتح والتمكين، بهدم منار الكفر، ومحو علل الملحدين، {ورضيتُ لكم الإسلام دينًا} أي: اخترته لكم من بين الأديان، الذي لا نرتضي غيره، ولا نقبل سواه. الإشارة: إذا حصل المريد على أسرار التوحيد، وخاض بحار التفريد، وذاق حلاوة أسرار المعاني، وغاب عن شهود حس الأواني، وحصل له الرسوخ والتمكين في ذلك، أيِسَ منه الشيطان وسائر القواطع، فلا يخشى أحدًا إلا الله، ولا يركن إلى شيء سواه، وأمِنَ من الرجوع في الغالب، إلا لأمر غالب، { أية : وَاللهً غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } تفسير : [يُوسُف:21]. ولذلك قال بعضهم: ( والله ما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع). والوصول هو التمكين فيما ذكرنا، فإذا حصل على كمال المعرفة، ووقف على عرفة المعارف، فقد كمل دينه واستقام أمره، وظهرت أنواره، وتحققت أسراره، وما بقي إلا الترقي في الأسرار أبدًا سرمدًا، والسير في المقامات كسير الشمس في المنازل، ينتقل فيها من مقام إلى مقام، بحسب ما يبرز من عنصر القدرة، فتارة يبرز معه ما يوجب الخوف، وتارة ما يوجب الرجاء، وتارة ما يوجب الرضا والتسليم، وتارة ما يوجب التوكل، وهكذا يتلون مع كل مقام ويقوم بحقه، ولا يقف مع مقام ولا مع حال، لأنه خليفة الله في أرضه، وقد قال تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمِ هُوَ في شَأْنٍ }تفسير : [الرحمن:29]، وهذا هو التلوين بعد التمكين. والله تعالى أعلم. ثم استثنى من تلك المحرمات حالة المضطر، فقال: {... فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قال البيضاوي: هو متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض مما يوجب التجنب عنها، وهو أن تناولها فسوق، وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المرضي. هـ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فمن اضطر} إلى تناول شيء من هذه المحرمات {في مخمصة} أي: مجاعة، حال كونه {غير متجانف} أي: مائل للإثم وقاصد له، بأن يأكلها تلذذًا أو متجاوزًا حد الرخصة، قيل: هو سد الرمق، وقال ابن أبي زيد: يأكل منها ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها. هـ. فإن تناولها للضرورة {فإن الله غفور} له {رحيم} به؛ حيث أباحها له في تلك الحالة. الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كلها كالميتة، لا يحل منها للذاكر إلا قدر الضرورة أكلاً وشربًا وملبسًا ومركبًا، حتى يتحقق له الوصول، فما بقي لأحد حينئٍذ ما يقول، وعلامة الوصول: هو الاكتفاء بالله دون الاحتياج لشيء سواه، إن افتقر اغتنى في فقره، وإن ذل عز في ذله، وإن فقد وجد في فقده، وهكذا في تقلبات الأحوال لا يتضعضع ولا يتزلزل، ولو سقطت السماء على الأرض. والله تعالى أعلم. ولمّا ذكر ما حرَّم عليهم؛ ذكر ما أحل لهم، فقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ}.

الطوسي

تفسير : [اللغة]: بين الله (تعالى) في هذا الآية ما استثناه في قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} فهذا مما تلاه علينا فقال مخاطباً للمكلفين: {حرمت عليكم الميتة} وأصله الميتة مشدد غير انه خفف، ولو قرئ على الاصل كان جائزاً إلا انه لم يقرأ به احد ها هنا إلا أبا جعفر المدني يقال: ميت بمعنى واحد. وقال بعضهم الميت لما لم يمت والميت لما قد مات وهذا ليس بشيء لان ميت يصلح لما قد مات، ولما سيموت. قال الله (تعالى): {إنك ميت وإنهم ميتون} وقال الشاعر في الجمع بين اللغتين: شعر : ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الاحياء تفسير : فجعل الميت مخففاً من الميت وقال بعضهم: الميتة كلما له نفسٌ سائلة من دواب البر، وطيره مما اباح الله اكلها أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه سمى الجراد والسمك ميتاً فقال:حديث : ميتتان مباحان: الجراد، والسمك . تفسير : وقوله: {والدم} تقديره، وحرم عليكم الدم. وقيل: إنهم كانوا يجعلون في المباعر يشوونها وياكلونها، فاعلم الله تعالى ان الدم المسفوح أي المصبوب حرام، فاما المتلطخ باللحم، فهو كاللحم، وما كان منه كاللحم مثل الكبد فهو مباح. وأما الطحال، فهو محرم عندنا. وقد روي كراهته عن "علي عليه السلام، وابن مسعود واصحابهما" وعند جميع الفقهاء أنه مباح. وانما شرطنا في الدم المحرم ما كان مسفوحا، لانه (تعالى) بين ذلك في آية اخرى فقال: {أو دماً مسفوحاً}. وقوله: {ولحم الخنزير} معناه وحرم عليكم لحم الخنزير اهليه وبريه، فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج العموم. والمراد بهما الخصوص. ولحم الخنزير على ظاهره في العموم. وكذلك كل ما كان من الخنزير حرام كلحمه من الشحم والجلد، وغير ذلك وقوله: {وما أهل لغير الله به} موضع ما رفع وتقديره وحرم عليكم ما اُهلّ لغير الله به. ومعنى اُهلّ لغير الله به ما ذبح للاصنام والأوثان أي ذكر اسم غير الله عليه، لان الاهلال رفع الصوت بالشيء. ومنه استهلال الصبي وهو صياحه إذا سقط من بطن امه. ومنه إهلال المحرم بالحج أو العمرة: إذا لبّى به. قال ابن احمر: شعر : يهل بالفرقد ركباننا كما يهل الراكب المعتمر تفسير : فما تقرب به من الذبح لغير الله او ذكر عليه غير اسمه حرام، وكل ما حرم اكله مما عددناه يحرم بيعه وملكه، والتصرف فيه. والخنزير يقع على الذكر والانثى. وفي الاية دلالة على ان ذبائح من خالف الاسلام، لا يجوز اكله، لانهم يذكرون عليه اسم غير الله لانهم يعنون بذلك من ابد شرع موسى، أو اتخذ عيسى ابناً، وكذب محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) وذلك غير الله، فيجب أن لا يجوز أكل ذبيحته. فاما من اظهر الاسلام، ودان بالتجسيم، والصورة وقال بالجبر والتشبيه أو خالف الحق، فعندنا لا يجوز اكل ذبيحته. فاما الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وموارثته، فانه يجري عليه، لان هذه الأحكام تابعة في الشرع لاظهار الشهادتين. واما مناكحته فلا تجوز عندنا. وقال البلخي حاكياً عن قوم: إنه لا يجوز أجراء شيء من ذلك عليهم. وحكى عن آخرين أنه يجري جميع ذلك عليهم، لانها تجري على من اظهر الشهادتين دون المؤمنين على الحقيقة، وكذلك أجريت على المجانين، والاطفال. فاما التسمية على الذبيحة، فعندنا واجبة من تركها متعمداً، لا يجوز اكل ذبيحته، وان تركها ناسياً، لم يكن به بأس. وكذلك إن ترك استقبال القبلة متعمداً لم يحل أكل ذبيحته، وان تركه ناسياً، لم يحرم... وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. والمنخنقة قال السدي: هي التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق وتموت. وقال الضحاك: هي التي تخنق وتموت. وقال قتادة: هي التي تموت في خناقها. وقال ابن عباس: هي التي تختنق، فتموت. وحكي عن قتادة ان أهل الجاهلية كانوا يخنقونها، ثم يأكلونها. والاولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك وهي التي تختنق حتى تموت، سواء كان في وثاقها أو بادخال رأسها في موضع لا تقدر على التخلص أو غير ذلك، لان الله (تعالى) وصفها بأنها المنخنقة، ولو كان الامر على ما حكي عن قتادة، لقال: "والمخنوقة". وقوله: {والموقوذة} يعني التي تضرب حتى تموت: يقال: وقذتها أقذها وقذاً وأوقذها يوقذها إيقاذاً: إذا اثخنتها ضرباً. قال الفرزدق: شعر : شفارة تقذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الابكار تفسير : وهو قول ابن عباس، وقتادة والضحاك والسدي: وقوله: {والمتردية} يعني التي تقع من جبل، أو تقع في بئر أو من مكان عالٍ، فتموت. وهو قول ابن عباس. وقتادة والسدي، والضحاك ومتى وقع في بئر ولا يقدر على موضع ذكاته، جاز أن يطعن ويضرب بالسكين في غير المذبح حتى يبرد، ثم يؤكل. وقوله: {والنطيحة} يعني التي تنطح أو تنطح، فتموت والنطيحة بمعنى المنطوحة، فنقل من مفعول الي فعيل، فان قيل: كيف تثبت فيها الهاء، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول مثل لحية دهين، وعين كحيل وكف خضيب، بلا هاء، التأنيث في شيء من ذلك؟ قيل: اختلف في ذلك فقال: بعض البصريين اثبت فيها الهاء أعني في النطيحة، لانها جعلت كالاسم، مثل الطويلة والظريفة فوجه. هذا تأويل النطيحة الي معنى الناطحة. ويكون المعنى حرمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها. وقال بعض الكوفيين: إنما يحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها، مثل كف خضيب، وعين كحيل، فاما إذا حذف الكف والعين والاسم الذي يكون فقيل نعتاً له واجتزوا بفعيل أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر فيقول: راينا كحيلة وخضيبة واكيلة السبع، فلذلك دخلت الهاء في النطيحة، لانها صفة المؤنث. والقول بأن النطيحة بمعنى المنطوحة هو قول اكثر المفسرين: ابن عباس، وابو ميسرة والضحاك، والسدي وقتادة، لانهم اجمعوا على تحريم الناطحة والمنطوحة إذا ماتاً. وقوله: {وما أكل السبع} موضع (ما) رفع وتقديره وحرم عليكم ما اكل السبع بمعنى ما قتله السبع. وهو قول ابن عباس، والضحاك وقتادة، وهو فريسة السبع. وقوله: {إلا ما ذكيتم} معناه إلا ما ادركتم ذكاته، فذكيتموه من هذه الاشياء التي وصفها. وموضع (ما) نصب بالاستثناء. واختلفوا في الاستثناء إلى ماذا يرجع فقال قوم: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع} الا ما لا يقبل الذكاة من الخنزير والدم. وهو الاقوى. ذهب اليه علي (عليه السلام) وابن عباس قال: وهو أن تدركه تتحرك أذنه او ذنبه، أو تطرف عينه. وهو المروى عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) وبه قال الحسن وقتادة وإبراهيم وطاووس، وعبيد بن عمير والضحاك، وابن زيد وقال اخرون: هو استثناء من التحريم، لا من المحرمات، لان الميتة لا ذكاة لها، ولا الخنزير قالوا: والمعنى حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكر إلا ما ذكيتم مما احله الله لكم بالتذكية، فانه حلال لكم. ذهب اليه مالك وجماعة من أهل المدينة، والجبائي وسئل مالك من الشاة يخرق جوفها السبع حتى يخرج أمعاءها فقال لا أرى ان تذكى ولا يؤكل أي شيء يذكى منها. وقال كثير من الفقهاء إنه يراعي أن يلحق فيه حياة مستقرة، فيذكى ويجوز أن يؤكل وما يعلم أنه لا حياة فيه مستقرة، فلا يجوز بحال. واختار الطبري الأقل. وقال: كل ما أدرك ذكاته مما ذكر من طير أو بهيمة قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده، فحلال اكله إذا كان مما أحله الله لعباده واختار البلخي، والجبائي الاول، فان قيل: فما وجه تكرير قوله: {وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة} وجميع ما عدد تحريمه في هذه الآية وقد افتتح الآية بقوله: {حرمت عليكم الميتة} والميتة تعم جميع ذلك وان اختلفت أسباب موته من خنق أو ترد أو نطح أو اهلال لغير الله به أو اكيل سبع. وانما يكون لذلك معنى على قول من يقول: إنها، وان كانت فيها حياة إذا كانت غير مستقرة، فلا يجوز أكلها. قيل: الفائدة في ذلك ان الذين خوطبوا بذلك لم يكونوا يعدون الميت إلا ما مات حتف انفه من دون شيء من هذه الاسباب، فاعلمهم الله ان حكم الجميع واحد، وان وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة. وقال السدي إن ناساً من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك، ولا يعدونه ميتاً. انما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. والتذكية: هو فري الاوداج والحلقوم إذا كانت فيه حياة، ولا يكون بحكم الميت. واصل الذكاء في اللغة تمام الشي فمن ذلك الذكاء في السن، والفهم وهو تمام السن. قال الخليل: الذكاء أن تأتي في السن على قروحه، وهو سن في ذات الحافر، هي البزولة في ذات الخف، وهي الصلوغه في ذات الظلف. وذلك تمام استكمال القوة. قال الشاعر: شعر : يفضله اذا اجتهدا عليها تمام السن منه والذكاء تفسير : وقيل جرى المذكيات غلاب اي جرى المسار التي قد أسنت ومعنى تمام السن النهاية في الشباب، فاذا نقص عن ذك أو زاد، فلا يقال له الذكاء. والذكاء في الفهم أن يكون فهما تاماً سريع القبول وذكيت النار إنما هو من هذا تأويله أتممت اشعالها فالمعنى على هذا ما ذكيتم أي ما ادركتم ذبحه على التمام. وقوله: {وما ذبح على النصب} فالنصب: الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الاوثان. واحدها نصب، ويجوز أن يكون واحداً، وجمعه أنصاب. (وما) موضعه رفع عطفاً على ما تقدم. وتقديره وحرم عليكم ما ذبح على النصب. وبه قال مجاهدو ابن جريج، وقتادة. وقال ابن جريج: النصب ليست اصناما الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً. ومنهم من يقول ثلثمائة منها لخزاعه، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه، فانزل الله {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها... الاية} وقوله: {وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} موضع (ان) رفع. وتقديره. وحرم عليكم الاستقسام بالازلام. وواحد الأزلام زلم وزلم قال الراجز: شعر : بات يراعيها غلام كالزلم تفسير : وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها أمرني ربي، وعلى بعضها نهاني ربي، فاذا أرادوا سفراً أو أمراً يهتم به. ضربوا تلك القداح فان خرج السهم الذي عليه أمرني ربي، مضى لحاجته وإن خرج الذي عليه نهاني ربي، لم يمض، وإن خرج ما ليس عليه شيء أعادوها فبين الله (تعالى) أن ذلك حرام العمل به. والاستقسام الاستفعال من قسمت أمري أي قلبته ودبرته قال الراعي: شعر : وتركت قومي يقسمون امورهم اليك أم يتلبثون قليلا تفسير : وقيل: معناه طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفاءلون بها في اسفارهم وابتداءات أمورهم قال الشاعر يفتخر بقوة عزيمته وانه لا يلتفت إلى ذلك. شعر : أولم اقسم فترثبني القسوم تفسير : وبه قال ابن عباس، وقتادة وسعيد بن جبير، ومجاهد والسدي قال مجاهد: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها. وقوله: {ذلكم فسق} معنى هذه الاشياء التي ذكرها فسق يعني خروج من طاعة الله إلى معصيتة وهو قول ابن عباس، وأصله من فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها. قال الزجاج: ولو كان بعض هذه المرفوعات نصباً بتقدير وحرم الله الدم ولحم الخنزير، لكان جائزاً إلا انه لم يقرأ به احد والقراءة متبعة، لا يجوز خلاف ما قرئ به. وقوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} نصب اليوم على الظرف. والعامل فيه يئس ذو والفسق اليوم. وليس يراد به يوماً بعينه ومعناه الآن يئس الذين كفروا من دينكم، كما يقول القائل: أنا اليوم قد كبرت، وهذا لا يصلح إلى اليوم يريد الآن. وبئس على وزن فعل ييأس على وزن يفعل - بفتح العين، وروي بكسرها - وقيل: يئس على وزن لعب بكسر اللام، والعين - وذكر يأيس. والمعنى ان الله قد حول الخوف الذي كان يلحقكم منكم اليهم، ويئسوا من بطلان الاسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون به من قوله، ليظهره على الدين كله. والدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالقيام به. ومعنى يئس انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه إلى الشرك. وبه قال ابن عباس والسدي وعطا. وقيل: إن اليوم الذي ذكر هو يوم عرفة من حجة الوداع بعد دخول العرب كلها في الاسلام. ذهب اليه مجاهد، وابن جريج وابن زيد. وقيل: يوم جمعة، لما نظر النبي (صلى الله عليه وآله) فلم ير الا مسلماً موحداً، أو لم ير مشركا. وقوله {فلا تخشوهم} هذا خطاب للمؤمين نهاهم الله ان يخشوا ويخافوا من الكفار أن يظهروا على دين الاسلام، ويقهروا المسلمين ويردوهم عن دينهم، ولكن اخشوني وخافوني إن خالفتم امري وارتكبتم معصيتي ان احل بكم عقابي وأنزل عليكم عذابي وهو قول ابن جريج، وغيره. وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} في تأويله ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس، والسدي واكثر المفسرين إن معناه أكملت لكم فرائضي وحدودي وأمري ونهيي وحلالي وحرامي بتنزيلي ما انزلت، وتبياني ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك، ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم. وكان ذلك اليوم عام حجة الوداع قالوا: ولم ينزل بعد هذا على النبي (صلى الله عليه وسلم) شيء من الفرائض في تحليل شيء، ولا تحريمة وأنه (عليه السلام) مضى بعد ذلك بأحدى وثمانين ليلة. وهو اختيار الجبائي والبلخي، فان قيل: أكان دين الله ناقصاً في حال حتى أتمه ذلك اليوم؟ قيل: لم يكن دين الله ناقصاً في حال، ولا كان إلا كاملا، لكن لما كان معرضاً للنسخ، والزيادة فيه. وذلك يجري مجرى وصف العشرة بانها كاملة العدد، ولا يلزم أن توصف بانها ناقصة، لما كان عدد المئة اكثر منها، واكمل. فكذلك ما قلناه. وقال الحكم وسعيد بن جبير وقتادة معناه أكملت لكم حجكم وأفردتكم بالبلد الحرام تحجون دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك وهو الذي اختاره الطبري قال لان الله قد انزل بعد ذلك قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وقال الفراء هي آخر آية نزلت. وهذا الذي ذكره لو صح لكان ترجيحاً لكن فيه خلاف. وقال الزجاج: معنى اكملت لكم الدين كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك. وكمل لنا ما نريد أي كفينا ما كنا نخافه. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أن الآية نزلت بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وسلم) علياً علماً للامة يوم غد يرخم منصرفه عن حجة الوداع، فانزل الله يومئذ {اليوم أكملت لكم دينكم}. وقوله: {وأتممت عليكم نعمتي} خاطب الله (تعالى) جميع المؤمنين بأنه أتم نعمته عليهم باظهارهم على عدوهم المشركين، ونفيهم إياهم عن بلادهم، وقطعه طمعهم من رجوع المؤمنين، وعودهم إلى ملة الكفر، وانفراد المؤمنين بالحج والبلد الحرام. و: قال ابن عباس وقتادة والشعبي. وقوله: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} معناه رضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي على ما شرعت لكم من حدوده، وفرائضه ومعالمه ديناً يعني بذلك طاعة منكم لي. فان قيل: أو ما كان الله راضياً الاسلام ديناً لعباده الا يوم أنزلت هذه الاية؟ قيل: لم يزل الله راضياً لخلقه الاسلام ديناً، لكنه لم يزل يصف نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) واصحابه في درجات الاسلام، ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال حتى اكمل لهم شرائعه وبلغ بهم أقصى درجاته، ومراتبه، ثم قال: حين أنزلت هذه الآية {ورضيت لكم الإسلام ديناً} فالصفة التي لها اليوم والحال التي انتم عليها، فالزموه، ولا تفارقوه. قال ابن عباس وعمر وعامر الشعبي وقتادة، كان ذلك يوم الجمعة. وقال الطاووس بن شهاب، وشهر ابن خوشب، واكثر المفسرين نزلت هذه الآية يوم عرفة حجة الوداع. وروى حنش عن ابن عباس، قال: ولد النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت المائدة يوم الاثنين، وانزلت {اليوم أكملت لكم دينكم يوم الاثنين} ورفع الذكر يوم الاثنين. وقال الربيع بن أنس: نزلت في المسير من حجة الوداع. وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم} معناه من دعته الضرورة في مجاعة لان المخمصة شدة ضمور البطن. لاثم أي غير مائل إلى إثم. والمخمصة مفعلة، مثل المجنبة والمنجلة من خمص البطن وهو طيه، واضطماره من الجوع، وشدة السغب ها هنا دون أن يكون مخلوقا كذلك. قال النابغة الدنباني في صفة امرأة بخمص البطن: شعر : والبطن ذوعُكن خميصٌ لين والنحر ينفجه بثدي مقعد تفسير : ولم يرد بذلك وصفها بالجوع، لكن أراد وصفها بلطافة طيّ ما علا الاوراك والافخاذ من جسدها، لان ذلك المحمود من النساء. فاما الاضطمار من الضر فكقول أعشى ثعلبة: شعر : تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غبرٌ تبئنَ خماصاً تفسير : يعني يبتن مضطمرات البطن من الجوع. وقال بعض نحوي البصريين: المخمصة المصدر من خمصه الجوع. وغيره يقول: هو اسم للمصدر، وكذلك تقع المفعلة اسماً في المصادر للتأنيث، والتذكير: والذي قلناه هو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. وقوله: {غير متجانف لإثم} نصب على الحال. والمتجانف المتمايل للاثم المنحرف اليه. ومعناه في هذا الموضع المعتمد له القاصد اليه من جنف القوم: إذا مالوا. وكل اعوج، فهو اجنف. والمعنى فمن اضطر الى أكل الميتة، وما عدّد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمد الى ذلك، ولا مختار له، ولا مستحل له على كل حال، فان الله أباحه له. تناول ذلك مقدار ما يمسك رمقه، لا زيادة عليه. وهو قول أهل العراق. وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة. وما قلناه قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة. قال قتادة: {غير متجانف لإثم} أي غير عاص بان يكون باغياً أو محاربا أو خارجا في معصيتة. وقال ابن زيد: لا تأكل ذلك ابتغاء الاثم ولا جرأةً عليه. وقوله: {فإن الله غفورٌ رحيمٌ} في الكلام متروك دَلّ ما ذكر عليه، لان المعنى فمن اضطر في مخمصة الى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية غير متجانف لأثم، فاكله لدلالة الكلام عليه. ومعنى {فإن الله غفورٌ رحيمٌ} ان الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله في مخمصة متجانف، لأثم غفور لذنوبه أي ساترعليه أكله، ويعفو عن مؤاخذته به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك، لانه اباحه له، فلا يستحق عليه العقاب وهو رحيم أي رفيق بعباده. لان رحمته ورفقه أنه أباح لهم أكل ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس وروى المثنى قال: قلنا يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنا بارض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: حديث : إذا لم تصطبحوا أو تعتبقوا أو تختفؤا بها بقلا، فشأنكم بها بقلا تفسير : ، وقال الحسن: يأكل منها مسكته. وذكر في تختفئوا خمس لغات: تختفئوا بالهمزة وتختفوا - بحذفها - وتختفيوا - بقلبها ياء - وتختفوا وتخفوا - بالتخفيف - والخفا أصل البردي كانوا يقشرونه ويأكلونه في المجاعة، فمع وجود ذلك لا يجوز اكل الميتة. وقوله: {فإن الله غفور رحيم} عقيب قوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} لا يدل على ان له أن يعاقبهم على فعل المباح، لان الوجه في ذلك أنه أراد أن يصف نفسه بمغفرة الذنوب وسترها، والصفح عنها ليدل بذلك على أنه أحرى ألا يؤخذ بفعل المباحات التي ليست بذنوب، كما قال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فدل على أن ما يفعله من المغفرة أو العقوبة صواب وحكمة، ليكون أعم في الدلالة على استحقاقه الاوصاف المحمودة. واجاز بعضهم أن يكون ذلك ثواباً لبعض المكلفين قدمه، كما انه يجوز ان تكون الحدود عقاباً لهم قدمه فلا شبهة في ذلك.

فرات الكوفي

تفسير : {اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمْ الإسْلامَ ديناً3} فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن جعفر عليه السلام: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} قال: بعلي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ر، ب]. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن إبراهيم بن محمد بن إسحاق العطار وكان من أصحاب جعفر [عليه السلام. أ، ب. قال: سمعته] يقول في قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} قال: بعلي [ر: في علي. عليه السلام. أ، ب]. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الأزدي قال: حدثنا محمد - يعني ابن الحسين الصائغ- قال: حدثنا الحسن بن علي الصيرفي عن محمد البزاز عن فرات بن أحنف: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت [له. أ]: جعلت فداك للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ويوم الجمعة ويوم عرفة؟ قال: فقال لي: نعم أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله منزلة، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأنزل على نبيه {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} قال: قلت: وأي يوم هو؟ قال: فقال لي: إن أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا أراد أحدهم أن يعقد الوصية والإمامة للوصي من بعده ففعل ذلك جعلوا ذلك اليوم عيداً، وإنه اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً للناس علماً وأنزل فيه ما أنزل، وكمل [ب: أكمل] فيه الدين وتمت فيه النعمة على المؤمنين. قال: قلت: وأي يوم هو فى السنة؟ قال: فقال لي: إن الأيام تتقدم وتتأخر فربما كان يوم السبت والأحد والأثنين إلى آخر الأيام [السبعة. أ، ر]. قال: قلت: فما ينبغي لنا أن نعمل في ذلك اليوم؟ قال: هو يوم عبادة وصلاة وشكر لله [تعالى. أ، ب] وحمد له وسرور لما من الله به عليكم من ولايتنا وإني أحبّ لكم أن تصوموه [أ، ب: تصوموا]. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا علي بن حفص العوسي [أ: العرسى] قال: حدثنا يقطين الجواليقي: عن جعفر عن أبيه [عليهما السلام. ب] في قوله [2: قول الله]: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة دون الناس. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: حين أنزل الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} قال: فكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات [بن إبراهيم الكوفي. ش] قال: حدثني علي بن أحمد بن خلف الشيباني [قال: حدثنا عبد الله بن علي بن المتوكل الفلسطيني عن بشر بن غياث عن سليمان بن عمرو العامري عن عطاء عن سعيد]: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حديث : بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ر، ب] بمكة أيام الموسم إذ التفت النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] إلى علي [عليه السلام. ب] وقال [أ: فقال:] هنيئاً لك وطوبى لك يا أبا الحسن إن الله قد أنزل علي آية محكمة غير متشابهة ذكري وإياك فيها سواء فقال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} بيوم عرفات [ر: عرفة] ويوم جمعة. هذا جبرئيل [عليه السلام. ر، ب] يخبرني عن الله إن الله يبعثك [أنت. أ] وشيعتك يوم القيامة ركباناً غير رجالة [ر: رجال] على نجائب [ب: النجائب] فرحلها! من النور [ب: نور] فتناخ عند قبورهم فيقال لهم: اركبوا يا أولياء الله فيركبون صفاً معتدلاً أنت أمامهم إلى الجنة حتى إذا صاروا إلى الفحص ثارت في وجوههم ريح يقال لها المثيرة فتذري في وجوههم المسك الأذفر فينادون بصوت لهم نحن العلويون فيقال لهم: إن كنتم العلويون فأنتم الآمنون {ولا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} [ب، أ (خ ل): الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون] . تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن عبد الواحد معنعناً: حديث : عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينا نحن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم- يعني بعرفات - إذ قال: أفيكم علي [بن أبي طالب. ر]؟ قلنا: بلى يا رسول الله فقربه منه و ضرب بيده على منكبه ثم قال: طوبى لك [ب: طوباك] يا علي نزلت علي آية ذكري وإياك فيها سواء فقال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}. هذا جبرئيل يخبرني عن الله: إذا كان يوم القيامة جئت أنت وشيعتك ركباناً على نوق من نور البرق تطيرهم [ب: تطير بهم] في أرجاء الهواء ينادون في عرصة القيامة: نحن العلويون. فيأتيهم النداء من قبل الله: أنتم المقربون الذين لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنونتفسير : . فقال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية: {اليوم أكملت لكم دينكم} بالنبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] {وأتممت عليكم نعمتي} بعلي {ورضيت لكم الإسلام ديناً} بعرفات.

الأعقم

تفسير : {حرّمت عليكم الميتة والدم} الآية قيل: كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات التي تموت {ولحم الخنزير} وكل شيء منه حرام وإنما خص اللحم لأنه أعظم منافعه {وما أُهلَّ لغير الله به} وهو قولهم عند الذبيحة بسم اللات والعزى {والمنخنقة} وهي التي خنقوها حتى ماتت بسبب ذلك {والموقوذة} التي ضربت بعصا أو حجر حتى ماتت {والمتردية} التي تردَّت من جبل أو بئر {والنطيحة} التي نطحتها أخرى فماتت منه {وما أكل السَّبْعُ} بعضه {إلا ما ذكيتم} ذكاة وهو يضطرب اضطراب المذبوح {وما ذبح على النصب} كانت لهم حجارة حول البيت يذبحون لها ويشرخون اللحم عليها يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها تسمى الأنصاب والنصب {وأن تستقسموا بالأزلام} وحرام عليهم الاستقسام بالأزلام كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارةً أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب الأقداح، قيل: ثلاثة مكتوب على واحد منها أمرني ربي، وعلى واحد نهاني ربي، والثالث عُقَل، فإذا أرادوا أمراً أحالوها فإن خرج أمرني لم يكن له بدّ من فعله، وإن خرج نهاني لم يكن له بدّ من تركه، وإن خرج العُقَل حالوها ثانية، وقيل: هي أزلام الحرور وهي عشرة، وقيل: هي كعار فارس والروم، التي يتقامرون بها {ذلكم فسق} إشارة إلى الاستقسام، أو إلى تناول ما حرّم عليهم، لأن المعنى: حرم عليكم تناول الميتة {اليوم يئِسَ الذين كفروا من دينكم} أي يغلبوك لأن الله تعالى وفى بما وعد من إظهاره على الدين كله {فلا تخشوهم واخشونِ} بعد إظهار الدين، وقيل: الآية نزلت يوم عرفة عام حجة الوداع سنة عشر لما نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يَرَ مشركاً ولا عرياناً ولم يَرَ إلا موحّداً حَمَدَ الله وأثنى عليه فنزلت الآية قال الحسن: ذلك اليوم أكمل الله فيه الدين كقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية يعني أن الكفار قطعوا أطماعهم عنكم وآيسوا منكم بأن ترجعوا إلى دينهم {فمن اضطر} إلى الميتة أو إلى غيرها {في مخمصة} في مجاعة {غير متجانف لإِثم} غير منحرف إليه كقوله: {أية : غير باغ ولا عاد}تفسير : [البقرة: 173].

الهواري

تفسير : قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} أي: ما ذبح لغير الله. {وَالمُنْخَنِقَةُ}. قال بعضهم: المنخنقة: التي تختنق في حبلها فتموت، كانوا يأكلونها. {وَالمَوْقُوذَةُ} كانوا يضربونها بالخشبة حتى تموت ثم يأكلونها. {وَالمُتَرَدِّيَةُ} التي تتردّى في بئر فتموت فيأكلونها. {وَالنَّطِيحَةُ} الكبشان ينتطحان فيموت أحدهما، كانوا يأكلونه. {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} أي إلا ما أدركتم ذكاته. قال بعضهم: كل ما أدركتم من هذا كله، ما خلا الخنزير، من عين تطرف، أو قائمة ترتكض، أو ذَنَب يتحرّك، فأدركت ذكاته، فذكرت اسم الله عليه، فقد أحلْ الله لك أكله. ذكروا عن بعضهم قال: إنما تكون الذكاة في العين والطرف والرجل. ثم أنزل الله بعد ذلك: (أية : اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ) تفسير : [المائدة:5]. والطعام الذبيحة في تفسير مجاهد والناس. قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}. قال بعضهم: هي حجارة كان يعبدها أهل الجاهلية فيذبحون لها. قوله: {وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ} قال بعضهم: قِداح كانوا يستقسمون بها في الأمور، فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ قِدحاً فقال: هذا يأمرني بالخروج، وأنا مصيب في سفري خيراً، ويأخذ قِدحاً آخر ويقول: هذا يأمرني بالمكوث، ولست بمصيب في سفري خيراً، والمنيح بينهما، فنُهوا عن ذلك. وقال الكلبي: إذا كانت بينهما مداراة جعلوا لكل رجل سهماً وللحضر سهماً، ثم أجالوا السهام، فمن خرج سهمه فهو أولى بالحق. وكانوا يجعلون للسفر سهماً وللحضر سهماً، ثم يقولون: ربنا أيهم كان خيراً لفلان فأخرجه؛ فأيهما خرج رضي به. وقال مجاهد: كانوا يجعلون ذلك لكل سفر وحرب وتجارة. قوله: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} يعني أن الله حرَّمه. قوله: {اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام وأخلص الله للمسلمين حجَّهم. قال: وفي تفسير بعضهم: فلم يحجَّ بعدُ مشرك. ذكروا عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وعنده رجل من اليهود فقال اليهودي: لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم جمعة ويوم عرفة. وقال الكلبي: نزلت يوم عرفة حين فرغ من تنزيل الحلال والحرام فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، غير أنه في سورة البقرة على رأس ثمانين ومائتي آية: (أية : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) تفسير : [سورة البقرة:281]. نزلت هذه الآية بمنى بعد يوم النحر في حجة رسول الله التي يقال لها: حجة الوداع، والآية التي في آخر سورة النساء مُخْرَجَةُ إلى حجة الوداع: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ}... إلى آخر السورة؛ وكان يقال لها آية الصيف. وقال الحسن: {اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ} أي يئسوا أن يستحلوا فيه ما استحلوا في دينهم {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}. {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يعني باليوم زمان النبي عليه السلام كله. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي بالجنة. قال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}. قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} أي في مجاعة خمص لها بطنه. رجع إلى الكلام الأول في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ}... إلى آخر الآية {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي غير متعمِّد لإِثم، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: غير متعرّض لمعصية الله. قال الله: {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ}: هى ما خرجت روحه بلا ذكاة شرعية، وله دم أصل وهو برى، ومن الذكاة الصيد اذا مات الحيوان به بمحدد أو معلم، وان عاش فى البر والبحر لم يحل أكله الا بذكاة، وأجاز بعض قومنا أكل الضفدع بالذبح، وبعض بلا ذبح يراه من الصيد بمعيشه فى الماء، واستثنت السنة الجراد والسمك من بعض الميتة لغة، وأما فى التعريف فقد خرجا منها، وقد يحرم ما لا دم له لخبثه ولو لم يكن نجسا كالعقرب وللسم. والمراد بتحريم الميتة تحريم أكلها وبيعها وشرائها وثمنها وكل انتفاع بها ولو استصباحا أو دهنا لما لا يشرط له الطهارة أو غسلا، ورخص بعض فى أكل ما نبت على الميتة ان وصلت عروقه الأرض. قال الخازن: وسبب تحريم الميتة أن الدم لطيف جدا، فاذا مات الحيوان حتف أنفه احبس ذلك الدم وبقى فى العروق فيفسد ويحصل منه ضرر عظيم. {وَالدَّمُ}: المسفوح، وحل بالسنة الكبد والطحال، بينت السنة أنهما دمان، وانهما حلال، وحل علقات القلب، وقيل: لا، وكذا دمه، وحل دم السمك على الصحيح الحق، وقيل: ليس ذلك دما لأنه يكون أبيض اذا يبس، وكان أهل الجاهلية يصبون دم ما ذبحوا أو نحروا ويفصدونه أيضا من نحو ناقة حية، ويجعلونه فيها، ويشوونه فنهى الله عن ذلك، وكانوا يقولون ما حرم من فَزْد له أى فصد له . {وَلَحْمُ الخَنزِير}: وسائر أجزائه كلها، وخص اللحم بالذكر لأنه المقصود جدا، وحرم لئلا يتأثر أكله بحرص الخنزير، والرغبة فى المشتهيات، وعدم الغيرة، فانه يرى خنزيرا ينزو على الشاة ولا تصيبه الغيرة، كما تصيب الكبش والتيس. {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ}: أى وما رفع الصوت عليه عند ذكاته لغير الله، كقولهم عندها باسم اللات والعزى، والباء بمعنى على، وبه نائب الفاعل، أو الهاء وحدها، وفى السؤالات: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الجن، وذلك اذا لم يذكر اسم الله عليها انتهى، فما ذبح للجن وذكر اسم الله عليه أكل، وان لم يذكر لم يؤكل، وان ذبح للصنم وذكر اسم الله أكل، وان ذكر اسم الصنم وحده أو مع اسم الله لم تؤكل. {وَالمُنخَنِقَةُ}: يخنقونها فتختنق، أو تخنق نفسها بالحبل الذى هو كحلقة فى عنقها فتختنق، وكان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فتموت فيأكلونها، فحرم الله ذلك، وذلك أنها ماتت بلا سيلان دم، وليس ذكرها بعد ذكر الميتة تخصيصا بعد عموم، لأن الميتة فى عرف العرب غير ما مات بالاختناق. والخنق عندهم قتل كالذكاة، والظاهر أن التاء فى البهيمة والميتة للقتل من الوصفية الى الاسمية لتناسى الوصفية، وفى المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة للتأنيث، لتبادر بقاء الوصيفة بالدلالة على الحدث، ويقرب لهذا أيضا لفظ ميتة كأنه قيل: البهيمة المنخقة، والبهيمة الموقوذة، والبهيمة المتردية، والبهيمة النطيحة، وقيل: التاء فيهن للنقل من الوصفية الى الاسمية. {وَالمَوْقُوذَةُ}: أى المضروبة حتى ماتت اما بالخشبة أو الحجر أو غير ذلك، ويلتحق به ما فى معنى ذلك مثل أن تضرب للأرض ولو بعد الذبح، وكان الجاهلية يضربونها بالعصى حتى تموت فيأكلونها، فنهى الله عن ذلك، يقال: وقدته أى ضربته. {وَالمُتَرَدِّيَةُ}: الواقعة من مكان عال كالساقطة فى بئر أو من جبل أو سطح أو نحو ذلك، ويلتحق به ما رمى من صيد فوقع من عال، أو نحر أو ذبح فوقع، أو رمى طائر فوقع غير ناشر جناحيه لعل فيه بقية حياة زالت بالضرب على الأرض اذ جاء متماسك، وكذا ان ذبح فطار فوقع كذلك. {وَالنَّطِيحَةُ}: المنطوحة حتى ماتت، وهذا تشمل الشاة والبقرة، وانما قدرت البهيمة فى الأربعة ليعم اللفظ ما يصلح له، وهذا أولى من أن يقدر فيهن الشاة، ولو كانت أكثر ما يؤكل، وقدر بعضهم الشاة لأنها أكثر، وكانوا فى الجاهلية يأكلون ما مات بالنطح، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وقرأ عبد الله بن مسعود والمنطوحة. {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}: كذئب وأسد ونمر، والرابط محذوف، أى وما أكله السبع، فيقدر مضاف، أى وما أكل السبع بعضه، وهذا أولى من تقدير: وما أكل منه السبع، لعدم وجود شرط حذف الرابط المجرور بالحرف، وقيل: بجواز حذف الرابط المجرور بالحرف اذا دل عليه دليل مطلقا، ثم رأيت بعض المتأخرين ذكر بعض ذلك، وذلك انما أكله السبع كله لم يبق فيه أن يقال: انه محرم عليكم، ولم يصح استثناء ما أدركت ذكاته، وقرأ أبو عمر باسكان الباء، وابن عباس: وأكيل السبع. {إِلا مَا ذّكَّيتُم}: بذبح أو نحر مما أهلّ به لغير الله، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع أن أدركت حياته، فلو أدركت وقد أكل السبع موضع الذبح أو النحر لم تحل، فكذا لو أكل المكلب موضع الذبح والنحر لم تحل، وان أكل غيرهما فلا تحل الا ان أدركت حياتها وذكيت، وذلك مثل ما أكل السبع. وعن على، وابن عباس، والحسن، وقتادة: الاستثناء راجع الى المنخنقة والموقوذة والمتردية النطيحة وما أكل السبع. وقال الكلبى: الاستثناء مما أكل السبع. قال ابن عباس: اذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها، أو تحركت بذنبها، أو أذنها فاذبح فهو حلال. وقال مالك فى أحد قوليه، والزجاج، وابن الأنبارى: اذا لم تدرك الا حياة قليلة جدا لا تضطرب معها عند الذبح، ولا تشخب معه الأوداج لم تحل، والتذكية قطع الحلق والحلقوم والودجين بمحدد غير عظم وغير نحيس. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}: مفرد يجمع على أنصاب وقرىء بسكون الصاد، وهو الحجر المنصوب حول الكعبة، والمراد الجنس، وكانت أحجار منصوبة حولها يذبحون عليها للأصنام، ويضعون عليها اللحم، يعدون ذلك قربة. وقيل: النصب الصنم، والمراد الجنس، وعليه فعلى بمعنى اللام، أى وما ذبح للصنم، أو على أصلها أى وما ذبح مسمى على الصنم، وفيه أن قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} يغنى عنه، الا أن يقال: خص بالذكر لعظم تحريمه، وانما أهل الله به يشمل الذبح باسم الصنم، وباسم غيره، وعند الصنم وفى غير حضرته، وما ذبح على النصب، وما ذبح عنده له مذكور اسمه. وقيل: النصب جمع نصاب، والنصاب ما نصب من حجر أو صنم، وقيل أيضا: النصب الحجر ينصب ويعبد من دون الله، والفرق أنه يبقى كما هو، والصنم ينقش ويصور، قيل: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون حجرا منصوبا يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها، وهى غير أصنام، والعطف على الميتة ويقدر فيه استثناء هكذا، ما ذبح على النصب الا ما ذكيتم، أو هو فى نية التقديم على الا ما ذكيتم فيشمله الاستثناء. وقيل: ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب لا يحلان بالتذكية ولو كان حيين، لأنه قد ذبحا باسم غير الله ذبحا لا يحييان به، وأما غيرها من المنخنقة وما بعدها، فالذى فيهن شبيه بالمرض ومطلق الجرح لا يحرمن به ان أدركت حياتهن وذكين. {وَأَن تَستَقسِمُوا بِالأزْلامِ}: عطف على الميتة، أى وحرم عليكم هذا الفعل وهو الاستقسام بالأزلام، ومعناه طلب القسم والحكم، أى طلب معرفة ما قسم لها فى الجزور دون ما لم يقسم بالأزلام، وهى جمع الزلم بضم الزاى واسكان اللام وفتحها، وبفتح الزاى واللام وهو عود ينحت كالقلم، وليس فيه موضع يكتب به وهى عشرة: الفذ وله سهم، والتوءم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسيل وله ستة، والمعلا وله سبعة، وذلك ثمانية وعشرون سهما تقسم عليها الجزور، يجمعها عشرة أنفس، والسفيح والمنيح والوغد لا سهم لهن، يجعلون السبعة الأولى والثلاثة فى خريطة، وفى كل واحد اسم من اسماء العشرة الأنفس، يأخذ الخريطة رجل ويحركها، ثم يدخل يده فيخرج اسم كل منها، فمن خرج له سهم أو سهمان أو أكثر جعله للفقراء، ولا يأكل هو منه يفتخرون بذلك، ويذمون من لا يدخل فيه، ويسمونه البرم أى البخيل، ومعنى ذلك من خرج اسمه أولا الفذ عليه سهم من الجزور، ومن خرج ثانيا فزلمه التوءم وعليه سهمان وهكذا، وان خرج زلم من الثلاثة عاد الاخراج ومضى ما أخرج. وذلك نسب بالذبائح فهو فى التفسير أولى مما اختار بعض العلماء من التفسير بالأقداح المعروفة عندهم غير الأولى، يكتب على أحدها أمرنى ربى، وعلى الآخر نهانى ربى، والثالث غفل يطلبون بها معرفة ما قسم الله لهم من فعل أو ترك اذا أرادوا معرفة ما قسم الله لهم من فعل أو ترك اذا أرادوا غزوا أو سفرا أو تجرا أو غير ذلك، ولا يكتب على الثالث شىء، يقال: أرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة، ودابة غفل أى لا سمة عليها. فان خرج الآمر فعل، أو الناهى ترك، أو الغفل أعاد حتى يخرج الآمر أو الناهى، وقيل ذلك فى شأن السفر. وعن الكلبى: اذا كانت بينهم مماراة جعلوا لكل رجل سهما، فمن خرج سهمه فهو أولى بالحق، وكانوا يجعلون للسفر سهما، وللحضر سهما، ثم يقولون: ربنا أيهما كان خيرا فأخرجه لفلان، فأيهما خرج رضى به. وعن مجاهد: يفعلون ذلك لكل سفر وحرب وتجر، وقيل: كانوا اذا أرادوا سفرا أو تجرا أو نكاحا أو اختلفوا فى نسب أو أمر قتيل، أو تحمل دية أو غير ذلك من الأمور العظام جاءوا الى هبل، وكانت أعظم صنم لقريش بمكة وجاءوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، فان خرج أمرنى ربى فعلوا، وان خرج نهانى لم يفعلوا، وان أجالوها على النسب، فان خرج منكم كان وسطا فيهم، وان خرج من غيركم، كان خلفا فيهم، وان خرج مطلق كان على حاله، وان أجالوها على دية فان خرج قدح العقل بالقاف تحمله، وان خرج الغفل بالفاء أعيد حتى يخرج المكتوب فيه. قيل: كانت الأزلام سبعة قداح صغار لا ريش لهن، تكون عند سادن لكعبة، ويشبه تلك الأمور ما تصنعه النساء فى بلادنا من أخذ نوى مثلا أو أسهم طعام أو كل ذلك، أو سهم مال، ويجعلون لكل نواة أو سهم شيئا من الخبز مثلا، مثل أن يقال: من خرج له هذه النواة أو هذا السهم فله الجنة، ومن خرج له هذا أغناه الله، أو كان محقا أو لا يفعل أو يفعل وما أشبهه. فالواجب عندى اجتناب ذلك، ثم رأيت والحمد لله الثعالبى نص على ذلك فى قوله تعالى بعد: {أية : يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر }تفسير : الآية قال عن غيره، وفى معنى الأزلام الزجر بالطير، وأخذ الفأل فى الكتب ونحوه مما يصنعه الناس. قال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تكهن أو استقسم بالأزلام أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الى الدرجات العلا يوم القيامة "تفسير : يعنى يئس ولا ينتظرها، وجازت السهام بالقسمة بدون ذكر ما يشبه ذلك. {ذَلِكُم}: أى ما ذكر من الاستقسام، وأكل تلك المحرمات المعلوم من المقام. {فِسقٌ}: خروج عن طاعة الله ودينه، وعن الحلال الى الحرام، وهذا هو الصحيح لعمومه، وقيل: الاشارة الى الاستقسام وحده، ولو كان آكل تلك المحرمات أيضا فسقا لغير هذه الآية من القرآن والسنة، ومن أكل ذلك أو استقسم بلا تحليل ففسق نفاق، ومن فعل ذلك بتحليل ففسقه شرك، وأما نفس قولهم: أمرنى ربى ونهانى ربى فكذب على الله فهو فاسق نفاقا. وأيضا أكل مال الناس بالباطل فسق نفاق ومن زعم أنه يعلم الغيب أشرك، ومن لم يرد بقوله أمرنى ربى أو نهانى الا ما يشبه الغال ولم يرد حقيقة أن الله أمره أو نهاه ففسقه نفاق، اذ فعل المنهى عنه ولم يستحله، وان أراد بقوله: ربى صنم أشرك، وكانوا يجيلونها عند أصنامهم، وليست الاستخارة الشرعية فى شىء من ذلك، بل طلب التوفيق من الله الى الأصلح، أو طلب رؤيا تكون له علامة، والرؤيا الصحيحة حق. وأما التطلع بعلم الفلك الى أمر غائب فمن كان له ذلك ولا يقطع به بلا بطن بأمارة فلا بأس به، ومن قطع أشرك، ومعنى قول بعض أصحابنا: وأن أول ما يذبح غدا بقرة، وأنه فى بطنها جنين صفته كذا أنه قد ظهر الى أمارة ذلك، والله أعلم. {اليَومَ}: أى الزمان الحاضر، وما يقصد به من الأزمنة الآتية والماضية لا نفس اليوم الذى نزلت فيه الآية، وقيل هو المراد فقيل: نزلت يوم فتح مكة، وقيل: يوم عرفة فى حجة الوداع بعد العصر وهو يوم الجمعة، وهو متعلق بيئس بعده وقدم تعظيما له. {يَئِسَ الذِينَ كَفَرُوا مِن دِينَكُم} أى من ابطال دينكم بقهرهم لكم حتى ترجعوا الى دينهم، أو قتلهم اياكم، أو قلة من يتبعه وكثرة من يخالفه، وهم مشركو العرب، وقيل: جميع المشركين. {فَلا تَخشَوهُم}: لا تداروهم جلبا ولهم خوفا من بطشهم، فانه لم يتق لهم شدة يظهرون بها عليكم، فالخشية كناية عن لازمها، أو يقدر مضاف، أى لا تخشوا ظهورهم فانه غير واقع. {وَاخشَونِ}: خافونى خوف تعظيم بتحليل الحلال، وتحريم الحرام، والاتباع بالأمر والنهى. {اليَومَ أكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}: هذا اليوم المذكور قبله بمعنى الزمان، أو عين حقيق اليوم متعلق بأكملت، وقد للتعظيم، ومعنى اكمال الدين النصر على المشركين والمنافقين، وابطال الأديان كلها باظهار ملة الاسلام عليها، أو معناه اتمام الأحكام الشرعية وما معها مما يقررها، كالمواعظ والقصص، أو معناه ذلك كله، أو معناه اتمام الأحكام، كما قيل: انه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا شىء من الفرائض والحدود، كما لابن عباس، أو معناه أنه لم يحج مشرك معكم، وأخليت الموسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، كما لسعيد بن جبير وقتادة. أو معناه أنهم آمنوا بكل نبى وكل كتاب، ولم يكن هذا لغير هذه الأمة، أو اليوم أكملت لكم دينكم زمان النبى صلى الله عليه وسلم كله كما للحسن، ولا يخفى أن دين المسلمين كامل فى كل وقت فبأول حكم نزل كان الدين كاملا، ولا يتصف بالنقص، ولو كان سينزل بعده أحكام كثيرة، اذ لا واجب ولا حرام الا ما كان فيه، فكماله بما فيه، واذا نزل فى غيره حكم آخر زائد أو ناسخ فكمال الدين فى هذا الوقت الآخر بما نزل فيه الى أن لا يبقى ما ينزل فيحتم على تمامه الى القيامة. وأما أحكام المجتهدين فمن القرآن والسنة، وقوله تعالى: {اليَومَ أكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} شامل للسنة، قيل: نزلت هذه الآية يوم الجمعة بعد العصر يوم عرفة، والنبى صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكان عضد الناقة يندق، وبركت لثقل الوحى وذلك فى حجة الوداع سنة عشر من الهجرة. وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما: {اليَومَ أكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية وعنده يهودى فقال: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يوم نزولها عيدا، فقال ابن عباس: فانها نزلت فى يوم عيدين، فى يوم جمعة و يوم عرفات، قال ابن عباس: كان فى ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصارى، وعيد للمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل فى يوم واحد قبله، ولن تجتمع بعده. وجاء يهودى الى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية فى كتابكم تقرءونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فأى آية؟ قال: {اليَومَ أكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتى وَرَضِيتُ لَكُم الإسلامَ دِينًا} قال عمر: انى لأعلم اليوم الذى نزلت فيه، والمكان الذى نزلت فيه، ونزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات يوم الجمعة. وروى حديث : أنها لما نزلت بكى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكانى أنا كنا فى زيادة من ديننا، فأما اذ كمل فانه لم يكمل شىء الا نقص، قال: صدقتتفسير : . فكانت هذه الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاش بعدها احدى وثمانين يوما، ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين مضتا من ربيع الأول، وقيل لاثنى عشر ليلة، وهو الأصح سنة احدى عشرة من الهجرة. ونزلت: {أية : واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله }تفسير : الآية فى تلك الحجة بمنى بعد يوم النحر، ونزل فى تلك الحجة: {أية : يستفتونك }تفسير : الآية آخر النساء، قال السيوطى، عن البراء بن عازب: آخر آية نزلت: {أية : يستفتونك }تفسير : الآية آخر النساء، وعن عمر وابن عباس: آية الربا: {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا }تفسير : وعن ابن عباس: {أية : واتقوا يوما ترجعون }تفسير : الآية، قيل: وآية الدين، وعن سعيد بن المسيب: آية الدين، وعن أبى بن كعب: {أية : لقد جاءكم رسول }تفسير : الخ السورة، وعن معاوية: {أية : فمن كان يرجو لقاء ربه }تفسير : الخ السورة، وعن ابن عباس: {أية : ومن يقتل مؤمنا متعمدا }تفسير : الآية، وعن أم سلمة: {أية : فاستجاب لهم ربهم }تفسير : الآية وأنها آخر سورة نزلت، وعن ابن عباس: {أية : اذا جاء نصر الله }تفسير : الخ السورة. وعن البراء: براءة، وعن عائشة: المائدة، وعن ابن عمر وسورة: {أية : اذا جاء نصر الله } تفسير : ويجمع بأن المراد فى تلك الروايات أن آية كذا من آخر ما نزل من الآيات، وأن سورة كذا من آخر ما نزل من السور، لأن ما كان من الآخر يسمى آخرا. ويدل لذلك أنه صرح فى بعض الروايات، عن عمر: أن من آخر القرآن نزولا آية الربا، وعن عثمان براءة من آخر القرآن نزولا، وعن امام الحرمين: {أية : قل لا أجد فيما أوحى الى } تفسير : الآية من آخر ما نزل، ويشكل عليه أن الأنعام مكية، ولم يرد أن هذه الآية تأخرت، ولكن يبقى تعيين ما حقت له بعينية الآخرية، وأيضا لا يشكل آية الربا وآية الدين لاتصالهما، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وأن آخر ما نزل فى الميراث: {أية : يستفتونك }تفسير : آخر النساء وأن آية الربا آخر ما نزل فى الربا، وبعدها آية الدين، وأن كلا منهم أخبر بما سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم آخرا قبل يوم موته بقليل، وقد سمع منه غيره بعده حتى تحقق الآخرية لأحدهم، ولا تدرى على التحقيق، ولعله: {أية : واتقوا يوما ترجعون } تفسير : الآية لدلالته على الوفاة، أو نزلت آيات أواخر فيتقدم كتابة بعض على بعض، فيظن بذلك ما يظن أنه آخر، وأنه يمكن أن يريدوا أن آية كذا لم ينزل بعدها ما ينسخها كما قال ابن عباس فى آية القتل، وان {أية : فاستجاب لهم ربهم }تفسير : آخر ما نزل بعد ما كان ينزل فى الرجال خاصة. قالت أم سلمة: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزل: { أية : ولا تتمنوا ما }تفسير : الآية، ثم {أية : ان المسلمين والمسلمات }تفسير : ثم {أية : فاستجاب }تفسير : وعن أنس أن فى آخرها ما نزل: {أية : فان تابوا وأقاموا }تفسير : الآية أى فى آخر سورة نزلت، واستشكل قول من قال: لم ينزل حلالا ولا حراما بعد {اليَومَ أكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بما ورد أنه نزل بعدها آية الربا، وآية الدين {أية : ويستفتونك }تفسير : آخر النساء. {وَأتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتى}: بالتوفيق الى الايمان والاسلام والسابق على ذلك الايجاد، والاحياء الرزق وسائر أنعام الله دينوى، وذلك موجود، ولو فى حال الشرك، اتمام النعمة بالتوفيق يشمل أول البعثة ووسطها وما بعده أو أتممت عليكم نعمتى باكمال الدين، أى باكمال نزوله كله، فالسابق على ذلك هو الأبعاض النازلة قبل أن يفرغ منه، وان قيل اكمال الدين تنزيل كل بعض فى وقته كان السبق كالوجه الأول، أو أتممت عليكم نعمتى بفتح مكة، والسابق دين الله وابطال الأصنام، وشأن الشرك، أو أتممت عليكم نعتمى بالحكم بأن لكم الجنة، فالسابق الدين ونعم الدنيا وبه قال ابن عباس. {وَرَضِيتُ لَكُم الإسلامَ دِينًا}: اخترته لكم حال كونه دينا عظيما من بين سائر الأديان، أو نصب على نزع الجار، أى لطاعتى أى لتطيعونى به، أو مفعول لأجله على القول بجوازه ولو لم يتحد الفاعل، ولا دين عند الله سواه على أن يراد به الايمان الكامل والعمل بمقتضاه، فمعناه أخرجتكم أيها الأمة من الشرك، وأجنبتكم شرك أهل الكتاب أيضا، أو رضيت لكم هذه الشريعة دينا، وفضلتكم بها. وقد كانت غيرها شرائع من الله مقبولة كما قال: {أية : هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا }تفسير : ولا مانع من اطلاق الاسلام على هذه الشريعة، كما أطلق فى الوجه الأول على خلاف الشرك من دين الله، ومعنى رضاه لنا بالاسلام أنه ما زال ينزل منه جزء فجزء حتى تم، فلما تم قال: قد تم واخترته لكم تاما، وكذلك كلما نزل جزء قد رضى لنا ذلك الجزء أو اليوم الذى رضيه لنا فيه، وهو زمان بعثه صلى الله عليه سلم الى أن مات فما بعده تبع له. قال جابر بن عبد الله:حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول جبريل: قال الله عز وجل هذا دين ارتضيته لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه "تفسير : وذكر بعضهم أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يهددون به فيهلكون الى النار الا دين الاسلام، فيبشر أهله فيجىء فى صورة حسنة فيقول: يا رب أنت السلام، وأنت سميتنى الاسلام، فيقول: اياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجازى. {فَمَن اضطُرَّ فى مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإثمٍ فَإنَ اللهَ غَفُورُ رَّحِيمٌ}: هذا متصل بقوله: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} وما بينهما معترض مقرر لتحريم ذلك الفسق، ومبين أن مجانبته من جملة الدين التام، والنعمة التامة، والاسلام المرضى الذى لا يقبل سواه، والمعنى: فمن ألجأه الله بقدره وقضائه الى أكل بعض ما حرم مما مر ذكره فى مجاعة، وخاف الموت، أو ذهب عضو من أعضائه فأكله حال كونه غير مائل الى اثم، بأن لم يسافر فى معصية، ولم يفعل فيه، أو فى حضر ما يضطره لذلك، لأن الحضر والسفر فى ذلك سواء، ولم يأكل أكثر مما يحيى رمقه على حد ما مر فى قوله تعالى: {أية : غير باغ ولا عاد } تفسير : فان الله لا يؤاخذه بأكله، لأنه غفور رحيم، فاضطر ماض مبنى للمفعول وفاعله الله. ومعنى اضطره الله أنه وقع فى الضرر بقدر الله، ولو كان سفره مثلا الى أن وقع فى ذلك باختياره، بل لو أجبره الله حتى وقع فى ذلك لم يجب عليه أن يبيح له المحرم، بل له أن يحرمه فيموت، ولكن لا اجبار من الله أو الفاعل الانسان، أى فمن اضطر نفسه بأن أوقعها بسبب سفر أو غيره فى الاحتياج الى القوت من المحرم، ومتعلق اضطر محذوف أى اضطر الى أكل بعض تلك المحرمات، والمخمصة المجاعة، وغير حال من المستكن فى اضطر، ومتجانف مائل، واللام فى الاثم بمعنى الى، أو للتعدية أو للتعليل، أى غير مائل عن الحق وهو مثلا أكل ما يحيى رمقه لأجل ارادة غيره وهو الزيادة، وان الله غفور رحيم تعليل قائم مقام الجواب، وسميت المخمصة مخمصة لخموص البطن أى خلوه عند الجوع.

اطفيش

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المِيتَةُ} أَكلاً وانتفاعا بلبس أًو فرش أَو تغطية أَو ستر أَو ثمن فإِنها لا تباع ولا تشترى ولا تعوض لشىء، وهى الحيوان البرى الذى له دم، خرجت روحه بلا ذكاة من ذبح أو نحر أَو اصطياد بمحدد أَو جارحة واختلف فى خشاخش الأَرض مما لا دم فيه وفى الذباب. {والدَّمُ} المسفوح كما فى سورة الأَنعام الطحال والكبد، وكان أَهل الجاهلية يفصدون البعير ويشوون دمه ويأَكلونه، وكذا يفعلون فى دم الذبيحة، وحرمت الإمامية الطحال وعن على كراهته. {وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ} وسائر أَجزائه لقوله تعالى: "أية : فإِنه رجس" تفسير : [الأنعام: 145] فإِن الخنزير كله رجس وخص اللحم بالذكر لأَنه معظم ما يقصد، وأَباحت الظاهرية داود وأَصحابه غير لحمه لظاهر الآية، وهو خطأ وعن قتادة:من أَكل لحم الخنزير استتيب وإِن لم يتب قتل، فقيل: لأَن أَكله صار اليوم علامة كفر كالزنار، وفيه أنه لعله أَكله بغير استحلال وإِنما يقتل لو استحله ولم يتب، وفى الخنزير صفات رديئة منها: أَنه عديم الغيرة يرى خنزيراً على أنثاه ولا يتعرض له، وله غرض عظيم ورغبة شديدة فى المشتهيات، فحرم أَكله لئلا يرث أَكله تلك الصفات. {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله} رفع الصوت لغير الله، وذكر الرفع لأَنه حالهم، والرفع والخفض والنية سواء فى التحريم، فيكون فى الآية استعمال مقيد فى مطلق {بِهِ} بذكره مثل أَن يقول عند تذكيته باسم اللات أَو باسم العزى، وهو حرام ولو ذكر الله وغيره معا. {والْمُنْخَنِقَةُ} مطاوع خنق المتعدى، أَو مطلق حصول احباس الحلق ولو بلا شد أَحد أَو شىءٍ عليه حتى ماتت، وكان الجاهلية يخنقون البهيمة ويأكلونها. {والموْقُوذَةُ} المضروبة بخشبة أَو حجر أَو حديد أَو بندق البارود وبندق القوس أَو غير ذلك حتى ماتت {والمتردِّيةُ} الساقطة عمداً أَو بلا عمد من عال كجبل وسطح وفم بير وماتت. {والنَّطِيحَةُ} المنطوحة وماتت بالنطح، والتاء فيهن للنقل من الوصفية، ومعنى هذا عندى أَنه ساغت التاء لأَنهن فى الأَصل أَوصاف، وشأْن الوصف فى الجملة أَن يؤنث إِذا كانت لمؤنث وإِلا فبعد النقل لا تستحق التاء كما لا يحسن أَن نقول فرسة وحمارة والتاء فى قولهم حقيقة اعتبار لكون الأَصل كلمة حقيقة، وإذا قيل لفظ حقيقة فلقصد معنى الكلمة واللفظة باللفظ، وزعموا أَن معنى كون التاء للنقل من الوصفية أَنها تلحق لتدل على تغلب الاسمية عليها وعلى عدم احتياجها إِلى الموصوف، ويجوز هنا استشعار الوصفية مثل قولك الدابة أَو البهيمة الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وقال بعض الكوفيين: إذا لم يذكر الموصوف فليست التاء للنقل. {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} منها أَو ما أَكل السبع بعضها وماتت كذئب ونمر وأَسد وهر والكلب المعلم والطير المعلم ونحوهما من السباع المعلمة المرسلة للصيد، أَو أَكل بمعنى قتل مجازاً وإنما قلت ذلك لأن ما أّكله وقوته لا يتصور أَن يأَكله أَحد. {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} وقد أَدركتم حياته مما أَهل لغير الله به، وما بعده كله فحلال وهو الصحيح. قال الباقر والصادق: أَدنى ما تدرك به الذكاة حركة الأذن أَو الذنب أَو الجفن، وبه قال الحسن وقتادة وإِبراهيم وطاووس والضحاك، وظاهره أَنها حلال، ولو لم يخرج الدم ولم تتحرك بعد أَن أَيقن أَنها حال الذبح حية. وقال الكلبى: استثناء عائد إِلى قوله: وما أَكل السبع خاصة، والذكاة قطع الحلق والحلقوم، وكماله قطع الودجين معهما كما قيل أَن الذكاة فى اللغة تمام الشىء وذلك بقطع الأَوداج وإنهار الدم، وقيل لا تحل إِن لم يقطعا وهو الصحيح، ويلتحق بها ما صيد بمحدد أَو جارحة أَو طعن فى أََى موضع لضرورة ولو فى واحد من الأَنعام، إِذا ند أَو توعر بحيث لا يوصل إِلى ذكاته، وقيل تحرم المتوعرة ولحق بها أَيضاً النحر حيث لا يصادف الحلق والحلقوم والودجين، والذبح فوق الجوزة. وإِدراك الحياة يتصور بطرف أَذن أَو تحرك ذنب أَو رجل أَو غيرهما مما يدل على الحياة، وذكر التفتازانى أَنه تعرف الحياة بالاضطراب وسيلان الدم بعد التذكية وأَنه لا يكفى الحياة قبلها، وهو المشهور عندنا. لكن إن تصور اضطراب بعد الذكاة بلا دم حلت أَيضاً، وكذا يقول كل أَحد، وقال مالك والزجاج وابن الأنبارى: إِذا أَصابها ما لا تحيا معه لم تؤثر معه الذكاة؛ لأَن معنى التذكية أَن يلحقها وفيها بقية تشخب معها الأَوداج وتضطرب اضطراب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك. وفيه أن المراد إِزالة الحياة الموجودة وذلك حاصل فهى حية عجل بموتها. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} ولو بلا ذكر لاسمها فلم يتكرر مع قوله: وما أَهل لغير الله به. والعطف على ما حرم، والنصب جمع نصاب بالكسر كحمار وحمر، أَو مفرد وجمعه أَنصاب وهو ما ينصب من الحجارة يذبحون عليه حول الكعبة للأصنام، وهى غير مصورة ولا منقوشة. وقيل هى الأَََصنام لتعبد وتعظم، وقيل تلك الحجارة ثلآثمائة وستون حجراً حول الكعبة تذبح الجاهلية عليها، وعلى أَولى من اللام لصدقها على الأصنام والحجارة، ولو قال للنصب لاختص بالأَصنام، وإِذا كان ما أَهل لغير الله به يعاد ذبحه ويحل إذا أَدرك حياً فأَولى أَن يحل ما ذبح على النصب بلا ذكر لاسمها إِن أَدرك حياً وأَعيد ذبحه، ويجزى الذبح بعد النحر والنحر بعد الذبح فى ذلك كما شمله قوله: ذكيتم، وعطف على المحرمات بقوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ} أَى تحصلوا القسمة أَو الأنصباء بالأَقداح والمفرد زلم بفتح الزاى واللام أَو بضم الزاى وفتح اللام، وهو القدح بكسر القاف وإسكان الدال وهو سهم صغير لا نصل فيه ولا ريش، وهن سبعة تكون عند خادم الأَصنام مستوية مكتوب على واحد أَمرنى ربى وعلى آخر نهانى ربى وعلى واحد منكم وعلى آخر من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى واحد العقل ولا يكتب على واحد وهو غفل أَو يكتب عليه غفل، إِذا أَرادوا سفراً أَو تجارة أَو تزوجا أَو اختلفوا فى نسب أَو أَمر قتيل أَو دية أَو نحو ذلك مما يعظم جاءوا إلى بيت إلى الأَصنام وقيل إِلى أَكبر أَصنامهم هبل بمكة فى الكعبة بمائة درهم وأَعطوها صاحب الأَقداح فيجيلها لهم فإِن خرج أَمرنى ربى فعلوا ذلك الأَمر، وإن خرج نهانى ربى لم يفعلوا، وإذا جالوا على نسب فان خرج منكم كان وسطاً فيهم وإِن خرج من غيركم كان حلفاً فيهم وإن خرج ملصق كان على حاله، وإِن اختلفوا فى العقل وهو الدية فمن خرج عليه العقل تحمله وإن خرج الغفل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب عليه، فحرم الله ذلك. وقيل الاستقسام طلب معرفة أَجزاء الجزور بالأَقداح العشرة الفذ والتوءَم والرقيب والحلس والناقص والمسبل والمعلى ولهن أَقسام من الجزور على ما اعتادوه، والسفيح والمنيح والوغد، ولا نصيب لهن، يجمع ثلاثة رجال ويشترون جزوراً ويجعلون لحمها ثمانية وعشرين، للفذ سهم وللتوءَم سهمان وللرقيب ثلاثة وللحلس أَربعة وللناقص خمسة وللمسبل ستة وللمعلى سبعة، ويجعلون الأَزلام فى خريطة يحركها الرجل فيخرج باسم كل رجل قدحاً، ومن خرج له قدح جعله للفقراء ولا يأَكل منه، يفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم أَى اللئيم، وحمل الآية على هذا غير راجح، لأَن قوله عز وجل: يسأْلونك عن الخمر والميسر يغنى عنه، وكذا يغنى عنه قوله عز وجل: إِنما الخمر.. إِلخ، وقيل ثلآثة كتبوا على أَحدها أَمرنى ربى وعلى الثانى نهانى ربى والثالث غفل لا يكتبون عليه شيئاً، فإِن خرج الآمر مضوا أَو الناهى اجتنبوا وإِن خرج غفل أَجالوها ثانياً، وهكذا، وعن مجاهد الأَزلام سهام العرب وكعلب فارس التى يتقامرون بها، وقال وكيع: إِنها أَحجار الشطرنج. {ذَلِكُمْ} أَى البعيد فى الكفر من الاستقسام أَو الميسر أَو أَكل ما حرم عليهم من الميتة والدم وما بعدهما إِلى قوله بالأَزلام وتحريم الطيبات الذى يستشعر بالمقام. {فِسْقٌ} خروج إِلى ما حرم الله، لأَن طلب ما قسم لهم وتمييز ما لم يقسم بالأَزلام توصل إِلى علم الغيب بغير الله بخلاف الاستخارة بالقرآن والصلاة فإنها استعلام بالطريق المشروع، بل الاستخارة استدعاء الخير من الله عز وجل لا طلب علم الغيب، ولا ظلم فيها وليس فيها أَكل ما بباطل بخلاف الاستقسام فخطر فى أَكل مال بباطل قهراً لا برضى، وهم بنية سوء وفى اتكال على غير الله، ويستيقنون بالأَصنام ويقصدون الوصول إلى علم الغيب فى ذلك فإن أَرادوا بربى الصنم فشرك أَو الله فافتراء عليه، فمن أَين لهم أَنه أَمره بذلك أَو نهاه، وأَيضاً يمشون إِلى بيت الأَصنام بها أو إِلى كبيرها، والإستخارة جائزة عندنا، وحكى بعض الإِجماع عليها إذا كانت بالقرآن. وعن مالك كراهتها وفعله على وابن مسعود، وعن على يقرأ من أَراد الفأل قل هو الله أَحد سبعاً ويقول ثلاثاً اللهم بكتابك تفاءَلت وعليك توكلت اللهم أَرنى فى كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون فى غيبك ثم ينظر فى أَول صحيفة.. {اليَوْمَ} المعهود الحاضر يوم عرفة حجة الوداع إذ نزلت الآية بعد عصره وهو يوم جمعة، أَو هذا الوقت المذكور وما بعده من الأَزمنة على الاستمرار، وهذا أَولى لأَن الإِياس مستمر وحمله على ذلك اليوم يتم باعتبار أَنه فاتحة الأَيام وأَن الأَصل فى الثابت دوامه وأَنه أَيسوا منه لما بعد، وقيل يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع وقيل سنة ثمان، وعبارة بعض، وقيل يوم نزول الآية وهو الذى فى البخارى ومسلم عن عمر وهو متعلق بقوله {يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} من إِبطال دينكم أَى من إِبطالكم إِياه بأَن ترتدوا عنه بتحليل هذه الخبائث وغير ذلك مما هو شرك، أَو يئسوا من إبطال دينكم أَى من إبطالهم إِياه بأَن يغلبوكم فيندرس دينكم ويفشو دينهم. نزلت لما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فى حجة الوداع فلا حاجة بكم إِلى مداهنة الكفرة إِذ لا يطمعون فى قهركم ولا فى تغيير دينكم، وروى أَنه لما نزلت الآية نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموقف ولم ير إِلا مسلماً {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أَن يظهروا على دينكم بتغييره ولا عليكم بالقتل والإضرار. {وَاخْشَوْنِ} وحدى لا مع الكفار أَن أُعاقبكم على المخالفة إِن خالفتم، فقد أَمرتم بترك خشيتهم {الْيَوْمَ} المذكور قيل متعلق بقوله {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بنصركم ونصر دينكم على غيره وعلى سائر الأَديان، وبالتنصيص على ما يعتقد وينطق به ويفعل وليس الدين قبل ذلك ناقصا إلا على معنى أَنه سيزاد على الموجود منه إِذ لم يكافوا إِلا بما أنزل من حين أنزل، ودين كل زمان كامل، وكل من مات من الصحابة قبل ذلك مات كامل الدين، إِلا أَن دين كل زمان أَشد كمالا مما بعده إِلى أَن تم القرآن، كما أَن شرعنا أَكمل من شرع من قبلنا ولا نقص معيب فى شىء من ذلك، والإِتمام شىء زائد على الكمال، وقال الطبرى: الإِكمال انفرادهم بالبلد الحرام عن المشركين. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} بأَن هديتكم إِلى دين الإِسلام ووفقتكم على العمل به وأَكملته لكم، وبينت لكم الحرام كالميتة وما بعدها، وبفتح مكة ودخولكم آمنين ومحو معالم الكفر، والنهى عن حج المشركين وعن أَن يتركوا الدخول مكة وطواف العريان، وأَعطاكم من العلم ما لم يعط غيركم، وسهلت الاجتهاد بنحو القياس لكم، فالدين فى نفسه كامل بنصوصه وما يستنبط منه بالاجتهاد والقياس فالآية دليل للاجتهاد والقياس لا إِبطال لهما كما زعم من زعم {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ} عن سائر الأَديان، {دِيناً} اخترته لكم فلا دين عند الله إِلا هو، ودينا حال أَو تمييز وهو أَولى لجموده فلا حاجة إلى تأْويله بالمشتق مثل متعبد أَو مفعول ثان على معنى وجعلت لكم الإِسلام دينا، قال قتاده بمثل لأَهل كل دين دينهم يوم القيامة، وأَما الإِيمان فيبشر به أَصحابه ويعدهم بالخير حتى يجىء الإِسلام فيقول: يا رب أَنت السلام وأَنا الإِسلام، فيقول الله تعالى إِياك اليوم أَقبل وبك أَجزى وليس اليوم قيدا لرضى الإِسلام فانه مرضىمن أَوله، وإِنما المراد أَثبته لكم لا ينسخ، وعلى حال تامة لا مزيد عليها بعد أَن كان يزداد، فلا بأْس بالعطف على أَكملت المقيد باليوم ولا حاجة إِلى دعوى أَنها مستأْنفة مع أَن الواو تمنع الاستئناف، {فَمَنِ اضْطُرَّ} عطف على ذلكم فسق أَو على حرمت إِلخ، وتفريع بالفاء على ذلك واعتراض بينهما بما يوجب التجنب على تلك المحرمات والتمسك بتحريم تناولها، كأَنه قيل بعد ذكرها لا تخافوهم فى مخالفة شريعتكم فإِنى أَنعمت عليكم بقهرهم وإِذلالهم واليأْس من أَن يغيروا دينكم فالواجب عليكم الإِقبال على تحريم ما حرم وإِيجاب ما أَوجب واستحباب ما استحب وإِباحة ما أَباح وكراهة ما كره فلا تتناولوا تلكم المحرمات إِلا اضطرارا فمن ألجىءَ إِلى ضر كموت أَو عمى أَو بكم أَو نحو ذلك بشدة الجوع إِن لم يأْكل من تلك المحرمات كما قال {فِى مَخْمَصَةٍ} أَى خواء البطن من الجوع {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} مايل أَو مقارف. {لإِثْمٍ} مثل أَن ينزع من مضطر آخر لا يحل قتله، ومثل أَن يأَكل فوق ما يسد به الرمق أَو فوق ما يدفع به الضر أَو يأكل تلذذا مع تلك الضرورة، أَو اضطر إِلى ذلك لإِيقاعه فى معصية كسفر لها وكهروب من أَحد أَو حق ما من الحقوق يطالب به، ولا يضر التلذذ الضرورى فى النفس. وقال أَهل المدينة: يجوز أَن يشبع عند الضرورة. {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أَى فلا إِثم عليه، كما فى سورة أُخرى لأَن الله غفور رحيم، أَو وجب عليه التناول من تلك المحرمات لأَن الله غفور رحيم، أَو الجواب فإِن الله غفور رحيم، على معنى لا يؤاخذ بأَكله، ولما نزل اليوم أَكملت لكم دينكم الآية، بكى عمر رضى الله عنه فقال النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : ما يبكيك يا عمر؟ قال أَبكانى أَنا كنا فى زيادة من ديننا، والآن كمل ولا يكمل شىء إِلا نقص. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: صدقتتفسير : ، فكانت هذه الآية تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما لبث إِلا أَحدا وثمانين يوما بعدها، ولم ينزل بعدها إِلا قوله تعالى: "أية : واتقوا يوما ترجعون فيه إِلى الله"تفسير : [البقرة: 281] إِلخ. وعن ابن عباس نزلت بعدها آية الكلالة فقط. قال يهودى لعمر رضى الله عنه: يا أَمير المؤمنين، آية فى كتابكم تقرأُونها لو علينا معشر اليهود نزلت لأَخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أَى آية؟ قال: اليوم أَكملت لكم دينكم وأَتممت عليكم نعمتى، الآية. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذى نزلت فيه على النبى صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة بعد العصر، أَراد رضى الله عنه أَنا قد اتخذناه عيدا مع المكان إِلا أَنه تكدر علينا بنعيه صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} شروع في بيان المحرمات التي أشير إليها بقوله سبحانه: {أية : إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المائدة: 1] والمراد تحريم أكل الميتة، هي ما فارقه الروح حتف أنفه من غير سبب خارج عنه {وَٱلدَّمُ} أي المسفوح منه وكان أهل الجاهلية يجعلونه في المباعر ويشوونه ويأكلونه، وأما الدم غير المسفوح كالكبد فمباح، وأما الطحال فالأكثرون على إباحته، وأجمعت الإمامية على حرمته، ورويت الكراهة فيه عن علي كرم الله تعالى وجهه. وابن مسعود رضي الله تعالى عنه {وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ} إقحام اللحم لما مر، وأخذ داود. وأصحابه بظاهره فحرموا اللحم وأباحوا غيره، وظاهر العطف أنه حرام حرمة غيره، وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن قتادة أنه قال: «من أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة فإن تاب وإلا قتل» وهو غريب، ولعل ذلك لأن أكله صار اليوم من علامات الكفر كلبس الزنار، وفيه تأمل {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي رفع الصوت لغير الله تعالى عند ذبحه، والمراد بالاهلال هنا ذكر ما يذبح له ـ كاللات. والعزى {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} قال السدى: هي التي يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت، وقال الضحاك. وقتادة: هي التي تختنق بحبل الصائد فتموت. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان أهل الجاهلية يخنقون البهيمة ويأكلونها فحرم ذلك على المؤمنين، والأولى أن تحمل على التي ماتت بالخنق مطلقاً {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} أي التي تضرب حتى تموت، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقتادة. والسدى، وهو من وقذته بمعنى ضربته، وأصله أن تضربه حتى يسترخي، ومنه وقذه النعاس أي غلب عليه {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ} أي التي تقع من مكان عال أو في بئر فتموت {وَٱلنَّطيحَةُ} أي التي ينطحها غيرها فتموت، وتاؤها للنقل فلا يرد أن فعيل بمعنى مفعول لا يدخله التاء، وقال بعض الكوفيين: إن ذلك حيث ذكر الموصوف مثل ـ كف خضيب. وعين كحيل ـ وأما إذا حذف فيجوز دخول التاء فيه، ولا حاجة إلى القول بأنها للنقل، وقرىء والمنطوحة {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} أي ما أكل منه السبع فمات؛ وفسر بذلك لأن ما أكله كله لا يتعلق به حكم ولا يصح أن يستثنى منه قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} أي إلا ما أدركتموه وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح وذكيتموه، وعن السيدين السندين الباقر. والصادق رضي الله تعالى عنهما أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يحرك الأذن. أو الذنب. أو الجفن، وبه قال الحسن. وقتادة. / وإبراهيم. وطاوس. والضحاك. وابن زيد، وقال بعضهم: يشترط الحياة المستقرة وهي التي لا تكون على شرف الزوال وعلامتها على ما قيل: أن يضطرب بعد الذبح لا وقته، وعن علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الاستثناء راجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل الذكاة من الميتة. والدم. والخنزير. وما أكل السبع على تقدير إبقائه على ظاهره، وقيل: هو استثناء من التحريم لا من المحرمات، والمعنى حرم عليكم سائر ما ذكر لكن ما ذكيتم مما أحله الله تعالى بالتذكية فإنه حلال لكم. وروي ذلك عن مالك. وجماعة من أهل المدينة، واختاره الجبائي، والتذكية في الشرع قطع الحلقوم والمريء بمحدد، والتفصيل في الفقه، واستدل بالآية على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحل. وقرأ الحسن: {ٱلسَّبُعُ} بسكون الباء، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وأكيل السبع ـ. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} جمع نصاب كحمر. وحمار، وقيل: واحد الأنصاب كطنب وأطناب، واختلف فيها فقيل هي حجارة كانت حول الكعبة وكانت ثلثمائة وستين حجراً، وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها ـ فعلى ـ على أصلها، ولعل ذبحهم عليها كان علامة لكونه لغير الله تعالى؛ وقيل: هي الأصنام لأنها تنصب فتعبد من دون الله تعالى، و {عَلَىٰ} إما بمعنى اللام، أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام. واعترض بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله سبحانه: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} والأمر في ذلك هين، والموصول معطوف على المحرمات، وقرىء {ٱلنُّصُبِ} بضم النون وتسكين الصاد تخفيفاً، وقرىء بفتحتين، وبفتح فسكون. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} جمع زلم ـ كجمل ـ أو زلم ـ كصرد ـ وهو القدح، أي وحرم عليكم الاستقسام بالاقداح وذلك أنهم ـ كما روي عن الحسن. وغيره ـ إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح، مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي. وأبقوا الثالث غفلاً لم يكتب عليه شيء فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم، وإن خرج الناهي تجنبوا، وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام، واستشكل تحريم ما ذكر بأنه من جملة التفاؤل، وقد كان النبـي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل. وأجيب بأنه كان استشارة مع الأصنام واستعانة منهم كما يشير إلى ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا فلهذا صار حراماً، وقيل: لأن فيه افتراء على الله تعالى إن أريد ـ بربي ـ الله تعالى، وجهالة وشركاً إن أريد به الصنم، وقيل: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به، واعترض بأنا لا نسلم أن الدخول في علم الغيب حرام، ومعنى استئثار الله تعالى بعلم الغيب أنه لا يعلم إلا منه، ولهذا صار استعلام الخير والشر من المنجمين والكهنة ممنوعاً حراماً بخلاف الاستخارة من القرآن فإنه استعلام من الله تعالى، ولهذا أطبقوا على جوازها. ومن ينظر في ترتيب المقدمات أو يرتاض فهو لا يطلب إلا علم الغيب منه سبحانه فلو كان طلب علم الغيب حراماً لانسد طريق الفكر والرياضة، ولا قائل به. وقال الإمام رحمه الله تعالى: لو لم يجز طلب علم الغيب لزم أن يكون علم التعبير كفراً لأنه طلب للغيب، وأن يكون أصحاب الكرامات المدعون للالهامات كفاراً، ومعلوم أن كل ذلك باطل، وتعقب القول ـ بجواز الاستخارة بالقرآن ـ بأنه لم ينقل فعلها عن السلف، وقد قيل: إن الإمام مالكاً كرهها. وأما ما في «فتاوى الصوفية» نقلاً عن الزندوستي من أنه لا بأس بها وأنه قد فعلها علي كرم الله تعالى وجهه. ومعاذ رضي الله تعالى عنه. / وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: ـ من أراد أن يتفاءل بكتاب الله تعالى فليقرأ {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1] سبع مرات، وليقل ثلاث مرات: اللهم بكتابك تفاءلت، وعليك توكلت، اللهم أرني في كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك، ثم يتفاءل بأول الصحيفة ـ ففي النفس منه شيء. وفي كتاب «الأحكام» للجصاص «أن الآية تدل على بطلان القرعة في عتق العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه إذا كان فيها إثبات ما أخرجته القرعة من غير استحقاق كما إذا أعتق أحد عبيده عند موته على ما بين في الفقه، ولا يرد أن القرعة قد جازت في قسمة الغنائم مثلاً، وفي إخراج النساء لأنا نقول: إنها فيما ذكر لتطييب النفوس والبراءة من التهمة في إيثار البعض ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة، وأما الحرية الواقعة على واحد من العبيد فيما نحن فيه فغير جائز نقلها عنه إلى غيره، وفي استعمال القرعة النقل». وخالف الشافعي في ذلك، فجوز القرعة في العتق كما جوزها في غيره، وظواهر الأدلة معه وتحقيق ذلك في موضعه. والحق عندي أن الاستقسام الذي كان يفعله أهل الجاهلية حرام بلا شبهة كما هو نص الكتاب، وأن حرمته ناشئة من سوء الاعتقاد، وأنه لا يخلو عن تشاؤم، وليس بتفاؤل محض، وإن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلاً بل هو من باب الدخول في الظن، وأن الاستخارة بالقرآن مما لم يرد فيها شيء يعول عليه عن الصدر الأول، وتركها أحب إلي لا سيما وقد أغنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها بما سن من الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح، وأن تصديق المنجمين فيما ليس من جنس الخسوف والكسوف مما يخبرون به من الحوادث المستقبلة محظور وليس من علم الغيب ولا دخولاً فيه، وإن زعمه الزجاج لبنائه على الأسباب، ونقل الشيخ محيي الدين النووي في «شرح مسلم» عن القاضي «كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب. أحدها: أن يكون للإنسان رئي من الجن يخبره (به) بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم الثاني: أن يخبره بما يطرأ (و) يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة. وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام، الثالث: المنجمون وهذا الضرب (بخلق الله تعالى في بعض) الناس قوة مّا لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة فصاحبها عرّاف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها (ـ كالزجر والطرق بالحصى ـ) وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة، وقد أكذبهم [كلهم] الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم» انتهى. ولعل النهي عن ذلك لغلبة الكذب في كلامهم ولأن في تصديقهم فتح باب يوصل إلى لظى إذ قد يجر إلى تعطيل الشريعة والطعن فيها لا سيما من العوام، واستثناء ما هو من جنس الكسوف والخسوف لندرة خطئهم فيه بل لعدمه إذا أمكنوا الحساب، ولا كذلك ما يخبرون به من الحوادث إذ قد بنوا ذلك على أوضاع السيارات بعضها مع بعض، أو مع بعض الثوابت ولا شك أن ذلك لا يكفي في الغرض والوقوف على جميع الأوضاع، وما تقتضيه مما يتعذر الوقوف عليه لغير علام الغيوب فليفهم، وقيل: المراد بالاستقسام استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة أي طلب قسم من الجزور أو ما قسمه الله تعالى له منه، وهذا هو الميسر وقد تقدم بيانه، وروى ذلك علي بن إبراهيم عن الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم، ورجح بأنه يناسب ذكره مع محرمات الطعام، وروي عن مجاهد أنه فسر الأزلام بسهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها. / وعن وكيع أنها أحجار الشطرنج {ذٰلِكُمْ} أي الاستقسام بالأزلام، ومعنى البعد فيه الإشارة إلى بعد منزلته في الشر {فِسْقٌ} أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته لما أشرنا إليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى تناول جميع ما تقدم من المحرمات المعلوم من السياق. {ٱلْيَوْمَ} أي الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية، وقيل: يوم نزول الآية، وروي ذلك عن ابن جريج. ومجاهد. وابن زيد، وكان ـ كما رواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه ـ عصر يوم الجمعة [يوم] عرفة [في] حجة الوداع، وقيل: يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، وقيل: سنة ثمان، وهو منصوب على الظرفية بقوله تعالى: {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} واليأس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع. والمراد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها، أو من أن يغلبوكم عليه لما شاهدوا أن الله تعالى وفي بوعده حيث أظهره على الدين كله. وروي أنه لما نزلت الآية نظر صلى الله عليه وسلم في الموقف فلم ير إلا مسلماً، ورجح هذا الاحتمال بأنه الأنسب بقوله سبحانه: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أن يظهروا عليكم وهو متفرع عن اليأس {وَٱخْشَوْنِ} أن أحل بكم عقابي إن خالفتم أمري وارتكبتم معصيتي. {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بالنصر والإظهار لأنهم بذلك يجرون أحكام الدين من غير مانع وبه تمامه، وهذا كما تقول: تم لي الملك إذا كفيت ما تخافه، وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعن ابن عباس. والسدى أن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي. وفرائضي. وحلالي. وحرامي بتنزيل ما أنزلت. وبيان ما بينت لكم فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان يوم عرفة عام حجة الوداع، واختاره الجبائي. والبلخي. وغيرهما، وادعوا أنه لم ينزل بعد ذلك شيء من الفرائض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحليل ولا تحريم، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يلبث بعد سوى أحد وثمانين يوماً، ومضى ـ روحي فداه ـ إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. وفهم عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة «حديث : أن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص فقال عليه الصلاة والسلام: صدقت»تفسير : ولا يحتج بها على هذا القول على إبطال القياس ـ كما زعم بعضهم ـ لأن المراد إكمال الدين نفسه بيان ما يلزم بيانه، ويستنبط منه غيره والتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد، وروي عن سعيد بن جبير. وقتادة أن المعنى اليوم أكملت لكم حجكم وأقررتكم بالبلد الحرام تحجونه دون المشركين ـ واختاره الطبري ـ وقال: يرد على ما روي عن ابن عباس. والسدي رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أنزل بعد ذلك آية الكلالة وهي آخر آية نزلت، واعترض بالمنع، وتقديم الجار للإيذان من أول الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم، وفيه أيضاً تشويق إلى ذكر المؤخر كما في قوله تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} وليس الجار فيه متعلقاً ـ بنعمتي ـ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله، وقيل: متعلق به ولا بأس بتقدم معمول المصدر إذا كان ظرفاً، وإتمام النعمة على المخاطبين بفتح مكة، ودخولها / آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكها، والنهي عن حج المشركين وطواف العريان، وقيل: بإتمام الهداية والتوفيق باتمام سببهما، وقيل: بإكمال الدين، وقيل: بإعطائهم من العلم والحكمة ما لم يعطه أحداً قبلهم، وقيل: معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزت لكم وعدي بقوله سبحانه: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}. {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} أي اخترته لكم من بين الأديان، وهو الدين عند الله تعالى لا غير وهو المقبول وعليه المدار. وأخرج ابن جبير عن قتادة قال: «ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام فيقول: رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزي» وقد نظر في الرضا معنى الاختيار ولذا عدي باللام، ومنهم من جعل الجار ـ صفة لدين ـ قدم عليه فانتصب حالا، والإسلام و{دِينًا} مفعولاً {رضيت} إن ضمن معنى صير، أو دينا منصوب على الحالية من (الإسلام)، أو تمييز من {لَكُمْ} والجملة ـ على ما ذهب إليه الكرخي ـ مستأنفة لا معطوفة على {أَكْمَلْتُ} وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرضى لهم الإسلام قبل ذلك اليوم ديناً، وليس كذلك إذ الإسلام لم يزل ديناً مرضياً لله تعالى. وللنبي صلى الله عليه وسلم. وأصحابه رضي الله تعالى عنهم منذ شرع. والجمهور على العطف، وأجيب عن التقييد بأن المراد برضاه سبحانه حكمه جل وعلا باختياره حكماً أبدياً لا ينسخ وهو كان في ذلك اليوم، وأخرج الشيعة عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت بعد أن قال النبـي صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه في غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فلما نزلت قال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضاء الرب برسالتي وولاية علي كرم الله تعالى وجهه بعدي، ولا يخفى أن هذا من مفترياتهم، وركاكة الخبر شاهدة على ذلك في مبتدأ الأمر، نعم ثبت عندنا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه هناك: من كنت مولاه فعلي مولاه وزاد على ذلك ـ كما في بعض الروايات ـ لكن لا دلالة في الجميع على ما يدعونه من الإمامة الكبرى والزعامة العظمى كما سيأتي إن شاء الله تعالى غير بعيد. وقد بسطنا الكلام عليه في كتابنا «النفحات القدسية في رد الإمامية» ولم يتم إلى الآن ونسأل الله تعالى إتمامه، ورواياتهم في هذا الفصل ينادي لفظها على وضعها، وقد أكثر منها يوسف الأوالي عليه ما عليه. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} متصل بذكر المحرمات وما بينهما، وهو سبع جمل ـ على ما قال الطيبي ـ اعتراض بما يوجب التجنب عنها، وهو أن تناولها فسق عظيم، وحرمتها في جملة الدين الكامل. والنعمة التامة. والإسلام المرضي، والاضطرار الوقوع في الضرورة، أي فمن وقع في ضرورة تناول شيء من هذه المحرمات {فِي مَخْمَصَةٍ} أي مجاعة تخمص لها البطون أن تضمر يخاف معها الموت أو مباديه {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائداً على ما يمسك رمقه، فإن ذلك حرام كما روي عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة رضي الله تعالى عنهم ـ وبه قال أهل العراق، وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع عند الضرورة، وقيل: المراد غير عاص بأن يكون باغياً، أو عادياً بأن ينتزعها من مضطر آخر أو خارجاً في معصيته، وروي هذا أيضاً عن قتادة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يؤاخذه بأكله وهو الجواب في الحقيقة، وقد أقيم سببه مقامه، وقيل: إنه مقدر في الكلام.

ابن عاشور

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}. استئناف بيانيّ ناشىء عن قوله: {أية : أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم}تفسير : [المائدة: 1]، فهو بيان لما ليس بحلال من الأنعام. ومعنى تحريم هذه المذكورات تحريم أكلها، لأنَّه المقصود من مجموع هذه المذكورات هنا. وهي أحوال من أحوال الأنعام تقتضي تحريم أكلها. وأدمج فيها نوع من الحيوان ليس من أنواع الأنعام وهو الخنزير، لاستيعاب محرّمات الحيوان. وهذا الاستيعاب دليل لإباحة ما سوى ذلك، إلاّ ما ورد في السنّة من تحريم الحُمُر الأهلية، على اختلاف بين العلماء في معنى تحريمها، والظاهر أنَّه تحريم منظور فيه إلى حالة لا إلى الصنف. وألحَق مالك بها الخيلَ والبغال قياساً، وهو من قياس الأدْون، ولقول الله تعالى إذ ذكرها في معرض الامتنان {أية : الخيلَ والبغالَ والحمير لتركبوها وزينة}تفسير : [النحل: 8]. وهو قول أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه، وهو استدلال لا يعرف له نظير في الأدلّة الفقهية. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: يَجوز أكل الخيل. وثبت في الصحيح، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ذبحنا فرساً على عهد رسول الله فأكلناه. ولم يُذكر أنّ ذلك منسوخ. وعن جابر بن عبد الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر ورخَّص في لحوم الخيل. وأمّا الحُمُر الأهلية فقد ورد في الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلها في غزوة خيبر. فقيل: لأنّ الحُمر كانت حَمولتهم في تلك الغَزاة. وقيل: نهى عنها أبداً. وقال ابن عباس بإباحتها. فليس لتحريم هذه الثلاثة على الإطلاق وجه بيّن من الفقه ولا من السنّة. والميْتة الحيوان الذي زالت منه الحياة، والموتُ حالة معروفة تنشأ عن وقوف حركة الدم باختلال عمل أحد الأعضاء الرئيسية أو كلّها. وعلَّة تحريمها أنّ الموت ينشأ عن علل يكون معظمها مضرّاً بسبب العدوى، وتمييز ما يُعدي عن غيره عسير، ولأنّ الحيوان الميّت لا يُدرى غالباً مقدار ما مضى عليه في حالة الموت، فربَّما مضت مدّة تستحيل معها منافع لحمه ودمه مضارّ، فنيط الحكم بغالب الأحوال وأضبطها. والدم هنا هو الدم المُهراق، أي المسفوح، وهو الذي يمكن سيلانه كما صرّح به في آية الأنعام (145)، حَملاً لمطلققِ هذه الآية على مقيّد آية الأنعام، وهو الذي يخرج من عروق جسد الحيوان بسبب قطع العِرق وما عليه من الجِلد، وهو سائل لزج أحمر اللون متفاوت الحمرة باختلاف السنّ واختلاف أصناف العروق. والظاهر أنّ علّة تحريمه القذارة: لأنّه يكتسب رائحة كريهة عند لقائه الهواءَ، ولذلك قال كثير من الفقهاء بنجاسة عينه، ولا تعرّض في الآية لذلك، أو لأنَّه يحمل ما في جسد الحيوان من الأجزاء المضرّة التي لا يحاط بمعرفتها، أو لما يحدثه تعوّد شرب الدم من الضراوة التي تعود على الخُلق الإنساني بالفساد. وقد كانت العرب تأكل الدم، فكانوا في المجاعات يفصدون من إبلهم ويخلطون الدم بالوَبَر ويأكلونه، ويسمّونه العِلْهِز ـــ بكسر العين والهاء. ـــ وكانوا يملأون المَصير بالدم ويشوونها ويأكلونها، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {أية : إنَّما حرّم عليكم الميتة والدم }تفسير : في سورة البقرة (173). وإنَّما قال: {ولحمَ الخنزير} ولم يقل والخنزير كما قال: {وما أهلّ لغير الله به} إلى آخر المعطوفات. ولم يذكر تحريم الخنزير في جميع آيات القرآن إلاّ بإضافة لفظ لحم إلى الخنزير. ولم يأت المفسّرون في توجيه ذلك بوجه ينثلج له الصدر. وقد بيّنا ذلك في نظير هذه الجملة من سورة البقرة (173). ويبدو لي أنّ إضافة لفظ لحم إلى الخنزير للإيماء إلى أنّ المحرّم أكل لحمه لأنّ اللحم إذا ذكر له حكم فإنَّما يراد به أكله. وهذا إيماء إلى أنّ ما عدا أكل لحمه من أحوال استعمال أجزائه هو فيها كسائر الحيوان في طهارة شعره، إذا انتزع منه في حياته بالجزّ، وطهارة عرقه وطهارة جلده بالدبغ، إذا اعتبرنا الدبغ مطهّراً جلد الميتة، اعتباراً بأنّ الدبغ كالذكاة. وقد روي القول بطهارة جلد الخنزير بالدبغ عن داود الظاهري وأبي يوسف أخذاً بعموم قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : أيما إهاب دبغ فقد طهر» تفسير : رواه مسلم والترمذي عن ابن عباس. وعلّة تحريم الخنزير أنّ لحمه يشتمل على جراثيم مضرّة لا تقتلها حرارة النار عند الطبخ، فإذا وصلت إلى دم آكله عاشت في الدم فأحدثت أضراراً عظيمة، منها مرض الديدان التي في المعدة. {وما أهلّ لغير الله به} هو ما سُمّي عليه عند الذبح اسمُ غير الله. والإهلالُ: الجهر بالصوتتِ ومنه الإهلال بالحجّ، وهو التلبية الدالّة على الدخول في الحجّ، ومنه استهلّ الصبي صارخاً. قيل: ذلك مشتقّ من اسم الهلال، لأنّ العرب كانوا إذا رأوا هلال أوّل ليلة من الشهر رفعوا أصواتهم بذلك ليَعلم الناس ابتداءَ الشهر، ويحتمل عندي أن يكون اسم الهلال قد اشتقّ من جَهر الناس بالصوت عند رؤيته. وكانوا إذا ذبحوا القرابين للأصنام نادَوا عليها باسم الصنم، فقالوا: باسم اللاّت، باسم العُزّى. {والمنخنقة} هي التي عرض لها ما يخنقها. والخَنْق: سَدّ مجاري النفَس بالضغط على الحلق، أو بسدّه، وقد كانوا يربطون الدابّة عند خشبة فربما تخبّطت فانخنقت ولم يشعروا بها، ولم يكونوا يخنقونها عند إرادة قتلها. ولذلك قيل هنا: المنخنقة، ولم يقل المخنوقة بخلاف قوله {والموقوذة}، فهذا مراد ابن عباس بقوله: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها. وحكمة تحريم المنخنقة أنّ الموت بانحباس النفس يفسد الدم باحتباس الحوامض الفحمية الكائنة فيه فتصير أجزاء اللحم المشتمل على الدم مضرّة لآكله. {والموقوذة}: المضروبة بحجر أو عصا ضرباً تموت به دون إهراق الدم، وهو اسم مفعول من وقَذ إذا ضرب ضرباً مثخِناً. وتأنيث هذا الوصف لتأويله بأنَّه وصف بهيمة. وحكمة تحريمها تُماثل حكمة تحريم المنخنقة. {والمتردّية}: هي التي سقطت من جَبَل أو سقطت في بئر تردّياً تموت به، والحكمة واحدة. {والنطيحة} فعيلة بمعنى مَفعولة. والنطح ضربُ الحيوان ذي القرنين بقَرنيه حيواناً آخر. والمراد التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت. وتأنيث النطيحة مثل تأنيث المنخنقة، وظهرت علامة التأنيث في هذه الأوصاف وهي من باب فَعيل بمعنى مفعول لأنَّها لم تجر على موصوف مذكور فصارت بمنزلة الأسماء. {وما أكل السبع}: أي بهيمة أكَلَها السبع، والسبع كلّ حيوان يفترس الحيوان كالأسد والنمر والضبع والذئب والثعلب، فحرّم على الناس كلّ ما قتله السبع، لأنّ أكيلة السبع تموت بغير سفح الدم غالباً بل بالضرب على المقاتل. وقوله: {إلاّ ما ذكّيتم} استثناء من جميع المذكور قبله من قوله: {حرّمت عليكم الميتة}؛ لأنّ الاستثناء الواقع بعد أشياء يصلح لأن يكون هو بعضها، يرجع إلى جميعها عند الجمهور، ولا يرجع إلى الأخيرة إلاّ عند أبي حنيفة والإمام الرازي، والمذكورات قبلُ بعضها محرّمات لذاتها وبعضها محرّمات لصفاتها. وحيث كان المستثنى حالاً لا ذاتاً، لأنّ الذكاة حالة، تعيَّن رجوع الاستثناء لِما عدا لحمَ الخنزير، إذ لا معنى لتحريم لحمه إذا لم يُذكّ وتحليلِه إذا ذكِّي، لأنّ هذا حكم جميع الحيوان عند قصد أكله. ثم إنّ الذكاة حالة تقصد لقتل الحيوان فلا تتعلّق بالحيوان الميّت، فعُلِم عدم رجوع الاستثناء إلى الميْتة لأنَّه عبث، وكذلك إنَّما تتعلّق الذكاة بما فيه حياة فلا معنى لتعلّقها بالدم، وكذا ما أهِلّ لغير الله به، لأنهم يهلّون به عند الذكاة، فلا معنى لتعلّق الذكاة بتحليله، فتعيّن أنّ المقصود بالاستثناء: المنخنقة، والموقوذة، والتمردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، فإنّ هذه المذكورات تعلّقت بها أحوال تفضي بها إلى الهلاك، فإذا هلكت بتلك الأحوال لم يُبح أكلها لأنّها حينئذٍ ميْتة، وإذا تداركوها بالذكاة قبل الفوات أبيح أكلها. والمقصود أنّها إذا ألحقت الذكاة بها في حالة هي فيها حيّة. وهذا البيان ينبّه إلى وجه الحصر في قوله تعالى: {أية : قل لا أجدُ فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنَّه رجْس أو فسقاً أهلّ لغير الله به}تفسير : [الأنعام: 145]. فذكر أربعة لا تعمل الذكاة فيها شيئاً ولم يذكرالمنخنقة والموقوذة وما عطف عليها هنا، لأنّها تحرُم في حال اتّصال الموت بالسبب لا مطلقاً. فعَضّوا على هذا بالنواجذ. وللفقهاء في ضبط الحالة التي تعمل فيها الذكاة في هاته الخمس عبارات مختلفة: فالجمهور ذهبوا إلى تحديدها بأن يبقى في الحيوان رمق وعلامةُ حياة، قبل الذبح أو النحر، من تحريك عضو أو عين أو فم تحريكاً يدلّ على الحياة عرفاً، وليس هو تحريك انطلاق الموت. وهذا قول مالك في «الموطّأ»، ورواية جمهور أصحابه عنه. وعن مالك: أنّ المذكورات إذا بلغت مبلغاً أنْفِذَتْ معه مقاتلها، بحيث لا ترجى حياتها لو تركت بلا ذكاة، لا تصحّ ذكاتها، فإن لم تنفذ مقاتلها عملت فيها الذكاة. وهذه رواية ابن القاسم عن مالك، وهو أحد قولي الشافعي. ومن الفقهاء من قالوا: إنَّما ينظر عند الذبح أحيَّة هي أم ميّتة، ولا ينظر إلى حالة هل يعيش مثلها لو تركت دون ذبح. وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك، واختاره ابن حبيب، وأحد قولين للشافعي. ونفس الاستثناء الواقع في الآية يدلّ على أنّ الله رخّص في حالة هي محلّ توقّف في إعمال الذكاة، أمَّا إذا لم تُنْفَذ المقاتل فلا يخفى على أحد أنّه يباح الأكل، إذ هو حينئذٍ حيوان مرضوض أو مجروح، فلا يحتاج إلى الإعلام بإباحة أكله بذكاة، إلاّ أنّ يقال: إنّ الاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن، أي لكن كلوا ما ذكّيتم دون المذكورات، وهو بعيد. ومن العلماء من جعل الاستثناء من قوله: {وما أكل السبع} على رأي من يجعل الاستثناء للأخيرة، ولا وجه له إلاّ أن يكون ناظراً إلى غلبة هذا الصنف بين العرب، فقد كانت السباع والذئاب تنتابهم كثيراً، ويكثر أن يلحقوها فتترك أكيلتها فيدْركوها بالذكاة. {وما ذُبح على النُصب} هو ما كانوا يذبحونه من القرابين والنُشُرات فوق الأنصاب. والنُصُب ـــ بضمّتين ـــ الحجر المنصوب، فهو مفرد مراد به الجنس، وقيل: هو جمع وواحده نِصاب، ويقال: نَصْب ـــ بفتح فسكون ـــ {أية : كأنّهم إلى نَصْب يوفضون}تفسير : [المعارج: 43]. وهو قد يطلق بما يرادف الصنم، وقد يخصّ الصنم بما كانت له صورة، والنصُب بما كان صخرة غير مصوّرة، مثل ذي الخَلصة ومثل سَعْد. والأصحّ أنّ النصب هو حجارة غير مقصود منها أنَّها تمثال للآلهة، بل هي موضوعة لأنّ تذبح عليها القرابين والنسائك التي يتقرّب بها للآلهة وللجنّ، فإنّ الأصنام كانت معدودة ولها أسماء وكانت في مواضع معيّنة تقصد للتقرّب. وأمّا الأنصاب فلم تكن معدودة ولا كانت لها أسماء وإنَّما كانوا ـــ يتّخذها كلّ حَيّ ـــ يتقرّبون عندها، فقد روى أيمَّة أخبار العرب: أنّ العرب كانوا يعظّمون الكعبة، وهم ولد إسماعيل، فلمّا تفرّق بعضهم وخرجوا من مكة عظم عليهم فراق الكعبة فقالوا: الكعبةُ حجر، فنحن ننصب في أحيائنا حجارة تكون لنا بمنزلة الكعبة، فنصبوا هذه الأنصاب، وربما طافوا حولها، ولذلك يسمّونها الدّوار ـــ بضمّ الدال المشدّدة وبتشديد الواو ـــ ويذبحون عليها الدماء المتقرّب بها في دينهم. وكانوا يطلبون لذلك أحسن الحجارة. وعن أبي رجاء العطاردي في «صحيح البخاري»: كنّا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً خيراً منه ألقينا الأوّل وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً (أي في بلاد الرمل) جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ليصير نظير الحجر ثمّ طفنا به. فالنصب: حجارة أعدّت للذبح وللطواف على اختلاف عقائد القبائل: مِثل حجر الغَبْغَببِ الذي كان حول العُزّى. وكانوا يذبحون على الأنصاب ويشرّحون اللحم ويشوونه، فيأكلون بعضه ويتركون بعضاً للسدنة، قال الأعشى، يذكر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته التي صنعها في مدحه:شعر : وذا النُصُبَ المَنْصُوب لا تَنْسُكَنَّه تفسير : وقال زيد بن عَمْرو بن نفيل للنبي صلى الله عليه وسلم قبلَ البعثة، وقد عرض عليه الرسولُ سُفرة ليَأكل معه في عكاظ: (إنّي لا آكل ممّا تذبَحُون على أنصابكم). وفي حديث فتح مكَّة: كان حول البيت ثلاثمائة ونيّف وستّون نصباً، وكانوا إذا ذبحوا عليها رشّوها بالدم ورشّوا الكعبة بدمائهم. وقد كان في الشرائع القديمة تخصيص صخور لذبح القرابين عليها، تمييزاً بين ما ذُبِح تديّناً وبين ما ذبح للأكل، فمن ذلك صخرة بيت المقدس، قيل: إنَّها من عهد إبراهيم وتحتها جبّ يعبّر عنها ببئر الأرواح، لأنَّها تسقط فيها الدماء، والدمُ يسمّى رُوحاً. ومن ذلك فيما قيل: الحجر الأسود كان على الأرض ثم بناه إبراهيم في جدر الكعبة. ومنها حجر المقام، في قول بعضهم. فلما اختلطت العقائد في الجاهلية جعلوا هذه المذابح لذبح القرابين المتقرّب بها للآلهة وللجنّ. وفي «البخاري» عن ابن عباس: النصُب: أنصاب يذبحون عليها. قلت: ولهذا قال الله تعالى: {وما ذبح على النصب} بحرف (على)، ولم يقل وما ذبح للنُصب لأنّ الذبيحة تقصد للأصنام والجنّ، وتذبح على الأنصاب، فصارت الأنصاب من شعائر الشرك. ووجه عطف {وما ذُبح على النصب} على المحرّمات المذكورة هنا، مع أنّ هذه السورة نزلت بعد أن مضت سنين كثيرة على الإسلام وقد هجر المسلمون عبادة الأصنام، أنّ في المسلمين كثيرين كانوا قريبي عهد بالدخول في الإسلام، وهم وإن كانوا يعلمون بطلان عبادة الأصنام، أوّل ما يعلمونه من عقيدة الإسلام، فقد كانوا مع ذلك مدّةَ الجاهلية لا يختصّ الذبحُ على النصُب عندهم بذبائح الأصنام خاصّة، بل يكون في ذبائح الجنّ ونحوها من النُشُرات وذبائح دفع الأمراض ودفع التابعة عن ولدانهم، فقالوا: كانوا يستدفعون بذلك عن أنفسهم البرص والجذام ومسّ الجن، وبخاصّة الصبيان، ألا ترى إلى ما ورد في كتب السيرة: أنّ الطفيل بن عَمرو الدوْسي لمّا أسلم قبل الهجرة ورجع إلى قومه ودعَا امرأته إلى الإسلام قالت له: أتخشى على الصبية من ذي الشَّرَى (صَنَمِ دوس). فقال: لا، أنا ضامن، فأسلمتْ، ونحو ذلك، فقد يكون منهم من استمرّ على ذبح بعض الذبائح على الأنصاب التي في قبائلهم على نيّة التداوي والانتشار، فأراد الله تنبيههم وتأكيد تحريم ذلك وإشاعته. ولذلك ذِكر في صدر هذه السورة وفي آخرها عند قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجس من عمل الشيطان}تفسير : [المائدة: 90] الآيات. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ}. الشأن في العطف التناسب بين المتعاطفات، فلا جرم أنّ هذا المعطوف من نوع المتعاطفات التي قبله، وهي المحرّم أكلها. فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام، وهو لحم جزور الميسر لأنّه حاصل بالمقامرة، فتكون السين والتاء في {تستقسموا} مزيدتين كما هما في قولهم: استجاب واستراب. والمعنى: وأن تقسموا اللحم بالأزلام. ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلّبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله: هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضرّ؟. وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مراداً من النهي أيضاً، على قاعدة استعمال المشترك في معنييه، فتكون إرادته إدماجاً وتكون السين والتاء للطلب، أي طلب القِسم. وطلب القِسم ـــ بالكسر ـــ أي الحظّ من خير أو ضدّه، أي طلب معرفته. كان العرب، كغيرهم من المعاصرين، مولَعين بمعرفة الاطِّلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة، وكانوا يتوهّمون بأنّ الأصنام والجنّ يعلمون تلك المغيّبات فسوّلت سدنة الأصنام لهم طريقة يُموّهون عليهم بها فجعلوا أزلاماً. والأزلام جمع زَلَم ـــ بفتحتين ـــ ويقال له: قدح ـــ بكسر القاف وسكون الدال ـــ وهو عود سهم لا حديدة فيه. وكيفية استقسام الميسر: المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على أجزائه، وتلك عشرة سهام تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر}تفسير : الآية في سورة البقرة (219). وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما استقسمتم عليه بالأزلام، فغيّر الأسلوب وعُدل إلى وأن تستقسموا بالأزلام}، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما، وذلك إدماج بديع. وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح: أحدها مكتوب عليه «أمرني ربّي»، وربما كتبوا عليه «افْعَلْ» ويسمّونه الآمر. والآخرُ: مكتوب عليه «نَهاني ربّي»، أو «لا تَفْعَلْ» ويسمّونه الناهي. والثالث: غُفْل ـــ بضم الغين المعجمة وسكون الفاء أخت القاف ـــ أي متروك بدون كتابة. فإذا أراد أحدهم سَفراً أو عملاً لا يدري أيكون نافعاً أم ضارّاً، ذهب إلى سادن صنمهم فأجال الأزلامَ، فإذا خرج الذي عليه كتابة، فعلوا ما رَسَم لهم، وإذا خرج الغُفْل أعادوا الإجالة. ولمّا أراد امرؤُ القيس أن يقوم لأخذ ثار أبيه حُجْر، استقسم بالأزلام عند ذي الخَلَصة، صنم خَثْعَم، فخرج له الناهي فكسر القِداح وقال:شعر : لو كنتَ ياذا الخَلَص الموتورا مِثْلي وكان شيخُك المقبورا لم تَنْهَ عن قَتْلِ العُداة زُورا تفسير : وقد ورد، في حديث فتح مكة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال: «حديث : كذَبوا والله إنِ استقسمَ بها قطّ»تفسير : وهم قد اختلقوا تلك الصورة، أو توهّموها لذلك، تنويهاً بشأن الاستقسام بالأزلام، وتضليلاً للناس الذين يجهلون. وكانت لهم أزلام أخرى عند كلّ كاهن من كهانهم، ومن حكّامهم، وكان مِنها عند (هُبَل) في الكعبة سبعة قد كتبوا على كلّ واحد شيئاً من أهمّ ما يَعْرِض لهم في شؤونهم، كتبوا على أحدها العقل في الديَة، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم؛ وأزلام لإثبات النسب، مكتوب على واحد «منكم»، وعلى واحد «من غَيْركم»، وفي آخر «مُلْصَق». وكانت لهم أزلام لإعطاء الحقّ في المياه إذا تنازعوا فيها. وبهذه استقسم عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد الله من النَّذْر الذي نذره أن يَذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل، فخرج الزلم على عبد الله فقالوا له: أرض الآلهة فزاد عشرة حتّى بلغ مائة من الإبل فخرج الزّلم على الإبل فنحرها. وكان الرجل قد يتّخذ أزلاماً لنفسه، كما ورد في حديث الهجرة «أنّ سُراقة ابنَ مالك لمّا لحق النبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم بالأزلام فخرج له ما يكره». والإشارة في قوله: {ذلكم فسق} راجعة إلى المصدر وهو {أن تستقسموا}. وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتّى يقع الحكم على متميّز معيّن. والفسق: الخروج عن الدين، وعن الخير، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وما يضلّ به إلاّ الفاسقين} تفسير : في سورة البقرة (26). وجعل الله الاستقسام فسقاً لأنّ منه ما هو مقامرة، وفيه ما هو من شرائع الشرك، لتطلّب المسبّبات من غير أسبابها، إذ ليس الاستقسام سبباً عاديّاً مضبوطاً، ولا سبباً شرعيّاً، فتمحّض لأن يكون افتراء، مع أنّ ما فيه من توهّم الناس إيّاه كاشفاً عن مراد الله بهم، من الكذب على الله، لأنّ الله نصب لمعرفة المسبّبات أسباباً عقليّة: هي العلوم والمعارف المنتزعة من العقل، أو من أدلّته، كالتجربة، وجعل أسباباً لا تعرف سببيتها إلاّ بتوقيف منه على لسان الرّسل: كجعل الزوال سبباً للصّلاة. وما عدا ذلك كذب وبهتان، فمن أجل ذلك كان فسقاً، ولذلك قال فقهاؤنا بجرحة من ينتحل ادّعاء معرفة الغيوب. وليس من ذلك تعرّف المسبّبات من أسبابها كتعرّف نزول المطر من السحاب، وترقّب خروج الفرخ من البيضة بانقضاء مدّة الحضانة، وفي الحديث إذا نشأت بَحْرِيَّة ثم تشاءَمَتْ فتلكَ عين غُدَيْقَة أي سحابة من جهة بحرهم، ومعنى عين أنها كثيرة المطر. وأمَّا أزلام الميسر، فهي فسْق، لأنَّها من أكل المال بالباطل. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}. جملة وقعت معترضة بين آية المحرّمات المتقدّمة، وبين آية الرخصة الآتِيَة: وهي قوله: {فمن اضطرّ في مخمصة} لأنّ اقتران الآية بفاء الفريع يقضي باتّصالها بما تقدّمها. ولا يصلح للاتّصال بها إلاّ قوله: {حرّمت عليكم الميتة} الآية. والمناسبة في هذا الاعتراض: هي أنّ الله لمّا حرّم أموراً كان فعلها من جملة دين الشرك، وهي ما أهِلّ لغير الله به، وما ذبح على النصب، وتحريم الاستقسام بالأزلام، وكان في كثير منها تضييق عليهم بمفارقة معتادهم، والتقليل من أقواتهم، أعقب هذه الشدّة بإيناسهم بتذكير أنّ هذا كلّه إكمال لدينهم، وإخراج لهم من أحوال ضلال الجاهلية، وأنَّهم كما أُيِّدوا بدين عظيم سَمْح فيه صلاحهم، فعليهم أن يقبلوا ما فيه من الشدّة الراجعة إلى إصلاحهم: فالبعض مصلحته راجعة إلى المنافع البدنية، والبعض مصلحتهُ راجعة إلى الترفّع عن حَضِيض الكفر: وهو ما أهلّ به لِغير الله، وما ذُبح على النُصُب. والاستقسامُ بالأزلام أذكرهم بفوزهم على من يناويهم، وبمحاسن دينهم وإكماله، فإنّ من إكمال الإصلاح إجرَاء الشدّة عند الاقتضاء. وذُكّروا بالنعمة، على عادة القرآن في تعقيب الشدّة باللين. وكان المشركون، زماناً، إذا سمعوا أحكام الإسلام رجَوا أن تثقل على المسلمين فيرتدّوا عن الدّين، ويرجعوا إلى الشرك، كما قال المنافقون {أية : لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتّى يَنْفَضّوا}تفسير : [المنافقون: 7]. فلمّا نزلت هذه الأحكام أنزل الله هذه الآية: بشارة للمؤمنين، ونكاية بالمشركين. وقد روي: أنَّها نزلت يوم فتح مكة، كما رواه الطبري عن مجاهد، والقرطبي عن الضحّاك. وقيل: نزلت يوم عرفة في حجّة الوداع مع الآية التي ستأتي عقبها. وهْو ما رواه الطبري عن ابن زيد وجمع، ونسبه ابن عطِيّة إلى عمر بن الخطاب وهو الأصحّ. فــ {اليوم} يجوز أن يُراد به اليوم الحاضر، وهو يوم نزول الآية، وهو إن أريد به يوم فتح مكة، فلا جرم أنّ ذلك اليوم كان أبهج أيّام الإسلام، وظهر فيه من قوّة الدين، بين ظهراني من بقي على الشرك، ما أيْأسَهم من تقهقر أمر الإسلام، ولا شكّ أنّ قلوب جميع العرب كانت متعلّقة بمكة وموسم الحجّ ومناسكه: التي كانت فيها حياتهم الاجتماعية والتجارية والدينية والأدبية، وقوام شؤونهم، وتعارفهم، وفصل نزاعهم، فلا جرم أن يكون انفراد المسلمين بتلك المواطن قاطعاً لبقية آمالهم: من بقاء دين الشرك، ومن محاولة الفتّ في عضد الإسلام. فذلك اليوم على الحقيقة: يوم تمام اليأس وانقطاع الرجاء، وقد كانوا قبل ذلك يعاودهم الرجاء تارة. فقد قال أبو سفيان يوم أحد «أعْلُ هُبَل ـــ وقال ـــ لنا العُزّى ولا عُزّى لكم». وقال صفوان بن أمية أو أخوه، يوم هوازن، حين انكشف المسلمون وظنّها هزيمة للمسلمين: «ألا بطل السحر اليوم». وكان نزول هذه الآية يوم حجّة الوداع مع الآية التي بعدها، كما يؤيّده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يومئذٍ في قول كثير من أصحاب السير «حديث : أيها الناس إنّ الشيطان قد يَئِس أن يُعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك فيما تَحْقرون من أعمالكم فاحذروه على أنفسكم»تفسير : . و{اليوم} يجوز أن يراد به يوم معين، جدير بالامتنان بزمانه، ويجوز أن يجعل (اليومَ) بمعنى الآن، أي زمان الحال، الصادق بطائفة من الزمان، رَسخ اليأس، في خلالها، في قلوب أهل الشرك بعد أن خامر نفوسهم التردّد في ذلك، فإنّ العرب يطلقون (اليوم) على زمن الحال، (والأمس) على الماضي، و(الغَد) على المستقبل. قال زهير:شعر : وأعْلَمُ عِلم اليومِ والأمسِ قبلَه ولكِنَّنِي عن عِلمِ مَا في غد عَمِي تفسير : يريد باليوم زمان الحال، وبالأمس ما مضى، وَبالغد ما يستقبل، ومنه قول زياد الأعجم:شعر : رأيتُك أمسِ خيرَ بني مَعَدّ وأنتَ اليوم خيرُ منكَ أمسِ وأنت غَدا تزيد الخير خيراً كذاكَ تزيد سادةُ عبدِ شمس تفسير : وفعل {يئس} يتعدّى بــ(ـمِن) إلى الشيء الذي كان مرجوّاً من قبلُ، وذلك هو القرينة على أنّ دخول (من) التي هي لتعدية {يئس} على قوله {دينِكم}، إنّما هو بتقدير مضاف، أي يئسوا من أمر دينكم، يعني الإسلام، ومعلوم أنّ الأمر الذي كانوا يطمعون في حصوله: هو فتور انتشار الدين وارتداد متّبعيه عنه. وتفريع النهي عن خشية المشركين في قوله: {فلا تَخشَوْهم} على الإخبار عن يأسهم من أذى الدين: لأنّ يأس العدوّ من نوال عدوّه يزيل بأسه، ويذهب حماسه، ويقعده عن طلب عدوّه. وفي الحديث: «ونُصِرْتُ بالرّعْب». فلمَّا أخبر عن يأسهم طمّن المسلمين من بأس عدوّهم، فقال: {فلا تخشوهم واخشون} أو لأنّ اليأس لمَّا كان حاصلاً من آثار انتصارات المسلمين، يوماً فيوماً، وذلك من تأييد الله لهم، ذكَّر الله المسلمين بذلك بقوله: {اليومَ يئس الذين كفروا من دينكم}، وإنّ فريقاً لم يغن عنهم بأسهم من الله شيئاً لأحرياء بأن لا يُخشى بأسهم، وأن يُخشى مَن خَذَلهم ومكّن أولياءه منهم. وقد أفاد قوله: {فلا تخشوهم واخشون} مفاد صيغة الحصر، ولو قيل: فإيّاي فاخشون لجرى على الأكثر في مقام الحصر، ولكن عُدل إلى جملتي نفي وإثبات: لأنّ مفاد كلتا الجملتين مقصود، فلا يحسن طيّ إحداهما. وهذا من الدواعي الصارفة عن صيغة الحصر إلى الإتيان بصيغتي إثبات ونفي، كقول السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثيّ:شعر : تَسيل على حدّ الظّبَاتِ نفوسنا ولَيْسَتْ على غير الظُبات تسيل تفسير : ونظيره قوله الآتي {أية : فلا تَخْشُوْا الناسَ واخشَون}تفسير : [المائدة: 44]. {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً}. إن كانت آية {اليوم أكملت لكم دينكم} نزَلت يوم حجّة الوداع بعد آية {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} بنحو العامين، كما قال الضحّاك، كانت جملة مستقلّة، ابتدائية، وكان وقوعها في القرآن، عقب التي قبلها، بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها مع نظيرها في إكمال أمر الدّين، اعتقاداً وتشريعاً، وكان اليوم المعهود في هذه غير اليوم المعهود في التي قبلها وإن كانتا نزلتا معاً يومَ الحجّ الأكبر، عام حجّة الوداع، وهو ما رواه الطبري عن ابن زيد وآخرين. وفي كلام ابن عطيّة أنَّه منسوب إلى عمر بن الخطّاب، وذلك هو الراجح الذي عَوّل عليه أهل العلم وهو الأصل في موافقة التلاوة للنزول، كان اليومُ المذكور في هذه وفي التي قبلها يوماً واحداً، وكانت هذه الجملة تعداداً لمنّة أخرى، وكان فصلُها عن التي قبلها جارياً على سنن الجمل التي تساق للتعداد في منَّة أو توبيخ، ولأجل ذلك: أعيد لفظ {اليوم} ليتعلّق بقوله {أكملت}، ولم يستغن بالظرف الذي تعلّق بقوله: {يَئِسَ} فلم يقل: وأكملت لكم دينكم. والدّين: ما كلف الله به الأمّة من مجموع العقائد، والأعمال، والشرائع، والنظم. وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : إنّ الدين عند الله الإسلام} تفسير : في سورة آل عمران (19). فإكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه، فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد، التي لا يسع المسلمين جهلها، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام التي آخرها الحجّ بالقول والفعل، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي، كان بعد ذلك كلّه قد تمّ البيان المراد لله تعالى في قوله: {أية : ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء}تفسير : [النحل: 89] وقوله: {أية : لتبيّن للناس ما نزّل إليهم}تفسير : [النحل: 44] بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنّة، كافياً في هدي الأمّة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد كان الدين وافياً في كلّ وقت بما يحتاجه المسلمون. ولكن ابتدأتْ أحوال جماعة المسلمين بسيطة ثمّ اتّسعت جامعتهم، فكان الدين يكفيهم لبيان الحاجات في أحوالهم بمقدار اتّساعها، إذ كان تعليم الدين بطريق التدريج ليتمكّن رسوخُه، حتّى استكملت جامعة المسلمين كلّ شؤون الجوامع الكبرى، وصاروا أمّة كأكمل ما تكون أمّة، فكمل من بيان الدين ما به الوفاء بحاجاتهم كلّها، فذلك معنى إكمال الدين لهم يومئذٍ. وليس في ذلك ما يشعر بأنّ الدين كان ناقصاً، ولكن أحوال الأمّة في الأمَمِيَّة غير مستوفاة، فلمّا توفّرتْ كمل الدين لهم فلا إشكال على الآية. وما نزل من القرآن بعد هذه الآية لعلّه ليس فيه تشريع شيء جديد، ولكنَّه تأكيد لما تقرّر تشريعه من قبل بالقرآن أو السنّة. فما نجده في هذه السورة من الآيات، بعد هذه الآية، ممّا فيه تشريع أنف مثل جزاء صيد المحرم، نجزم بأنَّها نزلت قبل هذه الآية وأنّ هذه الآية لمّا نزلت أمر بوضعها في هذا الموضع. وعن ابن عباس: لم ينزل على النبي بعد ذلك اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض. فلو أنّ المسلمين أضاعوا كلّ أثارة من علم ـــ والعياذ بالله ـــ ولم يبق بينهم إلاّ القرآن لاستطاعوا الوصول به إلى ما يحتاجونه في أمور دينهم. قال الشاطبي: «القرآن، مع اختصاره، جامع ولا يكون جامعاً إلاّ والمجموع فيه أمور كلّية، لأنّ الشريعة تمّت بتمام نزوله لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم}، وأنت تعلم: أنّ الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك، لم تبيّن جميع أحكامها في القرآن، إنَّما بيّنتها السُنَّة، وكذلك العاديّات من العقود والحدود وغيرها، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كليّاتها المعنويَّة، وجدناها قد تضمّنها القرآن على الكمال، وهي: الضروريّات، والحاجيات، والتحسينات وَمُكمل كلّ واحد منها، فالخارج عن الكتاب من الأدلّة: وهو السنّة، والإجماع، والقياس، إنَّما نشأ عن القرآن وفي الصحيح عن ابن مسعود أنَّه قال: «لَعَن الله والوَاشمَات والمستوشمات والواصلات والمستوصلات والمنتمصات للحسن المغيِّرات خلقَ الله» فبلغ كلامه امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: «لعنتَ كذا وكذا» فذكرَتْه، فقال عبد الله: «وما لِي لا ألعن مَن لعنَ رسولُ الله وهو في كتاب الله»، فقالت المرأة: «لقد قرأت ما بين لَوْحَي المصحف، فما وجدتُه»، فقال: «لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه»: قال الله تعالى: {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}تفسير : [الحشر: 7]» اهـــ. فكلام ابن مسعود يشير إلى أنّ القرآن هو جامع أصول الأحكام، وأنّه الحجّة على جميع المسلمين، إذ قد بلغ لجميعهم ولا يسعهم جهل ما فيه، فلو أنّ المسلمين لم تكن عندهم أثارة من علم غير القرآن لكفاهم في إقامة الدين، لأنّ كلّيّاته وأوامره المفصّلة ظاهرة الدلالة، ومجملاته تبعث المسلمين على تعرّف بيانها من استقراء أعمال الرسول وسلف الأمّة، المتلقّين عنه، ولذلك لمّا اختلف الأصحاب في شأن كتابة النبي لهم كتاباً في مرضه قال عمر: حسبنا كتاب الله، فلو أنّ أحداً قصر نفسه على علم القرآن فوجد {أية : أقيموا الصلاة}تفسير : [البقرة: 43] و{أية : آتوا حقّه يوم حصاده}تفسير : [الأنعام: 141] و{أية : كُتب عليكم الصيام}تفسير : [البقرة: 183] و{أية : أتِمّوا الحجّ والعمرة لله}تفسير : [البقرة: 196]، لتطلّب بيان ذلك ممّا تقرّر من عمل سلف الأمّة، وأيضاً ففي القرآن تعليم طرق الاستدلال الشرعية كقوله: {أية : لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم}تفسير : [النساء: 83]. فلا شكّ أنّ أمر الإسلام بدىء ضعيفاً ثم أخذ يظهر ظهورَ سنا الفجر، وهو في ذلك كلّه دين، يبيّن لأتباعه الخير والحرام والحلال، فما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وقد أسلم كثير من أهل مكَّة، ومعظم أهل المدينة، فلمّا هاجر رسول الله أخذ الدين يظهر في مظهر شريعة مستوفاة فيها بيان عبادة الأمّة، وآدابها، وقوانين تعاملها، ثم لمّا فتح الله مكة وجاءت الوفود مسلمين، وغلب الإسلام على بلاد العرب، تمكّن الدين وخدمتْه القوةُ، فأصبح مرهوباً بأسُه، ومَنع المشركين من الحجّ بعد عام، فحجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عشرة وليس معه غير المسلمين، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال الدين: بمعنى سلطان الدين وتمكينه وحفظه، وذلك تَبيَّن واضحاً يومَ الحجّ الذي نزلت فيه هذه الآية. لم يكن الدين في يوم من الأيام غير كاف لأتباعه: لأنّ الدين في كلّ يوم، من وقت البعْثة، هو عبارة عن المقدار الذي شرعه الله للمسلمين يوماً فيوماً، فمن كان من المسلمين آخذاً بكلّ ما أنزل إليهم في وقت من الأوقات فهو متمسّك بالإسلام، فإكمال الدين يوم نزول الآية إكمال له فيما يُراد به، وهو قبل ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين. وفي هذه الآية دليل على وقوع تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وإذا كانت الآية نازلة يوم فتح مكة، كما يُروى عن مجاهد، فإكمال الدين إكمال بقية ما كانوا محرومين منه من قواعد الإسلام، إذ الإسلام قد فسّر في الحديث بما يشمل الحجّ، إذ قد مكّنهم يومئذٍ من أداء حجّهم دون معارض، وقد كمل أيضاً سلطان الدين بدخول الرسول إلى البلد الذي أخرجوه منه، ومكّنه من قلب بلاد العرب. فالمراد من الدين دين الإسلام وإضافته إلى ضمير المسلمين لتشريفهم بذلك. ولا يصحّ أن يكون المراد من الدين القرآن: لأنّ آيات كثيرة نزلت بعد هذه الآية، وحسبك من ذلك بقيّة سورة المائدة وآية الكلالة، التي في آخر النساء، على القول بأنَّها آخر آية نزلت، وسورة {أية : إذا جاء نصر الله}تفسير : [النصر: 1] كذلك، وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية {اليوم أكملت لكم دينكم} نحواً من تسعين يوماً، يوحى إليه. ومعنى (اليوم) في قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} نظير معناه في قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم}. وقوله: {وأتممت عليكم نعمتي} إتمام النعمة: هو خلوصها ممّا يخالطها: من الحرج، والتعب. وظاهره أنّ الجملة معطوفة على جملة {أكملت لكم دينكم} فيكون متعلَّقاً للظرف وهو اليوم، فيكون تمام النعمة حاصلاً يوم نزول هذه الآية. وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف فمكّنهم من الحج آمين، مؤمنين، خالصين، وطوّع إليهم أعداءهم يوم حجّة الوداع، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمّها عليهم، فلذلك قيّد إتمام النعمة بذلك اليوم، لأنّه زمان ظهور هذا الإتمام: إذ الآية نازلة يوم حجّة الوداع على أصحّ الأقوال، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة، وإن كان القول بذلك ضعيفاً، فتمام النعمة فيه على المسلمين: أنْ مكّنهم من أشدّ أعدائهم، وأحرصهم على استئصالهم، لكن يناكده قوله: {أكملت لكم دينكم} إلاّ على تأويلات بعيدة. وظاهر العطف يقتضي: أنّ تمام النعمة منَّة أخرى غير إكمال الدين، وهي نعمة النصر، والأخوّة، وما نالوه من المغانم، ومن جملتها إكمال الدين، فهو عطف عامّ على خاصّ. وجوّزوا أن يكون المراد من النعمة الدّين، وإتمامها هو إكمال الدين، فيكون مفاد الجملتين واحداً، ويكون العطف لمجرّد المغايرة في صفات الذات، ليفيد أنّ الدين نعمة وأنّ إكماله إتمام للنعمة؛ فهذا العطف كالذي في قول الشاعر أنشده الفرّاء في «معاني القرآن»:شعر : إلى الملك القرم وابنِ الهما م وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ تفسير : وقوله: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} الرضى بالشيء الرّكون إليه وعدم النفرة منه، ويقابله السخط: فقد يرضى أحد شيئاً لنفسه فيقول: رضيتُ بكذا، وقد يرضى شيئاً لغيره، فهو بمعنى اختياره له، واعتقاده مناسبته له، فيعدّى باللام: للدلالة على أنّ رضاه لأجل غيره، كما تقول: اعتذرت له. وفي الحديث «حديث : إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً»تفسير : ، وكذلك هنا، فلذلك ذكر قوله: {لكم} وعُدّي {رَضيت} إلى الإسلام بدون الباء. وظاهر تناسق المعطوفات: أنّ جملة {رضيت} معطوفة على الجملتين اللتين قبلها، وأنّ تعلّق الظرف بالمعطوف عليه الأول سار إلى المعطوفين، فيكون المعنى: ورضيت لكم الإسلام ديناً اليومَ. وإذ قد كان رضي الإسلام ديناً للمسلمين ثابتاً في علممِ الله ذلك اليومَ وقبلَه، تعيّن التأويل في تعليق ذلك الظرف بــ {رضيت}؛ فتأوّله صاحب «الكشاف» بأنّ المعنى: آذنتكم بذلك في هذا اليوم، أي أعلمتكم: يعني أي هذا التأويل مستفاد من قوله {اليوم}، لأنّ الذي حصل في ذلك اليوم هو إعلان ذلك، والإيذان به، لا حصول رضى الله به ديناً لهم يومئذٍ، لأنّ الرضى به حاصل من قبل، كما دلّت عليه آيات كثيرة سابقة لهذه الآية. فليس المراد أنّ «رضيت» مجاز في معنى «أذنت» لعدم استقامة ذلك: لأنّه يزول منه معنَى اختيار الإسلام لهم، وهو المقصود، ولأنَّه لا يصلح للتعدّي إلى قوله: {الإسلام}. وإذا كان كذلك فدلالة الخبر على معنى الإيذان من دلالته على لازم من لوازم معناه بالقرينة المعيّنة، فيكون من الكناية في التركيب. ولو شاء أحد أن يجعل هذا من استعمال الخبر في لازم الفائدة، فكما استعمل الخبر كثيراً في الدلالة على كون المخبِر عالماً به، استعمل هنا في الدلالة على الإعلام وإعلانه. وقد يدلّ قوله: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} على أنّ هذا الدين دين أبَدي: لأنّ الشيء المختار المدّخر لا يكون إلاّ أنفس ما أُظهر من الأديان، والأنفس لا يبطله شيء إذ ليس بعده غاية، فتكون الآية مشيرة إلى أنّ نسخ الأحكام قد انتهى. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وجود الفاء في صدر هذه الجملة، مع عدم مناسبة ما بعد الفاء لما وَليتْه، يعيِّن أن تكون متّصلة ببعض الآي التي سبقت، وقد جعلها المفسّرون مرتبطة بآية تحريم الميتة وما عطف عليها من المأكولات، من غير تعرّض في كلامهم إلى انتظام نظم هذه الآية مع التي قبلها. وقد انفرد صاحب «الكشاف» ببيان ذلك فجعل ما بين ذلك اعتراضاً. ولا شكّ أنّه يَعنِي باتّصال هذه الجملة بما قبلها: اتّصال الكلام الناشىء عن كلام قبله، فتكون الفاء عنده للفصيحة، لأنَّه لمّا تضمَّنت الآيات تحريم كثير ممَّا كانوا يقتاتونه، وقد كانت بلاد العرب قليلة الأقوات، معرّضة للمخمصة: عند انحباس الأمطار، أو في شدّة كَلَب الشتاء، فلم يكن عندهم من صنوف الأطعمة ما يعتاضون ببعضه عن بعض، كما طفحت به أقوال شعرائهم. فلا جرم أن يكون تحريم كثير من معتاد طعامهم مؤذناً بتوقّععٍ منهم أن يفضي ذلك إلى امتداد يد الهلاك إليهم عند المخمصة، فناسب أن يفصح عن هذا الشرط المعرب عن أحوالهم بتقدير: فإن خشيتم الهلاك في مخمصة فمن اضطرّ في مخمصة الخ. ولا تصلح الفاء على هذا الوجه للعطف: إذ ليس في الجمل السابقة من جمل التحريم ما يصلح لعطف «من اضطرّ في مخمصة» عليه. والأحسن عندي أن يكون موقع {فمن اضطرّ في مخمصة} متّصلاً بقوله: {ورضيت لكم الإسلام ديناً}، اتّصال المعطوف بالمعطوف عليه، والفاء للتفريع: تفريع منّة جزئيّة على منّة كلّيّة، وذلك أنّ الله امتَنّ في هذه الجمل الثلاث بالإسلام ثلاث مرّات: مرّة بوصفه في قوله {دينكم}، ومرّة بالعموم الشامل له في قوله: {نعمتي}، ومرّة باسمه في قوله: {الإسلام}؛ فقد تقرّر بينهم: أنّ الإسلام أفضل صفاته السماحة والرفق، من آيات كثيرة قبل هذه الآية، فلمّا علمَهم يوجسون خيفة الحاجة في الأزمات بعد تحريم ما حرّم عليهم من المطعومات، وأعقب ذلك بالمنّة ثم أزال عقب ذلك ما أوجسوه من نفوسهم بقوله: {فمن اضطر} الخ؛ فناسب أن تعطف هاته التوسعة، وتفرّع على قوله: {ورضيتُ لكم الإسلام ديناً} وتُعَقَّب المنّة العامّة بالمنّة الخاصّة. والاضطرار: الوقوع في الضرورة، وفعله غلب عليه البناء للمجهول، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : ثم اضطرّه إلى عذاب النار} تفسير : في سورة البقرة (126). والمخمصة: المجاعة، اشتقّت من الخَمَص وهو ضمور البطن، لأنّ الجوع يضمر البطون، وفي الحديث "تغدو خِماصاً وتروح بِطَاناً". والتجانف: التمايل، والجَنَف: الميل، قال تعالى: {أية : فمن خَاف من موص جَنَفَا}تفسير : [البقرة: 182] الآية. والمعنى أنّه اضطرّ غير مائل إلى الحرام من أخذ أموال الناس، أو من مخالفة الدين. وهذه حال قصد بها ضبط حالة الاضطرار في الإقدام والإحجام، فلا يقدم على أكل المحرّمات إذا كان رائماً بذلك تناولها مع ضعف الاحتياج، ولا يحجم عن تناولها إذا خشي أن يتناول ما في أيدي الناس بالغصْب والسرقة، وهذا بمنزلة قوله: {أية : فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد}تفسير : [البقرة: 173]، أي غير باغ ولا عاد على الناس ولا على أحكام الدين. ووقع قوله: «فإنّ الله غفور رحيم» مغنياً عن جواب الشرط لأنّه كالعلّة له، وهي دليل عليه، والاستغناء بمثله كثير في كلام العرب وفي القرآن. والتقديرُ: فمن اضطُرّ في مخمصة غير متجَانف لإثم فلهُ تناول ذلك إنّ الله غفور، كما قال في الآية نظيرتها {أية : فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فَلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم}تفسير : [البقرة: 173].

الواحدي

تفسير : {حرِّمت عليكم الميتة} سبق تفسير هذه الاية في سورة البقرة، إلى قوله: {والمنخنقة} وهي التي تختنق فتموت بأيِّ وجهٍ كان {والموقوذة} المقتولة ضرباً {والمتردية} التي تقع من أعلى إلى أسفل فتموت {والنطيحة} التي قُتلت نطحاً {ما أكل} منه {السبع} فالباقي منه حرامٌ، ثمَّ استثنى ما يُدرك ذكاته من جميع هذه المحرَّمات فقال: {إلا ما ذكيتم} أَيْ: إلاَّ ما ذبحتم {وما ذبح على النصب} أَيْ: على اسم الأصنام فهو حرام {وأن تستقسموا بالأزلام} تطلبوا على ما قُسم لكم من الخير والشَّرِّ من الأزلام: القداح التي كان أهل الجاهليَّة يُجيلونها إذا أرادوا أمراً {ذٰلكم} أَيْ: الاستقسامُ من الأزلام {فسق} خروجٌ عن الحلال إلى الحرام {اليوم} يعني: يوم عرفة عام حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح، {يئس الذين كفروا} أن ترتدُّوا راجعين إلى دينهم {فلا تخشوهم} في مظاهرة محمد، واتِّباع دينه {واخشون} في عبادة الأوثان {اليوم} يعني: يوم عرفة {أكملتُ لكم دينكم} أحكام دينكم، فلم ينزل بعد هذه الآية حلالٌ ولا حرامٌ {وأتممت عليكم نعمتي} يعني: بدخول مكَّة آمنين كما وعدتكم {فمن اضطر} إلى ما حُرِّم ممَّا ذُكر في هذه الآية {في مخمصة} مجاعةٍ {غير متجانفٍ لإِثم} غير متعرِّضٍ لمعصيةٍ، وهو أن يأكل فوق الشِّبع، أو يكون عاصياً بسفره {فإنَّ الله غفورٌ} له ما أكل ممَّا حرَّم عليه {رحيم} بأوليائه حيث رخَّص لهم. {يسألونك ماذا أحلَّ لهم} سأل عديُّ بن حاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّا نصيد بالكلاب والبُزاة، وقد حرَّم الله الميتة، فماذا يحلُّ لنا منها؟ فنزلت هذه الآية. {قل أحلَّ لكم الطيبات} يعين: ما تستطيبه العرب، وهذا هو الأصل في التَّحليل، فكلُّ حيوانٍ استطابته العرب، كالضِّباب، واليرابيع، والأرانب فهو حلال، وما استخبثته العرب فهو حرام {وما علَّمتم} يعني: وصيد ما علَّمتم {من الجوارح} وهي الكواسب من الطَّير والكلاب والسِّباع {مكلِّبين} مُعلِّمين إيَّاها الصَّيد {تعلمونهن مما علمكم الله} تؤدبوهنَّ لطلب الصَّيد {فكلوا ممَّا أمسكن عليكم} هذه الجوارح وإنْ قتلن إذا لم يأكلن منه، فإذا أكلن فالظَّاهر أنَّه حرام {واذكروا اسم الله عليه} عند إرسال الجوارح. {اليوم أحلَّ لكم الطيبات} التي سألتم عنها {وطعام الذين أوتوا الكتاب} وهو اسمٌ لجميع ما يؤكل {حلٌّ لكم وطعامكم حل لهم} أَيْ: حلٌّ لكم أن تطعموهم {والمحصنات} العفائف {من المؤمنات والمحصنات} الحرائر {من الذين أوتوا الكتاب} من أهل الكتاب {إذا آتيتموهنَّ أجورهنَّ} يعني: مهورهنَّ {محصنين} مُتزوِّجين {غير مسافحين} معالنين بالزِّنا {ولا متخذي أخذان} مُسرّين بالزِّنا بهنَّ {ومَنْ يكفر بالإِيمان} بالله الذي يجب الإِيمان به {فقد حبط عمله} إذا مات على ذلك {وهو في الآخرة من الخاسرين} ممَّنْ خسر الثَّواب.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- حرَّم الله عليكم - أيها المؤمنون - أكل لحم الميتة - وهى كل ما فارقته الروح من غير ذبح شرعى -، وأكل الدم السائل، ولحم الخنزير، وما ذكر اسم غير الله عليه عند ذبحه، وما مات خنقاً، أو التى ضربت حتى ماتت، وما سقط من علو فمات، وما مات بسبب نطح غيره له، وما مات بسبب أكل حيوان مفترس منه. وأما ما أدركتموه وفيه حياة مما يحل لكم أكله وذبحتموه فهو حلال لكم بالذبح. وحرَّم الله عليكم ما ذبح قربة للأصنام، وحرم عليكم أن تطلبوا معرفة ما كتب فى الغيب بواسطة القرعة بالأقداح. وتناول شئ مما سبق تحريمه ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله. ومن الآن انقطع رجاء الكفار فى القضاء على دينكم، فلا تخافوا أن يتغلبوا عليكم، واتقوا مخالفة أوامرى. اليوم أكملت لكم أحكام دينكم، وأتممت عليكم نعمتى بإعزازكم وتثبيت أقدامكم، واخترت لكم الإسلام ديناً. فمن ألجأته ضرورة جوع إلى تناول شئ من المحرمات السابقة ففعل لدفع الهلاك عن نفسه غير منحرف إلى المعصية، فإن الله يغفر للمضطر ما أكل، دفعاً للهلاك، وهو رحيم به فيما أباح له.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الميتة: ما مات من بهيمة الأنعام حتف أنفه أي بدون تذكية. وما أهل لغير الله به: أي ما ذكر عليه إسم غير إسم الله تعالى مثل المسيح، أو الولي، أو صنم. المنخنقة: أي بحبل ونحوه فماتت. الموقوذة: أي المضروبة بعصا أو حجر فماتت به. المترديّة: الساقطة من عال إلى أسفل مثل السطح والجدار والجبل فماتت. النطيحة: ما ماتت بسبب نطح أختها لها بقرونها أو رأسها. وما أكل السبع: أي ما أكلها الذئب وغيره من الحيوانات المفترسة. إلا ما ذكيتم: أي أدركتم فيه الروح مستقرة فذكيتموه بذبحة أو نحره. وما ذبح على النصب: أي ما ذبح على الأصنام التي تمثل إلهاً أو زعيماً أو عظيماً، ومثلها ما ذبح على أضرحة الأولياء وقبورهم وعلى الجان. وأن تستقسموا: أي وحرم عليكم ما تحصلون عليه بالاستقسام بالأزلام ومثله ما يأخذه صاحب الكهانة والشواقة وقرعة الأنياء. والحروز الباطلة التي فيها طلاسم وأسماء الجن والعفاريت. ذلكم فسق: أي ما ذكر من أكل الميتة إلى الاستقسام بالأزلام خروج عن طاعة الله تعالى ومعصية له سبحانه وتعالى. فمن اضطر: أي من ألجأته ضرورة الجوع فخاف على نفسه الموت فلا بأس أن يأكل مما ذكر. في مخمصة: المخمصة شدة الجوع حتى يضمر البطن لقلة الغذاء به. غير متجانف: غير مائل لإِثم يريد غير راغب في المعصية بأكل ما أكل من الميتة وذلك بأن يأكل أكثر مما يسد به رمقه ويدفع به غائلة الجوع المهلك. معنى الآية الكريمة: هذه الآية الكريمة هي تفسير وتفصيل لقوله تعالى في الآية الأولى من هذه السورة وهو قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} حيث ذكر في هذه الآية سائر المحرمات من اللحوم وهي عشر كما يلي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يريد ما أدركتم فيه الروح مستقرة. بحيث إذا ذبحتموه اضطرب للذبح وركض برجليه فإن هذا علامة أنه كان حياً وأنه مات بالذبح. وقوله {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} يريد ولا يحل لكم الاستسقام بالأزلام، ولا أكل ما يعطى عليها وحقيقتها أنهم كانوا في الجاهلية يضعون القداح المعبر عنها بالأزلام جمع زلم وهو رمح صغير لا زج له ولا ريش فيه، يضعونها في خريطة كالكيس، وقد كتب على واحد أمرني ربي وآخر نهاني ثم يجيلها المستقسم بها في الخريطة ويخرج زلماً منهاً فإن وجده مكتوباً عليه أمرني ربي مضى في عمله سفراً أو زواجاً، أو بيعاً أو شراء، وإن وجده مكتوباً عليه نهاني ربي ترك ما عزم على فعله فجاء الإِسلام فحرم الاستسقام بالأزلام، وسنَّ الاستخارة وهي أن يصلي المؤمن ركعتين من غير الفريضة ويقول: اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، ويسمي حاجته. ويفعل أو يترك ما عزم عليه، والذي يأتيه هو الخير بإذن الله تعالى. وقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} يريد ما ذكرت لكم مما حرمت عليكم إتيانه هو الفسق فاتركوه. وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ} يخبر تعالى عباده المؤمنين أن الكافرين من المشركين وغيرهم قد يئسوا مِنْ أن يردوكم عن دينكم كما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإِسلام، وظهوركم عليهم في كل معركة دارت بينكم وبينهم إذاً فلا تخشوهم بعد الآن أن يتمكنوا من قهركم وردكم إلى الكفر واخشوني أنا بدلهم وذلك بطاعتي وطاعة رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي. وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} فهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمنين بما هو إنعام عليهم منه وامتنان فأولا: إكمال الدين بجميع عقائده وعباداته وأحكامه وآدابه حتى قيل أن هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة عام حجة الوداع، ولم يعش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا احدى وثمانين ليلة ثم توفاه الله تعالى وثانياً: إتمام نعمته تعالى عليهم فآمنهم بعد الخوف وقواهم بعد ضعف، ونصرهم وأعزهم بعد قهر وذل وسودهم وفتح البلاد لهم وأظهر دينهم وأبعد الكفر والكفار عنهم، فعلمهم بعد جهل وهداهم بعد ضلال فهذه من النعمة التي أتمها عليهم وثالثاً رضاه بالإِسلام ديناً لهم حيث بعث رسوله به وأنزل كتابه فيه فبين عقائده وشرائعه فأبعدهم عن الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وأغناهم عنها بما رضيه لهم ألا وهو الإِسلام القائم على الاستسلام لله تعالى ظاهراً وباطناً وذلك سلم العروج إلى الكمالات ومرقى كل الفواضل والفضائل والسعادات فلله الحمد وله المنة. وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يريد تعالى من اضطر أي ألجأته الضرورة وهي شدة الجوع وهي المخمصة والمسبغة إلى أكل ما حرمت عليكم من الميتة وأنواعها فأكل فلا إثم عليه فإني غفور لعبادي المؤمنين رحيم بهم إلا أن يكون قد أكل من الميتة وأنواعها متعمداً المعصية مائلاً إليها غير مبال بتحريمي لها فذاك الذي عصاني وتعرض لنقمتي وعذابي فإن تاب فإني غفور رحيم، وإن أصر فإن عذابي أليم شديد. هداية الآية من هداية الآية: 1- حرمة الميتة وما ذكر معها وهي عشر من المحرمات. 2- حرمة الاستقسام بالأزلام ومثلها قرعة الأنبياء وخط الرمل والكهانة وما أشبه ذلك. 3- حرمة ا لذبح على القبور والقباب والنصب التذكارية وهي من الشرك. 4- جواز أكل ما أدركه المسلم حياً من الحيوان المأكول فذكَّاه وإن كان قد جرح أو كسر أو أشرف على الموت بأي سبب مميت. 5- وجوب خشية الله تعالى وحرمة خشية الكفار. 6- حرمة الابتداع في الدين وحرمة التشريع المنافي للشرع الإِسلامي. 7- جواز أكل الميتة للمضطر وهو من لحقه ضرر من شدة الجوع فخاف على نفسه الهلاك على شرط أن لا يكون قاصداً المعصية مائلاً إلى الإِثم.

القطان

تفسير : الموقوذة: التي ضُربت حتى ماتت. المترديّة: التي سقطت من مكان عالٍ، او في بئر، وماتت. النطيحة: التي نطحها حيوانٌ آخر فقتلها. مخمصة: جوع. متجانِف: منحرف، مائل. يبين لنا هنا عشرة أنواع أكلُها محرَّم: لحم الميتة: وهي الحيوان الذي مات من غير ذبح شرعي. ولا يموت الحيوان إلا من مرض، وهذا المرض يجعل لحمه مضرّاً، والله تعالى لا يحب لنا الضرر. وكان العرب يأكلون لحم الميتة ويقولون: لِمَ تأكلون ما قتلتُم ولا تأكلون ما قتل الله!؟. الدم: وكان العرب يأكلونه. لحم الخنزير. ما أُهل لغير الله: ويعني ما ذُكر اسمُ غير الله عند ذبحه. كلّ حيوان مات خنقا. الموقوذة: وهي التي ضُربت حتى ماتت. وما سقط من مكان عال فمات. وما نطحه آخر فمات. وكل حيوان افترسه السبع فمات. الا ما ادركتموه قبل ان يموت، فذبحتموه، فهو حلال لكم بالذبح. وكل حيوان ذبح للنُصُب والأصنام. ويحرم عليكم ان تستقسِموا بالأزلام، وهي أعواد ثلاثة كان الجاهليّون يطلبون بواسطتها معرفة المغيبات. كان يُكتَب على أحدها "أمرني ربي" وعلى الثاني "نهاني ربّي" ويُترك الثالث دون كتابة. فكان من أراد سفَراً، أو زواجاً أو غير ذلك يأتي سادنَ الكعبة ويقول له: استقِسم لي، أي اعرِف لي ما قسم الله لي. فيُخرج السادن هذه الأعواد ويحرّكها في كيس او جراب ثم يسحب واحداً. فإذا خَرج الذي عليه "امرني ربي" أقدم الرجل على ما نوى، واذا خرج الذي عليه "نهاني ربي" امتنع عن العمل. وان خرج الثالث واسمه الغُفْل ـ أعاد السحبَ من جديد. وهذا وما شابه من الخرافات والأوهام لا يركن اليها الا ضعيف العقل والإيمان. وقد حرّمها الاسلام "ذلكم فِسْق"، فهي خروج عن طاعة الله، فامتنِعوا عنه. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} انقطع رجاؤهم في القضاء عليكم، فلا تخافوا ان ينقلبوا عليكم واتّقوا مخالفة أوامري. {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..} نزلت هذه الآية يوم الجمعة، بعرفة، في حجة الوداع، "وأتممتُ عليكم نعمتي" بإعزازكم وتثبيت اقدامكم،"واخترت لكم الاسلام دينا". روى الطبري في تفسيره ان النبي عليه السلام لم يعشْ بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، فكانت آخر ما نزل من القرآن. ونعود الآن الى عطف على آية التحريم، لنجد ترخيصاً فيه منطق وتيسير. إنه يقول: لقد عددتُ المحرّمات، لكن من الجأته الضرورة الى تناول شيء منها ففعَل، لدفع الهلاك عن نفسه، غير متعدٍّ ذلك الحد، ولا منحرف عن أوامر الله ـ فلا إثم عليه ان يأكل. ان الله يغفر له، فالضرورات تبيح المحذورات.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلأَزْلاَمِ} {يَئِسَ} {ٱلإِسْلٰمَ} (3) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ مَا حَرَّمَ أكْلَهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ لَحْمِ الأنْعَامِ وَهِيَ: المَيْتَةُ - وَهِيَ التِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلاَ اصْطِيَادٍ وَذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنَ المَضَرَّةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ المَيْتَةِ السَّمَكُ، فَإنَّهُ حَلالٌ سَوَاءٌ مَاتَ بتَذْكِيَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. وَالدَّمُ المَسْفُوحُ - وَهُوَ الدَّمُ الذِي يَسِيلُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ. وَكَانَ الأَعْرَابُ فِي البَادِيَةِ إذا جَاعُوا فِي الصَّحْرَاءِ يَأخُذُونَ شَيْئاً مُحَدَّداً مِنْ عَظْمٍ أوْ نَحْوِهِ فَيَفْصِدُونَ بِهِ حَيَواناً فَيَجْمَعُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ دَمٍ فَيَشْرَبُونَهُ، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: أحِلَّتْ لَنَا مِيتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأمَّا المِيتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالجَرَادُ، وَأمَّا الدَّمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ. (رَوَاهُ أحْمَدُ وَالبَيْهَقِيُّ). لَحْمُ الخِنْزِيرِ - إنْسِيَّهِ وَوَحْشِيِّهِ. فَلَحْمُهُ حَرَامٌ. مَا أهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ - أيْ مَا ذُبِحَ فَذُكِرَ اسْمٌ غَيْرُ اسْمِ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ. لأنَّ اللهَ تَعَالَى أوْجَبَ أنْ تُذْبَحَ الأنْعَامُ عَلَى اسْمِهِ العَظِيمِ. (وَالإِهْلالُ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَالإِهْلالُ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِذِكْرِ اسْمٍ غَيْرِ اسْمِ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ). المُنْخَنِقَةُ - وَهِيَ التِي تَمُوتُ خَنْقاً، بِأيَّةِ صُورَةٍ تَمَّ فِيها خَنْقُها. فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى المُسْلِمِينَ. وَالمَوْقُوذَةُ - وَهِيَ التِي تُضرَبُ بِشَيءٍ ثَقيلٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ. وَالمُتَرَدِّيَةُ - وَهِيَ التِي تَقَعُ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، أوْ تَقَعُ فِي بِئْرٍ فَتَمُوتُ فَلا يَحِلُّ أكْلُ لَحْمِهَا. وَالنَّطِيحَةُ - وَهِيَ التِي مَاتَتْ بِسَبَبِ نَطْحِ غَيْرِهَا لَهَا، فَهِيَ حَرَامٌ وَلَوْ خَرَجَ مِنَهَا الدَّمُ، وَلَوْ مِنْ مَذْبَحِهَا. وَمَا أكَلَ السَّبُعُ - وَهِيَ مَا عَدَتْ عَلَيهَا الحَيَوَانَاتُ الجَارِحَةُ فَقَتَلَتْها فَلا تَحِلُّ بِالإِجْمَاعِ. وَاسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ الحَيَوَانَ الذِي لَحِقَهُ الإِنْسَانُ بِالذَّبْحِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَإنَّهُ إذا ذُبِحَ أصْبَحَ حَلالاً يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ - مُحَرَّمٌ أَكْلُهُ. وَالنُّصُبُ هِيَ حِجَارَةٌ حَوْلَ الكَعْبَةِ، كَانَتِ العَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا تَذْبَحُ عِنْدَهَا الذَّبَائِحَ، وَيُنْضَحُ مَا أقْبلَ مِنْها إلى البَيْتِ بِدِمَاءِ تِلْكَ الذَّبَائِحِ، وَيُشَرِّحُونَ اللحْمَ وَيَضَعُونَهُ عَلَى النُّصُبِ. فَحَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنينَ أكْلَ الذَّبَائحِ التِي تَمَّ ذَبْحُها عندَ تلكَ النُّصُبِ. فَالذَّبْحُ عِنْدَ النُّصُبِ مِنْ الشِّرْكِ. ثُمَّ أضَافَ اللهُ تَعَالَى إلَى مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ التِي كَانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَسْتَحِلُّونَهَا، عَمَلاً آخَرَ مِنْ أعْمَالِهِمْ وَهُوَ الاسْتِقْسَامُ بِالأزْلاَمِ. وَالأزْلاَمُ وَاحِدُهَا (زَلَمٌ)، هِيَ عِبَارَةَ عَنْ قِدَاحٍ (سِهَامٍ) ثَلاَثَةٍ أحَدُهَا مُكْتُوبٌ عَلَيْهِ: (افْعَلْ) وَثَانِيهَا مَكْتُوبٌ عَلَيهِ. (لاَ تَفْعَلْ). وثَالِثُهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيهِ شَيءٌ. فَإِذا أجَالَهَا فَطَلَعَ السَّهْمُ المَكْتُوبُ عَلَيْهِ (لاَ تَفْعَلْ)، لَمْ يَفْعَلْ. وَإذا خَرَجَ السَّهْمُ المَكْتُوبُ عَلَيْهِ (افْعَلْ) فَعَلَ. وَإذَا خَرَجَ السَّهْمُ الغُفْلُ مِنَ الكِتَابَةِ أعَادَ. فَحَرَّمَ اللهُ الاسْتِقْسَامَ بِالأزْلاَمِ، وَعَدَّهُ فِسْقاً، وخُرُوجاً عَنَ طَاعَةِ اللهِ. وَقَدْ أمَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ إذَا تَرَدَّدُوا فِي أمْرِهِمْ أنْ يَسْتَخِيرُوهُ بِأنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ يَسْألُوهُ الخِيَرَةَ فِي الأمْرِ الذِي يُرِيدُونَ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ: اليَوْمَ يَئِسَ الكُفَّارُ مِنَ القَضَاءِ عَلَى دِينِ اللهِ، وَمِنْ رُجُوعِ المُؤْمِنينَ عَنْ دِينِهِمْ، لِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيكُمْ، إذْ وَفى بِوَعْدِهِ، وَأظْهَرَ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَلاَ تَخُافُوهُمْ فِي مُخَالَفَتِكُمْ إيَّاهُمْ، وَاخشوني أنا، فَأنَا أنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ، وَأجْعَلُكُمْ فَوْقَهُمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِباً المُؤْمِنينَ: إنَّهُ أكْمَلَ لَهُمُ اليَوْمَ دِينَهُمُ الإِسْلاَمَ، فَلاَ يَحْتَاجُونَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ، وَلاَ إلى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ. وَلَمَّا أكْمَلَ اللهُ لَهُمْ دِينَهُمْ تَمَّتْ عَلَيهِمْ نِعْمَةُ رَبِّهِمْ، فَلْيَرْضَوْا بِالإِسْلاَمِ دِيناً لَهُمْ، فَإنَّهُ الدِّينُ الذِي أحَبَّهُ اللهُ وَرَضِيَهُ لَهُمْ. فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَنَاوُلِ شَيءٍ مِمّا حَرَّمَ اللهُ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ، لِضَرُورَةٍ ألْجَأتْهُ إلى ذَلِكَ، فَلاَ بَأسَ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ تَنَاوُلُهُ فِي حُدُودِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرُورَةَ، واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لأنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَاجَةَ العَبْدِ المُضْطَرِّ، وَافْتِقَارَهُ إلى ذَلِكَ فَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيَغْفِرُ لَهُ. بِشَرْطِ ألاَّ يَكُونَ تَنَاوُلُهُ المُحَرَّمَ مَيْلاً مِنْهُ إلى مَعْصِيَةِ اللهِ، وَرَغْبَةً في الاعْتِدَاءِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ). (وَفِي الحَدِيثِ: "حديث : إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أنْ تُؤْتَى مَعْصِيتُهُ"تفسير : ). (وَرُوِيَ أَيْضاً: "حديث : إنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ رُخْصَةَ اللهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ"تفسير : ). (رَوَاهُمَا أَحْمَدُ). المَخْمَصَةُ - حَالَةُ الجُوعِ الشَّدِيدِ. غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ - غَيْرَ رَاغِبٍ فِي ارْتِكَابِ إثْمٍ. الأزْلاَمُ - سِهَامٌ ثَلاثَةٌ يَسْتَعْمِلُونَها فِي الاسْتِسْقَامِ، وَالاقْتِرَاعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الآية تبدأ بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} ونلحظ أن البداية فعل مبني للمجهول. على الرغم من أن الفاعل في التحريم واضح وهو الله. ولم يقتحم سبحانه على أحد، فالإنسان نفسه اشترك في العقد الإيماني مع ربِّه فألزمه - سبحانه - والعبد من جانبه التزم؛ لذلك يقول الحق: "حرمت"، حرمها سبحانه كإله وشاركه في ذلك العبد الذي آمن بالله إلها. والميتة هي التي ذهبت منها الحياة أو خرجت منها الروح بدون نقض للبنية، أي ماتت حتف أنفها، فذهاب الحياة له طريقان: طريق هو الموت أي بدون نقض بنية، وطريق بنقض البنية؛ فعندما يخنق الإنسان كائنا آخر يمنع عنه النفس وفي هذا إزهاق للروح بنقض شيء في البنية؛ لأن التنفس أمر ضروري، وقد يزهق الإنسان روحا آخر يضربه بالرصاص؛ لأن الروح لا تحل إلا في جسد له مواصفات خاصة. لكَن هناك جوارح يمكن أن تبقى الروح في الجسم دونها، والمثال على ذلك اليد إن قطعت، أما إن توقف قلب الإنسان فقد يشقون صدره ويدلكون هذا القلب فينبض مرة أخرى بشرط أن يكون المخ مازال حيا، وأقصى مدة لحياة المخ دون هواء سبع دقائق في حالات نادرة. فما أن يصاب المخ بالعطب حتى يحدث الموت. ولذلك عرف الأطباء الموت الإكلينيكي بأنه توقف المخ. إذن فهناك موت، وهناك قتل، وفي كليهما ذهاب للروح. وفي الموت تذهب الروح أولاً، وفي القتل تذهب الروح بسبب نقض البنية. والميتة هي التي ذهبت منها الحياة بدون نقض البنية، ومن رحمة الله أن حرم الميتة؛ لأنها ماتت بسبب لا نراه في عضو من أعضائها، حتى لا نأكلها بدائها. وكذلك حرم الدم، وهو السائل الذي يجري في الأوردة والشرايين ويعطي الجسم الدفء والحرارة وينقل الغذاء، وللدم مجالان في الجريان؛ فهو يحمل الفضلات من الكلى والرئة، وهناك دم نقي يحمل الغذاء، والأوعية الدموية بها لونان من الدم: دم فاسد ودم صالح. وعندما نأخذ هذا الدم قد يكون فيه النوع الصالح ويكون فيه أيضاً النوع الذي لم تخرج منه الشوائب التي في الكلى والرئة، ولذلك يسمونه الدم المسفوح، أي الجاري؛ وكانوا يأخذونه قديما ويملأون به أمعاء الذبائح ويقومون بشيه ويأكلونه. وهناك دم غير فاسد، مثال ذلك الكبد، فهو قطعة متوحدة، وكذلك الطحال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (حديث : أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال ). تفسير : إذن فالكبد والطحال مستثنيان من الدم، لكن إذا جئنا للدم المسفوح فهو حرام. والحكمة في تحليل السمك والجراد هي عدم وجود نفس سائلة بهما، فليس في لحمها دم سائل، وعندما نقطع سمكة كبيرة لا ينزل منها دم. بل يوجد فقط عند الأغشية التي في الرأس ولا يوجد في شعيراته. وعندما يموت السمك ويؤكل فلا خطر منه، وكذلك الجراد. ويأتي بعد ذلك في سلسلة المحرمات {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ}. ولا يقولن مؤمن: لماذا حرم الله لحم الخنزير؟ لقد ذهب العلم إلى كل مبحث ليعرف لماذا حرم الله الميتة وكذلك الدم حتى عرف العلماء أن الله لا يريد أن ينقل داء من حيوان ميت إلى الإنسان، وكذلك حرم الله الدم لأن به فضلات سامة "كالبولينا" وغيرها. ولكل تحريم حكمة قد تكون ظاهرة، وقد تكون خافية. والقرآن قد نزل على رسول أمي في أمة أمية لا تعرف المسائل العلمية الشديدة التعقيد، وطبق المؤمنون الأوائل تعاليم القرآن لأن الله الذي آمنا به إلها حكيما هو قائلها، وهو يريد صيانة صنعته؛ وكل صانع من البشر يضع قواعد صيانة ما صنع. ولم نجد صانع أثاث - مثلا - يحطم دولاب ملابس، بل نجده باذلا الجهد ليجمل الصنعة، ومادام الله هو الذي خلقنا وآمنا به إلها؛ فلا بد لنا أن ننفذ ما يأمرنا به، وأن نتجنب ما نهانا عنه، ولا يمنع ذلك أن نتلمس أسباب العلم، رغبة في ازدياد أسباب الإيمان بالله ومن أجل أن نرد على أي فضولي مجادل، على الرغم من أنه ليس من حق أحد أن يجادل في دين الله؛ لأن الذي يرغب في الجدال فليجادل في القمة أولاً؛ وهي وجود الله، وفي البلاغ عن الله بواسطة الرسول؛ فإن اقتنع، فعليه أن يطبق ما قاله الله. فالدين لا يمكن أن نبحثه من أذنابه، ولكن يبحث الدين من قمته. ونحن ننفذ أوامر الله. ولذلك نجد أول حكم يأتي لم يقل الحق فيه: يا أيها الناس كتب عليكم كذا، ولكن سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من آمنت بي خذ الحكم مني. وأكرر المثل الذي ضربته سابقاً: أثمن ما عند الإنسان صحته، فإذا تعرضت صحته للاختلال فهو يدرس الأسباب؛ إن كان يرهقه الطعام يختار طبيبا على درجة علم عالية في الجهاز الهضمي، ويكتب الطبيب الدواء، ولا يقول المريض للطبيب: أنا لن أتناول هذا الدواء إلا إذا قلت لي لماذا وماذا سيفعل هذا الدواء. إذن فالعقل مهمته أن ينتهي إلى الطبيب الذي اقتنع به، وما كتبه الطبيب من تعاليم فعليك تنفيذها، وكذلك الإيمان بالله، فمادام الإنسان قد آمن بالله إلها فعليه أن ينفذ الأوامر في حركة الحياة بـ "افعل" و"لا تفعل"، والمريض لا يناقش طبيبا، فكيف يناقش أي إنسان ربه: "لم كتبت علي هذا"؟ والطبيب من البشر قد يخطئ؛ وقد يتسبب في موت مريض، وعندما نشك في قدرة طبيب ما نستدعي عدداً من الأطباء لاستشارة كبيرة. وننفذ أوامر الأطباء، ولا يجرؤ أحد أن يناقش الله سبحانه وتعالى بل نقول: كل أوامرك مطاعة. إننا ننفذ أوامر الأطباء فكيف لا ننفذ أوامر الله؟ إن الإنسان يضع ثثقته في البشر الخطائين، ولا يمكن - إذن - أن تعلو على الثقة في رب السماء؛ لذلك فالعاقلون هم الذين أخذوا أوامر الله وطبقوها جون من مناقشة؛ لأن العقل كالمطية يوصل الإنسان إلى عتبة السلطان، ولكن لا يدخل معك عليه، وحين تسمع من الله فأنت تنفذ ما أمر به. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} وقد أثبتت التحليلات أن بلحم الخنزير دودة شريطية ودودة حلزونية وعددا آخر من الديدان التي لا يقهرها علاج. والمحرمات من بعد ذلك {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي رفع الصوت به لغير الله كقولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه، ولا يقال عند ذبحه: "الله أكبر بسم الله"؛ لأن الإنسان منتفع في الكون الذي يعيش فيه بالأجناس التي طرأ عليها، لقد وجد الإنسان هذه الأجناس في انتظاره لتخدمه لأنه خليفة الله في الأرض، والحيوان له روح ولكنه يقل عن الإنسان بالتفكير، والنبات تحت الحيوان، والجماد أقل من النبات. وساعة يأخذ الإنسان خدمة هذه المسخرات، فعليه أن يذكر الخالق المنعم، وعندما يذبح الإنسان حيوانا، فهو يذبحه بإذن الأكبر من الإنسان والحيوان والكون كله، يذبحه باسم الخالق. إن هناك من ينظر إلى اللحم قائلاً: أنا لا آكل لحم الحيوانات لأني لا أحب الذبح للحيوان شفقة ورحمة، لكن آكل النبات. ونقول: لو أدركت ما في النبات من حياة أكنت تمتنع عن أكله؟ لقد ثبت في عصرنا أن للنبات حياة، بل وللجماد حياة أيضاً؛ لأنك عندما تفتت حصوة من الصوان أو أي نوع من الأحجار، فأنت تعاند بدقات المطرقة ما في تلك الحصوة من تعانق الجزيئات المتماسكة، وقد تفعل ذلك وأنت لا تدري أن فيها حياة. {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44] والصالحون من عباد الله يعرفون ذلك ويديرون لأعمالهم وتعاملهم مع ما سواهم من المخلوقات جميعا - حيوان أو جماد - على أنها مسبّحة لذلك لا يمتهنون الأشياء ولا يحتقرونها مهما دقت وحقرت وإنما يتلطفون معها حتى لو ذبحوا حيوانا فإنهم يرحمون ذلك الحيوان فلا يشحذون ولا يسنون السكين أمامه ولا يذبحون حيوانا أمام حيوان آخر فضلا على أنهم يطعمون ويسقون ما يرديون ذبحه لأنهم يعلمون أنه مسبح ولكنهم فعلوا فيه ما فعلوا لأن الله أباح لهم ذلك ليستديموا حياتهم بأكله فهم أهل تكليف من الله، أما ما عداهم فهم أهل تسخير. {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تشرح لنا أن الحق هو الذي حلل لنا أن نأكل من الذي له حس وحركة، كالحيوان الذي يتطامن للإنسان فيذبحه، ولا بد للإنسان أن يعرف الشكر لواهب النعمة، فـ "بسم الله الله أكبر" تؤكد أنك لم تذبحه إلا باسم من أحله لك. {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72] إذن فالأكل من ضمن التذليل، وعندما تذبح الحيوان لا بد أن تذكر من ذلل لك ذلك. ويحرم الحق أكل المنخنقة، أي الحيوان الذي مات خنقاً؛ لأن قوام الحياة ثلاثة؛ طعام، شراب، هواء، وهذا من حكمة الخالق الذي خلق الصنعة ورتب الأمر حسب الأهم والمهم، فالإنسان قد يصبر على الجوع إلى ثلاثين يوماً؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى قدر لك - أيها الإنسان - ظروف الأغيار، فجعل في جسمك مخزونا لزمن قد تجوع فيه، وجعل للإنسان شهوة إلى الطعام، وغالبا لا يأكل الإنسان ليسد الرمق فقط، ولكن بشهوة في الأكل. إن ربنا يوضح لنا: أنا أحترم شهوتك للطعام، ولتأخذ حركتُك الضروريَّ لها من الطاقة، والزائد سيُخزن في الجسم كدهون ولحم، فإن جاء يوم لا تجد فيه طعاماً أخذت من الدهون المخزونة طاقة لك. وهذه من دقة الصنعة، وإن قارنتها بسيارة صنعها الإنسان إذا ما فرغ منها الوقود فإنها تقف ولا تسير، أما صنعة الخالق فهي لا تقف إن توقف الطعام بل تستمر إلى ثلاثين يوماً، وربما حن على الإنسان قلب إنسان آخر فأحضر له الطعام، وربما احتال الإنسان ليخرج من مأزق عدم وجود الطعام. إن المرأة العربية وصفت الشدة والعوز فقالت: "سنة أذابت الشحم، وسنة أذهبت اللحم، وسنة محت العظم" أي أن الأمر درجات، فالإنسان يتغذى من دهنه ثم من لحمه ثم من عظامه، ويصبر الإنسان على الماء مدة تترواح ما بين ثلاثة، وعشرة أيام، حسب كمية المياه المخزونة في الجسم. أما الهواء فلا يصبر عنه الإنسان إلا بمقدار الشهيق والزفير، فإن حُبس الهواء عن الإنسان مات. فالنَفَس هو أهم ضرورة للحياة، ولذلك نجد من حكمة الحق سبحانه أنه لم يملّك الهواء لأحد؛ لأن أحداً لو امتلك الهواء بالنسبة لإنسان آخر فقد يمنع عنه الهواء لحظة غضب فتنتهي منه الحياة. واللغة العربية فيها من السعة ومن دقة الأداء ما يدل على أن هناك أسرارا للمعاني، تلتقي عند شيء ما، فمثلاً إذا قلت: نَفْس، أو نفيس، أو نفَس، نجد أنها ثلاث كلمات مكونة من مادة واحدة هي "النون والفاء والسين"، النفْس هي اتصال الروح بالمادة فتنشأ الحياة بها، ويلهم ربنا النفس فجورها وتقواها، والنَّفَس: وهو الريح تدخل وتخرج من فم وأنف الحي ذي الرئة حال التنفس ولا تدوم الحياة إلا به، ومادام أساس الحياة هو النفَس فيجب ألا تكون حياتك إلا من أجل نفيس، ويجب أن تحترم خلق الله لك وألا يكون سعيك في الدنيا إلا من أجل نفيس، ولا نفيس إلا الإيمان. وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لما يسمى بالجناس، فنحن نسمي الأكل في الميعاد "وجبة"، ونسمي المسئولية "واجبا" ونسمي دقة القلب "الوجيب". ولذلك عندما أراد الشعراء أن يتفننوا جاء واحد منهم بلفظين متماثلين ولكل منهما معنى مختلف فقال: شعر : رحلت عن الديار لكم أسير وقلبي في محبتكم أسير تفسير : فأسير في الشطر الأول يمعنى أمشي، وأسير في الشطر الثاني من البيت بمعنى مأسور ومقيد. فالمنخنقة إذن هي التي منع عنها النفس، ومادام مَنْع النفس أوصلها إلى الخنق فهي إلى الموت، فلماذا جاء ذكرها مرة أخرى بعد الميتة؟ لقد جاء ذكر المنخنقة لأن الإنسان قد يلحقها بالذبح، فإن سال منها دم، وطرفت فيها عين أو تحرك الذيل فهي حلال. أما إن لم يلحقها الإنسان وذبحها ولم يسل منها دم فهي حرام، ويحرم الحق الموقوذة، وهي البهيمة التي يتم ضربها بأي شيء إلى أن تصل للموت، فهي قد ماتت، بنقض بنية وكذلك المتردية التي وقعت من ارتفاع حتى ماتت، وكذلك {وَٱلنَّطِيحَةُ} أي التي نطحها حيوان آخر إلى أن ماتت. {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} وهو ما يبقى من أكل السبع من لحم ما افترسه من حيوان مأكول، {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، والذكاة هي الذبح الذي يسيل منه الدم وتأتي بعده حركة من المذبوح. والمقصود بقوله {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} هو المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن أدركها الإنسان وذبحها وسال منها دم وصدرت منها حركة فهي حلال. هذا هو رأي علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو مفتي الإيمان. وابن عباس - رضي الله عنه - وهو حَبْر الأمة قال - أيضا - في قوله الحق: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} هو استثناء لغير الميتة والدم ولحم الخنزير ومقصود به المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وهذا يوضح لنا أن هناك حيوانات شرسة قد لا يقوى الإنسان عليها. وأحياناً قد يقدر الإنسان عليها فيقوم بتكتيفها بالحبال، وأحيانا يضربها بآلة لتختل وتضعف قليلا ويتملكها الجزار ليذبحها. ونلاحظ أن الحق لم يحدد الحيز من الجسم الذي أصيبت فيه الموقوذة سواء أكان البطن أم الرأس أم الظهر، فالحيوان المضروب رميا بالحجارة قد تأتي الأحجار في الرأس أو البطن أو الظهر، فمن الجائز أن يضرب الإنسان الحيوان الشرس ليستطيع أن يذبحه. والحجة عندنا في التحليل أو التحريم هي: أيسيل منها الدم ساعة الذبح أم لا؟ وهل يصدر عن جسمها حركة ولو طرفة عين؟ فإن توافر ذلك في الذبيحة فهي حلال، وهكذا نعرف أن قوله الحق: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} هو استثناء لغير الثلاثة الأول وهي: الميتة والدم ولحم الخنزير ومعها ما أهل لغير الله به لأنه محرم بطبيعة الإيمان العقدي. {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} ويحرم الحق ما أكله السبع إلا إذا كان الحيوان الذي أكله السبع لم يمت واستطاع واحد أن يذبحه الذبح الشرعي. وسبحانه يحريم ما لم يذبح بالأسلوب الشرعي، فلا يحل ذَبْح بعظم أو بِسِنّ والذي ذبح على النصب، أي المذبوح على الأحجار المنصوبة كالأصنام فهو حرام، والكلام هنا عقدي، والتحريم هنا بعارض عقدي. و"النُّصُب" من الألفاظ التي وردت مفرداً ووردت جمعاً. فـ "نصُب" هي جمع، مثلما نجمع كلمة "حمار" ونقول "حُمُر"، وفي هذه الحالة يكون مفردها "نِصاب"، ومرة تكون "نصب" مفرداً، مثلها مثل "طُنُب" وهو الحبل وجمعها "أطناب" أي حبال، وفي هذه الحالة يكون جمع "نُصُب" هو "أنْصَاب". والنُّصُب هي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة يذبح عليها المشركون الذبائح تقرباً للآلهة. والتحريم هنا بسبب عقدي مثله مثل تحريم ما أهل لغير الله به، فما أهل لغير الله فيه شرك بالله فافتقد ذكر الله الذي ذلل للإنسان هذا الحيوان القريب من الإنسان في الحس والحركة وغير ذلك. وكذلك أيضاً ما ذبح على النصب محرم؛ لأن النصب غير واهب ولا معط، والواجب أن نتقرب إلى الواجد الواهب. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} واستسقم أي طلب القسمة، وكانت القسمة في بعض الأحيان عملية محرجة فيريدون إلصاقها بعيرهم، وهنا يقال: "إن الأزلام هي التي أمرتني". والأزلام هي قداح من الخشب مكتوب على بعضها: "أمرني ربي" ومكتوب على البعض الآخر: "نهاني ربي" وبعض من هذه القداح غفل بغير كتابة. وكان المشرك إذا أراد السفر فهو يذهب إلى سادن الكعبة أو الكاهن، ويخرج السادن أو الكاهن الأزلام من الكيس، ويحرك القداح ويختار المشرك قِدْحاً، فإن قرأ عليه "أمرني ربي" يسافر إلى المهمة التي يريدها، وإن لم يقرأ عليه ووجده غفلا فهو يعيد الكَرَّةَ؛ فإن وجد "نهاني ربي" لا يسافر. ونسأل: من هو الرب الذي أمر؟ هل هو الرب الأعلى، أو الرب الذي كانوا يعبدونه؟ أي إله كانوا يقصدون؟ إن كان المقصود به الإله الأعلى، فمن أدراهم أن الله أمر بهذا السفر أو نهى عن ذلك السفر؟ إن ذلك كذب على الله. وإن كان الذي أمر هو الرب الذي يعبدونه، فهذا أمر باطل من أساسه، إذن فـ "استقسم" أي أنّه طلب حظه وقسمته بواسطة القداح. وكان الاستقسام يتم في مسائل الزواج أو عدم الزواج، والكلام هنا في هذه الآية عن الأكل؛ فالسياق عن تحليل ألوان الطعام فلماذا هذا الاستقسام؟ من هذا نعرف أنهم كانوا في الجاهلية يخضعون للون من الاستقسام بالأزلام، كانت عندهم عشرة قداح وكان مكتوبا عليها أسماء، فواحد على سبيل المثال مكتوب عليه "الفذ" وعليه علامة واحدة. أي أن الذي يسحب هذا القدح يأخذ نصيبا واحداً؛ أما المكتوب عليه "التوأم" فيأخذ نصيبين، والمكتوب عليه "الرقيب" يأخذ ثلاثة أنصباء، والمكتوب عليه "الحِلس" يأخذ أربعة أنصباء، والمكتوب عليه "النافر" يأخذ خمسة أنصباء؛ والمكتوب عليه "المُسْبل" يأخذ ستة أنصبة، ووالمكتوب عليه "المُعلّي" يأخذ سبعة أنصبة، والباقي ثلاثة أنواع مكتوب على كل واحد منها إما "المنيح" وإمّا "السفيح" وإمّا "الوغد". وعندما يقومون بذبح الجمل كانوا يقسمونه إلى ثمانية وعشرين نصيباً بعدد الأنصبة التي ينالها الأشخاص السبعة الأوائل، أما من خرج لهم "المنيح" أو "السفيح" أو "الوغد" فلا نصيب لهم ويدفعون ثمن الذبيحة. إذن فقوله الحق: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} أي أن مسألة طلب القسمة بواسطة الأزلام هو أسلوب مجحف وحرام، وهو لون من الميسر، والاستقسام بالأزلام خلاف القرعة، فالقرعة تكون بين اثنين متساويين ولا يريد أحدهما أن يظلم الآخر، فيخرجا الهوى من الاختيار. مثال ذلك: اثنان من البشر يملكان بيتاً، وتحري كل منهما العدل في القسمة ويلجآن إلى القرعة بأن يكتب كل منهما اسمه في ورقة ثم يضعا الورقتين في إناء ضيق ويحضر طفل صغير لا يعرف المسألة ويغمض عينيه ويشد ورقة من الاثنتين، فيأخذ كل واحد النصيب الذي حددته القرعة. ومثال آخر: الرجل المتزوج بأكثر من واحدة، عليه أن يقرع بين النساء إن أراد صحبة إحداهن في سفر، والقرعة هنا حتى لا تغضب واحدة من الزوجات، وحتى لا يكون الهوى هو الحكم، وبذلك يخرج من دائرة لوم مَن لا تخرج قرعتها. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فعندما أراد صلى الله عليه وسلم ألا يكسر خاطر أي واحد من الأنصار عندما هاجر إلى المدينة، وتطلع كل واحد من الأنصار إلى أن ينزل رسول الله في بيته، وحاول كل واحد أن يمسك بزمام الناقة وأن يجعلها تقف أمام بيته، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ). تفسير : فعندما تميل الناقة وتقف عند أي بيت لن يقول أحد: إن النبي آثر فلاناً على فلان. جعلها الرسول في يد من لا يقدر أحد على ان يخالفه عليه، وكذلك فالاستخارة غير الاستقسام. إذن فالاستقسام بالأزلام هو المحرم شرعاً؛ لأنها عملية غير مناسبة وهي ظالمة، ووردت هنا في سياق ألوان الطعام. ويقول سبحانه عن كل تلك الألوان من المحرمات؛ إنَّ ارتكابها فسق. {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} والفسق هو الخروج عن الطاعة. والمعاني - كما علمنا من قبل - مأخوذة من المحسّات؛ لأن إلف الإنسان في أول إدراكاته بالمحسات، فهو يرى ويسمع ويشم، وبعد ذلك تأتي الأمور العقلية. وأصل الفسق هو خروج الرطبة عن قشرتها؛ فالبلحة عندما تترطب تنكمش الثمرة داخل القشرة وتخرج منها عندئذ يقال: "فسقت الرطبة" أي خرجت من قشرتها، وكذلك من يخرج عن منهج الله يسمونه فاسقاً؛ تماماً مثل الرطبة، وفي هذا رمزية تدل على أن شرع الله سياج يحيط بالإنسان؛ فالذي يخرج عن منهج الله يكون فاسقاً. وإياك أيها المسلم أن تخرج عن شرع الله؛ لأن الرطبة عندما تخرج عن القشرة فالذباب يحوم حولها ويصيبها التراب وتعافها النفس، فَكَان دين الله كإطار يحمي الإنسان بالإيمان. وهذه الأحكام كلها تبني قضية الدين، قضية عقدية في الألوهية، قضية البلاغ عن الألوهية بواسطة الرسالة. وأحكام تنظم حركة المجتمع بالعقود والأمانات والأنكحة وغيرها، كل هذه الأحكام تصنع هيكل الدين العام. وقد مر هيكل الدين العام بمرحلتين: المرحلة المكية وكان كل هدفها التركيز على العقيدة والإيمان بوحدانية الله والنبوات والبلاغ عن الله، وبعد ذلك في المرحلة المدنية جاءت سورة النساء وسورة المائدة لتتكلما عن الأحكام. وبالعقيدة وبالبلاغ عن الله وبالأحكام يكتمل الدين؛ لذلك يقول الحق: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} كأن الكافرين كان لهم أمل في أن يحبطوا هذا الدين وأن يبطلوه وأن ينقضوه، وكذلك المؤمنون بأديان سابقة أو بكتب سابقة كانوا يحبون أن يطرأ على القرآن الأفعال التي مارسوها مع كتابهم من النسيان والترك والتحريف، وسبحانه هو القائل عن أصحاب الكتب السابقة: {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 13] إذن فقد أرادوا أن ينسى المسلمون - أيضاً - حظاً من القرآن، لكن الحق يخبر بأنهم يئسوا أن ينسى المسلمون حظا مما ذكروا به؛ لأن الصحابة حفظوا القرآن في الصدور وكتبوه في السطور ومن لسان الرسول مباشرة. ولم يحدث مثلما حدث مع الرسل السابقين. فقد تم تسجيل هذه الكتب المنزلة عليهم بعد ثلاثة أو أربعة قرون، بل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن من فور نزول كل نجم من الآيات، وكان يأمر بوضع الآيات بترتيب معين. إن على الذين كفروا أن ييأسوا من أن ينسى المسلمون حظاً مما ذكروا به. وهؤلاء القوم من أهل الكتاب لم ينسوا حظاً مما ذكروا به فقط، لا أيضاً حرفوا الكتاب عن مواضعه وكتموا ما أنزل الله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} تفسير : [البقرة: 174] وهم يئسوا من أن يكتم المسلمون ما أنزل الله، بدليل أن رسول الله صلى اله عليه وسلم كان يأتي بحكم في شيء، ثم يغير الله ذلك الحكم، فلا يستحي رسول الله أن يبلغ: أن الحكم الذي قلته لكم قد غيره الله لي. وهل يستنكف أن يعدل الله له؟ وهذا دليل على أمانة البلاغ عن الله؛ لذلك يئس الكافرون بألوانهم المختلفة من أن ينسى المؤمنون حظا مما ذكروا به؛ لأن تسجيل القرآن كان أمينا بصورة لا نهاية لها، وظل القرآن مكتوباً في السطور ومحفوظاً في الصدور. والحق يعلن عن يأس الكفار من مشركين وأهل كتاب بقوله: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} يئسوا لأن المراحل التي مرت بالكتب السابقة لن تمر بهذا الدين. وقد توهم أهل الكتاب أن الإسلام سيمر بما طرأ عليهم، وظن بعضهم أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب من ترك لدينهم وإهدار له. وكذلك ظن بعض كفار قريش أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب، فقد كانت عندهم التوراة وهم مع ذلك لا يتبعون كتابهم، فيرد الحق على كل هؤلاء: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ}. وقوله: "اليوم" يعني الزمان الذي مضى والزمان المستبقل، فقد أتم الله دين الإسلام ورضيه لنا وفتحت مكة للمسلمين ودخل الناس في دين الله أفواجا. وصار القرآن مكتوباً ومحفوظاً. وبذلك تأكد يأس الكافرين والمشركين أن يُنسى القرآن أو أن يُكتم القرآن؛ لأن من أنزل عليه الكتاب، كان إذا جاء أمر يتعلق به فهو يقوله. وعندما مال قلب المسلمين ذات مرة إلى تبرئة المسلم الذي سرق وأن تلصق التهمة باليهودي البريء، هنا نزل من القرآن قوله: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] لقد أمر الحق أن يكون النبي هو الحكم العدل حتى ولو كان حكماً ضد مسلم, ويأمر الحق رسوله أن يستغفر الله إن كان قد ألم به خاطر أن ينصر المسلم الخائن على اليهودي الذي لم يسرق، إنها سماحة دين الإسلام. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ}. ولقد تم دين الله. ودخل الناس إلى الإسلام أفواجا. ولن يُنسى القرآن. ولن يكتم القرآن أحد. ولن يحرف القرآن أحد. ولن يحدث للقرآن ما حدث للكتب السابقة من نسيان وكتمان وتحريف، أو الإتيان بأشياء أخرى والقول والزعم بأنها من عند الله، وهي ليست من عند الله. إذن فقد يئس الذين كفروا من أن يتزيد المسلمون في دينهم. ولن توجد بين المسلمين تلك المثالب والعيوب التي ظهرت في الأقوام السابقة. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْْ} لقد يئسوا من أن يُغلب الإسلام، بل إن الإسلام سَيَغْلب. وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} وقد حكم سبحانه ألا يأتي أمر يحقق لأعداء الإسلام الشماتة به، أو أن تتحقق لهم الفرصة في انكسار الإسلام، فلا تخشوهم أيها المسلمون لأنكم منصورون عليهم، ولن تدخلوا في أسباب الخيبة التي دخلوا فيها. وعليكم أيها المؤمنون بخشية الله. ولو أراد أحد تغيير شيء من منهجه سبحانه سيلقى العقاب، وسبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فكتاب الله معكم وترك فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجه، فإن خالفتم المنهج فستتلقون العقاب، كما هزم الله المسلمين في أحُد أمام المشركين لأنهم خالفوا المنهج. فما نفعهم أنهم كانوا مسلمين منسوبين للإسلام بينما هم يخالفون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فلا خشية من المسلمين لأعدائهم. ولكن الخشية تكون لله، فإن خفتم فخافوا الله وحافظوا على تنفيذ منهج الله. ومادام سبحانه هو الآمر: لا تخش أعداء الله لأنه زرع في قلوبهم اليأس من أن ينسى المسلمون المنهج، او أن يتزايدوا في الدين، أو يكتموا الدين، فهم لا يحرفونه ولا يزيدون فيه. إذن فالعيب كل العيب ألا تطبقوا منهج الله. {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والإكمال هو أن يأتي الشيء على كماله، وكمال الشيء باستيفاء أجزائه، واستيفاء كل جزء للمراد منه. وقد أتم الله استمرار النعمة بتمام المنهج. لقد رضي الحق الإسلام ديناً للمسلمين. ومادام رضي سبحانه الإسلام منهجاً، فإياكم أن يرتفع رأس ليقول: لنستدرك على الله؛ لأن الله قال: "أكملت" فلا نقص. وقال: "أتممت" فلا زيادة. وعندما يأتي من يقول: إن التشريع الإسلامي لا يناسب العصر. نرد: إن الإسلام يناسب كل عصر، وإياك أن تستدرك على الله؛ لأنك بمثل هذا القول تريد أن تقول: إن الله قد غفل عن كذا وأريد أو أصوب لله، وسبحانه قال: "أكملت" فلا تزيد، وقال: "أتممت" فلا استدراك، وقال: "ورضيت" فمن خالف ذلك فقد غَلَّب رضاه على رضا ربه. إن الخالق سبحانه هو أعلم بخلقه تمام العلم، ويعلم جل وعلا أن الخلق ذو أغيار، وقد تطرأ عليهم ظروف تجعل تطبيق المنهج بحذافيره عسيراً عليهم أو معتذراً فلا يترك لهم أن يترخصوا هم، بل هو الذي يرخص، فلا يقولن أحد: إن هذه مسألة ليست في طاقتنا. فساعة علم الحق أن هناك أمراً ليس في طاقة المسلم فقد خففه من البداية. وما دمنا ذوي أغيار، وصاحب الأغيار ينتقل مرة من قوة إلى ضعف، ومن وجود إلى عدم، ومن عزة إلى ذلة؛ لذلك قدر سبحانه أن يكون من المؤمنين بهذا المنهج الكامل من لا يستطيع القيام لمرض أو مخمصة، فرخص لنا سبحانه وتعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. إذن فالحق قد ذكر أن شيئاً من الأغيار قد يطرأ على النفس البشرية، وما دام استبقاء الحياة يتطلب القوت، والإنسان قد يمر بمخمصة وهي المجاعة التي تسبب الضمور في البطن، هنا يرخص الحق للجائع في مخمصة أن يأكل الميتة أو ما في حكمها بشرط الاضطرار لاستبقاء الحياة، فلا يقول واحد على سبيل المثال: أنا مضطر أن أتعامل مع البنك بالربا لأني أريد أن أتاجر في مائة ألف جنيه وليس معي إلا ألف جنيه. وهذا ما هو حادث في كل الناس. هنا أقول: لا. عليك بالتجارة في الألف التي تملكها ولا تقل أنا مضطر للتعامل في الربا. فالمضطر هو الذي يعيش في مجاعة وإن لم يفعل ذلك يموت أو يموت من يعول. وقد رخص الشرع للإنسان الذي لا يملك مالاً أن يقترض من المرابي إن لم يجد من يقرضه ليشتري دواء أو طعاماً أو شيئا يضطر إليه لنفسه أو لمن يعول. والإثم هنا يكون على المرابي، لا على المقترض لأنه مضطر. ولذلك قال الحق: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ}، أي أنه كاره للإثم وإن ذهب إليه. ولذلك يباح للمضطر على قدر الضرورة. لدرجة أن رجال الشريعة قالوا: إن على الإنسان المضطر ألا يأكل من الميتة أو ما في حكمها بالقدر الذي يشبع، بل يأخذ أقل الطعام الذي يمسك عليه رمقه ويبقى حياته فقط. فإذا كان يسير في الصحراء فعليه ألا يأخذ من الميتة أو ما في حكمها إلاَّ قدراً يسيراً لأنه لا يجد شيئاً يتقوت به. إذن فمعنى اضطر في مخمصة شرط أن يكون غير متجانف لإثم، أي لا يكون مائلاً إلى الإثم فرحا به، فعليه ألا يأخذ إلا على قدر الضرورة. ومادام على قدر الضرورة فهو لن يحمل معه من هذه الأشياء المحرمة إلا ما يقيم أوده ويمسك روحه. والمضطر هو من فقد الأسباب البشرية. وسبحانه وتعالى قد بسط أسبابه في الكون ومد بها يديه إلى خلقه، وأمر الأسباب: استجيبي لهم مؤمنين كانوا أو كافرين، فالذي يزرع ويحسن الزراعة والري والبذر والحرث فالله يعطيه، والذي يتقن عمله كتاجر تتسع تجارته وتزيد أرباحه. {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [الشورى: 20] إن عطاء الأسباب هو عطاء الربوبية. والمضطر هو من فقد أسبابه. ولذلك فالحق يجيب المضطر إذا دعاه. وقد يقول قائل: إنني أدعو الله ولا يجيبني. ونقول: إنك غير مضطر لأنك تدعو - على سبيل المثال - بأن تسكن في قصر بدلاً من الشقة التي تسكنها، وأنت تدعو بأن يعطيك الله سيارة فارهة وأنت تملك وسيلة مواصلات عادية. فالمضطر - إذن - هو الذي فقد الأسباب ومقومات الحياة. {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} تفسير : [النمل: 62] وقد ضربنا من قبل المثل - ولله المثل الأعلى - بتاجر يستورد بضائع تصله من الخارج في صناديق ثقيلة. تحملها السيارات الضخمة، ويقوم أحد العمال أمامه بحمل صندوق ضخم، فغلب الصندوقُ العامل. وهنا يقفز التاجر ليسند العامل. وهذه هي المساندة في المجال البشري، إذن فلا يَردّ واحد أسبابَ الله من يده ويقول من بعد ذلك: يارب أعني؛ لأن الله في تلك اللحظة يوضح للعبد: إنّ عندك أسبابي ومادامت أسبابي موجودة، فلا تطلب من ذاتي إلا بعد أن تنفذ أسبابي من عندك؛ لذلك يباح للمضطر أن يأخذ القدر الذي يردّ به السوء عن نفسه. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ومادام سبحانه قد رخص لنا ذلك، فما الداعي أن يذيل الآية بمغفرته ورحمته؟ ولنفهم أن الإنسان يأخذ الغفر مرة على أنه ستر العقاب عنه، وقد يكون الغفر سترَ الذنب عن العبد لأن الله رحيم. وهذا ما يشرح لنا ما قاله الحق لرسوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} تفسير : [الفتح: 2] فسبحانه يغفر بستر العقاب، ويقدم الغفر لستر الذنب فلا يفارقه الإنسان ويقول الحق بعد ذلك: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} [الآية: 3]. قال: حجارة كانت حول الكعبة. كان يذبح لها أَهل الجاهلية ويبدلونها إِذا شاؤوا، وإِذا رأَوا ما هو أَعجب إِليهم منها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} [الآية: 3] قال: هي قداح القمار، يضربونها لكل سفر وغزو وتجارة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} معناه التي اخْتَنَقَتْ فِي خِنَاقِهَا حتَّى ماتت {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} هي التي تُوقَذُ فَتَموتُ مِنْهُ. {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} هي التي تُرَدَّى مِن جَبلٍ، أَو حَائطٍ، أَو نَحوَ ذَلِكَ. {وَٱلنَّطِيحَةُ} المَنْطُوحةُ. تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} معناهُ مَا ذَبَحتُمْ. تفسير : وقولهِ تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} معناهُ ما ذُبحَ عَلَى الأَنصَابِ. واحدها نُصبٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} فالأَزلاَمُ كِعابُ فَارس وقِدَاحُ العَرَبِ كَانُوا يَعْمَدُونَ إِلى قَِدْحَينِ فَيكْتُبونَ عَلَى أَحدِهِما مُرْنِي وَعَلى الآخر انهِني ثُمّ يَجيلُونَها، فَإِذَا أَرادَ الرَّجلُ سَفراً أَو نَحوَ ذَلكَ، فَمنْ خَرَجَ عَلَيهِ مُرني مَضَى فِي وِجْهتِهِ، وإنْ خَرَجَ الذِي عَليهِ انهني لمْ يَخرجْ. ويُقالُ: إِنَّ الأَزلاَمَ: حَصىً كَانُوا يَضرِبُونَ بِهَا. واحدُها زَلَمٌ وزُلَمٌ. تفسير : وقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} معناهُ كُفرٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} معناه اختِرتُهُ لَكُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالمَخْمَصةُ: المَجاعَةُ. وغَيرُ مُتَجانِفٍ لآثمٍ: معناهُ غَيرُ مُتَعرِجٍ.

الأندلسي

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} تقدم الكلام على هذه الأربعة في البقرة. {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} هي التي يحبس نفسها حتى تموت سواء أكان حبسه بحبل أو يد أو غير ذلك. والوقد: ضرب الشيء حتى يسترخي ويشرف على الموت. وقيل الموقوذة: المضروبة بعصا أو حجر لا حدّ له فتموت بلا ذكاة ويقال وقذه النعاس: غلبه. ووقذه الحكم: سكنه. التردي: السقوط في بئر أو التهور من جبل. ويقال ردي وتردى: أي هلك. ويقال ما أدري انى ردّي: أي ذهب. {وَٱلنَّطِيحَةُ} هي التي ينطحها غيرها فتموت بالنطح. وهي فعيلة بمعنى مفعولة صفة جرت مجرى الأسماء فوليت العوامل ولذلك ثبتت فيها الهاء. {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} استثناء راجع للأنواع الخمسة فما وجد منها به رمق وذكى حلّ الله والتذكية الذبح. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} النصب جمع نصاب وهي مجارة منصوبة حول الكعبة كان أهل الجاهلية يذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضاً وتلطخ بالدماء ويوضع عليها اللحم قطعاً قطعاً ليأكل منها الناس. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} الأزلام القداح واحدها زلم. وزلم بضم الزاي وفتحها: وهي السهام. كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها نهاني ربي، وعلى بعضها أمرني ربي، وبعضها غفل، فإِن خرج الآمر مضى لطلبته وإن خرج الناهي أمسك وإن خرج الغفل أعاد الضرب. وذكر هذه المرحمات هو تفضيل لما أجمل في عموم قوله: إلا ما يتلى عليكم وبهذا صار المستثني منه والمستثني معلومين وان تستقسموا هذا معطوف على ما قبله أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام وهو طلب معرفة القسم وهو النصيب أو القسم وهو المصدر وذكر مع المطاعم لأنهم كانوا يوقعون الاستقسام عند البيت. {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} الظاهر أنه إشارة إلى الاستقسام بالأزلام إذ كان فيه استخراج شيء من المغيبات التي انفرد الله بعلمها. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ} اليأس قطع الرجاء. يقال يأس بالهمز بيأس وييئس، ويقال: أيس، وهو مقلوب من يئس ودليل القلب تخلف الحكم عما ظاهره انه موجب له الا ترى أنهم لم يقبلوا ياءه الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فلم يقولوا آس، كما قالوا: هات واليوم الألف واللام فيه للعهد وهو يوم عرفة، قاله مجاهد وابن زيد. وقيل: هو يوم نزولها بعد العصر في حجة الوداع يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف على ناقته وليس في الموقف مشرك. وقيل: اليوم الذي دخل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من شهر رمضان سنة تسع، وقيل: سنة ثمان، ونادى مناديه بالأمان لمن لفظ بشهادة الاسلام ولمن وضع السلاح ولمن أغلق بابه. و{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أعم من مشركي العرب وغيرهم. ومعنى: {مِن دِينِكُمْ} من تغييره وتبديله إذ كان في حجته تلك صلى الله عليه وسلم كملت شرائع الاسلام، ولذلك قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي في ظهور الاسلام وكمال الدين وسعة الأحوال وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة والخلود فيها. وقيل: بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأنه لم يحج مشرك ولم يطف بالبيت عريان وانتصب ديناً على الحال. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} المخمصة المجاعة التي تخمص فيها البطون أي تضمر. وقال الأعشي: شعر : تبيتون في الشتاء ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتْن خمائص تفسير : أي فمن اضطر لأكل شيء مما ذكر تحريمه في مجاعة فأكل. {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} أي غير متلبس بمعصية ولا مائل إليها فأكل فلا إثم عليه.

الجيلاني

تفسير : ثم لمَّا كان الأصل في الأشياء الحل والإباحة، والحرمة إنما عرضت من الشرع، بيَّن سبحانه أولاً حكم المحللات مطلقاً وما يتفرع عليها، ثم عيَّن المحرمات التي استثناها بقوله {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ} [المائدة: 1، الحج: 30] فقال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} في دينكم {ٱلْمَيْتَةُ} المائت حتف أنفه بلا موجب لإزالة الحياة {وَٱلْدَّمُ} المسفوح، السائل التزكية أو بغيرها {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} النجس، الظاهر خباثته عقلاً وشرعاً. {وَ} من جملة المحرمات {مَآ أُهِلَّ} صوت ذبحه {لِغَيْرِ} اسم {ٱللَّهِ بِهِ} من أسماء الأصنام {وَ} كذا {ٱلْمُنْخَنِقَةُ} المزيلة حياتها بالخنق بلا تذكية، كما يفعل المشركون {وَ} كذا {ٱلْمَوْقُوذَةُ المضروبة بالخضب الأحجار إلى أن تذهب منها الروح {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} التي سقطت من علو، أو في بئر فزالت حياتها {وَٱلنَّطِيحَةُ} أيضاً، وهي التي نطحها الحيوان الآخر فماتت {وَ} كذا حرمت عليكم {مَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} منه فزال حياته {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} قطعتم حلقومه مهللين حين أحسستم الرمق منه، فإنه يحل لكم. {وَ} كذا حرمت عليكم {مَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} أي: الأصنام الموضوعة حول البيت، كانوا يعظمونها، ويتقربون إليها بالذبائح والقرابين {وَ} من جملة المحرمات {أَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} أي: الأقداح، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الثالث: غفل، فإن خرج الأمر مضو عليه، وإن خرج النهي انصرفوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً. ومعنى الاستقسام بها: الاستخبار، والاستفسار عن القسمة الغيبية التي استأثر الله بها، ولم يطلع أحداً عليها، وأمثال هذا ما هي إلا كهانة وكفر، صدرت عن أولي الأحلام السخيفة، الخبيثة، الناشئة من عدم الرضا بقضاء الله {ذٰلِكُمْ} أي: استقسامكم واستخباركم من أزلامكم {فِسْقٌ} خروج عمَّا عليه الأمر والشروع وديدنة الجاهلية فعليكم أن تجتنبوا عن أمثالها، خصوصاً {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ} وقنط بالمرة {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عن انصرافكم {مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} على غلبتهم بترك رسومهم وعاداتهم المستقبحة. {وَٱخْشَوْنِ} عن بشطي وانتقامي بترك ما أمرتب لكم، ونهيت عنه في جميع أحوالكم وأزمانكم، سيما {ٱلْيَوْمَ} الذي هذا قد {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بأن ينصركم ويغلبكم على مخالفيكم مطلقاً، ويظهر دينكم على الأديان كلها {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} ظاهراً وباطناً بالاستيلاء، والغلبة على الأعداء، وقمع الآراء الباطلة والأهواء الفاسدة بالكلية {وَ} من إتمام نعمتي عليكم أني {رَضِيتُ} اخترت وانتخبت {لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ} الإطاعة والانقياد {دِيناً} ديدنه ومذهباً؛ إذ لا دين عند الله إلا الإسلام. وبعد كما دينكم وإتمام النعم عليكم، وتحليل ما أحل، وتحريم ما حرم {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} منكم {فِي مَخْمَصَةٍ} مجاعة مفرطة، ملجئة إلى تناول الجيف والمحرمات حال كونكم {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} مائل {لإِثْمٍ} ومعصية، رخص التناول منها مقدار سدّ جوعه {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالكم {غَفُورٌ} مما صدر عنكم حين اضطراركم ومخمصتكم {رَّحِيمٌ} [المائدة: 3] لا يخواذكم عليه بعدما رخص لكم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الحرام علي الخواص والعوام بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} [المائدة: 3]، والإشارة أن ظاهرها كما كان خطاباً لأهل الدنيا والآخرة فباطنها عتاب لأهل الله وخاصته حرمت عليكم يا أهل الحق الميتة فهي الدنيا بأسرها، {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، يعني: حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام، والدم بالنسبة إلى اللحم قليل واللحم بالنسبة إلى الدم كثير. {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3]، يعني: كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية يظهرون به لغير الله، {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3]، يعني: الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذونها بأنواع الرياضيات نبهها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة، {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ} [المائدة: 3]، الذين يتردون بنفوسهم من أعلى عليين إلى أسفل السافلين بالتناطح مع الأقران، والمماراة مع الإخوان، والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان. وفي قوله: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3]، إشارة إلى أن فيما يحتاجون إليه من القوة الضرورية كونوا محترزين من أكلة السباع وهم الظلمة الذين يتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب، ويتجاذبون بمخالب الأطماع الفاسدة، {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} [المائدة: 3]، فيه يشير إلى ما تذبح عليه النفوس بأنواع الحد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والأخروية، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3]، يعني: أن تكونوا مترددين نقالين في طلب المرام متقين بحصول المقصود، متهاونين في بذل الوجود فإذا انتهيتم عن هذه الدواعي وأخلصتم لله في الله وخرجتم عن سجن الأنانية وسجن الإنسانية بجذبات الربانية؛ فقد عاد ليلكم نهاراً وظلمتكم أنواراً. {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 3]، من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها، {مِن دِينِكُمْ} [المائدة: 3]، وتيقنوا أن ما بقي لكم الرجوع إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} [المائدة: 3]، فإنكم خلصتم من شبكة مكائدهم ونجوتم من عقد مصائدهم، {وَٱخْشَوْنِ} [المائدة: 3]، أي: فإن كيدي متين وصيدي مبين وبطشي شديد وحسبي مديد، ثم أخبر عن إكمال الدين وإجلال أهل اليقين بقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، والإشارة أن اليوم إشارة إلى الأول، {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي: جعلت الكمالية الآن بإظهار رؤيتكم على الأديان كلها في الظاهر وأنا في الحقيقة، وسيجيء شرحه إن شاء الله. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} [المائدة: 3]، تستكملون به إلى الأبد بحيث من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وذلك لأن حقيقة الدين الذي هو سلوك سبيل الله عز وجل بعدم الخروج عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، وأن الإنسان مخصوص به من سائر الموجودات، ولهذا الآية اختصاص بالكمالية في السلوك من سائر الأمم خالدين في عهد آدم عليه السلام كان من التكامل بسلوك الأنبياء عليه سبيل الحق إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكل نبي سلك في الدين مسلكاً أنزله بقربة من مقامات القرب؛ لكن بإخراج أحد منهم بالكلية عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]، فسلك النبي صلى الله عليه وسلم جميع المسالك التي سلكها الأنبياء عليهم السلام أجمعين فلم يتحقق له الخروج أيضاً بقدم السلوك عن الوجود المجازي بالكلي حتى تداركته العناية الأزلية لاختصاصه بالمحبوب، وبجذبات الربوبية أخرجه من الوجود المجازي ليلة أسرى بعبده وأعطاه ما تميز به عن الأنبياء كلهم وبلغ في القرب إلى الكمالية في الدنو وهو سر أو أدنى فاستسعد بسعادة الوصول إلى الوجود الحقيقي في سر فأوحى إلى عبده ما أوحى. وفي الحقيقة قيل له في تلك الحالة {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3]، ولكن في حجة الوداع يوم عرفة عند وقوفه بعرفات أظهر على الأمة عند إظهاره على الأديان كلها وظهور كمالية الدين نزول الفرائض والأحكام بالتمام فقال: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} [المائدة: 3]. ويدل على هذا التأويل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبل كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون حولها ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هذه اللبنة، فتم بناؤها، فقال محمد: صلى الله عليه وسلم فأنا اللبنة"تفسير : ، متفق على صحته. فصح ما قررناه من مقامات الأنبياء - عليهم السلام - تكامل الدين بهم وكماله بالنبي صلى الله عليه وسلم بخروجه عن الوجود المجازي بالكلية وأن الأنبياء لم يخرجوا عنه بالكلية. ويدل على هذا المعنى أيضاً أن الأنبياء كلهم يوم القيامة يقولون: نفسي نفسي لبقية الوجود، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : أمتي أمتيتفسير : ؛ لفناء الوجود، فافهم جيداً. ومن كرامة هذه الأمة لشركهم في كمالية الدين مع النبي صلى الله عليه وسلم فخوطبوا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، ليعلم أن الكمالية فيه مشتركة بينهم لا يتهاونون في طلبها، وقال: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3]، وهي أسباب تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} [المائدة: 3]، وهو استسلام الوجود المجازي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى خلفائه بعده ليطرح عليه إكسير المتابعة فيبذل الوجود المجازي المجيء بالوجود الحقيقي المحبوبي، كما قال تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 31]، يعني: ويغفر الوجود الحقيقي ذنوب الوجود المجازي، فافهم جيداً وانتبه. ثم قال تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } [المائدة: 3]، فمن ابتلي بالالتفات إلى شيء من الدنيا والآخرة مضطراً إليه فهو في غاية الابتلاء وكثير التربية، {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [المائدة: 3]، غير قابل إليه بالإعراض عن الحق؛ ولكن فترة تقع للصادقين أو وقفة تكون للسالكين ثم يتداركون بصدق الالتجاء إلى الحق وأرواح المشايخ والاستغاثة بهم وطلب الاستغفار عن ولاية النبوة وإعانته، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [المائدة: 3]، لما ابتلاهم به، {رَّحِيمٌ} [المائدة: 3]، بهم بأن يهديهم إلى الصراط المستقيم بإفاضة الدين القويم. ثم أخبر عما أحل من الطيبات ومن المحصنات المؤمنات بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة: 4]، والإشارة أن أرباب الطلب وأصحاب السلوك يسألونك ماذا أحل لهم؛ إذ حرم عليهم الدنيا والآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا"تفسير : ، وهما حرمان على أهل الآخرة، {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4]، وهي ما لا يقطع عليكم طريق الوصول إلى الله تعالى، فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب فكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومفعول ومعمول طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لونتموه بلون دواعي الوجود فهو من الخبيثات لا يصلح إلا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام بأداء الحقوق مطيباً بنفحات الشهود فهو من الطيب لا يصلح إلا للطيبين. {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} [المائدة: 4]، يشير إلى النفوس المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريق المنورة بأنوار علوم الحقيقة التي تكشف لأسرار الصديقين بتجلي صفات العالمية وهي العلوم اللدنية التي يعلمها الله أخص الخواص من عباده كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}تفسير : [الكهف: 65]. {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]، يشير إلى تناول ما اصطاد نفوس المطمئنة من عالمي الغيب والشهادة بالأمر لا بالطبع فما أمسكن بالقيام للحقوق لا عليهن للقيام بالحفوظ، {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]، يعني: واذكروا عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية اسم الله عليه ولا تتصرفوا فيه إلا لله بالله في الله، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 4]، أي: اتقوا به عما سواه: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [المائدة: 4]، يحاسب العباد على أعمالهم قبل أن يفرغوا منها ويجازيهم في المال بالإحسان إحسان القربة ورفعة الدرجة، وجذبة العناية وبالإساءة إساءة العبد والطرد إلى الشغل والخذلان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا الذي حولنا الله عليه في قوله: { إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } واعلم أن الله تبارك وتعالى لا يحرّم ما يحرّم إلا صيانة لعباده، وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات، وقد يبين للعباد ذلك وقد لا يبين. فأخبر أنه حرم { الْمَيْتَة } والمراد بالميتة: ما فُقِدَت حياتُهُ بغير ذكاة شرعية، فإنها تحرم لضررها، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها المضر بآكلها. وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها، فتضر بالآكل. ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك، فإنه حلال. { وَالدَّم } أي: المسفوح، كما قيد في الآية الأخرى. { وَلَحْم الْخِنزيرِ } وذلك شامل لجميع أجزائه، وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع، لأن طائفة من أهل الكتاب من النصارى يزعمون أن الله أحله لهم. أي: فلا تغتروا بهم، بل هو محرم من جملة الخبائث. { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } أي: ذُكر عليه اسم غير الله تعالى، من الأصنام والأولياء والكواكب وغير ذلك من المخلوقين. فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة، فذكر اسم غيره عليها، يفيدها خبثا معنويا، لأنه شرك بالله تعالى. { وَالْمُنْخَنِقَةُ } أي: الميتة بخنق، بيد أو حبل، أو إدخالها رأسها بشيء ضيق، فتعجز عن إخراجه حتى تموت. { وَالْمَوْقُوذَةُ } أي: الميتة بسبب الضرب بعصا أو حصى أو خشبة، أو هدم شيء عليها، بقصد أو بغير قصد. { وَالْمُتَرَدِّيَةُ } أي: الساقطة من علو، كجبل أو جدار أو سطح ونحوه، فتموت بذلك. { وَالنَّطِيحَةُ } وهي التي تنطحها غيرها فتموت. { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ } من ذئب أو أسد أو نمر، أو من الطيور التي تفترس الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع، فإنها لا تحل. وقوله: { إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ } راجع لهذه المسائل، من منخنقة، وموقوذة، ومتردية، ونطيحة، وأكيلة سبع، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها، ولهذا قال الفقهاء: " لو أبان السبع أو غيره حشوتها، أو قطع حلقومها، كان وجود حياتها كعدمه، لعدم فائدة الذكاة فيها " [وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة فإذا ذكاها وفيها حياة حلت ولو كانت مبانة الحشوة وهو ظاهر الآية الكريمة] { وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ } أي: وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام. ومعنى الاستقسام: طلب ما يقسم لكم ويقدر بها، وهي قداح ثلاثة كانت تستعمل في الجاهلية، مكتوب على أحدها "افعل" وعلى الثاني "لا تفعل" والثالث غفل لا كتابة فيه. فإذا هَمَّ أحدهم بسفر أو عرس أو نحوهما، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم، ثم أخرج واحدا منها، فإن خرج المكتوب عليه "افعل" مضى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه"لا تفعل" لم يفعل ولم يمض في شأنه، وإن ظهر الآخر الذي لا شيء عليه، أعادها حتى يخرج أحد القدحين فيعمل به. فحرمه الله عليهم، الذي في هذه الصورة وما يشبهه، وعوضهم عنه بالاستخارة لربهم في جميع أمورهم. { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات، التي حرمها الله صيانة لعباده، وأنها فسق، أي: خروج عن طاعته إلى طاعة الشيطان. ثم امتن على عباده بقوله: { .... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . واليوم المشار إليه يوم عرفة، إذ أتم الله دينه، ونصر عبده ورسوله، وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا، بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم، طامعين في ذلك. فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره، يئسوا كل اليأس من المؤمنين، أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشون، ولهذا في هذه السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع - لم يحج فيها مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ولهذا قال: { فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } أي: فلا تخشوا المشركين، واخشوا الله الذي نصركم عليهم وخذلهم، ورد كيدهم في نحورهم. { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين أصوله وفروعه. فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله. { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } الظاهرة والباطنة { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا } أي: اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها. { فَمَنِ اضْطُرَّ } أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات السابقة، في قوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } { فِي مَخْمَصَةٍ } أي: مجاعة { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ } أي: مائل { لإثْمٍ } بأن لا يأكل حتى يضطر، ولا يزيد في الأكل على كفايته { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث أباح له الأكل في هذه الحال، ورحمه بما يقيم به بنيته من غير نقص يلحقه في دينه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 234: 3 : 29 - سفين في قوله {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} قال، نزل يوم عرفة في يوم جمعة. [الآية 3].

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [3] 157- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال يهودي لعمر، لو علينا نزلت معشر اليهود هذه الآية اتخذناه عيدا {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية، قال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والليلة التي أنزلت، ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات. 158- أنا إسحاق بن منصور، أنا عبد الرحمن، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزَّاهريَّة، عن جبير بن نُفير قال: دخلتُ على عائشة، فقالت لي: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه، وسألتها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: القرآن.

همام الصنعاني

تفسير : 673- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}: [الآية: 3]، يعني أنْصابُ أهْلِ الْجاهِليَّة. 675- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، قال: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ}: [الآية: 3]، التي تموت في خِناقِها، {وَٱلْمَوْقُوذَةُ}: [الآية: 3]، التي توقذ فتموت، {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ}: [الآية: 3]، التي تتردَّى فتموت، {وَٱلنَّطِيحَةُ}: [الآية: 3]، التي تنطح فتموت، وقال: {وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} هَذَا كلّه، قال: فإذا وَجَدْتَها تَطْرفُ عَيْنَها أو تحرّكُ أُّذُنَها من هذا كله: مُخنقة أو موقوذة أو نطيحة أو ما أكَل السَّبعُ فهي لك حلالٌ. 676- عبد الرزاق، قال: حدّثنا مَعْمَر، قال: سمعت رجُلاً من أهل المدينة يزعم أن رجلاً سأل أبا هريرة عنها. فقال: إذا طَرَفَتْ بعينها أو تحرك [أُذُنها] فلا بأس بها. قال: وسُئِلَ زيد بن ثابت، قال: إنَّ الميتة تتحرك. 677- حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ}: [الآية: 3]، قال: كان الرجل إذا أراد الخروج في سفَرٍ، كَتَبَ في قَدَحٍ هذا يأمر بالمكوث، وكتب في آخر هذا يأمر بالخروج. وجَعَلَ بينهما منيحاً لم يَكْتُبْ فيهِ شيئاً. ثم اسْتَقْسَم بها حينَ يريدُ أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج وقال: لا يُصيبني في سفري هَذَا إلاَّ خَيْرٌ. وإن خرج الذي يأمر بالمكوث مكث، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحدُ القدحين. 678- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قَتَادة، في قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}: [الآية: 3]، قال: أخلص الله لهم دينهم ونَفَى اللهُ المشركين عن البيت، قال: وبلغنا أنها نزلت يوم عرفة ووافق يوم جمعة. 679- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ}: [الآية: 3]، قال: {مَخْمَصَةٍ} مجاعة. {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} قال: غير متعرضٍ لإِثْم.