٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } وهذا أيضاً متصل بما تقدم من ذكر المطاعم والمآكل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحل لهم، وإنما لم يقل ماذا أحل لنا حكاية لما قالوه. واعلم أن هذا ضعيف لأنه لو كان هذا حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا ماذا أحل لهم، ومعلوم أن هذا باطل لأنهم لا يقولون ذلك، بل إنما يقولون ماذا أحل لنا، بل الصحيح أن هذا ليس حكاية لكلامهم بعبارتهم، بل هو بيان لكيفية الواقعة. المسألة الثانية: قال الواحدي: {مَاذَا } إن جعلته اسماً واحداً فهو رفع بالابتداء، وخبره {أَحَلَّ } وإن شئت جعلت {مَا } وحدها اسماً، ويكون خبرها {ذَا } و {أَحَلَّ } من صلة {ذَا } لأنه بمعنى: ما الذي أحل لهم. المسألة الثالثة: أن العرب في الجاهلية كانوا يحرمون أشياء من الطيبات كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. فهم كانوا يحكمون بكونها طيبة إلا أنهم كانوا يحرمون أكلها لشبهات ضعيفة، فذكر تعالى أن كل ما يستطاب فهو حلال، وأكد هذه الآية بقوله {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } تفسير : [الأعراف: 32] وبقوله {أية : وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } تفسير : [الأعراف: 157]. واعلم أن الطيب في اللغة هو المستلذ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضاً طيباً تشبيهاً بما هو مستلذ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة، فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هٰهنا المحللات، وإلا لصار تقدير الآية: قل أحل لكم المحلللات، ومعلوم أن هذا ركيك، فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى، فصار التقدير: أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى. ثم اعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة، فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات، ويتأكد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] فهذا يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلا أنه أدخل التخصيص في ذلك العموم فقال {أية : وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } تفسير : (الأعراف؛ 157) ونص في هذه الآيات الكثيرة على إباحة المستلذات والطيبات فصار هذا أصلاً كبيراً، وقانون مرجوعاً إليه في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة، منها أن لحم الخيل مباح عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس بمباح. حجة الشافعي رحمه الله أنه مستلذ مستطاب، والعلم به ضروري، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً لقوله {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } ومنها أن متروك التسمية عند الشافعي رحمه الله مباح، وعند أبي حنيفة حرام، حجة الشافعي رحمه الله أنه مستطاب مستلذ، فوجب أن يحل لقوله {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } ويدل أيضاً على صحة قول الشافعي رحمه الله في هاتين المسألتين قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } استثنى المذكاة بما بيّن اللبة والصدر، وقد حصل ذلك في الخيل، فوجب أن تكون مذكاة، فوجب أن تحل لعموم قوله: {أية : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ }. تفسير : [المائدة: 3] وأما في متروك التسمية فالذكاة أيضاً حاصلة لأنا أجمعنا على أنه لو ترك التسمية ناسياً فهي مذكاة، وذلك يدل على أن ذكر الله تعالى باللسان ليس حزءاً من ماهية الذكاة، وإذا كان كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ممكناً، فنحن مثلكم فيما إذا وجد ذلك، وإذا حصلت الذكاة دخل تحت قوله {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } ومنها أن لحم الحمر الأهلية مباح عند مالك وعند بشر المريسي وقد احتجا بهايتن الآيتين، إلا أنا نعتمد في تحريم ذلك على ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ثم قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: أن فيها إضماراً، والتقدير أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه، وهو قوله {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ }. الثاني: أن يقال إن قوله {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ } ابتداء كلام، وخبره هو قوله {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وعلى هذا التقدير يصح الكلام من غير حذف وإضمار. المسألة الثانية: في الجوارح قولان: أحدهما: أنها الكواسب من الطير والسباع، واحدها جارحة، سميت جوارح لأنها كواسب من جرح واجترح إذا اكتسب، قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تفسير : [الجاثية: 21] أي اكتسبوا، وقال {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنعام: 60] أي ما كسبتم. والثاني: أن الجوارح هي التي تجرح، وقالوا: أن ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل. المسألة الثالثة: نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي، أن ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله، وتمسكوا بقوله تعالى: {مُكَلّبِينَ } قَالُواْ:لأن التخصيص يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً به،وزعم الجمهور أن قوله {وما علمتم من الجوارح} يدخل فيه كل ما يمكن الاصطياد به، كالفهد والسباع من الطير: مثل الشاهين والباشق والعقاب، قال الليث: سئل مجاهد عن الصقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السباع، فقال: هذه كلها جوارح. وأجابوا عن التمسك بقوله تعالى: {مُكَلّبِينَ } من وجوه: الأول: أن المكلب هو مؤدب الجوارح ومعلمها أن تصطاد لصاحبها، وإنما اشتق هذا الاسم من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتق منه هذا اللفظ لكثرته في جنسه. الثاني: أن كل سبع فإنه يسمى كلباً، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : اللّهم سلط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد». تفسير : الثالث: أنه مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال فلان: كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه. والرابع: هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب، لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره، بدليل أن الاصطياد بالرمي ووضع الشبكة جائز، وهو غير مذكور في الآية والله أعلم. المسألة الرابعة: دلت الآية على أن الاصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت الجوارح معلمة، لأنه تعالى قال: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل»،تفسير : قال الشافعي رحمه الله: والكلب لا يصير معلماً إلاّ عند أمور، وهي إذا أرسل استرسل، وإذا أخذ حبس ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم، ولم يذكر رحمه الله فيه حداً معيناً، بل قال: أنه متى غلب على الظن أنه تعلم حكم به قال لأن الاسم إذا لم يكن معلوماً من النص أو الاجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في أظهر الروايات. وقال الحسن البصري رحمه الله: يصير معلماً بمرة واحدة، وعن أبي حنيفة رحمه الله في رواية أخرى أنه يصير معلماً بتكرير ذلك مرتين، وهو قول أحمد رحمه الله، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: أنه يصير معلماً بثلاث مرات. المسألة الخامسة: الكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد، فمكلب صاحب التكليب كمعلم صاحب التعليم، ومؤدب صاحب التأديب. قال صاحب «الكشاف» وقرىء مكلبين بالتخفيف، وأفعل وفعل يشتركان كثيراً. المسألة السادسة: انتصاب مكلبين على الحال من {عَلِمْتُمُ }. فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلنا: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب {وتعلمونهن} حال ثانية أو استئناف، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم. ثم قال تعالى: {ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه إذا كان الكلب معلماً ثم صاد صيداً وجرحه وقتله وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح، وكذا الحكم في سائر الجوارح المعلمة. وكذا في السهم والرمح، أما إذا صاده الكلب فجثم عليه وقتله بالفم من غير جرح فقال بعضهم: لا يجوز أكله لأنه ميتة. وقال آخرون: يحل لدخوله تحت قوله {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وهذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء، فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي أنه لا يحل، وهو أظهر أقوال الشافعي، قالوا: لأنه أمسك الصيد على نفسه، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه، ويدل عليه أيضاً ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي ابن حاتم: «حديث : إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أدركته ولم يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئاً فإنما أمسك على نفسه» تفسير : وقال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم: إنه يحل وإن أكل، وهو القول الثاني للشافعي رحمه الله. واختلفوا في البازي إذا أكل، فقال قائلون: إنه لا فرق بينه وبين الكلب، فإن أكل شيئاً من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب، الفرق أنه يمكن أن يؤدب الكلب على الأكل بالضرب، ولا يمكن أن يؤدب البازي على الأكل. المسألة الثانية: {مِنْ } في قوله {مِمَّا أَمْسَكْنَ } فيه وجهان: الأول: أنه صلة زائدة كقوله:{أية : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } تفسير : [الأنعام: 141] والثاني: أنه للتبعيض، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أن الصيد كله لا يؤكل فإن لحمه يؤكل، أما عظمه ودمه وريشه فلا يؤكل. الثاني: أن المعنى كلوا مما تبقى لكم الجوارح بعد أكلها منه، فالآية دالة على أن الكلب إذا أكل من الصيد كانت البقية حلالاً، قالوا وإن أكله من الصيد لا يقدح في أنه أمسكه على صاحبه لأن صفة الإمساك هو أن يأخذ الصيد ولا يتركه حتى يذهب، وهذا المعنى حاصل سواء أكل منه أو لم يأكل منه. ثم قال تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } وفيه أقوال: الأول: أن المعنى: سم الله إذا أرسلت كلبك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل» تفسير : وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله {عَلَيْهِ } عائد إلى {مَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } أي سموا عليه عند إرساله. القول الثاني: الضمير عائد إلى ما أمسكن، يعني سموا عليه إذا أدركتم ذكاته. الثالث: أن يكون الضمير عائداً إلى الأكل، يعني واذكروا اسم الله على الأكل. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة: «حديث : سم الله وكل مما يليك».تفسير : واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن متروك التسمية عامداً يحل أكله، فإن حملنا هذه الآية على الوجه الثالث فلا كلام، وإن حملناه على الأول والثاني كان المراد من الأمر الندب توفيقاً بينه وبين النصوص الدالة على حله، وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى في تفسير قوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 121]. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل ما أحله وتحريم ما حرمه.
القرطبي
تفسير : فيه ثماني عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يَسْأَلُونَكَ} الآية نزلت بسبب عديّ بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير؛ قالا: يا رسول الله إنّا قوم نَصيد بالكلاب والبُزاة، وإنّ الكلاب تأخذ البقر والحُمُر والظّباء فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا نُدرك ذكاته، وقد حرّم الله الميتة فماذا يَحِلّ لنا؟ فنزلت الآية. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} «ما» في موضع رفع بالابتداء، والخبر أُحلّ لهم وذا زائدة وإن شئت كانت بمعنىٰ الذي، ويكون الخبر «قل أحل لكم الطيّبات» وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيِّب. وقيل: ما التذّه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة. وقيل: الطَّيِّبات الذبائح، لأنها طابت بالتذكية. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَمَا عَلَّمْتُمْ} أي وصَيْد ما علَّمتم؛ ففي الكلام إضمار لا بدّ منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحِلّ المسؤول عنه متناولا للمعلَّم من الجوارح المكلَّبين، وذلك ليس مذهباً لأحد: فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلَّم؛ وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في «الأنعام» إن شاء الله تعالىٰ. وقد ذكر بعض مَن صنّف في أحكام القرآن أن الآية تدلّ على أن الإباحة تتناول ما علّمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع؛ فدلّ على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلاَّ ما خصّه الدليل، وهو الأكل من الجوارح أي الكَواسِب من الكلاب وسباع الطير؛ وكان لعدِيّ كلاب خمسة قد سمّاها بأسماء أعلام، وكان أسماء أكْلُبِه سلهب وغلاّب والمختلِس والمتناعس؛ قال السّهَيْلي؛ وخامس أشك، قال فيه أخْطَب، أو قال فيه وَثّاب. الرابعة ـ أجمعت الأُمّة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلّمه مسلم فيَنْشَلِي إذا أُشْلِي ويجيب إذا دُعي، وينزجر بعد ظَفَره بالصيد إذا زُجر، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده، وأثّر فيه بجرح أو تَنْيِيب، وصاد به مسلمٌ وذكر اسم الله عند ارساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف؛ فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف. فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفَهْد وما أشبهه وكالبازِي والصّقْر ونحوهما من الطير فجمهور الأُمّة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب. يُقال: جَرَح فلان وٱجترح إذا ٱكتسب؛ ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها؛ ومنه ٱجتراح السَّيِّئات. وقال الأعشىٰ: شعر : فذا جُبَارٍ مُنْضِجا مِيسَمُه يُذْكِر الجارح ما كان ٱجترحْ تفسير : وفي التنزيل { أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنعام: 60] وقال: { أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ } تفسير : [الجاثية: 21]. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {مُكَلِّبِينَ} معنى «مُكلِّبين» أصحاب الكلاب وهو كالمؤدّب صاحب التأديب. وقيل: معناه مُضَرِّين على الصيد كما تُضَرَّى الكلاب؛ قال الرمّاني: وكلا القولين محتمل. وليس في «مكلِّبين» دليل على أنه إنما أُبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله: «مؤمنين» وإن كان قد تمسّك به من قَصَر الإباحة على الكلاب خاصة. رُوي عن ابن عمر فيما حكى ٱبن المنذر عنه قال: وأما ما يصاد به من البُزَاة وغيرها من الطير فما أدركتَ ذكاته فذكِّه فهو لك حلال، وإلاَّ فلا تَطْعَمه. قال ٱبن المُنْذر: وسأل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال: لا؛ إلاَّ أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدّي: «وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ» هي الكلاب خاصة؛ فإن كان الكلب أسود بَهِيماً فكره صيده الحسنُ وقتادة والنخعيّ. وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً؛ وبه قال إسحق بن رَاهْوَيَه؛ فأما عوامّ أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب مُعلَّم. أما من مَنَع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الكلب الأسود شيطان » تفسير : أخرجه مسلم. ٱحتجّ الجمهور بعموم الآية، وٱحتجوا أيضاً في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول، وبما خرجه الترمذي حديث : عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: «ما أمسك عليك فكُلْ» تفسير : . في إسناده مُجَالِد ولا يُعرف إلاَّ من جهته وهو ضعيف. وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتّى من الكلب يتأتى من الفهد مثلاً فلا فارق إلاَّ فيما لا مدخل له في التأثير؛ وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المدية والأمَة على العبد، وقد تقدّم. السادسة ـ وإذا تقرّر هذا فٱعلم أنه لا بدّ للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة، وهذا لا يُختلَف فيه؛ لقوله عليه السَّلام: « حديث : إذا أرسلت كلبك وذكرت ٱسم الله عليه فكُلْ » تفسير : وهذا يقتضي النية والتسمية؛ فلو قصد مع ذلك اللَّهْو فكرهه مالك وأجازه ٱبن عبد الحكم، وهو ظاهر قول الليث: ما رأيتُ حقاً أشبه بباطل منه، يعني الصّيد؛ فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلاَّ لمأكلة. وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بدّ منها بالقول عند الإرسال؛ لقوله: « حديث : وذكرتَ ٱسم الله » تفسير : فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد؛ وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث. وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمداً؛ وحَمَلوا الأمر بالتّسمية على النّدْب. وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عَمْداً أو سَهْواً فقال: لا تُؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو؛ وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعي، وستأتي هذه المسألة في «الأنعام» إن شاء الله تعالىٰ. ثم لا بدّ أن يكون ٱنبعاث الكلب بإرسالٍ من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده. فيخلِّي عنه ويُغريه عليه فينبعث، أو يكون الجارح ساكناً مع رؤيته الصيد فلا يتحرّك له إلاَّ بالإغراء من الصائد، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغرياً له على أحد القولين؛ فأما لو ٱنبعث الجارح من تِلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك عليها، ولا صنع للصائد فيه، فلا ينسب إرساله إليه؛ لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السَّلام: « حديث : إذا أرسلتَ كلبك المعلّم » تفسير : . وقال عَطَاء بن أبي رَبَاح والأوزاعيّ: يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد. السابعة ـ قرأ الجمهور «عَلَّمْتُمْ» بفتح العين واللام. وٱبن عباس ومحمد بن الحنفية بضمّ العين وكسر اللام، أي من أمر الجوارح والصيد بها. والجوارح الكواسِب، وسميت أعضاء الإنسان جوارِح لأنها تكسب وتتصرف. وقيل: سميت جوارح لأنها تَجرح وتُسيل الدّم، فهو مأخوذ من الجِراح؛ وهذا ضعيف، وأهل اللغة على خلافه، وحكاه ٱبن المنذر عن قوم. و «مُكَلِّبِينَ» قراءة الجمهور بفتح الكاف وشدّ اللام، والمكلِّب معلم الكِلاب ومُضريها. ويُقال لمن يعلم غير الكلب: مكلِّب؛ لأنه يردّ ذلك الحيوان كالكلب؛ حكاه بعضهم. ويُقال للصائد: مُكَلِّب فعلى هذا معناه صائِدين. وقيل: المكلِّب صاحب الكِلاب؛ يُقال: كَلَّبَ فهو مكلِّب وكَلاَّب. وقرأ الحسن «مُكْلِبِينَ» بسكون الكاف وتخفيف ٱللام، ومعناه أصحاب كِلاب؛ يُقال: أمْشَى الرجل كثرت ماشيته، وأكْلَب كثرت كِلابه؛ وأنشد الأصمعي: شعر : وكلّ فَتًى وإن أمْشَى فأثرى ستُخلِجه عن الدنيا مَنُونَ تفسير : الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} أَنَّثَ الضمير مراعاة للفظ الجوارح؛ إذ هو جمع جارحة. ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما: أن يأتمر إذا أمِر وينزجر إذا زُجِر؛ لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سِباع الوُحُوش. وٱختلف فيما يُصاد به من الطير؛ فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور. وذكر ٱبن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت؛ فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالباً، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت. وقال ربيعة: ما أجاب منها إذا دُعي فهو المعلَّم الضّارِي؛ لأن أكثر الحيوان بطبعه يَنْشَلِي. وقد شرط الشافعيّ وجمهور من العلماء في التعليم أن يُمسك على صاحبه، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه. وقال الشافعيّ: المُعلم هو الذي إذا أشْلاَه صاحبه ٱنْشَلَى؛ وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه، ويُمسِك الصيدَ على صاحبه ولا يأكل منه؛ فإذا فعل هذا مراراً وقال أهل العرف: صار معلَّماً فهو المعلَّم. وعن الشافعي أيضاً والكوفيين: إذا أشْلِي فٱنْشَلَى وإذا أخَذَ حَبَس وفَعَل ذلك مرّة بعد مرة أكِل صَيْده في الثالثة. ومن العلماء من قال: يفعل ذلك ثلاث مرّات ويؤكل صيده في الرابعة. ومنهم من قال: إذا فعل ذلك مرّة فهو معلَّم ويؤكل صيده في الثانية. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} أي حَبَسنَ لكم. وٱختلف العلماء في تأويله؛ فقال ٱبن عباس وأبو هريرة والنخعيّ وقتادة وابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعِكرمة والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه: المعنى ولم يأكُل؛ فإن أكل لم يؤكل ما بقي، لأنه أمسك على نفسه ولم يُمْسِك على رَبّه. والفَهْد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه. وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسَلْمان الفارسيّ وأبو هريرة أيضاً: المعنى وإن أَكَل؛ فإذا أَكَل الجارحُ كلباً كان أو فَهْداً أو طيراً أُكِل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلاَّ بَضْعة؛ وهذا قول مالك وجميع أصحابه، وهو القول الثاني للشافعي، وهو القياس. وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما ـ حديث عدِيّ في الكلب المعلَّم: « حديث : وإذا أَكَل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه » تفسير : أخرجه مسلم. الثاني ـ حديث حديث : أبي ثعلبة ٱلخشنِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب: «إذا أرسلت كلبك وذكرت ٱسم الله عليه فكُلْ وإن أكل منه وكُلْ ما رَدَّت عليك يدُك» تفسير : أخرجه أبو داود وروِي عن عدِيّ ولا يصح؛ والصحيح عنه حديث مسلم؛ ولما تعارضت الروايتان رَامَ بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع، وحديث الإباحة على الجواز، وقالوا: إن عَدِيّاً كان موسَّعاً عليه فأفتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالكف ورعاً، وأبا ثَعْلَبَة كان محتاجاً فأفتاه بالجواز؛ والله أعلم. وقد دَلّ على صحة هذا التأويل حديث : قوله عليه الصَّلاة والسَّلام في حديث عدِيّ: «فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» تفسير : هذا تأويل علمائنا. وقال أبو عمر في كتاب «الاستذكار»: وقد عارض حديث عدِي هذا حديث أبي ثعلبة، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له؛ فقوله: وإن أكل يا رسول الله؟ قال: « حديث : وإن أكل ». تفسير : قلت: هذا فيه نظر؛ لأن التاريخ مجهول؛ والجمع بين الحديثين أولى ما لم يُعلَم التاريخ؛ والله أعلم. وأما أصحاب الشافعيّ فقالوا: إن كان الأكل عن فَرْط جُوع من الكلب أكل وإلاَّ لم يُؤكل؛ فإن ذلك من سوء تعليمه. وقد روي عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفَهْد فمنعوه، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه؛ قاله النخعِيّ والثوريّ وأصحاب الرأي وحماد بن أبي سليمان، وحكى عن ٱبن عباس وقالوا: الكلب وٱلفهد يمكن ضربه وزَجْره، والطير لا يمكن ذلك فيه، وحدّ تعليمه أن يُدعى فيجيب، وأن يُشْلى فيَنْشَلِي؛ لا يمكن فيه أكثر من ذلك، والضرب يؤذيه. العاشرة ـ والجمهور من العلماء على أن الجارح إذا شَرِب من دم الصيد أن الصيد يؤكل؛ قال عطاء: ليس شرب الدّم بأكل؛ وكره أكلَ ذلك الصيد الشعبيّ وسفيان الثوريّ، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقر الجارح له لا بد أن يكون متحقَّقاً غير مشكوك فيه، ومع الشك لا يجوز الأكل، وهي: الحادية عشرة ـ فإن وَجَد الصائد مع كلبه كلباً آخر فهو محمول على أنه غير مُرسَل من صائد آخر، وأنه إنما ٱنبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، ولا يُختلف في هذا؛ لقوله عليه الصَّلاة والسلام: « حديث : وإن خالطها كِلاب من غيرها فلا تأكل » تفسير : ـ في رواية ـ « حديث : فإنما سمّيتَ على كلبك ولم تسم على غيره » تفسير : . فأمّا لو أرسله صائد آخر فٱشترك الكلبان فيه فإنه للصائدَين يكونان شريكين فيه. فلو أنفذ أحد الكلْبين مقاتِله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله؛ وكذلك لا يؤكل ما رُمي بسهم فتردّى من جبل أو غَرِق في ماء؛ حديث : لقوله عليه الصلاة والسلام لعَدِيّ: «وإن رَميتَ بسهْمك فٱذكر ٱسم الله فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سَهْمك فكُلْ وإن وجدته غَرِيقاً في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماءُ قتله أو سهمك» تفسير : . وهذا نصّ. الثانية عشرة ـ لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بَضْع لم يؤكل؛ لأنه مات خَنْقاً فأشبه أن يُذبح بسكّين كَالَّة فيموت في الذّبح قبل أن يفرى حَلْقُه. ولو أمكنه أخْذُه من الجوارح وذَبْحُه فلم يفعل حتى مات لم يؤكل، وكان مقصِّراً في الذّكاة؛ لأنه قد صار مقدوراً على ذَبْحه، وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير المقدور عليه. ولو أخذه ثم مات قبل أن يُخرج السِّكّين، أو تناولها وهي معه جاز أكله؛ ولو لم تكن السّكّين معه فتشاغل بطلبها لم تؤكل. وقال الشافعي: فيما نالته الجوارح ولم تُدْمِه قولان أحدهما ـ ألاّ يؤكل حتى يجرح؛ لقوله تعالى: {مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} وهو قول ٱبن القاسم؛ وٱلآخر ـ أنه حلّ وهو قول أشهب، قال أشْهَب: إن مات من صَدْمة الكلب أُكل. الثالثة عشرة ـ قوله: «حديث : فإن غاب عنك يوماً فلم تَجِد فيه إلا أثر سَهْمك فكُلْ»تفسير : ونحوه في حديث أبي ثَعْلَبة الذي خرّجه أبو داود، غير أنه زاد « حديث : فكُلْه بعد ثلاث ما لم يُنْتن » تفسير : يعارضه قوله عليه السلام: « حديث : كُلْ ما أَصْمَيْت ودَع ما أَنْمَيْت » تفسير : . فالإصْماء ما قَتَل مسرعاً وأنت تراه، وٱلإنْمَاء أن ترمي الصيد فيغيب عنك فيموت وأنت لا تراه؛ يقال: قد أنْمَيْتُ الرَّمِيَّة فَنَمت تَنْمى إذا غابت ثم ماتت؛ قال ٱمرؤ القيس: شعر : فَهْوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ مَالَه لا عُدّ مِن نَفَرِهْ تفسير : وقد ٱختلف العلماء في أكل الصَّيد الغائب على ثلاثة أقوال: يؤكل، وسواء قَتَله السَّهْم أو الكلب. الثاني ـ لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب؛ لقوله: « حديث : كُلْ ما أصميت ودَعْ ما أَنْمَيْت » تفسير : . وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوامّ. الثالث ـ الفرق بين السَّهْم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل؛ ووجهه أن السَّهْم يقتل على جهة واحدة فلا يُشكِل؛ والجارح على جهات متعدّدة فيُشكِل؛ والثلاثة الأقوال لعلمائنا. وقال مالك في غير الموطّأ: إذا بات الصيد ثم أصابه مَيْتاً لم يُنفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتِله لم يأكله؛ قال أبو عمر: فهذا يَدُلّك على أنه إذا بلغ مَقَاتِله كان حلالاً عنده أكله وإن بات، إلا أنه يكرهه إذا بات؛ لما جاء عن ٱبن عباس: «وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل» ونحوه عن الثوريّ قال: إذا غاب عنك يوماً كَرهت أكله. وقال الشافعي: القياس ألاّ يأكله إذا غاب عنه مَصْرعه. وقال الأُوزاعيّ: إن وجده من ٱلغد ميتاً ووجدَ فيه سهمه أو أثراً من كلبه فليأكله؛ ونحوه قال أشهب وعبد الملك وأصْبَغ؛ قالوا: جائز أكل الصّيد وإن بات إذا نَفَذَت مقاتله، وقوله في الحديث: « حديث : ما لم يُنْتن » تفسير : تعليل؛ لأنه إذا أنتن لحِق بالمستقذرات التي تَمُجُّها الطباع فيكره أكلها؛ فلو أكلها لجاز، كما: أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة السَّنِخَة وهي ٱلمُنْتِنة. وقيل: هو معلَّل بما يخاف منه الضّرر على آكله؛ وعلى هذا التعليل يكون أكله محرّما إن كان الخوف مُحقَّقاً، وٱللَّه أعلم. الرابعة عشرة ـ وٱختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهوديّ والنصرانيّ إذا كان معلَّما؛ فكرهه الحسن البصريّ؛ وأما كلب المجوسيّ وبَازُه وصَقْره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعيّ والثوريّ وإسحاق؛ وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصّائد مسلماً؛ قالوا: وذلك مثل شَفْرته. وأما إن كان الصّائد من أهل الكتاب فجمهور الأُمّة على جواز صيده غير مالك، وفرّق بين ذلك وبين ذبيحته؛ وتَلاَ { أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } تفسير : [المائدة: 94] قال: فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى. وقال ٱبن وَهْب وأَشْهَب: صيد اليهوديّ والنصرانيّ حلال كذبيحته؛ وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصَّابىء ولا ذبحه؛ وهم قوم بين اليهود والنصارى ولا دين لهم. وأما إن كان الصّائد مَجُوسيّا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور الناس. وقال أبو ثور فيها قولان: أحدهما ـ كقول هؤلاء، والآخر ـ أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز. ولو ٱصطاد السكران أو ذَبَح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته؛ لأن الذكاة تحتاج إلى قَصْد، والسّكران لا قَصْد له. الخامسة عشرة ـ وٱختلف النحاة في «مِنْ» في قوله تعالى: {مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} فقال الأخفش؛ هي زائدة كقوله: { أية : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } تفسير : [الأنعام: 141]. وخطأه البصريون وقالوا: «مِنْ» لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام، وقوله: «مِنْ ثَمَرِه»، { أية : وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ } تفسير : [البقرة: 271] و { أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [الأحقاف: 31] للتبعيض؛ أجاب فقال: قد قال: «يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» بإسقاط «مِنْ» فدل على زيادتها في الإيجاب؛ أجيب بأن «مِنْ» هٰهنا للتبعيض؛ لأنه إنما يحلّ من الصيد اللحم دون الفَرْث والدّم. قلت: هذا ليس بمراد ولا معهود في الأكل فيعكّر على ما قال. ويحتمل أن يريد «مِمَّا أَمْسَكْنَ» أي ممّا أبقته الجوارح لكم؛ وهذا على قول من قال: لو أكَلَ ٱلْكَلْب الفَرِيسة لم يَضرّ وبسبب هذا الاحتمال ٱختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أَكَل الجارح منه على ما تقدّم. السادسة عشرة ـ ودَلّت الآية على جواز ٱتخاذ الكلاب وٱقتنائها للصيد، وثبت ذلك في صحيح السّنّة وزادت ٱلحَرْث والماشية؛ وقد كان أوّل الإسلام أمر بقتل الكلاب حتى كان يقتل كلب ٱلمُرَية من البادية يتبعها؛ رَوى مسلم عن ٱبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ٱقتنى كلباً إلاّ كلب صيد أو ماشية نَقص من أجره كل يوم قيراطان»تفسير : . ورُوي أيضاً عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من ٱتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع ٱنتقص من أجره كل يوم قيراط » تفسير : . قال الزهريّ: وذُكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة، كان صاحب زرع؛ فقد دلّت السّنّة على ما ذكرنا، وجعل النقص من أجر من ٱقتناها على غير ذلك من المنفعة؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنُبَاحه ـ كما قال بعض شعراء البصرة، وقد نزل بعمّار فسمع لكلابه نباحاً فأنشأ يقول: شعر : نَزَلنا بعمار فأَشْلى كِلاَبه علينا فكِدْنا بين بيتيه نُؤكَلُ فقلت لأصحابي أسرّ إليهم أذا اليومُ أم يومُ القيامةِ أطولُ تفسير : ـ أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته على ما يراه الشافعيّ، أو لاقتحام النهي عن ٱتخاذ ما لا منفعة فيه؛ والله أعلم. وقال في إحدى الروايتين: «قيراطان» وفي الأُخرى «قيراط» وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشدّ أذًى من الآخر؛ كالأسود الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله، ولم يُدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال: « حديث : عليكم بالأسود البَهِيم ذِي النقطتين فإنه شيطان » تفسير : أخرجه مسلم. ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون مُمْسِكه بالمدينة مثلاً أو بمكة ينقص قيراطان، وبغيرهما قيراط؛ والله أعلم. وأما ٱلمباح ٱتخاذه فلا ينقص أجر متّخذه كالفرس والهِرّ، ويجوز بيعه وشراؤه، حتى قال سحنون: ويحجّ بثمنه. وكلب الماشية المباح ٱتخاذه عند مالك هو الذي يَسْرَح معها لا الذي يحفظها في الدار من السُّرّاق. وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من السُّرّاق. وقد أجاز غير مالك ٱتخاذها لسرّاق الماشية والزّرع والدار في البادية. السابعة عشرة ـ وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل؛ لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له عِلْم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سِيّما إذا عَمِل بما عَلِم؛ وهذا كما رُوى عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه أنه قال: لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يُحسِنه. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أمرٌ بالتّسمية؛ قيل: عند الإرسال على الصيد، وفِقْه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد، يأتي بيانه في «الأنعام». وقيل: المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، وهو الأظهر. وفي صحيح مسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سَلَمة: « حديث : يا غلام سَمّ الله وكُلْ بيمينك وكُلْ ممّا يليك » تفسير : . وروي من حديث حُذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الشيطان ليستحِلّ الطعام ألاّ يذكر ٱسم الله عليه » تفسير : الحديث. فإن نَسي التسمية أوّل الأكل فليسمّ آخره؛ وروى النسائيّ عن أُمَيّة بن مَخْشِيّ ـ وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل ولم يُسَمّ الله، فلما كان في آخر لُقْمَة قال: بسم الله أوّله وآخِره؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الشيطان يأكل معه فلما سَمّى قَاءَ ما أكَله». » تفسير : التاسعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمر بالتقوى على الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر. وسُرْعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكلِّ شيء عِلْما وأحصى كلّ شيء عَدَداً؛ فلا يحتاج إلى محاولة عَدٍّ ولا عقدٍ كما يفعله الحُسّاب؛ ولهذا قال: { أية : وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ } تفسير : [الأنبياء: 47] فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يكون وعيداً بيوم القيامة كأنه قال: إن حساب الله لكم سريع إتيانه؛ إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة؛ فكأنه توعّد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتَّقُوا الله.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بدنه، أو في دينه، أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 119] قال بعدها: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ} كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين، سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ} قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: الطيبات: ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي، فقال: ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطير الذي يأكله الناس، فقال: ليس هو من الطيبات. وقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباهها؛ كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد. والجوارح، يعني: الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك، وروي عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح، وروي عن علي بن الحسين مثله، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي، ثم قال: حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر، قال: أما ما صاد من الطير؛ البازات وغيرها من الطير، فما أدركت، فهو لك، وإلا فلا تطعمه، قلت: والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب؛ لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي، فقال: «حديث : ما أمسك عليك فكل» تفسير : واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود، لأنه عنده مما يجب قتله، ولا يحل اقتناؤه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود» تفسير : فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: «حديث : الكلب الأسود شيطان»تفسير : وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم قال: «حديث : ما بالهم وبال الكلاب؟ اقتلوا منها كل أسود بهيم» تفسير : وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح، من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيراً، أي: كسبهم خيراً، ويقولون: فلان لا جارح له، أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام: 60] أي: ما كسبتم من خير وشر. وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني يونس بن عبيدة، حدثني أبان ابن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل الكلاب، فقلت: فجاء الناس، فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أرسل الرجل كلبه، وسمى، فأمسك عليه، فليأكل ما لم يأكل» تفسير : وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب بإسناده عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: قد أذنا لك يا رسول الله، قال: أجل «حديث : ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب»تفسير : قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأمرني، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به، وقال: صحيح، ولم يخرجاه. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب، حتى بلغ العوالي، فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية. ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة. وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية: إنه في قتل الكلاب. وقوله تعالى: {مُكَلِّبِينَ} يحتمل أن يكون حالاً من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالاً من المفعول، وهو الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره، أنه لا يحل له، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} فمتى كان الجارح معلماً، وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع. وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله، فقال: «حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك»تفسير : . قلت: وإن قتلن؟ قال: «حديث : وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» تفسير : قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: حديث : إذا رميت بالمعراض فخزق، فكله، وإن أصابه بعرض، فإنه وقيذ، فلا تأكله» تفسير : وفي لفظ لهما: «حديث : وإذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حياً، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه، فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته» تفسير : وفي رواية لهما: «حديث : فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» تفسير : فهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقاً، ولم يستفصلوا؛ كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقاً. ذكر عنوان الآثار بذلك قال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا وكيع عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: قال سلمان الفارسي: كل، وإن أكل ثلثيه، يعني: الصيد إذا أكل منه الكلب، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر عن قتادة. وكذا رواه محمد بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان. ورواه ابن جرير أيضاً عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، والقاسم بن سلمان قال: إذا أكل الكلب، فكل، وإن أكل ثلثيه. وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه، عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي: أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل، وإن لم يبق منه إلا حذية، يعني: بضعة. ورواه شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كل وإن أكل ثلثيه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن عامر، عن أبي هريرة، قال: إذا أرسلت كلبك، فأكل منه، فإن أكل ثلثيه، وبقي ثلثه، فكله. وقال ابن جرير: حدثنا محمد ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر قال: سمعت عبد الله، وحدثنا هناد، حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل. وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع. فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر، وهو محكي عن علي وابن عباس، واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري، وهو قول الزهري وربيعة ومالك، وإليه ذهب الشافعي في القديم، وأومأ إليه في الجديد. وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعاً، فقال ابن جرير: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار، وهو الطاحي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي» تفسير : ثم قال ابن جرير: وفي إسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع، وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعاً من وجوه أخر، فقال أبو داود: حدثنا محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أعرابياً يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك» تفسير : فقال: ذكياً وغير ذكي، وإن أكل منه؟ قال: «حديث : نعم وإن أكل منه» تفسير : فقال: يارسول الله، أفتني في قوسي، قال «حديث : كل ما ردت عليك قوسك» تفسير : قال: ذكياً وغير ذكي؟ قال: «حديث : وإن تغيب عنك، ما لم يضلّ، أو تجد فيه أثر غير سهمك» تفسير : قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال: «حديث : اغسلها وكل فيها» تفسير : هكذا رواه أبو داود، وقد أخرجه النسائي، وكذا رواه أبو داود من طريق يونس بن سيف، عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك» تفسير : وهذان إسنادان جيدان، وقد روى الثوري عن سماك بن حرب، عن عدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما كان من كلب ضار أمسك عليك فكل» تفسير : قلت: وإن أكل؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : . وروى عبد الملك بن حبيب: حدثنا أسد بن موسى عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي، بمثله، فهذه آثار دالة على أنه يغتفر، وإن أكل منه الكلب، وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه؛ كما تقدم عمن حكيناه عنهم، وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه، فإنه يحرم؛ لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» تفسير : وأما إن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه، وجاع، فأكل منه لجوعه، فإنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه «النهاية» أن لو فصل مفصل هذا التفصيل، وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم. وقال آخرون قولاً رابعاً في المسألة وهو التفرقة بين أكل الكلب فيحرم؛ لحديث عدي، وبين أكل الصقور ونحوها، فلا يحرم؛ لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس أنه قال في الطير: إذا أرسلته فقتل، فكل، فإن الكلب إذا ضربته، لم يعد. وإن تعلم الطير أن يرجع إلى صاحبه، وليس يضرب، فإذا أكل من الصيد، ونتف الريش، فكل. وكذا قال إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان. وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا مجالد عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: «حديث : يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه» تفسير : ثم قال: «حديث : ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه، فكل مما أمسك عليك» تفسير : قلت: وإن قتل؟ قال: «حديث : وإن قتل، مالم يأكل» تفسير : قلت: يا رسول الله، وإن خالطت كلابنا كلاباً غيرها؟ قال: «حديث : فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك»تفسير : . قال: قلت: إنا قوم نرمي، فما يحل لنا؟ قال: «حديث : ما ذكرت اسم الله عليه، وخزقت، فكل»تفسير : . فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم. وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي: عند إرساله له؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك» تفسير : وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضاً: «حديث : إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله» تفسير : ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه، التسمية عند إرسال الكلب، والرمي بالسهم؛ لهذه الآية، وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال؛ كما قال السدي وغيره. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} يقول: إذا أرسلت جارحك، فقل: باسم الله، وإن نسيت، فلا حرج. وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل؛ كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ربيبه عمر بن أبي سلمة، فقال: «حديث : سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»تفسير : . وفي صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا - حديث عهدهم بكفر - بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها، أم لا؟ فقال: «حديث : سموا الله أنتم وكلوا»تفسير : (حديث آخر) - وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا هشام عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي، فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أما إنه لو كان ذكر اسم الله، لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاماً، فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره»تفسير : ، وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به، وهذا منقطع بين عبد الله ابن عبيد بن عمير وعائشة؛ فإنه لم يسمع منها هذا الحديث؛ بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام، يعني: ابن أبي عبد الله الدستوائي، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير: أن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم حدثته عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل طعاماً في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي جائع، فأكله بلقمتين، فقال: «حديث : أما إنه لو ذكر اسم الله، لكفاكم، فإذا أكل أحدكم، فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره» تفسير : رواه أحمد أيضاً وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به، وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر) - وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إلى واسط، فكان يسمي في أول طعامه، وفي آخر لقمة يقول: باسم الله أوله وآخره، فقلت له: إنك تسمي في أول ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل: باسم الله أوله وآخره؟ فقال: أخبرك أن جدي أمية بن مخشي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: إن رجلاً كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم حتى كان آخر طعامه لقمة، قال: باسم الله أوله وآخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه» تفسير : وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به حجة. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن خيثمة عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب، من أصحاب ابن مسعود عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام، لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاماً، فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع، فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما» تفسير : يعني: الشيطان، وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث الأعمش به. (حديث آخر) روى مسلم وأهل السنن، إلا الترمذي، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» تفسير : لفظ أبي داود. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب عن أبيه، عن جده: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال: «حديث : فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارك لكم فيه» تفسير : ورواه أبو داود، وابن ماجه، من طريق الوليد بن مسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْئَلُونَكَ } يا محمد {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } من الطعام {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَٰتُ } المستلذات {وَ} صيد {مَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } الكواسب من الكلاب والسباع والطير {مُكَلّبِينَ } حال من (كلَّبت الكلب) بالتشديد: أي أرسلته على الصيد {تُعَلِّمُونَهُنَّ } حال من ضمير (مكلبين)، أي تؤَدِّبونهن {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } من آداب الصيد {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وإن قتلنه بأن لم يأكلن منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وعلامتها أن تُسْتَرْسَلَ إذا أرسلت وتنزجر إذا زجرت وتمسك الصيد ولا تأكل منه وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبهن فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين وفيه أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } عند إرساله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }.
الشوكاني
. تفسير : هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم، بعد بيان ما حرمه الله عليهم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية. قوله: {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } أي شيء أحلّ لهم، و أما الذي أحلّ لهم من المطاعم إجمالاً ومن الصيد، ومن طعام أهل الكتاب، ومن نسائهم، قوله: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } هي ما يستلذه آكله ويستطيبه مما أحله الله لعباده. وقيل: هي الحلال، وقد سبق الكلام في هذا. وقيل: الطيبات: الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك. قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } هو معطوف على الطيبات بتقدير مضاف لتصحيح المعنى: أي أحلّ لكم الطيبات وأحلّ لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية: «عُلِمتم» بضم العين وكسر اللام أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي: وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو يتضمن الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك بموجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدلّ على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، إلا ما خصه الدليل وهو الأكل من الجوارح، أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير. قال: أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود، وعلمه مسلم، ولم يأكل من صيده الذي صاده وأثر فيه بجرح، أو تنييب، وصاد به مسلم، وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح، يؤكل بلا خلاف، فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه، وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب، يقال: جرح فلان واجترح: إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها، ومنه اجتراح السيئات، ومنه قوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنعام: 60]. وقوله: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ }تفسير : [الجاثية: 21]. قوله: {مُكَلّبِينَ } حال، والمكلب: معلم الكلاب لكيفية الاصطياد، والأخصّ معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله، لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب، ولم يكتف بقوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } مع أن التكليب هو التعليم، لقصد التأكيد لما لا بدّ منه من التعليم. وقيل: إن السبع يسمى كلباً فيدخل كل سبع يصادّ به. وقيل: إن هذه الآية خاصة بالكلاب. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال، وإلا فلا تطعمه. قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحلّ صيده؟ قال لا، إلا أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدّي: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ } هي الكلاب خاصة، فإن كان الكلب الأسود بهيماً فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي. وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً، وبه قال ابن راهويه. فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكلب الأسود شيطان»تفسير : . أخرجه مسلم وغيره والحق أنه يحلّ صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح، من غير فرق بين الكلب وغيره، وبين الأسود من الكلاب وغيره، وبين الطير وغيره، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عديّ بن حاتم عن صيد البازي كما سيأتي. قوله: {تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } الجملة في محل نصب على الحال أي مما علمكم الله، مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها، وتدريبها، حتى تصير قابلة لإمساك الصيد عند إرسالكم لها. قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } الفاء للتفريع، والجملة متفرّعة على ما تقدّم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح، "ومن" في قوله: {مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } للتبعيض، لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد، والعظم، وما أكله الكلب ونحوه، وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه، فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه كما في الحديث الثابت في الصحيح. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحلّ أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال. وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وهو مرويّ عن سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة وعبد الله بن عمر، وروي عن عليّ، وابن عباس والحسن البصري، والزهري وربيعة، ومالك، والشافعي في القديم، أنه يؤكل صيده، ويردّ عليهم قوله تعالى: {مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ }، وقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك»تفسير : وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي لفظ لهما: «حديث : فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه»تفسير : . وأما ما أخرجه أبو داود، بإسناد جيد، من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه»تفسير : وقد أخرجه أيضاً بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وأخرجه أيضاً النسائي، فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عديّ بن حاتم، وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه الانتظار، وجاع فأكل من الصيد لجوعه، لا لكونه أمسكه على نفسه، فإنه لا يؤثر ذلك، ولا يحرم به الصيد، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وحديث عمرو بن شعيب، وهذا جمع حسن. وقال آخرون: إنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عديّ، وإن أكل غيره لم يحرم للحديثين الآخرين؛ وقيل: يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه، ثم عاد فأكل منه، وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح، ولم يسلكوا طريق الجمع لما فيها من البعد، قالوا: وحديث عديّ بن حاتم أرجح لكونه في الصحيحين. وقد قررت هذا المسلك في شرحي للمنتقى بما يزيد الناظر فيه بصيرة. قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } الضمير في {عَلَيْهِ } يعود إلى {مَا عَلِمْتُمُ } أي سموا عليه عند إرساله، أو لما أمسكن عليكم، أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه الآية. ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين، وغيرهما بلفظ: «حديث : إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله»تفسير : . وقال بعض أهل العلم: إن المراد التسمية عند الأكل. قال القرطبي: وهو الأظهر، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم، ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر. ومسألة غير هذه المسألة، فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ملجىء إلى ذلك، وفي لفظ في الصحيحين من حديث عديّ: «حديث : إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل»تفسير : . وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي، وهذا أقوى الأقوال وأرجحها. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي حسابه سبحانه، سريع إتيانه، وكل آت قريب. قوله: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى، وهي قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } وقد تقدّم بيان الطيبات. قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } الطعام اسم لما يؤكل، ومنه الذبائح، وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح. وفي هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، وتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ }تفسير : [الأنعام: 121]. وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال، وإن ذكر اليهوديّ على ذبيحته اسم عزير، وذكر النصرانيّ على ذبيحته اسم المسيح. وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت، وابن عباس والزهري وربيعة، والشعبي ومكحول. وقال عليّ وعائشة وابن عمر: إذا سمعت الكتابيّ يسمى غير الله فلا تأكل، وهو قول طاوس والحسن، وتمسكوا بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ }تفسير : [الأنعام: 121] ويدل عليه أيضاً قوله: {أية : وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [النحل: 115] وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم. فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، وأما مع عدم العلم فقد حكى الكيا الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية، ولما ورد في السنة من أكله صلى الله عليه وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية وهو في الصحيح، وكذا الجراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر، وعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصحيح، أيضاً وغير ذلك. والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى. وأما المجوس، فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل العلم، وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال أحمد بن حنبل: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه قال في المجوس: «حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب»تفسير : ، ولم يثبت بهذا اللفظ، وعلى فرض أن له أصلاً ففيه زيادة تدفع ما قاله، وهي قوله: "حديث : غير آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم"تفسير : . وقد رواه بهذه الزيادة جماعة ممن لا خبرة له بفنّ الحديث من المفسرين والفقهاء، ولم يثبت الأصل ولا الزيادة، بل الذي ثبت في الصحيح أن النبي أخذ الجزية من مجوس هجر، وأما بنو تغلب فكان عليّ بن أبي طالب ينهى عن ذبائحهم لأنهم عرب، وكان يقول: إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر، وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ وجذام، ولخم، وعاملة، ومن أشبههم. قال ابن كثير: وهو قول غير واحد من السلف والخلف. وروي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري إنهما كانا لا يريان بأساً بذبيحة نصارى بني تغلب. وقال القرطبي: وقال جمهور الأمة إن ذبيحة كل نصراني حلال، سواء كان من بني تغلب، أو من غيرهم، وكذلك اليهودي. قال: ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام يجوز أكله. قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب، وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم، بطريق الدلالة الالتزامية. قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } اختلف في تفسير المحصنات هنا، فقيل: العفائف، وقيل: الحرائر. وقرأ الشعبي بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. وقد تقدّم الكلام في هذا مستوفي في البقرة والنساء. والمحصنات مبتدأ، ومن المؤمنات وصف له، والخبر محذوف، أي حلّ لكم، وذكرهنّ هنا توطئة وتمهيداً لقوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } والمراد بهنّ: الحرائر دون الإماء، هكذا قال الجمهور، وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف أن هذه الآية تعمّ كل كتابية حرةّ أو أمة. وقيل: المراد بأهل الكتاب هنا الإسرائيليات، وبه قال الشافعي، وهو تخصيص بغير مخصص. وقال عبد الله بن عمر: لا تحلّ النصرانية، قال: ولا أعلم شركاً أكبر من أن تقول ربها عيسى، وقد قال الله {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ }تفسير : الآية [البقرة: 221]، ويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة للكتابيات من عموم المشركات فيبنى العام على الخاص. وقد استدل من حرّم نكاح الإماء الكتابيات بهذه الآية لأنه حملها على الحرائر، وبقوله تعالى {أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [النساء: 25] وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم وخالفهم من قال: إن الآية تعم أو تخصّ العفائف كما تقدّم. والحاصل أنه يدخل تحت هذه الآية الحرّة العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال، إلا على قول ابن عمر في النصرانية، ويدخل تحتها الحرّة التي ليست بعفيفة، والأمة العفيفة، على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا معنييه، وأما من لم يجوز ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر لم يقل بجواز نكاح الأمة، عفيفة كانت أو غير عفيفة، إلا بدليل آخر، ويقول بجواز نكاح الحرّة عفيفة كانت أو غير عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف قال بجواز نكاح الحرة العفيفة، والأمة العفيفة، دون غير العفيفة منهما. قوله: {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنّ} أي مهورهنّ، وجواب {إذا} محذوف أي فهنّ حلال، أو هي ظرف لخبر المحصنات المقدر أي حلّ لكم. قوله: {مُّحْصِنِينَ } منصوب على الحال، أي حال كونكم أعفاء بالنكاح، وكذا قوله: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } منصوب على الحال من الضمير في محصنين، أو صفة لمحصنين، والمعنى: غير مجاهرين بالزنا. قوله: {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } معطوف على {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } أو على {مُسَـٰفِحِينَ }. "وَلاَ" مزيدة للتأكيد، والخدن يقع على الذكر والأنثى، أي لم يتخذوا معشوقات، فقد شرط الله في الرجال العفة، وعدم المجاهرة بالزنا، وعدم اتخاذ أخدان، كما شرط في النساء أن يكنّ محصنات {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ } أي بشرائع الإسلام {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } أي بطل، {وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وقرأ ابن السميفع: «فقد حبط» بفتح الباء ا هـ. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي رافع؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بقتل الكلاب في الناس، فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } الآية. وأخرج ابن جرير عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضاً عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، أن عدّي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين، سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي؛ أن عدّي بن حاتم الطائيّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فذكر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ } قال: هي الكلاب المعلمة، والبازي والجوارح يعني الكلاب والفهود والصقور وأشباهها. وأخرج ابن جرير عنه قال: آية المعلم أن يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتي صاحبه. وأخرج عنه أيضاً قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. وأخرج عبد بن حميد عنه نحوه، وإذا أكل الصقر فلا تأكل لأن الكلب تستطيع أن تضر به والصقر لا تستطيع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه في قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: ذبائحهم، وفي قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } قال: حلّ لكم {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنّ} يعني مهورهنّ {مُّحْصِنِينَ } يعني تنكحونهنّ بالمهر والبينة {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } غير متغالين بالزنا {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } يعني يسرّون بالزنا. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُم} قال: أحلّ الله لنا محصنتين محصنة مؤمنة ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال. وأخرج ابن جرير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: المسلم يتزوّج النصرانية ولا يتزوج النصرانيّ المسلمة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال الحرائر. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: العفائف.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} يعني بالطيبات الحلال، وإنما سمي الحلال طيباً، وإن لم يكن مستلذاً تشبيهاً بما يستلذ. {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} يعني وصيد ما علمتم من الجوارح، وهي الكواسب من سباع البهائم والطير، سميت جوارح لكسب أهلها بها من قولهم: فلان جارحة أهله أي كاسبهم، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: شعر : ذا جبار منضجاً ميسمه يذكر الجارح ما كان اجترح تفسير : أي ما اكتسب. وفي قوله: {مُكَلِّبِينَ} ثلاثة أقاويل. أحدها: يعني من الكلاب دون غيرها، وأنه لا يحل إلا صيد الكلاب وحدها، وهذا قول ابن عمر، والضحاك، والسدي. والثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره، ومعناه مُضْرِين على الصيد كما تَضْرِي الكلاب، وهو قول ابن عباس، وعلي بن الحسين، والحسن، ومجاهد. والثالث: أن معنى التكليب من صفات الجارح: التعليم. {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا علَّمَكُمُ اللَّهُ} أى تعلمونهن من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم وصفات التعليم التي بيَّن حكمها لكم. فأما صفة التعليم، فهو أن يُشلَى إذا أُشلي، ويجيب إذا دعي ويمسك إذا أخذ. وهل يكون إمساكه عن الأكل شرطاً فى صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فإن أكلت لم تؤكل، وهذا قول ابن عباس، وعطاء. والثاني: أنه ليس بشرط فى كل الجوارح ويؤكل وإن أكلت، وهذا قول ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وسلمان. والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم فلا يؤكل ما أكلت، وليس بشرط في جوارح الطير، فيؤكل وإن أكلت، وهذا قول الشعبي، والنخعي، والسدي. واختلف فى سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: ما روى القعقاع بن حكيم عن سليمان بن أبي رافع عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه، فقال إذِنَّا لك، فقال أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب، قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاؤوا، فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها، قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ} الآية. والثاني: ما حكي أن زيد الخيل لَمَّا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه من الخير ما قال فسماه زيد الخير، فقال: يا رسول الله فينا رجلان، يقال لأحدهما دريح، والآخر يكنى أبا دجانة، لهما أَكْلُب خمسة تصيد الظباء، فما ترى في صيدها؟ وحكى هشام عن ابن عباس أن أسماء هذه الكلاب الخمسة التي لدريح وأبي دجانة: المختلس وغلاب والغنيم وسهلب والمتعاطي، قال: فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {الطَّيِّبَاتُ}: الحلال وإن لم يكن مستلذاً تشبيهاً بالمستلذ، قلت وهو بعيد إذ لا جواب فيه. {وَمَا عَلَّمْتُم} وصيد ما عَلَّمتم {الْجَوَارِحِ} الكواسب، فلان جارحة أهله أي كاسبهم {مُكَلِّبِينَ} بالكلاب وحدها فلا يحل إلا صيد الكلب، أو بالكلاب وغيرها أي مُضَرِّين على الصيد كما تُضَرَّى الكلاب، أو التكليب من صفة الجارح المعلَّم {تُعَلِّمُونَهُنَّ} من طلب الصيد {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} من تأديبه فإن أَكَلَ الجارحة من الصيد فيحل، أو لا يحل، أو يحل في جوارح الطير دون السباع. لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فسكت فنزلت، أو سأله زيد الخير فقال يا رسول الله، فينا رجلان يقال لأحدهما ذَريح والآخر يكنى أبا دجانة لهما أكلب خمسة تصيد الظباء فما ترى في صيدها؟ فنزلت.
النسفي
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ } في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحل لهم. وإنما لم يقل «ماذا أحل لنا» حكاية لما قالوا، لأن «يسألونك» بلفظ الغيبة كقولك «أقسم زيد ليفعلن» ولو قيل «لأفعلن» وأحل لنا لكان صواباً. و«ماذا» مبتدأ و «أحل لهم» خبره كقولك «أي شيء أحل لهم» ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلى عليهم ما حرم عليه من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها فقال: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } أي ما ليس بخبيث منها أو هو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس {وَمَا عَلَّمْتُمْ } عطف على «الطيبات» أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف، أو تجعل «ما» شرطية وجوابها «فكلوا» {مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } أي الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين، وقيل: هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح {مُكَلِّبِينَ } حال من «علمتم». وفائدة هذه الحال مع أنه استغنى عنها بـ «علمتم» أن يكون من يعلم الجوارح موصوفاً بالتكليب، والمكلب مؤدب الجوارح ومعلمها مشتق من الكلب، لأن التأديب في الكلاب أكثر فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه، أو لأن السبع يسمى كلباً ومنه الحديث «حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك»تفسير : فأكله الأسد. {تُعَلِّمُونَهُنَّ } حال أو استئناف ولا موضع له. وفيه دليل على أن على كل آخذ علماً أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله. {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } من التكليب {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه، فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرمه وقد عرف في موضعه. والضمير في {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } واحذروا مخالفة أمره في هذا كله {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } إنه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لبث. {ٱلْيَوْمَ } الآن {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ } كرره تأكيداً للمنة {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لوكان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } هن الحرائر أو العفائف، وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير العفائف. وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم وهو معطوف على «الطيبات» أو مبتدأ والخبر محذوف أي والمحصنات من المؤمنات حل لكم {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } هن الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات {إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أعطيتموهن مهورهن {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } متزوجين غير زانين {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } صدائق والخدن يقع على الذكر والأنثى {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ } بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم {فَقَدْ حَبِطَ } بطل {عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يسألونك ماذا أحل لهم} روى الطبري بسنده عن أبي رافع قال:حديث : "جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه فأذن له فلم يدخل فقال: قد أذِنَّا لك يا رسول الله قال أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب". قال أبو رافع فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحلَّ لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} . تفسير : وروي عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب فقتل حتى بلغ العوالي فدخل عاصم وسعد بن أبي خيثمة وعويمر بن ساعدة على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماذا أحل لنا فنزلت: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} قال ابن الجوزي: وأخرج حديث أبي رافع الحاكم في صحيحه قال البغوي: فلما نزلت هذه الآية أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أمسك كلباً فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية" تفسير : ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم" تفسير : وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير قالا: يا رسول الله إنَّا قوم نصيد بالكلاب وبالبزاة فماذا يحل لنا فنزلت هذه الآية. قال البغوي: وهذا القول أصح في سبب نزولها. وأما التفسير فقوله تعالى يسألونك يعني يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل كأنهم لما تلا عليهم من خبائث المآكل ما تلا سألوا عما أحل لهم {قل أحل لكم الطيبات} يعني قل لهم يا محمد أحل لكم الطيبات يعني: ما ذبح عن اسم الله عز وجل. وقيل: الطيبات كل ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة. واعلم: أن العبرة في الاستطابة والاستلذاذ بأهل المروءة والأخلاق الجميلة من العرب، فإن أهل البادية منهم يستطيبون أكل جميع الحيوانات فلا عبرة بهم لقوله تعالى: {أية : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}تفسير : [الأعراف: 157] فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت هذه الآية الكريمة نصاً فيما يحل ويحرم من الأطعمة. وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} يعني وأحل صيد ما علمتم من الجوارح فحذف ذكر الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه ولأنهم سألوا عن الصيد وقيل: إن قوله وما علمتم من الجوارح ابتداء كلام خبره فكلوا مما أمسكن عليكم وعلى هذا القول يصح معنى الكلام من غير إضمار. والجوارح: جمع جارحة وهي الكواسب من: السباع والطير كالفهد والنمر والكلب والبازي والصقر والعقاب والشاهين والباشق من الطير مما يقبل التعليم سميت جوارح من الجرح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه وقيل: سميت جوارح لأنها تكسب. والجوارح: الكواسب من جرح واجترح إذا اكتسب ومنه قوله تعالى: {أية : الذين اجترحوا السيئات}تفسير : [الجاثية: 21] يعني اكتسبوا وقوله ويعلم ما جرحتم بالنهار أي اكتسبتم مكلبين يعني معلمين. والمكلب: هو الذي يغري الكلاب على الصيد. وقيل: هو مؤدِّب الجوارح ومعلمها وإنما اشتق له هذا الاسم من الكلب، لأنه أكثر احتياجاًً إلى التعليم من غيره من الجوارح. {تعلمونهن} يعني تعلمون الجوارح الاصطياد {مما علمكم الله} يعني من العلم الذي علمكم الله، ففي الآية دليل على أنه لا يجوز صيد جارحة ما لم تكن معلمة. وصفة التعليم هو أن الرجل يعلم جارحة الصيد وذلك أن يوجد فيها أمور منها: أنه إذا أشليت على الصيد استشلت وإذا زجرت انزجرت وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل منها شيئاً ومنها أن لا ينفر منه إذا أراده وأن يجيبه إذا دعاه فهذا هو تعليم جميع الجوارح فإذا وجد ذلك منها مراراً كانت معلمة وأقلها ثلاث مرات فإنه يحل قتلها إذا جرحت بإرسال صاحبها (ق). عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال "حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالط كلاباً لم يذكر اسم الله عليه فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم علىغيره ". تفسير : وفي رواية: فإنك لا تدري أيها قتل وسألته عن الصيد المعراض، فقال: إذا أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكُلْ فإن وقع في المال فلا تأكل. واختلف العلماء فيما إذا أخذت الكلاب الصيد وأكلت منه شيئاً فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول عطاء وطاوس الشعبي وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أصح قول الشافعي ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه"تفسير : ورخص بعضهم في أكله يروي ذلك عمر وسلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وبه قال مالك لما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب "حديث : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه" تفسير : أخرجه أبو داود. وأما غير المعلم من الجوارح إذا أخذت صيداً أو المعلم إذا خرج بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل فإنه لا يحل إلا أن يدركه حياً فيذبحه فيحل (ق). حديث : عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله أنا بأرض قوم أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: "أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" . تفسير : وقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} دخلت من في قوله مما للتبعيض لأنه إنما أحل أكل بعض الصيد وهو اللحم دون الفرث والدم. وقيل: من زائدة فهو كقوله تعالى: {أية : كلوا من ثمره إذا أثمر}تفسير : [الأنعام: 141] {واذكروا اسم الله عليه}. قال ابن عباس: يعني إذا أرسلت جارحك فقل بسم الله وإن نسيت فلا حرج. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعدي: "حديث : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل" تفسير : فعلى هذا يكون الضمير في عليه عائد إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا الله عليه عند إرساله. وقيل: الضمير عائد إلى ما أمسكن عليكم. والمعنى: سموا الله عليه إذا أدركتم ذكاته. وقيل: يحتمل أن يكون الضمير عائد إلى الأكل يعني واذكروا اسم الله عليه عند الكل فعلى هذا تكون للتسمية شرطاً عند إرسال الجوارح وعند إرسال الذبيحة وعند الأكل وسيأتي بيان هذه المسألة في سورة الأنعام عند قوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه {واتقوا الله} يعني واحذروا مخالفة الله يعني فيما أحل لكم وحرم عليكم {إن الله سريع الحساب} يعني إذا حاسب عباده يوم القيامة ففيه تخويف لمن خالف أمره وفعل ما نهاه عنه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ}: سببُ نزولها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أمر بقَتْل الكلابِ. سأله عاصمُ بنُ عَدِيٍّ وغيره، مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الكِلابِ. قال * ع *: وظاهر الآية أنَّ سائلاً سأل عمَّا يحلُّ للنَّاسِ من المَطَاعِمِ؛ لأنَّ قوله تعالَىٰ: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ} ليس بجوابٍ عمَّا يحِلُّ للناسِ ٱتخاذُهُ من الكلاَبِ إلاَّ أنْ يكون مِنْ باب إجَابَةِ السائلِ بأكثر ممَّا سأَلَ عنه، وهو موجودٌ كثيراً من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والطَّيِّبُ: الحَلاَل. وقوله سبحانه: {وَمَا عَلَّمْتُمْ}: أي: وصَيْدُ ما علَّمتم، قال الضَّحَّاك وغيره: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}: هي الكلاَبُ خاصَّةٌ. قال العِرَاقِيُّ في «مكلِّبين»: أصحاب أَكْلُبٍ لها مُعَلِّمين. انتهى، وأعلَىٰ مراتِبِ التَّعْلِيمِ، أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِي، ويُدْعَىٰ فَيُجِيب، ويُزْجَر بَعْد ظَفَرِهِ بالصَّيْد، فينزجر، وجوارِحُ: جمع جَارِحٍ، أي: كاسب، يقال: جَرَحَ فلانٌ، وٱجْتَرَحَ؛ إذا ٱكْتَسَبَ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام:60]، أي: ما كَسَبْتُمْ مِنْ حسنةٍ وسيئةٍ. قال * ع *: وقرأ جمهورُ النَّاس: {وَمَا عَلَّمْتُمْ} ـــ بفتح العين واللامِ ـــ، وقرأ ابنُ عبَّاس ومحمَّدُ بْنُ الحنفيَّة: «عُلِّمْتُمْ» ـــ بضم العين وكسر اللام ـــ: أي: من أمرِ الجوارحِ، والصَّيْدِ بِها، وقرأ جمهورُ النَّاس: «مُكَلِّبِينَ» ـــ بفتح الكاف وشَدِّ اللام ـــ، والمُكَلِّبُ: معلِّم الكلابِ، ومُضَرِّيَها، ويقال لِمَنْ يعلِّم غَيْرَ كَلْبٍ: مُكَلِّب؛ لأنه يَرُدُّ ذلك الحيوان كالكَلْبِ. وقوله سبحانه: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}: أيْ: تعلمونَهُنَّ الحِيلَةَ في الاِصطياد، والتأتي لتحصيلِ الحيوانِ، وهذا جزءٌ مما علمَّه الإنسان، فـ «مِنْ»: للتبعيض. وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}: يحتملُ: ممَّا أمسكْنَ، فلم يأكلْنَ منه شيئاً، ويحتملُ: ممَّا أمسكْن، وإن أكلْنَ منه، وبحَسَبِ هذا الاحتمالِ اختلف العلماءُ في جواز أكْلِ الصيد، إذا أكل منه الجارحُ. وقوله سبحانه: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}: أمر بالتسمية عنْدَ الإِرسال، وذهب مالكٌ وجمهورُ العلماء؛ أنَّ التسمية واجبةٌ، مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسْيَان، فمن تركَهَا عامداً، فقد أفْسَدَ الذبيحةَ والصَّيدَ، ومن تَرَكها ناسياً، سمَّىٰ عند الأكْلِ، وكانَتِ الذبيحةُ جائزةً، وفِقْهُ الصيْدِ والذبْحِ في معنى التسميةِ ـــ واحدٌ. ثم أمر سبحانه بالتقوَىٰ على الجُمْلة، والإشارة إلَىٰ ما تضمَّنته هذه الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والنواهِي، وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}: وعيدٌ وتحذيرٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} الآية. وهذا أيضاً مُتَّصِلٌ بما قَبْلَهُ من ذِكْرِ المطعُومَاتِ، وقد تقدم الكلامُ على "مَاذَا" [وما قيل فيها فليلتفت إليه]. وقوله: "لَهُمْ" بلفظ الغَيْبَةِ لتقدمِ ضَميرِ الغَيْبةِ في قوله تعالى: "يَسْألُونَكَ". ولو قيل في الكلام: ماذا أحِلَّ لنا؟ لكان جائزاً على حكايةِ الجملةِ، كقولك: أقْسَمَ زَيْدٌ ليَضرْبَنَّ ولأضربَنَّ، بلفظ الغيبة والتكلمِ، إلا أن ضمير المتكلّمِ يَقْتَضي حكايةَ ما قالوا: كما أن "لأضربن" يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها، و"ماذا أحِلّ؟" هذا الاستفهامُ معلّق للسؤال، وإن لم يكن السؤالُ من أفعالِ القُلُوبِ إلاَّ أنَّهُ كان سبب العلم، والعلم يعلق، فكذلك سببهُ، وقد تقدم تحريره في "البقرة". وقال الزمخشري هنا: في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده ماذا أحل لهم، كأنه قيل: يقولون: ماذا أحل لهم، ولا حاجة إلى تضمين السؤال معنى القول؛ لما تقدم من أن السؤال يعلق بالاستفهام كمسببه. وقال ابن الخطيب: لو كان حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا: ماذا أحلَّ لهم، ومعلوم أن ذلك باطل لا يقولونه، وإنما يقولون ماذا أحِلَّ لنا، بل الصحيح أنه ليس حكاية لكلامهم، بل هو بيان كيفية الواقعة. قال القُرْطُبي: "مَا" فِي مَوْضِعِ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ "أحِلَّ لَهُمْ"، و"ذَا" زَائِدَةٌ وإنْ شِئْتَ كانت بمعنى "الذي"، ويكون الخبر {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}. فصل في سبب نزولها قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: نزلت هذه الآيةُ في عديّ بْنِ حَاتِم، وَزَيْدِ بْنِ المُهَلْهِلِ [الطائيين وهو] زَيْدُ الخيل الذي سمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم زيد الخيْرِ، فقال: "يا رسول الله، إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بالكِلاَبِ، والبزاةِ، فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا منها؟". فنزلت هذه الآية. وقيل: سببُ نزولِها أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلابِ، قالوا: يا رسول اللَّهِ، ماذا يحلُّ لنا من هذه الأمَّةِ التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية، فلما نزلت أذِنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في اقتناءِ الكِلابِ التي يُنْتَفَعُ بها، وَنَهَى عن إمْسَاكِ مَا لاَ يُنْتَفَعُ بها. قوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} يعني: الذَّبَائح على اسم الله عزَّ وجلَّ. وقيل: كلُّ ما تستطيبه العرب وتستلذُّه من غير أن يراد بتحريمه نصٌّ من كتاب أو سنة، وكانت العرب في الجاهليةَ يحرمون أشياء [من الطيبات] كالبحيرَة والسَّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، والحامِ، فهم كانوا يستطيبونها إلا أنَّهُم كانوا يحرِّمُونَ أكلها لِشُبُهَاتٍ ضعيفة، فذكر تعالى أن كلَّ ما يُسْتَطَابُ فهو حلال، وأكَّدَهُ بقوله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} تفسير : [الأعراف: 32] وبقوله: {أية : وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157]، والطَّيب في لغةِ العرب هو المستلذُّ والحلالُ المأذُونُ، يصير - أيضاً - طَيّباً تشبيهاً بما هو مستلذ؛ لأنَّهُما اجتمعا في انتفاء الضَّرورة، ولا يمكن أن يكونَ المرادُ بالطيِّبَاتِ هنا المحللات وإلا لصار تقديرُ الآية: قل [أحِلَّ] لكم المحللات، وهذا ركيك، فوجب حمل الطيبات على المستلذِّ المشتهى. واعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة؛ فإنَّ أهل البادية يستطيبون أكلَ جميع الحيوانات، واعلمْ أنَّ قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29] يقتضي التَّمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلا أنَّهُ ورد تخصيصه بقوله: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157]، ونص في هذه الآية على إبَاحَةِ المستلذات والطيبات، وهذا أصل كبير في معرفة ما يحلُّ وما يحرمُ من الاطعمة. قوله سبحانه: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} في "ما" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي [ما] علمتموه، ومحلها الرفع عطفاً على مرفوع ما لم يُسَمَّ فاعله أي: وأحل لكم صَيْدُ أو أخذ ما علمتم، فلا بد من حذف هذا المضاف. والثاني: أنَّهَا شرطيّة فمحلها رفع بالابتداء، والجوابُ قوله: "فَكُلُوا". قال أبو حيان: وهذا أظهرُ؛ لأنَّه لا إضمار فيه. والثالث: أنَّهَا موصولة - أيضاً - ومحلُّها الرفع بالابتداء، والخبر قوله: "فَكُلُوا" وإنَّمَا دخلت الفاء تَشَبُّهاً للموصول باسْمِ الشَّرْطِ، وقوله: من الجَوَارِحِ في محَلِّ نصب، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الموصول وهو "ما". والثاني: أنَّهُ الهاء العائدة على الموصول، وهو في المعنى كالأوَّل. والجوارح: جمع جارحة، والهاء للمبالغة سميت بذلك؛ لأنَّهَا تجرح الصيد غالباً، أو لأنَّهَا تكسب والجرح الكَسْب. ومنه: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام: 60] والجارحة صفة جارية مجرى الأسماء؛ لأنَّهَا لم تذكر موصوفها غالباً. وقرأ عبد الله بن عبَّاس، وابن الحنفية "عُلِّمْتُمْ" مبنياً للمفعول، وتخريجها: أن يكون ثَمَّ مضافٌ محذوف، أي: وما علّمكم الله من أمر الجوارح ["مكلبين": حال من فاعل "علمتم" ومعنى مكلبين: مؤدبين ومضرين ومعوِّدين، أي: حال تكليبكم] هذه الجوارح، أي: إغرائكم إياها على الصَّيد. قال أبو حيَّان: وفائدة هذه الحال، وإن كانت مؤكدة لقوله: "عَلَّمتم" - فكان يستغنى عنها - أن يكون المعلم ماهراً بالتعليم، حاذقاً فيه موصوفاً به اهـ. وفي جعله هذه الحال مؤكدةً نظر، بل هي مؤسسة. واشتُقَّت هذه الحالُ من لفظ "الْكَلْب" هذا الحيوان المعروف، وإن كانَتِ الجوارحُ يندرج فيها غيره حتى سِبَاعُ الطيور تغليباً له؛ لأنَّ الصَّيْدَ أكثر ما يكون به عند العَرَبِ. أو اشتقت من "الكَلَب"، وهو الضَّراوة، ويقال: هو كَلِبٌ بكذا أي: حريص، وبه كَلَبٌ أي حِرْصٌ، وكأنه - أيضاً - مشتقّ من الكَلْبِ هذا الحيوان لحرصه أو اشتقت من الكَلْبِ، والكَلْبُ: يطلق على السَّبُع - أيضاً -. ومنه الحديث: "حديث : اللهُمَّ سَلِّطْ عليهِ كَلْباً مِنْ كِلابِكَ" تفسير : فأكله الأسَدُ. قال أبو حيَّان: وهذا الاشتقاق لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كونَ الأسَدِ كَلْباً هو وصف فيه، والتكليب من صفة المعلّم، والجوارح هي سِباعٌ بنفسها، وكلاب بنفسها لا بجعل المُعَلِمِّ، ولا طَائِلَ تحت هذا الرَّدِّ. وقرئ "مُكْلِبين" بتخفيف اللام، وفَعَّل وأفعل قد يشتركانِ في معنى واحد، إلا أنَّ "كَلَّب" بالتَّشْدِيدِ معناه: عَلَّمها وضَرَّاها، وأكْلب معناه صار ذا كِلاَب. على أن الزجاج قال: يقال: رجلُ مُكلِّب يعني بالتشديد، ومُكْلِب يعني [من] أكلب وكلاّب يعني بتضعيف اللام أي: صاحب كِلاَبٍ. وجاءت جملة الجواب هنا فعلية، وجملة السؤال هنا اسمية، وهي ماذا أحل؟ فهي جواب لها من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ؛ إذ لم يتطابقا في الجِنْس. والكلاَّب والمكلِّب هو الذي يعلم الكلاب الصيد. فمكلِّب صَاحِب الكلابِ كمعلِّم: صاحبِ التَّعليم، ومؤدِّب: صاحب التّأديب. فصل معنى الآيةِ وأحِلَّ لكم صَيْدُ ما علمتم من الجوارحِ. واختلفُوا في هذه الجَوَارحِ، فقال الضَّحاكُ والسُّدِّيُّ: [هي] الكلاب دون غَيْرِهَا، ولا يحلُّ ما صاده غير الكلب إلا أن يُدرِكَ ذكاته، ولا عملَ على هذا، بل عامَّةُ أهلِ العلمِ على أنَّ المرادَ من الجَوَارِحِ الكواسب من سباع البَهَائِمِ كالفهد، والنمر، والكلب، ومن سباعِ الطَّيْر كالبازي والعُقابِ والصَّقْرِ ونحوها مما يقبل التعليم فيحلُّ صيد جميعها. قوله سبحانه وتعالى: "تُعَلِّمُونَهُنَّ" فيه أربعةُ أوْجُهٍ: أحدها: أنَّهَا جُملةٌ مستأنَفَةٌ. الثاني: أنَّهَا جملة في محلِّ نصبٍ على أنَّها حال ثانية من فاعل "عَلَّمتُم". ومنع أبُو البقاء ذلك؛ لأنَّه لا يجيز للعامل أنْ يعمل في حالين، وتقدَّم الكلامُ في ذلك. الثالث: أنَّها حال من الضَّميرِ المستكنِّ في "مكلِّبين" فتكونُ حالاً من حالٍ، وتُسمَّى المتداخلة وعلى كلا التقديرين المتقدمين فهي حال مؤكِّدة؛ لأن معناها مفهوم من "علمتم"، ومِنْ "مُكَلِّبين". الرابعُ: أن تكون جملةً اعتراضيةً، وهذا على جَعْلِ ما شرطيّة أو موصولة خبرها "فَكُلُوا" فيكونُ قد اعترض بين الشَّرْط وجوابه، أو بين المبتدأ وخبره. فإن قيل: هَلْ يجوز وجهٌ خَامِسٌ، وهو أن تكون هذه الجملة حالاً من "الجَوَارِحِ"، أو من الجوارح حال كوْنِهَا تُعلمُونَهُنَّ؛ لأنَّ في الجملة ضمير ذِي الحلالِ؟ فالجوابُ: أنَّ ذلك لا يجوزُ لأنه يؤدِّي إلى الفَصْلِ بين هذه الحال وبين صاحبها بأجنبِيٍّ، وهو مُكَلِّبينَ الذي هو حال من فاعل "علمتم". وأنث [الضمير في "تُعَلِّمُونَهُنَّ"] مراعاة للفظِ الجوارحِ؛ إذْ هو جمع جارحةٍ، ومعنى "تُعَلِّمُونَهُنَّ" تؤدبونهن أدبَ أخذ الصَّيد، {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} أي من العلم الذي "عَلَّمَكُمُ اللَّهُ". وقال السُّدِّيُّ: أي كما علَّمكم الله، "من" بمعنى الكاف، والمقصودُ منه المبالغة في التَّعظيم. قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} في "مِنْ" وجهان: أظهرهما: أنَّهَا تبعيضيَّة؛ لأنَّ الدمّ والريش لا يُؤكلُ، كقوله: {أية : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} تفسير : [الأنعام: 141] وهي صفة لموصوف محذوف هو مفعول الأكْلِ، أي: فكلوا شيئاً مما أمسكن عليكم. والثاني: أنَّها زائدةٌ لا تزاد في الإثْبَاتِ، وإنَّما تزاد في النَّفْيِ والاسْتِفْهَامِ، وهو قياسُ قول الأخْفَشِ. قال القُرْطُبِيُّ: وخَطَّأهُ البصرِيُّونَ فَقَالُوا: "مِنْ" لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام فعلى الأوَّلِ تتعلَّق بمحذوف، وعلى الثاني لا تعلق لها، و"ما" موصولة أو نكرة موصوفة، والعَائِدُ محذوفٌ، على كلا التَّقديرين، أي: أمْسَكنه كما تقدَّمَ، والنُّون في "أمْسَكْنَ" للجوارح، و"عَلَيْكُمْ" متعلق بـ "أمْسَكْنَ"، والاستعلاء هنا مجاز. فصل معنى الكلام أنَّ الجارحة المعلَّمة إذا خرجت بإرسال صاحبها فأخذت الصَّيد وقتلته حلَّ، والتعليم هو أن يوجد فيه ثلاثة أشْيَاء إذا أشليت استَشْلَتْ، وإذَا زُجِرَتْ انزَجَرَتْ، وإذا أخذت الصَّيدَ [أمْسَكَت] ولم تأكل، فإذا وجد منها ذلك مراراً وأقله ثلاثُ مرَّات كانت معلّمة، يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحِبها لما روي عن عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أرسلت كلبك المعلّم وسمّيت فأمسك وقتل فَكُل وإن أكل فلا تأكل فإنَّما أمسك على نفسه، فإذا خالط كلاباً لم يذكر اسم الله عليه فأمسكته وقتلته فلا تَأكُلْ، فإنَّكَ لا تدري أيُّها قتل وَإذَا رميتَ الصَّيْد فوجدته بَعْدَ يوم، أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فَكُلْ وإذا وقع في الماء فلا تَأكُل، فإنَّكَ لا تدري الماء قَتَلَهُ، أو سهمك ". تفسير : واختلفوا فيما أخذت الصَّيد، وأكلت منه شيئاً، فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه. وروي [ذلك عن] ابْنِ عبَّاس، وهو قول عطاءٍ وطاوُس والشَّعْبي، وبه قال الثَّوْرِي وابن المبارك وأصحاب الرّأي، وأصحُّ قولي الشَّافعي - رضي الله عنه - لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : فإنْ أكَلَ فلا تأكل، فإنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِه" تفسير : ورخص بعضهم في أكله، رُوِيَ ذلك عن ابْنِ عُمَرَ وسلمانَ الفارسيِّ وسعد بْنِ أبي وقاص، وقال مالك: لما روي عن [أبي] ثعلبةَ [الخشني] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ، وإنْ أكَلَ مِنْهُ ". "حديث : وروي أن أبا ثَعْلَبَة الخشني قال: قلتُ يا نبيَّ الله: إنَّا بأرْضِ قَوْمٍ مِنْ أهْل كِتَابٍ، أفَنَأكُلُ فِي آنِيتِهِمْ؟ وبَأرْضِ صَيْدٍ أصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الذي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وبِكَلْبِي المُعَلَّمِ فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قال: "أمَّا ما ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَة [أهْلِ الكِتَابِ] فإنْ وَجَدْتُم غيْرَهَا فَلا تَأكُلُوا فيها، وإنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرهَا فاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ فَكُلْ. وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فذكرت اسمَ اللَّهِ عليْهِ فَكُلْ، وما صِدتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمِ فأدْرَكْتَ ذَكَاتُه فَكُل" ". تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} في هذه الهاء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها عائدة على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكْلُ، كأنَّه قيل: واذكروا اسم الله على الأكل، ويؤيده قوله عليه السلامُ: "حديث : سَمِّ الله وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ". تفسير : والثاني: أنَّه يُعود على "مَا عَلَّمتُم"، أي: اذكروا اسم اللَّهِ على الجوارح عند إرسالها على الصيد، وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وذكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ". تفسير : والثَّالِثُ: أنها تعود على "ما أمْسَكْن" أي: اذكروا اسْمَ الله على ما أدركتم [ذكاته مما أمسكته] عليكم الجوارح، وحتى على هذا الإعراب وجوب اشتراط التسمية في هذه المواضع. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. أي: واحذروا مُخالفَةَ أمر اللَّهِ في تحليل ما حلَّله وتحريم ما حرَّمه. فصل قال القُرطُبِيُّ: دلَّت الآية على جواز اتخاذ الكِلابِ واقتنائها للصَّيْدِ، وثبتَ ذلك في صَحِيحِ السُّنَّةِ، وزادت الحرث والماشِيَة، وقدْ كَانَ [في] أوَّل الإسلامِ أمر بقتل الكلاب، وقال: "حديث : من اقْتَنَى كَلْباً إلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أو صَيْدٍ نَقُصَ مِنْ عملِه كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ ". تفسير : قال القرطبيُّ: وهذا المنعُ إمَّا لترويعه المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه. أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته على مذهب من يرى ذلِكَ، وإما لاقتحام النهي على اتخاذ ما لا منفعة فيه. فصل قال القرطبي: وفي الآيَةِ دليلٌ على أنَّ العالِمَ له من الفضيلة ما ليس للجاهل، لأنّ الكلبَ المُعَلَّمِ له فضيلة على سَائِر الكلاب، فالإنْسَانُ إذا كان له عِلْمٌ أولى.
البقاعي
تفسير : ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة، وختم ذلك بهذه الرخصة، "وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الكلاب" وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب، وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالاً مطلقاً لا بقيد الرخصة، إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، فقال الناس: يا رسول الله! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى: {يسئلونك}". ولما كان هذا إخباراً عن غائب قال: {ماذا أحل لهم} دون "لنا" قال الواحدي: أي من إمساك الكلاب وأكل الصيود وغيرها، أي من المطاعم، ثم قال الواحدي: رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، وذكر المفسرون شرح هذه القصة، قال: قال أبو رافع رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه، فأذن له فلم يدخلن فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أذنا لك! قال: أجل يا رسول الله! ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب، فنظر فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلا قتلته، حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الكلاب جاء أناس فقالوا: يا رسول الله! ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه، وأمر بقتل الكلاب الكلب والعقور ما يضر ويؤذي، ورفع القتل عما سواها مما لا ضر فيه، وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين رضي الله عنهما، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وذلك أنهما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: "يا رسول الله! إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل درع وآل أبي حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما يقتل فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يسئلونك} الآية {الطيبات} يعني الذبائح، و {الجوارح} الكواسب من الكلاب وسباع الطير" انتهى. فإذا أريد كون الكلام على وجه يعم قيل: {قل} لهم في جواب من سأل {أحل} وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين {لكم الطيبات} أي الكاملة الطيب، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر، من ذوي الطباع السليمة مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها، وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم {وما} وهو على حذف مضاف للعلم به، فالمعنى: وصيد ما {علمتم من الجوارح} أي التي من شأنها أن تجرح، أو تكون سبباً للجرح وهو الذبح، أو من الجرح بمعنى الكسب {أية : ويعلم ما جرحتم بالنهار} تفسير : [الأنعام: 60] وهو كواسب الصيد من السباع والطير، فأحل إمساكها للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم، قال الشافعي: والكلب لا يصير معلماً إلا عند أمور: إذا أشلى استشلى، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل، وإذا دعي أجاب، وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم، ولم يذكر حداً لأن الاسم إذا لم يكن معلوماً من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم، لأن التأديب فيها أكثر فقال: {مكلبين} أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ذلك، قالوا: وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريراً في علمه موصوفاً به، وأكد ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال: {تعلمونهن} وحوشاً كنَّ أو طيوراً {مما علمكم الله} أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب، فأفاد ذلك أن على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النجارين إبهامه! ثم سبب عن ذلك قوله: {فكلوا}. ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال: {مما أمسكن} أي الجوارح مستقراً إمساكها {عليكم} أي على تعليمكم، لا على جبلتها وطبيتعها دون تعليمكم، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ذكاته، وأما ما أمسك الجارح على أي مستقراً على جبلته وطبعه، ناظراً فيه إلى نفاسه نفسه فلا يحل {واذكروا اسم الله} أي الذي له كل شيء ولا كفوء له {عليه} أي على ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ذكاته، لتخالفوا سنة الجاهلية وتأخذوه من مالكه، وقد صارت نسبة هذه الجملة. كما ترى. إلى {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : [المائدة: 3] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه، وإلى مفهوم غير محلي الصيد وانتم حرم نسبة الشرح. ولما كان تعليم الجوارح أمراً خارجاً عن العادة في نفسه وإن كان قد كثر، حتى صار مألوفاً، وكان الصيد بها أمراً تُعجب شرعته وتهز النفوس كيفيتُه، ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار الاستحقاق من الثواب والعقاب، فقال محذراً من إهمال شيء مما رسمه: {واتقوا} أي حاسبوا أنفسكم واتقوا {الله} أي عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء فيما أدركتم ذكاته وما لم تدركوها، وما أمسكه الجارح عليكم وما أمسكه على نفسه - إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من غلبت عليه مهابة الله واستشعر خوفه، فاتقاه فيما أحل وما حرم، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الجامع لمجامع العظمة {سريع الحساب *} أي عالم بكل شيء وقادر عليه في كل وقت، فهو قادر على كل جزاء يريده، لا يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن شأن.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي رافع قال: "حديث : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له، فأبطأ فأخذ رداءه فخرج، فقال: قد أذنا لك! قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، وجاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوراح مكلبين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسل الرجل كلبه، وذكر اسم الله فأمسك عليه، فليأكل مالم يأكل ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عكرمة. أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالي، فدخل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت {يسئلونك ماذا أحل لهم..} الآية. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال "لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله، ماذا أحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت {يسئلونك ماذا أحل لهم..} الآية". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: "يا رسول الله، قد حرم الله الميتة. فماذا يحل لنا؟ فنزلت {يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات}". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عامر. أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن صيد الكلاب، فلم يدرِ ما يقول له حتى أنزل الله عليه هذه الآية في المائدة {تعلمونهن مما علمكم الله}. وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير عمن حدثه، حديث : أن رجلاً من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ من لحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلغ من ذلك شيئاً، فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أرويت أهلك غبوقاً من الليل فاجتنب ماحرم الله عليك من طعام، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس فيه حرام" . تفسير : وأخرج الطبراني عن صفوان بن أمية، حديث : أن عرفطة بن نهيك التميمي قال: "يا رسول الله، إني وأهل بيتي يرزقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة، وهو مشغلة عن ذكر الله وعن الصلاة في جماعة، وبنا اليه حاجة، أفتحله أم أحرمه؟ قال: أحله، لأن الله قد أحله نعم العمل، والله أولى بالعذر، قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطادون ويطلبون الصيد، ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها، وحبك ذكر الله وأهله، وابتغ على نفسك وعيالك حلالاً، فإن في ذلك جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله في صالح التجار ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {وما علمتم من الجوارح مكلبين} قال: هي الكلاب المعلمة، والبازي يعلم الصيد، والجوارح يعني: الكلاب، والفهود، والصقور، وأشباهها {والمكلبين} الضواري {فكلوا مما أمسكن عليكم} يقول: كلوا مما قتلن، فإن قتل وأكل فلا تأكل {واذكروا اسم الله عليه} يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل بسم الله، وإن نسيت فلا حرج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {من الجوارح مكلبين} قال: الطير، والكلاب. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {من الجوارح مكلبين} قال: يكالبن الصيد {فكلوا مما أمسكن عليكم} قال: إذا أرسلت كلبك أو طائرك أو سهمك فذكرت اسم الله فأمسك أو قتل فكل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في المسلم يأخذ كلب المجوسي المعلم، أو بازه، أو صقره، مما علمه المجوسي، فيرسله فيأخذه. قال: لا يأكله وإن سميت؛ لأنه من تعليم المجوسي، وإنما قال {تعلمونهن مما علمكم الله}. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {وما علمتم من الجوارح} قال: كُلّ ما {تعلمونهن مما علمكم الله} قال: تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إنما المعلم من الكلاب أن يمسك صيده فلا يأكل، كل منه حتى يأتيه صاحبه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. وأخرج ابن جرير حديث : عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي. قال: "ما أمسك عليك فكل" . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم حديث : عن عدي بن حاتم قال " قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة واذكر اسم الله؟ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسكن عليك. قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم حديث : عن عدي بن حاتم قال: قلت "يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: يحل لكم {ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} ثم قال: ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، مالم يأكل هو الذي أمسك. قلت: إنا قوم نرمي، فما يحل لنا؟ قال: ما ذكرت اسم الله وخزقت فكل" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحكم أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أرأيت إذا أرسلت كلبي وسميت فقتل الصيد، آكله؟ قال: نعم. قال نافع: يقول الله {إلا ما ذكيتم} تقول أنت: وإن قتل! قال: ويحك يا ابن الأزرق...! أرأيت لو أمسك على سنور فأدركت ذكاته، أكان يكون على يأس؟ والله إني لأعلم في أي كلاب نزلت: في كلاب نبهان من طي، ويحك يا ابن الأزرق...! ليكونن لك نبأ. وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أمسك عليك الذي ليس بمكلب فأدركت ذكاته فكل، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه، والصقر لا تستطيع. وأخرج عبد بن حميد عن عروة أنه سئل عن الغراب، أمن الطيبات هو؟ قال: من أين يكون من الطيبات، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقاً؟!.
ابو السعود
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} شروع في تفصيل المحلَّلاتِ التي ذَكَر بعضَها على وجه الإجمال إِثْرَ بـيانِ المحرمات كأنهم سألوا عنها عند بـيان أضدادِها، ولِتَضَمُّنِ السؤال معنى القولِ أوقعُ على الجملة، فـ (ماذا) مبتدأ و(أحل لهم) خبرُه، وضميرُ الغَيْبَة لِمَا أنّ يسألون بلفظ الغيبة فإنه كما يُعتبرُ حالُ المحكيِّ عنه فيقال: أقسمَ زيدٌ لأفعلَنّ، يُعتبرُ حالُ الحاكي، فيقال: أقسمَ زيدٌ ليفعَلَنّ، والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} أي ما لم تستخبثْه الطّباعُ السليمة ولم تنفِرْ عنه كما في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ} {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ} عطفٌ على الطيبات بتقدير المضاف على أن (ما) موصولٌ والعائد محذوف، أي وصيدُ ما علَّمتُموه، أو مبتدأ على أن (ما) شرطيةٌ والجوابُ فكلوا، وقد جوَّزَ كونَها مبتدأً على تقديرِ كونِها موصولةً أيضاً والخبرُ كلوا، وإنما دخلته الفاء تشبـيهاً للموصول باسم الشرط و(من الجوارح) حالٌ من الموصول أو ضميرِه المحذوف، والجوارحُ الكواسبُ من سباع البهائم والطير، وقيل: سميت بها لأنها تجرَحُ الصيدَ غالباً {مُكَلّبِينَ} أي معلِّمين لها الصيدَ والمكلِّبُ مؤدّبُ الجوارحِ ومُضْرِيها بالصيد، مشتقٌ من الكَلْب لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه، أو لأن كلَّ سبُعٍ يسمى كَلْباً لقوله عليه الصلاة والسلام في حق عُتبةَ بنِ أبـي لهبٍ حين أراد سفرَ الشأم، فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : اللهم سلِّطْ عليه كلباً من كلابك»تفسير : فأكلَه الأسد. وانتصابُه على الحالية من فاعلِ (علَّمتم) وفائدتُها المبالغةُ في التعليم لما أن اسم المكلّب لا يقع إلا على التحرير في علمِه. وقرىء مُكْلِبـين بالتخفيف والمعنى واحد {تُعَلّمُونَهُنَّ} حال ثانية منه أو حالٌ من ضمير مكلِّبـين أو استئناف {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} من الحِيَل وطُرُق التعليم والتأديب، فإن العلمَ به إلهامٌ من الله تعالى أو مكتسَبٌ بالعقل الذي هو منحةٌ منه أو مما عرَّفَكم أن تعلموه من اتباعِ الصيدِ بإرسالِ صاحبِه وانزجارِه بزَجْرِه وانصرافِه بدعائه وإمساكِ الصيد عليه وعدمِ أكلِه منه {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} قد مر فيما سبق أن هذه الجملةَ ـ على تقدير كونِ ما شرطيةً ـ جوابُ الشرط، وعلى تقدير كونِها موصولةً مرفوعةٌ على الابتداءِ خبرٌ لها، وأما على تقدير كونِها عطفاً على الطيبات فهي جُملةٌ متفرِّعةٌ على بـيان حلِّ صيدِ الجوارح المُعْلَمة مبـيِّنةٌ للمضاف المقدَّر الذي هو المعطوف، وبه يتعلق الإحلالُ حقيقةً، ومشيرةٌ إلى نتيجةِ التعليم وأثره، داخلةٌ تحت الأمر، فالفاء فيها كما في قوله: [البسيط] شعر : أمرتُك الخيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به [فقد تركُتكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] تفسير : ومِنْ تبعيضيةٌ لما أن البعضَ مما لا يتعلق به الأكلُ كالجلودِ والعظامِ والريش وغير ذلك، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ حذِفَ عائدُها و(على) متعلقة بأمسكن أي فكلوا بعض ما أمسَكْنه عليكم وهو الذي لم يأكُلْن منه، وأما ما أكلن منه فهو مما أمسَكْنه على أنفسِهن لقوله عليه الصلاة والسلام لعديِّ بن حاتم: «حديث : وإن أكل منه فلا تأكل، إنما أمْسَكَ على نفسِهِ» تفسير : وإليه ذهب أكثرُ الفقهاء. وقال بعضُهم: لا يشترط عدمُ الأكل في سباعِ الطير لما أن تأديبَها إلى هذه الدرجة متعذِّر، وقال آخرون: لا يُشترط ذلك مطلقاً، وقد رُوي عن سَلمانَ وسعدِ بن أبـي وقاص، وأبـي هريرة، رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلبُ ثلثيه وبقيَ ثلثُه وقد ذكرتَ اسم الله عليه فكُل {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} الضميرُ لما عَلَّمتم أي سمُّوا عليه عند إرسالِه، أو لِما أمسكنه، أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاتَه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في شأن محرماته {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي سريعُ إتيانِ حسابه، أو سريعُ تمامِه، إذا شرَعَ فيه يتِمُّ في أقربِ ما يكون من الزمان، والمعنى على التقديرين أنه يؤاخِذُكم سريعاً في كل ما جل ودق، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربـية المهابة وتعليلِ الحُكْم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} [الآية: 4]. قال سهل: الطيبات: الرزق من الحلال. وقال يوسف بن الحسين: الطيب من الرزق ما يبدو لك من غير تكلف ولا إشراف نفس. وقال الروذبارى: أطيب أرزاق العارفين المعونات.
القشيري
تفسير : لما علموا أن الحَسَنَ من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرَّفوا ذلك من تفصيل الشرع، فقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} ثم قال: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبةُ القلوب فإنَّ أَكْلَ الحرام يُوجِبُ قسوة القلب، والوحشةُ مقرونةُ بقسوةِ القلبِ، وضياءُ القلوب وطِيبُ الأوقات متصلٌ بصَوْن الخُلُق عن تناول الحرام والشبهات. وقوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}: ولمَّا كان الكلب المُعَلَّمَ تركَ حظَّه، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق في ذلك حكم خساسته فكذلك مَنْ كانت أعماله وأحواله لله - سبحانه مختصة، ولا يشوبها حظ تَجِلُّ رتبتُه وتعلو حالته. ويقال حُسْنُ الأدب يُلْحِقُ الأَخِسَّة برتبة الأكابر، وسوء الأدب يَرُدُّ الأعِزَّة إلى حالة الأصاغر. ثم قال: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}: بيَّن أنَّ الأكلَ - على الغفلة - غير مَرْضِيٍّ عنه (في القيمة). {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} بحيث لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، وسريعُ الحساب - اليومَ - مع الأحباب والأولياء، فهم لا يُسَامَحون في الخطوة ولا في اللحظة، معجَّلٌ حسابُهم، مُضَاعَفٌ - في الوقتِ - ثوابُهم وعقابُهم.
البقلي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} وفى حقيقة التفسير التى اغرب مما مضى ذكره ان الطيبات فى الدنيا والأخرى للمحبين مشاهدة الله سبحانه وما سواها فهو محرم عليهم من الدنيا والأخرة لانهم يسألون عن الحلال اولحلال مشاهدة جمال وما سواه فهو غير حلال فى الحقيقة وتصديق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وأله وسلم الدنيا فحرمه على اهل الأخرة والأخرة محرمة على اهلا لله سئل ابو الحسين النورى عن القوت فقال القوت هو الله قال ابو على الرود بارى اطيب ارزاق العارفين المقوتات وقال يوسف بن الحسين الطيب من الرزق ما يبد والك من غير تكلف ولا اشراف نفس ولى مسئلة غير مائة كرت وذلك ان اصل الطيبات الحلالات ما وقع للعارف فى مقام التوكل من الغيب بنعت الرضا وايضا الطيبات السماع ورؤية المستحسنات التى تطيب قلوب المحبين بسنائها حتى تفرعها الى طلب معادن الحسن فى الازل.
اسماعيل حقي
تفسير : {يسألونك ماذا احل لهم} ما للاستفهام وذا بمعنى الذى والمعنى ما الذى احل لهم من المطاعم. ان قلت مفعول يسأل انما يكون مفردا فكيف وقع على الجملة قلت لتضمن السؤال معنى القول {قل احل لكم الطيبات} اى ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر منه كما فى قوله تعالى {أية : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} تفسير : [الأعراف: 157]. والطيب فى اللغة المستلذ المشتهى فالتقدير كل ما يستلذ ويشتهى والعبرة فى الاستلذاذ والاستطابة باهل المروءة والاخلاق الجميلة فان اهل البادية يستطيبون اكل جميع الحيوانات كذا قال الامام فى تفسيره {وما علمتم} عطف على الطيبات بتقدير المضاف على ان ما موصولة والعائد محذوف اى وصيد ما علمتموه {من الجوارح} حال من الموصول جمع جارحة بمعنى كاسبة قال تعالى {ويعلم ما جرحتم بالنهار} وجوارح الانسان اعضاؤه التى يكتسب بها ويحتمل ان يكون من الجرح بمعنى تفريق الاتصال فان الجوارح تجرح الصيد غالبا. والمراد بالجوارح فى الآية كل ما يكسب الصيد على اهله من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب ومن سباع الطير كالصقر والبازى والعقاب والنسر والباشق والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم فان صيد جميعها حلال {مكلبين} اى معلمين لها الصيد والمكلب مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد ومضريها عليه مشتق من الكلب وذكر الكلب لكونه اقبل للصيد والتأديب فيه وانتصابه على الحالية من فاعل علمتم. فان قلت يلزم ان يكون المعنى وصيد ما علمتم معلمين ولا فائدة. قلت فائدتها المبالغة لما ان اسم المكلب لا يقع الا على النحرير فى علمه فكأنه قيل وما علمتم ماهرين فى تعليم الجوارح حاذقين فيه مشتهرين به {تعلمونهن} حال ثانية {مما علمكم الله} من الحيل وطرق التعليم والتأديب فان العلم به الهام من الله تعالى او مكتسب بالعقل الذى هو منحة منه او مما علمكم ان تعلموه من اتباع الصيد بارسال صاحبه وان ينزجر بزجره وينصرف بدعائه ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. قال صاحب الكشاف قوله تعالى {تعلمونهن مما علمكم الله} فيه تنبيه على ان كل من يأخذ علما ينبغى ان يأخذه ممن هو متبحر فى ذلك العلم غواص فى بحار لطائفه وحقائقه وان احتاج فى ذلك الى ارتكاب سفر بعيد قال عليه السلام "حديث : اطلبوا العلم ولو بالصين " .تفسير : فكم من آخذ من غير متقن ضيع ايامه وعض عند لقاء النحارير انامله {فكلوا مما امسكن عليكم} من تبعيضية لما ان البعض مما لا يتعلق به الاكل كالجلود والعظام والريش وما موصولة حذف عائدها وعلى متعلقة بامسكن على انفسهن لقوله عليه السلام لعدى بن حاتم "حديث : وان اكل منه فلا تأكل انما امسكه على نفسه" تفسير : واليه ذهب اكثر الفقهاء. وقال بعضهم ومنهم ابو حنيفة يؤكل مما بقى من جوارح الطير ولا يؤكل مما بقى من الكلب والفرق ان يمكن ان يؤدب الكلب على الاكل بالضرب ولا يؤدب البازى على الاكل. {واذكروا اسم الله عليه} الضمير لما فى ما علمتم اى سموا عليه عند ارساله او لما فى ما امسكن اى سموا عليه اذا ادركتم ذكاته. "حديث : وعن ابى ثعلبة قال قلت يا نبى الله انا بارض قوم اهل كتاب أفنأكل فى آنيتهم وبارض صيد اصيد بقوسى وبكلبى الذى ليس بمعلم وبكلبى المعلم فما يصلح لى قال "اما ما ذكرت من آنية اهل الكتاب فان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وان لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فادركت ذكاته فكل"" .تفسير : وعن انس رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يضحى بكبشين املحين اقرنين يطأ على صفاحهما ويذبحهما بيده ويقول بسم الله والله اكبر كذا فى تفسير البغوى. والمستحب ان يقول بسم الله الله اكبر بلا واو لان ذكر الواو يقطع نور التسمية كما فى شرح مختصر الوقاية وكره ترك التوجه الى القبلة وحلت كذا فى الذخيرة ومتروك التسمية عمدا حرام لانه ميتة بخلاف متروكها نسيانا فانه حلال {واتقوا الله} فى شأن محرماته {ان الله سريع الحساب} سريع اتيان حسابه او سريع تمامه اذا شرع فيه يتم فى اقرب ما يكون من الزمان والمعنى على التقديرين انه يؤاخذكم سريعا فى كل ما جل ودق ودلت الآية على اباحة الصيد. قال فى الاشباه الصيد مباح الا للتلهى او حرفة كذا فى البزازية وعلى هذا فاتخاذه حرفة كصيادى السمك حرام ـ يحكى ـ عن ابراهيم ابن ادهم انه قال كان ابى من ملوك خراسان فركبت الى الصيد فاثرت ارنبا اذ هتف بى هاتف يا ابراهيم ألهذا خلقت ام بهذا امرت ففزعت ودفعت ثم اخذت ففعلت ثانيا ثم هتف بى هاتف من قربوس السرج والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت فنزلت فصادفت راعى ابى ولبست جبته وتوجهت الى مكة. ولما نزلت هذه الآية اذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اقتناء الكلاب التى ينتفع بها ونهى عن اقتناء ما لا ينتفع بها وامر بقتل الكلب العقور وبما يضر ويؤذى ورفع عما سواها مما لا ضرر فيه وفى الحديث "حديث : من اتخذ كلبا الا كلب ماشية او صيد او زرع انتقص من اجره كل يوم قيراط " .تفسير : والحكمة فى ذلك انه ينبح الضيف ويروع السائل كذا فى تفسير الحدادى وفى الحديث "حديث : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب" تفسير : والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار اى النازلون بالبركة والرحمة والطائفون على العباد للزيارة واستماع الذكر لا الكتبة فانهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين والمراد بالصورة صورة ذى الروح لمشابهته بيوت الاصنام وبعض الصور يعبد فابغض الاشياء الى الخواص ما عصى الله به. واما الكلب فلانه نجس فاشبه المتبرز وزاد فى بعض الاحاديث ولا جنب الا ان يتوضأ. قال فى الترغيب والترهيب ورخص للجنب اذا نام او اكل او شرب ان يتوضأ ثم قيل هذا فى حق كل من اخر الغسل لغير عذر ولعذر اذا امكنه الوضوء فلم يتوضأ او قيل هو الذى يؤخره تهاونا وكسلا ويتخذ ذلك عادة انتهى. قال فى الشرعة وشرحها لابن السيد على وينام بعد الوطء نومة خفيفة فانه اروح للنفس لكن السنة فيه ان يتوضأ اولا وضوءه للصلاة ثم ينام وكذا اذا اراد الاكل جنبا ولو اراد العود فليتوضأ والمراد به التنظف بغسل الذكر واليدين لا الوضوء الشرعى كما ذهب اليه بعض المالكية. والاشارة فى الآية ان ارباب الطلب واصحاب السلوك {يسألونك ماذا احل لهم} او حرم عليهم من الدنيا والآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وهما حرامان على اهل الله تعالى" تفسير : {قل احل لكم الطيبات} وهى ما لا يقطع عليكم طريق الوصول الى الله فان الله طيب لا يقبل الا الطيب وكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومعقول ومعمول طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لوثتموه للوث داعى الوجود فهو من الخبيثات لا يصلح الا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام باداء الحقوق مطيبا بنفحات الشهود فهو من الطيبات لا يصلح الا للطيبين وفى قوله {ان الله سريع الحساب} اشارة الى انه تعالى يحاسب العباد على اعمالهم قبل ان يفرغوا منها ويجازيهم فى الحال بالاحسان احسان القربة ورفعة الدرجة وجذبة العناية وبالاساءة اساءة البعد والطرد الى السفل والخذلان: ونعم ما قيل [هركه كند بخود كند ورهمه نيك بد كند] قال الصائب شعر : جرازغيرشكايت كنم كه همجوحباب هميشه خانه خراب هواى خويشتنم
ابن عجيبة
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ...} قلت: لم يقل ماذا أحل لنا؛ لأن {يسألونك} بلفظ الغيبة، وكلا الوجهين شائع في أمثاله. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يسألونك} يا محمد عن الذي {أُحل لهم} من المآكل، بعد الذي حرم عليهم من الخبائث، فقل لهم: {أحل لكم الطيبات} وهو عند مالك: ما لم يدل دليل على تحريمه من كتاب ولا سنة، وعند الشافعي: ما يستلذه الطبع السليم ولم يفّر عنه، فحرم الخنافس وشبهها، {و} أحل لكم صيد {ما علّمتم من الجوارح} أي: الكواسب، وهي الكلاب ونحوها، مما يصطاد به ويكسب الصيد على أهله، من سباع وذوات أربع، وطير، ونحوها، حال كونكم {مُكلبين} أي: معلمين لها الاصطياد، أي: مؤدبين لها، {تُعلمونهن مما علمكم الله} من الحيل وصدق التأديب، فإن العلم بها إلهام من الله، أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة من الله لابن آدم. وحد التعليم عند ابن القاسم: أن يفهم الجارح الإشلاء والزجر، وقيل: الإشلاء؛ أي: التسلط ـ فقط، وقيل؛ الزجر فقط، وقيل: أن يجيب إذا دُعي. {فكلوا مما أمسكن عليكم} ولم يأكل منه، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : وإن أكَلَ، فلاَ تَأكُل؛ فَإنَّما أمسكَ عَلَى نَفسِه"تفسير : . وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: يؤكل مطلقًا لما في بعض الأحاديث: "حديث : وإن أكلَ فكُل" تفسير : ، وقال بعضهم: لا يشترط ذلك في سَباع الطير؛ لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر. {واذكروا اسم الله عليه} أي: على ما علمتم عند إرساله، ولو لم ير المرسل عليه، وكذا عند الرمي المحدد ونحوه، فإن سمي على شيء مُعين ووجد غيره لم يؤكل، أو التبس مع غيره، وإن سمي على ما وجد أكل الجميع، ولا بد من نية الذكاة عند الإرسال أو الرمي، واختلف في حكم التسمية، فقال الظاهرية: أنها واجبة مطلقًا، فإن تركت عمدًا أو سهوًا لم تؤكل عندهم، وقال الشافعي: مستحبة، حملاً للأمر على الندب، فإن تركت عمدًا أو سهوًا أكلت عنده. وجعل بعضُهم الضمير في {عليه}، عائدًا على الأكل، فليس فيها على هذا أمر بالتسمية على الصيد، ومذهب مالك: أنه إن تركت التسمية عمدًا لم تؤكل، وإن تركت سهوًا أكلت، فهي عنده واجبة بالذكر ساقطة بالنسيان، وهذا الخلاف جار في الذكاة كلها. {واتقوا الله} في اجتناب محرماته، {إن الله سريع الحساب}، فيؤاخذكم على ما جلّ ودق. {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أُتوا الكتاب حل لكم} فيتناول الذبائح وغيرها، ويعم أهل الكتاب اليهود والنصارى، واستثنى عليٌّ ـ كرم الله وجهه ـ نصارى بني تغلب، وقال: ( ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر). ولا يلحق بهم المجوس في ذلك، وإن ألحقوا بهم في الجزية، لقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : سُنوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتاب، غير ألا تنكحوا نساءهم، ولا تأكلوا ذبائحهم"تفسير : وكذلك المرتد مطلقًا لا تؤكل ذكاته. قال ابن جزي: وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: الذبائح، قد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم، على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة، وهو مبني على: هل هو من طعامهم أم لا؟ فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه، جازت، وإن أريد ما يحل لهم، مُنع والكراهة توسط بين القولين. الثاني: ما لا محاولة لهم فيه، كالقمح والفاكهة، فهو جائر لنا اتفاقًا. والثالث: ما فيه محاولة كالخبز وتعصير الزيت وعقد الجبن، وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه، فمنعه ابن عباس؛ لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة، وأجازه الجمهور. لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، وهذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، أما إذا تحققنا استعمال النجاسة فيه؛ كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً، وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال: إنه يُنجس البائع والمشتري والآلة؛ لأنهم يعقدونه على أنفحه الميتة. هـ. {وطعامكم حِلٌّ لهم}، فلا بأس أن تُطعموهم من طعامكم، وتبيعوه لهم، وأما ما حرم عليهم، فلا يجوز بيعه منهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يسألونك أيها العارف الرباني ماذ أحل للفقراء من الأعمال والأحوال، قل لهم: أحل لكم الطيبات، أي: الخالص من الأعمال، والصافي من الأحوال، والتلذذ بحلاوة المشاهدة والمكالمة، وما اصطادت لكم أنفسكم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، بقدر تزكيتها وتربيتها، فكلوا مما أمسكن عليكم، أي: تمتعوا بما أتت به لكم من أبكار الحِكَم وعرائس الحقائق، فإن أتت بشيء من علوم الحس، فاذكروا اسم الله عليه ينقلب معاني، واتقوا الله أن تقفوا مع شيء سواه، {إن الله سريع الحساب}؛ فيحاسبكم على الخواطر والطوارق إن لم تعرفوا فيها. اليوم أحل لكم الطيبات، أي: حين دخلتم بلاد المعاني ورسختم فيها، أحل لكم التمتع بالمشاهدات والمناجات، وطعام العلوم الظاهرة حِلٌّ لكم تتوسعون بها، وطعامكم حل لهم، أي: وتذكيركم بما يقدرون عليه حِلٌّ لهم؛ لأن العارف الكامل يُسير كل واحد على سيره، ويتلون معه بلونه، يُقره في بلده ويحوشه إلى ربه. نفعنا الله بذكره. آمين. ثم تكلم على ما بقي من حفظ الأنساب، وهو جواز نكاح الكتابية؛ إذ لم يتكلم عليه في سورة النساء، فقال: {... وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} يقول الحقّ جلّ جلاله: وأحل لكم {المحصنات} أي: الحرائر {من المؤمنات} دون الإماء، إلا لخوف العنت، أو العفيفات دون البغايا، فإن نكاحها مكروه، {و} أحل لكم {المحصنات} أي: الحرائر {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}، فأحل الله نكاح اليهودية والنصرانية الحُرتين دون إمائهم، {إذا أتيتموهن أجورهن} أي: أعطيتموهن مهورهن. فلا يجوز نكاح الكتابية إلا بصداق شرعي. حال كونكم {محصنين}، أي: متعففيين عن الزنى بنكاحها، {غير مسافحين} أي: مجاهرين بالزنى، {ولا متخذي أخدان} أي: أصحاب تُسرون معهن بالزنى، والخدن: الصاحب، يقع على الذكر والأنثى. والمعنى: أحللنا لكم نكاح الكتابيات، توسعة عليكم لتتعففوا عن الزنى سرًّا وجهرًا. ولما نزل إباحة الكتابيات قال بعض الناس: كيف أتزوج من ليس على ديني؟ فأنزل الله: {ومن يكفر بالإيمان} أي: بشرائع الإيمان {فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}، ومن الكفر به إنكاره والامتناع منه. الإشارة: قد تقدم أن علوم الحقائق أبكار، لأنها عرائس مخدّرة، مهرها النفوس، وما سواها من العلوم ثيبات وإماء؛ لرخص مهرها، فإذا اتصل العارف بعلوم الحقائق ورسخ فيها؛ أحل له أن ينكح المحصنات من علوم الطريقة ـ وهي مبادىء التصوف، أي: التفنن فيها مع أهلها على وجه التركيز أو التعليم، والمحصنات من علوم الشريعة إذا أعطاها مهرها؛ من الإخلاص وقصد التوسع بها وتعليمها لأهلها، وهذه العلوم كلها مشروعة، والمشتغل بها متوجه إلى الله تعالى، {أية : قّدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} تفسير : [البقرة:60]، فمن كفر بها فقد حبط عمله، وهو عند الله من الخاسرين. ثم تكلم على ما بقي من حفظ الأديان، وهو الوضوء؛ إذ لم يتكلم عليه في النساء، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ}.
الطوسي
تفسير : موضع (ما) رفع ويحتمل أن يكون وحدها اسما وخبرها قوله: (ذا) واحل من صلة ذا. وتقديره أي شيء الذي احل لهم؟ ويحتمل أن يكون ما وذا اسما واحداً، ورفع بالابتداء وتقديره أي شيء احل لهم؟ واحل لهم خبر الابتداء. فمعنى الآية يسألك يا محمد اصحابك ما الذي احل لهم اكله من المطاعم، فقل لهم: احل لكم الطيبات منها وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح على قول الطبري والجبائي، وغيرهما وقال البلخي: الطيبات هو ما يستلذ به. قال قوم: واحل لكم ايضاً مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكواسب من سباع الطير، والبهائم ولا يجوز أن يستباح عندنا أكل شيء مما اصطاده الجوارح من السباع سوى الكلب إلا ما ادرك ذكاته. وسميت الطير جوارح، لجرحها أربابها وكسبها اياهم أقواتهم من الصيد يقال منه: جرح فلان أهله خيراً إذا كسبهم خيراً. وفلان جارحة أهله يعني كاسبهم، ولا جارحة لفلانة أي لا كاسب لها قال اعشى بني ثعلبة: شعر : ذات خد منضج ميسمها تذكر الجارح ما كان اجترح تفسير : يعني اكتسب. وقوله: {وما علمتم} تقديره وصيد ما علمتم من الجوارح وحذف لدلالة الكلام عليه، لان القوم على ما روي كانوا سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحل لهم اتخاذه منها، وصيده. فأنزل الله (تعالى) فيما سألوا عنه هذه الآية، فاستثنى (عليه السلام) مما كان حرم اتخاذه منها، وأمر بقتله كلاب الصيد، وكلاب الماشية، وكلاب الحرث وأذن في اتخاذ ذلك ذكرت ذلك سلمى ام رافع عن أبي رافع. قال جاء جبرائيل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يستأذن عليه، فاذن له فقال: قد اذنا لك يا رسول الله فقال: اجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب. قال ابو رافع: فأمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها. وجئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاخبرته، فأمرني فرجعت، وقتلت الكلب، فجاؤا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الامة التي أمرت بقتلها، فسكت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانزل الله {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} وبه قال عكرمة ومحمد بن كعب القرطي واختلفوا في الجوارح التي ذكر الي الاية: بقوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} فقال قوم: هو كل ما علم فصيد فيتعلمه بهيمة كانت او طائراً. ذهب اليه الحسن، ومجاهد وحثيمة بن عبد الرحمن. ورووه عن ابن عباس، وطاووس وعلي بن الحسين وابي جعفر (ع) وقالوا: الفهد والبازي من الجوارح. وقال قوم: عنى بذلك الكلاب خاصة دون غيرها من السباع. ذهب اليه الضحاك والسدي وابن عمر وابن جريج. وهو الذي رواه أصحابنا عن ابي عبد الله (عليهما السلام) فاما ما عدا الكلاب، فما ادرك ذكاته، فهو مباح، وإلا فلا يحل أكله. ويقوي قولنا قوله تعالى: {مكلبين} وذلك مشتق من الكلب ومن صاد بالباز والصقر لا يكون مكلباً. وقوله: {مكلبين} نصب على الحال وتقديره وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح مكلبين أي في هذة الحال. يقال: رجل مكلب وكلاب إذا كان صاحب صيد بالكلاب. وفي ذلك دليل على أن صيد الكلب الذي لم يعلم، حرام إذا [لم] تدرك ذكاته. وقوله: {تعلمونهن مما علمكم الله} معناه تؤدبون الجوارح، فتعلمونهن طلب الصيد لكم بما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم به. وقال بعضهم: معناه كما علمكم الله. ذهب اليه السدي. وهذا ضعيف لأن من المعنى الكاف لا يعرب في اللغة، ولا بينهما تقارب، لان الكاف للتشبيه ومن للتبعيض واختلفوا في صفة التعليم للكلب فقال بعضهم: هو ان يستشلى لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه، ويمسك عليه إذا أخذه، فلا يأكل منه ويستجيب له إذا دعاه. فاذا توالي منه ذلك كان معلما. ذهب إليه ابن عباس وعط وابن عمرو الشعبي وطاووس وابراهيم والسدي. قال عطا: إذا أكل منه فهو ميتة. وقال ابن عباس: إذا اكل الكلب من الصيد، فلا تأكل منه فانما امسك على نفسه. وهو الذي دلت عليه أخبارنا. غير أنهم اعتبروا ان يكون اكل الكلب للصيد دائماً. فاما إذا كان نادراً، فلا بأس باكل ما أكل منه. وقال ابو يوسف، ومحمد: حد التعليم أن يفعل ذلك ثلاث مرات. وقال قوم: لاحد لتعليم الكلاب، فاذا فعل ما قلناه، فهو معلم. وقد دل على ذلك رواية اصحابنا، لانهم رووا أنه إذا أخذ كلب مجوسي فعلمه في الحال، فاصطاد به، جاز أكل ما يقتله. وقد بينا أن صيد غير الكلب، لا يحل أكله الا ما أدرك ذكاته. فلا يحتاج أن تراعي كيف تعلمه، ولا اكله منه. ومن أجاز ذلك أجاز أكل ما اكل منه البازي والصقر. ذهب اليه عطا وابن عباس والشعبي وابراهيم، وقالوا: تعلم البازي هو أن يرجع إلى صاحبه. وقال قوم: جوارح الطير والسباع سواء في ذلك ما أكل منه، وما لا يؤكل. روي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والشعبي وعكرمة، وابن جريج. وقال قوم: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد وهو أن يشلى على الصيد، فيستشلى، ويأخذ الصيد، ويدعوه صاحبه، فيجيب، فاذا كان كذلك كان معلما اكل منه أو لم يأكل. روي ذلك عن سلمان رواه قتادة عن سعيد بن المسيب، عن سلمان، قال: وان اكل ثلثه فكل. وبه قال سعد بن ابي وقاص. وقال لو لم يبق إلا جذية، جاز أكلها وبه قال ابو هريرة، وابن عمر. وقد بينا مذهبنا في ذلك وهو الذي رواه عدي بن حاتم عن النبي (صلى الله عليه وآله). وقوله: {فكلوا مما امسكن عليكم} يقوي قول من قال: ما أكل منه الكب لا يجوز أكله، لانه أمسك على نفسه. ومن شرط استباحة ما يقتله الكلب أن يكون صاحبه سمى عند إرساله، فان لم يسم لم يجز له اكله إلا إذا ادرك ذكاته وحده أن يجده يتحرك: عينه أو أذنه أو ذنبه، فيذكيه حينئذ بفري الحلقوم والاوداج، واختلفوا في (من) [من] قوله: {مما أمسكن عليكم} فقال قوم: هي زائدة، لان جميع ما يمسكه، فهو مباح. وتقديره فكلوا ما امسكن عليكم. وجرى ذلك مجرى قوله: {يكفرعنكم من سيئاتكم} وقوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} وتقديره وينزل من السماء جبالا فيها برد. وقال بعضهم: وينزل من السماء من جبال فيها من برد أي من السماء من برد يجعل الجبال من برد في السماء ويجعل الانزال منها وانكر قوم ذلك وقالوا (من) للتبعيض ويقوي قولهم: قد كان من مطر وكان من حديث. يقول هل كان من مطر، وهل كان من حديث عندكم ونكفرعنكم من سيئاتكم ما يشآؤه ويريده. وقوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} يجيز حذف (من) برد ولا يجيز حذفها من الجبال. ويقول: المعنى وينزل من السماء من امثال جبال برداً، ثم أدخلت في من البرد مفسر عنده عن أمثال الجبال. وقد أقيمت الجبال مقام الامثال. والجبال هي جبال فلا يجيز حذف (من) من الجبال، لانها دالة على أن في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد، لا جبال برد. واجاز حذف (من) من برد، لان البرد مفسر من الامثال، كما يقال: عندي رطلان زيتاً، ومن زيت. وليس عندك الرطلان وانما عندك المقدار، فمن تدخل في المفسر وتخرج منه، وكذلك عند هذا القائل من السماء من امثال جبال، وليس بجبال. وقال: فان كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالاً، ثم حذف الجبال الثانية فالجبال الأولى في السماء جاز كما يقال: أكلت من الطعام يريد اكلت من الطعام طعاماً، ثم يحذف الطعام، ولا يحذف (من). والاقوى أن تكون من في الآية للتبعيض، لان ما يمسكه الكلب من الصيد، لا يجوز أكل جميعه لان في جملته ما هو حرام من الدم، والفرث والغدد، وغير ذلك مما لا يجوز أكله، فاذا قال: فكلوا مما امسكن عليكم، أفاد ذلك بعض ما أمسكن، وهو الذي أباح الله أكله من اللحم، وغيره. وقوله: {ونكفر عنكم من سيئاتكم} قد بينا الوجه فيه وسنبين الوجه في قوله: {من السماء جبال فيها من برد} إذا انتهينا اليه ان شاء الله. وقوله: {واذكروا اسم الله عليه} صريح في وجوب التسمية عند الارسال. وهو قول ابن عباس والسدي وغيرهما. وقوله: {واتقوا الله} معناه واجتنبوا ما نهاكم عنه، فلا تقربوه، واحذروا معاصيه في ارتكاب ما نهاكم عنه في أن تأكلوا من صيد الكلب غير المعلم، أو مما لم يمسكه عليكم، أو تأكلوا مما لم يسمّ الله عليه من الصيد، والذبائح مما صاده اهل الاوثان والاصنام {إن الله سريع الحساب} معناه التخويف بأنه سريع حسابه لمن حاسبه على نعمه، لا يشغله حساب بعض عن بعض. ومتى غاب الكلب والصيد عن العين، ثم رآه ميتاً لا يجوز أن يأكله، لانه يجوز أن يكون مات من غير قتل الصيد. وفي الحديث: "حديث : كل ما أصميت ولا تأكل ما أنميت"تفسير : فمعنى اصميت أن تصطاد بكلب أو غيره، فمات وأنث تراه مات بصيدك. واصل الصميان السرعة والخفة: ومعناه ها هنا ما أسرع فيه الموت وأنت تراه. ومعنى ما أنميت ما غاب عنك فلا تدري مات بصيدك أو بعارض آخر يقال نمت الرمية: إذا مضت والسهم فيها. وأنميت الرمية: إذا رميتها، فمضيت، والسهم فيها قال امرؤ القيس: شعر : فهو لا تنمى رميته ما له لا عد من نفره تفسير : وقال الحارث بن وعلة الشيباني: شعر : قالت سليمى فد غنيت فتىً فالآن لا تصمى ولا تنمى تفسير : أي عشت ومتى اخذ الكلب الصيد ومات في يده من غير أن يجرحه، لم يجز أكله. واجاز قوم ذلك. والاول أحوط. وكلّ من لا تؤكل ذبيحته من أجناس الكفار، لا يؤكل صيده أيضاً. فأما الاصطياد بكلابه المتعلمه فجائز إذا صاده المسلم.
الأعقم
تفسير : {يسألونك ماذا أُحلَّ لهم} من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرم عليهم من خبائث المأكل سألوا عمَّا أحلَّ لهم منها، فقيل: {أُحلَّ لكم الطيبات} أي ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنَّة أو قياس مجتهد {وما عَلَّمْتُم من الجوارح} عطف على الطيبات والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطيور والكلب والفهد والنمر والعقاب {مُكلِّبِين}، المكلب مؤدب الجوارح ومضربها بالصيد ورائضها لذلك بما علم من الجبل وطرق التأديب، وإنما خصَّ الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون فيه، أو لأن السبع يسمى كلباً، ومنه قوله (عليه السلام): "حديث : اللهم سلِّط عليه كلباً من كلابك" تفسير : فأكله الأسد {تعلِّمُونهنَّ مِمَّا علَّمكم الله} من علم التكليب لأنه الهام من الله، ومكتسب بالعقل، وقيل: مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد، وإرسال صاحبه، وانزجاره بزجرة، وانصرافه بدعائه. قال جار الله: فإن قلتَ: إلى ما يرجع الضمير في قوله: {واذكروا اسم الله عليه}؟ قلتُ: إما أن يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته أو إلى: {ما علَّمْتُم من الجوارح} أي سموا عليه عند إرساله اليوم، قيل: أراد الوقت يوم نزوله {أحلَّ لكم الطيبات} يعني أبيح لكم الحلال من الذبائح والمطاعم {وطعام الذين أُوتوا الكتاب} قيل: هو ذبائحهم، وقيل: جميع مطاعمهم، وقيل: لا تحل ذبائحهم، والمراد بالمطاعم الحنطة والشعير عن القاسم ويحيى (عليهم السلام) {وطعامكم حلٌّ لهم} فلا عليكم أن تطعمونهم، وقيل: أراد الذبائح {والمحصنات} الحرائر العفائف وتخصيصهنَّ نعت على تخيير المؤمنين لنطفهم والإِماء من المسلمين يصح نكاحهنَّ بالاتفاق {والمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب} هم اليهود والنصارى، واختلفوا في معناه قيل: نساء أهل الكتاب عن أكثر المفسرين والذين آمنوا منهم إزالة الشبهة أي من كانت يهودية فآمنت يجوز أن يتزوج بها عن يحيى والقاسم (عليهم السلام)، وقيل: أراد الحرائر من أهل الكتاب فتحلَّ الحرائر، ولا تحل الإِماء عن مجاهد وجماعة، وإليه ذهب الشافعي {ولا متخذي أخدان}، حرائر والخدن يقع على الذكر والأنثى {ومن يكفر بالإِيمان} الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {وهو في الآخرة من الخاسرين}.
الهواري
تفسير : قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} يعني الحلال من الذبائح {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوارِحِ} قال مجاهد: هي من الطير والكلاب. {مُكَلِّبِينَ} أي: مُضْرِين {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}. ذكروا عن عدي بن حاتم قال: قلت: "حديث : يا رسول الله، إن لنا كلاباً مكلّبة نرسلها فتأخذ الصيد وتقتل. قال: كل، قلت: وإن قتلن، قال وإن قتلن ما لم يخالطها كلب من غيرها ". تفسير : ذكروا عن الحسن قال: ما قتل الكلب أو الصقر أو البازي فكل. وقيل لبعضهم: ما تقول في رجل يستعير كلب اليهودي والنصراني يصيد به؟ قال: لا بأس به، إنما هو بمنزلة شفرته، يعني مثل ذبيحته. ولا يصلح ما صيد بكلاب المجوس ولا ما أخذت كلابهم. ذكروا عن الحسن أنه قال: يكره ما سوى كلاب المسلمين، يقول: إلا ما علّمتم أنتم لقوله: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ}. ذكروا عن ابن عمر أنه سئل عما أكل الكلب. قال: كل، وإن أكل ثلثيه، قلت: عمّن؟ قال: عن سلمان الفارسي. ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أكل الكلب فلا تأكله فإنك تستطيع أن تمنعه، وما أكل الصقر والبازي فكله فإنك لا تستطيع أن تمنعه. قال بعضهم: كره ما رخص فيه الناس، ورخص فيما كره الناس. ذكر نافع قال: قرأت في كتاب علي بن أبي طالب: ما قتل الكلب فكل، وما قتل الصقر والبازي فلا تأكل.
اطفيش
تفسير : {يَسئَلُونَكَ}: أى المؤمنون. {مَاذا أُحِلَّ لَهُم}: لما ذكر المحرمات سألوا رسول الله ماذا أحل الله لهم من المطاعم، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية فى عدى بن حاتم، وزيد بن المهلهل، وهما من الصابئين ثم أسلما، وزيد هو زيد الخيل باللام، فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير بالراء، قالا: يا رسول الله انا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت هذه الآية، وهذا هو الأصح فى سبب نزولها فيما قال بعض. روى عن عكرمة حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع فى قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالى، فدخل عاصم وسعد بن خيثمة وعويمر بن ساعدة على النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماذا أحل لنا، فنزلت: {يَسئَلُونَكَ مَاذا أُحِلَّ لَهُم} تفسير : الآية، وسبب أمره صلى الله عليه وسلم بقتلها ما رواه أبو رافع قال: حديث : جاء جبريل عليه السلام الى النبى صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه فأذن له، فلم يدخل فقال أذنا لك رسول الله يعنى جبريل، لأنه رسول الله، قال: أجل أى نعم، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب، قال أبو رافع فأمرنى أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، حتى انتهيت الى امرأة عندها كلب ينبح عنها فتركته رحمة لها، ثم جئت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التى قتلت، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {يَسئَلُونَكَ مَاذا أُحِلَّ لَهُم} تفسير : الآية فلما نزلت الآية أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اقتناء الكلاب التى ينتفع بها لحرث أو ماشية أو صيد. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أمسك كلبا فانه ينقص من عمله كل يوم قيراط الا كلب حرث أو ماشية "تفسير : أى أو كلب صيد ولم يذكره لشهرته بالقرآن، وفى رواية عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فانه ينقص من أجره قيراطان كل يوم "تفسير : ومثل الروايتين عن جابر بن زيد، عن عائشة، والقيراط فى المثال مثل حبل أحد كذا ذكر الربيع رحمه الله، وقيل: القيراط هنا كقيراط اتباع الجنازة والصلاة عليها، وقيل أقل، لأن باب الفضل أوسع، والظاهر أنه ينقص القيراط والقيراطان من عمل كل يوم من يوم اتخذه الى أن يزيله أو يزول، وقيل: مما مضى وهو يقيد كيف لا ينقص مما عمل حال المعصية ونقص مما قبلها، ثم انه ان كان ينقص منه الى أن تنقضى عدد أيامه الماضية، ولو أمسكه أقل فهو أيضا بعيد كما لا يخفى. وان كان بحساب ما يمسكه فأيام امساكه أولى بذلك. ثم أنه قيل: قيراط من عمل الليل، وقيراط من عمل النهار، وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، وانما كان فى رواية قيراط، وفى أخرى قيراطان، لأنه قال: قيراط فسمعه الراوى، ثم زاد الله قيراطا آخر فقال: قيراطان، فسمعه من سمعه، وقيل: القيراطان باعتبار كثرة الأضرار، والقيراط بما دونها، وقيل: القيراطان بالمدينة، والقيراط بغيرها من قراها، فيلحق بذلك سائر المدن وسائر القرى، وقيل: القيراط بالبادية لقلة الأذى، والقيراطان بغيرها، وقيل: القيراطان فيما لا أدمى، والقيراط فيما دونه. قلت: ولعل القيراط فى المربوط والمحبوس، والقيراطان فى المطلق الذى يتبع الناس أو القيراط فيما يظهر للناس، والقيراطان فيما لا يعلم به حتى ينبح، وسبب نقص الأجر فزع الناس به، أو كون الملائكة لا تدخل بيتا هو فيه، أو كون بعضها شياطين أو مخالفة النهى، أو كونها قد تلغ فى الاناء، ولا يدرى به فيأكلون ويشربون نجسا ويصلون بلا غسل بطاهر، وينجس الطاهر، أو كون المكلف قد لا يقوم بغسل ما تلغ فيه، وانما ينقص القيراطان من أخبر، لحصول مثلهما من الذنب به، والنهى للتحريم ما لم يصرفه صارف، ولا سيما أن القتل يقوى التحريم، وكذا نقص الأجر، ولا يخفى ضعف قول من قال بكراهة اتخاذه دون تحريمه، فان ما يحبط العمل وبعضه حرام فذكر نقص العمل دليل للتحريم لا للكراهة كما قيل: انه لها، وانه لو حرم لحرم نقص الأجر أو لم ينقص، وقيل بجواز اتخاذها لحفظ الدروب، وانما قال: ماذا أحل لهم ولم يقل ماذا أحل لكم بالخطاب، لأن يسألونك غيبة بالواو، وذلك من الالتفات على مذهب الكسائى، لأن مقتضى الظاهر يسألونك ماذا أحل لنا لأنهم عند السؤال يقولون: ماذا أحل لهم. {قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}: ما لم يحرمه القرآن ولا السنة ولا القياس الصحيح، أو ما لم ينقل تحريمه ولم تستخبثه الطبائع السالمة، فلا نعتبر طبيعة بالغت فى اللذة حتى تستقذر ما لا يستقذر، ولا بطبيعة لا تقر عن شىء، ولو خبثت كبعض أهل البادية، وأجلاف الناس، وعبارة بعضهم الطيبات الحلال، وظاهره مشكل لأنه يكون الجواب عليه بنفس ما فى السؤال، كأنه قيل: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الحلال. ولعل مراد هذا البعض بالحلال ما لم يحرمه القرآن ولا السنة ولا القياس، أو ما لم تستخبثه الطبيعة السالمة، فجعل مكان هذه الألفاظ قوله الحلال ولم يرد أن لفظ الطيبات قائم مقام لفظ الحلال، كما يفسر به فى بعض الآيات، وسمى الحلال المأذون فيه طيبا فى بعض الآيات فى أحد التأويلات، تشبيها له هو مستلذ لخلو كل من المضرة. {وَمَا عَلَّمتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبينَ}: عطف على الطيبات على حذف مضاف، أى وصيد ما علمتم من الجوارح، لأن الكلام فى المأكول، فان كان السؤال عما يصاد به فالجواب مشتمل على السؤال، وزيادة أحل لكم الطيبات أو عما يكون حالا امساكه، فالجواب مشتمل على الزيادة المذكورة أيضا، ولا يقدر مضاف فى هذين الوجهين، لأن المعنى أحل لكم لأجل الصيد ما علمتم من الجوارح، وأحل لكم ما علمتم من الجوارح تمسكونه ما وان قدرت مضافا فى هذا الأخير هكذا، وامساك ما علمتم من الجوارح جاز. ويجوز أن تكون ما شرطية لا معطوفة بالواو على الطيبات وجوابها: فكلوا مما أمسكن عليكم فلا يقدر ضميرها بعد علمتم بخلاف ما اذا عطفت، فيقدر أى ما علمتموه والجوارح جمع جارحة وهى ما يصاد به من السباع والطير التى تقبل التعليم كالصقر والبازى والعقاب والباشق والفهد والنمر والكلب. وعن نافع: أنى وجدت فى كتاب على: ما قتل الكلب فكل، وما قتل الصقر أو البازى فلا تأكل، وسميت جارحة لأنها تكسب كقوله تعالى: {أية : اجترحوا السيئات }تفسير : أى كسبوها { أية : ويعلم ما جرحتم }تفسير : أى كسبتم أو لأنه يجرح الصيد بمخلبه أو نابه، ومكلبين حال من التاء، أى حال كونكم متخذين لها كلابا كاملة، أو كلابا لأنفسكم، لأن الجارحة اذا كانت كلبا فانها قبل تكليبها ليست كاملة بل ناقصة لعدم التعليم، ولأنها قبله تصيد لنفسها، فاذا كلبتها صادت لك خاصة فهى حينئذ خالصة لك، ووجه آخر أن يراد بمكلبين متخذين لها كلابا للصيد، على أن يراد بالجوارح غير الكلاب فتفهم الكلام من قوله: {مُكَلِّبينَ} اذا كان معناه متخذين لها ككلاب صيد، واختير اسم التكليب على الوجهين، لأن أكثر الصيد بالكلب، ولأنه أقبل للتعليم. ووجه آخر أن يكون مكلبين متخذين لها سباعا لأنفسهم من قولهم للسبع، كلب كما قال صلى الله عليه وسلم فى ابن أبى لهب عتبة لما كفر به وبصق فى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هى زوجته قبل أن يحرم تزويج المؤمنة بالكافر: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وقصته مشهورة فى السير. ووجه آخر مبنى على غيره، وهو أن يكون مكلبين بمعنى مغيرين لها بالصيد، أو معلمين لها الصيد، والتعليم الأول بمعنى زجرها عما لا يحسن، وأمرها بما يحسن، وذلك أن يجنبها الأنجاس ويزجرها عن الأكل للصيد اذا صادت، الا أن يطعمها ويحسن أدبها فتجيبه اذا دعاها، وتنشلى اذا أشلاها، وبسط هذا الباب فى الفقه، وقرأ ابن عباس: وما علمتم بكسر العين واللام وضم العين آى وما علمتم من أمر الجوارح، وقرىء بسكون الكاف يقال: أكلب الحيوان وكلبه بمعنى واحد. {تُعَلمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ}: أى شيئا ما علمكم الله من أن تأمروا بما تصل به الى الصيد من الحيل، وتزجروها عما يفوتها به كالأكل منه، وتزجروها عن النجس، وذلك مما علمناه الله بإلهام أو بكسب أو مما علمكم أن تعلموها من اتباع الصيد بعد الارسال، ولا تذهب وحدها، ومن الانزجار بالزجر، والانصراف بالدعاء، وعدم الأكل منه، واذا صادت بعد التعليم على هذا ثلاث مرات حل ما صادت فى الرابعة، وقيل: حل أول ما صادت بعد التعليم، وما صادت غير المكلب فلا يحل الا ان وجد حيا وذكى، وان وجد ما صاد المعلم حيا ذكى، وجملة تعلمونهن حال ثانية لتاء علمتم، أو مستأنفة وان صادت الجارحة ولم يجرح الصيد لو جرحته حل، وقيل: لا يحل ان قتلته غما ولم تجرحه. {فَكُلوا مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم}: متعلق بأمسكن، وعلى بمعنى اللام أى أمسكن لكم، أو بمحذوف حال من النون، أى ثابتات عليكم أى على شأنكم ومنفعتكم بأن ترسلوها على أن تصيد لكم فصادت لكم، ولم تخرج عن شأن ارسالكم الى مقتضى طبعهن، فان أكلن منه فلم يصدن لكم، ولم يثبتن على شأنكم، فلا يحل ما صدن لأنهن صدن لأنفسهن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم: "حديث : اذا أرسلت كلبا فاذكر اسم الله تعالى، فان أدركته لم يقتل فاذبح واذكر اسم الله، وان أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، وان وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئا فانما أمسك على نفسه "تفسير : وذكر عن الشافعى فى ثانية أنه يؤكل ولو أكل منه. وقيل: ان كان كلبا لم يؤكل ان أكل منه، لأنه يقبل التأديب على الأكل فينزجر، وان كان غيره لم يؤكل ان أكل منه، ونسب لأبى حنيفة وما ذكرته أولا من أنه لا يؤكل مطلقا اذا أكل منه هو الأصح الأحوط، وهو مذهبنا وقديم الشافعى، وهو قول عطاء، وطاووس، والشعبى، والثورى، وابن المبارك للحديث السابق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر أنه سئل عن أكل الكلب فقال: كل وان أكل ثلثيه. قال السائل: قلت: عمن؟ قال: عن سلمان الفارسى، وكذا روى بعض أنه أحله ابن عمر وسعد بن أبى وقاص، ومالك وأبو هريرة، وعلى هذا فأولى أن يؤكل مما أكل منه غير الكلب وهو حجة لثانى الشافعى. ومثله ما روى عن أبى ثعلبة والخشنى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صيد الكلب: "حديث : اذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وان أكل منه ". تفسير : وقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس انه قال: "حديث : ما أكل الكلب فلا تأكل فانك تستطيع أن تمنعه، وما أكل الصقر والباز فكل، وان أكل منه فانك لا تستطيع أن تمنعه " تفسير : وهو حجة لأبى حنيفة فى قوله المذكور، قال بعضهم فى ذلك الكلام المذكور عن عطاء: انه كره ما رخص فيه الناس، ورخص فيما كره الناس، وهذا الكلام عن البعض يدل أن من الناس من يقول يؤكل مما أكل الكلب، لا مما أكل غيره ولعل وجهه أن الكلب قد صاد لصاحبهن ولو أكل منه. واذا خرج المكلب الى ارسال من صاحبه فأخذ وقتل فلا يحل، لأنه لم يأخذ لصاحبه الا ان أدرك الصيد حيا فذبحه، ومن قوله تعالى: {مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم} للابتداء أى اقطعوا منه وكلوا، فان اللحم يبتدىء منه وينتهى الى الفم، ويجوز أن تكون للتبعيض فتكون احترازا عن البعض الآخر وهو الدم، فانه حرام والفرث والريش والشعر فانهن لم يعتد أكلهن، ومن أجاز زيادة من فى الايجاب، ومع المعرفة أجاز زيادتها فتكون ما مفعولا لكلوا، ومن جعلها للتبعيض جعلها مفعولا ان جعلها اسما، والا فمحذوف أى شيئا هو بعض ما أمسكن، ومن جعلها للابتداء فكلوا منزل منزلة اللام عنده أو بقدر اللحم أو شيئا. {وَاذكُرُوا اسمَ اللهِ عَلَيهِ}: أى على ما علمتم من الجوارح، أى اذكروا الله عند ارساله للصيد، فاذا ذكرتم الله عند ارساله فكل ما صاد وقتل حل ولو عشرة أو أكثر، وقيل: الهاء للصيد الذى أرسلتم الجارحة اليه، فان صادت غيره لم يؤكل، وقيل: الهاء له، ولكن المعنى ان أدركتم حياته فاذبحوه واذكروا اسم الله، والأول أكثر. قال ابن عباس: اذا ارسلت جارحتك فقل باسم الله، فاذا نسيت فلا حرج، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل "تفسير : وعن عدى بن حاتم، حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: انا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: "اذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك الا أن يأكل الكلب فلا تأكل فانى أخاف أن يكون مما أمسك على نفسه، وان خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فانما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " تفسير : ودل هذا الحديث على أن المراد بقوله فى أول الحديث: "حديث : اذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله "تفسير : أنه ذكر اسم الله على الكلب، ودل على أن هذا هو المراد أيضا فى قوله صلى الله عليه وسلم لأبى ثعلبة الخشنى: "حديث : وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، ما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل "تفسير : أى فذكه وكل، وفى قول أبى هريرة، وسلمان، وسعد بن أبى وقاص: حديث : اذا أكل الكلب ثلثيه وبقى ثلث وذكرت اسم الله عليه فكل . تفسير : {وَاتقُوا الله}: فى ما حلل لكم وما حرم عليكم، لا تحرموا ما أحل ولا تحلوا ما حرم. {إِنَّ الله سَرِيعُ الحِسَابِ}: لا يخفى عنه شىء، فهو يؤاخذ بما جل أو دق.
اطفيش
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} بعد بيان المحرمات لهم عن المحللات، والواو للمسلمين، سأَله عاصم ابن عدى وسعد بن خيثمة وعويمر بن ساعدة أَو عدى بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيان، أَو كلهم، والمضارع لحكاية الحال الماضية أَو للاستمرار على الحرص على مضمون السؤال ولو لم يتعدد السؤال. قال أَبو رافع: جاءَ جبريل إِلى النبى صلى الله عليه وسلم فاستأَذن عليه فأَذن له. فأَبطأَ فأَخذ رداءَه فخرج إِليه وهو قائم بالباب. فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : قد أَذنا لكتفسير : ، قال: أَجل لكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة، فنظر فإذا فى بعض بيوتهم جرو، قال أَبو رافع: فأَمرنى صلى الله عليه وسلم أَن أَقتل كل كلب بالمدينة ففعلت وجاءَ الناس فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأُمة التى أَمرت بقتلها؟ فسكت صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: يسأَلونك..إِلخ، والمسئول ما أَحل من المطاعم والمآكل كما يناسب الكلام السابق وقيل: ما أُحل من الصيد والذبائح، ويجوز أَن يراد الكل. {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} من الحيوان وغيره، الهاء جارية على ذكرهم بواو الغيبة ولو ذكر سؤالهم على ما لفظوا به لقال: ماذا أَحل لنا، والجملة مفعول يسأَلون لتضمنه معنى يقولون، وعندى أَن السؤال يعلق عن التعدى بعن ويسلط على الجمل كأَفعال القلوب، لأَنه سبب للعلم فيعلق كما يعلق العلم، وقيل: ليس السؤال استفهاما بل طلب كطلب العطاءِ، وأَن المعنى يطلبون منك جواب هذا اللفظ الذى هو قولهم ماذا أَحل لهم. {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} ولو قال: قل أُحل لهم نظير الغيبة هنا وما بعده لجاز فيناسب الغيبة فى يسأَلون لكن خاطب مراعاة لكونه صلى الله عيه وسلم يخاطبهم، والطيبات المستلذات هنا، وكل ما فيه نفع ولا يضر فهو مستلذ ولو تفاوتت اللذات، وليس المراد بالطيبات المحللات وإِلا صار المعنى: قل أُحل لكم المحللات وهو ركيك لرجوعه إلى تحصيل الحاصل أَو الدور، أَى أُحل لكم ما علمتم أَنه حلال، ويقال: المعنى ما لم تستخبثه طبائع العرب السليمة وما لم يدل نص أَو قياس على حرمته لأَنه داخل فى عموم قوله تعالى: {أية : هو الذى خلق لكم ما فى الأَرض جميعا} تفسير : [البقرة: 29]، وقد خرج من عمومه ما حرمه القرآن أَو الحديث، ولو حملنا الطيبات على المستلذات لخص منها ما حرم القرآن أَو السنة، وأَما ما يستخبثه الطبع السليم فحرام. وعندى لا يصح هذا لأَنه صلى الله عليه وسلم أَسلم العرب والعجم طبعا وقد استخبث طبعه الضب حتى بزق، مع نصه أَنه حلال، وعبارة بعضهم ما أَذن الله سحانه فى أَكله من المأَكولات والذبائح والصَّيد، وقيل مالم يرد بتحريمه نص أَو قياس، ودخل فيه المجمع عليه الذى لم نطلع على ما استند إِليه. {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ} أَى ومصيد ما علمتم من الجوارح، ترك الأَنجاس والائتمار والانتهاء والصيد لصاحبها، ولا يتكرر هذا مع قوله: {فكلوا مما أَمسكن عليكم} لأَن فيه زيادة قيد الإِمساك عليهم لا لهن، ثم إِن التأكد أَيضاً جائز، ويجوز أَن لا يقدر مضاف فما مبتدأ وجوابها فكلوا إلخ. أَو نصب على الاشتغال أَى اعتبروا ما علمتم فكلوا على أَن الفاءَ صلة والخطاب للمؤمنين، وأَنت خبير بأَن ذبيحة الكتابى كذبيحة المسلم فلا يجوز الصيد بجارحة المجوسى وغيره من المشركين لأَن تعليمها من غير المؤمن حتى يحدد لها تعليما. ويؤخذ جواز تأديب الحيوان لكل مباح من الصنائع وضربه لذلك من الآية، والجوارح الكواسب للصيد على أَهلها من سباع البهائم كالفهد والهر والنمر والكلب، ومن سباع الطير كالبازى والصقر والشاهين والعقاب كقوله تعالى: {أية : ويعلم ما جرحتم بالنهار} تفسير : [الأنعام: 60]، وكجوارح الإِنسان أَى أَعضاءه التى يكسب بها، أَو من الجرح بمعنى تفريق الاتصال فإن تلك اسباع تجرح الصيد غالبا والمفرد جارحة بتاء المبالغة، وعن ابن عمر والسدى أَن المراد هنا الكلاب فقط {مُكَلِّبِينَ} معلمين لهن ترك الأَنجاس والائتمار عند الأَمر والنتهاء عند النهى. وأَلا يأْكلن مما صدن، فهو حال مؤكدة، وإِن أُريد بعلمتم تعليم ما مر وبالتكليب تعليم الصيد أَو بالعكس فليست مؤكدة ووضع التعليم أَعم من وضع التكليب، أَو مكلبين حاذقين ماهرين فى تعليمهن، وقد قيل هو من الكلب على الشئ أَو به بمعنى اعتياده والولوع به، وينبغى علم أَخذه من متبحر فيه، أَو جاعلين لها كلاب صيد، والكلب المعروف المطلق يجعل كلب صيد والسباع أَيضا كلاب تجعل كلاب صيد، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم سلط على عتبة بن أَبى لهب، وروى على لهب بن أَبى لهب كلبا من كلابكتفسير : فأَكله الأَسد فى طريق الشام، استندوا إِلى صومعة راهب فأَخبرهم أَن الأَرض مسبعة، فقال أَبو لهب: حقت على ولدى دعوة محمد فأَحاطوا عليه بأنفسهم وإِبلهم وما معهم وما أَيقظهم إِلا صياحه من نهشة الأَسد، فعلمنا أَن السباع كلاب، والكلب أَنسب للتأْديب وأَوفق، وأَبعد الجوارح عن التأْديب الطير فقد يكون المراد فى الآية الكلب المعروف، ويلحق غيره به، إِلا أَن قوله من الجوارح أَنسب بعمومه وعموم غيره والتأْديب والتعليم شىءٌ واحد {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} من الحيل فى أَخذ الصيد ومن طرق التأْديب ومن اتباع الصيد بالإِرسال والتسمية عند الإِرسال والانزجار والانصراف وعدم الأَكل مما يصيد، والمعلم ما وجد فيه ثلاثة: إِذا دعى أَجاب وإِذا زجر انزجر وإِذا أَخذ الصيد لم يأكل منه فيحل ما صاد ولو فى المرة الأُولى، وقيل لا حتى يكون ذلك منه ثلاثا فيحل ما فى المرة الرابعة ويدل للأَول إِطلاق قوله {فكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} أَى لكم ومستقرات على شأْنكم فإِنه تعم المرة الأُولى ويعم ما إِذا مات بلا جرح بل بفم الجارحة إِياه، وقيل إِن لم يجرحه لم يحل وإِن أَكل منه لم يحل لأَنه أَمسك على نفسه لا عليكم إِلا إِن وجد حيا فيذكى ولقوله صلى الله، عليه وسلم لعدى بن حاتم: "حديث : إِذا أَرسلت كلبك فاذكر اسم الله تعالى فإِن أَدركته لم يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه وإِن أَدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أَمسك عليك وإن وجدته وقد أَكل فلا تطعم منه شيئا فقد أَمسك على نفسه"تفسير : . وللشافعى فى قوله له أَنه يحل ولو أَكل منه، وقال جماعة به وهو قول مالك والليث وأَبى حنيفة. وقيل لا يشترط ذلك فى سباع الطير لأَن تأديبها إِلى هذا الحد متعذر إِذ لا يقبل الضرب كالكلب، قال ابن عباس: إِذا أَكل الكلب فلا تأكل وإِذا أَكل الصقر فكل لأَن الكلب تستطيع أَن تضربه والصقر لا تستطيع أَن تضربه، وبه قال مالك وأَبو حنيفة والشافعى، وعن سعد بن أَبى وقاص وأَبى هريرة: إِذا أَكل الكلب ثلثيه فكل إِن ذكرت اسم الله عليه وكأَنه يشير إِلى أَن أَكله منه لا يفسده ولو أَكل منه كثيرا ولا أَكثر من الثلثين فالثلثان تمثيل، ومن وجد مصيد كلبه أَو نحو رمحه أَو سهمه حيا ذبحه وإِن شرع فى تهيئة ذبحه أَو ما يذبح به فمات حل، {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ} وإِن نسى الذكر فلا بأس عند ابن عباس {عليه} أَى على ما علمتم من الجوارح أَو على ما أرسلتموه إِليه أَو على ما أَدركتم حياته مما أَمسكن، أَى اذبحوه على اسم الله، والأَمر فى ذلك كله للوجوب، أَو على الأَكل المعلوم من كلوا كما تسمى عند مطلق الأَكل، والأَمر فى هذا للندب إِجماعا، قال الطبرى بسنده عن أَبى رافع والحاكم وصححه: جاءَ جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم يستأْذن عليه فأَذن له فلم يدخل فقال النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : قد أَذنا لك يا رسول الله فقال أَجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب تفسير : ، قال أَبو رافع فأَمرنى أَن أَقتل كل كلب بالمدينة ففعلت حتى انتهيت إِلىامرأَة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها، ثم جئت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَخبرته فأَمرنى بقتله فرجعت إِلى الكلب فقتلته فجاءُوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأُمة التى أَمرت بقتلها فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَنزل الله عز وجل: يسأَلونك ماذا أُحل لهم الآية. قال عكرمة أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَبا رافع فى قتل الكلاب فقتل حتى بلغ العوالى، وصح عنه صلى الله عليه وسلم عن طريق أَبى هريرة حديث : أَنه من اقتنى كلبا نقص كل يوم من عمله قيراط إِلا كلب حرث أَو ماشيةتفسير : ، وروى مسلم: قيراطان وزاد كلب الصيد، وذكر البغوى أَنه صلى الله عليه وسلم أَذن فى اقتناء الكلاب التى ينتفع بها ونهى عن إِمساك مالا نفع فيه عند نزول قوله تعالى: يسأَلونك ماذا أُحل لهم إِلى قوله واذكروا اسم الله عليه. {وَاتَّقُوا اللهَ} فى أُموركم كلها جليلها وحقيرها ومنها أَن لا تأَكل ما صاد غير المعلم {إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ} يعاقب على القليل والكثير والحقير والعظيم إِن لم يعف، وذلك تحذير فى أَمر الصيد أَن يصيد بغير معلم أَن لا يذكر اسم الله أَو يأكل ما أَكل منه الكلب الصائد أَو يضيع الصلاة، قال عرفطة بن نهيك: يا رسول الله رزقت أَنا وأَهل بيتى بالصيد ولنا فيه بركة وقسم واحتجنا إِليه لكن يشغلنى عن ذكر الله وصلاة الجماعة أَفتحله أَم تحرمه؟ قال: حديث : أَحله لأَن الله تعالى قد أَحله، نعم العمل والله تعالى أَولى بأَن يعذرك وقد كانت قبلى رسل كلهم يصطاد أَو يطلب الصيد ويكفيك عن صلاة الجماعة إذا غبت حبك الجماعة وأَهلها وحبك ذكر الله وأَهله وابتغ على نفسك وعيالك حلالها فإِن ذلك جهاد فى سبيل الله تعالى .
الالوسي
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} شروع في تفصيل المحللات التي ذكر بعضها على وجه الإجمال إثر بيان المحرمات، أخرج ابن جرير. والبيهقي في «سننه». وغيرهما عن أبي رافع قال: «حديث : جاء جبريل عليه السلام إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ فأخذ رداءه فخرج إليه وهو قائم بالباب فقال عليه الصلاة والسلام: قد أذنا لك قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني صلى الله عليه وسلم أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، وجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فسكت النبـي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {يَسْـئَلُونَكَ} الآية» تفسير : . وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن السائل عاصم بن عدي. وسعد بن خيثمة. وعويم بن ساعدة، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن السائل عدي بن حاتم. وزيد بن المهلهل الطائيان، وقد ضمن السؤال معنى القول، ولذا حكيت به الجملة كما تحكى بالقول، وليس معلقاً لأنه وإن لم يكن من أفعال القلوب لكنه سبب للعلم وطريق له، فيعلق كما يعلق خلافاً لأبي حيان، فاندفع ما قيل: إن السؤال ليس مما يعمل في الجمل ويتعدى بحرف الجر، فيقال: سئل عن كذا، وادعى بعضهم لذلك أنه بتقدير مضاف أي جواب {مَاذَا}، والأول مختار الأكثرين، وضمير الغيبة دون ضمير المتكلم الواقع في كلامهم لما أن يسألون بلفظ الغيبة كما تقول: أقسم زيد ليضربن، ولو قلت: لأضربن جاز، والمسؤول نظراً للكلام السابق ما أحل من المطاعم والمآكل، وقيل: إن المسؤول ما أحل من الصيد والذبائح. {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} أي ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه، وإلى ذلك ذهب البلخي، وعن أبي علي الجبائي. وأبي مسلم هي ما أذن سبحانه في أكله من المأكولات والذبائح والصيد، وقيل: ما لم يرد بتحريمه نص أو قياس، ويدخل في ذلك الإجماع إذ لا بد من استناده لنص وإن لم نقف عليه، والطيب ـ على هذين القولين ـ بمعنى الحلال، وعلى الأول بمعنى المستلذ، وقد جاء بالمعنيين {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ} عطف على {ٱلطَّيّبَاتِ}بتقدير مضاف على أن {مَا} موصولة، والعائد محذوف أي وصيد ما علمتموه، قيل: والمراد مصدره لأنه الذي أحل بعطفه على {ٱلطَّيّبَاتِ} من عطف الخاص على العام، وقيل: الظاهر أنه لا حاجة إلى جعل الصيد بمعنى المصيد لأن الحل والحرمة مما يتعلق بالفعل، ويحتمل أن تكون {مَا} شرطية مبتدأ، والجواب {فَكُلُواْ}، والخبر الجواب، والشرط على المختار، والجملة عطف على جملة {أُحِلَّ لَكُمُ} ولا يحتاج إلى تقدير مضاف. ونقل عن الزمخشري أنه قال بالتقدير فيه، وقال تقديره لا يبطل كون {مَا} شرطية لأن المضاف إلى اسم الشرط في حكم المضاف إليه ـ كما تقول ـ غلام من يضرب أضرب ـ كما تقول ـ من يضرب أضرب، وتعقب بأنه على ذلك التقدير يصير الخبر خالياً عن ضمير المبتدأ إلا أن يتكلف بجعل (ما أمسكن) من وضع الظاهر موضع ضمير {مَا عَلَّمْتُم} فافهم، وجوز كونها مبتدأ على تقدير كونها موصولة أيضاً، والخبر كلوا، والفاء إنما دخلت تشبيهاً للموصول باسم الشرط لكنه خلاف الظاهر، و {مّنَ ٱلْجَوَارِحِ} حال من الموصول، أو من ضميره المحذوف، و {ٱلْجَوَارِحِ} جمع جارحة، والهاء فيها ـ كما قال أبو البقاء ـ للمبالغة، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر / معها الموصوف، وفسرت بالكواسب من سباع البهائم والطير، وهو من قولهم: جرح فلان أهله خيراً إذا أكسبهم، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم، وقيل: سميت جوارح لأنها تجرح الصيد غالباً. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. والسدى. والضحاك ـ وهو المروي عن أئمة أهل البيت بزعم الشيعة ـ أنها الكلاب فقط. {مُكَلّبِينَ} أي معلمين لها الصيد، والمكلب مؤدب الجوارح؛ ومضربها بالصيد، وهو مشتق من الكلب لهذا الحيوان المعروف لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه؛ أو لأن كل سبع يسمى كلباً على ما قيل، فقد أحرج الحاكم في «المستدرك» ـ وقال: صحيح الإسناد ـ من حديث أبي نوفل قال: «حديث : كان لهب بن أبي لهب يسب النبـي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك ـ أو كلبك ـ فخرج في قافلة يريد الشام فنزلوا منزلاً فيه سباع فقال: إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فجعلوا متاعه حوله وقعدوا يحرسونه فجاء أسد فانتزعه وذهب به»تفسير : ، ولا يخفى أن في شمول ذلك لسباع الطير نظراً، ولا دلالة في تسمية الأسد كلباً عليه. وجوز أن يكون مشتقاً من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به، وانتصابه على الحالية من فاعل {عَلَّمْتُمُ}، وفائدتها المبالغة في التعليم لما أن المكلب لا يقع إلا على النحرير في علمه، وعن ابن عباس. وابن مسعود. والحسن رضي الله تعالى عنهم أنهم قرأوا {مُكَلّبِينَ} بالتخفيف من أكلب، وفعل وأفعل قد يستعملان بمعنى واحد {تُعَلّمُونَهُنَّ} حال من ضمير {مُكَلّبِينَ} أو استئنافية إن لم تكن {مَا} شرطية وإلا فهي معترضة، وجوز أن تكون حالاً ثانية من ضمير {عَلَّمْتُمُ} ومنع ذلك أبو البقاء بأن العامل الواحد لا يعمل في حالين وفيه نظر، ولم يستحسن جعلها حالاً من {ٱلْجَوَارِحِ} للفصل بينهما. {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} من الحيل وطرق التعليم والتأديب، وذلك إما بالإلهام منه سبحانه، أو[مكتسب] بالعقل الذي خلقه فيهم جل وعلا، وقيل: المراد مما عرفكم سبحانه أن تعلموه من اتباع الصيد بأن يسترسل بإرسال صاحبه. وينزجر بزجره. وينصرف بدعائه. ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. ورجح بدلالته على أن المعلم ينبغي أن يكون مكلباً فقيهاً أيضاً، و ـ من ـ أجلية، وقيل: تبعيضية أي بعض ما علمكم الله. {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف المقدر ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره، أو جواب للشرط، أو خبر للمبتدأ، و ـ من ـ تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم وغير ذلك، وقيل: زائدة على رأي الأخفش؛ وخروج ما ذكر بديهي؛ و {مَا} موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف أي أمسكنه، وضمير المؤنث للجوارح، و {عَلَيْكُمْ} متعلق بأمسكن، والاستعلاء مجازي؛ والتقييد بذلك لإخراج ما أمسكنه على أنفسهن، وعلامته أن يأكلن منه فلا يؤكل منه؛ وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم، روى أصحاب السنن حديث : عن عدي بن حاتم قال: «سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم فقال عليه الصلاة والسلام: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه» تفسير : وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه. والشعبي. وعكرمة، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. وأصحابه: إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده، ويؤكل صيد البازي ونحوه وإن أكل، لأن تأديب سباع الطير إلى حيث لا تؤكل متعذر، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج عبد بن حميد / عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل، لأن الكلب تستطيع أن تضربه، والصقر لا تستطيع أن تضربه، وعليه إمام الحرمين من الشافعية؛ وقال مالك. والليث: يؤكل وإن أكل الكلب منه، وقد روي عن سلمان. وسعد بن أبي وقاص. وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وقد ذكرت اسم الله تعالى عليه فكل. {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} الضمير ـ لما علمتم ـ كما يدل عليه الخبر السابق، والمعنى سموا عليه عند إرساله؛ وروي ذلك عن ابن عباس. والحسن. والسدي، وقيل: ـ لما أمسكن ـ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، وقيل: للمصدر المفهوم من ـ كلوا ـ أي سموا الله تعالى على الأكل ـ وهو بعيد ـ وإن استظهره أبو حيان، والأمر للوجوب عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وللندب عند الشافعي، وهو على القول الأخير للندب بالاتفاق {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في شأن محرماته، ومنها أكل صيد الجوارح الغير المعلمة. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي سريع إتيان حسابه، أو سريع إتمامه إذا شرع فيه، فقد جاء ـ أنه سبحانه يحاسب الخلق كلهم في نصف يوم ـ والمراد على التقديرين أنه جل شأنه يوأخذكم على جميع الأفعال حقيرها وجليلها، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل الحكم، ولعل ذكر هذا إثر بيان حكم الصيد لحث متعاطية على التقوى لما أنه مظنة التهاون والغفلة عن طاعة الله تعالى فقد رأينا أكثر من يتعاطى ذلك يترك الصلاة ولا يبالي بالنجاسة، والمحتاجون للصيد ـ الحافظون لدينهم ـ أعز من الغراب الأبيض وهم مثابون فيه. فقد أخرج الطبراني عن صفوان بن أمية «حديث : أن عرطفة بن نهيك التميمي قال: يا رسول الله إني وأهل بيتي مرزوقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة وهو مشغلة عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة في جماعة، وبنا إليه حاجة أفتحله أم تحرمه؟ قال صلى الله عليه وسلم: أحله لأن الله تعالى قد أحله، نعم العمل والله تعالى أولى بالعذر قد كانت قبلي رسل كلهم يصطاد أو يطلب الصيد ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها وحبك ذكر الله تعالى وأهله وابتغ على نفسك وعيالك حلالها فإن ذلك جهاد في سبيل الله تعالى»تفسير : واعلم أن عون الله تعالى في صالح التجار. واستدل بالآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة لأن التعليم قد يحتاج لذلك، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد وقيس به الحراسة، وعلى أنه لا يحل صيد الكلب المجوس، وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد روي عنه في المسلم يأخذ كلب المجوسي. أو بازه. أو صقره. أو عقابه فيرسله أنه قال: لا تأكله وإن سميت لأنه من تعليم المجوسي، وإنما قال الله تعالى: {تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}.
ابن عاشور
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ}. إن كان الناس قد سألوا عمّا أحِلّ لهم من المطعومات بعد أن سمعوا ما حرّم عليهم في الآية السابقة، أو قبل أن يسمعوا ذلك، وأريد جوابهم عن سؤالهم الآن، فالمضارع مستعمل للدلالة على تجدّد السؤال، أي تكرّره أو توقّع تكرّره. وعليه فوجه فصل جملة {يسألونك} أنّها استئناف بيانيّ ناشىء عن جملة {أية : حرّمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] وقوله: {أية : فمن اضطرّ في مخمصة}تفسير : [المائدة: 3]؛ أو هي استئناف ابتدائي: للانتقال من بيان المحرّمات إلى بيان الحلال بالذات، وإن كان السؤال لم يقع، وإنَّما قصد به توقّع السؤال، كأنَّه قيل: إن سَألوكَ، فالإتيان بالمضارع بمعنى الاستقبال لتوقّع أن يسأل الناس عن ضبط الحلال، لأنَّه ممّا تتوجَّه النفوس إلى الإحاطة به، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرّم عليهم من غير ما عُدّد لهم في الآيات السابقة، وقد بيّنّا في مواضع ممّا تقدّم، منها قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الأهلّة} تفسير : في سورة البقرة (189): أنّ صيغة {يسألونك} في القرآن تحتمل الأمرين. فعلى الوجه الأوّل يكون الجواب قد حصل ببيان المحرّمات أوّلاً ثم ببيان الحلال، أو ببيان الحلال فقط، إذا كان بيان المحرّمات سابقاً على السؤال، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدّم ذكره. و{الطيّبات} صفة لمحذوف معلوم من السياق، أي الأطعمة الطيّبة، وهي الموصوفة بالطيِّب، أي التي طابت. وأصل معنى الطيب معنى الطّهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلاً وآجلاً، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً لا يسمّى طيِّباً: لأنّه يعقب ألماً أو ضُرّاً، ولذلك كان طيّب كلّ شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه. وقد أطلق الطيِّب على المباح شرعاً؛ لأنّ إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرّة، قال تعالى: {أية : كلوا ممَّا في الأرض حلالاً طيّباً}تفسير : [البقرة: 168]. والمراد بالطيّبات في قوله: {أحل لكم الطيبات} معناها اللغوي ليصحّ إسناد فعل {أحِلّ} إليها. وقد تقدّم شيء من معنى الطيّب عند قوله تعالى: {أية : يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً} تفسير : في سورة البقرة (168)، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى: {أية : والبلد الطيّب} تفسير : في سورة الأعراف (58). والطيّبات} وصف للأطعمة قُرِن به حكم التحليل، فدلّ على أنّ الطِّيبَ علّة التحليل، وأفاد أنّ الحرام ضدّه وهو الخبائث، كما قال في آية الأعراف، في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم {أية : ويحلّ لهم الطيّباتِ ويحرّم عليهم الخبائث}تفسير : [الأعراف: 157]. وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيّبات؛ فعن مالك: الطيّبات الحلال، ويتعيّن أن يكون مراده أنّ الحلّ هو المؤذن بتحقّق وصف الطيِّب في الطعام المباح، لأنّ الوصف الطيّب قد يخفى، فأخذ مالك بعلامته وهي الحلّ كيلا يكون قوله: {الطيّبات} حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ، فيتَعيّن، إذن، أن يكون قوله: {أحل لكم الطيبات} غيْر مراد منه ضبط الحلال، بل أريد به الامتنان والإعلام بأنّ ما أحلّه الله لهم فهو طيّب، إبطالاً لِما اعتقدوه في زمن الشرك: من تحريم ما لا موجب لتحريمه، وتحليل ما هو خبيث. ويدلّ لذلك تكرّر ذكر الطيّبات مع ذكر الحلال في القرآن، مثل قوله: {أية : اليومَ أحلّ لكم الطيّبات}تفسير : [المائدة: 5] وقولِه في الأعراف (157): {أية : ويُحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث}تفسير : . وعن الشافعي: الطيّبات: الحلال المستلذّ، فكلّ مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام. قال فخر الدين: العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة، فإنّ أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات، وتتأكّد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى: {أية : خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29] فهذا يقتضي التمكّن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلاُّ أنّه دخله التخصيص بحرمة الخبائث، فصار هذا أصلاً كبيراً في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة. منها أنّ لحم الخيل مباح عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: ليس بمباح. حجّة الشافعي أنّه مستلذّ مستطاب، والعلم بذلك ضروري، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً، لقوله تعالى: {أحل لكم الطيبات}. وفي «شرح الهداية» في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي «أنّ ما استطابه العرب حلال، لقوله تعالى: {أية : ويحلّ لهم الطيّبات}تفسير : [الأعراف: 157]، وما استخبثه العرب حرام، لقوله: {أية : ويحرّم عليهم الخبائث}تفسير : [الأعراف: 157]. والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنّ القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به، ولم يُعتبر أهل البوادي لأنّهم يأكلون ما يجدون للضرورة والمجاعة. وما يوجد في أمصار المسلمين ممّا لا يعرفه أهل الحجاز رُدّ إلى أقرب مَا يشبهه في الحجاز اهـــ. وفيه من التحكّم في تحكيم عوائد بعض الأمّة دون بعض ما لا يناسب التشريع العامّ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم الضبّ بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث خالد بن الوليد: «ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه» ومع ذلك لم يحرّمه على خالد. والذي يظهر لي: أنّ الله قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيّب فلا جرم أن يكون ذلك منظوراً فيه إلى ذات الطعام، وهو أن يكون غير ضارّ ولا مستقذر ولا مناف للدين، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرّمه الدّين، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المُعتدلين من البشر، من كلّ ما يعدّه البشر طعاماً غير مستقذر، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات، وعن الطبائع المنحرفات، ونحن نجد أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات، ويترك بعضهم ذلك البعض. فمن العرب من يأكل الضبّ واليربوع والقنافذ، ومنهم من لا يأكلها. ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذّر ذلك. وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز، وأهل جزيرة شريك يستجيدون لحم المعز، وفي أهل الصحاري تُستجاد لحوم الإبل وألبانُها، وفي أهل الحضر من يكره ذلك، وكذلك دوابّ البحر وسلاحفه وحيّاته. والشريعة من ذلك كلّه فلا يقضي فيها طبعُ فريق على فريق. وَالمحرّمات فيها من الطعوم ما يضرّ تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدّرات كالأفيون والحشيشة المخدّرة، وما هو نجسَ الذات بحكم الشرع، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق الطيوب وأرواث النعام، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطاً للتحريم إلاّ المحرّمات بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله. والقول بأنّ بعضها حلال دون بعض بدون نصّ ولا قياس هو من القول على الله بما لا يعلمه القائل، فما الذي سوّغ الظبي وحرّم الأرنب، وما الذي سوّغ السمكة وحرّم حيّة البحر، وما الذي سوّغ الجَمَل وحرّم الفرس، وما الذي سوّغ الضبّ والقنفذ وحرّم السلحفاة، وما الذي أحلّ الجراد وحرّم الحلزون، إلاّ أن يكون له نصّ صحيح، أو نظر رَجيح، وما سوى ذلك فهو ريح. وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى التردّد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نصّ فيه أو في مواقع المتشابهات. {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. يجوز أن يكون عطفاً على {الطيّبات} عطف المفرد، على نيّة مضاف محذوف، والتقدير: وصيد ما علّمتم من الجوارح، يدلّ عليه قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم}. فما موصولة وفاء {فكلوا} للتفريع. ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة، وتكون (ما) شرطية وجواب الشرط {فكلوا ممّا أمسكن}. وخُصّ بالبيان من بين الطيّبات لأنّ طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة في جرح الصيد، لا سيما صيد الجوارح، وهو محلّ التنبيه هنا الخاصّ بصيد الجوارح. وسيُذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى: {أية : ليبلونّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم}تفسير : [المائدة: 94] والمعنى: وما أمسك عليكم ما علّمتم بقرينة قوله بعدُ {فكلوا مما أمسكن عليكم} لظهور أن ليس المراد إباحة أكل الكلاب والطيور المعلّمة. والجوارح: جمع الجارح، أو الجارحة، جرى على صيغة جمع فاعلة، لأنّ الدوابّ مراعى فيها تأنيث جمعها، كما قالت العرب للسباع: الكواسب، قال لبيد:شعر : غُبْس كواسِبُ ما يُمَنّ طعامها تفسير : ولذلك تُجمعَ جمعَ التأنيث، كما سيأتي {فكلوا ممّا أمسكن عليكم}. {ومكلِّبين} حال من ضمير {علّمتم} مبيّنة لنوع التعليم وهو تعليم المكلِّب، والمكلِّب ـــ بكسر اللام ـــ بصيغة اسم الفاعل مُعلّم الكلاب، يقال: مكلِّب، ويقال: كَلاَّب. فـ {مكلِّبين} وصف مشتقّ من الاسم الجامد اشتقّ من اسم الكلب جرياً على الغالب في صيد الجوارح، ولذلك فوقوعه حالاً من ضمير {علّمتم} ليس مخصّصاً للعموم الذي أفاده قوله: {وما علّمتم} فهذا العموم يشمل غير الكلاب من فُهود وبُزَاة. وخالف في ذلك ابن عمر، حكى عنه ابنُ المنذر أنّه قصر إباحة أكل ما قتله الجارح على صيد الكلاب لقوله تعالى: {مكلّبين} قال: فأمّا ما يصاد به من البزاةِ وغيرها من الطير فما أدركتَ ذكاته فذكِّه فهو لك حلال وإلاّ فلا تَطْعَمْه. وهذا أيضاً قول الضحّاك والسُدّي. فأمَّا الكلاب فلا خلاف في إباحة عموم صيد المعلَّمات منها، إلاّ ما شذّ من قول الحسن وقتادة والنخعي بكراهة صيد الكلب الأسود البهيم، أي عامّ السواد، محتجّين بقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الكلب الأسود شيطان» تفسير : أخرجه مسلم، وهو احتجاج ضعيف، مع أنّ النبي ـــ عليه السلام ـــ سمّاه كلباً، وهل يشكّ أحد أنّ معنى كونه شيطاناً أنَّه مظنّة للعقر وسوء الطبع. على أنّ مورد الحديث في أنَّه يقطع الصلاة إذا مرّ بين يدي المصلّي. على أنّ ذلك متأوّل. وعن أحمد بن حنبل: ما أعرف أحداً يرخّص فيه (أي في أكل صيده) إذا كان بهيماً، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكيف يصْنع بجمهور الفقهاء. وقوله: {تعلمونهن مما علمكم الله} حال ثانية، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان، إذ جعله معلَّماً بالجبلّة من يومَ قال: {أية : يا آدم أنبئهم بأسمائهم}تفسير : [البقرة: 33]، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان، إذ جعله قابلاً للتعلّم. فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزّل منزلة الحال المؤكّدة، وباعتبار كونها تضمّنت معنى الامتنان فهي مؤسّسة. قال صاحب «الكشاف» «وفي تكرير الحال فائدةُ أنّ على كلّ آخذ عِلماً أن لا يأخذه إلاّ من أقْتَللِ أهلِه علماً وأنْحَرِهم دِراية وأغوصِهِم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكبادَ الإبل، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيّع أيّامه وعَضّ عند لقاء النَّحارير أنامله».اهـــ. والفاء في قوله: «فكلوا ممّا أمسكن عليكم» فاء الفصيحة في قوله: {وما علّمتم من الجوارح} إن جعلت (ما) من قوله {وما علّمتم} موصولة، فإن جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب. وحرف (من) في قوله {ممّا أمسكن عليكم} للتبعيض، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناوَلات، كقوله: «كلوا من ثمره». وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد، ولا أنّ ذلك احتراس عن أكل الريش، والعظم، والجلد، والقرون؛ لأنّ ذلك كلّه لا يتوهّمه السامع حتّى يحترس منه. وحرف (على) في قوله {ممّا أمسكن عليكم} بمعنى لام التعليل، كما تقول: سجن على الاعتداء، وضُرب الصبيّ على الكذب، وقول علقمة بن شيبان:شعر : ونُطاعن الأعداءَ عن أبنائنا وعَلَى بصائرنا وإن لم نُبْصِر تفسير : أي نطاعن على حقائقنا: أي لحماية الحقيقة، ومن هذا الباب قوله تعالى: {أية : أمسك عليك زوجك}تفسير : [الأحزاب: 37]، وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"تفسير : . ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح: من كلاب، وفهود، وسباع طير: كالبزاة، والصقور، إذا كانت معلّمة وأمسكت بعد إرسال الصائد. وهذا مقدار اتّفق علماء الأمّة عليه وإنَّما اختلفُوا في تحقّق هذه القيود. فأمَّا شرط التعليم فاتّفقوا على أنّه إذا أُشلي، فانْشلى، فاشتدّ وراء الصيد، وإذا دُعي فأقبل، وإذا زجر فانزجر، وإذا جاء بالصيد إلى ربّه، أنّ هذا معلّم. وهذا على مراتب التعلّم. ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك: فيكتفي فيها بأن تؤمر فتطيع. وصفاتُ التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد، وأنَّه صار له معرفة، وبذلك قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرّتيْن أو ثلاث، خلافاً لأحمد، وأبي يوسف، ومحمد. وأمّا شرط الإمساك لأجل الصائد: فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إيّاها، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدوداً، أو أمرُه إيّاها بلفظ اعتدات أن تفهم منه الأمر كقوله: «هذا لَكِ» لأنّ الإرسال يقوم مقام نية الذكاة. ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتّى يرجع إلى ربّه بالصيد. واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربّه هل يبطل حكم الإمساك على ربّه: فقال جماعة من الصحابة والتابعين: إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية؛ لأنّه إنَّما أمسك على نفسه، لا على ربّه. وفي هذا المعنى حديث عديّ بن حاتم في الصحيح: أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلب، فقال: «حديث : وإذا أكَل فلا تأكل فإنَّما أمسك على نفسه»تفسير : . وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق. وقال جماعة من الصحابة: إذا أكل الجارح لم يضرّ أكله، ويؤكل ما بقي. وهو قول مالك وأصحابه: لحديث أبي ثَعْلبة الخُشَني، في «كتاب أبي داوود»: أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «وإن أكل منه». ورام بعض أصحابنا أن يحتجّ لهذا بقوله تعالى: {ممّا أمسكن عليكم} حيث جاء بمن المفيدة للتبعيض، المؤذنة بأنّه يؤكل إذا بَقي بعضه، وهو دليل واه فقد ذكرنا آنفاً أنَّ (مِن) تدخل على الاسم في مِثل هذا وليس المقصود التَّبعيض، والكلب أو الجارح، إذا أشلاه القنّاص فانشلى، وجاء بالصيد إلى ربّه. فهو قد أمسكه عليه وإن كان قد أكل منه، فقد يأكل لفرط جوع أو نسيان. ونحا بعضهم في هذا إلى تحقيق أنّ أكل الجارح من الصيد هل يقدح في تعليمه، والصواب أنّ ذلك لا يقدح في تعليمه، إذا كانت أفعاله جارية على وفق أفعال الصيد، وإنما هذا من الفلتة أو من التهوّر. ومَال جماعة إلى الترخيص في ذلك في سباع الطير خاصّة، لأنّها لا تفقه من التعليم مَا يَفقه الكلب، وروي هذا عن ابن عباس، وحمّاد، والنخعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور. وقد نشأ عن شرط تحقّق إمساكه على صاحبه مسألة لو أمسك الكلب أو الجارح صيداً لم يره صاحبه وتركه ورجع دونه، ثم وجد الصائد بعد ذلك صيداً في الجهة التي كان يجوسها الجارح أو عرف أثر كلبه فيه؛ فعن مالك: لا يؤكل، وعن بعض أصحابه: يؤكل. وأمَّا إذا وجد الصائد سهمه في مقاتل الصيد فإنَّه يؤكل لا محالة. وأحسب أنّ قوله تعالى: {مما أمسكن عليكم} احتراز عن أن يجد أحد صيداً لم يصده هو، ولا رأى الجارح حين أمسكه، لأنّ ذلك قد يكون موته على غير المعتاد فلا يكون ذكاة، وأنَّه لا يحرم على من لم يتصدّ للصيد أن يأكل صيداً رأى كلب غيره حين صاده إذا لم يجد الصائد قريباً، أو ابْتاعه من صائده، أو استعطاه إيَّاه. وقوله: {واذكروا اسم الله عليه} أمر بذكر الله على الصيد، ومعناه أن يذكره عند الإرسال لأنه قد يموت بجرح الجارح، وأمَّا إذا أمسكه حيّاً فقد تعيّن ذبحه فيذكر اسم الله عليه حينئذٍ. ولقد أبدع إيجازُ كلمة «عليه» ليشمل الحالتين. وحكمُ نسيان التسمية وتعمّد تركها معلوم من كتب الفقه والخلاف، والدينُ يسر. وقد اختلف الفقهاء: في أنّ الصيد رخصة، أو صفة من صفات الذكاة. فالجمهور ألحقوه بالذكاة، وهو الراجح، ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المَجوسي. وقال مالك: هو رخصَة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابيّ ولا المجوسي وتلا قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم}تفسير : [المائدة: 94]. وهو دليل ضعيف: لأنَّه وارد في غير بيان الصيد، ولكن في حُرمة الحَرم. وخالفه أشهب، وابن وهب، من أصحابه. ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلاّ رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع. وقوله: {واتَّقوا الله} الآية تذييل عامّ ختمت به آية الصيد، وهو عامّ المناسبة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4- يسألك المؤمنون - أيها الرسول - ماذا أحل الله لهم من طعام وغيره فقل لهم: أحلّ الله لكم كل طيب تستطيبه النفوس السليمة، وأحلّ لكم ما تصطاده الجوارح التى علمتموها الصيد بالتدريب، مستمدين ذلك مما علمكم الله. فكلوا من صيدها الذى أرسلتموها إليه وأمسكته عليكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها، واتقوا الله بالتزام ما شرع لكم، ولا تتجاوزوه، واحذروا مخالفة الله فيه، فإنه سريع الحساب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الطيبات: ما أذن الله تعالى في أكله وأباحه لعباده المؤمنين. الجوارح: جمع جارحة بمعنى كاسبة تجرح بمعنى تكسب. مكلبين: أي مرسلين الجارحة على الصيد السواء كانت الجارحة كلباً أو طيراً. طعام الذين أوتوا الكتاب: ذبائح اليهود والنصارى. المحصنات: جمع محصنة وهي العفيفة الحرة من النساء. أجورهن: مهورهن وصدقاتهن. غير مسافحين: غير مجاهرين بالزنى. أخدان: جمع خدن وهو الخليل والصاحب السريّ. ومن يكفر بالإيمان: أي يرتد عن الإِيمان فالباء بمعنى عن إذ يقال ارتد عن كذا... حبط عمله: بطل كل ما قدمه من الصالحات فلا يثاب عليه. معنى الآيتين: ورد أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يدخل لوجود كلب صغير في البيت فقال: (إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب) فأمر النبي بعدها بقتل الكلاب فقتلت ثم جاء بعضهم يسأل عما يحل لهم من أمة الكلاب فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} وهي كل ما لذ وطاب مما أباحه الله تعالى ولم ينه عنه، وأحل لكم كذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكلاب الخاصة بالاصطياد والفهود والنمور والطيور كالصقور ونحوها. مكلبين أي مرسلين لها على الصيد لتمسكه لكم، {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}. أي تؤدبون تلك الجوارح بالأدب الذي أدبكم الله تعالى به، وحد الجارحة المؤدبة أنها إذا اشليت أي أرسلت على الصيد ذهبت إليه وإذا زُجرت انزجرت وإذا دعيت أجابت. وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} يفيد شرطين لحلية الصيد زيادة على كون الجارحة معلمة وهما أولاً أن يذكر اسم الله عند إرساله الجارحة بأن يقول: بسم الله هاته مثلا، والثاني أن لا تأكل الجارحة منه فإن أكلت منه فقد أمسكت لنفسها ولم تمسك لمن أرسلها، اللهم إلا إذا أدركت حية لم تمت ثم ذكيت فعند ذلك تحل بالتذكية لا بالإصطياد، وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} وعيد لمن لم يتق الله في أكل ما حرم أكله من الميتة وأنواعها، ومن صيد صاده غير معلّم من الجوارح، أو صاده معلم ولكنه أكل منه فمات قبل التذكية. فلتتق عقوبة الله في ذلك فإن الله سريع الحساب. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [4] أما الآية الثانية [5] وهي قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} أي في هذا اليوم الذي أكمل الله تعالى لكم فيه الدين أحل لكم ما سألتم عنه وهو سائر الطيبات وكذا طعام الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى خاصة فطعامهم أي ذبائحهم حل لكم، وطعامكم حل لهم أي لا بأس أن تطعموهم من طعامكم فإن ذلك جائز لكم ولهم. وأحل لكم أيضاً نكاح المحصنات أي العفائف من المؤمنات، والمحصنات من نساء الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهن العفائف من اليهوديات والنصرانيات، على شرط إتيانهن أجورهن أي مهورهن حال كونكم محصنين أي عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإِيجاب والقبول، لا مسافحين بإعطاء المرأة أجرة وطئها فقط بدون عقد مستوف لشروطه، ولا متخذي أخدان أيضاً بأن تنكحوهن سراً بحكم الصحبة والصداقة والمحبة إذ ذاك هو الزنى فلا يحل بأجرةٍ ولا بغير بأجرةٍ وقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ} فيه إشارة إلى أن استباحة المحرمات والجرأة على ذلك قد تؤدي إلى الكفر، ومن يكفر بعد إيمانه فقد حبط عمله أي بطل ثواب ما عمله في إسلامه، حتى ولو راجع الإِسلام فليس له إلا ما عمله بعد رجوعه إلى الإسلام، وإن مات قبل العودة إلى الإِسلام فهو قطعاً في الآخرة من الخاسرين بإلقائهم في نار جهنم خالدين فيا أبداً. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- مشروعية سؤال من لا يعلم عما ينبغي له أن يعلمه. 2- حلية الصيد إن توفرت شروطه وهي أن يكون الجارح معلماً وأن يذكر اسم الله تعالى عند إرساله وأن لا يأكل منه الجارح، ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة بشرط ذكر اسم الله عند رميه ولو وجد ميتاً فلم يذك. 3- إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب. 4- إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة عفيفة وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل زوجني فلانه فيقول له قد زوجتكها. 5- حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة. 6- المعاصي قد تقود إلى الكفر. 7- المرتد عن الإِسلام يحبط عمله فلو راجع الإِسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإِسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين.
القطان
تفسير : الجوارح: كل ما يصيد من الكلاب والفهود والطير. مكلبين: من التكليب، وهو تعليم الكلاب الصيد، وصار يستعمل في تعليم الجوارح. يسألك المؤمنون أيها الرسول: ماذا أُحل لنا من الطعام؟ فقل لهم: أُحِلّ لكم كل طيب تستطيبه النفوس السليمة، وأُحل لكم صيدُ الجوارح التي علّمتموها الصيدَ بالتدريب. مستمدِّين ذلك مما علّمكم الله، فكلوا ما تمسكه هذه الجوارح عليكم وتصيده لكم. واذكروا اسم الله عند إرسالها كما روي ذلك عن ابن عباس "إذا ارسلتَ كلبَك وسمَّيْتَ فأخذَ، فقتَل، فكُل". واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه سريع الحساب.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {ٱلطَّيِّبَاتُ} (4) - سَأَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَزَيْدُ بْنُ مُهَلْهِلٍ الطَّائِييَّنِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالاَ: قَدْ حَرَّمَ اللهُ المَيْتَةَ، فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَعْنِي: أنَّ اللهَ أَحَلَّ الذَبَائِحَ الحَلاَلَ الطَّيِّبَةَ لَهُمْ، التِي ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا، وَأحَلَّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ، وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا اصْطَادُوهُ بِِالجَوَارِحِ كَالكِلاَبِ وَالصُّقُورِ وَالفُهُودِ. (وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الحَيَوانَاتُ بِالجَوَارِحِ، اشْتِقَاقاً مِنَ الجَرْحِ وَهُوَ الكَسْبُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ لاَ جَارِحَ لَهُ، أيْ لاَ كَاسِبَ لَهُ). وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : أَيْ مَا كَسَبْتُمْ. وَهَذِهِ الجَوَارِحُ تَقْتَنِصُ الفَرَائِسَ بِمَخَالِبِهَا وَأظْفَارِهَا، وَتَكُونُ قَدْ عُلِّمَتْ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِذَا أرْسَلَهَا أصْحَابُها اسْتَرْسَلَتْ، وَإِذا أَشْلَوْهَا اسْتَشْلَتْ، وَإذا أخَذَتِ الصَّيْدَ أَمْسَكَتْهُ عَلَى أصْحَابِهَا حَتَّى يَجِيئُوا إلَيْهَا، وَلاَ تُمْسكُهُ لِنَفْسِهَا، فَمَتَى كَانَ الجَارِحَ مُعَلِّماً، وَأمْسَكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ قَدْ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ قَبْلَ إطْلاَقِهِ، حَلَّ الصَّيْدُ، وَإنْ قَتَلَهُ بِالإِجْمَاعِ. وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِتَقْوَاهُ، وَبِأنْ لاَ يُقْدِمُوا عَلَى مُخَالَفَةِ أوَامِرِهِ، بِالأَكْلِ مِنَ المُحَرَّمَاتِ التي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَيُعْلِمُهُمْ أنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنيا جَميعِها، وَأنَّهُ تَعَالَى سَرِيعُ الحِسَابِ، يُحَاسِبُ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. الجَوَارِحُ - الحَيوانَاتُ التِي يُصَادُ بِهَا كَالكِلاَبِ وَالصُّقُورِ. التَّكْلِيبُ - تَعْلِيمُ الجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ وَتَضْرِيَتُهَا. الطَّيِّبُ - هُوَ مَا تَسْتَطِيبُهُ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فبعد أن بين الحق ما حرم وما أحل، نجد أن المحَلَّلَ غير محصور، بل المحصور هو المحرم؛ لأن الحق حرم عشرة أشياء، فإن هذه الأشياء العشرة ليست هي كل الموجودات في الكون، فالموجودات في الكون كثيرة. وسبحانه وتعالى حين خلق آدم وجعله يتناسل ويتكاثر للخلافة في الأرض؛ قدر في هذه الأرض مقومات استبقاء الحياة لذلك النوع. والاستبقاء نوعان: استبقاء حياة الذات للإنسان، واستبقاء حياة نوع الإنسان، واستبقاء حياة الذات تكون بالتنَفس والشراب والطعام، واستبقاء حياة النوع تكون بالإنكاح والتناسل. إذن يوجد بقاءان لاستمرار الخلافة: البقاء الأول: أن تبقى الحياة وذلك بمقوماتها، والبقاء الثاني: أن يبقى نوع الحي وذلك بالتكاثر. وحتى تبقى الحياة ويتكاثر الإنسان لا بد من وجود أشياء وأجناس تخدم الإنسان وتعطيه الطاقة. وطمأننا سبحانه وتعالى على الرزق حينما قال: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 9-11] وهو بذلك يخبرنا بأنه قدر في الأرض أقواتها، وقدر هذه الأقوات للإنسان الخليفة في الأرض، لتقيت الإنسان لهذه الحياة، ويُبقي الإنسان نوعه بالإنكاح. وحين يعد العبد النعم التي وفرها له الحق يجدها لا تحصى. ولم يحاول الإنسان على طول تاريخه أن يحسب ويحصي نعم الله في الأرض؛ لأن الإقبال على الإحصاء يكون نتيجة المظنة بالقدرة على الإحاطة بالنعم. وقد عرف الإنسان بداية أنه لا يقدر على الإحاطة بنعم الله؛ فلم يجرؤ أحد على أن يعدها. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] وقد استخدم "إن" وهي للأمر المشكوك فيه. إذن فهي نعم كثيرة لا نقدر على إحصائها. ونسأل: أيقول الحق لنا النعم المحللة أو الأشياء المحرمة؟ وبما أن المحلل كثير لا نهاية له، وبما أن المحرم محصور؛ لذلك يورد لنا الأشياء المحرمة. وقد بين لنا الحق عشرة أشياء محرمة من النعم. ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن عدم قدرة الإنسان على إحصاء نعمه سبحانه وتعالى قال في آية: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] وقال في آية أخرى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18] وظاهر كلام الناس يقول: إنها عبارات تقال وتتكرر، ولكننا نقول: يجب أن ننتبه إلى أن النعمة تحتاج إلى من يعطيها وهو المُنعِم، ومن تعطى له وهو المنعم عليه. إذن فنحن أمام ثلاثة عناصر: نعمة، ومُنعِم، ومُنْعَمِ عليه. أما من جهة النعمة وأفرادها فلن يقدر البشر على إحصائها لأنها فوق الحصر. ومن جهة المنعم فهو غفور رحيم. ومن جهة المنعم عليه فهو ظلوم كفار. لماذا يأتي الله لنا بمثل هذه الحقائق؟ إنه سبحانه لو عاملنا بكفرنا وجحودنا وظلمنا لمنع النعمة، ولكن استدامة نعمة الله علينا فضل منه ورحمة لأنها تشملنا حتى ولو كنا ظالمين وكنا كفارا؛ لذلك كان من اللازم أن يأتي بهاتين الآيتين، فمن ناحية النعمة لن نقدر على حصرها. ومن ناحية المنعم فهو غفور رحيم. ومن ناحية المنعم عليه فهو ظلوم كفار. ولذلك فعندما يرتكب الإنسان ذنبا فإن أهل الإيمان يقولون له: لا تيأس؛ فربك هو، هو، إنه غفور رحيم. ولذلك لا تستحي أيها العبد أن تطلب من ربك شيئا على الرغم من معصيتك، فالله غفور رحيم. وعندما ننظر إلى مقومات الأشياء، فإننا نعرف المقوم الأساسي. لكن هناك مقومات تخدم المقوم الأساسي. ومثال ذلك نحن نأخذ القمح وندرسه، ونصنع من حبوب القمح دقيقا لنصنع منه خبزاً. ويحتاج القمح إلى مقومات كثيرة حتى يخرج من الأرض - وهو مقوم أساسي - إن القمح يحتاج إلى ري منتظم وحرث وخلاف ذلك، إذن فالذي خلقنا قدر لنا هذه الأشياء، ومادام قد قدر لنا كل هذه الأشياء، فعلينا أن نسمع تعاليمه. وهو قد أوضح: إياك أن تظن أن كل ما خلقت من خلق فأنا مُحِلّه لك؛ لأني قد أخلق خلقاً ليس من طبيعته أن تتناوله، وليس من طبيعتك أن تتناوله، ولكن لهذا المخلوق عمل فيما تتناوله كالحرث والري والتسميد للقمح، إنها وسائل وأسباب للحصول عليه. فإذا ما قال قائل: مادام هو سبحانه قد خلق هذه المحركات فلماذا حرمها؟ ونقول: هذه الأشياء ليس لها عمل مباشر فيك ولكن لها عمل آخر في الكون. وإذا كنا نحن البشر نصنع آلة ما، ويقول المخترع لنا: قد صممت هذه الآلة - على سبيل المثال - لتدار بالديزل، وآلة أخرى تدار البنزين، والبنزين أنواع، ولو جئنا للآلة التي تدار ببنزين ووضعنا لها سولارا، ما الذي يحدث لها؟ إنها تفسد، هذا في المجال البشري فما بالنا بخالق البشر؟ لقد صنع الحق صنعته وهي الإنسان ووضع المواصفات التي تسير هذه الآلة، وعلينا أن نخضع لتعاليمه حتى لا تفسد حياتنا فلا نخرج عن تلك التعاليم؛ لأنك عندما تخالف وتخرج عما وصفته لصنعتك من نظام، فالآلة التي من صناعتك تفسد. وفي حياتنا آلاف الأمثلة.. فالذي صنع الكهرباء ووضع العلامات للأسلاك السالبة والأسلاك الموجبة، لنأخذ الضوء أو الحركة. وإذا ما حدث خطأ في هذه التوصيلات الكهربية؛ نفاجأ بحدوث قطع في الكهرباء، وقد تحدث حرائق نتيجة شرارة من الاتصال الخاطئ. إذن فكل تكاثر وإنجاب من كل سالب وموجب أي ذكر وأنثى لا بد أن يكون على مواصفات من صنعه وإلا يحدث قطع ودمار، فإن تزوجنا بشرع الله ورسوله، استقامت الحياة، وإن حدث شيء على غير شرع الله، تشتعل الحرائق في الكون. ولذلك تجد العجب أمامك عندما تشهد عقد قران، تجد ولي الزوجة وهو مبتسم منشرح يوجه الدعوات للناس لأن شابا جاء يتزوج ابنته ويقدم الحلوى، لكن لو كانت هذه العروس تجلس في المنزل وحاول شاب أن يتلصص لرؤيتها، فما الذي يحدث في قلب والدها؟ إنه يغلي من الضيق والغضب والتوتر ومن الذي يتلصص لأنه ذهب إلى الفتاة بغير ما أحل الخالق. لكن عندما يدق الباب ويخطبها من أبيها؛ فالأب يفرح، فقد جاء في الأثر: (جدع الحلال أنف الغيرة). ونجد الأب ينتقل من موقف الغيرة إلى موقف الفرح يوم زفاف ابنته، وتذهب الأم صباح اليوم التالي للزفاف لترى حالة ابنتها ولتطمئن، هل الابنة سعيدة أو لا؟ إذن. فلا يقولن أحد: إن الله خلق أشياء فلماذا حرمها؟، لأن الله خلق تلك الأشياء ولها عمل فيما أحل، ومادام سبحانه قد جعل لهذه الأشياء عملاً فيما أحل. فليس لك دخل إلا بالحلال. ولذلك يقول الحق رداً على تساؤل المؤمنين: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} أي أن كل طيب قد حلله الله، وكل خبيث حرمه الله، فلا تقولن: هذا طيب فيجب أن يكون حلالاً، وهذا خبيث فيجب أن يكون حراما، ولكن قل: هذا خلال فيجب أن يكون طيبا، وهذا حرام فيجب أن يكون خبيثا. وإياك أن تحكم أولا بأن هذا طيب وهذا خبيث ثم تبنى على ذلك التحريم والتحليل، فأنت لا تعرف مثلما يعرف خالقك عن كيفية وجدوى ترتيب الأشياء بالنسبة لك، حتى لا تقع في دائرة الذين يستطيبون المسائل الضارة؛ كهؤلاء الذين يتناولون المخدرات والسموم والخمور، بل يجب أن تحرص على فهم ما أحل الله فستراه طيبا، وترفض ما حرم الله لأنه خبيث، فلا تظن أبداً أن كل طيب ظاهريا محلل لك؛ لأن هذا الشيء الطيب في ظاهره قد يكون خبيثا. وعليك أن تترك تحديد الطيب والخبيث لخالقك، فهو أدرى بك وبالمناسب لك. امّا أنت فتعرف الشيء الطيب من تحليل الله له. وتعرف الخبيث من تحريم الله له. والحكم هنا يكون للتكليف، فالله هو الذي خلق، والله هو الذي يعلم الصالح للإنسان. فالمسألة إذن ليست العناصر؛ ولكنها إرادة الخالق لتلك العناصر، فهو الذي قدر فهدى. الخلاصة إذن في هذا الموضوع هي: أن الحق أحل للمؤمنين الطيبات وكل شيء أحله الله يكون طيباً، وكل شيء حرمه الله يكون خبيثاً، فلا تنظر أنت إلى الآراء البشرية التي يقول بعضها على شيء إنه طيب فيكون حلالاً، وإن ذلك الشيء خبيث فيكون حراماً، فأنت وغيرك من البشر لا يعرفون ترتيب الأشياء ولا فائدتها ولا مضرتها بالنسبة لك. والدليل: أن البشر يتدخلون في بعض الأحيان في تحريم أشياء بالنسبة لبعضهم البعض، فنجد الطبيب يقول للمريض: أنت مريض بالسكر فلا يصح أن تتناول النشويات والسكريات. فإذا كنا نسمع كلام الطبيب وهو من البشر، أفلا يجدر بنا أن نستحي ونستمع لأمر الخالق؟! بل نتجاسر ونسأل: لماذا حرمت علينا يا رب الشيء الفلاني؟ وقد يخطئ الطبيب لكن الله لا يمكن أن يخطئ. فهو ربنا المأمون علينا، فما أحله الله يكون الطيب وما حرمه يكون الخبيث، وهذه قضية يتعرض لها أناس كثيرون، فعلى سبيل المثال نسمع من يستشهد الاستشهاد الخاطئ وفي غير موضوعه بقول الحق: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] ويقول: إن عملي يأخذ كل وقتي. ولا فسحة عندي لإقامة الصلاة، والله لم يكلفنا إلا ما في الوسع. ونقول: وهل أنت تقدر الوسع وتبني التكليف عليه؟ لا. عليك أن تسأل نفسك: أكلفك الله بالصلاة أم لا؟. فإذا كان الحق قد كلفك بالصلاة، وغيرها من أركان الإسلام فهو الذي علم وسع الإنسان في العمل. ويجب أن تقدم التكليف أولاً لتعرف طاقة الوسع من بعد ذلك. وكذلك أسأل نفسك عما حلله الله واعرف أنه طيب وما حرمه الله فهو خبيث. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} وإذا سألنا ما تلك الطيبات؟ عرفنا أنها غير ما حرم الله، فكل غير محرم طيب، أو أنهم سألوا عن أشياء سيكون الجواب السابق هو الإجابة الطبيعية لها، وقدم الله الإجمال الذي سبق أن شرحناه. وبعد ذلك يكون المسئول عنه في مسألة الصيد بالكلاب، فجاء لهم بالبيان في مسألة الصيد بالكلاب، وكانت تلك مسألة مشهورة عند العرب بالجاهلية، وكذلك صيد الطيور. فقال: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} فقد وضع الحق القضية العامة أولاً، ثم خصص بعد ذلك. لقد كانت مسألة صيد الجوارح موضوع سؤال من عدي بن حاتم - رضي الله عنه - عن الصيد بالكلاب وبالطيور. وعلينا أن نحسن الفهم عن القرآن بحسن الفهم عن النص، فالحق يقول هنا: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} فهل الكلاب والفهود والنمور التي تصطاد بواسطتها هي المحللة لنا لأننا علمناها الصيد؟ لا. {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} هي قضية منتهية. وبعد ذلك فهنا كلام جديد هو: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}. إذن فالذي أُحل هو ما أمسكت ما علمت من الجوارح، وليست الجوارح التي يعلمها الإنسان، اي أن الحق أحل لنا الطيبات وأكل ما أمسكت علينا الكلاب التي علمناها الصيد. و"الجوارح" مفردها "جارح" ومعناها "كاسب"، ولذلك تسمى أيدينا جوارح، وعيوننا جوارح، وآذاننا جوارح؛ لأننا نكسب بها المدركات. فالعين جارحة تكسب المرئي، والأذن جارحة تكسب المسموع. والأنف جارحة تكسب المشموم. واللمس جارحة لأننا نكسب بها الملموس. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام: 60] و"ما جرحتم" أي ما كسبتم، إذن فالجارحة هي الكاسبة. وقوله الحق: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} مقصود به الحيوانات التي نعلمها كيف تصطاد لنا، وسميت جوارح، لأنها كاسبة لأصحابها الصيد، فالإنسان يطلقها لتكسب له الصيد، أو أنها في الغالب تجرح ما اصطادته. وكلا المعنيين يصح ويعبِّر. والأصل في ما عَلّم الإنسان من الجوارح هو الكلاب، وألحق بالكلاب غيرها مثل الفهود والنمور والصقور. والحق قال: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} أي ما بذلتم من جهد في تدريب هذه الجوارح للصيد، فالإنسان لا يطلق الكلب أو الصقر ليصطاد، لكنه يقوم - أولاً - بتدريب الحيوان على ذلك. ومثال ذلك: عندما يقوم مدرب القرود بتدريب كل قرد عل الألعاب المختلفة، وكذلك مدرب "السيرك" الذي يقوم بتدريب الأسود والفيلة، فهذا الفيل الضخم يقف بأربعة أرجل على اسطوانة قطرها متر واحد، وذلك كله ممكن بالتدريب بما علمكم الله وألهمكم أيها البشر وبما أعطاكم من طول البال وسعة الحيلة. وننتبه هنا إلى نقطة هامة: إن الإنسان يقوم بتدريب الحيوان على ألعاب ومهام مختلفة ولكن الفيل - على سبيل المثال - لا يقدر على تدريب ابنه الفيل الصغير على الألعاب نفسها. وهذا هو الفارق بين الإنسان والفيل، فابن الإنسان يتعلم من والده وقد يتفوق عليه، لكن تدريب الحيوان مقصور على الحيوان نفسه ولا يتعداه إلى غيره من الحيوانات من الجنس نفسه أو الذرية فلا يستطيع الحيوان الذي درّبته ورَّوضته وعلمته أن ينقل ذلك إلى ذريته ونسله فلا يستطيع أن يعلم ابنه. وكلمة "مكلب" تعني الإنسان الذي يعلم الكلاب ويدربها على عملية الصيد. وقال البعض: إن "مكلب" أي الرجل الذي يقتني الكلاب؛ لكنا نقول: إن الإنسان قد يقتني الكلاب لكنه لا يقوم بتدريبها، إذن المكلب هو الذي يحترف تدريب الكلاب، ومثله مثل سائس الخيل الذي يدرب الخيل؛ فالحصان يحتاج إلى تدريب قبل أن يمتطيه الإنسان أو قبل أن يستخدمه في جر العربات. ولماذا ذكر الله "المكلبين" ولم يذكر مدربي الفهود؟. لأن الغالب أن الكلب شبه مستأنس، أما استئناس الفهد فأمر صعب بعض الشيء. و"مكلبين" تعني المنقطعين لتعليم الكلاب عملية الصيد. ويعرف معلم الكلاب أن الكلب قد تعلم الصيد بأنه إذا ما أغراه بالصيد فإن الكلب يذهب إليه. وإذا ما زجره المدرب فهو يرجع من الطريق. وإذا ما ذهب الكلب إلى الصيد بعد تعليمه وتدريبه وأمره المدرب أن يحمل الصيد ويأتي؛ فالكلب يطيع الأمر. ويأتي بالصيد سليماً ولا يأكل منه. فهذه أمارة وعلامة على أن الكلب تعلم الصيد ويمكن تلخيصها في هذه الخطوات: إذا أرسلته للصيد ذهب، وإذا زجرته انزجر، وإذا استدعيته جاء ويأتي بالصيد سليماً لا يأكل منه. فإن أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم؛ لأنه أمسك الصيد على نفسه، ولم يمسكه على صاحبه. ولذلك حدد الحق عملية الصيد بقوله عن الحيوانات التي تؤدي هذه المهمة: {مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}. ومن ضمن عملية التدريب هناك إطار إيماني، فالتدريب العضلي هو عملية يعلمها المكلِّب للكلب, أما الإطار الإيماني فهو ذكر اسم الله على الصيد: { وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وذلك حتى يكون الصيد حلالاً، ولا يقع في دائرة {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}. وإذا ما هجم الكلب على الصيد وقتله، يكون الصيد حلالاً، إن كان صاحب الكلب قد قال: "بسم الله والله أكبر" قبل أن يرسل الكلب إلى الصيد. وإن لم يذكر اسم الله فعليه أن ينتظر إلى أن يعود الكلب بالصيد، فإن كان في الصيد الحياة فليذكِّه أي يذبحه، ويذكر اسم الله، وإن مات الصيد قبل ذلك فلا يأكل منه. وكذلك إذا اصطاد الإنسان بالبندقية.. إن ذكر اسم الله أولاً وقبل أن يطلق الرصاصة فليأكل من الصيد. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} هذه هي القضية العامة، ومن بعد ذلك يحدد لنا الحق ألا نأكل الكلاب، ولكن هذه الكلاب التي نعلمها الصيد وتصطاد لنا ما نأكله بشرط أن تذكر اسم الله على الصيد قبل إطلاق الكلب للصيد، أو بعد أن تذبح الصيد الذي اصطاده الكلب، فذكر اسم الله مسألة أساسية في تناول النعم، لأننا نذكر المذلل والمسخر، ولا يصح أن نأخذ النعمة من وراء صاحبها دون أن نتذكره بكلمة. ويذيل الحق الآية بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} وتقوى الله في هذا المجال تعني ألا يؤدي الإنسان هذه الأمور شكلياً، وعلى المؤمن أن يتقي الله في تنفيذ أوامره بنية خالصة ودقة سلوك؛ لأنه سبحانه سريع الحساب بأكثر من معنى، فمهما طالت دنياك فهي منتهية. ومادام الموت هو نهاية الحياة فالحياة قصيرة بالنسبة للفرد. وإياك أن تستطيل عمر الدنيا؛ لأن عمر الدنيا لك ولغيرك فلا تحسب الأمر بالنسبة إليك على أساس عمر غيرك الذي قد يطول عن عمرك. إذن مدة الحياة محدودة، ومادام الموت قد جاء، فعلى المؤمن أن يتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته ". تفسير : والإنسان منا يعرف من خبر القرآن أن الموت مثل النوم. لا يعرف الإنسان منا كم ساعة قد نامها، ونعرف من خبر أهل الكهف أنهم تساءلوا فيما بينهم: {أية : وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} تفسير : [الكهف: 19] إذن هم لم يتبينوا أنهم ناموا ثلاثمائة عام وتسعة أعوام إلا بعد أن سألوا، وكذلك من يموت فهو لن يدري كم مات إلا يوم البعث. أو أنه سبحانه سريع الحساب أي أن له حساباً قبل حساب الآخرة، وهو حساب الدنيا. فعندما يرتكب العبد المخالفات التي نهى عنها الله، ويأكل غير ما حلل الله، فهو سبحانه قادر على أن يجازي العبد في الدنيا في نفسه بالأمراض أو التعب أو المرض النفسي، ويقف الأطباء أمام حالته حائرين. وقوله الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يصح ان تكون السرعة في الحساب في الدنيا ويصح أن تكون في الآخرة. أو أنه سبحانه سريع الحساب بمعنى أنه يحاسب الجميع في أقل من لمح البصر، فالبعض يظن ظناً خاطئاً أنهم سيقفون يوم القيامة في طابور طويل ليتلقى كل واحد حسابه. لا، هو سبحانه يحاسب الجميع بسرعة تناسب طلاقة قدرته. ولذلك عندما سئل الإمام علي - كرم الله وجهه -: كيف سيحاسب الله كل الناس في وقت واحد ويقال إن مقداره كنصف يوم من أيام البشر؟. فقال الإمام علي: فكما يرزقهم جميعاً في وقت واحد هو قادر على حسابهم في وقت واحد. فسبحانه لم يجعل البشر تقف طابورا في الرزق، بل كل واحد يتنفس وكل واحد يأكل، وكل إنسان يسعى في أرض الله لينال من فضله. ولا أحد بقادر على أن يحسب الزمن على الله؛ لأن الزمن إنما يُحسب على الذي يحدث الحدث وقدرته عاجزة، لذلك يحتاج إلى زمن. إننا عندما ننقل حجراً متوسط الحجم من مكانه فإن ذلك لا يكلف الرجل القوي إلا بعضاً من قُوَّته، لكن هذا العمل بالنسبة لطفل صغير يحتاج إلى وقت طويل، فما بالنا بخالق الإنسان والكون؟ وما بالنا بالفاعل الذي هو قوة القوى؟ هو لا يحتاج إلى زمن، وهو سريع الحساب بكل المعاني. ومن بعد ذلك يقول الحق: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْجَوَارِحِ} [الآية: 4]. الطير والكلاب. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [الآية: 5] قال: يعني ذبائحهم حل لكم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ} [الآية: 6]. قال: المجدور وصاحب القروح وصاحب الجراحة الذي يخاف على نفسه، إِن هو اغتسل أَو توضأَ أَن يموت فهؤلاءِ يتيمَّمُون.. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا الربيع بن / 18و / بدر، عن أبيه عن جده، عن رجل يقال له الأَسلع قال: كنت أَخدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم فأَتاه جبريل بآية الصعيد [الآية: 6]. فأَراني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كيف المسح للتيمم، فضربت الأَرض بيديّ، فمسحت بهما وجهي، ثم ضربت بهما الأَرض فمسحت يهديّ إِلى المرفقين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مِّنْ حَرَجٍ} [الآية: 6]. قال: من ضيق. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} [الآية: 7] يعني: الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [الآية: 11] قال: النعم: الآلآءُ. يقول: اذكروا آلاءَ الله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} [الآية: 11] قال: هم يهود. وذلك أَن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل عليهم حائطاً لهم، وأَصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وراءَ الجدار فاستعانهم في مغرم: في دية غرمها ثم قام من عندهم، فأْتمروا بينهم بقتله، فأَطلع الله، عز وجل، على ذلك نبيه، صلى الله عليه وسلم، فخرج يمشي القهقرى معترضاً وهو ينظر إِليهم خيفتهم، ثم دعا أَصحابه رجلا رجلا حتى انتهوا إِليه. فذلك نعمة الله عليهم، وذلك آلاءُ الله، عز وجل.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} معناهُ الصَوائِدُ. من البَازِ والصّقرِ، والكِلابِ. وغَيرِ ذَلِكَ. مُكَلبِّينَ معناهُ أَصحابُ كِلابٍ.
الأندلسي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} سبب نزولها ما ثبت في صحيح أبي عبد الله الحاكم بسنده إلى أبي رافع قال: حديث : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب. فقال الناس: يا رسول الله ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلهاتفسير : . فنزلت {يَسْأَلُونَكَ}. الآية، ويحتمل أن يكون ماذا كلها استفهاماً والجملة خبر ويحتمل أن تكون ما استفهاماً وذا خبرا أي ما الذي أحل لهم والجملة من قوله: ما إذا أحل لهم في موضع نصب بيسألونك على إسقاط حرف الجر والسؤال هنا معلق وليس فعلاً قلبياً لكن لما كان طريقاً إلى العلم أجرى مجرى العلم فعلق لما كان يسألونك الفاعل فيه ضمير غائب قال لهم بضمير الغائب. ويجوز في الكلام ما ذا أحل لنا، كما تقول: أقسم زيد ليضربنه ولأضربن، وضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوا كما أن لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها. قال الزمخشري في السؤال: معنى القول فلذلك وقع بعده ماذا أحل لهم كأنه قيل: يقولون ما إذا أحل لهم. "انتهى". لا يحتاج إلى ما ذكر لأنه من باب التعليق، لقوله: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} تفسير : [القلم: 40]، فالجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ليسألونك. ونصوا على أن فعل السؤال يعلق وان لم يكن من أفعال القلوب لأنه سبب للعلم فكما يعلق العلم فكذلك سببه. {ٱلطَّيِّبَاتُ} هنا المستلذات. {وَمَا عَلَّمْتُمْ} معطوف على الطيبات وهو على حذف مضاف تقديره وأكل ما علمتم من مصيد الجوارح والجوارح الكواسر من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين. وسميت بذلك لأنها تجرح ما تصيد غالباً ولأنها تكسب. يقال: امرأة لا جارح لها، أي لا كاسب. ومنه ويعلم ما جرحتم بالنهار أي ما كسبتم. ويقال: جرح واجترح بمعنى كسب. {مُكَلِّبِينَ} المكلب بالتشديد معلم الكلاب ومنصريها على الصيد، وبالتخفيف صاحب الكلاب، اشتقاق هذه الحال من الكلب وإن كانت عامة في الجوارح على سبيل التغليب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلب فاشتقت من لفظه لكثرة ذلك في جنسه. وقيل: لأن الغالب من صيدهم أن يكون بالكلاب أو اشتقت من الكلب وهو الضراوة. ويقال: هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به. قال الزمخشري: أو لأن السبع يسمى كلباً، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسدتفسير : . "انتهى". لا يصح هذا الاشتقاق لأن كون الأسد كلباً هو وصف فيه، والتكليب من صفة المعلم، والجوارح هي سباع بنفسها، وكلاب بنفسها لا بجعل المعلم. {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} أي أن تعليمكم إياهن ليس من قبل أنفسكم إنما هو من العلم الذي علمكم الله وهو ان جعل لكم رويّة وفكرة بحيث قبلتم العلم فكذلك الجوارح يصير لهم إدراك مّا وشعور بحيث يقبلن الائتمار والانزجار. وفي قوله: مما علمكم الله، اشعار ودلالة على فضل العلم وشرفه إذ ذكر ذلك في معرض الامتنان ومفعول علم وتعلمونهن. الثاني: محذوف تقديره وما علمتموه طلب الصيد لكم لا لأنفسهن تعلمونهن ذلك. وفي ذلك دلالة على أن صيد ما لم يعلم حرام وأكله، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك بشرط التعليم. والدليل على ذلك الخطاب في عليكم في قوله فكلوا مما أمسكن عليكم، وغير المعلم إنما يمسك لنفسه، ومعنى مما علمكم الله من الأدب الذي أدبكم به سبحانه وتعالى وهو اتباع أوامره واجتناب نواهيه فإِذا أمر فائتمر وزجر. فانزجر فقد تعلم مما علمنا الله. وظاهر مما أمسكن عليكم أنه إذا أمسك على مرسله جاز الأكل سواء أكل أو لم يأكل. {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي على ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله لقوله: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل)، والتسمية عند الإِرسال أهي على الوجوب أو على الندب. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية، لما تقدم ذكر ما حرم وأحل من المطاعم، أمر بالتقوى فإِن التقوى بها يمسك الانسان عن الحرام وعلل الأمر بالتقوى بأنه تعالى سريع الحساب لمن خالف ما أمر به من تقواه فهو وعيد بيوم القيامة وإن حسابه إياكم سريع إتيانه إذ يوم القيامة قريب.
الجيلاني
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ} أي: أيّ شيء من الأشياء المألوفة المتعارفة {أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ} في دينكم {ٱلطَّيِّبَاتُ} التي مضى ذكرها في أول السورة من البهائم المذكاة {وَ} كذا أحل لكم صيد {مَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} الكواسب، لكم الصيد من أدوات القوائم والمخالب حال كونكم {مُكَلِّبِينَ} مؤدبين، معلمين إياهن لاصطياد {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} من مقتضيات العقل المفاض لكم بأنواع الحيل إياهن. وإذا علمتوهن {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} من صيدهن حلالاً طيباً {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي: وعليكم أن تذكروا اسم الله حين إرسال الجوارح إلى الصيد {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} ألاَّ تهلوا على الصيد والذبائح، ولا تحلوها بذكر اسم الله بعدها أمركم به {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع حالاتكم {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [المائدة: 4] شديد العقاب لمن لم يمتثل بأوامره، ولم يجتنب عن نواهيه. {ٱلْيَوْمَ} أي: حين انتشر وظهر دينكم على الأديان كلها {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} المذكورة، المحللة فيه {وَ} أيضاً {طَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: اليهود والنصارى وذبائحهم {حِلٌّ لَّكُمْ} في دينكم {وَطَعَامُكُمْ} وإطعامكم أيضاً {حِلٌّ لَّهُمْ} لأنهم من ذوي الملل والأديان {وَ} كذا أحلّ لكم {ٱلْمُحْصَنَـٰتُ} الحرائر، العفائف {مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي: نكاحكم إياهن {وَ} كذا {ٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهروهن بلا نقص وتكسير. والحال أنكم {مُحْصِنِينَ} محافظين على حقوق الزوج والنكاح {غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} مجاهرين بالزنا {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} مستترين به {وَمَن يَكْفُرْ} منكم، وينكر {بِٱلإِيمَٰنِ} وبلوازمه، وحدوده الدالة على صحته {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ} [المائدة: 5] الذي ظلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } من الأطعمة؟ { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } وهي كل ما فيه نفع أو لذة، من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب والثمار التي في القرى والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع والخبائث منها. ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: {أية : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } . تفسير : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ } أي: أحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية. دلت هذه الآية على أمور: أحدها: لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث وسع عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يذكوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه. الثاني: أنه يشترط أن تكون معلمة، بما يعد في العرف تعليما، بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } أي: أمسكن من الصيد لأجلكم. وما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه. الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما، لقوله: { مِنَ الْجَوَارِحِ } مع ما تقدم من تحريم المنخنقة. فلو خنقه الكلب أو غيره، أو قتله بثقله لم يبح [هذا بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب أي: المحصلات للصيد والمدركات لها فلا يكون فيها على هذا دلالة - والله أعلم-]. الرابع: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه. الخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلا فدل على طهارته. السادس: فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المعلم -بسبب العلم- يباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده. السابع: أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموما، وليس من العبث والباطل. بل هو أمر مقصود، لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به. الثامن: فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك. التاسع: فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله متعمدا، لم يبح ما قتل الجارح. العاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، سواء قتله الجارح أم لا. وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها. ثم حث تعالى على تقواه، وحذر من إتيان الحساب في يوم القيامة، وأن ذلك أمر قد دنا واقترب، فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .
همام الصنعاني
تفسير : 680- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}: [الآية: 4]، قال: أخبرني لَيْث أنَّه سَمِعَ مجاهِداً وسُئِلَ عن الصقر والبازي والفَهد، وما يصادُ به من السَّباعِ، فقال: هذه كُلُّها جوارح. 681- عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن الشعبي، عن عِدِيِّ بن حاتم، قال: حديث : قلت يا رسولَ الله، إنَّ أرضي أرضُ صَيْد، قال: إذا أرسلت كلبك وسميت، فكل ما أمْسَك عليك كلبك، وإن قتل وإن أكَلَ مِنْهُ فلا تأكل فإنه إنَّما أمسك على نفسه، فإذا أرسلت كلبك فخالطته أكْلُبٌ لم تسمِّ عليها فلاَ تأكل، فإنك لا تدري أيها قتلته .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):