٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ }. اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات، وكان المقصود من ذكره الأخبار عن هذا الحكم، ثم أعاد ذكره في هذه الآية، والغرض من ذكره أنه قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } فبين أنه كما أكمل الدين وأتمم النعمة في كل ما يتعلق بالدين، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا، ومنها إحلال الطيبات، والغرض من الاعادة رعاية هذه النكتة. ثم قال تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } وفي المراد بالطعام هٰهنا وجوه ثلاثة: الأول: أنه الذبائح، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب، وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاس نسائهم، وعن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلاّ شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي رحمه الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس به، وبه أخذوا أبو حنيفة رحمه الله. والوجه الثاني: أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية، والثالث: أن المراد جميع المطعومات، والأكثرون على القول الأول ورجحوا ذلك من وجوه: أحدها: أن الذبائح هي التي تصير طعاماً بفعل الذابح، فحمل قوله {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } على الذبائح أولى، وثانيها: أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة، وثالثها: ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح، فحمل هذه الآية على الذبائح أولى. ثم قال تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } أي ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا، وأيضاً فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على التمييز بين النوعين. ثم قال تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } وفي المحصنات قولان: أحدهما: أنها الحرائر، والثاني: أنها العفائف، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه نكاح الأمة، والقول الأول أولى لوجوه: أحدها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية {إذا آتيتموهن أجورهن} ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيدها، وثانيها: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [النساء: 25] أن نكاح الأمة إنما يحل بشرطين: عدم طول الحرة، وحصول الخوف من العنت، وثالثها: أن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم، أما لو حملنا المحصنات على الحرائر يلزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، ورابعها: أنا بينا أن اشتقاق الاحصان من التحصن، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتاً منه في حق الأمة لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلاّ أنها لا تخلو من الخروج والبروز والمخالطة مع الناس بخلاف الحرة، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر أولى من تفسيرها بغيرها. ثم قال تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من الليهود والنصارى وتمسكوا فيه بهذه الآية، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } تفسير : [البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى، ومن قال بهذا القول أجابوا عن التمسك بقوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } بوجوه: الأول: أن المراد الذين آمنوا منهم، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أن اليهودية إذا آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا؟ فبيّـن تعالى بهذه الآية جواز ذلك، والثاني: روي عن عطاء أنه قال: إنما رخص الله تعالى في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة، والثالث: الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار، كقوله {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } تفسير : [الممتحنة: 1] و قوله {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُم } تفسير : [آل عمران: 118] ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها، وكل ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة. الرابع: قوله تعالى في خاتمة هذه الآية {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلاْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وهذا من أعظم المنفرات عن التزوج بالكافرة، فلو كان المراد بقوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } إباحة التزوج بالكتابية لكان ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز. المسألة الثانية: إن قلنا: المراد بالمحصنات: الحرائر، لم تدخل الأمة الكتابية تحت الآية، وإن قلنا: المراد بالمحصنات: العفائف دخلت، وعلى هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكاتبية. قال: لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان: الكفر والرق، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز، وتمسك بهذه الآية بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه. المسألة الثالثة: قال سعيد بن المسيب والحسن {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } يدخل فيه الذميات والحربيات، فيجوز التزوج بكلهن، وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط، وهذا قول ابن عباس، فإنه قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، ومنهن من لا يحل لنا، وقرأ {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } إلى قوله {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ } تفسير : [التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حل، ومن لم يعط لم يحل. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وروي عن ابن المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس، وقال أبو ثور: وإن أمرة بذلك في الصحة فلا بأس. المسألة الخامسة: قال الكثير من الفقهاء: إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن، قالوا: والدليل عليه قوله {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } فقوله {مِن قَبْلِكُمْ } يدل على أن من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب. ثم قال تعالى: {إذا أتيتموهن أجورهن} وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات. ثم قال تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ} قال الشعبي: الزنا ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر، والله تعالى حرّمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الاحصان وهو التزوج. ثم قال تعالى: { وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أن المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام، يعني ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، والثاني: قال القفال: المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة. المسألة الثانية: قوله {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } فيه إشكال، وهو أن الكفر إنما يعقل بالله ورسوله، فأما الكفر بالإيمان فهو محال، فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه: الأول: قال ابن عباس ومجاهد {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ } أي ومن يكفر بالله، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز، والثاني: قال الكلبي {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ } أي بشهادة أن لا إله إلاّ الله، فجعل كلمة التوحيد إيماناً، فإن الإيمان بها لما كان واجباً كان الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع، وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز مشهور، والثالث: قال قتادة: إن ناساً من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا!فأنزل الله تعالى هذه الآية أي، ومن يكفر بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا، فسمى القرآن إيماناً لأنه هو المشتمل على بيان كل ما لا بدّ منه في الإيمان. المسألة الثالثة: القائلون بالاحباط قالوا: المراد بقوله {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب إيمانه، والذين ينكرون القول بالاحباط قالوا: معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع؛ فإنه إنما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان، فإذا لم يكن الأمر كذلك بل كان ضائعاً باطلاً كانت تلك الأعمال باطلة في أنفسها، فهذا هو المراد من قوله {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ }. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَهُوَ فِى ٱلاْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } مشروط بشرط غير مذكور في الآية، وهو أن يموت على ذلك الكفر؛ إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من الخاسرين، والدليل على أنه لا بدّ من هذا الشرط قوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } تفسير : [البقرة: 217] الآية.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} أي «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» و {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} فأعاد تأكيداً أي أُحِلّ لكم الطيبات التي سألتم عنها؛ وكانت الطّيّبات أُبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية؛ فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا: ماذا أُحِلَّ لنا؟. وقيل: أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال: هذه أيام فلان؛ أي هذا أوان ظهوركم وشيوع الإسلام؛ فقد أكملت بهذا دينكم، وأحللت لكم الطّيّبات. وقد تقدّم ذكر الطَّيّبات في الآية قبل هذا. الثانية ـ قوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} ٱبتداء وخبر. والطعام ٱسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاصّ بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل. وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب؛ قال ٱبن عباس قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 121] ثم ٱستثنى فقال: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} يعني ذبيحة اليهوديّ والنصرانيّ؛ وإن كان النصرانيّ يقول عند الذبح: باسم المَسيح واليهودي يقول: باسم عُزَيْر؛ وذلك لأنهم يذبحون على المِلّة. وقال عطاء: كُلْ من ذبيحة النصرانيّ وإن قال باسم المَسِيح؛ لأن الله جلّ وعزّ قد أباح ذبائحهم، وقد علِم ما يقولون. وقال القاسم بن مُخَيْمَرة: كُلْ من ذبيحته وإن قال باسم سَرْجِس ـ ٱسم كنيسة لهم ـ وهو قول الزهريّ وربيعة والشعبيّ ومكحول؛ ورُوي عن صحابيّين: عن أبي الدرداء وعُبادة بن الصّامت. وقالت طائفة: إذا سمعت الكتابيّ يسمي غير ٱسم الله عزّ وجلّ فلا تأكل؛ وقال بهذا من الصحابة عليّ وعائشة وٱبن عمر؛ وهو قول طاوس والحسن متمسّكين بقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } تفسير : [الأنعام: 121]. وقال مالك: أكره ذلك، ولم يحرّمه. قلت: العجب من الكيا الطبريّ الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب، ثم أخذ يستدلّ بذلك على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال: ولا شك أنهم لا يُسمُّون على الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبوداً حقيقة مثل المسِيح وعُزَيْر، ولو سموا الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة، وإنما كان على طريق آخر؛ وٱشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل، ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة؛ إذا لم تُتصوّر منه العبادة، ولأن النصرانيّ إنما يذبح على ٱسم المسيح، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقاً؛ وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلاً كما يقول الشافعي، وسيأتي ما في هذا للعلماء في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. الثالثة ـ ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا محاولة فيه كالفاكهة والبُّر جائز أكله؛ إذ لا يضر فيه تملُّك أحد. والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين: أحدهما ـ ما فيه محاولة صَنْعة لا تعلق للدِّين بها؛ كخبز الدقيق، وعصر الزيت ونحوه؛ فهذا إن تُجنِّب من الذميّ فعلى وجه التَّقَزّز. والضرب الثاني ـ هي التذكية التي ذكرنا أنها هي التي تحتاج إلى الدّين والنيّة؛ فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم ـ كما نقول إنهم لا صلاة لهم ولا عبادة مقبولة ـ رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأُمّة، وأخرجها ٱلنص عن القياس على ما ذكرناه من قول ٱبن عباس؛ وٱللَّه أعلم. الرابعة ـ وٱختلف العلماء أيضاً فيما ذَكَّوه هل تعمل الذكاة فيما حرم عليهم أو لا؟ على قولين؛ فالجمهور على أنها عاملة في كُلّ الذبيحة ما حلّ له منها وما حرم عليه، لأنه مُذَكَّى. وقالت جماعة من أهل العلم: إنما حلّ لنا من ذبيحتهم ما حَلّ لهم؛ لأن ما لا يحلّ لهم لا تعمل فيه تذكيتهم؛ فمنعت هذه الطائفة الطّريف والشُّحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب؛ وقَصَرت لفظ الطعام على البعض؛ وحَمَلته الأُولى على العموم في جميع ما يؤكل. وهذا ٱلخلاف موجود في مذهب مالك. قال أبو عمر: وكره مالك شُحُوم اليهود وأكل ما نَحَروا من الإبل، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأساً؛ وسيأتي هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى؛ وكان مالك رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم، وكره أن يكون لهم أسواق يبيعون فيها ما يذبحون؛ وهذا منه رحمه الله تَنَزُّه. الخامسة ـ وأما المجوس فالعلماء مجمعون ـ إلا من شَذّ منهم ـ على أن ذبائحهم لا تؤكل ولا يتزوّج منهم؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء. ولا بأس بأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعَبَدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة؛ إلا الجُبن؛ لما فيه من إنْفَحة الميتة. فإن كان أبو الصبيّ مجوسيّاً وأُمّه كتابيّة فحكمه حكم أبيه عند مالك، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة الصبيّ إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته. السادسة ـ وأما ذبيحة نصارى بني تَغْلِب وذبائح كلّ دَخيل في اليهوديّة والنصرانيّة فكان عليّ رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تَغْلب؛ لأنهم عَرَب، ويقول: إنهم لم يتمسّكوا بشيء من النصرانيّة إلا بشرب الخمر؛ وهو قول الشافعي؛ وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحقّقين منهم. وقال جمهور الأُمّة: إنّ ذبيحة كل نصرانيّ حلال؛ سواء كان من بني تَغْلِب أو غيرهم، وكذلك اليهوديّ. واحتجّ ٱبن عباس بقوله تعالى: { أية : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 51] فلو لم تكن بنو تَغْلِب من النصارى إلا بتولّيهم إياهم لأُكلت ذبائحهم. السابعة ـ ولا بأس بالأكل والشُّرب والطَّبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ذهباً أو فِضّة أو جِلد خِنزير بعد أن تُغسل وتُغلى؛ لأنهم لا يتوقّون النجاسات ويأكلون الميتات؛ فإذا طَبَخوا في تلك القُدور تنجّست، وربما سَرَت النجاسات في أجزاء قُدور الفَخَّار؛ فإذا طُبخ فيها بعد ذلك تُوقّع مخالطة تلك الأجزاء النّجسة للمطبوخ في القِدر ثانية؛ فاقتضى الوَرَع الكفّ عنها. ورُوي عن ٱبن عباس أنه قال: إن كان الإناء من نُحاس أو حديد غُسِل، وإن كان من فَخّار أغلي فيه الماء ثم غُسل ـ هذا إذا ٱحتيج إليه ـ وقاله مالك؛ فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل؛ لما رَوى الدارقطنيّ عن عمر أنه توضأ من بيت نصرانيّ في حُقِّ نصرانيّة؛ وهو صحيح وسيأتي في «الفرقان» بكماله. وفي صحيح مسلم حديث : من حديث أبي ثَعْلَبة الخُشَنِيّ قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم، وأرض صيد، أَصِيد بقوسي وأَصيد بكلبي المعلَّم، وأَصِيد بكلبي الذي ليس بمعلّم؛ فأَخْبِرني ما الذي يَحِلّ لنا من ذلك؟ قال: «أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها» تفسير : ثم ذكر الحديث. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شَرْعنا؛ أي إذا ٱشتروا منا ٱللّحم يَحِلّ لهم ٱللّحم ويَحِلّ لنا الثمن المأخوذ منهم. التاسعة ـ قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية. قد تقدّم معناها في «البقرة» و «النساء» والحمد لله. ورُوي عن ٱبن عباس في قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصّاً. وقال غيره: يجوز نكاح الذِّمّية والحربيّة لعموم الآية. ورُوي عن ٱبن عباس أنه قال: «المحصَناتُ» العفيفات العاقلات. وقال الشَّعبيّ: هو أن تحصن فَرْجها فلا تَزني، وتغتسل من الجنابة. وقرأ الشَّعبيّ «والمحصِنَات» بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائيّ. وقال مجاهد: «المحصَنَات» الحرائر؛ قال أبو عبيد: يذهب إلى أنه لا يحلّ نكاح إماء أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: { أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ } تفسير : [النساء: 25] وهذا القول الذي عليه جِلّة العلماء. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ} قيل: لمّا قال تعالى {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} قال نساء أهل الكتاب: لولا أن الله تعالى رَضي ديننا لم يُبح لكم نكاحنا؛ فنزلت {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ} أي بما أنزل على محمد. وقال أبو الهيثم: الباء صِلة؛ أي ومن يكفر ٱلإيمان أي يَجْحَدْه {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع «فَقَدْ حَبَط» بفتح الباء. وقيل: لما ذكرت فرائض وأحكام يلزم القيام بها، ذُكر الوعيد على مخالفتها؛ لما في ذلك من تأكيد ٱلزجر عن تضييعها. ورُوي عن ٱبن عباس ومجاهد أن المعنى: ومن يكفر بالله؛ قال الحسن بن الفضل: إن صحّت هذه الرواية فمعناها بربّ الإيمان. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعريّ: ولا يجوز أن يسمّى الله إيماناً خلافاً للحشوِية والسّالميّة؛ لأن الإيمان مصدر آمن يُؤمِن إيماناً، وٱسم الفاعل منه مُؤمِن؛ والإيمان التصديق، والتصديق لا يكون إلا كلاماً، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى كلاماً.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ} ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين؛ من اليهود والنصارى، فقال: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة وعطاء والحسن، ومكحول وإبراهيم النخعي، والسدي ومقاتل بن حيان: يعني: ذبائحهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولايذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه، تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح: عن عبد الله بن مغفل، قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر، فحضنته، وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحداً، والتفت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، فاستدل به الفقهاء، على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة، قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم؛ كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحماً يعتقدون حله؛ كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم، وأجود منه في الدلالة، ما ثبت في الصحيح، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية، وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله، فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه، وأثر ذلك في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم: هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا. وفي الحديث الآخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير، وإهالة سنخة، يعني: ودكاً زنخاً. وقال ابن أبي حاتم: قرىء على العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل الله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 121] ثم نسخه الرب عز وجل، ورحم المسلمين، فقال: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب، وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل مالم يذكر اسم الله عليه؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم؛ لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء. ونصارى العرب؛ كبني تغلب وتنوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة، قال: قال علي: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب؛ لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر. وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف. وقال سعيد ابن أبي عروبة: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان بأساً بذبيحة نصارى بني تغلب. وأما المجوس؛ فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعاً وإلحاقاً لأهل الكتاب، فإنهم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، خلافاً لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي؛ أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد ابن حنبل. ولما قال ذلك، واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني: في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب» تفسير : ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} فدل بمفهومه؛ مفهوم المخالفة، على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل. وقوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} أي: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخباراً عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبراً عما أمروا به؛ من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم، أو غيرها، والأول أظهر في المعنى، أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم؛ كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي ابن سلول، حين مات، ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بذلك، فأما الحديث الذي فيه: «حديث : لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي» تفسير : فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم. وقوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} فقيل: أراد بالمحصنات: الحرائر، دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، وإنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قال في الرواية الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه؛ لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: «حشفاً وسوء كيلة» والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات: العفيفات عن الزنا؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف؛ ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب ههنا: الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: المراد بذلك: الذميات، دون الحربيات؛ لقوله: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [التوبة: 29] الآية، وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 231] الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك، يعني: المزني، حدثنا إسماعيل بن سميع، عن أبي مالك الغفاري، قال: نزلت هذه الآية: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 231] قال: فحجز الناس عنهن، حتى نزلت الآية التي بعدها: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأساً؛ أخذاً بهذه الآية الكريمة: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 231] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ }تفسير : [البينة: 1] وكقوله: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} تفسير : [آل عمران: 20] الآية. وقوله: {إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: مهورهن، أي: كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس، وقد أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري، بأن الرجل إذا نكح امرأة، فزنت قبل دخوله بها، أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم. وقوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِىۤ أَخْدَانٍ} فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضاً محصناً عفيفاً، ولهذا قال: غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ولا متخذي أخدان، أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن؛ كما تقدم في سورة النساء سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك، لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب، ويقلع عما هو فيه من الزنا؛ لهذه الآية، وللحديث: «حديث : لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله»تفسير : ، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحداً أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: {أية : ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 3]، ولهذا قال تعالى ههنا: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلاَْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَٰتُ } المستلذات {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } أي ذبائح اليهود والنصارى {حِلٌّ } حلال {لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ } إياهم {حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ } الحرائر {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } حلّ لكم أن تنكحوهن {إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} مهورهن {مُّحْصِنِينَ } متزوّجين {غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ } معلنين بالزنا بهن {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } منهن تُسِرُّون بالزنا بهنّ {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَٰنِ } أي يرتدّ {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } الصالح قبل ذلك فلا يعتدّ به ولا يثاب عليه {وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ } إذا مات عليه.
الماوردي
تفسير : قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب حِلٌّ لَّكُمْ} يعني ذبائحهم. {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} يعني ذبائحنا. {وَالْمُحصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني نكاح المحصنات، وفيهن قولان: أحدهما: أنهن الحرائر من الفريقين، سواء كن عفيفات أو فاجرات، فعلى هذا، لا يجوز نكاح إمائهن، وهذا قول مجاهد، والشعبي، وبه قال الشافعي. والثاني: أنهن العفائف، سواءٌ كن حرائر أم إماءً، فعلى هذا، يجوز نكاح إمائِهن، وهذا قول مجاهد، والشعبي أيضاً، وبه قال أبو حنيفة. وفي المحصنات من الذين أوتوا الكتاب قولان: أحدهما: المعاهدات دون الحربيات، وهذا قول ابن عباس. والثاني: عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات، وهذا قول الفقهاء وجمهور السلف. {إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني صداقهن. {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحينَ} يعني أَعفّاء غير زُناة. {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} هي ذات الخليل الواحد تقيم معه على السفاح.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} ذبائحهم وطعامهم. {وَالْمُحْصَنَاتُ} حرائر الفريقين عفيفات أو فاجرات، أو العفائف من الحرائر والإماء، ومحصنات أهل الكتاب المعاهدات دون الحربيات، أو المعاهدات والحربيات عند الجمهور. {مُحْصِنِينَ} أعفّاء {مُسَافِحِينَ} زناة {مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ}: ذات خليل تقيم معه على السفاح.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {اليوم أحل لكم الطيبات} إنما كرر إحلال الطيبات للتأكيد كأنه قال: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها ويحتمل أن يراد باليوم، اليوم الذي أنزلت فيه هذه الآية أو اليوم الذي تقدم ذكره في قوله: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم اليوم أكملت لكم دينكم. ويكون الغرض من ذكر هذا الحكم، أنه تعالى قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، فبين أنه كما أكمل الدين وأتم النعمة، فكذلك أتم النعمة بإحلال الطيبات. وقيل: ليس المراد باليوم يوماً معيناً وقد تقدم الكلام في ذلك اليوم وفي معنى الطيبات في الآية المتقدمة. وقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} يعني وذبائح أهل الكتاب حل لكم وهم اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. فأما من دخل في دينهم بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم متنصرو العرب من بني تغلب فلا تحل ذبيحته. روي عن علي بن أبي طالب قال: لا تأكل من ذبائح نصارى العرب بني تغلب فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. وبه قال ابن مسعود. ومذهب الشافعي: أن من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن، فإنه لا تحل ذبيحته. سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس به. ثم قرأ: ومن يتولهم منكم، فإنه منهم وهذا قول الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعكرمة وقتادة والزهري والحكم وحماد وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى مثل هذا مذهب الشافعي. واجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له، وأجمعوا على أن المراد بطعام الذين أتوا الكتاب ذبائحهم خاصة لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ولأن ما قبل هذه الآية في بيان حكم الصيد والذبائح فحمل هذه الآية عليه أولى ولأن سائر الطعام لا يختلف من تولاه من كتابي أو غيره، وإنما تختلف الذكاة، فلما خص أهل الكتاب بالذكر دل على أن المراد بطعامهم وذبائحهم واختلف العلماء فيما لو ذبح يهودي أو نصراني على غير اسم الله فقال ابن عمر: لا يحل ذلك وهو قول ربيعة وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل. سئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح فقال: يحل فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي والنصراني وذكر غير اسم الله وأنت تسمع فلا تأكل وإذا غاب عنك فكل فقد أحله الله لك وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقاً وإن ذكروا غير اسم الله فيكون هذا ناسخاً لقوله تعالى: ولا تأكلو مما لم يذكر اسم الله عليه، وليس الأمر كذلك ولا نسخ لأن الأصل أنهم يذكرون الله عند الذبح فيحمل أمرهم على هذا فإن تيقنا أنهم ذبحوا على غير اسم الله لم تأكل ولا وجه للنسخ. وقوله تعالى: {وطعامكم حل لهم} يعني أن ذبائحنا لهم حلال وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا. وقال الزجاج: معناه ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم فجعل الخطاب للمؤمنين على معنى أن التحليل يعود إلى إطعامنا إياهم لا إليهم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعالى أن تطعمهم من ذبائحنا. وقيل: إن الفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة من الجانبين وإباحة الذبائح كانت حاصلة من الجانبين لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على التمييز بين النوعين ثم قال تعالى: {والمحصنات من المؤمنات} قال مجاهد: هن الحرائر فعلى هذا القول لا تدخل الأمة المؤمنة في هذا التحليل ومن أجاز نكاحهن أجازه بشرطين: خوف العنت، وعدم طول الحرة. وقال ابن عباس: المحصنات: العفائف. فعلى هذا القول لا يحل نكاح الزانية لأنها لم تدخل في هذا التحليل وأباح العلماء نكاحها إذا تابت وحسنت توبتها. روى طارق بن شهاب أن رجلاً أراد أن يزوج أخته فقالت: إني أخشى أن أفضحك إني قد بغيت فأتى عمر فذكر ذلك له منها فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى. قال: فزوجها. وقيل: إنما خص المحصنات بالذكر وهن الحرائر أو العفائف ليحث المؤمنين على تخير النساء ليكون الولد كريم الأصل من الطرفين. وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني وأحل لكم المحصنات من أهل الكتاب اليهود والنصارى. قال ابن عباس: يعني الحرائر من أهل الكتاب. وقال الحسن والشعبي والنخعي والضحاك: يريد العفائف من أهل الكتاب فعلى قول ابن عباس: لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية وهو مذهب الشافعي قال: لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان، الكفر، والرق. وعلى قول الحسن ومن وافقه، يجوز التزويج بالأمة الكتابية وهو مذهب أبي حنيفة لعموم هذه الآية. واختلف العلماء في حكم هذه المسألة فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التزويج بالذميات من اليهود والنصارى. روي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية وروي عن ابن عمر كراهية ذلك ويحتج بقوله تعالى: {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}تفسير : [البقرة: 221] وكان يقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى وأجاب الجمهور عن قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن بأنه عام خص بهذه الآية فأباح الله تعالى المحصنات من أهل الكتاب وحرم من سواهن من أهل الشرك وقال سعيد بن المسيب والحسن: يجوز التزويج بالذميات والحربيات من أهل الكتاب لعموم قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وأجاب جمهور العلماء بأن ذلك مخصوص بالذميات دون الحربيات من أهل الكتاب. قال ابن عباس: من نساء أهل الكتاب من تحل لنا ومنهن من لا تحل لنا. وقرأ: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والمراد بهم أهل الذمة دون أهل الحرب من أهل الكتاب. وقوله تعالى: {إذا آتيتموهن أجورهن} يعني مهورهن وهو العوض الذي يبذله الزوج للمرأة {محصنين غير مسافحين} يعني متعففين بالتزوج غير زانين {ولا متخذي أخدان} يعني ولا منفردين ببغي واحدة قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها وحده حرم الله الجماع على جهة السفاح وهو الزنا واتخاذ الصديق وهو الخدن وأحله على جهة الإحصان وهو التزويج بعقد صحيح {ومن يكفر بالإيمان} يعني ومن يجحد ما أمر الله به من توحيده ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله {فقد حبط عمله} يعني فقد بطل ثواب عمله الذي كان عمله في الدنيا وخاب وخسر في الدنيا والآخرة. وقيل في معنى الآية، ومن يكفر بشرائع الإيمان وتكاليفه فقد خاب وخسر وقال قتادة ذكر لنا إن ناساً من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم؟ يعني نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا، فأنزل الله تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. وقيل: لما أباح الله تعالى نكاح الكتابيات، قلن فيما بينهن لولا أن الله قد رضي أعمالنا لم يُبِحْ للمؤمنين تزويجنا، فأنزل الله هذه الآية والمعنى أن تزوج المسلمين إياهن ليس بالذي يخرجهن من الكفر. وقيل: إن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة بإباحة ذبائحهم ونكاح نسائهم إلا أن ذلك غير حاصل لهم في الآخرة، لأن كل من كفر بالله وجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. وقيل: إن من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله أو جحد بشيء مما أنزل الله فقد كفر بالله وحبط عمله المتقدم {وهو في الآخرة من الخاسرين} إذا مات على ذلك وهذا الشرط لا بد منه لأنه إذا تاب وآمن قبل الموت قبلت توبته وصح إيمانه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ}: إشارةٌ إلى الزَّمَنِ والأوانِ، والخِطَابُ للمؤمِنِينَ. وقوله سبحانه: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ}: الطعامُ في هذه الآيةِ: الذَّبَائِحُ؛ كذا قال أهل التفسير. واختلفوا في لَفْظَةِ {طَعَام}. فقال الجمهورُ: هي الذبيحةُ كلُّها، وقالتْ جماعة: إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحةِ، أي: الحلال لهم منها لا ما لا يَحِلُّ لهم؛ كَالطَّرِيفِ، وَالشُّحُومِ المحْضَةِ. واختلف في لَفْظة {أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }. فقالتْ طائفة: إنما أحل لنا ذبائح الصُّرَحَاءِ منهم، لا مَنْ كان دخيلاً في هذَيْن الدِّينَيْنِ، وقال جمهورُ الأمَّة؛ ابنُ عَبَّاس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم: إنَّ ذبيحةَ كُلِّ نصرانيٍّ حلالٌ، كان مِنْ بني تَغْلِبَ أو غيرهم، وكذلك اليهودُ، وتأوَّلوا قوْلَ اللَّهِ تعالَىٰ: {أية : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة:51]. وقولُهُ سُبْحَانه: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}: أي: ذبائحكم، فهذه رُخْصَة للمسلمين، لا لأهْلِ الكتابِ، لَمَّا كان الأمْرُ يقتضي أنَّ شيئاً قد تشرَّعنا فيه بالتَّذْكِيَةِ ينبغي لنا أنْ نَحْمِيَهُ منهم، رخَّص اللَّه تعالَىٰ لنا في ذلك؛ دفعاً للمشقَّة بحَسَب التجاوُرِ. وقوله سبحانه: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ}: عطْفٌ على الطَّعَام المُحَلَّل، ذهب جماعةٌ منهم مالكٌ إلى أنَّ المحصنات في هذه الآيةِ الحرائر، فمنعوا نِكَاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، وذهب جماعةٌ إلى أنهنَّ العَفَائِفُ، فأجازوا نكاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، والأجورُ في الآية: المُهُورُ، وانتزع بعضُ العلماءِ مِنْ لَفْظ: {ءَاتَيْتُمُوهُنَّ}؛ أنَّه لا ينبغِي أنْ يدخل زَوْجٌ بزوجته إلاَّ بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ من المَهْر ما يستحلُّها به، و {مُّحْصِنِينَ}: معناه: متزوِّجين على السُّنَّة. وقوله سبحانه: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ}: أي: بالأمور التي يَجِبُ الإيمان بها، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: [{ٱلْيَوْمَ] أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ } الآية. الكلامُ فيه كالكلام فيما قَبْلَهُ، وزعم قوم أنَّ المراد بالثلاثة أيام المذكورة هنا وقت واحد، وإنَّما كرره توكيداً، ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حَسُنَ تكريره، وليس بشيء. وادَّعَى بعضهم أنَّ في الكلام تَقْدِيماً وتأخيراً، وأنَّ الأصْلَ فـ{اذْكُرُوا اسم الله عليه} و{كُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وهذا يشبه [قول] من يعيد الضمير على الجوارح المرسلة. قوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} فيه وجهان: أصحهما: أنَّهُ مبتدأ، وخبره "حِلٌّ لَكُمْ" وأبرز الإخبار بذلك في جملة اسمية اعتناءً بالسؤال عنه. وأجاز أبُو البقاء أنْ يكون مرفوعاً عَطْفاً على مرفوع ما لم يسم فاعله وهو "الطيِّبَات"، وجعل قوله: "حلّ لَّكُم" خبر مبتدأ محذوف، وهذا ينبغي ألا يجوز البتة لتقدير ما لا يحتاج إليه مع ذهاب بلاغة الكلامِ. وقوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} مبتدأ وخبر، وقياس قول أبي البقاءِ أن يكون "طَعَام" عَطْفاً على ما قبله، "وحلّ" خبر مبتدأ محذوف، ولم يذكره، كأنه استشعر الثواب. فصل ومعنى {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} يعني الذّبائح على اسم الله عزَّ وجلَّ، وفي المراد بـ {طعام الذين أوتُوا الكتاب} ثلاثة أقوال: الأوَّلُ: الذَّبائِحُ، يريد ذبائح اليهود والنّصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمَمِ قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. فأمَّا من دَخَلَ في دينهم بعد المبعث فلا تَحِلُّ ذبيحته، فلو ذبح يهوديٌّ أو نصرانيّ على اسم غير الله، كالنَّصراني يذبح على اسم المسيح، فاختلفوا فيه: فقال ابنُ عُمَرَ: لا يحلُّ، وهو قول ربيعةَ. وذهب أكثرُ العلماء إلى أنه يَحِلُّ، وهو قول الشَّعْبِيِّ وعطاء والزهريِّ ومكحولٍ. وسُئِلَ الشعبيُّ وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح قالا: يحلُّ، فإن الله تعالى قد أحلَّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولُونَ. وقال الحسنُ: إذا ذبح اليهوديُّ والنصرانيُّ فذكر اسم غير الله وأنْتَ تسمع فلا تأكله، وإذا غَابَ عنك فَكُلْ، فقد أحَلَّ الله ذلك. وأما المجوسُ فقد سنَّ فيهم سنةَ أهلِ الكِتابِ في أخذ الجزيَةِ منهم دون أكْلِ ذبائحهم ونكاح نِسَائِهِم. وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّهُ استثنى نصارى بني تغلب، وقالوا: ليسوا على النَّصرانيَّة، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخَذَ الشافعيُّ - رضي الله عنه - وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه سُئل عن ذبائح نصارى العَرَبِ، فقال: لا بأسَ به، وبه أخذ أبو حنيفة. والقول الثاني: أنَّ المرادَ بطعامهم الخبزُ والفاكِهَةُ، وما لا يحتاج فيه إلى الزكاة، وهو منقولٌ عن بعض أئمَّةِ الزَّيديَّةِ. القول الثالثُ: أنَّ المراد جميع المطعومات. وحجَّةُ القول الأوَّلِ: أنَّ ما سوى الذبائح حلال قبل أن كانت لأهل الكتاب، فلا يبقى للتَّخصيص بأهل الكتاب فائدةٌ، ولأن ما قبل هذه الآية في بيان الصيْدِ والذّبائح [فحمل الآية على الذبائح أوْلَى] وهي التي تصير طعاماً بفعل الذّبائح [فحملُ الآية عليه أولى] وقوله: "وَطَعامُكمْ" فإنْ قيل: كيف شُرِعَ لهم حلُّ طعامنا وهم كفَّارٌ ليسوا من أهل الشَّرْعِ؟ قال الزَّجَّاجُ: معناه حلالٌ لكم أنْ تطعموهم، فيكون خطاب الحلِّ مع المسلمين؛ وقيل: لأنَّه ذكر عقيبه حكم النِّسَاءِ، ولم يذكر حلَّ المسلمات لهم، فكأنه قال: حلالٌ لكم أنْ تطعموهم حرامٌ عليكم أن تزوّجوهم. فصل قوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} في رفع "المُحْصَنَات" وجهان: أحدهما: أنَّهُ مبتدأ خبره محذوف، أي: والمحصنات حِلٌّ لكم أيضاً وهذا هو الظاهر. واختار أبُو البقاءِ أن يكون معطوفاً على "الطِّيبَاتِ"، فإنَّهُ [قال:] "مِنَ المُؤمِنَاتِ" حال من الضَّميرِ في "المُحْصَنَاتِ" أو من نفس "المُحْصَنَات" إذا عطفتها على "الطَّيِّبَاتِ" و"حلّ" مصدر بمعنى الحلال؛ فلذلك لم يؤنَّث ولم يُثنَّ، [ولم يجمع] لأنه أحسن الاستعمالين في المصادر الواقعة صفة للأعيان، ويقال في الإتباع، حِلٌّ بلٌّ وهو كقولهم: حَسَنٌ بَسَنٌ، وعَطْشَان نَطْشَان. و"مِنَ المُؤمِنَاتِ" حال كما تقدَّمَ، إما من الضمير في "المُحْصَنَات"، أو من "المُحْصَنَات"، وقد تقدَّم [الكلام في] اشتقاق هذه اللفْظَة، واختلاف القراء فيها في سورة النساء. فصل في معنى المحصنات هذا منقطع عن قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} وراجع إلى الأوَّلِ. واختلفوا في معنى "المُحْصَنَات"، فذهب أكثر العلماء إلى أنَّ المراد الحَرَائِرُ، وأجازوا [نكاح] كل حَرَّة مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة، وهو قول مجاهد. وقال هؤلاء: لا يجُوزُ للمسلم نكاح الأمة الكتابيّة لقوله: {أية : فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ} تفسير : [النساء: 25] جَوَّز نكاح الأمة بشرط أنْ تكون مؤمنة ولقوله: {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيِّدها، وجوَّزَ أكثرهُم نِكَاحَ الأمة الكتابيّة الحربيّة لقوله: {أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} تفسير : [النساء: 25]. وقال ابن عباس: لا يجوز، وقرأ:{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حَلّ لنا نساؤهم، ومن لم يعط لم يحلّ لنا نساؤه. وذهب قومٌ إلى أنّ المراد من "المُحْصَنَاتِ" في الآية العفائفُ من الفريقين حرائر كُنّ، أو إماءً. وأجازُوا نكاح الأمة الكتابيّة وحرّموا البَغَايا من المُؤمِنَاتِ والكتابيّات وهو قول الحسن، وقال الشعبيُّ: إحصان الكتابية أنْ تستعفَّ عن الزّنا، وتغتسل من الجنابة. وذهب ابْنُ عُمَرَ إلى أنَّهُ لا يجوز نكاح الذميّة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شِرْكاً أعظم من قولها: إنَّ [ربَّها] عيسى، وأجاب من قال بهذا القول عن التّمسك بقوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} بوجوه: أحدُها: أنَّ المراد الذين آمنوا منهم، فإنَّهُ كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أنَّ الكتابية إذا آمنت هل يجوزُ للمسلم التزويج بها أم لا؟ فبين اللَّهُ تعالى بهذه الآية جواز ذلك. وثانيها: ما روي [عن عطاء] قال: "إنَّما رخّص اللَّهُ - تعالى - في التزويج بالكتابيَّةِ في ذلك الوقت؛ لأنَّه كان في المسلمات قلّة، والآن ففيهن كثرة عظيمةٌ فزالت الحاجة، فلا جَرَمَ زالت الرُّخصة". وثالثها: الآياتُ الدّالة على وُجوب مباينة الكفَّارِ، كقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [الممتحنة: 1] وقوله {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 118]، ولأنَّ عند حصول الزَّوجيّة ربما قويت المحبَّة فيصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها. قوله سبحانه: {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ظرف العامل فيه أحد شيئين، إمَّا "أحَلَّ" وإما "حِلّ" المحذوف على حسب ما قُرِّر، والجملة بعده في محلّ خفض بإضافته إليها، وهي - هنا - لمجرَّد الظرفيَّة. ويجوز أن تكون شرطيةً، وجوابها محذوف، أي: {إذا أتيتموهن [أجورهن]} حللن لكم. والأوَّلُ أظهرُ. و"مُحْصِنينَ" حال، وعاملها أحد ثلاثة أشياء: إما "آتيتمُوهُنَّ"، وصاحب الحال الضمير المرفوع. وأما "أحِلّ" المبني للمفعول. وأما "حل" المحذوف كما تقدَّم. و"غَيْر" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على أنَّهُ نعت لـ "محصنين". والثاني: أن ينصب على الحال، وصاحب الحال الضمير المستتر في "مُحْصنِينَ". والثالث: أنهُ حال من فاعل "آتيْتُمُوهُنَّ" على أنَّهَا حال ثانية منه، وذلك عند من يجوز ذلك. فصل تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدلّ على تأكيد وجوهاً، وأن من تزوَّج [امرأة] وعزَمَ أن لا يعطي الزوجة صداقها كان في صورة الزّاني، فتسمية المهر بالأجرة يدلُّ على أنَّ الصّداق لا يتقدر كما أنَّ أقل الأجل في الإجارات لا يتقَّدرُ. وقوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي غير معالنين بالزِّنَا {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ}. قال الشعبِيُّ: الزِّنَا ضربان: السفاح [وهو الزِّنَا على سبيل الإعلان، واتَّخاذ الخدن] وهو الزّنا في السرِّ واللَّهُ تعالى حرّمهما في هذه الآية، وأباحَ التمتُّعَ بالمرأة على جهة الإحصان. قوله تعالى: {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} يجوز فيه الجَرُّ على أنه [عطف] على "مُسَافحينَ"، وزيدت ["لا"] [تأكيداً للنَّفي] المفهوم من "غَيْر"، والنَّصب على أنَّهُ عطف على "غير" باعتبار أوجهها الثلاثة، ولا يجُوز عطفها على "محصنين"؛ لأنَّهُ [مقترن بـ "لا"] المؤكدة للنفي المتقدم، ولا نفي مع "مُحْصِنينَ"، وتقدَّمَ معاني هذه الألفاظ. وقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ} تقدَّم له نظائر. وقيل: المراد بالإيمان المؤمن به، فهو مصدر واقع موقع المفعول به كدرْهم ضَرْب الأمير. وقيل: ثَمَّ مضاف محذوف، أي بموجب الإيمان، وهو الباري - تبارك وتعالى -. واعلم أنَّ الكَافِرَ إنَّمَا يكفر بالله ورسوله. وأمَّا الكفر بالإيمانِ فهو مُحَالٌ، فلذلك اختلف المفسرون، فقال ابن عباس ومجاهد قوله: {ومن يَكْفُر بالإيمانِ} أي باللَّهِ الذي يجب الإيمان به، وإنَّما حَسُنَ هذا المجاز؛ لأنَّه يقال: رب الإيمان ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز. وقال الكلبيُّ: "بالإيْمان" بكلمة التَّوحيد، وهي شهادة أنْ لا إله إلاّ الله؛ لأن الإيمان من لوازمها، وإطلاق الشَّيء على لازمه مجازٌ مشهور. وقال قتادةُ: إنَّ ناساً من المسلمين، قالوا: كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا، فأنزل الله هذه الآية: {وَمَن يَكْفُرْ} أي بما [نزل] في القرآن، فهو كذا وكذا، فسمّى القرآن إيماناً؛ لأنَّهُ مشتملٌ على [بيان] كلِّ ما لا بُدَّ منه في الإيمان. وقيل: ومن "يَكْفُرْ بالإيمَانِ" أن يستحلَّ الحرامَ ويحرّم الحلالَ {فقد حبط عمله}. فصل القائِلَونَ بالإحْبَاطِ، قالوا: المراد بقوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} فقد حبط، أي: عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثوابِ إيمانِهِ، والذين ينكرون القول بالإحباط قالوا: معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هَلَكَ وضاع، فإنَّهُ إنَّما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان فإذا لم يكن الأمر كذلك، بل كان ضائعاً باطلاً كانت تلك الأعمال باطلة في نفسها. قوله تعالى: {وَهُوَ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} الظَّاهر أن الخبر قوله: "مِنَ الخَاسِرينَ"، فيتعلَّق قوله: "فِي الآخرة" بما تعلَّق به هذا الخبر. وقال مَكِّيٌّ: العاملُ في الظَّرْفِ محذوفٌ تقديره: هو خاسر في الآخرة، ودَلَّ على المحذوف قوله: "مِنَ الخَاسِرِينَ" فإنْ جعلت الألف واللام في "الخَاسِرِينَ" ليستا بمعنى "الذين" جاز أن يكون العامل في الظَّرْفِ "مِنَ الخَاسِرِينَ" بمعنى أنَّه لو كانت موصولةً لامتنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنَّ الموصول لا يتقدم عليه ما في حَيِّزِهِ، وهذا كما قالوا في قوله: {أية : إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ} تفسير : [الشعراء: 168]، {أية : وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} تفسير : [يوسف: 20]. وتقدير مكيٍّ متعلّق هذا الظرف وهو خاسر، وإنَّما هو بناء على كون "أل" موصولة بدليل قوله: فإن جعلت الألف واللاَّم ليستا بمعنى "الذين" وبالجملة فلا حاجة إلى هذا التقديرِ، بل العامل فيه كما تقدَّمَ العامل في الظرف الواقع خبراً، وهو الكون المطلق، ولا يجوزُ أن يكون "في الآخِرَةِ" هو [الخبر و"من الخاسرين" متعلق بما تعلق به، لأنه لا فائدة في ذلك، فإن جعل] "من الخاسرين" حالاً من ضمير الخبر، ويكون حالاً لازمة جاز، وهو ضعيف في الإعْرابِ، وقد تقدَّم نظير هذه الآية في "البقرة" عند قوله: {أية : وَإِنَّهُ فِي ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [البقرة: 130]. فصل قوله: {وَهُوَ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} مشروطٌ بشرط غير مذكور في الآية، وهو أنْ يموت على ذلك الكفر إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من الخاسرين، ويدل على أنَّهُ لا بدَّ من هذا الشّرط قوله: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} تفسير : [البقرة: 217].
البقاعي
تفسير : ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح المشركات، والمنافرة لجميع أصناف الكفار، وبيان بغضهم وعداوتهم، والحث على طردهم ومنابذتهم {أية : هآ أنتم أولاء تحبونهم} تفسير : [آل عمران: 119] ونحوها لضعف الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى إظهار الفظاظة والغلظة لهم لتعظيم دين الله، حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق. كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة، وكان الدين وصل عند نزولها من العظمة إلى حد لا يحتاج في إلى تعظيم معظم، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بهان وسبق في الأزل علمها، فكانت الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن وسّع الأمر بحل طعامهم ونسائهم، فقال تعالى مكرراً ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات، تنبيهاً على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة، وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة، فقال معيداً لصدر الآية التي قبلها إعلاماً بعظم النعمة فيه، ومفيداً بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به الثبات، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول: {اليوم}. ولما كان القصد إنما هو الحل، لا كونه من محل معين، مع أن المخاطبين بهذه الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله، بني الفعل للمجهول فقال: {أحل} أي ثبت الإحلال فلا ينسخ أبداً {لكم} أي أيها المؤمنون {الطيبات} أي التي تقدم في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع، فهي الكاملة في الطيب. ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال: {وطعام الذين} ولما كان سبب الحل الكتاب، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض، بني الفعل للمجهول فقال: {أوتوا الكتاب} أي مما يصنعونه أو يذبحونه، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره وإن كان المقصود المذبوح، لا غيره، ولا يتخلف حاله من كتابي ولا غيره تصريحاً بالمقصود {حل لكم} أي تناوله لحاجتكم، أي مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية، ولما كان هذا مشعراً بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيداً بقوله: {وطعامكم حل لهم} أي فلا عليكم في بذله لهم ولا عليهم في تناوله. ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم وغيرها، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد الحاجة إلى المطاعم، وكانت المطاعم حلالاً من الجانبين والمناكح من جانب واحد قال: {والمحصنات} أي الحرائر {من المؤمنات} ثم أكد الإشارة إلى إقرار أهل الكتاب فقال: {والمحصنات} أي الحرائر {من الذين أوتوا الكتاب} وبني الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به غرض. ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق الزمن الماضي، أثبت الجار فقال: {من قبلكم} أي وهم اليهود والنصارى، وعبر عن العقد بالصداق للملابسة فقال مخرجاً للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق، لأنها لا تملكه بل يعطاه سيدها: {إذا آتيتموهن أجورهن} أي عقدتم لهن، ودل مساق الشرط على تأكد وجوب الصداق، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء، كان في صورة الزاني، وورد فيه حديث، وتسميته بالأجر تدل على أنه لا حد لأقله. ولما كان المراد بالأجر المهر، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه الزانية أيضاً، بينه بقوله: {محصنين} أي قاصدين الإعفاف والعفاف {غير مسافحين} أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهاراً {ولا متخذي أخذان} أي صدائق لذلك في السر، جمع خدن، وهو يقع على الذكر والأنثى، فكانت هذه الآية مخصصة لقوله تعالى {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} تفسير : [البقرة: 221] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وصرح هنا بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في النساء {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم}تفسير : [النساء: 24] وقوله {أية : ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات} تفسير : [النساء: 25], ولعل ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب الصفات البشرية، وأخلد إلى مجرد الحيوانية، فصار في عداد البهائم، بل أدنى، مع أن التعليق بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده، بل الحل من باب الأولى، لأن من حكم مشروعية النكاح الإعفاف، فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى، لأن زناها إما لشهوة أو حاجة، وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه. والله أعلم. ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة، وكانت الفتنة - وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين. لم تنزل عن درجة الإمكان، وكانت الصلاة تسمى إيماناً لأنها من أعظم شرائعه {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله" تفسير : وله في الأوسط أيضاً بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر"تفسير : وكانت مخالطة الأزواج مظنة للتكاسل عنها، ولهذا أنزلت آية {أية : حافظوا على الصلوات} تفسير : [البقرة: 238] كما مضى بالمحل الذي هي به، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى منفرداً من نكاحهن بعد إحلاله، إشارة إلى أن الورع ابتعد عنه، امتثالاً للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو إلى المتابعة، أو يحصل ولد، فتستميله لدينها: {ومن} أي أحل لكم ذلك والحال أنه من {يكفر} أي يوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به والاستمرار عليه إلى الموت {بالإيمان} أي بسبب التصديق القلبي بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب، الذي منه حل الكتابيات، فيدعوه ذلك إلى نكاحهن، فتحمله الخلطة على اتباع دينهن، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر بالصلاة التي يلزم من الكفر بها الكفر به، فإطلاقه عليها تعظيم لها {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم {فقد حبط} أي فسد {عمله} أي إذا اتصل ذلك بالموت بدليل قوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} والآية من أدلة إمانا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز، ومما يؤيد ذلك أن في السفر الثاني من التوراة: لا تعاهدن سكان الأرض لكيلا تضلوا بأوثانهم، وتذبحوا لآلهتهم، أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم، وتزوج بنيك من بناتهم وبناتك من بنيهم، فتضل بناتك خلف آلهتهم ويضل بنوك بآلهتهم، وقال في الخامس منها: وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي تدخلونها لترثوها، وأهلك شعوباً كثيرة من بين أيديكم: حتانيين وجرجسانيين وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين وحاوانيين ويابسانيين. سبعة شعوب أكثر وأقوى منكم، ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم وحرموهم ولا تعاهدوهم عهداً ولا ترحموهم، وتحاشوهم ولا تزوجوا بناتكم من بنيهم، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى، ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم سريعاً، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع: استأصلوا مذابحهم، وكسروا أنصابهم، وحطموا أصنامهم المصبوغة، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة، لأنكم شعب طاهر لله ربكم - انتهى. وإذا تأملت جميع ذلك، وأمعنت فيه النظر لاح لك سرُّ تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا تعصى فتؤمن ولا تكفر، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز مع شرف التذكير بما أفاضه من شرف جليل الأيادي، فافتتح هذه السورة بالأمر بالوفاء بحق الربوبية، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه، وقدم المطعم لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح، فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد الربوبية فضلاً منه، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية، وقدم منه الصلاة لأنها أشرفه بعد الإيمان، وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا به! صدقوه بأنكم {إذا} عبر بأداة التحقيق بشارة بأن الأمة مطيعة {قمتم} أي بالقوة، وهي العزم الثابت على القيام الذي هو سبب القيام {إلى الصلاة} أي جنسها محدثين، لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه بعده صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل، وخصت الصلاة ومس المصحف من بين الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفاً لهما ويزيد حمل الإيمان على الصلاة حسناً تقدم قوله تعالى {أية : اليوم أكملت لكم دينكم} تفسير : [المائدة: 3] الثابت أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد عصر يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يخطب، وكان من خطبته في ذلك الوقت أو في يوم النحر أو في كليهما: "حديث : ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" تفسير : رواه أحمد ومسلم في صفة القيامة والترمذي عن جابر رضي الله عنه، فقوله "المصلون" إشارة إلى أن الماحي للشرك هو الصلاة، فما دامت قائمة فهو زائل، ومتى زالت والعياذ بالله - رجع، وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن جابر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بين العبد والكفر ترك الصلاة "تفسير : وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " تفسير : ولأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة ". تفسير : ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالاً، صرح به هنا على سبيل الأمر وفصله، فقال مجيباً للشرط إعلاماً بأن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، لأن المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند عدم الشرط: {فاغسلوا} أي لأجل إرادة الصلاة، ومن هنا يعلم وجوب النية، لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصوداً، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية {وجوهكم} وحدّ الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولاً وما بين الأذنين عرضاً، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذاً من المواجهة، لأنه من الحرج، وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه بظاهر اللحية، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب {وأيديكم}. ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ورؤوس الأصابع، قال مبيناً إن ابتداء الغسل يكون من الكفين، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم: {إلى المرافق} أي آخرها، أخذاً من بيان النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فإنه كان يدير الماء على مرفقيه، وإنما كان الاعتماد على البيان لأن الغاية تارة تدل كقوله تعالى {أية : من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} تفسير : [الإسراء: 1] وتارة لا تدخل كقوله تعالى {أية : ثم أتموا الصيام إلى اللّيل}تفسير : [البقرة: 187] والمرفق ملتقى العظمين، وعفي عما فوق ذلك تخفيفاً {وامسحوا} ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس، فلم يفعل كما فعل في الغسل مع الوجه، بل أتى بالباء فقال: {برءوسكم} علم أن المراد إيجاد ما يسمى مسحاً في أي موضع كان من الرأس، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف: المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح. ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأموراً بالاقتصاد فيه، وكان المسح على الخف سائغاً كافياً، قرىء: {وأرجلكم} بالجر على المجاورة إشارة إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب، قال في القاموس: المسح كالمنع: إمرار اليد على الشيء السائل. فيكون في ذلك إشارة أيضاً إلى استحباب الدلك، والقرينة الدالة على استعمال هذا المشترك في أحد المعنيين قراءة النصب وبيان النبي صلى الله عليه وسلم، ومر استعماله فيه وفيه الإشارة إلى الرفق بالنصب على الأصل. ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب من الأسفل إلى آخرها، خص بقوله دالاً بالغاية على أن المراد الغسل - كما مضى في المرافق، لأن المسح لم يرد فيه غاية في الشريعة وعلى أن ابتداء الغسل يكون من رؤوس الأصابع، لأن القدم بعظم نفعه أولى باسم الرجل: {إلى الكعبين} وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، وثنى إشارة إلى أن لكل رجل كعبين، ولو قيل: إلى الكعاب، لفهم أن الواجب كعب واحد من كل رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة الجمع بالجمع من حرف الميم من قواعده، والفصل بالمسح بين المغسولات معلم بوجوب الترتيب، لأن عادة العرب - كما نقله الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب عن الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك إلاّ للإعلام بالترتيب، وقال غيره معللاً لما ألزمته العرب: ترك التمييز بين النوعين بذكر كل منهما على حدته مستهجن في الكلام البليغ لغير فائدة، فوجب تنزيه كلام الله عنه أيضاً، فدلالة الآية على وجوب البداءة بالوجه مما لا مدفع له لترتيبها له بالحراسة على الشرط بالفاء، وذلك مقتضٍ لوجوب الترتيب في الباقي إذ لا قائل بالوجوب بالبعض دون البعض، ولعل تكرير الأمر بالغسل والتيمم للاهتمام بهما، وللتذكير بالنعمة في التوسعة بالتيمم، وأن حكمه باقٍ عند أمنهم وسعتهم كراهة أن يظن أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم وضيق التبسط في الأرض، لظهور الكفار وغلبتهم، كما كان المتعة تباح تارة وتمنع أخرى نظراً إلى الحاجة وفقدها، وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة، والإعلام بأنه لم يُرد به ولا بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج، وإنما أراد طهارة الباطن والظاهر من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة، فقال تعالى معبراً بأداة الشك إشارة إلى أنه قد يقع وقد لا يقع وهو نادر على تقدير وقوعه، عاطفاً على ما تقديره: هذا إن كنتم محدثين حدثاً أصغر: {وإن كنتم} أي حال القصد للصلاة {جنباً} أي ممنين باحتلام أو غيره {فاطهروا} أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر لجميع البدن، لأنه أطلق ولم يخص ببعض الأعضاء كما في الوضوء. ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل والوضوء، وبدأ بالوضوء لعمومه، ذكر الطهارة رخصة بالتراب، فقال معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن الرخاء أكثر من الشدة: {وإن كنتم مرضى} أي بجراح أو غيره، فلم تجدوا ماء حساً أو معنى بعدم القدرة على استعماله وأنتم جنب {أو على سفر} طويل أو قصير كذلك، ولما ذكر الأكبر أتبعه الأصغر فقال {أو جاء أحد منكم} وهو غير جنب {من الغائط} أي الموضع المطمئن من الأرض وهو أي مكان التخلي، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له منها، وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكِّرة له بشديد عجزه وعظيم ضرورته وفقره ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره. كما ورد أن بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما يعم الأكبر فقال: {أو لامستم النساء} أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا {فلم تجدوا ماء} أي حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره {فتيمموا} أي اقصدوا قصداً متعمداً {صعيداً} أي تراباً {طيباً} أي طهوراً خالصاً {فامسحوا}. ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته، قصَّر الفعل وعدَّاه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة، وبينت السنة أن المراد جميع العضو، فقال: {بوجوهكم وأيديكم منه} أي حال النية التي هي القصد الذي هو التيمم، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه الرخصة فقال مستأنفاً: {ما يريد الله} أي الغنى الغنى المطلق {ليجعل عليكم} وأغرق في النفي بقوله: {من حرج} أي ضيق علماً منه بضعفكم، فسهل عليكم ما كان عسره على من كان قبلكم، وإكراماً لكم لأجل نبيكم صلى الله عليه وسلم، فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم {ولكن يريد ليطهركم} أي ظاهراً وباطناً بالماء والتراب وامتثال الأمر على ما شرعه سبحانه، عقلتم معناه أو لا، مع تسهيل الأوامر والنواهي لكيلا يوقعكم التشديد في المعصية التي هي رجس الباطن {وليتم نعمته} أي في التخفيف في العزائم ثم في الرخص، وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال {عليكم} لأجل تسهيلها، ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر مقطوعاً به، إلا لمن لج طبعه في العوج، وتمادى في الغواية والجهل والبطر {لعلكم تشكرون *} أي وفعل ذلك كله. هذا التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه في طاعته المسهلة له المحببة إليه، روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء. وفي رواية: سقط قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً. فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ فجاء أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست النبي صلى الله عليه وسلم في قلادة، فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6]، وفي رواية: فأنزل الله آية التيمم {فتيمموا} فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة لهم، وفي رواية: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فإذا العقد تحته" وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً! فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة" وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء، فكانت تلك نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكيم ومزيد الامتنان به، لما فيه من عظيم اليسر وليحصل في التيمم من الجناية نص خاص، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على الاهتمام به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {وطعام الذين أوتوا الكتاب} قال: ذبائحهم. وفي قوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: حل لكم {إذا آتيتموهن أجورهن} يعني مهورهن {محصنين} يعني تنكحوهن بالمهر والبينة {غير مسافحين} غير معلنين بالزنا {ولا متخذي أخدان} يعني يسررن بالزنا. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} قال: ذبيحتهم. وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي في قوله {وطعام الذين أوتوا الكتاب} قال: ذبائحهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة، ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال. وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوّج النصراني المسلمة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: أحل لنا طعامهم ونساؤهم. وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: من الحرائر. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: من العفائف. وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي في قوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: التي أحصنت فرجها واغتسلت من الجنابة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله. أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيراً، فلما رجعنا طلقناهن. قال: ونساؤهن لنا حل، ونساؤنا عليهم حرام. وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران قال: سألت ابن عمر عن نساء أهل الكتاب، فتلا عليّ هذه الآية {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} . {أية : ولا تنكحوا المشركات} تفسير : [البقرة: 221]. وأخرج ابن جرير عن الحسن. أنه سئل: أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلاً فليعهد إليها حصاناً غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا ألمح اليها الرجل بعينه تبعته. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ولا متخذي أخدان} قال: ذو الخدن والخلية الواحدة. قال: ذكر لنا أن رجالاً قالوا: كيف نتزوج نساءهم وهم على دين ونحن على دين؟ فأنزل الله {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} قال: لا والله لا يقبل الله عملاً إلا بالإيمان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} قال: أخبر الله أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملاً إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام" قال الله تعالى {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} .
ابو السعود
تفسير : . {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} قيل: المرادُ بالأيام الثلاثة وقتٌ واحدٌ، وإنما كرر للتأكيد، ولاختلافِ الأحداثِ الواقعةِ فيه حَسُنَ تكريرُه، والمراد بالطيبات ما مر {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي اليهود والنصارى واستثنى عليٌّ رضي الله تعالى عنه نصارَى بني تغلِبَ، وقال: ليسوا على النصرانية، ولم يأخُذوا منها إلا شرْبَ الخمر، وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه، والمراد بطعامهم ما يتناولُ ذبائِحَهم وغيرَها {حِلٌّ لَكُمْ} أي حلال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأسَ، وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابُه، وحُكمُ الصابئين حكْمُ أهلِ الكتاب عنده. وقال صاحباه: هما صنفان، صنفٌ يقرؤون الزَّبورَ ويعبُدون الملائكة عليهم السلام، وصنفٌ لا يقرؤون كتاباً، ويعبُدون النجوم، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوسُ فقد سُنَّ بهم سُنةَ أهل الكتاب في أخذ الجزيةِ منهم دون أكل ذبائحهم ونكاحِ نسائهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : سُنوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائِهم» تفسير : {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} فلا عليكم أن تُطعِموهم وتَبـيعوه منهم، ولو حُرِّم عليهم لم يجز ذلك. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} رفع على أنه مبتدأ حُذف خبرُه لدلالةِ ما تقدم عليه أي حِلٌّ لكم أيضاً، والمرادُ بهن الحرائرُ العفائِف، وتخصيصُهن بالذكر للبعث على ما هو الأَوْلى لا لنَفْيِ ما عداهن، فإن نكاحَ الإماءِ المسلماتِ صحيحٌ بالاتفاق، وكذا نكاحُ غيرِ العفائِفِ منهن، وأما الإماءُ الكتابـياتُ فهن كالمسلمات عند أبـي حنيفة رضي الله عنه، خلافاً للشافعي رضي الله عنه {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} أي هن أيضاً حل لكم، وإن كنّ حَرْبـيات، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لا تَحِلُّ الحربـيات» {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مُهورَهن، وتقيـيدَ الحِلِّ بإيتائِها لتأكيد وجوبها، والحثِّ على الأولى، وقيل: المرادُ بإيتائها التزامُها، وإذا ظرفيةٌ عاملُها حَلَّ المحذوف، وقيل: شرطية حُذِف جوابُها، أي إذا آتيتموهن أجورهن حَلَلْنَ لكم {مُّحْصِنِينَ} حال من فاعل آتيتموهن أي حال كونِكم أعفّاءَ بالنكاح وكذا قوله تعالى: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} وقيل: حال من ضمير محصنين، وقيل: صفة لمحصِنين، أي غيرَ مجاهِرين بالزنا {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ} أي ولا مُسرِّين به والخِدْنُ الصديق يقع على الذكر والأنثى، وهو إما مجرورٌ عطفاً على مسافحين وزِيدت لا لتأكيد النفي المستفادِ من غير، أو منصوبٌ عطفاً على (غير مسافحين) باعتبار أوجُهِهِ الثلاثة {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ} أي ومن ينكرْ شرائعَ الإسلام التي من جملتها ما بُـيِّن هٰهنا من الأحكام المتعلقة بالحِلِّ والحرمة، ويمتنعْ عن قَبولها {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} الصالح الذي عمِلَه قبل ذلك {وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} هو مبتدأ (من الخاسرين) خبرُه، و(في) متعلِّقةٌ بما تعلق به الخبرُ من الكون المطلق، وقيل: بمحذوف دل عليه المذكورُ أي خاسر في الآخرة، وقيل: بالخاسرين على أن الألف واللام للتعريف لا موصولة، لأن ما بعدها لا يعمل في ما قبلها، وقيل: يُغتفرُ في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله: [الرجز] شعر : ربَّـيْتُه حتى إذا تمَعْددا كان جزائي بالعَصا أن أُجْلدا
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}[5] قال: الطيبات الحلال من الرزق.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [الآية: 5]. قيل: من لم يشكر الله على ما وهب له من المعرفة واليقين، فقد كفر بمعانى درجات الإيمان وفيه إحباط ما سواه من الاجتهادات والرياضات. وقيل: من لم يَر سوابق المنن فى خصائص الإيمان فقد عمى عن محل الشكر. وقال على بن بابويه فى هذه الآية: من لم يجتهد فى معرفته لا تقبل خدمته.
القشيري
تفسير : ليس الطَّيِّبُ ما تستطيبه النفوس، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق - سبحانه - فتوجد عند ذلك راحةُ القلوب. {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}: القَدْرُ الذي بيننا وبينهم من الوفاق في إثبات الربوبية لم يَعْرَ من أثرٍ في القربة فقال الله تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ}تفسير : [المائدة: 82]. وكذلك الأمر في المحصنات من نسائهم. وأُحِلَّ الطعامُ والذبيحةُ بيننا وبينهم من الوجهين فيحلّ لنا أكل ذبائحهم، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا، ولكن التزوج بنسائهم يجوز لنا، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى. ثم قال {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} يعني إنهم وإن كانوا كفاراً فلا تجب صحبتهن بغير نكاح تعظيماً لأمرِ السِّفاح، وتنبيهاً على وجوب مراعاة الأمر من الحق. وكذلك {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه المخادنة فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} الايمان ههنا المعرفة اى من وقع فى بحر النكرة بعد المعرفة ولم يخرج منها الى ساحل التوحيد الذى هو مفتاح كنوز الذات والصفات وهو محجوب عن الله ولم ينعقد له عقود المحبة والمعرفة ما وجد من الطريق ذهب عنه بقوله فقد حبط عمله وادق من هذا ان من عرف الله ووصل اليه بمعرفته وسكر بانوار تقى عبده وداعى فى شركه الانانية التى هى صفة المعدوم فهو محجوب بالوجد من الموجود لانه كفر الربوبية بانانية التى صدرت اليه من رؤية الربوبية هذا معنى قوله ومن يكفر الايمان وكل عمل من اعماله المعرفة له باطل لخروجه من العبودية الى الربوبية فاذا جرع الى العبودية وعرف افراد القدم عن الحدوث يستانف العمل الان ما مضى منه قد حبط بدعواه رضا من ظن ان اعماله فى الايما الذى هو موهبة الله الخاصة بلا علة اداء حقوقه فقد كفر بالايمان وحبط عمله لان الايمان كشوف ذاته وصفاته واعمال العبد معلولة محدثة وكيف يوازى صفة القدم بعلة الحدث قيل من لم يشكر اله على ما وهب له من المعرفة واليقين فقد كفر بماعلى درجة الايمان وفيه احباط ما سواه من الاجتهادات والرياضيات وقيل من لم ير سوابق المتن فى خصائص الايمان فقد عمى عن محل الشكر.
اسماعيل حقي
تفسير : {اليوم} اراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الازمنة الماضية والآتية او يوم النزول {احل لكم الطيبات} وهى ما لم تستخبثه الطباع السليمة وهى طباع اهل المروءة والاخلاق الجميلة او ما لم يدل نص شارع ولا قياس مجتهد على حرمته {وطعام الذين اوتوا الكتاب} اى اليهود والنصارى والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها {حل لكم} اى حلال وعن ابن عباس انه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس وهو قول عامة التابعين وبه اخذ ابو حنيفة واصحابه. وحكم الصابئين حكم اهل الكتاب عنده وقال صاحباه صنفان صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من اهل الكتاب واما المجوس فقد سن بهم سنة اهل الكتاب فى اخذ الجزية منهم دون اكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لقوله عليه السلام "حديث : سنوا بهم سنة اهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم " .تفسير : ولو ذبح يهودى او نصرانى على اسم غير الله كالنصرانى يذبح باسم المسيح فذهب اكثر اهل العلم الى انه يحل فان الله قد احل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقال الحسن اذا ذبح اليهودى او النصرانى فذكر اسم غير الله وانت تسمع فلا تأكله واذا غاب عنك فقد احل الله لك {وطعامكم حل لهم} فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك {والمحصنات من المؤمنات} رفع على انه مبتدأ حذف خبره لدلالة ما تقدم عليه اى حل لكم ايضا والمراد بهن الحرائر والعفائف وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو الاولى لا لنفى ما عداهن فان نكاح الاماء المسلمات صحيح بالاتفاق وكذا غير العفائف منهن واما الاماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند ابى حنيفة خلافا للشافعى {والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم} اى هن ايضا حل لكم وان كن حربيات وقال ابن عباس رضى الله عنهما لا تحل الحربيات. قال الحدادى واستدل بعض الفقهاء بظاهر الآية على انه لا يجوز للمسلم نكاح الامة الكتابية والصحيح انه يجوز بظاهر قوله تعالى {أية : باذن أهلهن} تفسير : [النساء: 25]. بدليل حل ذبائحهن وانما خص الله المحصنات باباحة نكاحهن مع جواز نكاح غيرهن لان الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة فى نكاح الحرائر العفائف اعظم واتم يدل على ذلك انه لا خلاف فى جواز النكاح بين المسلم والامة المؤمنة وان كان فى الآية تخصيص المحصنات من المؤمنات والافضل لمن اراد النكاح ان لا يعدل عن نكاح الحرائر الكتابيات مع القدرة عليهن وذلك ان نكاح الامة يؤدى الى ارقاق الولد لان الولد يتبع امه فى الرق والحرية ولا ينبغى لاحد ان يختار رق ولده كما لا ينبغى ان يختار رق نفسه {اذا آتيتموهن اجورهن} اى مهورهن وتقييد الحل بايتائها لتأكيد وجوبها والحث على الاولى واذا ظرفية عاملها حل المحذوف {محصنين} حال من فاعل آتيتمونهن اى حال كونكم اعفاء بالنكاح وكذا قوله {غير مسافحين} اى غير مجاهرين بالزنى {ولا متخذى اخدان} اى ولا مسرين به والخدن الصديق يقع على الذكر والانثى. قال الشعبى الزنى ضربان السفاح وهو الزنى على سبيل الاعلان واتخاذ الخدن وهو الزنى فى السر والله تعالى حرمهما فى هذه الآية واباح التمتع بالمرأة على جهة الاحصان {ومن يكفر بالايمان} اى ومن ينكر شرائع الاسلام التى من جملتها ما بين ههنا من الاحكام المتعلقة بالحل والحرمة ويمتنع عن قبولها {فقد حبط عمله} اى بطل عمله الصالح الذى عمله قبل ذلك {وهو فى الآخرة من الخاسرين} هو مبتدأ من الخاسرين خبره وفى متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق. قال الحدادى فقد بطل ثواب عمله وهو فى الآخرة من المغبونين غبن نفسه ومنزله وصار الى النار لا يغنى عن المرأة الكتابية اسلام زوجها ولا ينفعها ذلك ولا يضر المسلم كفر زوجته الكتابية: قال السعدى شعر : برفتند وهركس درود آنجه كشت نماند بجزنام نيكو و زشت تفسير : واعلم ان الكفر اقبح القبائح كما ان الايمان احسن المحاسن وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمى فقالت قد افلح المؤمنون ثلاثا" تفسير : وعن كعب الاحبار ان نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا ابنه ساما من بين اولاده وقال اوصيك باثنتين وانهاك عن اثنتين. فاما الاوليان فاحداهما شهادة ان لا اله الا الله فانها تخرق السموات السبع ولا يحجبها شىء ولو وضعت السموات والارض وما فيهن فى كفة ووضعت هى فى الاخرى لرجحت. واما الثانية فان تكثر من قول سبحان الله والحمد لله فانها جامعة للثواب. واما الاخريان فالشرك بالله والاتكال على غير الله. قال القاضى عياض انعقد الاجماع على ان الكفار لا تنفعهم اعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم يكون اشد من بعض بحسب جرائمهم واما حسناتهم فمقبولة بعد اسلامهم على ما ورد فى الحديث. قال فى نصاب الاحتساب ما يكون كفرا بلا خلاف يوجب احباط العمل ويلزمه اعادة الحج ان كان قد حج ويكون وطؤه مع امرأته حراما والولد المتولد فى هذه الحالة يكون ولد الزنى وان كان اتى بكلمة الشهادة بعد ذلك اذا كان الاتيان على وجه العادة ولم يرجع عما قال لان الاتيان بكلمة الشهادة على وجه العادة لا يرفع الكفر وما كان فى كونه كفرا اختلاف فان قائله يؤمر بتجديد النكاح والتوبة والرجوع عن ذلك بطريق الاحتياط واما ما كان خطأ من الالفاظ ولا يوجب الكفر فقائله مؤمن على حاله ولا يؤمر بتجديد النكاح ويؤمر بالاستغفار والرجوع عن ذلك انتهى كلام النصاب. والرجل والمرأة فى ذلك سواء حتى لو تكلمت المرأة بما يكون كفرا تبين من زوجها. فعلى العبد الصالح ان يختار من النساء صالحة عفيفة متقية. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى اول ولد ولدته امى فانه ابعد من ان يصدر الفاظ الكفر من احدى ابوى قال وارثه الاكبر الشيخ الشهير بالهدايى قدس سره قلت والفقير كذلك. والاشارة فى الآية {احل لكم} يا ارباب الحقيقة فى اليوم الذى قدر كمالية الدين فيه لكم فى الازل جميع {الطيبات} التى تتعلق بسعادة الدارين بل احل لكم التخلق بالاخلاق الطيبات وهى اخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات المبرءات من النقائص والشبهات {وطعام الذين اوتوا الكتاب} وفى الحقيقة هم الانبياء عليهم السلام {حل لكم} اى غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة من حملتى الشريعة والحقيقة {وطعامكم حل لهم} يعنى منبع لبن النبوة والولاية واحد وان كان الثدى اثنين فشربتم لبان الطافنا من مشرب الولاية وشرب الانبياء لبان افضالنا من مشرب النبوة قد علم كل اناس مشربهم وللنبى عليه السلام شركة فى المشارب كلها وله اختصاص فى مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب "حديث : ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى " .تفسير : لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبىء مرسل{و} كذلك حل لكم {المحصنات من المؤمنات} وهى ابكار حقائق القرآن التى احصنت من افهام الازواج المؤمنات بها وهى ازواج العلماء وخواص هذه الامة {والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم} وهى ابكار حقائق الكتب المنزلة على الامة السالفة التى احصنت من الذين انزل عليهم الكتب وادرجت فى القرآن واخفيت لكم كما قال تعالى {أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم} تفسير : [السجدة: 17]. يعنى فى القرآن {أية : من قرة أعين} تفسير : [السجدة: 17]. وهى ابكار حقائق جميع الكتب المنزلة فافهم جدا كلها لكم {اذا آتيتموهن اجورهن} اى مهور هذه الابكار وهى بذل الوجود {محصنين} يعنى متعففين فى بذل الوجود فيكون على وجه الحق وبتصرف المشايخ الواصلين {غير مسافحين} على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى {ولا متخذى اخدان} يعنى فى بذل الوجود لا يكون ملتفتا الى شىء من الكونين ولا الى احد فى الدارين سوى الله ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريف والساقى {ومن يكفر بالايمان} بهذه المعاملات والكمالات اذ حرم من العيان من هذه السعادات {فقد حبط عمله} الذى عمله على العمياء والتقليد {وهو فى الآخرة من الخاسرين} الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى كذا فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه أحلّ للمؤمنين الطيبات، وهي الحلال على ما بينا القول فيه في الآية الاولى، دون ما حرم في الآية المتقدمة. وقيل: معنى الطيبات ما يستلذ ويستطاب. وظاهر الآية على هذا يقتضي تحليل كل مستطاب إلا ما قال دليل على تحريمه. وقوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} رفع بالابتداء {وحل لكم} خبره وذلك يختص عند اكثر اصحابنا بالحبوب، لانها المباحة من أطعمة أهل الكتاب، فاما ذبائحم وكل مائع يباشرونه بايديهم فانه نجس ولا يحل استعماله وتذكيتهم لا تصح لان من شرط صحتها التسمية لقوله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وهؤلاء لا يذكرون اسم الله. وإذا ذكروه قصدوا بذلك اسم من ابد شرع موسى أو عيسى أو اتخذ عيسى ابناً. وكذب محمداً (صلى الله عليه وآله) وذلك غير الله. وقد حرم الله ذلك بقوله: {وما أهل لغير الله به} على ما مضى القول فيه واكثر المفسرين على أن قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} المراد به ذبائحهم وبه قال قوم من اصحابنا: فممن ذهب اليه الطبري والبلخي والجبائي واكثر الفقهاء، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: أراد بذلك ذباحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والانجيل، أو ممن دخل في ملتهم ودان بدينهم، وحرم ما حرموا، وحلل ما حللوا. ذهب اليه ابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن المسيب، والشعبي وابن جريج، وعطا والحكم وقتادة. واجازوا ذبائح نصارى بني تغلب وقال آخرون: إنما عنى به الذين أنزلت التوراة والانجيل عليهم، ومن كان دخيلا فيهم من سائر الامم، ودان بدينهم، فلا تحل ذبائحهم. حكى ذلك الربيع عن الشافعي من الفقهاء. وروي تحريم ذبائح نصارى تغلب عن علي (عليه السلام) ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال مجاهد، وابراهيم وابن عباس وقتادة والسدي والضحاك، وابن زيد وابو الدرداء إن اطعام الذين اوتوا الكتاب ذبائحهم وغيرها من الاطعمة. وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وغيرهم. وقوله: {وطعامكم حل لهم} فيه بيان إن طعامنا ايضاً حل لهم، فان قيل فما معنى ذلك، وهم لا يستحلون طعامنا بتحليلنا لهم ذلك؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - ان الله بين بذلك أنه حلال لهم ذلك سواء قبلوه، أو لم يقبلوه. والثاني - أن يكون حلال للمسلمين بذله لهم، ولو كان محرماً عليهم، لما جاز لمسلم بذله اياه. وقوله: {والمحصنات من المؤمنات} معناه واحل لكم العقد على المحصنات يعني العفائف من المؤمنات. وقيل هن الحرائر منهن، ولا يدل ذلك على تحريم من ليس بعفيفة، لان ذلك دليل خطاب يترك لدليل يقوم على خلافه، ولا خلاف أنه لو عقد على من ليس بعفيفة، ولا امة كان عقده صحيحا غير مفسوخ، وان كان الاولى تجنبه. وكذلك لو عقد على أمة بشرط جواز العقد على الأمة على ما مضى القول فيه. واختلف المفسرون في المحصنات التي عناهن ها هنا فقال بعضهم عنى بذلك الحرائر خاصة: فاجرة كانت أوعفيفة وحرموا إماء اهل الكتاب بكل حال لقوله: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}. ذهب اليه مجاهد وطارق بن شهاب، وعامر الشعبي والحسن وقتادة. وقال اخرون: أراد بذلك العفائف من الفريقين: حرائر كن او إماء، وأجازوا العقد على الامة الكتابية. روى ذلك أيضاً عن مجاهد، وعامر الشعبي وسفين وابراهيم والحسن بن ابي الحسن وقتادة في رواية، ثم اختلفوا في المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فقال قوم: هو عام في العفائف منهن: حرة كانت أو أمة، حربية كانت او ذمية. وهو قول من قال المراد بالمحصنات العفائف. وقال اخرون: أراد الحرائر منهن: حربيات كن أو ذميات. وعلى قول الشافعي المراد بذلك من كان من نساء بني اسرائيل دون من دخل فيهن من سائر الملل. وقال قوم: أراد بذلك الذميات منهن. ذهب اليه ابن عباس. واختار الطبري أن يكون المراد بذلك الحرائر من المسلمات والكتابيات. وعندنا لا يجوز العقد على الكتابية نكاح الدوام، لقوله تعالى: {ولا تنكح المشركات حتى يؤمن،} ولقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فاذا ثبت ذلك، قلنا في قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} تأويلان. احدهما - ان يكون المراد بذلك اللائي أسلمن منهن. والمراد بقوله: {والمحصنات من المؤمنات} من كن في الاصل مؤمنات. ولدن على الاسلام قيل: إن قوماً كانوا يتحرجون من العقد على الكافرة إذا اسلمت فبين الله بذلك انه لا حرج في ذلك، فلذلك أفردهن بالذكر حكى ذلك البلخي. والثانى - أن يخص ذلك بنكاح المتعة أو ملك اليمين، لانه يجوز عندنا وطؤهن بعقد المتعة، وملك اليمين على أنه روى أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) أن ذلك منسوخ بقوله: {ولا تنكح المشركات حتى يؤمن} روى عن ابي عبد الله (ع) انه قال: هو منسوخ بقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وقوله: {وإذا آتيتموهن أجورهن} يعني مهورهن. وهو عوض الاستمتاع بهن. وهو قول ابن عباس، وجيمع المفسرين. وقوله: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} نصب على الحال وتقديره أحل لكم المحصنات من الفريقين، وانتم محصنون غير مسافحين، ولا متخذي أخدان يعني اعفاء غير مسافحين بكل فاجرة، وهو الزنا، ولامتخذي اخدان يعني اعنا غير مسافحين، ولا متخذي أخدان، ولا متفردين ببغية واحدة، خادنها وخادنته اتخذها لنفسه صديقة يفجر بها. وقد بينا معنى الاحصان ووجوهه، ومعنى السفاح والخدن في سورة النساء، فلا وجه لاعادته وبذلك قال ابن عباس وقتادة والحسن. وقوله: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} يعني من يجحد ما أمر الله الاقرار به، والتصديق به من توحيد الله، ونبوة نبيه، والاقرار بما جاء به فقد حبط عمله يعني الاعمال التي يعملها، ويعتقدها قربات إلى الله، فانها تنحبط، ولايستحق عليها ثواباً، بل يستحق عليها العقاب، {وهو في الآخرة من الخاسرين} يعني الهالكين الذين غبنوا نفوسهم حظها من ثواب الله بكفرهم، واستحقاقهم العقاب على جحدهم التوحيد، والاسلام. وقال قوم: إن قوله: {ومن يكفر بالايمان} عنى به اهل الكتاب، لان قوماً تحرجوا من نكاح نساء أهل الكتاب، واكل طعامهم وما بين الله في هذه الآية. ذهب اليه قتادة وابن جريج ومجاهد وابن عباس. فان قيل ما معنى {ومن يكفر بالإيمان} قيل: الايمان هو الاقرار بتوحيد الله، وصفاته، وعدله، والاقرار بالنبي (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من عند الله. فمن جحد ذلك أو شيئاً منه كان كافراً بالايمان. وقد حبط عمله الذي يرجو به الفوز والنجاة. وهو في الاخرة من الخاسرين. وقال مجاهد: معناه من يكفر بالله. قال البلخي لا يعرف تأويل مجاهد في اللغة.
الجنابذي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} فى تقييد احلال الطّيّبات بعد ذكره مطلقاً باليوم الخاصّ الّذى هو يوم نصب علىّ (ع) بالخلافة، اشارة لطيفة الى انّ حلّيّة الطيّبات موقوفة على الولاية ولولاها لكانت محرّمة وإن كانت طيّبة حاصلة من كسب اليد والوجه الحلال، غاية الامر ان يكون المراد بالحلّيّة ههنا الحلّيّة فى نفس الامر وبحسب الطّريقة لا بحسب ظاهر الشّريعة {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} قد اختلف الاخبار فى طهارة اهل الكتاب ونجاستهم، واكثرها يشعر بأنّ نجاستهم عرضيّة بواسطة عدم اجتنابهم عن الخمر ولحم الخنزير، وانّ فى انيتهم الخمر ولحم الخنزير وقد فسّر الطّعام بالحبوب دون ذبائحهم لانّهم غير مأمونين على تسمية الله عليها فنقول: ليس المراد بطعام الّذين اوتوا الكتاب طعامهم المصنوع لهم حتّى كانت حلّيّته منافية لنجاستهم ان قلنا بنجاستهم كالمشركين، بل المراد نفى الحرج عن طعامهم المنسوب اليهم من حيث انّه منسوب اليهم يعنى لا حرج عليكم فى طعامكم من حيث تلك النّسبة فانّ النّسبة لا تستخبث الطّعام اذا لم يكن فيه خباثة من وجه اخر، ولذلك كان طعامكم حلاّ لهم يعنى انّ نسبة الطّعام اليكم لا تورث حرجاً عليكم اذا اطعمتموه اهل الكتاب ولا تجعلهم ممنوعين من الاكل ولمّا كان طعامهم مظنّة الخباثة ذكره بعد احلال الطيّبات، وايضاً لما ندب على ولاية علىّ (ع) وقيّد احلال الطيّبات بزمان نصب علىّ (ع) للاشارة الى تقييد الحلّيّة بالولاية ولم يكن لاهل الكتاب ولاية صار المقام مظنّة لحرمة المخالطة معهم وعدم حلّيّة طعامهم واطعامهم فنفى هذا الوهم، لانّهم بانتحال ملّة آلهيّة وقبول الدّعوة الظّاهرة كانوا مسلمين ولم يخرجوا بحسب الظّاهر عن الاسلام، وبمخالطتهم واكل طعامهم واطعامهم يستعدّون للهداية ولمّا كان حلّيّة طعامهم واطعامهم بحسب الظّاهر وحلّيّة الطيّبات المتوقّفة على الولاية بحسب نفس الامر غيّر الاسلوب واتى بالجملة الاسميّة عطفاً على مجموع القيد والمقيّد حتّى لا يتقيّد بالولاية {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} الّلائى احصنّ انفسهنّ عمّا لا ينبغى عطف على الطيّبات المتقيّد احلالها بولاية علىّ (ع) ولذا قيّدهنّ بوصف الاحسان والايمان، يعنى اليوم احلّت لكم حلالاً واقعياً المحصنات {مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} ولا ينبغى لكم غيرهنّ فانّ غيرهنّ من الاماء والمتجرّيات على ما لا ينبغى وان كنّ حلالاً بحسب ظاهر الاسلام، لكنّهنّ غير محلّلات بحسب نسبة الايمان وفى نفس الامر {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} الّلائى احصنّ انفسهنّ عمّا لا ينبغى {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} قد اختلف الاخبار والاقوال فى نكاح النّساء من اهل الكتاب، وكذا فى انّ هذه الآية منسوخة بآية حرمة نكاح المشركات وحرمة الاخذ بعصم الكوافر او ناسخة، وكذا فى الدّوام والتّمتّع بهنّ وقول النّبىّ (ص): "حديث : انّ سورة المائدة آخر القرآن نزولاً فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها"تفسير : ، ينفى كونها منسوخة، وقوله تعالى {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مشعرٌ بتقييد الحلّيّة بحال التّمتّع بهنّ فانّ استعمال الاجور فى مهور المتمتّعات اكثر واشهر {مُحْصِنِينَ} حال كونكم حافظين انفسكم من السّفاح علانيةً وسرّاً، امّا بيانٌ لوجه الاحلال او تقييدٌ له باعتبار الواقع لا باعتبار ظاهر الاسلام {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} حال بعد حالٍ يعنى غير متجاهرين بالزّنا {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} ولا مسرين لهنّ جمع الخدن وهو الصّديق يقع على الذّكر والانثى، ولمّا ندب على الولاية وعلّق اكمال الدّين واحلال الطيّبات عليها ناسب المقام ان يذكر حال مخالف الولاية فقال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ} اى بقبول ولاية علىّ (ع) والبيعة الخاصّة الولويّة معه، وما ورد فى الاخبار من التّفسير بترك الصّلوة، او ترك العمل الّذى اقرّ به فى بيعته، او ترك العمل اجمع، او التّبدّد بأمر هو خلاف الحقّ فانّما هو تفسير لفروع الولاية، ولا ينافى كون المقصود هو الولاية كما فى بعض الاخبار {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} الّذى عمله فى الاسلام فانّ ما به القبول هو الولاية {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} لصرف بضاعته فيما لا قدر له.
فرات الكوفي
تفسير : { وَمَنْ يَكْفُرْ بالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرين5} فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد [أ: محمد] معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن لعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] في كتاب الله أسماءً لا يعرفها الناس. قلنا: وما هي؟ قال: سماه الإيمان فقال: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} الآية. وباسناده [الذي تقدم في ذيل الآية 157/ آل عمران عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله]: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله [وهو في الآخرة من الخاسرين. أ، ب]} [قال:] [فالإيمان في بطن القرآن علي (بن أبي طالب. ر) عليه السلام. ب، ر] فمن يكفر [ر: كفر] بولايته فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.
الهواري
تفسير : قوله: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} يعني بطعام الذين أوتوا الكتاب ذبائحهم. ذكروا عن الحسن أنه قيل له: إن النصارى إذا ذبحوا قالوا: باسم المسيح، قال: كلوا ذبائحهم، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. ذكروا عن القاسم أنه قال: لو سمعت نصرانياً يذبح لجرجيس ولبولس ولكنائسهم لأكلتها. قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}. هذا مثل قوله: (أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) تفسير : [الأعراف:157] أي: ما كان شدد عليهم فيه من أمر السبت والشحوم وكل ذي ظفر، وكل ما كان حرم عليهم فليس يحرم على المسلمين شيء مما حرم عليهم من تلك الأشياء. قال الله: (أية : وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا)تفسير : [الأنعام:155] أي اتّبعوا ما أحلّ فيه واتقوا ما حرّم فيه. فالخمر اليوم عليهم حرام، وكل ما حرّم الله على المسلمين فهو عليهم حرام. {وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} والمحصنات هنا الحرائر، ولا يحل نكاح إماء أهل الكتاب، ويوطأن بملك اليمين. يقول الله: (أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ) تفسير : [النساء:25]. ولا يتزوّج العبد المسلم الأمة اليهودية ولا النصرانية في قول الحسن: وبه نأخذ. قوله: {إذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي صداقهن. فإذا سمّاه لها فلا بأس بأن يدخل عليها قبل أن يعطيها شيئاً. قوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. قال مجاهد: ناكحين غير زانين، قال تزويجاً غيرَ زنى. {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} أي الخليل في السر، والخليلة في السر؛ يقول نكاحاً غير سفاح. والسفاح الزنا الظاهر. {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} غير متخذها خليلة، ولكن نكاحاً حلالاً. قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}. ذكر بعضهم أنه لما نزل تحليل نساء أهل الكتاب قال بعضهم: كيف نتزوّج نساء من غير أهل ديننا فأنزل الله: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}. تفسير ذلك: ومن يكفر بتصديق تحليلهن فقد حبط عمله. قال مجاهد: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ}. أي: بالله.
اطفيش
تفسير : {اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}: كرر التأكيد، وقيل: الأول بيان للحلال وجواب للسؤال، وهذا ذكر امتنانا من الله جل وعلا، وقيل: هذا بمعنى أنه أتم النعم باحلال الطيب، كما أتم الدين وبيان أحكامه، وقيل: الطيبات أحدهما الحلال وفى الآخر المستلذات. {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم وَطَعَامُكُم حِلٌّ لَّهُم}: يعنى ذبائح اليهود والنصارى والصابئين، الا الذين يعبدون النجوم ولا يقرءون الكتاب حل لنا معشر المسلمين ان أعطوا الجزية للامام العادل، قيل: أو لمن قادت ديانته من أهل الاسلام، وقيل: تحل مطلقا أعطوها أو لم يعطوها، كان الامام أو لم يكن، حاربوا أو سالموا، وألحقت بهم السنة المجوس فى الزام الجزية خاصة، فلا تحل ذبائح المجوس، ولو أعطوا الجزية، وكذا لا يحل نكاح نسائهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب "تفسير : يعنى فى الجزية خاصة، لرواية: "حديث : سنوا بهم سنة، أهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم " تفسير : وزعم ابن المسيب أنه اذا كان المسلم مريضا، فأمر المجوس أن يذكر الله ويذبح فلا بأس، وزعم أبو ثور أنه ان كان صحيحا، وأمره فلا بأس وقد أساء. وأفادت الآية والأحاديث أنه يحل ما صاد الكتابى بجارحته من كلم أو غيره، أو بمحدده وأنه ان أعطاك مكلبه فصدت به جاز، ولو وجدت الصيد مقتولا. قيل لبعضهم: ما تقول فى الرجل يستعير كلب اليهودى والنصرانى يصيد به؟ قال: لا بأس به انما هو بمنزلة شفرته، يعنى مثل حديدته التى يذبح بها، ولا يجوز ما صيد بكلاب المجوس، ولا ما أخذت كلابهم الا ما أدركنا حيا وذكيناه. وعن الحسن: أنه كره ما سوى كلاب المسلمين يقول: الا ما علمتم أنتم، لقوله تعالى: {أية : تعلمونهن مما علمكم }تفسير : ولم تستثن الآية نصارى العرب، فذبائحهم قبحهم الله حلال، سئل ابن عباس عنها فقال: حلال، وقرأ: {أية : ومن يتولهم منكم فإِنه منهم }تفسير : وبه قال الحسن وعطاء بن أبى رباح، والشافعى، وعكرمة، وقتادة، والزهرى، وحماد، وأبو حنيفة، ومالك وأحمد فى رواية عنه، وانما أعنى بالعرب من دخل فى دين النصارى منهم وهو مشرك لم يسلم قط، ولم يلده من أسلم، وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبى بكر وعمر وبعد ذلك، أسلمت العرب كلهم والمشركون من العرب فى ذلك الزمان: غسان وجذام وبجيلة وثعلبة. وقيل: من دخل فى دين النصارى أو اليهود أو الصابئين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من سائر الأمم حلت ذبيحته، ومن دخل فى دينهم من العرب فلا تحل ذبيحته، وعن على بن أبى طالب: لا تأكلوا من ذبائح نصارى بنى ثعلبة، فانهم لم يتمسكوا بشىء من النصرانية الا بشرب الخمر، وذلك قول ابن مسعود، والشافعى، وأحمد فى قوله عنه. وكذلك لم يستثن الله من يذكر المسيح، قيل للحسن: ان النصارى اذا ذبحوا قالوا: باسم المسيح، قال: كلوا ذبائحهم، فان الله أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون، وكذا قال الشافعى، وعطاء، والجمهور أنه قد علم الله ما يقولون، وأحل ذبائحهم. وعن الحسن: اذا ذبح اليهودى أو النصرانى، وذكر غير اسم الله فلا تأكل، واذا غاب عنك فكل، فقد أحله الله لك. وقال ابن عمر وربيعة: ان ذكر يهودى أو نصرانى اسم غير الله فلا يؤكل، وكذلك حلت ذبائح الصابئين العابدين للملائكة، لكنهم يقرءون الكتاب، وأما سائر المشركين فلا تؤكل ذبائحهم، وانما فسرنا الطعام بالذبائح لأنه لا يحرم طعام أهل الكتاب المطلق، والا حرم تمرهم وبرهم وشعيرهم، ولأن الكلام قيل فى الذبائح فبلل أهل الكتاب حلال بلا كراهة، لأن الأصل فى اباحة ذبائحهم أن يؤكل لحمهم بلا غسل فلا ينجس منهم الا ما ينجس من المسلمين كذا يقال، وقيل، بكراهة بللهم فينجس غسل لحمهم، فتكون الآية أخرجت ذبائحهم عن حكم الميتة فقط. ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم لأبى ثعلبة الخشنى: "حديث : ان وجدت غير آنيتهم فلا تأكل فى آنيتهم " تفسير : وقيل ينجس بللهم، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اغسل آنيتهم وكل فيها "تفسير : ، وحمل الأمر بالغسل على الندب، ليست الآية مجمعا على أن الطعام فيها الذبائح، بل هو قول أصحابنا والجمهور، وقيل: هو كل ما يؤكل واختلفوا فيما لا يحل لهم من الشحوم، وفى الذى يقولون له الطريف الصحيح أنه يحل لنا ذلك كله من ذبائحهم، ثم أن فائدة قول الله جل وعلا: {وَطَعَامُكُم حِلٌّ لَّهُم} أن أصل الذبائح التقرب، فقد يتوهم أحد أنه لا يجوز لنا أن نعطيهم ما ذبحنا. وأفادت أنهم مخاطبون بفروع شرعنا، وأنه لا سبت لهم قد حلت لهم ذبائح من يحل السبت بعد أن حرم، وأنه تحت الذبائح منا لهم، ولهم منا لا كالنكاح يحل أن نتزوج حرائرهم المحصنات، ولا يحل لنا أن نزوجهم المسلمات. {وَالمُحصَنَاتُ مِنَ المؤمِنَاتِ}: أى الحرائر، لأن شأنها أن تحصن نفسها، وباتفاق أيضا يجوز نكاح الاماء المؤمنات، وانما اختلفوا فى وجوب خوف العنت، وعدم القدرة على الحرة، وقيل: المحصنات العفائف من الحرائر الاماء. وعلى كل حال فذكر الاحصان بعث على التخير للنطف، فلو تزوج أحد غير العفيفة التى لم يزن هو بها لم يفرق بينهما، وقال بعض المؤمنة: الزانية لا تدخل فى هذا التحليل الا ان تابت وحسنت توبتها، وأراد رجل تزويج أخته فقالت: أخاف فضيحتك أنى قد زنيت، فذكرها لعمر فقال: أليست قد تابت؟ قال: بلى، قال فزوجها. {وَالمُحصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم}: بينت السنة أنهن الحرائر المحصنات من أهل الكتاب، وأنه لا يجوز نكاح اماء أهل الكتاب ولا تسريهن، فالأولى تفسير المحصنات المذكورات قبل هؤلاء بالحرائر المحصنات من المؤمنين، فيلتحق نكاح اماء المؤمنين وتسريهن بغير هذه الآية، ومن أجاز نكاح البالغة الأمة الكتابية أو تسريها كفر، ومن أجاز نكاح الطفلة أو تسريها من غيرهم لم يشرك. وعن أبى حنيفة: الأمة الكتابية كالمسلمة، فانظر شرحى على النيل، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الحرائر ممن يقول عزير ابن الله، أو المسيح ابن الله، أو من الصابئين العابدين للملائكة، لأن ذلك شرك. قال عطاء: رخص الله فى الكتابيات قبل أن تكثر المؤمنات، وليس كذلك بل يكره كراهة فقط، اذ كثرت المسلمات، وليس لأحد أن يقول قوله تعالى: {أية : ولا تنكحوا المشركات }تفسير : ناسخ لنكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، بل مخصوص العموم بقوله: {وَالمُحصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم} وانما تحل الكتابية ان كانت من أهل الذمة، وان كانت من أهل الحرب فلا الا ان أذعنت هى للذمة حلت. قال ابن عباس: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ومنهن من لا يحل لنا، وقرأ {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله }تفسير : الى {أية : صاغرون }تفسير : يعنى لا تحل الحربيات، وهذا مذهبنا، وزعم بعض غيرنا أنهن يحللن، قيل: تزوج عثمان بن عفان فاطمة بنت الفرافصة وهى نصرانية، وتزوج طلحة ابن عبيد الله يهودية. والكتاب جنس الكتاب، فصدق بالتوراة والانجيل، ومن قبلكم متعلق بأوتوا، وذلك أنا أوتينا القرآن من بعدهم والحمد لله. {إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، مهورهن أى اذا لم تتزوجوا على أن لا أجور لهن، بل ذكرتم وأحضرتم أو عاجلتم أو أجلتم أو عفلتم أو سكنتم على أنه ذكر لكم، أو طولبتم أعطيتم، ومن يتزوج على أن لا أجر حرمت ان مسها على الأصح. {مُحْصِنِينَ}: بهن. {غَيرَ مُسَافِحِينَ}: لهن حالان من ضمير الرفع فى آتيتموهن، أو غير حال من المستتر فى محصنين، ومعنى محصنين مريدين احصان أنفسهم عن الزنى، ومعنى غير مسافحين غير مريدين الزنى. {وَلا مُتَّخِذى أخدَانٍ}: وصف مضاف للمفعول الثانى بعد حذف الأول، أى ولا متخذينهن أخدانا أى صواحب لهم لأجل الزنى، وليست هذه الأحوال الثلاثة مؤكدات لعاملهن وهو الفعل من قوله: {آتَيْتُمُوهُنَّ} لأن الله جل وعلا ساق لفظ الآية على الألفاظ اللغوية المطلقة، بل بمنزلة قولك: وأحل لكم وطء المحصنات اذا آتيتموهن أجورهن بوطئهن محصنين أنفسهم بوطئهن، غير مريديدن الزنى بهن، ولا متخذينهن أخدانا، والوطء يصدق بالوطء الحلال والحرام، فما تم فهم النكاح الحلال الشرعى حتى قيل: {وَلا مُتَّخِذى أخدَانٍ} على أن المراد بمسافحين زانون جهرا، وبمتخذى أخدان الزنى سرا، فبقى الزنى سرا غير مذكور حتى يقال: {وَلا مُتَّخِذى أخدَانٍ}. والاحصان ولو كان عن الزنى كما مر لكن باعتبار الحقيقة، وأما باعتبار مجرد اللفظ فيفسر بمجرد الاحصان عن وطء غيرهن مما ليس له زوجا، ولا سرية. والسفاح فعال، والمراد به معنى المجرد لا المفاعلة، أى غير زانين بهن، أو المفاعلة لأنه اذا زنى بها برضا فقد زنى كل بالآخر، ومتخذى جمع مذكر سالم مضاف، وكان أهل الجاهلية يعيرون من يزنى جهراً لا من يزنى سراً. {وَمَن يَكْفُر بِالإيمَانِ}: أى بما يجب الايمان به، فالايمان مصدر بمعنى المفعول، أى المؤمن به بفتح الميم الثانية، أو يبقى على أصله أى بأمر الايمان. {فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ}: ذهب أجر عمله. {وَهُوَ فِى الأَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}: الجملة معطوفة على الجواب لكن الأولى فعلية، وقد مقربة للاسمية أو حال والمعنى يخسر حظه من الجنة، ويتحصل بحظه فى النار، وسواء فى ذلك من لم يسلم قط فانه لا ثواب لأعماله التى عمل فى شركة أن مات مشركاً أو أسلم ثم ارتد فانه قد بطل ما عمل قبل الردة، وفى الآخرة متعلق بمحذوف جوازاً أى وهو خاسر فى الآخرة، والخبر هو المحذوف لم ينب عنه الجار والمجور {مِنَ الخَاسِرِينَ} متعلق بمحذوف وجوباً خبر ناب عنه الجار والمجرور أى ثابت من جملة الخاسرين، ولا يتعلق بخاسرين بعده الا على قول من لا يجعل أل فى الوصف الصريح موصولة، أو قول من زعم أنه يجوز تقديم معمول الصلة الظرفى. قال بعضهم: لما نزل تحليل نساء أهل الكتاب، قال بعض الصحابة: كيف نتزوج نساء من غير أهل ديننا؟ فزجرهم الله عن هذا القول باخباره بأن من أنكر من أمر الدين شيئاً فقد حبط عمله، وهو فى الآخرة من الخاسرين، وقيل: لما أباح الله نكاح الكتابيات قلن فيما بينهن: لولا أن الله قد رضى أعمالنا لم يبح للمؤمن تزوجنا، فأنزل الله هذه الآية بمعنى أنه لا ثواب لهن فى الآخرة لكفرهن بالله ورسله والقرآن، ولو حل تزوجهن، وقيل: ان أهل الكتاب ولو حصل لهم فى الدنيا فضيلة اباحة ذبائحهم ونسائهم، وحرمة دمائهم وما لهم وأولادهم بالجزية، لكن لا خير لهم عند الله لكفرهم، والمذكور فى الآية الذبائح والنساء، وذكرت تحريم الدماء وما بعدها اذ هذا التحريم سبب لذبائحهم ونكاح نسائهم، اذا لو هيجوا بالقتل، وأخذ المال والولد لم تبق مساكنة حتى تتزوج نساؤهم وجملة هو من الخاسرين كالتوليد لقوله: {فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ}.
اطفيش
تفسير : {اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ} كرر ذكر إِحلال الطيبات للتأْكيد، أَو كأَنه قيل: اليوم أُحل لكم الطيبات التى سأَلتم عنها أَو الأَول بيان للحكم والثانى امتنان وذكر لمزيد فضله وليعلم بقاء هذا الحكم بعد تمام الدين، والطيبات المستلذات وهن ما فيه نفع ولو تفاوتت اللذة والنفع مما لم يجىء تحريمه، واليوم يوم أَنزلت الآية هذه أَو اليوم المذكور فى قوله عز وجل {أية : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم}تفسير : [المائدة: 3] وقوله {أية : اليوم أَكملت لكم دينكم وأَتممت عليكم نعمتى} تفسير : [المائدة: 3] فالمراد أَنه كما أَكمل الدين وأَتم النعمة بما مر فى محله أَتم النعمة بإِحلال الطيبات وأَنت خبير بأَن الأَولى أَن الأَيام الثلاثة زمان واحد كرر للتأْكيد ولاختلاف الأَحداث الواقعة فيه وهو وقت النزول وما يليه على الاستمرار كما مر وقد يقال عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقال هذه أَيام فلان أَى هذا زمان ظهوركم وشرع الإِسلام فقد أَكملت بهذا دينكم وأَحللت لكم الطيبات {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهود والنصارى والصابئين وذلك مذهب الجمهور وقال أَبو يوسف وصاحبه محمد: تجوز ذبيحة من يقرأ الكتاب منهم كالزبور ويعبد الملائكة لا من لا يقرؤه منهم ويعبد النجوم وهو حسن، وينبغى حمل كلام أَصحابناعليه إِذ لا كتاب لهذا النوع فكيف يحكم لهم بحكم أَهل الكتاب. {حِلٌّ لَكُمْ} وطعامهم ذبائحهم وسائر أَطعمتهم، كما أَنه صلى الله عليه وسلم والصحابة يأْكلون طعام أَهل الشام ويلبسون ثيابهم وهم روم متنصرون، وطعام خيبر والنضير ونحوهما وأَهلها يهود وليسوا يعطون الجزية يومئذ، وبإِطلاق الآية، وما ذكر تمسك من أَباح ذبائح أَهل الكتاب وطعامهم وبللهم ولو حربيين، واشترط جمهور أَصحابنا لإِباحة ذلك إِعطاء الجزية، وجمهور الأُمة على حل ذبائحهم ولو ذبحوا على اسم عيسى أَو عزيرا ولم يختتنوا لأَن الله جل وعلا قد علم ذلك منهم فأَباحها لنا، وقال الحسن: إِن ذكروا غير الله بحضرتك على ذبيحة فلا تأكلها وكل ما لم تحضرها، وقال ابن عباس أَنه لا تحل ذبائح من يذبح على اسم عيسى أَو غيره لإِطلاق الآية الأُخرى تحريم ما أَهل به لغير الله والجمهور على أَن ذكر أَهل الكتاب تعميما لأَحوالهم تخصيص من تحريم ما أُهل به لغير الله عز وجل، ولا يحل ذبائح من تمسك بصحف إبراهيم عليه السلام وترك التوراة والإِنجيل ولا ذبائح المجوس ونسائهم لقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : سنوا بهم سنة أَهل الكتابتفسير : ، أَى فى الجزية خاصة كما صرحت به رواية، وروى البيهقى وعبد الرزاق قبله عن الحسن بن محمد بن على: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى مجوس هجر من أَسلم قبل ومن أَصر منهم ضربت عليه الجزية غير ناكح نساءَهم، وفى رواية ولا محلى ذبائحهم، ولا تحل ذبائح نصارى العرب كتغلب أَو يهود العرب، قال على: لا تحل ذبائح نصارى تغلب لأَنهم لم يأخذوا عن النصرانية إِلا شرب الخمر، ومفهومه أَنه تجوز ذبائح من تنصر من العرب وتدين بالإِنجيل ولو خالف فى بعض أَو جل، وتجوز عند الحنفية مطلقاً وقيل لا تجوز ذبيحة من تنصر أَو تهود من العرب بعد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَباح ابن عباس وأَبو حنيفة ذبائح نصارى العرب والذبائح تابعة للنكاح، وقالت الإِمامية من الشيعة وجماعة من الزيدية أَنه لا تحل ذبائح أَهل الكتاب وأَن الطعام فى الآية غير الذبائح وذلك خطأ. {وَطَعَامُكُمْ حِلٌ لَهُمْ} تتميم لما قيل، أَى لا كالنساءِ حلت لكم نساءُهم ولم تحل لهم نساؤكم، والطعام ما يؤكل ولا داعى إِلى تأَويله بالإِطعام كما زعم الزجاج أَن المعنى يحل لكم أَن تطعموهم فجعل الخطاب للمؤمنين على معنى أَن التحليل يعود على إِطعامنا إِياهم لا إِليهم لأَنه لا يمتنع أَن يحرم الله تعالى أَن نطعمهم من ذبائحنا ففائدة قوله عز وجل على هذا إِفادة إِباحة إِطعامنا هم أَى فأَطعموهم من طعامكم وبيعوه لهم وهبوا وآجروا ولو حرم عليهم كلحم الإِبل، ودينهم منسوخ وقد حل لهم فى ديننا فيجوز أَن نبيع لهم ونحو ذلك ولو حرم فى دينهم الأَول فذلك جواب عن أَن يقال كيف يحتاجون إِلى بياننا وهم كفار وجواب يرد على من قال أَن الآية دلت على خطاب الكافر بالفروع إِذ حكم لهم بحل طعامنا لهم. {وَالْمُحْصَنَاتُ} اللاتى لا يزنين مبتدأ خبره مع ما عطف عليه محذوف أَى حل. {مِنَ المُؤْمِنَاتِ} الموحدات {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الحرائر، وعن ابن عمر أَن المراد بالمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب من أَسلمن منهم وهو خلاف الظاهر، فإِذا شرط فى المؤمنات عدم الزنى فأَولى أَن يشترط فى الكتابيات أَو المراد بالمحصنات من المؤمنات الحرائر أَيضا إِذ لا يجوز تزوج الأَمة ولو مؤمنة إِلا إِن لم يستطع الحرة على ظاهر القرآن، وزعم قومنا أَنه يجوز تزوج الموحدة الزانية إِجماعا، فيحفظها زوجها ولا يجز عندنا تزوج الأَمة الكتابية ولا التسرى لها، وأَجاز ابن عباد منا وأَبوحنيفة تسريها وأَجاز أَبو حنيفة تزوجها ومنع الشافعى تزوجها وتسريها مثلنا لقيد الإِحصان، فزعمت الحنفية أَنما يعتبر القيد إِذا لم تكن فائدة سوى الدلالة على انتفاء الحكم عند انتفاء القيد وفي الآية فائدة سواها هى البعث على ما هو أَولى ولها تحل الحربية ولو حرة عندنا وهو قول ابن عباس لبعد شأَنها ولأَن التزوج بر وقد قال الله جل وعلا {أية : إِنما ينهاكم} تفسير : [الممتحنة: 9] إِلخ. وقال الله عز وجل: {أية : لا تجد قوما..}تفسير : [المجادلة: 22] إِلخ وقال: {أية : ومن ءَايَٰتِهِ أَن خلق لكم من أَنفسكم أَزواجا لتسكنوا إِليها وجعل بينكم مودة ورحمة} تفسير : [الروم: 21] وكيف يكون الود والرحمة للكافرة، ويستثنى من ذلك الحب الممنوع مقدار مخصوص للكتابية التى ليست محاربة فيجوز فى حقها لها على متزوجها كما قال الحنفية: أَهل الذمة محمديون على أَحكام الإسلام فى البيوع والمواريث فيما بينهم وسائر العقود إِلا بيع الخمر والخنزير، فيقرون عليه وأَنهم لا يرجمون لأَنهم غير محصنين، وذهب بعض إِلى أَن هؤلاءِ الآيات تفيد الكراهة فقط. وعن الشافعى كراهة تزوج الحرة الكتابية المحاربة، وأَباحها الشافعية، وقال الحسن: المحصنات العفائف. {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن لأَنها أَجرة الحمل والرضاع والتربية والوطءِ كأَجر العامل، واقتصر ابن عباس على التمتع لأَنه المتيقن والمقصود بالذات غالبا، وإِذا يتعلق بحل المقدر خارج عن الشرط أَو باق عليه وعلى الصدر فيقدر جواب يتعلق به أَى فهن حل والظاهر الأَول، والمراد بإِيتاءِ الأُجور العقد بلا نفى أَجر أنقد الأَجر أَو بعض أَو أَجل كله أَو لم يذكر معلوما ولا مجهولا ولا مجملا فيلحق، وأَما إِن عقد على أَن لا أَجر فالعقد باطل يعاد وإِن دخل حرمت لأَن ذلك غير عقد، وقيل لا تحرم فيحكم بالمهر أَو بالمثل كما إِذا لم ينف ولم يسم، وتفسير الإِيتاءِ بما ذكر تفسير بصفة السلب وهو أَعم فائدة من تفسيره بالتزام الأَجر، وبالتعبير عن السبب بالمسبب ويجوز إِبقاء اللفظ على ظاهره حثا على نقد الصداق لأَنه أَكمل كأَنه يجب النقد وليس بواجب وليس بقيد للحل. {مُحْصِنِينَ} مريدين للإِحصان وهو التزوج أَو للعفة بالتزوج {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} مجاهرين بالزنى، {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ} صواحب للزنى بهن غير مجاهرين به، والواحد والواحدة خدن بكسر فإسكان، كان الجاهلية يعيبون الجاهر بالزنى لا السار به وعابهما الله جميعا، والعطف على مسافحين ولا صلة ولا يتصور العطف على غير مع أَن لا صلة لأَن الاتخاذ حينئذ مثبت والمراد نفيه إِلا أَن جعلنا لا اسما معطوفا على غير مضافا لمتخذى فالاتخاذ منفى بلا كما نفى فى الوجه الأَول بالعطف على مدخول غير {ومَنْ يَكْفُرْ} يرتد بعد إِيمان {بالإِيمَانِ} عن الإِيمان أَى عن شرائع الإِسلام، فالإِيمان مصدر بمعنى مفعول أَى بالمؤمن به بفتح الميم الثانية {فَقَدْ حَبِطَ} إِن لم يتب كما فى الآية الأُخرى {عَمَلُهُ} ما عمله قبل الردة من الصلاخ {وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} ثواب أَعمالهم، وقيل يبطل ثواب ما قبل الردة ولو تاب بعدها، ويجوز حمل الآية على الإِشراك بمعنى أَنه لا يثاب ما عمل من الصلاح فى الآخرة، ومن متعلق باستقرار، أَو بصلة (الـ) على التوسع فى الظروف وأَما أَن تجعل ( الـ) حرف تعريف فليس ذلك إِلينا بل لابد هى اسم موصول، نعم إِن بنينا على قول من نفى الموصولية (لألـ) مطلقا.
الالوسي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} إعادة هذا الحكم للتأكيد والتوطئة لما بعده، وسبب ذكر اليوم يعلم مما ذكر أمس. وقال النيسابوري: فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره، والأول أولى. {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} أي حلال، والمراد بالموصول اليهود والنصارى حتى نصارى العرب عندنا، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه استثنى نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وحكاه الربيع عن الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة ـ كما روي عن ابن عباس. وأبي الدرداء. وإبراهيم. وقتادة. والسدى. والضحاك. ومجاهد رضوان الله عليهم أجمعين ـ وبه قال الجبائي. والبلخي. وغيرهم. / وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد به الذبائح لأن غيرها لم يختلف في حله، وعليه أكثر المفسرين، وقيل: إنه مختص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية وهو المروي عند الإمامية عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وبه قال جماعة من الزيدية، فلا تحل ذبائحهم عند هؤلاء، وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال صاحباه: الصابئة صنفان: صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة، وصنف لا يقرأون كتاباً ويعبدون النجوم، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب، وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لما روى عبد الرزاق وابن أبـي شيبة والبيهقي من طريق الحسن بن محمد بن علي قال: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل ومن أصر ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم» وهو وإن كان مرسلاً وفي إسناده قيس بن الربيع ـ وهو ضيعف ـ إلا أن إجماع أكثر المسلمين ـ كما قال البيهقي ـ عليه يؤكده، واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله تعالى ـ كعزير وعيسى عليهما السلام ـ فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لا تحل وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل ـ وهو قول الشعبـي. وعطاء ـ قالا: فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله تعالى لك. {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} قال الزجاج وكثير من المتأخرين: إن هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى لا جناح عليكم أيها المؤمنون أن تطعموا أهل الكتاب من طعامكم، فلا تصلح الآية دليلاً لمن يرى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأن التحليل حكم، وقد علقه سبحانه بهم فيها كما علق الحكم بالمؤمنين، واعترض على ظاهره بأنه إنما يتأتى لو كان الإطعام بدل الطعام، فإن زعموا أن الطعام يقوم مقام الإطعام توسعاً ورد الفصل بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ، وهو ممتنع فقد صرحوا بأنه لا يجوز إطعام زيد حسن للمساكين وضربك شديد زيداً فكيف جاز {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}؟ وعن بعضهم فإن قيل: ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا؟ أجيب بأن المعنى انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم فإن أطعموكموه فكلوه ولا تنظروا إلى ما كان محرماً عليهم، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم، ثم نسخ ذلك في شريعتنا، فالآية بيان لنا لا لهم أي اعلموا أن ما كان محرماً عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لكم أيضاً ولذلك لو أطعمونا خنزيراً أو نحوه وقالوا: هو حلال في شريعتنا، وقد أباح الله تعالى لكم طعامنا كذبناهم وقلنا: إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحل لنا لا غيره، فحاصل المعنى طعامهم حل لكم إذا كان الطعام الذي أحللته لكم، وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره فافهمه فقد أشكل على بعض المعاصرين. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} عطف على {ٱلطَّيّبَاتِ}. أو مبتدأ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي حل لكم أيضاً، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات، أو من الضمير فيها على ما قاله أبو البقاء، والمراد بهن عند الحسن والشعبـي وإبراهيم: العفائف، وعند مجاهد: الحرائر، واختاره أبو علي، وعند جماعة العفائف والحرائر، وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو أولى لا لنفي ما عداهن، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه صحيح بالاتفاق، وكذا نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} / وإن كن حربيات كما هو الظاهر، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا يجوز نكاح الحربيات، وخص الآية بالذميات، واحتج له بقوله تعالى: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المجادلة: 22] والنكاح مقتض للمودة لقوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً...وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21] قال الجصاص: وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة، وأصحابنا يكرهون مناكحة أهل الحرب، وذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابيات لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221] ولقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10] وأولوا هذه الآية بأن المراد من المحصنات من الذين أوتوا الكتاب اللاتي أسلمن منهن، والمراد من المحصنات من المؤمنات اللاتي كن في الأصل مؤمنات، وذلك أن قوماً كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر فبين الله تعالى أنه لا حرج في ذلك، وإلى تفسير المحصنات بمن أسلمن ذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضاً، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ويأباه النظم، ولذلك زعم بعضهم أن المراد هو الظاهر إلا أن الحل مخصوص بنكاح المتعة وملك اليمين، ووطؤهن حلال بكلا الوجهين عند الشيعة، وأنت تعلم أن هذا أدهى وأمر، ولذلك هرب بعضهم إلى دعوى أن الآية منسوخة بالآيتين المتقدمتين آنفاً احتجاجاً بما رواه الجارود عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه في ذلك، ولا يصح ذلك من طريق أهل السنة، نعم أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام». أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله «أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية فقال: تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيراً فلما رجعنا طلقناهن. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ فقال: ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله تعالى المسلمات فإن كان لا بد فاعلاً فليعمد إليها حصاناً غير مسافحة، قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتبعته». {إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن وهي عوض الاستمتاع بهن ـ كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره ـ وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها لا للاحتراز، ويجوز أن يراد بالإيتاء التعهد والالتزام مجازاً، ولعله أقرب من الأول، وإن كان المآل واحداً، و {إِذَا} ظرف لحل المحذوف، ويحتمل أن تكون شرطية حذف جوابها أي إذا آتيتموهن أجورهن حللن لكم. {مُّحْصِنِينَ} أي أعفاء بالنكاح وهو منصوب على الحال من فاعل {ءاتَيْتُمُوهُنَّ} وكذا قوله تعالى: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ}، وقيل: هو حال من ضمير {مُّحْصِنِينَ}، وقيل: صفة ـ لمحصنين ـ أي غير مجاهرين بالزنا، {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} أي ولا مسرين به، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى، وقيل: الأول: نهى عن الزنا، والثاني: نهى عن مخالطتهنّ، و {مُتَّخِذِيۤ} يحتمل أن يكون مجروراً عطفاً على {مُسَـٰفِحِينَ} وزيدت لا لتأكيد النفي المستفاد من {غَيْرِ}، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} باعتبار أوجهه الثلاثة. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ} أي من ينكر المؤمن به، وهو شرائع الإسلام التي من جملتها ما بين هنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة، ويمتنع عن قبولها {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} أي الذي عمله واعتقد أنه قربة له إلى الله تعالى. / {وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي الهالكين، والآية تذييل لقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} الخ تعظيماً لشأن ما أحله الله تعالى وما حرمه، وتغليظاً على من خالف ذلك، فحمل الإيمان على المعنى المصدري وتقدير مضاف ـ كما قيل أي بموجب الإيمان وهو الله تعالى ـ ليس بشيء، وإن أشعر به كلام مجاهد، وضمير الرافع مبتدأ، و {مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} خبره، و {فِى} متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق، وقيل: بمحذوف دل عليه المذكور أي خاسرين في الآخرة، وقيل: بالخاسرين على أن أل معرفة لا موصولة لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، وقيل: يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله:شعر : ربيته حتى إذا ما تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا تفسير : هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالإيمان العلمي {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} أي بعزائم التكليف، وقال أبو الحسن الفارسي: أمر الله تعالى عباده بحفظ النيات في المعاملات، والرياضات في المحاسبات، والحراسة في الخطرات، والرعاية في المشاهدات، وقال بعضهم: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} عقد القلب بالمعرفة، وعقد اللسان بالثناء، وعقد الجوارح بالخضوع، وقيل: أول عقد عقد على المرء عقد الإجابة له سبحانه بالربوبية وعدم المخالفة بالرجوع إلى ما سواه، والعقد الثاني عقد تحمل الأمانة وترك الخيانة {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} أي أحل لكم جميع أنواع التمتعات والحظوظ بالنفوس السليمة التي لا يغلب عليها السبعية والشره {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} من التمتعات المنافية للفضيلة والعدالة {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أي لا متمتعين بالحظوظ في حال تجردكم للسلوك وقصدكم كعبة الوصال وتوجهكم إلى حرم صفات الجمال والجلال {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} تفسير : [المائدة: 1] فليرض السالك بحكمه ليستريح، ويهدي إلى سبيل رشده {يُرِيدُ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَٰئِرَ ٱللَّهِ} من المقامات والأحوال التي يعلم بها السالك إلى حرم ربه سبحانه من الصبر والتوكل والشكر ونحوها أي لا تخرجوا عن حكمها {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} وهو وقت الحج الحقيقي وهو وقت السلوك إلى ملك الملوك، وإحلاله بالخروج عن حكمه والاشتغال بما ينافيه {وَلاَ ٱلْهَدْىَ} وهو النفس المستعدة المعدة للقربان عند الوصول إلى الحضرة، وإحلالها باستعمالها بما يصرفها، أو تكليفها بما يكون سبب مللها {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} وهي ما قلدته النفس من الأعمال الشرعية التي لا يتم الوصول إلا بها، وإحلالها بالتطفيف بها وعدم إيقاعها على الوجه الكامل {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} وهم السالكون، وإحلالهم بتنفيرهم وشغلهم بما يصدهم أو يكسلهم {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ} بتجليات الأفعال {وَرِضْوَاناً} بتجليات الصفات، {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـادُواْ} أي إذا رجعتم إلى البقاء بعد الفناء فلا جناح عليكم في التمتع {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} أي لا يكسبنكم بغض القوى النفسانية بسبب صدها إياكم عن السلوك أن تعتدوا عليها، وتقهروها بالكلية فتتعطل أو تضعف عن منافعها، أو لا يكسبنكم بغض قوم من أهاليكم أو أصدقائكم بسبب صدهم إياكم أن تعتدوا عليهم بمقتهم وإضرارهم وإرادة الشر لهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ} بتدبير تلك القوى وسياستها، أو بمراعاة الأهل والأصدقاء والإحسان إليهم {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} فإن ذلك يقطعكم عن الوصول، وعن سهل أن البر الإيمان والتقوى السنة والإثم الكفر والعدوان البدعة، وعن الصادق رضي الله تعالى عنه البر / الإيمان والتقوى الإخلاص والإثم الكفر والعدوان المعاصي، وقيل: البر ما توافق عليه العلماء من غير خلاف والتقوى مخالفة الهوى والإثم طلب الرخص والعدوان التخطي إلى الشبهات {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في هذه الأمور {أية : إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [المائدة: 2] فيعاقبكم بما هو أعلم {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} وهي خمود الشهوة بالكلية فإنه رذيلة التفريط المنافية للعفة {وَٱلدَّمُ} وهو التمتع بهوى النفس {وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ} أي وسائر وجوه التمتعات بالحرص والشره وقلة الغيرة {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} من الأعمال التي فعلت رياءاً وسمعة {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} وهي الأفعال الحسنة صورة مع كمون الهوى فيها، {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} وهي الأفعال التي أجبر عليها الهوى {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ} وهي الأفعال المائلة إلى التفريط والنقصان {وَٱلنَّطِيحَةُ} وهي الأفعال التي تصدر خوف الفضيحة وزجر المحتسب مثلاً {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} وهي الأفعال التي هي من ملائمات القوة الغضبية من الأنفة والحمية النفسانية {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} من الأفعال الحسنة التي تصدر بإرادة قلبية لم يمازجها ما يشينها {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} وهو ما يفعله أبناء العادات لا لغرض عقلي أو شرعي {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلاْزْلَٰمِ} بأن تطلبوا السعادة والكمال بالحظوظ والطوالع وتتركوا العمل وتقولوا: لو كان مقدراً لنا لعملنا فإنه ربما كان القدر معلقاً بالسعي {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} خروج عن الدين الحق لأن فيه الأمر والنهي، والإتكال على المقدر بجعلهما عبثاً {ٱلْيَوْمَ} وهو وقت حصول الكمال {يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} بأن يصدّوكم عن طريق الحق {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} فإنهم لا يستولون عليكم بعد {وَٱخْشَوْنِ} لتنالوا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ببيان ما بينت {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} بذلك أو بالهداية إليَّ {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلَٰمَ} أي الانقياد للانمحاء {دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ} إلى تناول لذة في {مَخْمَصَةٍ}، وهي الهيجان الشديد للنفس {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} غير منحرف لرذيلة {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [المائدة: 3] فيستر ذلك ويرحم بمدد التوفيق. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} من الحقائق التي تحصل لكم بعقولكم وقلوبكم وأرواحكم {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ} وهي الحواس الظاهرة والباطنة وسائر القوى والآلات البدنية {مُكَلّبِينَ} معلمين لها على اكتساب الفضائل {تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} من علوم الأخلاق والشرائع {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} مما يؤدي إلى الكمال {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 4] بأن تقصدوا أنه أحد أسباب الوصول إليه عز شأنه لا أنه لذة نفسانية {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} وهو مقام الفرق والجمع {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} فلا عليكم أن تطعموهم منه بأن تضموا لأهل الفرق جمعاً، ولأهل الجمع فرقاً {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} وهي النفوس المهذبة الكاملة {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي حقوقهن من الكمال اللائق بهن وألحقتموهن بالمحصنات من المؤمنات {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ} بل قاصدين تكميلهن واستيلاء الآثار النافعة منهن لا مجرد الصحبة وإفاضة ماء المعارف من غير ثمرة {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ} بأن ينكر الشرائع والحقائق ويمتنع من قبولها {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} بإنكاره الشرائع {وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} [المائدة: 5] بإنكاره الحقائق، والظاهر عدم التوزيع، والله تعالى أعلم بمراده، وهو الموفق للصواب.
ابن عاشور
تفسير : {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}. يجيء في التقييد (باليوم) هنا ما جاء في قوله: {أية : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم}تفسير : [المائدة: 3] وقولِه: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم}تفسير : [المائدة: 3]، عدا وجه تقييد حصول الفعل حقيقة بذلك اليوم، فلا يجيء هنا، لأنّ إحلال الطيّبات أمر سابق إذ لم يكن شيء منها محرّماً، ولكن ذلك اليوم كان يوم الإعلام به بصفة كليّة، فيكون كقوله: {أية : ورَضيت لكم الإسلام ديناً}تفسير : [المائدة: 3] في تعلّق قوله: {اليوم} به، كما تقدّم. ومناسبة ذكر ذلك عقب قوله {أية : اليوم يئسَ}تفسير : [المائدة: 3] و{أية : اليوم أكملت}تفسير : [المائدة: 3] أنّ هذا أيضاً منّة كبرى لأنّ إلقاء الأحكام بصفة كلّيّة نعمة في التفقّه في الدين. والكلام على الطيّبات تقدّم آنفاً، فأعيدَ ليُبنى عليه قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب}. وعطفُ جملة {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم} على جملة {اليومَ أحلّ لكم الطيّبات} لأجل ما في هذه الرخصة من المنّة لكثرة مخالطة المسلمين أهل الكتاب فلو حرّم الله عليهم طعامهم لشقّ ذلك عليهم. والطعام في كلام العرب ما يطعَمه المرء ويأكله، وإضافته إلى أهل الكتاب للملابسة، أي ما يعالجه أهل الكتاب بطبخ أو ذبح. قال ابن عطية: الطعام الذي لا محاولة فيه كالبُرّ والفاكهة ونحوهما لا يغيّره تملّك أحد له، والطعام الذي تقَع فيه محاولة صنعته لا تعلّق للدين بها كخَبز الدقيق وعصر الزيت. فهذا إن تُجنِّبَ من الذميّ فعلى جهة التقذّر. والتذكية هي المحتاجة إلى الدّين والنية، فلمَّا كان القياس أن لا تجوز ذبائحهم رخص الله فيها على هذه الأمّة وأخرجها عن القياس. وأراد بالقياس قياس أحوال ذبائحهم على أحوالهم المخالفة لأحوالنا، ولهذا قال كثير من العلماء: أراد الله هنا بالطعام الذبائح، مع اتّفاقهم على أنّ غيرها من الطعام مباح، ولكن هؤلاء قالوا: إنّ غير الذبائح ليس مراداً، أي لأنّه ليس موضع تردّد في إباحة أكله. والأولى حمل الآية على عمومها فتشمل كلّ طعام قد يظن أنَّه محرّم علينا إذ تدخله صنعتهم، وهم لا يتَوَقَّوْنَ ما نتوقّى، وتدخله ذكاتهم وهم لا يشترطون فيها ما نشترطه. ودخل في طعامهم صيدهم على الأرجح. و{الذين أوتوا الكتاب}: هم أتباع التوراة والإنجيل، سواء كانوا ممّن دعاهم موسى وعيسى ـــ عليهما السلام ـــ إلى اتّباع الدين، أم كانوا ممّن اتّبعوا الدينيين اختياراً؛ فإنّ موسى وعيسى ودعَوا بني إسرائيل خاصّة، وقد تهوّد من العرب أهل اليمن، وتنصّر من العرب تغلب، وبهراء، وكلب، ولخم، ونَجران، وبعض ربيعة وغسّان، فهؤلاء من أهل الكتاب عند الجمهور عدا عليّا بن أبي طالب فإنه قال: لا تحلّ ذبائح نصارى تغلب، وقال: إنّهم لم يتمسّكوا من النصرانية بشيء سوى شرب الخمر. وقال القرطبي: هذا قول الشافعي، وروى الربيع عن الشافعي: لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب. وعن الشافعي: من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمّدية فهو من أهل الكتاب، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلاّ الإسلام، ولا تقبل منه الجزية، أي كالمشركين. وأمَّا المجوس فليسوا أهل كتاب بالإجماع، فلا تؤكل ذبائحهم، وشذّ من جعلهم أهل كتاب. وأمَّا المشركون وعبدة الأوثان فليسوا من أهل الكتاب دون خلاف. وحِكمة الرخصة في أهل الكتاب: لأنّهم على دين إلهي يُحرّم الخبَائث، ويتقي النجاسة، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متّبعة لا تظنّ بهم مخالفتها، وهي مستندة للوحي الإلهي، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان. وأمّا المجوس فلهم كتاب لكنّه ليس بالإلهي، فمنهم أتباع (زَرَادشْت)، لهم كتابُ (الزندفستا) وهؤلاء هم محلّ الخلاف. وأمّا المجوس (المَانَويَّة) فهم إباحية فلا يختلف حالهم عن حال المشركين وعبدة الأوثان، أو هم شرّ منهم. وقد قال مالك: ما ليس فيه ذكاة من طعام المجوس فليس بحرام يعني إذا كانوا يتّقون النجاسة. وفي «جامع الترمذي»: أنّ أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس. فقال له: «حديث : أنْقُوها غسلاً واطبخوا فيها»تفسير : . وفي البخاري: أنّ أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنِيَة أهل الكتاب. فقال له: «حديث : إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها»تفسير : . قال ابن العربي: «فغسل آنية المجوس فرض، وغسل آنية أهل الكتاب ندب». يُريد لأنّ الله أباح لنا طعام أهل الكتاب فقد علم حالهم، وإنَّما يسري الشكّ إلى آنيتهم من طعامهم وهو مأذون فيه، ولم يبح لنا طعام المجوس، فذلك منزع التفرقة بين آنية الفريقين. ثم الطعامُ الشامل للذكاة إنّما يعتبر طعاماً لهم إذاكانوا يستحلّونه في دينهم، ويأكله أحبارهم وعلماؤهم، ولو كان ممّا ذكر القرآنُ أنَّه حرّمه عليهم، لأنَّهم قد تأوّلوا في دينهم تأويلات، وهذا قول مالك. وأرى أنّ دليله: أنّ الآية عمّمت طعامهم فكان عمومها دليلاً للمسلمين، ولا التفات إلى ما حكَى الله أنّه حرّمه عليهم ثم أباحه للمسلمين، فكان عموم طعامهم في شرعنا مُباحاً ناسخاً للمحرّم عليهم، ولا نصِيرُ إلى الاحتجاج «بشرع من قبلنا...» إلاّ إذا لم يكن لنا دليل على حُكمهِ في شرعنا. وقيل: لا يؤكل ما علِمْنا تحريمه عليهم بنصّ القرآن، وهو قول بعض أهل العلم، وقيل به في مذهب مالك، والمعتمد عن مالك كراهة شحوم بقر وغنم اليهود من غير تحريم؛ لأنّ الله ذكر أنه حرّم عليهم الشحوم. ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرّمه الله علينا بعينه: كالخنزير والدم، ولا ما حرّمه علينا بوصفه، الذي ليس بذكاة: كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وأكيلة السبع، إذا كانوا هم يستحلّون ذلك، فأمَّا ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفةَ تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محلّ نظر كالمضروبة بمحدّد على رأسها فتموت، والمفتولة العنق فتتمزّق العروق، فقال جمهور العلماء: لا يؤكل. وقال أبو بكر ابن العربي من المالكية: تؤكل. وقال في «الأحكام»: فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطْم الرأس فالجواب: أنّ هذه ميتة، وهي حرام بالنصّ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحْن، كالخنزير فإنّه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا ـــ يريد إباحته عند النصارى ـــ ثم قال: ولقد سُئِلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاماً منه، فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقاً وكلّ ما يرونه في دينهم فإنّه حلال لنا في ديننا». وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي، وإنّما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم، والأوداج ولو بالخنق، وبين نحو الخنق لحبس النفَس، ورَضّ الرأس وقول ابن العربي شذوذ. وقوله: {وطعامكم حلّ لهم} لم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة بذكر {وطعامكم حلّ لهم}. والذي أراه أنّ الله تعالى نبّهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نُطعمهم طعَامنا، فعُلم من هذين الحكمين أنّ علّة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم، وذلك أيضاً تمهيد لقوله بعد: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} لأنّ ذلك يقتضي شدّة المخالطة معهم لتزوّج نسائهم والمصَاهرة معهم. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِىۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}. عُطف {والمحصنات من المؤمنات} على {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم} عطفَ المفرد على المفرد. ولم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة لذكر حِلّ المحصنات من المؤمناتِ في أثناء إباحة طعام أهل الكتاب، وإباحةِ تزوّج نسائهم. وعندي: أنّه إيماء إلى أنَّهنّ أولى بالمؤمنين من محصنات أهل الكتاب، والمقصودُ هو حكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب فإنّ هذه الآية جاءت لإباجة التزوّج بالكتابيات. فقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} عطف على {وطعام الذين أوتُوا الكتاب حلّ لكم}. فالتقدير: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حِلّ لكم. والمُحصنات: النسوة الّلاءِ أحْصَنَهُنّ ما أحْصَنَهُنّ، أي منعهنّ عن الخنا أو عن الريب، فأطلق الإحصان: على المعصومات بعصمة الأزواج كما في قوله تعالى في سورة النساء (24) عطفاً على المحرّمات {أية : والمحصنات من النساء}تفسير : وعلى المسلمات لأنّ الإسلام وَزَعَهن عن الخنا، قال الشاعر:شعر : ويصدّهن عن الخنا الإسلام تفسير : وأطلق على الحرائر، لأنّ الحرائر يترفّعن عن الخنا من عهد الجاهلية. ولا يصلح من هذه المعاني هنا الأوّل، إذ لا يحلّ تزوّج ذات الزوج، ولا الثاني لقوله: {من المؤمنات} الذي هو ظاهر في أنّهنّ بعض المؤمنات فتعيّن معنى الحرية، ففسّرها مالك بالحرائر، ولذلك منع نكاح الحرّ الأمةَ إلاّ إذا خشي العنت ولم يجد للحرائر طَوْلا، وجوّز ذلك للعبد، وكأنّه جعل الخطاب هنا للأحرار بالقرينة وبقرينة آية النساء (25) {أية : ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات}تفسير : وهو تفسير بيِّن ملتئم. وأصل ذلك لعمر بن الخطاب ومجاهد. ومن العلماء من فسّر المحصنات هنا بالعفائف، ونقل عن الشعبي وغيره، فمنعوا تزوّج غير العفيفة من النساء لرقّة دينها وسوء خلقها. وكذلك القول في تفسير قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} أي الحرائر عند مالك، ولذلك منع نكاح إماء أهل الكتاب مطلقاً للحرّ والعبد. والذين فسّروا المحصنات بالعفائف منعوا هنا ما منعوا هناك. وشمل أهلُ الكتاب: الذمّييّن، والمعاهدين، وأهل الحرب، وهو ظاهر، إلاّ أنّ مالكاً كره نكاح النساء الحربيّات، وعن ابن عبّاس: تخصيص الآية بغير نساء أهل الحرب، فمنع نكاح الحربيات. ولم يذكروا دليله. والأجور: المهور، وسمَّيت هنا (أجوراً) مجازاً في معنى الأعْواض عن المنافع الحاصلة من آثار عُقدة النكاح، على وجه الاستعارة أوْ المجاز المرسل. والمَهْر شِعار متقادم في البشر للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة. ولو كانت المهور أجوراً حقيقة لوجب تحْديد مدّة الانتفاع ومقدارِه وذلك مِمَّا تنزّه عنه عقدة النكاح. والقول في قوله: {محصنات غير مسافحين ولا متخذي أخدان} كالقول في نظيره {أية : محصنات غير مسافحات}تفسير : [النساء: 25] تقدّم في هذه السورة. وجملة {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} معترضة بين الجمل. والمقصود التنبيه على أنّ إباحة تزوّج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم، ولكن ذلك تيسير على المسلمين. وقد ذُكر في سبب نزولها أنّ نساء أهل الكتاب قلن «لولا أنّ الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا». والمرادُ بالإيمان الإيمانُ المعهود وهو إيمان المسلمين الذي بسببه لُقّبوا بالمؤمنين، فالكفر هنا الكفر بالرسل، أي: ينكر الإيمان، أي ينكر ما يقتضيه الإيمان من المعتقدات، إذ الإيمان صار لَقباً لمجموع ما يجب التصديق به. والحبْط ـــ بسكون الموحّدة ـــ والحُبوط: فساد شيء كان صالحاً، ومنه سمّي الحَبَط ـــ بفتحتين ـــ مرض يصيب الإبل من جرّاء أكل الخَضِر في أوّل الربيع فتنتفخ أمعاؤها وربما ماتت. وفعل (حَبِط) يؤذن بأنّ الحابط كان صالحاً فانقلب إلى فساد. والمراد من الفساد هنا الضياع والبطلان، وهو أشدّ الفساد، فدلّ فعل (حبِط) على أنّ الأعمال صالحة، وحُذف الوصف لدلالة الفعل عليه. وهذا تشبيه لضياع الأعمال الصالحة بفَساد الذواتتِ النافعة، ووجه الشبه عدم انتفاع مكتسبها منها. والمراد ضياع ثوابها وما يترقّبه العامل من الجزاء عليها والفوْز بها. والمراد التحذير من الارتداد عن الإيمان، والترغيبُ في الدخول فيه كذلك، ليعلم أهل الكتاب أنّهم لا تنفعهم قرباتهم وأعمالهم، ويعلم المشركون ذلك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن المُرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} تفسير : [البقرة: 217]. ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر، وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافاً لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقاً، والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 5- اليوم - منذ نزول هذه الآية - أحل الله لك كل طيب تستطيبه النفوس السليمة، وأحل لكم طعام أهل الكتاب، وذبائحهم، مما لم يرد نص بتحريمه، كما أحل لهم طعامكم، وأحل لكم زواج الحرائر والعفائف من المؤمنات ومن أهل الكتاب، إذا أديتم لهن مهورهن قاصدين الزواج، غير مستبيحين العلاقات غير الشرعية علانية، أو بطريق اتخاذ الخلائل. ومن يجحد الدين فقد ضاع ثواب عمله الذى كان يظن أنه قربى، وهو فى الآخرة من الهالكين.
القطان
تفسير : المحصنات: الحرائر العفيفات. الأجور: المهور. محصنِين: أعفّاء. مسافحين: مجاهرين بالزنا. أخدان: عشاق. حبط عمله: بطل ثواب عمله. اليوم، بعد نزول هذه الآية، أُحلت لكم الطّيبات وصار حكمها مستقراً ثابتاً. وأُحلّّ لكم طعامُ اليهود والنصارى وذبائحهم مما لم يرد نص بتحريمه، كما أُحلّ طعامكم لهم. ومن النساء أَحلَّ الله لكم نكاح الحرائر العفيفات من المؤمنات، ومن نساء اهل الكتاب، إذا أدّيتم لهن مهورهن بقصد الزواج، لا لإنشاء علاقات غير شرعية، أو اتخاذ عشّاق. كل هذا حلال لكم. ومن ينكر شرائع الإسلام التي من جملتها ما بينّا هنا فقد بطَل ثواب عمله وخاب، وهو في الآخرة من الهالكين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلطَّيِّبَاتُ} {ٱلْكِتَابَ} {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {آتَيْتُمُوهُنَّ} {مُسَافِحِينَ} {بِٱلإِيمَانِ} {ٱلْخَاسِرِينَ} (5) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَا حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنينَ مِنَ الخَبَائِثِ، وَمَا أحَلَّ لَهُمْ مِنَ الطَّيبَاتِ، ذَكَرَ حُكْمَ ذَبَائِحِ أهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: فَقَالَ: إنَّها حَلاَلٌ لِلْمُسْلِمِينَ لأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ ذَبْحِ الذَّبَائِحِ لِغَيْرِ اللهِ، وَلاَ يَذْكُرُونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ غَيْرَ اسْمِ اللهِ. وَقَالَ تَعَالَى: إنَّهُ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْعَمُوا مِنْ ذَبَائِحِ أهْلِ الكِتَابِ مِمَّا لَمْ يَرِدْ نَصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَأحَلَّ اللهُ لِلْمُسْلِمينَ نِكَاحَ العَفِيفَاتِ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ (وَقِيلَ بَلْ مَعْنَاهُ المُحْصَنَاتُ بِالحُرِّيَّةِ)، إذا دَفَعُوا لَهُنَّ مُهُورَهُنَّ (أُجُورَهُنَّ). وَكَمَا شَرَطَ اللهُ الإِحْصَانَ، وَهُوَ العِفَّةُ، فِي النِّسَاءِ، كَذَلِكَ شَرَطَهُ فِي الرِّجَالِ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُحْصَناً عَفِيفاً، وَلِهذا قَالَ (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) (وَالمُسَافِحُونَ هُمُ الزُّنَاةُ الذِينَ لاَ يَرْتَدِعُونَ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَلاَ يَرُدُّونَ أنْفُسَهُمْ عَمَّنْ جَاءَهُمْ، أوْ هُمُ الذِينَ يُجَاهِرُونَ بِالمَعْصِيَةِ التِي يَأتُونَهَا)، وَلا مَتَّخِذِي أخْدَانٍ (وَهُمْ أصْحَابُ العَشِيقَاتِ - أوْ هُمُ الذِينَ يَأتُونَ المَعْصِيَةَ سِرّاً)، لِذَلِكَ ذَهَبَ الإِمَامُ أحْمَدُ إلى أنَّهُ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُ عَقْدُ الرَّجُلِ الفَاجِرِ عَلَى امْرَأةٍ عَفِيفَةٍ حَتَّى يَتُوبَ. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ، وَيَجْحَدْ بِالدِّينِ فَقَدْ هَلَكَ عَمَلُهُ وَبَطلَ (حَبِطَ) وَسَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ. مُحْصِنِينَ - أصْحَابَ عِفَّةٍ يَتَعَففُونَ بِالزَّوَاجِ عَنِ الزِّنَى. غَيْرَ مُسَافِحِينَ - غَيْرَ مُجَاهِرِينَ بِالزِّنَى. مُتَّخِذِي أخْدَانٍ - مُصَاحِبِي خَلِيلاتٍ لِلزِّنى سِرّاً. حَبِطَ عَمَلُهُ - هَلَكَ عَمَلُهُ وَبَطَلَ ثَوَابُهُ. طَعَامُ - ذَبَائِحُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ - يُنْكِرْ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبحانه يبدأ الآية بتكرار الأمر السابق: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}. وأعادها حتى يؤكد على أن الإنسان لا يصح أن ينظر إلى الأمر الطيب إلا من زاوية أنه محلل من الله. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن كيفية تناول المحللات، وأسلوب التعامل مع الصيد. نأتي هنا لوقفة، فسبحانه يقول: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} فهل كل طعام أهل الكتاب حل لنا؟ إن بعضهم يأكل الخنزير. لا، بل الحلال من طعام أهل الكتاب هو الطعام الذي يكون من جنس ما حلل الله لكم، ولا يستقيم أن يستنكف الإنسان من أنه طعام أهل كتاب؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يجعل من الإنسان الذي ارتبط بالسماء ارتباطا حقيقيا كالمسلمين، ومن ارتبطوا بالسماء وإن اختلف تصورهم لله، يريد سبحانه أن يكون بينهم نوع من الاتصال لأنهم ارتبطوا جميعا بالسماء، ويجب أن يعاملوا على قدر ما دخلهم من إيمان باتصال الأرض بالسماء. إياك أن تقول بمقاطعة أهل الكتاب لا، ولكن انظر إلى طعامهم فإن كان من جنس الطعام المحلل في الإسلام فهو حلال. ولا يصح أن تمنع واحداً من أهل الكتاب من طعامك؛ لأن الله يريد أن ينشئ شيئا من الألفة يتناسب مع الناس الذين سبق أن السماء لها تشريع فيهم ويعترفون بالإله وإن اختلفوا في تصوره. وضرب لنا - سبحانه - المثل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي أول مجيء الدعوة الإسلامية، واجهت معسكرا ملحدا يعبد النار، ولا يؤمن بالإله وهو معسكر فارس؛ ومعسكراً يؤمن بالإله وهو معسكر الروم؛ كانت هناك قوتان في العالم: قوة شرقية وقوة غربية. وعندما يأتي رسول ليأخذ الناس إلى طريق الله، فلا بد أن يكون قلبه وقلوب المؤمنين معه مع الذين آمنوا بإله وبنمهج ورسالة، ولا يكون قلبه مع الملاحدة الذين يعبدون غير الله. ولنر العظمة الإيمانية في الرسول عليه الصلاة والسلام. نجد الذين يؤمنون بالله ويكفرون به كرسول أولى عنده ممن يكفرون بالله. ولذلك عندما قامت الحرب بين فارس والروم كانت الغلبة أولا لفارس. وكانت عواطف الرسول والذين آمنوا معه مع الروم؛ لأنهم أقرب إلى معسكر الإيمان الوليد وإن كانوا يكفرون بمحمد فقد كانوا يؤمنون بالله، وأن هناك منهجا وهناك يوم بعث، ولذلك يضربها الحق مثلا في القرآن ليعطينا عدة لقطات، وأولى هذه اللقطات هي أن المسلمين في جانب من عنده رائحة الإيمان، فيقول سبحانه: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الروم: 1-5] وتبدأ هذه الآيات بخبر عن هزيمة الروم، ثم نبوءة من الحق بأنهم سيغلبون في بضع سنين. ويوم نصرهم سيفرح المؤمنون بنصر الله. وتنظر القوة الإسلامية التي جاءت لتؤسس دينا واسعا جامعا مانعا إلى معركة بين دولتين عظيمتين كلتيهما على أقصى ما يكون من الرقي الحضاري، هذه القوة الإسلامية تتعاطف مع الروم وتحزن - القوة الإسلامية - لأن الفرس قد غَلَبت. فيأتي الحق بالخبر اليقين وهو سَتَغْلِبُ الروم. وبالله من الذي يستطيع أن يحكم في نهاية معركة بين قوتين عظيمتين؟ إنه حكم لا يستغرق يوما، حتى ولو كان قائله عرف أن هناك مددا قادما للقوة التي ستنتصر، إنه حكم يستغرق بضع سنين. فمن الذي يستطيع أن يتحكم في معركة ستحدث بعد بضع سنين؟ لا يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجازف بهذا الحكم، وهو لا يعرف استعدادات كل قوة وحجم قواتها وأسلحتها، لكن الأمر يأتي كخبر موثق من الله: {أية : وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} تفسير : [الروم: 3-4] وهذا كلام موثق، لأنه قرآن مسطور يقرأه المؤمنون تعبداً. وعندما سمع أبو بكر الصديق هذه الآية، قال لقد أقمت رهاناً بأن الروم ستنتصر بعد ثلاث سنين، وطالبه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمد مدة الرهان لأن الله قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر - رضي الله عنه - فزايده في الخطر ومادّه في الأجل فجعلت مائة قلوص (ناقة) إلى تسع سنين. كأن هذا الأمر قد لقي الوثوق الكامل من المؤمنين؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أخبر بالنصر. لقد أوردنا ذلك هنا حتى نفهم أن عواطف الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مع الذين يؤمنون بكتاب وبرسول. ونحن هنا نجد الحق يحلل لنا مطاعمة أهل الكتاب حتى تكون هناك صلة بيننا وبين من يؤمن بإله وبمنهج السماء: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}. وأوضح الحق سبحانه ذلك في آيات أخرى حينما قال: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [الممتحنة: 8-9] فسبحانه يريد أن نوازن في أسلوب تعاملنا فلا نساوي بين ملحد مشرك ومؤمن بصلة السماء بالأرض وإن كفر برسول الله. وأن يكون هناك قدر محدود من التواصل الإنساني. فالذي يحل للمؤمنين من طعام أهل الكتاب هو الذي يكون حلالا في منهج الإسلام. ويجب أن ينتبه المسلم إلى أن بعض أطعمة أهل الكتاب تدخلها الخمور وعليه الامتناع عن كل ما هو محرم في ديننا ولياكل من طعامهم ما هو حلال لدينا. فلا يشرب المسلم خمراً، ولا يأكل المؤمن لحم الخنزير. والطعام كما نعلم وسيلة لاستبقاء الحياة. وها هوذا ينتقل إلى استبقاء النوع وهو التناسل؛ فقد أحل الله لنا أن نتزوج من بناتهم {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ}. والمحصنة لها معنيان: وهي إما أن تكون الحرة في مقابل الأمة، وإما أن تكون المتزوجة؛ لأن الإحصان يعني الوقاية من أن تختلط اختلاطا غير شريف. وكانت الحرة قديما لا تفعل الفعل القبيح. وكان البغاء مقصورا على الإماء؛ لأن الأمة لا أب لها ولا أخ ولا عائل، وهي مُهْدَرة الكرامة. ولذلك نجد أن هنداً زوجة أبي سفيان عندما سمعت عن الزنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم تساءلت: يا رسول الله أَوَ تزني الحرة؟! كأن الحرة لم تكن لتزني في الجاهلية؛ لأن الحرة تستطيع أن تمتنع عكس غيرها. والمحصنة أيضاً هي المتزوجة. ويساوي الحق بين المحصنة من المؤمنات والمحصنة من أهل الكتاب، والمراد هنا الحرة العفيفة ويشترط وضع المهر لكل واحدة منهن. وبعض العلماء يقول: عندما تتزوج مسلمة يكفي أن تسمي لها المهر، لأن الدين الواحد يعطي الأمان العهدي، أما الزواج من كتابية فيجب أن يحدد الإنسان المهر وأن يقرره وأن يوفي بذلك. فالإيتاء هو أن يسمي الإنسان المهر ويقرره ويشهد عليه الشهود. ويستطيع أن يجعل الإنسان المهر كله مؤخراً. والشرط أن يكون الرجل محصناً أي متعففاً. ويحدد الحق: {غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} أي صدائق لهم دون زواج، والسفح هو الصب. والمرأة البغي هي من يسفح معها أي رجل، والخدن هي الخليلة أو العشيقة دون زواج، والخدن كذلك يطلق على الذكر كما يطلق على الأنثى. وإياك أن تفكر في أمر إقامة علاقة زواج متعة، بل لا بد أن يكون الإقبال على الزواج بنية الزواج التأبيدي لا الزواج الاستمتاعي. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}؛ لأن فائدة الإيمان أن يستقبل المؤمن الأحكام ممن آمن به إلها وينفذها. فإن سترت شيئا من أحكام الله التي آمنت بها فقد كفرت بالإيمان. والحق لا يضره أن يكفر الناس جميعاً؛ لأنه هو الذي خلق الخلق بداية وهو متصف بكل صفات القدرة والكمال. إذن فالعالم كله لا يضيف إلى الله شيئا، فقبل أن يخلق الله الإنسان كانت كل صفات الكمال موجودة لله. وكل ثمار الطاعة والعبادة والإيمان إنما تعود على الإنسان. فإن جاء الإنسان إلى الأحكام التي شرعها الله له، وستر حكما منها فكأنه كفر بقضية الإيمان. وإن أنكر جزئية من جزئيات الإيمان، فهذا لون من الكفر، ويا ليت من يفعل ذلك أن يقول: "إن هذه الجزئية صحيحة ولكن لا أقدر على نفسي". ففي هذه الحالة يكون الإنسان مؤمنا عاصيا يستغفر الله أو يتوب، أما الكفر فلا: والكفر بالإيمان يؤدي إلى حبط العمل. وهذا دليل على أن الحق يخاطب إنسانا يلتزم في بعض الأشياء ولا يلتزم في البعض الآخر. وهنا يوضح الحق للإنسان: إن ما أديت من خير في أعمالك سيذهب بثوابه ويحبط جزاءه ما منعت تنفيذه من أحكام الله، وجاء الحق بكلمة "حبط" التي تدل على أن العمل بطل وذهب ذهابا لا يعود. فالماشية حين تأكل طعاما لم ينضج بعد وإن كان من جنس ما تطعم مثل البرسيم في بدايته ويسمى "الرِّبة"، هذا اللون من الطعام عندما ترعى فيه البهائم يحدث لها انتفاخ في البطن وتموت. والعرب تسمي هذا الداء الحُباط. فالحَبَط إذن هو انتفاخ البطن في الماشية التي تأكل أكلا غير مناسب لها. ويظن صاحبها أنها قد سمنت بينما هي تموت في الواقع. وكذلك يكون العمل على غير ما شرع الله. والحق بدأ قضايا الإيمان في هذه السورة بقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] فكل عقد إيماني يتعلق بالوحدانية لله وبالبلاغ عن الله، وكل عقد عُقد بين المؤمنين بعضهم بعضا، وكل عقد عقده الإنسان بينه وبين نفسه؛ هذه العقود مطلوب الوفاء بها، ومن يكفر بهذه الأشياء فقد حبط عمله. وحبط العمل يأتي نتيجة أن الإنسان أنهى عمله وختمه بهذا اللون من الكفر وظن أنه عمل عملا صالحا. لكن العمل يحبط تماما كما تذهب البهيمة لترعى شيئا لا يتناسب معها فينتفخ بطنها. فيخيل للرائي أن ذلك شبع وأن ذلك عافية، ثم لا تلبث أن تنفق وتموت. كذلك عمل الذي يكفر بالإيمان، يظن أنه عمل شيئا ولكن ذلك الشيء متلف له. والآيات القرآنية تكلمت عن هذا المعنى كثيرا؛ فالحق يقول عن الكافرين بالله: {أية : أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور: 39] ونعلم أن السراب هو شيء من انعكاسات الضوء يخدع الرائي السائر في الصحراء فيظن أنه ماء، ويسير إليه الإنسان فلا يجده ماء، هكذا يكون عمل الذي يكفر بآيات الله. إنها أعمال تبدو متوهمة النفع. وقول الحق سبحانه: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أي أن مثل هذا الإنسان يفاجأ بوجود الله، كأن مسألة وجود الإله لم تكن بخياله من قبل، والإنسان لا يأخذ أجره إلا لمن عمل به. فهل عمل الواحد من هؤلاء لله حتى يأخذ منه أجراً؟. لا. لم يعمل لله، ولذلك نجد أن بعض السطحيين في الفهم يقولون: كيف لا يجزي الله الجزاء الحسن هؤلاء العلماء الذين اخترعوا العلاجات للأمراض، والعلماء الذين ابتكروا الأشياء التي تنفع الناس؟ كيف لا يحسن الله جزاءهم في الآخرة؟ ونقول: لقد فعلوا ذلك ولم يكن الله في بالهم، كان في بالهم الإنسانية، وقد أعطتهم الخلود في الذكرى وأقامت لهم التماثيل ومنحتهم أوسمة ووضعت فيهم المؤلفات لتمدحهم. هم قد عملوا للناس فأعطاهم الناس. وهؤلاء الكافرون بتقدمهم في العلوم؛ مسخرون للإنسان المؤمن؛ فالمؤمن يستفيد من الكهرباء، وينتفع بها المسلمون ليقرأوا القرآن والعلم والذكر. ويستفيد المسلم من الطائرات فيذهب بها إلى الحج وزيارة المدينة المنورة، وينتفع بها كذلك في شئون دنياه، وعلى المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب حتى لا يكونوا أذلة وعالة على غيرهم. والحق يسخر علم الكفار للمؤمنين، ولا يثاب الكفار على هذا العمل من الله. ولذلك يقول الحق عن أعمالهم مرة: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39] ومرة أخرى يقول الحق: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} تفسير : [إبراهيم: 18] وها هوذا سبحانه وتعالى يقول: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 103-105] إذن فالإنسان الذي يستر الإيمان بعضه أو كله، هو إنسان حابط العمل، وهو في الآخرة من الخاسرين؛ لأن النجاح في الآخرة نتيجة لعمل الدنيا. ومادام قد عمل لغير الله في الدنيا فلا بد أن يكون من الخاسرين في الآخرة. وقوله الحق: {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} يوضح لنا ضرورة ألا نخدع ويغرر بنا لأن بعضاً من الكافرين يكسب بعضاً من الشهرة والجاه والثروة نتيجة اختراعاتهم؛ فكل ذلك أمور فانية، وهم مستسلمون لسنة الله، فإما أن يفوتهم النعيم وإما أن يفوتوا النعيم. والحساب الختامي يكون في الآخرة، فالكافر وإن أخذ شيئاً من الكسب في ظاهر هذه الحياة الدنيا فهو خاسر في الآخرة. وبعد ذلك ينتقل الحق ليربط لنا كل قضايا الدنيا رباطاً وافياً. فبعد أن يتكلم عن مقومات الحياة وعن مقومات النوع بالإنكاح وغيره، يوضح: كل هذه نعم أعطيتها لكم وأريد أن آخذ بأيديكم بعد أن بينت لكم فضل هذه النعم عليكم؛ لتلتقوا بصاحب كل هذه النعم. هو سبحانه يريد أن يأخذنا من مشاغل الدنيا لنلقى المنعم. وحتى تلقى أيها المسلم الإله المنعم - سبحانه - فلا بد أن تعد نفسك لهذا اللقاء؛ لأنها ليست مسألة طارئة؛ فلا بد من الإعداد الروحي والإعداد البدني والإعداد المكاني والإعداد الزماني. إن الإعداد البدني يكون بالطهارة. والإعداد الزماني هو مواقيت الصلاة. والإعداد المكاني هو وجود مكان طاهر لإقامة الصلاة وإعداد اتجاهي بتحديد وجهة الصلاة إلى القبلة. وهذه كلها مواصفات تهيئ النفس البشرية للوقوف بين يدي من أنعم على الإنسان بكل النعم. ولذلك نقول: إن الصلاة إعلان استدامة الولاء الإيماني للخالق الممد المنعم؛ فهو الذي خلق من عدم وأمد من عدم. وقد فرض الحق سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم؛ ليقطع على الإنسان سبيل الغفلة عنه. وإذا ما أراد الإنسان أن يلقى الله في الأوقات التي بين الصلوات؛ وأراد أن يعلن استدامة الإيمان وهو يقوم بأي عمل غير الصلاة فليذكر الله؛ لأننا نعرف القاعدة الشرعية القائلة: [ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب]. مثال ذلك أن الإنسان حين يصلي فهو يحتاج إلى قوة. والقوة تتولد في الجسم نتيجة تناول الطعام. إذن عملية صناعة الطعام أمر واجب وكل ما يترتب على ذلك عملية واجبة. ولذلك عندما يأتي واحد ويقول: أريد أن أنقطع للعبادة وأعتزل حركة الحياة. لنقل له: افعل ذلك بشرط واحد هو ألا تنتفع بحركة متحرك واحد في الحياة، ولا تتناول أي طعام، ذلك أن الرغيف الذي يقدمه لك إنسان هو من عمل بشر كثيرين لم ينقطعوا عن الحياة. ولنقل أيضاً: لماذا ترتدي هذا الجلباب؟. إنه نتيجة حركة حياة بشر آخرين، فهناك من زرع القطن وآخر حلج هذا القطن وثالث حوله إلى غزل ورابع نسجه وخامس قام بتفصيل هذا الجلباب. ولتنظر إلى ما خَلْف كل واحد من آلات. وإياك أن تنتفع بحركة واحد مشغول بالأسباب مادمت قد قررت الانقطاع عن حركة الحياة. إن الشغل بالأسباب عبادة؛ لأن العبادة لا تتم إلا به. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولذلك فَتَعَلُّم المهارات المفيدة للحياة هو فرض كفاية؛ والفرض الواجب على الإنسان: احد اثنين: إما فرض عين وهو الأمر المكلف به الفرد ولابد أن يؤديه ولا يجوز أن يؤديه أحدٌ نيابة عنه؛ كالصلاة، وإنا فرض كفاية: وهو ما لا يتم الواجب إلا به لذلك كان واجباً، فكل منا يريد الطعام. لذلك لا بد من تقسيم العمل، فهذا يزرع وهذا يصنع، فلا بد من زراعة القمح ولا بد من إقامة المطاحن ولا بد من إقامة الأفران. ولا بد من مهندسين يصممون هذه الآلات. وكل ذلك أمور تسهل للإنسان أن يمتلك القوة لأداء الصلاة؛ وأن يقف بين يدي الحق ليؤدي الصلاة. إذن فكل ذلك أمر واجب، وهو فرض كفاية. أي أنه فرض إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم به بعضنا يكون الإثم على الجميع. ومثال آخر هو الصلاة على الميت هي فرض كفاية، فمن يصلي على الميت فهو يؤدي عنا، وإن لم يصل أحد على الميت يكون الإثم على كل مسلم، هكذا تتسع رقعة الإثم. وكل الأعمال التي لا يتم الواجب إلا لها فهي واجب، ولذلك فهي فرض كفاية، إن قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإن لم يقم به البعض فالإثم على الجميع. وما موقف ولي الأمر في هذا؟. على ولي الأمر أن يفرض القيام بفرض الكفاية على أحد الناس، وإلا تعطلت الواجبات التي نقول عنها: إنها واجبات دينية. فحين يذهب المسلم إلى السوق فلا يجد خبزاً؛ يضعف ولا يملك الفكاك من المجاعة؛ ولن يقدر على الصلاة أو العمل لينتج أو يجد ادخاراً يكفيه أن يحج إذن: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حينما حثنا على أداء الصلاة في يوم الجمعة يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الجمعة: 9] هو سبحانه يخرجنا من العمل إلى الصلاة، ولم يخرجنا إلى الصلاة من فراغ، لنلتفت إلى دقة الأداء القرآني حين يقول الحق: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} وحين يذر الإنسان البيع، فهو يذر الشراء من باب أولى؛ لأن البيع والشراء وجهان لعملية واحدة. والخلاف فقط أن المشتري قد يشتري السلعة وهو كاره لأن يشتري؛ لأنه يستهلك نقوده فيما يشتريه، أما البائع فيريد أن يحصل على ثمن البيع فوراً، وغالبا ما يحصل على ربح من وراء ذلك، وتلك هي قمة الكسب. فكسب الزارع - على سبيل المثال - يأتيه بعد شهور من الزراعة. وكسب الموظف يأتيه أول الشهر. لكن البائع يحصل على الكسسب فوراً. ولذلك يأمرنا الحق أن نذر البيع إذا سمعنا نداء الصلاة يوم الجمعة، وماذا بعد انتهاء الصلاة؟. ها هوذا الحق يقول: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [الجمعة: 10] إذن فلا يقولن أحد أنا منقطع طوال حياتي للصلاة. فلن يستطيع أحد أن يذهب إلى الصلاة ما لم يكن يملك مقومات حياته. ومقومات الحياة تقتضي أن يضرب الإنسان في الأرض. ولا بد أن يبتغي الإنسان من فضل الله. إذن، فالسعي في الأرض هو عبادة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويريد الحق سبحانه وتعالى ألا يعزل قضية تتعلق بمقومات الحياة طعاماً وإنكاحاً عن الصلاة. فيأتي الحق سبحانه وتعالى بشروط الوضوء استعداداً للصلاة بعد أن يتحدث عن أحكام تحليل الأطعمة وتحريم بعضها، وبعض من أحكام النكاح، وذلك لنعرف أن مسئوليات الإيمان كلها مترابطة، فلا يصح أن نعزل عملاً ونقول: هذا عمل تعبدي وذاك عمل غير تعبدي. والمؤلفون عندما يضعون الكتب في الفقه ويخصصون أقساماً في هذه الكتب للعبادات وأقساماً للمعاملات، فهذا التقسيم تقسيم تصنيفي تأليفي، لكن كل ما يطلبه الكون لينصلح فهو عبادة لخالق هذا الكون، بدليل أنه قال: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} وهذا أمر. ويتلوه أمر آخر: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}. إن الإنسان لا ينفذ أمراً ويهمل أمراً آخر، ولكن عليه بمقتضى الإيمان أن ينفذ الأمرين معاً، فإن تأخر الإنسان في أي من الأمرين فهو مذنب؛ لذلك يخبرنا سبحانه - من بعد الحديث عن النعم التي أنعم بها علينا - بما أحل لنا من بهيمة الأنعام، وبما قص علينا من الزواج من المحصنات؛ ها هوذا يدخلنا إلى رحابه بالاستعداد للصلاة لأنه واهب كل النعم. ويأمرنا بالاستعداد للصلاة وأن يعد كل واحد منا نفسه لها. وهذا الإعداد يؤهل المسلم ليلقى الحق فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
الصابوني
تفسير : [2] أحكام الوضوء والتيمم التحليل اللفظي {وَطَعَامُ}: الطعام اسمٌ لما يؤكل وهو هنا خاص بالذبائح، يعني ذبيحة اليهودي والنصراني حلال لنا، كما أن ذبيحتنا حلال لهم. {وَٱلْمُحْصَنَاتُ}: العفائف من النساء قال الشعبي: أن تحصن فرجها فلا تزني، وقد تقدم. {مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ}: جمع خِدْن بمعنى صديق، والخدْن يقع على الذكر والأنثى كذا قال صاحب "الكشاف". وقد كان الرجل في الجاهلية يتخذ صديقة فيزني بها، والمرأة تتخذ صديقاً فيزني بها فحرم الإسلام ذلك. {يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ}: أي يجحد بشرائع الإسلام ومن ضمنها أحكام الحلال والحرام. {حَبِطَ عَمَلُهُ}: بطل ثوابه لأن الكفر يذهب ثواب العمل الصالح {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. {إِذَا قُمْتُمْ}: قال الزجاج: المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 98]. فليس المراد القيام فعلاً وإنما المراد إرادة الفعل، كما تقول: إذا ضربت فاتق الوجه أي إذا أردت الضرب. {فٱغْسِلُواْ}: الغَسْل بالفتح إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من وسخ وغيره. {وُجُوهَكُمْ}: لفظ الوجه مأخوذ من المواجهة، وحدّه من أعلى الجبهة إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}: الكعبان: العظمان الناتئان من جانبي القدم، وسمّي كعباً لعلوه وارتفاعه. {مِّنْ حَرَجٍ}: أي من ضيق في الدين، فقد وسّع الله على المؤمنين حين رخّص لهم في التيمم. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: أحل لكم أيها المؤمنون المستطاب من الأطعمة ما كان منها حلالاً، وذبائح أهل الكتاب حلال لكم وذبائحكم حلال لهم، والعفائف من المؤمنات، والعفائف الحرائر من نساء أهل الكتاب حلال لكم نكاحهن، إذا دفعتم إليهن مهورهن، محصنين أنفسكم بالزواج، غير زانين ولا متخذين عشيقات وصديقات، تزنون بهن في السرّ، ومن يرتد عن الإسلام فقد ذهب وبطل ثوابه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ثمّ بيّن الله تعالى أحكام الوضوء والتيمم فقال: إذا أردتم أيها المؤمنون القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون، فاغسلوا بالماء الطاهر وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أقدامكم إلى الكعبين، وإذا كنتم محدثين حدثاً أكبر فاغتسلوا بالماء، وإن كنتم في حالة المرض أو السفر أو محدثين حدثاً أصغر، أو غشيتم النساء ولم تجدوا ماءً تتوضؤون به أو تغتسلون، فتيمّموا بالتراب الطاهر، فامسحوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق بذلك التراب، ما يريد الله أن يضيّق عليكم في أحكام الدين، ولكنه تعالى يريد أن يطهركم من الذنوب والآثام، ومن الأقذار والنجاسات، ويتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإسلام لتشكروه على نعمه، وتحمدوه على آلائه. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} بفتح اللام، وقرأ حمزة وأبو عمرو (وأرجُلِكُمْ) بالكسر، فقراءة النصب بالعطف على الوجوه والأيدي أي فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم وأرجلَكم، وقراءة الجر للمجاورة، قال ابن الأنباري: لمّا تأخرت الأرجل بعد الرؤوس نسقت عليها للقرب والجوار. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} طعام مبتدأ، وحلّ لكم خبره. 2 - قوله تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} محصنين حال من الضمير المرفوع في آتيتموهن. 3 - قوله تعالى: {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} قال العكبري: قيل إن (إلى) بمعنى (مع) كقوله تعالى {أية : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} تفسير : [هود: 52] أي مع قوتكم، وليس هذا المختار والصحيح أنها على بابها لانتهاء الغاية. وإنما وجب غسل المرافق بالسنة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: تقديم المحصنات من المؤمنات على الكتابيات يدل على تفضيل الزواج بالمؤمنة فالكتابية وإن كان يحل التزوج بها، لكنّ المؤمنة خير منها فيكون الزواج بها أفضل لقوله عليه السلام: "حديث : ألا أخبركم عن خير ما يكنز المرء المرأة الصالحة..." تفسير : الحديث. والصلاح إنما يكون في المؤمنة الفاضلة، وهذا هو السر في تقييد النكاح بالمؤمنات في سورة الأحزاب {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 49]. اللطيفة الثانية: تقييد التحليل بإيتاء الأجور، يدل على تأكيد وجوب المهور، وأن من تزوج امرأة وعزم ألاّ يعطيها صداقها كان في صورة الزاني، وتسمية (المهر) بالأجر دلالة على أن الصداق ليس له قدر محدود، كما أن الأجر لا يتقدر وإنما يكون حسب الاتفاق. اللطيفة الثالثة: التعبير بقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ} هو من إطلاق اسم الشيء على لازمه فهو (مجاز مرسل) لأن المراد ومن يكفر بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فجعل كلمة التوحيد إيماناً، لأنها تستلزم الإيمان، وقيل: المراد ومن يكفر بشرائع الله، أو بدين الله فقد حبط عمله، وكلاهما متقارب من حيث إرادة المجاز. اللطيفة الرابعة: مجيء المسح في آية الوضوء ضمن الأعضاء المفروض غسلها. فيه إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي مراعاة الترتيب في الوضوء، فيغسل الوجه أولاً، ثم اليدين إلى المرفقين ثانياً، ثم يمسح الرأس، ثم يغسل القدمين، وهذا الترتيب - وإن لم يكن واجباً في بعض الأقوال - إلاّ أنه على كل حال مطلوب ومندوب، فيكون اتباع الهدي النبوي أكمل وأولى. الأحكام الشرعية الحكم الأول: حكم ذبائح أهل الكتاب. ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} أي ذبائح أهل الكتاب وهو الصحيح لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات كما قال البعض، لأن الذبائح هي التي تصير بفعلهم حلا، وأما الخبز والفاكهة فهي مباحة للمؤمنين قبل أن تكون لأهل الكتاب وبعد أن تكون لهم، فلا وجه لتخصيصها بأهل الكتاب. وخُصّ هذا الحكم بأهل الكتاب لأن الوثنيّين لا يحل أكل ذبائحهم، ولا التزوج بنسائهم، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 121] وقوله: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221]. أما أهل الكتاب فلهم حكم خاص من حيث الذبائح، والنكاح، وأما المجوس فقد سُنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى (بني تغلب) وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلاّ شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي رحمه الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس به، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله. وإنما قال تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} ولم يذكر النساء للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح والمناكحة، فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها في جانب واحد، والفرق واضح لأنه لو أبيح لأهل الكتاب التزوج بالمسلمات، لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظوراً. الحكم الثاني: حكم نكاح اليهودية أو النصرانية. ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من اليهود والنصارى، واستدلوا بهذه الآية الكريمة {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى، واستدل أيضاً بأن الله أوجب المباعدة عن الكفار في قوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [الممتحنة: 1]. أقول: الآية صريحة في جواز نكاح الكتابيات، وهي دليل واضح لما ذهب إليه الجمهور، ولعلّ ابن عمر كره الزواج بالكتابيات ومنع منه، خشية على الزواج أو على الأولاد من الفتنة، فإن الحياة الزوجية تدعو إلى المحبة، وربما قويت المحبة فصارت سبباً إلى ميل الزوج إلى دينها، والأولاد يميلون إلى أمهم أكثر، فربما كان هذا سبباً في تأثرهم بدين النصرانية أو اليهودية فيكون هذا الزواج خطراً على الأولاد، فإذا كان ثمة خشية من الفتنة على الزوج أو الأولاد فيكون الزواج قطعاً محرماً، وأمّا إذا لم يكن هناك خطر، أو كان هناك طمع في إسلامها فلا وجه للقول بالتحريم والله أعلم. الحكم الثالث: هل يجب الوضوء على غير المحدث؟ ظاهر قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} يوجب الوضوء على كل قائم وإن لم يكن محدثاً، وقد أجمع العلماء على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، فيكون قيد الحدث مضمراً في الآية ويصبح المعنى (إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون) وإنما أوّلوا الآية بهذا التأويل للإجماع على أن الوجوب لا يجب إلا على المحدث، ولأن في الآية ما يدل عليه، فإن التيمم يدل عن الوضوء وقائم مقامه، وقد قيد وجوب التيمم في الآية بوجود الحدث، فالأصل يجب أن يكون مقيداً به، ليتأتى أن يكون البدل قائماً مقام الأصل، ولأن الأمر بالوضوء نظير الأمر بالاغتسال وهو مقيد بالحدث الأكبر في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} فيكون نظيره وهو الأمر بالوضوء مقيداً بالحدث الأصغر. ومما يدل على ذلك حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال له عليه الصلاة والسلام عمداً فعلته يا عمرتفسير : . يعني أنه عليه السلام أراد بيان الجواز لأمته بهذا العمل. وأما ما ورد من أنه عليه السلام وخلفاءه كانوا يتوضؤون لكل صلاة، فإن ذلك لم يكن بطريق الوجوب، وإنما كان بطريق الاستحباب، والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائماً يحب الأفضل، فليس في فعله ما يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة. الحكم الرابع: ما هو حكم مسح الرأس وما مقداره؟ اتفق الفقهاء على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء لقوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} ولكنهم اختلفوا في مقدار المسح على أقوال: أ - قال المالكية والحنابلة: يجب مسح جميع الرأس أخذاً بالاحتياط. ب - وقال الحنفية: يفترض مسح ربع الرأس أخذاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم بمسحه على الناصية. جـ - وقال الشافعية: يكفي أن يمسح أقل شيء يطلق عليه اسم المسح ولو شعرات أخذاً باليقين. دليل المالكية والحنابلة: استدل المالكية والحنابلة على وجوب مسح جميع الرأس بأن الباء كما تكون أصلية تكون زائدة للتأكيد، واعتبارها هنا زائدة أولى، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، وقالوا: إن آية الوضوء تشبه آية التيمم، وقد أمر الله تعالى بمسح جميع الوجه في التيمم {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} ولمّا كان المسح في التيمم عاماً لجميع الوجه، فكذلك هنا يجب مسح جميع الرأس ولا يجزئ مسح البعض، وقد تأكد ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث ثبت أنه كان إذا توضأ مسح رأسه كله. دليل الحنفية والشافعية: واستدل الحنفية والشافعية بأن الباء (للتبعيض) وليست زائدة، والمعنى: امسحوا بعض رؤوسكم، إلاّ أن الحنفية قدروه بربع الرأس لما روى عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته. وأما الشافعية فقالوا: الباء للتبعيض، وأقل ما يطلق عليه اسم المسح داخل بيقين، وما عداه لا يقين فيه فلا يكون فرضاً، وإنما يحمل على الندب. قال الشافعي: "احتمل قوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} بعض الرأس، ومسح جميعه، فدلت السنة على أن مسح بعضه يجزئ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته، وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عز وجل {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه؟ قيل له مسحُ الوجه في التيمم بدل من غسله، فلا بدّ أن يأتي بالمسح على جميع موْضِع الغسل منه، ومسحُ الرأس أصلٌ فهذا فرق ما بينهما". قال القرطبي: "أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: لعلّ النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظِنّة الإعذار، وموضع الاستعجال والاختصار، ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة، فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجباً لما مسح على العمامة". أقول: الباء في اللغة العربية موضوعة للتبعيض، وكونها زائدة خلاف الأصل، ومتى أمكن استعمالها على حقيقة ما وضعت له وجب استعمالها على ذلك النحو، فالفرض يجزئ بمسح البعض، والسنّة مسح الكل، فما ذهب إليه الشافعية والحنفية أظهر، وما ذهب إليه المالكية والحنابلة أحوط والله أعلم. الحكم الخامس: ما هي الجنابة وماذا يحرم بها؟ الجنابة معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم لحصول الجنابة سببين: الأول: نزول المني للحديث الشريف "حديث : الماء من الماء"تفسير : أي يجب الاغتسال بالماء من أجل الماء أي المني. والثاني: التقاء الختانين لقوله عليه السلام: "حديث : إذا التقى الختانان وجب الغسل ". تفسير : وكما يجب الغسل للجنابة يجب عند انقطاع الحيض والنفاس لقوله تعالى في الحيض: {أية : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} تفسير : [البقرة: 222] ولحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه عليه الصلاة والسلام قال لها: "حديث : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصليّ" تفسير : والإجماع على أن النفاس كالحيض. الحكم السادس: حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل. اختلف الفقهاء في (المضمضة) و(الاستنشاق) في الغسل، فقال المالكية والشافعية لا يجبان فيه، وقال الحنفية والحنابلة يجبان. حجة المالكية والشافعية ما روي أن قوماً كانوا يتحدثون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الغسل، وكلٌ يبيّن ما يعمل فقال عليه السلام "حديث : أمّا أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ". تفسير : وحجة الحنفية والحنابلة أن الأمر بالتطهر يعم جميع أجزاء البدن الظاهرة والباطنة، التي يمكن غسلها وهي (الفم) و(الأنف) فكانت المضمضة والاستنشاق من الواجبات لقوله تعالى: {فَٱطَّهَّرُواْ}. وأجابوا عما تمسك به (المالكية والشافعية) بأن الغرض من الحديث بيان أنه لا يجب الوضوء بعد الغسل كما فهم ذلك كثير من الصحابة، فبيّن عليه السلام أن الواجب الغسل فقط، وأن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى. الحكم السابع: حكم المريض والمسافر إذا وجد الماء. ظاهر الآية الكريمة يدل على جواز التيمم للمريض مطلقاً، ولكنّه مقيّد بمن يضره الماء كما روي عن ابن عباس وجماعة من التابعين من أن المراد بالمريض المجدور ومن يضره الماء، ولذلك رأى الفقهاء أن المرض أنواع: الأول: ما يؤدي استعمال الماء فيه إلى التلف في النفس أو العضو، بغلبة الظن أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق، وفي هذه الحالة يجوز التيمم باتفاق. والثاني: ما يؤدي استعمال الماء إلى زيادة العلة أو بطء المرض، وفي هذه الحالة يجوز التيمم عند المالكية والحنفية وهو أصح قولي الشافعية لحديث الجماعة الذين خرجوا في السفر فأصاب أحدهم حجرٌ في رأسه فشجَّه ثم احتلم فخاف من زيادة العلة إلخ. الثالث: ما لا يخاف معه تلفاً ولا بطأً ولا زيادة في العلة، وفي هذه الحالة لا يجوز التيمم عند الحنفية والشافعية، لأنه لم يخرج عن كونه قادراً على استعمال الماء، فلا يرخص له في التيمم، وعند المالكية يجوز له التيمم لإطلاق النص {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ}. الرابع: أن يكون المرض حاصلاً لبعض الأعضاء، فإن كان الأكثر صحيحاً وجب غسل الصحيح ومسح الجريح ولا يجوز التيمم، وإن كان الأكثر جريحاً يجوز التيمم عند الحنفية، ومذهب الشافعية أنه يغسل الصحيح ثم يتيمم مطلقاً، وعند المالكية يجوز له التيمم مطلقاً. ومن ذلك يتبين أن المريض يرخص له في التيمم ولو كان الماء موجوداً بخلاف المسافر فإن الرخصة له مقيّدة بعدم الماء. الحكم الثامن: هل يجب في التيمم مسح اليدين إلى المرفقين؟ تقدم أن المراد بالصعيد هو التراب الطاهر على القول المختار، والتيمم المطلوب شرعاً هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين بقصد التطهير، والعضوان هما (الوجه) و(اليدان) إلى المرفقين عند الحنفية، وهو أرجح القولين عند الشافعية، وإلى الرسغين عند المالكية والحنابلة. حجة الحنفية والشافعية أن الأيدي في قوله تعالى: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} تشمل العضو كله، إلاّ أن التيمم لمّا كان بدلاً عن الوضوء، والبدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، وقد وجب الغسل إلى المرافق في الوضوء فيجب أن يكون المسح إلى المرافق في التيمم. واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله "التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين". حجة المالكية والحنابلة: أن اليد تطلق على الكف بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38] وقطع اليد إنما يكون إلى الرسغ باتفاق، فيجزئ في التيمم ذلك. قال في "البحر المحيط": "وروي عن أبي حنيفة والشافعي أنه يمسح إلى المرفقين فرضاً واجباً، وذهب طائفة إلى أنه يبلغ به إلى الرسغين وهو قول أحمد والطبري والشافعي في القديم وروي عن مالك. وروي عن الشعبي أنه يمسح كفيه فقط، وبه قال بعض فقهاء الحديث، وهو الذي ينبغي أن يذهب إليه لصحته في الحديث، ففي "مسلم" من حديث عمار "حديث : إنما يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ وتمسح بها وجهك وكفيك" تفسير : وعنه في هذا الحديث "حديث : وضرب بيده الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه" تفسير : وللبخاري "حديث : ثم أدناهما من فيه ثم مسح بهما وجهه وكفيه"تفسير : ، فهذه الأحاديث الصحيحة مبيِّنة ما تطرق إليه الاحتمال في الآية من محل المسح وكيفيته. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ثانياً: إباحة نكح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات. ثالثاً: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر شرط لصحة الصلاة. رابعاً: إذا فقد الماء أو تعذّر استعماله يباح حينئذٍ التيمم. خامساً: الإسلام دين اليسر وليس في الشريعة حرج أو ضيق. خاتمة البحث: حكمة التشريع من أهداف الشريعة الغراء العناية بطهارة الإنسان، وتخليصه من الأقذار الحسية والمعنوية في الباطن والظاهر، وإعداده الإعداد الروحي الذي يؤهله للوقوف في حضرة القدس، ويسمو به إلى آفاق مشرقة من الجلال والبهاء والكمال. وقد شرع الإسلام الوضوء والغسل للمؤمن ليكون مظهراً دالاً على طهارة الظاهر، كما دعا إلى اجتناب المعاصي والآثام ليكون عنواناً على طهارة الباطن، فالوضوء والغسل إنما يقصد منهما النظافة وهي (طهارة حسية) تعوّد الإنسان على حياة الطهر في النفس، والخُلُق، والدين، وتجعله يعتاد طريق النظافة في شتى شؤون حياته، وفي بدنه وملبسه ومطعمه، وقد حضّ الإسلام على ذلك لأنه دين الطهارة والنظافة {أية : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} تفسير : [المدثر: 4] وطهارةُ الظاهر جزء من طهارة الباطن. ولا عجب أن تُعنى الشريعة الغراء بطهارة الإنسان (فالطهور شطر الإيمان) كما قال عليه الصلاة والسلام، وقد بين جل ثناؤه الحكمة من تشريع هذه الأحكام في ختام الآية الكريمة بقوله {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فالطهارة أساس في حياة المسلم، وإذا كان الله تعالى لا يقبل الصلاة إلا بطهارة الظاهر، فكيف يقبل من تلطخ بالقاذورات والنجاسات المعنوية فيدخله دار الأنس في جواره الكريم يوم القيامة؟! إن الإسلام دين الطهارة وطهارة الظاهر فرع، وطهارة الباطن أصل، وطهارة الظاهر شرط لصحة الصلاة، كما أن طهارة الباطن شرط لدخول الجنة {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 88-89] وهما جميعاً سبب لمحبة الله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} تفسير : [البقرة: 222].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} معناهُ الحَلالُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} معناهُ ذبائِحُهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {أية : مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ} تفسير : [النساء: 25] معناهُ عَفَائِفُ غَيرُ زَوانٍ.
الأندلسي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} كرر أحلال الطيبات تأكيداً للجملة قبلها ولما يعطف عليها من قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}، وهو عام مخصوص خصة الجمهور بذبائحهم سواء أسموا اسم الله على الذبيحة أم لم يسموا، وما كان حراماً على المسلم أكله وإن كان أهل الكتاب يأكلونه كالميتة والدم والخنزير فلا يجوز لنا أكله وان كان ذلك من طعامهم. وذهبت الزيدية والامامية الى أنه لا يجوز أكل ذبائحهم فأما ما كان مما هو طعام لهم وليس من الذبائح كالخبز والفواكه فلا خلاف بين المسلمين في جواز أكله وأصل الكتاب هم اليهود والنصارى المتأصِّلون في ذلك لا من تهوَّد وتنصر من العرب وغيرهم لأنهم لم يؤتوا الكتاب ومن العلماء من أجرى هؤلاء مجرى الكتابي الأصلي، ومعنى وطعامكم حل لهم أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم. والظاهر أن المجوسي والصابىء لا يحل لنا أكل ذبيحتهم لأنهم ليسوا من أهل الكتاب. {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي وأحل لكم نكاح المحصنات أي العفائف اللاتي لسن بزوان. {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} أي العفائف منهن. وظاهر هذه الآية جواز نكاح الكتابيات ذمية كانت أو حربية، وقد تزوج عثمان رضي الله عنه نائلة بنت الفرافصة وكانت نصرانية. وتزوج طلحة يهودية من الشام. ومن العلماء من منع نكاح الكتابيات واستدل بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}تفسير : [البقرة: 221]، قال وأي شرك أعظم ممن يقول المسيح بن الله وعزيز بن الله، تعالى الله عما يقولون. وتقدم الكلام على هذه المسألة في البقرة ومذهب الامامية تحريم نكاح الكتابيات والمسلم يجد بينه وبين الكافرة نفرة دينية وقد تقوى فتصير نفرة طبيعية وأن شخصاً لا يؤمن بالله تعالى ويكذب الرسل وخصوصاً نبيّنا محمداً صلى الله عليه وسلم لجدير أن يهجر ولا يعاشر ولا يتخذ فراشاً بل ولو كان مسلماً فاسقاً أو مبتدعاً وجب هجره وترك معاشرته. {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن. وانتزع العلماء من هذا انه لا ينبغي أن يدخل زوج بزوجة إلا بعد أن يبذل لها من المهر ما يستحلها به ومن جوز أن يدخل دون بذل ذلك رأى أنه بحكم الالتزام في حكم المؤتي. {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} تقدم الكلام على نظيرها في سورة النساء. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ} أي شرائع الإِيمان. {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} أي إذا وافى على الكفر. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} الآية، نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد بسبب فقد الماء ومشروعية التيمم وذلك في غزوة المريسيع. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما افتتح الأمر بإِيفاء العقود وذكر تحليلاً وتحريماً في المطعم والمنكح فاستقصى ذلك وكان المطعم آكد من المنكح فقدمه عليه وكان النوعان من لذات الدنيا الجسمية ومهماتها للإِنسان وهي معاملات دنيوية بين الناس بعضهم من بعض استطرد منها إلى المعاملات الأخروية التي هي بين العبد وربه تعالى. ومعنى قمتم أردتم القيام إلى الصلاة. وتم محذوف تقديره محدثين لأن من كان على طهارة الوضوء لا يجب عليه أن يتوضأ. {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} الوجه من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن وهو ما واجه الناظر. والظاهر دخول البياض الذي بين الأذن والخد في ذلك وان الأذنين واللحية ليست داخلة في الوجه. والغسل إمرار الماء على العضو. ومذهب مالك ان الدلك داخل في الغسل. {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} اليد في اللغة من أطراف الأصابع إلى المنكب وقد غيا الغسل إليها واختلفوا في دخولها في الغسل فذهب الجمهور إلى وجوب دخولها وذهب زفر وداود إلى أنه لا يجب. وقال الزمخشري: إلى تفيد معنى الغاية مطلقاً، ودخولها في الحكم وخروجها أمر يدور مع الدليل. وقوله: إلى المرافق وإلى الكعبين، لا دليل فيه على أحد الأمرين. "انتهى". وذكر أصحابنا أنه إذا لم يقترن بما بعد إلى قرينة دخول أو خروج فإِن في ذلك خلافاً، منهم من ذهب إلى أنه داخل، ومنهم من ذهب إلى أنه غير داخل وهو الصحيح وعليه أكثر المحققين، وذلك أنه إذا اقترنت به قرينة فإِن الأكثر في كلامهم أن يكون غير داخل فإِذا عرى من القرينة فيجب حمله على الأكثر. وأيضاً فإِذا قلت: اشتريت المكان إلى الشجرة فما بعد، إلى هو الموضع الذي انتهى إليه المكان المشتري فلا يمكن أن تكون الشجرة من المكان المشترى، لأن الشيء لا ينتهي ما بقي منه شيء إلا أن يتجوز فيجعل ما قرب من الانتهاء انتهاء فإذا لم يتصور أن يكون داخلاً الإِعجاز وجب أن يحمل على أنه غير داخل لأنه لا يحمل على المجاز ما أمكنت الحقيقة إلا أن يكون ثم قرينة مرجحة للمجاز على الحقيقة. وقول الزمخشري عند انتفاء قرينة الدخول أو الخروج لا دليل فيه على أحد الأمرين مخالف. لنقل أصحابنا إذ ذكروا أن النحويين على مذهبين، أحدهما: الدخول، والآخر: الخروج، وهو الذي صححوه. وعلى ما ذكره الزمخشري يتوقف ويكون من المجمل حتى يتضح ما يحمل عليه من خارج عن الكلام وعلى ما ذكره أصحابنا يكون من المبين فلا يتوقف على شيء من خارج في بيانه. قال ابن عطية: تحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال: إذا كان ما بعد إلى ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها إذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها فالاحتياط يعطي ان الحد آخر المذكور بعدها، ولذلك يترجح دخول المرفقين في الغسل. والروايتان محفوظتان عن مالك وروي أشهب عنه أنهما غير داخلين وروي غيره أنهما داخلان. "انتهى". هذا التقسيم ذكره عبد الدائم القيرواني، فقال: إن لم يكن ما بعدها من جنس ما قبلها لم يدخل وإن كان فيحتمل أن يدخل، ويحتمل أن لا يدخل، والأظهر أن لا يدخل. "انتهى". ومذهب أبي العباس أنه إذا كان بعدها من جنس ما قبلها دخل في الحكم. {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} هذا أمر بالمسح بالرأس. واختلفوا في مدلول باء الجر هنا فقبل: انها للالصاق وهو مذهب سيبويه وهو الذي نختاره. قال الزمخشري: المراد الصاق المسح بالرأس وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق المسح برأسه. "انتهى". وليس كما ذكر ليس. ماسح بعضه يطلق عليه انه ملصق المسح برأسه حقيقة، وإنما يطلق عليه ذلك على سبيل المجاز وتسمية لبعض بكل. وقيل: الباء للتبعيض وكونها للتبعيض ينكره أكثر النحاة. وقيل: الباء زائدة مؤكدة مثلها في قوله: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} تفسير : [الحج: 25]، أي الحاداً. وحكى سيبويه في كتابه خشنت صدره وبصدره ومسحت رأسه وبرأسه في معنى واحد وهذا نص في المسألة. وعلى هذه المفهومات ظهر الاختلاف بين العلماء في مسح الرأس، فمشهور مذهب مالك وجوب التعميم، والمشهور من مذهب الشافعي وجوب أدنى ما يطلق عليه اسم المسح، ومشهور مذهب أبي حنيفة ربع الرأس. وقال الثوري: إذا مسح شعرة واحدة أجزأه. {وَأَرْجُلَكُمْ} قرىء بالجر عطفاً على رؤوسكم وقرىء بالنصب عطفاً على موضع رؤوسكم، فاقتضى ظاهر ذلك مسح الرجلين. وذهب الجمهور إلى أن فرض الرجلين الغسل لا المسح وذلك هو الثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي قاربت التواتر من أنه كان يغسل رجليه في الوضوء وذهبت الامامية إلى أن فرضهما المسح لا الغسل. وذهب الحسن ومحمد بن جرير الطبري إلى أن المتوضىء مخير بين غسل رجليه وبين مسحهما إذ قد ثبت غسلهما بالسنة ومسهما، ومن ذهب إلى قراءة النصب في وأرجلكم عطف على قوله: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله: وامسحوا برؤوسكم، فقوله بعيد لأن فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية وقراءة وأرجلكم بالخبر تأتي ذلك وغياً مسح الرجلين بالانتهاء إلى الكعبين فعن مالك: انهما الكعبان العظمان الملتصقان للساق المحاذيان للعقب. وقالت الامامية: وكل من ذهب إلى وجوب مسح الكعب الذي هو وجه القدم فيكون المسح معنياً به. {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} لما ذكر تعالى الطهارة الصغرى ذكر الطهارة الكبرى وتقدم مدلول الجنب في قوله: {أية : وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}تفسير : [النساء: 43]، والظاهر أن الجنب مأمور بالاغتسال. وقال عمرو بن مسعود: لا يتيمم الجنب البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء. والجمهور على خلاف ذلك وأنه يتيمم، وقد رجعا إلى ما عليه الجمهور. والظاهر أن الغسل والمسح والتطهر إنما تكون بالماء لقوله: فلم تجدوا ماء أي للوضوء والغسل فتيمموا صعيداً طيباً فدل على أنه لا واسطة بين الماء والصعيد وهو قول الجمهور. وذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة. {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} تقدم تفسير هذه الجملة الشرطية وجوابها في النساء إلا أن في هذه الجملة زيادة منه وهي مرادة في تلك التي في النساء وفي لفظة منه دلالة على إيصال شيء من الصعيد إلى الوجه واليدين فلا يجوز التيمم بما لا يعلق باليدين كالحجر والخشب والرمل العاري عن أن يعلق شيء منه باليد فيصل إلى الوجه وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا ضرب الأرض ولم يعلق بيده شيء من الغبار ومسح بها أجزأه. وظاهر الأمر بالتيمم للصعيد والأمر بالمسح أنه لو يممه غيره أو وقف في مهب ريح فنسفت على وجهه ويده التراب وأمرّ يده عليه أو لم يمر أو ضرب ثوباً وارتفع منه غبار إلى وجهه ويديه ان ذلك لا يجزئه وفي كل من المسائل الثلاث خلاف. {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي من تضييق بل رخص لكم في تيمم الصعيد عند فقد الماء وتقدم الكلام على مثل اللام في ليجعل في قوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}تفسير : [النساء: 26] فأغني عن إعادته والذي يقتضيه النظر أنه كثير في لسان العرب تعدى لفظ الإِرادة والأَمر إلى معمول باللام كهذا المكان وكقوله: وأمرت لأسلم. وقول الشاعر: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنها تمثل لي ليلاً بكل طريق تفسير : فهذه اللام يجوز أن تأتي ان بعدها، وان يكتفي بها دون أن، وأن يؤتى بأن وحدها كقوله تعالى: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ}تفسير : [غافر: 66] وتأويل من جعل يريد وأمرت لأسلم على تأويل المصدر بغير حرف سابك فيقدر إرادتي ليجعل وأمري لأسلم فيكون مبتدأ في التقدير والخبر في ليجعل وفي لأسلم تقديره إرادتي كائنة للجعل وأمري كائن للإِسلام فهو تأويل متكلف.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ} [المائدة: 5]، وكرر فيه القول وفائدة التكرار، يعني: أحل لكم ما أحل لكم يا أرباب الحقيقة اليوم الذي قدر كمالية الدين لكم في الأزل من جميع الطيبات التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل التخلق بأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله تعالى المتنزهات عن الكميات والكيفيات المتنزهات من النقائص والشبهات، {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} [المائدة: 5]، وفي الحقيقة هم الأنبياء عليهم السلام. {حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5]، أي: غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة عن حكمي الشريعة والحقيقة، {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} [المائدة: 5]، يعني: منبع لبن النبوة بالولاية واحد فإن كان الثدي اثنين، فشربتم بشراب ألطافنا من مشرب الولاية، وشرب الأنبياء ألبان أفضالنا من مشرب النبوة، قد علم كل أناس مشربهم، والنبي صلى الله عليه وسلم شركة في المشارب كلها وله اختصاص في مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : ، لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل {وَ}، [المائدة: 5]، كذلك أحل لكم، {ٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق القرآن التي أحصنت من قيام الأرواح المؤمنات بها وهي أرواح العلماء وخواص الأمة. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السابقة التي أحصنت من الذين أنزلت عليهم الكتب وأدرجت في القرآن نور خفيته لكم، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم} تفسير : [السجدة: 17]، يعني: في القرآن من قرة أعين وهي أبكار حقائق جميع الكتب المنزلة، فافهم جيداً فكلها معدة لكم. {إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 5]، أي: صور هذه الأبكار وهي بذل الوجود {مُحْصِنِينَ} [المائدة: 5]، متعففين في بذل الوجود ليكون على وجد الحق بتصرف المشايخ الواصلين، {غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} [المائدة: 5]، على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى، {وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} [المائدة: 5]، يعني: في بذل الوجود لا يكون عند فناء إلى شيء من الكونين ولا إلى أحد في الدارين سوى الله تعالى ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريق والشافي. {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ} [المائدة: 5]، بهذه المقامات والكمالات إذ حرم عن العيان من هذه العادات، {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5]، الذي عمل على العماء والتقليد، {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ} [المائدة: 5]، الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى. ثم أخبر عن أسباب القعود إلى هذه المقامات وآداب القيام إلى الصلاة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} [المائدة: 6]. والإشارة فإن الخطاب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا خطاب مع الذين آمنوا إيماناً حقيقياً عند خطاب: ألست بربكم، بقول: بلى، وهم أهل الصدق الأول يوم الميثاق آمنوا بعدما عاينوا، وأهل الصف الثاني آمنوا إذا شاهدوا، وأهل الصف الثالث آمنوا إذا سمعوا الخطاب، وأهل الصف الرابع آمنوا تقليداً لا تحقيقاً؛ لأنهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية؛ بل سمعوا سماع الفهم والنكابة فتحيروا في الجواب حتى سمعوا جواب أهل الصفوف الثلاثة إذ قالوا: بلى، فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم بهذا ما آمنوا وهو الكفار وإن آمنوا ما آمنوا على التحقيق؛ بل بالتقليد أو بالنفاق وهم المنافقون، وأهل الصف الثالث هم عوام المسلمين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك هنا آمنوا بالسماع بقوله: {أية : إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}تفسير : [آل عمران: 193]. وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا} تفسير : [المائدة: 83]، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه، وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ}تفسير : [البقرة: 285]، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}تفسير : [البقرة: 285]. وكان إيمان موسى عليه السلام نوعاً من هذا، {أية : فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 143]، فقال علي: رضي الله عنه "لم أعبد ربّاً لم أره" قال بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله، فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقاً ثم أهبطوا عن ممالك القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، {إِذَا قُمْتُمْ} من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، {إِلَى ٱلصَّلاةِ} هي معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى: {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب}تفسير : [العلق: 19]. {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، ببذل نفوسكم، {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بأنانيتكم. {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} [المائدة: 6]، بالتفات إلى غيرنا، {فَٱطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6]، بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات، وبالأسرار عن رؤية الأغيار، وبالأرواح عن الاسترواح عن غيرنا، وبسر الستر عن لون الوجود، {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ} [المائدة: 6]، من حب الدنيا، {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [المائدة: 6]، في متابعة الهوى، {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} [المائدة: 6]، في قضاء حاجة شهوة من الشهوات، {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} [المائدة: 6]، وهي الدنيا في تحصيل لذة من اللذات، {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [المائدة: 6]، التوبة والاستغفار، {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} [المائدة: 6]، فتمرغوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام، {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6]، أي: تراب أقدامهم وشمروا بخدمتهم {وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} [المائدة: 6]، لأن فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب، {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، بهذه الذلة والصغار، {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، من الذنوب الكبار وأكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشرك شرك الوجود مع وجود المعبود، وهذا ذنب لا يغفر إلا بالتمرغ في هذا التراب ولوث لم يُطهر إلا بالالتجاء إلى هذه الأبواب {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] بعد ذوبان نحاس أنانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح إكسير أنوار الهوية {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]، إذ تهتدون بأنوار الهوية إلى رؤية أنوار المنعم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كرر تعالى إحلال الطيبات لبيان الامتنان، ودعوة للعباد إلى شكره والإكثار من ذكره، حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه، ويحصل لهم الانتفاع به من الطيبات. { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم -يا معشر المسلمين- دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب. وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله، لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم. والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم، أن الطعام الذي ليس من الذبائح كالحبوب والثمار ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية، بل يباح ذلك ولو كان من طعام غيرهم. وأيضا فإنه أضاف الطعام إليهم. فدل ذلك، على أنه كان طعاما، بسبب ذبحهم. ولا يقال: إن ذلك للتمليك، وأن المراد: الطعام الذي يملكون. لأن هذا، لا يباح على وجه الغصب، ولا من المسلمين. { وَطَعَامُكُمْ } أيها المسلمون { حِلٌّ لَّهُمْ } أي: يحل لكم أن تطعموهم إياه { وَ } أحل لكم { الْمُحْصَنَاتِ } أي: الحرائر العفيفات { مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ } والحرائر العفيفات { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } أي: من اليهود والنصارى. وهذا مخصص لقوله تعالى {أية : وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } تفسير : ومفهوم الآية، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن للأحرار، وهو كذلك. وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن، ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقا، لقوله تعالى: { مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين، عدم الطول وخوف العنت. وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا فلا يباح نكاحهن، سواء كن مسلمات أو كتابيات، حتى يتبن لقوله تعالى: {أية : الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } تفسير : الآية. وقوله: { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي: أبحنا لكم نكاحهن، إذا أعطيتموهن مهورهن، فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها فإنها لا تحل له. وأمر بإيتائها إذا كانت رشيدة تصلح للإيتاء، وإلا أعطاه الزوج لوليها. وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما. { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } أي: حالة كونكم -أيها الأزواج- محصنين لنسائكم، بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن. { غَيْرَ مُسَافِحِينَ } أي: زانين مع كل أحد { وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } . وهو: الزنا مع العشيقات، لأن الزناة في الجاهلية، منهم من يزني مع من كان، فهذا المسافح. ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه. فأخبر الله تعالى أن ذلك كله ينافي العفة، وأن شرط التزوج أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا. وقوله تعالى: { وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } أي: ومن كفر بالله تعالى، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شيء من الشرائع، فقد حبط عمله، بشرط أن يموت على كفره، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } {أية : وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } تفسير : أي: الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وحصلوا على الشقاوة الأبدية.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 235 : 4 : 23 - سفين عن ليث عن مجاهد {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} قال، الذبائح. [الآية 5]. 236 : 5 : 24 سفين عن المغيرة عن إبراهيم مثله. 237 : 6 : 6 - سفين عن بن جريج عن مجاهد { وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ} قال، الايمان بالله. [الآية 5].
همام الصنعاني
تفسير : 689- عبد الرزاق، عن الثوري، عن مغيرة عن إبراهيم، في قوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ}: [الآية: 5]، قال: ذَبَائِحهُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):