٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ }. اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}تفسير : [المائدة: 1] وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية، فقوله { أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية، فكأنه قيل: إلۤهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك، وعهد العبودية منا، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان. فقال تعالى: نعم أنا أوفي أولاً بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلاّ بالطهارة، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن المراد بقوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰة } ليس نفس القيام، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وأنه باطل بالإجماع. الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لكان قد خرج عن العهدة، بل المراد منه: إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه مشهور متعارف، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور. الثاني: قوله تعالى: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء }تفسير : [النساء: 34] وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب، يقال: فلان قائم بذلك الأمر، قال تعالى: {أية : قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18] وليس المراد منه ألبتة الانتصاب، بل المراد كونه مريداً لذلك الفعل متهيئاً له مستعداً لإدخاله في الوجود، فكذا ههنا قوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰة} معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها. المسألة الثانية: قال قوم: الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، وليس ذلك تكليفاً مستقلاً بنفسه، واحتجوا بأن قوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰة فاغسلوا } جملة شرطية، الشرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة. وقال آخرون: المقصود من الوضوء الطهارة، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : بني الدين على النظافة» تفسير : وقال: «حديث : أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة» تفسير : ولأن الأخبار الكثيرة واردة في كون الوضوء سبباً لغفران الذنوب والله أعلم. المسألة الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة، وقال أكثر الفقهاء: لا يجب. احتج داود بهذه الآية من وجهين: لأول: أن ظاهر لفظ الآية يدل على ذلك، فإن قوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰة } إما أن يكون المراد منه قياماً واحداً وصلاة واحدة، فيكون المراد منه الخصوص، أو يكون المراد منه العموم، والأول باطل لوجوه: الأول: أن على هذا التقدير تصير الآية مجملة لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية، وحمل الآية على الإجمال إخراج لها عن الفائدة، وذلك خلاف الأصل، وثانيها: أنه يصح إدخال الاستثناء عليه، ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب العموم، وثالثها: أن الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد، وإذا بطل هذا وجب حمله على المعموم عند كل قيام إلى الصلاة، إذ لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد لله تعالى إلى سائر الدلائل، فتصير هذه الآية وحدها مجملة، وقد بينا أنه خلاف الأصل، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة. الوجه الثاني: أنا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ، وذلك لأن الصلاة اشتغال بخدمة المعبود، والاتشغال بالخدمة يجب أن يكون مقروناً بأقصى ما يقدر العبد عليه من التعظيم، ومن وجوه التعظيم كونه آتياً بالخدمة حال كونه في غاية النظافة، ولا شك أن تجديد الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في النظافة، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف المناسب، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه، فيلزم وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة. ثم قال داود: ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة الشاذة: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، أو يقال: إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر الواحد على خلافه، قال: أما القراءة الشاذة فمردودة قطعاً، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن، وهو أن يقال: إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل، وأيضاً فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى، ومن أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها، فلو كان ذلك قرآناً لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال: هذا يقتضي نسخ القررن بالخبر، وذلك لا يجوز. قال الفقهاء: إن كلمة {إِذَا } لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة طلقت، ثم لو دخلت ثانياً لم تطلق ثانياً، وذلك يدل على أن كلمة {إِذَا } لا تفيد العموم، وأيضاً أن السيد إذ قال لعبده: إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة. وأعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم: فلعله يلتزم العموم، وأيضاً فله أن يقول: إنا قد دللنا على أن كلمة {إِذَا } في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد. قال عمر رضي الله عنه: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر. أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأيضاً فهذا الخبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظباً على تجديد الوضوء لكل صلاة، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى:{أية : فَٱتَّبَعُوهُ } تفسير : [سبأ: 20] بقي أن يقال: قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح، فنقول: لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه: الأول: هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها. والثاني: أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» تفسير : الثالث: أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد. والرابع: أن دلالة القرآن على قولنا لفظية، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم. والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال: لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية {أية : أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } تفسير : [النساء: 43] أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سبباً لوجوب الطهارة عند وجود الماء، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة، وذلك يدل على ما قلناه. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين: الأول: أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء، ثم بيّـن أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم، ولو لم يكن شرطاً لما صح ذلك. الثاني: أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به، وتارك المأمور به يستحق العقاب، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: النيّة شرط لصحة الوضوء والغسل. وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليس كذلك. وأعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية. أما الشافعي رحمه الله فإنه قال: الوضوء مأمور به، وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً فالوضوء يجب أن يكون منوياً، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطاً لأنه لا قائل بالفرق، وإنما قلنا: إن الوضوء مأمور به لقوله{ٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}[المائدة: 6] ولا شك أن قوله {فٱغْسِلُواْ } {وَٱمْسَحُواْ } أمر، وإنما قلنا: إن كل مأمور به أن يكون منوياً لقوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّين} تفسير : [البينة: 5] واللام في قوله {لِيَعْبُدُواْ } ظاهر للتعليل، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض، فيصير التقدير: وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، ومتى كانت النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبراً. وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } فليرجع إليه في طلب زيادة الاتقان، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منوياً فلزم القطع بأن كل وضوء يجب أن يكون منوياً أقصى ما في الباب أن قولنا:كل مأمور به يجب أن يكون منوياً مخصوص في بعض الصور، لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص، والعام حجة في غير محل التخصيص. وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطاً لصحة الوضوء، فقال: إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز. وجوابنا: أنا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن. المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: الترتيب شرط لصحة الوضوء، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: ليس كذلك، احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على قوله من وجوه: الأول: أن قوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق. فإن قالوا: فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال: إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال. قلنا: فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه، ثم إن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال، وعلى هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع لدخولها على غسل الوجه، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب مجموع هذه الأفعال، فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في الأصل والتبع، وأنتم ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع، فكان قولنا أولى. والوجه الثاني: أن نقول: وقعت البداءة في الذكر بالوجه، فوجب أن تقع البداءة به في العمل لقوله {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } تفسير : [هود: 112] ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ابدؤا بما بدأ الله» تفسير : وهذا الخبر وإن ورد في قصة الصفا والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أقصى ما في الباب أنه مخصوص في بعض الصور لكن العام حجة في غير محل التخصيص، والثالث: أنه تعالى ذكر هذه الأعضاء لا على وفق الترتيب المعتبر في الحس، ولا على وفق الترتيب المعتبر في الشرع، وذلك يدل على أن الترتيب واجب. بيان المقدمة الأولى أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلاً إلى القدم، أو من القدم صاعداً إلى الرأس، والترتيب المذكور في الآية ليس كذلك، وأما الترتيب المعتبر في الشرع فهو أن يجمع بين الأعضاء المغسولة، ويفرد الممسوحة عنها، والآية ليست كذلك، فإنه تعالى أدرج الممسوح في أثناء المغسولات، إذ ثبت هذا فنقول: هذا يدل على أن الترتيب واجب، والدليل عليه أن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح، فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، ترك العمل به فيما إذا صار ذلك محتملاً للتنبيه على أن ذلك الترتيب واجب، فيبقى في غير هذه الصورة على وفق الأصل. الرابع: أن إيجاب الوضوء غير معقول المعنى، وذلك يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد في النص، بيان المقام الأول من وجوه: أحدها: أن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب من موضع آخر وهو خلاف المعقول، وثانيها: أن أعضاء المحدث طاهرة لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] وكلمة إنما للحصر، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً» تفسير : وتطهير الطاهر محال، وثالثها: أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء، ولا شك أنه ضد النظافة والوضاءة، ورابعها:أن الشرع أقام المسح على الخفين مقام/الغسل،ومعلوم أنه لا يفيد ألبته في نفس العضو نظافه، وخامسها: أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة، وماء الورد لا يفيدها، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى، وإذ ثبت هذ وجب الاعتماد فيه على مورد النص، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبراً إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة، بل ههنا أولى، لأنه تعالى لما ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة فلما وجب الترتيب هناك فههنا أولى. واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال: الواو لا توجب الترتيب، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب، فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص، وهو نسخ وهو غير جائز. وجوابنا: أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم. المسألة السابعة: موالاة أفعال الوضوء ليست شرطاً لصحته في القول الجديد للشافعي رحمه الله، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة، وهو قوله {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } فثبت أن الوضوء بدون الموالاة يفيد حصول الطهارة، فوجب أن نقول بجواز الصلاة بها لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مفتاح الصلاة الطهارة».تفسير : المسألة الثامنة: قال أبو حنيفة رحمه الله: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء، وقال الشافعي رحمه الله لا ينقض، احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال: ظاهرها يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة على ما بينا ذلك فيما تقدم، ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس، والشافعي رحمه الله عول على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلّى ولم يزد على غسل أثر محاجمه. المسألة التاسعة: قال مالك رحمه الله: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة، وقال ربيعة: لا وضوء أيضاً في دم الاستحضانة، لنا التمسك بعموم الآية. المسألة العاشرة: قال أبو حنيفة رحمه الله: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع / والسجود تنقض الوضوء، وقال الباقون: لا تنقض، ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه. المسألة الحادية عشرة: قال الشافعي رحمه الله: لمس المرأة ينقض الوضوء، وقال أبو حنيفة رحمه الله:لا ينقضه، للشافعي أن يتمسك بعموم الآية، وهذا العموم متأكد بظاهر قوله تعالى: {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } وحجة الخصم خبر واحد، أو قياس، فلا يصير معارضاً له. المسألة الثانية عشرة: مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه، للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية، وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من مسّ ذكره فليتوضأ» تفسير : والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية فكان الترجيح معنا. المسألة الثالثة عشرة: لو كان على بدنه أو وجهه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة عن الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوؤه؟ ما رأيت هذه المسألة موضوعة في كتب أصحابنا. والذي أقوله: إنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله {فٱغْسِلُواْ } وقد أتى به فيخرج عن العهدة لأنه عند احتياجه إلى التبرد والتنظف لو نوى فإنه يصح وضوؤه، كذا ههنا. وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لكل امريء ما نوى» تفسير : وهذا الإنسان نوى فيجب أن يحصل له المنوي والله أعلم. المسألة الرابعة عشر: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوؤه أم لا؟ يمكن أن يقال: لا يصح، لأنه أمر بالغسل، والغسل عمل وهو لم يأت بالعمل، ويمكن أن يقال: يصح لأن الغسل عبارة عن الفعل المفضي إلى الإنغسال، والوقوف تحت الميزاب يفضي إلى الإنغسال فكان ذلك الوقوف غسلاً. المسألة الخامسة عشرة: إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقشرت الجلدة عنها فلا شك أن ما ظهر تحت الجلدة غير مغسول، إنما المغسول هو تلك الجلدة وقد تقلصت وسقطت. المسألة السادسة عشرة: الغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو، فلو رطب هذه الأعضاء، ولكن ما سال الماء عليها لم يكف، لأن الله تعالى أمر بإمرار الماء على العضو، وفي غسل الجنابة احتمال أن يكفي ذلك، والفرق أن المأمور به في الوضوء الغسل، وذلك لا يحصل إلا عند إمرار الماء، وفي الجناية المأمور به الطهر، وهو قوله {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } وذلك حاصل بمجرد الترطيب. المسألة السابعة عشرة: لو أخذ الثلج / وأمره على وجهه، فإن كان الهواء حاراً يذيب الثلج ويسيل جاز، وإن كان بخلافه لم يجز خلافاً لمالك والأوزاعي. لنا أن قوله {فٱغْسِلُواْ } يقتضي كونه مأموراً بالغسل، وهذا لا يسمى غسلاً، فوجب أن لا يجزىء. المسألة الثامنة عشرة: التثليث في أعمال الوضوء سنة لا واجب، إنما الواجب هو المرة الواحدة، والدليل عليه أنه تعالى أمر بالغسل فقال {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } وماهية الغسل تدخل في الوجود بالمرة الواحدة، ثم إنه تعالى رتب على هذا القدر حصول الطهارة فقال {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } فثبت أن المرة الواحدة كافية في صحة الوضوء ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. المسألة التاسعة عشرة: السواك سنة، وقال داود: واجب ولكن تركه لا يقدح في الصلاة. لنا أن السواك غير مذكور في الآية، ثم حكم بحصول الطهارة بقوله {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } وإذا حصلت الطهارة حصل جواز الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مفتاح الصلاة الطهارة».تفسير : المسألة العشرون: التسمية في أول الوضوء سنة، وقال أحمد وإسحاق: واجبة، وإن تركها عامداً بطلت الطهارة، لنا أن التسمية غير مذكورة في الآية، ثم حكم بحصول الطهارة وقد سبق تقرير هذه الدلالة، ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضاء وضوئه».تفسير : المسألة الحادية والعشرون: قال بعض الفقهاء: تقديم غسل اليدين على الوضوء واجب، وعندنا أنه سنة وليس بواجب، والاستدلال بالآية كما قررناه في السواك وفي التسمية. المسألة الثانية والعشرون: حد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل كل ذلك. المسألة الثالثة والعشرون: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يجب إيصال الماء إلى داخل العين، وقال الباقون لا يجب، حجة ابن عباس أنه وجب غسل كل الوجه لقوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } والعين جزء من الوجه، فوجب أن يجب غسله. حجة الفقهاء أنه تعالى قال في آخر الآية {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } ولا شك أن في إدخال لماء في العين حرجاً والله أعلم. المسألة الرابعة والعشرون: المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء والغسل عند الشافعي رحمه الله، وعند أحمد وإسحاق رحمهما الله واجبان فيهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله واجب في الغسل، غير واجب في الوضوء. لنا أنه تعالى أوجب غسل الوجه، والوجه هو الذي يكون مواجهاً وداخل الأنف والفم غير مواجه فلا يكون من الوجه. إذ ثبت هذا فنقول: إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة يفيد الطهارة لقوله {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } والطهارة تفيد جواز الصلاة كما بيناه. المسألة الخامسة والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رحمهم الله، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجب لنا. أنه من الوجه، والوجه يجب غسله بالآية، ولأنا أجمعنا على أنه يجب غسله قبل نبات الشعر، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضاً بعده. المسألة السادسة والعشرون: قال الشافعي رحمه الله: يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجب. لنا أن قوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } يوجب غسل الوجه، والوجه اسم للجلدة الممتدة من الجبهة إلى الذقن، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملاً بقوله {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج، فكانت الآية دالة على وجوب غسله. المسألة السابعة والعشرون: هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الأذنين عرضاً؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان: أحدهما: أنه يجب. والثاني: أنه لا يجب، وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني. حجة الشافعي رحمه الله أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد، وإنما أسقطنا هذا التكليف لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجهاً، وإذا كان ظاهر اللحية يسمى وجهاً والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية. المسألة الثامنة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت تلك اللحية كثيفة، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن، تركنا العمل به في حق الرجال دفعاً للحرج، ولحية المرأة نادرة فتبقى على الأصل. واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة، والحاجبان، والشاربان، والعذاران، وأهداب العين، لأن قوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء إلى الجلدة، فوجب أن تبقى على الأصل. المسألة التاسعة والعشرون: قال الشعبي: ما أقبل من الأذن معدود من الوجه فيجب غسله مع الوجه، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح، وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة، والأذن ليست كذلك. المسألة الثلاثون: قال الجمهور: غسل اليدين إلى المرفقين واجب معهما، وقال مالك وزفر رحمهما الله: لا يجب غسل المرفقين، وهذا الخلاف حاصل أيضاً في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } حجة زفر أن كلمة {إِلَىٰ } لانتهاء الغاية، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجاً عنه كما في قوله {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } تفسير : [البقرة: 187] فوجب أن لا يجب غسل المرفقين. والجواب من وجهين: الأول: أن حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس، وهٰهنا يكون الحد خارجاً عن المحدود، وهو كقوله {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } فإن النهار منفصل عن الليل انفصالاً محسوساً لأن انفصال النور عن الظلمة محسوس، وقد لا يكون كذلك كقولك: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس. إذا عرفت هذا فنقول: لا شك أن امتياز المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر، فوجب القول بإيجاب غسل كل المرفق. الوجه الثاني من الجواب: سلمنا أن المرفق لا يجب غسله، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم، فإنه هو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، وهذا الجواب اختيار الزجاج والله أعلم. المسألة الحادية والثلاثون: الرجل إن كان أقطع، فإن كان أقطع مما دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من المرفق لأن قوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } يقتضي وجوب غسل اليدين إلى المرفقين، فإذا سقط بعضه بالقطع وجب غسل الباقي بحكم الآية، وأما إن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً، وأما إذا كان أقطع من المرفق قال الشافعي رحمه الله: يجب إمساس الماء لطرف العظم، وذلك لأن غسل المرفق لما كان واجباً والمرفق عبارة عن ملتقى العظمين، فإذا وجب إمساس الماء لملتقى العظمين وجب إمساس الماء لطرف العظم الثاني لا محالة. المسألة الثانية والثلاثون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب، وقال أحمد: هو واجب. لنا أنه تعالى ذكر الأيدي والأرجل ولم يذكر فيه تقديم اليمنى على اليسرى، وذلك يدل على أن الواجب هو غسل اليدين بأي صفة كان والله أعلم. المسألة الثالثة والثلاثون: السنة أن يصب الماء على الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرفق، فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف، فقال بعضهم: هذا لا يجوز لأنه تعالى قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } فجعل المرافق غاية الغسل، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية فوجب أن لا يجوز. وقال جمهور الفقهاء: أنه لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركاً للسنة. المسألة الرابعة والثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } كما أنه لو نبت على الكف أصبع زائدة فإنه يجب غسلها بحكم هذه الآية. المسألة الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } يقتضي تحديد الأمر لا تحديد المأمور به، يعني أن قوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } أمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد، فبقي الواجب هو هذا القدر فقط، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة. المسألة السادسة والثلاثون: قال الشافعي رحمه الله: الواجب في مسح الرأس أقل شيء يسمى مسحاً للرأس، وقال مالك: يجب مسح الكل، وقال أبو حنيفة رحمه الله: الواجب مسح ربع الرأس. حجة الشافعي أنه لو قال: مسحت المنديل، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية أما لو قال: مسحت يدي بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل. إذا ثبت هذا فنقول: قوله {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } يكفي في العمل به مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية، فإن أوجبنا تقديره بمقدار معين لم يمكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل مغاير لهذه الآية، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل، وإن قلنا: أنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة، ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل تبقى الآية معه مجملة، فكان المصير إلى ما قلناه أولى. وهذا استنباط حسن من الآية. المسألة السابعة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز. لنا أن الآية دالة على أنه يجب المسح على الرأس، ومسح العمامة ليس مسحاً للرأس واحتجبوا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام مسح على العمامة. جوابنا: لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة. المسألة الثامنة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل الفقال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود الأصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل. حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ } فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار كما في قوله: جحر ضب خرب، وقوله شعر : كبير أناس في بجاد مزمل تفسير : قلنا: هذا باطل من وجوه: الأول:أن الكسر على الجوار معدود في اللَّحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر،وكلام الله يجب تنزيهه عنه.وثانيهما: أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: جحر ضب خرب، فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنها توجب المسح، وذلك لأن قوله {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } فرؤوسكم في النصب ولكنها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة. إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ } هو قوله {وَٱمْسَحُواْ } ويجوز أن يكون هو قوله {فٱغْسِلُواْ } لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ } هو قوله {وَٱمْسَحُواْ } فثبت أن قراءة {وَأَرْجُلَكُمْ } بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح، ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخير الواحد لا يجوز. واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين: الأول: أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها، والثاني: أن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح، والقوم أجابوا عنه بوجهين: الأول: أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم، وعلى هذا التقدير فيجب المسح على ظهر القدمين، والثاني: أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين، وحينئذ لا يبقى هذا السؤال. المسألة التاسعة والثلاثون: مذهب جمهور الفقهاء أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله. وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول: الطرفان الناتئان يسميان المنجمين. هكذا رواه القفال في تفسيره. حجة الجمهور وجوه: الأول: أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً، فكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب، كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } والثاني: أن العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكل أحد، ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمراً ظاهراً، لا أمراً خفياً. الثالث: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ألصقوا الكعب بالكعاب» تفسير : ولا شك أن المراد ما ذكرناه. الرابع: أن الكعب مأخوذ من الشرف والارتفاع، ومنه جارية كاعب إذا نتأ ثدياها، ومنه الكعب لكل ما له ارتفاع. حجة الإمامية: أن اسم الكعب واقع على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات، فوجب أن يكون في حق الإنسان كذلك، وأيضاً المفصل يسمى كعباً، ومنه كعوب الرمح لمفاصله، وفي وسط القدم مفصل، فوجب أن يكون الكعب هو هو. والجواب: أن مناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئاً ظاهراً، والذي ذكرناه أظهر، فوجب أن يكون الكعب هو هو. المسألة الأربعون: أثبت جمهور الفقهاء جواز المسح على الخفين. وأطبقت الشيعة والخوارج على إنكاره، واحتجوا بأن ظاهر قوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } يقتضي إما غسل الرجلين أو مسحهما، والمسح على الخفين ليس مسحاً للرجلين ولا غسلاً لهما، فوجب أن لا يجوز بحكم نص هذه الآية، ثم قالوا: إن القائلين بجواز المسح على الخفين إنما يعولون على الخبر، لكن الرجوع إلى القرآن أولى من الرجوع إلى هذا الخبر، ويدل عليه وجوه: الأول: أن نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز، والثاني: أن هذه الآية في سورة المائدة، وأجمع المفسرون على أن هذه السورة لا منسوخ فيها ألبتة إلا قوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 2] فإن بعضهم قال: هذه الآية منسوخة، وإذا كان كذلك امتنع القول بأن وجوب غسل الرجلين منسوخ، والثالث: خبر المسح على الخفين بتقدير أنه كان متقدماً على نزول الآية كان خبر الواحد منسوخاً بالقرآن، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخاً للقرآن، ولا شك أن الأول أولى لوجوه: الأول: أن ترجيح القرآن المتواتر على خبر الواحد أولى من العكس، وثانيها: أن العمل بالآية أقرب إلى الاحتياط، وثالثها: أنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه» تفسير : وذلك يقتضي تقديم القرآن على الخبر، ورابعها: أن قصة معاذ تقتضي تقديم القرآن على الخبر. الوجه الرابع: في بيان ضعف هذا الخبر: أن العلماء اختلفوا فيه، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لأن تقطع قدماي أحب إليّ من أن أمسح على الخفين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لأن أمسح على جلد حمار أحبّ إلي من أن أمسح على الخفين، وأما مالك فإحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين، ولا نزاع أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة، فلولا أنه عرف فيه ضعفاً وإلا لما قال ذلك، والرواية الثانية عن مالك أنه ما أباح المسح على الخفين للمقيم، وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه. وأما الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء فإنهم جوزوه للمسافر ثلاثة أيام بلياليها من وقت الحدث بعد اللبس. وقال الحسن البصري: ابتداؤه من وقت لبس الخفين، وقال الأوزاعي وأحمد: يعتبر وقت المسح بعد الحدث: قالوا: فهذا الاختلاف الشديد بين الفقهاء يدل على أن الخبر ما بلغ مبلغ الظهور والشهرة، وإذا كان كذلك وجب القول بأن هذه الأقوال لما تعارضت تساقطت، وعند ذلك يجب الرجوع إلى ظاهر كتاب الله تعالى. الخامس: أن الحاجة إلى معرفة جواز المسح على الخفين حاجة عامة في حق كل المكلفين، فلو كان ذلك مشروعاً لعرفه الكل، ولبلغ مبلغ التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر ضعفه، فهذا جملة كلام من أنكر المسح على الخفين. وأما الفقهاء فقالوا: ظهر عن بعض الصحابة القول به ولم يظهر من الباقين إنكار، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة، فهذا أقوى ما يقال فيه. وقال الحسن البصري: حدّثني سبعون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين، وأما إنكار ابن عباس رضي الله عنهما فروي أن عكرمة روى ذلك عنه، فلما سئل ابن عباس عنه فقال: كذب علي. وقال عطاء: كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين لكنه لم يمت حتى وافقهم، وأما عائشة رضي الله عنها فروي أن شريح بن هانيء قال: سألتها عن مسح الخفين فقالت: اذهب إلى علي فاسأله فإنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أسفاره، قال: فسألته فقال امسح، وهذا يدل على أن عائشة تركت ذلك الإنكار. المسألة الحادية والأربعون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس. فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه يسقط عنه ذلك أيضاً، لأن قوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } مشروط بالقدرة عليه لا محالة، فإذا فاتت القدرة سقط التكليف، فهذا جملة ما يتعلق من المسائل بآية الوضوء. قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } قال الزجاج: معناه فتطهروا، إلا أن التاء تدغم في الطاء لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت التاء في الطاء سكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل ليبتدأ بها. فقيل: اطهروا. واعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية الطهارة الصغرى ذكر بعدها كيفية الطهارة الكبرى، وهي الغسل من الجناية وفيه مسائل: المسألة الأولى: لحصول الجناية سببان: الأول: نزول المني، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما الماء من الماء» تفسير : والثاني: التقاء الختانين، وقال زيد بن ثابت ومعاذ وأبو سعيد الخدري: لا يجب الغسل إلا عند نزول الماء. لنا قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا التقى الختانان وجب الغسل».تفسير : واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث، فوق ثقبة البول موضع ختانها، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك، وقطع هذه الجلدة هو ختانها، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانه. المسألة الثانية: قوله {فَٱطَّهَّرُواْ } أمر على الاطلاق بحيث لم يكن مخصوصاً بعضو معين دون عضو، فكان ذلك أمراً بتحصيل الطهارة في كل البدن على الاطلاق، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين، فههنا لما لم يذكر شيئاً من الأعضاء على التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن. واعلم أن هذا التطهير هو الاغتسال كما قال في موضع آخر {أية : وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } تفسير : [النساء: 43]. المسألة الثالثة: الدلك غير واجب في الغسل، وقال مالك رحمه الله: واجب. لنا أن قوله {فَٱطَّهَّرُواْ } أمر بتطهير البدن، وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الاغتسال من الجناية قال: «حديث : أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فإذا أنا قد طهرت» تفسير : أثبت حصول الطهارة بدون الدلك، فدل على أن التطهير لا يتوقف على الدلك. المسألة الربعة: لا يجوز للجنب مس المصحف. وقال داود: يجوز. لنا قوله {فَٱطَّهَّرُواْ } فدل على أنه ليس بطاهر، وإلا لكان ذلك أمراً بتطهير الطاهر وإنه غير جائز، وإذا لم يكن طاهراً لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 79]. المسألة الخامسة: لا يجب تقديم الوضوء على الغسل، وقال أبو ثور وداود: يجب. لنا أن قوله {فَٱطَّهَّرُواْ } أمر بالتطهير، والتطهير حاصل بمجرد الاغتسال، ولا يتوقف على الوضوء بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت».تفسير : المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل، وقال أبو حنيفة رحمه الله: هما واجبان. حجة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت».تفسير : وحجة أبي حنيفة الآية والخبر. أما الآية فقوله تعالى: {فَٱطَّهَّرُواْ } وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم، وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها، وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما، فوجب بقاؤهما تحت النص، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : بُلّوا الشعرَ وانقوا البَشَرَة فإن تحت كل شعرة جنابة» تفسير : فقوله «حديث : بلوا الشعر» تفسير : يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً، وقوله «حديث : وانقوا البشرة» تفسير : يدخل فيه جلدة داخل الفم. المسألة الرابعة: شعر الرأس إن كان مفتولاً لا مشدوداً بعضه ببعض نظر، فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه، وقال مالك لا يجب، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي: يجب. لنا أن قوله: {فَٱطَّهَّرُواْ } عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن، فإن كان شد بعض الشعور بالبعض مانعاً منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع، فإن لم يكن مانعاً منه لم يجب إزالته، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه. المسألة الثامنة: قال الأكثرون: لا ترتيب في الغسل، وقال إسحاق: تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله {فَٱطَّهَّرُواْ } أمر بالتطهير المطلق، وذلك حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافياً في الخروج عن العهدة. قوله تعالى: {أية : وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 43] وفيه مسائل: المسألة الأولى:يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } ولا يجوز أن يقال: إنه شرط فيه عدم الماء، لأن عدم الماء يبيح التيمم، فلا معنى لضمه إلى المرض، وإنما يرجع قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } إلى المسافر. المسألة الثانية: المرض على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف الضرر والتلف، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق. الثاني: أن لا يخاف الضرر ولا التلف، فههنا قال الشافعي: لا يجوز التيمم، وقال مالك وداود يجوز، وحجتهما أن قوله {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } يتناول جميع أنواع المرض. الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي رحمه الله. وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله، والدليل عليه عموم قوله {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } الرابع: أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه، قال في «الجديد»: لا يتيمم. قال في «القديم» يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية. المسألة الثالثة: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض، فقال الشافعي رحمه الله: إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم، وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم. حجة الشافعي رحمه الله الأخذ بالاحتياط، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الله تعالى جعل المرض أحد أسباب جواز التيمم، والمرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض فكان داخلاً تحت الآية. المسألة الرابعة: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف، قال الشافعي رحمه الله: يلزمه نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه، وقال الأكثرون: لا يجب. حجة الشافعي رعاية الاحتياط، وحجة الجمهور أن مدار الأمر في التيمم على التخفيف وإزالة الحرج على ما قال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] فإيجاب نزع للصوق حرج، فوجب أن لا يجب. المسألة الخامسة: يجوز التيمم في السفر القصير، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا يجوز. لنا أن قوله تعالى: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } مطلق وليس فيه تفصيل أن السفر هل هو طويل أو قصير، ولقائل أن يقول: أنا إذا قلنا السفر الطويل والقصير سببان للرخصة لكون لفظ السفر مطلقاً وجب أن نقول: المرض الخفيف والشديد سببان للرخصة لكون لفظ المرض مطلقاً، ويدل أيضاً على أن السفر القصير يبيح التيمم ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه انصرف من قومه فبلغ موضعاً مشرفاً على المدينة فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد فجعل يتيمم، فقال له مولاه: أتتيمم وها هي تنظر إليك جدران المدينةٰ فقال: أو أعيش حتى أبلغها، وتيمم وصلّى، ودخل المدينة والشمس حية بيضاء وما أعاد الصلاة. المسألة السادسة: المسافر إذا كان معه ماء ويخاف الاعطش جاز له أن يتيمم لقوله تعالى في آخر الآية {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } ولأن فرض الوضوء سقط عنه إذا أضر بماله، بدليل أنه إذا لم يجد الماء إلا بثمن كثير لم يجب عليه الوضوء، فإذا أضر بنفسه كان أولى. المسألة السابعة: إذا كان معه ماء وكان حيوان آخر عطشاناً مشرفاً على الهلاك يجوز له التيمم لأن ذلك الماء واجب الصرف إلى ذلك الحيوان، لأن حق الحيوان مقدم على الصلاة، ألا ترى أنه يجوز له قطع الصلاة عند إشراف صبي أو أعمى على غرق أو حرق، فإذا كان كذلك كان ذلك الماء كالمعدوم، فدخل حينئذٍ تحت قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ }. المسألة الثامنة: إذ لم يكن معه ماء ولكن كان مع غيره ماء، ولا يمكنه أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز التيمم له: لأن قوله {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] رفع عنه تحمل الغبن الفاحش، وحينئذٍ يكون كالفاقد للماء فيدخل تحت قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وكذا القول إذا كان يباع الماء بثمن المثل لكنه لا يجد ذلك الثمن،أو كان معه الثمن لكنه يحتاج إليه حاجه ضروريه،فأما إذا كان واجد الثمن المثل ولم يكن به إليه حاجة ضرورية فهنا يجب شراء الماء. المسألة التاسعة: إذا وهب منه ذلك الماء هل يجوز له التيمم، قال أصحابنا: يجوز له التيمم ولا يجب عليه قبول ذلك الماء، لأن المنة في قبول الهبة شاقة، وأنا أتعجب منهم فإنهم لما جعلوا هذا القدر من الحرج سبباً لجواز التيمم فلم لم يجدوا خوف زيادة الألم في المرض سبباً لجواز التيمم. المسألة العاشرة: إذا أعير منه الدول والرشاء، فههنا الأكثرون قالوا: لا يجوز له التيمم، لأن المنة في هذه الإعارة قليلة، وكان هذا الإنسان واجداً للماء من غير حرج فلم يجز له التيمم لأن قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } دليل على أنه يشترط لجواز التيمم عدم وجدان الماء. المسألة الحادية عشرة: قوله {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ } كناية عن قضاء الحاجة. وأكثر العلماء ألحقوا به كل ما يخرج من السبيلين سواء كان معتاداً أو نادراً لدلالة الأحاديث عليه. المسألة الثانية عشرة: قال الشافعي رحمه الله: الاستنجاء واجب إما بالماء وإما بالأحجار وقال أبو حنيفة رحمه الله: غير واجب. حجة الشافعي قوله: فليستنج بثلاثة أحجار، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } أوجب عند المجيء من الغائط الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحد، وذلك يدل على أنه غير واحب. المسألة الثالثة عشرة: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله، ولا ينقض عند أبي حنيفة رحمه الله. المسألة الرابعة عشرة: ظاهر قوله {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } يدل على انتقاض وضوء اللامس، أما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية، بل إنما أخذ من الخبر، أو من القياس الجلي. قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } وفيه مسائل، وهي محصورة في نوعين: أحدهما: الكلام في أن الماء المطهر ما هو؟ والثاني: الكلام في أن التيمم كيف هو؟ أما النوع الأول ففيه مسائل: المسألة الأولى: الوضوء بالماء المسخن جاز ولا يكره، وقال مجاهد: يكره. لنا وجهان: الأول: قوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } والغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو وقد أتى به فيخرج عن العهدة. الثاني: أنه قال: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } علق جواز التيمم بفقدان الماء، وههنا لم يحصل فقدان الماء، فوجب أن لا يجوز التيمم. المسألة الثانية: قال أصحابنا: الماء إذا قصد تشميسه في الإناء كره الوضوء به، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله: لا يكره. حجة أصحابنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضع فلا يلومن إلا نفسه» تفسير : ومن أصحابنا من قال: لا يكره ذلك من جهة الشرع، بل من جهة الطب. وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه أمر بالغسل في قوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } وهذا غسل فيكون كافياً، الثاني أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم. المسألة الثالثة: لا يكره الوضوء بما فضل عن وضوء المشرك، وكذا لا يكره الوضوء بالماء الذي يكون في أواني المشركين. وقال أحمد وإسحاق لا يجوز. لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ولأنه واجد للماء فلا يتيمم. وروى أنه عليه الصلاة والسلام توضأ من مزادة مشركة، وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية. المسألة الرابعة: يجوز الوضوء بماء البحر. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لا يجوز. لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به، ولأن شرط جواز التيمم عدم الماء، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز ذلك في السفر. حجة الشافعي قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } أوجب الشارع عند عدم الماء التيمم، وعند الخصم يجوز له الترك للتيمم بل يجب، وذلك بأن يتوضأ بنبيذ التمر، فكان ذلك على خلاف الآية، فإن تمسكوا بقصة الجن قلنا: قيل إن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات لإزالة الملوحة، وأيضاً فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن، فجعل هذا ناسخاً لذلك أولى. المسألة السادسة: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة. وقال الأكثرون: لا يجوز. لنا أن عند عدم الماء أوجب الله التيمم، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك. احتجوا بأن قوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } أمر بمطلق الغسل، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلاً كقول الشاعر:شعر : فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها تفسير : وإذا كان الغسل اسماً للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل بسائر المائعات كان قوله {فٱغْسِلُواْ } إذناً في الوضوء بكل المائعات. قلنا: هذا مطلق، والدليل الذي ذكرناه مقيد، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب. لمسألة السابعة: قال الشافعي رحمه الله: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به. وقال أبو حنيفة رحمه يجوز، حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق فواجده غير واجد الماء، فوجب أن يجب عليه التيمم، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن واجده واجد للماء لأن الماء المتغير بالزعفران ماء موصوف بصفة معينة، فكان أصل الماء موجوداً لا محالة، فواجده يكون واجداً للماء، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } علق جواز التيمم بعدم الماء. المسألة الثامنة: الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور بدليل قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } علق جواز التيمم على عدم الماء وهذا الماء المتعفن ماء، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده. المسألة التاسعة: قال مالك وداود: الماء المتسعمل في الوضوء يبقى طاهراً طهوراً، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله، والقول الجديد للشافعي أنه لم يبق طهوراً ولكنه طاهر، وهو قول محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة رحمه الله في أكثر الروايات أنه نجس. حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان الماء. وهو قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وواجد الماء المستعمل واجد للماء، فوجب أن لا يجوز التيمم، وإذا لم يجز التيمم جاز له التوضوء، لأنه لا قائل بالفرق. وأيضاً قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } تفسير : [الفرقان: 48] والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز استعماله فيها مرة أخرى. المسألة العاشرة: قال مالك: الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء بتلك النجاسة بقي طاهراً طهوراً سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. وقال الشافعي رحمه الله: إن كان أقل من القلتين ينجس. وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس. حجة مالك أن الله جعل في هذه الآية عدم الماء شرطاً لجواز لتيمم، وواجد هذا الماء الذي فيه النزاع واجد للماء، فوجب أن لا يجوز له التيمم. أقصى ما في الباب أن يقال: هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيراً، إلا أنا نقول: العام حجة في غير محل التخصيص، وأيضاً قوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } أمر بمطلق الغسل، ترك العمل به في سائر المائعات وفي الماء القليل الذي تغير بالنجاسة، فيبقى حجة في الباقي. وقال مالك رحمه الله: ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه» تفسير : ولا يعارض هذا بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» تفسير : لأن القرآن أولى من خبر الواحد، والمنطوق أولى من المفهوم. المسألة الحادية عشرة: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب. وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب. لنا قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وواجد هذا الماء فلم يجز له التيمم، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق. المسألة الثانية عشرة: أسار السباع طاهرة مطهرة، وكذا سؤر الحمار. وقال أبو حنيفة رحمه الله: نجسة. لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم يجز له التيمم، ولأن قوله {فٱغْسِلُواْ } يتناول جميع أنواع الماء على ما تقدم تقرير هذين الوجهين. المسألة الثالثة عشرة: الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة مغيرة بقي طاهراً طهوراً عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله ينجس. لنا أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج عن العهدة. المسألة الرابعة عشرة: الماء الذي تفتتت الأوراق فيه، للناس فيه تفاصيل، لكن هذه الآية دالة على كونه طاهراً مطهراً ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماء المطلق كان طاهراً طهوراً. النوع الثاني: من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم. المسألة الأولى: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم الله: لا بدّ في التيمم من النية، وقال زفر رحمه الله لا يجب. لنا قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ } والتيمم عبارة عن القصد، فدل على أنه لا بدّ من النية. المسألة الثانية: قال الشافعي وأبو حنيفة: يجب تيمم اليدين إلى المرفقين، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين، وعن مالك إلى الكوعين، وعن الزهري إلى الآباط. لنا: اليد اسم لهذا العضو إلى الإبط فقوله {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } يقتضي المسح إلى الإبطين، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن التيمم بدل عن الوضوء. ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء أربعة في الوضوء، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آية التيمم {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } فإذا كان العضدان غير معتبرين في الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى، وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المرفقين فيه، فالحاصل أنه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن الوضوء، فتقييده بهما في الوضوء يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم. المسألة الثالثة: يجب استيعاب العضوين في التيمم. ونقل الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز. لنا قوله: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } والوجه واليد اسم لجملة هذين العضوين، وذلك لا يحصل إلا بالاستيعاب، ولقئل أن يقول: قد ذكرتم في قوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } أن الباء تفيد التبعيض فكذا ههنا. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: إذا وضع يده على الأرض فما لم يعلق بيده شيء من الغبار لم يجزه، وهو قول أبي يوسف رحمه لله. وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله يجزئه. لنا قوله تعالى: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } وكلمة {مِنْهُ } تدل على التمسح بشيء من ذلك التراب كما أن من قال: فلان يمسح من الدهن أفاد هذا المعنى، وقد بالغنا في تقرير هذا في تفسير آية التيمم من سورة النساء والله أعلم. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص، وهو قول أبي يوسف رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز بالتراب وبالرمل وبالخزف المدقوق والجص والنورة والزرنيخ. لنا ما روي أن ابن عباس قال: الصعيد هو التراب، وأيضاً التيمم طهارة غير معقولة المعنى، فوجب الاقتصار فيه على مورد النص، والنص المفصل إنما ورد في التراب. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» تفسير : وقال «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً» تفسير : والله أعلم. المسألة السادسة: لو وقف على مهب الرياح فسفت الرياح التراب عليه فأمر يده عليه أو لم يمر ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يكفي. وقال بعض المحققين يكفي، لأنه لما وصل الغبار إلى أعضائه ثم أمر الغبار على تلك الأعضاء فقد قصد إلى استعمال الصعيد الطيب في أعضائه فكان كافياً. المسألة السابعة: المذهب أنه إذا يممه غيره صح، وقيل لا يصح لأن قوله {فَتَيَمَّمُواْ } أمر له بالفعل ولم يوجد. المسألة الثامنة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة. وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز. لنا قوله تعالى: {إذا قمتم إلىٱلصلاة } إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها. والمسألة التاسعة: إذا ضرب رجله حتى ارتفع عنه غبار قال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز له أن يتيمم، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز. حجة أبي يوسف قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } والغبار المنفصل عن التراب لا يقال إنه صعيد طيب، فوجب أن لا يجزى. المسألة العاشرة: لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } والنجس لا يكون طيباً. المسألة الحادية عشرة: قال الشافعي رحمه الله: المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار، وإن كان هناك وادٍ هبط إليه، وإن كان جبل صعده. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب طلبه. لنا قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } جعل عدم وجدان الماء شرطاً لجواز التيمم، وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب، فدل هذا على أنه لا بدّ من تقديم الطلب. المسألة الثانية عشرة: لا يصح الطلب إلاّ بعد دخول وقت الصلاة، فإن طلب قبله يلزمه الطلب ثانياً بعد دخول الوقت، إلاّ أن يحصل عنده يقين أن الأمر بقي كما كان ولم يتغير. لنا قوله تعالى: {إذا قمتم إلىٱلصلاة } إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } فقوله {إذا قمتم إلىٱلصلاة } عبارة عن دخول الوقت، فوجب أن يكون قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ } عبارة عن عدم الوجدان بعد دخول الوقت، وعدم الوجدان بعد دخول الوقت مشروط بحصول الطلب بعد دخول الوقت، فعلمنا أنه لا بدّ من الطلب بعد دخول الوقت. المسألة الثالثة عشرة: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء. وأما التيمم بدلاً عن الغسل في حق الجنب فعن علي وابن عباس جوازه، وهو قول أكثر الفقهاء. وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز. لنا أن قوله: إما أن يكون مختصاً بالجماع أو يدخل فيه الجماع، فوجب جواز التيمم بدلاً عن الغسل لقوله {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً }. المسألة الرابعة عشرة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجمع بالتيمم بين فرضين وإن لم يحدث كما في الوضوء. وقال أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين. حجة الشافعي: قوله تعالى: {إذا قمتم إلىٱلصلاة فاغسلوا} إلى قوله {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُم مّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فلم تَجِدوا ماء فتيمموا}. وجه الاستدلال به أن ظاهره يقتضي الأمر بكل وضوء عند كل صلاة إن وجد الماء، وبالتيمم إن فقد الماء، ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبقى في التيمم على مقتضى ظاهر الآية. المسألة الخامسة عشرة: قال الشافعي رحمه الله: إذا لم يجد الماء في أول الوقت ويتوقع وجدانه في آخر الوقت جاز له التيمم في أول الوقت. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بل يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت. حجة الشافعي: قوله {إذا قمتم إلىٱلصلاة } إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } وقوله {إذا قمتم إلىٱلصلاة } ليس المراد منه القيام إلى الصلاة، بل المراد دخول وقت الصلاة. وهذا يدل على أن عند دخول الوقت إذا لم يجد الماء جاز له التيمم. المسألة السادسة عشرة: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه. وقال أبو موسى الأشعري والشعبي: لا يبطل. لنا قوله تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ } إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } شرط عدم وجدان الماء بجواز الشروع في الصلاة بالتيمم، ومن وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم. المسألة السابعة عشرة: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة. قال طاوس: يلزمه. لنا قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ } إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } جوّز له الشروع في الصلاة بالتيمم عند عدم وجدان الماء، وقد حصل ذلك، فوجب أن يكون سبباً لخروجه عن عهدة التكليف، لأن الإتيان بالمأمور به سبب للأجزاء. المسألة الثامنة عشرة: لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والثوري، وهو اختيار المزني وابن شريح. لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكم التيمم على ما دلّت الآية عليه، فقد انعقدت عليه صلاته صحيحة، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة فنقول: ما لم يبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لا تبطل صلاته، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر، فيكون دوراً وهو باطل. والله أعلم. المسألة التاسعة عشرة: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلّى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي رحمه الله، وهو قول أحمد وأبي يوسف، والقول الثاني أنه لا يلزمه، وهو قول مالك وأبي حنيفة. حجة القول الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما أنه سبب للعجز عن استعمال الماء، فكذلك النسيان سبب للعجز، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه، فيدخل تحت قوله {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك النسيان. المسألة العشرون: إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور، والأولى أن لا تجب الإعادة. المسألة الحادية والعشرون: إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلّى ثم وجده، فالأكثرون على أنه تجب الإعادة لأن العذر ضعيف. وقال قوم: لا تجب الإعادة، لأنه لما استقصى في الطلب صار عاجزاً عن استعمال الماء فدخل تحت قوله {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً}. المسألة الثانية والعشرون: لو صلّى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن استعمال ذلك الماء، فإن كان قد علمه أولاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن لم يكن عالماً بها قط، فإن كان عليها علامة ظاهرة لزمه الإعادة، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء، فدخل تحت قوله {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} فهذا جملة الكلام في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه الآية، وهي مائة مسألة، وقد كتبناها في موضع ما كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة، وكان القلب مشوشاً بسبب استيلاء الكفار على بلاد المسلمين. فنسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام الله من نص الله سبباً لرجحان الحسنات على السيآت أنه أعز مأمول وأكرم مسؤول. قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلّت الآية على أنه تعالى مريد، وهذا متفق عليه بين الأئمة، إلاّ أنهم اختلفوا في تفسير كونه مُرِيْداً، فقال الحسن النجار: أنه مريد بعمنى أنه غير مغلوب ولا مكره، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى {مَّرِيداً } صفة سلبية، ومنهم من قال: إنه صفة ثبوتية، ثم اختلفوا فقال بعضهم: معنى كونه مريداً لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى أيجادها، ومعنى كونه مريداً لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة. وقال الباقون: كونه مريداً صفة زائدة على العلم، وهو الذي سميناه بالداعي، ثم منهم من قال: إنه مريد لذاته، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار. وقال آخرون: إنه مريد بإرادة، ثم قال أصحابنا: مريد بإرادة قديمة. قالت المعتزلة البصرية: مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية: مريد بإرادة محدثة قائمة بذاته، والله أعلم. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج. قال أصحابنا: لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا. المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال: {أية : مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام: «حديث : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» تفسير : ويدل عليه أيضاً أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام: «حديث : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» تفسير : وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] وثانيها: قوله {حديث : أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ } تفسير : [المائدة: 4] وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس: لا حاجة ألبتة أصلاً إلى القياس في الشرع؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة، وإن كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص، وأنه مردود فكان باطلاً. المسألة الرابعة: قوله {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } اختلفوا في تفسير هذا التطهير، فقال جمهور أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وهذا الكلام عندنا بعيد جداً، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] وكلمة {إِنَّمَا } للحصر، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه ألبتة. الثاني: قوله عليه السلام: «حديث : المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً» تفسير : فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه. الثالث: أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطباً فأصابه ثوب لم يتنجس، ولو حمله إنسان وصلّى لم تفسد صلاته، وذلك يدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث. الرابع: أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك. الخامس: أن خروج النلجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر السادس: أن قوله {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } مذكور عقيب التيمم، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة، وأنه لا يزيل شيئاً من النجاسات أصلاً، السابع: أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئاً البتة عن الرجلين، الثامن: أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال، لأن انتقال الأعراض محال، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد. الوجه الثاني: في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده، والكفر المعاصي كذلك، فكانت نجاسات روحانية، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة، ولهذا التأويل قال الله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } فجعل رأيهم نجاسة، وقال {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم. وقال في حق عيسى عليه السلام: {أية : إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [آل عمران: 55] فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيراً له. وإذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة، فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه. واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة،والله أعلم. أما قوله {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } ففيه وجهان: الأول: أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة إلى هنا، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال: إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولاً وهي نعمة الدنيا، والنعمة المذكورة ثانياً وهي نعمة الدين. الثاني: أن المراد: وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض، فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } والكلام في «لعل» مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 21]، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ٱثنتان وثلاثون مسئلة: الأُولى ـ ذكر القشيريّ وٱبن عطية أن هذه الآية نزلت في قصّة عائشة حين فقدت العِقد في غزوة المُرَيْسِيع، وهي آية الوضوء. قال ٱبن عطية: لكن من حيث كان الوضوء متقرّراً عندهم مستعملاً، فكأنّ الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرّخصة في التّيمّم. وقد ذكرنا في آية، «النساء» خلاف هذا، والله أعلم. ومضمون هذه الآية داخل فيما أَمَر به من الوَفَاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذَكَر من إتمام النعمة؛ فإن هذه الرخصة من إتمام النعم. الثانية ـ وٱختلف العلماء في المعنى المراد بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} على أقوال؛ فقالت طائفة: هذا لفظ عامّ في كلّ قيام إلى الصلاة، سواء كان القائم متطهّراً أو مُحْدِثا؛ فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضّأ، وكان عليّ يفعله ويتلو هذه الآية؛ ذكره أبو محمد الدّارميّ في مسنده، وروى مثله عن عِكْرِمة. وقال ٱبن سِيرين: كان الخلفاء يتوضَّئون لكل صلاة. قلت: فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها. وقالت طائفة: الخطاب خاصّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال عبد الله بن حَنْظَلة بن أبي عامر الغَسِيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بالوضوء عند كل صلاة فشقّ ذلك عليه؛ فأُمِر بالسّواك ورُفع عنه الوضوء إلا من حَدث. وقال عَلْقَمة بن الفَغْواء عن أبيه ـ وهو من الصحابة، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تَبُوك ـ: نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان لا يعمل عَمَلاً إلا وهو على وضوء، ولا يكلّم أحداً ولا يردّ سلاماً إلى غير ذلك؛ فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال. وقالت طائفة: المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلباً للفضل؛ وحَمَلوا الأمر على النَّدْب، وكان كثير من الصحابة منهم ٱبن عمر يتوضئون لكل صلاة طلباً للفضل، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد، إرادةَ البيان لأُمته صلى الله عليه وسلم. قلت: وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبّاً لا إيجاباً وليس كذلك؛ فإن الأمر إذا ورد، مقتضاه الوجوب؛ لا سيّما عند الصحابة رضوان الله عليهم، على ما هو معروف من سيرتهم. وقال آخرون: إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نُسخ في فتح مكة؛ وهذا غَلَط لحديث أنس قال: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، وأن أُمّته كانت على خلاف ذلكتفسير : ، وسيأتي؛ ولحديث سُوَيد بن النعمان حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: صلّى وهو بالصَّهْباء العصر والمغرب بوضوء واحدتفسير : ؛ وذلك في غزوة خيبر، وهي سنة ست، وقيل: سنة سبع، وفتح مكة كان في سنة ثمان؛ وهو حديث صحيح رواه مالك في موطّئه، وأخرجه البخاريّ ومسلم؛ فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة. فإن قيل: فقد رَوى مسلم عن بُرَيْدَة بن الحُصَيْب:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلّى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر رضي الله عنه: لقد صَنَعتَ اليوم شيئاً لم تكن تصنَعه؛ فقال: «عَمْداً صنعته يا عمر» تفسير : . فلِمَ سأله عمر وٱستفهمه؟ قيل له: إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر؛ والله أعلم. وروَى الترمذيّ عن أنس: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر؛ قال حميد قلت لأنس: وكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنّا نتوضأ وضوءاً واحداًتفسير : ؛ قال: حديث حسن صحيح؛ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الوضوء على الوضوء نور» «حديث : فكان عليه السلام يتوضأ مجدّداً لكل صلاة، وقد سلم عليه رجل وهو يبول فلم يَردّ عليه حتى تيمم ثم ردّ السلام وقال: «إني كَرِهت أن أذكر الله إلا على طُهْر» تفسير : رواه الدّارقُطْنِي. وقال السدّي وزيد بن أسلم: معنى الآية {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} يريد من المَضَاجِع يعني النَّوم، والقصد بهذا التأويل أن يعمّ الأحداث بالذّكر، ولا سيّما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير؛ التقدير: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} من النّوم، {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} ـ يعني الملامسة الصغرى ـ فٱغسلوا؛ فتمّت أحكام المُحدِث حدثاً أصغر. ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} فهذا حكم نوع آخر؛ ثم قال للنوعين جميعاً: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} وقال بهذا التأويل محمد بن مَسْلَمة من أصحاب مالك ـ رحمه الله ـ وغيره. وقال جمهور أهل العلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة مُحْدِثين؛ وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير، بل ترتب في الآية حكم واجِد الماء إلى قوله: «فَٱطَّهَّرُوا» ودخلت الملامسة الصغرى في قوله «مُحدِثين». ثم ذكر بعد قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} حكم عادم الماء من النوعين جميعاً، وكانت الملامسة هي الجماع، ولا بدّ أن يذكر الجُنُب العادِم الماء كما ذكر الواجِد؛ وهذا تأويل الشافعيّ وغيره؛ وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقّاص وٱبن عباس وأبي موسى الأشعريّ وغيرهم. قلت: وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية؛ والله أعلم. ومعنى {إِذَا قُمْتُمْ} إذا أردتم، كما قال تعالى: { أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ } تفسير : [النحل: 98] أي إذا أردت؛ لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن. الثالثة ـ قوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} ذكر تعالى أربعة أعضاء: الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقاً وٱختلف في الرجلين على ما يأتي، لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن. والله أعلم ولا بدّ في غَسْل الوجه من نَقْل الماء إليه، وإمرار اليد عليه؛ وهذه حقيقة الغسل عندنا، وقد بَيَّنّاه في «النساء». وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دَلْكٌ بيده؛ ولا شك أنه إذا ٱنغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يُدَلِّك يقال: غَسَل وجهه ويده، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم، فإذا حَصَل كَفٰى. والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض؛ فحدّه في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى ٱللحيين، ومن الأُذن إلى الأُذن في العرض، وهذا في الأمرد؛ وأما ٱلمُلْتَحي فإذا ٱكتَسى الذّقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفاً أو كثِيفاً؛ فإن كان الأوّل بحيث تبِين منه ٱلبَشَرة فلا بدّ من إيصال الماء إليها، وإن كان كثيفاً فقد ٱنتقل الفرض إليه كشعر الرأس؛ ثم ما زاد على الذّقن من الشعر وٱسترسل من ٱللحية فقال سُحنون عن ٱبن القاسم: سمعت مالكاً سئل: هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن ٱللحية من الوجه فليمرّ عليها الماء؟ قال: نعم، وتخليلها في الوضوء ليس من أَمْر الناس، وعاب ذلك على من فَعَله. وذكر ٱبن القاسم أيضاً عن مالك قال: يحرّك المتوضّىء ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها؛ قال: وهي مثل أصابع الرجلين. قال ٱبن عبد الحكم: تخليل ٱللّحية واجب في الوضوء والغُسْل. قال أبو عمر: رُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه خَلَّل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة. وذكر ٱبن خُوَيْزِمَنْدَادَ: أن الفقهاء ٱتفقوا على أن تخليل ٱللحية ليس بواجب في الوضوء، إلا شيء رُوِي عن سعيد بن جبير؛ قوله: ما بال الرجل يغسِل لِحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسِلها، وما بال الأمْرَد يَغسِل ذقنه ولا يغسِله ذو ٱللحية؟ قال الطحاويّ: التّيمّم واجب فيه مَسْح ٱلبَشَرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جميعهم، فكذلك الوضوء. قال أبو عمر: من جَعَل غسل ٱللّحية كلها واجباً جَعَلَهَا وَجْهاً؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وٱلله قد أَمَر بغسل الوجه أَمْراً مطلقاً لم يخصّ صاحب لحية من أمرد؛ فوجب غَسْلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البَشَرة. قلت: وٱختار هذا القول ٱبن العربي وقال: وبه أقول؛ لما رُوِي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَغسِل لحيته، خرّجه الترمذي وغيره؛ فعيّن المحتمل بالفعل. وحكى ٱبن ٱلمُنْذِر عن إسحاق أن من تَركَ تخليل لحيته عَامِداً أعاد. ورَوى الترمذيّ عن عثمان بن عَفّان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلّل لحيته؛ قال: هذا حديث حسن صحيح؛ قال أبو عمر: ومن لم يوجب غسل ما ٱنسدل من ٱللّحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله البشَرَة، فوجب غسل ما ظهر فوق البَشَرة، وما ٱنسدل من ٱللّحية ليس تحته ما يلزم غَسْله، فيكون غَسْل ٱللّحية بدلاً منه. وٱختلفوا أيضاً في غَسْل ما وراء العِذار إلى الأذن؛ فَروى ٱبن وَهْب عن مالك قال: ليس ما خَلْف الصُّدْغ الذي من وراء شعر ٱللحية إلى الذقن من الوجه. قال أبو عمر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بما رواه ٱبن وَهْب عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: البياض بين العِذار وٱلأُذن من الوجه، وغَسْله واجب؛ ونحوه قال الشافعي وأحمد. وقيل: يغسل البياض ٱستحباباً؛ قال ٱبن العربي: والصحيح عندي أنه لا يلزم غَسْله إلا للأمرد لا للمُعَذِّر. قلت: وهو ٱختيار القاضي عبد الوهاب؛ وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا؟ وٱلله أعلم. وبسبب هذا الاحتمال ٱختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغُسل، إلا أن أحمد قال: يُعيد من تَرَك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة. وقال عامّة الفقهاء: هما سنَّتان في الوضوء والغُسل؛ لأن ٱلأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن، والعرب لا تُسَمِّي وجهاً إلا ما وقعت به المواجهة، ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون، ولا ٱتّفق الجميع عليه؛ والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه. وقد مضى هذا المعنى في «النساء». وأما العينان فالناس كلّهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم غَسْله، إلا ما رُوي عن عبد الله بن عمر أنه كان يُنضح الماء في عينيه؛ وإنما سَقَط غَسْلهما للتأذّي بذلك وٱلحرج به؛ قال ٱبن العربي: ولذلك كان عبد الله بن عمر لمّا عَمِي يغسل عينيه إذْ كان لا يتأذّى بذلك؛ وإذا تقرّر هذا من حكم الوجه فلا بد من غَسْل جُزْء من الرأس مع الوجه من غير تحديد، كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا يتقدّر؛ وهذا ينبني على أصل من أُصول الفقه وهو: «أنّ ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله» والله أعلم. الرابعة ـ وجمهور العلماء على أنّ الوضوء لا بدّ فيه من نيّة؛ لقوله عليه السلام: « حديث : إنما الأعمال بالنيات » تفسير : . قال البخاريّ: فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحجّ والصوم والأحكام؛ وقال الله تعالى: { أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } تفسير : [الإسراء: 84] يعني على نِيَّته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ولكِنْ جهاد ونيَّة » تفسير : . وقال كثير من الشافعية: لا حاجة إلى نيّة؛ وهو قول الحنفية؛ قالوا: لا تجب النيّة إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سبباً لغيرها، فأمّا ما كان شرطاً لصحّة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه، والطهارة شرط؛ فإنّ من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة، كالحائض والنُّفَساء. احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} فلما وَجَب فعل الغسل كانت النيّة شرطاً في صحّة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فِعل ما أمر الله به؛ فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن الذي ٱغتسل تَبَرُّداً أو لغرض ما، قَصَد أداء الواجب؛ وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفّر؛ فلو صح بغير نية لما كفّر. وقال تعالى: { أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } تفسير : [البينة: 5]. الخامسة ـ قال ٱبن العربي قال بعض علمائنا: إن من خَرَج إلى النهر بنيّة الغُسْل أجزأه، وإن عَزَبت نيّته في الطريق ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بَطَلت النيّة. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: فركَّبَ على هذا سفاسفة المُفْتِين أن نيّة الصلاة تتخرّج على القولين، وأوردوا فيها نصّاً عمّن لا يفرق بين الظَّن واليقين بأنه قال: يجوز أن تتقدّم فيها النية على التكبير؛ ويا لله ويا لَلْعالمين من أُمَّة أرادت أن تكون مُفْتِية مجتهدة فما وفَّقها الله ولا سدّدهاٰ؛ ٱعلموا رَحمكم الله أن النيّة في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء، وقد ٱختلف فيها قول مالك؛ فلمّا نزلت عن مرتبة الاتفاق سُومِح في تقديمها في بعض المواضع، فأما الصلاة فلم يَختلف أحد من الأئمة فيها، وهي أصل مقصود، فكيف يُحمل الأصل المقصود المتَّفَق عليه على الفرع التابع المختلف فيه! هل هذا إلا غاية الغباوة؟ وأما الصوم فإن الشرع رَفَع الحَرَج فيه لمّا كان ٱبتداؤه في وقت الغَفْلة بتقديم النيّة عليه. السادسة ـ قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} وٱختلف الناس في دخول المَرَافِق في التحديد؛ فقال قوم: نعم؛ لأن ما بعد «إلى» إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه؛ قاله سيبويه وغيره، وقد مضى هذا في «البقرة» مبيّناً. وقيل: لا يدخل المرفقان في الغسل؛ والرّوايتان مرويّتان عن مالك؛ الثانية لأشهب؛ والأُولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح؛ لما رواه الدّارقُطْنيّ عن جابر حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم. كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيهتفسير : . وقد قال بعضهم: إنّ «إلى» بمعنى مع، كقولهم: الذَّوْد إلى الذَّوْدِ إبل، أي مع الذود، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في «النساء»؛ ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكَتِف، وكذلك الرّجْل تقع على الأصابع إلى أصل الفِخذ؛ فالمرفق داخل تحت ٱسم اليد، فلو كان المعنى مع المَرَافق لم يُفد، فلما قال: «إلى» ٱقتطع من حدّ المرافِق عن الغسل، وبقِيت المرافق مغسولة إلى الظُّفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأُصول لغة ومعنى؛ قال ٱبن العربي: وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال: إن قوله «إلى المرافِق» حدّ للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما؛ ولذلك تدخل المرافِق في الغسل. قلت: ولما كان اليد والرّجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول: سمعت خَلِيلي صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » تفسير : . قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا يتعدّى بالوضوء حدوده؛ لقوله عليه السلام: « حديث : فمن زاد فقد تعدّى وظَلَم » تفسير : . وقال غيره: كان هذا الفعل مذهباً له ومما ٱنفرد به، ولم يَحْكه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وإنما ٱستنبطه من قوله عليه السلام: « حديث : أنتم الغُرّ المُحَجَّلُون » تفسير : ومن قوله: « حديث : تبلغ ٱلحِلية » تفسير : كما ذكر. السابعة ـ قوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} تقدّم في «النساء» أن المسح لفظ مشترك. وأما الرّأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه، فلما ذَكَره الله عز وجل في الوضوء وعيّن الوجه للغسل بقي باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل للزِم مسح جميعه، ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان وٱلأنف والفم؛ وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه؛ فإنه سُئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال: أرأيت إن ترك غَسْل بعض وجهه أكان يُجزئه؟ ووضَحَ بهذا الذي ذكرناه أن الأُذنين من الرأس، وأن حكمهما حكم الرأس خلافاً للزهريّ حيث قال: هما من الوجه يغسلان معه، وخلافاً للشعبيّ حيث قال: ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرّأس؛ وهو قول الحسن وإسحاق، وحكاه ٱبن أبي هريرة عن الشافعيّ، وسيأتي بيان حجتهما؛ وإنما سمّي الرأس رأساً لعلوّه ونبات الشعر فيه، ومنه رأس ٱلجبل؛ وإنما قلنا إن الرأس ٱسم لجملة أعضاء لقول الشاعر: شعر : إذا ٱحتملوا رأسي وفي الرأس أَكْثَرى وغُودِر عند المُلْتَقَى ثَمَّ سَائِرِي تفسير : الثامنة ـ وٱختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولاً؛ ثلاثة لأبي حنيفة، وقولان للشافعي، وستة أقوال لعلمائنا؛ والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرناه. وأجمع العلماء على أن من مَسَح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه؛ والباء مؤكّدة زائدة ليست للتبعيض: والمعنى وٱمسحوا رؤوسكم. وقيل: دخولها هنا كدخولها في التيمّم في قوله: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع، وهذا قاطع. وقيل: إنما دخلت لتُفيد معنى بديعاً وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به؛ فلو قال: وٱمسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد إمراراً من غير شيء على الرّأس؛ فدخلت الباء لتفيد ممسوحاً به وهو الماء، فكأنه قال: وٱمسحوا برؤوسكم الماء؛ وذلك فصيح في ٱللغة على وجهين؛ إما على القلب كما أنشد سيبويه: شعر : كنَوَاحِ رِيش حَمَامة بَخْدِيَّة ومسحتِ باللِّثتين عَصْفَ ٱلإثْمِد تفسير : وٱللِّثة هي الممسوحة بعَصْف ٱلإثْمِد فقلب، وإما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر: شعر : مِثْل القَنَافِذ هَدّاجون قد بَلَغت نَجران أو بلغت سَوْءاتهم هَجَرُ تفسير : فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء. وقال الشافعي: ٱحتمل قول الله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} بعض الرأس ومسح جميعه فدلّت السُّنّة أن مسح بعضه يُجزىء، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مَسحَ بناصِيته؛ وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عزّ وجلّ: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} في التّيمّم أيُجزِىء بعض الوجه فيه؟ قيل له: مسح الوجه في التيمم بدل من غسله؛ فلا بدّ أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه، ومسح الرأس أصل؛ فهذا فرق ما بينهما. أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: لعلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيّما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مَظِنّة الأعذار، وموضع الاستعجال والاختصار، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقّات والأخطار؛ ثم هو لم يكتف بالناصية: حتى مسح على العِمامة؛ أخرجه مسلم من حديث المُغيِرة بن شُعْبة؛ فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجباً لما مسَحَ على العِمامة؛ والله أعلم. التاسعة ـ وجمهور العلماء على أن مَسْحة واحدة موعِبة كاملة تجزىء. وقال الشافعي: يمسح رأسه ثلاثاً؛ ورُوي عن أنس وسعيد بن جبيْر وعطاء. وكان ٱبن سِيرين يمسح مرتين قال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرّةً؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، قالوا فيها: ومَسَح برأسِه ولم يذكروا عدداً. العاشرة ـ وٱختلفوا من أين يبدأ بمسحه؛ فقال مالك: يبدأ بمقدَّم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخّره، ثم يردّهما إلى مقدّمه؛ على حديث عبد الله بن زيد أخرجه مسلم؛ وبه يقول الشافعيّ وٱبن حنبل. وكان الحسن بن حيّ يقول: يبدأ بمؤخر الرأس؛ على حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْرَاء: وهو حديث يختلف في ألفاظه، وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل وليس بالحافظ عندهم؛ أخرجه أبو داود من رواية بِشر بن المُفَضَّل عن عبد الله عن الرُّبَيْع، وروى ٱبن عِجْلان عنه عن الرّبَيْع: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأ عندنا فمسح الرأس كله من قَرْن الشعر كل ناحية بمنصَبّ الشعر، لا يحرّك الشعر عن هيئتهتفسير : ؛ ورُويت هذه الصفة عن ٱبن عمر، وأنه كان يبدأ من وسط رأسه. وأصَحّ ما في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد؛ وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدّم الرأس. ورُوي عن إبراهيم والشعبيّ أنهما قالا: أيّ نَواحِي رأسك مسحت أجزأ عنك. ومسح ٱبن عمر اليافُوخَ فقط. والإجماع منعقد على ٱستحسان المسح باليدين معاً، وعلى الإجزاء إن مسح بيد واحدة. وٱختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عمّ ما يرى أنه يجزئه من الرأس؛ فالمشهور أن ذلك يجزىء، وهو قول سفيان الثوريّ؛ قال سفيان: إن مسح رأسه بإصبع واحدة أجزأه. وقيل: إن ذلك لا يُجزِىء؛ لأنه خروج عن سنّة المسح وكأنه لَعِبٌ. إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يُختلف في الإجزاء. قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يُجزِىء مسح الرأس بأقلّ من ثلاث أصابع؛ وٱختلفوا في ردّ اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة ـ بعد الإجماع على أن المسحة الأُولى فرضٌ بالقرآن ـ فالجمهور على أنه سنة. وقيل: هو فرض. الحادية عشرة ـ فلو غَسَل متوضِّىء رأسه بدل المسح فقال ٱبن العربي: لا نعلم خلافاً أن ذلك يُجزئه، إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشِي في الدرس عن أبي العباس ٱبن القاصِّ من أصحابهم قال: لا يُجزئه، وهذا توَلُّج في مذهب الداودية الفاسد من ٱتِّباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمّه الله في قوله: { أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الروم: 7] وقال تعالى: { أية : أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [الرعد: 33] وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أُمِر وزيادة. فإن قيل: هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبَّد به؛ قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل؛ وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح. الثانية عشرة ـ وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوريّ وأبي حنيفة وغيرهم، ثم ٱختلفوا في تجديد الماء؛ فقال مالك وأحمد: يستأنف لهما ماء جديداً سوى الماء الذي مَسَح به الرأس، على ما فَعَل ٱبن عمر؛ وهكذا قال الشافعيّ في تجديد الماء، وقال: هما سنّة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس؛ لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج؛ وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعيّ. وقال الثوريّ وأبو حنيفة: يُمْسَحان مع الرأس بماء واحد؛ ورُوي عن جماعة من السلف مثلُ هذا القول من الصحابة والتابعين. وقال داود: إن مسح أُذنيه فحسن، وإلا فلا شيء عليه؛ إذ ليستا مذكورتين في القرآن. قيل له: ٱسم الرأس تضمّنهما كما بيّناه. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائيّ وأبي داود وغيرهما حديث : بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صِمَاخَيهتفسير : ، وإنما يدل عدمُ ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغَسْل الوجه واليدين، وثبتت سُنّة مسحهما بالسنة. وأهل العلم يكرهون للمتوضِّىء ترك مسح أُذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال: إن ترك مسح أُذنيه لم يُجزه. وقال أحمد: إن تركهما عمداً أحببتُ أن يُعيد. ورُوي عن عليّ بن زياد من أصحاب مالك أنه قال: من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامداً أعاد؛ وهذا عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف ولا له حظّ من النظر، ولو كان كذلك لم يُعرف الفرض الواجب من غيره؛ والله أعلم. ٱحتج من قال: هما من الوجه بما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده: « حديث : سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره » تفسير : فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه. وفي مصنف أبي داود من حديث عثمان: فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. ٱحتج من قال: يُغسل ظاهرهما مع الوجه، وباطنهما يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس؛ فما واجهك من الأذنين وجب غسله؛ لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس، وهذا تردّه الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس والرُّبَيِّع وغيرهم. ٱحتج من قال: هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث الصُّنَابِحي: « حديث : فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه » تفسير : الحديثَ أخرجه مالك. الثالثة عشرة؛ قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ} قرآ نافع وابن عامر والكسائي «وَأَرْجُلَكمْ» بالنصب؛ وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ «وَأَرْجُلُكُمْ» بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وَأَرْجُلِكُم» بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون؛ فمن قرأ بالنصب جعل العامل «أَغْسِلُوا» وبنى على أن الفرض في الرِّجلين الغَسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافّة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضئون وأعقابهم تلُوح فنادى بأعلى صوته: « حديث : ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء » تفسير : . ثم إن الله حدَّهما فقال: «إلَى الْكَعْبين» كما قال في اليدين «إلَى المْرَافِق» فدّل على وجوب غسلهما؛ والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: ٱتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رَدّ ذلك سوى الطَبري من فقهاء المسلمين، والرّافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض. قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وروى أن الحجاج خطب بالأهْوَاز فذكر الوضوء فقال: ٱغسلوا وجوهكم وأيديكم وٱمسحوا برءوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيء من ٱبن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس ابن مالك فقال: صدق الله وكذب الحجاج؛ قال الله تعالى {وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ} قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروى عن أنس أيضاً أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وكان عِكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح؛ ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً، ويُلغي ما كان مسحاً. وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين؛ قال النحاس؛ـ ومن أحسن ما قيل فيه؛ أن المسح والغسل واجبان جميعاً؛ فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. قال ٱبن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرّجلين هو الغسل. قلت: وهو الصحيح؛ فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل؛ قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال: للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تَمسَحّ؛ ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغَسل؛ بقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغَسل، والتوعّد على ترك غَسلها في أخبار صحاح لا تُحصى كثرة أخرجها الأئمة؛ ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرّجلين، التقدير؛ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وأمسحوا برءوسكم؛ فلما كان الرأس مفعولاً قبل الرِّجلين قُدَّم عليهما في التلاوة ـ والله أعلم ـ لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدّمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال: قرأ الحسن والحسين ـ رحمة الله عليهما ـ عَلَيَّ «وَأَرْجُلِكُمْ» فسمع عليٌّ ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: {وَأَرْجُلَكُمْ} هذا من المقدّم والمؤخر من الكلام. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: ٱغسلوا الأقدام إلى الكعبين. وكذا روى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرأ «وَأَرْجُلَكُمْ» بالنصب. وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيّداً لمسحهما لكن إذا كان عليهما خُفَّان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خُفّان، فبيّن صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تُغسل فيه الرِّجل والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن. فإن قيل: إنّ المسح على الخفين منسوخ بسورة «المائدة» ـ وقد قاله ابن عباس، وردّ المسح أبو هريرة وعائشة، وأنكره مالك في رواية عنه ـ فالجواب أن من نفى شيئاً وأثبته غيره فلا حجة للنافي، وقد أثبت المسح على الخُفّين عدد كثير من الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن: حدّثني سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين؛ وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال: بَالَ جَريرٌ ثم توضأ ومسح على خُفيه. قال إبراهيم النخعيّ: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خُفَّيه.قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول «المائدة» وهذا نص يردّ ما ذكروه وما ٱحتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريراً أسلم في ستة عشر من شهر رمضان، وأن «المائدة» نزلت في ذي الحجة يوم عرفات، وهذا حديث لا يثبت لوهاه؛ وإنما نزل منها يوم عرفة {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} على ما تقدّم؛ قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسن حديث جَرير في المسح على الخفين؛ لأن إسلامه كان بعد نزول «المائدة» وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك عِلْم؛ ولذلك رَدَّت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت: سَلْه فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الحديثَ. وأمّا مالك فما روي عنه من الإنكار فهو مُنْكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال: إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مُقَصّراً فيما يجب عليه. وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر. قال أحمد: كما روى عن ٱبن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال: حُبِّب إلي الوضوء؛ ونحوه عن أبي أيوب. وقال أحمد رضي الله عنه: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع، فلا يُصلَّى خلفه. والله أعلم وقد قيل: إن قوله «وَأَرْجُلكُمْ» معطوف على اللفظ دون المعنى. وهذا أيضاً يدل على الغسل فإنّ المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب؛ وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى: { أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ } تفسير : [الرحمن: 35] بالجرّ لأن النحاس الدخان. وقال: { أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج: 21-22] بالجرّ. قال ٱمرؤ القيس: شعر : كبيرُ أُناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل تفسير : فخفض مزمّل بالجوار، وأن المزمّل الرجل وإعرابه الرّفع؛ قال زهير: شعر : لَعِب الزمان بها وغَيَّرها بعدي سَوَافي المُورِ والقَطْرِ تفسير : قال أبو حاتم: كان الوجه القطر بالرّفع ولكنه جره على جوار المور؛ كما قالت العرب: هذا حجر ضَبٍّ خَربٍ؛ فجرّوه وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة وردّه النحاس وقال: وهذا القول غلط عظيم لأنّ الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء. قلت: والقاطع في الباب من أن فرض الرِّجلين الغَسل ما قدّمناه، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار » تفسير : فخوّفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل، ومعلوم أن النار لا يُعذَّب بها إلا من ترك الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الآستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أنّ ذلك على ظهورهما لا على بطونهما، فتبيّن بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يُدرك بالغَسل لا بالمسح. ودليل آخر من جهة الإجماع؛ وذلك أنهم ٱتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدّى الواجب عليه، وٱختلفوا فيمن مسح قدميه؛ فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما ٱختلفوا فيه. ونقل الجمهور كافّة عن كافّة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة وٱثنتين وثلاثاً حتى يُنقيهما؛ وحسبك بهذا حجة في الغَسل مع ما بيّناه فقد وَضَح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا، وأن العامل في قوله «وَأَرْجُلَكُمْ» قوله: {فٱغْسِلُواْ} والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن؛ ومنه قول الشاعر: شعر : عَلفتُها تِبْناً ومَاءً بارداً تفسير : وقال آخر: شعر : ورأيتُ زوجِك في الوغى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا تفسير : وقال آخر: شعر : ......... وأَطْفَلَتْ بِالَجْلَهَتَيْن ظِباؤُها ونَعامُها تفسير : وقال آخر: شعر : شَـرَّابُ ألْبـانٍ وتمـرٍ وإقِـط تفسير : التقدير: علفتها تِبناً وسَقيتُها ماء. ومتقلِّداً سيفاً وحامِلاً رُمْحاً. وأطْفَلَتْ بالجَلهَتَيْنِ ظباؤها وفرخت نعامها؛ والنعام لا يُطفِل إنما يُفرِخ. وأطفلت كان لها أطفال، والجَلْهَتَانِ جنبتا الوادي. وشَرَّابُ ألبانٍ وآكلُ تمر؛ فيكون قوله: «وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ» عطف بالغَسل على المسح حَمْلاً على المعنى والمراد الغَسل؛ والله أعلم. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} روى البخاري: حدّثني موسى قال أنبأنا وُهَيْبٌ عن عمرو ـ هو ٱبن يحيٰى ـ عن أبيه قال: شهدتُ عمرو بن أبي حَسَن سأل عبدالله ابن زيد عن وضُوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بِتور من ماء، فتوضأ لهم وُضوء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في التَّوْر فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غَرْفاتٍ، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المِرفَقين ثلاثاً، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين؛ فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله «وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ» زائدة لقوله: فمسح رأسه ولم يقل برأسه، وأنّ مسح الرأس مرة، وقد جاء مبيناً في كتاب مسلم من حديث عبدالله بن زيد في تفسير قوله: فأقبل بهما وأدبر، وبدأ بمقدّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل. وأنكر الأصمعي قول الناس: إنّ الكَعْب في ظهر القدم؛ قاله في «الصحاح» وروي عن ابن القاسم، وبه قال محمد بن الحسن؛ قال ٱبن عطية: ولا أعلم أحداً جعل حدّ الوضوء إلى هذا، ولكن عبدالوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام؛ وقال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفاً في أنّ الكعبين هما العظمان في مَجْمع مَفْصِل الساق؛ وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال: الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب، وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم. قلت: هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكَعْب في كلام العرب مأخوذ من العُلُوّ ومنه سميت الكعبة؛ وكَعَبَتِ المرأة إذا فلك ثديُها، وكَعْب القناة أنْبُوبها، وأُنبوب ما بين كلِّ عُقْدتين كَعْبٌ، وقد يُستعمل في الشرف والمجد تشبيها؛ ومنه الحديث. « حديث : واللَّهِ لا يزالُ كَعْبِك عالياً » تفسير : . وأما السّنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير: « حديث : واللَّهِ لتُقيمُنَّ صفوفَكم أو ليخالِفَنَّ الله بين قلوبكم » تفسير : قال: فرأيتُ الرّجل يُلصق مَنْكِبه بِمَنْكِب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه. والعقب هو مؤخر الرِّجل تحت العُرقوب، والعُرقوب هو مجمع مَفصِل الساق والقدم، ومنه الحديث « حديث : وَيْلٌ للعراقيب من النار » تفسير : يعني إذا لم تُغسل؛ كما قال: « حديث : وَيْلٌ للأعقاب وبطون الأقدام من النّار ». تفسير : الخامسة عشرة ـ قال ٱبن وهب عن مالك: ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوُضوء ولا في الغُسل، ولا خير في الجفاء والغُلوّ؛ قال ابن وهب: تخليل أصابع الرِّجلين مُرَغَّب فيه ولا بدّ من ذلك في أصابع اليدين؛ وقال ٱبن القاسم عن مالك: من لم يُخلّل أصابع رجليه فلا شيء عليه. وقال محمد بن خالد عن ٱبن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرّك رجليه: إنه لا يُجزئه حتى يَغسلهما بيديه؛ قال ٱبن القاسم: وإن قدر على غَسل إحداهما بالأخرى أجزاه. قلت: الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غَسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرِّجل، كما أن ما بين أصابع اليد من اليد، ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين وٱنضمام أصابع الرجلين؛ فإن الإنسان. مأمور بغَسل الرِّجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يَدْلُك أصابع رجليه بِخنصره، مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه؛ وهذا يقتضي العموم. وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يَدْلُك أصابع رجليه بِخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدّثه به ٱبن وهب عن ٱبن لَهِيعَة والّليث بن سعد عن يزيد بن عمرو الغِفَاري عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي حديث : عن المُسْتَورِد بن شدّاد القُرشي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيُخلل بِخنصره ما بين أصابع رجليهتفسير : ؛ قال ابن وهب فقال لي مالك: إنّ هذا لحسن، وما سمعتُه قطّ إلا السّاعة؛ قال ٱبن وهب: وسمعتُه سئُل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به. وقد رَوى حُذَيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : خَلِّلوا بين الأصابع لا تُخَللها النّار » تفسير : وهذا نص في الوعيد على ترك التَّخليل؛ فثبت ماقلناه. والله الموفق. السادسة عشرة ـ ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء، وهي إتباع المتوضىء الفِعْلَ الفِعْلَ إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه، ولا فصل بفعل ليس منه؛ واختلف العلماء في ذلك؛ فقال ابن أبي سَلَمة وابن وهب: ذلك من فروض الوُضوء في الذّكر والنسيان، فمن فرّق بين أعضاء وضوئه متعمداً أو ناسياً لم يجزه. وقال ابن عبدالحكم: يجزئه ناسياً ومتعمّداً. وقال مالك في «المدوّنة» وكتاب محمد: إن الموالاة ساقطة؛ وبه قال الشافعي. وقال مالك وابن القاسم: إن فرَّقه متعمداً لم يُجزه ويُجزئه ناسياً؛ وقال مالك في رواية ابن حبيب: يُجزئه في المغسول ولا يُجزئه في الممسوح؛ فهذه خمسة أقوال ٱبتنيت على أصلين: الأوّل ـ أن الله سبحانه وتعالى أَمَرَ أَمْرا مطلقاً فوالِ أو فرِّق، وإنما المقصود وجود الغَسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصّلاة. والثاني ـ أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصّلاة؛ وهذا أصح. والله أعلم. السابعة عشرة ـ وتتضمن ألفاظ الآية أيضاً الترتيب وقد اختلف فيه؛ فقال الأَبْهَري: الترتيب سنة، وظاهر المذهب أن التَّنكيس للناسي يُجزىء، وٱختلف في العامد فقيل: يُجزىء ويُرتِّب في المستقبل. وقال أبو بكر القاضي وغيره: لا يجزىء لأنه عابث، وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه، وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عُبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور، وإليه ذهب أبو مُصْعَب صاحب مالك وذكره في مختصره، وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدّم في الوضوء يديه على وجهه، ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلّى بذلك الوُضوء. وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن «الواو» لا توجب التّعقيب ولا تُعطي رتبة، وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثَّوري والأوزاعي والليث بن سعد والمُزني وداود بن علي؛ قال الكِيَا الطَّبَري ظاهر قوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} يقتضي الإجزاء فرَّق أو جَمَع أو وَالَى على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو مذهب الأكثرين من العلماء. قال أبو عمرو: إلاّ أنّ مالكا يَستحبّ له استئناف الوُضوء على النَّسق لمَا يُستقبل من الصلاة ولا يَرى ذلك واجباً عليه؛ هذا تحصيل مذهبه. وقد رَوى علي بن زياد عن مالك قال: من غَسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غَسل ذراعيه، وإن لم يَذكر حتى صّلى أعاد الوُضوء والصلاة؛ قال عليٌّ ثم قال بعد ذلك: لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يُستأنف. وسبب الخلاف ما قال بعضهم: إنّ «الفاء» توجب التعقيب في قوله: «فَاغْسِلُوا» فإنها لما كانت جواباً للشرط ربطت المشروط به؛ فاقتضت الترتيب في الجميع؛ وأجيب بأنه إنما ٱقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحداً، فإذا كانت جُملاً كلّها جواباً لم تبال بأيها بدأت. إذ المطلوب تحصيلها. قيل: إنّ الترتيب إنما جاء من قبِل الواو؛ وليس كذلك لأنك تقول: تقاتل زيد وعمرو، وتخاصم بكر وخالد، فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب. والصحيح أن يقال: إنّ الترتيب متلقى من وجوه أربعة: الأوّل ـ أن يبدأ بما بدأ الله به كما حديث : قال عليه الصلاة والسلام حين حج: «نبدأ بما بدأ الله به» تفسير : . الثاني ـ من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون. الثالث ـ من تشبيه الوضوء بالصلاة.الرابع ـ من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك. ٱحتج من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غَسل أعضاء الجنابة، فكذلك غَسل أعضاء الوضوء؛ لأنّ المعنى في ذلك الغَسل لا التبدية. وروي عن علي أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأتُ. وعن عبدالله بن مسعود قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك؛ قال الدّارقطني: هذا مُرسَل ولا يثبت، والأولى وجوب الترتيب. والله أعلم. الثامنة عشرة ـ إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء، ومالك يجوّز التّيمم في مثل ذلك؛ لأنّ التّيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء. ٱحتج الجمهور بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} وهذا واجد، فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم. التاسعة عشرة ـ وقد ٱستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة؛ لأنه قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوَّل مبدوء به؛ وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وهي رواية أشهب عن مالك. وقال ٱبن وهب عن مالك: إزالتها واجبة في الذكر والنسيان؛ وهو قول الشافعي. وقال ٱبن القاسم: تجب إزالتها مع الذكر، وتسقط مع النسيان. وقال أبو حنيفة: تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي ـ يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال ـ قياساً على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه. والصحيح رواية ٱبن وهب؛ لأن حديث : النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبْرين: «إنهما ليُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرىء من بوله» تفسير : ولا يعذَّب إلا على ترك الواجب؛ ولا حجة في ظاهر القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما بيّن من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة، ولم يتعرّض لإزالة النجاسة ولا غيرها. الموفية عشرين ـ ودلت الآية أيضاً على المسح على الخفين كما بيّنا، ولمالك في ذلك ثلاث روايات: الإنكار مطلقاً كما يقوله الخوارج، وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة. وقد تقدّم. الثانية ـ يمسح في السفر دون الحضر؛ لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر؛ وحديث السَّبَاطة يدل على جواز المسح في الحضر، أخرجه مسلم من حديث حديث : حُذَيفة قال: فلقد رأيتُني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى؛ فأتى سُبَاطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال فٱنتبذت منه، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقِبه حتى فرغ ـ زاد في رواية ـ فتوضأ ومسح على خفيهتفسير : . ومثله حديث شُرَيح بن هانىء قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بٱبن أبي طالب فَسَلْه؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسألناه فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ وللمقيم يوماً وليلة؛ ـ وهي الرواية الثالثة ـ يمسح حضراً وسفراً؛ وقد تقدّم ذكرها. الحادية والعشرون ـ ويمسح المسافر عند مالك على الخفين بغير توقيت، وهو قول الليث بن سعد؛ قال ٱبن وهب سمعت مالكاً يقول: ليس عند أهل بلدنا في ذلك وقت. حديث : وروى أبو داود من حديث أبيّ بن عمارة أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: «نعم» قال: يوماً؟ قال: «يوماً» قال: ويومين؟ قال: «ويومين» قال: وثلاثة أيام؟ قال: «نعم وما شئت» تفسير : في رواية « حديث : نعم وما بدا لك » تفسير : . قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقويّ. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان والطبريّ: يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام على حديث شُرَيْح وما كان مثله؛ ورُوي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء، وأنكرها أصحابه. الثانية والعشرون ـ والمسح عند جميعهم لمن لبس خفيه على وضوء؛ حديث : لحديث المغيرة بن شُعْبة أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير ـ الحديث ـ وفيه؛ فأهويتُ لأَنْزِع خفيه فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» تفسير : ومسح عليهما. ورأى أَصْبَغ أن هذه طهارة التيمم، وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحَدَث. وشذّ داود فقال: المراد بالطهارة هٰهنا هي الطهارة من النجس فقط؛ فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين. وسبب الخلاف الاشتراك في اسم الطهارة. الثالثة والعشرون ـ ويجوز عند مالك المسح على الخف وإن كان فيه خَرْق يسير: قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد؛ معناه أن يكون الخَرْق لا يمنع من الانتفاع به ومن لُبْسه، ويكون مثله يُمشى فيه. وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوريّ والشافعيّ والطبريّ؛ وقد روي عن الثوريّ والطبريّ إجازة المسح على الخف المخرَّق جملة. وقال الأوزاعيّ: يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم؛ وهو قول الطبريّ. وقال أبو حنيفة: إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح، ولا يمسح إذا ظهر ثلاث؛ وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف. ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من التابعين كانت لا تسلم من الخَرْق اليسير، وذلك متجاوز عند الجمهور منهم. ورُوي عن الشافعيّ إذا كان الخَرْق في مقدّم الرجل أنه لا يجوز المسح عليه. وقال الحسن بن حيّ: يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجَوْرب، فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح؛ قال أبو عمر؛ هذا على مذهبه في المسح على الجَوْربين إذا كانا ثخينين؛ وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وهي: الرابعة والعشرون ـ ولا يجوز المسح على الجَوْربين عند أبي حنيفة والشافعيّ إلاَّ أن يكونا مجلدين؛ وهو أحد قولي مالك. وله قول آخر أنه لا يجوز المسح على الجَوْربين وإن كانا مجلدين. وفي كتاب أبي داود عن المغِيرة بن شُعْبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجَوْربين والنعلين؛ قال أبو داود: وكان عبد الرّحمٰن بن مهديّ لا يحدّث بهذا الحديث؛ لأنّ المعروف عن المغيرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين؛ ورُوي هذا الحديث عن أبي موسىٰ الأشعريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالقويّ ولا بالمتصل. قال أبو داود: ومسح على الجَوْربين عليّ بن أبي طالب وأبو مسعود والبَرَاء بن عازِب وأَنَس بن مالك وأبو أُمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حُرَيث؛ ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وٱبن عباس؛ رضي الله عنهم أجمعين. قلت: وأما المسح على النعلين فروى أبو محمد الدّارِميّ في مسنده حدّثنا أبو نعيم أخبرنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خيرٍ قال: رأيت علِياً توضأ ومسح على النعلين فوسَّع ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما؛ قال أبو محمد الدّارميّ رحمه الله: هذا الحديث منسوخ بقوله تعالىٰ: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}. قلت: وقول عليّ ـ رضي الله عنه ـ لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما مثله قال في المسح على الخفين، أخرجه أبو داود عنه قال: لو كان الدِّين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. قال مالك والشافعي فيمن مسح ظهور خفيه دون بطونهما: إن ذلك يجزئه؛ إلاَّ أن مالكاً قال: من فعل ذلك أعاد في الوقت؛ ومن مسح على باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه، وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده؛ وكذلك قال جميع أصحاب مالك إلاَّ شيء روي عن أشهب أنه قال: باطن الخفين وظاهرهما سواء، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يُعد إلاَّ في الوقت. ورُوي عن الشافعي أنه قال يجزئه مسح بطونهما دون ظهورهما؛ والمشهور من مذهبه أنه من مسح بطونهما وٱقتصر عليهما لم يجزه وليس بماسح. وقال أبو حنيفة والثوري: يمسح ظاهري الخفين دون باطنهما؛ وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وجماعة، والمختار عند مالك والشافعيّ وأصحابهما مسح الأعلى والأسفل، وهو قول ٱبن عمر وٱبن شهاب؛ لما رواه أبو داود والدّارقطنيّ عن المُغيرة بن شُعْبة قال: وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوك فمسح أعلى الخف وأسفله؛ قال أبو داود: روي أن ثوراً لم يسمع هذا الحديث من رجاء بن حَيْوة. الخامسة والعشرون ـ وٱختلفوا فيمن نزع خفيه وقد مسح عليهما على أقوال ثلاثة: الأوّل ـ يغسل رجليه مكانه وإن أخر استأنف الوضوء؛ قاله مالك والليث، وكذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما؛ ورُوي عن الأوزاعيّ والنَّخَعيّ ولم يذكروا مكانه. الثاني ـ يستأنف الوضوء؛ قاله الحسن بن حيّ، وروي عن الأوزاعيّ والنَّخَعيّ. الثالث ـ ليس عليه شيء ويصلّي كما هو؛ قاله ٱبن أبي ليلى والحسن البصري، وهي رواية عن إبراهيم النَّخَعيّ رضي الله عنهم. السادسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} وقد مضى في «النساء» معنى الجنب. و «اطَّهَّرُوا» أمر بالإغتسال بالماء؛ ولذلك رأى عمر وٱبن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ أن الجنب لا يتيمم البتة بل يدع الصَّلاة حتى يجد الماء. وقال الجمهور من الناس: بل هذه العبارة هي لواجد الماء، وقد ذكر الجنب بعد في أحكام عادم الماء بقوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} والملامسة هنا الجماع؛ وقد صح عن عمر وٱبن مسعود أنهما رجعا إلى ما عليه الناس وأن الجنب يتيمم. وحديث عِمران بن حُصَين نص في ذلك، وهو حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصلّ في القوم فقال: «يا فلان ما منعك أن تصلّي في القوم» فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» تفسير : أخرجه البخاريّ. السابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} تقدّم في «النساء» مستوفى، ونزيد هنا مسألة أُصولية أَغفلناها هناك، وهي تخصيص العموم بالعادة الغالبة؛ فإن الغائط كناية عن الأحداث الخارجة من المخرجين كما بيناه في «النساء» فهو عامّ، غير أن جل علمائنا خصصوا ذلك بالأحداث المعتادة الخارجة على الوجه المعتاد، فلو خرج غير المعتاد كالحصى والدّود، أو خرج المعتاد على وجه السَّلَس والمرض لم يكن شيء من ذلك ناقضاً. وإنما صاروا إلى اللفظ؛ لأن اللفظ مهما تقرّر لمدلوله عرف غالب في الاستعمال، سبق ذلك الغالب لفهم السامع حالة الإطلاق، وصار غيره مما وضع له اللفظ بعيداً عن الذهن، فصار غير مدلول له، وصار الحال فيه كالحال في الدابة؛ فإنها إذا أُطلقت سبق منها الذهن إلى ذوات الأربع، ولم تخطر النملة ببال السامع فصارت غير مرادة ولا مدلولة لذلك اللفظ ظاهراً. والمخالف يقول: لا يلزم من سبقية الغالب أن يكون النادر غير مراد؛ فإنّ تناول اللفظ لهما واحد وضعا، وذلك يدل على شعور المتكلم بهما قصداً؛ والأوّل أصح، وتتمته في كتب الأُصول. الثامنة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} روى عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: القُبلة من اللمس، وكل ما دون الجماع لَمْسٌ؛ وكذلك قال ابن عمر واختاره محمد بن يزيد قال: لأنه قد ذكر في أوّل الآية ما يجب على من جامع في قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}. وقال عبد الله بن عباس: اللمس والمس والغشيان الجماع، ولكنه عزّ وجلّ يَكْنىٰ. وقال مجاهد في قوله عزّ وجلّ: { أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] قال: إذا ذكروا النكاح كنَوَا عنه؛ وقد مضى في «النساء» القول في هذا الباب مستوفى والحمد لله. التاسعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} قد تقدّم في «النساء» أن عدمه يترتب للصحيح الحاضر بأن يُسجن أو يُربط، وهو الذي يُقال فيه: إنه إن لم يجد ماء ولا تراباً وخشي خروج الوقت؛ ٱختلف الفقهاء في حكمه على أربعة أقوال: الأوّل ـ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَادَ: الصحيح على مذهب مالك بأنه لا يُصلّي ولا شيء عليه؛ قال: ورواه المدنيون عن مالك؛ قال: وهو الصحيح من المذهب. وقال ٱبن القاسم: يصلّي ويعيد؛ وهو قول الشافعي. وقال أشهب: يصلّي ولا يعيد. وقال أَصْبَغ: لا يُصلّي ولا يقضي، وبه قال أبو حنيفة. قال أبو عمر بن عبد البر: ما أعرف كيف أقدم ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد على أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر، وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين. وأظنه ذهب إلى ظاهر حديث مالك في قوله: وليسوا على ماء ـ الحديثَ ـ ولم يذكر أنهم صلوا؛ وهذا لا حجة فيه. وقد ذكر هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير وضوء ولم يذكر إعادة؛ وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء. قال أبو ثور: وهو القياس. قلت: وقد ٱحتج المُزَنيّ فيما ذكره الكيَا الطَّبَري بما ذكر في قصة القِلادة عن عائشة رضي الله عنها حين ضلت، وأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم لطلب القِلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك، ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بلا وضوء ولا تيمم، والتيمم متى لم يكن مشروعاً فقد صلوا بلا طهارة أصلاً. ومنه قال المُزَني: ولا إعادة؛ وهو نص في جواز الصَّلاة مع عدم الطهارة مطلقاً عند تعذر الوصول إليها؛ قال أبو عمر: ولا ينبغي حمله على المغمى عليه؛ لأن المغمى عليه مغلوب على عقله وهذا معه عقله. وقال ابن القاسم وسائر العلماء: الصلاة عليه واجبة إذا كان معه عقله، فإذا زال المانع له توضأ أو تيمم وصلّىٰ. وعن الشافعي روايتان؛ المشهور عنه يصلّي كما هو ويعيد؛ قال المُزَنيّ: إذا كان محبوساً لا يقدر على تراب نظيف صلّىٰ وأعاد؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد والثوريّ والطَّبَري. وقال زُفر بن الهُذَيل: المحبوس في الحضر لا يصلّي وإن وجد تراباً نظيفاً. وهذا على أصله فإنه لا يتيمم عنده في الحضر كما تقدّم. وقال أبو عمر: من قال يصلّي كما هو ويعيد إذا قدر على الطهارة فإنهم ٱحتاطوا للصَّلاة بغير طَهور؛ قالوا: وقوله عليه السَّلام: « حديث : لا يقبل الله صلاة بغير طَهور » تفسير : لمن قدر على طَهور؛ فأمّا من لم يقدر فليس كذلك؛ لأن الوقت فرض وهو قادر عليه فيصلّي كما قدر في الوقت ثم يعيد، فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعاً. وذهب الذين قالوا لا يصلّي لظاهر هذا الحديث؛ وهو قول مالك وابن نافع وأَصْبَغ قالوا: من عدم الماء والصعيد لم يصلِّ ولم يقضِ إن خرج وقت الصَّلاة؛ لأن عدم قبولها لعدم شروطها يدل على أنه غير مخاطب بها حالة عدم شروطها فلا يترتب شيء في الذمة فلا يقضي؛ قاله غير أبي عمر، وعلى هذا تكون الطهارة من شروط الوجوب. الموفية ثلاثين ـ قوله تعالىٰ: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} قد مضى في «النساء» ٱختلافهم في الصعيد، وحديث عِمران بن حُصَين نص على ما يقوله مالك، إذ لو كان الصعيد التراب لقال عليه السَّلام للرجل عليك بالتراب فإنه يكفيك، فلما قال: « حديث : عليك بالصعيد » تفسير : أحاله على وجه الأرض. والله أعلم. {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} تقدّم في «النساء» الكلام فيه فتأمله هناك. الحادية والثلاثون ـ وإذا انتهى القول بنا في الآي إلى هنا فاعلم أن العلماء تكلموا في فضل الوضوء والطهارة وهي خاتمة الباب: قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : الطُّهور شَطْر الإيمان » تفسير : أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعريّ، وقد تقدّم في «البقرة» الكلام فيه؛ قال ٱبن العربي: والوضوء أصل في الدّين، وطهارة المسلمين، وخصوصاً لهذه الأُمة في العالمين. وقد روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: «هذا وُضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووُضوء أبي إبراهيم» تفسير : وذلك لا يصح؛ قال غيره: ليس هذا بمعارض لقوله عليه السَّلام: « حديث : لكم سِيما ليست لغيركم » تفسير : فإنهم كانوا يتوضئون، وإنما الذي خص به هذه الأُمّة الغُرَّة والتَّحجيل لا بالوضوء، وهما تفضل من الله تعالىٰ اختص بهما هذه الأُمة شرفاً لها ولنبيها صلى الله عليه وسلم كسائر فضائلها على سائر الأُمم، كما فضل نبيها صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء؛ والله أعلم. قال أبو عمر: وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضئون فيكتسبون بذلك الغرّة والتَّحجيل ولا يتوضأ أتباعهم، كما جاء عن موسى عليه السَّلام قال: «يا رب أجد أُمّة كلهم كالأنبياء فٱجعلها أُمّتي» فقال له: «تلك أُمة محمد» في حديث فيه طول. وقد رَوى سالم بن عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار أنه سمع رجلاً يحدّث أنه رأى رؤياً في المنام أن الناس قد جُمعوا للحساب؛ ثم دعي الأنبياء مع كل نبيّ أُمته، وأنه رأى لكل نبيّ نُورين يمشي بينهما، ولمن ٱتبعه من أُمته نوراً واحداً يمشي به، حتى دُعي بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا شعر رأسه ووجهه نُور كله يراه كل من نظر إليه، وإذا لمن ٱتبعه من أُمته نُوران كنُور الأنبياء؛ فقال له كعب وهو لا يشعر أنها رؤيا: من حدّثك بهذا الحديث وما علمك به؟ فأخبره أنها رؤيا؛ فأنشده كعب، الله الذي لا إلٰه إلاَّ هو لقد رأيتَ ما تقول في منامك؟ فقال: نعم والله لقد رأيت ذلك؛ فقال كعب: والذي نفسي بيده ـ أو قال والذي بعث محمداً بالحق ـ إنّ هذه لصفة أحمد وأُمته، وصفة الأنبياء في كتاب الله، لكأن ما تقوله من التوراة. أسنده في كتاب «التمهيد». قال أبو عمر: وقد قيل إن سائر الأُمم كانوا يتوضئون والله أعلم؛ وهذا لا أعرفه من وجه صحيح. وخرّج مسلم عن أبي هُرَيرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو آخر قَطْر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئةٍ كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئةٍ كان مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء حتى يخرج نقِيّاً من الذنوب » تفسير : . حديث مالك عن عبد الله الصُّنَابِحي أكمل، والصواب أبو عبد الله لا عبد الله، وهو مما وهِم فيه مالك، وٱسمه عبد الرّحمٰن بن عُسَيْلة تابعيّ شامي كبير لإدراكه أوّل خلافة أبي بكر؛ قال أبو عبد الله الصُّنَابِحي: قدمت مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فلما وصلنا الجُحْفة إذا براكب قلنا له ما الخبر؟ قال: دفنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ثلاثة أيام. وهذه الأحاديث وما كان في معناها من حديث عمرو بن عَبَسَة وغيره تفيدك أن المراد بها كون الوضوء مشروعاً عبادة لدحض الآثام؛ وذلك يقتضي افتقاره إلى نية شرعية؛ لأنه شرع لمحو الإثم ورفع الدّرجات عند الله تعالىٰ. الثانية والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي من ضيق في الدّين؛ دليله قوله تعالىٰ: { أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78]. و «مِن» صلة أي ليجعل عليكم حرجاً. {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} أي من الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هُريرة والصُّنَابِحِي. وقيل: من الحدث والجنابة. وقيل: لتستحقوا الوصف بالطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة. وقرأ سعيد بن المسيّب «لِيُطْهِركم» والمعنى واحد، كما يُقال: نجَّاه وأنجاه. {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر. وقيل: بتِبْيَان الشرائع. وقيل: بغفران الذنوب؛ وفي الخبر: « حديث : تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من النار » تفسير : . {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لتشكروا نعمته فتقبلوا على طاعته.
البيضاوي
تفسير : { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ} أي إذا أردتم القيام كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } تفسير : عبر عن إرادة الفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، أو إذا قصدتم الصلاة لأن التوجه إلى الشيء والقيام إليه قصد له، وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً، والإِجماع على خلافه لما روي «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال عمداً فعلته» تفسير : فقيل مطلق أريد به التقييد، والمعنى إذا قمتم إلى الصلاة محدثين. وقيل الأمر فيه للندب. وقيل كان ذلك أول الأمر ثم نسخ وهو ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها»تفسير : {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } أمروا الماء عليها ولا حاجة إلى الدلك خلافاً لمالك. {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} الجمهور على دخول المرفقين في المغسول ولذلك قيل: {إِلَىٰ} بمعنى مع كقوله تعالى: {أية : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ }تفسير : [هود: 52] أو متعلقة بمحذوف تقديره: وأيديكم مضافة إلى المرافق، ولو كان كذلك لم يبق لمعنى التحديد ولا لذكره مزيد فائدة، لأن مطلق اليد يشتمل عليها. وقيل: إلى تفيد الغاية مطلقاً وأما دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه وإنما يعلم من خارج ولم يكن في الآية، وكانت الأيدي متناولة لها فحكم بدخولها احتياطاً. وقيل إلى من حيث أنها تفيد الغاية تقتضي خروجها وإلا لم تكن غاية لقوله تعالى: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ }تفسير : [البقرة: 280] وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ }تفسير : [البقرة: 187] لكن لما لم تتميز الغاية ها هنا عن ذي الغاية وجب إدخالها احتياطاً. {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } الباء مزيدة. وقيل للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك مسحت المنديل وبالمنديل، ووجهه أن يقال إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رؤوسكم فإنه كقوله: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} واختلف العلماء في قدر الواجب. فأوجب الشافعي رضي الله تعالى عنه: أقل ما يقع عليه الاسم أخذاً باليقين. وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: مسح ربع الرأس، لأنه عليه الصلاة والسلام مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. ومالك رضي الله تعالى عنه: مسح كله أخذاً بالاحتياط. {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} نصبه نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب عطفاً على وجوهكم ويؤيده: السنة الشائعة، وعمل الصحابة، وقول أكثر الأئمة، والتحديد، إذ المسح لم يحد. وجره الباقون على الجوار ونظيره كثير في القرآن والشعر كقوله تعالى: {أية : عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ }تفسير : [هود: 26] {أية : وَحُورٌ عِينٌ }تفسير : [الواقعة: 22] بالجر في قراءة حمزة والكسائي، وقولهم جحر ضب خرب. وللنحاة باب في ذلك، وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلاً يقرب من المسح، وفي الفصل بينه وبين أخويه إيماء على وجوب الترتيب. وقرىء بالرفع على {وَأَرْجُلَكُمْ } مغسولة. {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } فاغتسلوا. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} سبق تفسيره، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ} أي ما يريد الأمر بالطهارة للصلاة أو الأمر بالتيمم تضييقًا عليكم. {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } لينظفكم، أو ليطهركم عن الذنوب فإن الوضوء تكفير للذنوب، أو ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء. فمفعول {يُرِيدُ} في الموضعين محذوف واللام للعلة. وقيل مزيدة والمعنى: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم، ولكن يريد أن يطهركم وهو ضعيف لأن أن لا تقدر بعد المزيدة. {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} ليتم بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم ومكفرة لذنوبكم نعمته عليكم في الدين، أوليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته. والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى: طهارتان أصل وبدل، والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود، وأن آلتهما مائع وجامد، وموجبهما حدث أصغر وأكبر، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالإِسلام لتذكركم المنعم وترغبكم في شكره. {وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } يعني الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، أو ميثاقه ليلة العقبة أو بيعة الرضوان. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في إنساء نعمته ونقض ميثاقه. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بخفياتها فيجازيكم عليها فضلاً عن جليات أعمالكم. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} عداه بعلى لتضمنه معنى الحمل، والمعنى لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفياً مما في قلوبكم. {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } أي العدل أقرب للتقوى، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعدما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به، وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل إن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} إنما حذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} فإنه استئناف يبينه. وقيل الجملة في موضع المفعول فإن الوعد ضرب من القول وكأنه قال: وعدهم هذا القول.
ابن كثير
تفسير : قال كثيرون من السلف في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ}: يعني وأنتم محدثون، وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجباً في ابتداء الإسلام، ثم نسخ، وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: «حديث : إني عمداً فعلته يا عمر»تفسير : ، وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجه عن سفيان، عن محارب بن دثار بدل علقمة بن مرثد، كلاهما عن سليمان بن بريدة به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث، توضأ، ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وكذا رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن توبة، عن زياد البكائي به. وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل، حدثها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك، كان يفعله حتى مات، وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عوف الحمصي عن أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، فقال: عبيد الله بن عمر يعني: كما تقدم في رواية الإمام أحمد، وأيا ما كان، فهو إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، والله اعلم، وفي فعل ابن عمر، هذا ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور. وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزهر عن ابن عون، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيباني، سمعت عكرمة يقول: كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ} الآية. وحدثنا ابن المثنى، حدثني وهب بن جرير، أخبرنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: رأيت علياً صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم: أن علياً اكتال من حب، فتوضأ وضوءاً فيه تجوز، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذه طرق جيدة عن علي يقوي بعضها بعضاً. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن يسار، حدثنا ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس، قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءاً فيه تجوز خفيفاً، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وأما ما رواه أبو داود الطيالسي عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء، فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحباباً، فقد دلت السنة على ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد مالم نحدث، وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو بن عامر به، وقال ابن جرير: حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور عن هُرَيم، عن عبد الرحمن بن زياد، هو الأفريقي، عن أبي غُطيف، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات» تفسير : ورواه أيضاً من حديث عيسى بن يونس عن الأفريقي، عن أبي غُطيف، عن ابن عمر، فذكره، وفيه قصة. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث الأفريقي به نحوه. وقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف. وقال ابن جرير: وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلاماً من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ. حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول، نكلمه ولا يكلمنا، ونسلم عليه، فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ} الآية، ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم عن أبي كريب به نحوه، وهو حديث غريب جداً، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ضعفوه. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: «حديث : إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» تفسير : وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن زياد بن أيوب عن إسماعيل، وهو ابن علية، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الخلاء، ثم إنه رجع، فأتي بطعام، فقيل: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ فقال: «حديث : لمَ؟ أَأُصلِّ فأتوضأ»تفسير : وقوله: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} لها؛ كما تقول العرب: إذا رأيت الأمير فقم، أي: له. وقد ثبت في الصحيحين حديث: «حديث : الأعمال بالنيات،وإنما لكل امرىء مانوى»تفسير : ، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه؛ لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»تفسير : ، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»تفسير : . وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع، ولا بالغمم، إلى منتهى اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وفي النزعتين والتحذيف خلاف: هل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض، قولان (أحدهما): أنه يجب إفاضة الماء عليه؛ لأنه تقع به المواجهة. وروي في حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً مغطياً لحيته، فقال «حديث : اكشفها؛ فإن اللحية من الوجه» تفسير : وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته: طلع وجهه. ويستحب للمتوضىء أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل عن عامر بن حمزة، عن شقيق قال: رأيت عثمان يتوضأ، فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثاً حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الذي رأيتموني فعلت، رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البخاري. وقال أبو داود: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا الوليد بن زوران، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ، أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، يخلل به لحيته، وقال: «حديث : هكذا أمرني به ربي عز وجل» تفسير : تفرد به أبو داود، وقد روي هذا من غير وجه عن أنس، قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن علي وغيره، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة من التابعين. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ، تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله، أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك؛ لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة عن رفاعة بن رافع الزرقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال للمسيء صلاته: «حديث : توضأ كما أمرك الله»تفسير : ، أو يجبان في الغسل دون الوضوء؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة؛ كما هو رواية عن الإمام أحمد؛ لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من توضأ فليستنشق»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : إذا توضأ أحدكم، فليجعل في منخريه من الماء، ثم لينتثر» تفسير : والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أنه توضأ، فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء، فتمضمض بها، واستنثر، ثم أخذ غرفة، فجعل بها هكذا، يعني: أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: يتوضأ. ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به. وقوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} أي: مع المرافق كما قال تعالى {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَٰلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 2] وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ، أدار الماء على مرفقيه، ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله أعلم. ويستحب للمتوضىء أن يشرع في العضد، فيغسله مع ذراعيه؛ لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل» تفسير : وفي صحيح مسلم عن قتادة عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»تفسير : . وقوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل، فليرجع في بيانه إلى السنة، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن رجلاً قال لعبد الله ابن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. وفي حديث عبد خير عن علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية، وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، ولا يقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه، واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة، فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه، وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره، فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع؛ كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية، أو بعض الرأس، من غير تكميل على العمامة، والله أعلم. ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثاً؛ كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو يستحب مسحة واحدة؛ كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه؟ على قولين، فقال عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فأفرغ على يديه ثلاثاً، فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: «حديث : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» تفسير : أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق الزهري به نحو هذا. وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: ومسح برأسه مرة واحدة، وكذا من رواية عبد خير عن علي مثله. واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا، وقال: «حديث : من توضأ هكذا كفاه» تفسير : تفرد به أبو داود. ثم قال: وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة. قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} قرىء: وأرجلكم، بالنصب، عطفاً على: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها: وأرجلكم، يقول: رجعت إلى الغسل، وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد وإبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإبراهيم التيمي نحو ذلك، وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف، ومن ههنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء؛ كما هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه، أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب، وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقاً، فمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إلى الصلاة؛ لأنه مأمور به بفاء التعقيب، وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولاً، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان: أحدهما بوجوب الترتيب؛ كما هو واقع في الآية، والآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقاً، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإجماع حيث لا فارق. ومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب، بل هي دالة؛ كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء، ثم نقول بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي هي دالة على الترتيب شرعاً فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت، خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 158]، ثم قال «حديث : أبدأ بما بدأ الله به» تفسير : لفظ مسلم، ولفظ النسائي: «حديث : ابدؤوا بما بدأ الله به» تفسير : وهذا لفظ أمر، وإسناده صحيح، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعاً، و الله أعلم. ومنهم من قال: لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دل ذلك على إرادة الترتيب، ومنهم من قال: لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: «حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» تفسير : قالوا: فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتباً، فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب، فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب ما ذكرناه. وأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ: وأرجلكم، بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح، فقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنه ليس شيء من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} قال: وكان أنس إذا مسح قدميه، بلهما، إسناد صحيح إليه، وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل، وهذا أيضاً إسناد صحيح. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن قيس الخراساني عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} قال: هو المسح، ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن علي والحسن في إحدى الروايات، وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات، نحوه. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه، قال: وكان يقوله. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً؟ وحدثنا ابن أبي زياد، أخبرنا إسماعيل قلت لعامر: إن ناساً يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح، فهذه آثار غريبة جداً، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف؛ لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض، إما على المجاورة وتناسب الكلام؛ كما في قول العرب: جحُر ضبَ خربٍ، وكقوله تعالى: {أية : عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ } تفسير : [الإنسان: 21] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ. ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي رحمه الله. ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف؛ كما وردت به السنة، وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضاً لا بد منه؛ للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محموية العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزَّال بن سَبْرَة يحدث عن علي بن أبي طالب: أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال: إن ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال: «حديث : هذا وضوء من لم يحدث»تفسير : ، رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه. ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف، فقد ضل وأضل، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما، فقد أخطأ أيضاً، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما؛ للأحاديث، وأوجب مسحهما؛ للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه؛ لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضاً، فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} خفضاً على المسح، وهو الدلك، ونصباً على الغسل، فأوجبهما؛ أخذاً بالجمع بين هذه وهذه. ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه قد تقدم حديث أمير المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معديكرب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة، وإما مرتين، أو ثلاثاً، على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل قدميه، ثم قال: «حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»تفسير : وفي الصحيحين من رواية أبي عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة؛ صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «حديث : أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار» تفسير : وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار» تفسير : وروى الليث بن سعد عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جزء: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» تفسير : رواه البيهقي والحاكم، وهذا إسناد صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق: أنه سمع سعيد بن أبي كرب أو شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله، وهو على جمل يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ويل للعراقيب من النار» تفسير : وحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رِجل رَجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: «حديث : ويل للأعقاب من النار» تفسير : ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد به نحوه. وكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ثم قال: حدثنا علي ابن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوماً يتوضؤون لم يصب أعقابهم الماء، فقال: «حديث : ويل للعراقيب من النار»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عقبة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويل للأعقاب من النار» تفسير : تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثني علي بن عبد الأعلى، حدثنا المحاربي عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويل للأعقاب من النار»تفسير : . قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه، ينظر إليهما. وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين عن زائدة عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة، أو عن أخي أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر قوماً يصلون، وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم، مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: «حديث : ويل للأعقاب من النار»تفسير : . قال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئاً لم يصبه الماء، أعاد وضوءه. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما، لما توعد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى. وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر، عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : ارجع فأحسن وضوءك»تفسير : . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم: أنه سمع قتادة بن دعامة، قال: حدثنا أنس بن مالك: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ارجع فأحسن وضوءك» تفسير : وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به، وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب. وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني يحيى بن سعد عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة. وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم. وفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل بين أصابعه. وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. فقال: «حديث : أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال: قال أبو أمامة: حدثنا عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: «حديث : مامنكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر، إلا خرجت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله، إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرّت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله، إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»تفسير : قال أبو أمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك، وهذا إسناد صحيح. وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: «حديث : ثم يغسل قدميه كما أمره الله» تفسير : فدل على أن القرآن يأمر بالغسل. وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي عن الحارث، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم، ومن ههنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قدميه الماء وهما في النعلين، فدلكهما، إنما أراد غسلاً خفيفاً، وهما في النعلين، ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين. وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم، فبال قائماً، ثم دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه، وهو حديث صحيح، وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: فبال قائماً، ثم توضأ ومسح على خفيه، قلت: ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان، وعليهما نعلان، وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني يعلى عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ومسح على نعليه، ثم قام إلى الصلاة. وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى، كلاهما عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه. وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك، وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية ومتعارضة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه، ولما كان القرآن آمراً بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه، توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت، تفرد به أحمد. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم. وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وفعلاً، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه. وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند، بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على وفق ما دلت هذه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم، فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفاً في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة رحمهم الله: في كل قدم كعبان، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان: أنه توضأ، فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك. وروى البخاري تعليقاً مجزوماً به، وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان ابن بشير قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: «حديث : أقيموا صفوفكم - ثلاثاً - والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم» تفسير : قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه، لفظ ابن خزيمة، فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إلا والمراد به العظم الناتىء في الساق حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم؛ كما هو مذهب أهل السنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك عن يحيى بن عبد الله بن الحارث التيمي، يعني: الجابر، قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد، فوجدت الكعب فوق ظهر القدم، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، تنكيلاً بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه. وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته؛ لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، لكن البخاري روى ههنا حديثاً خاصاً بهذه الآية الكريمة، فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً، فأقبل أبو بكر، فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت؛ لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلماستيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} إلى آخر الآية، فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم. وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي: فلهذا سهل عليكم، ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء؛ توسعة عليكم، ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء، إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة؛ كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله: «حديث : ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» تفسير : قال: قلت: ما أجود هذا فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه، فقال: إني قد رأيتك جئت آنفاً، قال: «حديث : ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» تفسير : لفظ مسلم. وقال مالك عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب» تفسير : رواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من رجل يتوضأ، فيغسل يديه أو ذراعيه، إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه، خرجت خطاياه من رجليه» تفسير : هذا لفظه. وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : وإذا توضأ العبد، فغسل يديه، خرجت خطاياه من بين يديه، وإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، وإذا غسل ذراعيه، خرجت خطاياه من ذراعيه، وإذا غسل رجليه، خرجت خطاياه من رجليه» تفسير : قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس، وهذا إسناد صحيح. وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه»تفسير : . وروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»تفسير : . وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور»تفسير : . وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت، فسمعته يقول: «حديث : إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول» تفسير : وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ } أي أردتم القيام {إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ } وأنتم محدثون {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } أي معها كما بينته السنة {وَٱمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ } الباء للالصاق أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء وهو اسم جنس فيكفي أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض شعره وعليه الشافعي، {وَأَرْجُلَكُمْ } بالنصب عطفاً على (أيديكم) وبالجر على الجوار {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } أي معهما كما بينته السنة وهما العظمان النائتان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح يفيد وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } فاغتسلوا {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } مرضاً يضره الماء {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } أي مسافرين {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ } أي أحدث {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاءَ } سبق مثله في آية (النساء) [43:4] {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً } بعد طلبه {فَتَيَمَّمُواْ } اقصدوا {صَعِيداً طَيّباً } تراباً طاهراً {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } مع المرفقين {مِنْهُ } بضربتين، والباء للالصاق، وبينت السنة أن المراد استيعاب العضوين بالمسح {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم {وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } من الأحداث والذنوب {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } بالإِسلام ببيان شرائع الدين {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمه.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {إِذَا قُمْتُمْ } إذا أردتم القيام تعبيراً بالمسبب عن السبب كما في قوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 98]. وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة، فقالت طائفة: هو عام في كل قيام إليها سواء كان القائم متطهراً أو محدثاً، فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وهو مرويّ عن عليّ وعكرمة. وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة. وقالت طائفة أخرى: إن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف، فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم. وقالت طائفة: الأمر للندب طلباً للفضل. وقال آخرون: إن الوضوء لكل صلاة كان فرضاً عليهم بهذه الآية. ثم نسخ في فتح مكة. وقال جماعة: هذا الأمر خاص بمن كان محدثاً. وقال آخرون: المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، فيعمّ الخطاب كل قائم من نوم. وقد أخرج مسلم وأحمد وأهل السنن عن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة. فلما كان يوم الفتح، توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، فقال: "حديث : عمداً فعلته يا عمر"تفسير : ، وهو مرويّ من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى. وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث، فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق. قوله: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وهو عضو مشتمل على أعضاء، وله طول وعرض، فحده في الطول: من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، وفي العرض، من الأذن إلى الأذن، وقد ورد الدليل بتخليل اللحية. واختلف العلماء في غسل ما استرسل، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه. وقد اختلف أهل العلم أيضاً: هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء؟ والخلاف في ذلك معروف، والمرجع اللغة العربية، فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل، كان معتبراً وإلا فلا. قال في شمس العلوم: غسل الشيء غسلاً إذا أجرى عليه الماء ودلكه انتهى. وأما المضمضة والإستنشاق، فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلها بالسنة الصحيحة، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف. وقد أوضحنا ما هو الحق في مؤلفاتنا. قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } "إلى" للغاية، وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف. وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا. وقيل: إنها هنا بمعنى مع وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقاً، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل: وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جدّه عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا متروك، وجدّه ضعيف. قوله: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } قيل: الباء زائدة، والمعنى: امسحوا رءوسكم، وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس. وقيل: هي للتبعيض، وذلك يقتضي أنه يجزىء مسح بعضه. واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ } ولا يجزىء مسح بعض الوجه اتفاقاً. وقيل إنها للإلصاق، أي ألصقوا أيديكم برءوسكم، وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس كما أوضحناه في مؤلفاتنا، فكان هذا دليلاً على المطلوب غير محتمل كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة، ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلاً بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو: اضرب زيداً أو اطعنه أو ارجمه، فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه، ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها: إنه لا يكون ضارباً إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال، فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس. فإن قلت: يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين. قلت: ملتزم لولا البيان من السنة في الوجه، والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين بخلاف الرأس، فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض. قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } قرأ نافع بنصب الأرجل، وهي قراءة الحسن البصري والأعمش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجرّ. وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين، لأنها معطوفة على الوجه، وإلى هنا ذهب جمهور العلماء. وقراءة الجرّ تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الرجلين، لأنها معطوفة على الرأس، وإليه ذهب ابن جرير الطبري، وهو مرويّ عن ابن عباس. قال ابن العربي: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما، وما علمت من ردّ ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الجرّ قال القرطبي: قد روى عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، قال: وكان عكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح. قال: وقال قتادة: افترض الله مسحتين وغسلتين. قال: وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين، وقواه النحاس، ولكنه قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة من فعله صلى الله عليه وسلم وقوله غسل الرجلين فقط، وثبت عنه أنه قال: «حديث : ويل للأعقاب من النار»تفسير : ، وهو في الصحيحين وغيرهما، فأفاد وجوب غسل الرجلين، وأنه لا يجزىء مسحهما، لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطىء ما أخطأ، فلو كان مجزئاً لما قال «حديث : ويل للأعقاب من النار»تفسير : ، وقد ثبت عنه أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه: "حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"تفسير : . وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن رجلاً توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له: "حديث : ارجع فأحسن وضوءك"تفسير : . وأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة. وقوله: {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } الكلام فيه كالكلام في قوله: {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } وقد قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب: إنه لما كان في كل رجل كعبان ولم يكن في كل يد إلا مرفق واحد ثنيت الكعاب تنبيهاً على أن لكل رجل كعبين، بخلاف المرافق فإنها جمعت؛ لأنه لما كان في كل يد مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره، ذكر معنى هذا ابن عطية. وقال الكواشي: ثنى الكعبين وجمع المرافق لنفي توهم أن في كل واحدة أمن الرجلين كعبين، وإنما في كل واحدة كعب واحد، له طرفان من جانبي الرجل، بخلاف المرفق فهي أبعد عن الوهم انتهى. وبقي من فرائض الوضوء النية والتسمية، ولم يذكرا في هذه الآية، بل وردت بهما السنة وقيل: إن في هذه الآية ما يدلّ على النية، لأنه لما قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُم} كان تقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم لها، وذلك هو النية المعتبرة. قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } أي فاغتسلوا بالماء. وقد ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم ألبتة، بل يدع الصلاة حتى يجد الماء استدلالاً بهذه الآية، وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع عدم الماء، وهذه الآية هي للواجد، على أن التطهر هو أعمّ من الحاصل بالماء أو بما هو عوض عنه مع عدمه، وهو التراب. وقد صحّ عن عمر وابن مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم الجنب مع عدم الماء. وقد تقدّم تفسير الجنب في النساء. قوله: {أية : وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ }تفسير : [النساء: 43] وقد تقدّم تفسير هذا في سورة النساء مستوفى، وكذلك تقدّم الكلام على ملامسة النساء، وعلى التيمم وعلى الصعيد، و"من" في قوله: {مِنْهُ } لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض. قيل: ووجه تكرير هذا هنا لاستيفاء الكلام في أنواع الطهارة {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء أو بالتراب التضييق عليكم في الدين، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَج} تفسير : [الحج: 78] ثم قال: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } من الذنوب، وقيل: من الحدث الأصغر والأكبر، {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } أي بالترخيص لكم في التيمم عند عدم الماء، أو بما شرعه لكم من الشرائع التي عرّضكم بها للثواب، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته عليكم، فتستحقون بالشكر ثواب الشاكرين. وقد أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن المنذر عن زيد بن أسلم، في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} قال: قمتم من المضاجع، يعني: النوم. وأخرج ابن جرير عن السدّي مثله. وأخرج ابن جرير أيضاً عنه يقول: إذا قمتم وأنتم على غير طهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، في قوله: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } قال: ذلك الغسل الدلك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن أنس أنه قيل له: إن الحجاج خطبنا فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما، وظهورهما، وعراقيبهما. قال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما. وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {مِنْ حَرَجٍ } قال: من ضيق. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } قال: تمام النعمة دخول الجنة، لم يتمّ نعمته على عبد لم يدخل الجنة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قَمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُواْ وَجُوهَكُمْ} يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم، فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مُضْمَراً. وفي وجوب الوضوء شرطاً، وهو قول عبد الله بن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، والفقهاء. والثاني: أنه واجب على كل من أراد القيام إلى الصلاة، أن يتوضأ، ولا يجوز أن يجمع بوضوء واحد بين فرضين، وهذا مروي عن علي وعمر. والثالث: أنه كان واجباً على كل قائمٍ الى الصلاة، ثم نسخ إلاَّ على المحدث، روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: "حديث : عمداً فعلته يا عمر " تفسير : وروى عبد الله بن حنظلة بن عامر الغسيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق عليه، فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء.
ابن عطية
تفسير : لا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة رضي الله عنها فيها نزلت آية التيمم وهي آية الوضوء، لكن من حيث كان الوضوء متقرراً عندهم مستعملاً فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوة، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم واستدل على حصول الوضوء بقول عائشة فأقام رسول الله بالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء, وآية النساء إما نزلت معها أو بعدها بيسير، وكانت قصة التيمم في سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق، وفيها كان هبوب الريح فيما روي، وفيها كان قول عبد الله بن ابي ابن سلول {أية : لئن رجعنا إلى المدينة} تفسير : [المنافقون:8] القصة بطولها، وفيها وقع حديث الإفك، ولما كانت محاولة الصلاة في الأغلب إنما هي بقيام جاءت العبارة {إذا قمتم} ، واختلف الناس في القرينة التي أريدت مع قوله {إذا قمتم} فقالت طائفة: هذا لفظ عام في كل قيام سواء كان المرء على طهور أو محدثاً فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وروي أن علي بن أبي طالب كان يفعل ذلك ويقرأ الآية، وروي نحوه عن عكرمة، وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وروي أن عمر بن الخطاب توضأ وضوءاً فيه تجوز ثم قال هذا وضوء من لم يحدث وقال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر وغيره يتوضؤون لكل صلاة انتداباً إلى فضيلة وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ثم جمع بين صلاتين بوضوء واحد في حديث سويد بن النعمان وفي غير موطن إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد إرادة البيان لأمته وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات، تفسير : وقال: إنما رغبت في هذا، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان لا يعمل عملاً إلا وهو على وضوء ولا يكلم أحداً ولا يرد سلاماً إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو عند القيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال، قال ذلك علقمة بن الفغواء وهو من الصحابة، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وقال زيد بن أسلم والسدي: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع يعني النوم. قال القاضي أبو محمد: والقصد بهذا التأويل أن تعم الأحداث بالذكر ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو في نفسه حدث، وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير تقديره {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} من النوم {أوجاء أحد منكم من الغائط أولا مستم النساء} يعني الملامسة الصغرى {فاغتسلوا} فتمت أحكام المحدث حدثاً أصغر ثم قال: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعاً {وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمه الله وغيره، وقال جمهور أهل العلم معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير بل يترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله: {فاطهروا} ودخلت الملامسة الصغرى في قوله محدثين، ثم ذكر بعد ذلك بقوله: {وإن كنتم مرضى} إلى آخر الآية حكم عادم الماء من النوعين جميعاً وكانت الملامسة هي الجماع ولا بد ليذكر الجنب العادم للماء كما ذكر الواجد، وهذا هو تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى وغيرهم. وقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} الغسل في اللغة إيجاد الماء في المغسول مع إمرار شيء عليه كاليد أو ما قام مقامها، وهو يتفاضل بحسب الانغمار في الماء أو التقليل منه، وغسل الوجه في الوضوء هو بنقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، والوجه ما واجه الناظر وقابله، وحدّه في ذي اللحية فقيل: حده من اللحية إلى ما قابل آخر الذقن، وقيل بل حده فيها آخر الشعر، واختلف العلماء في تخليل اللحية على قولين روي تخليلها عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس ذكره الطبري، واختلف في حده عرضاً فهو في المرأة والأمرد من الأذن إلى الأذن وفي ذي اللحية ثلاثة أقوال فقيل: من الشعر إلى الشعر يعني شعر العارضين وقيل: من الأذن إلى الأذن ويدخل البياض الذي بين العارض والأذن في الوجه وقيل: يغسل ذلك بنفسه ليسا من الوجه ولا من الرأس، وقيل: ما أقبل منهما من الوجه وما أدبر فهو من الرأس، واختلف في المضمضة والاستنشاق فجمهور الأمة يرونها سنة ولا يدخل هذان الباطنان عندهم في الوجه وقال مجاهد: الاستنشاق شطر الوضوء، وقال حماد بن أبي سليمان وقتادة وعطاء والزهري وابن أبي ليلى وابن راهويه: من ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، وقال أحمد: يعيد من ترك الاستنشاق ولا يعيد من ترك المضمضة والناس كلهم على أن داخل العينين لا يلزم غسله إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه. وقوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} اليد في اللغة تقع على العضو الذي هو من المنكب إلى أطراف الأصابع ولذلك كان أبو هريرة يغسل جميعه في الوضوء أحياناً ليطيل الغرة، وحد الله تعالى موضع الغسل منه {إلى المرافق} يقال في واحدها مرفق ومرفق، وكسر الميم وفتح الفاء أشهر، واختلف العلماء هل تدخل المرافق في الغسل أم لا فقالت طائفة لا تدخل لأن إلى غاية تحول بين ما قبلها وما بعدها، وقالت طائفة تدخل المرافق في الغسل لأن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها فهو داخل، ومثل أبو العباس المبرد في ذلك بأن تقول: اشتريت الفدان إلى حاشيته أو بأن تقول اشتريت الفدان إلى الدار وبقوله: {أية : أتموا الصيام إلى الليل} تفسير : [البقرة:187]. قال القاضي أبو محمد: وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال: إذا كان ما بعد {إلى} ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها وإذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها فالاحتياط يعطي أن الحد المذكور بعدها ولذلك يترجح دخول المرفقين في الغسل. والروايتان محفوظتان عن مالك بن أنس رضي الله عنه، روى عنه أشهب أن المرفقين غير داخلين في الحد، وروي عنه أنهما داخلان. وقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} المسح أن يمر على الشيء بشيء مبلول بالماء وسنة مسح الرأس أن يؤخذ ماء باليدين ثم يرسل ثم يمسح الرأس بما تعلق باليدين، واختلف في مسح الرأس في مواضع منها هيئة المسح فقالت طائفة منها مالك والشافعي وجماعة من الصحابة والتابعين يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، وقالت فرقة يبدأ من مؤخر الرأس حتى يجيء إلى المقدم ثم يرد إلى المؤخر، وقالت فرقة: يبدأ من وسط الرأس فيجيء بيديه نحو الوجه ثم يرد فيصيب باطن الشعر فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمرّ يديه كذلك على ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب باطنه ويقف عند وسط الرأس، وقالت فرقة يمسح رأسه من هنا وهنا على غير نظام ولا مبدأ محدود حتى يعمه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قول بالعموم, واختلف في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن فالجمهور على أنه سنة وقيل: هو فرض, ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس قدر ما يمسح فقالت جماعة: الواجب من مسح الرأس عمومه, ثم اختلفوا في الهيئات على ما ذكرناه, وقال محمد بن مسلمة أن مسح ثلثي الرأس وترك الثلث أجزأ وقال أبو الفرج المالكي: وروي عن مالك أنه مسح الثلث أجزأ لأنه كثير في أمور من الشرع, وقال أشهب إن مسح الناصية أجزأ. قال القاضي أبو محمد: وكل من أحفظ عنه إجزاء بعض الرأس فإنه يرى ذلك البعض من مقدم الرأس، وذلك أنه قد روي في ذلك أحاديث في بعضها ذكر الناصية وفي بعضها ذكر مقدم الرأس، إلا ما روي عن إبراهيم والشعبي قالا: أي نواحي رأسك مسحت أجزأك، وكان سلمة بن الأكوع يمسح مقدم رأسه، وروي عن ابن عمر أنه مسح اليافوخ فقط، وقال أصحاب الرأي: إن مسح بثلاث أصابع أجزأه وإن كان الممسوح أقل مما يمر عليه ثلاث أصابع لم يجزىء وقال قوم: يجزىء من مسح الرأس أن يمسح مسحة بأصبع واحدة، وقال الحسن بن أبي الحسن: إن لم تصب المرأة إلا شعرة واحدة أجزأها، وحكى الطبري وغيره عن سفيان الثوري أن الرجل إذا مسح شعرة واحدة أجزأه، ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس ما العضو الذي يمسح به؟ فالإجماع على استحسان المسح باليدين جميعاً وعلى الإجزاء إن مسح بواحدة، واختلف فيمن مسح بأصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس فالمشهور أن ذلك يجزىء وقيل لا يجزىء. قال القاضي أبو محمد: ويترجح أنه لا يجزىء لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي أن لا يختلف في الأجزاء، ومن مواضع الخلاف عدد المسحات، فالجمهور على مرة واحدة ويجزىء ذلك عند الشافعي وثلاثاً أحب إليه وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين، وروي عن أنس أنه قال يمسح الرأس ثلاثاً، وقاله سعيد بن جبير وعطاء وميسرة، والباء في قوله {برؤوسكم} مؤكدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى عنده وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلزاق المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأس كان المعنى أوجدوا مسحاً برؤوسكم فمن مسح شعرة فقد فعل ذلك، ثم اتبعوا في المقادير التي حدوها آثاراً وأقيسة بحسب اجتهاد العلماء رحمهم الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة "وأرجلِكم" خفضاً وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأرجلكم نصباً، وروى أبو بكر عن عاصم الخفض، وروى عنه حفص النصب، وقرأ الحسن والأعمش "وأرجلُكم" بالرفع المعنى فاغسلوها، ورويت عن نافع، وبحسب هذا اختلاف الصحابة والتابعين، فكل من قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل بالماء دون المسح، وهنا هو الجمهور وعليه علم فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو اللازم من قوله صلى الله عليه وسلم وقد رأى قوماً يتوضؤون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته، "حديث : ويل للأعقاب من النار"تفسير : ، ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العاملين، واختلفوا، فقالت فرقة منهم، الفرض في الرجلين المسح لا الغسل وروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه "فاغسلوا" بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك أنس بن مالك فقال صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى: {فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} قال وكان أنس إذا مسح رجليه بلهما, وروي أيضاً عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح على رجليه وليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح ثم قال: ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً ويلغى ما كان مسحاً وروي عن أبي جعفر أنه قال: امسح على رأسك وقدميك، وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين، وكل من ذكرنا فقراءته "وأرجلِكم" بكسر اللام، وبذلك قرأ علقمة والأعمش والضحاك وغيرهم، وذكرهم الطبري تحت ترجمة القول بالمسح، وذهب قوم ممن يقر بكسر اللام إلى أن المسح في "الرجلين" هو الغسل، وروي عن أبي زيد أن العرب تسمي الغسل الخفيف مسحاً ويقولون تمسحت للصلاة بمعنى غسلت أعضائي، وقال أبو عبيدة وغيره في تفسير قوله تعالى: {أية : فطفق مسحاً} تفسير : [ص: 33] أنه الضرب، ويقال: مسح علاوته إذا ضربه، قال أبو علي: فهذا يقوي أن المراد بمسح الرجلين الغسل، ومن الدليل على أن مسح الرجلين يراد به الغسل أن الحد قد وقع فيهما بـ {إلى} كما وقع في الأيدي وهي مغسولة ولم يقع في الممسوح حد. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا التأويل بترك الحد في الوجه فكان الوضوء مغسولين حد أحدهما وممسوحين حد أحدهما، وقال الطبري رحمه الله إن مسح الرجلين هو بإيصال الماء إليهما ثم يمسح بيديه بعد ذلك فيكون المرء غاسلاً ماسحاً، قال: ولذلك كره أكثر العلماء للمتوضىء أن يدخل رجليه في الماء دون أن يمر يديه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقد جوز ذلك قوم منهم الحسن البصري وبعض فقهاء الأمصار. وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين على أن الفرض في الرجلين الغسل وأن المسح لا يجزىء. وروي ذلك عن الضحاك وهو يقرأ بضم اللام، والكلام في قوله {إلى الكعبين} كما تقدم في قوله {إلى المرافق} واختلف اللغويون في {الكعبين} فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل. وهذان هما حد الوضوء بإجماع فيما علمت، واختلف هل يدخلان في الغسل أم لا كما تقدم في المرفق. وقال قوم الكعب هو العظم الناتىء في وجه القدم حيث يجتمع شراك النعل. قال القاضي أبو محمد: ولا أعلم أحداً جعل حد الوضوء إلى هذا ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإبهام. قال الشافعي رحمه الله لم أعلم مخالفاً في أن {الكعبين} هما العظمان في مجمع مفصل الساق، وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال: الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم. قال القاضي أبو محمد: ويظهر ذلك من الآية من قوله في الأيدي {إلى المرافق} أي في كل يد مرفق ولو كان كذلك في الأرجل لقيل إلى الكعوب فلما كان في كل رجل كعبان خصا بالذكر، وألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء واختلف العلماء في ذلك فقال ابن أبي سلمة وابن وهب ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان، وقال ابن عبد الحكم ليس بفرض مع الذكر، وقال مالك هو فرض مع الذكر ساقط مع النسيان، وكذلك تتضمن ألفاظ الآية الترتيب واختلف فيه فقال الأبهري الترتيب سنة، وظاهر المذهب أن التنكيس للناس مجزىء، واختلف في العامد فقيل: يجزىء ويرتب في المستقبل، وقال أبو بكر القاضي وغيره: لا يجزىء لأنه عابث. وقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً} الجنب مأخوذ من جنب امرأة في الأغلب، ومن المجاورة والقرب قيل {أية : والجار الجنب} تفسير : [النساء:36] ويحتمل الجنب أن يكون من البعد إذ البعد جنابة ومنه تجنبت الشيء إذا بعدت عنه، فكأنه جانب الطهارة وعلى هذا يحتمل أن يكون {أية : الجار الجنب} تفسير : [النساء:36] هو البعيد الجوار ويكون مقابلاً للصاحب بالجنب و "اطهروا" أمر بالاغتسال بالماء، ولذلك رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وغيرهما أن الجنب لا يتيمم البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء، وقال جمهورالناس: بل هذه العبارة هي لواجد الماء، وقد ذكر الجنب أيضاً بعد في أحكام عادم الماء بقوله تعالى: {أو لامستم النساء} إذ الملامسة هنا الجماع، والطهور بالماء صفته أن يعم الجسد بالماء وتمر اليد مع ذلك عليه، هذا هو مشهور المذهب, وروى محمد بن مروان الظاهري وغيره عن مالك أنه يجزىء في غسل الجنابة أن ينغمس الرجل في الماء دون تدلك، وقد تقدم في سورة النساء تفسير قوله عز وجل: {وإن كنتم مرضى} إلى قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} وقراءة من قرأ "من الغيط". وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} الإرادة صفة ذات وجاء الفعل مستقبلاً مراعاة للحوادث التي تظهر عن الإرادة فإنها تجيء مؤتنفة من تطهير المؤمنين وإتمام النعم عليهم، وتعدية أراد وما تصرف منه بهذه اللام عرف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : قال سيبويه وسألته رحمه الله عن هذا فقال، المعنى إرادتي لأنسى، ومن ذلك قوم قيس بن سعد: شعر : أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود تفسير : ويحتمل أن يكون في الكلام مفعول محذوف تتعلق به اللام وما قال الخليل لسيبويه أخصر وأحسن، ويعترض هذا الاحتمال في المفعول المحذوف بأن من تصير زائدة في الواجب وينفصل بأن قوة النفي الذي في صدر الكلام يشفع لزيادة من وإن لم يكن النفي واقعاً على الفعل الواقع على الحرج، ولهذا نظائر، والحرج الضيق، والحرجة الشجر الملتف المتضايق، ومنه قيل يوم بدر في أبي جهل إنه كان في مثل الحرج من الرماح ويجري مع معنى هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : دين الله يسر" تفسير : وقوله "حديث : بعثت بالحنيفية السمحة" تفسير : وجاء لفظ الآية على العموم والشيء المذكور بقرب هو أمر التيمم والرخصة فيه وزوال الحرج في تحمل الماء أبداً ولذلك قال أسيد: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وقوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم} الآية، إعلام بما لا يوازى بشكر من عظيم تفضله تبارك وتعالى، و {لعلكم}: ترجّ في حق البشر، وقرأ سعيد بن المسيب "يطْهركم" بسكون الطاء وتخفيف الهاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِذَا قُمْتُمْ} إذا أردتم القيام إلى الصلاة مُحدِثين، أو يجب على كل قائم إلى الصلاة أن يتوضأ ولا يجوز أن يجمع فريضتين بوضوء واحد يروى عن عمر وعلي رضي الله ـ تعالى ـ عنهما، أو كان واجباً على كل قائم إلى الصلاة فنسخ إلاَّ عن المُحدِث "وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة ثم جمع الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد". وكان قد أُمر بالوضوء لكل صلاة فلما شق عليه أُمر بالسواك ورُفع الوضوء.
النسفي
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ }تفسير : [النحل: 98] أي إذا أردت أن تقرأ القرآن، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة فأقيم المسبب مقام السبب لملابسة بينهما طلباً للإيجاز، ونحوه «كما تدين تدان» عبر عن الفعل الابتدائي الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه، وتقديره: وأنتم محدثون. عن ابن عباس رضي الله عنهما: أو من النوم لأنه دليل الحدث: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يتوضأون لكل صلاة. وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فرض ثم نسخ {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } «إلى» تفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل فما فيه دليل على الخروج {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ }تفسير : [البقرة: 280] لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظراً في الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك {أية : أتموا الصيام إلى الليل }تفسير : [البقرة: 187] لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك «حفظت القرآن من أوله إلى آخره» لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله، ومنه قوله تعالى: {أية : مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى }تفسير : [الإسراء: 1] لوقوع العلم بأنه عليه السلام لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله، وقوله «إلى المرافق» لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ الجمهور بالاحتياط، فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه؛ فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب، والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، وأخذنا ببيان النبي عليه السلام وهو ما روي أنه مسح على ناصيته وقدرت الناصية بربع الرأس {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ } بالنصب: شامي ونافع وعلي وحفص. والمعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم على التقديم والتأخير. غيرهم بالجر بالعطف على الرؤوس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة، تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. وقيل: «إلى الكعبين» فجيء بالغاية إماطة لظن ظانٍ يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، وقال في جامع العلوم إنها مجرورة للجوار وقد صح أن النبي عليه السلام رأى قوماً يمسحون على أرجلهم فقال: «حديث : ويل للأعقاب من النار»تفسير : وعن عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين وإنما أمر بغسل هذه الأعضاء ليطهرها من الأوساخ التي تتصل بها لأنها تبدو كثيرا، والصلاة خدمة الله تعالى، والقيام بين يديه متطهراً من الأوساخ أقرب إلى التعظيم فكان أكمل في الخدمة كما في الشاهد إذا أراد أن يقوم بين يدي الملك، ولهذا قيل: إن الأولى أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه، وإن الصلاة متعمماً أفضل من الصلاة مكشوف الرأس لما أن ذلك أبلغ في التعظيم {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ } فاغسلوا أبدانكم. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ } قال الرازي معناه وجاء حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمم بلا حدث {مّن ٱلْغَآئِطِ } المكان المطمئن وهو كناية عن قضاء الحاجة {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاءَ } جامعتم {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ } في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيثيبكم {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالإسلام {وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي عاقدكم به عقداً وثيقاً وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا سمعنا وأطعناه. وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في نقض الميثاق {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بسرائر الصدور من الخير والشر وهو وعد ووعيد. {&# يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } عدي «يجرمنكم» بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدى به كأنه قيل: ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } أي العدل أقرب إلى التقوى. نهاهم أوّلاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله تعالى: «هو أقرب للتقوى» تعالى وإذا كان وجوب العدل مع الكفار بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما أمر ونهى {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وعد ووعيد ولذا ذكر بعدها آية الوعد وهو قوله تعالى {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } «وعد» يتعدى إلى مفعولين: فالأول «الذين آمنوا»، والثاني محذوف استغني عنه بالجملة التي هي قوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } والوعيد وهو قوله {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ } أي لا يفارقونها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان ـ أبو بكر وعمر - والختنان يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية. «إذ» ظرف للنعمة {أَن يَبْسُطُواْ } بأن يبسطوا {إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل يقال بسط لسانه إليه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به {وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوءِ } [الممتحنة: 2] ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } فمنعها أن تمد إليكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } فإنه الكافي والدافع والمانع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة ومثله قوله تعالى: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} تفسير : [النحل: 98] أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ومثله من الكلام إذا اتجرت فاتجر في البر أي إذا أردت التجارة. وهذا القول يقتضي وجوب الوضوء عند كل صلاة وهو ظاهر الآية ومذهب داود الظاهري وذهب جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه يجزىء عدة صلوات بوضوء واحد وأجيب عن ظاهر الآية بأن المعنى إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر فحذف ذلك لدلالة المعنى عليه وهذا أحد اختصارات القرآن وهو كثير جداً ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" تفسير : أخرجاه في الصحيحين وقيل في معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم وقيل: هو أمر ندب ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارة وإن كان على طهر ويدل عليه ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" تفسير : أخرجه الترمذي. وقيل: هذا إعلام من الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال ويدل عليه ما روي عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" تفسير : أخرجه مسلم. والقول الأول هو المختار في معنى الآية وفروض الوضوء المذكور في هذه الآية أربعة: الأول غسل الوجه وهو قوله تعالى:{فاغسلوا وجوهكم} واستدل الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية وحجته أن الوضوء مأمور به وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً ولما روي في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى" تفسير : والوضوء من الأعمال فيجب أن يكون منوياً وإنما قلنا: إن الوضوء مأمور به وأنه من أعمال الدين لقوله تعالى: {أية : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} تفسير : [البينة: 5] والإخلاص، عبارة عن النية الخالصة ومتى كانت النية الخالصة، معتبرة كان أصل النية في جميع الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى معتبراً. واستدل أبو حنيفة لعدم وجوب النية في الوضوء بهذه الآية قال: إن النية ليست شرطاً لصحة الوضوء، لأن الله تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز. وأجيب عنه: بأنا إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن وهو قوله تعالى: {أية : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} تفسير : [البينة: 5] وأما حد الوجه، فمن منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً لأنه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل جميع الوجه في الوضوء ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والعذارين والشارب والعنفقة وإن كانت كثة. وأما اللحية فإن كانت كثة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل ما تحتها ويجب غسل ما تحت اللحية الخفيفة وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما نزل من اللحية عن الذقن؟ فيه قولان: أحدهما وبه قال أبو حنيفة، لا يجب لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في المسح فكذلك حكم الشعر النازل عن حد الوجه لا يجب غسله. والقول الثاني يجب إمرار الماء على ظاهره لأن الوجه مأخوذ من المواجهة فتدخل جميع اللحية في حكم الوجه. الفرض الثاني قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} يعني: واغسلوا أيديكم إلى المرافق والمِرافق بالكسر هو من الإنسان أعلىالذراع وأسفل العضد. وذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في الغسل ونقل عن مالك والشافعي وزفر وأبي بكر بن داود الظاهري، أنه لا يجب إدخال المرفقين في الغسل واختاره ابن جرير الطبري. ونقل عن مالك: وقد سئل عن قول الله عز وجل: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} فقال: الذي آمر به أن يبلغ المرفقين في الغسل لا يجاوزهما وحجة أصحاب هذا القول أن كلمة إلى لانتهاء الغاية وما يجعل غاية للحكم يكون خارجاً عنه كما في قوله تعالى: {أية : ثم أتموا الصيام إلى الليل} تفسير : [البقرة: 187] ولأن الحد لا يدخل في المحدود فوجب أن لا يجب غسل المرفقين في الوضوء وحجة الجمهور أن كلمة إلى هنا بمعنى مع ومنه قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} تفسير : [النساء: 2] أي مع أموالكم ويعضده من السنة ما صح من حديث أبي هريرة أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ. والجواب عن الحجة المتقدمة إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه كما في هذه الآية لأن المرفق من جنس اليد وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه كما في قوله تعالى: {أية : ثم أتموا الصيام إلى الليل} تفسير : [البقرة: 187] لأن النهار من غير جنس الليل فلا يدخل فيه. الفرض الثالث: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} اختلف العلماء في القدر الذي يجب مسحه من الرأس فقال مالك يجب مسح جميعه وهو إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى عنه أنه يجب مسح أكثره وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربعه. وفي رواية أخرى عنه: يجب مسح قدر ثلاثة أصابع منه وقال الشافعي والواجب مسح ما ينطلق عليه اسم المسح والمراد إلصاق المسح بالرأس وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح بالرأس فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب وأخذ الشافعي باليقين فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين متفق عليه وقدر الناصية بربع الرأس. الفرض الرابع: قوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} اختلف العلماء في هذا الحكم. وهل فرض الرجلين المسح أو الغسل؟ فروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. ويروى ذلك عن قتادة أيضاً. ويروى عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وعن عكرمة قال: ليس في الرجلين إنما نزل فيهما المسح. وعن الشعبي أنه قال: إنما هو المسح عن الرجلين. ألا ترى إن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم وما كان عليه المسح أهمل. ومذهب الإمامية من الشيعة: أن الواجب في الرجلين المسح. وقال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة وأصحابهم: إن فرض الرجلين هو الغسل. وقال داود الظاهري: يجب الجمع بينهما. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين الغسل والمسح. وسبب هذا الاختلاف، اختلاف القراء في هذا الحرف. فقرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم: وأرجلكم بفتح اللام عطفاً على الغسل فيكون من المؤخر الذي معناه التقديم ويكون المعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. وقال أصحاب هذه القراءة: إنما أمر الله عباده بغسل الأرجل دون مسحها ويدل عليه أيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين فمن بعدهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم وأرجلكم بكسر اللام عطفاً على المسح. أما قراءة النصب فالمعنى فيها ظاهر لأنه عطف على المغسول لوجوب غسل الرجلين على مذهب الجمهور ولا يقدح فيه قول من خالف. وأما قراءة الكسر فقد اختلفوا في معناها والجواب عنها فقال أبو حاتم وابن الأنباري وأبو علي الكسر عطف على الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل. وقال أبو زيد: المسح خفيف الغسل لقول العرب تمسحت للصلاة بمعنى توضأت لها وهات ما أتمسح به للصلاة بمعنى أتوضأ. قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضىء لا يرضى بصب الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل فسمي الغسل مسحاً بهذا الاعتبار فعلى هذا الرأس والرجل ممسوحاً إلا أن مسح الرأس أخف. والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل ذكر التحديد وهو قوله تعالى: إلى الكعبين لأن التحديد إنما جاء في المغسول ولم يجىء في الممسوح فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل. وقال جماعة من العلماء: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر والمراد فيها الغسل لأنه قد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف كما قال الشاعر: شعر : يـا ليـت بعلك قد غدا متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : والمعنى: وحاملاً رمحاً لأن الرمح لا يتقلد به وكذلك قول الآخرين. علفتها تبناً وماء بارداً. يعني وسقيتها ماء بارداً. وكذلك المعنى في الآية وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم فلما لم يذكر الغسل وعطفت الأرجل على الرؤوس في الظاهر اكتفى بقيام الدليل على أن الأرجل مغسولة من مفهوم الآية والأحاديث الصحيحة الواردة بغسل الرجلين في الوضوء. وأما من جعل كسر اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ دون الحكم واستدل بقولهم: جحر ضب خرب. وقال: الخرب نعت للجحر لا للضب وإنما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس يجيد لأن الكسر على المجاورة إنما يحمل لأجل الضرورة في الشعر أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس لأن الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر ولأن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف. أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب وقوله تعالى {إلى الكعبين} فيه دليل قاطع على وجوب غسل الكعبين كما في وجوب غسل الرجلين كما في قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} والمعنى: واغسلوا أرجلكم مع الكعبين وقد تقدم اختلاف العلماء في ذلك عند قوله إلى المرافق، والكعبان: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم هذا قول جمهور العلماء من أهل الفقه واللغة وشذت الشيعة، ومن قال بمسح الرجلين. فقال: الكعب عبارة عن عظم مستدير على ظهر القدم ويدل على بطلان هذا القول أن الكعب لو كان على ما ذكره لكان في كل رجل كعب واحد فكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما في قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} فلما قال إلى الكعبين علم أن لكل رجل كعبين فبطل ما قالوه وثبت قول الجمهور. (فصل) قد تقدم أن الفروض المذكورة في هذه الآية أربعة: وهي غسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على وجوب النية في الوضوء فصارت فرضاً خامساً. وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى وجوب الترتيب في الوضوء، وهو أن يغسل الأعضاء في الوضوء على الولاء كما ذكره الله في هذه الآية فيغسل أولاً وجهه ثم يده ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضاً سادساً. وذهب أبو حنيفة، إلى أن الترتيب في الوضوء غير واجب احتج الشافعي على وجوب الترتيب بهذه الآية وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه ثم بغسل اليدين ثم بمسح الرأس ثم بغسل الرجلين فوجب أن يقع الفعل مرتباً كما أمر الله تعالى ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حجة الوداع "حديث : ابدأ بما بدأ الله به" تفسير : وهذا الحديث، وإن ورد في قصة السعي بين الصفا والمروة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء ما وردت إلا مرتبة كما ورد في نص الآية ولم ينقل عنه ولا عن غيره من الصحابة أنه توضأ منكساً أو غير مرتب، فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما أمر الله تعالى ونص عليه في هذه الآية واجب واحتج. أبو حنيفة لمذهبه بهذه الآية أيضاً. وذلك أن الواو لا توجب الترتيب، فإذا قلنا بوجوب الترتيب صار ذلك زيادة على النص وذلك غير جائز وأجيب عنه بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ إلا مرتباً كما ذكر وبيان الكتاب إنما يؤخذ من السنة. (فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في صفة الوضوء وفضله) (ق) عن حمران مولى عثمان بن عفان "أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاثاً ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال:" حديث : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" تفسير : (ق). عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري "قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء فأفرغ منه على يديه ثلاثاً ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثاً ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد في رواية بعد قوله: "فأقبل بيديه وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه". عن عبد خير قال: أتانا علي كرم الله وجهه وقد صلى فدعا بطهور فقلنا ما يصنع بالطهور وقد صلى ما يريد إلا ليعلمنا فأتى بإناء فيه ماء وطست فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يده ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً فمضمض ونثر من كف يأخذ منه ثم غسل وجهه ثلاثاً وغسل يده اليمين ثلاثاً وغسل الشمال ثلاثاً ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ورجله الشمال ثلاثاً ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ورجله الشمال ثلاثاً ثم قال:" من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا" أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص "حديث : أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم مسح برأسه فأدخل اصبعيه السبابتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو قال ظلم وأساء"تفسير : أخرجه أبو داود. وعن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" أخرجه الترمذي وصححه (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال: "حديث : ويل للأعقاب من النار" تفسير : (م) عن جابر قال: أخبرني عمر بن الخطاب "حديث : أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال "ارجع وأحسِن وضوءك" قال فرجع فتوضأ ثم صلى" تفسير : أخرجه مسلم عن خالد عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة" أخرجه أبو داود (ق) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: "حديث : ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً"تفسير : عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة" أخرجه البخاري عن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين أخرجه أبو داود والترمذي. وقال وقد روي عن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً" (م). عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يحدث الناس فأدركت من قوله "حديث : ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة" تفسير : فقلت ما أجود هذا فإذا قائل بين يدي يقول التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفاً قال: "حديث : ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" تفسير : (م). عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب" تفسير : (ق) عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" تفسير : وفي رواية قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله ". تفسير : وفي رواية لمسلم قال: سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" تفسير : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات" تفسير : أخرجه الترمذي. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" تفسير : أخرجه أبو داود وابن ماجه. وقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} أي اغتسلوا أمر الله بالاغتسال من الجنابة وذلك يجب على الرجل والمرأة بأحد شيئين: إما بخروج المني على أي صفة كان من احتلام أوغيره أو بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال فإذا حصل وجب الغسل (ق). عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء يخلل بهما أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيده ثم يفيض الماء على سائر جسده" أو قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} فقد تقدم تفسيره وأحكامه في تفسير سورة النساء وفي قوله تعالى منه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب. وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} يعني من ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء {ولكن يريد ليطهركم} يعني من الاحداث والذنوب والخطايا لأن الوضوء تكفير للذنوب {لعلكم تشكرون} يعني تشكرون نعمة الله عليكم بأن طهركم من الاحداث والذنوب وما جعل عليكم في الدين من حرج.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فَٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ...} الآية: قال ابن العَرَبِيِّ: في «أحكامه»: لا خِلاَفَ بَيْن العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ مَدَنِيَّةٌ؛ كما أنه لا خِلاَفَ أنَّ الوضوء كانَ مَعْقُولاً قَبْلَ نزولها غَيْرَ مَتْلُوٍّ؛ ولذلك قال علماؤُنا: إنَّ الوُضُوءَ كان بمكَّة سُنَّةً، ومعناه: كان مفْعولاً بالسُّنَّة، وقوله: {إِذَا قُمْتُمْ}: معناه: إذا أردتُّمُ القِيَامَ إلى الصلاة. انتهى. قال زيدُ بْنُ أَسْلَمَ والسُّدِّيُّ: معنى الآية: إذا قمتُمْ من المضاجِعِ، يعني النَّوْمَ، والقصْدُ بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداث بالذِّكْر، وفي الآية علَىٰ هذا التأويلِ تقديمٌ وتأْخيرٌ، تقديره: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النومِ، أو جاء أَحدٌ منكم من الغائِطِ، أو لامَسْتُمُ النِّساء، يعني: الملامسة الصغْرَىٰ فٱغسلوا، وهنا تمَّتْ أحكامُ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}، فهذا حُكْم نوعٍ آخر، ثم قال للنوعين جميعاً: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ...... فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، وقال بهذا التأويل محمَّد بْنُ مَسْلمة مِنْ أصحاب مالكٍ وغيره. وقال جمهورُ أهْلِ العِلْمِ: معنى الآيةِ: إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثِينَ، وليس في الآيةِ علَىٰ هذا تقديمٌ ولا تأْخيرٌ، بل ترتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ المَاءِ إلى قوله: {فَٱطَّهَّرُواْ}، ودخلَتِ الملامسةُ الصغْرَىٰ في قولنا: «مُحْدِثِينَ»، ثم ذكَرَ بعد ذلك بقوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ...} إلى آخر الآية حُكْمَ عادمِ الماءِ مِنَ النوعَيْنِ جميعاً، وكانت الملامسةُ هي الجماعَ. وقال * ص *: {إِذَا قُمْتُمْ} أي: إذا أردتُّم، وعبَّر بالقيامِ عن إرادَتِهِ؛ لأنه مُسَبَّبٌ عنها. انتهى. ومِنْ أحسن الأحادِيثِ وأصحِّها في فَضْل الطهارةِ والصَّلاة: ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ»، عن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وَٱنْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»تفسير : . قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديثُ مِنْ أَحْسَنِ ما رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضائِلِ الأعمالِ. قال صاحبُ «كتاب العَيْنِ»: الرِّبَاطُ: ملازمةُ الثُّغُور، قال: والرِّبَاطُ مواظبةُ الصلاةِ أَيضاً انتهى. والغُسْلُ، في اللغة: إيجادُ المَاء في المَغْسُول، مع إمرار شَيْء علَيْه كاليَدِ، والوَجْه ما وَاجَهَ النَّاظر وقابله، والنَّاس كلُّهم علَىٰ أنَّ داخل العينَيْنِ لا يلْزَمُ غسله إلا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنه كان يَنْضَحُ الماءَ في عَيْنَيْهِ. واليَدُ لغةً تَقَعُ على العُضْوِ من المَنْكِبِ إلَى أطرافِ الأصابِعِ، وحَدَّ اللَّه سبحانه مَوضِعَ الغُسْلِ منه؛ بقوله: {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}. واختلف العلماءُ، هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لاَ، وتحريرُ العبارةِ في هذا المعنَىٰ: أنْ يقَالُ: إذا كان مَا بَعْد إلى لَيْسَ مما قَبْلَهَا، فالحَدُّ أولُ المذكورِ بعدها، وإذا كان ما بَعْدَها مِنْ جملة ما قَبْلَهَا، فالاحتياطُ يُعْطِي أنَّ الحدَّ آخر المذكور بَعْدَها؛ ولذلك يترجَّح دخولُ المرفَقَيْنِ في الغُسْل، والروايتان عن مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»، وقد رَوَى الدارقطنيُّ وغيره عن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَىٰ مِرْفَقَيْهِ. انتهى. واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ، هل هو فرضٌ أوْ سُنَّة، بعد الإجماع على أنَّ المَسْحَةَ الأَولَىٰ فَرْضٌ، فالجمهورُ علَىٰ أنَّه سُنَّة. وقيل: هو فرضٌ، والإجماع على استحسَانِ مَسْحِ الرأس باليَدَيْنِ جمِيعاً، وعلى الإجزاء بواحدةٍ، واختُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بأُصْبُعٍ واحدةٍ، والمشهورُ الإجزاءُ؛ ويترجَّح عدم الإجزاءِ؛ لأنه خروجٌ عن سُنَّة المَسْح، وكأنه لَعِبٌ إلاَّ أَنْ يكونَ ذلك عن ضَرَرِ مرضٍ ونحوه، فينبغي ألاَّ يُخْتَلَفَ في الإجزاء. والبَاءُ في قوله تعالَىٰ: {بِرُؤُوسِكُمْ} مؤكِّدة زائدةٌ عند مَنْ يَرَىٰ عموم الرأس، والمعنى عنده: وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلصاق المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأْسِ؛ كأنَّ المعنى: أوجِدُوا مَسْحاً برؤوسكم، فمَنْ مَسَح، ولو شعرةً فقد فَعَلَ ذلك. * ت *: قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صِفَةِ مَسْحِ الرأسِ؛ «حديث : أَنه أَقْبَلَ بِيَدِهِ، وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَىٰ قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ»تفسير : ، وفي البخاريِّ: «حديث : فَأَدْبَرَ بِهِمَا، وَأَقْبَلَ»تفسير : ، وَهُمَا صحيحانِ متوافِقَانِ، وهي مسألةٌ من «أصول الفقْهِ»؛ في تسمية الفعْلِ بٱبتدائِهِ أو بغايته. انتهى. وقرأ حمزة وغيره: «وَأَرْجُلِكُمْ» ـــ بالخفض ـــ، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ: «ٱغْسِلُوا»، ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ، وجمهورُ الأَمَّة من الصحابة والتابعِينَ علَىٰ أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغَسْلُ، وأنَّ المَسْح لا يجزىءُ، وفي الصحيح: «حديث : وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ من النَّار»تفسير : إذ رأَىٰ صلى الله عليه وسلم أعقابَهُمْ تلُوحُ، قال ابن العربِيِّ في «القَبَس»: ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» ـــ بالخَفْض ـــ، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن؛ وهو أحد التأويلاتِ في الآية. انتهى، وهذا هو الذي صحَّحه في «أحْكَامِهِ». والكلامُ في قوله: {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} كما تقدَّم في قوله: {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عُقْبَة بْنِ عامر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يتوضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثِمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة»تفسير : ، فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدُ هذِهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: «حديث : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ»تفسير : ، وأخرجه الترمذيُّ من حديثِ أَبِي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن عمر، زاد في آخره: «حديث : اللَّهُمَّ، ٱجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَٱجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ»تفسير : . انتهى مختصراً. واختلَفَ اللغويُّونَ في {ٱلْكَعْبَينِ}. والجمهورُ علَىٰ أنهما العَظْمَانِ الناتِئَانِ في جَنَبَتَيِ الرجلِ. وألفاظُ الآيةِ تقتضِي المُوَالاَةَ بَيْن الأعضاء، قال مالك: هو فرضٌ مع الذِّكْر، ساقِطٌ مع النِّسْيان، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ: «حديث : مَنْ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ وُضُوئِهِ، كَانَ طُهُوراً لِجَسَدِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ٱسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ وُضُوئِهِ كَانَ طُهُوراً لأعْضَائِهِ»تفسير : . انتهى من «الكوكب الدري». وكذلك تتضمَّن ألفاظ الآيةِ الترتيبَ، و {ٱطَّهَّرُوا} أمُرٌ لواجدِ المَاءِ عنْدَ الجمهورِ، وقال عمرُ بْنُ الخطَّاب وغيره: لا يتيمَّمِ الجُنُبُ ألبتَّة، بل يدع الصلاةَ حَتَّىٰ يجد الماء. وقوله سبحانه: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ...} الآية: الإرادة صفَةُ ذاتٍ، وجاء الفعْلُ مستقبلاً؛ مراعاةً للحوادِثِ التي تَظْهَرُ عن الإرادة، والحَرَجُ: الضِّيق، والحرجة: الشَّجرُ الملْتَفُّ المتضايقُ، ويَجْرِي مع معنَىٰ هذه الآية قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ»تفسير : ، وقوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»تفسير : ، وجاء لَفْظُ الآية على العُمُومِ، والشَّيْءُ المذكُورُ بقُرْبٍ هو أمر التيمُّمِ، والرُّخْصَة فيه، وزوالُ الحَرَجِ في تحمُّل الماءِ أبداً؛ ولذلك قال أُسَيْدٌ: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ». وقوله سبحانه: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ...} الآية: إعلامٌ بما لا يُوَازَىٰ بشُكْرٍ مِنْ عظيمِ تفضُّله تبارك وتعالى، و {لَعَلَّكُمْ}: ترَجٍّ في حقِّ البَشَرِ، وفي الحديثِ الصحيحِ عن أبِي مالك الأشعريِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأنِ، أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»تفسير : ، رواه مُسْلِم، والترمذيُّ، وفي روايةٍ له: «حديث : التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ»تفسير : ، وزاد في رواية أخرَىٰ: «حديث : وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ؛ حَتَّىٰ تَخْلُصَ إلَيْهِ»تفسير : . انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} الآية اعلم أنَّ الله تعالى افتتح السورة بقوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]. فطلب الوَفَاءَ بعهد العبوديَّة، فكأنَّ العبد قال: يا إلهي، العهد نوعان: عهد الرُّبوبيّة منك، وعهد العبوديّة منا، فأنتَ أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الرُّبوبية والكرم، [نعم أنا أوفي بعهد الربوبية والكرم] ومعلوم أنَّ منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح، فبيَّن تعالى ما يحلُّ وما يحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحَاجَةُ [إلى] المطعوم فوق الحاجة إلى المَنْكُوحِ قدم بيان المطعوم على المنكوح، فلما تم هذا البيان فكأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب من منافع الدُّنيا، فاشتغل أنت في الدُّنيا بالوفاء بعهد العبودية، فلما كان أعظم الطَّاعات بعد الإيمان الصَّلاة، ولا يمكن إقامتها إلا بالطَّهارة لا جَرَمَ بدأ اللَّهُ تعالى بذكر شرائط الوضوء. قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}. قالوا: تقديره: إذا أردتم القيامَ كقوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ} تفسير : [النحل: 98]. وهذا من إقامَةِ المُسَبَّب مقام السبب، وذلك أنَّ القيام متسبِّبٌ عن الإرادة، والإرادة سَبَبُهُ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأنَّ الفعل يوجد بقدرة الفاعِلِ عليه، وإرادته له، وهي قصده إليه وميله، وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل [بالفعل] في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي: لا يقدران على الطَّيران والإبصار؛ ومنه قوله تعالى: {أية : نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 104] أي: قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأنَّ [الفعل] مُسَبَّب عن القدرة، فأقيم [المسبب] مقام السبب للمُلاَبَسَةِ بينهما، ولإيجاز الكلام. وقيل: تقديره: إذا قصدتم الصلاة؛ لأنَّ من تَوَجَّه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له، فعَبَّر بالقيام عن القصد. والجمهورُ قدروا حالاً محذوفة من فاعل "قُمْتُمْ"، أي: إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثين؛ إذ لا وضوء على غير المحدث، وإن كان قال به جماعةٌ قالوا: وَيَدُلُّ على هذه الحال المحذوفة مقابلتها بقوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}، فكأنه قيل: إن كنتم محدثين الحدث الأصغر فاغسلوا كذا، وامْسَحُوا كذا، وإن كنتم محدثين [الحدث الأكبر] فاغْسِلُوا الجسد كُلَّهُ. قال شهابُ الدِّين: فيه نظر. فصل هل الأمر بالوضوء تكليف مستقل؟ قال قوم: الأمر بالوضوء ليس تكليفاً مستقلاً بنفسه، لأنَّ قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ} جملة شرطية، الشَّرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلَّق على الشيء بحرف الشرط [يعدم عند] عدم الشَّرط، فاقتضى أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصَّلاة. وقال آخرون: المقصُودُ من الوضوء الطَّهارة، والطَّهارة مقصودة بذاتها لقوله تعالى في آخر الآية: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : [بُنِيَ] الدِّينُ على النَّظَافَةِ"تفسير : ، وقال: "حديث : أمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أثَرِ الوُضُوء يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران الذنوب كثيرة. فصل قال دَاوُد: يجبُ الوضوء لكلِّ صلاة لظاهر الآية لأن قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} يقتضي العموم، [وقال أكثر الفقهاء: لا يجب]. قال الفقهاء كلمة "إذَا" لا تفيد العموم؛ لأنَّهُ لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة طُلِّقَتْ، فلو دخلت ثانية لم تطلق [ثانياً] وإذا قال السيِّد لعبده: إذا دَخَلْتَ السُّوقَ فادْخُلْ على فلان، وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة. ويمكن أن يجاب بأنَّ التَّكاليف الواردة في القرآن مبناها على التَّكرير وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبنى الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فاستدلوا على صحة قولهم بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلّى صلوات كلّها بوضوء واحد، وجمع يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد. وأجابَ داودُ بأنَّ خبر الواحد لا يَنْسَخُ القرآن، وقال قومٌ: هو أمر على طريق النّدب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدِّدَ الطَّهَارَة وإن كان على طهرٍ لما روى عبد الله بن حنظلة بن عامر أنَّ رسُولَ الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلم - أمر بالوضوء عند كلِّ صلاة طاهراً، أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك عليه أمر بالسّواك عند كل صلاة، وقال قوم: هو إعْلام من الله تعالى ورسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصَّلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا لَهُ من الأفعال غير الصلاة، كما روى ابن عبّاسِ حديث : قال: كنا عند النّبيِّ صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط، فأتي بطعام فقيل: "ألا تتوضأ، فقال: لَم أصَلِّ فأتَوضَّأ" ". تفسير : قوله سبحانه: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}. وحدُّ الوجه من [منابت الشَّعر] إلى منتهى الذقنِ طولاً، وما بين الأذنين عرضاً يجب غسل جميعه في الوُضوء، ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين، وأهداب العينين، والشّارب، والعذارِ، والعَنْفَقَةِ وإن كان كثيفه. وأما العَارِضُ واللِّحية وإن كانت كثيفة لا ترى البَشْرَة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوُضُوءِ، بل يجبُ غسل ظاهرها، وهل يجبُ إمرار الماء لما على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذَّقْنِ؟. فقال أبُو حنيفة: لا يجب؛ لأنَّ الشَّعر النازل عن حدِّ الرَّأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المَسْحِ؛ كذلك النازِل عن حدِّ الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله، وقال غيره: يجب إمرار الماء على ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَ بغسل الوَجْهِ، والوجهُ ما يقع به المواجهة، قال ابنُ عباسٍ: يجبُ غسل داخل العينين؛ لأنَّهُ من الوجه، وقال غيره: لا يجبُ للحرج. والمضمضة والاستنشاق يجبان في الوضوء. والغسلُ عند أحمد وإسحاق وعند الشَّافِعِيِّ لا يجبان بناء على أنهما من الباطِنِ، ولو نبت للمرأة لحية؟ وجب إيصال الماء إلى جلدَةِ الوجه، وإن كانت كثيفة. قوله [سبحانه]: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}. في "إلى" هذه وجهان: أحدهما: أنَّها على بابها من انتهاء [الغاية]، وفيها حينئذٍ خلاف. فقائل: إن ما بعدها لا يدخُلُ فيما قبلها. وقائل بعكس ذلك. وقائلٌ: لا تعرض لها في دخول ولا عدمه، وإنَّما [يدور] الدخول والخروج مع الدَّليل وعدمه. وقائل: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها [دخل] في الحكم، وإلاَّ فلا، ويُعْزَى لأبي العبَّاس. وقائل: إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل، وإن كان من جنسه، فيحتمل الدخول وعدمه. وأوَّلُ هذه الأقوال هو الأصَحُّ عند النُّحاة. قال بعضهم: وذلك أنَّا حيث وجدنا قرينة مع "إلى"، فإن تلك القرينة تقتضي الإخراج مما قبلها، فإذا ورد كلام مجرد عن القرائن، فينبغي أن يحمل على الأمر الفاشي الكثير، وهو الإخراج، وفرق هذا القائل بين "إلى" و"حتّى" فجعل "حتى" تقتضي الإدخال، و"إلى" تقتضي الإخراج بما تقدَّم من الدَّليل. [وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب، وقد أوضحتها في كتابي "شرح التسهيل"]. والوجه الثاني: أنَّهَا بمعنى "مع" أي: مع المرافِقِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ في ذلك عند قوله: "إلى أمْوالِكُمْ". و"المرافِق" جمع "مَرْفِق" بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة، وهو مِفْصَلٌ بين العَضُدِ والمِعْصَمِ. فصل ذهب أكثرُ العلماء إلى وجوب غسلِ اليديْنِ مع المرفقين والرجلين مع الكعبين. وقال مالكٌ والشعبيُّ ومُحمَّد بنُ جرير وزفَرُ: لا يجب غسلُ المرفقين والكعبين في اليد والرجّل؛ لأن حرف "إلى" للغاية، والحدّ لا يدخل في المحدود، وما يكون غاية للحكم يكون خارجاً عنه كقوله تعالى: {أية : أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} تفسير : [البقرة: 187]. والجوابُ: أنَّ حدَّ الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس، فهاهنا يكون الحد خارجاً عن المحدود كقوله: {أية : أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} تفسير : [البقرة: 187] فإنَّ النَّهار مُنفَصِلٌ عن الليل انفصالاً محسوساً، وقد لا يكون منفصلاً كقولك: "بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف"، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس فإذا كان كذلك فامتياز المرفق عن السَّاعد ليس له مفصل معين؛ فوجب غسله. وثانياً: سلّمنا أنّ المرفق لا يجب غسله، إلاَّ أنَّ المرفقَ اسم لما جاوز طرف العظم؛ لأنَّهُ هو الذي يرتفق به أي يتَّكِىءُ عليه، ولا نِزَاع أنَّ ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، قاله الزجاج. فصل في غسل ما أمكن مما هو دون المرفق فإن قطع ما دون المرفق؛ وجب غسل ما بقي؛ لأنَّ محل التكليف باقٍ وإن كان قطع مما فوق المرفق لم يجب؛ لأنَّ محلّ التّكليف زال، وإن كان قطع من المرفق؛ فقال الشافعي: يجب إمساسُ [الماء عند ملتقى العظمين؛ وجب مساس] لطرف العظم؛ لأنَّ غسل المرفق كان واجباً، وهو عبارة عن ملتقى العَظْميْنِ، فوجب إمساسُ الماء عند ملتقى العَظْمَيْنِ، وجب إمْسَاس لطرف العظم الباقي لا محالة. قوله عزَّ وعلا: {وَٱمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ}. في هذه "الباء" ثلاثةُ أوْجُه: أحدها: أنَّها للإلصاق، أي: ألصقوا المسح برؤوسكم. قال الزمخشريُّ: المرادُ إلصاق المَسْحِ بالرَّأسِ، وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما مُلْصق المسح برأسه. قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر، يعني أنَّهُ لا يطلق على [الماسح] بعض رأسه، أنَّهُ ملصق المسح برأسه، وهذا مُشَاحَّةٌ لا طَائِلَ تحتها. والثاني: أنها زائدة كقوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195]. وقوله: [البسيط] شعر : 1932-......................... ..... لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ تفسير : وهو ظاهرُ كلام سيبويْهِ، فإنَّهُ حكى: خشَّنت صدره وبصدره، ومسحت رأسه وبرأسه، والمعنى واحد. وقال الفرَّاءُ: تقول العربُ: خذ الخِطَامَ، و[خذ] بالخطام. وَهزَّهُ وَهزَّ به، وخذ برأسه ورأسه. والثالث: أنَّها للتبعيضِ، كقوله: [الطويل] شعر : 1933- شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ .................. تفسير : وهذا قول ضعيفٌ، وتقدَّم الكلامُ في ذلك في أول البسملة. فصل في ذكر الخلاف في القدر الواجب من مسح الرأس اختلف العلماء في قدر الواجب من مَسح الرَّأسِ، فقال مالكٌ وأحْمَدُ: يجب مسح جميع [الرأس كما يجب مسح جميع] الوجه في التيمم وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرَّأس. وقال الشافعيُّ: قدر ما يطلق عليه اسم المسح، واحتج الشافعيُّ بأنَّهُ لو قال مسحت بالمنديلِ، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بكلِّه، ولو قال: مسحتُ يدي بالمنديلِ، فهذا يكفي في صدقه مسح اليَدِ بجزء من أجْزَاءِ ذلك المنديل. فقوله [سبحانه]: {وَٱمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ} يكفي في العملِ به مَسْحُ اليد بجزء من أجْزَاء الرَّأسِ وذلك الجزء غير مقدّر في الآية، فإن قدَّرْناهُ بمقدار معين لم يتعين ذلك المقدار إلا بدليل غير الآية، فيلْزَمُ صيرورة الآية مجملة، وهو خلاف الأصل، وعلى ما قلناه تكونُ الآية مبينةً مفيدة، فهو أولى، ويؤيِّده ما روي عن المغيرة بن شُعْبَةَ "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخُفَّيْه". وأجاز أحمد المسح على العمامَةِ، ووافقه الأوزاعيُّ [والنوويُّ] والثوريُّ، ومنعه غيره. وحمل الحديث على أنَّ فرض المسح سقط عنه بِمَسْحِ النَّاصية. فصل قال القرطُبِيُّ: لو غسل المتوضِّئ رَأسَهُ بدل المسح، قال ابن العربيِّ: لا نعلم خلافاً في أن ذلك يجزئه إلا ما نُقِلَ عن بعضهم أنَّ ذلك لا يجزئ. وهذا مَذهَبُ أهل الظَّاهر. فإن قيل: هذه زيادة خرجت عن اللَّفظ المتعبَّد به. قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحلّ، وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح. قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَرْجُلَكُمْ}. قرأ نافعٌ، وابن عامرٍ، والكسائيُّ، وحفص عن عاصم "أرْجُلَكُمْ" نَصْباً، وباقي السبعة "وَأرْجُلِكُمْ" جَرًّا. والحسن بن أبي الحسن "وَأرْجُلُكُمْ" رفعاً. فأمَّا قراءة النَّصْبِ ففيها تخريجان: أحدهما: أنها معطوفة على "أيْدِيكُم"، فإن حكمها الغُسْل كالأوجه والأيدي. كأنه قيل: واغسلوا أرجلكم، إلا أن هذا التَّخريج أفسده بعضهم؛ بأنَّهُ يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة [غير] اعتراضية؛ لأنها منشئة حكماً جديداً، فليس [فيها] تأكيد للأول. وقال ابنُ عُصْفُورٍ - وقد ذكر الفصل بين المتعاطفين -: وأقبح ما يكون ذلك بالجمل، فدل [قوله] على أنه لا يجوز تخريج الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكس هذا، فقال: هو مَعْطُوفٌ على الوجوه، ثم قال: وذلك جائز في العربيّة بلا خلاف. وجعل السنّة الواردة بغسل الرِّجلين مقوية لهذا التخريج، فليس بشيء. فإنَّ لقائلٍ أن يقول: يجوز أن يكون النَّصب على محل المجرور [وكان حكمها المسح، ولكنه نسخ ذلك بالسُّنَّة، وهو قول مشهور العلماء. والثاني: أنه منصوب عطفاً على قبله] كما تقدم تقريره قبل ذلك. وأمَّا قراءة الجرِّ ففيها أربعة تخاريج: أحدها: أنها منصوب في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنَّمَا خفض على الجوار، كقولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خربٍ، بجر "خَربٍ"، وكان حقه الرفع؛ لأنَّهُ صفة في المعنى لـ "الجحر" لِصحة اتصافه به، والضَّب لا يوصف به، وإنما جره على الجوارِ. وهذه المسألة عند النَّحويين لها شرط، وهو أن يُؤمَنَ اللَّبْسُ كما تقدم تمثيله، بخلاف: قام غلامُ زَيْدٍ العاقِلُ، إذا جعلت العاقل نعتاً للغلام، امتنع جره على الجوارِ لأجل اللَّبْسِ. وأنشدوا - أيضاً - قول الشاعر: [البسيط] شعر : 1934- كأنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعْيُنِهَا قُطْناً بِمُسْتَحْصِدِ الأوْتَارِ مَحْلُوج تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 1935- فإيَّاكُمْ وَحَيَّةَ بطنِ وَادٍ هَمُوزِ النَّابِ لَيْسَ لَكُمْ بِسِيِّ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1936- كَأنَّ ثَبِيراً فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 1937- كَأنَّ نَسْجَ العُنْكَبُوتِ المُرْمَلِ تفسير : بجر "مَحْلُوجٍ" وهو صفة لـ "قطناً" المنصوب وبجر "هموز"، وهو صفة لـ "حية" المنصوب، وبجر "المُزَمِّل" وهو صفة "كبير"؛ لأنَّه بمعنى المُلْتَف، وبجر "المُرْمَل" وهو صفة "نسج"، وإنما جرت هذه لأجل المُجَاورة. وقرأ الأعمش:{إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} بجر "المتين" مجاورة لـ "القوة" وهو صفة لـ "الرزاق"، وهذا وإن كان وارداً إلا أن التخريج عليه ضعيفٌ لضعف الجوار من حيثُ الجملة. وأيضاً فإن الخفض على الجوار إنَّما وَرَدَ في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلاً في ضرورة الشِّعْر. قال: [البسيط] شعر : 1938- يَا صَاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ كلِّهم أنْ لَيْسَ وَصْلٌ إذَا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَب تفسير : بجر "كلهم" وهو توكيدٌ لـ "ذوي" المنصوب، وإذا لم يردا إلاَّ في النَّعت، وما شذَّ من غيره، فلا ينبغي أن يُخَرَّج عليه كتاب الله [تعالى، وهذا المسألة قد أوضحتها وذكرت شواهدها في "شرح التسهيل"]، وممن نص على ضعف تخريج الآية على الجوار مكي ابن أبي طالب وغيره. قال مكي، وقال الأخفشُ، وأبو عُبيدةَ: الخفضُ فيه على الجوارِ، والمعنى للغُسْلِ، وهو بعيد لا يُحْمَلُ القرآن عليه. وقال أبُو البقَاءِ: وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أنْ يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر. فمن القرآن قوله تعالى:{وحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] على قراءة من جَرَّ وهو معطوف على قوله: {أية : بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } تفسير : [الواقعة: 18] وهو مختلف المعنى؛ إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مُخَلَّدون بحور عين. وقال النَّابِغَةُ: [البسيط] شعر : 1939- لَمْ يَبْقَ إلاَّ أسيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ أوْ مُوثقٍ في حِبَالِ الْقَوْم مَجْنُوبِ تفسير : والقوافي مجرورة، والجِوَارُ مشهور عندهم في الإعراب [ثم ذكر أشياء كثيرة زعم أنها مقوية لمدّعاه منها قلب الإعراب] في الصفات كقوله تعالى: {أية : عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} تفسير : [هود: 84]، واليوم ليس بمحيطٍ، وإنَّما المحيط هو العذابُ. ومثله قوله تعالى: {أية : فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} تفسير : [إبراهيم: 18]، وعاصف ليس من صفة اليوم بل من صفة الريح. ومنها قلب بعض الحُرُوفِ إلى بعض كقوله عليه السلام: "حديث : ارْجعْنَ مأزُورَاتٍ غَيْرَ مأجُورَاتٍ"تفسير : ، والأصل: مَوْزُورَات، ولكن أريد التَّوَاخي. وكذلك قولهم: [إنَّهُ] ليأتينا بالغدايا والعَشَايا، يعني أن الأصل بالغَدَاوى؛ لأنَّها من الغُدْوَة، ولكن لأجل ياء العشايا جاءت بالياء دون الواو. ومنها تأنِيثُ المذكَّرِ كقوله تعالى: {أية : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160]، فحذف التاء من "عشر"، وهي مضافة إلى "الأمْثَالِ"، وهي مذكرة، ولكن لما جاورت الأمثال ضمير المؤنَّثِ أجري عليها حكمه، وكذلك قوله: [الكامل] شعر : 1940- لمَّا أتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تواضَعت سُورُ المدينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ تفسير : وقولهم: ذهبت بَعْضُ أصابعه يعني أن "سور" مذكرة، "وبعض" - أيضاً - كذلك، ولكن لما جَاوَرَوا المؤنث أعْطِيَا حكمه. ومنها: قامت هندُ لما لم يفصلوا، أتَوْا بالتَّاءِ، ولمَّا فصلوا لم يأتوا بها، ولا فَرْقَ إلا المجاورة وعدمها. [ومنها:] استحسانهم النَّصْبَ في الاشتغال بعد جملة فعليَّةٍ، في قولهم: قام زيد وعمراً كلمته لمجاورة الفعل. ومنها: قلبهم الواو المجاورة للظّرف همزة نحو: أوائل بخلاف طواويس لبعدها من مجاورة الظرف. قال: وهذا مَوضِعٌ يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد، قد بوّب له النحويون له [باباً] ورتَّبُوا عليه مسائل، وأصَّلُوه بقولهم: هذا جُحْر ضبٍّ خَرِبٍ. [حتى] اختلفوا في جواز جرِّ التثنية والجمع، فأجاز الإتباع فيهما جماعة من حُذَّاقهم قياساً على المُفْرد المَسْمُوعِ، ولو كان لا وجه له بحال لاقتصروا فيه على المسموع فقطْ، ويتأيَّدُ ما ذكرناه أن الجرَّ في الآية قد أجيز غيره وهو الرّفع والنّصب، والرّفع والنّصب غير قاطعين ولا ظاهرين، على أن حكم الرِّجْلين المسح، فكذلك الجرّ يجب أن يكون كالنَّصْبِ والرفع في الحكم دون الإعراب. انتهى. قال شهاب الدين: أمَّا قوله: إنّ {أية : وَحُورٌ عِينٌ} تفسير : [الواقعة: 22] من هذا الباب فليس بشيء؛ لأنَّهُ إمَّا أنْ يُقَدَّرَ عطفهما على ما [تقدَّم بتأويل] ذكره الناس كما سيأتي، أو بغير تأويل. وإما ألاَّ يعطفهما، [فإن عطفهما على ما تقدم، وجب الجر، وإن لم يعطفهما لم يجب الجر، وأمّا جرهما على ما ذكره الناس فقيل: لعطفهما] على المجرور بالياء قبلهما على تضمين الفعل المتقدم "يتلذّذون وينعمون بأكواب وكذا وكذا". أو لا يُضَمَّن الفعل شيئاً، ويكون لطواف الولدان بالحور العين على أهل الجنَّةِ لَذَاذَةٌ لهم بذلك، والجوَارُ إنَّمَا يكون حيث يستحقُّ الاسم غير الجر، فيجر لمجاورة ما قبله، وهذا كما ترى قد صَرَّح هو أنَّهُ معطوف على "بأكواب". غاية ما في الباب أنَّه جعله مختلف المعنى، يعني أن عنده لا يجوز عطفهما على "بأكْوَابٍ" إلا بمعنى آخر، وهو تضمين الفعل، وهذا لا يقدحُ في العطفية. وأمَّا البيتُ فجَرُّ "موثّق" ليس لجواره لـ "منفلت" وإنَّما هو مراعاة للمجرور بـ "غير"؛ لأنَّهم نصوا على أنَّك إذا جئت بعد "غير" ومخفوضها يتابع جاز أن يتبع لفظ "غير"، وأن يتبع المضاف إليه، وأنشدوا البيت، ويروى: [البسيط] شعر : 1941- لَمْ يَبْقَ [فيها طَرِيدٌ] غَيْرُ مُنْفَلِتٍ أوْ موثقٍ في حِبَالِ الْقَوْمِ مَجْنُوبِ تفسير : وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليس من المجاورة التي تؤثر في التغيير، أي تغيير الإعراب، وقد تقدَّم أنَّ النَّحويين خصَّصوا ذلك بالنَّعت، وأنَّهُ قد جاء في التوكيد ضرورة. والتَّخْرِيج الثاني: أنَّهُ معطوف على "بِرءُوسِكُم" لفظاً ومعنى، ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل، وهو حكم باقٍ، وبه قال جماعة، أو يحمل مسح الأرْجُلِ على بعض الأحوال، وهو لُبْسُ الخُفِّ، ويُعْزَى للشافعيِّ. التخريج الثالث: أنَّها جُرَّتْ مَنْبَهَةً على عدم الإسراف باستعمال الماء؛ لأنَّها مظنَّةٌ لصبِّ الماء [كثيراً]، فعطفت على الممسوح، والمرادُ غسلها كما تقدّم. وإليه ذهب الزمخشريُّ، قال: "وقيل: إِلَى ٱلْكَعْبَينِ" فجيء بالغاية إمَاطَةً لظن ظَانٍّ يحسبهما مَمْسُوحَةً؛ لأنَّ المسح لم تُضْرَبْ له غاية في الشريعة. وكأنَّهُ لم يَرْتَض هذا القول الدافع لهذا الوَهْمِ، وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورة بحرف جر مقدر، دَلَّ عليه المعنى، ويتعلّق هذا الحرف بفعل محذوفٍ أيضاً يليق بالمحلّ، فيُدَّعى حذف جملةٍ فعليةٍ وحَذْفُ حرف جر، قالوا: وتقديره: "وافعلوا بأرْجُلِكُم غَسْلاً". قال أبُو البَقَاء: وحَذْفُ حرف الجَرِّ، وإبقاء الجرّ جائزٌ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1942- مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرَةً وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 1943- بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ولا سَابِقٍ شَيْئاً إذَا كَانَ جَائِيَا تفسير : فجر بتقدير الباء، وليس بموضع ضرورة. قوله: وإبقاء [الجرّ] ليس على إطلاقه، وإنَّما يطردُ منه مواضع نصَّ عليها أهل اللِّسَانِ ليس هذا منها. وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النُّحَاةِ يسمَّى العطف على التوهُّم يعني كأنَّهُ توهم وجود الباء زائدة في خبر "لَيْسَ"، لأنها يكثر زيادتها، ونظَّروا ذلك بقوله تعالى: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون: 10] بجزْمِ "أكن" عَطْفاً على "فأصَّدقَ" على توهُّم سقوط الفاء من "فأصَدَّق" نص عليه سيبويه وغيره، فظهر فسادُ هذا التخريج. وأما قراءة الرَّفْع فعلى الابتداء، والخبرُ محذوفٌ، أي: وأرْجُلكم مغسولة، أو ممسوحة على ما تقدَّم في حكمها [والكلام] في قوله "إلى الكَعْبَيْنِ" كالكلام في "إلى المرفقين". "والكَعْبَان" فيهما قولان [مشهوران]. أشهرهما: أنَّهُما العظمان الناتئان عند مفصل السَّاق والقَدمِ في كل رجل كعبان. والثاني: أنَّهُ العظم النّاتئ في وجه القَدَمِ، حيث يجتمع شراك النَّعْلِ، ومراد الآية هو الأوَّل. والكَعْبَةُ، كُلُّ بيت مُرَبَّع، وسيأتي [بيانه] في موضعه إن شاء الله - تعالى -. فصل قد تقدَّم كلام النُّحاة في الآية. وقال المُفَسِّرون: من قرأ بالنصْب على تقدير: "فاغْسِلُوا وجوهكم، وأيديكم، واغسلوا أرجلكم" ومن قرأ بالجرِّ فذهب بعضهم إلى أنَّه يمسح على الرجلين. روي عن ابن عباس أنَّه قال: "الوُضُوء غَسْلتَانِ وَمَسْحَتَانِ"، ويروى ذلك عن عكرمة وقتادةَ. قال الشَّعبيُّ: نزل جبريل بالمسحِ، وقال: ألا ترى التيمُّمَ ما كان غسلاً، ويلقى ما كان مسحاً. وقال مُحَمَّدُ بْنُ جرير: يتخيرُ المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين، وذهب جماعةُ من أهل العلم من الصحابَةِ والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين، وقالوا: خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم كقوله: {أية : عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} تفسير : [هود: 26]، فالأليم صفة العذاب، ولكنَّه جرّ للمجاورة كقولهم: "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِب". ويدلُّ على وجوب غسل الرِّجلين ما روى عبد الله بن عمرو، قال: حديث : تخلفَ عنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في سفر سافرناهُ، فأدركناه وقد راهقتنا صلاة العصر ونحن نتوضّأ، فجعلنا نمسحُ على أرْجُلِنَا، فَنَادَانَا بأعلى صوته: "وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّار" ". تفسير : والأحاديثُ الواردة في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كثيرة، وكلهم وصفوا غسل الرجلين. وقال بعضهم: أراد بقوله "وأرْجلكُم": المسح على الخفين، كما حديث : رُوي أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - "كَانَ إذا رَكَع وضَعَ يَدَهُ على رُكْبَتَيْهِ"تفسير : وليس المرادُ منه أنَّهُ لم يكن بينهما حائل، ويقالُ: قبَّلَ فلان رأس الأمير ويده، وإنْ كانت العمامة على رأسِهِ ويده في كمه فالواجب في غسل أعضاء الوضوء هذه الأربعة. فصل: حكم النيّة في الوضوء اختلفوا في وجوب النية فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها لأن الوضوء عبادة فيفتقر إلى النية كسائر العباداتِ، ولقوله عليه السلام: "حديث : إنَّما الأعْمَالُ بالنيَّات" تفسير : وذهب النووي وأصحاب الرّأي إلى عدم وجوبها. فصل [حكم الترتيب] واختلَفُوا في وجوب الترتيب وهو أن يغسل أعضاءه على التَّرْتيب المذكور في الآية فذهب مالكٌ والشافعيُّ، وأحمد وإسحاق إلى وجوبه، ويروى ذلك عن أبي هريرة، واحتجُّوا بقول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} فاقتضى وجوب الابتداء بغسل الوجه؛ لأنَّ الفاء للتّعقيب، وإذا أوجب الترتيب في هذا العضو؛ وجب في غيره، إذ لا قائل بالفرق. [قالوا: فاء التعقيب إنما دخلت] في جملة هذه الأعمال، فجرى [الكلام] مجرى قوله: إذا قُمتمْ إلى الصلاةِ، فأتوا بمجموع هذه الأفعال. قلنا: فاء التّعقيب إنّما دخلت على الوجه لالتصاقها بذكر الوجه، وبواسطة دخولها على الوجْهِ، دخلت على سائر الأفعالِ، فكان دخولها على الوجه أصل، ودخولها على المجموع تبع لدخولها على غسل الوجه، فنحنُ اعتبرنا دلالة الفاء في الأصْلِ، واعتبرتموها في التبع، فكان قولنا أولى. وأيضاً فقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ابْدَءوا بما بَدَأ اللَّهُ بِه" تفسير : يقتضي العموم، وأيضاً فإهمال الترتيب في الكلام مستقبح فيجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، وكونه تعالى أدرجَ ممسوحاً بين مغسولَيْن، وقطع النّظير عن النظير، يدلُّ على أنَّ التَّرتيب مراد. وأيضاً فإن وجوبَ الوضُوءِ غير معقول المعنى؛ لأنَّ الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر، وأعضاء المحدث طَاهِرَةٌ، لأنَّ الميت لا ينجس حيّاً ولا ميتاً، وتطهير الطَّاهر محالٌ. وأقيم التيمم مقام الوضوء وهو ضدّ النظافة والوضاءة، وأقيم المَسْح على الخفين مقام الغسل، وذلك لا يفيدُ في نفس العُضْوِ نظافة ألْبَتَّةَ. والماء [العَفِن] الكَدِرُ يفيد الطَّهارة، وماء الورد لا يفيدها، وإذا كان غير معقول المعنى وجب الاعتماد فيه على مورد النَّصِّ لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور إما لمحض التعبد، أو لحكمة خفية لا نعرفها، ولهذا السّبب أوجبنا الترتيب في أركان الصلاة، وذهب جماعة منهم أبو حنيفة إلى أن الترتيب ليس بواجب، قالوا: لأنَّ ذلك زيادة على النَّصِّ فلا يجوز؛ لأنَّه نَسخٌ. والواوات المذكورة [في الآية للجمع] لا للترتيب كالواوات في قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ} تفسير : الآية [التوبة: 60]. واتفقوا على أنه لا يجب الترتيب في صَرْفِ الصَّدقاتِ، فكذلك هنا. وأجيبوا بأن قولهم: الزيادة على النّص نسخٌ، ممنوع على قيد في علم الأصول. وأمَّا الصَّدقات: فلم يرو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ راعى التّرتيب فيها. وفي الوُضُوءِ لم ينقل أنَّهُ توضَّأ إلا مرتباً، وبيان الكتاب يؤخذ من السُّنَّةِ، قال تعالى: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] وقال [الله] تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} تفسير : [الحج: 77]، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قدم السُّجود على الرُّكوع، بل راعى الترتيب، فكذلك هاهنا. فصل حكم المولاة الموالاة أوجبها مالكٌ وأحْمَدُ، وقال أبو حنيفة والشَّافِعيُّ [في الجديد] ليست شرطاً لصحة الوُضُوء. فصل لو كان على وجهه أو بدنه نجاسة فغسلها أو نوى الطَّهارة عن الحدث بذلك الغُسْلِ، فقال بعض العلماء: يكفي لأنَّه أمر بالغسل، وقد أتى به، فيخرج عن العهدة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"تفسير : . فيجب أن يحصل له المنوي. فصل لو وَقَفَ تحت ميزاب حتى سال عليه الماء، ونَوَى رفْع الحدثِ، فقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنه أمر بالغسلِ، والغَسْلُ عملٌ وهو لم يَأتِ بالعَملِ، وقيل: يَصِحُّ؛ لأنَّ الغَسْلَ عِبارَةٌ عن الفِعْلِ المُفْضِي [إلى الانغسال] وُوُقُوفُهُ تَحْتَ الميزَابِ فعلٌ مُفْضٍ إلى الاغتسال، فكان غُسْلاً. فصل إذا غَسَلَ هذه الأعْضَاء ثم بعد ذلك تَقَشَّرَت الجلْدَة عنها، فَمَا ظَهَر من تحت الجلْدَة غير مَغْسُولٍ، فالأظْهَرُ وجُوب غَسْلِهِ؛ لأنَّه تعالى أمَرَ بِغَسْلِ هذه الأعْضَاءِ، وذلك الموْضِعُ غير مَغْسُول، إنَّما المغْسُول هو الجِلْدَة التي زَالَت. فصل لو أخَذَ الثَّلْج وأمَرَّه على هذه الأعْضَاءِ، فإن كان الهَوَاءُ حَارًّا يُذيبُ الثَّلْجَ ويُسِيلُهُ جاز وإلا فلا، خِلافاً للأوْزَاعِي. لنا: أنَّ هذَا لا يُسَمَّى غُسْلاً، فأُمِرَ بالغسْلِ. فصل في التسمية في الغسل التَّسْمِيَةُ في أوَّل الغسل والوُضُوءِ: قال أحْمَد وإسْحَاق: واجِبَةٌ. وقال غَيْرُهُما: هي سُنَّةٌ؛ لأنَّهَا لَيْسَت مَذْكُورة في الآيَةِ، واسْتَدلُّوا عليه بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا صَلاَة إلاَّ بِوُضُوءٍ، ولا وُضُوءَ لِمَن لم يَذْكُرِ اسْمَ الله عليْه ". تفسير : قوله - سبحانه -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}. قال الزَّجَّاج: مَعْنَاهُ تَطَهَّرُوا؛ لأن "التَّاء" تُدْغَمُ في "الطَّاءِ"؛ لأنَّهُمَا من مَكَانٍ واحِدٍ، فإذا أدْغِمَت "التَّاء" في "الطَّاء" سُكِّنَ أوَّلُ الكَلِمَة فَزيدَ ألِفُ وصْلٍ ليُبْتَدَأ بها، فَقِيل: "اطَّهَّرُوا". ولمَّا ذَكَر تعالى كَيْفِيَّة الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، ذكر بعدَهَا الطَّهارة الكُبْرَى، وهي الغُسْلُ من الجَنَابَةِ. ولمَّا كانت الطَّهَارَةُ الصُّغْرى مَخْصُوصَة ببعض الأعْضَاءِ، لا جَرَم ذكر تِلْكَ الأعْضَاء على التَّعْيين، ولما كانت الطَّهَارَةُ الكُبْرَى في كُلِّ البَدَنِ أُمِرَ بها على الإطْلاَقِ. رَوتْ عَائِشَةُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان إذا اغْتَسَل من الجَنَابَةِ بَدَأ فَغَسَل يَدَيْهِ، ثم تَوَضَّأ كما يتوَضَّأ للصَّلاة، ثم يُدْخِلُ أصَابِعَهُ في الماءِ فَيُخَلِّل بها أصُولَ شَعْرِهِ، ثم يَصُبُّ المَاءَ على رَأسِهِ ثلاثَ غَرْفَاتٍ بيدهِ، ثم يَفيضُ الماءَ عَلى جِلْدِهِ كُلِّهِ. فصل قال القُرْطُبِي: قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} أمر بالاغْتِسَالِ بالمَاءِ، وكذلك رأى عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ: أنَّ الجُنُبَ لا يَتَيَّممُ ألْبَتَّةَ، بل يَدَعُ الصَّلاة حتى يَجِد المَاءَ، وهذا يَرُدُّهُ قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : وجُعِلَ لِيَ الأرْضُ مَسْجِداً وتُرَابُها طهُوراً" تفسير : وقوله: "حديث : التُّرَابُ طهُورُ المُسْلِمِ، ما لم يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنين"تفسير : ، وحديثُ عُبَادة، وحديثُ عمرَان بن الحصين أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - رأى رَجُلاً معهُ ماء لم يصلّ في القومِ الحديث. فصل ولِحُصُولِ الجَنَابَةِ سَبَبَانِ: الأوَّلُ: نُزُول المَنِيِّ، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّما الماءُ من المَاءِ ". تفسير : والثاني: في التِقَاءِ الختانَيْنِ، وقال زَيْدُ بن ثابتٍ، ومُعاذ [وأبو سعيد الخُدْرِي:] لا يَجِبُ الغُسْلُ إلاَّ عِنْد نُزُولِ المَاءِ. لنا: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذا الْتَقَى الخِتَانَان وجَبَ الغُسْلُ وإنْ لَمْ يُنْزِلْ"تفسير : ، وختانُ الرَّجُلِ: هو المَوْضِعُ الذي يقطع منه جِلْدَةُ القلفَةِ، وأما خِتَانُ المرْأةِ فَشَفْرَان مُحِيطَانِ بِثَلاثَةِ أشْيَاء: ثُقْبَةٌ في أسْفَلِ الفَرْجِ وهو مَدْخَلُ الذَّكَرِ ومَخْرَجُ الحَيْضِ والولدِ، وثُقْبَةُ [أخْرَى] فَوْقَ [هذه] مثل إحْلِيلِ الذَّكَرِ وهي مَخْرجُ البَوْلِ لا غير، [وفوق] ثُقْبَة البَوْل مَوْضِعُ خِتَانِهَا، وهُنَاكَ جِلْدَةٌ رَقيقَةٌ قَائِمَةٌ مِثْل عُرْف الدِّيك، وقَطْعُ هذه الجِلْدةِ هُو خِتَانُها، فإذا غَابَتِ الحَشْفَةُ حتى حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانها، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ. فصل في حكم الدلك الدَّلْكُ غير واجبٍ؛ لأنَّه لم يُذْكَر في الآيةِ، وقال - عليه الصلاة والسلام - لما سُئِلَ عن الاغْتِسَالِ من الجنابَةِ - قال: "حديث : أمَّا أنَا فأحْثِي على رَأسِي ثلاثَ حَثَيَاتٍ فأنَا قد طَهُرْت" تفسير : ولم يَذْكُر الدَّلْك. قال مالكٌ: هُوَ وَاجِبٌ. فصل والمَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ واجبانِ في الغُسْلِ عِنْد أبِي حَنِيفَة وأحْمد، وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَجِبَانِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أمَّا أنَا فأحْثِي على رَأسِي ثلاثَ حَثَيَاتٍ" تفسير : ولمْ يَذْكُرْهُمَا، واحتَجَّ الأوَّلُون بقوله: "فاطَّهَّرُوا" فأمر بِتَطهِير جَمِيع الأجْزَاءِ وترك العَمَل به في الأجْزَاء البَاطِنَة لتعذُّرِ تَطْهِيرها، وداخِلِ الأنْفِ والفَمِ يُمْكِنُ تَطْهِيرُها فدخَلا تَحْتَ النَّصِّ، وبِقَوْلِه - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : بلُّوا الشَّعْرَ وانْتِفُوا البَشَرة، فإنَّ تَحْتَ كلِّ شَعْرةٍ جَنَابَة"تفسير : ، فيدخل الأنْفُ؛ لأنَّ في داخِلِهِ شَعْرٌ، وقوله: "حديث : وانتفِوا البَشَرة" تفسير : يَدْخُلُ فيه جِلْدَة داخل الفَمِ؛ لأنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الظَّاهِرِ بحيث لَوْ وُضِعَ في فَمهِ لم يفطر، ولوْ وضع فيه خَمْراً لم يُحَدَّ. والأكثَرُون على عَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتيبِ في الغُسْلِ، وقال إسحاق: يَجِبُ البَدَاءَةُ على البَدَنِ. قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}. قال مَكِّي: من جعل الصَّعيد: الأرْضَ، أو وَجهَ الأرْضِ نصب "صعيداً" على الظَّرْف، ومنْ جَعَل الصَّعيد: التُّرَاب نَصَبَ على أنَّهُ مَفْعُولٌ به، حذف مِنْهُ حرف الجَرِّ: بِصَعِيدٍ، و"طَيِّباً" نَعْتُهُ، أي: نَظِيف. وقيل: طيِّباً مَعْنَاهُ: حَلالاً، فَيَكُون نَصْبُهُ على المَصْدَرِ، أو على الحَالِ. فصل وهذا يَدُلُّ على جَوَازِ التَّيَمُّم للمَرِيضِ، ولا يُقَال: إنَّه شَرَط فيه عَدَمَ المَاءِ؛ لأنَّ عدم المَاءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ مَرَضٍ، وإنَّما يَرْجِع قوله: {فَلَمْ [تَجِدُواْ] مَآءً} إلى المُسَافِر. والمَرضُ ثلاثةُ أقْسَامٍ: أحدها: أن يَخَافَ الضَّرَر والتَّلَفَ باسْتِعْمَال الماءِ، فهذا يجُوزُ له التَّيَمُّم بالاتِّفَاقِ. والثاني: ألاَّ يخافَ الضَّرَرَ [ولا] التَّلَفَ، فقال الشَّافِعِيُّ: لا يجُوزُ له التَّيَمُّمُ، وقال مالِكٌ وأبُو حَنِيفَة: يجُوزُ لِقَوْلِهِ: {وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى}. الثَّالِثُ: أنْ يَخَافَ الزِّيَادَةَ في العِلَّةِ، وبُطْءَ البرءِ، فيجوزُ لَهُ التَّيَمُمُ عند أحْمد، وفي أصَحِّ القَوْلَيْن للشَّافِعِيِّ، وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة، فإن خَافَ بقاء شين في العُضْوِ، فقال بَعْضُهُم: لا يَتَيممُ، وقال آخَرُون: يتَيممُ وهو الصَّحِيحُ. فصل يجوز التيمم في السَّفَرِ القَصِيرِ، للآيَة، وقال بَعْضُهُم: لا يجوزُ؛ إذا كان مَعَهُ مَاءٌ وحيوانٌ مُشْرِفٌ على الهَلاك جَازَ له التَّيَمُّمُ، ووَجَب صَرْفُ المَاء إلى [ذَلِكَ] الحَيَوان. فصل فإن لَمْ يكنْ مَعَهُ ماءٌ، وكان مع غيره، ولا يُمْكِنه أن يشْتَرِيَهُ إلاَّ بالغَبْنِ الفَاحِشِ جَازَ لَهُ التَيمُّم، لقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]، فإن وَهَبَ منه ذلك الماء، فقيل: لا يَجِبُ قُبُولُه لِمَا فِيهِ مِن المنَّة، فإن أُعِير [منه] الدَّلْو والرشاء، فقال الأكْثَرُون: لا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِقِلَّةِ المِنَّة في هَذِه العَادَةِ. فصل إذا جَاءَ من الغَائِط وَجَب عَلَيْه الاستنْجَاءُ، إمَّا بالحَجَارَةِ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : فليَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أحْجَارٍ ". تفسير : وقال أبُو حَنِيفَة: لا يَجِبُ؛ لأنَّهُ تعالى أوْجَبَ عِندَ المَجِيءِ مِن الغَائِطِ الوُضُوءَ والتَّيَمُّمَ؛ ولم يُوجِبْ غُسْلَ مَوْضِعِ الحَدَثِ. [فصل انتقاض وضوء اللامس والملموس ظاهِرُ قوله {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} يَدلُّ على انتقاضِ وضوء اللاَّمس، وأمَّا انتقاض وضوء الملمُوس فَغَيْرُ مَأخُوذٍ من الآيَة، وإنَّما أُخِذَ من الخَبَرِ أو مِن القياسِ الجَليِّ]. فصل يَجُوزُ الوُضُوءُ بِمَاء البَحْرِ، وقال عَبْدُ الله بن عَمْرو بن العاصِ: "لا يَجُوزُ بل يَتَيممُ". ولنَا: أنَّ التَيَمُّمَ شَرْطُهُ عدم المَاءِ، ومن وَجَدَ مَاءَ البَحْرِ فإنَّهُ واجِدٌ لِلمَاءِ. فصل قال أكثرُ العُلَمَاء: لا بُدَّ في التَّيَمُّمِ من النِّيَّةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عِبَارَةٌ عن القَصْدِ، وقال زفر: لا تَجِبُ. فصل في الخلاف في حد تيمم المرفقين قال الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة: [التيمُّمُ] في اليَدَيْن إلى المِرْفَقَيْنِ، وعن عَلِيٍّ وابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهم - إلى الرُّسْغَيْنِ، وعن مَالِكٍ وغيرِهِ إلى الكُوعَيْن، [وعن] الزُّهرِي إلى الآبَاطِ. فصل في وجوب استيعاب العضو بالتراب يجب اسْتِيعَابُ العُضْوين في التَّيَمُّمِ، ونَقَل الحسنُ بنُ زِيادٍ عن أبِي حنيفة: إذا يَمَّمَ الأكْثَر جَازَ؛ لأن "البَاء" في قوله: "بِرُؤوسِكُمْ" يَقْتَضِي مَسْحَ البَعْضِ، فكذا هَاهُنَا. فصل في صفة التراب إذا لَمْ يَكُن لِلتُّرابِ غُبَارٌ يَعْلَقُ بالْيَدِ لم يَجُزِ التَّيَممُ به وهو قَوْل الشَّافِعِيِّ وأبي يُوسُف، وقال أبُو حَنيفَة ومالِكٌ: [يجزئه، وقال الشافعي: لا يجُوزُ التِّيَمُّمُ إلا بالتُّرَابِ الخَالِصِ، وقال أبو حنيفَة]: يَجُوزُ بالتُّرَاب وبالرَّمْلِ وبالخَزَفِ المَدْقُوقِ والجَصّ والمدر والزَّرنِيخ. لنا: ما روى ابْنُ عبَّاسٍ أنه قال: "الصَّعِيدُ هُو التُّرَابُ". فصل لو وَقَفَ في مَهَبِّ الرِّيَاحِ، فَسَفَتْ عليه التُّرابَ وأمَرَّ يَدَهُ [عليه] أوْ لَمْ يُمِرَّهَا، فظَاهِرُ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أنَّهُ لا يَكْفي. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقين: إنَّهُ لا يَكْفِي؛ لأنَّهُ قَصَدَ اسْتِعْمال الصَّعيدِ في أعْضَائِهِ. فصل قال الشَّافِعِيُّ وأحمَد: لا يجُوز التَيَمُّمُ إلا بَعْدَ دُخُول الوَقْتِ، لقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} [والقِيَامُ إلى الصلاة] لا يكُونُ إلاَّ بَعْدَ دُخُولِ وقتها. فصل إذَا ضَرَب ثَوْباً فارْتَفَع مِنْهُ غُبَارٌ، فقال أبُو حنيفة: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وقال أبُو يُوسف: لا يَجُوزُ. فصل لا يُجُوزُ التَّيَمُّمُ بتُرَابٍ نَجِسٍ، لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} والنَّجِسُ لا يكُونُ طيِّباً. وفُرُوع [التَّيَمُّم] كثيرة مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قوله - سبحانه - "مِنْهُ" في مَحَلِّ نَصْبٍ مُتَعَلِّقاً بـ "امْسَحُوا"، و"مِنْ" فيها وجهان: أظْهَرُهُمَا: أنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ. والثاني: أنَّها لابْتِدَاء الغَايَةِ، ولهذا لا يُشْتَرَطُ عند هؤلاءِ أنْ يتعلَّقَ [باليَدِ] غُبَارٌ. وقوله تعالى: "لِيَجْعَلَ": الكلام في هذه "اللاَّم" كالكلام عَلَيْهَا في قوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 26]، إلا أنَّ مَنْ جَعَل مَفْعُولَ الإرَادَةِ مَحْذوفاً، وعلَّق به "اللاَّم" من "لِيَجْعَلَ" زاد "من" في الإيجَابِ في قوله: "مِنْ حَرَجٍ"، وسَاغَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في حَيِّزِ النَّفْي، وإنْ لَمْ يَكُنِ النَّفْي واقعاً على فِعل الحَرَجِ، و"مِنْ حَرَجٍ" مَفْعُولٌ "لِيَجْعَلَ". و"الجَعْلُ": يحتمل أنَّهُ بمعنى الإيجَادِ والخَلْقِ، فَيَتَعَدَّى لواحد وهو "من حرج" و"من" مزيدة فيه كما تقدَّم، ويتعَلّق "عَلَيْكُم" حينئذٍ بالجَعْلِ، ويجُوزُ أن يتعلَّق بـ "حَرَجٍ". فإن قِيلَ: هُو مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ لا يَتَقَدَّم معمولُه عليه، قيل: ذلك في المَصَدرِ المُؤوَّلِ بحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفعل، لأنه بِمَعْنَى المَوْصُول، وهذا لَيْسَ مُؤوَّلاً بِحَرْف مَصْدَرِيٍّ، [ويجُوز أن يكون الجَعْلُ بِمَعْنَى التَّصْيير]، فَيَكُون "عَلَيْكُم" هُوَ المَفْعُول الثَّانِي. فصل في معنى الآية المَعْنَى {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم}: بما فَرَضَ من الوُضُوء والغُسْلِ والتَّيَمُّمِ، "من حَرَجٍ": من ضِيق، {ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}: من الأحْدَاثِ والجَنَابَات والذُّنُوبِ. فصل قالت المعتزِلَةُ: دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ الأصْلَ في المضارِّ ألاَّ تكون مَشْرُوعَةً، فإنَّه تعالى ما جعل عَلَيْنَا في الدِّين مِنْ حَرَجٍ، وقال تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ في الإسلام" تفسير : وأيْضاً فَدَفْع الضَّررِ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُول، فوجَبَ أن يَكُونَ كَذَلِكَ في الشَّرع. قوله - سبحانه -: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}. اخْتَلَفُوا في تَفْسِير هذا التَّطْهِير، قال جُمْهُور الحَنفيَّةِ: إنَّ عند خُرُوجِ الحَدَثِ تنجس الأعْضَاءُ نَجاسَةً حُكْمِيَّةً، والمَقْصُود من هذا التَّطْهِير إزَالَةُ [تلك] النجاسَةِ الحُكْمِيَّةِ، وهذا بَعِيدٌ لِوُجُوه: إحداها: قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28]، وكَلِمَةُ "إنَّما" للِحَصْر، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُؤمن لا تَنْجُسُ أعْضَاؤُه. وثانيها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : المُؤمِنُ لا تَنْجُسُ أعْضَاؤُه لا حَيَّا ولا مَيِّتاً ". تفسير : وثالثها: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ بَدَن المُحْدِثِ لو كَانَ رَطْباً، فأصَابَهُ ثَوْبٌ لَمْ يَنْجس الثَّوْب، ولَوْ حَمَلَهُ إنْسَانٌ وصَلَّى به لم تفسد صلاتُه. ورابعها: لو كان الحدثُ يُوجِبُ نجاسَةُ الأعْضَاءِ، ثم كَانَ تَطْهِيرُ الأعْضَاءِ الأرْبَعَة يُوجِبُ طَهَارة كُل الأعْضَاء، لوَجَبَ ألاَّ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ باخْتِلاَف الشَّرَائِعِ، والأمْرُ لَيْس كذلِكَ. وخامسها: أنَّ خُروج النَّجَاسَةِ من مَوْضِع، كيف يُوجِبُ تَنَجُّسَ مَوضِعٍ آخَر؟. وسادسها: أنَّ المَسْح على الخُفَّيْنِ قَائِمٌ مقَامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْن، ومَعْلُومٌ أنَّ هذا لا يُزِيلُ شَيْئاً ألْبَتَّةَ عن الرِّجْلَين. وسابعها: أنَّ الذي يُرَاد زوالُهُ إنْ كانَ جِسْماً، فالحسّ يَشْهَدُ ببُطْلاَن ذلك، وإنْ كان عَرَضاً فَهُوَ مُحَالٌ، لأنَّ انتِقَالَ الأعْرَاضِ مُحَالٌ. القولُ الثاني: أنَّ المُرَادَ به التَّطْهِير من المَعَاصِي والذُّنُوب، وهو المُرَادُ بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذَا تَوَضَّأ العَبْدُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ من وَجْهِهِ وكذا يَدَيْهِ ورَأسِهِ ورِجْلَيْه ". تفسير : وقوله تعالى: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}. قال مُحَمَّد بن كَعْبٍ: إتمَامُ النِّعْمةِ تَكْفِيرُ الخَطَايَا بالوُضُوءِ، وهَذَا الكَلاَمُ مُتَعَلِّق بما ذَكَرَهُ أوَّل السّورةِ من إبَاحَةِ الطَّيِّبَاتِ من المَطَاعِم والمَنَاكِح، ثُمَّ بَيَّن بَعْدَه كَيْفِيَّة فَرْضِ الوُضُوءِ، كأنَّهُ قال: إنَّما ذَكَرْت ذلِكَ لتتمَّ النَّعْمَة المَذْكُورَةُ أوَّلاً، وهِيَ نِعْمَةُ الدُّنْيَا، وهذه النِّعْمَةُ المَذْكُورة الثَّانِيَةُ وهي نِعْمَة الدِّين. وقيل: المُرادُ {ليتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} بالرخص بالتَّيَمُم، والتَّخْفِيفِ في حالِ المَرَضِ والسَّفَر، فاسْتَدَلُّوا بذلك على أنَّه تعالى يُخَفِّفْ عَنْكُمْ يَوْمَ القيامةِ، بأنْ يَعْفُوَ عَنْ ذُنُوبِكُمْ. ويَتَجَاوَز عَن سَيِّئَاتِكُمْ. قوله - جلا وعلا -: "عَلَيْكُمْ" فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أظهرُهَا: أنَّهُ مُتَعلِّقٌ بـ "يُتِمّ". والثاني: أنَّهُ مُتعلِّق بـ "نِعْمَتِهِ". والثالث: أنَّهُ مُتَعلِّقٌ بمحذُوفٍ على أنَّهُ حالٌ من "نِعْمَتِهِ". ذكر هَذَيْن الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْن أبُو البَقَاءِ، وهَذِه الآيَةُ بِخِلاف التي قَبْلَها [في قوله]: {أية : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} تفسير : [المائدة: 3]، حَيْثُ امْتَنَعَ تَعَلُّقُ الجَارِّ بالنِّعْمَةِ؛ لتَقَدُّم مَعْمُول المصْدَر [عليه] كما تَقَدَّم بَيَانُهُ. قال الزَّمَخشَرِيُّ: وقُرِىءَ "فأطْهِرُوا" أي: أطْهِرُوا [أبْدَانَكُمْ]، وكَذِلِكَ "لِيُطْهِرَكُمْ"، يعني: أنَّهُ قُرِىءَ "أطْهِرُوا" أمْرٌ من "أطْهِرْ" رُبَاعِيّاً كـ "أكْرِمْ"، ونسب النَّاسُ القِرَاءَةَ الثَّانِية، أعني قوله: "لِيُطْهِرَكُم" لسَعِيدِ بن المُسَيَّب. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، والكَلاَمُ في لَعَلَّ مَذْكُور في البقرة عند قوله {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 183].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني بسند ضعيف عن علقمة بن صفوان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، فقلنا: يا رسول الله، نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا! حتى نزلت آية الرخصة {يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...} الآية. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن بريدة قال "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله! قال: إني عمداً فعلت يا عمر ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وابن عباس. حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" . تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبدالله بن حنظلة بن الغسيل "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أوغير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث". وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن علي أنه كان يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ {يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...} الآية. وأخرج البيهقي في سننه عن رفاعة بن رافع. حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين" . تفسير : وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم والنحاس، أن معنى هذه الآية {إذا قمتم إلى الصلاة...} الآية. إن ذلك إذا قمتم من المضاجع، يعني النوم. وأخرج ابن جرير عن السدي. مثله. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} يقول: قمتم وأنتم على غير طهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} قال: ذلك الغسل الدلك. وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما عن جابر بن عبدالله قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه". وأخرج ابن أبي شيبة عن طلحة عن أبيه عن جده قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه هكذا، وأمرَّ حفص بيديه على رأسه حتى مسح قفاه". وأخرج ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن ابن عباس انه قرأها {وأرجلكم} بالنصب، يقول: رجعت إلى الغسل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي أنه قرأ {وأرجلكم} قال: عاد إلى الغسل. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس عن ابن مسعود. أنه قرأ {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} بالنصب. وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة. أنه كان يقرأ {وأرجلكم} يقول: رجع الأمر إلى الغسل. وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة أن ابن مسعود قال: رجع قوله إلى غسل القدمين في قوله {وأرجلكم إلى الكعبين}. وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال: قرأ الحسن والحسين {وأرجلكم إلى الكعبين} فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: أرجلكم هذا من المقدم والمؤخر في الكلام. وأخرج سعيد بن منصور عن أنس أنه قرأ {وأرجلكم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} قال: هو المسح. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجة عن ابن عباس قال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة. مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة. مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن أنس. أنه قيل له: إن الحجاج خطبنا فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما، وظهورهما وعراقيبهما. فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح على القدمين، ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلاً ويلقى ما كان مسحاً. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش والنحاس عن الشعبي قال: نزل القرآن بالمسح وجرت السُّنة بالغسل. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش قال: كانوا يقرؤونها {برؤوسكم وأرجلكم} بالخفض، وكانوا يغسلون. وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم قال: "مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بغسل القدمين". وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: لم أرَ أحداً يمسح القدمين. وأخرج ابن جرير عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل. وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يمسح على الخفين قبل نزول المائدة وبعدها حتى قبضه الله عز وجل". وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبدالله بن عمر فقال عمر: سعد أفقه منك. فقال عمر: يا سعد، إنا لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح، ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة؟، فإنها أحكمت كل شيء، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن إلا براءة. قال: فلم يتكلم أحد. وأخرج أبو الحسن بن صخر في الهاشميات بسند ضعيف عن ابن عباس قال "نزل بها جبريل على ابن عمي صلى الله عليه وسلم {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} قال له: اجعلها بينهما. وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي واللفظ له عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على الخفين، قال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح! قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة. قال: ما أسلمت إلابعد نزول المائدة. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن جرير بن عبدالله قال "قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة، فرأيته يمسح على الخفين". وأخرج ابن عدي عن بلال قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : امسحوا على الخفين ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن القاسم بن الفضل الحداني قال: قال أبو جعفر: من الكعبين فقال القوم: ههنا؟ فقال: هذا رأس الساق، ولكن الكعبين هما عند المفصل. أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وإن كنتم جنباً فاطهروا} يقول: فاغتسلوا. وأخرج ابن أبي شيبة حديث : عن ابن عمر قال "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل جيد الثياب، طيب الريح، حسن الوجه، فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك السلام. قال: أدنو منك؟ قال: نعم. فدنا حتى ألصق ركبته بركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج إلى بيت الله الحرام، وتغتسل من الجنابة، قال: صدقت. فقلنا: ما رأينا كاليوم قط رجلاً - والله - لكأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسم؟!". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن وهب الذماري قال: مكتوب في الزبور "من اغتسل من الجنابة فإنه عبدي حقاً، ومن لم يغتسل من الجنابة فإنه عدوي حقاً". أما قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} الآية. أخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: حديث : احتلم رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجذوم فغسلوه فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قتلوه قتلهم الله، ضيعوه ضيعهم الله" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس. أنه كان يطوف بالبيت بعدما ذهب بصره، وسمع قوماً يذكرون المجامعة والملامسة والرفث ولا يدرون معناه، واحد أم شتى؟ فقال: "الله أنزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب، فما كان منه لا يستحي الناس من ذكره فقد عناه، وما كان منه يستحي الناس فقد كناه، والعرب يعرفون معناه، لأن المجامعة والملامسة والرفث ووضع أصبعيه في أذنيه، ثم قال:ألا هو النيك". وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {أو لامستم النساء} قال: أو جامعتم النساء، وهذيل تقول اللمس باليد. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: شعر : يلمس الاحلاس في منزله بيديه كاليهودي المصل تفسير : وقال الأعشى: شعر : ودارعة صفراء بالطيب عندنا للمس الندى ما في يد الدرع منتق تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} قال: إن أعياك الماء، فلا يعييك الصعيد أن تضع فيه كفيك ثم تنفضهما فتمسح بهما يديك ووجهك، لا تعدو ذلك لغسل جنابة ولا لوضوء صلاة، ومن تيمم بالصعيد فصلى ثم قدر على الماء فعليه الغسل وقد مضت صلاته التي كان صلاها، ومن كان معه ماء قليل وخشي على نفسه الظمأ فليتيمم الصعيد، ويتبلغ بمائه، فإنه كان يؤمر بذلك والله أعذر بالعذر. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: "سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنى رأسه في حجري راقداً، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة؟ فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم..} الآية. فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله فيكم يا آل أبي بكر". وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن ماجة، عن عمار بن ياسر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس باولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فجلس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة الطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى المناكب، من بطون أيديهم إلى الابط". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {من حرج} قال: من ضيق. وأخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة. ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب ". تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن دارة عن حمران مولى عثمان، عن عثمان بن عفان "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : ما توضأ عبد فأسبغ وضوءه، ثم قام إلى الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى"تفسير : . قال محمد بن كعب القرظي: وكنت إذا سمعت الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التمسته في القرآن، فالتمست هذا فوجدته {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك} تفسير : [الفتح: 1-2] فعرفت أن الله لم يتم عليه النعمة حتى غفر له ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} حتى بلغ {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} فعرفت أن الله لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم. وأخرج ابن أبي شيبة من أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن جلس جلس مغفوراً له ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا تمضمض أحدكم حط ما أصاب بفيه، وإذا غسل وجهه حط ما أصاب بوجهه، وإذا غسل يديه حط ما أصاب بيديه، وإذا مسح رأسه تناثرت خطاياه من أصول الشعر، وإذا غسل قدميه حط ما أصاب برجليه ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة فغسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أوّل قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت كل خطيئة من سمعه وبصره مع أول قطرة، وإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين، سلم من كل ذنب كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته، وإن قعد قعد سالماً ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من توضأ فأسبغ الوضوء غسل يديه ووجهه، ومسح على رأسه وأذنيه، ثم قام إلى الصلاة المفروضة، غفر له ذلك اليوم ما مشت رجله، وقبضت عليه يداه، وسمعت إليه أذناه، ونظرت إليه عيناه، وحدث به نفسه من سوء ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من مسلم يتوضأ فيغسل يديه، ويمضمض فاه، ويتوضأ كما أمر، إلا حط عنه ما أصاب يومئذ ما نطق به فمه، وما مس بيديه، وما مشى إليه، حتى أن الخطايا لتتحادر من أطرافه، ثم هو إذا مشى إلى المسجد، فرِجل تكتب حسنة، وأخرى تمحو سيئة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ثعلبة بن عباد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء، فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ثم يغسل رجليه حتى يسيل الماء من كعبيه، ثم يقوم فيصلي، إلا غفر الله ما سلف من ذنبه ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مسلم يتوضأ للصلاة فيمضمض، إلاّ خرج مع قطر الماء كل سيئة تكلم بها لسانه، ولا يستنشق إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة نظر إليها بهما، ولا يغسل شيئاً من يديه إلاّ خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها، فإذا خرج إلى المسجد، كتب له بكل خطوة خطاها حسنة، ومحا بها عنه سيئة حتى يأتي مقامه ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عمرو بن عبسة قال: "قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، فقال:حديث : ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويمج، ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا جرت خطايا يديه بين أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه كما أمره الله، إلا جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله، إلا جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين، إلا انصرف من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {ويتم نعمته عليك} قال: تمام النعمة. دخول الجنة، لم تتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب، والترمذي والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب عن معاذ بن جبل قال "حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك الصبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت البلاء فاسأله المعافاة. ومر على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. قال: يا ابن آدم، هل تدري ما تمام النعمة؟ قال: يا رسول الله، دعوة دعوت بها رجاء الخير! قال: تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار. ومر على رجل وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال: قد استجيب لك فسل ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تتم على عبد نعمة إلا بالجنة ".
ابو السعود
تفسير : {يأيها الذين آمنوا} شروعٌ في بـيان الشرائع المتعلقةِ بدِينهم بعد بـيانِ ما يتعلقُ بدنياهم {إذا قمتم إلى الصلاة} أي أردتم القيامَ إليها كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل، الآية: 98] عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبَّبِ عنها مَجازاً للإيجاز، والتنبـيه على أن من أراد الصلاةَ حقُّه أن يبادِرَ إليها بحيث لا ينفك عن إرادتها، أو إذا قصدتم الصلاةَ إطلاقاً لاسمِ أحدِ لازميها على لازمِها الآخَرِ، وظاهرُ الآية الكريمةِ يوجبُ الوضوءَ على كل قائمٍ إليها وإن لم يكنْ محدِثاً، لما أن الأمرَ للوجوب قطعاً، والإجماعُ على خلافِه، وقد رويحديث : أن النبـي عليه الصلاة والسلام صلى الصلواتِ الخمسَ يومَ الفتح بوُضوءٍ واحد، فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه: صنعتَ شيئاً لم تكنْ تصنَعُه، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمداً فعلتُه يا عمر» تفسير : يعني بـياناً للجواز، وحُمل الأمرُ بالنسبة إلى غيرِ المحدثِ على الندب مما لا مَساغَ له، فالوجهُ أن الخِطابَ خاصٌّ بالمُحْدِثين بقرينةِ دَلالةِ الحال، واشتراطِ الحدَثِ في التيمم الذي هو بدلُه، وما نُقل عن النبـي عليه الصلاة والسلام والخلفاء من أنهم كانوا يتوضّؤون لكل صلاةٍ فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يفعلونه بطريق الوجوبِ أصلاً، كيف لا وما رُوي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: «حديث : من توضَّأ على طُهْرٍ كتبَ الله له عشرَ حسنات»تفسير : صريحٌ في أن ذلك كان منهم بطريق الندب، وما قيل من أنه كان ذلك أولَ الأمرِ ثم نُسخ يردُّه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المائدةُ من آخِرِ القرآن نزولاً فأحِلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها» تفسير : {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} أي أمِرُّوا عليها الماء، ولا حاجةَ إلى الدلك خلافاً لمالك {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} الجمهورُ على دخول المِرْفَقَين في المغسول، ولذلك قيل: (إلى) بمعنى مَعَ كما في قوله تعالى: {أية : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ }تفسير : [هود، الآية 52] وقيل: هي إنما تُفيد معنى الغاية مطلقاً، وأما دخولُها في الحُكْم أو خروجُها منه فلا دلالة لها عليه، وإنما هو أمرٌ يدور على الدليلِ الخارجي، كما في حفِظْتُ القرآنَ من أولِه إلى آخِرِه، وقوله تعالى: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ }تفسير : [البقرة، الآية 280] فإن الدخولَ في الأول والخروجَ في الثاني مُتيقَّنٌ بناءً على تحقُّق الدليل، وحيث لم يتحققْ ذلك في الآية وكانت الأيدي متناوِلةً للمرافِقِ حُكِمَ بدخولها فيها احتياطاً، وقيل: (إلى) من حيث إفادتُها للغاية تقتضي خروجَها، لكن لما لم تتميَّزِ الغايةُ هٰهنا عن ذي الغايةِ وجبَ إدخالُها احتياطياً. {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} الباءُ مزيدةٌ وقيل: للتبعيض، فإنه الفارقُ بـين قولِك مسَحْتُ المِنْديلَ ومسحتُ بالمنديل، وتحقيقُه أنها تدل على تضمينِ الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصِقوا المسحَ برؤوسِكم، وذلك لا يقتضي الاستيعابَ كما يقتضيه ما لو قيل: وامسحُوا رؤوسَكم، فإنه كقوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} واختلف العلماء في القدر الواجب، فأوجب الشافعيُّ أقلَّ ما ينطلِقُ عليه الاسمُ أخذاً باليقين، وأبو حنيفةَ ببـيانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مسح على ناصيته وقدِّرها برُبُعِ الرأس، ومالكٌ مسَحَ الكُلَّ أخذاً بالاحتياط {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} بالنْصب عطفاً على (وجوهَكم)، ويؤيده السنةُ الشائعةُ وعَمَلُ الصحابةِ وقولُ أكثرِ الأئمةِ والتحديدُ، إذِ المسْحُ لم يُعهَدْ محدوداً، وقرىء بالجرِّ على الجِوار، ونظيرُه في القرآن كثير، كقوله تعالى: {أية : عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } تفسير : [هود، الآية 26] ونظائرِه، وللنحاة في ذلك بابٌ مفرَدٌ، وفائدتُه التنبـيهُ على أنه ينبغي أن يقتصِدَ في صبِّ الماء عليها ويغسِلَها غسلاً قريباً من المسح، وفي الفصل بـينه وبـين أخواتِه إيماءٌ إلى أفضلية الترتيب، وقرىء بالرفع أي وأرجلُكم مغسولةٌ {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} أي فاغتسِلوا وقرىء (فاطْهُروا) أي فطهِّروا أبدانَكم وفي تعليق الأمرِ بالطهارة الكبرى بالحدثِ الأكبر إشارةٌ إلى اشتراط الأمر بالطهارةِ الصغرى بالحدث الأصغر. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} مرضاً يُخاف به الهلاكُ أو ازديادُه باستعمال الماء {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي مستقرِّين عليه {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِّنْهُ} مِنْ لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض، وهي متعلقةٌ بامسحوا، وقرىء فأمُّوا صعيداً وقد مر تفسيرُ الآية الكريمة مشبَعاً في سورة النساء فليرجَعْ إليه،ولعل التكريرَ ليتّصِلَ الكلامُ في أنواع الطهارة {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} أي ما يريد بالأمرِ بالطهارة للصلاةِ أو بالأمرِ بالتيمم {لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ} من ضيقٍ في الامتثال به. {وَلَـٰكِن يُرِيدُ} ما يريد بذلك {لّيُطَهّرَكُمْ} أي ليُنظِّفَكم أو ليطهِّرَكم عن الذنوب، فإن الوضوءَ مكفِّرٌ لها، أو ليطهرَكم بالتراب إذا أعْوَزَكم التطَهُّر بالماء، فمفعولُ (يريد) في الموضعين محذوفٌ، واللام للعلة، وقيل: مزيدة، والمعنى ما يريد الله أن يجعلَ عليكم من حرجٍ في باب الطهارة حتى لا يُرَخَّصَ لكم في التيمم، ولكن يريد أن يطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّرُ بالماء {وَلَّيْتُم} بشرعه ما هو مُطَهِّرَةٌ لأبدانكم ومُكفِّرةٌ لذنوبكم {نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} في الدين، أو ليُتم برُخَصِه إنعامَه عليكم بعزائمِه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته. ومن لطائف الآية الكريمة أنها مشتملةٌ على سبعةِ أمور كلُّها مثنى، طهارتانِ: أصلٌ وبدلٌ، والأصلُ اثنان: مستوعَبٌ وغيرُ مستوعبٍ، وغيرُ المستوعَبِ باعتبار الفعل غسلٌ ومسح، وباعتبار المحلِّ محدودٌ وغيرُ محدود، وأن آلتَهما مائعٌ وجامِد، وموجِبُهما حدثٌ أصغرُ وأكبرُ، وأن المبـيحَ للعُدول إلى البدلِ مَرَضٌ وسفر، وأن الموعودَ عليهما تطهيرُ الذنوب وإتمامُ النعمة.
التستري
تفسير : قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}[6] قال: الطهارة أربعة أشياء: صفاء المطعم وصدق اللسان ومباينة الآثام وخشوع السر، وكل واحد من هذه الأربعة يقابل بكل واحد من تطهير الأعضاء الظاهرة. قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}[6] يعني يطهركم من أحوالكم وأخلاقكم وأفعالكم، لترجعوا إليه بحقيقة الفقر من غير تعلق بسبب من الأسباب. والطهارة على سبعة أوجه: طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة الطاعة من المعصية، وطهارة اليقين من الشك، وطهارة العقل من الحمق، وطهارة الظن من النميمة، وطهارة الإيمان مما دونه، ولكل عقوبة طهارة، إلاَّ عقوبة القلب فإنها قسوة.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [الآية: 6]. قال: شرائع الطهارة معروفة، وحقيقتها لا ينالها إلا الموفقون من طهارة السر وأكل الحلال وإسقاط الوساوس عن القلب، وترك الظنون والإقبال على الأمر بحسب الطاقة. وقال سهل: أفضل الطهارات أن يطهر العبد من رؤية الطهارة. وقال سهل: الطهارة على سبعة أوجه: طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة الطاعة من المعصية، وطهارة اليقين من الشك، وطهارة العقل من الحمق، وطهارة الظن من التهمة، وطهارة الإيمان مما دونه، وكل عقوبة طاهرة إلا عقوبة القلب، فإنها قسوة. وقال سهل: إسباغ طهارة الظاهر يورث طهارة الباطن، وإتمام الصلاة يورث الفهم عن الله عز وجل. وقال سهل: الطهارة تكون فى أشياء: فى صفاء المطعم، ومباينة الآثام، وصدق اللسان، وخشوع السر، وكل واحد من هذه الأربع مقابل لما أمر الله بتطهيره من الأعضاء الظاهرة. قال ابن عطاء: البواطن موضع النظر من الحق، لأنه روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم " تفسير : فموضع النظر إلىَّ بالطهارة لحق. فالطهارة الظاهرة هو تطهير الأعضاء الظاهرة الأربع لاتباع الأمر والاقتداء وطهارة الباطن من الخيانات والجنايات وأنواع المخالفات وفنون الوسواس والغش والحقد والرياء والسمعة، وغير ذلك من أنواع النواهى لحق. وقال بعضهم: ليس شىء أشد على العارفين من جمع الهمم وطهارة السر. قال بعضهم: لا يصح لأحد طهارة الباطن إلا بأكل الحلال والنظر إلى الحلال وأخذ الحلال والمشى إلى الحلال وصدق اللسان هذا، أولئك طهارات الأسرار. قوله عز وعلا: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}. قال بعضهم: يريد أن يطهركم من أفعالكم وأحوالكم وأخلاقكم، ويفنيكم عنها لترجعوا إليه لحقيقة الفقر من غير تعلق ولا علاقة بسبب من الأسباب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}. كما أنَّ في الشريعة لا تصحُّ الصلاةُ بغيرِ الطهور فلا تصحُّ - في الحقيقة - بغير طهور. وكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر أيضاً طهارة، وطهارةُ الأبدان بماء السماء أي المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل. وكما يجب غسلُ الوجهِ عند القيام إلى الصلاة يجب - في بيان الإشارة - صيانة الوجه عن التبذُّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض. وكما يجب غسلُ اليدين في اليدين في الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة. وكما يجب مسحُ الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد. وكما يجب غسل الرِجْلين في الطهارة يجب صونهما في الطهارة الباطنة عن التنقل فيما لا يجوز. قوله جلّ ذكره: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ}. كما يقتضي غسل جميع البدن في الطهارة، كذلك في الطهارة الباطنة ما يوجب الاستقصاء؛ وذلك عندما تقع للمريد فَتْرةٌ فيقوم بتجديد عقدٍ، وتأكيد عهد، والتزام عزامة، وتسليم وقتٍ، واستدامة ندامة، واستشعار خجل. وكما أنه إذا لم يجد المتطهرُ الماءَ فَفَرْضُه التَّيَمُمْ فكذلك إذا لم يجد المريد مَنْ يفيض عليه صَوْبَ همته، ويغسله ببركات إشارته، ويعينه بما يؤوب به من زيادة حالته - اشتغل بما تيسَّر له من اقتفاء آثارهم، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سِيَرِهِم، وما ورد من حكاياتهم. وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف. قوله جلّ ذكره: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}. وتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة فلْيَحْطُطْ رِجْلَه بساحات العبادة، فإذا عَدِمَ اللطائف في سرائره فَلْيَسْتَدِمْ الوظائف على ظاهره، وإذا لم يتحقَّقْ بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة، وإن لم يتحرج عن تَرْكِه الفضيلة فلا يدنسْ تصرفه بالحرام والشبهة. قوله جلّ ذكره: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}. أي يظهر ظواهركم عن الزلة بعصمته، ويظهر قلوبكم عن الغفلة برحمته. ويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال، ويطهر ظواهركم عن الوقوع في شِباك الأشغال. ويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنُّسَ المقادير بالأعلال. قوله جلّ ذكره: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. إتمام النعمة على قومٍ بنجاة نفوسهم، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم، وشتَّان بين قوم وقوم!. ويقال إتمام النعمة في وفاء العاقبة؛ فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان والإيمان فقد تَمتْ سعادته، وصَفَتْ نعمته. ويقال إتمام النعمة في شهود المنعِم؛ فإنَّ وجودَ النعمة لكل أحد ولكنَّ إتمامَها في شهود المنعِم.
البقلي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} بدأ بغسل الوجه لانه منبت انوار تجلى الحق التى بزت من الوحدانية للارواح فعكست لطائفها على الوجوه وايضا خص الوجه بالغسل ابتداء لانه تعالى خلقه بنفسه بنقش خاتم ملك الصفات وسبب حكمة غسله بالماء انه مغير بغيار الشهوات منعوت بنعت الحدث وخاصية جوهر الماء انه تعالى خلقه من جوهر اول الفطرة حيث تجلى له من نور قدسه وسنا عظمته فاذا وصل الى الوجه صار طهور من دنس توجهه الى غير القدم ببركة نوره وقدسه الذى اصل جوهر الماء كذلك جميع الاعضاء فاذا كان العبد بهذه الصفة فى الطهور جدران يكون مقبلا الى الله بوجهه قال عليه الصلاة والسلام من توضأ فاحسن الوضؤ خرجت خطاياه من جسه حتى يخرج من تحت اظفاره والاشارة فى الأية الى تطهير الاسرار من الالتفات الى الاغيار لاقتباس الانوار بمياه الحزن التى تجرى من عيون قلب المجروح بالمحبة على سواقى العين فاذا كان مطهرا من غير الحق فصلوته ودعواته مستجابة اى اذا قمتم عنكم الى وصلتى ومشاهدتى ظهروا انفسكم من الحدوثية فى بحار الربوبية حتى تصلوا الى بى لان الحدث لا يقوم بازاء القدم قال ابو عثمان شرائط الطهارة معروفة وحقيقتها الا ينالها الا الموفقون من طهارة السر واكل الحلال واسقاط الوسواس عن القلب وترك الظنون والاقبال على الامر بحسب الطاقة وقال سهل افضل الطهارات ان يظهر العبد من رؤية طهارته قوله تعالى {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} تواتر العزائم بغير الرخص حرج ثقيل على المستانين بالله مما سوى الله مانعة لاهل المجاهدة بقيودها عن الاقتحام الى عالم الشهوات فرفع الحرج عن المحبين وبساط الكرم للمشتاقين وسهل احكام العبودية على العارفين بوضع الرخص زيادة لاستشواقهم الى مشاهدته وتقديسا لاسرارهم بنور مشاهدته وهذا معنى ما يرد الله لجعل عليكم من حجر ولكن يريد لطهركم انا لا يريد نصب المجاهدة على اهل المشاهدة لانه تعالى تطهر اسرارهم الى نفسه اليهم قال يريد لطهركم وما قال لتتطهروا واى يطهركم عنكم بنور مشاهدته قال بعضهم يريد ان يطهركم من افعالكم واحوالكم واخلاقكم ويقينكم عنها لترجوا اليه بحقيقة الفقر من غير تعلق ولا علاقة بسبب من الاسباب قال الاستاد ديلوح من هذه الأية اشارة الى انه انفى المريد من احكام الارادة فليخط رحلة بساحات العبادة واذا عدم الطائف فى سارئره فيستدم الوظائف على ظاهره واذا لم يتحقق باحكام العبودية فلا يخلون من اداب العشرية واذا لم يخرج عن الفضلة فلا يدلس تصرفه بالحرام والشبهة وقال فى قوله ولكن يريد ليطهركم اى بطهر ظواهركم عن الزلة بعصمته ويطهر قلوبكم عن الغفلة برحمته قوله تعالى {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} اتمام النعمة ههنا بيان العبودية للعباد وتعليم اداب المعاد لينالوا بها رؤية المنعم بنعت الخجل عن اداء واجب حقوقه بنعت ما يليق بحلاله وهذا هو الشكر المطلوب من عباده بقوله لعلكم تشكرون قال الاستاد اتمام النعمة قوم نجاه نفوسهم وعلى أخرين نجاتهم عن انفسهم فشتان بين قوم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلوة} المراد بالقيام اما القيام الذى هو من اركان الصلاة فالتقدير اذا اردتم القيام لها بطريق اطلاق اسم المسبب على السبب لان الجزاء لا بد وان يتأخر عن الشرط يعنى صحة قيام الصلاة بالطهارة واما القيام الذى هو من مقدمات مباشرة الصلاة فالتقدير اذا قصدتم الصلاة اطلاقا لاسم احد لازميها على لازمها الآخرة فالوضوء من شرائط القيام الاول دون الثانى وهذا الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة دلالة الحال فلا يلزم الوضوء على كل قائم الى الصلاة سواء كان محدثا ام لا كما يقتضيه ظاهر الآية {فاغسلوا وجوهكم} الغسل اجراء الماء على المحل وتسييله سواء وجد معه الدلك ام لا والوجه ما يواجهك من الانسان وحده من قصاص الشعر الى اسفل الذقن طولا ومن شحمة الاذن الى شحمة الاذن عرضا يجب غسل جميعه فى الوضوء ويجب ايصال الماء الى ما تحت الحاجبين واهداب العينين والشارب والعذار والعنفقة وان كانت كثيفة وعند الامام لا يجب غسل ما تحت الشعر ففرض اللحية عنده مسح ما يلاقى الوجه دون ما استرسل من الذقن لانه لما سقطت فرضية غسل ما تحت اللحية انتقلت فرضيته الى خلفه وظاهر الآية ان المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الوضوء لان اسم الوجه يتناول الظاهر دون الباطن فهما من السنن {وايديكم الى المرافق} الجمهور على دخول المرفقين فى المغسول ولذلك قيل الى بمعنى مع كقوله تعالى {أية : ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم} تفسير : [النساء: 2]. والمرافق جمع مرفق وهو مجتمع طرفى الساعد والعضد ويسمى مرفقا لانه الذى يرتفق به اى يتكأ عليه من اليد {وامسحوا برؤسكم} الباء مزيدة كما القى بيده. والمسح الاصابة وقدر الواجب عند ابى حنيفة ربع الرأس لانه عليه السلام مسح على ناصيته وهو قريب من الربع فان للرأس جوانب اربعة ناصية وقذال وفودان والقذال مؤخر الرأس خلف الناصية وفودا الرأس جانباه. فى الواقعات المحمودية قال حضرت الشيخ الشهير بافتاده افندى انكشف لى وجه الاختلاف فى مقدار مسح الناصية وهو ان بدن الانسان مربع فبالقياس اليه ينبغى ان يكون الممسوح ربع الرأس واما اعتبار قدر ثلاثة اصابع فالبنظر الى حال نفس الرأس فانه مسدس والسدس فيه قدر ثلاثة اصابع. قال المرحوم حضرة محمود الهدايى قلت فحينئذ ينبغى ان يكون الاعتبار الاخير اولى لانه بالنظر الى حال نفسه بخلاف الاول لانه بالقياس على البدن. فقال حضرة الشيخ افتاده وجه اولوية الاول ان البدن اكثر من الرأس فاتباع الاقل بالاكثر اولى انتهى. قال الحدادى واما مسح الاذنين فهو سنة فيمسح ظاهر اذنيه بابهاميه وظاهرهما بمسبحتيه بماء الرأس واما مسح الرقبة فمستحب. وفى الحديث "حديث : من مسح رقبته فى الوضوء امن من الغل يوم القيامة " .تفسير : {وارجلكم الى الكعبين} بالنصب عطفا على وجوهكم ويؤيده السنة الشائعة وعمل الصحابة وقول اكثر الائمة والتحديد اذ المسح لم يعهد محدودا وانما جاء التحديد فى المغسولات. قال فى الاشباه غسل الرجلين افضل من المسح على الخفين لمن يرى جوازه والا فهو افضل وكذا بحضرة من لا يراه انتهى وذهبت الروافض الى ان الواجب فى الرجلين المسح ورووا فى المسح خبرا ضعيفا شاذا. قال صاحب الروضة خف الروافض مثل فى السعة لانه لا يرى المسح على الخف ويرى المسح على الرجلين فيوسعه ليتمكن من ادخل يده فيه ليمسح برجله. "حديث : وعن ابن المغيرة عن ابيه قال كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فى سفر فقال "أمعك ماء" قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عنى فى سواد الليل ثم جاء فافرغت عليه من الاداوة فغسل وجه ويديه وعليه جبة من الصوف فلم يستطع ان يخرج ذراعيه منها حتى اخرجهما من اسفل الجبة فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه ثم اهويت لانزع خفيه فقال "دعهما فانى ادخلتهما طاهرين" فمسح عليهما" تفسير : كذا فى تفسير البغوى. واطبق العلماء على ان وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية ومن سنته النية فينوى رفع الحدث او اقامة الصلاة ليقع قربة واستعمال السواك فى غلظة الخنصر وطول الشبر حالة المضمضة تكميلا للانقاء او قبل الوضوء وعند فقده يعالج بالاصابع وينال بالاصبع ثواب السواك. وفى الهداية الاصح ان السواك مستحب. وعن مجاهد قال "حديث : ابطأ جبريل عليه السلام على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم اتاه فقال له النبى عليه السلام "ما حبسك يا جبريل" قال وكيف آتيكم وانتم لا تقصون اظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ {وما نتنزل الا بامر ربك} " .تفسير : والبراجم مفاصل الاصابع والعقد التى على ظاهرها يجتمع فيها من الوسخ وفى الحديث "حديث : نقوا براجمكم " .تفسير : فامر بتنقيتها لئلا تدرن فتبقى فيها الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة وفى الحديث "حديث : انظفوا لثاتكم " .تفسير : جمع لثة بالتخفيف وهى اللحمة التى فوق الاسنان دون الاسنان فامر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وحل الطعام فتتغير عليه النكهة وتتنكر الرائحة ويتأذى الملكان لانه طريق القرآن ومقعد الملكين وتنفر الملائكة من الرائحة الكريهة وفى الحديث "حديث : ان العبد اذا تسوك ثم قام يصلى قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنوا منه حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شىء من القرآن الا صار فى جوف الملك فطهروا افواهكم للقرآن " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ركعتان بسواك افضل من سبعين ركعة بغير سواك " .تفسير : ويقول المتوضى بعد التسمية [الحمد الله الذى جعل الماء طهورا]. وعند المضمضة [اللهم اسقنى من حوض نبيك كأسا لا اظمأ بعدها ابدا اللهم اعنى على ذكرك وشكرك وتلاوة كتابك]. وعند الاستنشاق [اللهم لا تحرمنى من رائحة نعيمك وجنانك] او يقول [اللهم ارحنى رائحة الجنة ولا ترحنى رائحة النار]. وعند غسل الوجه {اللهم بيض وجهى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه] او يقول [اللهم بيض وجهى بنورك يوم تبيض وجوه اوليائك ولا تسود وجهى بذنوبى يوم تسود وجوه اعدائك]. وعند غسل اليد اليمنى [اللهم اعطنى كتابى بيمينى وحاسبني حسابا يسيرا] وعند غسل اليد اليسرى [اللهم لا تعطنى كتابى بشمالى ولا من وراء ظهرى]. وعند مسح الرأس [اللهم حرم شعرى وبشرى على النار واظلنى تحت ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك اللهم غشنى برحمتك وانزل على من بركاتك]. وعند مسح الاذنين [اللهم اجعلنى من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه]. وعند مسح رقبته [اللهم اعتق رقبتى من النار]. وعند غسل الرجل اليمنى [اللهم ثبت قدمى على الصراط يوم تزل فيه الاقدام]. وعند غسل الرجل اليسرى [اللهم اجعل لى سعيا مشكورا وذنبا مغفورا وعملا مقبولا وتجارة لن تبور] ويقول بعد الفراغ [اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين واجعلنى من عبادك الصالحين الذين انعمت عليهم واجعلنى من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون]. والحكمة فى تخصيص الاعضاء الاربعة فى الوضوء ان آدم عليه السلام لما توجه الى الشجرة بالوجه وتناولها باليد ومشى اليها بالرجل ووضع يده على رأسه امره بغسل هذه الاعضاء تكفيرا للخطايا وقد جاء فى الحديث "حديث : ان العبد اذا غسل وجهه خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت اشفار عينيه ". تفسير : وكذلك فى بقية الاعضاء. وقيل خص بغسل هذه الاعضاء الامة المحمدية ليكونوا غرا محجلين بين الامم كما "حديث : روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى المقبرة فقال "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون وددت انا قد رأينا اخواننا" قالوا أولسنا اخوانك يا رسول الله قال "انتم اصحابى واخواننا الذين يأتون بعد" قالوا كيف تعرف من يأتون بعد من امتك يا رسول الله فقال "أرأيتم لو ان رجلا له خيل غر محجلة بين اظهر خيل دهم بهم ألا يعرف خيله" قالوا بلى يا رسول الله قال "فانهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وانا فرطهم على الحوض " .تفسير : واعلم "حديث : ان النبى صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد فقال عمر رضى الله عنه صنعت شيئاَ لم تكن تصنعه فقال عليه السلام "عمدا فعلته يا عمر" " .تفسير : يعنى بيانا للجواز غير انه يستحب تجديد الوضوء لكل فرض وفى الحديث "حديث : من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات ". تفسير : وللتجديد اثر ظاهر فى تنوير الباطل. وكان بعض اهل الله يتوضأ عند الغيبة والكذب والغضب لظهور غلبة النفس وتصرف الشيطان فالوضوء هو النور الذى به تضمحل ظلمات النفس والشيطان. وكان على وجه بعضهم قرح لم يندمل اثنتى عشرة سنة لضرر الماء له. وكان مع ذلك لم يدع تجديد الوضوء عند كل فريضة. ونزل فى عين بعضهم ماء اسود فقال الكحال لا بد من ترك الوضوء اياما والا فلا يعالج فاختار ذهاب بصره على ترك الوضوء. ودوام الطهارة مستجلب لمزيد الرزق كما قال عليه السلام "حديث : دم على الطهارة يوسع عليك الرزق ". تفسير : والسنة ان يصلى بعد الوضوء ركعتين تسمى شكر الوضوء ـ روى ـ "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال "يا بلال حدثنى بارجى عمل عملته فى الاسلام فانى سمعت دق نعليك بين يدى فى الحنة"قال ما عملت عملا ارجى عندى من انى لم اتطهر طهورا فى ساعة من ليل او نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لى ان اصلى " .تفسير : قال فى الاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومى ويصلى شكر الوضوء وان فى الاوقات المكروهة لا الاوقات المحرمة كما قبل صلاة الفجر وبعدها وبعد صلاة العصر ايضا لانها من الصلوات ذوات الاسباب. واما الاوقات المحرمة كطلوع الشمس وزوالها وغروبها فلا تجوز فيه اصلا فيصبر الى وقت اباحة الصلاة فيصليها حينئذ الا اذا كان بمكة. عن جبير ان النبى عليه السلام قال "حديث : يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية شاء من ليل او نهار ". تفسير : وعن جندب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس الا بمكة الا بمكة الا بمكة " .تفسير : انتهى كلام الاسرار. والاشارة فى الآية ان الخطاب فى قوله تعالى {يا ايها الذين آمنوا} هو خطاب مع الذين آمنوا ايمانا حقيقيا عند خطاب ألست بربكم بقولهم بلى. وهم اهل الصف الاول يوم الميثاق آمنوا بعدما عاينوا. واهل الصف الثانى آمنوا اذ شاهدوا. واهل الصف الثالث آمنوا اذ سمعوا الخطاب. واهل الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا لانهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية بل سمعوا سماع القهر والنكاية فتخيروا حتى سمعوا جواب اهل الصفوف الثلاثة اذ قالوا بلى فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم ههنا ما آمنوا وهم الكفار وان آمنوا ما آمنوا على التحقيق بل بالتقليد او بالنفاق وهم المنافقون. واهل الصف الثالث هم المسلمون وعوام المؤمنين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك ههنا آمنوا بسماع كقوله تعالى {أية : إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا}تفسير : [آل عمران: 193]. واما اهل الصف الثانى وهم خواص المؤمنين وعوام الاولياء فكما انهم آمنوا هناك اذ شاهدوا فكذلك ههنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال {أية : وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا} تفسير : [المائدة: 83]. ومن ههنا قال بعضهم ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه. واما اهل الصف الاول وهم الانبياء وخواص الاولياء فكما آمنوا هناك اذ عاينوا فكذلك ههنا آمنوا اذ عاينوا كقوله تعالى {أية : آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه} تفسير : [البقرة: 284]. وذلك فى ليلة المعراج اذ اوحى الى عبده ما اوحى قال آمن الرسول بما انزل اليه من ربه وكان ايمان موسى عليه السلام نوعا من هذا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين. وقال على رضى الله عنه لم اعبد ربا لم اره. وقال بعضهم رأى قلبى ربى وقال آخر ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه فخاطب اهل الصف الاول بقوله يا ايها الذين آمنوا تحقيقا ثم اهبطوا عن ممالك القرب الى مهالك البعد ومن رياض الانس الى سباخ الانس {اذا قمتم} من نوم الغفلة انتبهتم من رقدة الفرقة {الى الصلوة} هى معراجكم للرجوع الى مقام قربكم كما قال {أية : واسجد واقترب} تفسير : [العلق: 19]. {فاغسلوا وجوهكم} التى توجهتم بها الى الدنيا ولطختموها بالنظر الى الاغيار بماء التوبة والاستغفار {وايديكم الى المرافق} اى واغسلوا ايديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما فى الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق {وامسحوا برؤسكم} ببذل نفوسكم {وارجلكم الى الكعبين} اى واغسلوا ارجلكم عن طين طينتكم والقيام بانانيتكم كذا فى التأويلات النجمية: قال الحافظ قدس سره شعر : من هماندم كه وضو ساختم ازجشمه عشق جار تكبير زدم يكسره برهرجه كه هست تفسير : {وإن كنتم جنبا فاطهروا} اى فتطهروا ادغمت تاء التفعل فى الطاء لقرب مخرجهما واجتلبت همزة الوصل ليمكن الابتداء فقيل اطهروا وهذا التطهر عبارة عن الاغتسال والاطهار هو التطهر بالتكلف والمبالغة فلا يكون الا بغسل جميع ظاهر البدن حتى لو بقى العجين بين اظفاره ويبس لم يجز غسله لان الماء لا يصل تحته ولو بقى الدرن جاز الا ان ما تعذر ايصال الماء اليه كداخل العين ساقط بخلاف باطن الانف والفم حيث يمكن غسلهما ولا ضرر فيه فيجب. والدلك ليس بفرض لانه متمم فيكون مستحبا وليس البدن كالثوب لان النجاسة تخللت فيه دون البدن. ففرض الغسل غسل الفم والانف وسائر البدن. وسنته غسل يديه لكونهما آلة التطهر. وفرجه لانه مظنة النجاسة ونجاسة حقيقية ان كانت على سائر بدنه لئلا تتلاشى عند اصابة الماء. والوضوء وضوءه للصلاة الا انه يؤخر غسل رجليه الى ما بعد صب الماء على جميع بدنه ان كانت فى مستنقع الماء تحرزا على الماء المستعمل وتثليث الغسل المستوعب هكذا حكى غسل رسول الله. ويبتدىء بمنكبه الايمن ثم الايسر ثم الرأس فى الاصح. وليس على المرأة نقض ضفيرتها ولا بلها ان بل اصلها لان كون الشعر من البدن باعتبار اصوله فيكتفى ببل اصوله فيما فيه حرج وفيما لا حرج فيه يجب ايصال الماء الى جميعه كالضفيرة المفتولة وحكم المنقوضة ليس كذلك بل يجب ايصال الماء الى جميعها لعدم الحرج فيها. والرجل يجب عيه ايصال الماء الى جميع شعره والفرق ان حلق الشعر للمرأة مثلة دون الرجل والحرج مندفع عنه بغير الضفيرة وادنى ما يكفى من الماء فى الغسل صاع وفى الوضوء مد والصاع ثمانة ارطال والمد رطلان لما روى ان النبى عليه السلام كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ثم اختلفوا هل المد من الصاع او من غيره فهذا ليس بتقدير لازم حتى لو اسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك جاز ولو اغتسل باكثر منه جاز ما لم يسرف فهو المكروه كذا فى الاختيار شرح المختار. والجنب الصحيح فى المصر اذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم فى قولهم. واما المحدث فى المصر اذا خاف الهلاك من التوضىء اختلفوا فيه على قول ابى حنيفة رحمه الله والصحيح انه لا يباح له التيمم كذا فى فتاوى قاضى خان. والمرأة اذا وجب عليها الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخره والرجل اذا لم يجد سترة من الرجال لا يؤخره ويغتسل. وفى الاستنجاء اذا لم يجد سترة يتركه والفرق ان النجاسة الحكمية اقوى والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال كذا فى الاشباه وفى الحديث "حديث : ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوف والجنب الا ان يتوضأ" تفسير : وفى الحديث "حديث : لا ينقع بول فى طست فى البيت فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع ولا تبولنّ فى مغتسلك " .تفسير : وفى الاغتسال منافع بدنية وفوائد دينية. منها مخالفة الكفار فانهم لا يغتسلون وازالة الدنس والابخرة الرديئة النفسانية التى تورث بعض الامراض وتسكين حرارة الشهوات الطبيعية. قال الشيخ النيسابورى فى كتاب اللطائف فوائد الطهارة عشر طهارة الفؤاد وهو صرفه عما سوى الله تعالى. وطهارة السر المشاهدة. وطهارة الصدر الرجاء والقناعة. وطهارة الروح الحياء والهيبة. وطهارة البطن أكل الحلال والعفة عن اكل الحرام والشبهات. وطهارة البدن ترك الشهوات وازالة الادناس. وطهارة اليدين الورع والاجتهاد. وطهارة اللسان الذكر والاستغفار. قال الثعلبى فى تفسير هذه الآية قال على رضى الله عنه "حديث : اقبل عشرة من احبار اليهود فقالوا يا محمد لماذا امر الله بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط. وهما اقذر من النطفة فقال صلى الله عليه وسلم "ان آدم لما اكل من الشجرة تحول فى عروقه وشعره فاذا جامع الانسان نزل من اصل كل شعرة فافترضه الله علىّ وعلى امتى تطهيرا وتكفيرا وشكرا لما انعم الله عليهم من اللذة التى يصيبونها" " .تفسير : قال فى بدائع الصنائع فى احكام الشرائع انما وجب غسل جميع البدن بخروج المنى ولم يجب بخروج البول والغائط وانما وجب غسل الاعضاء المخصوصة لا غير لوجوه. احدها ان قضاء الشهوة بانزال المنى استمتاع بنعمة يظهر اثرها فى جميع البدن وهى اللذة فامر بغسل جميع البدن شكرا لهذه النعمة وهذا لا يتقدر فى البول والغائط. والثانى ان الجنابة تأخذ جميع البدن ظاهره وباطنه لان الوطء الذى هو سببها لا يكون الا باستعمال جميع ما فى البدن من القوة حتى يضعف الانسان بالاكثار منه ويقوى بالامتناع عنه واذن اخذت الجنابة جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الامكان ولا كذلك الحدث فانه لا يأخذ الا الظاهر من الاطراف لان سببه يكون بظواهر الاطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الاطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الاطراف لا سائر البدن. والثالث ان غسل الكل او البعض وجب وسيلة الى الصلاة التى هى خدمة الرب سبحانه والقيام بين يديه وتعظيمه فيجب ان يكون المصلى على اطهر الاحوال وانظفها ليكون اقرب الى التعظيم واكمل فى الخدمة وكمال تعليم النظافة يحصل بغسل جميع البدن وهذا هو العزيمة فى الحدث ايضا الا ان ذلك مما يكثر وجوده فاكتفى منه باكثر النظافة وهى تنقية الاطراف التى تنكشف كثيرا ويقع عليها الابصار ابدا واقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج وتيسيرا وفضلا من الله ورحمة ولا حرج فى الجنابة لانها لا تكثر فبقى الامر فيها على العزيمة انتهى كلام البدائع هذا غسل الحى. واما غسل الميت فشريعة ماضية لما روى أن آدم عليه السلام لما قبض نزل جبريل بالملائكة وغسلوه وقالوا لأولاده هذه سنة موتاكم وفى الحديث "حديث : للمسلم على المسلم ستة حقوق ومن جملتها ان يغسله بعد موته" تفسير : ثم هو واجب عملا بكلمة على ولكن اذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود واريد بالسنة فى حديث آدم الطريقة ولو تعين واحد لغسله لا يحل له اخذ الاجرة عليه وانما وجب غسل الميت لانه تنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية الا انه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت فى الماء فلا بد من غسله لان الخطاب بالغسل توجه لبنى آدم ولم يوجد منهم فعل. وقيل ان الميت اذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع انزل فوجب على الاحياء غسله كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز. والفرق بين غسل الميت والحى انه يستحب البداءة بغسل وجه الميت بخلاف الحى فانه يبدأ بغسل يديه ولا يمضمض ولا يستنشق بخلاف الحى ولا يؤخر غسل رجليه بخلاف الحى ان كان فى مستنقع الماء ولا يمسح رأسه فى وضوء الغسل بخلاف الحى فى رواية كذا فى الاشباه. والاشارة فى الآية {وان كنتم جنبا} بالالتفات الى غيرنا {فاطهروا} بالنفوس عن المعاصى وبالقلوب عن رؤية الطاعات وبالاسرار عن رؤية الاغيار وبالارواح عن الاسترواح من غيرنا وبسر السر عن لوث الوجود فلا بد من الطهارة مطلقا: قال الحافظ شعر : جون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست نبود خيردران خانه كه عصمت نبود تفسير : وفى وجوب الغسل اشارة وتنبيه الى وجوب الغسل الحقيقى لوجود القلب والروح ولتلوثه بحب الدنيا وشهواتها فيجب غسلها بماء التوبة والندامة والاخلاص فهو اوجب الواجبات وآكدها واستقصاء اهل الله فى تطهير الباطن اكثر واشد من استقصائهم فى طهارة الظاهر وقد يكون فى بعض متصوفة الزمان تشدد فى الطهارة فلو اتسخ ثوبه يغسله ولا يبالى بما فى باطنه من الغل وسائر الصفات الذميمة: قال السعدى قدس سره شعر : كراجامه باكست وسيرت بليد دردوزخش را نبايد كليد تفسير : والقرآن لا يمسه الا المطهرون {وان كنتم مرضى} مرضا يخاف منه الهلاك او ازدياده باستعمال الماء {او} كنتم مستقرين {على سفر} طال او قصر {او جاء احد منكم من الغائط} هو المكان الغائر المطمئن والمجيىء منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن اعين الناس {او لا مستم النساء} ملامسة النساء مماسة بشرة الرجل بشرة المرأة وهى كناية عن الجماع ومثل هذه الكناية من الآداب القرآنية اذ التصريح مستهجن {فلم تجدوا ماء} المراد من عدم وجدان الماء عدم التمكن من استعماله لان ما لا يتمكن من استعماله كالمفقود {فيتمموا صعيدا طيبا} اى فتعمدوا شيئاً من وجه الارض طاهرا فالصعيد هو وجه الارض ترابا او غيره سمى صعيدا لكونه صاعدا طاهرا والطيب بمعنى الطاهر سواء كان منبثا ام لا حتى لو فرضنا صخرا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه وسمح كان ذلك كافيا عند ابى حنيفة رحمه الله {فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه} اى من ذلك الصعيد اى الى المرفقين لما روى انه صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيقدر بقدره والباء مزيدة ومن لابتداء الغاية والمعنى فانقلوا بعد وضعهما على الصعيد الى الوجوه والايدى من غير ان يتخللها ما يوجب الفصل {ما يريد الله} بالامر بالطهارة للصلاة او الامر بالتيمم {ليجعل عليكم من حرج} اى تضييقا عليكم فى الدين {ولكن يريد ليطهركم} اى لينظفكم او ليطهركم من الذنوب فان الوضوء مكفر لها كما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ايما رجل قام الى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئة كفيه مع اول قطرة فاذا تمضمض نزلت خطيئة لسانه وشفتيه مع اول قطرة واذا غسل وجهه ويديه الى المرفقين ورجليه الى الكعبين سلم من كل ذنب هو عليه وكان كيوم ولدته امه " .تفسير : او ليطهركم بالتراب اذا اعوزكم التطهير بالماء {وليتم} بشرعه ما هو مطهرة لابدانكم ومكفرة لذنوبكم {نعمته عليكم} فى الدين اوليتم برخصته انعامه عليكم بعزائمه والرخصة ما شرع بناء على الاعذار والعزيمة ما شرع اصالة {لعلكم تشكرون} نعمته. واعلم ان المقصود من طهارة الثوب وهو القشر الخارج البعيد ومن طهارة البدن وهو القشر القريب طهارة القلب وهو لب الباطن وطهارة القلب من نجاسات الاخلاق اهم الطهارات ولكن لا يبعد ان يكون لطهارة الظاهر ايضا تأثير فى اشراق نورها على القلب فاذا اسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك صادفت فى قلبك انشراحا وصفاء كنت لا تصادفه قبله وذلك لسر العلاقة التى بين عالم الملك وعالم الملكوت فان ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما ينحدر من معارف القلب آثار الى الجوارح فكذلك قد يرتفع من احوال الجوارح التى هى من عالم الشهادة آثار الى القلب ولذلك امر الله بالصلاة مع انها حركات الجوارح التى من عالم الشهادة ولذلك جعلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الدنيا ومن الدنيا فقال "حديث : حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة" تفسير : ولا يستبعد ان يفيض من الطهارة الظاهرة اثر على الباطن وان اردت لذلك دليلا من الشرع فتفكر فى قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : خمس بخمس اذا اكل الربا كان الخسف والزلزلة واذاجار الحكام قحط المطر واذا ظهر الزنى كثر الموت واذا منعت الزكاة هلكت الماشية واذا تعدى على اهل الذمة كانت الدولة لهم " .تفسير : وان كنت تطلب لهذا مثلا من المحسوسات ايضا فانظر الى ما يفيض الله من النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الاجسام المحاذية للمرآة وبالجملة ان الله تعالى جعل الوضوء والتيمم من اسباب الطهارة فلا بد من الاجتهاد فى تحصيل الطهارة مطلقا وان كان التوفيق من الله تعالى: كما قال الحافظ شعر : فيض ازل بزورزر ار آمدى بدست آب خضر نصيبه اسكندر آمدى تفسير : والاشارة فى الآية {وان كنتم مرضى} بمرض حب الدنيا {او على سفر} فى متابعة الهوى {او جاء احد منكم من الغائط} فى قضاء حاجة شهوة من الشهوات {او لامستم النساء} وهى الدنيا فى تحصيل لذة من اللذات {فلم تجدوا ماء} التوبة والاستغفار {فتيمموا صعيدا طيبا} فتمعكوا فى تراب اقدام الكرام فانه طهور للذنوب العظام {وامسحوا بوجوهكم} من تراب اقدامهم وشمروا لخدمتهم {وايديكم منه} لان فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} بهذه الذلة والصغار {ولكن يريد ليطهركم} من الذنوب الكبار واكبر الكبائر الشرك بالله واعظم الشركاء الوجود مع وجود المعبود وهذا ذنب لا يغفر الا بالتمرغ فى هذا التراب ولوث لم يطهر الا بالالتجاء الى هذه الابواب {وليتم نعمته عليكم} بعد ذوبان نحاس انانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح اكسير انوار الهوية {لعلكم تشكرون} اذ تهتدون بانوار الهوية الى رؤية انوار النعمة كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذا قمتم}: أردتم القيام، كقوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقٌرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ } تفسير : [ النّحل:98]، حذف الإرادة للإيجاز، وللتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وقوله: {برؤوسكم} الباء للإلصاق، تقول: أمسكتُ بثوب زيد، أي: ألصقت يدي به، أي: ألصقوا المسح برؤوسكم، أو للتبعيض، وهذا سبب الخلاف في مسحه كله أو بعضه، فقال مالك: واجب كله، وقال الشافعي: أقل ما يقع عليه اسم الرأس، ولو قلّ. وقال أبو حنيفة: الربع. {وأرجلكم}، مَن نَصَبَ عطف على الوجه، ومن خفض فعلى الجوار، وفائدته: التنبيه على قلة صبَّ الماء، حتى يكون غسلاً يقرب من المسح. قاله البيضاوي: ورده في المُغني فقال: الجوار يكون في النعت قليلاً، وفي التوكيد نادرًا، ولا يكون في النسق؛ لأن العاطف يمنع من التجاور، وقال الزمخشري: لمّا كانت الأرجل بين الأعضاء الثلاثة مغسولات، تغسل بصب الماء عليها، كان مظنة الإسراف المذموم شرعًا، فعطف على الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وجيء فيهما بالغاية إماطة لظن من يظن أنها ممسوحة؛ لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة. هـ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} إذا أردتم القيام {إلى الصلاة} وأنتم محدثون {فاغسلوا وجوهكم} من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن، ومن الأذن إلى الأذن، {وأيديكم إلى المرافق} أي: معها، {وامسحوا برؤوسكم} أي: جميعها أو بعضها على خلاف، {وأرجلكم إلى الكعبين} العظمين الناتئين في مفصلي الساقين، فهذه أربعة فرائض، وبقيت النية لقوله: {أية : وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ }تفسير : [البَيّنَة:5]، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : إنما الأعمال بالنيات " تفسير : . والدلك؛ إذًا لا يسمى غسلاً إلا به، وإلا كان غمسًا، والفور؛ لأن العبادة إذا لم تتصل كانت عبثًا. ولمّا عطفت بالواو، وهي لا ترتب، علمنا أن الترتيب سنة. {وإن كنتم مرضى} لم تقدروا على الماء {أو على سفر} ولم تجدوه، أو في الحضر؛ و {جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} بالجماع أو غيره {ولم تجدوا ماء فتيموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم} أي: جميعه {وأيديكم منه}، وقيد الحضر بفقد الماء دون السفر؛ لأن السفر مظنة إعوازه، فالآية نص في تيمم الحاضر الصحيح للصلوات كلها. قال البيضاوي: وإنما كرره، ـ يعني مع ما في النساء ـ ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. هـ. ثم قال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} حتى يكلفكم بالطهارة في المرض أو الفقد من غير انتقال للتيمم، {ولكن يريد ليطهركم } أي: ينظفكم بالماء أو بدله، أو يطهركم من الذنوب، فإن الذنوب تذهب مع صب الماء في كل عضو، كما في الحديث، {وليتم نعمته عليكم} بشرعه، ما هو مَطهَرَةٌ لأبدانكم، ومَكفَرَة لذنوبكم {ولعلكم تشكرون} نعمه فيزيدكم من فضله. الإشارة: كما أمر الحقّ جلّ جلاله بتطهير الظاهر لدخول حضرة الصلاة، التي هي محل المناجاة ومعدن المصافاة، أمر أيضًا بتطهير الباطن من لوث السهو والغفلات، فمن طهر ظاهره من الأوساخ والنجاسات، ولوّث باطنه بالوساوس والغفلات، كان بعيدًا من حضرة الصلاة؛ إذ لا عبرة بحركة الأبدان، وإنما المطلوب حضور الجنان. قال القشيري: وكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر طهارة، فطهارة الظاهر بماء السماء، أي: المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل، ويجب غسلُ الوجه عند القيام إلى الصلاة، ويجب ـ في بيان الإشارة ـ صيانة الوجه عن التبذل للأشكال عند طلب خسائس الأغراض، وكما يجب مسحُ الرأس، يجب صونه عن التواضع لكل أحد ـ أي: في طلب الحظوظ والأغراض ـ وكما يجب غسل الرجلين في الطهارة الظاهرة، يجب صونها ـ في الطهارة الباطنة ـ عن التنقل فيما لا يجوز. هـ. وقال عند قوله: {وإن كنتم جُنبًا فاطهروا}: وكما يجب طهارة الأعلى، أي: الظاهر، فيقتضي غسل جميع البدن، فقد يقع للمريد فترة ـ توجب عليه الاستقصاء في الطهارة الباطنية ـ فذلك تجديد عقد وتأكيد عهد، وكما أنه إذا لم يجد المتطهرُ الماءَ فَفَرضُه التيممُ، فكذلك إذا لم يجد المريد مَن يفيض عليه صَوبَ همته، ويغسله ببركات إشارته، اشتغل بما يُنشر له من اقتفاء آثارهم، والاسترواح إلى ما يجد من سالف سِيرتهم، ومأثور حكايتهم. هـ. قلت: محصل كلامه أن من سقط على شيخ التربية، كان كمن وجد الماء فاستعمل الطهارة الأصلية الحقيقية، ومن لم يسقط على شيخ التربية، كان كالمستعمل للطهارة الفرعية المجازية؛ وهي التيمم، وإلى ذلك أشار الغزالي، لما سقط على الشيخ، ولامه ابن العربي الفقيه على التجريد، فقال: شعر : قّد تَيَمَّمت بالصَّعِيدِ زَمَانًا والآن قّد ظَفِرتَ بالمَاء مَن سَرَى مطبقَ الجُفُونِ وأضحى فَاتِحًا لا يردُّها للعَمَاء تفسير : ثم قال: لمَّا طَلَعَ قمرُ السَّعَادةِ في ملك الإرَادَة وأشرقت شمسُ الوُصوُلِ على أُفقِ الأُصُول: شعر : تَرَكتُ هَوَى لَيلَى وسُعدَى بمعزلٍ ومِلتُ إلى عَليَاءِ أول مَنزلِ فنادَتني الأوطانُ أهلاً ومرحَبًا إلا أيها السَّارِي رُوَيدَكَ فانزِلِ غَزَلْتُ لهم غَزلاً رقِيقًا فلم أجِد لِغزلِي نَسَّاجًا فَكسَّرتُ مِغزَلِي تفسير : ثم ذكَّرهم الحقّ جلّ جلاله العهدّ الذي أخذه عليهم في الجهاد والطاعة، حين بايعوا نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في العقبة وغيرها، فقال: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
الطوسي
تفسير : [القراءة] قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب، والاعشى إلا النقار {وأرجلكم} - بالنصب - الباقون بالجر وقرأ لمستم بلا الف حمزة والكسائي وخلف الباقون لامستم بالف ها هنا وفي النساء هذا خطاب للمؤمنين أمرهم الله إذا أرادوا القيام إلى الصلاة، وهم على غير طهر، أن يغسلوا وجوههم، ويفعلوا ما أمرهم الله به فيها. وحذف الارادة، لان في الكلام دلالة عليه، ومثله {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} ومعناه وإذا اردت قراءة القرآن فاستعذ، وإذا قمت فيهم فاقمت لهم الصلاة ومعناه فاردت أن تقيم لهم الصلاة. ثم اختلفوا هل يجب ذلك كلما أراد القيام إلى الصلاة او بعضها او في اي حال هي؟ فقال قوم: المراد به إذا اراد القيام اليها، وهو على غير طهر. وهو الذي اختاره الطبري والبلخي والجبائي والزجاج وغيرهم. وهو المروي عن ابن عباس، وسعد بن ابي وقاص، وابي موسى الاشعري وأبي العالية، وسعيد بن المسيب وجابر بن عبد الله، وابراهيم والحسن والضحاك، والاسود والسدي، وغيرهم. وقال آخرون: معناه إذا قمتم من نومَكم إلي الصلاة ذهب اليه زيد ابن اسلم والسدي وقال آخرون: المراد به كل حال قيام الانسان إلى الصلاة، فعليه ان يجدد طهر الصلاة. ذهب اليه عكرمة. وقال: كان علي يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية. وقال ابن سيرين إن الخلفاء كانوا يتوضؤن لكل صلاة، والاول هو الصحيح عندنا. وما روي عن علي (عليه السلام) في تجديد الوضوء عند كل صلاة محمول على الندب. وقال قوم: كان الفرض أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ ذلك بالتخفيف، وهو المروي عن ابن عمر انه حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن ابي عامر الغسيل حدثها أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن فرضه عليه، فكان يتوضأ وروى سليمان بن بريدة عن ابيه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال عمر: يا رسول الله صنعت شيئاً ما كنت تصنعه! قال: عمداً فعلته ياعمر. وقال الحسين بن علي المغربي: معنى إذا قمتم إذا عزمتم عليها وهممتم بها. قال الراجز للرشيد: شعر : ما قاسم دون الفتى ابن امه وقد رضيناه فقم فسمه تفسير : فقال: يا أعرابي، ما رضيت ان تدعونا إلى عقد الامر له قعوداً حتى أمرتنا بالقيام، فقال: قيام عزم لا قيام جسم. وقال حريم الهمداني: شعر : فحدثت نفسي أنها أو خيالها اتانا عشاء حين قمنا لنهجعاً تفسير : أي حين عزمنا للهجوع. وأقوى الاقوال ما حكيناه أولا من ان الفرض بالوضوء يتوجه إلى من اراد الصلاة وهو على غير طهر، فاما من كان متطهراً، فعليه ذلك استحباباً. وما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والصحابة في تجديد الوضوء، فهو محمول على الاستحباب في جميع الأحوال، لاجماع أهل العصر على أن الفرض في الوضوء كان في كل صلاة، ثم نسخ، فعلمنا بذلك أن ما روي من تجديد الوضوء، كان على وجه الاستحباب. وقال قوم: إن الله (تعالى) أنزل هذه الآية اعلاماً للنبي (صلى الله عليه وآله) أنه لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الاعمال، لانه كان إذا أحدث امتنع من الاعمال حتى يتوضأ فاباح الله له بهذه الآية أن يفعل ما بدا له من الاعمال بعد الحدث إلى عمل الصلاة، توضأ أو لم يتوضأ. وأمره بالوضوء للصلاة. روى ذلك عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة عن ابيه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا بال لم يرد جواب السلام حتى يتطهر للصلاة، ثم يجيب حتى نزلت هذه الآية. وقوله: {فاغسلوا وجوهكم} امر من الله بغسل الوجه واختلفوا في حد الوجه الذي يجب غسله، فحده عندنا من قصاص شعر الرأس إلى محاذي شعر الذقن طولا وما دخل بين الوسطى والابهام عرضاً، وما خرج عن ذلك فلا يجب غسله. وما نزل من الشعر عن المحادر، فلا يجب غسله. وقال بعضهم: ما ظهر من بشرة الانسان من قصاص شعر رأسه منحدراً إلى منقطع ذقنه طولا، وما بين الاذنين عرضاً. قالوا والاذنان وما بطن من داخل الفم والانف والعين، فليس من الوجه، ولا يجب غسل ذلك، ولا غسل شيء منه. واما ما غطاه الشعر كالذقن، والصدغين، فان امرار الماء على ما علا الشعر عليه يجزي من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه، لان الوجه عندهم ما ظهر لعين الناظر من ذلك يقابلها دون غيره. وهذا بعينه مذهبنا. إلا ما خرج عن الابهام والوسطى إلى الاذن، فانه لا يجب غسله. ذهب إلى ما حكيناه إبراهيم، ومغيرة والحسن وابن سيرين، وشعبة والزهري وربعية وقتادة، والقاسم بن محمد وابن عباس، وابن عمر. قال ابن عمر: الاذنان من الرأس. وبه قال قتادة والحسن، ورواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقال آخرون: الوجه كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولا، ومن الاذن إلى الاذن الأخرى عرضاً ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بطن منه من منابت شعر اللحية، والعارضين، وما كان منه داخل الفم والأنف، وما أقبل من الاذنين على الوجه. وقالوا: يجب غسل جميع ذلك ومن ترك شيئاً منه لم تجزه الصلاة. ذهب اليه ابن عمر في رواية نافع عنه، وابو موسى الأشعري. ومجاهد وعطا والحكم، وسعيد بن جبير وطاووس، وابن شيرين والضحاك، وانس بن مالك وام سلمة، وابو ايوب وابو امامة، وعمار بن ياسر وقتادة كلهم قالوا بتخليل اللحية، فاما غسل باطن الفم، فذهب اليه مجاهد، وحماد وقتادة. واما من قال: ما أقبل من الاذنين يحب غسله، وما أدبر يجب مسحه فالشعبي. وقد بينا مذهبنا في ذلك. والذي يدل على صحة ذلك أن ما قلناه مجمع على انه من الوجه. ومن ادعى الزيادة فعليه الادلة. واستوفينا. ذلك في مسائل الخلاف وتهذيب الاحكام. وقوله: {وأيديكم إلى المرافق} منصوب بالعطف على الوجوه الواجب غسلها. ويجب عندنا غسل الأيدي من المرافق، وغسل المرافق معها إلى رؤوس الاصابع، ولا يجوز غسلها من الاصابع إلى المرافق (وإلي) في الآية بمعنى مع كقوله: {تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} وقوله: {من أنصاري إلى الله} وأراد بذلك (مع) قال امرؤ القيس: شعر : له كفل كالدعص لبده الندى الي حارك مثل الرتاج المضبب تفسير : وقال النابغة الجعدي: شعر : ولوح ذراعين في بركة الى جؤجؤ رهل المنكب تفسير : اراد مع حارك ومع رهل. وطعن الزجاج على ذلك فقال: لو كان المراد بالى مع، لوجب غسل اليد إلى الكتف، لتناول الاسم له. وانما المراد بالى الغاية والانتهاء، لكن المرافق يجب غسلها مع اليدين. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانا لو خلينا وذلك، لقلنا بما قاله. لكن خرجنا بدليل. ودليلنا علي صحة ما قلناه: اجماع الامة على أنه متى بدأ من المرافق كان وضوءه صحيحاً وإذا جعلت غاية ففيه الخلاف. واختلف أهل التأويل في ذلك، فقال مالك بن أنس: يجب غسل اليدين إلى المرفقين، ولا يجب غسل المرفقين. وهو قول زفر. وقال الشافعي: لا أعلم خلافاً في ان المرافق يجب غسلها. وقال الطبري: غسل المرفقين، وما فوقهما مندوب اليه غير واجب. وانما. اعتبرنا غسل المرافق، لاجماع الأمة على أن من غسلهما صحت صلاته. ومن لم يغسلهما، ففيه الخلاف. والمرافق جمع مرفق. وهو المكان الذي يرتفق به، ويتكأ عليه على المرفقة وغيرها. وقوله: {وامسحوا برؤسكم} اختلفوا في صفة المسح، فقال قوم: يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح، وهو مذهبنا. وبه قال ابن عمر، والقاسم بن محمد، وعبد الرحمن بن ابي ليلى، وابراهيم والشعبي وسفيان. واختاره الشافعي واصحابه والطبري. وذهب قوم إلى انه يجب مسح جميع الرأس ذهب اليه مالك. وقال ابو حنيفة، وابو يوسف ومحمد: لا يجوز مسح الرأس باقل من ثلاثة أصابع. وعنه روايتان فيهما خلاف، ذكرناهما في الخلاف. وعندنا لا يجوز المسح إلا على مقدم الرأس. وهو المروي عن ابن عمر والقاسم بن محمد، واختاره الطبري. ولم يعتبر احد من الفقهاء ذلك. وقالوا: أي موضع مسح أجزاه وإنما اعتبرنا المسح ببعض الرأس، لدخول الباء الموجبة، للتبعيض لان دخولها في الموضع الذي يتعدى الفعل فيه بنفسه لا وجه له غير التبعض وإلا كان لغواً. وحملها على الزيادة لا يجوز مع إمكان حملها على فائدة مجددة، فان قيل: يلزم على ذلك المسح ببعض الوجه في التيمم قلنا كذلك نقول، لانا نقول بمسح الوجه من قصاص الشعر إلى طرف الانف ومن غسل الرأس، فانه لا يجزيه عن المسح عندنا وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا يجزيه لانه يشتمل عليه. وهذا غير صحيح، لان حد المسح هو إمرار العضو الذي فيه نداوة على العضو الممسوح من غير أن يجري عليه الماء. والغسل لا يكون الا بجريان الماء عليه، فمعناهما مختلف، وليس إذا دخل المسح في الغسل يسمى الغسل مسحاً، كما أن العمامة لا تسمى خرقة، وان كانت تشتمل على خرق كثيرة. وقوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} عطف على الرؤوس فمن قرأ بالجر ذهب إلى انه يجب مسحهما كما وجب مسح الرأس، ومن نصبهما ذهب إلى انه معطوف على موضع الرؤوس، لان موضعها نصب لوقوع المسح عليها، وانما جر الرؤوس لدخول الباء الموجبة للتعبيض على ما بيناه فالقراءتان جميعاً تفيدان المسح على ما نذهب اليه. وممن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري وابو على الجبائي ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم ممن ذكرناهم في الخلاف، غير أنهم أوجبوا الجمع بين المسح والغسل المسح بالكتاب، والغسل بالسنة وخيرة الطبري في ذلك. وأوجبوا كلهم استيعاب جميع الرجل ظاهراً وباطناً. وعندنا أن المسح على ظاهرهما من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. وهما الناتئان في وسط القدم على ما استدل عليه. وقال عكرمة عن ابن عباس: الوضوء غسلتان ومسحتان. وبه قال أنس بن مالك. وقال عكرمة ليس على الرجلين غسل إنما فيهما المسح. وبه قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحاً. وقال قتادة افترض الله مسحتين وغسلتين. روى أوس ابن أبي أوس قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح على نعليه، ثم قام فصلي. وروى حذيفة قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سباطة قوم، فبال عليها قائماً، ثم دعا بماءٍ، فتوضأ ومسح على نعليه. وروى حبة الغربي قال: رأيت علي ابن ابي طالب (عليه السلام) شرب في الرحبة قائماً، ثم توضأ ومسح علي نعليه. وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمسح على رجليه. وعنه أنه قال: إن كتاب الله المسح ويأبى الناس الا الغسل. وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال ما نزل القرآن إلا بالمسح. فان قيل: القراءة بالجر ليست على العطف على الرؤوس في المعنى. وانما عطف عليها على طريق المجاورة، كما قالوا: حجر ضب خرب، وخرب، من صفات الحجر لا الضب وكما قال الشاعر: شعر : كان بثيراً في عرانين وبله كبير اناس في بجاد مزمل تفسير : والمزمل من صفة الكبير لا البجاد. وقال الاعشى: شعر : لقد كان في حول ثواء ثويته تقضى لبانات ويسام سائم تفسير : قلنا: هذا لا يجوز من وجوه: احدها - ما قال الزجاج أن الاعراب بالمجاورة، لا يجوز في القرآن، وانما يجوز ذلك في ضرورة الكلام والشعر. والثاني - أن الاعراب بالمجاورة لا يكون مع حرف العطف فاما قول الشاعر: شعر : فهل انت ان ماتت اتانك راحل الى آل بسطام بن قيس فخاطب تفسير : قالوا: جر مع حرف العطف الذي هو الفاء، فانه يمكن أن يكون أراد الرفع وانما جر الراوي وهما. ويكون عطفاً على راحل يكون قد أقوى لان القصيدة مجرورة. وقال قوم: أراد بذلك الامر وإنما جر لاطلاق الشعر. والثالث - أن الاعراب بالمجاورة إنما يجوز مع ارتفاع اللبس. فاما مع حصول اللبس، فلا يجوز، ولا يشتبه على احد أن خرب من صفة حجر، لا الضب. وكذلك قوله: مزمل من صفة الكبير لا البجاد. وليس كذلك في الآية، لان الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة، فاما قول الشاعر: ثواءٍ ثويته، فانما جره بالبدل من الحول والمعنى لقد كان في ثواءٍ ثويته تقضى لبانات. وهو من بدل الاشتمال، كقوله: {قتل أصحاب الأخدود النار}. وقول الشاعر: شعر : لم يبق الا اسير غير منفلت وموثق في عقال الاسر مكبول تفسير : فليس خفض موثق على المجاورة، لان معنى البيت لم يبق غير اسير قالا بمعنى غير وهي تعاقبها في الاستثناء. فقوله غير موثق عطف المعنى على موضع اسير. وتقديره لم يبق غير اسير وغير منفلت. واما قوله: {وحور عين} في قراءة من جرهما، فليس بمجرور على المجاورة، بل يحتمل امرين: احدهما - أن يكون عطفاً على قوله: {يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين} الى قوله: {وحور عين} عطف على اكواب. وقولهم: انه لا يطاف إلا بالكاس غير مسلم، بل لا يمتنع أن يطاف بالحور العين كما يطاف بالكاس وقد ذكر في جملة ما يطاف به الفاكهة واللحم. والثاني - أنه لما قال: {أولئك المقربون في جنات النعيم} عطف بحور عين على جنات النعيم فكانه قال: هم في جنات النعيم. وفي مقاربة أو معاشرة حور عين. ذكره أبو علي الفارسي، فاما من قال: الرجلان ممسوحان ويراد بالمسح الغسل، فقوله: يبطل بما قلناه من أن المسح غير الغسل. واستشهادهم بقولهم: تمسحت للصلاة وأنهم سموا الغسل مسحاً. وقوله: {فطفق مسحاً بالسوق والأعناق}، وانه أراد غسلها باطل بما قدمناه، ولانه لو كان ذلك محتملا لغة، لما احتمل شرعاً، لان الشرع فرق بين الغسل والمسح، ولذلك قالوا بعض اعضاء الطهارة مغسولة، وبعضها ممسوحة. وفلان يرى غسل الرجلين، وفلان يرى مسحهما، ولانه لا خلاف أن الرأس ممسوح مسحاً ليس بغسل، فلا بد ان يكون حكم الرجلين حكمه، لكونهما معطوفتين عليه. وقولهم: تمسحت للصلاة، فلأنهم لما أرادوا أن يخبروا بلفظ مختصر عن جميع أفعال الصلاة، لم يخز أن يقولوا اغتسلت للصلاة، لان في الطهارة ما ليس بغسل. واستطالوا أن يقولوا أغتسلت وتمسحت للصلاة قالوا: بدلا من ذلك تمسحت توسعاً، ومجازاً. وقوله: {فطفق مسحاً بالسوق} فاكثر المفسرين على ان المراد به فطفق ضرباً. ذهب اليه الفراء وأبو عبيدة. وقال آخرون: أراد المسح في الحقيقة، وأنه كان مسح أعراقها وسوقها. وانما حمل على الغسل شاذ منهم ومن قال القراءة تقتضي المسح غير أنه المسح على الخفين، فقوله باطل، لان الخف لا يسمى رجلا في لغة ولا شرع. والله (تعالى) أمر بايقاع الفرض علي ما يسمى رجلا في الحقيقة. واما لقراءة بالنصب، فقد بينا أنها معطوفة علي موضع الرؤوس لان موضعها النصب، والحكم فيها المسح والعطف على الموضع جائز، لانهم يقولون: لست بقائم ولا قاعداً. ويقولون حسبت بصدره وصدر زيد وان زيداً في الدار وعمرو، فيرفع عمرو بالعطف على الموضع. وقال الشاعر: شعر : معاوي اننا بشر فاسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : وقال اخر: شعر : هل انت باعث دينار لحاجتنا او عبد رب اخا عون بن مخراق تفسير : وانما نصب عبد رب، لان التقدير باعث ديناراً، فحمله على الموضع، وقد سوغوا العطف على المعنى، وان كان اللفظ لا يقتضيه قال الشاعر: شعر : جئني بمثل بني عمرو لقومهم أو مثل اسرة منظور بن سبار تفسير : لما كان معنى جئني هات مثلهم، أو اعطني مثلهم. قال: أو مثل بالنصب عطفاً على المعنى، وعطف الأرجل على الايدي لا يجوز، لان الكلام متى حصل فيه عاملان: قريب وبعيد لا يجوز إعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله، عليه. لا يجوز أن يقول القائل: ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً. ويريد بنصب بكر العطف على زيد أو عمرو المضروبين، لان ذلك خروج عن فصاحة الكلام، ودخول في معنى اللغو وبمثل ما قلناه ورد القران واكثر الشعر قال الله تعالى: {وإنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً} ولو اعمل الاول، لقال: كما ظننتموه. وقال {آتوني أفرغ عليه قطراً} ولو اعمل الاول، لقال أفرغه. وقال: {هاؤم اقرأوا كتابيه} ولو اعمل الاول لقال: هاؤم اقرأوه. وقال الشاعر: شعر : قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها تفسير : ولو أعمل الاول، لقال: فوفاه غريمه. فاما قول أمرئ القيس: شعر : فلو انما أسعى لادنى معيشة كفاني ولم اطلب قليل من المال تفسير : فانما أعمل الاول للضرورة، لانه لم يجعل القليل مطلوباً وانما كان المطلوب عنده الملك. وجعل القليل كافياً. ولو لم يرد هذا ونصب، لفسد المعنى. فاما من نصب بتقدير واغسلوا أرجلكم، كما قالوا: شعر : متقلداً سيفاً ورمحاً وعلفها تبناً وماء بارداً تفسير : فقد اخطأ، لان ذلك إنما يجوز إذا استحال حمله على اللفظ. فاما إذا جاز حمله علي ما في اللفظ، فلا يجوز هذا التقدير. ومن قال يجب غسل الرجلين، لانها محدودتان كاليدين، فقوله ليس بصحيح، لانا لا نسلم ان العلة في كون اليدين مغسولتين كونهما محدودتين. وانما وجب غسلهما، لانهما عطفاً على عضو مغسول. وهو الوجه. فكذلك إذا عطف الرجلين على ممسوح هو الرأس، وجب أن يكونا ممسوحين. والكعبان عندنا هما الناتئان في وسط القدم. وبه قال محمد بن الحسن وإن أوجب الغسل. وقال اكثر المفسرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين يدل على ما قلناه أنه لو أراد ما قالوا، لقال إلى الكعاب، لان في الرجلين منها أربعة. وايضاً فكل من قال: يجب مسح الرجلين، ولا يجوز الغسل قال الكعب هو ما قلناه، لان من خالف في أن الكعب ما قلناه على قولين: قائل يقول بوجوب الغسل، وآخر يقول يالتخيير. قال الزجاج: كل مفصل للعظام فهو كعب. وفي الآية دلالة على وجوب الترتيب في الوضوء من وجهين: احدهما - ان الواو يوجب الترتيب لغة على قول الفراء وأبي عبيد وشرعا على قول كثير من الفقهاء، ولقوله (عليه السلام): ابدأوا بما بدأ الله به. والثاني - ان الله أوجب على من يريد القيام الى الصلاة إذا كان محدثاً أن يغسل وجهه أولا، لقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} والفاء توجب التعقيب والترتيب بلا خلاف، فاذا ثبت أن البداءة بالوجه هو الواجب، ثبت في باقي الاعضاء، لان أحداً لا يفرق ويقويه قوله (عليه السلام) للاعرابي - حين علمه الوضوء، فقال: حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به تفسير : ، فان كان رتب فقد بين انه الواجب الذى لا يقبل الله الصلاة إلا به، وان لم يرتب لزم أن يكون من رتب، لا يجزيه وقد اجتمعت الامة على خلافه. وفي الآية دلالة على أن من مسح على العمامة أو الخفين لا يجزيه، لان العمامة لا تسمى رأساً. والخف لا يسمى رجلا كما لا يسمى البرقع وما يستر اليدين وجهاً ولا يداً. وما روي من المسح على الخفين أخبار احاد لا يترك لها ظاهر القرآن. على أنه روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: نسخ ذلك بهذه الآية وكذلك قال لمن قال: اقبل المائدة أو بعدها. وفي الآية دلالة على وجوب النية في الوضوء، لانه قال: إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا. وتقديره فاغسلوا للصلاة كما يقول القائل: إذا أردت لقاء عدوك، فخذ سلاحك بمعنى فخذ سلاحك للقائه ولا يمكن أن يكون غاسلا هذه الاعضاء للصلاة إلا بنية. وقوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} معناه وإن أصابتكم جنابة وأردتم القيام الى الصلاة فاطهروا بالاغتسال. والجنابة تكون بشيئين: احدهما - بانزال الماء الدافق في النوم أو اليقظة. وعلى كل حال بشهوة كان أو بغير شهوة. والآخر - بالتقاء الختانتين وحده غيبوبة الحشفة أنزل أو لم ينزل، والجنب يقع على الواحد والجماعة والاثنين، والمذكر والمؤنث مثل رجل عدل، وقوم عدل، ورجل زور وقوم زور، ونحو ذلك وهو بمنزلة المصدر قال الزجاج: تقديره ذو جنب. ويقال أجنب الرجل وجنب واجتنب والفعل الجنابة وقد حكي في جمعه أجناب والأول أظهر. واصل الجنابة البعد قال علقمة: شعر : فلا تحرمني نائلا عن جنابة فاني امرؤ وسط القباب غريب تفسير : وقوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} معناه وان كنتم مرضى يعني ان كنتم جرحى أو مجدرين أو مرضى يضر بكم استعمال الماء وكنتم جنباً أو على غير وضوء قد بينا ذلك في سورة النساء وقوله: {أو على سفر} معناه وإن كنتم مسافرين وأنتم جنباً وجاء أحد منكم من الغائط معناه أو جاء أحد منكم من الغائط قد قضى حاجته فيه، وهو مسافر أو لامستم النساء معناه أو جامعتم النساء، وانتم مسافرون. وقد بينا اختلاف الفقهاء في اللمس، وبينا أصح الأقوال في ذلك، فلا وجه لاعادته، فان قيل: ما معنى تكرير قوله: لامستم النساء إن كان معنى اللمس الجماع مع انه قد تقدم ذكر الواجب عليه لقوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} قلنا وجه ذلك أن المعني في قوله: {وإن كنتم جنباً} غير المعني الذي الزمه الله بقوله: او لامستم النساء، لانه (تعالى) بين الحكم بقوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} معناه إذا كنتم واجدين للماء ممكنين لاستعماله، ثم بين حكمه إذا عدم الماء، أو لا يتمكن من استعماله أو هو مسافر غير مريض مقيم، فاعلمه أن التيمم هو فرضه، وهو طهارته. وقد بينا حكم التيمم ومعناه وكيفيته فيما مضى. وقوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} قد بينا جميع ذلك فيما مضى. جملته أنه يقول: أيها المؤمنون إذا قمتم الى الصلاة، وانتم على غير طهر، ولم تجدوا ماء، ولا تتمكنون من استعماله، فاقصدوا وجه الارض طاهراً نظيفاً غير نجس، ولا قذر {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} يعني مما يعلق بايديكم منه يعني من الصعيد وقد بينا كيفية التيمم، وأنه من قصاص الشعر الى طرف الانف، ومن الزند الي اطراف الاصابع في اليدين. وقد بينا اختلاف المفسرين والفقهاء في ذلك، فلا معنى لاعادته. وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} معناه ما يريد الله مما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم الى الصلاة والغسل من الجنابة والتيمم صعيداً طيباً عند عدم الماء أو تعذر استعماله، ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا لنفتنكم فيه، وهو قول علي (عليه السلام) ومجاهد وجميع المفسرين. وقوله: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} معناه لكن يريد الله ليطهركم بما فرض عليكم من الوضوء والغسل من الاحداث والجنابة أن ينظف بذلك اجسامكم من الذنوب. واللام في قوله: {ليطهركم} دخلت لتبيين الارادة والمعنى ارادته لتطهيركم كما قال الشاعر: شعر : اريد لانسى ذكرها فكانما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : روي ما قلناه عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي امامة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حديث : إن الوضوء يكفر ما قبلهتفسير : وقوله: {وليتم نعمته عليكم} معناه ويريد الله مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم اياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم الى الصلاة مع وجود الماء، والتيمم مع عدمه، أن يتم نعمته باباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهوراً رخصة منه لكم في ذلك مع سوابغ نعمه التي أنتم بها عليكم {لعلكم تشكرون} معناه ولتشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم بطاعتكم اياه فيما امركم به ونهاكم عنه.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عامّاً او خاصّاً {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} اى اذا قمتم من النّوم كما فى الخبر، واذا اردتم القيام {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} وبعد ما مضى فى سورة النّساء لا يتعسّر عليك تعميم الصّلوة ولا تعميم الغسل ولا تعميم سائر اجزاء الآية، والوجه ما يواجه به وهو من قصاص الشّعر الى الّذقن وما دارت منه الابهام والوسطى عليه وما زاد فليس بوجهٍ، وعدم وجوب تخليل الشّعر يمكن استنباطه من عنوان الوجه فانّ ما به التّوجّه هو ظاهر الشّعر لا البشرة المستورة تحته، واليد اسم للعضو المخصوص تطلق على ما دون المنكب وعلى ما دون المرفق وعلى ما دون الزّند فاحتاجت الى التّحديد والبيان، فحدّده بقوله الى المرافق فلفظ الى لانتهاء المغسول لا الغسل فالتّمسّك بها مع احتمال كونها لانتهاء المغسول فى الاستدلال على انتهاء الغسل كما فعلوا خارج عن طريق الاستدلال، والباء للتّبعيض كما وصل الينا من اهل الكتاب واثبت التّبعيض لها كثير منهم وارجلكم بالجرّ عطف على رؤوسكم وبالنّصب على محلّ رؤسكم، وعطفه على وجوهكم مع جواز العطف على رؤسكم فى غاية البعد، غاية الامر انّها فى هذا العطف محتملة مجملة كسائر اجزاء الآية محتاجة الى البيان ولم يكن رأينا مبيّناً للقرآن لاستلزامه التّرجيح بلا مرجّح، بل المبيّن من نصّ الله ورسوله عليه لا من نصبوه لبيانه فانّ نصب شخص انسانىّ لبيان القرآن وخلافة الرّحمن ليس باقلّ من نصب الاصنام لعبادة الانام، او العجل المصنوع للعوام، وتفصيل الوضوء وكيفيّته قد وصل الينا مفصّلاً مبيّناً عن ائمتّنا المنصوصين من الله ورسوله وقد فصّله الفقهاء رضوان الله عليهم فلا حاجة الى التّفصيل ههنا {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} اى من الصّعيد وقد مضى شرح الآية مفصّلاً فى سورة النّساء فلا حاجة الى التّكرار {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم} فى الدّين {مِّنْ حَرَجٍ} مفعول يريد محذوف اى ما يريد الامر بالغسل او التّيمم ليجعل عليكم حرجاً او لام ليجعل للتّقوية وما بعده مفعول هو استيناف لبيان وجه تشريع التّيمم {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} بغسل الاعضاء الباطنة بالتّوبة عند اهله وبغسل الاعضاء الظّاهرة بالماء، فان لم يتيسّر لكم فباظهار الّذلّ والمسكنة والعجز واعلاء تراب الّذلّ على مقاديم نفوسكم وابدانكم وليعدّكم لقبول التّوبة والبيعة الولويّة الّتى هى تمام نعمة الاسلام كما مضى {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ} الّتى هى الاسلام {عَلَيْكُمْ} بمتمّمه الّّذى هو الولاية والبيعة مع علىّ (ع) {لَعَلَّكُمْ} بعد تمام النّعمة عليكم {تَشْكُرُونَ} المنعم بصرف النّعمة الّتى هى احكام الاسلام القالبيّة واحكام الايمان القلبيّة فى وجهها من صدورها من حضرة العقل ورجوعها اليها، فانّ شكر النّعمة وصرفها فى وجهها لا يحصل الاّ بدخول الايمان فى القلب وفتح بابه الى الملكوت.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} وأنتم على غير طهور، وقيل: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، وقيل: هو كل قيام إلى الصلاة على سبيل الندب، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من توضى على طهور كتب الله له عشر حسنات" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وقيل: كان ذلك واجب فنسخ {وامسحوا برؤوسكم} الباء زائدة والمراد الالصاق بالرأس {وأرجلكم إلى الكعبين} الواو للعطف والكعبان هما الناتئان على أسفل الساق {وإن كنتم جنُباً} عند القيام إلى الصلاة {فاطّهروا} بأن تغسلوا جميع أبدانكم {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} يعني جامعتم، وقيل: مسستم باليد {فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا} قيل: وجه الأرض، وقيل: التراب {طيباً} طاهراً {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} يعني من الصعيد {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} يعني من ضيق في الوضوء والتيمم والغسل {ولكن يريد ليطهركم} قيل: من النجاسات، وقيل: من الذنوب {وليتم نعمته عليكم} قيل: بأخذ التيمم، وقيل: يريد ليدخلكم الجنة، وقيل: بالألطاف {لعلكم تشكرون} نعمته فيثيبكم {واذكروا نعمة الله عليكم} وهي نعمة الإِسلام {وميثاقه الذي واثقكم به} أي عاقدكم به عقوداً وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر، وقيل: الميثاق ليلة العقبة في بيعة الرضوان {يأيها الذين آمنوا} اسم تعظيم {كونوا قوامين لله} أي ليكن من عادتكم للقيام لله الحق في أنفسكم وغيركم بالعمل الصالح وفي غيركم بالأمر بالمعروف ومعنى بعد أن تفعلوا ذلك ابتغاء مرضاة الله {شهداء} بالعدل، وقيل: تقيموا الشهادة بالحق والصدق، وقيل: شهداء الله بنعمته على الناس ومخالفتهم لأمره {ولا يجرمنكم} قيل: لا يحملنَّكم {شنئان قوم} قيل: بغض عداوتهم {على أن لا تعدلوا} أي على أن تجوروا عليهم وتتركوا العدل {اعدلوا} اعملوا بالعدل أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم {هو أقرب للتقوى} أي إلى التقوى، وقد قيل: أن الآية نزلت في قريش لما صدَّوا المسلمون عن المسجد الحرام {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الحسنات من الواجبات والمندوبات {لهم مغفرة} أي يكفِّر سيئاتهم {وأجر} ثواب {عظيم} دائم {والذين كفروا} بمحمد {وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} {يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} الآية نزلت في قوم من اليهود هموا بقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {فكفّ أيديهم عنكم} منعهم عن الفتك بكم {واتقوا الله} أي مخالفة أمره.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ}. ذكروا عن بعضهم قال: رأيت عليّاً توضّأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغَسل وجهه وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه. فلما فرغ من وُضوئه استتمَّ قائماً فأخذ فضل وَضوئه فشربه وهو قائم، ثم قال: إني رأيت رسول الله فعل ما فعلت فأحببت أن أريكم. ذكروا أن الربيّع بنت معوذ بن عفراء قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوَضوء، فأتيته بإناء فيه ماء قدر مدّ وثلث، أو مدّ وربع، فغسل يديه ثلاثاً [قبل أن يدخلهما في الإِناء]، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه ما أقبل منه وما أدبر، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه. قالت فأتاني غلام من بني عبد المطلب، تعني ابن عباس، فسألني عن هذا الحديث فأخبرته، فقال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح. ذكر بعضهم أنه رأى عمر بن الخطاب خرج من حدث فمضمض مرّتين، واستنشق مرّتين، وغسل وجهه مرتين وذراعيه مرتين مرتين، ومسح برأسه مرتين. قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} أي: تراباً نظيفاً. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الجريح والمجدور والمقروح إذا خشي على نفسه تيمّم. ذكروا عن سعيد بن جبير وعلي وابن عباس مثل ذلك وزاد فيه بعضهم: وكل مريض. ذكروا عن عبيد بن عمير وعطاء وسعيد بن جبير أنهم اختلفوا في الملامسة فقال سعيد وعطاء: هو ما دون الجماع، وقال عبيد بن عمير: هو الجماع. فخرج عليهم ابن عباس فسألوه وأخبروه عما قالوا فقال: أخطأ الموليان وأصاب العربي، الملامسة: الجماع، ولكن الله يكني ويعفّ. ذكروا عن علي أنه قال: اللمس: الجماع، ولكنه كنى. وقال ابن مسعود: الملامسة: اللمس باليد، والقول عندنا قول ابن عباس وعلي، وبه نأخذ. قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}. ذكروا عن عمار بن ياسر قال: حديث : أصابتني جنابة وأنا في الإِبل، فتمعّكت في الرمل كتمعّك الدابة، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل الرمل في رأسي ولحيتي فأخبرته فقال:يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفّيه الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه سئل عن الرجل يكون مسافراً، وهو يعلم أنه لا يقدر على الماء. قال: يطأ أهله ويتيمم. ذكروا عن علي أنه قال: إذا كان المسافر يجد الماء يوماً ولا يجده يوماً فلا يطأ أهله. قوله: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي من ضيق {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} أي من الذنوب {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي بدخول الجنة. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا النعمة فتدخلوا الجنة.
اطفيش
تفسير : {يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ}: اذا أردتم القيام الى الصلاة، فذكر المسبب وهو القيام الى الصلاة، وأريد السبب وهو ارادة القيام اليها، وفائدة ذلك أنه أوجز لفظاً وأدعى للمسارعة الى الخير بحيث انه لا ينفك المراد عن الارادة ولا تراخى بينهما، كل ما أراد الصلاة فكأنك قائم اليها، مستقبل لشدة المسارعة، ولولا ذلك التأويل لكان المعنى أن الوضوء بعد الوقوف للصلاة، والاستقبال للقبلة، ثم أنه ليس كلما أردنا القيام الى الصلاة لزمنا الوضوء، بل ان كنا على غير وضوء، أى اذا أردتم القيام الى الصلاة ولستم على وضوء، ويدل لهذا ذكر الحدث فى التيمم، والتيمم بدل الوضوء وغسل الجنابة، وكونه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح، فقال عمر رضى الله عنه: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه، فقال: عمداً فعلته يا عمر، يعنى بياناً للجواز. وكان يتوضأ قبل ذلك لكل صلاة ويقول: "حديث : الوضوء على الوضوء نور على نور "تفسير : وكان يقول: "حديث : من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات "تفسير : وقيل الأمر فى الآية للندب، وأن الآية فيمن هو على الوضوء، ويفاد وجوب الوضوء على من ليس على الوضوء من غير هذه الآية، وأيضا يفاد من هذه الآية، لأنه اذا ندب اليه من ليس على حدث فأحرى أن يجب على ذى حدث، وأما أن يقال للندب فيمن هو على وضوء، وللوجوب فيمن ليس عليه، ما يستعمل للكلمة فى حقيقتها ومجازها، أو فى معنييها، وقيل: كان أولا الوضوء واجباً لكل صلاة، ولو لم يكن حدث فانه ينتقض بدخول وقت الصلاة الثانية، ثم نسخ بأنه يكفى حتى يحدث وهو ضعيف، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها "تفسير : يعنى فلم تنسخ الآية بآية ولا بسنة. وذكرت فى الشامل كلاماً من هذا الفن، والصحيح ما ذكرته أولا من أن الآية فى المحدث، وأن القيام بمعنى ارادة القيام، ويقرب منه ما قيل: ان المعنى اذا قمتم من النوم الى الصلاة وهو حسن أفاد أن النوم ناقض، ولا يؤول القيام فى هذا القول بارادة القيام، وهو قول زيد بن أسلم، والأول للجمهور، وكلاهما سالمان من النسخ، ومن استعمال الكلمة فى مجازها وحقيقتها أو فى معنييها، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم اذا حدث حتى يتوضأ ". تفسير : والأصل عدم النسخ، وقيل: المراد أنه لا وضوء على من قام لغير الصلاة من مباح أو عبادة، ويناسبه ما روى ابن عباس رضى الله عنهما: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً من الخلاء فقدم، اليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: "انما أمرت بالوضوء اذا قمت الى الصلاة "تفسير : والاستدلال بهذا مشكل، لأنه ينعكس الى أنه أمره الله بالوضوء عند القيام فى هذه الآية، فيتكلف بما لا دليل عليه فى خروج هذا الحديث عن ظاهره، وهو أنه وجب الوضوء فى مكة بالسنة، ووجب بالسنة فى المدينة، وزعم داود الظاهرى أن الوضوء يجب لكل صلاة الى الآن ولو بلا حدث وهو خطأ. {فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم}: من الأذن الى الأذن بلا دخول للأذن، ومن منبت الشعر المعتاد فوق الجبهة بلا دخول للشعر، الا بتحقيق التعميم، الى الذقن بدخول ما يراه الرأى، ويبدوا له منه، وكذا يغسل كل ما ينظره الناظر، ويواجه فيدخل فى الغسل كعظم اللحيين الا ما انحدر منه، وتسفل الى جهة العنق، ويقصد ما يخفى أو يغفل عنه كالأعضاء القائمة فى فم الأنف، وما انحدر منخفضاً فى فمه الى الشفة العليا، وما تحت السفلى، وما يبدو من الشفتين عند اغلاق الفم ان قلنا انه من الوجه فلم نغسله مع الفم. ويجب فتح العينين عند غسل الوجه بقدر ما يطيق ليصلهما بعض الماء، ان لم يكن يضر، ولا يجب فى الغسلة النفلية، بل يحسن مثلها، وكذا فى غير الوجه، وفى الحديث: "حديث : أشربوا عيونكم الماء لئلا ترى ناراً حامية " تفسير : وكان ابن عمر ينضح الماء فى عينيه، ويوصل الماء بين الشعرات جملة وأسفلها ان خف الشعر، والا غسل ما ظهر منه. ويغسل ما طال من اللحية الى الجانبين، وما نزل عن الذقن، لأن ذلك بمنزلة الوجه، لأنه يواجه به، وقيل لا لخروجه عن الوجه، كما لا يكون حكم الشعر النازل عن حد الرأس حكم الرأس، والصحيح الأول لأن منبتها الوجه، بخلاف ما نبت فى غير الرأس مما يلى الرأس، فلو نبت الشعر فى الرأس وطال جداً لكان حكمه حكم الرأس، فيجزى مسحه، نعم ان نبت الشعر من أسفل الذقن ولا بد من افراغ الماء والدلك فى الغسل، ويكفى الدلك بغير اليد اذا عم. وتجزى شدة الماء اذا اشتد عن الدلك، وذلك عندنا وعند مالك، وقالت الشافعية: يجزى افراغ الماء بلا دلك ولا شد. وتجب نية رفع الحدث عند الوضوء قبل الفم، فيستحضر عند الفم، وعند الأنف، وعند الوجه، ولا بأس ان غفل عنها بعد الوجه ان عمها أولا لجميع أعضاء الوضوء، وان لم ينو لم يصح وضوءه على الأصح، ويقترب الى الله به، وان لم يتقرب وقد نوى صح ولا ثواب له، ولو لم يذكر التقرب والنية فى الآية لوجوب ذلك بالجملة {أية : وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين }تفسير : و: "حديث : انما الأعمال بالنيات، وانما لكل امرىء ما نوى "تفسير : وأخذ بعضهم النية من قوله تعالى: {إِذَا قُمتُم} لأنه بمعنى اذا أردتم القيام، لا كما قال أبو حنيفة يصح بلا نية. {وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرافِقِ}: من أعلى الأصابع الى المرافق، ويغسل ما بين الأصابع وأسفلها، ويحكها لما بتخليل الأصابع أو غيرها، أو يحكها، قال فى الايضاح: لا يجب العرك بين الأصابع، بل يجب ابطال الماء بينها، ويناسبه حديث لفظه: "حديث : خللوا بين أصابعكم بالماء ". تفسير : والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء، وهو مجتمع طرفى الساعد والعضد، سمى لأنه يرتفق أى يتكأ عليه، وفيه لغة بكسر الميم وفتح الفاء، والأولى أفصح، والجمهور على وجوب غسل المرفق ودخوله، وبه قلنا نحن ومالك، وقد سئل عن الآية فأجاب بأن الذى أمرنا به أن نبلغ المرفقين فى الغسل ولا نجاوزهما. وروى حديث : أن أبا هريرة توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى فاليسرى حتى شرع فى العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأتفسير : ، وذلك أن المرفق من جنس المغيا، فوجب ادخاله فى حكمه، وكأنه قيل: وأيديكم مع المرافق وهو أحوط، وزعم زفر وداود أنه لا يجب غسل المرفق أخذاً بالمتيقن، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه كما فى الكشاف، ورواه الدارقطنى، عن جابر بن عبد الله بلفظ أن النبى صلى الله عليه وسلم لما توضأ أدار الماء على مرفقيه. والى متعلق باغسلوا باعتبار تسلطه على الأيدى أو متعلقة بحال محذوفة، أى منتهية الى المرافق، ودليل الدخول الأحاديث، وتقويه أنه أحوط، وكون المرفق من جنس اليد. {وَامسَحُوا بِرُءُسِكُم}: أوقعوا المسح برءوسكم، ويجزى ثلاث شعرات يمسحن بثلاث أصابع واحدة بعد واحدة، وأجيز ما تعم أصبع واحدة فصاعداً بعرضها، وأجيز ثلاث فصاعداً وهو رواية عن أبى حنيفة، قال الشافعى: يجزى ما يصدق عليه اسم المسح أخذاً باليقين، وقال مالك: يمسح كله حوطة وهو رواية عن أحمد أيضاً، وعنه يجب مسح أكثره، وعن أبى حنيفة ربعه، لما روى عن المغيرة ابن شعبة أن النبى صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح ناصيته، وقدر الناصية بربع الرأس، وأجيز مسح شعرة، ولا يحسن تعمد هذا، ولا المسح بأصبع اذ ذلك كاللعب. ومن جعل الباء للتأكيد أوجب مسحه كله، لأنه بمنزلة قولك وامسحوا رءوسكم فهو كقوله: اغسلوا وجوهكم، ومن جعل الباء للتبعيض أوجب مسح البعض فاختلف فى ذلك البعض على حد ما مر. {وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ}: بدخولهما فى الغسل، فالأرجل معطوفة على الوجوه، فهى مغسولة لا ممسوحة، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور ومالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد، وهو فعل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم، وهو أحوط، وهو قراءة نافع وابن عامر والكسائى حفص عن عاصم، هو النص فى حديث أبى هريرة حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال: "ويل للأعقاب من النار " تفسير : فأخبر أبو هريرة أن الرجل غسل رجليه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقره على الغسل، وما نقم عليه شيئاً الا أنه لم يغسل عقبه، فأفاد أن غسل القدم واجبة بعقبها. وفى رواية عن عمران مولى عثمان بن عفان حديث : أنه دعى باناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه فى الاناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاُ، ويديه الى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات الى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئى هذا، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " تفسير : فتراه قال غسل رجليه، وفى رواية أنه قيل لعبد الله بن زيد بن عاصم الأنصارى: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا باناء فأفرغ منه على يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثاً، ثم غسل يديه الى المرفقين ثلاثاً اليمنى، ثم اليسرى، ثم مسح رأسه الى قفاه، ثمر ردها الى حيث بدأ، ثم غسل رجليه الى الكعبين، فانظر قوله: غسل رجليه ولم يقل ثلاثاً فلعله يغسلهما تارة ثلاثاً وتارة مرة، لأنهما مظنة الاسراف فى الماء، وهذا أولى من يقال أراد أنه غسلهما ثلاثاً فحذف ثلاثاً. وفى الحديث بيان كيفية مسح الرأس، والصحيح أن رد اليدين من خلف الى حيث بدأ سنة، وقيل: واجب، ويستحب المسح باليدين مسحة، وفيه تعميم الرأس، فيجوز التعميم والتبعيض، لأنه قد ورد التبعيض أيضاً، وفى رواية عن عبد الخير أن علياً أتانا وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى ما يريد الا أن يعلمنا، فأتى باناء فيه ماء، فأفرغ منه على يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، والشمال ثلاثاً، ومسح رأسه مرة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا، فتراه غسل الرجلين. وعن بنت معاذ بن عفراء قالت: حديث : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فأتيته باناء فيه ماء قدر مد وثلث أو مد وربع، فغسل يديه ثلاثاً ومضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه ما أقبل منه وما أدبر، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه، فأتانى غلام من بنى عبد المطلب يعنى ابن عباس فسألنى عن هذا الحديث فأخبرته، فقال: أبى الناس الا الغسل وما وجدت فى كتاب الله الا المسح يعنى فى الرجلين . تفسير : قال بعض: رأيته توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه، فلما فرغ من وضوئه قام فأخذ فضل وضوئه فشربه وهو قائم ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت، فأحببت أن تدع حديث عمرو بن العاص. قال رجل: حديث : يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا باناء فيه ماء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح رأسه فأدخل أصبعيه السبابتين فى أذنيه، ومسح بابهاميه على ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء أو ظلم، أو قال ظلم وأساءتفسير : ، أى زاد عضواً أو نقص آخر. وقيل: يجوز مسح الرقبة، فتراه ذكر غسل الرجلين، وفى حديث نعيم بن عبد الله: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى شرع فى العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى شرع فى العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى شرع فى الساق، ثم قال لى: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتراه غسل رجليه. وفى حديث أبى هريرة أنحديث : رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "اذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن ـ شك الراوى ـ فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر اليها بعينه أى حصلها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فاذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فاذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب، فقال: غسل رجليه ". تفسير : وأما ما فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:حديث : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار " تفسير : مرتين أو ثلاثاً، فالنداء بالويل للمسح على الأرجل، وخص الأعقاب بالذكر لأنها أكثر ما يبقى بلا غسل، أمرهم فى ذلك بغسل الأرجل حتى لا يبقى منها موضع، وساغ هذا التأويل لكثرة أحاديث غسل الأرجل، أو أراد بمسح الأرجل غسلها الخفيف، لأن التخفيف فى غسلها مشروع اذ كانت مظنة الاسراف. وفى غالب تلك الأحاديث تثليث الغسل، واذا ذكر المسح لم يذكر التثليث، فالمسح يفرد، وبتلك الأحاديث يقيد حديث أبى هريرة وغيره أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً أى الا المسح فأفرده، وورد المسح ثلاثاً قليلا، وعن عمر أنه مسح برأسه مرتين ومضى من حديث على مسح الرأس ثلاثاً، ولم يذكر فى بعض الأحاديث مسح الأذنين استغناء بذكر مسح الرأس، فانه يشمل مسحها على أنهما من الرأس، فاذا مسحت قدام رأسك مثلا مسحت أذنيك صدق عليك أنك مسحت رأسك فى موضعين منه، وفى تلك الأحاديث دلالة على الترتيب والموالاة اذ لم يفعل سواهما فليكونا هما المفعولان، ففعله صلى الله عليه وسلم بيان لهما، وتفسير للآية بهما، ولما لم يبين الله تعالى له ما يبدأ به بدأ بما بدأ الله به، وربما دل عليه حديث: "حديث : أبدأ بما بدأ الله به "تفسير : لعموم لفظه، ولو ورد فى السعى لا كما قال أبو حنيفة بعدم وجوب الترتيب. ومما هو نص فى غسل الأرجل قول عطاء: والله ما علمت أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين، وقول عائشة لأن تقطعا أحب الى من أن أمسح عليهما، ويدل للغسل أيضاً أنه لا يجعل للممسوح حداً، فلو كانتا تمسحان ما حدثا بالكعبين، ولا ضير فى عطف الأرجل بالنصب على الوجوه المغسولة، لأنه ولو لزم عليه الفصل بجملة غير اعتراضية، لكن فى الفصل حكمة ترتيب أعضاء الوضوء فى الذكر، لأن الواو ولو لم تفده لكن السنة بينت أنه المراد، مع أنه قد يقال: الجملة الفاصلة معترضة لأجل هذه الحكمة، وجملة الاعتراض كثيراً ما تكون بالواو، ودعوى أن نصب أرجل للعطف على محل رءوس على زيادة الباء للتأكيد خلاف الأصل من جهة كون الأصل العطف على اللفظ، ومن جهة كون الأصل عدم الزيادة، ودعوى كون نصبه على رءوس لا على زيادة الباء خلاف الأصل، لأن الصحيح أن لا يعطف على محل لا يظهر فى الفصيح، والفصل لتلك الحكمة لا يضعف. بل قد قيل أيضا: ان خفض أرجل فى قراءة غير نافع، وغير ابن عامر، وغير فحص، وغير الكسائى، وغير يعقوب وهم: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم، لا يوجب المسح، بل تعطف على رءوس، لكن مسح رءوس غير غسل، ومسح أرجل غسل خفيف، ويتخلص فى ذلك عن الجمع بين الحقيقة والمجاز بعموم المجاز، وهو اذ يراد هنا الوضوء الخفيف للرءوس والأرجل، ففى الرءوس المسح، وفى الأرجل الغسل الخفيف، وعن أبى زيد المسح خفيف الغسل، تقول العرب: تمسحت للصلاة أى توضأت لها، وهات ماء أتمسح به للصلاة، أى أتوضأ، وكذلك قال أبو حاتم، وابن الأنبارى والفارسى. قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضىء لا يرضى بصب الماء على أعضائه حتى يمسحها، وان صرنا الى التأويل للأحاديث الصحيحة فى غسل الأرجل فالتأويل أحق، ولو ضعف حتى انه لو لم نجد الا أن نقول الخفض على الجوار للرءوس، وان نصبت مقدر عطفا على وجوه، مع أن الخفض على الجوار لم يستعمل مع العاطف كون العاطف مانعاً من الجوار، ونقول: انه هنا شاذ كما قرأ حمزة والكسائى: وحور عين بالجر لجوار أكواب وأباريق، مع أن العطف على ولدان لكان أولى من دعوى أن الأرجل تمسح مسح الرأس. وزعموا عن ابن عباس: الوضوء غسلتان ومسحتان، ومر حديثه مع بنت معاذ، ويروى مر المسح عن قتادة، فان صح ذلك فلعله أراد بالمسحتين الوضوء الخفيف على طريق عموم المجاز، فلا يقال: كيف يثنى لفظ حقيق ولفظ مجاز، أو أراد لفظ القرآن بالمسحتين فى قراءة جر أرجل، وذلك أن قراءة القراء سابقة أصلها من الصحابة، ويدل لهذا القول أنس: نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل،أو أراد بالمسحين المسحين اللذين تحققا، وهما مسح الرأس ومسح الأذنين، ولم يتكلم على الأرجل لتردد غسلها الى المسح لخفته. وزعم عكرمة أنما نزل فى الرجلين المسح، وعن الشعبى تمسحان بالدليل انما كان عليه الغسل مسح فى التيمم وأهمل ما يسمح، والكعبان العظمان الناتئان فوق القدمين أسفل الساقين عند الجمهور وهو الصحيح، وزعم بعض أنهما العظمان الناتئان فى ظهر القدمين، لكل قدم كعب واحد، عظم واحد مستدير فى ظهرها، واعترض بأنه لو كان كذلك لقيل الى الكعاب بالجمع كما جمع المرافق لما لم يكن لكل يد الا مرفق واحد، ولما قال: الى الكعبين بالتثنية علم أن لكل قدم كعبين، وقرىء برفع أرجلكم أى وتغسل أرجلكم، أو أرجلكم مغسولة، أو أرجلكم تغسل. {وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}: أى فتطهروا قلبت التاء طاء، وأدغمت فى الطاء، فجاءت همزة للابتداء بالساكن، وحذفت للوصل، وهذا فى التفعل ومثله فى التفاعل، أى أردتم وادراك أبدلت فيهما دالا وأدغمت، والمعنى فاغسلوا أجسادكم كلها وبالغوا فى ايصال الماء فى كل موضع منخفض أو مستور بشعر، كما دل عليه التفعل، وكذا تقصد مواضع الخفاء فى الوضوء، ويجب غسل الجنابة لالتقاء الختانين، وبغيوب الحشفة فى دبر أو فرج بهيمة ولو بلا ماء، وبنزول الماء وخروجه بآى بوجه. وقيل: بمجرد انفصاله عن أماكنه ولو لم يخرج، والذى يقطع فى ختان المرأة اللحمة العلياء التى على الفرج على صورة الأنف، وهى انما تتجمع باجتماع لحم تلك الجهات، وهى التى يقول فيها بعض المشايخ رحمهم الله لامرأة قل لهن يغسلن الأنف، فانهن لا يطهرن ان لم يغسلنه. قالت عائشة رضى الله عنها: حديث : ان النبى صلى الله عليه وسلم كان اذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة تعنى الا رجليه فحتى يغتسل، ثم يدخل أصابعه فى الماء يخلل بهما أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على سائر جسدهتفسير : ، وتقدم فى سورة النساء تفسير قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَآئِطِ أَو لامَستُمُ النِّسَاءَ فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم مِّنهُ}: أى من الصعيد الطيب، واختلفوا فيمن رأى ماء يمكنه الوصول اليه، هل انتقض تيممه قبل الوصول اليه ان كان تيممه عن فقد الماء أولا حتى يصله، ولم تجدوا معطوف بالفاء على الشرط، وتيمموا جواب الشرط، وذلك ظاهر، وذكرت الآية مع أنها ذكرت فى النساء أيضاً ليتصل الكلام فى بيان أنواع الطهارة. {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجعَلَ عَلَيكُم مِّنْ حَرَجٍ}: اللام صلة للتأكيد، والنصب بأن مضمرة، والمصدر من يجعل مفعولا يريد، وهذا عند مجيز اضمار أن بعد اللام الزائدة وضعف، أو اللام للتعليل، ومفعول يريد محذوف، أى ما يريد الله الأمر بالصلاة والوضوء والتيمم، أو ما يريد الأمر بالوضوء والتيمم للصلاة، ليجعل عليكم من حرج كقوله: {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى0 الا تذكرة لمن يخشى }تفسير : ومثل هذا الاستثناء فى طه الاستدراك هنا بقوله: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّركُم وَلِيُتِمَّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم}: ومن فى {مِّنْ حَرَجٍ} لتأكيد النفى فى المفعول به، والكلام فى ليطهر وليتم مثله فى ليجعل، أى ولكن يريد التطهير واتمام النعمة، أو ولكن يريد الأمر بذلك ليطهركم الآية، والمعنى ليطهركم بالماء أو بالتراب من الحدث، أو يطهركم من الذنوب، أو ليطهركم بالتراب من الحدث اذا فقد الماء، فالوضوء الى الوضوء كفارة لما بينهما، والتيمم طهور المؤمن، ومعنى اتمام النعمة شرع ما يطهرنا من الأحداث والذنوب. {لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ}: نعمه، قال عقبة بن عامر:حديث : كانت علينا رعاية الابل، فجاءت نوبتى أرعاها فروحتها بعشى، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يحدث الناس، فأدركته يقول: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه الا وجبت له الجنة" فقلت: ما أجود هذا فاذا قائل بين يدى يقول: التى قبلها أجود، فنظرت فاذا هو عمر بن الخطاب قال: "انه قال آنفا: وقد رأيتك ما من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء "تفسير : هذا لفظ مسلم، وذكره الترمذى، وزاد فى آخره: اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين. قال نعيم بن عبد الله، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من اسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله "تفسير : وفى رواية عن أبى هريرة،حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء "تفسير : وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من توضأ على طهر كتب الله به عشر حسنات "تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من توضأ وذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه "تفسير : وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات اسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط ". تفسير : قال ابن عبد البر: هذا الحديث من أفضل ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى فضائل الأعمال، وعن أبى مالك الأشعرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطهور شطر الايمان والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله يملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يعبد فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها "تفسير : وفى رواية: "حديث : التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص اليه ".
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ} إِذا أَردتم الوقوف مستقبلين القبلة للصلاة، أَى إِذا خطر ببالكم أَن تفعلوا ذلك أَو قصدتم الفعل فقدموا على فعله الوضوءَ، ولا شك أَن فعل ذلك قيام إِلى الصلاة أَى توجه إِليها، وذلك تعبير عن اللازم بالملزوم أَو عن السبب بالمسبب إِيجازا أَو تنبيها على أَنه ينبغى لمن أَراد العبادة أَن يبادر بحيث لا ينفك الفعل عن الإِرادة، والمراد إِذا أَردتم الصلاة وأَنتم محدثون الحدث الأَصغر وهو ما نذكره فى الفروع من نواقض الوضوءً، وأَما الأَكبر ففى قوله: {وإِن كنتم جنبا} ومثله الحيض والنفاس، ومن تطهر لصلاة أَو غيرها من الحدث الأَصغر أَو الأَكبر بماء أَو تيمم صلى بتطهره ما لم ينتقض ولو صلاة يوم وليلة أَو أَكثر لما روى أَنه صلى الله عليه وسلم صلى به صلاة يوم وليلة يوم الفتح، فقال عمر فى ذلك إِنك فعلت ما لم تكن تفعل فقال: حديث : عمدا فعلتتفسير : ، أَي بيانا للجواز ولأَنه شرط في التيمم الحدث كما قال: {وإِن كنتم مرضى أَو على سفر أَو جاءَ أَحد منكم من الغائط} إِلخ. وهو بدل من الوضوءِ وقوله فلم تجدوا ماءً صريح فى البدلية والاغتسال، ولمبدل منه حكم البدل فبطل قول الظاهرية أَنه ينتقض بدخول وقت الصلاة بعد الأَول، وأَن لكل صلاة طهارة، ويرده صلاته صلى الله عليه وسلم الخمس بوضوء واحد وصلاة الأَئمة كل صلاة بوضوء بعده صلى الله عليه وسلم ندب، ولن يثبت الخبر عن الإِمام على أَنه يفعل ذلك ولا يثبت ما قيل أَن الآية على ظاهرها من أَن لكل صلاة طهارة، ثم نسخ هذا التجدد لأَن سورة المائدة من آخر ما نزل فلم ينزل بعدها ناسخ من قرآن ولا جاءَت سنة متواترة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها"تفسير : ، وروى أَبو داود وابن حبان والطبرى وغيرهم عن عبدالله بن حنظلة الغسيل حديث : أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمر بالوضوءَ لكل صلاة طاهرا كان أَو غير طاهر، ولما شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم أَمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوءَ إِلا من حدثتفسير : ، نعم الحديث هذا أَقوى من حديث المائدة آخر ما نزل، بل قال العراقى حديث المائدة آخر ما نزل لم أَجده مرفوعا والمراد فى حديث ابن حنظلة النبى صلى الله عليه وسلم وأَمته ولو ذكر وحده فلا يضعف بذكره وحده، والحق أَن الأَمر المجرد للوجوب فلا تقبل دعوى أَن الآية ندب إِلى التطهر لكل صلاة ولا يخفى ضعف إِخراجها على إِثبات الغرض، وبيانه إِلى الدعاءِ إِلى النفل مع أَنه لم يثبت فى آية أُخرى تفصيل أَعضاء الوضوء مثل هذه وعن زيد بن أَسلم أَن المراد إِذا قمتم من المضاجع {فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} من الأُذن للأُذن عرضا مع ما يليهما ومن أَعلى الجبهة مع قليل من الرأْس ليوقن بالتعميم إِلى أَسفل الذقن أَو أَسفل شعره إِن كان بإِيصال للجلد وإِن كثف الشعر كفى ظاهره وما ظهر من الشفتين عند الانضمام يغسل مع الوجه. والغسل إِفراغ الماء مع الدلك عندنا وعند مالك وذلك حقيقته فالدلك شطر فليس كما قيل الإِفراغ فرض والدلك إِكمال له وأَنه إِذا تحقق التعميم لم يجب الدلك ولم يشترط الشافعية والحنابلة الدلك زعما أَنه شرط للعموم لا شطر فإِن حصل العموم لم يحتج إِليه، والقطر شرط عند بعض وتكفى قطرة وغير شرط عند بعض كأَبى يوسف، وجاءَ الحديث باشراب العينين الماءَ لئلا تريا نارا حامية لآغسلهما لأَنه ضرر وثلآث مسحات غسلة واحدة كل بماء جديد. {وَأيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ} بايصال الماءِ إٍلى ما بين الأَصابع مع الدلك بحك بعض ببعض أَو بإِدخال الأَصابع وإِن وصل الماء بينها بدون ذلك وعم كفى لقلة ما بينهن، ودخلت المرافق فى الغسل ولم يدخلها داود وزفر والجمهور على الأَول، وقيل إِلى بمعنى مع كقوله تعالى {أية : ويزدكم قوة إِلى قوتكم} تفسير : [هود: 52]، أَو نقدر حالا أَى وأَيديكم مضافة إِلى المرافق بالغسل فلذكر المرافق فائدة الحد إِذ لو لم تذكر لاحتمل اللفظ العموم إِلى الإِبط واحتمل الكف، واحتملها والذراع ولما لم تتميز المرافق حكمنا بدخولها وصح عنه صلى الله عليه وسلم أَنه أَدار الماءَ على مرفقيه، ويغسل الكفان مع الذراع ويجب نزع الخاتم أَو تحريكه على الصحيح، والمرفق موضع الارتفاق أَى الانتفاع بالاتكاءِ وهو بكسر ففتح على الراجح وجاز بفتح وقسمة الآحاد على الآحاد على التسوية هنا فكل أَحد يغسل يديه معا وقد يكون لأَحد يد واحدة يصب عليها بأُخرى غير قادرة إِلا على إِمساك الإِناءِ والصب، أَو يد واحدة لا أُخرى معها فيغسلها بالغمس فى الماءِ والشد فيكون القسمة بلا تسوية كقوله تعالى: {جاءَتهم رسلهم بالبينات}، فقد يتعدد لرسول ما لم يتعدد لغيره من الرسل. {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} تلصقوا بها فقلنا يكفى ثلاث شعرات تعزل فيجر عليهن بثلاث أَصابع، والشافعى بعض شعرة وهو أَدنى ما يطلق عليه المسح ويتحقق، وذلك فى الكلام على الإِجزاءِ فإِن أَصحابنا والشافعى لا يقتصرون على الثلاث ولا على بعض الواحدة وأَبو حنيفة الربع لمسحه صلى الله عليه وسلم من مقدم رأَسه نحوه ومالك وأَحمد الكل حوطة لعل مسح الربع فقط لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم، وكما يغسل الوجه كله، نعم روى المغيرة أَنه صلى الله عليه وسلم توضأَ فمسح بناصيته ومقدار الناصية ربع الرأْس من مقدمة، وفى رواية عنه على ناصيته وهى لا توجب استيعابه الناصية بخلاف رواية الباء فإِنه يتبادر منها الاستيعاب، وروى أَبو داود عن أَنس أَنه صلى الله عليه وسلم مسح مقدم رأسه والباء صلة أَو تبعيض وكونها صلة يوجب الكل أَو يتبادر به ويجب الأَخذ بالمتبادر إِن لم يعارض مانع، وقد وجب غسل الوجه كله لعدم الباء ولكن لا دليل على دعوى الزيادة، ويجزىء المسح بثلاث أَصابع أَو قدرها من اليد مع استيعاب القدر الواجب من الرأْس وأَجيز بأصبعين وبأصبع وبنحو عود. {وَأَرْجُلَكُمْ} عطف على وجوه أَو أَيدى فهى مغسولة كما جاءَت به السنة وعمل الصحابة وهو قول الجمهور وكما جاءَ الحد بقوله عز وجل {إِلَى الكَعْبَيْنِ} ولم يجىء فى المسح الحد وساغ الفصل بين المتعاطفين بجملة غير معترضة وهى فاغسلوا للايماءِ إِلى تقليل صب الماءِ حتى كأَنها تمسح كالرأس لأَنها مظنة الإِسراف فى الماءِ إِلى الآن وإِلى الترتيب وجوبا أَو ندبا ولو كانت الواو لا تفيده لكن يستفاد بذكرها بعد، والترتيب يفاد بالذكر إِذا لم يكن مانع كما يفاد بحرفة كالفاء، قال صلى الله عيه وسلم فى السعى: "حديث : نبدأ بما بدأَ الله به" تفسير : ولو قصد الترتيب لم يفصل بالرأْس وليس واجبا عندنا وعند أَبى حنيفة ولا دليل على كون الباء صلة فتعطف على محل الرءُوس فتنصب، ولا على كون العطف على محل مدخول باء التبعيض لأَنه لا يظهر ذلك المحل فى الفصيح فلا يعطف عليه فى الصحيح، ثم إِنها إِن كانت تمسح فقد نسخ مسحها بالحديث. قال عطاءِ: والله ما علمت أَحدا من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين. وعن عائشة - رضى الله عنها -: لأَن تقطعا أَحب إِلى من أَن تمسحا. {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} فاغتسلوا، وأَما الحيض ويلحق به النفاس ففى قوله فإِذا تطهرن وأَجاز بعضهم إِدخالهما هنا بما فيها من المباعدة الموجودة فى مادة (ج. ن. ب) إِلا أَنه خارج عن العرف وهو أَن الجنابة المعنى القائم بالذات لغيوب الحشفة أَو قدرها من مقطوعها أَو لنزول النطفة بوجه ما، ودخل فى الغسل الفم والأَنف لأَنها من الظاهر بدليل غسلهما فى الوضوءِ، وجاءَ الحديث بغسلهما للجنابة بعد الكفين وقبل الرأس ولا غسل لداخل العينين للمضرة إِلا إِشراب الماء لهما لمن قدر، وأَصل اطهروا تطهروا أبدلت التاء وادغمت فى الطاءِ فجئ بهمزة الوصل لسكون الأَول ولا يكفى أَن يوضئ أَحدٌ أَحداً لأَنه غير معقول المعنى، وكذا غسل الجنابة والحيض والنفاس، ومن قال غسل الجنابة والحض والنفاس معقول المعنى أَجاز أَن يغسل أَحد غيره إِن حل له مس عورته وإِلا كفى وكفر بالمس، وكذا يكفى الغسل بماء حرام على أَنه معقول المعنى وغرم. {وإِن كُنْتُمُ مَرْضَى} وجد الماء أَو لم يوجد مرضاً يضره الماء بزيادة أَو بتأْخير البرءِ، وبالأَولى إِن كان يحدث {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ثابتين على سفر قادرين على استعمال الماء وكذا فى قوله {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِط} الموضع المنخفض المطمئن الذى كان فيه لبول أَو أَو فضله طعام والمراد بالذات خروج ذلك منه مطلقاً {أَوْ لاَمَسْتُمُ} جامعتم {النِّسَاءَ} قادرين على استعماله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} شامل لما إِذا فقد أَو حضر وحيل دونه بعدم آلة أَو بعدو أَو سبع ولا بد من طلبه أَن ترجح أَو شك فيه {فَتَيَمَّمُوا} أَى اقصدوا {صَعيدًا} تراباً {طيِّبًا} طاهراً منبتا غير مغصوب ولا حصل بوجه حرام، ولم يشترط قوم الإِنبات، وبينت السنة ما نفعل من الضربتين والنية بينتها فى الوضوءِ والاغتسال وكما بينت أَن الفم والأَنف من ظاهر وأَمر بغسلهما فى الاغتسال كما يدل له غسلهما فى الوضوء وكما بين ما يمسح بقوله {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيديكُمْ} أَكفكم كما هو المتبادر عند الاطلاق كما فى القطع، والقائل إِلى المرفق يقول الإِضافة للعهد الذكرى {مِنْهُ} يتبادر اللصوق فلا يتيمم بالحجر والحصى وكرر ذلك ليتصل الكلام فى بيان أَنواع الطهارة. قيل: ولئلا يتوهم النسخ على أَن المائدة آخر ما نزل، ومن للآبتداء قيل أَو للتبعيض {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} للام للتعليل ومفعول يريد محذوف أَى ما يريد الله الأَمر بالطهارة بالماء أَو بالتراب ليجعل عليكم ضيقاً {وَلَكِنْ يُرِيدُ} الأَمر بها {لِيُطَهِّرَكُمْ} من الأَحداث الموجبة لها كالنجس والغيبة ففى محل النجس بعد غسله خبث حكمى، ومن الذنوب فإِن الوضوء تكفير لها كما جاءَ أَن من الوضوءِ إِلى الوضوءِ كفارة، وإِن ذنوب أَعضاء الوضوءِ تخرج منها مع الماء، أَو ليطهركم بالتراب إِذا لم تجدوا ماءً أَو لم تطيقوا استعماله وقيل المراد تطهير القلب عن دنس التمرد وليست اللام زائدة ومصدر مدخولها مفعول يريد لأَن اللام الزائدة لا تضمر أَن بعدها وأَجازه المبرد والرضى وابن هشام، وعن المبرد إرادتى لكذا أَو أَردت كذا واللام زائدة. {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} فى الدين بشرع ما يطهر أَبدانكم ويكفر ذنوبكم أَو برخصة التيمم {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمه، وفى الآية طهارتان أَصل وهو ما بالماءِ وبدل وهو ما بالصعيد والأَصل مستوعب وهو الغسل لأَنه يعم البدن كله وغير مستوعب وهو الوضوء لأَنه فى أَعضاء لا فى كل البدن ولو استوعب أَعضاء الوضوء، والوضوء غسل ومسح وهو أَيضاً غير مذكور بآلة الحد كإلى وهو غسل الوجه ومسح الرأس ومحدود بها وهو غسل اليدين والرجلين إِذ ذكرت فيهن إِلى والطهارة إِما بمائع وهو الماء وإِما بجامد وهو الصعيد وموجبها حدث أَصغر أَو أَكبر، ومسيغ الصعيد مرض أَو فاقد ماءَ كما فى السفر وإِن شئت فقل المسيغ عدم وجود الماءِ حقيقة أَو حكماً وذلك بالمرض أَو السفر غالباً والموعود به لذلك تطهير الذنوب وإِتمام النعمة، وإِن شئت فقل الموعود به إِما التنظيف وإِما تطهير الذنوب فتلك أَربعة عشر فكا وسبعة تركيباً لكن بعضها متداخل وبعضها تقسيم الكل إلى أَجزائه وبعضها تقسيم الكلى إِلى جزئياته، وزاد بعض أَن غير المحدود وجه ورأس والمحدود يد ورجل والنهاية كعب ومرفق والشكر قولى وفعلى.
الالوسي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} شروع في بيان الشرائع المتعلقة بدينهم بعد بيان ما يتعلق بدنياهم، ووجه التقديم والتأخير ظاهر {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ} أي إذا أردتم القيام إليها والاشتغال بها، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها مجازاً، وفائدته الإيجاز والتنبيه / على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وقيل: يجوز أن يكون المراد إذا قصدتم الصلاة، فعبر عن أحد لازمي الشيء بلازمه الآخر. وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً نظراً إلى عموم {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} من غير اختصاص بالمحدثين، وإن لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل، وإنما ذلك من خارج على الصحيح، لكن الإجماع على خلاف ذلك، وقد أخرج مسلم وغيره «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه، فقال عليه الصلاة والسلام: عمداً فعلته يا عمر»تفسير : يعني بياناً للجواز، فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلاً، وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} صريح في البدلية، وبعض المتأخرين أن في الكلام شرطاً مقدراً أي: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الخ إن كنتم محدثين لأنه يلائمه كل الملاءمة عطف {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} عليه، وقيل: الأمر للندب، ويعلم الوجوب للمحدث من السنة؛ واستبعد لإجماعهم على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل، وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض، ووجوب بالنسبة إلى آخرين، وقيل: هو للوجوب، وكان الوضوء واجباً على كل قائم أول الأمر ثم نسخ، فقد أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والحاكم عن عبد الله بن حنظلة الغسيل «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث» تفسير : ولا يعارض ذلك خبر أن المائدة آخر القرآن نزولاً الخ لأنه ليس في القوة مثله حتى قال العراقي: لم أجده مرفوعاً، نعم الاستدلال على الوجوب على كل الأمة أولاً، ثم نسخ الوجوب عنهم آخراً بما يدل على الوجوب عليه عليه الصلاة والسلام أولاً؛ ونسخه عنه آخراً لا يخلو عن شيء كما لا يخفى. وأخرج مالك والشافعي وغيرهما عن زيد بن أسلم أن تفسير الآية إذا قمتم من المضاجع يعني النوم إلى الصلاة والأمر عليه ظاهر، ويحكى عن داود أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبـي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضؤون كذلك، وكان علي كرم الله تعالى وجهه يتوضأ كذلك ويقرأ هذه الآية، وفيه أن حديث عمر رضي الله تعالى عنه يأبـى استمرار النبـي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر، والخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت، وفعل الخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب، وقد ورد «حديث : من توضأ على طهر كتب الله تعالى له عشر حسنات»تفسير : . {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} أي أسيلوا عليها الماء، وحد الإسالة أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما، وعند أبـي يوسف رحمه الله تعالى لا يشترط التقاطر، وأما الدلك فليس من حقيقة الغسل خلافاً لمالك فلا يتوقف حقيقته عليه، قيل: ومرجعهم فيه قول العرب: غسل المطر الأرض، وليس في ذلك إلا الإسالة، ومنع بأن وقعه من علو خصوصاً مع الشدة والتكرر دلك أيّ دلك، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض، وهو إنما يكون بدلك، وبأنه غير مناسب للمعنى المعقول من شرعية الغسل، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدي الرب سبحانه وتعالى الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر / المتوضئين إلا بالدلك. وحكي عنه أن الدلك ليس واجباً لذاته، وإنما هو واجب لتحقق وصول الماء فلو تحقق لم يجب ـ كما قاله ابن [أمير] الحاج في «شرح المنية» ـ ومن الغريب أنه قال باشتراط الدلك في الغسل ولم يشترط السيلان فيما لو أمرَّ المتوضىء الثلج على العضو فإنه قال: يكفي ذلك وإن لم يذب الثلج ويسيل، ووافقه عليه الأوزاعي مع أن ذلك لا يسمى غسلاً أصلاً ويبعد قيامه مقامه. وحد الوجه عندنا طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين، وعرضاً ما بين شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها، واشتقاق الثلاثي من المزيد ـ إذا كان المزيد أشهر في المعنى الذي يشتركان فيه ـ شائع، وقال العلامة أكمل الدين: إن ما ذكروا من منع اشتقاق الثلاثي من المزيد إنما هو في الاشتقاق الصغير، وأما في الاشتقاق الكبير وهو أن يكون بين كلمتين تناسب في اللفظ والمعنى فهو جائز، ويعطى ظاهر التحديد وجوب إدخال البياض المعترض بين العذار والأذن بعد نباته، وهو قولهما خلافاً لأبـي يوسف، ويعطى أيضاً وجوب الإسالة على شعر اللحية، وقد اختلفت الروايات فيه عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وغيره، فعنه يجب مسح ربعها، وعنه مسح ما يلاقي البشرة وعنه لا يتعلق به شيء، وهو رواية عن أبـي يوسف، وعن أبـي يوسف يجب استيعابها، وعن محمد أنه يجب غسل الكل، قيل: ـ وهو الأصح ـ وفي «الفتاوى الظهيرية»، وعليه الفتوى لأنه قام مقام البشرة فتحول الفرض إليه كالحاجب. وقال في «البدائع» عن ابن شجاع: إنهم رجعوا عما سوى هذا. وكل هذا في الكثة، أما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها ولو أمرّ الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن، وفي البقال: لو قص الشارب لا يجب تخليله، وإن طال وجب تخليله، وإيصال الماء إلى الشفتين وكأن وجهه أن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط ما تحته بخلاف اللحية فإن إعفاءها هو المسنون، وعد شيخ الإسلام المرغيناني في «التجنيس» إيصال الماء إلى منابت شعر الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل، وأما الشفة فقيل: تبع للفم، وقال أبو جعفر: ما انكتم عند انضمامه تبع له وما ظهر فللوجه، وروي هذا التحديد عن ابن عباس، وابن عمر والحسن وقتادة والزهري رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وغيرهم، وقيل: الوجه كل ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بطن كداخل الأنف والفم، وكذا ما أقبل من الأذنين، وروي عن أنس بن مالك وأم سلمة وعمار ومجاهد وابن جبير وجماعة فأوجبوا غسل ذلك كله ولم أر لهم نصاً في باطن العين، والظاهر عدم وجوب غسله عندهم لمزيد الحرج وتوقع الضرر، ولهذا صرح البعض بعدم سنية الغسل أيضاً، بل قال بعضهم: يكره، نعم يخطر في الذهن رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يوجب غسل باطن العين في الغسل ويفعله، وأنه كان سبباً في كف بصره رضي الله تعالى عنه. {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} جمع مرفق بكسر ففتح أفصح من عكسه، وهو موصل الذراع في العضد، ولعل وجه تسميته بذلك أنه يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد، وجمهور الفقهاء على دخولها. وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا أعلم خلافاً في أن المرافق يجب غسلها، ولذلك قيل {إِلَىٰ} بمعنى مع كما في قوله تعالى: {أية : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} تفسير : [هود: 52] و {أية : مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52]، وقيل: هي إنما تفيد معنى الغاية، / ومن الأصول المقررة أن ما بعد الغاية إن دخل في المسمى لولا ذكرها دخل وإلا فلا، ولا شك أن المرافق داخلة في المسمى فتدخل، وما أورد على هذا الأصل من أنه لو حلف لا يكلم فلاناً إلى غد لا يدخل مع أنه يدخل لو تركت الغاية غير قادح فيه لأن الكلام هنا في مقتضى اللغة، والأيمان تبنى على العرف، وجاز أن يخالف العرف اللغة. وذكر بعض المحققين أن {إِلَىٰ} جاءت وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها، وجاءت وما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون، ودخول المرافق ثابت بالسنة، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أدار الماء عليها. ونقل أصحابنا حكاية عدم دخولها عن زفر، واستدل بتعارض الأشباه وبأن في الدخول في المسمى اشتباهاً أيضاً فلا تدخل بالشك، وحديث الإدارة لا يستلزم الافتراض لجواز كونه على وجه السنة كالزيادة في مسح الرأس إلى أن يستوعبه، وأجيب بأنه لا تعارض مع غلبة الاستعمال في الأصل المقرر، وأيضاً على ما قال يثبت الإجمال في دخولها فيكون اقتصاره صلى الله عليه وسلم على المرفق وقع بياناً للمراد من اليد، فيتعين دخول ما أدخله ـ واغسل يدك للأكل ـ من إطلاق اسم الكل على البعض اعتماداً على القرينة. وقال العلامة ابن حجر: دل على دخولها الإتباع والإجماع، بل والآية أيضاً بجعل {إِلَىٰ} غاية للترك المقدر بناءاً على أن اليد حقيقة إلى المنكب كما هو الأشهر لغة، وكأنه عنى بالإجماع إجماع أهل الصدر الأول وإلا فلا شك في وجود المخالف بعد، وعدوا داود ـ وكذا الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من ذلك ـ ولي في عد الأخير تردد، فقد نقل ابن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على فرضية غسل اليدين مع المرفقين، قيل: ويترتب على هذا الخلاف أن فاقد اليد من المرفق يجب عليه إمرار الماء على طرف العظم عند القائل بالدخول، ولا يجب عند المخالف لأن محل التكليف لم يبق أصلاً كما لو فقد اليد مما فوق المرفق، نعم يندب له غسل ما بقي من العضد محافظة على التحجيل. هذا واستيعاب غسل المأمور به من الأيدي فرض كما هو الظاهر من الآية، فلو لزق بأصل ظفره طين يابس أو نحوه، أو بقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه إذا كان واسعاً، والمختار في الضيق الوجوب، وفي «الجامع الأصغر» إن كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين جاز في القروي والمدني على الصحيح المفتى به ـ كما قال الدبوسي ـ وقيل: يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إلا الدرن لتولده منه. وقال الصفار: يجب الإيصال مطلقاً إن طال الظفر، واستحسنه ابن الهمام لأن الغسل وإن كان مقصوراً على الظواهر لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة عروض الحائل كقطرة شمعة، وفي «النوازل» يجب في المصري لا القروي لأن دسومة أظفار المصري مانعة من وصول الماء بخلاف القروي، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلها قولاً واحداً، ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي الأصلية يجب غسلها، والأخرى زائدة فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله وما لا فلا، ومن الغريب أن بعضاً من الناس أوجب البداية في غسل الأيدي من المرافق، فلو غسل من رؤوس الأصابع لم يصح وضوؤه. وقد حكى ذلك الطبرسي في «مجمع البيان»، والظاهر أن هذا البعض من الشيعة، ولا أجد لهم في ذلك متمسكاً. {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}، قيل: الباء زائدة لتعدي الفعل بنفسه؛ وقيل: للتبعيض، وقد نقل ابن مالك عن أبـي علي في «التذكرة» أنها تجىء لذلك، وأنشد:شعر : / شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج تفسير : وقيل: إن العرف نقلها إلى التبعيض في المتعدي، والمفروض في المسح عندنا مقدار الناصية، وهو ربع الرأس من أي جانب كان فوق الأذنين لما روى مسلم عن المغيرة حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته؛ تفسير : والكتاب مجمل في حق الكمية فالتحق بياناً له، والشافعي رضي الله تعالى عنه يمنع ذلك، ويقول: هو مطلق لا مجمل فإنه لم يقصد إلى كمية مخصوصة أجمل فيها، بل إلى الإطلاق فيسقط عنده بأدنى ما يطلق عليه مسح الرأس، على أن في حديث المغيرة روايتان: على ناصيته. وبناصيته، والأولى لا تقتضي استيعاب الناصية لجواز كون ذكرها لدفع توهم أنه مسح على الفود، أو القذال، فلا يدل على مطلوبكم ولو دل مثل هذا على الاستيعاب لدل ـ مسحَ على الخفين ـ عليه أيضاً، ولا قائل به هناك عندنا وعندكم، وإذا رجعنا إلى الثانية كان محل النزاع في الباء كالآية، ويعود التبعيض، ومن هنا قال بعضهم: الأولى أن يستدل برواية أبـي داود حديث : عن أنس رضي الله تعالى عنه: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه» تفسير : وسكت عليه أبو داود فهو حجة، وظاهره استيعاب تمام المقدم، وتمام مقدم الرأس هو الربع المسمى بالناصية، ومثله ما رواه البيهقي عن عطاء «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه، أو قال: ناصيته» تفسير : فإنه حجة وإن كان مرسلاً عندنا، وكيف وقد اعتضد بالمتصل؟ بقي شيء وهو أن ثبوت الفعل كذلك لا يستلزم نفي جواز الأقل فلا بدّ من ضم الملازمة القائلة لو جاز الأقل لفعله مرة تعليماً للجواز، وقد يمنع بأن الجواز إذا كان مستفاداً من غير الفعل لم يحتج إليه فيه، وهنا كذلك نظراً إلى الآية فإن الباء فيها للتبعيض وهو يفيد جواز الأقل فيرجع البحث إلى دلالة الآية، فيقال حينئذٍ: إن الباء للإلصاق وهو المعنى المجمع عليه لها بخلاف التبعيض، فإن الكثير من محققي أئمة العربية ينفون كونه معنى مستقلاً للباء بخلاف ما إذا كان في ضمن الإلصاق كما فيما نحن فيه، فإن إلصاق الآلة بالرأس الذي هو المطلوب لا يستوعب الرأس، فإذا ألصق فلم يستوعب خرج عن العهدة بذلك البعض، وحينئذٍ فتعين الربع لأن اليد إنما تستوعب قدره غالباً فلزم. وفي بعض الروايات إن المفروض مقدار ثلاث أصابع، وصححها بعض المشايخ نظراً إلى أن الواجب إلصاق اليد والأصابع أصلها، ولذا يلزم كمال دية اليد بقطعها والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل، ولا يخفى ما فيه، وإن قيل: إنه ظاهر الرواية. وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد في أظهر الروايات عنه إلى أنه يجب استيعاب الرأس بالمسح، والإمامية إلى ما ذهب إليه الشافعي رضي الله تعالى عنه، ولو أصاب المطر قدر الفرض سقط عندنا، ولا يشترط إصابته باليد لأن الآلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل فحيث وصل استغنى عن استعمالها، ولو مسح ببل في يده لم يأخذه من عضو آخر جاز، وإن أخذه لا يجوز، ولو مسح بإصبع واحدة مدها قدر الفرض، وكذا بإصبعين ـ على ما قيل ـ لا يجوز خلافاً لزفر، وعللوه بأن البلة صارت مستعملة وهو على إشكاله بأن الماء لا يصير مستعملاً قبل الانفصال ليستلزم عدم جواز مد الثلاث على القول بأنه لا يجزىء أقل من الربع، والمشهور في ذلك الجواز، واختار شمس الأئمة أن المنع في مد الأصبع والاثنتين غير معلل باستعمال البلة بدليل أنه لو مسح بإصبعين في التيمم لا يجوز مع عدم شيء يصير مستعملاً خصوصاً إذا تيمم على الحجر الصلد، بل الوجه عنده أنا مأمورون بالمسح باليد والإصبعان منها لا تسميان يداً بخلاف الثلاث لأنها أكثر ما هو الأصل فيها، وهو حسن ـ كما قال ابن الهمام ـ / لكنه يقتضي تعين الإصابة باليد وهو منتف بمسألة المطر، وقد يدفع بأن المراد تعينها أو ما يقوم مقامها من الآلات عند قصد الإسقاط بالفعل اختياراً غير أن لازمه كون تلك الآلة التي هي غير اليد مثلاً قدر ثلاث أصابع من اليد حتى لو كان عوداً مثلاً لا يبلغ ذلك القدر قلنا: بعدم جواز مده، وقد يقال: عدم الجواز بالإصبع بناءاً على أن البلة تتلاشى وتفرغ قبل بلوغ قدر الفرض بخلاف الإصبعين، فإن الماء يتحمل بين الإصبعين المضمومتين فضل زيادة تحتمل الامتداد إلى قدر الفرض وهذا مشاهد أو مظنون، فوجب إثبات الحكم باعتباره، فعلى اعتبار صحة الاكتفاء بقدر ثلاث أصابع يجوز مد الإصبعين لأن ما بينهما من الماء يمتد قدر إصبع ثالثة، وعلى اعتبار توقف الإجزاء على الربع لا يجوز لأنّ ما بينهما لا يغلب على الظنّ إيعابه الربع إلا أن هذا يعكر عليه عدم جواز التيمم بإصبعين فلو أدخل رأسه إناء ماء ناوياً للمسح جاز، والماء طهور عند أبـي يوسف لأنه لا يعطى له حكم الاستعمال إلا بعد الانفصال والذي لاقى الرأس من أجزائه لصق به فطهره، وغيره لم يلاقه فلا يستعمل. واتفقت الأئمة على أن المسح على العمامة غير مجزىء إلا أحمد فإنه أجاز ذلك بشرط أن يكون من العمامة شيء تحت الحنك رواية واحدة، وهل يشترط أن يكون قد لبسها على طهارة؟ فيه روايتان، واختلفت الرواية عنه أيضاً في مسح المرأة على قناعها المستدير تحت حلقها، فروي عنه جواز المسح كعمامة الرجل ذات الحنك وروي عنه المنع، ونقل عن الأوزاعي والثوري جواز المسح على العمامة، ولم أر حكاية الاشتراط ولا عدمه عنهما، وقد ذكرنا دليل الجواز في كتاب «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية». {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} وهما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم، ومنه الكاعب ـ وهي الجارية التي تبدو ثديها للنهود ـ وروى هشام عن محمد أن الكعب هو المفصل الذي في وسط القدم عند معترك الشراك لأن الكعب اسم للمفصل، ومنه كعوب الرمح والذي في وسط القدم مفصل دون ما على الساق، وهذا صحيح في المحرم إذا لم يجد نعلين فإنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين، ولعل ذلك مراد محمد، فأما في الطهارة فلا شك أنه ما ذكرنا، وفي الأرجل ثلاث قراآت: واحدة شاذة واثنتان متواترتان؛ أما الشاذة فالرفع ـ وهي قراءة الحسن ـ وأما المتواترتان فالنصب، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب والجر وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبـي عمرو وعاصم، وفي رواية أبـي بكر عنه، ومن هنا اختلف الناس في غسل الرجلين ومسحهما، قال الإمام الرازي: «فنقل القفال في «تفسيره» عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبـي وأبـي جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهم أن الواجب فيها المسح وهو مذهب الإمامية [من الشيعة]، وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر للحق من الزيدية، وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل. وحجة القائلين بالمسح قراءة الجر فإنها تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح فيها وجب فيها والقول إنه جرّ بالجوار كما في قولهم: هذا جحر ضب خرب، وقوله:شعر : (كان ثبيراً في عرانين وبله) كبير أناس في بجاد مزمل تفسير : باطل من وجوه: أولها: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله تعالى يجب تنزيهه عنه، وثانيها: أن الكسر إنما يصار إليه حيث حصل الأمن من الالتباس كما فيما استشهدوا به، / وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل، وثالثها: أن (الجر) بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، وردوا قراءة النصب إلى قراءة الجر فقالوا: إنها تقتضي المسح أيضاً لأن العطف حينئذ على محل الرؤوس لقربه فيتشاركان في الحكم؛ وهذا مذهب مشهور للنحاة، ثم قالوا (ولا يجوز دفع) ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز، ثم قال الإمام: واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين: الأول: أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها، والثاني: أن فرض الأرجل محدود إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح، والقوم أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم، وعلى هذا التقدير يجب المسح على ظهر القدمين، والثاني: أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبـي الساق، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين وحينئذ لا يبقى هذا السؤال» انتهى. ولا يخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت فيه أقدام، وما ذكره الإمام رحمه الله تعالى يدل على أنه راجل في هذا الميدان، وضالع لا يطيق العروج إلى شاوي ضليع تحقيق تبتهج به الخواطر والأذهان، فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك رغماً لأنوف الشيعة السالكين من السبل كل سبيل حالك، فنقول وبالله تعالى التوفيق، وبيده أزمة التحقيق: إن القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الإسلام كلهم، ومن القواعد الأصولية عند الطائفتين أن القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلا بدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أولاً مهما أمكن لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأصول؛ ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثم إذا لم يتيسر لنا الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الأخر من السنة، وقد ذكر الأصوليون أن الآيات إذا تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق، ثم الترجيح بينهما يرجع إلى السنة فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة في حقنا من حيث العمل وإن تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت، أو نرجع إلى القياس عند القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض، فلما تأملنا في هاتين القراءتين في الآية وجدنا التطبيق بينهما بقواعدنا من وجهين: الأول: أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبو زيد الأنصاري وغيره من أهل اللغة، فيقال للرجل إذا توضأ: تمسح ويقال: مسح الله تعالى ما بك أي أزال عنك المرض، ومسح الأرض المطر إذا غسلها فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس في قراءة الجر لا يتعين كونها ممسوحة بالمعنى الذي يدعيه الشيعة. واعترض ذلك من وجوه: أولها: أن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة، وقد فرق الله تعالى بين الأعضاء المغسولة والممسوحة، فكيف يكون معنى الغسل والمسح واحداً؟! وثانيها: أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس ـ وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف ـ وجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وثالثها: أنه لو كان المسح بمعنى الغسل يسقط الاستدلال على الغسل بخبر «أنه صلى الله عليه وسلم غسل رجليه» لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحها فسمي المسح غسلاً. ورابعها: أن استشهاد أبـي زيد بقولهم: تمسحت للصلاة لا يجدي نفعاً لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا / عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا: تغسلت للصلاة لأن ذلك يوهم الغسل، قالوا بدله: تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً، فتجوزوا بذلك تعويلاً على فهم المراد، وذلك لا يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل، وأجيب عن الأول: بأنا لا ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغة وشرعاً ولا تفرقة الله تعالى بين المغسول والممسوح من الأعضاء، لكنا ندعي أن حمل المسح على الغسل في بعض المواضع جائز وليس في اللغة والشرع ما يأباه، على أنه قد ورد ذلك في كلامهم، وعن الثاني: بأنا نقدر لفظ امسحوا قبل أرجلكم أيضاً وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بأن يتعدى المعنى ولا محذور فيه، فقد نقل شارح «زبدة الأصول» من الإمامية أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز بحيث يكون ذلك اللفظ في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي وفي المعطوف بالمعنى المجازي، وقالوا في آية {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} تفسير : [النساء: 43]: إن الصلاة في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي الشرعي ـ وهو الأركان المخصوصة ـ وفي المعطوف بالمعنى المجازي ـ وهو المسجد ـ فإنه محل الصلاة، وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الاستخدام، وبذلك فسر الآية جمع من مفسري الإمامية وفقهائهم، وعليه فيكون هذا العطف من عطف الجمل في التحقيق، ويكون المسح المتعلق بالرؤوس بالمعنى الحقيقي، والمسح المتعلق بالأرجل بالمعنى المجازي، على أن من أصول الإمامية ـ كالشافعية ـ جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا استعمال المشترك في معنييه، ويحتمل هنا إضمار الجار تبعاً للفعل فتدبر؛ ولا يشكل أن في الآية حينئذ إبهاماً؛ ويبعد وقوع ذلك في التنزيل لأنا نقول: إن الآية نزلت بعد ما فرض الوضوء وعلمه عليه الصلاة والسلام روح القدس إياه في ابتداء البعثة بسنين فلا بأس أن يستعمل فيها هذا القسم من الإبهام، فإن المخاطبين كانوا عارفين بكيفية الوضوء ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من الآية، ولم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقها لإبدال التيمم من الوضوء والغسل في الظاهر، وذكر الوضوء فوق التيمم للتمهيد؛ والغالب فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع، وعن الثالث: بأن حمل المسح على الغسل لداع لا يستلزم حمل الغسل على المسح بغير داع، فكيف يسقط الاستدلال؟! سبحان الله تعالى هذا هو العجب العجاب. وعن الرابع: بأنا لا نسلم أن العدول عن تغسلت لإيهامه الغسل فإن تمسحت يوهم ذلك أيضاً بناءاً على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً سلمنا ذلك لكنا لم نقتصر في الاستشهاد على ذلك، ويكفي ـ مسح الأرض المطر ـ في الفرض. والوجه الثاني: أن يبقى المسح على الظاهر، وتجعل الأرجل على تلك القراءة معطوفة على المغسولات كما في قراءة النصب، والجر للمجاورة، واعترض أيضاً من وجوه، الأول والثاني والثالث: ما ذكره الإمام من عدّ الجر بالجوار لحناً وأنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا أمن فيما نحن فيه، وكونه إنما يكون بدون حرف العطف، والرابع: أن في العطف على المغسولات سواء كان المعطوف منصوب اللفظ أو مجروره الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ليست اعتراضية وهو غير جائز عند النحاة، على أن الكلام حينئذ من قبيل ضربت زيداً، وأكرمت خالداً وبكراً بجعل بكر عطفاً على زيد، أو إرادة أنه مضروب لا مكرم، وهو مستهجن جداً تنفر عنه الطباع ولا تقبله الأسماع، فكيف يجنح إليه أو يحمل كلام الله تعالى عليه؟! وأجيب عن الأول: بأن إمام النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأئمتها جوزوا جرّ الجوار، وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، ولم ينكره إلا الزجاج ـ وإنكاره مع / ثبوته في كلامهم ـ يدل على قصور تتبعه، ومن هنا قالوا: المثبت مقدم على النافي، وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا نقل في ذلك عن النحاة في الكتب المعتمدة، نعم قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة وهو هنا كذلك لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح إذ المسح لم يوجد مغياً في كلامهم، ولذا لم يغي في آية التيمم، وإنما يغيا الغسل، ولذا غيي في الآية حين احتيج إليه فلا يرد أنه لم يغي غسل الوجه لظهور الأمر فيه، ولا قول المرتضى: إنه لا مانع من تغييه، والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى كأنه مسح، وعن الثالث: بأنهم صرحوا بوقوعه في النعت كما سبق من الأمثلة، وقوله تعالى: {أية : عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} تفسير : [هود: 84] بجر {مُحِيطٌ} مع أنه نعت للعذاب، وفي التوكيد كقوله:شعر : ألا بلغ ذوي الزوجات (كلهم) أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب تفسير : بجر ـ كلهم ـ على ما حكاه الفراء، وفي العطف كقوله تعالى: {أية : وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} تفسير : [الواقعة: 22-23] على قراءة حمزة والكسائي. وفي رواية المفضل عن عاصم فإنه مجرور بجوار أكواب وأباريق ومعطوف على {أية : وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ} تفسير : [الواقعة: 17]، وقول النابغة:شعر : لم يبق إلا أسير غير منفلت (وموثق) في حبال القد مجنوب تفسير : بجر ـ موثق ـ مع أن العطف على أسير، وقد عقد النحاة لذلك باباً على حدة لكثرته ولما فيه من المشاكلة؛ وقد كثر في الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره في الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك، وكلام ابن الحاجب في هذا المقام لا يعبأ به، وعن الرابع: بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} متعلقة بجملة المغسولات فإن كان معناها. وامسحوا الأيدي بعد الغسل برؤوسكم فلا إخلال ـ كما هو مذهب كثير من أهل السنة ـ من جواز المسح ببقية ماء الغسل، واليد المبلولة من المغسولات، ومع ذلك لم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين المتعاطفتين، أو معطوف ومعطوف عليه، بل صرح الأئمة بالجواز، بل نقل أبو البقاء إجماع النحويين على ذلك، نعم توسط الأجنبـي في كلام البلغاء يكون لنكتة وهي هنا ما أشرنا إليه، أو الإيماء إلى الترتيب، وكون الآية من قبيل ما ذكر من المثال في حيز المنع، وربما تكون كذلك لو كان النظم ـ وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ـ والواقع ليس كذلك. وقد ذكر بعض أهل السنة أيضاً وجهاً آخر في التطبيق، وهو أن قراءة الجر محمولة على حالة التخفف، وقراءة النصب على حال دونه، واعترض بأن الماسح على الخف ليس ماسحاً على الرجل حقيقة ولا حكماً، لأن الخف اعتبر مانعاً سراية الحدث إلى القدم فهي طاهرة، وما حل بالخف أزيل بالمسح فهو على الخف حقيقة وحكماً، وأيضاً المسح على الخف لا يجب إلى الكعبين اتفاقاً، وأجيب بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزىء عليه المسح لأنه لا يجزىء على ساقه، نعم هذا الوجه لا يخلو عن بعد، والقلب لا يميل إليه، وإن ادعى الجلال السيوطي أنه أحسن ما قيل في الآية، وللإمامية في تطبيق القراءتين وجهان أيضاً ـ لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من الوجهين اللذين عند أهل السنة ـ أن قراءة النصب التي هي ظاهرة في الغسل عند أهل السنة، وقراءة الجر تعاد إليها، وعند الإمامية بالعكس، الوجه الأول: أن تعطف الأرجل في قراءة النصب على محل {بِرُؤُوسِكُمْ} فيكون حكم الرؤوس والأرجل كليهما مسحاً، الوجه الثاني: أن الواو فيه بمعنى مع من قبيل استوى الماء والخشبة، وفي كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه: الأول: أن العطف على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين، والظاهر العطف على المغسولات / والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا يجوز وإن استدلوا بقراءة الجر، قلنا: إنها لا تصلح دليلاً لما علمت، والثاني إنه لو عطف {وَأَرْجُلَكُمْ} على محل {بِرُؤُوسِكُمْ} جاز أن نفهم منه معنى الغسل، إذ من القواعد المقررة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان متغايران في المعنى ـ ويكون لكل منهما متعلق ـ جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور كأنه متعلقه، ومن ذلك قوله:شعر : يا ليت بعلك قد غدا متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : فإن المراد وحاملاً رمحاً، ومنه قوله:شعر : إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا تفسير : فإنه أراد وكحلن العيونا، وقوله:شعر : تراه كان مولاه يجدع أنفه وعينيه إن مولاه كان له وفر تفسير : أي يفقىء عينيه إلى ما لا يحصى كثرة، والثالث: أن جعل الواو بمعنى مع بدون قرينة مما لا يكاد يجوز، ولا قرينة ههنا على أنه يلزم كما قيل: فعل المسحين معاً بالزمان، ولا قائل به بالاتفاق، بقي لو قال قائل: لا أقنع بهذا المقدار في الاستدلال على غسل الأرجل بهذه الآية ما لم ينضم إليها من خارج ما يقوي تطبيق أهل السنة فإن كلامهم وكلام الإمامية في ذلك عسى أن يكون فرسا رهان، قيل له: إن سنة خير الورى صلى الله عليه وسلم وآثار الأئمة رضي الله تعالى عنهم شاهدة على ما يدعيه أهل السنة وهي من طريقهم أكثر من أن تحصى، وأما من طريق القوم، فقد روى العياشي عن علي عن أبـي حمزة قال: «سألت أبا هريرة عن القدمين فقال: تغسلان غسلاً» وروى محمد بن النعمان عن أبـي بصير عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «إذا نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك» وهذا الحديث رواه أيضاً الكلبـي وأبو جعفر الطوسي بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن تضعيفها ولا الحمل على التقية لأن المخاطب بذلك شيعي خاص، وروى محمد بن الحسن الصفار حديث : عن زيد بن علي عن أبيه عن جده أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غسلت قدمي قال: «يا علي خلل بين الأصابع»تفسير : . ونقل الشريف الرضي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه في «نهج البلاغة» حكاية وضوئه صلى الله عليه وسلم وذكر فيه غسل الرجلين، وهذا يدل على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة، ولم يدع أحد منهم النسخ ليتكلف لإثباته كما ظنه من لا وقوف له، وما يزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفترى عليهم، فإن أحداً منهم ما روي عنه بطريق صحيح أنه جوز المسح، إلا أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإنه قال بطريق التعجب: «لا نجد في كتاب الله تعالى إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل» ومراده أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التي كانت قراءته، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل، ففي كلامه هذا إشارة إلى قراءة الجر مؤولة متروكة الظاهر بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم، ونسبة جواز المسح ـ إلى أبـي العالية وعكرمة والشعبـي ـ زور وبهتان أيضاً، وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح، أو التخيير بينهما إلى الحسن البصري عليه الرحمة، ومثله نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ» الكبير / «والتفسير» الشهير، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة، ورواها بعض أهل السنة ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقق ولا سند، واتسع الخرق على الراقع، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الإيضاح للمترشد في الإمامة» لا أبو جعفر محمد بن جرير بن [يزيد بن كثير] بن غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح ولا الجمع ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه، ولا حجة لهم في دعوى المسح بما روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه «أنه مسح وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً، وقال: إن الناس يزعمون أن الشرب قائماً لا يجوز، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت» وهذا وضوء من لم يحدث لأن الكلام في وضوء المحدث لا في مجرد التنظيف بمسح الأطراف كما يدل عليه ما في الخبر من مسح المغسول اتفاقاً، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمه بروايات ضعيفة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على قدميه فهو كما قال الحفاظ: شاذ منكر لا يصلح للاحتجاج مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازاً؛ واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد، ومثل ذلك عند من اطلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي عن فضالة عن حماد بن عثمان عن غالب بن هذيل قال: «سألت أبا جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على الرجلين فقال: هو الذي نزل به جبريل عليه السلام» وما روي عن أحمد بن محمد قال: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له: لو أن رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزىء؟ قال: لا إلا بكفه كلها» إلى غير ذلك مما روته الإمامية في هذا الباب، ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم. وقد ذكرنا نبذة من ذلك في كتابنا ـ «النفحات القدسية في رد الإمامية» ـ على أن لنا أن نقول: لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية من الآية فالغسل يكفي عنه ولو كان هو الغسل لا يكفي عنه فبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لأن الغسل محصل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة، وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة، فلا يرد ما قيل: من أن الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض، وأيضاً كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب سبحانه وتعالى لأنه الأحوط أيضاً لكون سنده متفقاً عليه للفريقين كما سمعت دون المسح للاختلاف في سنده، وقال بعض المحققين: قد يلزمهم ـ بناءاً على قواعدهم ـ أن يجوزوا الغسل والمسح ولا يقتصروا على المسح فقط، وزعم الجلال السيوطي أنه لا إشكال في الآية بحسب القراءتين عند المخيرين إلا أنه يمكن أن يدعى لغيرهم أن ذلك كان مشروعاً أولاً ثم نسخ بتعيين الغسل، وبقيت القراءتان ثابتتين في الرسم كما نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وبقي رسم ذلك ثابتاً، ولا يخفى أنه أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت. هذا وأما قراءة الرفع فلا تصلح في الاستدلال للفريقين إذ لكل أن يقدر ما شاء، ومن هنا قال الزمخشري فيها: ((إنها على معنى وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة))، لكن ذكر الطيبـي أنه لا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الإسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس، وإنما يكون / كذلك إذا جعلت القرينة ما علم من منطوق القراءتين ومفهومهما، وشوهد وتعورف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وسمع منهم واشتهر فيما بينهم. وقد قال عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين، وكل ذلك دافع لتفسيره هذه القراءة بقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} مغسولة أو ممسوحة على الترديد لا سيما العدول من الإنشائية إلى الإخبارية المشعر بأن القوم كأنهم سارعوا فيه وهو يخبر عنه انتهى، فالأولى أن يقدر ما هو من جنس الغسل على وجه يبقى معه الإنشاء. وبمجموع ما ذكرنا يعلم ما في كلام الإمام الرازي قدس الله تعالى سره، ونقله مما قدمناه، فاعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم اعلم أنهم اختلفوا في أن الآية هل تقتضي وجوب النية أم لا؟ فقال الحنفية: إن ظاهره لا يقتضي ذلك والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص، والزيادة فيه تقتضي النسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير واقع بل غير جائز عند الأكثرين، وكذا بالقياس على المذهب المنصور للشافعي رضي الله تعالى عنه ـ كما قاله المروزي ـ فإذن لا يصح إثبات النية، وقال بعض الشافعية: إن الآية تقتضي الإيجاب لأن معنى قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ} إذا أردتم القيام وأنتم محدثون، والغسل وقع جزاءاً لذلك، والجزاء مسبب عن الشرط فيفيد وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة، وبذلك يثبت المطلوب، وقال آخرون ـ وعليه المعول عندهم ـ وجه الاقتضاء أن الوضوء مأمور به فيها وهو ظاهر، وكل مأمور به يجب أن يكون عبادة وإلا لما أمر به، وكل عبادة لا تصح بدون النية لقوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ} تفسير : [البينة: 5] والإخلاص لا يحصل إلا بالنية، وقد جعل حالاً للعابدين، والأحوال شروط فتكون كل عبادة مشروطة بالنية، وقاسوا أيضاً الوضوء على التيمم في كونهما طهارتين للصلاة، وقد وجبت النية في المقيس عليه فكذا في المقيس. ولنا القول بموجب العلة يعني سلمنا أن كل عبادة بنية، والوضوء لا يقع عبادة بدونها لكن ليس كلامنا في ذلك بل في أنه إذا لم ينو حتى لم يقع عبادة سبباً للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا؟ ليس في الآية ولا في الحديث المشهور الذي يوردونه في هذا المقام دلالة على نفيه ولا إثباته، فقلنا: نعم لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته، فكيف حصل المقصود وصار كستر العورة؟! وباقي شروط الصلاة التي لا يفتقر اعتبارها إلى أن ينوى، ومن ادعى ـ أن الشرط وضوء هو عبادة ـ فعليه البيان، والقياس المذكور على التيمم فاسد، فإن من المتفق عليه أن شرط القياس أن لا يكون شرعية حكم الأصل متأخرة عن حكم الفرع، وإلا لثبت حكم الفرع بلا دليل وشرعية التيمم متأخرة عن الوضوء فلا يقاس الوضوء على التيمم في حكمه، نعم إن قصد الاستدلال بآية التيمم بمعنى أنه لما شرع التيمم بشرط النية ظهر وجوبها في الوضوء وكان معنى القياس أنه لا فارق لم يرد ذلك. وذكر بعض المحققين في الفرق بين الوضوء والتيمم وجهين،الأول: أن التيمم ينبىء لغة عن القصد فلا يتحقق بدونه بخلاف الوضوء، والثاني: أن التراب جعل طهوراً في حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه كما يستفاد من قوله تعالى: {أية : مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48] وقوله سبحانه: {أية : لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} تفسير : [الأنفال: 11] فحينئذ يكون القياس فاسداً أيضاً. واعترض الوجه الأول: بأن النية المعتبرة ليست نية نفس الفعل بل أن ينوي المقصود به الطهارة والصلاة ولو صلاة الجنازة وسجدة التلاوة على ما بين في محله، وإذا كان كذلك فإنما ينبىء عن قصد هو غير المعتبر نية / فلا يكون النص بذلك موجباً للنية المعتبرة، ومن هنا يعلم ما في استدلال ـ بعض الشافعية بآية الوضوء على وجوب النية فيه ـ السابق آنفاً، وذلك لأن المفاد بالتركيب المقدر إنما هو وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة مع الحدث لا إيجاب أن يغسل لأجل الصلاة إذ عقد الجزاء الواقع طلباً بالشرط يفيد طلب مضمون الجزاء إذا تحقق مضمون الشرط، وأن وجوبه اعتبر مسبباً عن ذلك، فأين طلبه على وجه مخصوص هو فعله على قصد كونه لمضمون الشرط فتأمل، فقد خفي هذا على بعض الأجلة حتى لم يكافئه بالجواب، والوجه الثاني: بأنه إن أريد بالحالة المخصوصة حالة الصلاة فهو مبني على أن الإرادة مرادة في الجملة المعطوفة عليها جملة التيمم. وأنت قد علمت الآن أن لا دلالة فيها على اشتراط النية، وإن أريد حالة عدم القدرة على استعمال الماء فظاهر أن ذلك لا يقتضي إيجاب النية ولا نفيها، واستفاد كون الماء طهوراً بنفسه مما ذكر بأن كون المقصود من إنزاله التطهير به، وتسميته طهوراً لا يفيد اعتباره مطهراً بنفسه أي رافعاً للأمر الشرعي بلا نية، وهو المطلوب بخلاف إزالته الخبث لأن ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه ولا تلازم بين إزالته حساً صفة محسوسة وبين كونه يرتفع عند استعماله اعتبار شرعي، والمفاد من {لّيُطَهّرَكُمْ} كون المقصود من إنزاله التطهير به، وهذا يصدق مع اشتراط النية ـ كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ـ وعدمه كما قلنا ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه كما هو المقرر فتدبر. واختلفوا أيضاً في أنها هل تقتضي وجوب الترتيب أم لا؟ فذهب الحنفية إلى الثاني لأن المذكور فيها الواو وهي لمطلق الجمع على الصحيح المعول عليه عندهم، والشافعية إلى الأول لأن الفاء في ـ اغسلوا ـ للتعقيب فتفيد تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه، فيلزم الترتيب بين الوجه وغيره، فيلزم في الكل لعدم القائل بالفصل. وأجيب بأنا لا نسلم إفادتها تعقيب القيام به بل جملة الأعضاء وتحقيقه أن المعقب طلب الغسل وله متعلقات وصل إلى أولها ذكراً بنفسه وإلى الباقي بواسطة الحرف المشترك فاشتركت كلها فيه من غير إفادة طلب تقديم تعليقه ببعضها على بعض في الوجود؛ فصار مؤدى التركيب طلب إعقاب غسل جملة الأعضاء، وهذا نظير قولك: ادخل السوق فاشتر لنا خبزاً ولحماً حيث كان المفاد أعقاب الدخول بشراء ما ذكر كيفما وقع. وزعم بعضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك، وقال آخرون: الدليل على الترتيب فعله صلى الله عليه وسلم فقد حديث : توضأ عليه الصلاة والسلام مرتباً، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به»تفسير : وفيه أن الإشارة كانت لوضوء مرتب موالى فيه. فلو دلّ على فرضية الترتيب لدل على فرضية الموالاة ولا قائل بها عند الفريقين، نعم أقوى دليل لهم قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «حديث : ابدأوا بما بدأ الله تعالى به»تفسير : بناءاً على أن الأمر للوجوب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأجيب عن ذلك بما أجيب إلا أن الاحتياط لا يخفى، وهذا المقدار يكفي في الكلام على هذه الآية، والزيادة ـ على ذلك ببيان سنن الوضوء ونواقضه وما يتعلق به ـ مما لا تفهمه الآية كما فعل بعض المفسرين ـ فضول لا فضل، وإظهار علم يلوح من خلاله الجهل. {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} أي عند القيام إلى الصلاة {فَٱطَّهَّرُواْ} أي فاغتسلوا على أتم وجه، وقرىء {فَٱطَّهَّرُواْ} أي فطهروا أبدانكم، والمضمضة والاستنشاق هنا فرض كغسل سائر البدن لأنه سبحانه أضاف التطهير إلى مسمى الواو، وهو جملة بدن كل مكلف، فيدخل كل ما يمكن الإيصال إليه / إلا ما فيه حرج كداخل العينين فيسقط للحرج ولا حرج في داخل الفم والأنف فيشملهما نص الكتاب من غير معارض كما شملها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود: «حديث : تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة»تفسير : وكونهما من الفطرة كما جاء في الخبر لا ينفي الوجوب لأنها الدين، وهو أعم منه، وتشعر الآية بأنه لا يجب الغسل على الجنب فوراً ما لم يرد فعل ما لا يجوز بدونه؛ ويؤيد ذلك ما صح أنه صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الفجر ناسياً أنه جنب حتى إذا وقف تذكر فانصرف راجعاً فاغتسل وخرج ورأسه الشريف يقطر ماءاً. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} مرضاً تخافون به الهلاك، أو ازدياده باستعمال الماء. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أي مستقرين عليه. {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ} ـ من ـ لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض وهو متعلق ـ بامسحوا ـ وقرأ عبد الله ـ فأموا صعيداً ـ وقد تقدم تفسير الآية في سورة النساء [43] فليراجع، ولعل التكرير ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة، ولئلا يتوهم النسخ ـ على ما قيل ـ بناءاً على أن هذه السورة من آخر ما نزل. {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة والغسل من الجنابة، أو بالأمر بالتيمم {لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ} أي ضيق في الامتثال، و ـ الجعل ـ يحتمل أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو {مِنْ حَرَجٍ} و {مِنْ} زائدة، و {عَلَيْكُمْ} حينئذٍ متعلق ـ بالجعل ـ وجوز أن يتعلق ـ بحرج ـ وإن كان مصدراً متأخراً، ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير، فيكون {عَلَيْكُمْ} هو المفعول الثاني {وَلَـٰكِن يُرِيدُ} أي بذلك {لّيُطَهّرَكُمْ} أي لينظفكم، فالطهارة لغوية، أو ليذهب عنكم دنس الذنوب، فإن الوضوء يكفر الله تعالى به الخطايا، فقد أخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء ـ أو مع آخر قطر الماء ـ فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء ـ أو مع آخر قطر الماء ـ فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء ـ أو مع آخر قطر الماء ـ حتى يخرج نقياً من الذنوب»تفسير : فالطهارة معنوية بمعنى تكفير الذنوب لا بمعنى إزالة النجاسة، لأن الحدث ليس نجاسة بلا خلاف، وإطلاق ذلك عليه باعتبار أنه نجاسة حكمية بمعنى كونه مانعاً من الصلاة لا بمعنى كونه بحيث يتنجس الطعام أو الشراب الرطب بملاقاة المحدث أو تفسد الصلاة بحمله، وأما تنجس الماء فيما شاع عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ـ وروي رجوعه عنه ـ فلانتقال المانعية والآثام إليه حكماً، وقيل: المراد تطهير القلب عن دنس التمرد عن طاعة الله تعالى. وجوز أن يكون المراد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء، والمراد بالتطهر رفع الحدث والمانع الحكمي، وأما ما نقل عن بعض الشافعية ـ كإمام الحرمين ـ من أن القول بأن التراب مطهر قول ركيك، فمراده به: منع الطهارة الحسية فلا يرد عليه أنه مخالف للحديث الصحيح «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»تفسير : والإرادة صفة ذات، وقد شاع تفسيرها، ومفعولها في الموضعين محذوف كما أشير إليه، واللام للعلة، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين، وقيل: هي مزيدة والمعنى ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم ولكن يريد أن يطهركم وضعف بأن ألا تقدر بعد المزيدة، وتعقب بأن هذا مخالف لكلام النحاة، فقد قال الرضي: / الظاهر أن تقدر أن بعد اللام الزائدة التي بعد فعل الأمر والإرادة، وكذا في «المغني» [لابن هشام] وغيره، ووقوع هذه اللام بعد الأمر والإرادة في القرآن. وكلام العرب شائع مقيس، وهو من مسائل «الكتاب» [لسيبويه] قال فيه: سألته ـ أي الخليل ـ عن معنى أريد لأن يفعل فقال: إنما تريد أن تقول: أريد لهذا كما قال تعالى: {أية : وَأُمِرْتُ لأَِنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الزمر: 12] انتهى، واختلف فيه النحاة فقال السيرافي: فيه وجهان: أحدهما: ـ ما اختاره البصريون ـ أن مفعوله مقدر أي أريد ما أريد لأن تفعل، فاللام تعليلية غير زائدة، الثاني: أنها زائدة لتأكيد المفعول، وقال أبو علي في «التعليق» عن المبرد: إن الفعل دال على المصدر فهو مقدر أي أردت وإرادتي لكذا فحذف إرادتي واللام زائدة وهو تكلف بعيد، والمذاهب ثلاثة: أقربها الأول، وأسهلها الثاني ـ وهو من بليغ الكلام القديم ـ كقوله:شعر : أريد (لأنسي) ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : البلاغة فيه مما يعرفه الذوق السليم قاله الشهاب {وَلِيُتِمَّ} بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم {نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} في الدين، أو ليتم برخصة إنعامه عليكم بالعزائم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه. ومن لطائف الآية الكريمة ـ كما قال بعض المحققين ـ أنها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى: طهارتان أصل وبدل، والأصل إثنان: مستوعب وغير مستوعب، وغير المستوعب ـ باعتبار الفعل ـ غسل ومسح، وباعتبار المحل محدود وغير محدود، وأن آلتهما مائع وجامد، وموجبهما حدث أصغر وأكبر، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليهما التطهير وإتمام النعمة، وزاد البعض مثنيات أخر، فإن غير المحدود وجه ورأس، والمحدود يد ورجل، والنهاية كعب ومرفق، والشكر قولي وفعلي.
ابن عاشور
تفسير : إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحّص: من أنّ سورة المائدة هي من آخر السور نزولاً، وأنّها نزلت في عام حجّة الوداع، جَزمنا بأنّ هذه الآية نزلت هنا تذكيراً بنعمة عظيمة من نعم التّشريع: وهي منّة شرع التيمّم عند مشقّة التطهُّر بالماء، فجزمنا بأنّ هذا الحكم كلّه مشروع من قبْل، وإنَّما ذُكر هنا في عداد النّعم الّتي امتنّ الله بها على المسلمين، فإنّ الآثار صحّت بأنّ الوضوء والغسل شرعا مع وجوب الصّلاة، وبأنّ التيمّم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ستّ. وقد تقدّم لنا في تفسير قوله تعالى: {أية : يا أيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى} تفسير : في سورة النّساء (43) الخلاف في أنّ الآية الّتي نزل فيها شرع التيمّم أهي آية سورة النّساء، أم آية سورة المائدة. وذكرنا هنالك أنّ حديث الموطأ من رواية مالك عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه عن عائشة ليس فيه تعيين الآية ولكن سَمّاها آية التيمّم، وأنّ القرطبي اختار أنّها آية النّساء لأنّها المعروفة بآية التيمّم، وكذلك اختار الواحدي في «أسباب النّزول»، وذكرنا أنّ صريح رواية عمرو بن حُريث عن عائشة: أنّ الآية الّتي نزلت في غزوة المريسيع هي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية، كما أخرجه البخاري عن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن حريث عن عبد الرحمان بن القاسم، ولا يساعد مختارنا في تاريخ نزول سورة المائدة، فإن لم يكن ما في حديث البخاري سهواً من أحد رواتِه غير عبدِ الرحمان بن القاسم وأبِيهِ، أراد أن يذكر آية {أية : يا أيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتُم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جُنباً إلاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا}تفسير : ، وهي آية النّساء (43)، فذكر آية {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية. فتعيّن تأويله حينئذ بأن تكون آية {يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة} قد نزلت قبل نزول سورة المائدة، ثُمّ أعيد نزولها في سورة المائدة، أو أمر الله أن توضع في هذا الموضع من سورة المائدة، والأرجح عندي: أن يكون ما في حديث البخاري وهماً من بعض رواته لأنّ بين الآيتين مشابهة. فالأظهر أنّ هذه الآية أريد منها تأكيد شرع الوضوء وشرع التيمّم خلفاً عن الوضوء بنصّ القرآن؛ لأنّ ذلك لم يسبق نزول قرآننٍ فيه ولكنّه كان مشروعاً بالسنّة. ولا شكّ أنّ الوضوء كان مشروعاً من قبل ذلك، فقد ثبت أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم لم يصلّ صلاة إلاّ بوضوء. قال أبو بكر ابن العربي في «الأحكام» «لا خلاف بين العلماء في أنّ الآية مدنية، كما أنّه لا خلاف أنّ الوضوء كان مفعولاً قبل نزولها غير متلوّ ولذلك قال علماؤنا: إنّ الوضوء كان بمكّة سنّة، معناه كان بالسنّة. فأمّا حكمه فلم يكن قطّ إلاّ فرضاً» وقد روى ابن إسحاق وغيره أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم لمّا فرض الله سبحانه عليه الصّلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظُهْر ذلك اليوْم ليصلّي بهم فهمز بعقبه فانبعث ماء وتوضّأ معلِّماً له وتوضّأ هو معه فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح وإنْ كان لم يروه أهل الصّحيح ولكنّهم تركوه لأنّهم لم يحتاجوا إليه اهـــ. وفي «سيرة ابن إسحاق» ثُمّ انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجةَ فتوضّأ لها ليريها كيف الطُهور للصّلاة كما أراه جبريل اهـــ. وقولهم: الوضوء سنّة روي عن عبد الله بن مسعود. وقد تأوّله ابن العربي بأنّه ثابت بالسنّة. قال بعض علمائنا: ولذلك قالوا في حديث عائشة: فنزلت آية التّيمّم؛ ولم يقولوا: آية الوضوء؛ لمعرفتهم إيَّاه قبل الآية. فالوضوء مشروع مع الصّلاة لا محالة، إذ لم يذكر العلماء إلاّ شرع الصّلاة ولم يذكروا شرع الوضوء بعد ذلك، فهذه الآية قرّرت حكم الوضوء ليكون ثبوته بالقرآن. وكذلك الاغتسال فهو مشروع من قبل، كما شرع الوضوء بل هو أسبق من الوضوء؛ لأنّه من بقايا الحنيفية الّتي كانت معروفة حتّى أيّام الجاهليّة، وقد وضّحنا ذلك في سورة النّساء. ولذلك أجمل التّعبير عنه هنا وهنالك بقوله هنا {فاطَّهّروا}، وقوله هنالك {أية : تغتسلوا}تفسير : [النساء: 43]، فتمحّضت الآية لشرع التيمّم عوضاً عن الوضوء. ومعنى {إذا قمتم إلى الصّلاة} إذا عزمْتم على الصّلاة، لأنّ القيام يطلق في كلام العرب بمعنى الشروع في الفعل، قال الشاعر:شعر : فقام يذود النّاس عنها بسيفه وقال ألا لا من سبيل إلى هند تفسير : وعلى العزم على الفعل، قال النابغة:شعر : قاموا فقالوا حمانا غيرُ مقروب تفسير : أي عزموا رأيهم فقالوا. والقيام هنا كذلك بقرينة تعديته بــ(ـإلى) لتضمينه معنى عمدتم إلى أن تصلّوا. وروى مالك في «الموطّأ» عن زيد بن أسلم أنّه فسّر القيام بمعنى الهبوب من النوم، وهو مروي عن السديُّ. فهذه وجوه الأقوال في تفسير معنى القيام في هذه الآية، وكلّها تَؤُول إلى أنّ إيجاب الطهارة لأجل أداء الصّلاة. وأمّا ما يرجع إلى تأويل معنى الشرط الذي في قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية فظاهر الآية الأمر بالوضوء عند كلّ صلاة لأنّ الأمر بغسل ما أمر بغسله شُرط بــ {إذا قمتم} فاقتضى طلبُ غسل هذه الأعضاء عند كلّ قيام إلى الصّلاة. والأمر ظاهر في الوجوب. وقد وقف عند هذا الظاهر قليل من السلف؛ فروي عن علي بن أبي طالب وعكرمة وجوبُ الوضوء لكلّ صلاة ونسبه الطبرسي إلى داوود الظاهري، ولم يذكر ذلك ابن حزم في «المحلّى» ولم أره لغير الطبرسي. وقال بريدة بن أبي بردة: كان الوضوء واجباً على المسلمين لكلّ صلاة ثُمّ نسخ ذلك عام الفتح بفعل النّبيء صلى الله عليه وسلم فصلّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، وصلّى في غزوة خيبر العصر والمغرب بوضوء واحد. وقال بعضهم: هذا حكم خاصّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول عجيب إن أراد به صاحبه حمل الآية عليه، كيفَ وهي مصدّرة بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا}. والجمهور حملوا الآية على معنى «إذا قمتُم محدثين» ولعلّهم استندوا في ذلك إلى آية النّساء (43) المصدّرة بقوله: {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : إلى قوله {أية : ولا جُنباً}تفسير : الآية النّساء (43). وحملوا ما كان يفعله النّبيء صلى الله عليه وسلم من الوضوء لكلّ صلاة على أنّه كان فرضاً على النّبيء صلى الله عليه وسلم خاصّاً به غير داخل في هذه الآية، وأنّه نسخ وجوبه عليه يوم فتح مكّة؛ ومنهم من حمله على أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كان يلتزم ذلك وحملوا ما كان يفعله الخلفاء الراشدون وابن عمر من الوضوء لفضل إعادة الوضوء لِكلّ صلاة. وهو الّذي لا ينبغي القول بغيره. والّذين فسّروا القيام بمعنى القيام من النّوم أرادوا تمهيد طريق التأويل بأن يكون الأمر قد نيط بوجود موجب الوضوء. وإنّي لأعجب من هذه الطرق في التأويل مع استغناء الآية عنها؛ لأنّ تأويلها فيها بيّن لأنّها افتتحت بشرط، هو القيام إلى الصّلاة، فعلمنا أنّ الوضوء شرط في الصّلاة على الجملة ثمّ بيّن هذا الإجمال بقوله: {وإنْ كنتم مرضى} إلى قوله {أو جاء أحد منكم من الغائط} إلى قوله {فلم تجدوا ماء فتيمّموا} فجعل هذه الأشياء موجبة للتّيمّم إذا لم يوجد الماء، فعلم من هذا بدلالة الإشارة أنّ امتثال الأمر يستمرّ إلى حدوث حادث من هذه المذكورات، إمّا مانِععٍ من أصل الوضوء وهو المرض والسفر، وإمَّا رافع لحكم الوضوء بعد وقوعه وهو الأحداث المذكور بعضها بقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، فإن وجد الماء فالوضوء وإلاّ فالتيمّم، فمفهوم الشرط وهو قوله: {وإن كنتم مرضى} ومفهوم النّفي وهو {فلم تجدوا ماء} تأويل بَيِّن في صرف هذا الظّاهر عن معناه بل في بيان هذا المجمل، وتفسير واضح لحمل ما فعله الخلفاء على أنّه لقصد الفضيلة لا للوجوب. وما ذكره القرآن من أعضاء الوضوء هو الواجب وما زاد عليه سنّة واجبة. وحدّدت الآية الأيدي ببلوغ المرافق لأنّ اليد تطلق على ما بلغ الكوع وما إلى المرفق وما إلى الإبط فرفعت الآية الإجمال في الوضوء لقصد المبالغة في النّظافة وسكتت في التّيمّم فعلمنا أنّ السكوت مقصود وأنّ التيمّم لمّا كان مبناه على الرخصة اكتفى بصورة الفعل وظاهر العضو، ولذلك اقتصر على قوله: {وأيديكم} في التيمّم في هذه السورة وفي سورة النّساء. وهذا من طريق الاستفادة بالمقابلة، وهو طريق بديع في الإيجاز أهمله علماء البلاغة وعلماء الأصول فاحتفظ به وألحقه بمسائلهما. وقد اختلف الأيمّة في أنّ المرافق مغسولة أو متروكة، والأظهر أنّها مغسولة لأنّ الأصل في الغاية في الحدّ أنّه داخل في المحدود. وفي «المدارك» أنّ القاضي إسماعيل بن إسحاق سئل عن دخول الحدّ في المحدود فتوقّف فيها. ثمّ قال للسائل بعد أيّام: قرأت «كتاب سيبويه» فرأيت أنّ الحدّ داخل في المحدود. وفي مذهب مالك: قولان في دخول المرافق في الغسل، وأوْلاهما دخولهما. قال الشيخ أبو محمد: وإدخالهما فيه أحوط لزوال تَكلُّف التحديد. وعن أبي هريرة: أنّه يغسل يديه إلى الإبطين، وتؤوّل عليه بأنّه أراد إطالة الغُرّة يوم القيامة. وقيل: تكره الزيادة. وقوله: {وأرجلكم} قرأه نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوبُ ـــ بالنّصب ـــ عطفاً على {وأيديكم} وتكون جملة {وامسحوا برؤوسكم} معترضة بين المتعاطفين. وكأنّ فائدة الاعتراض الإشارة إلى ترتيب أعضاء الوضوء لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يدلّ على التّرتيب الوجودي، فالأرجل يجب أن تكون مغسولة؛ إذ حكمة الوضوء وهي النّقاء والوضاءة والتنظّف والتأهّب لمناجاة الله تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشدّ تعرّضاً للوسخ؛ فإنّ الأرجل تلاقي غبار الطرقات وتُفرز الفضلات بكثرة حركة المشي، ولذلك كان النّبيء صلى الله عليه وسلم يأمر بمبالغة الغسل فيها، وقد نادَى بأعلى صوته للذي لم يُحسن غسل رجليه «حديث : وَيْلٌ للأعقاب من النّار»تفسير : . وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وخلف ـــ بخفض ـــ {وأرجلكم}. وللعلماء في هذه القراءة تأويلات: منهم من أخذ بظاهرها فجعل حكمَ الرجلين المسح دون الغسل، وروي هذا عن ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. وعن أنس بن مالك أنّه بلغه أنّ الحجّاج خطب يوماً بالأهواز فذكر الوضوء فقال: «إنَّه ليس شيء من ابن آدم أقربَ مِن خبثه مِن قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما» فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق اللّهُ وكذب الحجّاج قال الله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم}. ورويت عن أنس رواية أخرى: قال نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل، وهذا أحسن تأويل لهذه القراءة فيكون مسحُ الرجلين منسوخاً بالسنّة، ففي الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوماً يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته «ويل للأعقاب من النّار» مرّتين. وقد أجمع الفقهاء بعد عصر التّابعين على وجوب غسل الرجلين في الوضوء ولم يشذّ عن ذلك إلاّ الإمامية من الشيعة، قالوا: ليس في الرجلين إلاّ المسح، وإلاّ ابن جرير الطبري: رأى التخيير بين الغسل والمسح، وجعَل القراءتين بمنزلة روايتين في الإخبار إذا لم يمكن ترجيح إحداهما على رأي من يرون التخيير في العمل إذا لم يعرف المرجّح. واستأنس الشعبي لمذهبه بأنّ التيمّم يمسح فيه ما كان يغسل في الوضوء ويلغى فيه ما كان يمسح في الوضوء. ومن الذين قرأوا ـــ بالخفض ـــ من تأوّل المسح في الرجلين بمعنى الغسل، وزعموا أنّ العرب تسمّي الغسل الخفيف مسحاً وهذا الإطلاق إن صحّ لا يصحّ أن يكون مراداً هنا لأنّ القرآن فرّق في التعبير بين الغسل والمسح. وجملة {وإن كنتم جنباً فاطّهروا} إلى قوله {وأيديكم منه} مضى القول في نظيره في سورة النّساء بما أغنى عن إعادته هنا. وجملة {مَا يريد الله ليجعل عليكم من حرج} تعليل لرخصة التيمّم، ونفي الإرادة هنا كناية عن نفي الجعل لأنّ المريد الّذي لا غالب له لا يحول دون إرادته عائق. واللام في {ليجعل} داخلة على أن المصدرية محذوفةً وهي لام يكثر وقوعها بعد أفعال الإرادة وأفعال مادّة الأمر، وهي لام زائدة على الأرجح، وتسمّى لام أَنْ. وتقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : يُريد الله ليبيّن لكُم} تفسير : في سورة النّساء (26)، وهي قريبة في الموقع من موقع لام الجحود. والحرج: الضيق والشدّة، والحَرَجَة: البقعة من الشجر الملتفّ المتضايق، والجمع حَرَج. والحَرج المنفي هنا هو الحرج الحِسّي لو كلّفوا بطَهارة الماء مع المرض أو السفر، والحرجُ النفسي لو مُنِعوا من أداء الصلاة في حال العجز عن استعمال الماء لضرّ أو سفرٍ أو فقد ماء فإنّهم يرتاحون إلى الصّلاة ويحبّونها. وقوله: {ولكن يريد ليطهّركم} إشارة إلى أنّ من حكمة الأمر بالغسل والوضوء التطهير وهو تطهير حسّي لأنّه تنظيف، وتطهير نفسي جعله الله فيه لمّا جعله عبادة؛ فإنّ العبادات كلّها مشتملة على عدّة أسرار: منها ما تهتدي إليه الأفهام ونعبر عنها بالحكمة؛ ومنها ما لا يعلمه إلاّ الله، ككون الظهر أربع ركعات، فإذا ذكرت حكم للعبادات فليس المراد أنّ الحكمَ منحصرة فيما علمناه وإنّما هو بعض من كلّ وظنّ لا يبلغ منتهى العلم، فلمّا تعذّر الماء عوّض بالتيمّم، ولو أراد الحرج لكلّفهم طلب الماء ولو بالثّمن أو ترك الصّلاة إلى أن يوجد الماء ثُمّ يقضون الجميع. فالتيمّم ليس فيه تطهير حسّي وفيه التّطهير النّفسي الذي في الوضوء لمّا جُعل التّيمّم بدلاً عن الوضوء، كما تقدّم في سورة النساء. وقوله {وليتمّ نعمته عليكم} أي يكمل النّعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة الإسلام، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الرّاجعة إلى التزكيّة والتطهير مع التيْسير في أحوال كثيرة. فالإتمام إمّا بزيادة أنواع من النّعم لم تكن، وإمّا بتكثير فروع النّوع من النّعم. وقوله: {لعلّكم تشكرون} أي رجاء شكركم إيّاه. جعل الشكر علّة لإتمام النّعمة على طريقة المجاز بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحثّ عليه وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}. في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} ثلاث قراآت: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان. أما الشاذة: فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن. وأما المتواترتان: فقراءة النصب، وقراءة الخفض. أما النصب: فهو قراءة نافع. وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة. وأما الجر: فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر. أما قراءة النصب: فلا إشكال فيها لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب، لأن الرأس يمسح بين المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة. وأما على قراءة الجر: ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل للأعقاب من النار ". تفسير : اعلم أولاً أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة {وأرْجُلكُمْ} بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها النصب، أو الرفع. وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه. وممن صرح به الأخفش، وأبو البقاء، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له - مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعاً كافياً. والتحقيق: أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين. فمنه في النعت قول امرئ القيس: شعر : كأن ثبيرا في عرانين ودقه كبير أناس في بجاد مزمل تفسير : بخفض "مزمل" بالمجاورة، مع أنه نعت "كبير" المرفوع بأنه خبر "كأن" وقول ذي الرمة: شعر : تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب تفسير : إذ الرواية بخفض "غير"، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت "سنة" المنصوب بالمفعولية. ومنه في العطف قول النابغة: شعر : لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في حبال القد مجنوب تفسير : بخفض "موثق" لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على "أسير" المرفوع بالفاعلية. وقول امرئ القيس: شعر : وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواءٍ أو قدير معجل تفسير : بجر "قدير" لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على "صفيف" المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو "منضج" والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ. وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه "الصبان" في حاشيته على "الأشموني" من أن قوله "أو قدير" معطوف على "منضج" بتقدير المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لاوي الصفيف، وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير "طابخ" محذوف. وما ذكره العيني من أنه معطوف على "شواء"، فهو ظاهر السقوط أيضاً. وقد رده عليه "الصبان"، لأن المعنى يصير بذلك: وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفاً. والتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني. ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير: شعر : لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر تفسير : بجر "القطر" لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على "سوافي" المرفوع، بأنه فاعل غير. ومنه في التوكيد قول الشاعر: شعر : يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب تفسير : بجر "كلهم" على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد "ذوي" المنصوب بالمفعولية. ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف - كالآية التي بصددها - قوله تعالى: {أية : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} تفسير : [الواقعة: 22-23]، على قراءة حمزة، والكسائي. ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: {أية : وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [الواقعة: 21] مع أن قوله: {أية : وَحُورٌ عِينٌ} تفسير : [الواقعة: 22] حكمه الرفع: فقيل، إنه معطوف على فاعل "يطوف" الذي هو {أية : وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} تفسير : [الواقعة: 17]. وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه. أي: وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى. وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة: شعر : بادت وغير آيهن مع البلا إلا رواكد جمرهن هباء ومشجَّج أما سواء قذاله فبدا وغيب ساره المعزاء تفسير : لأن الرواية بنصب "رواكد" على الاستثناء، ورفع مشجج عطفاً عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا خلافاً لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حورٍ على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور. ولا يخفى ما في هذين الوجهين، لأن الأول يرد، بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى: {أية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ}تفسير : [الرحمن: 72]. والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له. وأجيب عن الأول بجوابين، الأول: أن العطف فيه بحسب المعنى، لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. قاله الزجاج وغيره. الجواب الثاني: أن الحور قسمان: 1: - حور مقصورات في الخيام، 2: - وحور يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا. وكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على {أية : وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} تفسير : [الواقعة: 17]، في قراءة الرفع، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك. وممن جزم بأن خفض {وَأَرْجُلَكُمْ} لمجاورة المخفوض البيهقي في (السنن الكبرى)، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} نصباً، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضاً، فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم: {وأرجلكم} بالنصب. قال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصباً، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها. ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اهـ كلام البيهقي. ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى {أية : عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} تفسير : [هود: 84] بخفض {مُحِيطٍ} مع أنه نعت للعذاب. وقوله تعالى: {أية : عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} تفسير : [هود: 26]، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتاً للعذاب. وقوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج: 21-22] على قراءة من قرأ بخفض {محفوظ} كما قاله القرطبي ومن كلام العرب "هذا جحر ضب خرب" بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ. وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحناً لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة، والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين، إذ لم يرد تحديد الممسوح، وتزيله قراءة النصب، كما ذكرنا: فإن قيل قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفاً على المحل. لأن الرؤوس مجرورة بالباء في محل نصب على حد قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن تفسير : وابن مالك وإن كان أورد هذا في "إعمال المصدر" فحكمه عام، أي وكذلك الفعل والوصف كما أشار له في الوصف بقوله: شعر : واجرر أو انصب تابعِ الذي انخَفَض كمبتغي جاه وما لا من نهض تفسير : فالجواب أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر - كما ذكر - تأباه السنة الصريحة الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار بخلاف بيان قراءة الخفض بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه قولاً وفعلاً. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما. قال: تخلَّف عنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوتِه: "حديث : أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار"تفسير : ، وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أسبغوا الوضوء، ويلن للأعقاب من النَّار"تفسير : وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن جزء، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار"تفسير : : وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، عن جابر رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ويل للأعقاب من النار ". تفسير : وروى الإمام أحمد عن معيقيب، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ويل للأعقاب من النار" تفسير : وروى ابن جرير عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل للأعقاب من النار"تفسير : ، قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما. وثبت في أحاديث الوضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد ابن عاصم، والمقداد بن معد يكرب "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة أو مرتين أو ثلاثاً"تفسير : على اختلاف رواياتهم. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه". ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ". تفسير : والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وهي صحيحة صريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وعدم الاجتزاء بمسحهما. وقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما. والعرب تطلق المسح على الغسل أيضاً، وتقول تمسَّحت بمعنى توضأت ومسح المطر الأرض أي غسلها، ومسح الله ما بك أي غسل عنك الذنوب والأذى. ولا مانع من كون المراد بالمسح في الأرجل هو الغسل، المراد به في الرأس المسح الذي ليس بغسل، وليس من حمل المشترك على معنييه، ولا عن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، لأنهما مسألتان كل منهما منفردة عن الأخرى مع أن التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية - رحمه الله - في رسالته في علوم القرآن، وحرر أنه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة رحمهم الله، وجمع ابن جرير الطبري في تفسيره بين قراءة النصب والجر بأن قراءة النصب يراد بها غسل الرجلين، لأن العطف فيها على الوجوه والأيدي إلى المرافق، وهما من المغسولات بلا نزاع، وأن قراءة الخفض يراد بها المسح مع الغسل، يعني الدلك باليد أو غيرها. والظاهر أن حكمة هذا في الرجلين دون غيرهما. أن الرجلين هما أقرب أعضاء الإنسان إلى ملابسة الأقذار لمباشرتهما الأرض فناسب ذلك أن يجمع لهما بين الغسل بالماء والمسح أي الدلك باليد ليكون ذلك أبلغ في التنظيف. وقال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النَّبي صلى الله عليه وسلم بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف. وعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض، و المسح على الخفين - إذا لبسمها طاهراً - متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يخالف فيه إلا من لا عبرة به، والقول بنسخه بآية المائدة يبطل بحديث جرير أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، متفق عليه. ويوضح عدم النسخ أن آية المائدة نزلت في غزوة "المريسيع". ولا شك أن إسلام جرير بعد ذلك، مع أن المغيرة بن شعبة روى المسح على الخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة "تبوك" وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم. وممن صرح بنزول آية المائدة في غزوة "المريسيع" ابن حجر في (فتح الباري)، وأشار له البدوي الشنقيطي في (نظم المغازي) بقوله في غزوة المريسيع: شعر : والإفك في قفولهم ونقلا أن التيمم بها قد أنزلا تفسير : والتيمم في آية المائدة، وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد إذا كان صفيقاً ساتراً لمحل الفرض، فقال مالك وأصحابه: لا يمسح على شيء غير الجلد. فاشترطوا في المسح أن يكون الممسوح خفاً من جلود، أو جورباً مجلداً ظاهره وباطنه، يعنون ما فوق القدم وما تحتها لا باطنه الذي يلي القدم. واحتجوا بأن المسح على الخف رخصة، وأن الرخص لا تتعدى محلها وقالوا: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يمسح على غير الجلد. فلا يجوز تعديه إلى غيره، وهذا مبني على شطر قاعدة أصولية مختلف فيها، وهي: "هل يلحق بالرخص ما في معناها، أو يقتصر عليها ولا تعدي محلها"؟ ومن فروعها اختلافهم في بيع "العرايا" من العنب بالزبيب اليابس، هل يجوز إلحاقاً بالرطب بالتمر أو لا؟. وجمهور العلماء منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهم على عدم اشتراط الجلد، لأن سبب الترخيص الحاجة إلى ذلك وهي موجودة في المسح على غير الجلد، ولما جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من أنه مسح على الجوربين، والموقين. قالوا. والجورب: لفافة الرجل، وهي غير جلد. وفي القاموس: الجورب لفافة الرجل، وفي اللسان: الجورب لفافة الرجل، معرب وهو بالفارسية "كورب". وأجاب من اشترط الجلد بأن الجورب هو الخف الكبير، كما قاله بعض أهل العلم، أما الجرموق والموق، فالظاهر أنهما من الخفاف. وقيل: إنهما شيء واحد، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة. وقيل: إنهما متغايران، وفي القاموس: الجرموق: - كعصفور - الذي يلبس فوق الخف وفي القاموس أيضاً: الموق خف غليظ يلبس فوق الخف، وفي اللسان: الجرموق، خف صغير، وقيل: خف صغير يلبس فوق الخف، في اللسان أيضاً: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب. والموق: الخف اهـ. قالوا: والتساخين: الخفاف، فليس في الأحاديث ما يعين أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح على غير الجلد، والجمهور قالوا: نفس الجلد لا أثر له، بل كل خف صفيق ساتر لمحل الفرض يمكن فيه تتابع المشي، يجوز المسح عليه، جلداً كان أو غيره. مسائل تتعلق بالمسح على الخفين الأولى: أجمع العلماء على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر. وقال الشيعة والخوارج: لا يجوز، وحكي نحوه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن داود، والتحقيق عن مالك، وجل أصحابه، القول بجواز المسح على الخف في الحضر والسفر. وقد روي عنه المنع مطلقاً، وروي عنه جوازه في السفر دون الحضر. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً أنكره إلا مالكاً في رواية أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليه جميع أصحابه، وجميع أهل السنة. وقال الباجي: رواية الإنكار في "العتبية" وظاهرها المنع، وإنما معناها أن الغسل أفضل من المسح، قال ابن وهب: آخر ما فارقت مالكاً على المسح في الحضر والسفر. وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فما قاله ابن الحاجب عن مالك من جوازه في السفر دون الحضر غير صحيح، لأن المسح على الخف متواتر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال الزرقاني في شرح "الموطأ": وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري، حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين، اهـ. وقال النووي في شرح "المهذب": وقد نقل ابن المنذر في كتاب (الإجماع) إجماع العلماء على جواز المسح على الخف، ويدل عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في مسح النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، وأمره بذلك وترخيصه فيه، واتفاق الصحابة، فمن بعدهم عليه. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: روينا جواز المسح على الخفين عن عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي زيد الأنصاري رضي الله عنهم. قلت: ورواء خلائق من الصحابة، غير هؤلاء الذين ذكرهم البيهقي، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن وغيرها. قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبي بكرة وبلال، وخزيمة بن ثابت. قال ابن المنذر: وروينا عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين. قال وروينا عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف، اهـ. وقد ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الخف في غزوة تبوك، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم، وثبت في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخف، ولا شك أن ذلك بعد نزول آية المائدة كما تقدم، وفي سنن أبي داود أنهم لما قالوا لجرير: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا تدل على عدم نسخ المسح على الخفين، وأنه لا شك في مشروعيته، فالخلاف فيه لا وجه له ألبتة. المسألة الثانية: اختلف العلماء في غسل الرجل والمسح على الخف أيهما أفضل؟ فقالت جماعة من أهل العلم: غسل الرجل أفضل من المسح على الخف، بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن الرخصة في المسح، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأصحابهم، ونقله ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابنه رضي الله عنهما، ورواه البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري. وحجة هذا القول أن غسل الرجل هو الذي واظب عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم في معظم الأوقات، ولأنه هو الأصل، ولأنه أكثر مشقة. وذهبت طائفة من اهل العلم إلى أن المسح أفضل، وهو أصح الروايات عن الإمام أحمد، وبه قال الشعبي، والحكم، وحماد. واستدل أهل هذا القوم بقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات حديث المغيرة بن شعبة: "حديث : بهذا أمرني ربي ". تفسير : ولفظه في سنن أبي داود حديث : عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله أنسيت؟ قال: "بل أنت نسيت. بهذا أمرني ربي عزَّ وجلَّ . تفسير : واستدلوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بن عسال الآتي إن شاء الله تعالى "حديث : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفِّين"تفسير : الحديث. قالوا: والأمر إذا لم يكن للوجوب، فلا أقل من أن يكون للندب، قال مقيده عفا الله عنه: وأظهر ما قيل في هذه المسألة عندي، هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله، وعزاه لشيخه تقي الدين رحمه الله، وهو أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتكلف ضد حاله التي كان عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة، اهـ. ويشترط في الخف: أن يكون قوياً يمكن تتابع المشي فيه في مواضع النزول، وعند الحط والترحال، وفي الحوائج التي يتردد فيها في المنزل، وفي المقيم نحو ذلك، كما جرت عادة لابسي الخفاف. المسألة الثالثة: إذا كان الخف مخرقاً، ففي جواز المسح عليه خلاف بين العلماء، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه إن ظهر من تخريقه قدر ثلث القدم لم يجز المسح عليه، وإن كان أقل من ذلك جاز المسح عليه، واحتجوا بأن الشرع دل على أن الثلث آخر حد اليسير، وأول حد الكثير. وقال بعض أهل العلم: لا يجوز المسح على خف فيه خرق يبدو منه شيء من القدم، وبه قال أحمد بن حنبل، والشافعي في الجديد، ومعمر بن راشد. واحتج أهل هذا القول بأن المنكشف من الرجل حكمه الغسل، والمستور حكمه المسح، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز، فكما أنه لا يجوز له أن يغسل إحدى رجليه ويمسح على الخف في الأخرى، لا يجوز له غسل بعض القدم مع مسح الخف في الباقي منها. وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الخرق الكبير يمنع المسح على الخف دون الصغير. وحددوا الخرق الكبير بمقدار ثلاثة أصابع. قيل: من أصابع الرجل الأصاغر، وقيل: من أصابع اليد. وقال بعض أهل العلم: يجوز المسح على جميع الخفاف، وإن تخرقت تخريقاً كثيراً ما دامت يمكن تتابع المشي فيها. ونقله ابن المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق، ويزيد بن هارون، وأبي ثور. وروى البيهقي في السنن الكبرى عن سفيان الثوري أنه قال: امسح عليهما ما تعلقا بالقدم، وإن تخرقا، قال: وكانت كذلك خفاف المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة، اهـ. وقال البيهقي: قول معمر بن راشد في ذلك أحب إلينا، وهذا القول الذي ذكرنا عن الثوري، ومن وافقه هو اختيار الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله. وقال ابن المنذر: وبقول الثوري أقول، لظاهر إباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين قولاً عاماً يدخل فيه جميع الخفاف. اهـ، نقله عنه النووي، وغيره، وهو قوي. وعن الأوزاعي إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه، وعلى ما ظهر من رجله. هذا حاصل كلام العلماء في هذه المسالة. وأقرب الأقوال عندي، المسح على الخف المخرق ما لم يتفاحش خرقه حتى يمنع تتابع المشي فيه لإطلاق النصوص، مع أن الغالب على خفاف المسافرين، والغزاة عدم السلامة من التخريق، والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في جواز المسح على النعلين، فقال قوم: يجوز المسح على النعلين. وخالف في ذلك جمهور العلماء، واستدل القائلون بالمسح على النعلين بأحاديث، منها ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي، هو عبد الرحمن بن ثروان عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة "حديث : أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح الجوربين والنعلين"تفسير : قال أبو داود، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، وروى هذا الحديث البيهقي. ثم قال: قال أبو محمد: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل: لا يحتملان مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس، وهزيل، فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، فسمعته يقول: علي بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعف أو واه، أو كلمة نحوها، اهـ. وروى البيهقي أيضاً عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال حدثت أبي بهذا الحديث، فقال أبي: ليس يُروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي: إن عبد الرحمن بن مهدي، يقول: هو منكر، وروى البيهقي أيضاً عن علي بن المديني أنه قال: حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس. وروي أيضاً عن يحيى بن معين أنه قال في هذا الحديث: الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس، ثم ذكر أيضاً ما قدمنا عن أبي داود من أن عبد الرحمن بن مهدي كان لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، وقال أبو داود: وروي هذا الحديث أيضاً عن أبي موسى الأشعري، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وليس بالقوي ولا بالمتصل، وبين البيهقي، مراد أبي داود بكونه غير متصل وغير قوي، فعدم اتصاله، إنما هو لأن راويه عن أبي موسى الأشعري هو الضحاك بن عبد الرحمن، قال البيهقي: والضحاك بن عبد الرحمن: لم يثبت سماعه من ابي موسى، وعدم قوته، لأن في إسناده عيسى بن سنان، قال البيهقي: وعيسى بن سنان ضعيف، اهـ. وقال فيه ابن حجر في (التقريب): لين الحديث، واعترض المخالفون تضعيف الحديث المذكور في المسح على الجوربين والنعلين، قالوا: أخرجه أبو داود، وسكت عنه، وما سكت عنه فأقل درجاته عنده الحسن قالوا: وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: حسن صحيح، قالوا: وأبو قيس وثقه ابن معين، وقال العجلي: ثقة ثبت، وهزيل وثّقه العجلي، وأخرج لهما معاً البخاري في صحيحه، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة، بل رويا أمراً زائداً على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان قالوا: ولا نسلم عدم سماع الضحاك بن عبد الرحمن من أبي موسى، لأن المعاصرة كافية في ذلك كما حققه مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه. ولأن عبد الغني قال في [الكمال]: سمع الضحاك من أبي موسى، قالوا: وعيسى بن سنان، وثقه ابن معين وضعفه غيره، وقد أخرج الترمذي في "الجنائز" حديثاً في سنده عيسى بن سنان هذا، وحسنه. ويعتضد الحديث المذكور أيضاً بما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر، الثابت في الصحيح حديث : أن عبيد بن جريج، قال له: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها، قال: ما هن؟ فذكرهن، وقال فيهن: رأيتك تلبس النِّعال السِّبتية، قال: أما النعال السبتية، "فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعالَ التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها ". تفسير : قال البيهقي، بعد أن ساق هذا الحديث بسنده: ورواه البخاري في الصحيح، عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، ورواه جماعة عن سعيد المقبري، ورواه ابن عيينة عن ابن عجلان عن المقبري، فزاد فيه: ويمسح عليها. وهو محل الشاهد قال البيهقي. وهذه الزيادة إن كانت محفوظة فلا ينافي غسلهما، فقد يغسلهما في النعل، ويمسح عليهما. ويعتضد الاستدلال المذكور أيضاً في المسح على النعلين بما رواه البيهقي بإسناده عن زيد بن وهب، قال: بال علي، وهو قائم ثم توضأ، ومسح على النعلين، ثم قال: وبإسناده قال: حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان، قال: "بال عليَّ وهو قائم ثمَّ توضَّأَ ومسح على النَّعلين ثمَّ خرج فصلَّى الظهر". وأخرج البيهقي أيضاً نحوه عن أبي ظبيان بسند آخر، ويعتضد الاستدلال المذكور بما رواه البيهقي أيضاً من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأَ مرة مرة، ومسح على نعليه"،تفسير : ثم قال: هكذا رواه رواد بن الجراح، وهو ينفرد عن الثوري بمناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة. وروي عن زيد بن الحباب عن الثوري هكذا، وليس بمحفوظ. ثم قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب، ثنا سفيان فذكره بإسناده "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح على النعلين" اهـ. قال البيهقي بعد أن ساقه: والصحيح رواية الجماعة، ورواه عبد العزيز الدراوردي، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، فحكيا في الحديث "رشا على الرجل وفيها النعل"، وذلك يحتمل أن يكون غسلها في النعل، فقد رواه سليمان بن بلال، ومحمد بن عجلان، وورقاء بن عمر، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، فحكوا في الحديث غسله رجليه، والحديث حديث واحد، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل حفظ من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه، ويعتضد الاستدلال المذكور أيضاً بما رواه البيهقي أيضاً، أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مسدد، وعباد بن موسى، قالا: ثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال عباد: قال: حديث : أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأَ ومسح على نعليه وقدميه ". تفسير : وقال مسدد: إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء، عن أوس الثقفي "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وهو منقطع"تفسير : أخبرناه أبو بكر بن فورك، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا حماد بن سلمة، فذكره. وهذا الإسناد غير قوي، وهو يحتمل ما احتمل الحديث الأول، اهـ كلام البيهقي. ولا يخفى أن حاصله أن أحاديث المسح على النعلين منها ما هو ضعيف لا يحتج به، ومنها ما معناه عنده "إنه صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في النعلين". ثم استدل البيهقي على أن المراد بالوضوء في النعلين غسل الرجلين فيهما بحديث حديث : ابن عمر، الثابت في الصحيحين، أنه قال: أما النِّعال السبتية "فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النِّعال الَّتي ليس فيها شعر، ويتوضَّأ فيها، فأَنا أحب أن ألبسها"تفسير : اهـ. ومراد البيهقي أن معنى قول ابن عمر "ويتوضأ" فيها أنه يغسل رجليه فيها، وقد علمت أنا قَدمنا رواية ابن عيينة التي ذكرها البيهقي عن ابن عجلان، عن المقبري، وفيها زيادة، "ويمسح عليها". وقال البيهقي - رحمه الله - في منع المسح على النعلين والجوربين: والأصل وجوب غسل الرجلين إلا ما خصته سنة ثابتة، أو إجماع لا يختلف فيه، وليس على المسح على النعلين ولا على الجوربين واحد منهما، اهـ. وأجيب من جهة المخالفين بثبوت المسح على الجوربين والنعلين، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إن الترمذي صحح المسح على الجوربين والنعلين، وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة، وحسنه أيضاً من حديث الضحاك عن أبي موسى، وصحح ابن حبان المسح على النعلين من حديث أوس، وصحح ابن خزيمة حديث ابن عمر في المسح على النِّعال السبتية. قالوا: وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب، عن الثوري في المسح على النعلين، حديث جيد قالوا: وروى البزار عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما. ويقول كذلك: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل"، وصححه ابن القطان. وقال ابن حزم: المنع من المسح على الجوربين خطأ، لأنه خلاف السنة الثابتة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف الآثار. هذا حاصل ما جاء في المسح على النعلين والجوربين. قال مقيده - عفا الله عنه -: إن كان المراد بالمسح على النعلين والجوربين أن الجوربين ملصقان بالنعلين، بحيث يكون المجموع ساتراً لمحل الفرض مع إمكان تتابع المشي فيه، والجوربان صفيقان فلا إشكال. وإن كان المراد المسح على النعلين بانفرادهما، ففي النفس منه شيء، لأنه حينئذ لم يغسل رجله، ولم يمسح على ساتر لها، فلم يأت بالأصل، ولا بالبدل. والمسح على نفس الرجل ترده الأحاديث الصحيحة المصرحة بمنع ذلك بكثرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل للأعقاب من النَّار"تفسير : ، والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: اختلف العلماء في توقيت المسح على الخفين. فذهب جمهور العلماء إلى توقيت المسح بيوم وليلة المقيم، وثلاثة ايام بلياليهن للمسافر. وإليه ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري، ومحمد بن جرير الطبري، والحسن بن صالح بن حسين. وممن قال به من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس وحذيفة، والمغيرة، وأبو زيد الأنصاري. وروي أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن جميعهم. وممن قال به من التابعين شُرَيْح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز. وقال أبو عمر بن عبد البر: أكثر التابعين والفقهاء على ذلك. وقال أبو عيسى الترمذي: التوقيت ثلاثاً للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم هو قول عامة العلماء من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم. وقال الخطابي: التوقيت قول عامة الفقهاء، قاله النووي. وحجة أهل هذا القول بتوقيت المسح الأحاديث الواردة بذلك، فمن ذلك حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم، يوم وليلة"تفسير : ، أخرجه مسلم، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان. ومن ذلك أيضاً حديث أبي بكرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما"،تفسير : أخرجه ابن خزيمة، والدارقطني، وابن أبي شيبة، وابن حبان والبيهقي، والترمذي في العلل، والشافعي، وابن الجارود، والأثرم في سننه، وصححه الخطابي، وابن خزيمة، وغيرهما. ومن ذلك أيضاً حديث صفوان بن عسَّال المرادي قال: "أمرنا - يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم - أن نمسح على الخفَّين إذا نحن أدخلناها على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة" أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة والترمذي، وصححاه والنسائي، وابن ماجه، والشافعي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي. قال الشوكاني في (نيل الأوطار): وحكى الترمذي عن البخاري، أنه حديث حسن، ومداره على عاصم بن أبي النجود، وهو صدوق، سيء الحفظ. وقد تابعه جماعة، ورواه عنه أكثر من أربعين نفساً قاله ابن منده اهـ. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى عدم توقيت المسح وقالوا: إن من لبس خفيه، وهو طاهر، مسح عليهما ما بدا له، ولا يلزمه خلعهما إلا من جنابة. وممن قال بهذا القول مالك، وأصحابه، والليث بن سعد، والحسن البصري. ويروى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، و الشعبي، وربيعة، وهو قول الشافعي في القديم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم. وحجة أهل هذا القول ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا توضَّأَ أحدكم، فلبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصلِّ فيهما، ولا يخلعهما إن شاء، إلا من جنابة ونحوه ". تفسير : وأخرجه الدارقطني. وهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الحاكم وغيره، يعتضد بما رواه الدارقطني عن ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم من عدم التوقيت. ويؤيده أيضاً ما رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، أنه زاد في حديث التوقيت ما لفظه: ولو استزدناه لزادنا، وفي لفظ "لو مضَى السائل علَى مسألته لجعلها خمساً" يعني ليالي التوقيت للمسح. وحديث خزيمة هذا الذي فيه الزيادة المذكورة صحَّحه ابن معين، وابن حبان وغيرهما، وبه تعلم أن ادعاء النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على ضعفه، غير صحيح. وقول البخاري - رحمه الله -: إنه لا يصحُّ عنده لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة، مبني على شرطه، وهو ثبوت اللقى. وقد أوضح مسلم بن الحجاج - رحمه الله - في مقدمة صحيحه، أن الحق هو الاكتفاء بإمكان اللقى بثبوت المعاصرة، وهو مذهب جمهور العلماء. فإن قيل: حديث خزيمة الذي فيه الزيادة، ظن فيه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لو استزيد لزاد، وقد رواه غيره، ولم يظن هذا الظن، ولا حجة في ظن صحابي خالفه غيره فيه. فالجواب: أن خزيمة هو ذو الشهادتين الذي جعله صلى الله عليه وسلم بمثابة شاهدين، وعدالته، وصِدْقُه، يمنعانه من أن يجزم بأنه لو استُزيد لزاد إلا وهو عارف أن الأمر كذلك، بأمور أُخر اطلع هو عليها، ولم يطلع عليها غيره. ومما يؤيد عدم التوقيت ما رواه أبو داود، وقال: ليس بالقوي حديث : عن أُبي بن عمارة رضي الله عنه "أنه قال: يا رسول الله امسح على الخفين؟ قال: نعم قال: يوماً: قال نعم، قال: ويومين، قال: نعم، قال: وثلاثة ايام، قال: نعم، وما شئت ". تفسير : وهذا الحديث وإن كان لا يصلح دليلا مستقلاً، فإنه يصلح لتقوية غيره من الأحاديث التي ذكرنا. فحديث أنس في عدم التوقيت صحيح. ويعتضد بحديث خزيمة الذي فيه الزيادة، وحديث ميمونة، وحديث أُبي بن عمارة، وبالآثار الموقوفة على عمر، وابنه، وعقبة بن عامر، رضي الله عنهم. تنبيه الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنه لا يمكن الجمع في هذه الأحاديث بحمل المطلق على المقيد، لأن المطلق هنا فيه التصريح بجواز المسح أكثر من ثلاث للمسافر، والمقيم، و المقيد فيه التصريح بمنع الزائد على الثلاث للمسافر واليوم والليلة للمقيم. فهما متعارضان في ذلك الزائد، فالمطلق يصرح بجوازه، والمقيد يصرح بمنعه، فيجب الترجيح بين الأدلة، فترجح أدلة التوقيت بأنها أحوط، كما رجحها بذلك ابن عبد البر، وبأن رواتها من الصحابة أكثر، وبأن منها ما هو ثابت في صحيح مسلم، وهو حديث علي رضي الله عنه المتقدِّم. وقد ترجح أدلة عدم التوقيت بأنها تضمنت زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وبأن القائل بها مثبت أمراً، والمانع منها ناف له، والمثبت أولى من النافي. قال مقيده عفا الله عنه: والنفس إلى ترجيح التوقيت أميل، لأن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض العلماء: شعر : وإن الأورع الذي يخرج من خلافهم ولو ضعيفاً فاستبن تفسير : وقال الآخر: شعر : وذو احتياط في أمور الدين من فرَّ من شك إلى يقين تفسير : ومصداق ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". تفسير : فالعامل بأدلة التوقيت طهارته صحيحة باتفاق الطائفتين، بخلاف غيره فإحدى الطائفتين تقول ببطلانها بعد الوقت المحدد، والله تعالى أعلم. واعلم أن القائلين بالتوقيت اختلفوا في ابتداء مدة المسح. فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وسفيان الثوري، وداود في أصح الروايتين، وغيرهم، إلى أن ابتداء مدة التوقيت من أول حدث يقع بعد ليس الخف، وهذا قول جمهور العلماء. واحتج أهل هذا القول بزيادة رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان: من الحدث إلى الحدث. قال النووي في "شرح المهذب": وهي زيادة غريبة ليست ثابتة. واحتجوا أيضاً بالقياس وهو أن المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياساً على الصلاة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث. وممن قال بهذا، الأوزاعي، وأبو ثور، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وداود، ورجح هذا القول النووي، واختاره ابن المنذر، وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واحتج أهل هذا القول بأحاديث التوقيت في المسح، وهي أحاديث صحاح. ووجه احتجاجهم بها أن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يمسح المسافر ثلاثة أيام"تفسير : صريح، في أن الثلاثة كلها ظرف للمسح. ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، وهذا هو أظهر الأقوال دليلا فيما يظهر لي، والله تعالى أعلم. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن ابتداء المدة من حين لبس الخف، وحكاه الماوردي والشاشي، عن الحسن البصري، قاله النووي، والله تعالى أعلم. المسالة السادسة: اختلف العلماء: هل يكفي مسح ظاهر الخف، أو لا بد من مسح ظاهره وباطنه. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يكفي مسح ظاهره. وممن قال أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، والوزاعي، وحكاه ابن المنذر، عن الحسن، وعروة بن الزبير، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وغيرهم. وأصح الروايات عن أحمد أن الواجب مسح أكثر أعلى الخف، وأبو حنيفة يكفي عنده مسح قدر ثلاثة أصابع من أعلى الخف. وحجة من اقتصر على مسح ظاهر الخف دون أسفله، حديث حديث : علي رضي الله عنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه"تفسير : أخرجه أبو داود، والدارقطني. قال ابن حجر في (بلوغ المرام): إسناده حسن. وقال في (التلخيص): إسناده صحيح. واعلم أن هذا الحديث لا يقدح فيه بأن في إسناده عبد خير بن يزيد الهمداني، وأن البيهقي قال: لم يحتج بعبد خير المذكور صاحبا الصحيح، اهـ. لأن عبد خير المذكور، ثقة مخضرم مشهور، قيل: إنه صحابي. والصحيح أنه مخضرم وثقه يحيى بن معين، والعجلي، وقال فيه ابن حجر في (التقريب): مخضرم ثقة من الثانية لم يصح له صحبة. وأما كون الشيخين لم يخرجا له، فهذا ليس بقادح فيه باتفاق أهل العلم. وكم من ثقة عدل لم يخرج له الشيخان! وذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - إلى أن الواجب مسح أقل جزء من أعلاه، وأن مسح أسفله مستحب. وذهب الإمام مالك - رحمه الله - إلى أنه يلزم مسح أعلاه وأسفله معاً، فإن اقتصر على أعلاه أعاد في الوقت، ولم يعد أبداً، وإن اقتصر على أسفله أعاد أبداً. وعن مالك أيضاً أن مسح أعلاه واجب، ومسح أسفله مندوب. واحتج من قال بمسح كل من ظاهر الخف وأسفله، بما رواه ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن ورَّاد، كاتب المغيرة بن شعبة "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخفِّ وأسفله"،تفسير : أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجارود. وقال الترمذي: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور غير الوليد بن مسلم، وسالت ابا زرعة ومحمداً عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح. ولا شك أن هذا الحديث ضعيف. وقد احتج مالك لمسح أسفل الخف بفعل عروة بن الزبير رضي الله عنهما. المسألة السابعة: أجمع العلماء على اشتراط الطهارة المائية للمسح على الخف، وأن من لبسهما محدثاً، أو بعد تيمم، لا يجوز له المسح عليهما. واختلفوا في اشتراط كمال الطهارة، كمن غسل رجله اليمنى فأدخلها في الخف قبل أن يغسل رجله اليسرى، ثم غسل رجله اليسرى فأدخلها أيضاً في الخف، هل يجوز له المسح على الخفين إذا أحدث بعد ذلك؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط كمال الطهارة، فقالوا في الصورة المذكورة: لا يجوز له المسح لأنه لبس أحد الخفين قبل كمال الطهارة. وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه، ومالك وأصحابه، وإسحاق، وهو أصح الروايتين عن أحمد. واحتج أهل هذا القول بالأحاديث الواردة باشتراط الطهارة للمسح على الخفين، كحديث المغيرة بن شعبة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما"تفسير : ، متفق عليه، ولأبي داود عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : دع الخفَّين فإني أدخلت القدمين الخفَّين، وهما طاهرتان، فمسح عليهما ". تفسير : وعن أبي هريرة عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال له لما نبهه على أنه لم يغسل رجليه: "حديث : إني أدخلتهما طاهرتان ". تفسير : وفي حديث صفوان بن عسال المتقدم "أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر"، الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث. قالوا: والطهارة الناقصة كلا طهارة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط كمال الطهارة وقت لبس الخف فأجازوا لبس خف اليمنى قبل غسل اليسرى والمسح عليه، إذا أحدث بعد ذلك، لأن الطهارة كملت بعد لبس الخف. قالوا: والدوام كالابتداء. وممن قال بهذا القول: الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني، وداود. واختار هذا القول ابن المنذر، قاله النووي. قال مقيده عفا الله عنه: منشأ الخلاف في هذه المسالة هو قاعدة مختلف فيها، "وهي هل يرتفع الحدث عن كل عضو من أعضاء الوضوء بمجرد غسله، أو لا يرتفع الحدث عن شيء منها إلا بتمام الوضوء"؟ وأظهرهما عندي أن الحدث معنى من المعاني لا ينقسم ولا يتجزَّأ، فلا يرتفع منه جزء، وأنه قبل تمام الوضوء محدث، والخف يشترط في المسح عليه أن يكون وقت لبسه غير محدث - والله تعالى أعلم، اهـ. تنبيه جمهور العلماء على اشتراط النية في الوضوء والغسل، لأنهما قربة، والنَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما الأعمال بالنيات"تفسير : ، وخالف أبو حنيفة قائلاً: إن طهارة الحدث لا تشترط فيها النية، كطهارة الخبث. واختلف العلماء أيضاً في الغاية في قوله {إلى المرافق}، هل هي داخلة فيجب غسل المرافق في الوضوء؟ - وهو مذهب الجمهور - أو خارجة فلا يجب غسل المرافق فيه؟ والحق اشتراط النية، ووجوب غسل المرافق، والعلم عند الله تعالى. واختلف العلماء في مسح الرأس في الوضوء هل يجب تعميمه، فقال مالك وأحمد، وجماعة: يجب تعميمه. ولا شك أن الأحوط في الخروج من عهدة التكليف بالمسح. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يجب التعميم. واختلفوا في القدر المجزئ، فعن الشافعي: أقل ما يطلق عليه اسم المسح كاف، وعن أبي حنيفة: الربع، وعن بعضهم: الثلث، وعن بعضهم: الثلثان، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة"، وحمله المالكية على ما إذا خيف بنزعها ضرر، وظاهر الدليل الإطلاق. "وثبت حديث : عنه صلى الله عليه وسلم المسح على الناصية والعمامة"،تفسير : ولا وجه للاستدلال به على الاكتفاء بالناصية، لأنه لم يرد أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بها، بل مسح معها على العمامة، فقد ثبت في مسح الرأس ثلاث حالات: المسح على الرأس، والمسح على العمامة، والجمع بينهما بالمسح على الناصية، والعمامة. والظاهر من الدليل جواز الحالات الثلاث المذكورة، والعلم عند الله تعالى. وما قدمنا من حكاية الإجماع على عم الاكتفاء في المسح على الخف بالتيمم، مع أن فيه بعض خلاف كما يأتي، لأنه لضعفه عندنا كالعدم، ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية الكريمة خوف الإطالة. قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} الآية. اعلم أن لفظة {من} في هذه الآية الكريمة محتملة، لأن تكون للتبعيض، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيِّب، فلا يتعين ماله غبار، وبالأول قال الشافعي، وأحمد، وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى جميعاً. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير، وذلك في قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} فقوله: {من حرج} نكرة في سياق النفي زيدت قبلها {مِنْ} والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في العموم، كما تقرر في الأصول، قال في (مراقي السعود) عاطفاً على صيغ العموم: شعر : وفي سياق المنفي منها يذكر إذا بنى أو زيد من منكر تفسير : فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون {من} لابتداء الغاية، لأن كثيراً من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة. ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصلِّ"تفسير : ، وفي لفظ: "فعنده مسجده وطهوره" الحديث. فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد. وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون {من} للتبعيض غير صحيح. فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد، دون غيره من أنواع الصعيد، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضِّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكةِ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء"تفسير : ، الحديث، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن كون الأمر مذكوراً في معرض الامتنان، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في (مراقي السعود) في موانع اعتبار مفهوم المخالفة: شعر : أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع تفسير : ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله، خص اللحم الطري منه في قوله: {أية : وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} تفسير : [النحل: 14]، لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر. الثاني: أن مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول. الثالث: أن التربة فرد من أفراد الصعيد. وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصاً له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238]، أو ذكرا في نصيبن كحديث "حديث : أيما إهاب دبغ فقد طهر" تفسير : عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي وغيرهم، مع حديث "حديث : هلا انتفعتم بجلدها" تفسير : يعني شاة ميتة عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذِكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا يقتضي أن غيرهما من الصلوات في الأول، ومن الجلود في الثاني ليس كذلك، قال في (مراقي السعود) عاطفاً على ما لا يخصص به العموم: شعر : وذكر ما وافقه من مفرد ومذهب الراوي على المعتمد تفسير : ولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام، إلا أبو ثور محتجاً بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص. وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام، والصعيد في اللغة: وجه الأرض، كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابن الأعرابي، والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً}تفسير : [الكهف: 8] أي أرضاً غليظة لا تنبت شيئاً، وقال تعالى: {أية : فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} تفسير : [الكهف: 40]، ومنه قول ذي الرمة: شعر : كأنه بالضحى ترمى الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم تفسير : وإنما سمي صعيداً، لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات على غير قياس، ومنه حديث "حديث : إياكم والجلوس في الصعدات"تفسير : ، قاله القرطبي وغيره عنه. واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب، فقالت طائفة: "الطيب"، هو الطاهر، فيجوز التيمم بوجه الأرض كله، تراباً كان أو رملاً، أو حجارة، أو معدناً، أو سبخة، إذا كان ذلك طاهراً. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم. وقالت طائفة: الطيب: الحلال، فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب. وقال الشافعي، وأبو يوسف: الصعيد الطيب التراب المنبت، بدليل قوله تعالى: {أية : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} تفسير : [الأعراف: 58] الآية. فإذا علمت هذا، فاعلم أن المسالة لها واسطة وطرفان: طرف أجمع جميع المسلمين على جواز التيمم به، وهو التراب المنبت الطاهر الذي هو غير منقول، ولا مغصوب. وطرف أجمع جميع المسلمين على منع التيمم به، وهو الذهب والفضة الخالصان، والياقوت والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، والنجاسات وغير هذا هو الواسطة التي اختلف فيها العلماء، فمن ذلك المعادن. فبعضهم يجيز التيمم عليها كمالك، وبعضهم يمنعه كالشافعي ومن ذلك الحشيش، فقد روى ابن خويز منداد عن مالك أنه يجيز التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، ومشهور مذهب مالك المنع، ومن ذلك التيمم على الثلج، فروي عن مالك في (المدونة)، والمبسوط جوازه: قيل: مطلقاً. وقيل: عند عدم الصعيد، وفي غيرهما منعه. واختلف عنه في التيمم على العود، فالجمهور على المنع، وفي (مختصر الوقار) أنه جائز، وقيل: يجوز في العود المتصل بالأرض دون المنفصل عنها، وذكر الثعلبي أن مالكاً قال: لو ضرب بيده على شجرة، ثم مسح بها أجزأه، قال: وقال الأوزاعي، والثوري: يجوز بالأرض، وكل ما عليها من الشجر والحجر، والمدر وغيرها حتى قالا: لو ضرب بيده على الجمد، والثلج أجزاء. وذكر الثعلبي عن أبي حنيفة أنه يجيزه بالكحل، والزرنيخ، والنورة، والجص، والجوهر المسحوق، ويمنعه بسحالة الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، لأن ذلك ليس من جنس الأرض. وذكر النقاش عن ابن علية، وابن كيسان أنهما أجازاه بالمسك، والزعفران، وأبطل ابن عطية هذا القول، ومنعه إسحاق بن راهويه بالسباخ، وعن ابن عباس نحوه، وعنه فيمن أدركه التيمم، وهو في طين أنه يطلي به بعض جسده، فإذا جف تيمم به، قاله القرطبي. وأما التراب المنقول في طبق أو غيره، فالتيمم به جائز في مشهور مذهب مالك، وهو قول جمهور المالكية، ومذهب الشافعي، وأصحابه. وعن بعض المالكية، وجماعة من العلماء منعه. وما طبخ كالجص، والآجر ففيه أيضاً خلاف عن المالكية، والمنع أشهر. واختلفوا أيضاً في التيمم على الجدار، فقيل: جائز مطلقاً، وقيل: ممنوع مطلقاً، وقيل بجوازه للمريض دون غيره، وحديث أبي جهيم الآتي يدل على الجواز مطلقاً. والظاهر أن محله فيما إذا كان ظاهر الجدار من أنواع الصعيد، ومشهور مذهب مالك جواز التيمم على المعادن غير الذهب، والفضة ما لم تنقل، وجوازه على الملح غير المصنوع، ومنعه بالأشجار، والعيدان ونحو ذلك وأجازه أحمد، والشافعي، والثوري على البلد، والوسائد. ونحو ذلك إذا كان عليه غبار. والتيمم في اللغة: القصد، تيممت الشيء قصدته، وتيممت الصعيد تعمدته، وأنشد الخليل قول عامر بن مالك، ملاعب الألسنة: شعر : يممته الرمح شزراً ثم قلت له هذي البسالة لا لعب الزحاليق تفسير : ومنه قول امرئ القيس: شعر : تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامى تفسير : وقول أعشى باهلة: شعر : تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمة ذي شزن تفسير : وقول حميد بن ثور: شعر : سل الربع أني يممت أم طارق وهل عادة للربع أن يتكلما تفسير : والتيمم في الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين منه بنية استباحة الصلاة عند عدم الماء، أو العجز عن استعماله، وكون التيمم بمعنى القصد يدل على اشتراط النية في التيمم، وهو ا لحق. مسائل في أحكام التيمم المسألة الأولى: لم يخالف أحد من جميع المسلمين في التيمم، عن الحدث الأصغر، وكذلك عن الحدث الأكبر، إلا ما روي عن عمر، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي من التابعين أنهم منعوه، عن الحدث الأكبر. ونقل النووي في (شرح المهذب) عن ابن الصباغ وغيره القول برجوع عمر، وعبد الله بن مسعود عن ذلك، واحتج لمن منع التيمم، عن الحدث الأكبر بأن آية النساء ليس فيها إباحته إلا لصاحب الحدث الأصغر. حيث قال: {أية : أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً} تفسير : [المائدة: 6]، الآية، ورد هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أنا لا نسلم عدم ذكر الجنابة في آية النساء، لأن قوله تعالى: {أو لامستم النساء}، فسره ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما، بأن المراد به الجماع، وإذاً فذكر التيمم بعد الجماع المعبر عنه باللمس، أو الملامسة بحسب القراءتين، والمجيء من الغائط دليل على شمول التيمم لحالتي الحدث الأكبر، والأصغر. الثاني: أنه تعالى في سورة المائدة، صرح بالجنابة غير معبر عنها بالملامسة، ثم ذكر بعدها التيمم، فدل على أن يكون عنها أيضاً حيث قال: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} تفسير : [المائدة: 6] ثم قال: {أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} تفسير : [المائدة: 6]، الآية. فهو عائد إلى المحدث، والجنب جميعاً، كما هو ظاهر. الثالث: تصريحه صلى الله عليه وسلم بذلك الثابت عنه في الصحيح: فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، أنه قال: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النَّبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه، وكفَّيه ". تفسير : وأخرجا في صحيحيهما أيضاً من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى بالناس. فإذا هو برجل معتزل، فقال: حديث : ما منعك أن تصليتفسير : ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: حديث : عليك بالصَّعيد، فإنه يكفيك ". تفسير : والأحاديث في الباب كثيرة. المسألة الثانية: اختلف العلماء، هل تكفي للتيمم ضربة واحدة أو لا؟ فقال جماعة: تكفي ضربة واحدة للكفين والوجه، وممن ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وعطاء، ومكحول، والأوزاعي، وإسحاق، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره، وهو قول عامة أهل الحديث، ودليله حديث عمار المتفق عليه المتقدم آنفاً. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا بد من ضربتين: إحداهما للوجه، والأخرى للكفين، ومنهم من قال بوجوب الثانية، ومنهم من قال بسنيتهما كمالك، وذهب ابن المسيب، وابن شهاب، وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للذراعين. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر من جهة الدليل الاكتفاء بضربة واحدة. لأنه لم يصح من أحاديث الباب شيء مرفوعاً، إلا حديث عمار المتقدم، وحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصَّمَّة الأنصاري، قال: "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من نحو بئر جمل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام، أخرجه البخاري موصولاً، ومسلم تعليقاً، وليس في واحد منهما ما يدل على أنهما ضربتان كما رأيت، وقد دل حديث عمار أنها واحدة. المسألة الثالثة: هل يلزم في التيمم مسح غير الكفين؟ اختلف العلماء في ذلك، فأوجب بعضهم المسح في التيمم إلى المرفقين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، وابن أبي سلمة، والليث، كلهم يرون بلوغ التيمم بالمرفقين فرضاً واجباً، وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن نافع، وإليه ذهب إسماعيل القاضي. قال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبداً، وقال مالك: في المدونة يعيد في الوقت، وروي التيمم إلى المرفقين مرفوعاً، عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبي أمامة، وعائشة وعمار، والأسلع، وسيأتي ما في أسانيد رواياتهم من المقال إن شاء الله تعالى، وبه كان يقول ابن عمر، وقال ابن شهاب: يمسح في التيمم إلى الآباط. واحتج من قال بالتيمم إلى المرفقين بما روي عمن ذكرنا من ذكر المرفقين، وبأن ابن عمر كان يفعله، وبالقياس على الوضوء، وقد قال تعالى فيه: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ} [المائدة: 6]. قال مقيده - عفا الله عنه-: الذي يظهر من الأدلة - والله تعالى أعلم - أن الواجب في التيمم هو مسح الكفين فقط، لما قدمنا من أن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها شيء ثابت الرفع إلا حديث عمار: وحديث أبي جهيم المتقدمين. أما حديث أبي جهيم، فقد ورد بذكر اليدين مجملاً، كما رأيت، وأما حديث عمار فقد ورد بذكر الكفين في الصحيحين، كما قدمنا آنفاً. وورد في غيرهما بذكر المرفقين، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين، ونصف الذراع، ففيهما مقال سيأتي، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذاك وقع بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكل تيمم للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له. وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار كان يفتي بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره. ولا سيما الصحابي المجتهد، قاله ابن حجر في (الفتح). وأما فعل ابن عمر، فلم يثبت رفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، والموقوف على ابن عمر لا يعارض به مرفوع متفق عليه، وهو حديث عمار. وقد روى أبو داود عن ابن عمر بسند ضعيف، أنه قال: "مرَّ رجل على النَّبي صلى الله عليه وسلم في سكَّة مِن السكك، وقد خرج من غائط أو بول فسلَّم عليه، فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى في السكك، فضرب بيده على حائط، ومسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أُخرى فمسح بها ذراعيه" ومدار الحديث على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين، وأحمد والبخاري وأبو حاتم. وقال أحمد والبخاري: ينكر عليه حديث التيمم. أي هذا، زاد البخاري: خالفه أيوب، وعبيد الله والناس، فقالوا عن نافع عن ابن عمر فعله. وقال أبو داود: لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورووه من فعل ابن عمر، وقال الخطابي: لا يصح. لأن محمد بن ثابت ضعيف جداً، ومحمد بن ثابت هذا هو العبدي، أبو عبد الله البصري، قال فيه في التقريب: صدوق، لين الحديث. واعلم أن رواية الضحاك بن عثمان، وابن الهاد لهذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ليس في واحدة منهما متابعة محمد بن ثابت على الضربتين، ولا على الذراعين. لأن الضحاك لم يذكر التيمم في روايته، وابن الهاد قال في روايته "مسح وجهه ويديه". قاله ابن حجر، والبيهقي، وروى الدارقطني والحاكم، والبيهقي من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : التَّيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين ". تفسير : قال الدارقطني: وقفه يحيى القطان، وهشيم وغيرهما، وهو الصواب، ثم رواه من طريق مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً، قاله ابن حجر، مع أن علي بن ظبيان ضعفه القطان، وابن معين، وغير واحد. وهو ابن ظبيان بن هلال العبسي الكوفي، قاضي بغداد، قال فيه في (التقريب): ضعيف. ورواه الدارقطني من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ "تيممنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيِّب، ثمَّ نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحْنا من المرافق إلى الأكف"، الحديث، لكن في إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك. قال البيهقي: رواه معمر وغيره عن الزهري موقوفاً، وهو الصحيح، ورواه الدارقطني أيضاً من طريق سليمان بن أبي داود الحراني، وهو متروك أيضاً عن سالم، ونافع جميعاً عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: "وفي التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، قال أبو زرعة: حديث باطل، ورواه الدارقطني، والحاكم من طريق عثمان بن محمد الأنماطي عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التيمم ضربة للوجه، وضَرْبة للذِّراعين إلى المرفقين"تفسير : ، ومن طريق أبي نعيم عن عزرة بسنده المذكور، قال: "جاء رجل، فقال: أصابتني جنابة، وإني تمعَّكت في التراب، فقال: اضرب، فضرب بيده الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب يديه فمسح بهما إلى المرفقين". ضعف ابن الجوزي هذا الحديث بأن فيه عثمان بن محمد، ورد على ابن الجوزي بأن عثمان بن محمد لم يتكلم فيه أحد، كما قاله ابن دقيق العيد، لكن روايته المذكورة شاذة، لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفاً، أخرجه الدارقطني، والحاكم أيضاً. وقال الدارقطني في حاشية السنن، عقب حديث عثمان بن محمد: كلهم ثقات، والصواب موقوف، قال ذلك كله ابن حجر في التلخيص، وقال في (التقريب) في عثمان بن محمد المذكور مقبول، وقال في (التلخيص) أيضاً: وفي الباب عن الأسلع قال: "كنت اخدم النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه جبريل بآية الصعيد، فأراني التيمم، فضربت بيدي الأرض واحدة، فمسحت بها وجهي ثم ضربت بها الأرض فمسحت بها يدي إلى المرفقين" رواه الدارقطني، والطبراني، وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وعن أبي أمامة رواه الطبراني، وإسناده ضعيف أيضاً. ورواه البزار، وابن عدي من حديث عائشة مرفوعاً: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". تفرد به الحريش بن الخريت، عن ابن أبي مليكة عنها قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يحتج به. وحديث "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر: "تكفيك ضربة للوجه، وضربة للكفين" تفسير : رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو ضعيف، ولكنه حجة عند الشافعي. وحديث عمار "كنت في القوم حين نزلت الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين". رواه البزار، ولا شك أن الرواية المتفق عليها عن عمار أولى منه. وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، اهـ، منه. فبهذا كله تعلم أنه لم يصح في الباب إلا حديث عمار، وأبي جهيم المتقدمين، كما ذكرنا. فإذا عرفت نصوص السنة في المسالة فاعلم أن الواجب في المسح الكفان فقط، ولا يبعد ما قاله مالك رحمه الله من وجوب الكفين، وسنية الذراعين إلى المرفقين، لأن الوجوب دل عليه الحديث المتفق عليه في الكفين. وهذه الروايات الواردة بذكر اليدين إلى المرفقين تدل على السنية، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضاً، لما تقرر في علوم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يقوي بعضها بعضاً حتى يصلح مجموعها للاحتجاج: لا تخاصم بواحد أهل بيت، فضعيفان يغلبان قوياً، وتعتضد أيضاً بالموقوفات المذكورة. والأصل إعمال الدليلين، كما تقرر في الأصول. المسألة الرابعة: هل يجب الترتيب في التيمم أو لا؟ ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وأصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين ركن من اركان التيمم، وحكى النووي عليه اتفاق الشافعية، وذهبت جماعة منهم مالك، وجل أصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين سنة. ودليل تقديم الوجه على اليدين أنه تعالى قدمه في آية النساء، وآية المائدة، حيث قال فيهما: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6]. وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أبدأ بما بدأ الله به" تفسير : يعني قوله: {أية : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} تفسير : [البقرة: 158] الآية، وفي بعض رواياته "ابدؤوا" بصيغة الأمر. وذهب الإمام أحمد، ومن وافقه إلى تقديم اليدين، مستدلاً بما ورد في صحيح البخاري في باب "التيمم ضربة" من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له: حديث : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفَّيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفِّه، ثمَّ مسح بها وجهه"تفسير : ، الحديث. ومعلوم أن "ثم" تقتضي الترتيب، وأن الواو لا تقتضيه عند الجمهور، وإنما تقتضي مطلق التشريك، ولا ينافي ذلك أن يقوم دليل منفصل على أن المعطوف بالواو مؤخر عما قبله، كما دل عليه الحديث المتقدم في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} الآية، وكما في قول حسان: شعر : هجوت محمداً وأجبت عنه تفسير : وعلى رواية "الواو" فحديث البخاري هذا نص في تقديم اليدين على الوجه، وللاسماعيلي من طريق هارون الحمال، عن أبي معاوية ما لفظه: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرضِ ثمَّ تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك" قاله ابن حجر في الفتح، وأكثر العلماء على تقديم الوجه مع الاختلاف في وجوب ذلك، وسنيته. المسألة الخامسة: هل يرفع التيمم الحدث أو لا؟ وهذه المسألة من صعاب المسائل لإجماع المسلمين على صحة الصلاة بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله، وإجماعهم على أن الحدث مبطل للصلاة، فإن قلنا: لم يرتفع حدثه، فكيف صحت صلاته، وهو محدث؟ وإن قلنا: صحت صلاته، فكيف نقول: لم يرتفع حدثه؟ اعلم أولاً أن العلماء اختلفوا في هذه المسالة إلى ثلاثة مذاهب: الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث. الثاني: أنه يرفعه رفعاً كلياً. الثالث: أنه يرفعه رفعاً مؤقتاً. حجة القول الأول أن التيمم لا يرفع الحدث ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران المتقدم حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس فرأى رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم، فقال: "ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم"؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: "عليك بالصَّعيد فإنه يكفيك". إلى أن قال: "وكان آخر ذلك أن أعطي الذي اصابته الجنابة إناء من ماء. قال: "اذهب فأفرغه عليك"تفسير : ، الحديث. ولمسلم في هذا الحديث "وغسلنا صاحبنا" يعني الجنب المذكور. وهذا نص صحيح في أن تيممه الأول لم يرفع جنابته. ومن الأدلة على أنه لا يرفع الحدث ما رواه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم موصولاً، ورواه البخاري تعليقاً حديث : عن عمرو بن العاص رضي الله عنه "أنه تيمم عن الجنابة من شدة البرد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صليت بأصحابك وأنت جنب، فقال عمرو: إني سمعتُ الله يقول:{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] الآية. فضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه" تفسير : قال ابن حجر في (التلخيص) في الكلام على حديث عمرو هذا: واختلف فيه على عبد الرحمن بن جبير. فقيل عنه عن أبي قيس عن عمرو، وقيل عنه عن عمرو بلا واسطة، لكن الرواية التي فيها أبو قيس، ليس فيها ذكر التيمم، بل فيها أنه غسل مغابنه فقط. وقال أبو داود: روى هذه القصة الأوزاعي عن حسان بن عطية، وفيه: "فتيمم". ورجح الحاكم إحدى الروايتين على الأخرى. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون فعل ما في الروايتين جميعاً، فيكون قد غسل ما أمكن، وتيمم عن الباقي. وله شاهد من حديث ابن عباس، وحديث أبي أمامة، عند الطبراني، انتهى من التلخيص لابن حجر. قال مقيده عفا الله عنه: ما أشار إليه البيهقي من الجمع بين الروايتين متعين، لأن الجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في الأصول، وعلوم الحديث. ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلَّيت بأصحابك وأنت جنب"تفسير : ، فإنه أثبت بقاء جنابته مع التيمم. ومن الأدلة على أن التيمم لا يرفع الحدث حديث أبي ذر عند أحمد، وأصحاب السنن الأربع، وصححه الترمذي، وأبو حاتم من حديث أبي ذر، وابن القطان من حديث أبي هريرة عند البزار، والطبراني، قاله ابن حجر في التلخيص. وذكر في (الفتح) أنه صححه ابن حبان، والدارقطني من حديث أبي ذر "أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أن الصعيد الطيِّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" تفسير : الحديث. قال ابن حجر في التلخيص بعد أن ذكر هذا الحديث عن اصحاب السنن من رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر: واختلف فيه على أبي قلابة، فقيل هكذا. وقيل عنه عن رجل من بني عامر، وهذه رواية أيوب عنه، وليس فيها مخالفة لرواية خالد، وقيل عن أيوب عنه عن أبي المهلب عن أبي ذر، وقيل عنه بإسقاط الواسطة، وقيل في الواسطة محجن، أو ابن محجن، أو رجاء بن عامر، أو رجل من بني عامر، وكلها عند الدارقطني، والاختلاف فيه كله على أيوب، ورواه ابن حبان، والحاكم من طريق خالد الحذاء كرواية أبي داود، وصححه أيضاً أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول. هكذا قاله ابن حجر في التلخيص. وقال في (التقريب) في ابن بجدان المذكور: لا يعرف حاله، تفرد عنه أبو قلابة وفي الباب عن أبي هريرة رواه البزار قال: حدثنا مقدم بن محمد، ثنا عمي القاسم بن يحيى، ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رفعه "حديث : الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله، وليمسه بشرته، فإن ذلك خير ". تفسير : وقال لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه مطولاً، أخرجه في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة، وساق فيه قصة أبي ذر وقال: لم يروه إلا هشام، عن ابن سيرين، ولا عن هشام إلا القاسم، تفرد به مقدم، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إن إرساله أصح، انتهى من التلخيص بلفظه، وقد رايت تصحيح هذا الحديث للترمذي، وأبي حاتم، وابن القطان، وابن حبان. ومحل الشاهل منه قوله: "حديث : فإن وجد الماء فليمسه بشرته"تفسير : ، لأن الجنابة لو كان التيمم رفعها، لما احتيج إلى إمساس الماء البشرة. واحتج القائلون بأن التيمم يرفع الحدث: بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم، صرح بأنه طهور في قوله في الحديث المتفق عليه "حديث : وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"تفسير : ، وبأن في الحديث المار آنفاً "حديث : التيمم وضوء المسلم"تفسير : ، وبأن الله تعالى قال: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] الآية، وبالإجماع على أن الصلاة تصح به كما تصح بالماء، ولا يخفى ما بين القولين المتقدمين من التناقض، قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر من الدلة تعين القول الثالث، لأن الأدلة تنتظم به ولا يكون بينهما تناقض والجمع واجب متى أمكن. قال في (مراقي السعود): شعر : والجمع واجب مى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا تفسير : والقول الثالث المذكور هو: أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً لا كلياً، وهذا لا مانع منه عقلاً ولا شرعاً، وقد دلت عليه الأدلة، لأن صحة الصلاة به المجمع عليها بلزمها أن المصلي غير محدث، ولا جنب لزوماً شرعياً لا شك فيه. ووجوب الاغتسال أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضاً يلزمه لزوماَ شرعياً لا شك فيه، وأن الحدث مطلقاً لم يرتفع بالكلية، فيتعين الارتفاع المؤقت. هذا هو الظاهر، ولكنه يشكل عليه ما تقدم في حديث عمرو بن العاص، أنه صلى الله عليه وسلم قال له "حديث : صليت بأصحابك وأنت جنب"تفسير : ، وقد تقرر عند علماء العربية أن وقت عامل الحال هو بعينه وقت الحال، فالحال وعاملها إذاً مقترنان في الزمان، فقولك: جاء زيد ضاحكاً مثلا، لا شك في أن وقت المجيء فيه هو بعينه وقت الضحك، وعليه فوقت صلاته، هو بعينه وقت كونه جنباً، لأن الحال هي كونه جنباً وعاملها قوله صليت، فيلزم أن وقت الصلاة والجنابة متحد، ولا يقدح فيما ذكرنا أن الحال المقدرة لا تقارن عاملها في الزمان، كقوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73] لأن الخلود متأخر عن زمن الدخول أي مقدرين الخلود فيها، لأن الحال في الحديث المذكور ليست من هذا النوع. فالمقارنة بينها وبين عاملها في الزمن لا شك فيها، وإذا كانت الجنابة حاصلة له في نفس وقت الصلاة، كما هو مقتضى هذا الحديث، فالرفع المؤقت المذكور لا يستقيم، ويمكن الجواب عن هذا من وجهين: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : وأنت جنب"تفسير : قبل أن يعلم عذره بخوفه الموت إن اغتسل. والمتيمم من غير عذر مبيح جنب قطعاً، وبعد أن علم عذره المبيح للتيمم الذي هو خوف الموت أقره وضحك، ولم يأمره بالإعادة، فدل على أنه صلى باصحابه وهو غير جنب، وهذا ظاهر الوجه. الثاني: أنه أطلق عليه اسم الجنابة نظراً إلى أنها لم ترتفع بالكلية، ولو كان في وقت صلاته غير جنب. كإطلاق اسم الخمر على العصير في وقت هو فيه ليس بخمر في قوله: {أية : إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً} تفسير : [يوسف: 36] نظراً إلى مآله في ثاني حال، والعلم عند الله تعالى. ومن المسائل التي تبنى على الاختلاف في التيمم، هل يرفع الحدث أو لا؟ جواز وطء الحائض إذا طهرت، وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه يرفع الحدث يجوز وطؤها قبل الاغتسال، والعكس بالعكس. وكذلك إذا تيمم ولبس الخفين. فعلى أن التيمم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوضوء بعد ذلك، والعكس بالعكس. وكذلك ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن من أن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الغسل، فالظاهر أنه بناه على رفع الحدث بالتيمم، لكن هذا القول ترده الأحاديث المتقدمة، وإجماع المسلمين قبله، وبعده على خلافه. المسالة السادسة: هل يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد فريضتان أو لا؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز به فريضتان، أو فرائض ما لم يحدث، وعليه كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد في أشهر الروايتين، والحسن البصري، وأبو حنيفة، وابن المسيب، والزهري. وذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما إلى أنه لا تصلى به إلا فريضة واحدة. وعزاه النووي في شرح المهذب لأكثر العلماء، وذكر أن ابن المنذر حكاه عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، والشافعي، والنخعي، وقتادة، وربيعة، ويحيى الأنصاري، والليث، وإسحاق، وغيرهم. واحتج أهل القول الأول بأن النصوص الواردة في التيمم، ليس فيها التقييد بفرض واحد، وظاهرها الإطلاق، وبحديث "حديث : الصعيد الطيب وضوء المسلم" تفسير : الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: "حديث : وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"تفسير : ، وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] الآية. واحتج أهل القول الثاني بما روي عن ابن عباس رضي عنهما أنه قال: من السنة ألا يصلي بالتيمم إلا مكتوبة واحدة، ثم يتيمم للأخرى، وقول الصحابي من السنة له حكم الرفع على الصحيح عند المحدثين، والأصوليين، أخرج هذا الحديث الدارقطني، والبيهقي من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عنه، والحسن ضعيف جداً قال فيه ابن حجر في (التقريب) متروك، وقال فيه مسلم، في مقدمة صحيحه: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا ابو داود قال: قال لي شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عُمارة، فإنه يكذب. وقال البيهقي لما ساق هذا الحديث في سننه: الحسن بن عمارة لا يحتج به اهـ وهو أبو محمد البجلي مولاهم الكوفي قاضي بغداد، واحتجوا أيضاً بما روي عن ابن عمر، وعلي، وعمرو بن العاص موقوفاً عليهم، أما ابن عمر فرواه عنه البيهقي، وعن الحاكم من طريق عامر الأحول، عن نافع عن ابن عمر قال: يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث، قال البيهقي: وهو أصح ما في الباب قال: ولا نعلم له مخالفاً من الصحابة. قال مقيده عفا الله عنه: ومثل هذا يسمى إجماعاً سكوتياً، وهو حجة عند أكثر العلماء، ولكن أثر ابن عمر هذا الذي صححه البيهقي، وسكت ابن حجر على تصحيحه له في التلخيص، والفتح، تكلم فيه بعض أهل العلم بأن عامراً الأحول ضعفه سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقيل لم يسمع من نافع، وضعف هذا الأثر ابن حزم ونقل خلافه عن ابن عباس وقال ابن حجر في الفتح: بعد أن ذكر أن البيهقي قال: لا نعلم له مخالفاً. وتعقب بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس، أنه لا يجب. وأما عمرو بن العاص فرواه عنه الدارقطني، والبيهقي، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. أن عمرو بن العاص كان يتيمم لكل صلاة، وبه كان يفتي قتادة، وهذا فيه إرسال شديد بين قتادة، وعمرو، قاله ابن حجر في التلخيص، والبيهقي في (السنن الكبرى) وهو ظاهر، وأما علي فرواه عنه الدارقطني أيضاً بإسناد فيه حجاج بن أرطاة والحارث الأعور قاله ابن حجر أيضاً، ورواه البيهقي في السنن الكبرى بالإسناد الذي فيه المذكوران. أما حجاج بن أرطاة، فقد قال فيه ابن حجر في (التقريب): صدوق: كثير الخطأ، والتدليس، وأما الحارث الأعور فقال فيه ابن حجر في التقريب: كذبه الشعبي في رايه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وقال فيه مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جابر عن مغيرة عن الشَّعبي قال: حدثني الحارث الأعور الهمداني، وكان كذاباً. حدثنا أبو عامر عبد الله بن بَرَّاد الأشعري، حدثنا أبو أسامة عن مُفَضَّل عن مغيرة قال: سمعت الشَّعْبي يقول: حدثني الحارث الأعور وهو يشهد أنه أحد الكذابين وقد ذكر البيهقي هذا الاثر عن علي في التيمم، في باب (التيمم لكل فريضة)، وسكت عن الكلام في المذكورين أعني حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور، لكنه قال في حجاج في باب (المنع من التطهير بالنَّبيذ) لا يحتج به. وضعفه في باب (الوضوء من لحوم الإبل)، وقال في باب (الدية أرباع) مشهور بالتدليس، وأنه يحدث عمن لم يلقه، ولم يسمع منه، قاله الدارقطني، وضعف الحارث الأعور في باب (منع التطهير بالنَّبيذ أيضاً). وقال في باب (أصل القسامة): قال الشعبي: كان كذاباً. المسالة السابعة: إذا كان في بدنه نجاسة، ولم يجد الماء، هل يتيمم لطهارة تلك النجاسة الكائنة في بدنه - فيكون التيمم بدلاً عن طهارة الخبث عند فقد الماء. كطهارة الحدث - أو لا يتيمم لها؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يتيمم عن الخبث، وإنما يتيمم عن الحدث فقط. واستدلوا بأن الكتاب والسنة إنما دلا على ذلك كقوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} [المائدة: 6]. وتقدم في حديث عمران بن حصين، وحديث عمار بن ياسر المتفق عليهما: التيمم عند الجنابة، وأما عن النجاسة فلا، وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجوز عن النجاسة إلحاقاً لها بالحدث، واختلف أصحابه في وجوب إعادة تلك الصلاة. وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو ثور إلى أنه يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي، نقله النووي عن ابن المنذر.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أَيْ: إذا أردتم القيام إليها {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} يعني: مع المرفقين {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} وهما النَّاشزان من جانبي القدم {وإن كنتم جنباً فاطَّهَروا} فاغتسلوا {وإن كنتم مرضى} مفسَّرٌ في سورة النِّساء غلى قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} من ضيقٍ في الدِّين، ولكنْ جعله واسعاً بالرُّخصة في التَّيمُّم {ولكن يريد ليطهركم} من الأحداث والجنابات والذُّنوب؛ لأنَّ الوضوء يكفِّر الذُّنوب {وليتم نعمته عليكم} ببيان الشَّرائع و {لعلكم تشكرون} نعمتي فتطيعوا أمري. {واذكروا نعمة الله عليكم} بالإِسلام {وميثاقه الذي واثقكم به} يعني: حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السَّمع والطَّاعة في كلِّ ما أمر ونهى، وهو قوله: {إذ قلتم} [حين قلتم] {سمعنا وأطعنا واتقوا الله إنَّ الله عليم بذات الصدور} بخفيَّات القلوب. {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله} تقومون لله بكلِّ حقٍّ يلزمكم القيام به {شهداء بالقسط} تشهدون بالعدل {ولا يجرمنكم شنآن قوم} لا يحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل {اعدلوا} في الوليِّ والعدوِّ {هو} أَيْ: العدل {أقرب للتقوى} أَيْ: لاتِّقاء النَّار.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 6- فيا أيها المؤمنون، إذا أردتم القيام إلى الصلاة ولم تكونوا متوضئين، فتوضأوا بغسل وجوهكم وأيديكم مع المرافق، وامسحوا رءوسكم - كلها أو بعضها - واغسلوا أرجلكم مع الكعبين. وإن كنتم جنباً عند القيام إلى الصلاة بسب ملامسة أزواجكم، فاغسلوا جميع أبدانكم بالماء، وأن كنتم مرضى مرضاً يمنع من استعمال الماء، أو كنتم مسافرين يتعسر عليكم وجود الماء، أو عند رجوعكم من مكان قضاء الحاجة، أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء، فعليكم بالتيمم بالتراب الطهور، بمسح وجوهكم وأيديكم به. ما يريد الله فيما أمركم به أن يضيق عليكم، ولكنه شرع ذلك لتطهيركم ظاهراً وباطناً وليتم نعمه عليكم بالهداية والبيان والتيسير، لتشكروا الله على هدايته وتمام نعمته بالمداومة على طاعته. 7- واذكروا - أيها المؤمنون - نعمة الله عليكم، بهدايتكم إلى الإسلام، وحافظوا على تنفيذ عهده الذى عاهدكم عليه حين بايعتم رسوله - محمداً - على السمع والطاعة، واتقوا الله بالمحافظة على هذه العهود، فإنه سبحانه عليم بخفيات قلوبكم، فمجازيكم عليها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذا قمتم إلى الصلاة: أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون أي على غير وضوء. فاغسلوا وجوهكم: أي بعد غسل الكفين ثلاثاً والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلاثاً ثلاثاً لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. وأرجلكم إلى الكعبين: أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين إلا أن يكون عليها خف ساتر فإنه يجوز المسح عليه دون حاجة إلى نزعه وغسل الرجلين، وذلك إن لبسه بعد وضوء ولم يمض على لبسه أكثر من يوم وليلة إن كان مقيماً، أو ثلاثة أيام إن كان مسافراً بهذا جاءت السنة. وإن كنتم جنباً: الجنب من قامت به جنابة وهي شيئآن: غياب رأس الذكر في الفرج، وخروج المنى بلذة في نوم أو يقظة. فاطهروا: يعني فاغتسلوا، والغسل هو غسل سائر الجسد بالماء. الغائط: كناية عن الخارج من أحد السبيلين من عذرة أو فساء أو ضراط، أو بول أو مذي. أو لامستم النساء: ملامسة النساء كناية عن الجماع، كما أن من لامس امرأة ليتلذذ بها أو لامسها لغير قصد اللذة ووجد اللذة فقد انتقض وضوءه ومن هذا مس الفرج باليد لأنه مظنة اللذة لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم"حديث : من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتوضأ ". تفسير : فتيمموا صعيداً: اقصدوا تراباً أو حجراً أو رملاً أو سبخة مما صعد على وجه الأرض. الحرج: المشقة والعسر والضيق. ميثاقه: أي ميثاق الله تعالى وهو عهده المؤكد والمراد به هنا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذ بها وجب الالتزام بسائر التكاليف الشرعية. معنى الآيتين : نادى الرب تعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليأمرهم بالطهارة إذا هم أرادوا الصلاة وهي مناجاة العبد لربه لحديث المصلي يناجي ربه، وبين لهم الطهارة الصغرى منها وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وبين لهم ما ينوب عنهما إذا تعذر وجود الماء الذي به الطهارة أو عجزوا استعماله وهو التيمم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} وحدُّ الوجه طولاً من منبت الشعر أعلى الجبهة إلى منتهى الذقن أسفل الوجه وحده عرضاً من وتد الأذن اليمنى إلى وتد الأذن اليسرى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} فيشمل الغسل الكفين والذراعين إلى بداية العضدين فيدخل في الغسل المرفقان {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} واللفظ محتمل للكل والبعض والسنة بينت أن الماسح يقبل بيديه ويدبر بهما فيمسح جميع رأسه وهو أكمل وذلك ببلل يكون في كفيه، كما بينت السنة مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بعد مسح الرأس {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين وهما العظمان الناتئان عند بداية الساق، وبينت السنة رخصة المسح على الخفين بدلاً من غسل الرجلين، كما بينت غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، وكون الغسل ثلاثاً ثلاثاً على وجه الاستحباب، وقول بسم الله عند الشروع أي البدء في الوضوء. كما بينت السنة وجوب الترتيب بين الأعضاء المغسولة الأول فالأول، ووجوب الفور بحيث لا يفصل بزمن بين أعضاء الوضوء حال غسلها بل يفعلها في وقت واحد إن أمكن ذلك وأكدت وجوب النية حتى لكأنه شرط في صحة الوضوء. وقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} أي وإن أصابت أحدكم جنابة وهي الجماع والاحتلام فمن جامع زوجته فأولج ذكره في فرجها ولو لم ينزل أي لم يخرج منه المنيّ فقد أجنب كما أن من احتلم فخرج منه منيّ فقد أجنب بل كلّ من خرج منه منيّ بلذة في نوم أو يقظة فقد أجنب وانقطاع دم حيض المرأة ودم نفاسها كالجنابة يجب منه الغسل، وقوله {فَٱطَّهَّرُواْ} يريد فاغتسلوا وقد بينت السنة كيفية الغسل وهي أن ينوي المرء رفع الحدث الأكبر بقلبه ويغسل كفيه قائلاً بسم الله ويغسل فرجيه وما حولهما، ثم يتوضأ الوضوء الأصغر المعروف، ثم يخلل أصول شعر رأسه ببلل يديه، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات، ثم يقبض الماء على شق جسده الأيمن كله من أعلاه إلى أسفله، ثم الأيسر، ويتعاهد الأماكن التي قد ينبوا عنها الماء فلا يمسها كالسرة وتحت الإبطين، والرفقين وهما أصل الفخذين، وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} ذكر تعالى في هذه الجملة الكريمة نواقض الوضوء وموجب الانتقال منه إلى التيمم فقال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ} فالمريض قد يعجز عن الوضوء لضعف جسمه بعدم القدرة على التحرك، وقد تكون به جراحات أو دماميل يتعذر معها استعمال الماء حيث يزداد المرض بمس الماء، وقوله {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} إذ السفر مظنة عدم وجود الماء هذه موجبات الانتقال من الوضوء إلى التيمم، وقوله عز وجل: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}. ذكر في الجملة الأولى نواقض الوضوء إجمالاً وهو الخارج من السبيلين من عذرة وفساء وضراط وبول ومذي كنى عنه بقوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} وهو مكان التغوط والتبول وذكر موجب الغسل وهو الجماع وكنىّ عنه بالملامسة تعليماً لعباده المؤمنين الآداب الرفيعة في مخاطباتهم، وقوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} للوضوء أو الغسل بعد أن طلبتموه فلم تجدوه فتيمموا، اقصدوا من أم الشيء إذا قصده صعيداً طيباً يريد ما صعد على وجه الأرض من أجزائها كالتراب والرمل والسبخة والحجارة وقوله: {طَيِّباً} يريد به طاهراً من النجاسة والقذر، وقوله: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} بين فيه كيفية التيمم، وهي أن يقصد المرء التراب الطاهر وإن تعذر ذلك فما تيسر له من أجزاء الأرض فيضرب بكفيه الأرض فيمسح بهما وجهه وكفيه ظاهراً وباطناً مرة واحدة وقوله تعالى: {مِّنْهُ} أي من ذلك الصعيد وبهذا بين تعالى كيفية التيمم وهي التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر رضي الله عنه وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} يخبر تعالى أنه يأمرنا بالطهارة بقسميها الصغرى وهي الوضوء والكبرى وهي الغسل، وما ينوب عنهما عند العجز وهو التيمم، ما يريد بذلك إيقاعنا في الضيق والعنت، ولكنه تعالى يريد بذلك تطهيرنا من الأحداث والذنوب، لأن الوضوء كفارة لذنب المتوضىء كما جاء بيانه في السنة وهو قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي بهدايتكم إلى الإِسلام وتعليمكم شرائعه فيعدكم بذلك لشكره وهو طاعته بالعمل بما جاء به الإِسلام من الأعمال الباطنة والظاهرة وهو معنى قوله {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [6] أما الآية الأخيرة [7] وهي قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فإنه تعالى يأمر عباده المؤمنين أن يذكروا نعمته عليهم بهدايتهم إلى الإِيمان ليشكروه بالإِسلام، كما يذكروا ميثاقه الذي واثقهم به وهو العهد الذي قطعه المؤمن على نفسه لربه تعالى بالتزامه بطاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم عندما تعهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأما قوله: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} قد قالها الصحابة بلسان القال عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقد قالها كل مسلم بلسان الحال لما شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمر بالتقوى التي هي لزوم الشريعة والقيام بها عقيدة وعبادة وقضاء وأدباً وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يذكَّرهم بعلم الله تعالى بخفايا أمورهم حتى يراقبوه ويخشوه في السر والعلن وهذا من باب تربية الله تعالى لعباده المؤمنين لإِكمالهم وإِسعادهم فله الحمد وله المنة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- الأمر بالطهارة وبيان كيفية الوضوء وكيفية الغسل، وكيفية التيمم. 2- بيان الأعذار الناقلة للمؤمن من الوضوء إلى التيمم. 3- بيان موجبات الوضوء والغسل. 4- الشكر هو علة الإِنعام. 5- ذكر العهود يساعد على التزامها والمحافظة عليها.
القطان
تفسير : ان أعظم الطاعات بعد الايمان الصلاة، ولا يمكن إقامتها الا مع توافر الطهارة. لذلك بدأ سبحانه في بيان كيفية الوضوء. فأبان: إذا أردتم ان تقوموا الى الصلاة، أيها المؤمنون، ولم تكونوا متوضئين، فابدأوا بغسل وجوهكم وأيديكم الى المرافق، وامسحوا رؤوسكم كلَّها او بعضها، واغسِلوا أرجلكم الى الكعبين. هذه هي فروض الوضوء، أما سُننه ومستحباته فهي مفصّلة في كتب الفقه. وعند الشيعة الإمامية يجب مسح ظاهر القدمين الى الكعبين فقط. وقد قال بعض علماء السلَف بالمسح، لكنْ مسح القدمين بكاملهما الى الكعبين. أما اذا كنتم جنُباً وتودون الصلاة ـ فعليكم ان تتطهروا بغسل جميع جسدكم بالماء. وان كنتم مرضى مرضاً يضر معه استعمال الماء فتيمّموا. فإن كنتم مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمّموا. واذا ذهبتم لقضاء الحاجة، او لامستم النساء ولم تجدوا ماء ـ فتيمموا أيضاً، ففي ذلك كفاية. وكيفية التيمُّم أن يضربَ بكفّيه على التراب ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربةً اخرى يمسح بها كفّيه الى الرسغين. الترخيص تيسيرٌ من فضل الله، فهو لا يريد ان يُحرجنا، بل ان يطهّرنا ظاهراً وباطناً وأن يُتم نِعمَه علينا بالهداية والبيان والتيسير، حتى نشكره على ذلك بالمداومة على طاعته. انظر الآية (43) من سورة النساء. قراءات: قرأ ابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب "وأرجلكم" بنصبه، وقرأ حمزة والكسائي "وأرجلكم" بجره، عطفاً على "رؤوسكم". وقرأ حمزة والكسائي "لمستم" دون ألف، والباقون "لامستم".
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلصَّلاةِ} {ٱلْغَائِطِ} {لاَمَسْتُمُ} (6) - فِي هَذِهِ الآيَةِ يَبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنينَ شُرُوطَ الوَضُوءِ وَالتَّيَمُمِ، وَيَأمُرُ المُؤْمِنِينَ بِالوُضُوءِ إذا قَامُوا إلى الصَّلاَةِ وَهُمْ مُحْدِثُونَ (وَيُسْتَحَبُّ الوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ). وَالوُضُوءُ هُوَ غَسْلُ الوَجْهِ، وَغَسْلُ اليَدَينِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحُ الرَّأسِ كُلِّهِ أوْ بَعْضِهِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلى الكَعْبَيْنِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ: إذَا كُنْتُمْ جُنُباً فَاغْتَسِلُوا، وَإذا كُنْتُمْ مَرْضَى لاَ تَسْتَطِيعُونَ مَسَّ المَاءِ لِلوُضُوءِ وَالاغْتِسَالِ، أوْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَكُمُ المَاءُ، وَإذا أَحْدَثْتُمْ (جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ)، أوْ بَاشَرْتُمُ النِّسَاءَ، وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً لِتَغْتَسِلُوا وَتَتَوضَّؤُوا فَتَيَمَّمُوا مَا صَعدَ عَلى سَطْحِ الأرْضِ مِنْ تُرَابٍ طَاهِرٍ (طَيِّبٍ) فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأيْدِيكُمْ مِنْهُ، وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يُيَسِّرَ الأمْرَ عَلَيْكُمْ، وَلاَ يُحْرِجَكُمْ فِي أمُورِ دِينِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكُمْ، وَأَنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، فَيَجْمَعَ لَكُمْ بَيْنَ طَهَارَةِ الأَبْدَانِ وَطَهَارَةِ الرُّوحِ، لِيُعِدَّكُمْ بِذَلِكَ لِدَوَامِ شُكْرِهِ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَعَلَى مَا يَسَّرَهُ لَكُمْ. الغَائِطِ - مَكَانَ قَضَاءِ الحَاجَةِ. لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ - وَاقَعْتُمُوهُنَّ أوْ مَسَسْتُمْ بَشَرَتَهُنَّ. صَعِيداً طَيِّباً - تُرَاباً طَاهِراً. حَرَجٍ - ضِيقٍ فِي دِينِهِ.
الثعلبي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} الآية، أمر اللّه تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة. واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هذا من العام الذي أريد به الخاص. والمجمل الذي وكل بيانه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومعنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، يدلّ عليه ما روي عن عكرمة إنه سأل عن هذه الآية قال: أو كلّ ساعة أتوضأ؟ فقال: إن ابن عباس قال: لا وضوء إلاّ من حدث. وقال الفضل بن المبشر: رأيت جابر بن عبد اللّه يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد. فإن بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل مائه الخفين. فقيل: أي شيء تصنعه برأيك؟ فقال: بل رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصنعه وأنا أصنع كما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصنع. وروى محارب بن دثار عن ابن عمر حديث : أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد . تفسير : وقال المسوّر بن مخرمة لابن عباس: هل لك في عبيد بن عمير إذا سمع النداء خرج من المسجد. فقال ابن عباس: هكذا يصنع الشيطان، فدعاه فقال: ما يحملك على ما تصنع إذا سمعت النداء خرجت وتوضأت، قال إن اللّه عز وجل يقول: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}...الآية. قال: ليس هذا إذا توضأت فإنك على طهر حتّى تحدث، ثم قال: هكذا يصنع الشيطان إذا سمع النداء ولّى وله ضراط. وروى الأعمش عن عمارة قال: كان للأسود قعب قد ري رجل وكان يتوضأ به ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها. وقال زيد بن أسلم والسّدي: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، وقال بعضهم: أراد بذلك كل قيام العبد إلى صلاته أن يجدّد لها طهراً على طريق الندب والاستحباب، قال عكرمة: كان علي يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}. عن أبي عفيف الهذلي إنه رأى ابن عمر يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أسنّة هذا الوضوء؟ قال: إنه كان كافياً وضوئي للصلاة كلها مالم أُحدث ولكني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من توضأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات" تفسير : ففي ذلك رغبت يا ابن أخي. وقال بعضهم: بل كان هذا أمراً من اللّه عز وجل لنبيه وللمؤمنين حتماً وامتحاناً أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ للتخفيف. وقال محمد بن يحيى بن جبل الأنصاري قلت: لعبيد اللّه بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد اللّه لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمّن هو؟ قال: حدّثتنيه أسماء بنت زيد الخطاب أن عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيلي حدثها أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأُمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلاّ من حدث، وكان عبد اللّه يرى أن به قوّة عليه فكان يتوضأ. وروى سليمان بن بريد عن أبيه حديث : أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكّة صلّى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، فقال عمر (رضي الله عنه): إنك تفعل شيئاً لم تكن تفعله قال: "عمداً فعلته يا عمر ". تفسير : وقال بعضهم: هذا إعلام من اللّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلاّ إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال. وذلك إنه إذا كان أحدث امتنع من الأعمال كلها حتّى يتوضأ فأذن اللّه عز وجل بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث غير الصلاة. وروى عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد اللّه بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: حديث : كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ لوضوء الصلاة حتّى نزلت آية الرخصة {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} . تفسير : وحّد الوجه من منابت شعر الرأس إلى طرف الذقن طولاً، وما بين الأُذنين عرضاً، فأما ما استرسل من اللحية عن الذقن؛ فللشافعي هنا قولان: أحدهما: أنه لا يجب على المتوضىء غسله، وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني، واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يُحكم بِحُكم الرأس. وكذلك من الوجه. والثاني: أنه يجب غسله، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية، لأن الوجه ما يواجه به، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر. ومن الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته. {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين. فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين في الوضوء، وإلى هاهنا بمعنى الحدّ والغاية، ثم استدلوا بقوله تعالى {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} تفسير : [البقرة: 187] والليل غير داخل في الصوم، وقال سائر الفقهاء: يجب غسلهما و(إلى) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2] وقوله {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125] وقوله {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52]. {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس. فقال مالك والمزني: مسح جميع الرأس في الوضوء واجب. وجعلوا الباء بمعنى التعميم، كقوله عز وجل {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} [المائدة: 6] وقوله {أية : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 29]. وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب. أبو يوسف: نصف الرأس، الشافعي: يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحاً أجزأه، واحتج بقوله {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}، وله في هذه الآية دليلان، أحدهما: مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [اللسان] ماسحاً رأسه. فصار مؤدياً فرض الأمر. والثاني: إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس {فامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل إذا تعدى إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، كقول القائل: مسحت يدي بالمنديل وإن كان مسح ببعضه. قال عنترة: شعر : شربت بماء الدحرضين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم تفسير : ويدل عليه من السنة ما روى عمرو بن وهب النقعي عن المغيرة بن شعبة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفّيهتفسير : ، فاقتصر في المسح على الناصية دون سائر الرأس. {وَأَرْجُلَكُمْ} اختلف القرّاء فيه، فقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ومجاهد، وإبراهيم التميمي وأبو وائل، والأعمش، والضحّاك وعبدالله بن عامر، وعامر ونافع، والكسائي وحفص وسلام ويعقوب: (وأرجلكم) بالنصب وهي قراءة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). وروى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال: قرأ عليّ الحسن والحسين فقرأا: وأرجلَكم بالخفض، فسمع عليّ ذلك وكان يقضي بين الناس، فقال: وأرجلِكم بالنصب، وقال: هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. وقراءة عبد اللّه وأصحابه. قال الأعمش: كان أصحاب عبد اللّه يقرؤن: وأرجلكم نصباً فيغسلون. وقراءة ابن عباس، روى عكرمة عنه أنه قرأها: وأرجلكم بالنصب وقال: عاد الأمر إلى الغسل وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالكسر، وهي قراءة أنس والحسن وعلقمة والشعبي، واختيار أبي حاتم، فمن نصب فمعناه واغسلوا أرجلَكم، ومن خفض فله وجوه ثلاث: أحدها أن المسح يعني الغسل والباء بمعنى التعميم، يقول تمسّحت للصلاة أي توضأت، وذلك أن المتوضىء لا يرضى أن يصيب وجهه وذراعيه وقدميه حتّى يمسحها فيغسلها فلذلك سمي الغسل بها، وهذا قول أبي زيد الأنصاري وأبي حاتم السجستاني. وقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما: إن الأرجل معطوفة على الرؤس على الإتباع بالجواز لفظاً لا معنى. كقول العرب (جحر ضب خرب) قال تعالى {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} تفسير : [النساء: 75]. قال الشاعر: شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : والرمح لا يتقلد إنّما يحمل. وقال لبيد: شعر : وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها تفسير : والنعام لا تطفل وإنما تفرخ. وقال بعضهم: أراد به المسح على الأرجل لقرب الجوار. كقوله: غمر الردا أي واسع الصدر. ويقال: قبّلَ رأس الأمير ويده ورجله، وإن كان في العمامة رأسها وفي الكم يده وفي الخف رجله. وفي الحديث حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يده على ركبتيهتفسير : . وليس المراد إنه لم يكن بينهما حائل. قال اللّه تعالى: {أية : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} تفسير : [المدثر: 4] قال كثير من المفسرين: أراد به قلبك فطهر. قال همام بن الحرث: بال جرير بن عبد اللّه فتوضأ ومسح على خفيه فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفعله. قال الأعمش: كان إبراهيم يعجبه هذا الحديث، وهو أن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وأجرى قوم من العلماء الآية على ظاهرها، وأجازوا المسح على القدمين، وهو قول ابن عباس قال: الوضوء مسحتان وغسلتان. وقول أنس: روى ابن عليّة عن حميد عن موسى بن أنس إنه قال لأنس ونحن عنده: إن الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال: إغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤسكم، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وكعبهما وعراقيبهما. فقال: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما. وروى حماد عن عاصم الأحول عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسّنة بالغسل. وقول الحسن والشعبي، قال الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال: ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً. وقول عكرمة قال يونس: حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه إنما كان يمسح عليهما حتى خرج منها. وقول قتادة قال: إفترض اللّه غسلين ومسحين، ومذهب داود بن علي الأصفهاني ومحمد ابن جرير الطبري وأبي يعلى وذهب بعضهم إلى إن المتوضىء يتخير بين غسلهما ومسحهما، والدليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء قول اللّه عز وجل: {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} فتحديده بالكعبين دليل على الغسل كاليدين لما حدّهما إلى المرفقين كان فرضهما الغسل دون المسح. ويدل عليه من السّنة ما روي عن عثمان وعلي وأبي هريرة وعبد اللّه بن زيد إنهم حكوا وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فغسلوا أرجلهم. وروى خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يقبل اللّه صلاة إمرىء حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل أرجله ". تفسير : وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر أنه قال: أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نغسل أرجلنا إذا توضأنا. وقال ابن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على وجوب غسل الرجلين. أبو يحيى عن عبد اللّه بن عمرو قال: حديث : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قوم عراقيبهم تلوح فقال: "أسبغوا الوضوء ويل للعراقيب من النار ". تفسير : وقال حميد الطويل: حديث : رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أعمى يتوضأ فقال: "إغسل باطن قدميك" فجعل يغسل حتّى سمّي أبا غسيل ". تفسير : روى أبو قلابة أن عمر (رضي الله عنه) رأى رجلاً يتوضأ فترك باطن قدميه فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. وقالت عائشة رضي اللّه عنها: لإن تقطعا أحبّ إلّي من أن أمسح على القدمين بغير خفين إلى الكعبين. وهما النابتان من جانبي الرجل ومجمع مفصل الساق والقدم. وسمّتهما العرب المنجمين، وعليهما الغسل كالمرفقين، هذا مذهب الفقهاء وخالفهم محمد بن الحسن في الكعب فقال: هو الناتىء من ظهر القدم الذي يجري عليه الشراك. قال: وسمي ذلك لارتفاعه ومنه الكعبة. ودليلنا قوله تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} فجمع الأرجل وثنّى الكعبين فلو كان لكل رجل كعب واحد لجمعهما في الذِكر كالمرافق لما كان في كل يد مرفق واحد، بجمع المرافق فلما جمع الأرجل وثنّى الكعبين ثبت أن لكل رِجل كعبين ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم للمحرم: "حديث : فليلبس النعلين فإن لم يجد النعلين فليلبس [خفّين] وليقطعهما أسفل من الكعبين ". تفسير : فدلّ على أن الكعبين ما قلنا، إذ لو كان الكعب هو الناتىء من ظهر القدم لكان إذا قُطع الخف من أسفله لم يكن استعماله ولا المشي فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بإضاعة المال وإتلافه. ويدل عليه ما روي أيضاً حديث : عنه صلى الله عليه وسلم إنه مرّ في سوق مكّة يقول: "قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا". وأبو لهب يرميه من ورائه بالحجارة حتّى أدمى كعبيه . تفسير : فلو كان ما ذهب إليه محمد بن الحسن، ما قيل: حتى أُدمي، إذ رميت من ورائه. ويدل عليه ما روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أقيموا صفوفكم أو ليخالفنّ اللّه بين قلوبكم"تفسير : ، حتّى كان الرجل منّا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه، فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويل للأعقاب والعراقيب من النار" تفسير : أصل الأعقاب والعراقيب إنما يحصل لمن غسل المنجمين. وروى أبو إدريس عن أبي ذر عن عليّ كرم اللّه وجهه قال: حديث : بينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ملإ من المهاجرين إذ أقبل إليه عشرة من أحبار اليهود فقالوا: يا محمد إنا أتيناك لنسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ من كان نبيّاً مرسلا وملكاً مقرّباً. فقال صلى الله عليه وسلم "سلوني تفقهاً ولا تسألوني تعنّتاً" فقالوا: يا محمد أخبرنا لِمَ أمر اللّه بغسل هذه الأربعة المواضع وهي أنظف المساجد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنّ آدم لمّا نظر إلى الشجرة قصد إليها بوجهه ثم مشى إليها وهي أوّل قدم مشت إلى المعصية ثمّ تناول بيده وشمّها فأكل منها فسقطت عنه الحلي والحلل فوضع يده الخاطئة على رأسه فأمر اللّه عز وجل بغسل الوجه لما أنه نظر إلى الشجرة وقصدها وأمر بغسل الساعدين وغسل يده وأمر بمسح رأسه، إبتلته الشجرة ووضع يده على رأسه وأمر بغسل القدمين لما مشى إلى الخطيئة فلمّا فعل آدم ذلك كفّر اللّه عنه الخطيئة فافترضهنّ اللّه على أمتي ليكفّر ذنوبهم من الوضوء إلى الوضوء". قالوا: صدقت، فأسلموا . تفسير : فاختلف الفقهاء في حكم الروايات المذكورة في الآية. فجعلوها بمعنى الترتيب والتعقيب وأوجبوا الترتيب في الوضوء وهو أن يأتي بأفعال الوضوء تباعاً واحداً بعد واحد. فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه، وهو اختيار الشافعي، فاحتج بقوله {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 158]. قال جابر بن عبد اللّه:خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحج وذكر الحديث إلى أن قال: حديث : فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى الصفا وقال: "إبدأوا بما بدأ اللّه به" تفسير : فدّل هذا على شيئين: أحدهما: أن الواو يوجب الترتيب، والثاني أن البداية باللفظ توجب البداية بالفعل إلاّ أن يقوم الدليل. واحتج أيضاً بقوله {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ}تفسير : [الحج: 77] فالركوع قبل السجود، واحتج أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقبل اللّه صلاة امرىء حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه"تفسير : . و(ثم) في كلام العرب للتعقيب. عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه إنه قال لعبد اللّه بن زيد الأنصاري قال: أتستطيع أن تري كيف كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد اللّه: نعم، فدعا بوضوء وأفرغ على يديه فغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثمّ ذهب بهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. وقال مالك: إن ترك الترتيب في الوضوء عامداً، أعاد وضوءه فإن تركه ناسياً لم يعد، وهو اختيار المزني. وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وصاحباه: الترتيب في الوضوء سنّة فإن تركه ساهياً أو عامداً فلا إعادة عليه، وجعلوا الواو بمعنى الجمع، واحتجوا بقوله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} تفسير : [التوبة: 60] ولا خلاف أن تقديم بعض أهل السهمين على بعض في الإعطاء بتمايز. وبقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 56]. ويحرم تقديم أحدهما على الآخر. وأما فضل الوضوء فروى يحيى بن أبي كثير عن زيد عن ابن سلام عن أبي مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطهور شطر الإيمان ". تفسير : وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد "حديث : عن عثمان النهدي قال: كنت مع سلمان فأخذ غصناً من شجرة يابسة فحتّه ثم قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ فأحسن الوضوء (ثمّ صلى الصلوات الخمس) تحاتّت عنه خطاياه كما تحات هذه الورق ". تفسير : وروى زر بن حبيش عن عبد اللّه بن مسعود قال: حديث : قيل: يا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كيف تعرف من لم تر من أمتك يوم القيامة؟ قال: "هم غر محجلون من آثار الوضوء ". تفسير : وروى أبو أمامة عن عمرو بن عبسة قال: حديث : قلت: يا رسول اللّه ما الوضوء حدّثني عنه؟ قال: "ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق وينثر إلاّ جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ثم إذا غسل وجهه كما أمر اللّه إلاّ جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم إذا غسل يديه من المرفقين إلاّ جرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلاّ جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلاّ جرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام فصلّى وحَمِدَ اللّه وأثنى عليه ومجّده وفرّغ قلبه للّه إلاّ انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أُمه ". حديث : وعن أنس بن مالك قال: خدمت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين وكان أول ما علّمني أن قال: "يا أنس يا بني أحسن وضوءك لصلاتك يحبك اللّه ويزاد في عمرك ". تفسير : وروى سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن حمزة الأنصاري قال: حديث : خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونحن في مسجد المدينة فقال: "لقد رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أُمتي قد بُسِطَ عليه عذاب القبر فجاء وضوؤه فاستنقذه من ذلك ". تفسير : {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} فاغتسلوا. روى أبو ذر عن علي (عليه السلام) فقال: حديث : أقبل عشرة من أحبار اليهود، فقالوا: يا محمد لماذا أمر اللّه بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنّ آدم لما أكل من الشجرة تحوّل في عروقه وشعره، وإذا جامع الإنسان نزل من أصل كل شعرة فافترضه اللّه عز وجل عليّ وعلى أمتي تكفيراً وتطهيراً وشكراً لِما أنعم عليهم من اللذة التي يصيبونها منه". قالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا بثواب ذلك من اغتسل من الحلال، فقال صلى الله عليه وسلم "إنّ المؤمن إذا أراد أن يغتسل من الحلال بنى اللّه له قصراً في الجنّة وهو سرّ بين المؤمن وبين ربه، والمنافق لا يغتسل من الجنابة فما من عبد ولا أمة من أمتي قاما للغسل من الجنابة تيقناً أني ربهما، أُشهدكم أني غفرت لهما كتبت لهما بكل شعرة على رأسه وجسده ألف [سنة] ومحى عنه مثل ذلك ورفع له مثل ذلك". قالوا: صدقت، نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّك رسول اللّه . حديث : وعن أبي محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "يا بني الغسل من الجنابة فبالغ فيه فإنّ تحت كلّ شعرة جنابة". قلت: يا رسول اللّه كيف أبالغ؟ قال: "نقّوا أصول الشعر وأنق بشرتك تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ذنب ". حديث : وقال عبد الرحمن بن حمزة: خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة. فقال: "إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أُمتي والنبيون قعود حلقاً حلقاً كلما دنا إلى حلقه طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة [فأخذ بيده] فأقعده إلى جنبي ". تفسير : {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} إلى قوله {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} أي من الصعيد {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم} بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم {مِّنْ حَرَجٍ} من ضيق {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} فيما أباح اللّه لكم من التيمم عند عدم الماء وسائر نعمه التي لا تحصى {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} اللّه عليها. وروى محمد بن كعب القرضي عن عبد اللّه بن داره مولى عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) عن عمران مولى عثمان قال:مرّت على عثمان فخارة من ماء فدعا به فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم قال: لو لم أسمعه من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلاّ مرّة أو مرّتين أو ثلاثاً ما حدّثتكم به. سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : ما توضّأ عبد فأسبغ وضوءه ثم قام إلى الصلاة إلاّ غفر (الله) له ما بينه وبين الصلاة الأخرى ". تفسير : قال محمد بن كعب: فكنت إذا سمعت الحديث من رجل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التمسته في القرآن فالتمست هذا في القرآن فوجدته {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}تفسير : [الفتح: 1-2] فعلمت أن اللّه لم يتم عليه النعمة حتّى غفر له ذنوبه. ثم قرأت الآية التي في المائدة {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} حتّى بلغ قوله {يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} فعرفت أنّ اللّه لم يتم عليهم النعمة حتى غفر لهم. قتادة عن شهر بن حوشب عن الصّدي بن عجلان وهو أبو إمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: "حديث : الطهور يكفر ما قبله [ثمّ] تصير الصلاة نافلة ". تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} يعني النعم كلها {وَمِيثَاقَهُ} عهده {ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} عاهدتم به أيها المؤمنون {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وذلك حين بايعوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا. هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: من الميثاق الذي أخذ اللّه على عباده حين أخرجهم من صلب آدم (عليه السلام) {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} عليم ما في القلوب من خير وشر {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} أمرهم بالصدق والعدل في أقوالهم وأفعالهم {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} ولا يحملنكم بغض قوم {عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} أي على ترك العدل فيهم لعداوتهم، ثم قال: {ٱعْدِلُواْ} بين أوليائكم وأعدائكم {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} يعني إلى التقوى { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ} عالم {بِمَا تَعْمَلُونَ} مجازيكم به {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تقديرها: وقال لهم مغفرة، لأنّ الوعد قول، فلذلك جمع الكلام {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبحانه يأمرنا بوضوح محدد: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فلا بد لكم من تنفيذ عملية الوضوء. وتتعرض الآية إلى الأركان الأساسية في الوضوء. وقد يلتبس الأمر على بعض الناس ولا يستطيع أن يميز بين سنن الوضوء وأركان الوضوء؛ لأن السنن تقتضي أن يغسل الإنسان يديه ثم يتمضمض، ثم يستنشق الماء وهكذا. هذه هي السنن التي تمتزج بالأركان الأساسية للوضوء. ويبدأ الحق أركان الوضوء الأساسية بقوله: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} والغسل يتطلب إسالة الماء على العضو وأن يقطر منه الماء بعد ذلك. والمسح هو اللمس بالماء ليصيب العضو ولا يتقطر منه الماء؛ إنه مجرد بلولة بالماء. والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم في هذه الآية عن الوضوء، تكلم عن أشياء تُغسل وعن شيء يُمسح. فالأمر بالغسل يشمل الوجه واليدين إلى المرافق والرجلين إلى الكعبين. والأمر بالمسح يشمل بعض الرأس. والغسل قد يكفي مرة أو اثنتين أو ثلاثا ليتأكد الإنسان تماما من الغسل، ولكن إذا كانت المياه قليلة فيكفي أن يغسل الأجزاء المطلوبة مرة وأن يتأكد أنه قد غسل المساحات المطلوبة. إن الزيادة على المرة الواحدة إلا ثلاث مرات أمر مسنون لا واجب وغسل الوجه معروف تماما للجميع، فالوجه هو ما به المواجهة. والمواجهة تكون من منبت الشعر إلى الذقن، وتحت منتهى لحييه وهما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى، هذا في الطول، وفي العرض يشمل الوجه ما بين شحمتي الأذنين. ولا أحد يختلف في تحديد الوجه، ولذلك أطلق الحق الوجه ولم يعينه بغاية، فلم يقل: اغسل وجهك من كذا إلى كذا؛ ولكنه أمر بغسل الوجه، فلا اختلاف في مدلول الوجه لدى الجميع. والكل متفق عليه، هذا إذا ما بدأنا بالفروض الأساسية. لكن إذا ما بدأنا بالسنن فنحن نغسل الكفين إلى الرسغين أولا ثم نتمضمض ونستنشق. وبعض العارفين بالله يقول عن هذه المقدمات التي هي من السنن: إنها لم تأت اعتباطا؛ لأن تعريف الماء هو: السائل الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة، وإن تغير أي وصف من هذه الأوصاف يكون السائل قد خرج عن المائية. فساعة تأخذ الماء بيديك ستطمئن على لون الماء، وتعرف أنه لا لون له، وعندما تتمضمض فأنت تطمئن إلى أنه لا طعم له؛ وعندما تستنشق فأنت تطمئن على أن الماء لا رائحة له، وبذلك تطمئن إلى أن الماء الذي تستعمله في الوضوء يكون قد استوفى الأوصاف قبل أن تبدأ في عمل المطلوب من أركان الوضوء التي يطلبها الله، والسنة تقدمت هنا على الأركان لحكمة هي أن توفر للإنسان الثقة في الماء الذي يتوضأ منه. وبعد ذلك يغسل الإنسان الوجه من منابت شعر الرأس وتحت منتهى لحييه وذلك طولا وما بين شحمتي الأذنين عرضًا. وبعد غسل الوجه قال الحق: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} وميز الحق هنا الأيدي بتحديد المساحة المطلوب غسلها بأنها إلى المرافق، أي أنه زاد غاية لم توجد في الوجه، ولكن جاء الأمر بغسل اليدين إلى المرافق؛ لأن اليد تطلق في اللغة ويراد بها الكف، مثال ذلك في حكم الحق على السارق والسارقة: {أية : فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38] وتطلق اليد أيضا ويراد بها الكف والساعد إلى المرفق. وتطلق اليد أيضا ويراد بها إلى الكتف. فلليد ثلاث إطلاقات. ولو أن الحق قد أمر بغسل اليد ولم يحدد الغسل بـ "إلى المرافق" لغسل البعض كفيه فقط، وغسل البعض يديه إلى المرافق، ولغسل البعض يديه إلى الكتفين؛ ولأن الحق يريد غسل اليد على وجه واحد محدد؛ لذلك قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}. إذن فساعة يريد الحق شيئا محددا، فهو يأتي بالأسلوب الذي يحدده تحديدا يقطع الاجتهاد في هذا الشيء. وكلمة "إلى" تحدد لنا الغاية، كما أن "مِن" تحدد الابتداء، ولكن هل تدخل الغاية هنا أم لا؟ هل تدخل المرافق في الغسل أم لا؟ إن "إلى" قد تدخل الغاية ومرة أخرى لا تدخل الغاية. فمثال إدخالها الغاية قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1] هل أسرى الحق برسوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ولم يدخله؟ لا أحد يعقل ذلك. إن "إلى" هنا تقتضي أن تدخل الغاية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ذهب إلى المسجد الأقصى بمراد الإسراء إليه والدخول والصلاة فيه. ويقول سبحانه: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} تفسير : [البقرة: 187] فهل يدخل الليل في الصيام؟ لا، لأننا لو أدخلنا الليل في الصوم لصار في الصيام وصالٌ أي نصل الليل بالنهار صائمين. إذن فمع "إلى" تجد الغاية تدخل مرة، وتجدها لا تدخل مرة أخرى. واختلف بعض العلماء حول المرفق هل يدخل في الغسل أو لا؟ وصار في عموم الاتفاق أن يدخل المرفق في الغسل احتياطيا؛ لأن أحداً لا يستطيع تحديد المرفق من أين وإلى أين. ونعرف أن هناك احتياطات للتعقل، فمرة نحتاط بالاتساع ومرة نحتاط بالتضييق. مثال ذلك عندما نصلي في البيت الحرام. ونحن نعرف أن الكعبة بناء واضح الجدران، وبجانب جدار من جدران الكعبة يوجد الحطيم وهو حجر إسماعيل وهو جزء من الكعبة يحيطه قوس. وعندما يصلي إنسان حول الكعبة، هل يتجه إلى الحطيم أم إلى بناء الكعبة؛ لأنه مقطوع بكعبيته، والاحتياط هنا احتياط بالنقص، فنتوجه إلى الكعبة وهي البناء العالي فقط، ولكن عند الطواف. فإننا نطوف حول الكعبة والحطيم، أي أن الاحتياط هنا يكون بالزيادة؛ لأننا إذا ما طفنا حتى من وراء المسجد فهو طواف حول البيت الحرام. إذن فالاحتياط يكون مرة بالنقص ومرة يكون بالزيادة. وفي مجال الوضوء يكون غسل المرافق هو احتياط بالزيادة؛ ذلك أن "إلى" تكون الغاية بها مرة داخلة، ومرة تكون الغاية بها غير داخلة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} الأسلوب هنا يختلف؛ فالمطلوب هو المسح. كان المطلوب أولاً هو الغسل للوجه على اطلاقه؛ لأنه لا خلاف على الوجه، ثم غسل اليدين إلى المرافق، وتم تحديد الغاية لأن الحق يريد الغسل لليدين على لون يقطع الجدل والاجتهاد فيه. ولو قال الحق: " امسحوا رءوسكم" مثلما قال: "اغسلوا وجوهكم" لما كان هناك خلاف. لكن لو قال: "امسحوا بعض رؤوسكم" فهل يوجد خلاف؟ نعم فذلك البعض لم يحدد. ولو قال: "امسحوا ربع رءوسكم" فهل يوجد خلاف؟ نعم قد يوجد خلاف لأن تحديد الربع عسير وشاق. لماذا إذن اختار الحق هنا هذا الأسلوب {ٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} مع أن في الآية أساليب كثيرة، منها أسلوب مجرد عن الغاية، وأسلوب موجود به الغاية، وهذا الأسلوب لا هو مجرد ولا هو موجود به الغاية؟ وقال الحق: {ٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} ولنا أن نبحث عن كيفية استعمال حرف (الباء) التي تسبق "رءوسكم". إن "الباء" في اللغة تأتي بمعان كثيرة. قال ابن مالك في الألفية: شعر : بالباء استعن وعد عوض الصق ومثل "مع" و"من" و"عن" بها انطق تفسير : ومقصود بها أن تعطي الحرية للمشرع؛ لأن الباء تأتي لمعان كثيرة، للاستعانة مثل: كتبت بالقلم، ولتعدية الفعل اللازم نحو: ذهبت بالمريض إلى الطبيب، وللتعويض مثل: اشتريت القلم بعشرين جنيها، والالتصاق نحو: مررت بخالد، وتأتي بمعنى "مع" مثل: بعتك البيت بأثاثه أي مع أثاثه، وبمعنى "من" مثل: شرب بماء النيل أي من ماء النيل، وبمعنى "عن" مثل قوله تعالى {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}، وتأتي أيضا للظرفية نحو: ذهبت إلى فلان بالليل أي في الليل، وتكون السببية نحو: باجتهاد محمد منح الجائزة أي بسبب اجتهاده، إلى غير ذلك من المصاحبة نحو: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي سبح مصاحبا حمد ربك. إن الذي يقول: امسحوا بعض رءوسكم ولو شعرة، فهذا أمر يصلح ويكفي وتسعفه الباء لغة، والمسح يقتضي الإلصاق، والآلة الماسحة هي اليد. وهناك من يقول: نأخذ على قدر الأداة الماسحة وهي اليد أي مسح مقدار ربع الرأس. إذن كل حكم من هذه الأحكام يصلح لتمام تنفيذ حكم مسح الرأس، ولو أن الله يريدها على لون واحد لأوضح ما أراد، فإن أراد كل الرأس لقال: "امسحوا رءوسكم" كما قال: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}، وإن كان يريد غاية محددة، لحدد كما حدد غسل اليدين إلى المرفقين. ومادام سبحانه قد جاء بالباء، والباء في اللغة تحتمل معاني كثيرة؛ لذلك فمن ذهب إلى واحدة منها تكفي، لأن أي غاية محتملة بالباء أمر صحيح. والأمر هنا أن يتفهم كل منفذ لحكم محتمل ألا يُخَطِّئَ الحكم الآخر. بل عليه أن يقول: هذا هو مقدار فهمي لحكم الله. والله ترك لنا أن نفهم بمدلول الباء كما أرادها في اللغة. وقد خلقك الحق أيها الإنسان مقهورا لأشياء لا قدرة لك فيها؛ كحركة الجوارح، وكالأشياء التي تصيب الإنسان كالموت. إن هناك أشياء أنت مخير فيها، ولذلك كان تكليف الحق لك مبنيا على هذا؛ ففي أشياء يقول لك: "افعل كذا" أو "لا تفعل كذا" وفي أشياء أخرى يترك لك حرية التصرف في أدائها. وذلك حتى يتسق التكليف مع طبيعة التكوين الإنساني. فلم يَصُب الله الإنسان في قالب حديدي. ولنا في سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة؛ هذا الرسول الذي أوكل إليه الحق إيضاح كل ما غمض من أمور الدين؛ فقال له الحق: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 44] وحينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين في غزوة الأحزاب التي قال عنها الحق: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} تفسير : [الأحزاب: 11] هذه المعركة كانت قاسية، حرك الحق فيها الريح وتفرق فيها أعداء الإسلام، وصرف الحق الأحزاب ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وكان من المفروض أن يرتاح المؤمنون المقاتلون. لكن قبل أن يخلعوا ملابس الحرب جاء جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أَوَ قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم: فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فـ (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا فأذن في الناس: "لا يصلين أحدٌ العصرَ إلا في بني قُريظة فأدرك بَعْضِهُّم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي العصرَ حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يُردْ منا ذلك فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعَنِّف أحدًا منهم". هي مسألة كبرى إذن. والتزاما بأمر النبوة خرج الصحابة إلى مواقع بني قريظة. وكادت الشمس تغرب وهم في الطريق؛ وانقسموا إلى قسمين؛ قسم قال: ستغيب الشمس ولم نصل العصر فلنصله قبل أن تغيب الشمس. وقال القسم الثاني: لقد أمرنا النبي ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة، ولن نصليه إلا هناك وإن غابت الشمس. وصلى القسم الأول ولم يصل القسم الثاني. وعندما ذهبوا إلى المشرع وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا له الأمر لم يعب على أي جانب منهم شيئا، وأقر هذا وأقر ذاك. وتلك فطنة النبوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن كل حدث من الأحداث يتطلب زمانا ويتطلب مكانا، والذين صلوا نظروا إلى عنصرية الزمن، وخافوا أن تغيب الشمس قبل ذلك. والذين لم يصلوا نظروا إلى عنصرية المكان فلم يصلوا العصر إلا في مواقع بني قريظة. وأقر رسول الله الأمرين معا. إن هذا يدلنا على أن هناك أشياء يتركها الحق قصدا دون تحديد قاطع لأنه يحبها على أي لون، مثال ذلك أن فعل من يمسح ربع رأسه في الوضوء جائز، وفعل من يمسح رأسه كلها جائز، وجاء الحق بالباء الصالحة لأي وجه من وجوه مسح الرأس، وكذلك شأن الخلافات في الأمور الاجتهادية. وإذا كانت القاعدة الشرعية تقول: "لا اجتهاد مع النص" فهذا لا يكون إلا مع النص الذي لا يحتمل الاجتهاد. وليس كل التشريع هكذا؛ لأنه سبحانه أوضح ما لا يحتمل الاجتهاد، وأوضح ما يحتمل الاجتهاد؛ وحينما كلف الله عبده الإنسان بتكليفات، إنما كلفه بما يتناسب وتكوينه، وكما أن تكوين الإنسان فيه أشياء هو مقهور عليها. فهناك الأحكام التي لا اختيار له فيها، وهناك أمور اختيارية، وما وصل إليه المجتهد هو حق وصواب يحتمل الخطأ، وما وصل إليه غيره خطأ يحتمل الحق والصواب. وكل ما وصل إليه طرف من الاجتهاد حق لأن النبي صلى الله عليه وسلم صوّب من صلى العصر قبل أن يصل إلى أرض بني قريظة، وصوب كذلك من صلى العصر بعد أن وصل إلى مواقع بني قريظة. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتبر فعل كل فريق منهما صوابا. ويقول الحق من بعد الأمر بمسح الرأس: "وأرجلكم". وكان سياق النص يقتضي كسر اللام في "أرجلكم" ولكن الحق جاء بالأرجل معطوفة على غسل الوجه واليدين. وغير معطوفة على "برءوسكم" وهذا يعني أن الرجلين لا تدخلان في حيز المسح؛ إنما تدخلان في حيز الغسل. ونبه الحق بالحركة الإعرابية على أنها ليست معطوفة على الجزء المصرح بمسحه، ولكنَّها معطوفة على الأعضاء المطلوب غسلها. ولم يأت الحق بالممسوح في جانب والمغسول في جانب ليدل على أن الترتيب في هذه الأركان أمر تعبدي وإلا لجاء بالمغسول معا والممسوح معا، ويحدد الحق أيضا غسل الرجلين إلى الكعبين: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}. والرجل تطلق على القدم، وتطلق على القدم والساق إلى أصل الفخذ. ويريد سبحانه غسل الرجلين محدودا إلى الكعبين. وحتى نعلم أن هذه مسائل تعبدية؛ عرفنا أن اليد تطلق على الكف، ومن أطراف الأصابع إلى الكتف يطلق عليه "يد" أيضا، والمرفق في اليد هو الحد الوسط، و"الكعبين" هو الحد الأول في الساق؛ لأن الوسط بعد الساق هو الركبة. إذن. ترتيب المسألة في اليدين كف وساعد وعضد؛ والمرفق في وسط اليد، وفي الرجلين يقف الأمر عند الحد الأول وهو الكعبان. هي - إذن - مسألة تعبدية وليست مسألة قياسية. ويبين الحق لنا أنه إذا أراد أمراً بدقة فهو يحدده بلا تدخل أو خلاف. أما إذا جاء بأمر غير واضح فهو إِذْنٌ منه سبحانه أن نجتهد فيه لنشعر أن لنا بعض الاختيار في بعض ما تعبدنا الله به، وكله داخل في مرادات الله؛ لأن إيراد النص - شاملا - لكل المفهومات هو إِذْنٌ بهذا المفهوم وإِذْنٌ بذلك المفهوم. {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}. إنّ الوضوء شرع لغير الجنب. أي أنه لمن يُحْدِثُ حدثا أصغر. وهناك فرق بين إخراج ما ينقض الوضوء وهو ما يؤذي، وبين إخراج ما يُمتع، فإنزال المني أو حدوث الجماع يقتضي الطهارة بالاغتسال. ونعلم أن الإنسان حين يستمتع بطعام؛ أو يستمتع برائحة، أو بأي شيء هو محدود بوسيلة الاستمتاع به، أما الاستمتاع بالجماع فلا يعرف أحد بأي عضو أدرك لذته. وهي مسألة معقدة إلى الآن. ولا يعرف أحد كيف تحدث، مما يدل على أن جميع ذرات التكوين الإنساني مشتركة فيها. ومادام الأمر كذلك فالطهور يقتضي أن يغسل الإنسان كل جسمه: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}. وقد يقول قائل: أليست "لامستم النساء" كالجنابة؟ ونقول: إن الذي يجيء هنا هو حكم ثان يوضح لنا ما ينوب عن المياه، لأن الحق يرتب لِعبادة لا تسقط عن المكلف أبداً؛ لذلك لن يكلفه بشيء قد لا يجده، فقد لا يجد الإنسان المياه، وعليه إذن بالتيمم؛ لأن الصلاة عبادة لا تسقط أبدا عن المكلف حتى في حالة مرضه الذي لا يستطيع أن يحرك معه أي عضو من جسمه، هنا يسمح سبحانه للمريض أن يصلي جالسا، أو مستلقيا أو يصلي بالإيماء برأسه، أو يصلِّي بأهداب عينيه، وحتى مريض الشلل عليه إجراء خواطر الصلاة وأركانها على قلبه؛ لأن فرض الصلاة عبادة لا تسقط أبدا عن الإنسان مادام فيه عقل. إننا نعرف أن الصلاة هي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي يتطلب الاستدامة، فيكفي المرء أن يقول الشهادة مرة واحدة في العمر، ويسقط الصوم عن الإنسان إن كان مريضا، ويطعم غيره، أو يؤديه في أوقات أخرى إن كان مريضا مرضا مؤقتا أو على سفر. وقد لا يؤدي الإنسان الزكاة لأنه فقير، وكذلك الحج لا يجب على من لم يملك الاستطاعة من مال أو عافية، ولا تبقى من أركان الإسلام غير الصلاة فإنها لا تسقط أبداً. إن عظمة الصلاة توضحها كيفية تشريعها؛ لأن تشريعات أركان الإسلام كانت بالوحي، أما تشريع الصلاة فقد جاء وحده بالمباشرة ولم يقل الله لجبريل: "قل للنبي التكليف بالصلاة". بل استدعى الله النبي صلى الله عليه وسلم إليه وكلفه بالصلاة. وقلنا من قبل - ولله المثل الأعلى - حين يريد الإنسان أن يقدم أمراً لمرءوسيه، فالموضوع قد يأخذ دوره في الأوراق اليومية التي تنزل منه إليهم. أما إذا كان الموضوع مُهمَّا فهو يتصل بالقائد التنفيذي للمرءوسين ويوضح مدى أهمية الموضوع، أما إذا كان الموضوع غاية في الأهمية فالرئيس يستدعي القائد التنفيذي للمرءوسين ويبلغه أهمية الموضوع. إذن فكيفية إنزال التكليف تكون على قدر أهمية الموضوعات فما بالنا - إذن - بركن استدعى الله فيه محمداً إلى السماء ليكلفه به؟ وقد رأينا أن بعض التكليفات تجيء إلى رسول الله بالإلهام أن يفعله، وبعضها جاء بالوحي من جبريل أن يفعله، أما الصلاة فقد فرضها الله عندما استدعى محمداً إلى السماء إلى الرفيق الأعلى وفرض الله عليه الصلاة بالمباشرة، وعلى أمة محمد أن تؤدي هذا الفرض خمس مرات في اليوم، ولا تسقط أبداً. ولذلك جعلها الحق فارقة بين المسلم والكافر، إن المسلم ساعة أذان الصلاة يقوم إلى الصلاة، وهي استدعاء من الخالق لمن خلقه ليحضر في حضرته كل يوم خمس مرات. وأنت حر بعد ذلك ألا تبرح لقاء ربك؛ ولا يمل الله حتى يمل العبد. وإياكم أن تجعلوا للزمان مع الله تخطيطاً؛ فتقولوا: هذا للعمل والضرب في الأرض، وذلك لذكر الله؛ فمع ضربكم في الأرض لتبتغوا من فضل الله، إياكم أن تنسوا الله؛ لأن ذكر الله أمر دائم في كل حركة يقصدها الإنسان لعمارة هذا الوجود، وقد أراد الحق منا بوجودنا أن نعبده وحده لا شريك له: {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} تفسير : [هود: 61] إذن فكل ما يؤدي إلى عمارة الكون والارتقاء به هو أمر عبادي، والحق سبحانه وتعالى يربط "العبادة" الاصطلاحية في الفقه بحركة الحياة كلها. ونجد مثالا لذلك حيما تكلمنا في سورة البقرة عن الأسرة كما جاء في قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ * وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [البقرة: 236-237] ذلك أمر الدنيا ومصالح الأسرة، وهو كلام في شئون تنظيم الأسرة، ثم ينقلنا من بعد الكلام في تنظيم الأسرة إلى أمر نقول عنه إنه العبادة وهو قوله الحق: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 238-239] ثم يعود بعد ذلك إلى شئون تنظيم الأسرة فيقول سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} تفسير : [البقرة: 240] إذن فقد أخرجنا من كلام في نظام الأسرة إلى الصلاة، ثم عاد بنا مرة أخرى إلى نظام الأسرة حتى تتداخل كل الأمور لتكون عبادة متماسكة متحدة فلا تقول: "هذه عبادة وتلك ليست عبادة"، وأيضا؛ لأن الكلام في الصلاة وسط كلامه عن أمور الأسرة ينبهنا: إذا ذهبت إلى الصلاة فربما هدَّأت الصلاة من شِرة غضبك وحماسك ونزلت عليك سكينة تعينك ألا تنسى الفضل بينك وبين زوجك. في هذه السورة - سورة المائدة - صنع الحق معنا مثلما صنع في سورة البقرة؛ فبعد أن تكلم في أشياء وقص علينا أمر النعمة، ها هوذا يدخل بنا إلى رحاب المنعم، إلا إنه سبحانه لم يدخلنا على المنعم إلا بتهيئة طهورية. طهارة أبعاض؛ كالوضوء بأن نغسل الوجه ونغسل اليدين إلى المرفقين ونمسح على الرأس ونغسل الرجلين إلى الكعبين. وأحكم في أشياء وترك للاجتهاد مدخلا في أشياء، أحكمها في ثلاثة؛ غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، لكنه حينما تكلم عن الرءوس لم يقل: "امسحوا رءوسكم" ولا: "امسحوا ربع رءوسكم"، ولا "امسحوا بعض رءوسكم" مما يدل على أن للمجتهد أن يفهم في "الباء" ما تُتيحهُ اللغة من "الباء". إذن أعطانا الحق أشياء محكمة وأشياء للاجتهاد. وبعد طهارة الأبعاض يذكرنا بطهارة البدن من الجنابة. ونلتفت إلى الكلام الذي تقدم حيث أورد الحق فيه ما أحل لنا من بهيمة الأنعام من طعام وشراب، ثم تكلم في النكاح حتى أنه وسع لنا دائرة الاستمتاع ودائرة الإنسال بأن أباح لنا أن نتزوج الكتابيات، وفي هذا توسيع لرقعة الزواج فلم يقصر الزواج على المسلمات. ولما كان الطعام الذي أحله الله ينشأ عنه ما يخرج منا من بول وغائط، والنكاح الذي أحله الله يغير كيماوية الجسد؛ لذلك جعل الله الوضوء لشيء، والجنابة لها شيء آخر؛ فعن الطعام ينشأ الأخبثان، وعن الجماع أو خروج المني ينشأ الحدث الأكبر؛ فكان ولا بد بعد أن يتكلم عن طهارة الأبعاض في الحدث الأصغر أن يتكلم عن التطهير الكلي في الحدث الأكبر؛ فقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}. الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن نستديم اتصالاتنا به ولم يشأ أن يجعل الوسيلة للصلاة بأمر الماء فقط؛ لأننا قد نفقد الماء وقد يوجد الماء ولا نقدر على استعماله؛ فلم يشأ الحق أن يقطع الصلة بأن يجعل الوسيلة الوحيدة للتطهر هي الماء، فأوجد وسيلة أخرى. فإن فقدت الماء أيها الإنسان فلا بد ان تدخل إلى لقاء الله بينة تطهير آخر وهو التيمم. هذا أمر لا يفقده من عاش على الأرض. إذن فعندنا تَطَهُّر بالماء وعندنا تَطَهُّر بالتراب. لذلك يقول سبحانه: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} فإن كان الإنسان مريضاً لا يقدر على استعمال الماء، أو كان على سفر ولا يجد الماء؛ أو جاء أحد من الغائط، أي من قضاء الحاجة في مكان غويط وهو الوطئ المنخفض من الأرض، وكانت العرب قديماً تفعل ذلك حتى لا يراهم أحد ويكونوا في ستر، رجالاً أو نساءً، وحتى بعد ملامسة النساء. إن لم يجد الإنسان بعدها ماء فالتيمم هو البديل، وإياكم أن تقولوا إن الماء هو الوسيلة الوحيدة للتطهر، فقد جعل للماء أيضاً خليفة وهو التراب. والتراب أوسع دائرة من الماء. فكأنه سبحانه وتعالى يريد أن يديم علينا نعمة البقاء به. ولكي يديم علينا نعمة اللقاء به جعل للماء - الذي يكون محصوراً - خليفة وهو التراب وهو غير محصور. ولا نريد أن ندخل في متاهات الخلاف عن الطهارة من ملامسة النساء، بين اللمس والملامسة؛ فاللمس لا يقتضي المفاعلة، أما الملامسة فتقتضي المفاعلة. واقتضاء المفاعلة ينقل المسألة من مجرد اللمس إلى معنى آخر هو الجماع. وفي حالة الجنابة وعدم وجود الماء فالتيمم هو البديل {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً} و"الصعيد" هو ما صعد على وجه الأرض من جنس الأرض بحيث لا تدخله صناعة الإنسان كالتراب والحجر، لكن الطوب الأحمر (الآجُرّ) الذي نصنعه نحن فليس من الصعيد الصالح للتيمم؛ لأن صنعة الإنسان قد دخلته. والأركان المفروضة في طهارة الأبعاض أربعة، أما طهارة الجسم فهي طهارة واحدة تشمل كل الجسم. وفي حالة التيمم جعل الحق الطهارة استعداداً للصلاة عوضاً عن الوضوء بمسح الوجه واليدين، وكذلك في الطهارة من الجنابة. ونلحظ أنه سبحانه جاء بالمسح في الوضوء على بعض من الرأس كإيناس متقدم، وذلك حتى يكون لنا إلف بالمسح حينما نتيمم. {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} وجعل الحق الطهارة بالماء أو التراب إزالة للحرج؛ فالإنسان الذي لن يجد ماء سيقع في الحرج بالتأكيد؛ لأنه يريد أن يصلي ولا يجد وسيلة للطهارة. وإذا كان عنده القليل من الماء ليشرب فهل يتوضأ أو يستديم الحياة ويُبقي على نفسه بشرب الماء؟. ولا يريد الله أن يُعْنت خلقه ولا أن يوقعهم في الحرج، بل خفف عليهم وجعل عنصر التراب يكفي كبديل للماء. {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}. وإياك أن تفهم أن الطهارة هي للتنظيف؛ لأن معنى الطهارة لو اقتصر على التنظيف لكانت الطهارة بالماء فقط، فلماذا إذن نمسح وجوهنا بالتراب؟ إن هذا يوضح أن الطهارة غير النظافة، فلو قال قائل: سأنظف نفسي بـ "الكولونيا". نقول له: لا. ليس هذا هو المطلوب. والله لا يطلب نظافة بهذا المعنى، ولكن يطلب التطهير. والتطهير يكون بشرط من تدخل عليه - وهو الله سبحانه - وقد وضع الحق لذلك أمرين: إما بالماء وإما بالتيمم بالتراب. فالطهارة تجعل المرء صالحاً ليستقبل ربه على ضوء ما شرع به. والذي يضع الشرط لذلك هو الله وليس أنت أيها العبد. وسبحانه قد أوضح أو العبد يكون طاهراً بالماء أو بالتراب، وبهذه الطهارة يكون صالحاً لاستقبال الله له. وأعاد الله الإنسان في قربه منه إلى أصل إيجاده وهو الماء والتراب. {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} والإنسان مغمور بنعم كثيرة. فهب أن إنساناً غاب عنه أبوه لكن خير الأب يصله كل يوم من مال وطعام وشراب ووسائل ترفيه، وبذلك يأخذ الإنسان نعمة الغاية من وجود أب له. ومع ذلك يشتاق هذا الإنسان المستمتع بنعمة والده الغائب إلى أن يكون مع والده، هذا هو تمام النعمة بين الأب والابن وكلاهما مخلوق لله، فما بالنا بتمام النعمة من الخالق لعباده؟ إن العبد الصالح يتمنى أن يرى مَن أنعم عليه؛ لذلك وضع الحق شرط الطهارة للقائه. وعندما يحضر الإنسان لحضرة ربه بالصلاة ويكبر: "الله أكبر" فهو منذ تلك اللحظة يوجد في حضرة الله. وإذا كانت الفيوضات تتجلى على الإنسان من نعمة مخلوق مثله سواء أكان أخاً أم أباً أم قريباً وهي نعمة مادية يراها الإنسان سواء أكانت طعاماً أم شراباً أم لباساً. فما بالنا بفيوضات المنعم الخالق الذي أنعم على الإنسان، إنها فيوضات من غيب؛ فكرمه لك غيب كالاعتدال في المزاج والعافية ورضا النفس وسمو الفكر. إذن فقوله الحق: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي أنكم عشتم قبل ذلك مع نعمة المنعم، وسبحانه يدعوكم إلى لقاء المنعم، ذلك تمام النعمة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إننا نجد الابن ينظر إلى هدايا الأب الغائب ويقول: أنا لا أريد هذه الأشياء ولكني أريد أبي. إن تمام النعمة - في المستوى البشري - أن يرى الإنسانُ المنعِمَ عليه وهو إنسان مثله، أما تمام النعمة على المخلوق من الخالق فيستدعي أن يتطهر الإنسان بما حدده له الله وأن يصلي فيلقى الله. {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ساعة نسمع: أنا فعلت ذلك وذلك لعلك تشكر، فهذا يعني أنك إن فعلت ما آمرك به فستجد أمراً عظيماً. والأمر الطبيعي يقتضي أن تَشْكُر عليه كأن ما فعله الله للإنسان يوجب عند الإنسان نعمة أخرى لا يمكن أن يستقبلها إلا بالشكر، مثلما قال الله: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78] إنّ السمع والأبصار والأفئدة هي منافذ الإدراك. ومادام الحق قد خلقنا ولا نعلم شيئاً، وجعل لنا أدوات الإدراك. وأوضح: أنا خلقت لك هذه الأدوات للإدراك لعلك تشكر، أي تلمح آثارها في نفسك مما يربي عندك ملكة الإدراك للمدركات. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} معناهُ مِنْ مَكَانِكُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} معناهُ طَاهِرٌ.
الجيلاني
تفسير : ثم لمَّا بيَّن سبحانه ما يتعلق بمعاش عباده من الحل والحرمة، والزواج والنكاح وحسن المعاشرة، ورعاية الآداب المشروعة فيها، أراد أن يهديهم إلى طريق الرجوع إلى المعاج الذي هو المبدأ بعينه؛ ليميلوا إليه، ويتوجهوا نحوه على نية التقرب، إلى أن وصلوا واتصلوا، فقال منادياً: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة ذات الحق، وتنزهه عن صمة الكثرة {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} أ ي: إذا أردتم أن تخرجوا من بقعة الإمكان، وتميلوا نحو فضاء الوحدة متشوقين، متقربين {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} أي: فعليكم أن تغسلوا بماء المحبة والشوق، والجذب الإلهي المحيي، المنبت لأموت الأرواح من أرض تعينات وجوهكم التي تلي الحق عن رين الإمكان، وشين الكثرة. {وَ} طهِّروا {أَيْدِيَكُمْ} أي: قصِّروها عن أدناس الأخذ والإعطاء من حطام الدنيا وأقذارها {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} أي: مبالغين في تطهيرها إلى أقصى الغاية {وَ} بعدما غسلتم الوجوه، وطهرتم الأيدي {ٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} أي: امحوا، وحكوا أنانيتكم وهويتكم التي منها طبلكم وأدبكم {وَ} احوا أيضاً {أَرْجُلَكُمْ} وأقدامكم التي بها سلكوككم وطلبكم {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} إلى أن ينقعط سيركم وسلوككم بالفناء فيه {وَإِن كُنتُمْ} أيها المائلون نحو الحق {جُنُباً} منغمسين في خبائث الإمكان وقاذوراتها {فَٱطَّهَّرُواْ} فعليكم المبالغة في التطهير بالرياضات الشاقة من قطع التعلقات، وترك المألوفات والمشتهيات، وبالركون إلى الموت الإداري، والخروج عن الأوصاف البشرية. {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ} من الأبرار الذين مرضوا بسموم الإمكان، وبحموم نيرانه وصاروا محبوسين فيه بلا قدم وإقدام {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} من السالكين، السائرين نحو الحق بلا ممد {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} أي: رجع من التلوث والتندس بغلاظ أدناس الدنيا من جاهها ومالها ورئاستها {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} واستكرهتموهن؛ لأنهن أقوى من بحائل الشيطان وشباكها، يصرف بها أهل الإرادة عن جادة السلامة {فَلَمْ تَجِدُواْ} في هذه الصورة من لدن نفوسكم وقلوبكم {مَآءً} شوقاً إلى الحق، مطهراً لخبائث نفسوكم، قالعاً لها مطلقاً، ومحبة مزيلة لدرن التعلقات، وجذباً مفرطاً من جانب الحق، مزعجاً ملجئاً إلى الفناء. {فَتَيَمَّمُواْ} أي: فعليكم أن تقصدوا، وتتوجهوا {صَعِيداً طَيِّباً} مرشداً كاملاً ومكملاً طاهراً عن جميع الرذائل والآثام العائقة عن الوصول {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} إي: هوياتكم الباطلة {وَأَيْدِيكُمْ} أي: أوصافكم الذميمة، العاطلة {مِّنْهُ} أي: من تراب أقدام، وثرى سدته السنية؛ لعلة يرشدكم إلى النجاة عن مضيق التعيينات نحو قضاء الذات {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} المدبر لأموركم {لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم} ويبقى فيكم {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} يمنعكم عن الوصل إلى ما جبلتم لأجله {مِّنْ حَرَجٍ} ويصفيكم أولاً من التعيين وأدناسها {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} ثانياً مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] حيثن تفوزون ما تفوزون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة، نذكر منها ما يسره الله وسهله. أحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } إلى آخرها. أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم. الثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } . الثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } أي: بقصدها ونيتها. الرابع: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب. الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة. السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر. السابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا. ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه. لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها. الثامن: الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و"إلى" كما قال جمهور المفسرين بمعنى "مع" كقوله تعالى: {أية : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } تفسير : ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق. التاسع: الأمر بمسح الرأس. العاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس. الحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه. الثاني عشر: أن الواجب المسح. فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به. الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين. الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين. الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة الجر في { وأرجلكم } . وتكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف. السادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة. ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب. السابع عشر: أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية. وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين. الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، لتوجد صورة المأمور به. التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة. العشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء. الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة. الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء. الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل. الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة. الخامس والعشرون: ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم. السادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، فيجوز له التيمم. السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر. الثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء. التاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره. الثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به لقوله تعالى: { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ } . الحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء. الثاني والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم. الثالث والثلاثون: أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء. الرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال "لم يجد" لمن لم يطلب. الخامس والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك. السادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } . السابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله: { فَتَيَمَّمُوا } أي: اقصدوا. الثامن والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره. فيكون على هذا، قوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى. التاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثا. الأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية الأعضاء. الحادي والأربعون: أن قوله: { بِوُجُوهِكُمْ } شامل لجميع الوجه وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور، ولو خفيفة. الثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك. فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء. الثالث والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء]. الرابع والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان. الخامس والأربعون: أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية وإطلاقها. السادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال { فامسحوا } ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء. السابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين. الثامن والأربعون: أن الله تعالى -فيما شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم. وهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح. الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى. الحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 238 : 7 : 28 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {اغسلوا أيديكم وأرجلكم} [الآية 6].
همام الصنعاني
تفسير : 682- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة، عن قوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}: [الآية: 6] قال: اللَّمسُ باليْيدِ. 683- قال معمر، وقال قتادة: قال ابن عباس: هو الجماع، ولكن الله يعف ويكْني.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):