Verse. 676 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَاذْكُرُوْا نِعْمَۃَ اللہِ عَلَيْكُمْ وَمِيْثَاقَہُ الَّذِيْ وَاثَقَكُمْ بِہٖۗ۝۰ۙ اِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَاَطَعْنَا۝۰ۡوَاتَّقُوا اللہَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۷
Waothkuroo niAAmata Allahi AAalaykum wameethaqahu allathee wathaqakum bihi ith qultum samiAAna waataAAna waittaqoo Allaha inna Allaha AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واذكروا نعمة الله عليكم» بالإسلام «وميثاقه» عهده «الذي واثقكم به» عاهدكم عليه «إذ قلتم» للنبي صلي الله عليه وسلم حين بايعتموه «سمعنا وأطعنا» في كل ما تأمر به وتنهى مما نحب ونكره «واتقوا الله» في ميثاقه أن تنقضوه «إن الله عليم بذات الصدور» بما في القلوب فبغيره أولى.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول والانقياد، وذلك من وجهين: الأول: كثرة نعمة الله عليهم، وهو المراد من قوله {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } ومعلوم أن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } ولم يقل نعم الله عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل في إعداد نعم الله، بل المقصود منه التأمل في جنس نعم الله لأن هذا الجنس جنس لا يقدر غير الله عليه، فمن الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه/ غير الله، فقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } المراد التأمل في هذا النوع من حيث أنه ممتاز عن نعمة غيره، وذلك الامتياز هو أنه لا يقدر عليه غيره، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل. المسألة الثانية: قوله {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } مشعر بسبق النسيان، فكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات، إلاّ أن الجواب عنه أنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد، فصارت غلبة ظهورها وكثرتها سبباً لوقوعها في محل النسيان، ولهذا المعنى قال المحققون: إنه تعالى إنما كان باطناً لكونه ظاهراً، وهو المراد من قولهم: سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره، واختفى عنها بكمال نوره. السبب الثاني: من الأسباب التي توجب عليهم كونهم منقادين لتكاليف الله تعالى هو الميثاق الذي واثقهم به، والمواثقة المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على نفسه، وهذه الآية مشابهة لقوله في أول السورة {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] وللمفسرين في تفسير هذا الميثاق وجوه: الأول: أن المراد هو المواثيق التي جرت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في أن يكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه، مثل مبايعته مع الأنصار في أول الأمر ومبايعته عامة المؤمنين تحت الشجرة وغيرهما، ثم إنه تعالى أضاف الميثاق الصادر عن الرسول إلى نفسه كما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وقال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] ثم إنه تعالى أكد ذلك بأن ذكرهم أنهم التزموا ذلك وقبلوا تلك التكاليف وقالوا سمعنا وأطعنا، ثم حذرهم من نقض تلك العهود والمواثيق فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } يعني لا تنقضوا تلك العهود ولا تعزموا بقلوبكم على نقضها، فإنه إن خطر ذلك ببالكم فالله يعلم بذلك وكفى به مجازياً. والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل حين قالوا آمنا بالتوراة وبكل ما فيها، فلما كان من جملة ما في التوراة البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لزمهم الإقرار بمحمد عليه الصلاة والسلام، والثالث: قال مجاهد والكلبي ومقاتل: هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى منهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم. فإن قيل: على هذا القول أن بني آدم لا يذكرون هذا العهد والميثاق فكيف يؤمرون بحفظه؟ قلنا: لما أخبر الله تعالى بأنه كان ذلك حاصلاً حصل القطع بحصوله، وحينئذ يحسن أن يأمرهم بالوفاء بذلك العهد. الرابع: قال السُّدي: المراد بالميثاق الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله تعالى على التوحيد والشرائع، وهو اختيار أكثر المتكلمين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}. قيل: هو الميثاق الذي في قوله عزّ وجلّ: { أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ } تفسير : [الأعراف: 172]؛ قاله مجاهد وغيره. ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصَّادق به، فيجوز أن نؤمر بالوفاء به. وقيل: هو خطاب لليهود بحفظ ما أخذ عليهم في التوراة؛ والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسُّدّي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المَنْشَط والمَكْرَه إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة، وأضافه تعالىٰ إلى نفسه كما قال: { أية : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العَقَبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه، وكان أوّل من بايعه البَرَاء بن مَعْرور، وكان له في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشدّ لعقد أمره، وهو القائل: والذي بعثك بالحق لنَمنعنَّك مما نمنع منه أُزُرَنا، فبايِعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلْقة ورِثناها كابراً عن كابر. الخبر المشهور في سيرة ٱبن إسحاق. ويأتي ذكر بيعة الرّضوان في موضعها. وقد ٱتصل هذا بقوله تعالىٰ: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} فوفوا بما قالوا؛ جزاهم الله تعالى عن نبيهم وعن الإسلام خيراً، ورضي الله عنهم وأرضاهم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في مخالفته إنه عالم بكل شيء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مذكراً عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه، وقبوله منه، فقال تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إسلامهم؛ كما قالوا: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. وقال الله تعالى: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الحديد: 8]، وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد صلى الله عليه وسلم، والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه، وأشهدهم على أنفسهم {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} تفسير : [الأعراف: 172] قاله مجاهد ومقاتل بن حيان، والقول الأول أظهر، وهوالمحكي عن ابن عباس والسدي، واختاره ابن جرير. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال، ثم أعلمهم أنه يعلم ما يختلج في الضمائر من الأسرار والخواطر، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} أي: كونوا قوامين بالحق لله عز وجل، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا {شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالعدل، لا بالجور، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلاً، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه ليشهده على صدقتي، فقال: «حديث : أكل ولدك نحلت مثله؟» تفسير : قال: لا، فقال: «حديث : اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم»تفسير : . وقال: «حديث : إني لا أشهد على جور» تفسير : قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. وقوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقاً كان أو عدواً، ولهذا قال: {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه؛ كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}. وقوله: هو أقرب للتقوى من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولهذا قال بعده: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وهوالجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسباباً إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة. ثم قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـٰۤئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} وهذا من عدله تعالى، وحكمته، وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير. وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ}. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، وعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه فسله،ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ قال: «حديث : الله عز وجل»تفسير : . قال الأعرابي، مرتين أو ثلاثاً: من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الله»تفسير : . قال: فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه، ولم يعاقبه، وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} الآية، وقصة هذا الأعرابي، وهو غَوْرَثُ بن الحارث ثابتة في الصحيح. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} وذلك أن قوماً من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاماً ليقتلوهم، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فأتوه، رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي حاتم. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد، أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جحاش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار، واجتمعوا عنده، أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم على ما تمالؤوا عليه، فرجع إلى المدينة، وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية. وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} يعني: من توكل على الله، كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس، وعصمه، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدو إليهم، فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالإِسلام {وَمِيثَٰقَهُ } عهده {ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ } عاهدكم عليه {إِذْ قُلْتُمْ } للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعتموه {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } في كل ما تأمر به وتنهى [عنه] مما نحب ونكره {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في ميثاقه أن تنقضوه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب فبغيره أولى.

الشوكاني

. تفسير : {نِعْمَةَ ٱللَّه} قيل: هي الإسلام. والميثاق: العهد. قيل: المراد به هنا: ما أخذه على بني آدم كما قال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } تفسير : الآية [الأعراف: 172]. قال مجاهد وغيره: نحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الله به. وقيل: هو خطاب لليهود، والعهد: ما أخذه عليهم في التوراة. وذهب جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم، إلى أنه العهد الذي أخذه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة عليهم، وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأضافه تعالى إلى نفسه؛ لأنه عن أمره وإذنه، كما قال {أية : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10]، وبيعة العقبة مذكورة في كتب السيرة، وهذا متصل بقوله {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}تفسير : [المائدة: 1]. قوله {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي وقت قولكم هذا القول، وهذا متعلق بواثقكم، أو بمحذوف وقع حالاً أي كائناً هذا الوقت. و {ذَاتُ ٱلصُّدُورِ }: ما تخفيه الصدور لكونها مختصة بها لا يعلمها أحد. ولهذا أطلق عليها ذات التي بمعنى الصاحب، وإذا كان سبحانه عالماً بها، فكيف بما كان ظاهراً جلياً. قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ } قد تقدّم تفسيرها في النساء، وصيغة المبالغة في {قَوَّامِينَ } تفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا بها أتمّ قيام {لِلَّهِ } أي لأجله، تعظيماً لأمره، وطمعاً في ثوابه. والقسط: العدل. وقد تقدّم الكلام على قوله: {يَجْرِمَنَّكُمْ } مستوفى، أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، وكتم الشهادة {ٱعْدِلُواْ هُوَ } أي العدل المدلول عليه بقوله: {اعدلوا} {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } التي أمرتم بها غير مرة، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار. قوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } هذه الجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني لقوله: {وَعْدُ } على معنى وعدهم أن لهم مغفرة، أو وعدهم مغفرة فوقعت الجملة موقع المفرد فأغنت عنه، ومثله قول الشاعر:شعر : وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعيناً سلسبيلاً تفسير : قوله: {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ } أي: ملابسوها. قوله: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } ظرف لقوله: {ٱذْكُرُواْ } أو للنعمة، أو لمحذوف وقع حالاً منها {أَن يَبْسُطُواْ } أي بأن يبسطوا. وقوله: {فَكَفَّ } معطوف على قوله: {همّ} وسيأتي بيان سبب نزول هذه الآية، وبه يتضح المعنى. وقد أخرج ابن جرير، والطبراني في الكبير، عن ابن عباس في قوله: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } يعني حين بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب قالوا آمناً بالنبيّ والكتاب، وأقررنا بما في التوراة، فذكرهم الله ميثاقه الذي أقرّوا به على أنفسهم وأمرهم بالوفاء به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: النعم: الآلاء، وميثاقه الذي واثقهم به، قال: الذي واثق به بني آدم، في ظهر آدم عليه السلام. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير، في قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّه شُهَدَآء ِبِٱلْقِسْطِ } الآية. قال: نزلت في يهود خيبر، ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية، فهموا أن يقتلوه، فذلك قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَن لا تَعْدِلُواْ } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم، نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ قال: "حديث : الله"تفسير : ، قال الأعرابي: مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الله"تفسير : ، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا. ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي، فأرسلوا هذا الأعرابي، ويتأوّل: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } الآية. وأخرج الحاكم وصححه عنه بنحوه، وذكر أن اسم الرجل غورث بن الحارث، وأنه لما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الله»تفسير : سقط السيف من يده، فأخذه النبي وقال: "حديث : من يمنعك مني؟" تفسير : قال: كن خير آخذ، قال: فشهد أن لا إله إلا الله. وأخرجه أيضاً ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل عنه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس: أن بني النضير هموا أن يطرحوا حجراً على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فجاء جبريل فأخبره بما هموا، فقام ومن معه، فنزلت: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } الآية، وروى نحو هذا من طرق عن غيره، وقصة الأعرابي وهو غورث المذكور ثابتة في الصحيح.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قوَّامِينَ لِلَّهِ} يعني بالحق فيما يلزم من طاعته. {شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل. وفى هذه الشهادة ثلاثة أقاويل. أحدها: أنها الشهادة بحقوق الناس، وهذا قول الحسن. والثاني: الشهادة بما يكون من معاصي العباد، وهذا قول بعض البصريين. الثالث: الشهادة لأمر الله تعالى بأنه حق. وهذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف المفسرون فى سبب نزولها فيه على قولين: أحدهما: أن النبي خرج إلى يهود بني النضير، يستعين بهم في دية، فهمّوا أن يقتلوه، فنزل ذلك فيه، وهذا قول قتادة، ومجاهد. ثم إن الله تعالى ذكرهم نِعَمَهُ عليهم بخلاص نبيهم بقوله تعالى: {اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَومٌ أَن يبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} والقول الثاني: أن قريشاً بعثت رجلاً، ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَطْلَعَ الله نَبِيَّهُ على ذلك، فنزلت فيها هاتان الآيتان، وهذا قول الحسن. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخْذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} يعني بإخلاص العبادة لله ولزوم طاعته. {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} أخذ من كل سبط منهم نقيباً، وفى النقيب ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الضمين، وهو قول الحسن. الثاني: الأمين، وهو قول الربيع. والثالث: الشهيد على قومه، وهو قول قتادة. وأصله فى اللغة: النقيب الواسع، فنقيب القوم هو الذي ينقب أحوالهم. وفيما بعث فيه هؤلاء النقباء قولان: أحدهما: أنهم بُعِثُوا إلى الجبارين، ليقفوا على أحوالهم ورجعوا بذلك إِلى موسى، فرجعوا عن قتالهم، لمَّا رأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم، إلا اثنين منهم، وهذا قول مجاهد، والسدي. والثاني: أنهم بعثوا لقومهم بما أخذ به ميثاقهم منهم، وهذا قول الحسن.

ابن عطية

تفسير : الخطاب بقوله: {واذكروا} إلى آخر الآية هو للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم و {نعمة الله} اسم جنس يجمع الإسلام وجمع الكلمة وعزة الحياة وغنى المال وحسن المآل، هذه كلها نعم هذه الملة، والميثاق المذكور هو ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في بيعات العقبة وبيعة الرضوان وكل موطن قال الناس فيه سمعنا وأطعنا هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة من المفسرين. وقال مجاهد: الميثاق المذكور هو المأخوذ على النسم حين استخرجوا من ظهر آدم، والقول الأول أرجح وأليق بنمط الكلام. ثم أمر تعالى المؤمنين بالقيام دأباً متكرراً بالقسط وهو العدل، وقد تقدم نظير هذا في سورة النساء وتقدم في صدر هذه السورة نظير قوله: {أية : ولا يجرمنكم شنآن قوم} تفسير : [المائدة:2] وباقي الآية بيّن متكرر والله المعين.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم} يعني: ما أنعم به عليكم من النعم كلها، لأن كثرة النعم وذكرها يوجب مزيد الشكر من المنعم عليه والاشتغال بطاعة المنعم بها والانقياد لأمره وهو الله تعالى: {وميثاقه الذي واثقكم به} يعني: واذكروا عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون {إذ قلتم سمعنا وأطعنا} وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا وقيل الميثاق هو الذي أخذه عليهم في يوم ألست بربكم قالوا بلى: {واتقوا الله} يعني فيما أخذه عليكم من الميثاق فلا تنقضوه {إن الله عليم بذات الصدور} يعني إن الله تعالى عالم بما في قلوب عباده من خير وشر. وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله} قال ابن عباس يريد أنهم يقومون لله بحقه ومعنى ذلك: هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من العمل بطاعته واجتناب نواهيه {شهداء بالقسط} يعني وتشهدون بالعدل يقول لا تحابِ في شهادتك أهل ودِّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعداءك أقم شهادتك لهم وعليهم بالصدق والعدل. {ولا يجرمنكم شنآن قوم} ولا يحملنكم بغض قوم {على ألا تعدلوا} على ترك العدل فيهم لعدوانهم {اعدلوا} أمر الله بالعدل في كل أحد القريب والبعيد والصديق والعدو {هو أقرب للتقوى} أي العدل أقرب للتقوى {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} يعني: أن الله تعالى خبير بجميع أعمالكم مطلع عليها وخبير بمن عدل ومن لم يعدل. قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني عملوا بما واثقهم الله به وأوفوا بالعهود التي عاهدهم عليها {لهم مغفرة وأجر عظيم} هذا بيان للوعد كأنه لما تقدم ذكر الوعد فقيل: أي شيء هذا الوعد؟ فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم وإذا وعدهم أنجز لهم الوعد فإنه تعالى لا يخلف الميعاد.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ...} الاية: خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ: اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ: هو ما وقع للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»، هذا قولُ ابنِ عبَّاس وجماعةٍ من المفسِّرين. وقال مجاهدٌ: المرادُ: الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين ٱستخرجُوا مِنْ ظَهْر آدم ـــ عليه السلام ـــ. والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتابه «بَهْجَةِ المَجَالِس»: رُوَي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه قَالَ: «حديث : مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَىٰ عَمَلٍ ثَوَاباً، فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وعَدَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَىٰ عَمَلٍ عَقاباً، فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ»تفسير : ، وعن ابن عباسٍ مثله. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله - سبحانه -: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} الآية. لما ذَكَر التَّكَالِيفُ أرْدَفَهُ بما يُوجِبُ عَلَيْهِمْ القبُول والانْقِيَاد، وذلك مِن وَجْهَيْن: الأوَّلُ: كَثْرَةُ نِعَم اللَّهِ عَلَيْهِم؛ لأنَّ كَثْرَة النِّعَمِ تُوجِبُ على المُنْعِمِ عَلَيْه الاشْتِغَالَ بِخِدْمَةِ المُنْعمِ، والانْقِيَاد لأوَامِرِه ونَوَاهِيه. وقال: "نِعْمَةَ اللَّه" ولمْ يَقُلْ "نِعَم اللَّهِ"؛ لأنَّ هذا الجِنْسَ لا يَقْدِرُ عَلَيْه غير اللَّه؛ لأنَّ نِعْمَة الحَيَاةِ، والصِّحَّة، والعَقْل، والهِدَايَةِ، والصَّوْن من الآفَاتِ، وإيصَال الخَيْرَاتِ في الدُّنْيَا والآخِرَة شيء لا يَعْلَمُهُ إلاَّ الله تعالى، وإنَّما المُرادُ [التَّأمُّل] في هذا النَّوْع مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتَازٌ عن نِعْمَةِ غَيْرِهِ. والوجه الثاني في السببِ المُوجبِ للانْقِيَادِ للتَّكَالِيفِ: هُوَ المِيثَاقُ الذي واثَقَكُمْ بِهِ. فإن قِيلَ: [قوله] {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} مشعِرٌ بسَبْقِ النِّسْيَان: وكَيْفَ يُمْكِن نِسْيَانُها [مع أنها] مُتَوَاتِرَةٌ متَوالِيَةٌ [علينا] في جَميعِ السَّاعَاتِ والأوْقَاتِ؟ فالجَوابُ: أنَّها لِكَثْرتها وتعاقُبها صارتْ كالأمْرِ المُعْتَاد، فصارت غَلَبَةُ ظُهُورِهَا وكَثْرتها سَبباً لِوُقوعِهَا مَحَلَّ النِّسْيَان. فصل في تفسير الميثاق اختَلَفُوا في تَفْسِير هذا الميثاقِ، فقال أكْثَرُ المُفَسِّرين: هو العَهْدُ الذي عَاهَدَ اللَّه عَلَيْه المُؤمنين حين بَايَعُوا رَسُول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرَّف وكرم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ وغَيْرها على أن يكُونُوا على السَّمْعِ والطاعَةِ في [المَحْبُوبُ والمكروه]؛ وأضَافَ الميثاقَ الصَّادِر عن الرَّسُول إلى نَفْسِهِ، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]، وأكَّدَ ذَلِكَ بأنَّهم التزمُوا وقالُوا: "سَمِعْنَا وأطَعْنَا"، ثم حذَّرَهم عن نَقْضِ تِلْك العُهُود فلا تَعْزِمُوا بقلوبكم على نَقْضِهَا، فاللَّهُ يَعْلَم ذلك، وكَفَى به مُجَازِياً. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هو المِيثاقُ الذي أخذه اللَّه على بَنِي إسْرائِيل حين قالُوا: آمَنَّا بالتَّوْرَاة وبكُلِّ ما فيها، وكان من جُمْلة ما في التَّوْرَاةِ البِشَارَةُ بمقدم مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام -. وقال مُجَاهِدٌ والكَلْبِي ومقاتلٌ: هو المِيثَاقُ الذي أخَذَهُ منهم حِين أخْرَجَهم من ظَهْر آدَم، وأشْهَدَهُمْ على أنْفسِهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا:ْ بَلَى}. وقال السّديّ: المُرَاد بالمِيثاقِ: الدَّلائل العَقْلِيَّة والشَّرْعِية التي نَصَبَها اللَّهُ على التَّوْحِيدِ والشَّرائعِ. قوله تعالى: {إِذْ قُلْتُمْ[سَمِعْنَا]}، في "إذْ" ثلاثةُ أوْجُه: أظهرها: أنَّهُ مَنْصوب بـ "وَاثَقَكُمْ". الثاني: أنَّهُ مَنْصَوبٌ على الحَالِ من الهَاءِ في "بِهِ". الثالث: أنَّهُ حال من ["ميثاقِهِ"]، وعلى هذَيْن الوَجْهَيْن الأخيريْن يتعلَّقُ بمحذُوفٍ على القاعِدَة المُقَرَّرَةِ. و"قُلْتُم" في محلّ خَفْضٍ بالظَّرْف، و"سَمِعْنَا" في محلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ.

البقاعي

تفسير : ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات، وكانت الصلاة أوثق عرى الدين، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الأعمال، عطف عليها قوله تذكيراً بما يوجب القبول والانقياد: {واذكروا} أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار. ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال: {نعمة الله} أي الملك الأعلى {عليكم} أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم، وإنما لم تجمع لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صلى الله عليه وسلم فقال: {وميثاقه} أي عقده الوثيق {الذي واثقكم به} أي بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره {إذ} أي حين {قلتم سمعنا وأطعنا} وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم شاس بن قيس، وتذكير بما أوجب له صلى الله عليه وسلم عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبه للوفاء الموعود عليه الجنة، والتفات إلى قوله أول السورة {أية : أوفوا بالعقود}تفسير : [المائدة: 1] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبيّن لحسن هذه التناسب. ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعباً، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته وصلحت سريرته، وإنما يحمل عليه مخافة الله قال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم. الذي يفعل ما يشاء. من نقض العهد وقاية من حسن القيام، لتكونوا في أعلى درجات وعيه، ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي أحوالها من سرائرها وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها لم تبرز إلى الوجود، وعلانيتها وإن صاحبها قد نسيها. ولما تقدم القيام إلى الصلاة، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء وأثنائها، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات، ناسب تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان, ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان، فكان لذلك يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة، عبر بالكون فقال تعالى: {كونوا قوّامين} أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها. ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق، وكان الوفاء بذلك إنما يخف على النفوس، ويصح النشاط فيه، ويعظم العزم عليه بالتذكير بجلالة موثقة وعدم انتهاك حرمته، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ وحده ورسمه، قدم قوله: {لله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء. بخلاف ما مضى في النساء. ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة "ليلة تواثقوا على الإسلام" أن يقولوا الحق حيث ما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، قال: {شهداء} أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون الشهادة به {بالقسط} أي العدل، وقال الإمام أبو حيان في نهره: إن التي جاءت في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن، فبدىء فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين، ثم أردف بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط، والتي في معرض العدواة والشنآن، بدىء فيها بالقيام لله، فناسب كل معرض ما جيء به إليه، وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله {أية : ولن تستطيعوا أن تعدلوا}تفسير : [النساء: 129] وقوله {أية : فلا جناح عليهما أن يصلحا}تفسير : [النساء: 128] فناسب ذكر تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط - انتهى. ولما كان أمر بهذا الخبر، نهى مما يحجب عنه فقال: {ولا يجرمنكم} أي يحملنكم {شنئان قوم} أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم {على ألا تعدلوا} أي أن تتركوا قصد العدل، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها، فأمروا بالعدل حتى بين هذه المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم؟ ثم استأنف قوله آمراً بعد النهي تأكيداً لأمر العدل: {اعدلوا} أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم. ولما كان ترك قصد العدل قد يقع لصاحبه العدل اتفاقاً، فيكون قريباً من التقوى، قال مستأنفاً ومعللاً: {هو} أي قصد العدل {أقرب} أي من ترك قصده {للتقوى} والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها، وتعدية {أقرب} بالام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر في البقرة؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى، قال عاطفاً على النهي أو على نحو: فاعدلوا: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان فضلاً عن العدل، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله {أية : إن الله كان عليماً خبيراً}تفسير : [النساء: 35]، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً بقوله {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} وختام هذه بقوله معللاً لما قبله: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {خبير بما تعملون*} لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير؛ وقالو أبو حيان: لما كان الشنآن محله القلب، وهو الحامل على ترك العدل، أمر بالتقوى وأتى بصفة {خبير} ومعناها عليم ولكنها مما تختص بما لطف إدراكه انتهى. {وشهداء} يمكن أن يكون من الشهادة التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله {أية : أو ألقى السمع وهو شهيد}تفسير : [ق: 37] وأن يكون من الشهادة المتعارفة، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله {أية : إن الله عليم بذات الصدور}تفسير : [آل عمران: 119] ومع قوله تعالى: {أية : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} تفسير : [البقرة: 283] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله: {أية : وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}تفسير : [النساء: 135] كما ختمت هذه بمثل ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس في قوله ‏ {‏واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا‏}‏ حتى ختم بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب، قالوا‏:‏ آمنا بالنبي والكتاب، وأقررنا بما في التوراة، فأذكرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏واذكروا نعمة الله عليكم‏} ‏ قال‏:‏ النعم‏.‏ آلاء الله وميثاقه الذي واثقكم به‏.‏ قال‏:‏ الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم عليه السلام‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالإسلام لتُذكِّرَكم المنعِمَ وتُرغِّبَكم في شكره {وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ} أي عهدَه المؤكَّدَ الذي أخذه عليكم وقوله تعالى: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ظرفٌ لـ (واثقكم به)، أو لمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير المجرور في به، أو مِنْ ميثاقه، أي كائناً وقت قولِكم سمعنا وأطعنا، وفائدةُ التقيـيدِ به تأكيدُ وجوب مراعاته بتذكر قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسولُ الله عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة في حال العُسر واليُسر والمنشَطِ والمَكْره، وقيل: هو الميثاقُ الواقعُ ليلةَ العقبة وفي بَـيْعةِ الرضوان، وإضافتُه إليه مع صدورِه عنه عليه الصلاة والسلام، لكنّ المرجِعَ إليه كما نطق به قولُه تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }تفسير : [الفتح، الآية 10] وقال مجاهد: هو الميثاقُ الذي أخذه الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صُلْب آدمَ عليه السلام {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في نِسيان نعمتِه ونقضِ ميثاقِه، أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي بخفيّاتِها الملابِسةِ لها ملابَسةً تامة مصحِّحة لإطلاق الصاحبِ عليها فيجازيكم عليها، فما ظنُّكم بجَلِيَّاتِ الأعمال، والجُملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ وتعليلٌ للأمر بالاتقاءِ، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موقعِ الإضمار لتربـيةِ المهابة وتعليلِ الحُكْم وتقويةِ استقلال الجملة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى وتقدس: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} [الآية: 7]. قال أبو عثمان: النعم كثيرة وأجل النعم المعرفة، والمواثيق كثيرة وأجل المواثيق الإيمان. قيل للواسطى رحمة الله عليه: ما الحكمة فيما أنعم الله على خلقه، قال: أنعم عليهم لكى يشهدوا المنعم بالنعم، فاستقطعتم النعمة عن المنعم كما استقطعتهم الآفات عن متوليها. وقيل: اذكروا نعمة الله فيما أجرى عليكم من معرفته وطاعته. قال بعضهم: اذكروا نعمة الله عليكم أن جعلكم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن أهل القرآن، وأن زينكم بخدمته وجعلكم من أهل مناجاته حين قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : المصلى يناجى ربه ". تفسير : قال أبو بكر الوراق فى قوله {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} حين زين باطنكم بأنوار معرفته وظاهركم بآداب خدمته. وقال يحيى بن معاذ: أعظم نعمة عليك أن جعل قلبك وعاء لمعرفته، وأطلق لسانك بحلاوة ذكره، وإن أدبرت عنه خمسين سنة يصالحك باستغفار واحد.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}. الإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمْتَ أنه من هو. ويقال أمرهم بتذكّر ما سبق لهم من القِسَمِ وهم في كَتْمِ العَدَم، فلا للأغيار عنهم خبر، ولا لهم عين ولا أثر، ولا وقع عليهم بصيرة، وقد سماهم بالإيمان، وحكم لهم بالغفران قبل حصول العصيان، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرَّفهم التوحيد قبل أن كلَّفهم الحدود، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذَّرهم الخيانة، فقابلوا قوله بالتصديق، ووعَدُوا من أنفسهم الوفاءَ بشرط التحقيق، فأمدَّهم بحسن التوفيق، وثَبَّتهم على الطريق، ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}: يعني في نقض ما أبرمتم من العقود، والرجوع عمَّا قدمتم من العهود، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم ونيات صدوركم.

البقلي

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} نعمة الله هداية الله السابقة فى الازل لاهل سعادة المعرفة منهم الى نفسه بنعت المشاهدة والشوق الى لقائه والميثاق الذى واثق بع عباده ان لا يشغلوا عنه بغيره الا الابد وان كان الجنة وما فيها قال ابو عثمان النعمة كثيرة وأجل النعم المعرفة والمواثيق كثيرة واجل المواثيق الايمان قال الواسطى انعم الله على خلقه لكى يشهد والمنعم بالنعم.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذكروا نعمة الله عليكم} بالاسلام لتذكركم المنعم وترغبكم فى شكره. فان قيل ذكر نعمة الاسلام مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل من المسلم ان ينساها مع اشتغاله باقامة وظائف الاسلام على التوالى والدوام. قلنا المواظبة على وظائف الشىء تنزل منزلة الامر الطبيعى المعتاد فينسى كونها نعمة الهية فتكون اقامة وظائفه اتباعا لمقتضى الطبيعة فلا تكون عبادة وانما تكون شكرا لو وقع اتباعا للامر {وميثاقه الذى واثقكم به} اى عهده المؤكد الذى اخذه عليكم وقوله تعالى {اذ قلتم سمعنا واطعنا} ظرف لواثقكم به وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذى اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى حال اليسر والعسر والمنشط والمكره {واتقوا الله} فى نسيان نعمه ونقض ميثاقه {ان الله عليم بذات الصدور} اى بخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بجليات الاعمال. واعلم ان اول النعم التى انعم الله بها على المؤمنين اخراجهم من ظلمة العدم الى نور الوجود قبل كل موجود وخلقهم فى احسن تقويم لقبول الدين القويم وهدايتهم الى الصراط المستقيم واستماع الست بربكم وجواب بلى وتوفيقهم للسمع والطاعة ولو لم تكن نعمة التوفيق لقالوا سمعنا وعصينا كما قال اهل الخذلان والعصيان. "حديث : وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الاشجعى قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة او ثمانية او سبعة فقالوا ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله قال "ألا تبايعون رسول الله" فبسطنا ايدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال "ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيأ وتصلوا الصلوات الخمس وتطيعوا اوامره جلية وخفية ولا تسألوا الناس" فلقد رأيت بعض اولئك النفر يسقط سوط احدهم فما يسأل احدا يناوله اياه حتى يكون هو ينزل فيأخذه" "حديث : وعن ابى ذر رضى الله عنه قال بايعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا واوثقنى سبعا واشهد الله على سبعا ان لا اخاف فى الله لومة لائم" "حديث : وعنه قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم "اوصيك بتقوى الله بسر امرك وعلانيتك واذا اسأت فاحسن ولا تسألن احدا شيئاً وان سقط سوطك ولا تقبض امانة" ".تفسير : قال الحافظ الشيرازى شعر : وفا وعهد نكو باشد اربياموزى وكرنه هركه توبينى ستمكرى داند تفسير : اللهم اجعلنا من الموفين بعودهم آمين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: { واذكروا نعمة الله عليكم} بالهداية والعز والنصر، {و} اذكروا {ميثاقه الذي واثقكم به} حين بايعتم نبيه في بيعة العقبة وبيعة الرضوان على الجهاد وإظهار الدين، وعلى السمع والطاعة في المنشط والمكره، حين {قلتم} له: {سمعنا وأطعنا} فيما تأمرنا به في عسرنا ويسرنا، في منشطنا ومكرهنا، {واتقوا الله} في نقض العهود، {إن الله عليم بذات الصدور} أي: خفياتها، فيجازيكم عليها، فضلاً عن جليات أعمالكم، والمقصود: الترغيب في الجهاد الذي هو من كمال الدين. الإشارة: يقال للفقراء الذين مّن الله عليهم بصحبة شيوخ التربية، وأخذوا عنهم العهد ألا يخالفوهم: اذكروا نعمة الله عليكم، حيث يسَّر لكم من يُسَيّركم إلى حضرة ربكم، ويعرفكم به، وغيركم يقول: إنه معدوم، أو خفي لا يعرفه أحد، وهذا الكنز الذي سقطتم عليه، قلَّ من وجده، واذكروا أيضًا ميثاقه الذي واثقه عليكم ألا تخالفوهم، ولو أدى الأمر إلى حتف أنفكم. كان شيخ شيوخنا ـ سيدي العربي بن عبد الله، يقول: الفقير الصادق، هو الذي إذا قال له شيخه: ادخل في عين الإبرة، يقوم مبادرًا يُحاول ذلك، ولا يتردد. وقال أيضًا: ( صاحبي هو الذي نقتله بشعرة)، وقد تقرر أن من قال لشيخه: لِمَ، لا يفلح، وهذا أمر مقرر في علم التربية؛ كما في قضية الخضر مع سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ. واتقوا الله في اعتقاد مخالفتهم سرًا؛ {إن الله عليم بذات الصدور} فإن الاعتراض سرًا أقبح؛ لانه خيانة، فليبادر المريد بالتوبة منه ويغسله من قلبه. والله تعالى أعلم. ولما كان الجهاد لا يقوم إلا بنصب الإمام، ذَكَر ما يتعلق به من العدل في الأحكام، فقال: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية اذكار بنعم الله تعالى عليهم برسوله (صلى الله عليه وآله) وميثاقه الذي واثقهم به عندما ضمنوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) السمع والطاعة، ثم حذرهم ان ينقضوا ذلك بقلوبهم، واعلمهم أنه عليم بذات الصدور. والميثاق الذي واثقهم به قال البلخي: والجبائي هو ما أخذ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند اسلامهم وبيعتهم بأن يطيعوا الله في كل ما يفرضه عليهم مما ساءهم أو سرهم. قال الجبائي: هو مبايعتهم له ليلة العقبة وبيعة الرضوان وهو قول ابن عباس وقال اخرون: هو ما اخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم (ع) واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟ قالوا: بلى. ذهب اليه مجاهد. والصحيح قول ابن عباس لامرين: احدهما - ان الخبر مروي في أخذ الميثاق على من استخرج من صلب ادم (ع) ضعيف تحيله العقول. والثاني - أن الله (تعالى) ذكر بعقب تذكيره المؤمنين ميثاقه الذي واثق به اهل التوراة بعدما أنزل كتابه على نبيه موسى (ع) فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فقال: {ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} الايات بعدها منبهاً بذلك أصحاب رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وتعريفهم سوء عاقبة هل الكتاب في تضييعهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه زاجراً لهم عن نكث عهده لئلا يحل بهم ما حل بمن تقدم من الناكثين عهده من اهل الكتاب. وقال ابو الجارود عن ابى جعفر (ع) - الميثاق هو ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم كل مسكر وكيفية الوضوء على ما ذكره الله وغير ذلك ونصب امير المؤمنين (عليه السلام) اماماً للخلق وهذا داخل فيما حكيناه عن ابن عباس إذ هو بعض ما أمر الله به

الجنابذي

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} عطف على تيمّموا يعنى حين تطهّركم تذكّروا محمّداً (ص) او الاسلام الّذى هو البيعة مع محمّد (ص)، او الاسلام الحاصل بالبيعة مع محمّدٍ (ص) حتّى يكون شروطها فى ذكركم من عدم المخالفة واتّباع قوله فى كلّ ما يأمر وينهى، هذا ان كان المراد بالميثاق الميثاق الّذى أخذ عليهم بغدير خمٍّ، وان كان المراد بالميثاق المبايعة مع محمّدٍ (ص) فالمراد بالنّعمة هو الاسلام الحاصل بالبيعة، او محمّد (ص) فانّه اصل نعمة الاسلام كما انّ علياً (ع) اصل نعمة الايمان {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} عاهدكم عهداً وثيقاً به لعلىّ (ع) فى غدير خمّ حتّى لا تنسوه فتخالفوا عليّاً (ع) او عهداً وثيقاً بان لا تخالفوا قوله حتّى لا تنسوه فتخالفوا قوله فى علىّ (ع) والاوّل هو المروىّ {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا} قولك فى علىٍّ (ع) على الاوّل، او شرطك علينا بعدم المخالفة على الثّانى {وَأَطَعْنَا} عليّاً (ع) او اطعناك {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى نسيان نعمته ونقض ميثاقه بالمخالفة لعلىّ (ع) {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فيعلم نيّاتكم واغراضكم فكيف بأفعالكم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وتفسير ذلك في سورة الأعراف. وقال مجاهد: الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم عليه السلام. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بما في الصدور. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل، وهي الشهادة تكون عند الرجل. قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} قال بعضهم: ولا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا. قال الكلبي يعني به قريشاً الذين صدوهم عن المسجد الحرام وصدوا الهديَ، فأمر الله رسوله بالعدل فيهم، ولم يكن أُمِر بقتال المشركين يومئذ عامة. قوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [أي فإنه من التقوى]. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}. وإنما ارتفعت لأن إضمارها وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفي الوعد لهم مغفرة، أي لذنوبهم وأجر عظيم: أي الجنة.

اطفيش

تفسير : {وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم}: لا تنسوا ما أنعم الله عليكم به، أى لا تغفلوا عن ذكره، أو لا تحتقروه فتنسوه، وفى نسيانه عدم شكره فتهلكوا، والمراد نعمة الدين والدنيا، وفى الشكر المزيد ودخول الجنة، وعليكم حال من نعمة أو متعلق بنعمة، لدلالة لفظ نعمة على الانعام بكسر الهمزة، ولو كان نعمة بمعنى الأشياء المنعم بها، ووجه على أن النعم متجللة علينا، مستعلية علينا، ونحن مغمورون فيها والحمد لله. {وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ}: استوثق به منكم واستوثقتم به منه. {إِذ قُلْتُم سَمِعْنَا}: قولك يا رسول الله بآذاننا سماع، قبول بقلوبنا. {وَأطَعْنَا}: أطعناك فيما تأمر به أو تنهى عنه يا رسول الله، والهاء فى ميثاقه، والضمير فى واتق الله تعالى، والميثاق هو الميثاق الذى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين حين بايعوه على السمع والطاعة، فى حال العسر واليسر، والمنشط والمكروه، ففى صحيح الربيع على شرطه، عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى اليسر والعسر، والمكروه والمنشط، ولا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق ونقوم بالحق حيث ما كنا، ولا نخاف فى الله لومة لائم، وهذا بمعنى عند العقبة، ومضى ذكر ذلك، أو أراد مطلق قول المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعنا وأطعنا، ومطلق تواثقهم معه معنى ولفظاً، ومعنى أو أراد بيعة الرضوان فى الحديبية تحت الشجرة. وعلى كل فسمى الله جل وعلا ميثاق رسوله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين ميثاقاً له تعالى معهم، لأنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الله تعالى، فانما بايع لله جل وعلا ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله، وقيل المراد الميثاق الذى أخذ على الخلق يوم أخرجهم من آدم كالذر، وقال: {أية : ألست بربكم }تفسير : وهو قول مجاهد، والأوجه الأولى أليق بسياق الآية وهن للجمهور. {وَاتَقُوا اللهَ}: فى نقض الميثاق ونسيان النعم. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}: بالأمور التى فى الصدور، ولم ينطق بها لسان كعلمه بما نطق به اللسان سواء، فمن قال تفاوت علمه فى ذلك أشرك فهو يجازى على ما أظهر وعلى ما أخفى من خير وشر.

اطفيش

تفسير : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهَ} إِنعامه {عَلَيْكُمْ} بالإِسلام والأَمن وفتح البلاد أَو نعمته النازلة عليكم وهى ما ذكر وعظم النعمة يوجب الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأَوامره ونواهيه. {وَميِثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقكُمْ بِهِ} أَى عاقدكم عليه معاقدة شديدة كما تدل له المفاعلة، وفى الآية من واثق الرسول فقد واثق الله لأَنه الآمر بذلك {أية : إِن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله}تفسير : [الفتح: 10] {إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا} ما تقول بآذاننا وحفظنا {وَأَطَعنَا} أَذعنا لقولك فى أَمرك ونهيك حال العسر واليسر فى المكره والمنشط حين بايعهم فى المدينة{أية : إِن الذين يبايعونك}تفسير : [الفتح: 10] الآية، وليلة العقبة الثانية إِذ بايع الأَنصار قبل الهجرة سنة ثلاث عشرة من النبوة على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره، كما فى البخارى ومسلم، وفى الحديبية وفيها بيعة الرضوان وشهر أَنه نزل فيها {أية : لقد رضى الله عن المؤمنين} تفسير : [الفتح: 18] وأول من بايعه فى العقبة البراء بن معرور رضى الله عنه وهم سبعون، وبايعه أَقل من ذلك فى موسم قبل ذلك وفى الموسم قبله وقالوا: نمنعك مما نمنع به نفوسنا وأَولادنا ونساءَنا. ومات البراء هذا قبل هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد الميثاق الواقع فى العقبة الأولى سنة إِحدى عشرة من النبوة ولما أَراد الخروج لبدر خاف أَن يكونوا لا يرون الخروج إِلى الحرب بل يمنعونه من المضار فى المدينة فقط فعرض لهم بالخروج ولم يصرح ففطنوا فقالوا: اخرج حيث شئت فإِنا معك مقاتلون، وقيل: قال له البراء هذا فى البيعة فلعله صلى الله عليه وسلم خاف أَن ينسوا قول البراءِ أَو لم يرضوا به أَو بدا لهم فعرض، وعن مجاهد: المراد الميثاق الذى واثق به بنى آدم حين أَخرجهم من صلبه كالذر، وهو بعيد. {وَاتَّقُوا الله} أَن تنسوا نعمه، وفى كل ما تأْتون وما تذرون، ومنه أَن تنقضوا ذلك الميثاق أَو ميثاق يوم{أية : أَلست بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأَعراف: 172]. أَو هذا مراد أَيضاً فى قوله وميثاقه كما مر عن مجاهد. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بالأَشياءِ صاحبة الصدور المضمرة فيها كما علم بما أَظهرتموه على حد سواء.

الالوسي

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وهي نعمة الإسلام، أو الأعم على إرادة الجنس، وأمروا بذلك ليذكرهم المنعم ويرغبهم في شكره {وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ} أي عهده الذي أخذه عليكم وقوله تعالى: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ظرف ـ لواثقكم به ـ أو لمحذوف وقع حالاً من الضمير المجرور في {بِهِ} أو من ميثاقه أي كائناً وقت قولكم: سمعنا وأطعنا وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته (بتذكير قبولهم) والتزامهم بالمحافظة عليه، والمراد به الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم النبـي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية سنة ثلاث عشرة من النبوة على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت، وقيل: هو الميثاق الواقع في العقبة الأولى سنة إحدى عشرة، أو بيعة الرضوان بالحديبية، فإضافة الميثاق إليه تعالى مع صدوره عنه صلى الله عليه وسلم لكون المرجع إليه سبحانه كما نطق به قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح: 10]. وأخرج ابن جرير وابن حميد عن مجاهد قال: هو الميثاق الذي واثق به بني آدم حين أخرجهم من صلب أبيهم عليه السلام وفيه بعد. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في نسيان نعمته ونقض ميثاقه، أو في كل ما تأتون وتذرون فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي مخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لإطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها، فما ظنكم بجليات الأعمال؟ والجملة اعتراض وتعليل للأمر وإظهار الاسم / الجليل لما مر غير مرة.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}تفسير : [المائدة: 6] الآية الواقعة تذييلاً لقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}تفسير : [المائدة: 6] الآية. والكلام مرتبط بما افتتحت به السورة من قوله: {أوفوا بالعقود} لأنّ في التذكير بالنعمة تعريضاً بالحثّ على الوفاء. ذكّرهم بنعم مضت تذكيراً يقصد منه الحثّ على الشكر وعلى الوفاء بالعهود، والمراد من النّعمة جنسها لا نعمة معيّنة، وهي ما في الإسلام من العزّ والتمكين في الأرض وذهاب أحوال الجاهلية وصلاح أحوال الأمّة. والميثاق: العهد، وواثق: عاهد. وأطلق فعل وَاثق على معنى الميثاق الّذي أعطاه المسلمون، وعلى وعد الله لهم ما وعدهم على الوفاء بعهدهم. ففي صيغة {واثقكم} استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه. و{إذ} اسم زمان عُرّف هنا بالإضافة إلى قول معلوم عند المخاطبين. والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم عدّة عهود: أوّلها عهد الإسلام كما تقدّم في صدر هذه السورة. ومنها عهد المسلمين عندما يلاقون الرّسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وهو البيعة أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف، وهو عين العهد الذي ذكره القرآن في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة النساء المؤمنات، كما ورد في الصّحيح أنّه كان يبايع المؤمنين على مثل ذلك، ومنها بيعة الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحجّ سنة ثلاث عشرة من البعثة قبل الهجرة. وكانوا ثلاثة وسبعين رجلاً التقَوا برسول الله بعد الموسم في العقبة ومعهم العبّاس بن عبد المطلب، فبايعوا على أن يمنعوا رسول الله كما يمنعون نساءهم وأبناءهم، وعلى أنّهم يأوونه إذا هاجر إليهم. وقد تقدّم هذه البيعةَ بيعتان إحداهما سنة إحدى عشرة من البعثة، بايعة نَفَر من الخزرج في موسم الحجّ. والثّانية سنة اثنتي عشرة من البعثة، بايع اثنا عشر رجلاً من الخزرج في موسم الحجّ بالعقبة ليبلّغوا الإسلام إلى قومهم. ومن المواثيق ميثاق بيعة الرضوان في الحديبية تحت الشجرة سنة ستّ من الهجرة، وفي كلّ ذلك واثقوا على السمع والطاعة في المنشط والمَكْرَه. ومعنى {سمعنا وأطعنا} الاعتراف بالتّبليغ، والاعتراف بأنّهم سمعوا ما طُلب منهم العهد عليه. فالسمع أريد به العلم بما واثقوا عليه، ويجوز أن يكون {سمعنا} مجازاً في الامتثال، {وأطعنا} تأكيداً له. وهذا من استعمال سَمِع، ومنه قولهم: بايَعوا على السمع والطّاعة. وقال النّابغة يذكر حالة من لدغته حيّة فأخذوا يرقونه:شعر : تَنَاذَرَهَا الرّاقُون من سُوء سمعها تفسير : أي من سوء طاعتها للرقية، أي عدم نجاح الرقية في سمّها. وعقّب ذلك بالأمر بالتّقوى؛ لأنّ النعمة تستحقّ أن يشكر مُسديها. وشكر الله تَقواه. وجملة {إنّ الله عليم بذات الصدور} تذييل للتحذير من إضمار المعاصي ومن توهّم أنّ الله لا يعلم إلاّ ما يبدو منهم. وحرف (إنّ) أفاد أنّ الجملة علّة لما قبلها على الأسلوب المقرّر في البلاغة في قول بشّار:شعر : إنّ ذاك النجَاح في التبكير

القطان

تفسير : بعد ان بين سبحانه هذه الأحكام للمسلمين يومذاك أَتبع بنعمه التي أنعم بها عليهم، ومنها انهم كانوا كفاراً متباغضين فأصبحوا بهدايته إخواناً متحابّين. وهو يخاطبهم أن اذكروا العهد الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمداً على السمع والطاعة حين قلتم له: سمعْنا ما أمرتَنا به ونهيتنا عنه، وأطعْناك فيه فلا نعصيك في معروف. اتّقوا الله بالمحافظة على هذه العهود فإنه عليم بخفيّات ما تضمرونه فمُجازيكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقَهُ} (7) - وَتَذَكَّرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إذْ كُنْتُمْ كُفَّاراً مُتَبَاغِضِينَ فَأَصْبَحْتُمْ بِفَضْلِ اللهِ إخْوَاناً مُتَحَابِّينَ، وَتَذَكَّرُوا العَهْدَ الذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ، حِينَ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ (أي المَحْبُوبِ وَالمَكْرُوهِ)، وَالعُسْرِ وَاليُسْرِ، حِينَ قُلْتُمْ سَمِعْنَا مَا أَمَرْتَنَا بِهِ، وَمَا نَهَيْتَنَا عَنْهُ، وَأطَعْنَاكَ فِيهِ فَلاَ نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ، وَكُلُّ مَا جِئْتَنَا بِهِ فَهُوَ مَعْرُوفٌ. وَاتَّقُوا اللهَ فَلاَ تَنْقُضُوا عَهْدَهُ، وَلاَ تُخَالِفُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، إنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيهْ شَيءٌ مِمَّا أضْمَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِمَّنْ أخَذَ عَلَيْهِم المِيثَاقَ مِنَ الوَفَاءِ بِهِ، أوْ عَدَمِ الوَفَاءِ بِهِ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيهِ السَّرَائِرُ مِنَ الإِخْلاَصِ وَالرِّيَاءِ. المِيثَاقُ - هُوَ البَيْعَةُ التِي كَانَ المُسْلِمُونَ يُبَايعُونَ رَسُولَ اللهِ عَلَيْها حِينَ إسْلاَمِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وللإنسان أن يسأل: وما هو الذكر؟. الذكر هو حفظ الشيء أو استحضاره، فإذا كان حفظ الشيء فهو حفظ لذاته، لكن الاستحضار يكون لمعنى الشيء. إذن فهناك فرق بين حفظ الشيء واستحضار الشيء، هذا هو معنى الذكر. وقد يكون الذكر بمعنى القول؛ لأنك لا تقول الشيء إلا بعد أن تستحضره. ولذلك نجد في تكوين الجهاز العصبي الأعلى ذاكرة، وحافظة، ومخيلة. ومن عجيب أمر التكوين الخلقي أن تمر أحداث على الإنسان في زمن مضى ولا يذكرها الإنسان لمدة طويلة تصل إلى سنوات، ثم يأتي للإننسان ظرف من تداعي المعاني فيذكر الإنسان هذا الشيء الذي حدث منذ عشرين عاماً. إذن فالشيء الذي أدركه الإنسان منذ عشرين سنة على سبيل المثال لم يذهب، ولو ذهب ما ذكره الإنسان، لكنه غاب فقط عن الذهن عشرين عاماً أو أكثر؛ فلما تداعت المعاني تذكره الإنسان. ومعنى ذلك أن هذا الشيء كان محفوظاً عند الإنسان وإن توارى عنه مدة طويلة. فالذاكرة - إذن - معناها أن يستدعي الإنسان المحفوظ ليصير في بؤرة شعوره. مثال ذلك: حادث وقع بين إنسان وآخر منذ أكثر من عشرين عاماً. ونسي الإنسان هذا الحادث. فلما التقى بصديقه، وجلسا يتذاكران الماضي تذكر الصديق الحادث الذي حدث له منذ أكثر من عشرين عاماً. إذن فالحادثة لم تذهب من الذاكرة، ولكنها محفوظة موجودة في حواشي الشعور البعيدة، وكلما بعد الإنسان في الزمن يبدو وكأنه نسي الحادثة، لكن عندما يأتي تداعي المعاني فالحادثة تأتي في بؤرة الشعور. فإذا ما جاءت في بؤرة الشعور من حواشي الشعور حيث مخزن الحافظة، يتذكرها الإنسان. وهذه هي قوة الخالق جل وعلا. وقد يسجل أحدنا على شريط تسجيل بعضاً من الكلام. ومن بعد ذلك يجب أن يسجل كلاماً آخر على الشريط نفسه فيمسح الكلام الذي سجله أولاً، ولكن ذاكرة الإنسان تختلف، فساعة تأتي المسائل في بؤرة شعوره فالإنسان يتذكرها. وإذا ما جاءت مسألة أخرى بعدها فلا بد أن تتزحزح المسألة الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور؛ لأن بؤرة الشعور لا تستقبل إلا خاطراً واحداً، فإن شغلت بؤرة الشعور بخاطر آخر فهي تحفظ الخاطر الأول في حواشي الحافظة. ولا يمسح خاطر خاطراً آخر. فإن أراد الإنسان أن يستدعي الخاطر القديم، كان ذلك في مقدوره، وهذا هو الفارق بين تسجيل الخالق وتسجيل المخلوق. وبعد ذلك نجد ان التذكر يكون للمعاني، فالذي يخزن في ذاكرة الإنسان ليس أَجْرَاماً، فلو كانت أجراماً لما وسعها المخ. ولهذا فالمعاني لا تتزاحم فيه، بل تتراكم بحيث إذا ما جاء تداعي المعاني فالإنسان يتذكر ما يريد أن يذكره، وذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان المخ من صنع الخالق الأعلى. ومادامت المعاني ليس لها حيز فالإنسان يقدر على حفظها في الذاكرة. الإنسان قد يجلس ليتذكر أسماء الجبال في العالم فيقول: من جبال العالم قمة "إفريست"، وجبال "الهمالايا"، وجبل "أحد" وجبل "ثور". وساعة يتذكر هذه الأسماء فهو يتصور معانيها، فالموجود في ذهن الإنسان معاني هذا الكلمات وليس أجرام هذه الكائنات؛ لذلك فلا تزاحم أبداً في المعاني بل تظل موجودة ومختزنة في الذاكرة وحاشية الشعور. وإياكم أن تفهموا أن إنساناً يملك من الذكاء ما يحفظ به الشيء من مرة واحدة: وآخرَ أقل ذكاء يحفظ بعد قراءة الشيء مرتين، وثالثاً يحفظ عن ثلاث مرات لا، لأن الإنسان يملك ذهناً كآلة التصوير يلتقط من مرة واحدة، لكن لو أخذ الإنسان صورة لمكان وجاء شيء يضبب عدسة الصورة فهو يعيد التصوير، وكذلك الذهن إن أراد الإنسان أن يأخذ لقطة لشيء ما لتستقر في بؤرة الشعور وفي بؤرة الشعر شيء آخر، فالشيء لا يستقر في الذهن، بل لا بد من قراءة مضمون اللقطة مرة ثانية ليؤكد الإنسان المعلومات لتنطبع في بؤرة الشعور. ومثال ذلك الطالب الذي يدخل ساحة المدرسة التي يُعقد بها الامتحان. وقبل أن يدق جرس الامتحان بخمس دقائق يأتي له واحد من زملائه ويقول له: ها ذاكرت الموضوع الفلاني. فيقول الطالب: لا لم استذكره. فيقول الصاحب: هذا الموضوع سيأتي منه سؤال في الامتحان. فيخطف الطالب كتابا ويقرأ فيه هذا الموضوع لمرة واحدة. هذا الطالب في هذه اللحظة لا يتذكر ماذا سيأكل على الغداء هذا اليوم، أو من سيقابل. بل يعرف أنه بصدد أمر فرصته ضيقة، ويركز كل ذهنه ليستقبل ما يقرأه. وفي لحظة واحدة يحفظ هذا الموضوع. وإذا جاء الامتحان ووجد السؤال فهو يجيب عليه بأدق التفاصيل. وقد نجد طالبا آخر جلس لأيام يحاول استذكار هذا الدرس بلا طائل. إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة، شريطة ألا يستقبل الإنسان ما يقرأه أو يسمعه من معلومات والذهن مشغول بأشياء أخرى. والدليل على ذلك: أن الإنسان قد يسمع القصيدة مرة واحدة أو يسمع الخطبة مرة واحدة فيحفظ من القصيدة أكثر من بيت، أو يحفظ من الخطبة أكثر من مقطع؛ لأن ذهن الإنسان في تلك اللحظة كان خياليا فالتقط الأبيات التي حفظها، وكذلك الخطبة، أما بقية أجزاء القصيدة أو الخطبة فقد يكون الذهن شرد إلى أشياء أخرى. ولذلك يحاول الإنسان أن يكرر الاستماع والإصغاء والقراءة أكثر من مرة ليهيئ ويعد بؤرة الشعور، فيحفظ الإنسان ما يريد. إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة، أما الذاكرة فهي تتذكر أي تستحضر المعاني التي قد تختفي في الحافظة، ولا شيء يضيع في الحافظة أبدا، بحيث إذا جاء الاستدعاء طفت المعاني على السطح. كأن انطباعات الإنسان في نعم الله لا تُنسى أبدا. وهي موجودة عند الإنسان، ولكنها تريد من الإنسان أن يستدعيها من الحافظة ويطلبها. ولنر دقة الأداء القرآني: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} سبحانه يقول هنا "نعمة" مع ان نعم الله كثيرة، ولكن الله قد آثر أن يأتي بالمفرد ولم يأت بالجمع. وذلك ليبين للإنسان أن أية نعمة في أية زاوية من حياة الإنسان تستحق أن يذكرها الإنسان؛ فنعم الله كثيرة، ولكن ليتذكر الإنسان ولو نعمة واحدة هي نعمة الإيجاد من عدم، أو نعمة البصر، أو السمع. وكل نعمة من هذه النعم تستحق من الإنسان أن يتذكرها دائما، ولا تطرد نعمة نعمة أخرى، فما بالنا إذا كانت النعم كثيرة؟ ولو تمعن الإنسان في كل نعمة لاحتاجت إلى أن يتذكرها دائما، أو أن النعمة اسم للجنس كله؛ لأن المفرد يطلق على كل الجنس، مثل الإنسان فإنها تطلق على كل فرد من أفراده مثل محمد وعلي وخالد. وكلمة "النعمة" قد تُنسب إلى سببها كنعمة سببها مروءة واحد من البشر، وهي محدودة بمقدار الأثر الذي أحدثته. لكن نحن هنا أمام نعمة المسبب وهو الله، ولا بد أن تناسب نعمة الله جلال وجمال عظمته وعطائه. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} و"واثق" تقتضي امرين: فالإنسان طرف الاحتياج والفقر والأخذ، والرب صاحب الفضل والعطاء والغنى، إنه هو الربوبية وأنت العبودية، وهو الحق القائل: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة: 40] إذن فـ "واثقكم" تعني التأكيد من طرفين؛ لأن "واثق" على وزن "فاعَلَ"، ولا بد في "فاعَلَ" أن تكون من اثنين. ومثال ذلك "شارك" تقولها لاثنين أو أكثر؛ فنقول: "شارك زيد عمراً"؛ وكذلك "قاتل زيد عمراً". وحين يقول الحق: إنه "واثق عباده" أي أنه شاركهم في هذا الميثاق وقبله منهم. لكن أي ميثاق هذا؟ ونحن نعرف الميثاق الأول الذي هو ميثاق الذر: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 172] وهو ميثاق الفطرة قبل أن توجد النفس وشهواتها. وبعد ذلك هناك ميثاق العقل الذي نظر به الإنسان إلى الوجود واستطاع أن يخرج من تلك الرؤية بأن الوجود محكم ومنظم وواسع، ولا بد لهذا الوجود من واجد وهو الله. وبعد ذلك ميثاق الإيمان بالله، فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما عرض منهج الإسلام آمن به بعض الناس، أي أخذ منهم عهداً على أن ينفذوا مطلوبات الله، ألم يأخذ الرسول عهداً في العقبة حين قالوا له: خذ لنفسك ولربّك ما أحببت. فتكلم - رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام ثم قال: "حديث : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" تفسير : فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أُزُرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أبناء الحرب وأهل الحلقة (السلاح) ورثناها كابرا عن كابر. وحدث هذا - أيضا - عند بيعة الرضوان تخت الشجرة. إذن فمعنى "واثقكم به" إما أن يكون العهد العام الإيماني في عالم الذر، وإما أن يكون العهد الإيماني الذي جاء بواسطة الرسل. {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وحين يؤمن الإنسان يقول: سمعت وأطعت، وهكذا تنتهي مسألة التعاقد. ويتبع الحق ذلك بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. واتقوا أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، فالمطلوب منا أن نلتحم بمنهج الله إلتحاما كاملا، وعلينا كذلك أن نجعل بيننا وبين صفات غضب الله وقاية. وعرفنا أن قوله الحق: "اتقوا الله" متساوٍ مع قوله: "اتقوا النار"، وقد يقول قائل: وهل للنار أوامر ونواه؟ ونقول: أحسن الفهم عن ربك واجعل بينك وبين غضب الله وقاية، فالنار جند من جنود الله. وسبحانه يوضح: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية؛ لأن الحق له صفات جلال هي الجبروت والانتقام والقهر، وللحق صفات جمال فهو الغفور الرحيم المغني، الحكيم إلى غير ذلك من صفات الجمال، إذن فلنجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية تقينا من جنود صفات الجلال ومنها النار. وقلنا من قبل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغنا أنه في الليلة الأخيرة من رمضان يتجلى الجبار بالمغفرة. والنظرة السطحية تتساءل: ولماذا لم يقل: يتجلى الغفار بالمغفرة؟ ذلك أن (الجبار) صفة من صفات الجلال التي تقتضي معاقبة المذنب، والذنب متعلق بصفات الجلال لا بصفات الجمال، إذن فالمنطق يقتضي أن يقف المذنب أمام شديد الانتقام؛ لأن المقام يناسب صفات الجلال، ولكن علينا أن نتذكر جيدا أن الله يرخي العِنان للمذنب لعله يتوب،وأن الله يفرح بتوبة عبده وأن رحمته تَغْلب غضبه. ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} والتقوى - كما نعلم - لا تنشأ من الأفعال المحسة المدركة فقط، بل تنشأ أيضا في الأحوال الدخيلة المضمرة. ومثال ذلك نية سيئة ونية حسنة. فالحقد، الحسد، التبييت، المكر، كل ذلك صفات سيئة؛ فإياكم أن تقولوا إن التقوى للمدركات فقط؛ بل للمحسات أيضا. وعمل القلوب له دخل في تقوى الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الأندلسي

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} الخطاب للمؤمنين والنعمة هنا الإِسلام وما صاروا إليه من اجتماع الكلمة والعزة والميثاق هو ما أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وبيعة الرضوان وكل مواطن، قاله ابن عباس. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} الآية، تقدم تفسير مثل الجملة الأولى في النساء إلا أن هناك بدىء بالقسط، وهنا آخر. وهذا من التوسع في الكلام والتفنن في الفصاحة ويلزم من كان قائماً لله أن يكون شاهداً بالقسط ومن كان قائماً بالقسط أن يكون قائماً لله إلا أن التي في النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسؤال من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاجن فبدىء فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين ثم أردف بالشهادة بالعدل فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط والتي في معرض العداوة والشنآن بدىء فيها بالقيام لله فناسب كل معرض ما جيء به إليه وأيضاً فتقدم هناك حديث النشور والإِعراض. وقوله: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ}تفسير : [النساء: 129]، وقوله: {أية : فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا}تفسير : [النساء: 128]، فناسب ذكر تقدم القسط وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط وتعدية يجر منكم بعلي هنا يدل على أن معناه يحملنكم لأن يكسبنكم لا يتعدى بعلي إلا أن ضمّن معنى ما يتعدى بها وهو خلاف الأصل. {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} هو ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: {ٱعْدِلُواْ}، كقولهم: من كذب كان شراً له ففي كان ضمير يفهم من قولهم كذب وكذلك هو أي العدل أقرب للتقوى نهاهم أولاً أن تحملهم الضغائن على ترك العدل ثم أمرهم ثانياً به تأكيداً، ثم استأنف نذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله: هو أقرب للتقوى أي أدخل في مناسبتها أو أقرب لكونه لطفاً فيها وفي الآية تنبيه على مراعاة حق المؤمنين بالعدل إذا كان تعالى قد أمر بالعدل مع الكافرين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} لما كان الشنآن محلة القلب وهو الحامل على ترك العدل أمر بالتقوى وأتى بصفة خبير ومعناها عليم ولكنها مما تختص بما لطف إدراكه فناسب هذه الصفة أن ينبّه بها على الصفة القلبية لما نادى المؤمنين وأمرهم بالقيام لله والشهادة بالسقط ذكر موعودهم بقوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ووعد تعدى لاثنين والثاني محذوف تقديره الجنة وقد صرح بها في غير هذا الموضع والجملة من قوله: لهم مغفرة مفسرة لذلك المحذوف تفسير السبب للمسبب لأن الجنة مترتبة على الغفران وحصول الأجر وإذا كانت الجملة مفسرة فلا موضع لها من الإِعراب والكلام قبلها تام. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} الآية، لما ذكر ما لمن آمن ذكر ما لمن كفر وفي المؤمنين، جاءت الجملة فعلية متضمنة الوعد بالماضي الذي هو دليل على الوقوع فأنفسهم متشوقة لما وعدوا به متشوقة إليه مبتهجة طول الحياة بهذا الوعد الصادق وفي الكافرين جاءت الجملة إسمية دالة على ثبوت هذا الحكم له وانهم أصحاب النار فهم دائمون في عذاب إذ حتم لهم أنهم أصحاب الجحيم ولم يأت بصورة الوعيد فكان يكون الرجاء لهم في ذلك. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ} الآية، عن ابن عباس انها نزلت من أجل كفار قريش، وقد تقدم ذكرهم قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما سمعتم ما سمعتم، ووعدتم من عنده ما وعدتم {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} التي أنعم بها {عَلَيْكُمْ} وقوموا بشكرها {وَ} تذكروا {مِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ} حين سمعتم قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُم} [الأعراف: 172]: {سَمِعْنَا} قولك، أنت ربنا أظهرتنا من العدم {وَأَطَعْنَا} ما أمرتنا به طوعاً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} من نقض ميثاثه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بالسرائر والخفايا {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [المائدة: 7] أي: بمكنونات صدروكم يجازيكم على مقتضى علمه وخبرته. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} مستقيمين فيما أمرتم به في طريق توحيده {شُهَدَآءَ} حضراء مستحضرين {بِٱلْقِسْطِ} لحقوق آلائه الإلهية، ونعمائه الفائضة لكم من عنده تفضلاً وامتناناً {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا حملنَّكم ولا يبعثنَّكم {شَنَآنُ قَوْمٍ} شدة عداوة قوم وبغضهم {عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} ولا تقصطوا فيما أنعم الله عليكم، بأن تجاوزوا عن حدود الله حين القدرة على الانتقام منهم؛ تشفياً لصدوركم، بل عليكم أن تقسطوا في كل الأحوال، سيما عند الاقتدار {ٱعْدِلُواْ} أيها المنعمون بالقدرة والظفر {هُوَ} أي: عدلكم {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المراقب لكم في جميع أحوالكم {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] من مقتضيات نفوسكم وتسويلاتها. {وَعَدَ ٱللَّهُ } المدبر لأمور عباده {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيده {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة نحوه، المأمورة من عنده بأن حصل لهم مغفرة لذنوبهم؛ تفضلاً وامتناناً (وَ) مع ذلك {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9] هو الفوز بشرف اللقاء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} [المائدة: 7]، التي أنعم بها، {عَلَيْكُمْ} [المائدة: 7]، في بدء الوجود بإخراجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود قبل كل موجود وخلقكم في أحسن التقويم بقول الدين القويم، وهداكم إلى الصراط المستقيم، واستماع خطاب ألست بربكم وجواب بلى، {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} [المائدة: 7]؛ أي: العهد الذي عاهدكم به على التوحيد والعبودية ووفقكم للسمع والطاعة {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [المائدة: 7]، ولو لم تكن نعمة التوفيق لقلتم سمعنا وعصينا كما قال أهل الخذلان في العصيان {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 7]، أي: اتقوا بالله عن غير الله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [المائدة: 7]، أي: بالقلوب وما فيها من الاتقاء عن الأِشياء. ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} [المائدة: 8]، والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، {شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} [المائدة: 8]، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ} [المائدة: 8]، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى العداء، والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم الصفات السبعية والشيطانية. {ٱعْدِلُواْ} [المائدة: 8]، هذا أيضاً من التلوين للقوامين بالقسط فلا يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء على سمت الربوبية {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8]، يعني: العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 8]، أي: اتقوا بالله عن غير الله {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، إنكم لا تقدرون على الاتقاء بالله إلا بجذبات الله. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [المائدة: 9]، التي تصلحهم بقبول الجذبات {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9]، وهو جذبات لتأخذهم عنهم به إليه فافهم جيداً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده بذكر نعمه الدينية والدنيوية، بقلوبهم وألسنتهم. فإن في استدامة ذكرها داعيا لشكر الله تعالى ومحبته، وامتلاء القلب من إحسانه. وفيه زوال للعجب من النفس بالنعم الدينية، وزيادة لفضل الله وإحسانه. و { مِيثَاقَه } أي: واذكروا ميثاقه { الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ } أي: عهده الذي أخذه عليكم. وليس المراد بذلك أنهم لفظوا ونطقوا بالعهد والميثاق، وإنما المراد بذلك أنهم بإيمانهم بالله ورسوله قد التزموا طاعتهما، ولهذا قال: { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي: سمعنا ما دعوتنا به من آياتك القرآنية والكونية، سمع فهم وإذعان وانقياد. وأطعنا ما أمرتنا به بالامتثال، وما نهيتنا عنه بالاجتناب. وهذا شامل لجميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة. وأن المؤمنين يذكرون في ذلك عهد الله وميثاقه عليهم، وتكون منهم على بال، ويحرصون على أداء ما أُمِرُوا به كاملا غير ناقص. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في جميع أحوالكم { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما تنطوي عليه من الأفكار والأسرار والخواطر. فاحذروا أن يطلع من قلوبكم على أمر لا يرضاه، أو يصدر منكم ما يكرهه، واعمروا قلوبكم بمعرفته ومحبته والنصح لعباده. فإنكم -إن كنتم كذلك- غفر لكم السيئات، وضاعف لكم الحسنات، لعلمه بصلاح قلوبكم.