Verse. 677 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُوْنُوْا قَوّٰمِيْنَ لِلہِ شُہَدَاۗءَ بِالْقِسْطِ۝۰ۡوَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَـنَاٰنُ قَوْمٍ عَلٰۗي اَلَّا تَعْدِلُوْا۝۰ۭ اِعْدِلُوْا۝۰ۣ ہُوَاَقْرَبُ لِلتَّقْوٰى۝۰ۡوَاتَّقُوا اللہَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ خَبِيْرٌۢ بِمَا تَعْمَلُوْنَ۝۸
Ya ayyuha allatheena amanoo koonoo qawwameena lillahi shuhadaa bialqisti wala yajrimannakum shanaanu qawmin AAala alla taAAdiloo iAAdiloo huwa aqrabu lilttaqwa waittaqoo Allaha inna Allaha khabeerun bima taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين» قائمين «لله» بحقوقه «شهداء بالقسط» بالعدل «ولا يجرمنكم» يحملنكم «شنَآن» بغض «قوم» أي الكفار «على ألاَّ تعدلوا» فتنالوا منهم لعدواتهم «إعدلوا» في العدو والولي «هو» أي العدل «أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» فيجازيكم به.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ } هذا أيضاً متصل بما قبله، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى. واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فقوله {كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ } إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وقوله {شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان: الأول: قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. الثاني: قال الزجاج: المعنى تبينون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم، فهذا خطاب عام، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والانصاف، وترك الميل والظلم والاعتساف، والثاني: أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام. فإن قيل: فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم؟ قلنا: يمكن ظلمهم أيضاً من وجوه كثيرة: منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء، ومنها إيقاع المثلة بهم، ومنها نقض عهودهم، والقول الأول أولى. ثم قال تعالى: {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } فنهاهم أولاً عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل/ ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } ونظيره قوله {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237] أي هو أقرب للتقوى، وفيه وجهان، الأول: هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى، والثاني: هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه. ثم ذكر الكلام الذي يكون وعداً مع المطيعين ووعيداً للمذنبين وهو قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ} الآية تقدّم معناها في «النساء». والمعنى: أتممت عليكم نعمتي فكونوا قوّامين لله، أي لأجل ثواب الله؛ فقوموا بحقه، وٱشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم، وحَيْف على أعدائكم، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق. وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدوّ على عدوّه في الله تعالىٰ ونفوذ شهادته عليه؛ لأنه أمر بالعَدْلِ وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه. ودلّت الآية أيضاً على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثْلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلهم بمُثْلةٍ قصداً لإيصال الغمّ والحزن إليهم؛ وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة؛ هذا معنى الآية. وتقدّم في صدر هذه السورة معنى قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ}. وقرِىء «وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ» قال الكسَائيّ: هما لغتان. وقال الزّجاج: معنى «وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ» لا يُدخلنكم في الجُرم، كما تقول آثمني أي أدخلني في الإثم. ومعنى {هو أقْربُ لِلتَّقَوىٰ} أي لأن تتقوا الله. وقيل: لأن تتقوا النار. ومعنى {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي قال الله في حق المؤمنين: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» أي لا تعرف كنهه أفهام الخلق؛ كما قال: { أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تفسير : [السجدة: 17]. وإذا قال الله تعالىٰ: {أَجْرٌ عَظِيمٌ} و {أَجْرٌ كَرِيمٌ} و {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} فمن ذا الذي يقدر قدره؟. ولما كان الوعد من قبيل القول حسن إدخال اللام في قوله: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» وهو في موضع نصب؛ لأنه وقع موقع الموعود به، على معنى وعدهم أنّ لهم مغفرة، أو وعدهم مغفرة إلاَّ أن الجملة وقعت موقع المفرد؛ كما قال الشاعر: شعر : وَجَدْنا الصَّالحين لهم جزاءَ وَجِنَّاتٍ وَعَيناً سَلْسَبِيَلا تفسير : وموضع الجملة نصب؛ ولذلك عطف عليها بالنصب. وقيل: هو في موضع رفع على أن يكون الموعود به محذوفاً؛ على تقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم به. وهذا المعنى عن الحسن. {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ} نزلت في بني النَّضِير. وقيل: في جميع الكفار.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ } قائمين {لِلَّهِ } بحقوقه {شُهَدَاءَ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } يحملنكم {شَنَئَانُ } بغض {قَوْمٍ } أي الكفار {عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } فتنالوا منهم لعداوتهم {ٱعْدِلُواْ } في العدوّ والولي {هُوَ } أي العدل {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْقِسْطِ} بالعدل شهداء لحقوق الناس أو بما يكون من معاصيهم، أو شهداء لأمر الله بأنه حق.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} الآية. لما حثَّهُم على الانْقِيَاد للتَّكَالِيف، وهي مع كثرتها مَحْصُورَةٌ في نَوْعين: التَّعْظِيم لأمر اللَّه، والشَّفقة على خَلْقِ اللَّه. قوله: {كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} إشارةٌ على التَّعْظيم لأمر اللَّه، ومعنى القيام للَّه: هو أن يَقُومَ للَّه بالحقِّ في كلِّ ما يَلْزَمه، وقوله: "شُهَدَاء بالقسطِ" إشارةٌ إلى الشَّفقة على خَلْقِ اللَّه، فيه قولان: الأوَّل: قال عطاءُ: لا تُحاب من شهادتِكَ أهْل وُدِّك وقَرابتِك، ولا تمنع شهادتك أعداءَك وأضْدَادَك. الثاني: أمرهم بالصِّدْق في أفْعالهم وأقوالهم، وتقدَّم نَظِيرُها في "النِّسَاء"، إلاَّ أنَّ هناك قدَّم لَفْظَة "القِسْط" وهنا أخِّرَت، وكأنَّ الغَرَضَ في ذلك - والله أعلم - أنَّ آية "النِّسَاء" جِيء بها في مَعْرِض الإقْرَارِ على نَفْسِهِ ووالِدَيْه وأقَارِبِه، فَبُدِئ فيها بالقِسْطِ الذي هو العَدْلُ من غير مُحَابَاة نَفْسٍ، ولا والِدٍ، ولا قَرَابَةٍ، والَّتِي هنا جِيءَ بها في [مَعْرِض] ترك العداوة، فبُدِىء فيها [بالأمْر] بالقِيَام لِلَّه، لأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤمنين، ثم ثُنِّي بالشَّهادة بالعَدْلِ، فَجِيءَ في كُلِّ مَعْرضٍ بما يُنَاسِبُه. وقوله: "وَلاَ يَجْرمَنَّكُم" تقدَّم مثله، وكذلك "شَنَآنُ قَوْمٍ". قوله تعالى: {عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ}. أي لا يحملَنَّكُم بُغْضُ قومٍ على أن لا تَعْدلُوا، وأراد: لا تَعْدِلوا فيهم فَحُذِفَ لِلْعِلْم به، وظُهُور حرف الجرِّ هنا يرجحُ تَقْدِيرهُ. قيل: والمعنى: ولا يَحْمِلَنَّكُم [بُغْضُ] قوم على أن تجُورُوا عَلَيْهم، وتتَجاوزُوا الحدَّ، بل اعْدِلُوا فيهم، وإن أسَاءُوا إلَيْكم، وهذا خِطَابٌ عامٌّ، وقيل: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بالكُفَّار، فإنَّها نزلت في قُرَيْشٍ لما صَدُّوا المُسْلِمين عن المَسْجِد الحَرَام. قوله: {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. نهاهم أوَّلاً عن أن يَحْمِلَهُم البَغْضَاءُ على ترك العدلِ، ثم اسْتَأنَفَ فصرَّح لهم بالأمْر بالعدْل تأكِيداً، ثم ذكر عِلَّة الأمْر بالعَدْل وهو قوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، والمَعْنَى: أقْرَبُ إلى الاتِّقَاء من مَعَاصِي اللَّه، وقيل: أقْرَبُ إلى الاتِّقَاء من عَذَابِ اللَّه. و"هُوَ" ضمير المَصْدرِ المَفْهُوم من الفِعْلِ أي: العدل، وفيه تَنْبِيهٌ على أنَّ وجوب العَدْلِ إذا كان مع الكُفَّار الذين هُمْ أعداءُ اللَّه بهَذِه الصِّفَة من القُوَّة، فَكَيْفَ بوجُوبِهِ مع المُؤمنين الذين هم أوْلِيَاؤُه وأحِبَّاؤُه، ثم ذكر كلاماً كالوعد للمُطِعين والوعيد للمُذْنِبِين، وهو قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، يعني: [أنَّه] عالم بجميع المَعْلُومَات، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أحْوَالِكُمْ. ثم ذَكَرَ وعْدَ المُؤمنين فقال: "وَعْدَ اللَّه.." الآية. واعلم أن "وَعْد" يتعدَّى لاثْنَيْن: أوَّلهما: الموْصُولُ. والثاني: [مَحْذُوف] أي الجنَّة. وقد صرَّح بهذا المَفْعُول في غير هذا المَوْضِع، وعلى هذا فالجُمْلَةُ من قوله: "لَهُم مَغْفِرَةٌ" لا مَحَلَّ لها؛ لأنَّها مُفَسِّرة لذلك المَحْذُوف تَفْسِير السَّبَب للمُسَبّبِ، فإن الجَنَّة مسببة عن المَغْفِرَة، وحُصُول الأجْرِ العَظِيم، والكلام قبلها تَامٌّ بِنَفْسه. وذكرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَة احْتِمالاتٌ [أخَر]. أحدها: أنَّ الجملة من قوله "لَهُم مَغْفِرَةٌ" [بيان للوعد]، كأنَّه قال: قدم لهم وَعْداً، فَقِيلَ: أيُّ شيء وَعَدَهُ؟ فقال: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، وعلى هذا فلا مَحَلَّ لها أيضاً، وهذا أوْلَى من الأوَّل؛ لأنَّ تفسير المَلْفُوظِ به أوْلَى من ادِّعاء تَفْسِير شَيْءٍ مَحْذُوف. الثاني: أنَّ الجملة مَنْصُوبةٌ بقول محذوف، كأنَّه قيل: وعدهُم، وقال لهم: "مَغْفِرَة". الثالث: إجراء الوَعْدِ مجرى القَوْل؛ لأنَّه ضَرْبٌ منه، ويَجْعَل "وَعَدَ" واقعاً على الجُمْلَةِ الَّتِي هي قوله: "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ"، كما وقع "تَرَكْنَا" على قوله تعالى: {أية : سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [الصافات: 79] كأنه قيل: وعدهَمُ هذا القَوْل، وإذا وَعَدَهُمْ من لا يَخْلِفُ المِيعاد فَقَدْ وعدهم مَضْمُونَهُ من المَغْفِرَة والأجْرِ العَظِيم، أي: وعدهُم بهذَا المَجْمُوع، وإجراء الوَعْدِ مَجْرى القَوْل مذهب كُوفِيٌّ. ثم ذكر وَعِيدَ الكُفَّار فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية. "الذين كفروا" مبتدأ، و"أولَئِكَ" مُبْتَدأ ثانٍ، و"أصْحَابُ" خبره، والجُمْلَة خَبَرُ الأوَّل، وهذه الجُمْلَة مُسْتَأنَفَةٌ، آُتِي بها اسمية دلالة على الثُّبُوتِ والاسْتِقْرَارِ، ولم يُؤتَ بِها في سِيَاقِ الوعيد، كما أتى بالجُمْلَةِ قَبْلَها في سِيَاقِ الوَعْدِ حَسْماً لرَجَائهم، وأجاز بَعْضُهُمْ أن تكون هذه الجُمْلَة داخِلَةً في حَيِّز الوَعْد على ما تقدم تقريره في الجُمْلَةِ قبلها. قال: لأنَّ الوعيدَ اللاَّحِقَ بأعْدائِهم ممَّا يَشْفِي صُدورهُمْ، ويُذْهِب ما كانوا يَجِدُونَهُ من أذَاهُمْ، ولا شَكَّ أن الأذى اللاَّحقِ للعَدُوِّ، مما يَسُرُّ، ويفرح ما عند عَدُوِّهِ، وفيه نظر، فإن الاسْتِئنَاف وافٍ بهذا المَعْنَى، فإن الإنْسَان إذا سَمِعَ خبراً يَسُوء عَدُوَّهُ سُرَّ بذلك، وإن لم يُوعد به، وقد يتقوى [صاحب] هذا القول المُتقدِّم بأن الزَّمَخْشَرِيَّ قد نحَا إلى هذا المَعْنَى في سورة {سُبْحَانَ} [الإسراء: 9، 10]. قال: فإن قُلْتَ، علام عَطَف {أية : وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الإسراء: 10]. قلت: على {أية : أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 9] على أنه بُشرى للمؤمنين ببشارتيْن بثوابِهِم، وبعقَابِ أعْدَائهم، فجعل عِقاب أعدائِهِم داخِلاً في حَيِّز البشارَة فالبشارة هناك كالوَعْدِ هُنَا. وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الخُلود في النَّار لَيْس إلا للكُفَّار؛ لأنَّ قوله: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} يفيدُ الحَصْر، والمُصَاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ، كما يقال: أصْحَاب الصَّحراء، أي: المُلازِمُون لها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط‏.‏‏.‏‏}‏ الآية نزلت في يهود خيبر؛ ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينهم في دية فهموا ليقتلوه، فذلك قوله ‏ {‏ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمنُوا} شروعٌ في بـيان الشرائع المتعلقةِ بما يجري بـينهم وبـين غيرِهم إثْرَ بـيانِ ما يتعلق بأنفسهم {كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} مقيمين لأوامره ممتثلين لها معظِّمين لها مراعين لحقوقها {شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يحمِلَنَّكم {شَنَآنُ قَوْمٍ} أي شدةُ بغضِكم لهم {عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فلا تشهَدوا في حقوقهم بالعدل أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحِلُّ كَمُثلةٍ وقَذْفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبْـيةٍ ونقضِ عهدٍ تشفياً وغيرِ ذلك {ٱعْدِلُواْ هُوَ} أي العدلُ {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} الذي أمرتم به، صرح لهم بالأمر بالعدل وبـيّن أنه بمكانٍ من التقوى بعد ما نهاهم عن الجَوْر، وبـيَّن أنه مُقتضىٰ الهوى، وإذا كان وجوبُ العدل في حق الكفار بهذه المثابة فما ظنُّك بوجوبه في حق المسلمين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمرَ بالتقوى إثْرَ ما بـين أن العدلَ أقربُ له اعتناءً بشأنه وتنبـيهاً على أنه مَلاكُ الأمر {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال فيجازيكم بذلك وتكريرُ هذا الحُكم إما لاختلاف السببِ، كما قيل إن الأولَ نزل في المشركين وهذا في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاءِ ثائرةِ الغيظ والجملة تعليلٌ لما قبلها وإظهارُ الجلالة لما مرَّ مرات. وحيث كان مضمونُها منبئاً عن الوعد والوعيد عقَّب بالوعد لمن يُحافظ على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يُخِلُّ بها فقيل: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} التي من جملتها العدل والتقوى. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} حُذفَ ثانِيَ مفعولي وَعَدَ استغناءً عنه بهذه الجملة، فإنه استئنافٌ مبـيِّنٌ له وقيل: الجملةُ في موقع المفعول، فإن الوعدَ ضربٌ من القول، فكأنه قيل: وعدَهم هذا القولَ {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا} التي من جملتها ما تُلِيَ من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذُكر من الكفر وتكذيبِ الآيات {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} ملابسوها ملابَسةً مؤبَّدة. من السُنة السنية القرآنية شفْعُ الوعدِ بالوعيد، والجمعُ بـين الترغيب والترهيب، إيفاءً لحق الدعوة بالتبشير والإنذار.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} [الآية: 8]. قال بعضهم: كونوا أعوانًا لأوليائه على أعدائه. قال بعضهم: كونوا خصماء الله على أنفسكم ولا تكونوا خصماء لأنفسكم على الله. وقال بعضهم: كونوا طالبين من أنفسكم آداب الخدمة وقضاء حقوق المسلمين غير مقتضين منهم حقوق أنفسكم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ}. لا يُعَوِّقنَّكم حصولُ نصيبٍ لكم في شيء عن الوفاء لنا، والقيام بما يتوجَّب عليكم من حقنا. ويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه، ولم يمحُ عنه نواجم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق ولم يفِ لواجباته بشرط. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. أي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإنَّ مرتعَ الظلمِ وبيءٌ، ومواضع الزيغ مهلكة. ثم صرَّح بالأمر بالعدل فقال: {ٱعْدِلُواْ} ولا تكون حقيقة العدل إلا بالعدول عن كل حظٍ ونصيب. والعدلُ أقربُ إلى التقوى، والجَوْزُ أقربُ من الرَّدَى، ويُوقِعُ عن قريبٍ في عظيم البلوى.

البقلي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} اى كونوا مستقيمين فى محبتى ومعرفتى قائمين على باب ربوبيت ولا تفروا عنى بنزول بلائى عليكم وكونوا حاضرين فى حضرتى لشهودكم بنعت الصدق والاخلاص والاستواء فى جميع الاحوال ولا تخافوا فى عبوديتى من ملامة اللائمين عند اظهاركم حقوقى على حقى قال بعضهم اى كونوا اعوانا لاوليائه على اعدائه وقيل كونوا خصماء الله على انفسكم ولا تكونوا خصماء لانفسكم على الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله} مقيمين لاوامره ومتمسكين بها معظمين لها مراعين لحقوقها {شهداء بالقسط} اى بالعدل خبر بعد خبر {ولا يجرمنكم} اى ولا يحملنكم {شنآن قوم} اى شدة بغضكم للمشركين {على ان لا تعدلوا} اى على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما فى قلوبكم {اعدلوا هو} اى العدل {اقرب للتقوى} التى امرتم بها واذا كان وجوب العدل فى حق الكفار بهذه المثابة فما ظنك بوجوبه فى حق المسلمين {واتقوا الله} فانه ملاك الامر وزاد سفر الآخرة {ان الله خبير بما تعملون} من الاعمال فيجازيكم بذلك وحيث كان مضمون هذه الجملة التعليلية منبئا عن الوعد والوعيد عقب بالوعد لمن يخاف على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يخل بها فقيل.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وعد}: يتعدى إلى مفعولين، وحذف هنا الثاني، أي: وعدهم أجرًا عظيمًا، دل عليه الجملة بعده. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا}؛ عَامٌّ أريد به خاص، وهم أولوا الأمر منهم، الذين يلُون الحكم بين الناس، وما تقدم في سورة النساء باقٍ على عمومه، أي: {كونوا قوامين} على من تحت حكمكم، راعين لهم؛ فإنكم مسؤولون عن رعيتكم، وكونوا مخلصين {لله} في قيامكم وولايتكم، {شهداء} على أنفسكم بالعدل، تشهدون عليها بالحق إن توجه عليها، ولا تمنعكم الرئاسة من الإنصاف في الحق، إن توجه عليكم، أو على أقاربكم وأصدقائكم، ولا على عدوكم {ولا يجرمنكم} أي: ولا يحملنكم {شنئان قوم} أي: شدة بغضهم لكم، {على ألا تعدلوا} فيهم، فتمنعوهم من حقهم، أو تزيدوا في نكالهم، تشفيًا وغيظًا. {اعدلوا هو} أي: العدل {أقرب للتقوى}، قال البيضاوي: صرح لهم بالأمر بالعدل، وبيَّن أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور، وبيَّن أنه مقتضى الهوى. فإذا كان هذا العدل مع الكفار، فما بالك مع المؤمنين؟. هـ. {واتقوا الله}؛ ولا تراقبوا سواه، {إن الله خبير بما تعملون} فيجازي كلاًّ على عمله، من عدل أو جور. ثم ذكر ثواب من امتثل، فقال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} ، وأفضل الأعمال: العدل في الأحكام. قال عليه الصلاة والسلام: " حديث : المُقسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ يومَ القيامة " تفسير : ... الحديث، هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله. ثم ذكر وعيد ضدهم، فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} كما هو عادته تعالى، يشفع بضد الفريق الذي يذكر أولاً، وفاءً لحق الدعوة، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم. وهذه الآية في مقابلة قوله تعالى: { أية : إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيُنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ }تفسير : [النَّساء:58] وتكميل لها. والله تعالى أعلم. الإشارة: أمر الحق جل جلاله شيوخ التربية أن يعدلوا بين الفقراء في النظرة والإمداد، ولا يحملهم سوء أدب أحدهم، أو قلة محبته وصدقه، أن يبعده أو يمقته؛ لأن قلوبهم صافية، لا تحمل الكدر، فهم يحسنون إلى من أساء إليهم من العوام، فضلاً عن أصحابهم؛ فهم مأمورون بالتسوية بينهم في التذكير والإمداد. والله تعالى يقسم بينهم على قدر صدقهم ومحبتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنما أنا قاسمٌ والله مُعطي " تفسير : أي: إنما أنا أُبين كيفية التوصل إلى الحق، والله ـ تعالى ـ يتولى إعطاء ذلك لمن يشاء من خلقه، فالأنبياء والأولياء مثلهم في بيان الطريق بالوعظ والتذكير، كمن يُبين قسمة التركة بالقلم، والحاكم هو الذي يوصل إلى كل واحد من الورثة ما كان يَنُوبُه في التركة، كذلك المذكِّر والمربي، بين المقامات، والله يعطي ذلك بحكمته وفضله. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بشكر نعمة حفظه ورعايته، وتنسحب على الأمراء من بعده، إذ لا يخلو أحد منهم من عدو أو حاسد، فقال: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للمؤمنين امرهم الله تعالى ان يكونوا قوامين بالقسط أي قائمين بالعدل يقومون به، ويدومون عليه شهدا. لله أي مبينون عن دين الله، لان الشاهد يبين ما شهد عليه. و {قوامين} نصب بانه خبر كان {شهداء} نصب على الحال. وقوله: {ولا يجرمنكم} قد فسرناه فيما مضى. قال الكسائي: وابو عبيدة معناه لا يحملنكم بغض قوم على الا تعدلوا يقال: جرمني فلان على أن فعلت كذا أي حملني عليه وقال الفراء يجرمنكم يكسبنكم يقال: جرمت على أهلي أي كسبتهم. وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال الكسائي: وفيه لغتان جرمت اجرم جرماً وأجرمت اجرم أجراماً. وشنآن قال الكسائي: معناه البغض وفيه لغتان: فتح النون الاولى وجزمها. وقد بينا اختلاف القراء فيه. قال الزجاج: من حرك النون اراد بغض قوم. ومن سكن اراد بغيض قوم. وحكى ايضاً جرم واجرم لغتين وقيل اجرمته ادخلته في الجرم كما قيل أثمته ومعناه ادخلته في الاثم والمعنى لا يحملنكم شنآن قوم اي بغض قوم ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم. وقال عبد الله بن كثير: نزلت هذه الآية في يهود حين مضى النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى حصن بني قريظة يستعينهم في دية فهموا أن يقتلوه، فنزلت هذه الآية، ثم أمرهم بعد النهي عن الجور أن يفعلوا العدل مع كل أحد ولياً كان أو عدواً، فان فعل العدل أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، ثم حذرهم تعالى فقال {واتقوا الله} أي خافوا عقابه باجتناب معاصيه وفعل طاعاته، فان الله خبير أي عالم باعمالكم والكناية في قوله: {هو أقرب للتقوى} كناية عن العدل أي العدل أقرب للتقوى، ولو لم يكن هو في الكلام، لكان أقرب نصباً، كما قال: انتهوا خيراً لكم وكنى عن الفعل في هذا الموضع بهو.

الجنابذي

تفسير : {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} توصية لهم بالاستقامة وتقويم الغير عن الاعوجاج كما مضى حين تحمّل الشّهادة خصوصاً وقت توصية محمّد (ص) بحملها وحفظها، وحين اداء الشّهادة خصوصاً وقت سؤال علىّ (ع) عنهم الشّهادة فانّ المقصود هو هذا {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} بغضاءكم لقومٍ او بغضاء قومٍ لكم {عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فى اداء شهاداتكم بتغييرها او كتمانها خوفاً من مخالفى علىّ (ع) او بغضاً لموافقى علىّ (ع) {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى الشّهادات ولا تكتموها ولا تغيّروها {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم بحسبه.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ}: بحقه من عمل ما أمر بعمله، وترك ما نهى عن فعله، طلباً لرضاه ومنه، والقضاء بالحق، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتعليم الدين لمن جهل، والولاية والبراءة فى الأشخاص، والحملة وأنواع الجمل، واجلال الله ظاهراً وباطناً. {شُهَدَاءَ بِالقِسطِ}: بالعدل، لا تكتموا شهادة تنفع عدوكم، أو تضر صديقكم، ولا تشهدوا لصديقكم أو على عدوكم زوراً، وشهداء خبر ثان للكون، أو حال من المستتر فى قوامين. {وَلايَجرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قَومٍ}: لا يحملنكم بغضكم قوماً أو بغض قوم اياكم والأولى أولى كما مر. {عَلَى أَلا تَعدِلُوا}: على ترك العدل فيهم للبغض، مثل أن تقضوا على المشركين بالجور، أو تشهدوا عليهم بالزور، أو تقذفوهم أو تمثلوا بهم بعد القتل أو قبلهم اذا قبضتم عليهم الا قصاصاً، ومثل قتل نساء الا من قاتل منهن، وقتل الصبية ونقض عهد تشفياً لغيظ قلوبكم، فذلك خروج عن التقوى ودين الله، ومتابعة للهوى، ولو عاملتم به المشرك فكيف من يعامل المؤمن. {اعدِلُوا}: للقريب والبعيد، والصديق والعدو. {هُوَ}: أى العدل المعلوم من لفظ اعدلوا. {أَقرَبُ لِلتَّقوَى}: أقرب للتقوى التى هى أكمل تقوى، أو الى جنس التقوى، فمعنى قربه منها فى هذا الوجه أنها من جنسه، أو أقرب أليق، كرر ذكر ولا يجرمنكم تأكيداً وليرتب عليه اعدلوا هو أقرب للتقوى، كمن قال لخادمه: اسقنى، ثم جرى كلام، فقال: اسقنى فانى عطشان، والله علم وحقيق بما يزيد الغيظ أن يكرر لضعف الانسان وعظم أمر الغيظ أو الأول فى مشركى العرب حين صدوا المسلمين فى الحديبية، وهذا فى اليهود. {واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ}: كذلك كرر الأمر بالتقوى تأكيداً، ولشدة صولة الغيظ، ولأن الأولى فى الميثاق بلا غيظ، وهذه فى الغيظ مع اليهود، وكرر العلم كذلك، لأن الأول بذات الصدور، والثانى بما يعملون بجوارحهم، أو لأن الثانى أعم للقلب والجوارح، لأنه يعمل بالقلب كالجوارح، وذلك لفظ وأما بالحقيقة فالعلم بذات الصدور يوجب العلم بذات الجوارح.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ} بتعظيمه والدعاءَ إِليه وتحبيبه إِلى الخلق وطلب رضاه والائتمار بأَمره والانتهاءِ بنهيه، والأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر. {شُهَداءَ بِالقِسْطِ} العدل ولو على أَنفسكم أَو الوالدين والأَقربين وفى أَهل العداواة مجانبين للزور فقولوا ما عندكم من حق فى أَصدقائكم وأَعدائكم ابتغاء لوجه الله والخلق، أَما لله كما قال كونوا قوامين لله وأَما للخلق كما قال شهداءَ بالقسط، وقيل: المعنى دعاة إِلى الله تعالى بالحجج، وقدم لفظ القسط فى النساءِ لأَنه فيها فى معرض الإِقرار على النفس والوالدين والأَقارب والزجر عن المحاباة وأَخر هنا لأَن ما هنا فى معرض ترك العداوة فبدئ بالقيام لله وتكررت تأَكيدًا لما فيها، ولأَن الأُولى فى المشركين غير اليهود والعدل معهم وهذه فى المشركين اليهود والعدل معهم. {وَلاَ يَجْرمَنَّكُمْ} لا يحملنكم، ضمن الاكتساب معنى الحمل فعداه بعلى ويجرم قائم مقام يكسب {شَنآنُ قَوْمٍ} بغضكم قوماً مشركين أَو بغض قوم مشركين لكم حتى ضروكم {عَلَى أَن لاَ تَعْدِلُوا} فيهم فتمثلوا بقتلاهم وتقتلوا النساءَ والصبيان ومن لا يقتل منهم ومن أَسلم منهم وتنقضوا العهد تشفيا، والآية نزلت في قريش، إذ صدوا المسلمين عن المسجد الحرام وقيل الآية فى فتح مكة لما فتحت كلف الله المؤمنين أَن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم وأَن يعدلوا فى القول والفعل. {اعْدِلُوا هُوَ} أَى العدل المعلوم من اعدلوا كقوله تعالى:{أية : وإن تشكروا يرضه لكم}تفسير : [الزمر: 7] أَى يرضى الشكر. {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أَنسب لسائر التقوى وأَجلب لسائر التقوى وإِذا وجب العدل مع الكفار فكيف مع المؤمنين واللام بمعنى من التى يتعدى بها القرب، أَو بمعنى إِلى، وأَقرب خارج عن التفضيل بحسب ما يعتقد الجاهل من تقوى فى غير العدل كما هو وجه فى قوله تعالى: {أية : ءالله خير أَمَّا تشركون}تفسير : [النمل: 59] ويحتمل أَن المعنى آلله حسن أَم ما تشركون وغير الحسن قبيح. {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} فيجازيكم، وكرر لأَن هذه فى اليهود وتلك فى المشركين، أَو لتأكيد ترك الغيظ وهذا وعيد كما قال والذين كفروا إِلخ ووعدكما قال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} والوعد وعدا حسناً كما دل له الإِيمان والعمل الصالح وإِلا فوعيد، يستعمل ولو فى الشر كقوله تعالى: النار وعدها الله، ويقولون متى هذا الوعد، ولا مفعول له ثان هنا ولو كان متعدياً لاثنين فى الجملة لأَنه لو قدر له التكرر مع قوله عز وجل {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}على أعمالهم الصالحات وتوبتهم وهو الجنة ولا يحسن دعوى محذوف مفسر بهذه الجملة مثل وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات شيئاً عظيماً، وأَما الاشتغال فنوع آخر قام دليله وهو النصب الظاهر أَو المنوى المدلول عليه بنحو الطلب نحو هذا أَكرمه، ولما يذكر لهم مغفرة وأجر عظيم فى الآية الأَخرى ذكرت فيه الجنة مفعولا ثانياً، ويجوز تضمين الوعد معنى القول فيكون لهم مغفرة وأَجر عظيم مفعولا للوعد، وزاد من وعد المؤمنين قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم} فإِنه وعيد للكفار فهو تشف للمؤمنين من أَعدائهم أَصحاب الجحيم بمعنى ملآزمو الجحيم كقولك للبدو أَصحاب الصحراءِ، ويروى أَن النبى صلى الله عليه وسلم وأَصحابه قاموا فى عسفان وهو على مرحلتين من مكة فى غزوة ذى المجاز. ويقال ذى أنمار إِلى صلاة الظهر جماعة فندم المشركون إِذ لم يكبوا عليهم دفعة واحدة حينَ سجدوا وهموا أَن يفعلوا فى العصر فنزلت صلاة الخوف، وأَنه أَتى قريظة ومعه الخلفاء الأربعة وغيرهم يستقرضهم لديه مسلمين من كلاب قتلهم عمرو بن أَمية الضمرى يحسبهما مشركين أَى ويقضيهم بعد من بيت المال، فقالوا: نعم اجلس يا أَبا القاسم نطعمك ونقرضك وعمد عمرو بن جحاش إِلى شق رحى يطرحها عليه فأَلصقها الله بيده وجاءَ الوحى بذلك فذهب إِلى المدينة ولم يخبرهم إِذ لو أَخبرهم وذهبوا معه لتعلق بهم اليهود جهارا فيقع القتال، ولما وصل المدينة ولحقه من معه بعد أَرسل إِلى اليهود: إِنكم قد نقضتم العهد، ولما هموا بإِلقاءِ الصخرة نهاهم بعضهم فقال إنه يخبره الله عز وجل وعصوه ولما ذهب قال لهم أَلم أَقل لكم يخبره الله عز وجل. روى البخارى ومسلم وغيرهما بدخول حديث بعض فى بعض حديث : أَنه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وعلق سلاحه بشجرة وتفرق الناس عنه إِلى أَشجار يستظلون بها فجاءَ أَعرابى فسل سيفه وهو سيف جاءَ به ويروى أَنه سيفه صلى الله عليه وسلم وقد علقه على شجرة نام تحتها فقال: من يمنعك منى. فقال: الله فأَسقطه جبريل من يده فأَخذه صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك منى. فقال: لا أحد. فقيل قل أَشهد أَن لا إله إِلا الله وأَن محمداً رسول اللهتفسير : ، وفى رواية: حديث : من يمنعك منى قال: الله، أَعادها ثلاثاً فغمده الأَعرابى وجلس بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَخبرهم بفعل الأَعرابى القاعد معهتفسير : ، وبسطت هذه الروايات كلها فى السير فنزل فيها كلها قوله تعالى. {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا} شامل للنبى صلى الله عليه وسلم وأَيضاً تنجيته نعمة لهم وبالعكس {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم} إِنعامه عليكم بالتنجية من القتل {إِذْ} يتعلق بنعمة بمعنى إِنعام {هَمَّ قَوْمُ} مشركو عسفان وقريظة والأَعرابى {أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكًمْ أَيْدِيَهُمْ} بالقتل {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ} مقتضى الظاهر فكفها وأَظهر لزيادة تقرير ما كف مما يهتم بكفه {عَنْكُمْ} لم يضروكم {وَا تَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} فإِن منه الخير والشر وعلى يتعلق بيتوكل بعده والفاء صلة. نهى الله عز وجل المسلمين أَن ينقضوا الميثاق كما نقض بنو إِسرائيل. قال الشافعى الآية تقرأ سبعاً صباحاً وسبعاً مساءً لدفع الطاعون.

الالوسي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} شروع في بيان الشرائع المتعلقة لما يجري بينهم وبين غيرهم إثر [بيان] ما يتعلق بأنفسهم {كُونُواْ قَوَّٰمِيْنَ لِلَّهِ} أي كثيري القيام له بحقوقه اللازمة، وقيل: أي ليكن من عادتكم القيام بالحق في أنفسكم بالعمل الصالح، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى {شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل، وقيل: دعاة لله تعالى مبينين عن دينه بالحجج الحقة {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يحملنكم {شَنَئَانُ قَوْمٍ} أي شدة بغضكم لهم {عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل، أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل {ٱعْدِلُواْ} أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم، واقتصر بعضهم على الأعداء بناءاً على ما روي أنه لما فتحت مكة كلف الله تعالى المسلمين بهذه الآية أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل {هُوَ} راجع إلى العدل الذي تضمنه الفعل، وهو إما مطلق العدل فيندرج فيه العدل الذي أشار إليه سبب النزول، وإما العدل مع الكفار {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} أي أدخل في مناسبتها لأن التقوى نهاية الطاعة وهو أنسب الطاعات بها، فالقرب بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة، ويحتمل أن يكون أقربيته على التقوى باعتبار أنه لطف فيها فهي مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة، واللام مثلها في قولك: هو قريب لزيد للاختصاص لا مكملة فإنه بمن أو إلى. وتكلف الراغب في توجيه الآية فقال: فإن قيل: كيف ذكر سبحانه {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}، وأفعل إنما يقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من العدالة؟ قيل: إن أفعل وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعاً لكلامه وإظهاراً لتبكيته فيقال لمن اعتقد مثلاً في زيد فضلاً ـ وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمراً أفضل منه ـ: اخدم عمراً فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: {أية : ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النمل: 59] وقد علم أن لا خير فيما يشركون. والجملة في موضع التعليل للأمر بالعدل، وصرح لهم به تأكيداً وتشديداً، وأمر سبحانه بالتقوى بقوله جل وعلا: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} إثر ما بين أن العدل أقرب لها اعتناءاً بشأنها وتنبيهاً على أنها ملاك الأمر كله {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال فيجازيكم بذلك، وقد تقدم نظير هذه الآية في النساء [135]، ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء نائرة الغيظ، وقيل: لاختلاف السبب، فإن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود، وذكر بعض المحققين وجهاً لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء في كل معرض بما يناسبه.

ابن عاشور

تفسير : لمّا ذكّرهم بالنَعمة عقّب ذلك بطلب الشكر للمنعم والطاعة له، فأقبل على خطابهم بوصف الإيمان الذي هو منبع النعم الحاصلة لهم. فالجملة استئناف نشأ عن ترقّب السامعين بعد تعداد النعم. وقد تقدّم نظير هذه الآية في سورة النساء، ولكن آية سورة النساء (135) تقول: {أية : كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله}تفسير : وما هنا بالعكس. ووجه ذلك أنّ الآية الّتي في سورة النّساء وردت عقب آيات القضاء في الحقوق المبتدأة بقوله: {أية : إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين النّاس بما أراك الله}تفسير : [النساء: 105]، ثمّ تعرّضت لقضية بني أبيرق في قوله: {أية : ولا تَكُن للخائنين خصيماً}تفسير : [النساء: 105]، ثمّ أردفت بأحكام المعاملة بين الرّجال والنّساء، فكان الأهمّ فيها أمرَ العدل فالشهادةِ. فلذلك قدّم فيها {أية : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله}تفسير : [النساء: 135]؛ فالقسط فيها هو العدل في القضاء، ولذلك عدّي إليه بالباء، إذ قال: {أية : كونوا قوامين بالقسط}تفسير : [النساء: 135]. وأمّا الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها فهي واردة بعد التذكير بميثاق الله، فكان المقام الأوّل للحصّ على القيام لله، أي الوفاء له بعهودهم له، ولذلك عدّي قوله: {قوّامين} باللام. وإذ كان العهد شهادة أتبع قولُه: {قوّامين لله} بقوله: {شهداء بالقسط}، أي شهداء بالعدل شهادة لا حيف فيها، وأولَى شهادة بذلك شهادتهم لله تعالى. وقد حصل من مجموع الآيتين: وجوب القيام بالعدل، والشهادة به، ووجوب القيام لله، والشهادة له. وتقدّم القول في معنى {ولا يجرمنَّكم شنئان قوم} قريباً، ولكنّه هنا صرّح بحرف (على) وقد بيّناه هنالك. والكلام على العدل تقدّم في قوله: {أية : وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل}تفسير : [النساء: 58]. والضمير في قوله: {هو أقرب} عائد إلى العدل المفهوم من {تعدلوا}، لأنّ عود الضمير يُكتفى فيه بكلّ ما يفهم حتّى قد يعودُ على ما لا ذكر له، نحو {أية : حتّى توارتْ بالحجاب}تفسير : [ص: 32]. على أنّ العرب تجعل الفعل بمعنى المصدر في مراتب: المرتبة الأولى: أن تدخُل عليه (أن) المصدرية. الثّانية: أن تُحذف (أن) المصدريّة ويبقى النصب بها، كقول طرفة:شعر : ألا أيّهذَا الزاجري أحْضُرَ الوغى وأن أشهدَ اللذاتِ هَلْ أنت مُخلدي تفسير : بنصب (أحضرُ) في رواية، ودلّ عليه عطف (وأن أشهد). الثّالثة: أن تُحذف (أن) ويُرفع الفعل عملاً على القرينة، كما روي بيت طرفة (أحضرُ) برفع أحضرُ، ومنه قول المثل (تَسْمَعُ بالمعيدي خير من أن تراه)، وفي الحديث «حديث : تحمل لأخِيك الركابَ صدقة»تفسير : . الرابعة: عود الضمير على الفعل مراداً به المصدر، كما في هذه الآية. وهذه الآية اقتصر عليها النحاة في التمثيل حتّى يخيّل للنّاظر أنّه مثال فَذٌّ في بابه، وليس كذلك بل منه قوله تعالى: {أية : وينذر الّذين قالوا اتّخذ الله ولداً}تفسير : [الكهف: 4]. وأمثلته كثيرة: منها قوله تعالى: {أية : ما لهم به من علم}تفسير : [الكهف: 5]، فضمير {به} عائد إلى القول المأخوذ من {قالوا}، ومنه قوله تعالى: {أية : ذلك ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه}تفسير : [الحج: 30]، فضمير {فهو} عائد للتعظيم المأخوذ من فعل {يعظّم}، وقول بشّار:شعر : واللَّه ربّ محمَّد مَا إن غَدَرْت ولا نوَيتُه تفسير : أي الغدر. ومعنى {أقرب للتقوى} أي للتقوى الكاملة الّتي لا يشذّ معها شيء من الخير، وذلك أنّ العدل هو ملاك كبح النّفس عن الشهوة وذلك ملاك التّقوى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 8- يا أيها المؤمنون، حافظوا محافظة تامة على أداء حقوق الله، وأدُّوا الشهادة بين الناس على وجهها الحق، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم على أن تجانبوا العدل معهم، بل التزموا العدل، فهو أقرب سبيل إلى خشية الله والبعد عن غضبه، واخشوا الله فى كل أموركم، فإنه - سبحانه - عليم بكل ما تفعلون، ومجازيكم عليه. 9- تفضل الله فوعد الذين صدَّقوا بدينه، وعملوا الأعمال الصالحة أن يعفو عن ذنوبهم، ويجزل لهم الثواب. 10- والذين جحدوا دينه، وكذبوا بآياته الدالة على وحدانيته، وصدق رسالته، فأولئك هم أهل جهنم المخلدون فيها. 11- يا أيها المؤمنون، تذكروا نعمة الله عليكم فى وقت الشدة، حين همَّ قوم - جماعة من المشركين - أن يفتكوا بكم، وبرسولكم، فمنع أذاهم عنكم، ونجاكم منهم. والزموا تقوى الله، واعتمدوا عليه وحده فى أموركم، فهو كافيكم، وشأن المؤمن أن يكون اعتماده على الله وحده دائماً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قوامين لله: جمع قوام وهو كثير القيام لله تعالى بحقوقه وما وجب له تعالى، وبحقوق الغير أيضاً لا يفرط في شيء من ذلك. شهداء بالقسط: جمع شهيد بمعنى شاهد والقسط العدل. ولا يجرمنكم: أي لا يحملنكم. شنآن: بغض وعداوة. العدل: خلاف الجور، وهو المساواة بلا حيف ولا جور. هو أقرب للتقوى: أي العدل أقرب للتقوى من الجور. همّ قوم: أرادوا وعزموا على إنفاذ إرادتهم والقوم هم يهود بني النضير. يبسطوا إليكم إيديهم: أي ليقتلوا نبيكم صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يكملهم ويسعدهم ففي الآية [8] أمر الله تعالى المؤمنين أن يكونوا قوامين لله تعالى بسائر حقوقه عليهم من الطاعات، وأن يكونوا شهداء بالعدل لا يحيفون ولا يجورون في شيء سواء كان المشهود عليه ولياً أو عدواً، ونهاهم أن يحملهم بغض قوم أو عداوتهم على ترك العدل وقد أمروا به، ثم أمرهم بالعدل وأعلمهم أن أهل العدل هم أقرب الناس إلى التقوى، لأن من كانت ملكة العدل صفة له كان أقدر على أداء الحقوق والواجبات، وعلى ترك الظلم واجتناب المنهيات ثم أمرهم بالتقوى مؤكداً شأنها لأنها ملاك الأمر، وأعلمهم بأنه خبير بما يعملون لتزداد ملكة مراقبة الله تعالى في نفوسهم فيفوزون بالعدل والتقوى معاً هذا ما دلت عليه الآية الأولى [8] أما الآية [9] فقد تضمنت بشرى سارة لهم وهي أن ربهم قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة لذنوبهم والأجر العظيم لهم وهو الجنة، وقلت بشرى سارة لهم، لأنهم هم أهل الإِيمان وصالح الأعمال رضي الله عنهم وأرضاهم، أما الآية الثالثة [10] فقد تضمنت وعيداً شديداً للكافرين المكذبين بآيات الله وحججه التي أرسل بها رسله وأيدهم بها، ولازم لكذبهم وكفرهم خبث أرواحهم ولذا فهم لا يلائمهم إلا عذاب النار فكانوا بذلك أصحاب الجحيم الذين لا يفارقونها أبداً، وأما الآية الرابعة [11] فقد ذكرهم تعالى بنعمة عظيمة من نعمه، هي نجاة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم من قتل أعدائه وأعدائهم وهم اليهود إذ ورد في سبب نزول هذه الآية ما خلاصته: أن أولياء العامريين الذين قتلا خطأ من قبل مسلم حيث ظنهما كافرين فقتلهما جاءوا يطالبون بدية قتيليهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الخلفاء الراشدون الأربعة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين خرجوا إلى بني النظير يطالبونهم بتحمل شيء من هذه الدية بموجب عقد المعاهدة إذ من جملة موادها تحمل أحد الطرفين معونة الطرف الآخر في مثل هذه الحالة المالية فلما وصلوا إلى ديارهم شرق المدينة استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفاوة والتكريم وأجلسوه مكاناً لائقاً تحت جدار منزل من منازلهم وأفهموه أنهم يعدون الطعام والنقود، وقد خلوا ببعضهم وتآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم وقالوا فرصة متاحة فلا نفوتها أبداً وأمروا أحدهم أن يطلق من سطح المنزل حجر رحى كبيرة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فتقتله، وما زالوا يدبرون مكيدتهم حتى أوحى الله إلى رسوله بالموآمرة الدنيئة فقام صلى الله عليه وسلم وتبعه أصحابه ودخلوا إلى المدينة وفاتت فرصة اليهود واستوجبوا بذلك اللعن وإلغاء المعاهدة وإجلاءهم من المدينة، وقصتهم في سورة الحشر، والمقصود من هذا بيان المراد من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي بالقتل للنبي صلى الله عليه وسلم {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} حيث أوحى إلى رسوله ما دبره اليهود فانصرف وتركهم لم يظفروا بما أرادوا وهو معنى {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ}. ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه إذ هي سلم كمالهم وسبيل نجاحهم وهي عبارة عن امتثال أمره وأمر رسوله واجتناب نهيهما وأرشدهم إلى التوكل عليه تعالى في جميع أمورهم بقوله {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب القيام بحق الله تعالى على العبد وهو ذكره وشكره بطاعته. 2- وجوب العدل في الحكم والقول والشهادة والفعل ومع الولي والعدو سواء. 3- تأكيد الأمر بتقوى الله عز وجل. 4- الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد كما في الآيتين [9] و [10]. 5- وجوب ذكر النعمة حتى يؤدى شكرها. 6- وجوب التوكل على الله تعالى والمضي في أداء ما أوجب الله تعالى.

القطان

تفسير : قوامين لله: دائبين على القيام بعهود الله واماناته., شهداء بالقسط: بالعدل. لا يجرمنكم: لا يحملنكم, الشنئان: البغض الشديد. بعد ان أمر الله عباده بالوفاء بالعقود عامة، ثم امتنّ عليهم بإباحة كثير من الطيبات وأمرهم بالطهارة مع رفع الحرج عنهم ـ دعاهم الى العدالة المطلقة مع الأولياء والأعداء على السواء. يا أيها المؤمنون، حافِظوا على أداء حقوق الله دائماً، وأدّوا الشهادة بين الناس بالعدل، فالعدل ميزان الحقوق. وحين يسود الجور والظلم في أمةٍ تزول الثقة في الناس,. لذا انتشرت المفاسد وتقطّعت روابط المجتمع في هذه الأيام. ولا تسمحوا لأنفسكم ان تنساق وراء مشاعركم الخاصة، فلا يجوز أن يدفعكم بُغضكم الشديد لقوم ان تُجانِبوا العدلَ معهم. ان العدل منكم اقربُ للتقوى وخشية الله، فاخشوا الله في كل أموركم، انه عليم بها، وسيجازيكم على أساسها. فالعدالة في الإسلام أساس عظيم ترتكز عليه هذه العقيدة المتينة التي ترتقي بها النفوس الى اعلى مستوى في هذه الحياة. وقد كثرت أوامر الله في القيام بالعدل، فأمر به عاماً وخاصاً، مع المخالفين في الدين، وفي الحكم والقضاء، وبين الأولاد والزوجات، بل أمر به المؤمنَ مع نفسه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَآ} {آمَنُواْ} {قَوَّامِينَ} {شَنَآنُ} (8) - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِيَكُنْ هَمُّكُمْ وَدَأبُكُمُ التِزَامَ الحَقِّ فِي أنْفُسِكُمْ (بِدُونِ اعْتِدَاءٍ عَلَى أحَدٍ)، وَفِي غَيْرِكُمْ (بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ ابْتَغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَحْدَهُ، لاَ لأجْلِ إرْضَاءِ النَّاسِ، وَاكْتِسَابِ السُّمْعَةِ الحَسَنَةِ عِنْدَهُمْ)، وَكُونُوا شُهَدَاءَ بِالعَدْلِ (القِسْطِ)، دُونَ مُحَابَاةٍ لِمَشْهُودٍ لَهُ، وَلا لِمَشْهُودٍ عَلَيهِ، فَالعَدْلُ مِيزَانُ الحُقُوقِ، وَمَتَى وَقعَ الجُوْرُ فِي أُمَّةٍ، زَالَتِ الثِّقَةُ مِنْ نُفُوسِ النَّاسِ، وَانْتَشَرَتِ المُفَاسِدُ، وَتَقَطَّعَتْ رَوَابِطُ المُجْتَمَعِ. وَلا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمُ الشَّدِيدَةُ لِقَوْمٍ، وَبُغْضُكُمْ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ العَدْلِ فِي أمْرِ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ إذَا كَانُوا أصْحَابَ حَقٍّ، أوْ عَلَى عَدَمِ الحُكْمِ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَالمُؤْمِنُ يُؤْثِرُ العَدْلَ علَى الجَوْرِ وَالمُحَابَاةِ. ثُمَّ يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أمْرَهُ السَّابِقَ بِضَرُورَةِ إقَامَةِ العَدْلِ، وَأدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالقِسْطِ فَيَقُولُ: اعْدِلُوا لأنَّ العَدْلَ أقْرَبُ لِتَقْوَى اللهِ، وَأبْعَدُ عَنْ سَخْطِهِ، وَاتَّقُوا سَخَطَ اللهِ وَعِقَابَهُ لأنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنِهَا، وَاحْذَرُوا أنْ يُجَازِيَكُمْ بِالعَدْلِ عَلَى تَرْكِكُمُ القِيَامَ بِالعَدْلِ. شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ - شَاهِدِينَ بِالعَدْلِ. لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ - لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ. شَنآنُ قَوْمٍ - بُغْضُكُمْ لَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنّ الحق - كما علمنا - حين ينادي المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إنه سبحانه لم يقتحم على الناس تصرفاتهم الاختيارية لمنهجه، بل يلزم ويأمر من آمن به ويوجب عليه؛ فيوضح: يا من آمنت بي إلها حكيما قادرا خذ منهجي. ولكن الحق يقول: {يا أيها الناس} حين يريد أن يلفت كل الخلق إلى الاعتقاد بوجوده، أما من يؤمن به فهو يدخل في دائرة قوله الحق: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا النداء يقتضي بأن يسمع المؤمن التكليف ممن آمن بوجوده. ونعلم أننا جميعا عبيد الله، لكن لسنا جميعا عباد الله. وهناك فرق بين "عبيد" و"عباد". فالعبيد هم المرغمون على القهر في أي لون من ألوان حياتهم، ولا يستطيعون أن يدخلوا اختيارهم فيه. قد نجد متمرداً يقول: "أنا لا أؤمن بإله" ولكن هل يستطيع أن يتمرد على ما يقضيه الله فيما يجريه الله عليه قهرا؟ فإذا مرض وادعى أنه غير مريض فما الذي يحدث له؟ أيجرؤ واحد من هؤلاء المتمردين على ألا يموت؟!! لا أحد يقدر على ذلك. إذن فكل عبد مقهور لله، وكلنا عبيد الله يستدعينا وقتما يريد ويجري علينا ما يريد بما فوق الاختيارات. أما "العباد" فهم الذين يأتون إلى ما فيه اختيار لهم ويقولون لله: لقد نزعنا من أنفسنا صفة الاختيار هذه ورضينا بما تقوله لنا "افعل كذا" و"لا تفعل كذا". إذن فالعبيد مقهورون بما يجريه عليهم الحق بما يريد، والعباد هم الذين يرضون ويكون اختيارهم وفق ما يحبه الله ويرضاه؛ إنهم أسلموا الوجه لله. فهم مقهورون بالاختيار، أمّا العبيد فمقهورون بالإجبار. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ}. و"قوام" صفة مبالغة والأصل فيها قائم، فإن أكثر القيام نطلق عليه "قوام". ومثال ذلك رجل لا يحترف النجارة وجاء بقطعة من الخشب وأراد أن يسد بها ثقبا في باب بيته؛ هذا الرجل يقال له: "ناجر" ولا يقال له: "نجار"، ذلك أن تخصصه في الحياة ليس في النجارة. وكذلك الهاوي الذي يخرج بالسنارة إلى البحر؛ واصطاد سمكتين؛ يقال له: "صائد" لكنه ليس صياداً؛ لأن الصيد ليس حرفته. إن الحق يطلب من كل مؤمن ألا يكون قائما لله فقط، ولكن يطلب من كل مؤمن أن يكون قواما؛ أي مبالغ في القيام بأمر الله. والقيام يقابله القعود. وبعد القعود الاضطجاع وهو وضع الجنب على الأرض ثم الاستلقاء، وبعد ذلك ينام الإنسان. ونحن أمام أكثر من مرحلة: قائم وقاعد ومستلق، ونائم. والنائم ليس عليه تكليف. والمستلقي هو المستريح على ظهره والحق يقول: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} تفسير : [النساء: 103] أي اجعلوا الله دائما على بالكم؛ فالإنسان يملك في حالته الطبيعية نشاطا يمكنه أن يقوم ويقعد؛ فإن قيل: "قال فلان بأمر القوم" أي أنه بذل كل جهد لإدارة أمور الناس، والقيام في حركات الناس أصعب شيء. وسبحانه لا يريد منا أن نكون قائمين فقط؛ بل يريد أن نكون قوامين. ومادمنا قوامين فلن تخلو لحظة من قيامنا أن نكون لله؛ لله توجها. لا نفعا؛ لأن أية حركة من أي عبد لا تفيد الله في شيء؛ فالله خلق خلقه بمجموع صفات الكمال فيه، ولم ينشئ خلقه له صفة جمال أو كمال جديدة. وعندما يؤدي الإنسان أي عمل لله فهو يؤديه طاعة وتقربا لله. وإذا أراد الله من المؤمنين أن يكونوا قوامين لله، عندئذ تكون كل حركات المجتمع الإيماني حركات ربانية متساندة متصاعدة. وإذا كانت حركات المجموع الإيماني متساندة فسوف تكون النتيجة لهذه الحركة سعادة البشرية؛ فالإنسان إذا ما كان قواما فهو قوام لنفسه وللآخرين. والمراد أن نكون مداومين على قيامنا في كل أمر لله. ولا تعتقد أيها المؤمن أنك تعامل خلق الله، إنما تعامل الله الذي شرع لك ليضمن لك ويضمن منك، فأنت إن طولبت بالأمانة، فقد طولب كل الناس بالأمانة فيما هو خاص بك لا بغيرك، وحين ينهاك الله عن الخيانة فقد أمر الحق الناس جميعاً بالانتهاء عن الخيانة لك. إذن إن نظرت إلى تكليفات الله لوجدتها لصالحك أنت فلا يظنن ظان أن الدين إنما جاء ليقف أمام نفسه هو، فالدين وقف أمام النفس لدى الناس جميعاً، فحين يأمرك: ألاّ تمد يدك إلى مال غيرك فأنت واحد من الناس، وفي هذا القول أمر موجه لكل الناس: لا تمدوا أيديكم إلى مال فلان لتسرقوه. فانظر إلى أن الحق حين شرع عليك شرع لك. ولذلك يجب أن يكون كل قيامك لله سبحانه. ولذلك يظهر الحق سبحانه وتعالى في بعض خلقه أشياء وأحداثاً تُفهم الناس أن الذي يعمل لخلق الله مسلوب النعيم، والذي يعمل لله يكون موصول النعيم؛ فنجد الواحد من الناس يقول: "لقد صنعت لفلان كذا وكذا وكذا وأنكرني". نقول له: أنت تستحق لأنك صنعت له، ولكنك لو صنعت لله لكفاك الله كل أمر. ولذلك يقول الحق عن هؤلاء الذين صنعوا لله: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} تفسير : [آل عمران: 30] إذن فالمؤمن يجب أن يوضح حركة قيامه وينميها، بمعنى أن يجعل كل حركته لله؛ فإن كانت كل حركته لله، فالله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا. والخاسرون هم الذين يعملون للناس؛ لأن الناس لا يملكون لهم نفعاً وربما تخلوا عنهم وربما أضمرت وحملت قلوبهم الضغن والحقد لمن أحسن إليهم، وربما تحولوا إلى أعداء لهم، فالمصنوع له الجميل قد يعطيه الله بعضاً من الجاه، وحين يلقى صانع الجميل بعد ذلك قد تتخاذل نفسه وتذل، ونرى في بعض الأحيان واحداً يجلس بين الناس وقد أخذته العزة، ثم يدخل عليه إنسان كان له فضل عليه، وساعة يراه يكره وجوده في مجلسه، ويتمنى ألا يحدث هذا اللقاء؛ وإذا ما لقيه بعد ذلك في طريق فهو يشيح بوجهه؛ لأن الذي صنع الجميل يسبب حرجاً له، ويجعل نفسه تتضعضع، وهو يريد أن يستكبر على الناس. إذن فالله يوضح: اعملوا لله؛ لإنه لا يضيع عنده شيء. واعلموا أن الله رقيب عليكم ولن يضيع عملٌ عنده. وعندما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان قال: (حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ). تفسير : أتستطيع أنت أيها الإنسان أن تصنع في إنسان آخر ما يسوؤه أمامه؟. أنت تسيء إلى ألاخر من وراء ظهره. فلماذا إذن يُسيء الواحد منكم إلى الله بالعصيان، وهو الناظر إليكم جميعاً؟ إذن حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن تحسن معاملة نفسك وغيرك فعليك أن تحتسب كل عمل لك عند الله. فقد سخر لنا الحق كل الوجود وأعطانا كل مقومات الحياة, ويوضح لكل واحد منا: يا عبدي اجعل كل قيامك لله؛ ولا تكن قائماً فقط ولكن كن قوّاماً.. بمعنى أنه مادامت فيك بقية من العافية للعمل فاعمل، ولا تعمل على قدر حاجتك فقط، ولكن اعمل على قدر طاقتك؛ لأنك لو عملت على قدر حاجتك فإن الذي لا يقدر على العمل لن يجد ما يعيش به. إذن فاعمل على قدر طاقتك لتتسع حركتك للناس جميعاً. ويكون الفائض من عملك لغيرك. وحين يقول سبحانه: {كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} يعلمنا ألا نضيع مجهودنا هباء، بل نوجه المجهود للعمل ونقوم به لوجه الله، لأنه سبحانه لا ينسى أبداً جزاء عبده، وهو الذي يرد كل جميل. إنه - سبحانه - يقول: {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}. ويقول أيضا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [التوبة: 120] وحين يكون الواحد منا قوّاماً لله يكون قد استغل حركة وجوده لخير خلق الله، وهذا العمل مطلوب منك. ولا يكفي أن تكون حركتك محصورة في ذلك، بل يجب أن تمتد أيضاً حركة حياتك لتكون شاهداً بالعدل. وكذلك توجه للعدل من تحدثه نفسه أن ينحرف. وحين تكون قوّاماً لله فهذا أمر حسن، وعليك أن تحاول إقناع غيرك بأن يكون قيامه لله بأن تكون شاهداً بالقسط والعدل. وحين تكون شاهداً بالقسط والعدل لا يتمادى ظالم في ظلمه. فالذي يجعل الظالم يشتد ويستشري ظلمه ويتفاقم شره هو أنه يجد من يدلسون على العدالة ويسترون ويخفون العيوب ويخادعون الناس. لكن لو وُجِد الإنسان الذي ينير الطريق أمام العدالة لما وجد ظلم. لكن الظالم يحب من يدلس عليه؛ فيقول لنفسه: إن فلاناً ارتكب جريمة مثل جريمتي ونال البراءة. وتدليس الشهادة يقود إلى خراب المجتمعات. ولو أن المجتمع حينما يرى أن شهادة أفراده هي شهادة بالقسط وشهادة بالعدل، فإن كل فرد في المجتمع إذا هَمَّ بظلم يرتدع قبل أن يفعل الظلم، ولكان الظالم ينال عقابه ويصير مثالاً لارتداع غيره. والمؤمن مطالب بالقيام لله بإصلاح ذاته، ومطالب ثانياً أن يشهد بالقسط والعدل لإصلاح غيره. وكلمة "القسط" تأتي منها اشتقاقات كثيرة، وهي من الألفاظ التي قد تدل على العدل وقد تدل على الجور، وهي من الألفاظ التي تستعمل في المر وفي نقيضه. وهذا من محاسن اللغة. ويتطلب ذلك أن يمحص السامع الكلمة ويتعرف على معناها بما يتطلبه السياق. "وقَسَطَ" معناها "عدل". والفعل المضارع لها هو يقسط. والمصدر "قِسطا"، ومرة يكون المصدر "قُسوطا". والمصدر هو الذي قد يحول المعنى من العدل إلى الجور. فالقِِسط بمعنى العدل. وقَسَطَ يَقْسِطُ قُسُوطاً. أي جار وظلم. هنا نجد الفعل يأتي بالمعنى وضده؛ حتى يمتلك السامع اليقظة والفطنة التي تجعله يعرف التمييز بين معنى العدل ومعنى الجور. وحين نقول "أقسط" فإنها بمعنى عدل، وهنا ننتبه إلى ما يلي: أن هناك فرقاً بين عَدْلٍ يأتي من أول الأمر وذلك هو القِسط، وهناك حكم ظالم يحتاج إلى حكمٍ آخر يزيل الظلم. وذلك الذي نستعمل له "أقسط" أي أزال الظلم. فكأن جوراً كان موجوداً وأزاله الحكم. فالقِسط - إذن - هو العدل الابتدائي. ولذلك نسمع قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15] والقاسطون هنا هم الظالمون، فالقسط هنا من قسط يقسط قُسوطا. وفي الاية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق: {شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} أي شهداء بالعدل. واللباقة في السامع هي التي توجه اللفظ إلى معناه المراد من خلال السياق، فالسامع للقرآن يُفْترض فيه الأريحية اللغوية بحيث يستطيع أن يفرق بين الشيء والمشابه له من شيء آخر. إذن فهناك قسط وأقسط، قسط بمعنى عدل، وأقسط بمعنى أقام القسط بإزالة الجور. والقسوط معناه الجور. والحق يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} و"المقسطين" هي جمع "مُقسط"؛ من: أقسط أي أزال الظلم والجور, إذن فالذي يرجح المعنى هنا سياق الكلمة ومصدرها. وقد يراد بالكلمة المعنى المصدري. والمعنى المصدري لا يختلف باختلاف منطوقه، فيقال: "رجل عدل" ويقال: "امرأة عدل". ويقال: "رجلان عدل"، ويقال: "امرأتان عدل"، و"رجال عدل"، و"نساء عدل". إذن فإن أردنا بالكلمة المصدر فهي لا تتغير في المفرد والمثنى وجمع المذكر وجمع المؤنث. والقرآن الكريم يقول: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ} تفسير : [الأنبياء: 47] وهنا قول آخر: {أية : وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} تفسير : [الشعراء: 182] وفي الريف المصري نجد أن التاجر يصنع لنفسه الموازين من الأحجار، فيعاير قطعة من الحجر بوزن الكيلو جرام، ويعاير قطعاً أخرى لأجزاء الكيلو جرام؛ ومن كثرة الاستعمال وملامسة الحجر يعرف التاجر أن الحجر يتآكل، لذلك يعيد وزن الأحجار التي يستعملها في الميزان كل فترة متقاربة من الزمن. ويقال: إنه يعاير الأوزان. وسمي القسطاس؛ فالقسطاس هو الذي تعاير به الموازين، فإذا صنع الإنسان شيئاً للميزان مما يتآكل أو يتأثر باللمس فيجب عليه أن يعايره كل فترة حتى لا يظلم أحداً ولو بمقدار اللمسة الواحدة. ولذلك يقول الحق: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} "أقسط" هنا معناها "أعدل". فموازين الله غير موازين البشر، فموازين البشر قد يحدث فيها اختلاف. ونرى بعض التجار ينقضون الميزان بأن يضعوا شيئاً تحت كفة الميزان أو غير ذلك من الخدع، لكن الحق هو العادل الحق. وهو صاحب الميزان الأعدل وهو القائل: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ}. جاءت هذه الآية لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدر حكماً؛ وهو حكم صحيح وعادل بقواعد البشر، فأوضح الحق له الحكم الأقسط، صحيح أن عدلك يا رسول الله لا يدخله هوى ولا يميل به غرض أو شهوة. ولكن العدل عند الله أكثر دقة وله مطلق الدقة. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحكم بمنطق القسط البشري في أمر زيد بن حارثة وكان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عبداً لخديجة - رضي الله عنها - وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد فترة علم أهل زيد بخبر اختطافه وبيعه كعبد وكيف آل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أهل زيد إلى رسول الله وطالبوا بابنهم. ورفض زيد أن يعود معهم وأراد أن يبقى مع رسول الله، وأراد رسول الله أن يكرم زيداً الذي فضله على أبيه وأهله مصداقاً لقول الله: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 6] لذلك كان لا بد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقدر زيد بن حارثة؛ فأعتقه ودعاه "زيد بن محمد" تكريماً له، على عادة العرب في تلك الأيام. لكن الله يريد أن يلغي مسألة التبنّي: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4] وأجرى الله الأحداث ليصحح مسألة التبني لكل العرب، وكان بداية تطبيق ذلك على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل القول الحق: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] لم ينف الله القسط عن محمد، ولكن الأقسط يأتي من عند الله. ويطيب الله خاطر زيد بعد أن عاد إليه اسمه الفعلي منسوباً لأبيه لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكافئ الله زيداً بأن يجعل اسمه هو الاسم الوحيد في الإسلام الذي يذكر في القرآن ويتعبد المؤمنون بتلاوته إلى أن تقوم الساعة: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} تفسير : [الأحزاب: 37] لقد صار اسمه في القرآن يتلوه المسلمون إلى قيام الساعة. وفي ذلك كل السلوى. إذن فـ "{أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} جاءت في محلها، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا أن يكون قيامنا مبالغاً فيه؛ أي ألا نترك فرصة لعمل الخير وأن نبالغ في الدقة في أداء العمل، وأن نَعْدل في المجتمع بأن نكون شهداء بالقسط. وبذلك يأخذ كل إنسان حقه فلا يقدر قوي أن يظلم ضعيفاً؛ لأن الضعيف سيجد أناساً يشهدون معه بالحق. وإياكم أن تأخذوا الهوى في مقاييس العدل. وهب أن المسألة تتعلق بعدوكم أو بخصومكم فالعدل هنا أكثر أهمية وأكثر وجوبا. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ}. أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا فتعتدوا عليهم، فمن له حق يجب أن يأخذه. ونعرف القصة التي حدثت، عندما سرق مسلم درع مسلم آخر وأراد السارق وأهله أن يلصقوا التهمة بيهودي وأن يبرئ نفسه، ولكن الله أنزل قرآناً: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] أي لا تكن يا محمد لصالح الخائنين مخاصما للبرآء. وقوله الحق هنا: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا، وإلا سيكون البغض لصالح عدوكم، وبغض المؤمن إذا حمله على اتباع هواه سيكون لصالح العدو؛ لأن الله سيعاقب المؤمن لو أدخل الهوى والبغض في إقامة الميزان العادل. فتحكيم البغض والعِداء والهوى يكون لصالح الخصوم؛ لذلك لا يحملنكم أيها المؤمنون شنآن - أي بغض - قوم على ألا تعدلوا. ويضيف الحق: {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} والعدالة حين تُطلب مع الخصم هي تقريع لذلك الخصم لأنه خالف الإيمان. ومن المؤكد أن الخصم يقول لنفسه: إن عدالة هذا المسلم لم تمنعه من أن يقول الحق ولا بد أن عقيدته تجعل منه إنساناً قوياً، وأن دينه الذي أمره بذلك هو نعم الدين. إذن ساعة تحكم أيها المؤمن بالعدل لخصمك فأنت تقرعه لأنه ليس مؤمنا، لكن لو رأى خصمك أنك قد جُرت ولم تذهب إلى الحق، فأنت بذلك تشجعه على أن يبقى كافراً؛ لأنه سيعرف أنك تتبع الهوى. أما إذا رآك وأنت تقف موقفاً يرضي الله مع أنه خصم لك، فهو يستدل من ذلك على أن العقيدة التي آمنت بها هي الحق، وأنك تقيم الحق حتى في أعدائك. وهكذا يقرع الخصمُ العقدي نفسَه، وقد يلفته ذلك إلى الإيمان. {ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} أقرب إلى أي تقوى؟ أأقرب إلى تقوى المؤمن؟ أم أن الخصم يكون أقرب إلى التقوى حين يرى المؤمن مقيماً للعدل والحق، فلعله يرتدع نفسه ويقول: إن الإيمان قد جعل هذا المسلم يتغلب على البغض وحكم بالحق على الرغم من أنه يعلم أنني عدو له. ولنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام الأسوة الحسنة، فقد جاءه رجل غريب يسأله طعاماً أو مبيتاً، فسأله إبراهيم عن دينه. فوجده كافراً، فلم يجب مسألته.وسار الرجل بعيداً، فأنزل الله سبحانه على إبراهيم وحياً: أنا قبلته كافراً بي ومع ذلك ما قبضت نعمتي عنه. وسألك الرجل لقمة أو مبيتَ ليلةٍ فلم تجبه. وجرى سيدنا إبراهيم خلف الرجل واستوقفه، فسأل الرجل سيدنا إبراهيم؛ ما الذي حدث لتغير موقفك، فقال سيدنا إبراهيم: إن ربي عاتبني في ذلك. فقال الرجل: نعم الرب إله يعاتب أحبابه في أعدائه، وآمن الرجل. وهذا يوضح لنا معنى {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} فقد صار الرجل الكافر أقرب للتقوى. إذن: فالمعنى النفسي الذي يصيب خصمك أو من يغضبك أو من بينك وبينه شنآن، حين يراك آثرت الحق على بغضك له، يجعله يلتفت إلى الإيمان الذي جعل الحق يعلو الهوى ويغلبه ويقهره، ويصير أقرب للتقوى. وأيضاًَ من يشهد بالقسط هو أقرب للتقوى. ويذيل الحق الآية بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فهو - سبحانه - الخبير بما نعمل. وإياك أيها المؤمن أن تصنع ذلك لشهرة أن يُقال عنك إنك رجل حكمت على نفسك. ولكن اعمل من أجل الله حتى وإن كان الموقف يستحق منك الفخر. إن كثيرا من الناس يحكمون بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل، كيف؟ لنفرض أنه قد عُرضت عليك قضية هي خصومة بين ابنك وابن جارك؛ الشجاعة الأولى تفرض أن تحكم لابن جارك وهو غير محق على ابنك، لكن الشجاعة الأقوى أن يكون الحق لابنك وتحكم له، أما إن حكمت لابن جارك - وهو غير محق - في هذه الحالة تكون قد حكمت بالظلم لتشتهر بين الناس بالعدل! يجب أن يكون الحق أعز عليك من ابنك وابن جارك، وإياكم أن تعملوا أعمالاً ظاهرها عدل وباطنها رياء؛ لأننا نعلم أن لكل جارحة من الجوارح مجالاً تؤدي فيه وظيفتها؛ فاللسان أداؤه ووظيفته القول، والأذن فعلها أن تسمع، والأنف أداؤه أن يشم، ويجمع الجميع العمل. فالعمل إما أن يكون قولاً وإما أن يكون فعلا. قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3] إذن فالقول محله اللسان، والفعل محله بقية الجوارح، والاثنان يجمعهما العمل. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } بما أُمِرُوا بالإيمان به، قوموا بلازم إيمانكم، بأن تكونوا { قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } بأن تنشط للقيام بالقسط حركاتكم الظاهرة والباطنة. وأن يكون ذلك القيام لله وحده، لا لغرض من الأغراض الدنيوية، وأن تكونوا قاصدين للقسط، الذي هو العدل، لا الإفراط ولا التفريط، في أقوالكم ولا أفعالكم، وقوموا بذلك على القريب والبعيد، والصديق والعدو. { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ } أي: لا يحملنكم بغض { قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا } كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق. { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى. { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فمجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها، صغيرها وكبيرها، جزاء عاجلا وآجلا.