Verse. 678 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَعَدَ اللہُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ۝۰ۙ لَہُمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّاَجْرٌ عَظِيْمٌ۝۹
WaAAada Allahu allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati lahum maghfiratun waajrun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وعدا حسنا «لهم مغفرة وأجر عظيم» هو الجنة.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال {أية : فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} تفسير : [الفرقان: 70] والأجر العظيم إيصال الثواب، وقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } فيه وجوه: الأول: أنه قال أولاً {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } فكأنه قيل: وأي شيء وعدهم؟ فقال {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } الثاني: التقدير كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجرٌ عظيم، والثالث: أجرى قوله {وَعْدُ } مجرى قال، والتقدير: قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم، والرابع: أن يكون {وَعْدُ } واقعاً على جملة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } أي وعدهم بهذا المجموع. فإن قيل: لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى؟ قلنا: بل الأخبار عن كون هذا الوعد وعد الله أقوى. وذلك لأنه أضاف هذا الوعد إلى الله تعالى فقال {وَعَدَ ٱللَّهُ } والإله هو الذي يكون قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، وهذا يمتنع الخلف في وعده، لأن دخول الخلف إنما يكون إما للجهل حيث ينسى وعده، وإما للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن الوفاء بالوعد، وإما للحاجة، فإذا كان الإله هو الذي يكون منزّهاً عن كل هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالاً، فكان الإخبار عن هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الأخبار عن الموعود به، وأيضاً فلأن هذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سكرات الموت فتسهل بسببه تلك الشدائد، وبعد الموت يسهل عليه بسببه البقاء في ظلمة القبر وفي عرصة القيامة عند مشاهدة تلك الأهوال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } وعداً حسناً {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } هو الجنة.

ابن عطية

تفسير : هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم وبالجنة فهي الأجر العظيم، و {وعد} يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، وكذلك هو في هذه الآية، فالمفعول الثاني مقدر يفسره ويدل عليه قوله تعالى: {لهم مغفرة} ثم عقب تعالى بذكر حال الكفار ليبين الفرق. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والنعمة هي العاملة في إذ وهي نعمة مخصوصة، وهم الرجل بالشيء إذا أراد فعله، ومنه قول الشاعر: شعر : هل ينفعنك اليوم أن همت بهم كثرة ما توصي وتعقاد الرتم تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله تفسير : واختلف الناس في سبب هذه الآية وما النازلة التي وقع فيها الهم ببسط اليد والكف من الله تعالى؟ فقال الجمهور: إن سبب هذه الآية أنه لما قتل أهل بئر معونة نجا من القوم عمرو بن أمية الضميري ورجل آخر معه، فلقيا بقرب المدينة رجلين من سليم قد كانا أخذا عهداً من النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفا، فسألهما عمرو ممن أنتما؟ فانتسبا إلى بني عامر بن الطفيل وهو كان الجاني على المسلمين في بئر معونة، فقتلهما عمرو وصاحبه وأتيا بسلبهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لقد قتلتما قتيلين لأدينهما ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع الدية فذهب يوماً إلى بني النضير يستعينهم في الدية ومعه أبو بكر وعمر وعلي. فكلمهم فقالوا: نعم يا أبا القاسم انزل حتى نصنع لك طعاماً وننظر في معونتك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل جدار فتآمروا بينهم في قتله، وقالوا ما ظفرتم بمحمد قط أقرب مراماً منه اليوم، فقال بعضهم لبعض من رجل يظهر على الحائط فيصب عليه حجراً يشدخه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش فيما روي، وجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله من المكان وتوجه إلى المدينة ونزلت الآية في ذلك، وفي الخبر زوائد لا تخص الآية وقد ذكره ابن إسحاق وغيره، وهذا القول يترجح بما يأتي بعد من الآيات في وصف غدر بني إسرائيل ونقضهم المواثيق، وقالت جماعة من العلماء: سبب الآية فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وذلك أنه نزل بوادٍ كثير العضاه، فتفرق الناس في الظلال وتركت للنبي صلى الله عليه وسلم شجرة ظليلة، فعلق سيفه بها ونام فجاء رجل من محارب فاخترط السيف فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم والسيف صلت في يده، فقال للنبي صلى الله لعيه وسلم أتخافني؟ فقال لا، فقال له ومن يمنعك مني، فقال: الله، فشام السيف في غمده وجلس، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه، وذكر الواقدي وابن أبي حاتم عن أبيه أنه أسلم، وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق الشجرة حتى مات فنزلت الآية بسبب ذلك، وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث بالغين منقوطة، وحكى بعض الناس أن اسمه دعثور بن الحارث وحكى الطبري أن الآية نزلت بسبب قوم من اليهود أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام، فأشعره الله بذلك، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة عن ابن عباس خلاف ما ترجم به من أن قوماً من اليهود صنعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاماً ليقتلوه إذا أتى الطعام. قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن ابن عباس إنما وصف قصة بني النضير المتقدمة، وقال قتادة: سبب الآية ما همت به محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر، فأشعره الله تعالى بذلك ونزلت صلاة الخوف، فذلك كف أيديهم عن المسلمين، وحكى ابن فورك عن الحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت بسبب أن قريشاً بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ليغتاله ويقتله. فأطلعه الله تعالى على ذلك وكفاه شره. قال القاضي أبو محمد: والمحفوظ في هذا هو نهوض عمير بن وهب لهذا المعنى بعد اتفاقه على ذلك مع صفوان بن أمية والحديث بكماله في سيرة ابن هشام، وذكر قوم من المفسرين وأشار إليه الزجاج أن الآية نزلت في قوله تعالى: {أية : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} تفسير : [المائدة:3] فكأنه تعالى عدد على المؤمنين نعمه في أن أظهرهم وكف بذلك أيدي الكفار عنهم التي كانوا هموا ببسطها إلى المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: ويحسن على هذا القول أن تكون الآية نزلت عقب غزوة الخندق وحين هزم الله الأحزاب وكفى الله المؤمنين القتال، وباقي الآية أمر بالتقوى والتوكل.

البقاعي

تفسير : ولما أمر سبحانه ونهى، بشر وحذر فقال: {وعد الله} أي الملك الذي له الكمال المطلق فله كل شيء {الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقاً لهذا الإقرار {الصالحات} وترك المفعول الثاني أقعد في باب البشارة، فإنه يحتمل كل خير، وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب. ولما كان الموعود شيئين: فضلاً وإسقاط حق, قدم الإسقاط تأميناً للخوف, فقال واضعاً له موضع الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص: {لهم مغفرة} أي لما فرط منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسياناً أو عمداً، بعمل الواجبات إن كان صغيرة، وبالتوبة إن كان كبيرة، وفيه إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه الجود بالعطاء فقال {وأجر} أي على قدر درجاتهم من حسن العمل {عظيم *} أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت الحصر. ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم، وهو أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضاً فقال: {والذين كفروا} أي غطوا ما اتضح لعقولهم من أدلة الوحدانية {وكذبوا} أي زيادة على الستر بالعناد: {بآياتنا} على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها إلينا {أولئك} أي البغضاء البعداء من الرحمة خاصة {أصحاب الجحيم *} أي النار التي اشتد توقدها فاشتد احمرارها، فلا يراها شيء إلا أحجم عنها، فهم يلقون فيها بما أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي لأحد التكذيب به، ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب. ولما كان من الأجر ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا، قال تعالى ذاكراً لهم بعض ذلك مذكراً ببعض ما خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة ويقفوا عند حدوده كائنة ما كانت: {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بالله ورسوله وكتابه {اذكروا نعمت الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {عليكم} عظمها بإبهامها، ثم زادها تعظيماً بالتذكير بوقتها فقال: {إذ} أي حين {همّ قوم} أي لهم قوة ومنعه وقدرة على ما يقومون فيه {أن يبسطوا إليكم أيديهم} أي بالقتال والقتل، وهو شامل - مع ذكر من أسباب نزوله - لما اتفق صبيحة ليلة العقبة من أن قريشاً تنطست الحبر عن البيعة، فلما صح عندهم طلبوا أهل البيعة ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة، وكلاهما كان نقيباً، فأما المنذر فأعجزهم، وأما سعد فأخذوه فربطوه وأقبلوا يضربونه، حتى خلصه الله منهم بجبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية بما كان بينه وبينهما من الجوار، فكان في سوق الآية بعد آية الميثاق الذي أعظمه ما كان ليلة العقبة أعظم مذكر بذلك {فكف أيديهم عنكم} أي مع قلتكم وكثرتهم وضعفكم وقوتهم، ولم يكن لكم ناصر إلا الذي آمنتم به تلك الليلة وتوكلتم عليه وبايعتم رسوله، فكف ببعض الأعداء عنكم أيدي بعض، ولو شاء لسلطهم عليكم كما سلط ابن آدم على أخيه؛ وينبغي أن يعلم أن القصة التي عُزِيت في بعض التفاسير هنا إلى بني قريظة في الاستعانة في دية القتيلين إنما هي لبني النضير، وهي كانت سبب إجلائهم. ولما أمرهم بذكر النعمة، عطف على ذلك الأمر الأمر بالخوف من المنعم أن يبدل نعمته بنقمة فقال: {واتقوا الله} أي الملك الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له، حذراً من أن يسلط عليكم أعداءكم ومن غير ذلك من سطواته. ولما كان التقدير: على الله وحده في كل حالة فتوكلوا، فإنه جدير بنصر من انقطع إليه ولم يعتمد إلا عليه، عطف على ذلك قوله تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف: {وعلى الله} أي وحده لكونه لا مثل له {فليتوكل المؤمنون *} أي في كل وقت فإنه يمنعهم إذا شاء كهذا المنع وإن اشتد الخطب وتعاظم الأمر، فتوكلوا ولا تنكلوا عن أعدائكم الذين وعدكم الله أرضهم وديارهم وأبناءهم وتهابوا جموعهم كما هاب بنو إسرائيل - كما سيقص عليكم، وقوله هنا {المؤمنون} وفي قصة بني إسرائيل {إن كنتم مؤمنين} شديد التآخي، معلم بمقامي الفريقين، وحينئذ حسن كل الحسن تعقيبها مع ما تقدم من أمر العقبة وأمر بني النضير في نقضهم عهدهم وغدرهم، بما هموا به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء الرحى عليه من سطح البيت الذي أجلسوه إلى جانبه، بقوله إشارة إلى أن اليهود ما زالوا على النقض قديماً، تحذيراً للمؤمنين من أن يكونوا مثلهم في النقض لئلا يحل بهم ما حل بهم من الصغار، وإعلاماً بأن عادته سبحانه في الإلزام بالتكاليف قديمة غير مخصوصة بهم، بل هي عامة لعباده وقد كلف أهل الكتاب، تشريفاً لهم بمثل ما كلفهم به، ورغبهم ورهبهم ليسابقوهم في الطاعة، فإن الأمر إذا عم هان، والإنسان إذا سابق اجتهد في أخذ الرهان، وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة انهماكهم في النفس أنه لم يسبق لهم عهد قبل ذلك فقال تعالى: {ولقد أخذ الله} أي بما له من جميع الجلال والعظمة والكمال {ميثاق بني إسرائيل} أي العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة {وبعثنا} أي بما لنا من العظمة {منهم اثني عشر نقيباً} أي شاهداً، على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم من الوفاء به - كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيباً وأخذنا منكم الميثاق على ما أحاله الإسلام - كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه عن تبوك: "ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام" وأما تفصيله فمذكور في السير، والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل: عريف، لأنه يتعرفها، ومن ذلك المناقب وهي الفضائل، لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها {وقال الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لبني إسرائيل، وأكد لتكرر جزعهم وتقلبهم فقال: {إني معكم} وهو كناية عن الكفاية لأن القادر إذا كان مع أحد كان كذلك إذا لم يغضبه. ولما أنهى الترغيب بالمعية استأنف بيان شرط ذلك بقوله مؤكداً لمثل ما مضى: {لئن اقمتم} أي أنشأتم {الصلاة} أي التي هي صلة ما بين العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها؛ ولما كان المقصود من الإنفاق المؤاساة بالإيتاء قال: {وآتيتم الزكاة} أي التي هي بين الحق والخلائق. ولما كان الخطاب مع من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام، وكانوا في كل قليل يتردعون عن اتباعه أو كمال اتباعه، وكان سبحانه عالماً بأن ميلهم بعده يكون أكثر، فرتب في الأزل أنه تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن الزيغ ويقومون منهم الميل قال: {وآمنتم برسلي} أي أدمتم الإيمان بموسى عليه السلام، وجددتم الإيمان بمن يأتي بعده، فصدقتموهم في جميع ما يأمرونكم به {وعزرتموهم} أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع، والتعزير والتأزير من باب واحد. ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال: {وأقرضتم الله} أي الجامع لكل وصف جميل {قرضاً حسناً} أي بالإنفاق في جميع سبل الخير، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء. ولما كان الإنسان محل النقصان، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صالح العمل، قال سادّاً. بجواب القسم الذي وطّأت له اللام الداخلة على الشرط - مسدّ جواب الشرط: {لأكفرن} أي لأسترن {عنكم سيئاتكم} أي فعلكم لما من شأنه أن يسوء {ولأدخلنكم} أي فضلاً مني {جنات تجري} ولما كان الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال: {من تحتها الأنهار} أي من شدة الريّ {فمن كفر} ولما كان الله سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولاً. وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله، نزع الجار فقال: {بعد ذلك} أي الشرط المؤكد بالأمر العظيم الشأن {منكم} أي بعد ما رأى من الآيات واقرّ به من المواثيق {فقد ضل} أي ترك وضيّع، يُستعمل قاصراً بمعنى: حار، ومتعدياً كما هنا {سواء} أي وسط وعدل {السبيل *} أي لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره، وفي هذا تحذير شديد لهذه الأمة، لأن المعنى: فإن نقضتم الميثاق - كما نقضوا - بمثل استدراج شاس بن قيس وغيره، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا، من إلزامهم الذلة والمسكنة وغير ذلك من آثار الغضب، وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من فتح البلاد والظهور على سائر العباد؛ قال ابن الزبير: ولهذا الغرض والله أعلم - أي غرض التحذير من نقض العهد - ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى {أية : أوفوا بعهدي}تفسير : [البقرة: 40] فقال تعالى: {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل}تفسير : إلى قوله {أية : فقد ضل سواء السبيل}تفسير : [المائدة: 12] ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال {أية : فبما نقضهم ميثاقهم}تفسير : [النساء: 55 والمائدة: 13] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} [المائدة: 14], ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة، وإسرافهم في القتل وغيره، وتغييرهم أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: {أية : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا} تفسير : [المائدة: 82] انتهى. وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم وما دعي إلى ذلك تحقيقاً للأمر وزيادة تبصرة، أما اليهود فكان فيهم ذلك مرتين: الأولى: قال في السفر الرابع من التوراة: إن الرب تبارك اسمه كلم موسى النبي في جبل سينا وفي قبة الأمد في أول يوم من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر وقال الله: احص عدد جماعة بني إسرائيل كلها في قبائلهم. كل ذكر من أبناء عشرين سنة إلى فوق، كل من يخرج في الحرب، وأحصهم أنت وأخوك هارون، وليكن معكما من كل سبط رجل ويكون الرجل رئيساً في بيته، ثم بين بعد ذلك أن كل رجل منهم يكون قائد جماعته، ينزلون بنزوله حول قبة الزمان ويرحلون برحيله، ويطيعونه فيما يأمر به، ففعل موسى وهارون ما أمرهما الله به وانتدبوا اثني عشررجلاً كما أمر الله، فمن سبط روبيل: إليصور بن شداور، ومن سبط شمعون: سلوميل بن صور يشدي، ومن سبط يهودا: نحسون بن عمينا ذاب، ومن سبط إيشاخار: نتنائيل بن ضوغر، ومن سبط زابلون: أليب بن حيلون، ومن سبط يوسف من آل إفرائيم: إليسمع بن عميهوذ. ومن سبط منشا: جماليال بن فداهصور - قلت: ومنشا هو ابن يوسف وهو أخو إفرائيم - ومن سبط بنيامين: أبيذان بن جدعوني، ومن سبط دان: أخيعزر بن عميشدي، ومن سبط آشير: فجعائيل بن عخرن، ومن سبط جاد: إليساف بن دعوائيل، ومن سبط نفتالي: أخيراع ابن عينان؛ وسبط لاوي هم سبط موسى وهارون عليهما السلام لم يذكروا لأنهم كانوا لحفظ قبة الزمان، فموسى وهارون عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم على قومه - كما سيأتي، والمرة الثانية كانت ليجسّوا أمر بيت المقدس، قال في أثناء هذا السفر: وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوماً يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، وليكون الذين ترسل رجلاً من كل سبط من رؤساء آبائهم، فأرسلهم موسى من برية فاران عن قول الرب، رجالاً من رؤساء بني إسرائيل، وهذه أسماءهم من سبط روبيل: ساموع بن ذكور، ومن سبط شمعون: سافاط بن حوري، ومن سبط يهودا: كالاب بن يوفنا، ومن سبط إيشاخار: إجال بن يوسف، ومن سبط إفرائيم: هو ساع بن نون، ومن سبط بنيامين: فلطي بن رافو، ومن سبط زابلون: جدي إيل بن سودي، ومن سبط يوسف من سبط منشا: جدي بن سوسي، ومن سبط دان: عميال بن جملي، ومن سبط آشير: ساتور بن ميخائيل، ومن سبط نفتالي: نجني بن وفسي، ومن سبط جاد: جوائل بن ماخي؛ هؤلاء الذين أرسلهم وتقدم إليهم بالوصية. وأما النصارى ففي إنجيل متى ما نصه: ودعا يعني عيسى عليه السلام. تلاميذه الاثني عشر، وأعطاهم سلطاناً على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض؛ وفي إنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه، ولكي يرسلهم ليكروزا، وأعطاهم سلطاناً على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين؛ وفي إنجيل لوقا: ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وإشفاء المرضى، وأرسلهم يكرزون مملكوت الله ويشفون الأوجاع، وهذه أسماؤهم: شمعون المسمى بطرس، وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه - وقال في إنجيل مرقس: وسماهما باسم بوانرجس اللذين هما ابنا الرعد - وفيلبس، وبرتولوماوي، وتوما، ومتى العَشّار، ويعقوب بن حلفا، وليا الذي يدعى بداوس, وقد اختلفت الأناجيل في هذا، ففي إنجيل مرقس بدله: تدي، وفي إنجيل لوقا: يهودا بن يعقوب، ثم اتفقوا: وشمعون القاناني - وفي إنجيل لوقا: المدعو الغيور - ويهودا الإسخريوطي الذي أسلمه. وأما نقباء الإسلام فكانوا ليلة العقبة الأخيرة حين بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم على الحرب وأن يمنعوه إذا وصل إلى بلدهم، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم كما اختار موسى من قومه، وأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، وهذه اسماؤهم من الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن عمرو؛ ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خثيمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وأبو الهيثم بن التيهان، قال ابن هشام: وقال كعب بن مالك يذكرهم فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري وذكر أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة فقال: شعر : أبلـغ أبيّاً أنـه قــال رأيــه وحان غداة الشعب والحين واقع أبـى الله مـا مـنتــك نـفســك إنــه بمرصاد أمر الناس راءٍ وسامع وأبلغ أبا سفيــان أن قـد بـدا لنـا بأحمد نور من هدى الله ساطـع فلا ترغبن في حشد أمر تريــده وألب وجمع كل ما أنـت جامــع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا أباه عليك الرهط حيـن تبايعــوا أباه البراء وابن عمرو كلاهمــا وأسعـد يـأبـاه عليـك ورافــــــع وسعد أبــاه الساعــدي ومنــــذر لأنفـك إن حاولـت ذلــك جــادع وما ابن ربيع إن تناولت عهــده بمسلمـه لا يطمعــن ثــم طامـع وأيضاً فلا يعطيكـه ابن رواحــة وإخفـاره من دونـه السـم ناقـع وفاء بـه والقوقلــي بن صامـت بمنـدوحـة عـمـــا تحـاول يافـــع أبـو هيثــم أيضـاً وفــى بمثـلهـا وفاء بما أعطى من العهد خانـع وما ابن حضير إن أردت بمطمع فهل أنت عن أحموقة الغي نازع وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ضروح لما حاولـت ملأمـر مانـع اولاك نجـوم لا يـغـبــك مـنهــــم عليك بنحس في دجى الليل طالع تفسير : فأما نقباء اليهود في جسّ الأرض فلم يوف منهم إلا اثنان - كما سيأتي قريباً عن بعض التوراة التي بين أيديهم، وأما نقباء النصارى فنقض منهم واحد - كما مضى عند قوله تعالى: {أية : وما قتلوه وما صلبوه}تفسير : [النساء: 157] وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام عند قوله تعالى: {أية : لأنذركم به ومن بلغ}تفسير : [الأنعام: 19]، وأما نقباؤنا فكلهم وفي وبرّ بتوفيق الله وعونه فله أتم الحمد.

القشيري

تفسير : والمغفرة لا تكون إلاَّ للذنب، فوصفهم بالأعمال الصالحات، ثم وعدهم المغفرة لِيُعْلَمَ أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها، بخلاف ما تَوَهَّمَ مَنْ قال إن المعاصي تَحْبِطُ الطاعات. ويقال بيَّن أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عَفْوِه وغفرانه، ولولا ذلك لَهلَكَ، خلافاً لمن قال إنه لا يجوز أن يَعذِّبَ البريءَ ويجب أن يثيب المحسنين. ويقال لو كان ثوابُ المحسنين واجباً، وعقوبةُ البريء غيرَ حسنة لكان التجاوزُ عنه واجباً عليه، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} التى من جملتها العدل والتقوى والمفعول الثانى لوعد محذوف وهو الجنة كما صرح به فى غير هذا الموضع {لهم مغفرة} لذنوبهم {واجر عظيم} اى ثواب عظيم فى الجنة وهذه الجملة مفسرة لذلك المحذوف تفسير السبب للمسبب فان الجنة مسببة عن المغفرة وحصول الاجر فلا محل لها من الاعراب.

الطوسي

تفسير : وعد الله تعالى في هذه الآية الذين صدقوا بوحدانية الله وأقروا بنبوة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وعملوا الصالحات ان لهم مغفرة او وعدهم مغفرة ووقعت الجملة موقع المفرد كما قال الشاعر: شعر : وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعيناً سلسبيلا تفسير : وتكون الجملة التي هي لهم مغفرة في موضع النصب، ولذلك عطف في البيت وعينا، فنصب على الموضع، ويحتمل ان يكون موضع {لهم مغفرة} في موضع الرفع، ويكون الموعود به محذوفاً، ويكون التقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم أو لهم مغفرة وأجر عظيم هو الجنة. وهو معنى قول الحسن والجبائي والوعد، هو الخبر الذي يتضمن النفع من المخبر. والوعيد: هو الخبر الذي يتضمن الضرر من المخبر. وتقول: وعدته خيراً وأوعدته شراً والا يعاد مطلقاً يكون في الشر. والوعد مطلقاً في الخير، فاذا قيدته بذكر الخير او الشر، قلت فيهما معاً وعدته وأوعدته معاً فيما حكاه الزجاج. والمغفرة اصلها التغطية ومعناها تكفير السيئة. والتكفير ايضاً: التغطية ومنه تكفر في السلاح: اذا تغطى به قال لبيد: شعر : في ليلة كفر النجوم غمامها تفسير : والاجر المذكور في الآية هو الثواب الذي وعد الله المؤمنين به على فعلهم الطاعات. والفرق بين الثواب والاجر في العرف أن الثواب هو الجزاء على الطاعات. والاجر قد يكون مثل ذلك وقد يكون في المعنى المعاوضة على المنافع بمعنى الاجر.

الجنابذي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} الجملة فى محلّ المفعول لوعد لانّه بمعنى القول والمراد بالايمان هو الحاصل بالبيعة مع محمّد (ص)، وبالعمل الصّالح البيعة مع علىّ (ع)، او المراد بالايمان البيعة مع علىّ (ع) وبالعمل الصّالح العمل على طبق البيعة.

اطفيش

تفسير : {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: الموعود به محذوف، أى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعداً عظيماً، أو وعداً حسناً على العمل بما واثقهم به، وذكر النعمة والتقوى والقيام لله بالحق والعدل، كأنه قيل: ما ذلك الموعود فقال: {لَهُم مَّغفِرَةٌ}: لذنوبهم. {وَأَجرٌ عَظِيمٌ}: هو الجنة على أعمالهم لله، وتروكهم لله عز وجل، وأخبر أن يكون لهم مغفرة مفعول لوعد نصب الجملة، لأنه بمعنى قال، كأنه قيل: قال الله فى شِأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم، أخبرنا الله بأن لهم ذلك فى القرآن، أو ليقول الله لهم ذلك عند الموت ويوم القيامة يستريحون اليه.

الالوسي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} من الواجبات والمندوبات ومن جملتها العدل والتقوى {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} جملة مستأنفة مبينة لثاني مفعولي {وَعَدَ} المحذوف كأنه قيل: أي شيء وعده؟ / فقيل: لهم مغفرة الخ. ويحتمل أن يكون المفعول متروكاً والمعنى قدم لهم وعداً وهو ما بين بالجملة المذكورة، وجوز أن تكون مفعول {وَعَدَ} باعتبار كونه بمعنى قال، أو المراد حكايته لأنه يحكي بما هو في معنى القول عند الكوفيين، ويحتمل أن يكون القول مقدراً أي وعدهم قائلاً ذلك لهم أي في حقهم فيكون إخباراً بثبوته لهم وهو أبلغ، وقيل: إن هذا القول يقال لهم عند الموت تيسيراً لهم وتهويناً لسكرات الموت عليهم..

ابن عاشور

تفسير : عُقّب أمرهم بالتّقوى بذكر ما وَعد الله به المتّقين ترغيباً في الامتثال، وعطف عليه حال أضداد المتّقين ترهيباً. فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً. ومفعول {وعد} الثّاني محذوف تنزيلاً للفعل منزلة المتعدّي إلى واحد. وجملة {لهم مغفرة} مبيّنة لجملة {وعد الله الذين آمنوا}، فاستغني بالبيان عن المفعول، فصار التقدير: وعد الله الّذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجراً عظيماً لهم. وإنَّما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة لهم بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرّر. والقصر في قوله: {أولئك أصحاب الجحيم} قصر ادّعائي لأنّهم لمّا كانوا أحقّ النّاس بالجحيم وكانوا خالدين فيه جعلوا كالمنفردين به، أو هو قصر حقيقي إذا كانت إضافة {أصحاب} مؤذنة بمزيد الاختصاص بالشيء كما قالوه في مرادفها، وهو ذو كذا، كما نبّهوا عليه في قوله: {أية : والله عزيز ذُو انتقام}تفسير : [آل عمران: 4] فيكون وجه هذا الاختصاص أنّهم الباقون في الجحيم أبداً.

القطان

تفسير : لقد تفضل سبحانه فوعد المؤمنين العاملين بإيمانهم أن يعفو عن ذنوبهم ويعطيهم الأجر العظيم. وهنا قَرَن الإيمان بالعمل، ذلك ان العملَ مظهر لازمٌ عنه في تلك الحال. اما الذين جحدوا دينه، وكذّبوا بآياته الدالة على وحدانيته فهم من أهل جهنم يوم القيامة. وهكذا يأتي القرآن بصور متقابلة في كثير من آياته حتى يظهر الفرق بين المؤمن والكافر، وما ينتظر كلاً منهما.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (9) - وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.. وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ التِي يَرْضَاهَا رَبُّهُمْ (مِثْلَ العَدْلِ، وَالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَمُرَاعَاةِ جَانِبِ اللهِ فِي أوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، فِي أنْفُسِهِمْ وَفِي رَوَابِطِهِم الاجْتِمَاعِيَّةِ)، بِأنَّهُ سَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيُثِيبُهُمْ بِالأجْرِ العَظِيمِ، وَهُوَ الجَزَاءُ المُضَاعَفُ عَلى الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَضْلاً مِنْهُ وَرَحْمَةً مِنْ لَدُنْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعندما نتأمل كلمة "وعد" نجدها تأتي، وتأتي أيضاً كلمة "أوعد" و"وعد" وكذلك أوعد إذا لم تقترن بالموعود به، تكون وَعَد للخير، و"أَوْعَد" للشر. ولكن لو حدث غير ذلك وجئت بالموعود به، فالاثنان متساويان، فيصح أن تقول "وعدته بالخير" ويصح أيضاً أن تقول: "وعدته بالشر". لكن إن لم تذكر المتعلق، فإن "وعد" تستعمل في الخير. و"أوعد" تستعمل في الشر. والشاعر يقول: شعر : وإنِّي إنْ أوعدته أو وعدته لُمخْلِفُ إِبعادي ومُنْجِزُ موعدي تفسير : وحين يقول: "وعد الله" فهذا وعد مطلق لا إخلال به؛ لأن الذي يخل بالوعد هو الإنسان الذي تعتريه الأغيار؛ فقد يأتي ميعاد الوفاء بالوعد ويجد الإنسان نفسه في موقف العاجر أو موقف المتغير قلبياً، لكن ساعة يكون الله هو الذي وعد فسبحانه الذي لا تداخله الأغيار، بل هو الذي يُجري الأغيار، لذلك يكون وعده هو الوعد الخالص الذي لا توجد قوة أخرى تحول دون أن ينفذ الله وعده. أما وعد البشر فقد تأتي قوة أخرى تعطل الوعد. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} سبحانه وتعالى يوضح أن مغفرته لكل عباده ولا يختص فقط الصالحين الورعين بل إنه يوجد حديثه إلى هؤلاء الذين ارتكبوا المعاصي فإن تابوا، فلهم مغفرة؛ لأن ردء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؛ فأنت قد تكون جالسا ويأتي واحد جهة اليمين ليقدم لك تفاحة، وفي اللحظة نفسها التي تمتد يدك لتأخذ التفاحة تلتفت لتجد إنساناً آخر يريد أن يصفعك، أي اتجاهات سلوكك تغلب؟. لا بد أنك سترد على من يضربك أولا. والحق يزيل الذنوب أولاً بالمغفرة. ونجده سبحانه وتعالى يأتي بأشياء تلفت القلب فهو يقول: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران: 185] فالخطوة الأولى للفوز هي الزحزحة عن النار، والخطوة التالية بعد ذلك هي دخول الجنة. فسبحانه يمنع المفسدة ويقدم دفعها ودرأها على جلب المنفعة؛ لذلك يقول الحق بداية: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ}. والإنسان منا ساعة تأتي له الخواطر يفكر في أشياء يطمح إليها، وهناك أشياء يخاف منها. وينشغل الذهن أولاً بما يخاف منه، يخاف من المفسدة، يخاف من عدم تحقيق الآمال. إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}. وكل أجر على عمل يأخذ عمره بقدر حيزه الزمني، فأجر الإنسان على عمله في الدنيا يذهب ويزول؛ لأن الإنسان نفسه يذهب إلى الموت، أما أجر الآخرة فهو الباقي أبداً، وهو أجر لا يفوت الإنسان ولا يفوته الإنسان، ذلك هو الأجر العظيم. وحين يتكلم الحق عن معنى من المعاني يتعلق بالإيمان والعمل الصالح تكون النفس مستعدة؛ لأن هناك تأميلا في الخير وترهيباً من الشر؛ لذلك يتبع الحق هذه الآية بآية أخرى فيقول: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي { وَعَدَ اللَّهُ } الذي لا يخلف الميعاد وهو أصدق القائلين -المؤمنين به وبكتبه ورسله واليوم الآخر، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } من واجبات ومستحبات- بالمغفرة لذنوبهم، بالعفو عنها وعن عواقبها، وبالأجر العظيم الذي لا يعلم عظمه إلا الله تعالى. {أية : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . تفسير : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } الدالة على الحق المبين، فكذبوا بها بعد ما أبانت الحقائق. { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه.