Verse. 679 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَكَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَاۗ اُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ الْجَحِيْمِ۝۱۰
Waallatheena kafaroo wakaththaboo biayatina olaika ashabu aljaheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم».

10

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ }. هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار، لأن قوله {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } يفيد الحصر، والمصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال: أصحاب الصحراء، أي الملازمون لها.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} هذا من عادته تعالى، أن يتبع حال أحد الفريقين حال الآخر وفاء بحق الدعوة، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ }.

الخازن

تفسير : {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} يعني: والذين جحدوا وحدانية الله ونقضوا عهوده ومواثيقه وكذبوا بما جاءت به الرسل من عنده {أولئك} يعني من هذه صفته {أصحاب الجحيم} هذه الآية نص قاطع في أن الخلود في النار ليس إلا للكفار لأن المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال: فلان صاحب فلان يعني الملازم له. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} يعني: اذكروا نعمة الله عليكم بالدفع عنكم مع سائر نعمه التي أنعم بها عليكم ثم وصف تلك النعمة التي ذكرهم بها وأمرهم بالشكر عليها فقال تعالى: {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} يعي بالقتل والبطش بكم فصرفهم عنكم وحال بينكم وبين ما أرادوه بكم. اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وفي صفة هذه النعمة التي أمر الله تعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بذكرها والشكر عليها، فقال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة حين أراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك وأنزل صلاة الخوف. وقال الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصراً غطفان بنخل فقال رجل من المشركين: هل لكم أن أقتل محمداً؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قالوا: وددنا أنك فعلت ذلك. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه أياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر إليه مرة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثم قال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله. فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد السيف ومضى فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة وهي من مياه بني عامر فاقتتلوا فقتل المنذر وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم: أحدهم عمرو بن أمية الضمري فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء يسقط من بين مناقيرها علق الدم فقال أحد النفر الثلاثة: قتل أصحابنا. ثم تولى يشتد حتى لقي رجلاً من المشركين فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه فقال: الله أكبر الجنة ورب العالمين ورجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة فانتسبا إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما ألى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبدالرحمن بن عوف حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات. وقيل أراد أن يستقرض منهم ديه رجلين فقالوا نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة أجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخلا بعض اليهود ببعض وقالوا: إنكم لم تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر منكم على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيربحنا منه فقال عمرو بن جحاش: أنا. فعمد إلى رحى عظيمة ليطرحها على النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة. قال: وخرج معه علي بن أبي طالب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لا تبرح مكانك حتى يخرج إليك أصحابي فمن خرج إليك منهم وسألك عني فقل توجه إلى المدينة ففعل ذلك حتى تناهوا إليه ثم اتبعوه إلى المدينة وأنزل الله عز وجل هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم} يعني اليهود {أن يبسطوا إليكم أيديهم} يقال بسط يده إليه إذا بطش به وهو إذا مدها إلى المبطوش به ليقتله {فكفَّ أيديهم عنكم} يعني أنه تعالى منعهم مما أرادوه بكم {واتقوا الله} يعني فيما أمركم به ونهاكم عنه {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أمر الله تعالى المؤمنين بالتوكل عليه لأنه هو الكافي عباده جميع أمورهم فإذا فعلوا ذلك وتوكلوا عليه حفظهم ورعاهم ممن أرادهم بسوء كما كفَّ أيدي اليهود عنهم لما أرادوا أن يفتكوا بهم وهذه القصة أولى بالصواب لأنه عقب الآية بذم اليهود وذكر قبيح أفعالهم وخيانتهم.

القشيري

تفسير : لهم عقوبتان: معجلة وهي الفراق، ومؤجلة وهي الاحتراق.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} التى من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالامر بالعدل والتقوى {اولئك} الموصوفون بما ذكر من الكفر وتكذيب الآيات {اصحاب الجحيم} ملابسوها ملابسة مؤبدة وفيه مزيد وعد للمؤمنين لان الوعيد اللاحق باعدائهم مما يشفى صدورهم ويذهب ما كانوا يجدونه من اذاهم فان الانسان يفرح بان يهدد اعداؤ. واعلم ان الله تعالى صرح للمؤمنين الامر بالعدل وبين انه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين انه مقتضى الهوى لكون الحامل عليه البغض والشنآن فعلى المؤمن العدل فى حق الاولياء والاعداء خصوصا فى حق نفسك واهلك واولادك لما ورد "حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " .تفسير : ووجد فى سرير انوشروان مكتوبا ـ الملك لا يكون الا بالامارة والامارة لا تكون الا بالرجال ولا تكون الرجال الا بالاموال ولا تكون الاموال الا بالعمارة ولا تكون العمارة الا بالعدل بين الرعايا والسلطان شريك رعاياه فى كل خير عملوه ـ: قال الحافظ شعر : شاه را به بود از طاعت صدساله وزهد قدريك ساعت عمرى كه درو دادكند تفسير : وفى ترجمة وصايا الفتوحات لمحمد بن واسع [ازا كابردين است روزى بر بلال بن برده كه والىء وقت بود در آمد واودر عيش بود وبيش اوبرف نهاده وبتنعم تمام تشسته محمد بن واسع راكفت يا ابا عبد الله اين خانه مارا جون بينى كفت اين خانه خوش است وليكن بهشت ازين خواشتراست وذكر آتش دوزخ از امثال اين غافل كرداند برسيدكه جه ميكويى درباب قدر كفت در همراز كان توكه درين مقابر مدفونند فكرى بكن تا از قدر برسيدن مشغول شوى كفت براى من دعا كن كفت دعاى من جه ميكنى وبر دركاه توجندين مظلومند همه برتو دعا ميكنند ودعاى ايشان بيشتر بالاميرود ظلم مكن وبدعاء من حاجت نيست] ومن كلمات بهلول لهارون حين قال له من انا قال انت الذى لو ظلم احد فى المشرق وانت فى المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون. وفى عين المعانى العالم لا يدخل على الظلمة تحاميا عن الدعاء لهم بالبقاء فورد من دعا لظالم بالبقاء فقد احب ان يعصى الله فى ارضه فلا بد من النصيحة وترك المداهنة وفى الحديث "حديث : ما ترك الحق لعمر من صديق " .تفسير : وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر شعر : لما ادمت النصح والتحقيقا لم يتركا لى فى الوجود صديقا تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكر هيج كس را نيايد بسند تفسير : وبالجملة ان العدل من احسن الاخلاق ـ وحكى ـ ان انوشروان لما مات كان يطاف بتابوته فى جميع مملكته وينادى منادى من له علينا حق فليأت فلم يوجد احد فى ولايته عليه حق من درهم ولذا اشتهر بالعدل اشتهار حاتم بالجود حتى صار العادل لقبا له فلفظ العادل انما يطلق عليه لعدم جوره وظهور عدله لمجرد المدح والثناء عليه. واما سلاطين الزمان فلظهور جورهم وعدم اتصافهم بالعدل منعوا عن اطلاق العادل عليهم اذ اطلاقه عليهم حينئذ انما يكون لمجرد المدح لهم والثناء عليهم فيكون كذبا وكفرا فجواز اطلاق العادل على الكافر المنصف وعدم جواز اطلاقه على المسلمين الجائرين ليس بالنظر الى متانة العدل بل ذاك ليس الا ان العدل والجور متناقضان فلا يجتمعان. قال فى زهرة الرياض اذا كان يوم القيامة ينصب لواء الصدق لابى بكر رضى الله عنه وكل صديق يكون تحت لوائه. ولواء العدل لعمر رضى الله عنه وكل عادل يكون تحت لوائه. ولواء السخاوة لعثمان رضى الله عنه وكل سخى يكون تحت لوائه. ولواء الشهداء لعلى رضى الله عنه وكل شهيد يكون تحت لوائه وكل فقيه تحت لواء معاذ بن جبل. وكل زاهد تحت لواء ابى ذر. وكل فقير تحت لواء ابى الدرداء. وكل مقرىء تحت لواء ابى بن كعب. وكل مؤذن تحت لواء بلال. وكل مقتول ظلما تحت لواء الحسين بن على فذلك قوله تعالى {أية : يوم ندعو كل أناس بإمامهم} تفسير : [الإسراء: 71] الآية. والعدل فى الحقيقة هو الوسط المحمود فى كل فعل وقول وخلق وهو المأمور به فى قوله تعالى {أية : فاستقم كما أمرت} تفسير : [هود: 112]. ولقد صار من نال اليه كالكبريت الاحمر والمسك الاذفر ومن الله الهداية والتوفيق آمين.

الطوسي

تفسير : قوله: {والذين كفروا} معناه جحدوا توحيد الله، وصفاته وعدله، وانكروا نبوة نبيه، والاعتراف بما جاء به من عند الله، وكذبوا بآيات الله أخبر الله عنهم أنهم اصحاب الجحيم. وجحيم اسم من اسماء جهنم، فعلى هذا قوله، {والذين} في موضع رفع على الابتداء "وكفروا" في صلة الذين وكذبوا باياتنا عطف على ما في الصلة. وقوله: اولئك اصحاب الجحيم جملة في موضع خبر الذين. وحد الكفر عندنا كل معصية يستحق بها عقاب دائم، لان ما ليس بكفر من المعاصي لا يستحق عليه إلا عقاب منقطع، ثم ينقسم قسمين فان كان كفر ردة، تعلقت عليه أحكام من منع الموارثة من المسلم والصلاة عليه، والدفن في مقابر المسلمين، وغير ذلك. وان كان كافر ملة بأن يكون مظهراً للشهادتين لم يجر عليه شيء من هذه الاحكام. وقال قوم: إن الكفر أعظم الاجرام، لانه جحد انعم الله، ونعمته أعظم النعم، ويستحق عليها أعظم الشكر، فيجب أن يكون كفرها وجحدها أعظم الاجرام والمكذب بآيات الله، وان يعلمها ايات، فهو كافر إذا كان له سبيل إلى معرفتها. ومعنى أصحاب الجحيم أنهم يخلدون في النار، لان المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال اصحاب الصحراء بمعنى الملازمين لها.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ببيعة علىّ (ع) او ببيعة محمّد (ص) {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} واصلها علىّ (ع) {أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} جمع بين الوعد والوعيد كما هو شأنه وللاشارة الى انّ المغفرة والاجر للمؤمن المستقيم مقصودة بالذّات وجزاء المسيء مقضىّ بالعرض غيّر الاسلوب واتى بالجلمة الاسميّة الدّالة على انّ الجزاء لهم كأنّه من لوازم ذواتهم المسيئة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي أصحاب النار، وهو اسم من أسماء أبواب جهنم. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. قال الحسن: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل محاصراً غطفان، وهو متقلد سيفه؛ فجاءه رجل كانت قريش بعثته ليفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أرني سيفك هذا حتى أنظر إليه، فقال: هاكه. فأخذه فجعل ينظر إلى السيف مرة وإلى رسول الله مرة، فقال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: لا . تفسير : وقال بعضهم: ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله وهو بنخل في الغزوة السابعة فأراد بنو تغلب وبنو محارب أن يفتكوا به، فأطلعه الله على ذلك. وذكر لنا حديث : أن رجلاً انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله وسيفه موضوع، فقال: آخذه؟ قال:خذه. قال: أسلّه؟ قال: سلّه. فلما انتضاه قال: ما يمنعك؟ قال الله يمنعني منك. فتهدده أصحاب النبي وأغلظوا له، فشام السيف فرده، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل تفسير : . وأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك. ذكر جابر بن عبد الله قال: نزلت صلاة الخوف في الغزوة السابعة. قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً} ذكر بعضهم قال: أي: شاهداً؛ من كل سبط شاهد على قومه. قال الحسن: ما ضمنوا عنهم من شيء قبلوه من الدين، فهم ضامنون له قابلوه. وقد جعل رسول الله أيضاً بما أمره الله اثني عشر نقيباً ليلة العقبة. وقال مجاهد: من كل سبط رجلاً، فأرسلهم موسى إلى الجبّارين. قوله: {وَقَالَ اللهُ: إِنِّي مَعَكُمْ} على الشرط {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي ونصرتموهم {وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} أي: الصدقة والنفقة في الحق. {لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. وهو كقوله في سورة البقرة: (أية : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)تفسير : [البقرة:40] وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة. وتفسير مجاهد: إن موسى أرسل نقيباً من كل سبط إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون وطالوت فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة. قوله: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي قصد الطريق، وقال بعضهم: عدل الطريق.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا}: بالله أو بشىء مما يجب الايمان به. {وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا}: بما جاءت به الرسل من كلام الله، أو من المعجزات. {أُولئِكَ أَصحَابُ الجَحِيمِ}: يذكر الله فى القرآن وعيد الكفار بعد ذكر وعد المؤمنين وبالعكس، لأن هذا من أحب شىء الى الانسان ذكر ما يضر عدوه مطلقاً، ولا سيما مع ذكر ما يتلذذ به هو مما ليس لعدوه، فلو لم يكن للمؤمنين الجنة ولا النار، لكن فى اثبات النار لعدوهم لذة عظيمة، فكيف ولهم الجنة، ولو لم يكن لهم الجنة لكن للكفار النار، وقد عادوا المؤمنين لكان تحسر عظيم عن الكفار، اذ لزمهم ما نجى منه عدوهم وهم المؤمنون فكيف وللمؤمنين مع ذلك الجنة، ولو لم يكن للكفار النار لكن للمؤمنين الجنة، لكان لهم تحسر عظيم اذ نال عدوهم المؤمنون الجنة دونهم، فلا يخفى اذا ما فى اتباع كل من الوعد والوعيد بالآخر من تغييظ الكفار والزجر عن الكفر، وتلذيذ المؤمنين وترغيبهم فى الايمان، وترغيب غيرهم والدعاء اليه.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَـٰتِنَا} القرآنية التي من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى، وحمل بعضهم الآيات على المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} أي ملابسوا النار الشديدة التأجج ملابسة مؤبدة، والموصول مبتدأ أول، واسم الإشارة مبتدأ ثان وما بعده خبره، والجملة خبر الأول، ولم يؤت بالجملة في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد قطعاً لرجائهم، وفي ذكر حال الكفرة بعد حال المؤمنين كما هو السنة السنية القرآنية وفاءاً بحق الدعوة، وتطييباً لقلوب المؤمنين بجعل أصحاب النار أعداءهم دونهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَآ} {أُوْلَـۤئِكَ} {أَصْحَابُ} (10) - أمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ (سَوَاءٌ مِنْهَا التِي أنْزَلَها عَلَى رُسُلِهِ، أَوْ التِي أقَامَهَا فِي الأنْفُسِ وَالآفَاقِ، لِلدَّلاَلَةِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَعَلَى صِدْقِ رُسُلِهِ فِيمَا يُبلِّغُونَ عَنْهُ) فَسَيَكُونُونَ مِنْ أهْلِ النَّارِ فِي الآخِرَةِ، وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ نَاصِراً وَلا مُنْقِذاً مِنْ دُونِ اللهِ. الجَحِيمِ - النَّارِ العَظِيمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين نسمع قوله: {أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} تتزلزل النفوس رهبة من تلك الصحبة التي نبرأ منها، فالصحبة تدل على التلازم وتعني الارتباط معاً، وألا يترك أحدهما الآخر؛ كأن الجحيم لا تتركهم، وهم لا يتركون الجحيم، بل تكون الجحيم نفسها في اشتياق لهم. وللجحيم يوم القيامة عملان؛ العمل الأول: الصحبة التي لا يقدر الكافر على الفكاك منها، والثاني: لا تترك الجحيم فرصة للكافر ليفك منها. ويقول الحق عن النار: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30] ويقول الحق بعد ذلك: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ....}

الجيلاني

تفسير : بعد وعد للمؤمنين ما وعد، أردفه بوعيد الكفارة؛ جرياً على عادته المستمرة في دعوة عباده، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيدنا، وأثبتوا الوجود لغيرها؛ مكابرة وعناداً {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} الدالة على توحيدنا، المنزلة على رسلنا {أُوْلَـۤئِكَ} البعداء المشركون {أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [المائدة: 10] مصاحبوها وملازموها، لا نجاة لهم منها أصلاً توغلهم وانهماكهم في الكفر والضلال. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} كيف ينجيكم من يد العدو {إِذْ هَمَّ} قصد {قَوْمٌ} من عدوكم {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} حين كنتم مشغولين بالصلاة، ويفاجئوكم بغتة، ويستأصلوكم مرة {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} بالوحي على نبيكم امتناناً وتفضلاً عليكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الرقيب عليكم أن تخالفوا أمره {وَعَلَى ٱللَّهِ} في كل الأمور {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] الموقنون بوحدانيته وحفظه وحمايته.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 10]، تداركهم الخذلان حتى {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [المائدة: 10]، الذين كانوا يوم الميثاق في الصف الرابع فما فهموا أخطابنا ولا صوبوا جوابنا فاستوجبوا عتابنا واستحقوا عقابنا. ثم ذكر أهل العناية بما أنعم عليهم في البداية فقال تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 11]، بما عاينوا {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 11]، في بدء الخلقة حين أراد أن يخرجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود بأمر {كُن} {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11]؛ ليؤخروكم عن الخروج من العدم ويسبقوكم بالخروج إلى الوجود {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} [المائدة: 11]، لتكونوا أنتم السابقون بالروح في الخروج عن العدم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 11]، في الرجوع إلى العدم لتتقوا بالله عما سوى الله، والله يعلم أن رجوعكم إلى العدم ليس لكم ولا إليكم كما لم يكن خروجكم بكم فإن خروجكم كان بجذبة أمر كن فلذلك رجوعكم لا يكون إلا بجذبة أمر {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، فكونوا واثقين بكرم الله وفضله شارعين في طلب مرضات الله جاهدين على وفق الأوامر والنواهي في الله؛ ليهديكم إلى جذبات عنايته {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11]، بهذه الكرامات المجتهدون لنيل هذه السعادات فإنه يبلغهم. ثم أخبر عن ميثاق اليهود ونقضهم العهود بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} [المائدة: 12]، والإشارة أن الله تعالى لما أخذ ميثاق بني إسرائيل أخذ ميثاق هذه الأمة يوم الميثاق ولكن أخذ ميثاق بني إسرائيل {أية : أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [هود: 2]، وأخذ ميثاق هذه الأمة أن {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، ولا يحبوا غيره، فلما كان ميثاق بني إسرائيل منهم لا من الله فنقضوا الميثاق وعبدوا العجل وقتلوا الأنبياء، ولما كان ميثاق هذه الأمة من الله ثم منهم بقوله {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، بذلوا في الله أرواحهم وما بذلوا بعهدوهم ومحبوبهم وما نقضوا ميثاقهم وعهودهم كما قال تعالى: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 23]، ومن كمال عنايته مع هذه الأمة أنه تعالى جعل في أمة موسى عليه السلام النقباء المختارين المرجوعين إليهم عند الضرورة اثني عشر لقوله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} [المائدة: 12]، جعل في هذه الآمة من النجباء البدلاء وأعزة الأولياء أربعين رجلاً في كل حال وزمان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم عليه السلام وسبعة على خلق موسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم" تفسير : فهم على مراتب رجائهم ومناصب مقاماتهم أمنة هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بهم يرزقون وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلاء" تفسير : قال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأمة ثلاثة، والواحد القطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم، ولا يعرفه واحد ولا يشرف عليه، وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة، ويعرفون الأربعين ولا يعرفهم أولئك السبعة، والسبعة هم الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم الأربعون، وهم يعرفون سائر الأولياء من الأمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، فإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي هو واحد في العدد وبه قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة إلى أن يأذن الله في قيام الساعة. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [المائدة: 12]، علق المعية معهم بهذا الشرط، وقال تعالى: لهذه الأمة عن غير تعليق بشرط {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4]، والإشارة فيه أن من يقيم بهذه الشرائط إنما يقيم بها لأن الله تعالى وعد بني إسرائيل بتكفير سيئاتهم بعد القيام بهذه الشرائط. وقال: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [المائدة: 12]، ووعد هذه الأمة على القيام بأقل من هذه الشرائط بتبديل سيئاتهم حسنات وقال: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]، وتحقيق قوله تعالى {أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} [المائدة: 12] فإقامة الصلاة في أداءها منها بأن تجعل الصلاة معراجك إلى الحق، وقدم العروج بدرجاتها إلى أن تشاهد الحق كما شاهدته يوم الميثاق، ودرجاتها أربع القيام والركوع والسجود والتشهد على دركات نزلت بها من عليين وجوار رب العالمين إلى أسفل سافلين القالب وهو العناصر الأربعة التي خلق منها قالب الإنسان فالمتولدات منها على أربعة أقسام ولكل قسم منها ظلمة خاصة تحجبك عن مشاهدة الحق، وهي الجمادية وخاصيتها التشهد، ثم النباتية وخاصيتها السجود، ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع، ثم الإنسانية وخاصيتها القيام، فالقيام يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع النباتية وأعظمها الحرص على الجذب للنشوء، والنماء وهي خاصية الماء، والتشهد يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع الجمادية وأعظمها الجمود وهي خاصية التراب، ومن هذه الصفات الأربع تنشأ بقية الصفات البشرية فإذا تخلصت عن هذه الدركات والحجب عرجت بهذه المدارج الأربعة إلى جوار رب العالمين وقربه فقط قمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعبد الله كأنك تراه ". تفسير : وفي قوله تعالى:{وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ} [المائدة: 12]، إشارة إلى صرف ما زاد على روحانيتك بتعلق القلب بالوجود كله في سبيل الله {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي} [المائدة: 12]؛ أي: استسلم بالكل لتصرفات النبوة والرسالة {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [المائدة: 12]، وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقياً باقياً كما يقول: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [المائدة: 12]، أي: لأسترن بالوجود الحقيقي عنكم سيئات الوجود المجازي {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ} [المائدة: 12]، الوصلة {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [المائدة: 12]، أنهار الحكمة {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ} [المائدة: 12]، يعني: بعد هذه المواعظ الحسنة ولم يعمل بها {مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 12]، يعني: بضلالته اليوم من نتائج أخطاء النور عند رشاشه على الأرواح في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فمن أخطأه ذلك النور فقد ضل ".