٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : وقوله تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية وجهان: الأول: أن المشركين في أول الأمر كانوا غالبين، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين، ولقد كان المشركون أبداً يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَت ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } وهو المشركون {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل والنهب والنفي فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار عنكم أيها المسلمون، ومثل هذا الإنعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ومخالفته. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى، ولا تخافوا أحداً في إقامة طاعات الله تعالى. الوجه الثاني: أن هذه الآية نزلت في واقعة خاصة ثم فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني عامر فقتلوا ببئر معونة إلا ثلاثة نفر: أحدهم عمرو بن أُمية الضمري، وانصرف هو وآخر معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي صلى الله عليه وسلم فقتلاهما ولم يعلما أن معهما أمانا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان / وعلي حتى دخلوا على بني النضير، وقد كانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني، فقالوا أجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تريد، ثم هموا بالفتك برسول الله وبأصحابه، فنزل جبريل وأخبره بذلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال مع أصحابه وخرجوا، فقال اليهود: إن قدورنا تغلي، فأعلمهم الرسول أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه. قال عطاء: توامروا على أن يطرحوا عليه رحاً أو حجراً، وقيل: بل ألقوا فأخذه جبريل عليه السلام، والثاني: قال آخرون: إن الرسول نزل منزلاً وتفرق الناس عنه، وعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء إعرابي وسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني؟ فقال لا أحد، ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله {ٱذْكُرُواْ نِعْمَت ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيّهم، فإنه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن، والثالث: روي أن المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان، فلما صلوا ندم المشركون وقالوا ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم، فقيل لهم: إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم، يعنون صلاة العصر، فهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف. المسألة الثانية: يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به. ومعنى بسط اليد مده إلى المبطوش به، ألا ترى أن قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى واحد {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي منعها أن تصل إليكم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ}. قال جماعة: نزلت بسبب فعل الأعرابيّ في غزوة ذات الرَّقَاع حين اخترط سيف النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: من يعصمك مني يا محمد؟؛ كما تقدّم في «النساء». وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه. وذكر الواقديّ وابن أبي حاتم أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات. وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن ٱسم الرجل غَوْرَث بن الحارث (بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة) وقد ضم بعضهم الغين، والأوّل أصح. وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرّازي، وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقديّ أن ٱسمه دُعْثُور بن الحارث، وذكر أنه أسلم كما تقدّم. وذكر محمد بن إسحاق أن ٱسمه عمرو بن جِحاش وهو أخو بني النَّضِير. وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جِحاش في غير هذه القصة. والله أعلم. وقال قَتَادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهمّوا بقتله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله منهم. قال القُشَيري: وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أُخرى لادّكار ما سبق. {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي بالسوء {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} أي منعهم.
البيضاوي
تفسير : {يَا آَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } روي (حديث : أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان، قاموا إلى الظهر معاً فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فرد الله عليهم كيدهم بأن أنزل عليهم صلاة الخوف). تفسير : والآية إشارة إلى ذلك وقيل إشارة إلى ما روي (حديث : أنه عليه الصلاة والسلام أتى قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك فأجلسوه وهموا بقتله، فعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده فنزل جبريل فأخبره فخرج). تفسير : وقيل (حديث : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً وعلق سلاحه بشجرة وتفرق الناس عنه، فجاء أعرابي فسل سيفه وقال: من يمنعك مني؟ فقال: الله فأسقطه جبريل من يده، فأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني فقال لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) تفسير : فنزلت {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بالقتل والإهلاك، يقال بسط إليه يده إذا بطش به وبسط إليه لسانه إذا شتمه. {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } فإنه الكافي لإِيصال الخير ودفع الشر.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يـَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } هم قريش {أَن يَبْسُطُواْ } يمدوا {إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } ليفتكوا بكم {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } وعصمكم مما أرادوا بكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} بعثت قريش رجلاً ليقتل الرسول صلى الله عليه وسلم فأطلعه الله ـ تعالى ـ على ذلك فنزلت هاتان الآيتان أو خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعين بهم في دية فهمّوا بقتله فنزلت تذكرهم نعمته عليهم بخلاص نبيهم صلى الله عليه وسلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ...} الآية: خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لمَّا ٱستعانَ بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا: نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، ٱنْزِلِ حَتَّىٰ نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا: مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حَجَراً يَشْدَخُهُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم الخَبَرَ، فَقَامَ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ؛ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونَقْضِهِم المواثيقَ.
ابن عادل
تفسير : قوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} الآية. قتال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف، وقال الحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصراً غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمداً؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم والنبيُّ صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إيّاه فجعل الرجل يهزّ السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة وهي من مياه بني عامر واقتتلوا فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم أحدهم عمرو بن أمية الضمري فلم يرعهم إلا الطير يحوم في السماء يسقط من بين خراطيمها علق الدم فقال أحد النفر: قتل أصحابنا ثم تولى يشتد حتى لقي رجلاً فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه وقال الله أكبر الجنة وربِّ العالمين، فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدما قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلسْ حتى نعطمك ونعطيك الذي سألته، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة ثم دعا علياً فقال: لا تبرح مكانك فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم تبعوه"تفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11]. قوله تعالى: "عَلَيْكُم" يجُوزُ أن يَتعَلَّقَ بـ "نِعْمَة"، وأن يتعلَّق بمَحْذُوفٍ على أنَّه حَالٌ مِنْها. و"إذْ [هم]" ظرف ناصبه "النِّعْمة" أيضاً، أي: اذْكُروا نِعمتَهُ عليْكم في وقت هَمِّهم [عليكم]. ويجُوزُ أن يتعلَّق هذا الظَّرف بما يتعلَّق به "عَلَيْكُم"، إذا جَعَلته حالاً من "نِعْمَة"، ولا يجُوز أن يكُون مَنْصُوباً بـ "اذْكُرُوا" لتَّنافي زَمَنيهما، فإن "إذْ" للمُضيّ، و"اذْكُرُوا" مُستقبل، و"أن يَبْسُطُوا" على إسْقَاطِ البَاءِ أي هَمُّوا بأنْ يَبْسطوا، ففي موضع "أنْ" الخلاف المشهور. ومعنى بسط اليَد مدَّها إلى المَبْطُوش به كقولِهِم: فلان بَسِيطُ البَاعِ، ومديدُ البَاعِ بمعنًى واحد، يُقال: بَسَط إليه لِسَانه إذا شَتَمَهُ، وبَسَطَ إليه يَدَهُ إذا بَطَشَ به، {فكف أيديهم عنكم} أي: مَنعَها أن تَصِل إليْكم. ثم قال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: كُونُوا مواظبين على طاعة الله، ولا تخافوا أحداً في إقامة طاعَةِ اللَّه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبداللهحديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فَسَلَّهُ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله... قال الأعرابي: مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله..." فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه"تفسير : قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا هذا الأعرابي ويتألوا {اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم..} الآية. وأخرج الحاكم وصححه حديث : عن جابر قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث، قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك؟ قال: الله فوقع السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك؟ قال: كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفوا فكانوا موضع أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فكان للناس ركعتين ركعتين وللنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات" . تفسير : وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل من طريق الحسن. أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: أقتل لكم محمداً؟ قالوا له: كيف تقتله؟! فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه فاستله وجعل يهزه ويهم فيكبته الله فقال: يا محمد، ما تخافني وفي يدي السيف؟ ورده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم...} الآية. وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال "حديث : إن عمرو بن أمية الضمري حين انصرف من بئر معونة، لقي رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أم معهما أماناً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ومعه أبو بكر وعمر وعلي، فتلقاه بنو النضير فقالوا: مرحبا. يا أبا القاسم، لماذا جئت؟ قال: رجل من أصحابي قتل رجلين من بني كلاب معهما أمان مني، طلب مني ديتهما، فأريد أن تعينوني. قالوا: نعم، أقعد حتى نجمع لك. فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلي، وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً، فجاء جبريل فاخبره بما هموا به، فقام بمن معه، وأنزل الله {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم...} الآية ". تفسير : وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. نحوه. وأخرج أيضاً عن عروة، وزاد بعد نزول الآية "حديث : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلائهم لما أرادوا، فأمرهم أن يخرجوا من ديارهم. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى الحشر ". تفسير : وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله ابن أبي بكر قالا: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن، فمروا رجلاً يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه. فقال عمر بن جحاش بن كعب: أنا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فانصرف، فأنزل الله فيهم، وفيما أراد هو وقومه {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم...} ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} قال: هم يهود. دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطاً لهم وأصحابه من وراء جداره، فاستعانهم في مغرم في دية غرمها، ثم قام من عندهم فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضاً ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلاً رجلاً حتى تقاوموا إليه". وأخرج ابن جرير عن يزيد بن زياد قال: حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير يستعينهم في عقل أصابه ومعه أبو بكر وعمر وعلي، فقال "أعينوني في عقل أصابني. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينتظرونه، وجاء حيي بن أخطب فقال حيي لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه ولا ترون شراً أبداً، فجاؤوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل فأقامه من بينهم، فأنزل الله {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم...} الآية. فأخبر الله نبيه ما أرادوا" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك في الآية قال: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال "بعث النبي صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى غطفان، فالتقوا على ماء من مياه عامر فاقتتلوا، فقتل المنذر ابن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، فلم يرعهم إلا والطير تجول في جوّ السماء يسقط من خراطيمها علق الدم، فقالوا قتل أصحابنا والرحمن. فانطلق رجل منهم فلقي رجلاً، فاختلفا ضربتين فلما خالطه الضربة رفع طرفه إلى السماء، ثم رفع عينيه، فقال: الله أكبر!...الجنة ورب العالمين، وكان يرعى أعنق ليموت، فانطلق صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما، وكان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة، فقدم قومهما على النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون عقلهما، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، حتى دخلوا على بني النضير يستعينونهم في عقلهما، فقالوا: نعم. فاجتمعت يهود على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فاعتلوا له بصنعة الطعام، فلما أتاه جبريل بالذي أجمع له يهود من الغدر خرج، ثم أعاد علياً فقال: لا تبرح من مكانك هذا، فمن مر بك من أصحابي فسألك عني فقل: وجه إلى المدينة فأدركوه، فجعلوا يمرون على علي فيقول لهم الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى عليه آخرهم، ثم تبعهم ففي ذلك أنزلت {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} حتى {ولا تزال تطلع على خائنة منهم}". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال "إن قوماً من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاماً ليقتلوه، فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فلم يأتوه". وأخرج عبد بن حميد وابن جريرحديث : عن قتادة في الآية قال "ذكر لنا أنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة الثانية، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب ان يفتكوا به، فأطلعه الله على ذلك، ذكر لنا أن رجلاً انتدب لقتله، فأتى نبي الله صلى الله عليه وسلم وسيفه موضوع، فقال: آخذه يا رسول الله؟ قال: خذه. قال: استله؟ قال: نعم. فاستله فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك، فهدده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأغلظوا له القول فشام السيف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرحيل، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك".
ابو السعود
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تذكيرٌ لنعمة الإنجاءِ من الشرِّ إثرَ تذكيرِ نعمةِ إيصالِ الخير الذي هو نعمةُ الإسلام وما يتبَعُها من الميثاق، وعليكم متعلِّقٌ بنعمة الله، أو بمحذوفٍ وقع حالاً منها وقوله تعالى: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} على الأول ظرفٌ لنفس النعمة، وعلى الثاني لِما تعلَّق به عليكم، ولا سبـيلَ إلى كونه ظرفاً لاذْكُروا لتنافي زمانَيْهما، أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم، أو اذكروا نعمته كائنةً عليكم في وقت همِّهم {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي بأن يبطِشوا بكم بالقتل والإهلاك، يقال: بسَطَ إليه يدَه، وبسط إليه لسانَه إذا شتمه، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بـيان رجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليهم، حملاً لهم من أول الأمرِ على الاعتداد بنعمةِ دفعِه، كما أن تقديم (لكم) في قوله عز وجل: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة، الآية 29] للمبادرة إلى بـيان كونِ المخلوق من منافعِهم تعجيلاً للمَسَرّة {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} عطفٌ على هم، وهو النعمة التي أُريد تذكيرُها، وذكراً لهم للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجةِ إليها، والفاءُ للتعقيب المفيدِ لتمام النعمة وكمالِها، وإظهارُ (أيديهم) في موقع الإضمار لزيادة التقرير، أي منَعَ أيديَهم أن تُمدَّ إليكم عقيب همِّهم بذلك، لا أنه كفها عنكم بعد ما مدُّوها إليكم، وفيه من الدلالة على كمالِ النعمة من حيثُ إنها لم تكن مشوبةً بضَرَر الخوف والانزعاجِ الذي قلما يعْرَى عنه الكفُّ بعد المد ما لا يخفى مكانُه، وذلك (ما رُوي أن المشركين لما رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه بعَسفانَ في غزوة ذي أنمار، وهي غزوةُ ذاتِ الرَّقاع وهي السابعةُ من مغازيه عليه الصلاة والسلام، قاموا إلى الظهر معاً فلما صلَّوْا ندِمَ المشركون ألا كانوا قد أكبُّوا عليهم، فقالوا إن لهم بعدها صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائِهم يعنون صلاةَ العصر، وهمُّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فرد الله تعالى كيدَهم بأن أنزلَ صلاةَ الخوف)، وقيل: هو ما رُوي حديث : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتىٰ بني قُرَيْظَةَ ومعه الشيخانِ وعليٌّ رضي الله تعالى عنهم، يستقرِضُهم لدِيَةِ مسلمَيْن قتلهما عمْرُو بنُ أميةَ الضَّمُريُّ خطأً يحسَبُهما مشرِكَيْن، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلِسْ حتى نُطعِمَك ونعطِيك ما سألت، فأجلسوه في صُفَّةٍ وهمّوا بالفتك به، وعمَد عمرُو بنُ جِحاش إلى رَحا عظيمةٍ يطرَحُها عليه فأمسك الله تعالى يده، ونزل جبريلُ عليه السلام فأخبره، فخرج عليه الصلاة والسلامتفسير : . وقيل: هو ما رُوي حديث : أنه عليه الصلاة والسلام، نزل منزِلاً وتفرّق أصحابُه في العِضاة يستظلون بها، فعلّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه بشجرة، فجاء أعرابـيٌّ فأخذه وسله فقال: مَنْ يمنعُك منيِّ، فقال صلى الله عليه وسلم: «الله تعالى» فأسقطه جبريلُ عليه السلام من يده، فأخذه الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: «من يمنعك مني» فقال: لا أحدَ، أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً رسولُ الله تفسير : {وَٱتَّقَوْاْ ٱللهَ} عطفٌ على (اذكُروا) أي اتقوه في رعاية حقوقِ نعمتِه ولا تُخِلُّوا بشكرِها أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً {وَعَلَى ٱللَّهِ} أي عليه تعالى خاصةً دون غيرِه استقلالاً واشتراكاً {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فإنه يكفيهم في إيصال كلِّ خيرٍ ودفع كل شر، والجملة تذيـيلٌ مقرِّرٌ لما قبله، وإيثارُ صيغة أمْرِ الغائبِ وإسنادُها إلى المؤمنين لإيجابِ التوكل على المخاطَبـين بالطريق البرهاني، وللإيذان بأن ما وُصفوا به عند الخطابِ من وصف الإيمان داعٍ إلى ما أُمروا به من التوكل والتقوى، وازعٌ عن الإخلال بهما، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحُكْمِ وتقوية استقلالِ الجملة التذيـيلية.
القشيري
تفسير : يذكِّرهم ما سلف لهم من نِعَم الدفع وهو ما قصر عنهم أيدي الأعداء، وذلك من أمارات العناية. ولقد بالغ في الإحسان إليك مَنْ كان يُظْهر لك الغيبَ من غير التماسٍ أو سَبْق شفاعة فيك، أو رجاءِ نفع من المستأنف منك، أو حصول ربحٍ في الحال عليك، أو وجود حق في المستأنف لك. ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} يعني كما أحسنت إليكم في السالف من غير استحقاق فانتظروا جميل إحساني في الغابر من غير استيجاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} متعلق بنعمة الله {اذ همّ قوم} ظرف لنفس النعمة اى اذكروا انعامه عليكم فى وقت همهم وقصدهم {ان يبسطوا اليكم ايديهم} اى بان يبطشوا بكم بالقتل والاهلاك يقال بسط اليه يده اذا بطش به وبسط اليه لسانه اذا شتمه {فكف ايديهم عنكم} عطف على هم وهو النعمة التى اريد تذكيرها وذكر الهم ايذان بوقوعها عند مزيد الحاجة اليها والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها اى منع ايديهم ان يمدوا اليكم عقيب همهم بذلك لا انه كفها عنكم بعدما مدوها اليكم. وفيه من الدلالة على كمال النعمة من حيث انها لم تكن مشوبة بضرر الخوف والانزعاج الذى قلما يعرى عنه الكف بعد المد ما لا يخفى مكانه وذلك ما روى ان المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه بعسفان فى غزوة ذى انمار وغزوة ذات الرقاع وهى السابعة من مغازيه عليه السلام قاموا الى الظهر معا فلما صلوا ندم المشركون على ان لا كانوا قد اكبوا عليهم فقالوا ان لهم بعدها صلاة هى احب اليهم من آبائهم وابنائهم يعنون صلاة العصر وهموا ان يوقعوا بهم اذا قاموا اليها فردهم الله تعالى بكيدهم بان انزل صلاة الخوف. وقيل هو ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بنى قريظة ومعه الشيخان وعلى رضى الله عنهم يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن امية الضمرى خطأ يحسبهما مشركين فقالوا انعم يا ابا القاسم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سألت فاجلسوه فى صفة وهموا بقتله وعمد عمرو بن جحاش الى رحى عظيمة يطرحها عليه فامسك الله تعالى يده ونزل جبريل فاخبر فخرج النبى عليه السلام. وقيل هو ما "حديث : روى انه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق اصحابه فى الفضى يستظلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه بشجرة فجاء اعرابى فاخذه وسله فقال من يمنعك منى فقال عليه السلام "الله" فاسقطه جبريل عليه السلام من يده فاخذه الرسول عليه السلام فقال "من يمنعك منى" فقال لا احد اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله" تفسير : {واتقوا الله} عطف على اذكروا اى اتقوه فى رعاية حقوق نعمته فلا تخلوا بشكرها {وعلى الله} اى عليه تعالى خاصة دون غيره استقلالا واشتراكا {فليتوكل المؤمنون} فانه يكفيهم فى ايصال كل خير ودفع كل شر. واعلم ان التوكل عبارة عن الاعتصام بالله تعالى فى جميع الامور ومحله القلب والحركة بالظاهر لا تنافى توكل القلب بعدما تحقق للعبد ان التقدير من قبل الله فان تعسر شىء فبتقديره. واعلى مراتب التوكل ان يكون بين يدى الله تعالى كالميت بين يدى الغاسل تحركه القدرة الازلية وهو الذى قوى يقينه ألا ترى الى ابراهيم عليه السلام لما هم نمرود وقومه ان يبسطوا اليه ايديهم فرموه فى النار جاءه جبريل وهو فى الهواء فقال ألك حاجة قال أما اليك فلا وفاه بقوله حسبى الله ونعم الوكيل وانظر الى حقيقة توكل النبى عليه السلام حيث كف الله عنه وعن اصحابه ايدى المشركين رأسا فلم يقدروا ان يتعرضوا له بل ابتلوا فى اغلب الاحوال بما لا يخطر ببالهم من البلايا جزاء لهم على همهم بالسوء: وفى المثنوى شعر : قصه عاد وثمود از بهر جيست تابدانى كه ابيارا ناز كيست تفسير : فالتوكل من معالى درجات المقربين فعلى المؤمن ان يتحلى بالصفات الحميدة ويسير فى طريق الحق بسيرة حسنة. ودخل حكيم على رجل فرأى دارا متجددة وفرشا مبسوطة ورأى صاحبها خاليا من الفضائل فتنحنح فبزق على وجهه فقال ما هذا السفه ايها الحكيم فقال بل هو عين الحكمة لان البصاق لزق الى اخس ما كان فى الدار ولم ار فى دارك اخس منك لخلوك عن الفضائل الباطنة فنبه بذلك على دناءته وقبحه لكونه مسترسلا فى لذاته مستغرقا اوقاته لعمارة ظاهره: قال الحافظ رحمه الله شعر : قلندران حقيقت بنيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه از هنر عاريست تفسير : ثم اعلم ان كل شىء بقضاء الله تعالى وان الله يختبر عباده بما اراد فعليهم ان يعتمدوا عليه فى العسر واليسر والمنشط والمكره. وعن ابى عثمان قال كان عيسى عليه السلام يصلى على رأس جبل فاتاه ابليس فقال انت الذى تزعم ان كل شىء بقضاء قال نعم قال الق نفسك من الجبل وقل قدر علىّ قال يا لعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله وما على العبد الا التوكل والشكر على الانعام. ومن جملة انعام الله تعالى الاخراج من ظلمة العدم الى نور الوجود بامر كن والله يعلم ان رجوع العباد الى العدم ليس بهم ولا اليهم كما لم يكن خروجهم بهم فان خروجهم كان بجذبة امر كن فكذلك رجوعهم لا يكون الا بجذبة امر ارجعى فعليهم ان يكونوا واثقين بكرم الله وفضله مسارعين فى طلب مرضاة الله جاهدين على وفق الاوامر والنواهى فى الله ليهديهم الى جذبات عنايته ولطفه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} بحفظه إياكم من عدوكم؛ {إذ هَمَّ قوم} أي: حين هَمَّ الكفار {أن يبسطوا إليكم أيديهم} بالقتل، {فكفّ أيديهم عنكم}، ولما كانت مصيبة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ـ لو قُتل ـ تَعُمُّ المؤمنين كلهم، خاطبهم جميعاً، وهي إشارة إلى ما همت به بنو قريظة، من قتله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة، ومعه الخلفاءُ الأربعة؛ يَستَعينهم في دية رجلين مسلمين، قتلهما عَمرو بن أمية الضمري، خطأ، يظنهما مشركَين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لنا أن نعينك فاجلس حتى تطعم، فأجلسوه، وهموا بقتله، فعمد عَمرُو بن جُحَاش إلى رَحى عظيمةٍ ليَطرحَها عليه، فأمسَكَ اللهُ يده، ونزل جِبرِيلُ فأخبَرُه، فخَرَج النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولحقه أصحابُه، وهذا كان سبب قتلهم في غزوة بن قريظة. وقيل: نزلت في قضية غَورث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ببطن نخلة حاصرًا لغطفان، فقال رجل منهم: هل لكم في أن أقتل محمدًا فأفتك به؟ قالوا: وددنا ذلك، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم متقلدًا سيفه، فَوجد النبي صلى الله عليه وسلم نازلاً تحت شجرة قد تفرق أصحابه عنه، وقد علق سيفه في الشجرة، فسله الأعرابي، وقال: من يمنعك مني؟ وفي رواية: وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائمًا فاستل السيف، فما استيقظ النبي إلا والسيف في يد الأعرابي، فقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال: "حديث : الله"تفسير : ، فأسقطه جبريل من يده، وأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " حديث : وأنت، من يمنعك مني؟ "تفسير : فقال: كن خير آخذ، فعفى عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ. زاد البيضاوي: أنه أسلم. وقيل نزلت في صلاة الخوف حين همَّ المشركون أن يُغِيرُوا على المسلمين في الصلاة. فالله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {واتقوا الله} فلا تشهدوا معه سواه، وتوكلوا عليه يكفكم أمر عدوكم، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فإنه يكفيكم أمرهم جلبًا ودفعًا، من توكل على الله كفاه. الإشارة: ما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من قصد القتل والإذاية يجري على خواص ورثته، وهم الأولياء ـ رضي الله عنهم ـ والعلماء الأتقياء، فقد هَمَّ قوم بقتلهم وسجنهم وضربهم، وإجلائهم من أوطانهم، فكف الله أيديهم عنهم، وكفاهم شرهم، لمّا صححوا التوكل عليه، وأخلصوا الوجهة إليه، ومنهم من لحقه شيء من ذلك، كما لحق بعض الأنبياء ـ عليهم السلام ـ زيادة في شرفهم وكرامتهم، جمع الله لهم بين مقام الشهادة والصديقية، {والله ذو الفضل العظيم}. ثم ذكر وبال من نقض العهد ترهيبّا وترغيبّا، فقال: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للمؤمنين ذكرهم الله نعمته عليهم حين هم قوم أن يبسطوا اليهم أيديهم. واختلفوا في الباسطين أيديهم على خمسة اقوال: فقال مجاهد وقتادة وابو مالك: هم اليهود هموا بأن يقتلوا النبي (صلى الله عليه وسلم) لما مضى إلى بني قريظة يستعين بهم على دية مقتولين من بني كلاب بعد بئر معونة كانا وفدا على النبي (صلى الله عليه واله) فلقيهما عمرو بن أمية الضمري فقال: أمسلمين؟ فقالا: بل رافدين، فقتلهما، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) حديث : قتلت قتيلين قبل أن يبلغا الماء والله لادينهما تفسير : . ومضى إلى يهود بني قريظة يستعين بهم. وقيل: كان يستقرض لأجل الدية لانه كل يحملها، فهمت بنو قريظة بالفتك به وبقتله، فأعلم الله تعالى النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك فانصرف عنهم. وقال الحسن: إنما بعثت قريش رجلا ليفتك بالنبي (صلى الله عليه واله) فاطلع الله نبيه على امره ومنعه الله منه، لانه دخل على النبي (صلى الله عليه وسلم) وسيفه مسلول فقال له: أرنيه فاعطاه اياه، فلما حصل في يده قال: ما الذي يمنعني من قتلك؟ فقال النبي (صلى الله عليه واله) حديث : الله يمنعك فرمى بالسيف وأسلمتفسير : . واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي بعثه صفوان بن أمية ليغتاله (صلى الله عليه واله) بعد بدر، فاعلمه الله ذلك. وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب. وقال الواقدي. غزا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جمعاً من بني ذبيان ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحيث يراهم، فذهب لحاجته فاصابه مطر فبل ثوبه، فنشره على شجرة واضطجع تحته بعيداً من أصحابه، والاعراب ينظرون اليه فاخبروا سيدهم دعشور بن الحارث المحاربي فجاء حتى وقف على رأسه بالسيف مشهوراً، فقال: يا محمد (صلى الله عليه وسلم) من يمنعك منى اليوم؟ فقال: الله ودفع جبرائيل في صدره ووقع السيف من يده، فاخذه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقام على رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: لا احد وانا اشهد ان لا اله إلا الله، وان محمداً رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنزلت الآية. وقال ابو علي الجبائي المعني بذلك ما لطف الله (تعالى) المسلمين من كف أعدائهم عنهم حين هموا باستئصالهم باشياء شغلهم بها من الامراض والقحط، وموت الاكابر، وهلاك المواشي وغير ذلك من الاسباب التي انصرفوا عندها عن قتل المؤمنين: وقال ابن عباس. كانت اليهود دعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى طعام لهم، وعزموا على الفتك به، فاعلم الله ذلك نبيه (صلى الله عليه وسلم) فلم يحضر. وقال اخرون: نزلت الآية فيما عزم المشركون على الايقاع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه يوم بطن النخلة إذا دخلوا في الصلاة، فاعلمه الله ذلك، فصلى بهم صلاة الخوف. وانما جعل الله تخليص النبي مما هموا به نعمة على المؤمنين من حيث كان إمامهم وسيدهم، وكان مبعوثاً اليهم بما فيه مصالحهم، فمقامه بينهم نعمة على المؤمنين، فلذلك اعتد به عليهم. وقال قوم: هو مردود على قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} ومعناه جملة الظفر. [اللغة]: والذكر هو حضور المعنى للنفس يقال: ذكر يذكر ذكراً. واذكره إذكاراً وتذاكروا تذاكراً. وذاكره مذاكرة. وذكره تذكيراً. واستذكر استذكاراً وادكر ادكار. وقد يستعمل الذكر بمعنى القول، لأن من شأنه أن تذكر به المعنى. والتذكر هو طلب المعني لا طلب القول. والفرق بين الذكر والعلم ان الذكر ضده الجهل. وقد يجمع الذكر للشيء والجهل به من وجه واحد. ومحال ان يجتمع العلم به والجهل به من وجه واحد والفرق بين الذكر والخاطر أن الخاطر مرور المعنى على القلب. والذكر حصول المعنى في النفس وايضاً الذكر يجري على نقيض النسيان، لانه يستعمل بعدما نسيه. وليس كذلك الخاطر. والهم بالامر هو حديث النفس بفعله. يقال: هم بالامر يهم هما. ومنه الهم. وهو الفكر الذي يغم. وجمعه هموم واهتم اهتماماً. وأهمه الأمر إذا عني به، فحدث نفسه به والفرق بين الهم بالشيء والقصد اليه انه قد يهم بالشيء قبل أن يريده ويقصده بان يحدث نفسه به وهو مع ذلك مميل في فعله ثم يعزم اليه ويقصد اليه.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالاسلام من مدد الملائكة وجنودٍ لم تروها او من قوّة علىّ (ع) وسيفه {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} بدل من نعمة الله او ظرف لها باعتبار الانعام {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بمكّة قبل الهجرة او ببدرٍ او بأحدٍ او بخندق {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} بسبب اسلامكم او بعلىّ (ع) فتذكّروا شرف الاسلام حتّى لا تخالفوه بترك قول محمّد (ص) فى علىّ (ع)، او تذكّروا شأن علىّ (ع) فلا تخالفوه بعد وفاة محمّد (ص) {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى نسيان النّعمة ومخالفة علىّ (ع) ولا تخافوا غيره {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فلا يعتمدوا على غيره ولا يخافوا الاّ منه، وضع المظهر موضع المضمر التفاتاً من الخطاب الى الغيبة بياناً لما به التّوكّل.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثني الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا حِبَّانُ، عن الكَلْبيّ، عن أبي صَالِحٍ، عن ابنِ عَبّاس: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. نَزَلَتْ في رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَعَلِيٍّ (وَزِيْرِهِ حِيْنَ أَتَاهُمْ يَسْتَعِيْنُهُمْ في الْقَتِيْلَيْنِ).
فرات الكوفي
تفسير : {يا أيُّها الذينَ آمَنوا اذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُم عَنْكُمْ11} فرات قال: حدثنا [ب، ر: حدثني] الحسين بن الحكم [قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح. ح]. عن ابن عباس [رضي الله عنه. ن]: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم إذهم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} نزلت في رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] وعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وزيد [ن:وزيره] حين أتاهم يستعينهم في القتيلين.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ علَيكُم إِذ هَمَّ قَومٌ أَن يَبسُطُوا}: بأن يبسطوا. {إِليكُم أَيدِيَهُم فَكَفَّ أَيْدِيَهُم عَنكُم}: القوم مشركو العرب، اذ هموا أن يمدوا أيديهم الى المسلمين أن يقتلوهم وهم فى الصلاة، فمنعها الله عز وجل، وذلك أنهم رأوا رسول الله صلى الله وعليه وسلم والمؤمنون يصلون صلاة الظهر معاً جماعة بعسفان، فى غزوة ذى أنمار، وهى غزوة ذى المجاز بينهم وبين مكة مرحلتان، وكانوا يهتمون بذلك، حتى كان المؤمنون يصلون ولم يفعلوا حتى صلوا فندموا لو فعلوا فقالوا: اذا صلوا العصر جماعة كذلك قتلناهم فى الصلاة، فأنزل الله صلاة الخوف، فكف الله أيديهم فى صلاة الظهر، وفى صلاة العصر. وقال قتادة: ان ذلك ببطن نخلة، وان الذين هموا ببسط أيديهم بنو ثعلبة، وبنو محاربة، حال الصلاة، فنزلت صلاة الخوف وهى الغزوة السابقة، وهذان متبادران فى الكف عن نفس كل مؤمن، وقيل: المراد اهتمام اليهود بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذ جاءهم فى الدية، ولكن قتله قتل للمؤمنين كلهم لعظمه، وانطماس الدين بقتله، وذل المؤمنين وانكسارهم بقتله، فيقتلوا لو قتل، وذلك أنه روى أبو سعيد النيسابورى وابن اسحاق، واللفظ لأبى سعيد الواقدى، عن جماعة من شيوخه، والواقدى هذا هو مؤلف فتوح الشام. قالوا: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بنى النضير يكلمهم أن يعينوه فى دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى رضى الله عنه، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا اجلس حتى نطعمك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مستند الى بيت من بيوتهم، ثم خلا بعضهم الى بعض، ثم تناجوا فقال حيى بن أخطب: يا معشر يهود قد جاءكم محمد فى نفر من أصحابه، لا يبلغون عشرة، وذلك أنه كان معه أبو بكر، وعمر، وعلى، والزبير، وطلحة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، فاطرحوا عليه حجارة من فوق هذا البيت الذى هو تحته فاقتلوه، فلن تجدوه أخلى من الساعة، فان هو قتل تفرق أصحابه، فلحق من كان معه من قريش بمكة، وبقى من كان معه هاهنا من الأوس والخزرج، والأوس حلفاءكم، كما كنتم تريدون أن تصنعوا يوماً من الدهر فمن الآن. فقال عمرو بن جحاش النضيرى: أنا أظهر على هذا البيت، فأطرح عليه صخرة، فقال لهم سلام بن مشكم: يا قوم أطيعونى هذه المرة وخالفونى الدهر، والله لئن فعلتم هذا الذى تريدون ليقومن لهذا الدين منهم قائم الى قيام الساعة، فيستأصل يهود، ويظهر دينه، وهيأ عمرو ابن جحاش الصخرة ليرسلها، قلت: حفظت أنها شق الرحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أشرف بها جاء نبى الله صلى الله عليه وسلم الخبر يعنى الوحى بما هموا به، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً كأنه يريد حاجة، وتوجه الى المدينة، وجلس أصحابه يتحدثون وهم يظنون أنه قام يقضى حاجته، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر رضى الله تعالى عنه: ما مقامنا هاهنا بشىء لقد توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر، فقال حيى بن أخطب: عجل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضى حاجته ونفديه، وندمت يهود على ما فعلوا. فقال لهم كنانة بن صوريا: أتدرون لم قام محمد؟ قالوا: لا والله ما ندرى، ولا تدرى أنت، قال: بلى والتوراة أنى لأدرى، قد أخبر محمد بما هممتم به من الغدر، فلا تخذلوا أنفسكم، والله انه لرسول الله حقاً، وما قام حتى أخبر بما هممتم به، يعنى خبر الوحى وأنه آخر الأنبياء عليهم السلام، كيف تطمعون أن يكون من بنى هارون وقد جعله الله حيث شاء، وان فى كتبنا التى درسنا فى التوراة التى لم تغير ولم تبدل، أن مولده بمكة، وأن مهاجره بيثرب، وصفته بعينها، ما تخالف حرفاً مما فى كتبنا، وكأنى أنظر اليكم ظاعنين تتشاغر صبيانكم، قد تركتم دياركم خالية، وأموالكم وانما هو بشرفكم، فأطيعونى فى خصلتين، قالوا: وما هما، قال: تسلمون وتدخلون مع محمد فى دينه فتأمنون على أموالكم وأولادكم، وتكونون من أعز أصحابه عليه، وتبقى بأيديكم أموالكم، ولا تخرجون من دياركم. فقالوا: لا نفارق التوراة وعهد موسى، قال: فانه مرسل اليكم أن اخرجوا من بلادى فقولوا: نعم، فانه لا يستحل لكم دماً ولا مالا، وتبقى أموالكم لكم ان شئتم بعتم، وان شئتم أمسكتم، قالوا: أما هذه فنعم، قال: أما والله لولا أنى أفضحكم لأسلمت، لكن لا تعير شعثاء باسلامى بعدى أبدا حتى يصيبنى ما أصابكم وشعثاء ابنته. فقال سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتكم كارهاً وهو مرسل أن اخرجوا من ديارى، فلا تعقب يا حيى كلامه، وأنعم له بالخروج، واخرج من بلاده، قال: أفعل اذا أخرج. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة، تبعه أصحابه فلقوا رجلا خارجاً من المدينة، فسألوه: هل لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم لقيته داخلا الى المدينة، فلما انتهى أصحابه اليه وجدوه قد أرسل الى محمد بن مسلمة يدعوه، فقال أبو بكر: يا رسول الله قمت ولم نشعر، فقال صلى الله عليه وسلم: بغدرى فأخبرنى الله عز وجل بذلك فقمت، وجاء محمد بن مسلمة فقال له: اذهب الى يهود بنى النضير فقل لهم: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسلنى اليكم برسالة. فأتاهم فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسلنى اليكم برسالة، ولست أذكرها لكم حتى أعرفكم شيئاً تعرفونه، فقالوا: وما هو؟ قال أنشدكم بالتوراة التى أنزل الله على قلب موسى، أتعلمون أنى جئتكم قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبينكم التوراة، فقلتم فى مجلسكم ذلك: يا ابن مسلمة ان شئت أن تغديك غديناك، وان شئت أن نهودك هودناك فقلت لكم: غدونى ولا تهودونى، فوالله لا أتهود أبداً فغديتمونى فى صحيفة لكم، كأنى انظر اليها، فقلتم لى: ما يمنعك من ديننا الا أنه دين يهود، فكأنك تريد الحنيفيه التى سمعت بها، أما ان أبا عمرو الراهب ليس بصاحبها، وانما صاحبها الضحوك القتال، فى عينيه حمرة، ويأتى من قبل اليمن، يركب البعير ويلبس الشملة، ويجترىء بالكسرة، وسيفه على عاتقه ينطق بالحكمة، والله ليكونن بقريتكم هذه سلب ومثل. قالوا: اللهم نعم، قد قلنا ذلك، وليس به، قال: قد فرغت انه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أرسلنى اليكم يقول لكم: انه قد انتقض العهد الذى جعلت لكم بما هممتم به من الغدر، وأخبرهم بما كانوا ارتئوا من الرأى وظهور عمرو بن جحاش على البيت ليطرح الصخر، فأسكتوا ولم يقولوا حرفاً، ويقول: اخرجوا من بلادى هذه فقد أجلتكم عشرة أيام، فمن رؤى يعنى بعدها ضربت عنقه . تفسير : وساق أبو سعيد النيسابورى الحديث الى أن قال حيى بن أخطب: حديث : انا لا نخرج فليصنع محمد ما بدا له، فقال له سلام بن مشكم: يا حيى منتك نفسك الباطل فلا تفعل، فوالله انك لتعلم ونعلم أنه رسول الله، وان صفته عندنا، وان لم نتبعه وحسدناه حين خرجت النبوة من بنى هارون فتعال فلنقبل ما أعطانا من الأمر ونخرج من بلاده، فقد عرفت أنك خالفتنى فى الغدر به، فاذا كان أوان التمر جئنا أو جاء منا الى تمره فباع أو صنع ما شاء، ثم انصرف فكأنا لم نخرج من بلادنا، فأبى عليه . تفسير : ثم ساق الحديث الى حصر النبى صلى الله عليه وسلم اياهم، وقطعه نخلهم، حديث : فقالوا له: نحن نعطيك الذى سألت وخرج من بلادك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم ما حملت الابل الا الحلقة، فأبى حيى أن يقبل، فلما رأى ذلك يامين بن عمرو، وأبو سعيد بن وهب، قال أحدهما لصاحبه: والله انا لنعلم انه لرسول الله حقاً فما ننظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا، فنزلا من الليل وأسلما وأحرزا أموالهما . تفسير : قال ابن اسحاق: حديث : حدثنى بعض آل يامين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين: "ألم تر ما لقيت من ابن عمكم وعمه ابن جحاش وما هم به من شأنى" فجعل يامين لرجل جُعْلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله . تفسير : قال عياض: قيل: ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يخاف قريشاً، فلما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ علَيكُم إِذ هَمَّ قَومٌ أَن يَبسُطُوا إِليكُم أَيدِيَهُم فَكَفَّ أَيْدِيَهُم عَنكُم} الآية استلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "حديث : من شاء فليخذلنى " تفسير : قلت: وجاء مثل هذا فى غير هذه الآية. وروى حديث : أن عمرو بن جحاش عمد الى رحى عظيمة ليطرحها على النبى صلى الله عليه وسلم، فأمسك الله يديه، ولصقت بهما، فأخبر الله النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج راجعاً الى المدينة، وخرج معه على بن أبى طالب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "يا على لا تبرح مكانك حتى يخرج اليك أصحابى فمن خرج اليك منهم وسألك عنى فقل: توجه الى المدينة" ففعل ذلك حتى تناهوا اليه، ثم تبعوه الى المدينة تفسير : الرجلان اللذان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع ديتهما كانا من بنى سليم. وكان بين بنى سليم ورسول الله صلى الله عليه وسلم موادعة، وقتلهما رجلان من الصحابة، لما انتسبا لهما الى بنى عامر، والقاتلان من الركب الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثون راكباً من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدى، الذى كان ليلة العقبة أحد النقباء الى بنى عامر بن صعصة. خرجوا فلقيهم عامر بن الطفيل على بئر معونة من مياه بنى عامر، فاقتتلوا فقتلوا المنذر وأصحابه رضى الله عنهم، الا ثلاثة لم يحضروا القتال كانوا فى طلب ضالة لهم، أحدهم عمرو بن أمية الضمرى، وجاءوا من طلب الضالة، ولم يرعهم الا الطير تحوم فى السماء يسقط من مناقرها علق الدم، فقال أحد الثلاثة قتل أصحابنا ثم تولى يشتد حتى لقى رجلا من المشركين، فاختلفا بضربتين، ولما خالطته الضربة رفع رأسه الى السماء، وفتح عينيه وقال: الله أكبر الجنة ورب العالمين، ورجع صاحباه، فلقيا الرجلين من بنى سليم، ذكر ذلك مجاهد وعكرمة والكلبى. قلت عمرو بن أمية الضمرى هو أحد القاتلين، قتل الرجلين يحسبهما مشركين على ما فى الكشاف، وما تقدم من أنهما قتلا، لأن من قتلهما انتسبا له الى من لا عهد له أولى، فجمع الدية لأنهما فى العهد لا لكونهما مسلمين، وقيل: ان الثلاثة قتلوهما. وقال الحسن:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصراً غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين: هل لكم أن أقتل محمداً؟ فقالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قالوا: وددنا أنك فعلت ذلك، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم والنبى صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرنى سيفك فأعطاه اياه، فجعل يهزه وينظر اليه مرة والى الرسول صلى الله عليه وسلم مرة، ثم قال: من يمنعك منى يا محمد؟ قال: الله، فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغمد السيف وتركه ومضىتفسير : ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقيل: حديث : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، وتفرق الناس فى العضاة يستظلون بها، فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه فى شجرة، فجاء أعرابى فسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: الله قاله ثلاثاً، فأغمض الأعرابى السيف، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبتفسير : ، وفى رواية قال: حديث : من يمنعك منى؟ قال: الله، فأسقطه جبريل من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يمنعك منى؟" قال: لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير : فنزلت الآية. {وَاتَّقُوا اللهَ}: فى أمره ونهيه. {وَعَلَى اللهِ}: لا على غيره. {فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ}: فانه هو الذى يدفع الشر ويأتى بالخير، كما دفع من هم اليهم ببسط اليد، والواضح عند بعض أن القوم الذين هموا ببسط الأيدى هم اليهود كما مرت القصة، مستدلا بتعقيب ذلك بذكر أسلافهم بذمهم اذ قال:{وَلَقَد أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ}
الالوسي
تفسير : { يَٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تذكير لنعمة الإنجاء من الشر إثر تذكير نعمة إيصال الخير الذي هو نعمة الإسلام وما يتبعها من الميثاق، أو تذكير نعمة خاصة بعد تذكير النعمة العامة اعتناءاً بشأنها، و {عَلَيْكُمْ} متعلق ـ بنعمة الله ـ أو بمحذوف وقع حالاً منها، وقوله تعالى: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} على الأول: ظرف لنفس النعمة، وعلى الثاني: لما تعلق به الظرف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً ـ لاذكروا ـ لتنافي زمنيهما فإن {إِذْ} للمضي، و {ٱذْكُرُواْ} للمستقبل، أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم، أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم وقت قصد قوم {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي بأن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك، يقال: بسط إليه يده إذا بطش به، وبسط إليه لسانه إذا شتمه، والبسط في الأصل مطلق المد، وإذا استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوع ضرر البسط وغائلته إليهم حملاً لهم من أول الأمر على الاعتداد بنعمة دفعه. {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} عطف على {هُمْ} وهو النعمة التي أريد تذكيرها، وذكر ـ الهم ـ للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها، والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها، وإظهار الأيدي لزيادة التقرير وتقديم المفعول الصريح على الأصل أي منع أيديهم أن تمد إليكم عقيب همهم بذلك وعصمكم منهم، وليس المراد أنه سبحانه كفها عنكم بعد أن مدوها إليكم، وفي ذلك ما لا يخفى من إكمال النعمة ومزيد اللطف. والآية إشارة إلى ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر أن المشركين رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعسفان قاموا إلى الظهر معاً فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم، وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر، فردّ الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف، وقيل: إشارة إلى ما أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «حديث : أن عمرو بن أمية الضمري حيث انصرف من بئر معونة لقي رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى إلى بني النضير ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعمر وعلي فتلقوه / فقالوا: مرحباً يا أبا القاسم لماذا جئت؟ قال: رجل من أصحابـي قتل رجلين من كلاب معهما أمان مني طلب مني ديتهما فأريد أن تعينوني قالوا: نعم اقعد حتى نجمع لك فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلي، وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه عليه الصلاة والسلام حجراً فجاء جبريل عليه السلام فأخبره فقام ومن معه». تفسير : وقيل: إشارة إلى ما أخرجه غير واحد من حديث جابر «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها فعلق النبـي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابـي إلى سيفه فأخذه فسله، ثم أقبل على النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله تعالى ـ قالها الأعرابـي مرتين، أو ثلاثاً ـ والنبـي صلى الله عليه وسلم في كل ذلك يقول: الله تعالى، فشام الأعرابـي السيف فدعا النبـي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابـي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه»تفسير : ، ولا يخفى أن سبب النزول يجوز تعدده، وأن القوم قد يطلق على الواحد كالناس في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] وأن ضرر الرئيس ونفعه يعودان إلى المرؤوس. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عطف على {ٱذْكُرُواْ} أي اتقوه في رعاية حقوق نعمته ولا تخلوا بشكرها، أي في الأعم من ذلك ويدخل هو دخولاً أولياً. {وَعَلَى ٱللَّهِ} خاصة دون غيره استقلالاً أو اشتراكاً {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فإنه سبحانه كاف في درء المفاسد وجلب المصالح، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وإيثار صيغة أمر الغائب وإسنادها للمؤمنين لإيجاب التوكل على المخاطبين بطريق برهاني ولإظهار ما يدعو إلى الامتثال، ويزع عن الإخلال مع رعاية الفاصلة، وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة التذييلية ـ وقد مرت نظائره ـ وهذه الآية كما نقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ـ تقرأ سبعاً صباحاً ـ وسبعاً مساءاً لدفع الطاعون.
ابن عاشور
تفسير : بعد قوله تعالى: {أية : واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به}تفسير : [المائدة: 7] أعيد تذكيرهم بنعمة أخرى عظيمة على جميعهم إذ كانت فيها سلامتهم، تلك هي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنّها نعمة يحصل بها ما يحصل من النصر دون تجشّم مشاقّ الحرب ومتالفها. وافتتاح الاستئناف بالنّداء ليحصل إقبال السامعين على سماعه. ولفظ: {يا أيها الذين آمنوا} وما معه من ضمائر الجمع يؤذن بأنّ الحادثة تتعلّق بجماعة المؤمنين كلّهم. وقد أجمل النعمة ثُمّ بيّنها بقوله: {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم}. وقد ذكر المفسّرون احتمالات في تعيين القوم المذكورين في هذه الآية. والّذي يبدو لي أنّ المراد قوم يعرفهم المسلمون يومئذٍ؛ فيتعيّن أن تكون إشارة إلى وقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة. ولم أر فيما ذكروه ما تطمئنّ له النّفس. والّذي أحسب أنّها تذكير بيوم الأحْزاب؛ لأنّها تشبه قوله: {أية : يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها}تفسير : [الأحزاب: 9] الآية. ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما كان من عزم أهل مكّة على الغدْر بالمسلمين حين نزول المسلمين بالحديبية عام صلح الحديبية ثُمّ عدلوا عن ذلك. وقد أشارت إليها الآية: {أية : وهو الّذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكّة}تفسير : [الفتح: 24] الآية. ويجوز أن تكون الإشارة إلى عزم أهل خيبر وأنصارهم من غطفان وبني أسد على قتال المسلمين حين حصار خيبر، ثم رجعوا عن عزمهم وألقَوا بأيديهم، وهي الّتي أشارت إليها آية: {أية : وَعَدَكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيديَ النّاس عنكم}تفسير : [الفتح: 20]. وعن قتادة: سبب الآية ما همَّت به بنو محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر فأشعر الله رسولَه بذلك، ونزلت صلاةُ الخوف، وكفّ الله أيديهم عن المؤمنين. وأمّا ما يذكر من غير هذا ممّا همّ به بنو النضِير من قتل النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءهم يستعينهم على دية العامريَّيْننِ فتآمروا على أن يقتلوه، فأوحى الله إليه بذلك فخرج هو وأصحابه. وكذا ما يذكر من أنّ المراد قصّة الأعرابي الّذي اخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائل في مُنصرفه من إحدى غزواته، فذلك لا يناسب خطاب الّذين آمنوا، ولا يناسب قصّة الأعرابي لأنّ الّذي أهمّ بالقتل واحد لا قوم. وبسط اليد مجاز في البطش قال تعالى: {أية : ويبسطوا إليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء}تفسير : [الممتحنة: 2] ويطلق على السلطة مجازاً أيضاً، كقولهم: يجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على كلّ من بُسطت يدُه في الأرض؛ وعلى الجُود، كما في قوله تعالى: {أية : بل يَداه مبسوطتان}تفسير : [المائدة: 64]. وهو حقيقة في محاولة الإمساك بشيء، كما في قوله تعالى حكاية عن ابن آدم {أية : لَئِن بسطتَ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديَ إليك لأقتلك}تفسير : [المائدة: 28]. وأمّا كفّ اليد فهو مجَاز عن الإعراض عن السوء خاصّة {أية : وكفّ أيديَ النّاس عنكم}تفسير : [الفتح: 20]. والأمر بالتقوى عقب ذلك لأنّها أظهر للشكر، فعطف الأمر بالتَّقوى بالواو للدلالة على أنّ التّقوى مقصودة لذاتها، وأنّها شكر لله بدلالة وقوع الأمر عقب التذكير بنعمة عظمى. وقوله: {وعلى الله فليتوكّل المؤمنون} أمر لهم بالاعتماد على الله دون غيره. وذلك التّوكل يعتمد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات فناسب التّقوى. وكان من مظاهره تلك النّعمة الّتي ذُكّروا بها.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم...} الآية. يعني: ما أنعم الله على نبيِّه حين أتى اليهودَ هو وجماعة من أصحابه يستعينون بهم في دية، فتآمروا بينهم أن يطرحوا عليهم رحىً، فأعلمهم الله بذلك على لسان جبرائيل حتى خرجوا، ثمَّ أخبر عن نقض بني إسرائيل عهد الله، كما نقضت هذه الطَّبقة العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله حين همُّوا بالاغتيال به.
القطان
تفسير : هناك عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، احداها قصة أعرابي "حديث : جاء الى الرسول الكريم وهو جالس تحت شجرة، سيفه معلَّق عليها، وأصحابه متفرقون عنه. فأخذ الأعرابي السيف وقال للنبي: ما يمنعك منّي؟ فقال: الله، فسقط السيف من يد الرجل. وهنا أخذه الرسول وقال للرجل: ما يمنعك مني؟ فقال: لا أحد، فكن خير آخِذٍ.. أي اقتلني برِفق ان كنت ستفعل. وقد عفا عنه الرسول. فأسلم وذهب الى قومه وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس ". تفسير : وهناك عدة روايات أخرى.. والمهمّ أن الله تعالى يمنّ على المؤمنين ويذكّرهم بنعمه عليهم. يا أيها الذين آمنوا، تذكّروا نعمة الله عليكم وقت الشدّة حين همَّ قوم من المشركين ان يغدِروا بكُم وبنبيّكم، فأحبط الله كيدهم وكفّ أذاهم. فاتّقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم، وتوكّلوا عليه وحده في جميع أموركم، انه خير كافل وأعظم معين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَآ} {آمَنُواْ} {نِعْمَتَ} (11) - رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عيه وسلم نَزَلَ مَنْزِلاً، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي العَضاةِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، وَعَلَّق النَّبِيُّ سِلاَحَهُ عَلى شَجَرَةٍ، فَجَاءَ أعْرَابِيٌّ إلى سَيْفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأخَذَهُ وَسَلَّهُ، وَأقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعَكَ مِنِّي؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اللهُ. وَكَرَّرَ الأعْرَابيّ مَقَالَتَهُ مَرَّتَينِ أوْ ثَلاَثاً، وَالنَّبِيُّ يُجِيبُهُ بِقَوْلِهِ: اللهُ. فَرَدَّ الأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ إلى مَكَانِهِ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَقِيلَ أيْضاً: إنَّ اليَهُودَ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَأنْجَاهُ اللهُ مِنْهُمْ وَخَذَلَهُمْ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنينَ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ إذْ دَفَعَ الشَّرَّ وَالمَكْرُوهَ عَنْ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم وَعَنْهُمْ، حِينما هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الشَّرِّ وَالإِيذَاءِ، فَكَفَّ اللهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ أيْدِيَهُمْ عَنِ المُؤْمِنينَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَنْفِيذَ مَا هَمُّوا بِهِ. وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَتَّقُوهُ، وَهُوَ تَعَالَى الذِي أرَاهُمْ قُدْرَتَهُ عَلَى أعْدَائِهِمْ وَقْتَ ضَعْفِ المُؤْمِنينَ، وَقُوَّةِ أعْدَائِهِمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِأنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ وَحْدَهُ، بَعْدَ أنْ أرَاهُمْ عِنَايَتَهُ بِمَنْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيهِ. يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ - يَبْطُشُوا بِكُمْ بِالقَتْلِ وَالإِهْلاَكِ.
الثعلبي
تفسير : {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالدفع عنكم {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بالقتل {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة السابعة فإذا بنو ثعلبة، وبنو محارب أرادوا أن يمسكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، قالوا: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم فإذا سجدوا فيها أوقعنا بهم، فأطلع اللّه نبيّه على ذلك، وهي صلاة الخوف. وقال الحسن: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصراً بطن نخلة. فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمداً، قالوا: فكيف تقتله؟ قال أمسك به، قالوا: وددنا إنّك فعلت ذلك. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرّة إلى السيف ومرّة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: اللّه، فتهدّده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأغلظوا له فشام السيف ومضى. فأنزل اللّه هذه الآية . تفسير : الزهري عن ابن سلام عن جابر بن عبد اللّه: حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها فعلّق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسلّه ثمّ أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك منّي؟ قال: اللّه، قال الأعرابي مرّتين أو ثلاثاً: من يمنعك منّي؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بخبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه . تفسير : وقال مجاهد وعبد اللّه بن كثير وعكرمة والكلبي، وابن يسار عن رجاله: حديث : بعث النبي صلى الله عليه وسلم المنذر ابن عمرو الأنصاري الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة وهي من مياه بني عامر، فاغتسلوا فقتل المنذر بن عمرو الأنصاري الساعدي وأصحابه إلاّ ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم أحدهم: عمرو بن أميّة الصيمري، فلم يرعهم إلاّ والطير تحوم في السماء تسقط من بين خراطيمها علق الدّم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتّى لقي رجلاً فاختلفا ضربتين فلما خالطت الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه وقال: اللّه أكبر الحمد للّه ربّ العالمين. ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتّى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النظير فاستعانهم في عقلهما، فقال: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة. إجلس حتّى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخلا بعضهم ببعض، وقالوا: إنّكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيرتحل عنّا. فقال عمرو بن جحش بن كعب: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك اللّه أيديهم وجاء جبرئيل (عليه السلام) وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ دعا علياً فقال: لا تبرح من مكّة، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنّي فقل توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي (عليه السلام) حتّى قاموا إليه ثم لقوه فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية . تفسير : قال الثعلبي: وهذا القول أولى بالصواب لأنّ اللّه تعالى عقّب هذه الآية بذم اليهود، وذكر قبح أفعالهم وأعمالهم فقال عز من قائل {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ} الآية، وذلك أنّ اللّه تعالى وعد موسى أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، ووعده أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما تركت بني إسرائيل الدّار بمصر أمرهم اللّه تعالى المسير إلى أريحا أرض الشام وهي الأرض المقدسة. وقال: يا موسى إني قد كتبتها لكم داراً قراراً فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك إثني عشر نقيباً من كلّ سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء منهم على ما أُمروا، به فاختار موسى (عليه السلام) النقباء وهذه أسماؤهم: من سبط روبيل: شامل بن ران، ومن سبط شمعون: شاقاط بن [حوري]، ومن سبط يهودا: كالب بن يوقنا، ومن سبط آبين: مقايل بن يوسف، ومن سبط يوسف، وهو سبط إفراهيم ويوشع بن نون، ومن سبط بيامين: قنطم بن أرقون ومن سبط ريالون: مدي بن عدي، ومن سبط يوسف وهو ميشا بن يوسف: جدي بن قامن، ومن سبط آهر: بيانون بن ملكيا ومن سبط تفتال: نفتا لي محر بن وقسي، ومن سبط دان: حملائل بن حمل، ومن سبط أشار: سابور بن ملكيا. فسار موسى ببني إسرائيل حتّى إذا قربوا من أرض كنعان وهي أريحا. بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسّسون له الأخبار ويعلمونه فلقيهم رجل من الجباريّن يقال له عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثون ذراعاً وثلث ذراع. قال ابن عمر: كان عوج يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من أقرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. ويروى له أنه رأى نوحاً يوم الطوفان فقال: إحملني معك في سفينتك، فقال له: أُخرج يا عدو اللّه فإنّي لم أُؤمر بك وطبق الماء ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج، وعاش عوج ثلاثة ألاف سنة ثم أهلكه اللّه على يد موسى، وكان لموسى (عليه السلام) عسكر فرسخاً في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم جاء فنحت الجبل فأخذ منه بصخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم فبعث اللّه تعالى إليه الهدهد ومعه المص يعني منقاره حتّى نقر الصخرة فانثقبت فوقعت في عنق عوج فطوقته وأقبل موسى (عليه السلام) وطوله عشرة أذرع وطول عصاه عشرة أذرع وتراقي السماء عشرة أذرع فما أصاب إلاّ كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله. قالوا: فأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر فجهدوا حتّى جزّوا رأسه فلما قتل وقع في نيل مصر فجسرهم سنة وكانت أمّه عنق ويقال عناق إحدى بنات آدم، ويقال: إنّها كانت أوّل من بغت على وجه الأرض وكان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع وذراعين، وفي كل إصبع ظفران حديدان مثل المنجلين. وكان موضع مجلسها جريباً من الأرض. فلمّا بغت بعث اللّه عز وجل عليها أسداً كالفيلة وذئباً كالإبل ونسوراً كالحمر وسلّطهم عليها فقتلوها وأكلوها. قالوا: فلما لقيهم عوج وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الإثني عشر فجعلهم في حجزته وحجزة الإزار معقد السراويل التي فيها التكّة فانطلق بهم إلى امرأته وقال: أُنظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها. وقال: ألا أطحنهم برجلي، فقالت إمرأته: لا بل خلِّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك فجعلوا يتعرّفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلاّ خمسة أنفس منهم في خشبة ويدخل في شطر الرّمانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس أو أربعة، فلمّا خرجوا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنّكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم إرتدّوا عن نبي اللّه ولكن اكتموا وأخبروا موسى (عليه السلام) وهارون فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك. ثم انصرفوا إلى موسى وحاول بحبّة من عنبهم وفرّ رجل منهم، ثم إنّهم نكثوا العهد، وكل واحد منهم نهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى، إلاّ رجلان منهم يوشع وكالب، فذلك قوله تعالى {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}. وقال اللّه لبني إسرائيل {إِنِّي مَعَكُمْ} ناصركم على عدّوكم. ثم ابتدأ الكلام فقال عزّ من قائل: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ} يا معشر بني إسرائيل {ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي ونصرتموهم ووقرتموهم. وأشعر أبو عبيدة: شعر : وكم من ماجد منهم كريم ومن ليث يعزّر في الندي تفسير : ويروى: وكم من سيّد يُحصى نداه ومن ليثِ. {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} ولم يقل أقراضاً، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} تفسير : [آل عمران: 37] {لأُكَفِّرَنَّ} لأستبرءنّ ولأمحوّنّ {عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي أخطأ قصد السبيل وهو لكل شيء وسطه، ومنه قيل للظهر: سواء {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبنقضهم وما فيه ما المصدر، وكلّ ما ورد عليك من هذا الباب فهو سبيله. قال قتادة: نقضوه من وجوه: كذّبوا الرسل الذين جاؤا بعد موسى فقتلوا أنبياء اللّه ونبذوا كتابه وضيّعوا فرائضه. قال سلمان: إنما هلكت هذه الأمّة بنكثها عهودها. {لَعنَّاهُمْ} قال ابن عباس: عذّبناهم بالجزية. الحسن ومقاتل: بالمسخ عطاء أبعدناهم من رحمتنا {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}. قرأ يحيى بن رئاب وحمزة والكسائي قسّية بتشديد الياء من غير ألف. وهي قراءة النخعي، وقرأ الأخفش: قسية بتخفيف الياء على وزن فعلية نحو عمية وشجية من قسى يقسي لا من قسى يقسو، وقرأ الباقون: قاسية على وزن فاعلة، وهو اختيار أبو عبيدة، وهما لغتان مثل العلية والعالية والزكية والزاكية. قال ابن عباس: قاسية يائسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل: متكبرة لا تقبل الوعظ، وقيل: ردية فاسدة، من الدراهم القسية وهي الودية المغشوشة {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} قرأه العامّة بغير ألف، وقرأ السلمي والنخعي: الكلام بالألف {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعمته {وَلاَ تَزَالُ} يا محمد {تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ}. وإختلفوا في الخائنة: قال المبرّد: هي مصدر، كالكاذبة، واللاّغية، وقيل: هي إسم كالعاقبة والمعاقبة، وقيل: هي بمعنى المبالغة، والهاء هنا للمبالغة مثل: راوية وعلامة ونسابة. قال الشاعر: شعر : حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغلّ الإصبع تفسير : ويجوز أن يكون جمع الخائن كقولك فرقة كافرة وطائفة خارجة. قال ابن عباس: خائنة أي معصية، وقيل: كذب وفجور، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمّه ونحوها من عمالتهم وخيانتهم التي أخبرت {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} لم يخونوا أو لم ينقضوا العهد، [من] أهل الكتاب {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} وهذا منسوخ بآية السيف.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والذكر - كما عرفنا - يعني استحضار الشيء إلى الذهن؛ لأن الغفلة تطرأ على الإنسان وعليه الا يستمر فيها. وبعض أهل الإشراق والشطح يتلاعبون بالمواجيد النفسية فيقول واحد منهم: يعلم الله أني لست أذكره. وحين يسمع الإنسان مثل هذا القول قد يوجه لصاحبه التأنيب والنقد العنيف، لكن القائل يحلل الأمر التحليل العرفاني فيكمل بيت الشعر بالشطر الثاني: شعر : "إذْ كيف أذكره إذْ لست أنساه". تفسير : وهنا ترتاح النفس، ويقول الحق هنا أيضاً: {نِعْمَتَ ٱللَّهِ} ولم يقل: "نعم"؛ لأن كل نعمة على انفراد تستحق أن نشكر الله عليها؛ فكل نعمة مفردة في عظم وضخامة تستحق الشكر عليها، أو أن نعمة الله هي كل فيضه على خلقه، فأفضل النعمة أنه ربنا، وسبحانه يقول: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ}. ومادام قد جاء بـ "إذ" فالمراد نعمة بخصوصها؛ لأن "إذ" تعني "حين" فالحق يوضح: اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت الذي حدثت فيه هذه المسألة؛ لأنه جاء بزمن ويطلب أن نذكر نعمته في هذا الموقف، إنه يذكرنا بالنعمة التي حدثت عندما همّ قوم ببسط أيديهم إليكم. وهناك "قبض" لليد و"بسط" لليد. والبسط المنظور أن ترى النعمة. وفي الآية تكون النعمة هي كف أيدي الكافرين، ذلك أن أيديهم كانت ممدودة بالسوء والشر. ولو وقفنا عند بسط اليد؛ لظننا أنه سبحانه قد جعل من أسباب خلقه معبراً للنعم علينا أي أن نعم الله تعبر وتصل إلينا عن طريقهم وبأيديهم، لكن هذا ليس مراد من النص الكريم؛ لأننا حين نتابع قراءة الآية، نعرف أن كف أيديهم هو النعمة، فهؤلاء القوم أرادوا أن يبسطوا أيديهم بالإيذاء. ويقولون عن بذاءة اللسان: "بسط لسانه" ويقولون أيضاً: "بسط يده بالإيذاء". ونعرف أن الحق جاء بـ "إليكم" أو "عنكم" وكلاهما فيه ضمير يعود على المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالمؤمنون ملتحمون بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا همّ قوم أن يبسطوا أيديهم إلى رسول الله، ففي ذلك إساءة للمؤمنين برسول الله؛ لأن كل شيء يصيب رسول الله، يصيب المؤمنين أيضاً. وكانت هناك واقعة حال في زمن مقطوع وسابق، فهل يعني الحق سبحانه وتعالى بحادثة بني النضير، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني النضير معاهدة ألا يعينوا عليه خصوم الإسلام وإذا حدث قتل من جهة المسلمين فعلى بني النضير المعاونة في الدية، وكان النبي قد أرسل مسلماً في سرية فقتل اثنين من المعاهدين خطأ، فطالبوا بدية للقتيلين. ولم يكن عند النبي؛ مالٌ فذهب إلى بني النضير كي يساعدوه بدية القتيلين، فقالوا له: "مرحبا" نطعمك ونسقيك وبعد ذلك نعطيك ما تريد، ثم سلطوا واحداً ليرمي الرسول بحجر. فصعد الرجل ليلقي على الرسول صخرة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد إلى جانب جدار من بيوتهم فأخبر الحق رسوله فقام خارجاً، ولم ينتظر شيئا. {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} لقد أخبر الحق نبيه بما يبيتون قبل أن يتمكنوا من الفعل. و"الهمّ" هو حديث النفس، فإذا ما خرج إلى أول خطا النزوع فذلك هو القصد، و"الهم" هو الشيء الذي يغلب على فكر الإنسان في نفسه ويكون مصحوباً بغم. وفي اللغة الدارجة نسمع من يقول: "أنا في هم وغم"؛ لأن "الهم" هو الأمر الذي لا يبارح النفس حديثاً ويسبب الغم. فالهم هو العدو الذي لا يقدر أن يقهره أحد؛ لأنه يتسرب إلى القلب، أما أي عدو آخر فالإنسان قد يدفعه، ونعرف عن سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - أنه كان مشهوراً بأنه المفتي؛ فهو يُستفتى في الشيء فيجيب عليه، لدرجة أن سيدنا عمر نفسه يقول: "قضية ولا أبا حسن لها" أي أنها تكون قضية معضلة إذ لم يوجد أبو حسن لها فيحلها، وكان سيدنا عمر يستعيذ من أن يوجد في مكان لا يوجد به سيدنا علي. وعندما عرف الناس عنه ذلك تساءلوا: من أين يأتي بهذا الكلام؟. فجاءوا بلغز وانتظروا كيف يخرج منه. فقالوا: إن الكون متسع وفيه أشياء أقوى من كل الأشياء، وقوى تتسلط على قوى، وحاولوا الاتفاق على شيء اقوى من كل الأشياء؛ فقال واحد: الجبل هو أقوى الأشياء. وقال الآخر: لكنا نقطع منه الأحجار بالحديد. وبينما هم يسلسلون هذه السلسلة جاء سيدنا علي فقالوا له: يا أبا الحسن ما أشد جنود الله؟. فأجاب سيدنا علي - كرم الله وجهه - كأنه يقرأ من كتاب بدليل أنه عرف جنود الله وعرف الأقوى وحصر عددهم، وقال سيدنا علي: أشد جنود الله عشرة. وكأنه انشغل بهذه المسألة من قبل، ودرسها. قال: الجبال الرواسي والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته؛ والسُّكْر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله الهم. ولا يمكننا أن نمر على كلمة "الهم" في القرآن إلا أن نستعرض مواقعها في كتاب الله. وأهم موقع من مواقعها تتعرض له من أسئلة الكثيرين في رسائلهم وفي لقاءاتنا معهم هو مسألة يوسف عليه السلام حينما قال الحق سبحانه وتعالى بخصوص مراودة امرأة العزيز له: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} تفسير : [يوسف: 24] ولنحقق هذه المسألة، فالذين يستبعدون على سيدنا يوسف عليه السلام هذا الأمر، يستبعدون على صاحب العصمة أن يُفكر في نفسه، وإن كان التفكير في النفس لم يبلغ العمل النزوعي فهو محتمل. بل قد يكون التفكير في الشيء ثم عدول النفس عنه أقوى من عدم التفكير فيه؛ لأن شغل النفس بهذا الأمر ثم الكف يعني مقاومة النفس مقاومة شديدة. ولكنهم يُجِلّون ويعظمون - أيضاً - سيدنا يوسف عن أن يكون قد مر بخاطره هذا الأمر فضلاً على أن يوسف - عليه السلام - لم يكن قد أرسل إليه، أي أنه لم يكن رسولا آنذاك. الآية تقول: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} تفسير : [يوسف: 24] أي أن امرأة العزيز هي التي بدأت المراودة ليوسف عليه السلام فهل تم نزوع إلى العمل؟. لا، لأن النزوع إلى العمل يقتضي أن يشارك فيه سيدنا يوسف. إذن فـ "همت به" أي صارت تحب أن تصنع العملية النزوعية وجاء المانع من سيدنا يوسف. وبالنسبة للمُرَاوَدِ وهو سيدنا يوسف، قال الحق: {أية : وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} تفسير : [يوسف: 24] ونصرب لذلك مثلاً حتى نفهم هذا؛ إذ قال لك قائل: أزورك لولا وجود فلان عندك، هذا يعني أن القائل لم يزرك، وبالقياس نجد أن يوسف عليه السلام رأى البرهان فلم يهم. فمن أراد أن ينزه يوسف حتى عن حديث نفسه نقول: الأمر بالنسبة لها أنها همت به، وحتى يتحقق الفعل كان لا بد من قبول لهذا الأمر، وصار الامتناع لكنّه ليس من جهتها بل جاء الامتناع من جهته. وهو قد همّ بها لولا أن رأى برهان ربه. لماذا جاء الحق: بأنه همَّ بها لو أن رأى برهان ربه؟ جاء الحق بتلك الحكاية ليدلنا على احكمة في امتناع يوسف عن موافقته على المراودة، فلم يكن ذلك عن وجود نقص طبعي جسدي فيه، ولولا برهان ربه لكان من الممكن أن يحدث بينهما كل شيء. وأراد الحق أن يخبرنا أن رجولته كاملة وفحولته غير ناقصة واستعداده الجنسي موجود تماماً، والذي منعه من الإتيان لها هو برهان ربه، إنه امتناع ديني. لا امتناع طبيعي. وبذلك يكون إشكال الفهم لمسألة الهم عند امرأة العزيز ويوسف قد وضح تماماً. ونعود إلى الآية التي نحن بصددها: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ} وكلمة "قوم" إذا سمعتها ففيها معنى القيام، والقيام هو أنشط حالات الإنسان. وكما أوضحنا من قبل نجد أن الإنسان إما أن يكون قائما وإما أن يكون قاعدا وإما مضطجعا وإما مستلقيا وإما نائما. ونجد أن الراحات على مقدار هذه المسألة، فالقائم هو الذي يتعب أكثر من الآخرين؛ لأن ثقل جسمه كله على قدميه الصغيرتين، وعندما يقعد فإن الثقل يتوزع على المقعدة. وإذا اضطجع فرقعة الاحتمال تتسع. ولذلك يطلقونها على الرجال فقط؛ لأن من طبيعة الرجل أن يكون قواماً، ومن طبيعة المرأة أن تكون هادئة وديعة ساكنة مكنونة. فالقوم هم الرجال. ومقابل القوم هنا "النساء". إذن فالنساء ليس من طبيعتهن القيام. والشاعر يقول: شعر : وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : وحين يقول الحق: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} فمعنى ذلك أنه لم يكن هناك نساء قد فكرن في أن يؤذين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجد هنا أيضاً أن البسط مجال تساؤل، هل البسط يعني الأذى أو الكرم؟. والحق يقول: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 27] هذا (في مجال العطاء) أما في مجال الأذى فالحق يقول على لسان ابن آدم لأخيه: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} تفسير : [المائدة: 28] والأيدي لاتطلق إلا إذا أردنا حركة نزوعية تترجم معنى النفس سبق أَن مرّ على العقل من قبل، فمد الأيدي يقتضي التبييت بالفكر، وهكذا نعرف أن القوم قد بسطوا أيديهم إلى رسول الله والمؤمنين. وعندما ننظر في التاريخ المحمدي مع أعدائه، نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] أي أنهم قعدوا للتبييت. ونحن لا نعرف ذلك التبييت إلا إذا امتدت الأيدي للعمل، فقد مكروا وبيتوا للشر وأرادوا أن يثبتوا رسول الله أي أرادوا تحديد إقامته بحبسه أو تقييده أو إثخانه بالجراح حتى يوهنوه ويعجزوه فلا يستطيع النهوض والقيام أو يقتلوه أو يخرجوه من بلده. بإثباته ومنعه فلا يبرح، أو يخرجوه من المكان كله أو يقتلوه، فماذا كان الموقف؟ لقد هموا أن يبسطوا إليه أيديهم. وبسط اليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذي المؤمنين كلهم، لأنه لا يستقيم أمر المؤمنين إلا برسول الله، فلو بسط الكفار أيديهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكان معنى ذلك بسط أيديهم على الكل. ويأتي التاريخ المحمدي بأمور يبسط فيها الكافرون أيديهم بالأذى إلى رسول الله وإلى المؤمنين ويكف الله أيديهم ويمكر بهم أي يجازيهم على ذلك بالعقاب. والمكر - كما نعلم - هو الشجر الملتف بعضه على بعضه الآخر حيث لا نعرف أي ورقة تنمو من أي جذع أو فرع. والمكر في المعاني هو التبييت في خفاء. وهو دليل ضعف لا دليل قوة. فالأقوياء يواجهون ولا يبيتون؛ ولذلك يقال: إن الذي يكيد لغيره إنما هو الضعيف؛ لأن الإنسان الواضح الصريح القادر على المواجهة هو القوي. ونجد البعض يجعل ضعف النساء دافعا لهن على قوة المكر استنادا لقول الحق: {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76] وإلى قول الحق: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28] فلا يكيد إلا الضعيف. ومن لا يقدر على المواجهة فهو يبيت، ولو كان قادراً على المواجهة لما احتاج إلى ذلك. وقد يمكر البشر ويبيتون بخفاء عن غيرهم. لكنهم لا يقدرون على التبييت بخفاء عن الله، لأنه عليم بخفايا الصدور. وأمر الحق في التبييت أقوى من أمر الخلق؛ لذلك نجد قوله سبحانه: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] ولنلحظ أن تبييت الله خير. وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُعلم أعداء الإسلام أنه بعد هذا التبييت لن تنالوا من رسولي، لن تنالوا منه بكل وسائلكم سواء أكانت تعذيباً لقومه أم تبييتا له. وعلى الرغم من أنهم بيتوا كثيراً إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من بيته في مكة إلى المدينة وهم نائمون: {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس: 9] ونجد العجب في كف أيدي الكافرين عن رسول الله. فكل أجناس الوجود قد اشتركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أكانت تلك الأجناس جماداً أم نباتاً أم حيواناً أم إنساناً، نثر رسول الله التراب وهو جماد فأغشي به الكافرين، وصار التراب من جنود الله. وها هي ذي أسماء بنت أبي بكر تحمل الطعام لهم في الغار وهي ترعى الغنم، والأغنام تجد الحشائش فترعاها وتزيل الأثر الذي أحدثه ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد اشترك النبات في كف أيدي الكافرين عن رسول الله، وكذلك الأغنام وهي من الحيوان، وكذلك فرس سراقة التي ساخت وغاصت قوائمها في الأرض، ثم الحمامة التي بنت عشها على الغار، وكذلك العنكبوت الذي بنى بيته على الغار، ورضخت كل جنود الله لأمر الله فشاركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأعجب من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد كف أيدي الكافرين بالكافرين، فالرسول الذي جاء ليهدي الخلق ويسير بهم إلى النور من الظلمات، نجد الذي يهديه في طريقه إلى المدينة هو أحد الكفار. وهكذا نرى أن هداية المعاني تستخدم هداية المادة، والرسول هو الحامل لهداية المعاني يستخدم هداية المادة ممثلة في ذلك الكافر. ونعرف أن من جنود الإسلام في دار الهجرة كان اليهود - برغم أنوفهم - ألم يقولوا للأوس والخزرج: سيأتي من بينكم نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم؟ فلما سمع الأوس والخزرج أن نبياً ظهر في مكة، قالوا: هذا هو النبي الذي توعدتنا به اليهود، فلا يسبقنكم إليه، فسبقوا إليه وأسلموا وبايعوه، فقد ورد أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم. ثم كانت المدينة داراً للهجرة. هكذا نرى الباطل يخدم الحق، والكفر يخدم الإيمان، فها هوذا عبدالله بن أريقط - وكان كافراً - يضع نفسه كدليل للرسول وصاحبه أثناء الهجرة ولا ينظر إلى الجُعْل الذي رصدته قريش لمن يأتيها بمحمد. هكذا نجد أن كف الأيدي كانت له صور كثيرة. وقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشياء ومواقف رآها الصحابة، ونشأت له خوارق من الحق سبحانه وتعالى تؤيد صدقه، وشاهد تلك الخوارق بعض الصحابة ولا نقول عنها معجزات؛ لأن معجزة الإسلام إلى قيام الساعة هي القرآن. ولكن رسول الله لم تخل حياته من بعض المعجزات الكونية مثل التي حدثت لغيره من الرسل. وأرادها الحق لا للمسلمين عموماً ولكن شاهدها بعضهم كما شاهدها بعض الكفار؛ لأن رسول الله كان في حاجة إلى أن يؤكد له الله أنه رسول الله. فها هوذا سيدنا جابر بن عبدالله يقول: "حديث : كان بالمدينة يهودي وكان يسلفني في تمري إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض التي بطريق رومة فجلست فخلا عاما فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجذ منها شيئا، فجعلت استنظره إلى قابل فيأبى فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي، فجاءوني في نخلي فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلم اليهودي فيقول: أبا القاسم لا أُنظره، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل ثم جاءه فكلمه فأبى؛ فقمت فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكل ثم قال: أين عريشك يا جابر، فأخبرته فقال: افرش لي فيه ففرشته، فدخل فرقد ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرطاب في النحل الثانية ثم قال: يا جابر، جذ واقض؛ فوقف في الجذاذ فجذذت منها ما قضيته وفضل منه فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته فقال: أشهد أني رسول الله ". تفسير : مثال آخر: كان الماء قليلاً عند قوم من الصحابة فيغمس رسول الله يده في الماء ويشرب كل الناس. وهل يجرؤ أحد من الذين رأوا تلك المعجزة أن يجادل فيها؟ طبعاً لا، لكن هل هذه المعجزة لنا؟ إن وثقنا فيمن أخبر فلن نستكثر على الله أن يكثر الماء لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن نحن نعلم أن الله قد تكفل بحفظ القرآن ليكون هو المعجزة الباقية فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وقال: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. وقد ثبت أن رسول الله جمع قليلا من الزاد ودعا ما شاء الله أن يدعو وأطعم به جيشا. والذي عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يصدق تلك المعجزات أو لا يصدقها، ولكن على المؤمن الذي علم مقام ومكانة الرسول عند ربه، أن يصدق تلك الخوارق متى ثبت ذلك بطريق يقيني قطعي، ولذلك لا ضرورة لإقامة الجدل مع هؤلاء الذين ينكرون المعجزات الكونية. ونقول لهم: ليس أحدكم مسئولا بهذه المعجزات، أنت مسئول بمعجزة القرآن فقط. والخوارق التي وقعت إما أن تكون بغرض تثبيت رسول الله مصداقا لقوله الحق: {أية : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [الفرقان: 32] وإما أن تكون لتثبيت أصحاب رسول الله؛ فقد كانت الأهوال تمر عليهم وتزلزلهم: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} تفسير : [الأحزاب: 11] وكان لا بد أن ترسل السماء لهم أيات لتثبت أقدامهم في الإيمان. والخلاصة أن كل الخوارق الكونية التي حدثت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المقصود بها عامة المسلمين، ولكن المقصود بها من وقعت له أو وقعت أمامه، ونفض بذلك أي نزاع حول تلك الخوارق؛ لأن المعجزة الملزمة للجميع هي كتاب الله سبحانه وتعالى. وقد همّ بالأذى كثير من أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم. ألم ترد امرأة من اليهود أن تسمّه وكف الله يديها؟ وحكاية بني النضير الذين أرادوا أن يلقوا عليه الحجر، فقام قبل أن يلقى مندوب بني النضير الحجر عليه صلى الله عليه وسلم. حديث : وها هوذا صفوان بن أمية له ثأر عند رسول الله من غزوة بدر يستأجر عمير ابن وهب الجمحي ويقول له: اذهب إلى المدينة واقتل محمداً وعليّ دينك، أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا. ويذهب عمير إلى المدينة ويدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا إليه - وكان له ابن أسير لدى المسلمين - قال: فما بال السيف في عنقك؟ فقال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا؟ قال: أصدقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبيني فقال عمير. أشهد أنك رسول الله. قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي. وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما آتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ". تفسير : ومثال آخر: ما رواه سيدنا جابر - رضي الله عنه - في غزوة ذات الرقاع. "حديث : قال: جاء رجل يقال له غورث بن الحارث فقام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله. فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال: (ومن يمنعك مني)؟ فقال: كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس ". تفسير : وعندما سمع الرجل لأول مرة أن الله هو الذي يمنع الرسول منه وقع السيف من يده، ذلك أن ذرات الكفر في الرجل تزلزلت وعاد إلى إيمان الفطرة، وعندما أمسك النبي بالسيف وسأل الرجل: من يمنعك مني؟ لم يقل الرجل: "هبل" أو "اللات" أو "العزى" فالرجل يعلم أن مسألة الأصنام كذب في كذب، ولو كان مؤمناً بآلهته لقال أحد أسمائها. وعندما تزلزلت ذرات الكفر في كيانه عاد إلى الفطرة الأولى التي لا تكذب أبداً. وإن كذب الإنسان على الناس جميعاً لا يكذب على نفسه. وكلمة "الله" هي التي زلزلت كفر الرجل وأعادته إلى الحق. وفي معركة بدر نجد أن سيدنا أبا بكر الصديق كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما ابنه عبد الرحمن كان مع الكفار، وبعد أن أسلم ابنه بفترة جلس الولد مع أبيه يتسامران، فقال الابن: لقد رأيتك يوم أحد فصدفت عنك فقال أبو بكر: لكني لو رأيتك ما صدفت عنك. فقد رأى ابن أبي بكر والده ولم يقتله، ولاشك أن مقارنة نفسية باطنية فكرية قد حدثت بين معزة أبيه وبين مكانة هبل أو تلك الحجارة، وعرف ابن أبي بكر أن والده أفضل بكثير من تلك الأحجار. ولكن أبا بكر حينما يقول: ولو كنت رأيتك لقتلتك، فالمقارنة النفسية هنا تكون بين الإيمان بالله وبين الابن، ومن المؤكد أن الإيمان يغلب في نفس أبي بكر. وكل من أبي بكر وابنه كان منطقيا مع نفسه. ومثال آخر: "حديث : عن جابر بن عبدالله أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - قبل نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم - قفل معه فأدركتهم القائلة - شدة الحر في وسط النهار - في وادٍ كثير العضاة - شجر عظيم له شوك - فنزل رسول الله، وتفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سَمُرَة فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله. فها هوذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". تفسير : ولماذا حدث ذلك؟ لأن الفطرة المستلهمة بدون تدخل من أحد تنضح بالإيمان. وها نحن أولاء نرى الصحابة في العهد الأول حينما اضطهدوا في مكة وهاجروا هحرتهم الأولى إلى الحبشة؛ هل ذهبوا إليها خبط عشواء؟ أو ذهبوا بتخطيط نبوي كريم؟ لقد درس النبي أولاً الأرض التي تصلح لاستقبالهم ويقبلهم فيها أهلها كمهاجرين. ودرس النبي أوضاع الجزيرة العربية ووجد أن قريشا تتمكن من كل قبيلة في الجزيرة العربية عندما يأتي موسم الحج؛ لذلك لن توجد القبيلة التي تحمي المهاجرين فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه ". تفسير : وبالفعل ذهب المسلمون إلى الحبشة مهاجرين. وحاولت قريش أن تسترد المسلمين من أرض النجاشي. وأرسلت قريش بعثة لاستردادهم ورفض النجاشي. وسمع النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أنه النبي الذي بشر به الإنجيل. ولاشك أن النجاشي قد أسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي عندما مات. وكان إسلام النجاشي مكافأة له من الله؛ لأنه حمى المؤمنين بالله وبرسوله عنده. وما أعظم المكافأة التي نالها النجاشي أن يموت على الإسلام وأن يصلي عليه سيدنا رسول الله صلاة الغائب. إن كل هذا من كف أيدي الكافرين عن المؤمنين وعن رسول الله، ومن أجل أن يثبت الحق للجميع أن المؤمنين على حق وأن الله لن يخذلهم، فلا يخطر ببال المؤمنين أن عدوهم أقوى منهم؛ فالله أقوى من خلقه: {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} وكف أيدي الكافرين عن المؤمنين لأنه - سبحانه - يعد المؤمنين ليكونوا حملة منهجه إلى الخلق. ولذلك يجب أن يداوم المؤمنون على تكاليف الإيمان وتقوى الله ليكف الله أيدي الكافرين عنهم، فلا يتغلب كافر على مؤمن في لحظة من اللحظات إلا إذا كان المؤمن قد تخلى عن شيء في منهج الله؛ لأن الحق لا يقول قضية قرآنية ثم يترك القضايا الكونية التي تحدث في الحياة لتنسخ هذه القضية القرآنية. لقد قال: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173] إذن فعندما ترى جنداً من المسلمين قد انهزموا فلتعلم أنهم قد تخلوا عن منهج الله فتخلى الله عنهم، بدليل أن بعضاً من المسلمين ساعة لم ينفذوا ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم غلبهم الكفار، فالله لا يغير سنته من أجل أناس نُسبوا إليه ولم ينفذوا تعاليم منهجه. والحق يقول: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 7] ويقول سبحانه: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] إنك إن انتسبت إلى الإسلام فيجب أن تنتسب إلى الإسلام بحق، وإن رأيت المؤمنين قد دخلوا معركة وانهزموا فلتبحث مصادر تخليهم عن منهج الحق، فسبحانه يقول: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 146-148] لقد أصاب المقاتلين مع النبي شيء، فلم يضعفوا ولكنهم صبروا وطلبوا من الحق أن يغفر لهم ذنوبهم، لقد عرفوا مصادر ضعفهم واستعانوا بالله على هذا الضعف، فماذا فعل الله لهم؟. نصرهم سبحانه بأن آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين. وكل ذلك السلوك الإيماني الذي يقي من الهزيمة وكيد العدو، هو من تقوى الله، حتى يظل المؤمنون في معية الله. وعندما يكون المسلم في معية الله لا يجرؤ خلق من خلق الله أن ينال منه. وننظر إلى الهجرة كمثال لذلك؛ لنجد أن سيدنا أبا بكر كان حريصاً على حماية النبي صلى الله عليه وسلم. فعن أنس بن مالك قال: "حديث : لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر: يا رسول الله دعني فَلا دخُل قبلك فإن كانت حيّة أو شيء كانت لي قبْلك. قال: ادخل: فدخل أبو بكر فجعل يلتمس بيديه فكلما رأى جُحراً جاء بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، قال: فبقي جحر فوضع عقبه عليه ثم أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأين ثوبك يا أبا بكر؟" فأخبره بالذي صَنع فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة" فأوحى الله تعالى إليه "إن الله قد استجاب لك ". تفسير : ويرى أبو بكر الكفار وهم يمرون أمام الغار فيقول لرسول الله: "حديث : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ". تفسير : وفي ذلك رد كامل؛ لأن الاثنين في معية الله، ومادام المؤمن في معية من لا تدركه الأبصار فلن تدركه الأبصار، كيف؟. نحن لا نعرف كل أسرار الله ولكنه القادر الأعلى. وفي حياة البشر نجد الطفل الصغير قد يخرج بمفرده فيصيبه غيره من الأطفال بالضرر؛ ولكن إذا خرج الطفل مع عائله، مع أبيه مثلاً أو مع أخيه الأكبر، فالأطفال لا يقتربون منه؛ فما بالنا ونحن جميعاً عيال الله؛ وماذا يحدث عندما نتشبث بمعية الله؟. إذن فتقوى الله هي التي تجعل المؤمن في معية ربه طَوال الوقت. ومن يُرِدِ المؤمن بسوء فإن جنود الله تحمي المؤمن. ويذيل الحق الآية: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. وإياكم أن تقولوا: إننا بلا عَدَد أو عُدَّة. إنك مسئول أن تعد ما تقدر عليه وتستطيعه وأترك الباقي لله: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} تفسير : [الأنفال: 60] ويقول التاريخ الإيماني لنا إنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. وقد يقول قائل: هذه المسألة مادية تحتاج إلى عدد وعُدد. ونرد: إن الحق قد طالب بأن نعد ما نستطيعه لا فوق ما نستطيعه. وهو سبحانه عنده من الجند اللطيف الخفيّ الدقيق الذي لا يُرى: {أية : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [الأنفال: 12] ومادام الله قد ألقى الرعب في قلوب الأعداء فالمسألة تنتهي ولا تفلح عُدد أو عَدَد. ويكون التوكل على الله بعد أن يعد الإنسان ما يستطيعه وهو الاستكمال الفَعَّال للنصر، ولنعلم أن التوكل غير التواكل. إن المتوكل على الله يقتضي أن يعلم الإنسان أن لكل جارحة في الإنسان مهمة إيمانية، أن تطبق ما شرع الله؛ فالأذن تسمع، فإن سمعت أمراً من الحق فأنت تنفذه، وإن سمعت الذين يلحدون في آيات الله فأنت تعرض عنهم. واللسان يتكلم، لذلك لا تقل به إلا الكلمة الطيبة؛ فلكل جارحة عمل، وعمل جارحة القلب هو اليقين والتوكل، ولنتذكر أن السعي للقدم، والعمل لليد والتوكل للقلب، فلا تنقل عمل القلب إلى القدم أو اليد؛ لأن التوكل الحقيقي أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب، وكم من عاملٍ بلا توكل فتكون نتيجة عمله إحباطاً. إننا نجد الزارع الذي لا يتوكل على الله ينمو زرعه بشكل جيد ومتميز ثم تهب عليه عاصفة أو يتغير الجو فيصيبه الهلاك وتكون النتيجة الإحباط. واحذر إهمال الأسباب؛ أو أن تفتنك الأسباب؛ لأنك إن أهملت الأسباب فأنت غير متوكل بل متواكل. تنقل عمل القلب إلى الجوارح. وإذا قال لك واحد: أنا لا أعمل بل أتوكل على الله، قل له: هيا نر كيف يكون التوكل. وأحضر له طبق طعام يحبه. وعندما يمد يده إلى الطعام، قل له: اترك الطعام يقفز من الطبق إلى فمك. ويجعل الحق سبحانه وتعالى من قصص الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتاً للإيمان وتربية للأسوة وإنماء لها، حتى لا يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفعله اليهود أو المشركون، فإن كان قد حدث معك - يا محمد - شيء من هذا الإنكار والإيلام، فقد حدث الكثير من تلك الأحداث مع الرسل من قبلك، فيقول سبحانه: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما شرعه لعباده المؤمنين في هذه السورة الكريمة من الأحكام، ومن أعظمها بيان الحلال والحرام، ذكر هنا نعمته عليهم بالهداية إِلى الإِسلام ودفع الشرور عنهم والآثام، ثم أعقبه ببيان نعمته تعالى على أهل الكتاب "اليهود والنصارى" وأخذه العهد والميثاق عليهم ولكنهم نقضوا العهد فألزمهم الله العداوة والبغضاء إِلى يوم القيامة، ثم دعا الفريقين إِلى الاهتداء بنور القرآن، والتمسك بشريعة خاتم المرسلين، وترك ما هم عليه من ضلالات وأوهام. اللغَة: {نَقِيباً} النقيب: كبير القوم الذي يبحث عن أحوالهم ومصالحهم فهو كالكفيل عن الجماعة {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} التعزير: التعظيم والتوقيرْ {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} قصد الطريق ووسطه {قَاسِيَةً} صلبة لا تعي خيراً والقاسية والعاتية بمعنى واحد {خَآئِنَةٍ} خيانة ويجوز أن يكون صفة للخائن كما يقال: رجل طاغية وراوية للحديث {فَأَغْرَيْنَا} هيجنا وألزمنا مأخوذٌ من الغِراء، وغَري بالشيء إِذا لصق به {فَتْرَةٍ} انقطاع {يَتِيهُونَ} التيه: الحيرة والضياع. سَبَبُ النّزول: أراد بنو النضير أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى وأن يغدروا به وبأصحابه فأنزل الله {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ..} الآية. التفسِيْر: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا فضل الله عليكم بحفظه إِياكم من أعدائكم {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي يبطشوا بكم بالقتل والإِهلاك {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} أي عصمكم من شرهم وردَّ أذاهم عنكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي فليثقْ المؤمنون بالله فإِنه كافيهم وناصرهم، ثم ذكر تعالى أحوال اليهود وما تنطوي عليه نفوسهم من الخيانة ونقض الميثاق فقال {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي عهدهم المؤكد باليمين {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} أي وأمرنا موسى بأن يأخذ اثني عشر نقيباً - والنقيبُ كبير القوم القائم بأمورهم - من كل سبطٍ نقيبٌ يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بالعهد توثقةً عليهم قال الزمخشري: لما استقر بنو إِسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالسير إِلى "أريحاء" بأرض الشام كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقال لهم: إِني كتبتها لكم داراً وقراراً فجاهدوا من فيها فإِني ناصركم، وأمر موسى بأن يأخذ من كل سِبْطٍ نقيباً فاختار النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعثهم يتجسّسون الأخبار فرأوا قوماً أجسامهم عظيمة ولهم قوةٌ وشوكة فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم وكان موسى قد نهاهم أن يتحدثوا بما يرون فنكثوا الميثاق وتحدثوا إِلا إِثنين منهم {وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} أي ناصركم ومعينكم {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ} اللام للقسم أي وأقسم لكم يا بني إِسرائيل لئن أديتم ما فرضتُ عليكم من إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة {وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي وصدقتم برسلي ونصرتموهم ومنعتموهم من الأعداء {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي بالإِنفاق في سبيل الخير ابتغاء مرضاة الله {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي لأمحونَّ عنكم ذنوبكم، وهذا جواب القسم قال البيضاوي: وقد سدَّ مسدَّ جواب الشرط {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي تجري من تحت غرفها وأشجارها أنهار الماء واللبن والخمر والعسل {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي من كفر بعد ذلك الميثاق، فقد أخطأ الطريق السويّ وضلّ ضلالاً لا شبهة فيه {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ} أي بسبب نقضهم الميثاق طردناهم من رحمتنا {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي جافة جافية لا تلين لقبول الإِيمان {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} قال ابن كثير: تأولوا كتابه - التوراة - على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا على الله ما لم يقلْ، ولا جُرْم أعظمُ من الاجتراء على تغيير كلام الله عز وجل {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي تركوا نصيباً وافيا مما أُمروا به في التوراة {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} أي لا تزال يا محمد تظهر على خيانةٍ منهم بنقض العهود وتدبير المكايد، فالغدرُ والخيانة عادتُهم وعادةُ أسلافهم إِلا قليلاً منهم ممن أسلم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي لا تعاقبهم واصفح عمن أساء منهم، وهذا منسوخ بآية السيف والجزية كما قال الجمهور {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} أي ومن الذين ادعوا أنهم أنصار الله وسمّوا أنفسهم بذلك أخذنا منهم أيضاً الميثاق على توحيد الله والإِيمان بمحمد رسول الله {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} أي فتركوا ما أُمروا به في الإِنجيل من الإِيمان بالأنبياء ونقضوا الميثاق {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي ألزمنا وألصقنا بين فِرَق النصارى العداوة والبغضاء إِلى قيام الساعة قال ابن كثير: ولا يزالون متباغضين متعادين، يكفِّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، وكل فرقةٍ تمنع الأخرى دخول معبدها.. وهكذا نجد الأمم الغربية - وهم أبناء دين واحد - يتفنّن بعضهم في إِهلاك بعض، فمن مخترعٍ للقنبلة الذرية إِلى مخترع للقنبلة الهيدروجينية وهي مواد مدمّرة لا يمكن أن يتصور العقل ما تحدثه من تلفٍ بالغ وهلاك شامل {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [التوبة: 85] ثم قال تعالى {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تهديد لهم أي سيلقون جزاء عملهم القبيح {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} الخطاب لليهود والنصارى أي يا معشر أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الحق يبيّن لكم الكثير مما كنتم تكتمونه في كتابكم من الإِيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة وغير ذلك مما كنتم تخفونه {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي يتركه ولا يبيّنه وإِنما يبيّن لكم ما فيه حجة على نبوته وشهادة على صدقه، ولو ذكر كل شيء لفضحكم قال في التسهيل: وفي الآية دليل على صحة نبوته لأنه بيّن ما أخفوه في كتبهم وهو أميٌّ لم يقرأ كتبهم {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} أي جاءكم نور هو القرآن لأنه مزيل لظلمات الشرك والشك وهو كتاب مبين ظاهر الإِعجاز {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} أي يهدي بالقرآن من اتبع رضا الله طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ} أي يخرجهم من ظلمات الكفر إِلى نور الإِيمان بتوفيقه وإرادته {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو دين الإِسلام، ثم ذكر تعالى إِفراط النصارى في حق عيسى حيث اعتقدوا ألوهيته فقال {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي جعلوه إِلهاً وهم فرقةٌ من النصارى زعموا أن الله حلَّ في عيسى ولهذا نجد في كتبهم "وجاء الرب يسوع" وأمثاله، ويسوع عندهم هو عيسى {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي قل لهم يا محمد لقد كذبتم فمن الذي يستطيع أن يدفع عذاب الله لو أراد أن يهلك المسيح وأمه وأهل الأرض جميعاً؟ فعيسى عبد مقهور قابلٌ للفناء كسائر المخلوقات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية ولو كان إِلهاً لقدر على تخليص نفسه من الموت {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي من الخلق والعجائب {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي هو قادر على أن يخلق ما يريد ولذلك خلق عيسى من غير أب {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي لا يعجزه شيء، ثم حكى عن اليهود والنصارى افتراءهم فقال {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أي نحن من الله بمنزلة الأبناء من الآباء ونحن أحباؤه لأننا على دينه قال ابن كثير: أي نحن منتسبون إِلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}؟ أي لو كنتم كما تدَّعون أبناءه وأحباءه فلم أعدَّ لكم نار جهنم على كفركم وافترائكم؟ {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي أنتم بشر كسائر الناس وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي يغفر لمن شاء من عباده ويعذب من شاء لا اعتراض لحكمه ولا رادَّ لأمره {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه وإِليه المرجع والمآب، ثم دعاهم إِلى الإِيمان بخاتم المرسلين فقال {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي يا معشر اليهود والنصارى لقد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم يوضّح لكم شرائع الدين على انقطاع من الرسل ودروسٍ من الدين، وكانت الفترة بين عيسى ومحمد ومدتها خمسمائة وستون سنة لم يُبعث فيها رسول {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} أي لئلا تحتجوا وتقولوا: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} هو محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قال ابن جرير: أي قادرٌ على عقاب من عصاه وثواب من أطاعه، ثم ذكر تعالى ما عليه اليهود من العناد والجحود فقال {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكر يا محمد حين قال موسى لبني إِسرائيل يا قوم تذكّروا نعمة الله العظمى عليكم واشكروه عليها {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} أي حين بعث فيكم الأنبياء يرشدونكم إِلى معالم الدين وجعلكم تعيشون كالملوك لا يغلبكم غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين فأنقذكم منه بإِغراقه قال البيضاوي: لم يُبعث في أمةٍ ما بعث في بني إِسرائيل من الأنبياء {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} أي من أنواع الإِنعام والإِكرام من فلق البحر وتظليل الغمام وإِنزال المنّ والسلوى ونحوها {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قال البيضاوي: هي أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ومعنى {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي التي وعدكموها على لسان أبيكم اسرائيل وقضى أن تكون لكم {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} أي ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من الجبابرة قال في التسهيل: روي أنه لما أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها وهمّوا أن يرجعوا إِلى مصر {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} أى عظام الأجسام طوال القامة لا قدرة لنا على قتالهم وهم العمالقة من بقايا عاد {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي لن ندخلها حتى يسلّموها لنا من غير قتال {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} أي لا يمكننا الدخول ما داموا فيها فإِن خرجوا منها دخلناها {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي فلما جبنوا حرضهم رجلان من النقباء ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه وفيهما الصلاح واليقين {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} أي قالا لهم لا يهولنكم عِظَم أجسامهم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فإِذا دخلتم عليهم باب المدينة غلبتموهم بإِذن الله {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي اعتمدوا على الله فإِنه ناصركم إِن كنتم حقاً مؤمنين {قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} وهذا إِفراط في العصيان ومع سوء الأدب بعبارةٍ تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الصحابة الأبرار الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إِسرائيل ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إِنّا معكما مقاتلون؟! {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي قال موسى حينذاك معتذراً إِلى الله متبرءاً من مقالة السفهاء: يا ربّ لا أملك قومي، لا أملك إِلا نفسي وأخي هارون فافصل بيننا وبين الخارجين عن طاعتك بحكمك العادل {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ} استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التّيه أربعين سنة والمعنى: قال الله لموسى إِن الأرض المقدسة محرم عليهم دخولها مدة أربعين سنة يتيهون في الأرض ولا يهتدون إِلى الخروج منها {فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا تحزن عليهم فإِنهم فاسقون مستحقون للعقاب قال في التسهيل: روي أنهم كانوا يسيرون الليل كله فإِذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه. البَلاَغَة: 1- {أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بسط الأيدي كناية عن البطش والفتك، وكف الأيدي كناية عن المنع والحبس. 2- {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ} فيه التفات عن الغيبة إِلى المتكلم ومقتضى الظاهر وبعث وإِنما التفت اعتناءً بشأنه. 3- {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} فيه استعارة استعار الظلمات للكفر والنور للإِيمان. 4- {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} فيه تشبيه بليغ أي كالملوك في رغد العيش وراحة البال فحذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 5- الطباق بين {يَغْفِرُ.. وَيُعَذِّبُ}. 6- {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} جملة اعتراضية لبيان فضل الله على عباده الصالحين. الفوَائِد: الأولى: إِنما سميت الأرض المقدسة أي المطهرة لسكنى الأنبياء المطهرين فيها فشرفت وطهرت بهم فالظرف طاب بالمظروف. الثانية: قال بعض العارفين لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ولم يردّ عليه فتلا عليه هذه الآية {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} ففي الآية دليل على أن المحب لا يعذب حبيبه ذكره ابن كثير.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يُذَكِّر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وأنهم -كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمةً - فليعدوا أيضا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم نعمة. فإنهم الأعداء، قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون عليه. فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من هَمَّ بالمؤمنين بشر، من كافر ومنافق وباغ، كف الله شره عن المسلمين، فإنه داخل في هذه الآية. ثم أمرهم بما يستعينون به على الانتصار على عدوهم، وعلى جميع أمورهم، فقال: { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم، ويثقوا بالله تعالى في حصول ما يحبون. وعلى حسب إيمان العبد يكون توكله، وهو من واجبات القلب المتفق عليها.
همام الصنعاني
تفسير : 684- معمر، عن الزّهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً، وتفرَّق الناسُ [تحت] العضاه يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فعَلقَ النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرةٍ، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه، فسَلَّه، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، قال الأعرابي مرتين أو ثلاثة: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي، والنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "الله"، فشام الأعرابي السيف، ودعا النبي صلى الله وعليه وسلم أصحابه، فأخبرهم بخبر الأعرابي وهُوَ جالسٌ إلى جنبه لم يعاقبه. قال مَعْمر: فكان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أنَّ قوماً مِنَ العربِ أرادُوا أن يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي ويتأوّل: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ...}تفسير : : [الآية: 11].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):